 نصوص أدبية

ناجي ظاهر: جامع العبوات

ناجي ظاهرالتقيت به أول مرة في مركز البلدة، بعدها بت اراه في كل مكان. حينًا في الحي الشرقي وآخر في حارة الروم..، مرة التقي به في حارة الصفافرة واخرى في جبل القفزة. في كل مرة التقي به يرسل نحوي نظرة غامضة من عينين يعلوهما حاجبان يشبهان قوسين خلقهما الباري لإطلاق النظرات الصاخبة الحية. أنا لم اولد فقيرًا. الحياة جعلتني فقيرًا. لا تلمني أنا انما اريد ان اعيش.. أن ابني بيتًا وأن اتزوج امرأةً جميلة تنجب لي طيور الجنة.. الاطفال. كم من مرة حاولت ان اقترب منه إلا انه فرّ كما تفرّ يمامة من صياد متربص...

مثلما افعل دائمًا في مواقف كهذه لا تخلو من احراج، فضلت الابتعاد عنه واستراق النظر اليه وهو يتناول العبوة اثر العبوة والزجاجة تلو اخت لها تائهة، كان يوحد بين ما يجمعه من عبوات وزجاجات فارغة كيس واحد يحمله بيده، يحاول أن يخفيه عن الانظار قدر الامكان. بالضبط مثلما كان يحاول اخفاء ملابسه الرثة المهلهلة المتعبة مما طالها من مزق ورتق.

كثيرًا ما سألت نفسي مَن هذا الشخص، فقد كنت اشعر انه كان واحدًا من المارين في حياتي، إلا انني لم اكن اعرف أين ومتى. هل تزاملت معه في احد الصفوف الدراسية الاولى؟ هل تجاورنا في احد احياء الناصرة، خلال احدى تنقلاتنا القسرية، نحن ابناء العائلة المهجرة، في احيائها؟ السؤال كان ينطح السؤال دون ان احظى بإجابه. ماذا تراني افعل لأحظى بإجابه تريح العين وتهدئ الذاكرة؟ يزيد في تساؤلاتي هذه انني كلما اقترب منه يبتعد، موحيًا انه مشغول ويجري في مناكبها.. ولا وقت لديه لعابر يتلهى بآلامه..

تمر الايام سريعة مندفعة اندفاعة طائر قلق تلاحقه بنادق الحياة، واكاد انسى ذلك الرجل.. جامع العبوات الفارغة، فأنا لا اراه. إلى أين تراه ولّى؟ بعد ايام من الغياب المحه يمد يده إلى عبوة علقت بين حشائش شائكة، انه يعاني في استخراجها.. اود لو انني امد يدي لمساعدته، وقبل أن افعل.. أرى يدًا بضةً طريةً تمتد للمساعدة، انها يد امرأة يتعاون الاثنان على استخراج تلك العبوة المستعصية. يتمكنان اخيرًا من الحصول عليها.. يبتسم كل منهما للآخر.. لقد نجحنا وسوف ننجح.. لن تغلبنا عبوة فارغة.

يحمل كل منهما هما، الرجل والمرأة، بيده كيسًا تتراكم فيه العبوات الفارغة ويمضيان في طريقهما. يغيبان مخلفين وراءهما العديد من الاسئلة.. ترى أيكون قد تمكن اخيرًا من جمع ما اراد من المال ليرتبط بامرأة توافقه الهوى والعبوات؟ هل هي زوجته؟ حاول ان تسأله.. بأي حق احاول.. الا يحتمل ان يغضبه سؤالي ويعتبره تدخلًا فيما لا يعنيني؟ بلى.. بلى هذا هو الاحتمال الاقرب الى التوقع. طيب وانت لماذا تريد ان تعرف مَن تلك المرأة؟ لا أعرف لدي رغبة في حب الاستطلاع.. هو.. ولا احد سواه خلقها واوجدها..

ابلع ذلك السؤال وامضي. يمر الوقت وأراه وحيدًا يجمع العبوات، لكن هذه المرة بحماس لم اعهده منه طوال مواكبتي له في شوارع بلدتنا القديمة والجديدة ايضا. يلفت نظري عزمه على جمع العبوات بقوة خارقة. أنظر اليه وهو يدخل يده الى عليقة تألقت في اعماقها عبوة تنادي عشاقها وفي الآن ذاته تتمنع عليهم... على من يريد ان يحظى بأزهاري ان يدفع مهرها كاملًا غير منقوص. واستمع اليه يخاطبها ستكونين لي يعني ستكونين لي. رضيت ام ابيت ستساهمين في مقابل كيس حليب لصغيري. لن اتركك الا بعد حصولي عليك.. إلى أين ستطيرين؟ وتطير تلك العبوة بعيدًا عن مدى وصلت اليه أصابع يده.. انها تبتعد وتقترب في الآن ذاته.. هل تقصدين تعذيبي؟ المنظر يجذبني أكثر فأكثر. اقرّر هذه المرة ان ادعه يواجه تلك العبوة وحيدًا لأرى ماذا بإمكانه ان يفعل.. ثم من يضمن لي أن تكون تلك المرأة.. رفيقته.. قريبة منه فأظهر وكأنما انا اقترب منها للتحرش بها؟ اغيب في توجساتي وافكاري هذه، ولا يحضرني منها سوى مشهد قد يكون من أغرب ما رأيته من مشاهد.. انظر إليه فأراه يستدير باتجاه تلك العُلّيقة.. يستدير بشكل معاكس لها ويدخل رجله في اعماقها غير عابئ برؤوس اشواكها وهي تنغرس في لحمه مفجرةً منه الدماء.. كان مصممًا على استخراج تلك العبوة بأي حال ومهما غلا الثمن.. سددت نظرة متفحصة إلى وجهه.. كانت عيناه تحت قوسيهما المتغضنين ترسلان نظرة تحدٍ.. تدرك تمام الادراك انهما ستكونان في النهاية من الفائزين.. وهذا ما حدث.. تمكن اخيرًا من استخراج تلك العبوة وعلت وجهه علامة نصر لم ارَ عليه مثلها من قبل.. تناول تلك العبوة وراح يخاطبها لماذا تستعصين عليّ كل هذا الاستعصاء.. انا احبك واريدك.. انت ستدخلين الفرحة او بعض الفرحة إلى بيتي.. على كل حال شكرًا انك انصعت لي في النهاية.. تعالي يا جميلتي.. تعالي انا اكثر واحد في العالم رغبة بك.. ولا احد يستحقك اكثر مني.. تعالي يا زهرتي الجميلة.

اغمض عيني.. ارى ذلك الرجل.. افتحهما يختفي.. إلى أين ذهب؟ لا ادري.. لقد اختفى ابتلعته الارض.. صار ارض بلدتي.

 

قصة بقلم: ناجي ظاهر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5440 المصادف: 2021-07-28 03:59:53


Share on Myspace