 نصوص أدبية

الحسين بوخرطة: استغفال

الحسين بوخرطةفي ليلة بطقس شتاء من أعلى الليالي قسوة، تكدر مزاج فارس، المسجى على فراشه الأرضي في غرفة دارته القروية. أشعل الفانوس، وابتأس من أوضاع نوم إخوانه وأخواته الكثر الشبيهة بافتراش الثرى. أحس كأن رأسه انفصل عن جسده بسبب اشتداد صراع حواسه وتناقضات تفكيره المخلخلة لمعتقداته. غادر النوم أجفانه، واستسلم لآلام نوستالجيا السنوات الفارطة.

تذكر عطايا أبيه لما يسمى الشرفاء من الفرق العيساوية آكلي أشواك نبات الصبار، وأولاد احمر شاربي الماء المغلي. استرجع بالتفاصيل مصاريف الليلة التي يحييها الأب لهؤلاء كل موسم حصاد. لم يستسغ ما يراكمه رؤساء هذه الفرق من مال كل سنة.

قفز منسلا من الفراش رافسا الغطاء برجليه. جهز البغلة بلوازمها المعتادة. اختلس من مخزن أبيه قنطارا من القمح الصلب. وضعه على البغلة وتوجه على الساعة الثالثة صباحا إلى المدنية.

بعد ساعتين، أوقف البغلة بحمولتها بعيدة بأمتار عن منزل النقابي العمالي أبو نضال. تسللت الرهبة إلى قلبه، لم يدر في خلده إلا مروءة ومواقف هذا الرجل الفذ الذي يعمل معه كمياوم في ضيعة الإقطاعي العمراني. لم يفكر في فعلته وما اجترحه من ذنب مفترض، أرن الجرس، وخرج أبو نضال متوجسا ومرتبكا يفرك في عينيه. تعانقا بحرارة، همس له فارس بكلمات معدودات، ونادى البغلة مسعودة، فهبت في اتجاه الباب. زم أبو نضال شفتيه وفرك يديه، طوى ركبتيه وجلس على كعبي رجليه، وضع راحة يده اليمنى على جبينه، فانهمرت عيناه دموعا عزيرة.

***

الحسين بوخرطة

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

اسم القاص يدل انه من شمال افريقيا او من المغرب العربي تحديدا.
مع ان اسماء شخصياته من عرب آسيا.؟؟!!..
جو القصة يغلب عليه منطق القرية و الريف المصري كما لدى سعيد الكفراوي و يحيى الطاهر عبدالله... من متابعتي للسرد المغاربي انتبهت انه يذهب باتجاهين اساسيين.. المدينة و البادية.
منذ الثمانينات و المغاربة يهتمون بجماليات الأحياء الشعبية او الزنقات او الجبال - اذا كانت القصة عن المقاومة. و لا انسى الطاهر وطار و لغته الهجينة التي تمزج الماضي بالحاضر.
القصة القصيرة جدا تشهد نهضة في السرد المعاصر . و قرأت بالمثقف الكثير لقصي الشيخ عسكر- من العراق. و اتفقنا ان الأثر التراكمي لهذه القصص هو الذي يمكن التعويل عليه..
مع الشكر و التقدير لمساهماتك البناءة..

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي العلامة صالح الرزوق أعز الله قدركم وأعزكم.
أشكركم على تعقيبكم الجميل. فعلا عبارتكم : "اتفقنا ان الأثر التراكمي لهذه القصص هو الذي يمكن التعويل عليه" هامة للغاية وذات مصداقية عالية.
حفظكم الله ورعاكم وسدد خطاكم.
معزكم أخوكم الحسين بوخرطة.

الحسين بوخرطة
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية حارة لأخي العزيز الكاتب الأديب الأستاذ الحسين بوخرطة حفظه الله ورعاه،
هذه قصة أخرى من قصصك التي أسميها " قصص التنمية".
لاحظتُ في هذه القصة اهتمامك بدلالات أسماء الأعلام في السرد.
ومن ناحية أخرى اشرتَ إلى " ما يراكمه رؤساء هذه الفرق ( الدينية) من مال كل سنة". وكان أبو العلاء المعري قد أشار إلى ذلك بقوله:
إنما هذه المذاهبُ أسبـــابٌ لجذبِ الدنيا إلى الرؤسـاءِ
تمنياتي لك بتمام الصحة ودوام الإبداع.
محبكم: علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز الدكتور علي القاسمي حفظك الله ورعاك.
أشكركم على تعليقكم الرائع والمفيد. ضرب حق الإستحقاق التنموي في الفعل والتوزيع يتم تكريسه بتقاليد واهية. فجلب الدنيا لرؤساء الفرق محترفة الخطابات التقليدية ورواد الكسب السهل غير المستحق، تعتبر معرقلا لتفجير الطاقات والكدح.

الحسين بوخرطة
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5528 المصادف: 2021-10-24 01:05:59


Share on Myspace