 نصوص أدبية

ناجي ظاهر: سوسةُ الفنّ

ناجي ظاهرتسلّل صديقي رجل الاعمال المشهور في المدينة كعادته منذ سنوات، إلى مرسمي في ساعة متقدّمة من الليل، وهو يرسل نظراتٍ مستطلعةً في انحاء المكان، و.. ما لبث ان توقف قُبالة لوحتي الجديدة الاخيرة. غرس نظراته المتمعنة فيها، كانت اللوّحة تصوّر فنانًا تائهَ النظرات زائغها، يتمعن في الخواء الممتد أمامه، وكانت عيناه تحكيان تفاصيلَ واحدةٍ من أشد قصص المعاناة والضياع في العصر المتحجّر الراهن. توقّف طويلًا قُبالة اللوحة، في حين توقفت بيني وبين نفسي متفكرًا في هذا الصديق الذي دأب في السنوات الاخيرة خاصة، على زيارتي في مرسمي لمشاهدةٍ.. لا تخلو من سُخرية ورثاء.. ما أُنتجه وأضعه من لوحات فنية، تاركًا أعماله وقصة نجاحه المذهلة وراءه، وساعيًا إليّ أنا الرسام التائه في عالم الالوان والفراشي. بعد انتظار وترقّب رفع عينيه عن اللوحة متقاسمًا إياها بيننا نحن الاثنين.. اللوحة وأنا..، وقال وهو ينفث دخان سيجارته دائمة الاشتعال:

- أخيرًا حقّقت ما يرجوه كل فنان من فلاح ونجاح.. رسمة موفّقة.. أشعر أنك تمكنت فيها من استخراج كل ما في أعماقي من ألم مقيم ومعاناة دائمة الالحاح.

ابتسمت، اردت أن أقول له إنني رسمت معاناتي وآلامي الابدية مع الحياة والفن، إلا أنني عدلت في النهاية لأتركه يواصل فيضه الشخصي المفاجئ، تابع يقول:

- تعرف.. أنني تعذّبت كثيرًا في هذه الحياة.. وراح يروي لي قصة حياته المُمزقة منذ الطفولة بين أمه الوسيمة روحًا ونفسًا وأبيه البشع قلبًا وقالبًا.. كأنما هو يرويها للمرة الاولى وليس للمرة الالف كما حصل في الواقع. كان يروي تفاصيل تلك الحكاية الخالدة، منذ بداياتها المؤلمة الاولى انتهاءً بذروتها الاخيرة مرورًا بعذاباتها المؤلمة.. ممثلة بتمزّقه بين أم حالمة بالحياة وأب قاس فظ غليظ القلب. في كل مرة كنت أستمع إلى حكايته تلك، كانت تلوح في عينيه ظلال دموع مكبوتة لا تريد ان تبوح إلا بما احتقن فيها من ألم. أما هذه المرة فقد نطق فقال:

- اعقد أنك توفقت هذه المرة في وضع لوحة عمرك.. إلى هذا الحد فهمتني؟

واصلت صمتي الممزوج بابتسامة مشجّعة، فاسترسل:

- كأنك كنت معي في كل لحظة من لحظات حياتي المعذّبة. دخل في لحظة صمت وتابع:

- هذه اللوحة ذكّرتني بأيامي الاولى.. وفي مشاركاتي الموسيقية في حياة بلدتنا..

اتسعت ابتسامتي وتعمقت:

- تلك كانت أيام لا تنسى.. آخ لو أن الظروف ساعدتني في مواصلة الابداع الموسيقي.2935 سوسنة الفن

سرحت بعيدًا عن صديقي وعدت إلى الماضي، أتصوّر تلك الايام البعيدة الغابرة، كنا آنذاك نحن.. صديقيّ العمر الواحد، ماضيين في طريق واحد هو في طريق الموسيقى وأنا في طريق الرسم. هو قدّم بعضًا مما عنده وأبدع وأنا قدمت بعضًا مما عندي وتعثّرت. بعدها انصرف هو عن عالم الموسيقى، خائضًا معركة الحياة التي لا ترحم ومحققًا فيها بالتالي النجاح تلو النجاح، وأنا بقيت اتحدّى الفرشاة واللون كناطح صخرة، وها نحن، هو وانا، نصل إلى ذروة غريبة. هو يتمعّن في لوحتي الفارقة وأنا اتمعّن فيه وفي تجربته الشائقة.

قال:

- لوحة رائعة.. أخيرًا انتجت ما يبقى.

- هل أنت جاد فيما تقول؟ سألته وأنا أخرج من صمتي لأول مرة في هذا الليل.

- وهل عهدتني عابثًا.. أنت تعرف أنني رجل أعمال ناجح.. النجاح لا يأتي إلا بالجد. عقّب على ما قلته قائلًا، فتابعت أقول بحسرة لا حدود لها:

- ليتني كنت جادًا مثلك.

غرس عينيه الدامعتين في عينيّ التائهتين:

- ماذا تقول.. أنت لست جادًا.. ليتني فعلت مثلما فعلت.. ليتني تمرّدت على ظروفي الصعبة وتابعت طريقي إلى جانبك.. ظروفي كانت أقوى مني فكسرتني.. لا أريدك أن تغتر بما اعيشه من مظاهر كاذبة.. كما فعلت دائمًا.. أعترف الآن أنني كنت أسخر منك أحيانًا.. ومن إصرارك على مواصلة المضيّ في طريق الفن.. رغم ما واجهته من فشل وإخفاق.. فإنني.. هذه الليلة.. الآن.. قبالة هذه اللوحة الصادقة النابعة من أعماق أعماق روحك.. أشعر أنك انتصرت وحقّقت ذاتك.. إنها سوسة الفن بقيت تنخر في شجرة الوانك حتى تفجّرت المًا واملًا..

اندفعت دمعةٌ من عيني وسألته في نوع من البله التلقائي:

- هل أنت جاد فيما تقوله؟

لم يردّ علي هذه المرة. أخرج دفتر شيكات لامعًا من جيبه، قدّمه لي.. هذا شيك مفتوح.. أكتب عليه ما يروق لك من مبلغ.. وليكن كبيرًا دسمًا.. مقابل لوحتك الرائعة هذه. سأشتريها بالمبلغ الذي تراه مناسبًا.. وسوف اعلّقها في صدر مكتبي.. لأتذكر دائمًا أنني كنت صديقًا لسوسة الفن ولك أيضًا ايها الفنان..

***

قصة: ناجي ظاهر

..........................

* عن اللوحة المرفقة: الفنان المبدع "زاك فريمان"، فنان استطاع بنظرته الثاقبة أن يحول القُمامة إلى لوحات فنية.. وذلك بصنعه بورتريهات وجوه مستعينا بالقطع التي ترمى.. في سلال المهملات ..

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

قصة جميلة. فكرة سوسة الفن تذكرني بفكرة صالد اليرقات لأمير تاج السر. فبطل الرواية يعتقد ان الحكاية يرقة مختبئة في الظلام و الفنان الجيد من يعرف كيف يضع يده عليها و يخرجها للنور.
مشكلة رواية تاج السر ان المخبر اعتقد انه صائد يرقات و تقاريره قصص فنية مؤثرة..
الحقيقة يوجد فرق بين نقل الواقع و اعادة انتاجه. كما في هذه القصة..

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5529 المصادف: 2021-10-25 02:57:05


Share on Myspace