 نصوص أدبية

الطيب النقر: أبناء السودان

الطيب النقركانت تربطه بتوماس وليم العالم الجهبذ الذي تشرئب لمقدمه الأعناق، وتشخص لطلعته الأبصار، علائق ود شفيف وصداقة، تأكدت أسبابها على الخفض والشدة، ورسخت قواعدها على الإكبار والحب، فلقد أقذيا أعينهم تحت أضواء المصابيح في تلك المنارة السامقة التي لا تجد بين عرصاتها عراءً ولا خلاءً ولا وحشة. دأب الشاب الطرير الفارع الطول، الحلو القسمات، الذي تعلوه سمرة لا تدركها الأعين، إلا حينما يشع بهاء ثغره، على أن يُدخِل على صاحبه الماركسي النزق الذي آتاه الشيطان حظاً وافراً من الخلاعة، وقدراً هائلاً من المجون، قبساً من نور التشجيع، ويُلهِمهُ بلفظه الموشى بالصراحة وتعابيره التي يغلب عليها الصدق ما يرفع عنه آثار الضعة التي يأنسها في نفسه، وأغلال الصغار الذي جعل من حياته أتوناً يحتدم بالكره، ويضطرم بالعداوة. كفّ توماس وليم الذي ينحدر من بيت رفيع الدعائم، أثيل المنبت في الجنوب عن التردد على مجلس الشيوعي ياسر، بعد أن كان ملازماً له ملازمة رفعت عنه قيود العجمة، وجعلته متمكناً من ناصية العربية، فلقد أضحى مجلس الرفيق ياسر يفيض بالتذمر، ويضجُ بالشكوى من نتائج الانتخابات، التي قوضت حصون الأمل في دواخله بأن تقوم للشيوعية العجفاء قائمة في تلك البقعة المحاطة بسياج العلم والفكر، والمزدانة بآكام النور والمعرفة، بعد أن قيض الله زمرة من الطلاب المنتسبين للواء الإسلام مسحت الكرى عن الجفون، والقذى عن العيون، وأبقت على جذوة لم يطفئ وميضها توالي السنون، أو يخمد بريقها تعاقب القرون، نعم لقد جدد أولئك الفتيان الذين يخطرون في مطارف الشباب، ويختالون في حُميّا النشاط ما رثّ من حبل الدين، وجمعوا ما شتّ من شمل القيم والأخلاق، فلم يجد الماركسي الممعن في عمايته، والمُنكب على غوايته، مراغم ولا سعة سوى ترك الجامعة التي أُشتُهِرَ فيها بالمعاظلة والالتواء.

هجر ياسر الذي يرى أن الإسلام لم يساوِ بين كل الناس في الغنى والحرية، بل ساوى بعضهم في الفقر والعبودية، قاعات التحصيل وهو في السنة الرابعة ولم يأبه لرجاء منقذه الذي أنزله منزلة الأبرار في جنته، لقد طالبه توماس الذي أوغل في البحث، وأمعن في التنقيب، حتى صار من أساطين العلم، وأرباب الاجتهاد، في ما بعد أن يرسل طرفه الكليل إلى مستقبله المدلهم، وأن يسعف نفسه بفيض من التفكير العميق الهادئ فيما يؤول إليه حاله بعد نبذ العلم، وهجر المعرفة.

مضى ياسر في نزقه ومجونه لا ينشد غير العُهر، ولا يبتغي غير اللذة، حتى انتشلته يد حانية بعد عقد ونيف من وهدة القنوط، والتردي في غياهب الفسق والانحلال، لقد كانت حياة اليساري الغارق في أوضار الانحراف عبارة عن ضباب لا يشع في جنباته أمل، حتى أطلّ بقوامه السمهري توماس فأحالها إلى جنة وارفة الظلال، صديقه توماس الرجل العذب الروح، السليم الصدر، الحاد الذكاء، الذي يهش للعلم هشاشة البخيل للمال، توماس الذي قضى عقداً من الزمان في بلاد العم سام أفناها في العمل الدائب، والعناء المرهق، والكسب العلمي المتواصل، حتى أضحى من العلماء الذين يرجع إليهم في المشكلات، ويستصبح بسناهم في الملمات. توماس الذي صقله العلم، وهذبه التمدن، حصد منجل الوغى السواد الأعظم من عترته في تلك الحرب اليباب التي لم تكن تأصرها آصرة، أو تدركها شفقة بين الأشقاء الذين يعيشون في كنف وطن واحد.

ولكن الهيجاء أخفقت في جعل توماس تستفزه طيرة الغضب، أو تستخفه فورة الحقد، فصدره لم يكن موبوءا بجراثيم السخائم والبغضاء، بل ظلّ كما عهده الناس سليم الجوانح، عفيف الجوارح، لا يبسط لسانه بأذى، أو يطوي صدره على ضغينة، نعم لم يكن توماس كرصفائه من أقطاب العلم في جنوب الوادي، الذين قدحوا زناد الحرب، وأشعلوا فتيلها، لا، لم يكن قط وحشاً تبدى على جبلته يتحلّب الريق من أنيابه، أو يقطر الدم من أظفاره، بل كان يقلب كفيه أسى وحسرة، ويحرك لسانه بالإنكار والدهشة، كلما شاهد وطنه الذي عصفت به الأنواء، وشعبه الذي يتخطفه الموت، ودياره التي يستبيحها الغريب. أخذ توماس يبحث بهمة ماضية، وعزم أكيد عن صديقه ياسر حتى وجده بعد نصب وعَنَت في مواخير الفساد، يعاقر الخمر، ويضاجع رذائل البغاء، وجده كما تركه لا يشغل ذهنه بفكر، أو يده بعمل، فتعهده بخيره، وأرضعه أفاويق بره، ولم يتركه حتى التأم شمله مع الناس، وانتظم عقده بالمجتمع.

ها هو ياسر الآن مُدثراً بلفائف المرض، فقد أثخنته جراح لا تندمل إلا برؤية من يسري عنه الهموم، ويهون عليه متاعب الحياة، فصديقه الذي يلازمه ملازمة الفصيل لأمه أمست رؤيته أُمنية دونها خرط القتاد، نعم محض وداده توماس الذي لا يضاهيه أحد عنده في جوده ونجدته، وصدق لهجته، وكرم عشيرته، قد شحط عن الديار، وبات يقاسي لأواء الحياة وقسوتها في تلك الأراضي التي تركض فيها المصائب، وتتسابق إليها النكبات.

***

الطيب النقر

قصة قصيرة

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب الكاتب والقاص
السيد المحترم / الطيب النقر

قرأت منشورك الدعائي هذا والذي كتبته ليكون - قصة قصيرة - لكنه بعيد وخال من شروط ومقومات القصة القصيرة وغير مشوق إطلاقا رغم اللغة العربية السليمة والجميلة التي كتب بها والتي تحوي شذرات قليلة من لغة الروائي السوداني الكبير - الطيب صالح -.
منشورك السياسي هذا قرأته في صحيفة - القدس العربي - في الصفحة الثقافية مكتوب في -كوالالمبور - ماليزيا - تحت عنوان - أبناء السودان - ويبدو أن خطأ ما حصل هنا وجاءت ( قصتك ! - منشورك السياسي ) هذا تحت عنوان : ( بناء السودان ).
هل سقط حرف الألف سهوا أم أن حضرتك غيرت عنوان هذا ( المنشور السياسي - القصة القصيرة ) ليكون ( بناء السودان! )

الأخوان المسلمون في السودان والوهابيون وغيرهم من الذين يكفرون الآخرون ويتهمونهم بالكفر والزندقة والفساد والأباحية والذين رفعوا شعار (( الإسلام هو الحل !!! )) وهي عبارة حق يراد بها باطل هم الذين حكموا مع العسكر ولمدة طويلة في فترة الترابي والبشير الفاسدان وهم الذين أوصلوا السودان الشقيق الى حافة الفقر والبؤس والحروب الأهلية والإرهاب .
قصتك القصيرة هذه التي أعتبرها منشورا دعائيا سياسيا وهي ( قصة !!!) إنتقائية تهاجم الحزب الشيوعي السوداني الذي هو حزب وطني سوداني كباقي الأحزاب والحركات الوطنية السودانية كحزب الأمة وغيرها.
وهي ( قصة !!!) مفرقة للصف الوطني السوداني وغير جامعة في فترة تاريخية يحتاج السودان الشقيق فيها للوحدة والتضامن وتجاوز الأزمات السياسية وأزمة الحكم حاليا.

أتمنى من حضرتك سعادة الدكتور المحترم - الطيب النقر - وأنت تملك ناصية لغة عربية سليمة وجميلة وتعيش في بلد إسلامي متسامح هو - ماليزيا - أن توظف قلمك ولغتك العربية المدهشة لكتابة قصص قصيرة خالية من اللافتات والشعارات السياسية التي لا تخدم العمل القصصي وتكتب لنا روايات عظيمة ومدهشة كالتي كتبها الروائي السوداني الكبير - الطيب صالح - وحاول أن تبتعد قدر الإمكان عن المباشرة والإنتقائية والشعارات واللافتات السياسية لأنها لا تخدم أعمالك الأدبية.
سأكون في طليعة قراء قصصك ورواياتك إذا خلت من المباشرة والإنتقائية والدعاية السياسية.
تقبل مني فائق إحترامي وتقديري.
وأرجو أن يتقبل صدرك الرحب نقدي وملاحظاتي على (قصتك القصيرة ! ).

أخوك العراقي : حسين السوداني

حسين السوداني
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي حسين
فهمي لهذه المادة وحديثي عنها لن يذهب بعيدا عما ذهبت أنت إليه..لقد كشفت الحجاب عن عمل لم يدعي صاحبه أن قد وصل إلى الغاية القصوى من الكمال ففيه ما فيه من اضطراب الأفكار واختلاط الأسطر ولدد الخصومة ورعونة العصبية..كتبت هذه القصة وأتمنى أن يتسع صدرك لنعتي لها بهذه الصفة. وأنا حزين لانفصال الجنوب الذي صاغ التأثير في مهج ذابت حشاشتها على أرضه حتى تعالج جراجه ويبرء من الأسقام..وما حملني على العصبية التي تراها شاخصة في هذا العمل هم معاول الهدم الذين تراهم في كل مناحي السياسة وأغاميضها..قبيلة اليسار أس كل بلاء وعنوان كل فتنة..هم من حوت أياديهم النجسة المشقة التي لا تستحق ثناء ولا تقدير في فصله وتجزئته..ولا أنزه الحركة الإسلامية السودانية عن خطأ أو أبرئها من العيوب فهي واضحة بينة شديدة الوضوح والسفور وحتى اختزل وقتك سيدي فيما ينفع ويفيد أقول أن هذه المادة موشية بخيوط السخمية وأن الغاية منها هو التعريض باليسار وتصويره بالصورة التي تماثل الواقع واستقصاء شواهد عمالتهم وخزايتهم قد سارت في كل صقع وواد كما يقول أديب العربية أحمد حسن الزيات.. أما الأمر الذي لا تداخلة شبهة هو سقوط حرف الألف في عنوان التشفي السياسي
كل الود والتقدير لشخصك سيدي وأتمنى أن تجد ما أكتبه في مقتبل الأيام باذن الله ما ينال رضاك واستحسانك.
دمت في أمان الله وحفظه
محمد الطيب النقر

الطيب النقر
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5562 المصادف: 2021-11-27 03:22:05


Share on Myspace