 نصوص أدبية

الحسين بوخرطة: شباب وأرق دماغ

الحسين بوخرطةالسيد حيضر، الرجل الوطني القح، لا يرى مستقبل بلاده إلا من خلال ملامسة إرادة سياسية حقيقية لتوسيع قاعدة الشباب العارف والفاعل تنمويا. اشتغل سنوات طوال في هذا المجال بشقيه التكويني والتأطيري. برز على يده عدد من الفاعلين في القطاعين الخاص والعام. أصبح البعض منهم واع بمتطلبات العمل التنموي باستحضار الذات وخبرتها لخدمة العامة. كلما استسلم البعض الآخر لضغوط الأنا القاتلة، يجد أمامه ضمير السيد حيضر، المسلح بتقنيات التواصل والتفاوض والمعارف المختلفة. اعتبر كل من تتلمذ على يده أمانة ربانية يجب أن تضمن صيانة العهد والوفاء للقيم الإنسانية الكونية.

جلس في مساء يوم صيفي جميل مقهى في شارع رئيس لعاصمة جهة انتمائه الترابية. رن هاتفه الخلوي. استقبل سلاما حارا من رجل لطيف ودود. قدم نفسه له، وأخبره أنه يعرفه أتم المعرفة، معتزا به، وبما قدمه للشباب من منافع جمة منذ عشرات السنين. بشره أن مؤسسة تكوين الشباب تستفسره عن أسباب انقطاعه لسنتين أو ثلاث عن المهام الشريفة التي كان يقوم بها.

صمت السيد حيضر لثوان بلا رد. لقد فاجأه السؤال. تعمد الرد بالتحية الحارة متجنبا الجواب. رحب بهذه الدعوة الجديدة. التقى مخاطبه في اليوم الموالي. تحدثا مطولا. حددا المهام البيداغوجية والمعرفية وما يتطلبه المجال التكويني من حنكات ومهارات جديدة. انه مسؤول عمومي سام، اسمه محمد بن سلام. دكتور وخبير في مجاله ومن المكافحين البارزين في الحياة. طبائع الرجل ومحياه ينمان عن دفئ إنساني لا لبس فيه ولا ريبة.

ابتدأ حيضر العمل في اليوم الثالث. وجد نفسه حائرا بين حاجة الشباب لمعارفه وخبرته وارتباطات عمله المعتادة. بٔعد المؤسسات التكوينية عن مسكنه زادته عناء وصعوبة. لم يجد من حل للاستجابة لمتطلبات الطلبة سوى حرمان أسرته كل مرة من أيام عطلته السنوية، ليسخرها لتلبية حاجياتهم التكوينية والتعليمية.

أحب حيضر مجال التكوين والتأطير حبا ارتقى إلى درجة الشغف. عاش مصاعب ومصائب وباء كورونا القاتل. تعلق أكثر بأدوار الشباب الريادية في التنمية ومواجهة الكوارث مستقبلا. الاستمرارية بالنسبة له صعبة للغاية. وجد نفسه بين مطرقة وسندان من نوع خاص، شكلتا له معادلة معقدة. تشبث بحسن النية مستحضرا، بطاقته الإيجابية المعتادة، حب المؤسسات لأبناء الوطن. تقدمه في السن أتعبه، ويضنيه، ويجعله يميل للبحث عن الراحة. نفسه المناضلة لا تترك له مجالا للعودة إلى الوراء والاستسلام للكسل. فكر مليا في المنفعة العامة، ولم يجد من منافذ أمل سوى فتح باب المشاورات مع المسؤولين والأصدقاء والصديقات لخلق إمكانيات الاطمئنان النضالية لخدمة الشباب وضمان ديمومة امتداد معارفه لأجيال الحاضر ورجال الغد ....

***

الحسين بوخرطة

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز الأديب المتعدد سيدي الحسين بوخرطة حفظه الله ورعاه،
شكرا على عطائك الفذ في القصة القصيرة، فقد أصبحت رائداً للون متميز فيها، يعكس رؤاك عن الوطن كيف يكون وعن المواطن كذلك.
متمنياتي الطيبة لك بالصحة التامة والإبداع الوفير.
أخوك علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز الدكتور العلامة سيدي علي القاسمي أعزكم الله وأدام عليكم الصحة والعافية.
أنتم قدوة لنا وعتبة قياسية عالية في الأدب والفكر والفلسفة، قدوة لا يمكن للمولوع بالكتابة والقراءة، بطموح توسيع معارفة وتقنياته ورصيده اللغوي، أن لا يذمن قراءة نصوص مؤلفاتكم الراقية.
حفظكم الله أخي العزيز وسدد خطاكم.
أخوكم الحسين بوخرطة.

الحسين بوخرطة
This comment was minimized by the moderator on the site

قصة رائعة تحمل دلالات سامية وقيم إنسانية نبيلة ما أحوجنا إليها في وقتنا الحالي تتجلى في التحلي بقيم المواطنة والوطنية الصالحة وتقديم المصلحة العامة عن المصلحة الخاصة والعمل بشغف ونكران الذات دون ضجر أو ملل

نهلة مهاج
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدتي وأختي الأديبة نهلة مهام، أعزكم الله ورعاكم.
أشكركم جزيل الشعر على تعليقكم الرائع. فعلا سيدتي، الوطن والتنمية والشباب ثلاث مكونات لمعادلة محورية في الفعل المؤسساتي، بحيث تحتاج، بفعل تعقيدها ونبلها في نفس االوقت، إلى العمق في التفكير في مجالي بلورة وتنفيذ السياسات العمومية. لذلك عنونت قصة السيد حيضر ب "شباب وأرق دماغ".
حفظكم الله وسدد خطاكم.
معزكم الحسين بوخرطة.

الحسين بوخرطة
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية لي اخي العزيزعلى هاد القصة الرائعة التي تحملو في طياتها معاني مهمة بالتوفيق اخي المحترم

بوخرطة حكيم
This comment was minimized by the moderator on the site

أعزكم الله سيدي حكيم ورزقكم الهناء والسعادة مع أسرتكم الكريمة.
شكرا على تعليقكم الرائع.
أخوكم الحسين بوخرطة

الحسين بوخرطة
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5572 المصادف: 2021-12-07 04:02:54


Share on Myspace