صادق السامرائيقتلونا بقَميصٍ كــــاذِبِ

وبنا الأيّامُ بيْتُ الخائِبِ

 

مُنذ عُثمانٍ رؤاهمْ أوْغَلتْ

بخُـــــــداعٍ وبأمْرٍ سالِبِ

 

بَعْثرونا، مَزّقونا عُنْـــــــوَةً

أوْصَلونا للحَضيضِ الواقبِ

 

زَنْدَقــــونا، كفّرونا إنّهُمْ

ضُدّ ديْنٍ كالعَدوِّ الواثِبِ

 

وبدينٍ إسْتَباحوا حُــــــــرْمَةً

 وحُقوقا في الزَمانِ الكارِبِ

 

فأدانــــــــــــــوا كلَّ دينٍ قيِّمٍ

وأشاحوا عَنْ صِراطٍ لاحِبِ

 

وإذا الرَبّ هَواهمْ والمُنى

وبها الخلقُ غَنيمُ الغالبِ

 

وعلى الدُنيا وشاحٌ أسْودٌ

يَمنعُ الألوانَ حقَّ الواجبِ

 

والفتاوى في بلادٍ إرْتقتْ

فوقَ شَرْعٍ وكِتابٍ صائِبِ

 

إنّهمْ قالـــــــــوا وأمْرٌ قوْلهمْ

والبَرايا رَهنُ مَسْعى الطالِبِ

 

لا تَلمْ نَفساً تمادَتْ واشْتَهَتْ

ولها الأقـــوامُ عَبْدُ الحاطِبِ

 

كلّما دارَتْ تَنامى غِلّها

وتَساقتْ مِنْ حَميْمٍ ناكِبِ

 

يا إلهي كيفَ ترْعى ظلمَها

وتَدَعْها في الضَلالِ الراكِبِ

 

أمّة الإسلامِ في قيدِ الضَنى

إستغاثتْ مِـــنْ شديدٍ دائِبِ

 

وتنادَتْ لسَمــــــاءٍ فوْقَها

واسْتعانتْ بدُعاءِ اللائِبِ

 

وطنٌ يَشقى وشَعْبٌ حائِرٌ

وقِــوى الشَرِّ بشرٍّ سائِبِ

 

مِحْنةٌ تَطغى وشَعْبٌ مُنْهَكٌ

وبلادٌ بشباكِ الـــــــراغِبِ

 

أزْرَتِ الدُنيا وجاءَتْ كُرْبةً

وتواصَتْ بالمُبيدِ الضاربِ

 

وإذا الإنسانُ رقـــــــــمٌ زائدٌ

سَوْفَ يُمْحى بمَشيئ اللاّعِبِ

 

يازمانا مِــــــنْ آثيمٍ سائدٍ

يتنشّى بالوَجيعِ الواصِبِ

 

هلْ فقدنا خُلقَا في بَيْتِنا

وانْتهينا كقَطيــعٍ نادِبِ

 

ســــرّ ما فينا بجَوْرٍ قائمٍ

وكذا النفسُ بفعلٍ عارِبِ

 

إنّنــــــا إنّا وإنّا كلّنـــــــــا

وإناءُ الخلقِ كنزُ الحاجِبِ

 

وعلــــــــى الدنيا سلامٌ وادعٌ

وبها الأرضُ وعاءُ الغاصِبِ

 

مِنْ تُرابٍ لتُرابٍ حَدْوُها

وكذا آسَتْ خِتامَ الذاهِبِ

 

فلمــاذا بقميصٍ تُجْتبى

وفناءٍ كرصيدٍ لازبِ؟

 

إنها نفسٌ أساءَتْ فعلَهــــا

وتمادَتْ بالسلوكِ الرائِبِ

***

 د. صادق السامرائي

30\2\2021

 

سردار محمد سعيدلم يبق إلا نصف سيجارة

ربع لي وربع لك

ثم نبحث في القمامة

أعقاب السجائرأكثرمن عظام المقابر

الدخان يملأ جو المكان المسمى حان

والطيور في اعلى المنائر

ترسم بأجنحتها دوائر

وكنا كالسردين في علبة

صخب يكسرهدوء الليلة الباردة

يثرثرون ويسردون مغامراتهم الكاذبة

إنما كنت اتذكر ماجرى أمس

اسائل نفسي هل تعودين الليلة بعد دوران حجر المطحنة

لمَ يفرح الشجربهبوب العاصفة

والقحوف ببنادق القتلة

والرقاب بالمقصلة

 محراب خصرك عشق طواف فمي

وعينك جامدة لا تأبه لتساقط ضوء النجوم

فغرقت بين ذراعي ودفء صدري

طفقت أسمع حفيف الورق

وزقزقات زغب العصافير

حتى ظننت أن خاتمة الزمان حقت

أكان لزاماً أن تاخذك سنة ونوم

فترقد الوشوشات الناعمة والهمس الرقيق

ما كان للحظات وجد أن تضيع

تركت لي التمعن فيما منعت يوماً

والظل والسحاب والمطر

واجنحة الطيور تغوص في السراب الصخري

وعنف العواصف والأعشاش المتبددة

في انتثارالأصداف

في وجهة موكب الخليفة

ورماح الجنود المثقفة

والرايات الملونة بكفوف عفاريت من الجان

تقارع كف ريح مظلمة

تعارك اللجة الحالمة

بتذوق ساق اخشن من ساق بلقيس

وما كنت مسرفاً

وأسرفت في اغماضة الجفن

ابتعدنا عن الصحراء

اقتربنا من الساقية

والعشب الندي

هاهي السنابل محنية الرؤوس نحو الساقية

خجلى من تدفق الماء

لكننا نضيء وفي مجرتنا القريبة البعيدة والبعيدة القريبة

قمرين نسيا منازلهما

عادا واحداً يمنحان الناس عيداً

فيصرخ الفرس في أول النصب في ساحة التحرير

يعلن الثورة والإقتراب من عيون البسطاء

 بعيداًعن المستنقع الأزرق وفقاعات الأشن

 كوجوه السفلة

كوشم على فخذ عاهر

لا تشعلوا السجائر

لا تشعلوا

لا تشعلوا

***

سردار محمد سعيد

 

 

خرجت من متجر الأحذية

بخف حنين

اكتشفت بأنني في حاجة

إلى شيء ٱخر ..

 

هذا المساء

لبست حذائي البني القديم

فوقعت في حبي امرأة

قضت نصف عمرها الإنتظار

 

لا أصدق ما أرى ؛

فالسعادة في الحقول..

في حياة اخرى قد تأتي

وقد لا ..تأتي.

 

بائع البخور..

ماسح الاحذية..

جامع القمامة ..

وحده بائع البالونات يعلم

بأن هناك  سماء ..

وحدها الخطاطيف العابثة

بسكون المساء !

 

وانت ماذا تعرفين عني؟

 

أنا أعرف بأنك زرت كل المتاجر

قبل حلول الظلام ..

بأنك  اشتريت عطرا جديدا ..

وبأنك انتظرت بما فيه الكفاية.

 

أنظري كم هو جميل حذائي

إنه مقاوم للزيت

ويقطع - بلا تعب - مسافات

الحنين و الخذلان.

انظري  ! لقد حلقت لحيتي

وصرت شابا في العشرين

 

اعطني إذن يدك

ولنذهب إلى البحر......

***

عبد الحق موتشاوي

 

 

سالم الياس مدالوجناح الريح

يضرب هالة غيمة

فيهطل

المطر

2 -

شموع كلمات

 العاشق

يطفئها ثعلب

مرتبك ثرثار

وحاقد

3 -

قمر البرتقال

يدور حول

شمس النارنج

ليكونا

سداة بنفسج

وشعاع قوس

قزح

4 -

الغيمة الصامتة

اتحدت بالغيمة

الثرثارة

في افق

ملبد حزين

5 -

اناملي

الحزينة  تبتسم

 لما كتبته

البارحة

6 -

جياد الحب

التي جابت

شوارع

المدينة

اصطدمت

بتمثال من

برونز النميمة

7 -

بنفسجات الصمت

عانقت اقحوانات

النسيان

فكانت نرجسات

الحب

ولبلاب

الذاكرة

8 -

سفن وجهي

تمخر عباب

بحر الحقيقة

كي تحتضن النوارس

والبطاريق

الحزينة

9 -

لبلاب قلبي

الحزين

يبتسم لزهيرات

 بنفسجات الحب

اليانعة .

***

سالم الياس مدالو

 

 

محمد سماعيل السرايأحياء على هامش المدينة

على اعتاب المدينة الكبيرة، تسمرتا قدما جدي المثقلتين بالطين وبقايا اعواد السنابل، والجوع والانكسار.. قادمتان من الارياف، هربا من منتفخي البطون، والاوداج، ومتورمي العنجهية.. بعد ان غُيب دموزي الراعي من جديد، وأُدلف قسرا الى العوالم السفلية.. وحل العطش على البيادر التي كانت عامرة يوما ما، او ربما لم تكن.. ترافقه جدتي (اينانا)، متسربلة بثياب سوداء ثقيلة.. ما فتئت طوال عمرها تندب فردوساً مفقودا..

وقف جدي متوجسا خيفة.. ضائعا، على مفارق طرق وجوه متبغدده لا تألف الغريب.. ولا تعنيها ثقافة (ان للضيف حق ثلاث ايام قبل سؤاله)..

اختفت اضواء النجوم التي كانت تؤنس ليله وحلت محلها اضواء النيون الباهتة.. وصفير صفارات العسس المتوجسة حذرا من (غترة) جدي التي ربما كانت جائعة للخبز لكنها متخومة الضمير..

السواقي...والمرابع الخضر.. زحف عليها الاسفلت، واشجار نخيل التمر زحفت عليها الاعمدة الكونكريتية، وزقزقة البلابل بدلت بصرير اصطكاك العجلات.. وزعيق العتالين و(الصنايعية).. ونهيق الاسطوات..

كل شيء في المدينة يختلف.. الوجوه، (حمره ترفه ) لم تشوحها شمس تموز بألسنتها اللاهبة..

العادات تختلف..

الطعام يختلف..

حتى القلوب تختلف..

لم تجرئا قدمي جدي ان تجتازا اعتاب ابواب المدينة.. فحل رحال مطيته على تخوم المدينة الغارقة في لهوها وبهرجها وبغددتها ومدنيتها.. وبنى صريفته على اطراف العاصمة.. وكل النازحين خلفه من قلب اور وميسان واوروك ولارسا و(الدجيلي)...والقادمين من قلب مدن الحنطة والتمر.. والعابرين من ارض الضيم...حطوا رحالهم قرب صريفة جدي.. فعشعشت هنالك مجاميع من مساكن الصرائف العشوائية.. لأشباح منسية، تعيش كالهوام.. جذبتها الانوار.. لكنها تخشى التوغل حيث مركز السراج المنير خوفا من ان تحرقها اللسنة نيرانه..

كان هنالك عالمين...عالم خليط من الافندية والمتمدنين والمتمدينين وحديثي النعمة.. وحديثي المدنية.. انه عالم المدينة..

وعالم اعشاش (الصرايف).. رابض على تخوم المدينة لا يجرأ على التوغل في عمقها.. بل لايملك تذكرة الدخول.. الهاربين من اراضيهم بعد ان امتص خيرها الإقطاعيون والشيوخ و(السراكيل).. فتركوها وارتحلوا صوب العاصمة.. لينثروا بذارهم على رقعتها عسى ان يضحك الحظ لهم والنصيب..

يتجولون نهارا في شوارعها، وازقتها.. يبهرهم ذلك الزحام الذي لم يعتادوا مثله في موطنهم الذي نزحوا منه...تبهرهم البدلات الانيقة ال(تبرج).. وتلك (السدارات )التي اعتمرها البغداديون بدلا من (الشماغ) والعقال. أين هم من كل ذلك.. ؟ كانوا بالكاد يرون غريبا في ديارهم.. او حتى قريب.. كان الزائر (بركة).. ويحتفى به.. وتقام لشرف قدومه الوليمة، مما اجادت به الارض من فقير عطائها، وان كان تمرا ولبنا(خاثر).. او سمسما ودبسا.. او لربما فطيرة.. او دجاجة ورزا وثريدا لكن (للعزاز)فقط او لعلية القوم.الشيخ او اعوانه.. ولربما اكتفوا لا كرام زائرهم بالشاي والدخان (التتن).. وهذه الضيافة بحد ذاتها(نعمه).. لا باس بذلك.. مادامت القلوب عامرة وراضية.. والضحكات متعالية.. ومتوالية.. في ليالي السمر الصيفي.. حيث (الكعدة) يا محلاها في (الحوش).. على الارض فقط يرمون ثقل مؤخراتهم.. حيث لا ارائك ولا كراسي.. ما خلا (المده) طبعا، البساط الريفي الاثير على قلب ام الدار.. الذي يفرش ل(عزاز القلب)...وربما تخلل الجلسة في بعض الأحايين، سماع الموسيقى التي تصدح عبر الراديو (الرايدون) بأصوات لداخل حسن وحضيري وام كلثوم.. ولا ضوء الا ضوء الفوانيس او انوار الليالي المقمرة..

عالمان لا يبغيان، على بعضهما...عالم المدينة.. وعالم على اعتابها.. عالم الصرايف.... عالم طيب وساذج و(تازة).. وعالم خالطته شقاوة المدينة ولوثت نقاء سريرته قيم المدنية.. عالم حار المشاعر ملتهب الاحاسيس.. وعالم بارد. لا ابالي.. لا مكترث.. عالم ات من عمق سومر مشرب بروحها وريحانها.. وعالم ات من مقاهي الف ليلة وليلة.... من قباب العباسيين.. وخانات العصملية.. واسطبلات الانجليز.. وجوه مستبشرة، ولاتعلم لم هي مستبشرة على الرغم من فاقتها وضيمها.. وقلوبها عامرة.. ووجوه عابسة.. لاتعلم لم هي متجهمة هكذا على الدوام.. على الرغم من ان بطونها عامرة..

مر جدي بدكان تزين رفوفه الخشبية الوان البضاعة والاطعمة،، فوقع بصره على علبة سجائر فاخرة، (ماركة غازي)... فاراد ان يتذوق دخانا شهيا بعد ان هرس صدره دخان (اللف) و(التتن)..

سال جدي البائع ال(أحًمر):

(بيش هذا الباكيت بويه، مال غازي؟)

فرد البائع متململا، وهو يرمق جدي بنظرة هزء، وبلكنة بغدادية، قال:

(متفيدك حجي.. هذي غاليه عليك)

جدي:

(شني بويه غاليه؟ جا شني فلوسنا نوه؟)

البائع:

(حجي مو دا اكولك متفيدك، ابويه انت.. )

ثم اردف بنفاذ صبر:

( هاذي بخمس فلوس، يلا تشتري؟ خلصنااا)

جدي:

(شدعوه بويه؟ هاي يمنه بعانة)

البائع. حنقا:

(اهووووو.. هاي شوون كرواي تعبانه من الصباحية.. يلا دروح مانبيع، حجيي)..

....

وفي احد الازقة، مساءا، رأى جدي جنازة محمولة، تسير خلفها مجموعة من الافندية يشيعونها بكل وقار، ونسوة (احضريات) من بعيد، متشحات بلباس المآتم، يرمقن الجنازة والحشد بحزن بادي على سحناتهن..

:لكن لابكاء، ولاعويل؟.. قال جدي في قرارة نفسه..

سال جدي السائرين متطفلا:

(بوية جنازتكم عدله.. لو ميته؟)

لم يعير احدا من السائرين، جدي، اذانا صاغية، بل لم يلتفت نحوه ولا (صماخ) من الصماخات (المكعبرة ).. الا البعض الذي رمقه بنظرة ازدراء.. وربما تسائل مع نفسه :ماهذا الكلام الساذج الذي يتفوه به هذا العجوز الريفي؟

وربما ردد جدي مع ذاته: لم يفهم اهل المدينة هولاء، هذا الكلام العميق ؟

اكمل المشيعون للجنازة طريقهم خلفها قدما بكل سكينة ووقار.. وذهب جدي في جانب اخر من الطريق...

وفي الليل.. ايضا هنالك عالمين.. عالم للمواخير.. يسهر حتى ساعات الفجر.. يجتر سعادة وخمرا من كؤوس كان مزاجها (زحلاوي) ابيض.. وعالم ينام باكرا كما تعود هنالك في ارض الطين والقصب.. مع خفوت زقزقة اخر عصفور يأوي الى سدرة فناء الدار، مع تضائل اخر شعاع للشمس. حيث تأوي العصافير وتصمت.. صمت الاطفال المخوفة بسيرة (الطنطل). يغط هذا العالم بنوم فجائي كأنما القيت عليه تعويذة للنعاس.. لكن، بعد ان يكمل-بالكاد- عشاءه، السهل اللوك، والسهل النفقة.. ينام خفيف البطن ثقيل الضمير.. وينهض مع طقطقة(البريج).. نعم هكذا تعودوا في قرآهم هناك.. ان الله يأتي باكرا ليفتح بابه.. ويوزع العطاءات على القادمين اولا...اما (المسعدين) فليبقوا راقدين حتى بلوغ الضحى.. ولكن ليبوئوا بجوع.. ونقص في الثمرات.. ولو ان الجوع كان قانونا ساريا على جميعهم.. سواءا، على الذين نهضوا باكرا ام على (المسعدين)..

وبعد سنين.. نهض جدي صباحا على جلبة في الشارع، على غير عادة.. واصوات لعربات العساكر الاتية والذاهبة في الشارع الذي يحيط بأعشاش الصرايف.. سمع همهمة وهمسا خارج الدار.. ابناء الصرايف مجتمعون يتبادلون بتوجس، انباءا سارة...تعاركت الوجوه الحمر والشوارب السمر.. والقبعات والخوذ.. في مابينها كما يبدو.. تسائل جدي:

- مالذي يحدث

اجابه احد المجتمعين:

- اما تعلم يا ابا خوام.. لقد سقط النظام..

الملك والعساكر، يتناوشون بعضهم البعض بالبنادق والقنابر..

فأجاب جدي، بعدم اكتراث:

(الزاد الماي والنكص.. شلي من النهر غير لكه)..

...

عاش عاش، عاش الزعيم...الهتافات تصدح في الشوارع والثكنات بقدوم عبدالكريم.. والشوارب السمر غزت المدينة، والمدنية.. سيطر العسكر وانتعش اللون (الخاكي ).. لكن( القاط ) لازال حاضرا.. وامتزجت المدينة ب(القوط ) و(البيريات ).. ولازالت الصرايف خارج الحسابات.. لكن، بدات تدخل بعض الاعشاش الى المدينة بتوجس، ووزعت الاراضي النظامية لسكنة العشوائيات.. لكن ايضا لازالت على الاطراف، هناك على هامش المدينة.. شرق العاصمة.. ولازال العالمان لا يمتزجان..

منتفخي الاوداج والعنجهية خسروا المعركة هذه المرة، كما يبدو، الشيوخ والسراكيل جردوا من قصورهم وعبيدهم واراضيهم المغصوبة.. كان العسكر، او (عبد) تحديدا، اميل للفلاحين والمهمشين وبروليتاريا الارض، من مستعبديهم.. فُك قيد الانهار واليدين.. الارض لمن يفلحها.. عمل هذا الاجراء قليلا على الحد من ظاهرة الهجرة الى المدن، وربما حدثت هجرة عكسية من المدينة الى الريف...لكن الحال لم يتبدل كثيرا.. مازال هنالك درب طويل، الفقير والمعدم والفلاح والصنايعي لم يجنوا من الانقلاب غير الشعارات الطنانة.. كان النصيب الافخر من الغلة، والاكثر، هذه المرة، ايضا للوجوه المحمرة.. وشاركهم هذه المرة اياها، مفتولي الشوارب السمر...

عاد القليل من ابناء عالم الصرايف قافلا الى بلاد الطين والبيادر.. ربما القليل جدا.. لكن الاغلب ضل هنا، في المدينة.. نزع احلامه من اقتصاد الغلة وربطها باقتصاد الصنعة، وربما المهنة الحكومية، يوما ما.. ضيم الارض لا يجدي نفعا ومردوده محدود.. على حافة الكفاف.. العمل هنا مزدهر قليلا.. والاضواء والشوارع والاحلام بدات تغزوا مخيلة عالم الهامش.. لربما يقتحم العمق يوما.. كذلك مستقبل(الفروخ) اكثر ازدهارا هنا، هكذا قال جدي، وأبي كذلك.. ولذلك لم يقفل جدي بالرجوع عكسيا..

جاء الزعيم.. ذهب الزعيم.. خطط، الزعيم.. قررالزعيم.. قال الزعيم!!.. ولاشي يحدث.. مازال الجوع نصيب الاغلبية.. العسكر لم يتميز عن التاج كثيرا.. ما الذي تغير؟ بعض الشعارات.. والشوارع الجديدة المعبدة، و(كبر الصمونة وصغر الصورة)، ليس الا..

ايضا لازال عالم الهوامش، هامشيا، مهمشا.. (الغترة )مازالت لم تترقى الى قاط(بدلة).. وبيوت الطين لازالت بيوت طين، لكن بدل الطين والقصب وحده، اصبحت بطين وطابوق..

وبعد سنين اخرى، و(واخرا).. نهض جدي مفزوعا، على صوت ازيز-او هدير- الدبابات.. وخبر سيء يتناقله سكان الهوامش. سأل جدي ياقوم ما النبا العظيم.. ؟.. سقط عبدالكريم.. واستلم عبد السلام، هكذا قالوا.. الناس حيارى.. وبعضهم يامل ان يكون الخبر زائفا.. البعض قال ان عبدالكريم لا يموت.. وبعضهم قال انه راى صورته في القمر، وسيعود حتما..

فقال جدي للمتجمهرين في (الدربونة):

لئام تأكل لئام.. ذهب كريم وجاء سلام.

وابا خوام.. لازال ابا خوام...

.....

وبعد سنين طويلة، وثقيلة00نهض ابي باكرا على هتاف وهلاهل.. نسوة (مربربات) يرتدين التنانير القصيرة، بمؤخرات عفلقية.. وشوارب (ضبة) مفتولة، مطلية باللون الاسود، ترتدي شماغا احمرا.. تهتف بحياة القائد الضرورة..

سال ابي المتجمهرين:

-من الان؟

اجابوا:

-الان صدام..

اراد ابي ان يتفوه بشيء ما، لكنه تردد.. وآثر الصمت..

عالم الهوامش اقتحم المدينة وسوق العمل.. لكن هل حدث شيء يستحق الثناء؟ لربما بحبوحة من العيش، لربما بعض العافية، والعلم.. (الفروخ) دخلوا المدارس، ولبسوا البنطال، وسرحوا (كفشاتهم).. لكن الهوامش لازالت هوامش.. والشعارات الرنانة تتطاير من اسفل الشوارب المتغطرسة.. التي كانت مخنثة منتوفه قبل بضع سنين، اما اليوم فيقف عليها الصقر وما اهتزت.. عادت ثقافة الجلد.. لكن بدلا من سوط الشيخ والسركال اضحى ابناء الهوامش يجلدون بسياط البدلة الصيفية (القطعتين) وجماعة الشوارب المطلية والقلم الرابض في جيب الزند، الذي ربما ما فتأ مترعا بحبره، مرتو، لم يستهلك.. لان حامله كما يبدو امي.. او لربما استهلك بعض حبره لا لكتابة مقال او قصيدة.. بل للوشاية بفلان وفلان.. لان فلان لم يهتف (للقايد )الضرورة، او لم يعلق صورة الرئيس المناضل لتزين جدران (ديوانيته).. او لربما ان فلانا لا يطالع جريدة الحزب.. الا يعجبه الحبر المهدور من اقلام الشوارب القطرية والقومية، التي تناضل من اجل شرف الامة و(امه).. ؟ ولربما احيانا، يُكتبُ التقرير البعثي، بسبب ان فلانا لم يرق لمؤخرة احد البعثية الشهام، ليس الا..

الحق اقول لكم، في هذه الجولة، لم يسلم ابناء العالم المتمدن من سوط اصحاب الشوارب المدبوغة، ايضا.. فلم يقتصر الجلد على ابناء الصرايف والهوامش فقط.. انها الاشتراكية.. والوحدوية.. والمصير المشترك لقطعان الامة العربية..

حرب وحصار.. وموت وجوع.. وشعب على حافة الانهيار.. لكن للحقيقة، حتى الشوارب المطلية لم تسلم من اتون الحرب والجوع والموت، هذه المرة.. وبالذات الشوارب التي تنحدر من عالم الهوامش، ومدن الطين..

ومرت سنين كثيرة ايضا.. سقطت الشوارب.. وانتعشت العمائم.. ابناء الهوامش هذه المرة ستكون لهم صولة.. وجولة.. (وياحوم اتبع لو جرينه).. حرب.. ايضا حرب.. وجوع.. وانهيار للخدمات.. و(عبسكة) صار يقود القطعات..

الهوامش كتب عليها ان تضل هوامش.. (خرط )السوق.. وخرطت السراويل.. والمدارس صارت جوامع.. والجوامع مدارس.. درس العنف والكراهية هو اول الدروس، واخرها، ومابين الدرسين..

دمار.. قتل.. تهجير.. تفجير...داعش.. تكفير.. تزعير.. لاشيء يتلى على مسامعنا من خلال نشرة الاخبار المسموعة والمرئية والمعاشة الا هذه العبارات والمزامير.. كل شيء موجود هنا الا التفكير..

هنالك اخبار جيدة عن نهضة للشباب المتنور.. ومنظمات المجتمع المدني.. وبحبوحة من الوعي.. لكن الجو العام معتم والضلال كثيفة والمتمترسين خلف العمائم زورا، لازالوا (معرتين) بالكراسي، والمناصب المرموقة، ومراكز القرار..

وايضا بعد سنين... ايقظني ابني ذات قيلولة ما بعد الظهر.. انهض انهض يا ابي

فسالته وانا افرك، بكسل، عيني:

-هل من شيء؟

فأجاب:

-اصحاب التكاتك، يؤازرهم المتنورين..

انا:

لمن الغلبة اليوم.. ؟

هو: للشباب....

فقلت، بنبرة مترعة بالقنوط:

- لا تفرح ياولدي كثيرا.. لقد قالها، سعد زغلول قديما، (مفيش فايدة)...

........

بقلم: محمد السراي _٢٠٢١

 

عبد الله الفيفيأَسَـرَتْـنِـيْ بِطَـيْـفِهـا النِّـسْرِيْـنِـي

        في شَذاها الحُـرِّ.. ائْـتِسَارَ الجَنِـيْنِ

والضُّحَى يَبْـتَاعُ الخُطَا لِـحِصَانِـي

           مُسْتَـشِـبًّـا صَهِـيْـلَـهُ الشَّمْشُوْنِـي

قُلْتُ: مَنْ تا؟ مِنْ أَيِّ عَصْرٍ تَدَاعَتْ

          بِـسَمائِـيْ شُمُـوْسُهـا تَـغْـزُوْنِـي؟

أَ وَما زالَتْ تَصْطَـفِـيْ  شَـفَـتَـاها

          لُـغَـةَ الـماءِ في صَفَـا التَّـكْـوِيْـنِ؟

           ***

أَيْ قَنَادِيْلَ الشِّعْرِ، دَاوِيْ قُـرُوْحِي

          مِنْ أَسَـارِيْـرِ نَـثْرِهـا الزَّيْـتُـوْنِـي

يَـتَـهَامَـى مُهْـرُ القَـوَافِـيْ نَمِـيْـرًا

           تَشْتَـفِيْ مِنْـهُ راهِـبَـاتُ السِّــنِـيْنِ

سُحُـبِيْ الأُوْلَى أَثْمَـرَتْهـا فَـثَـارَتْ

            يـا لَـرُمَّـانِـهـا .. ويـا لَـلتِّـــيْـنِ!

أَخَذَتْـنِـيْ في اللَّفْتَـةِ البِكْـرِ بِكْــرٌ

       ما انْثَـنَى لِـيْ مِنْ بَعْدِها مِنْ حَنِيْنِ!

                ***

في سُرَى القُدْسِ مَوْعِدِيْ ، وأَنا لا

          أُخْلِفُ الـمَوْعِدَ الَّذي في جَبِيْـنِـي

تَـلْـتَـقِـيْ الآنَ شُـرْفَـــةٌ  بِـفَـتَـاةٍ

          يَشْرَبُ العُمْرَ كَأَسُها مِنْ وَتِـيْـنِـي

تَـلْـتَـقِــيْ  الآنَ  وَرْدَةٌ   بِـشَـذاها

         في نَدَى ناهِـدِ الرُّبَى مِنْ يَقِـيْـنِـي!

               ***

يا صَبَاحَ الوَجْدِ، ابْتَـكِـرْ لي نَهـارًا

         صَـوْبَ رَيَّـانَـةِ الجَـنَـا والجُـنُـوْنِ

دَمْعَـةٌ تَـسْقُـطُ ابْـتِسَامًـا شَجِــيًّـا

          لم تَـكُنْ قَـبْلَ فَجْـرِها مِنْ عُـيُـوْنِ

غَـيْمَـةٌ مِنْ حُلْمِ الكُـرُوْمِ  تَعَـرَّتْ

         في يَنابِـيْـعِ عِشْقِـيَ الجَـيْـحُـوْنِـي!

           ***

إِنَّها الشِّعْـرُ / طِـفْـلُـنا، وسَيَغْدُو

             طِـفْـلُـنا نَحْوَ بـابِـنا الـمَـلْـعُوْنِ

فاتِـحًا نَهْـدَ صُبْحِهِ في الـمَعانِـي

              لِـيُـغَـنِّيْ نَـشِـيْـدَ حُـرٍّ  رَهِـيْـنِ

ضَـمَّ  عِــرْزَالُــهُ السُّـهَـا  ورُؤَاهُ

         تَـغْـرِسُ النُّـوْرَ في بَغايـا الطِّيْـنِ!

        ***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

 

 

عدنان البلداويحُثوا الخُطى واخرجوا من مِحنة الزمنِ

فــفـي الـتـآلــفِ، تكـبو  شِــــدةُ المِـحَـنِ

 

صَـفّـوا  النـّوايـا ، فـللـتـاريــخ قـوْلـتُــه:

فــي صفحة الـدُّرِ أو فــي صفحة الدَّرَنِ

 

لا لـلـتـطـرّف ، والـتهـريـجِ، والـخَــوَرِ

فـســاعةُ الحَـسْــم  تدعوكم الى الـفِـطنِ

 

تـأبـى الأصالــةُ إلا أن يــكـونَ لـــــهـا

كـفٌّ تـصولُ بـها، في المَركِب الخَـشِنِ

 

(فـرّقْ تـسُــدْ)  حـقـقـوا فـيـهـا مآربَـهـم

ووحــدةُ الـصـفِ، انـقـاذ ٌمِـــن الـوَهَــنِ

 

إلامَ  يــبـقـى الخِـلافُ المُـرُّ، مُـنـتَـجَـعـاً

تــسـقـيـه  سِـرّاً، افـاعـي الغَـدْرِ بالـفِـتَـنِ

 

 

تـعْـدو الـذئـابُ، اذا الأســـوارُ غـائـبة

والـعـينُ فـــي غـفلةٍ، تشكو مـن الوَسَنِ

 

إنّ الحـروفَ ، إذا دوّتْ مـخـارِجـُهـــا

وفُـعِّـلتْ  ضد صوت الظـلم والضّغَـنِ

 

نِـعْـمَ الـنـشـــيدُ، لـفـتيـانٍ بـصَوْلــتِهــم

يـؤرّخُ الدهـرُ ، مــا أهـدوه  لـلـوطــن

 

أنشودةُ المَجْدِ، تحلو فـــي الشروق إذا

بـشائـرُ الـنصر عَـمَّـتْ سـائـرَ الـمُـدن

 

تـرَنّـمي  يـا قـوافي، فــي عُـلاكِ  كـما

يـلـيـقُ بالطـير، أنْ يَـشـدو عـلى فَــنَـنِ

 

تـبـقى الـحَـماسَـةُ فـي الأشـعـارِ فـوَّهَـةً

مـع الـبـنـادِقِ ، تَحكي  أقـدَسَ الـسُـنَــنِ

 

إنّ الأحـاديــثَ لا تُــجـدي  بِـلا  هـِمَـمٍ

كالسيفِ فــي قـبْـضَةٍ مَـعْـلـولـة الـبَـدَنِ

 

دلائلُ العَـزْمِ، فــــي الإيـمان مـرتَـعُـها

ومَـن تَحَـلّــى  به ، يـنْـجـو من الشَـجَنِ

 

إنّ التـرددَ  فـــي الإقــدام ، مَــنــقـصَةٌ

يُـجَـرِّئ الخصْـمَ، فـي سِــرٍّ، وفي عَـلـنِ

 

ولـلجـراحاتِ، فــي أعـماقِـهــا غـضَبٌ

لــن يُـوقِـفَ النزفَ  الأ عـودةُ الــوطـنِ

                   ***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

كتبت في خضم احداث فلسطين الحبيبة

بتاريخ 17-5-2021

 

عبد الناصر الجوهرييا خيمةَ الشِّعْرِ المُعنَّى

أيْقِظيني مِنْ  كوابيسٍ أعاني

كلَّ ليله

عُرْسًا رأيتُ بدون عزْفٍ؛

لم أجدْ في العُرْس ربَّاتِ الحِجالِ،

ولا الزِّفافَ،

ولا الحروفَ المُسْتقلَّةْ

مُفسِّرو الأحْلامِ قد رفضوا منامي

جاوزوهُ الآن كلَّه

وتشاءموا

لو كان عُرْسًا  للغِناءِ،

بلا عروسٍ،

أو شموعٍ،

أو أهلَّةْ

وكأنها حولي فراشاتٌ تُهاجر،

واسْتعاراتُ القطيعةِ بالأدلَّةْ

تأتي رؤايا لو أنا أفرْطَّتُ في حُلْمي

تشكَّل طائرًا،

أو في مظلَّةْ

وما رأيتُ واضحًا إلا القوافي

داعبتْ أُنْثى القصيدةِ

مَنْ دعاها

لا تمِلَّه

يا خيمةَ الشِّعْر المُعنَّى..

تُسْلبُ الأفْراحُ  حُلَّه

مُذْ أدخل البُرْجان لبْلابًا هجينًا

فالنَّوافذُ،

حوصرتْ؛

 كم فرَّ نوَّارٌ

مُعلَّقتي تُجلَّه

في مصْعد الأحلام

لا عانقْتُ نجْماتِ الأعالي في السَّماءِ،

و لا ضياءٌ في فؤادي

قد أظلَّه

ما خيَّروني

علَّني من نفْس إطْنابي

سأخترعُ الحداثةَ من تفاعيل البداوة،

 أو يرى التَّنغيم عِلَّه

و شحذْتُ وقعَ قريحتي؛

فاستبْعدوها

مِنْ كتَّابٍ،

أو مجلَّةْ

وردَّدوا :

"هل عاود الأمواتُ

مِنْ عين الحياةِ المُسْتدلَّةْ"

الشِّعْرُ "مُبْتديانُ"،ناصية الأحبَّةِ

شوقهُ شوقًا قديمًا

مِنْ عهودي لا أحلَّه

مُذْ جاورا

عطْرًا،

وعِلْمًا

وارتحالًا  للمحطَّات البديلةِ

رهن دلتاى المُطلَّةْ

قد طاردا كلَّ الغُيومِ المُضْمحلةْ

يا خيمةَ الشِّعْرِ المُعنِّى

لا أنا من "قليوب"،

أو "سوهاج "،

أو دلتا "المحلَّةْ"

ومِنَ المجاز

أرى البناياتِ  الثِّقاة،

فلم تزلْ  كالخلِّ

كم يشْتاقُ للخلَّان خلَّه

فلي الحوائطُ  كم نقشْتُ نصائحًا

للوافدين بعدنا،

وكتبُتُ بالدَّمْوع

أفكارًا

عباراتٍ بلا أتباعٍ،

وشلَّةْ

يا خيمةَ الشِّعْرِ المُعنَّى..

أيقظيني منْ أماسيكِ التي

تنسابُ  في  منامي كثْرةً،

و أناىَ قِلَّة

الشِّعْرُ ليس تسوُّلًا

ومُساومًا في لُقْمة العيش

المُذِلَّةْ

الشِّعْرُ كالتَّاريخ لي

نيلٌ تغنَّي،

أو  نقوشٌ  بالمعابد،

أو مِسلَّةْ

الشِّعْرُ مدْرسةٌ،

ودرَّسَ للدُّنى نظَّارُها الحرْفَ الأصيلَ،

الدَّارسون لا تملَّه

ومِنَ الرُّواةِ مَنْ أضاعَ  أصْلَ ترْجمتي،

ومنْهمو المعْروفُ ميلةْ

فهلْ أتى "الخليلُ "ليُسْعف القوافي

حينما لا ينزفُ التَّشْبيهُ حوْله؟

ظنُّوا بأنَّ الميْتَ لا يصْحو؛

إذا ألقوهُ مِنْ أعلى التَّفاعيلِ الحبيبةِ،

بينما لا دهْشةٌ تقتصُّ ؛

والمعيارُ ثُلَّةْ

فكَّرتُ لو قابلتُ واردهمْ

بجُبِّ متاهةٍ،

أنا كنْتُ منْذوًرا

لعُرْسٍ  في عمارات العرائس

لا يشْتهي للزَّهر طلّةْ

عرَّى عروضُ الشِّعْرِ مُنْتحليهِ ؛

حتى أجبروا  كل الورود  على الرحيل بحزنها

هل يأمنُ الشِّعْرُ  الأصيلُ

مَنْ أضلَّه؟

فأمامها مضى ابْنُ "سيرين" الحكيم،

يُفسَّر ابتلاءاتي،

فكمْ يفسرَّ  الأحلامَ،

ما أتاهُ أىُّ امرئٍ إلا ودلَّه

وبينما مُعبّرُ الرُّؤى أمام حشْدهِ

مَنْ يفْقهُ الأحلامَ يكتم فقْههُ

حتى يشلَّه

فلستُ صاحبَ العُرْس  الكبير،

إنِّني دعيتُ للحُضور،

 وقد أيقنتُ في قرْبي محلَّه

فأيْقظيني

ما رأينا في عماراتِ "العرائس"

اللِّبلابَ - لو يومًا عَلَا -

حجَبَ الأهلَّةْ

ياربُّ - عذرًا - لا تُسلِّطهُ على أحدٍ سواىَ،

ولا تضلَّه

قد ضقْتُ في المبْنى بهِ

ما كان للمُتسلِّقِ  المُسْموم ملَّهْ.

***

شعر: عبد الناصر الجوهري - مصر

 

 

اكرم جلالحينما يكون الجاني حُرًّا طليقًا، والمظلوم في غياهب السجون، إلى أين نحن ماضون؟

حينما تكون الدولة رسمٌ قد لفَّه النسيان،

والعدالة حرَّةٌ دنّستها الأوثان ..

والقانون عفيفةٌ بيعت في سوق النخاسة،

فتجرأ عليها أهل الوضاعة والنجاسة،

وأنكرَها المدّعون ..

إلى أين نحن ماضون؟

 

حينما تغدر الحَليلَة بزوجها، وتتحول الخيانة الى مُتعة،

حينما يعقّ الولد والديه ويعتبرها رجولة،

ويعتدي الأخ على أخته وأخيه .. يا لها من بطولة،

 

حينما يكون الغدر فنٌّ

والنفاق مهارة،

والغشّ إبداع،

والسرقة شطارة،

أسألكم ايها اللاهون الى اين نحن ماضون؟

 

حِينما تُقلب المفاهيم ويظنُّ البعض جهلاً أن المبدأ والختام

وغاية المرام في الصلاة والصيام !!

 

حينما تُنْحَرُ العقيدة على أعتاب المنابر

ويُحوّل  الفكرُ إلى طقوس وشعائر،

مليئة بالرياء،

بعيدة عن سُنّة الأنبياء والأوصياء،

حينما نلطم الصدور على إمام غيور

قطع الحجّ وسار بالأهل والعيال من أجل كلمة ذات مضمون،

اسالكم .. إلى أين نحن ماضون؟

 

حينما يُهان المُعلم على يد الوضيع وتُسحق كرامته أمام الجميع،

وحينما لا يوقر الصغير الكبير  ولا يعطف الكبير على الصغير ..

 

حينما تضيع الأيتام في محضر الكرام وفي زحمة الأيام

وتتحول الأرامل الى مغانم

لتتلقفها أيدي اللئيم والخؤون، أقول: إلى اين نحن ماضون؟

 

حينما يصمت المثقف ويظن أن بصمته كبرياء واعتلاء وإباء،

 

حينما تكون الخيانة شطارة

والعَمالة تجارة،

والوطن رخيص كالحجارة..

 

حينما ترى المشهد وقد تسيَّده الأراذل،

ضباع .. بين خائر وسارق ومتخاذل،

يحق لي أن أتساءل:

إلى أين نحن ماضون؟

***

د. أكرم جلال

حيدر جاسم المشكورفي العمر كم غربة

عندما كنت سجين خوفي

احلمُ بشجاعة

امسك زمام فرسي

أجول في مروج المنى

اقبّلُ تلك الشهباء

أبلهٌ يقبّلُ بلهاء

ويسكر في ملحمة حبٍّ بلا نهاية

وبسالة منقطعة الغباء

ينتفُ ريش وسادته

يأكل بيض دجاجته الذهبية

ويسلخ نفسه من عهن الحاضر

وإفلاس الواقع

ينام بحضن حلم أشقر

يداعب جسد الوهم

ويمشط خصلات أمل طفل

ويسرفُ قبلات شقراء

**

في العمر كم غربة

لأني أتنفس النفط

غبار صحراء الجزيرة

مطبات شارع السياسة

ونهر يدخن نرجيلة الهزيمة

قررت التغرب والنسيان

فعقلت قلبي في جيب حقيبتي وتوكلت

لأننا مجرد حلم كإسلافنا

كلما اوقظَنا الفكرُ

أسبتنا الفقرُ والحرمان

**

أنتِ بالفطرة بنتُ الجواهرجي

وأنا بالفطرةِ ابن عتال

حملنا الدنيا فوق رؤوسنا

عرِقنا شقينا

عملنا بصدقٍ كالأنبياء

حصدنا الويل

في جيب قميصك صلُّ غفران

وفي جيب قميصي آثار حبر

وجذاذة أملٍ

ودعاء أمي

وصورة طبقَ الأصل لهويتي المفقودة

**

أنا وأنتِ ننتمي إلى خطيئةٍ واحدة

أبوين أفرطا بالحب الكاذب

فأنجبا وطناً في وسط غابة

في غربة وشتات مذاهب

***

حيدر جاسم المشكور - العراق

15 ايار 2021

 

 

علي الشوابكةواضرب لهم مثلا

بصومك الطويل

وصمتك الطويل

وصبرك الطويل

وليلك الطويل

وظلمك الطويل وجهام من المتفرجين

طويل طويل طويل

أوّاه ياالفارسُ الكنعانيُّ! لن يسرقوا من خيالك

لذة العسل الكنعاني

ولسعة اللبن الكنعاني

ومن شغافك

أني القادم من آدوم ومؤاب بزيت للقناديل

(2)

مخبوءٌ في شفتيك

عسلٌ أصلٌ مذ كنعان

وأنا أخبّىءُ

لهفاً ميشعيّاً

ممتدًا حتى الآن

(3)

عجلون

تلكم الجبال الشاهقات

حبيبتي

أمرّ من زيتها المعتّق كالياسمين

تُطلُّني

على كنعان

وأنا البكاء والحنين

والفتون

والجنون

والحقيقة

والظنون

(4)

من كنعان

أودعت

بورا من شغافي

جديلة من الخروب

وغابت..

(5)

مهما تحملني الطائرات بعيدا

أنا هناك

طفولتها

ونغاشتها

ودمعها وحيدة بالليل

وأنوثتها البالغة حد غيبوبتي عن الوجود

حتى أعود

كنعانية الجديلة

بصلصال كفيها عسل ولبن..

(6)

على عناد الزمهرير

لا أسمع إلا صوتها

وكيفما تذروني الرياح

لاأفهم إلا اتجاها واحدا

ضاع مني على ضفة النهر

(7)

إيلياء

لها الله

تركت قلبي لديها

مبتهلا ياسمينا

وصحيفة ممهورة بخاتم الخليفة

عيني على صبيتها!

(عيال كنعان)

وحدهم

هناك

يتوضأون بلبن كنعان

... ويصدون الليل

بقناديلهم

أل من زيتونة مؤاب

(8)

الآن

سقطت ممالك الوهم

والقلاع التي حصّنت ظنّي عقودا من التفاهات

سقطت

...

...

حين تمرق السكّينُ من وريدك النّابض بطفولتي الباكية

(9)

وحدها الكنعانية تعض على بقايا المسجد

وليست لديها إلا جديلة هي يانتظار الفارس العربي

ال...سيأتي

وقبائل السايكسبيكو حولها ما زالت تثرثر على شاطئ الخوف

ويحها القبائل!

يشغلها عن كنعان حرب (البرامج) الضروس

(10)

ليس للكنعاني إلا اليم

حينما يكسّرون جرار لبنه وعسله.

***

علي الشوابكة

 

 

محمد الذهبييا غزَّةَ الخيرِ عضّي الجرحَ واتقدي

                 هذا زمانٌ سطا فيه الهلافيتُ

واستصرخي عزَّ مجدٍ غاب أولُهُ

                      لكنهُ ببقايا العزِّ منحوتُ

لا تسمعي قولَ أفّاكٍ اذا اجتمعتْ

         تلك الخراتيتُ أو صاحَ الخراتيتُ

ضلّوا على دأبِهم يستصرخون منىً

                 وضلَّ جمعهُمُ شتٌّ وتشتيتُ

لكنني بتُّ للذكرى أراقبهم

            عفريتهم فيهمُ والخوفُ عفريتُ

يا غزةَ الخيرش دمعٌ سالَ أوديةً

             لو قد جمعناهُ لانهارتْ جواديتُ

لا درَّ درُّ الهوى إنْ لم أعشْ وطري

          ولم تعنّي على الدعوى الحوانيتُ

لكنتُ ناديتُ خمرَ الأرض تشربني

              وقلتُ للتينِ لا يعلوكَ ذا التوتُ

وقلتُ مهلاً بني حمدان ما سقطتْ

               تلك الربوعُ وأهلوها مصاليتُ

دكتْ صواريخُكُم كلَّ القبابِ عسى

         تصحو لهم قبةٌ أو يصحو سربوتُ

مهلاً بني عمنا ما هكذا وردتْ

                  نِياقُ قومِكُمُ والمجدُ مبتوتُ

لكنَّ مغواةَ قومي قلَّ واردها

                 والآن يوردُها غَزٌ وهاروتُ

يا غزَّةَ الخير ابني عِزَّ شامخةٍ

     واستصرخي المجدَ لا ينهاكِ مسحوتُ

يا غزَّةَ الخيرِ ضمّي لحنَ عاشقةٍ

            فوقَ الصواريخ أحيتها التوابيتُ

الموتُ قد يدْرِكُ الماضين في حُلُمٍ

                  لكنهُ نعتُهُم والموتُ منعوتُ

ما كلُّ من مات يوماً صارَ أغنيةً

              قالتْ لهم ميتةٌ قالوا إذنْ موتوا

يا يونسُ الحوتُ قد يحتاجُ تسبحةً

              سبّحْ بحمدٍ لَهُ كي يلفظ الحوتُ

عضّوا نواجِذَكُم يا قومُ واتحدوا

           لا تَرْهَبوهُم فما في القومِ طالوتُ

غنّوا لغزةَ صوتاً لا مثيلَ لَهُ

        دعوها تصدحُ بعضُ الناس مكبوتُ

                  ***

محمد الذهبي

 

محمد العربيفِتْيَةٌ لا يَأْبَـهـــونَ لـِلــــرَّدَى 

            بَلْ هُمُ رَمْزُ الْفِدَى غَيْظُ الْعِـدَى

رُكَّعاً فِي مَسْجِدِ الْمِعْرَاجِ صِنـْـــــــ

    ـــــــوِ الْحَرَامِ، وَ الْــعَدُوُّ مُـــزْبـِـــــدَا

شَاهِرًا سِـلاَحَـهُ مُعَرْبِـــــــدَا   

             فِي الْفِــنـَـاءِ وَاقِــفـًـا، مـهــدِّداَ

تَارَةً، وَمَرَّةً قَــتْـلاً، رضــــاً   

            "لإِلاَهٍ" قَــدْ قَضَى أَنْ يُـعْــبَــدَا

بِدِمَاءِ الْأَبْـرِيَـاءِ: أَهْـلِـــــنَــا   

            عُــزَّلٍ أَوْ يَقْذِ فـُـونَ جَــلْمَـــــدَا   

وَعَلَى مَرْأَى وَمَسْمَعِ الْوَرَى  

           إِنَّ للِــدُّنْيَــا كَـَــبيرًا سَــــيِّــــدَا!

لَايُسَاءَلُ، وَهَلْ يُسْألُ مَنْ قَدْ 

            جِيءَ بِـهْ، خَـلْـقاً وَحيدًا أَوْحَدَا!

فَسَلِ التَّوْرَاةَ: تَوْرَاتَهُمُ عَنْ  

            قَوْمِ مُوسَـى إِنْ أَرَدْتَ شَـاهِــدَا

مِنْهُــمُ، عَلَـيْهِـمُ، إِلَاهَــنَــــا  

           خُذُهُـــمُ، وَلاَ تـُـغـَــادِرْ وَاحِــدَا

عَجَبِي لاَ يَنْقَضِي، إِذْ يَدَّعِي

          عَمُّهُـــمْ سَامـِي*، خِلَافَ مَا بَـدَا

فَتَرَاهُ يَسِــمُ الْعُـدْوَانَ دَفـْــــــــــ

 ـــــــعًا وَرَدّا، وَالْقَــتِــيـــلَ إِذْ غَـــــــــدَا

فِي جَرَاءَةٍ يَرُومُ سُـــؤْدَدَا               

            مُجْرِمًا، مِـنْ كُــلِّ حَـقٍّ جُــرِّدَا 

لَكَ يَوْمٌ، لَيْتَ شِعْرِي، أَبَعِيدٌ

           أَمْ تُرَاهُ قَــدْ دَنـَـا، كَـيْ نَحْمَــــدَا  

          ***

محمد العربي

..................

تحية لأهلنا الصامدين، في وجه المعتدين المحتلين لأرض فلسطين، وتحية لليهود المسالمين، والأحرار من الأمريكيين وغيرهم من الأحرار،في كل زوايا الدنيا رأيناهم  متظاهرين، لحق الفلسطينيين مساندين، وإنا لنرفض التعميم، فهو سمة الجاهلين، ومعاذ الله أن نكون من الجاهلين ......

 

 

ناجي ظاهرمنذ بداياتها الاولى ايقنت رباب ابو الرب، انها لا يمكن ان تحقّق احلامها في البروز والظهور ورؤية وجه ربها، الا اذا ثارت وتمرّدت واخذت امر قيادها الى يدها، لذا ما ان بلغت سن الرشد حق وافقت على اول متقدم لها، غير عابئة بشخصه ومعّتمدة على منطق بسيط جدا، خارج بيتنا المحافظ افضل، من داخله، وعندما حذّرها والدها ابو الرب، مما قد تجرّه عليها موافقتها السريعة من مصاعب ومشاق.. ارسلت اليه نظرة مصمّمة لا تخلو من استخفاف وطموح، فاتحة فمها على افاق المستقبل السعيد والاحلام الوردية.

بسرعة انتقلت رباب للعيش مع زوجها الجديد، في حي الكرار القائم في مدينة رام الله، وفوجئت ان زوجها رجل متحرر يفعل ما يقتنع به ويحلو له غير عابئ بما قد يقوله عنه الناس ويرددونه من كلام. هكذا وجدت نفسها تعيش الليالي النقيضة لتلك التي عاشتها حتى الثامنة عشرة في بيت والدها القادر المحتكم، وبين اخوانها السبعة الجنود المسلحين، اندمجت رباب بسرعة البرق في حياتها الجديدة، وكان ان عرّفها زوجُها على صديق له، مقدما اياه على انه من منطقة الجليل في الاراضي المحتلة عام 48، بعدها عرفت انه من مدينة عرّابة البطوف، لتلتقي عيناها اول مرة بفتى احلامها، الذي رسمته وتخيلته، فما كان منها الا ان افتعلت حركة ذكية طالما دربت نفسها وعودتها عليها، لتجلس اليه على انفراد، وما ان جلس الاثنان احدهما قبالة الآخر، حتى خاطبت عيناها في لغة الهوى عينيه. بعدها اطلعته على احلامها في ان تكون صاحبة اثر يبقى، فدق على صدره قائلا لها انك وصلت الى العنوان الصحيح، واتفق معها على ان يُعرّفها على صديق له يعمل في مجال تصميم الازياء، وقد نفذ ما وعدها به، فدخلت الى المجال، ما وطد العلاقة بينهما، وادخلها معه ولصقه في منطقة اعمق من سابقتها،  الامر الذي لفت زوجها فخيّرها بينه وبين ذاك العرّابي، فاختارت الثاني لتنتقل معه للإقامة في بلدة مجاورة. فعلت رباب هذا كله رغما عن اهلها، وغير حاسبة لأي منهم، لا لقدرة والدها ولا لبنادق اخوتها السبعة، اي حساب، الامر الذي ادى الى قطع العلاقة بالماضي البليد والجري وراء المستقبل السعيد.

بعد فترة قصيرة.. اكتشفت رباب انها اخطأت الاختيار، بجريها وراء زوجها الجديد، العرابي، وشجعها على اكتشاف خطئها هذا، لقاؤها الجدّي بمُصمم الازياء  اياه، وتشجيعه لها، عبر تغنيه بمفاتنها.. على انه بإمكانها ان تضاهي بجسدها الريان كل عارضات الازياء في العالم- شرقا وغربا، والحقيقة ان رباب كانت ذات حضور قوي، عينان ناعستان، وجه مستدير وشعر مفروق من منتصف الراس، اضافة الى قدّ اقل ما يمكن وصفه به انه مياس.. يميل كلما مال الهوى.

بدون تطويل، لا مكان له في قصة مركّزة، عمل مصمّم الازياء لرباب من البحر مقاثي، واكد لها انها وصلت هذه المرة حقيقة الى العنوان المنشود الصحيح، لتضع قدمها المباركة على اولى درجات سلم المجد الشامخ الشاهق، وجاءت النتيجة المحتمة.. انتقلت رباب للعيش مع مصممها ذاك، ونفذ هذا بالفعل ما وعدها به، فظهرت في عرض ازياء صغير ومحدود، الامر الذي مكن رباب من اكتشاف انه اسوأ من سابقيه، وانه عليها ان تحك جلدها بظفرها.. وليس باي ظفر آخر.

استأجرت رباب شقة عبارة عن غرفة صغيرة ومستتبعاتها الحياتية الضرورية، وشرعت في العمل لتعيل نفسها بنفسها، وكثيرًا ما كانت رباب تستعرض شريط حياتها الماضية، فتشعر انها يمكن ان تثبت لنفسها اولا ولأهلها ثانيا وللمجتمع ثالثا، انها ليست رخيصة كما قد يخيل لهم، وعندما قالت لنفسها " الضربة اللي بتقتلكاش بتقويك"، انتشرت على وجهها ابتسامة عريضة كأنما هي نقول.. ان المستقبل ما زال امامي ولما يضحي ورائي بعد.

عملت رباب في البداية في كل عمل تيسر لها، وكان ان تعلمت مهنة الشيف/ الطباخ فأتقنتها، وابدعت فيها، الامر الذي جعل الاموال تتدفق بين يديها مثل الرُز، وشرعت في تحسين اوضاعها، شاعرة بنعمة الاستقرار، ونقمة الانتظار.. في الآن ذاته، ولم يطل انتظارها طويلا فقد ارسل اليها الله صديقة فيسبوكية، قامت بتعريفها على مجموعتها الخاصة، وهو ما ادى الى ملء اوقات فراغها من ناحية، وجدّد املها في الظهور والبروز.. كما نازعتها نفسها منذ كانت طفلة في بيت والدها ابو الرب. هكذا شرعت رباب بمرافقة تلك المجموعة، فراحت تحضر حفلاتها بما فيها من الافراح والليالي الملاح، من اعياد ميلاد واعراس، بل وندوات شعرية وادبية، وكان ان ظهرت خلال احتفالات مجموعتها تلك كرقاصة ذات مقدرة مميزة، وطالما تذكرت تلك المبارزات الرقصية التي خاضتها في هذا الاحتفال او ذاك، لتسجل انتصارا تلو الانتصار على من تجرأت على منافستها.. وعلى غيرها ايضا. اما في الندوات الشعرية والادبية فقد كانت تجلس ساكتة صامتة، شاعرة انها لا تصلح الا للاستماع، وقد بقي وضعها هذا على ما هو عليه، الى ان اكتشفت صندوقها الاسود الضائع بعد السقوط المريع لطائرة حياتها، كان ذلك لحظة جلس الى جانبها شخص مربوع القامة حاد النظرات، عرفت فيه احد شعراء المجموعة.. جرى بين الاثنين حديث، تمّ خلاله الاتفاق على ان يتبناها، وان يرشدها الى كيفية كتابة الشعر، وعندما قالت له انها لا تعرف شيئا يذكر عن الشعر، دق على صدره وقال لها.. محسوبك يعرف.. لا تقلقي.. 

خلال هذا اللقاء وبعده، استفاق حلم رباب ابو الرب القديم من هجعته، وتصوّرت ذات ليلة اخوتها السبعة وقد امتشقوا بنادقهم وصوبوها نحو صدرها، فما كان منها الا ان تناولت ديوان شعرها الاول من صدرها، وقدمته لهم اثباتا دامغا على براءتها وطموحها المُشرّف، عندها رأت اخوتها يتراجعون رادين بنادقهم الى الخلف وواضعينها على اكتافهم.. عائدين من حيث اتوا.. افاقت رباب من تصورها هذا.. لتعيش فيه.. فاتصلت بصديقها الجديد وذكرته بوعده لها ان يعلّمها كتابة الشعر، فما كان من هذا الا ان طار اليها ليحط بعد لحظات على حافة نافذة غرفتها الصغيرة تلك، ولم تنته تلك الليلة، الا بعد ان وضعت رباب قدمها الاولى على اول درجات سلم الشعر السامق العالي. بعدها قامت، بتشجيع من شاعرها، بنشر قصيدتها الاولى، ولم ينس الشاعر الهُمام تشجيعها على نشر صورتها الى جانب قصيدتها هذه ففعلت، لتأتي النتيجة الفورية المبهرة: انهالت عليها التعليقات من كل قمر ونجم.. ونصّبها قراؤها اميرة في مملكتهم الشعرية.

ابتسمت رباب وهي تطالع تعليقات المعجبين وبعدهم المعجبات، فاقتربت اكثر من صديقها الشاعر، ملحّة عليه في وضع المزيد من الكتابات الشعرية الخاصة بها، فاستجاب لها، فكتبت قصيدتها الثانية.. فالثالثة، وهنا شعرت انها باتت.. بين لحظة واختها.. شاعرة مشهورة ولها معجبوها المنتشرون في جميع انحاء البلاد، وقد شجّعها نجاحُها هذا على ان تتقرب اكثر من شاعرها، فما كان من هذا الا ان انتقل للإقامة معها في شقتها الصغيرة، على اعتبار ان عش العصفورة يتسع لشاعرين، وقد ترافق مع انتقال شاعِرها للعيش معها في عش العصفورة، في تكثيفها كتابتها الشعرية، وما ان انتهى شهرٌ قمريٌّ على كتابتها الشعر، حتى اكتمل العدد وبات لديها ثلاثون قصيدة. عندها صعد شاعرُها درجة حرارتها فاقترح عليها ان يتوجّها الى مطبعة معروفة ومشهود لها في مجال طباعة الكتب خاصة. بعد ايام صدرت المجموعة الشعرية الاولى للشاعرة رباب بنت ابو الرب...

 بعدما حرصت رباب على تكثيف نشرها ما تكتبه من اشعار في صفحات الفيسبوك.. بمساعدة شاعرها ذاك، وتوصيله الى اهلها بكل الطرق الممكنة وغير الممكنة ايضا، ضربت ضربتها الجدّية الاولى، فأرسلت الى اهلها.. بطريقة ابداعية مبتكرة.. ديوانها الشعري الاول، لتتلقى بعد ايام قليلة، رسالة من والدها واخوتها السبعة.. يخبرونها فيها انه بإمكانها زيارتهم  مؤكدين لها انها رفعت راسهم في البلد. ما ان تلقت رباب هذه الرسالة حتى ضمّت شاعرها الى صدرها.. وكأنما هي تضم المجد.

 

قصة: ناجي ظاهر

 

 

نبيل عودةالباب يقرع بشدة. افتحوا ابواب الداهرية ليدخل الأباليس. أو هي غادة حسناء جاءتني لأتغطى بها بدل اللحاف. أين اللحاف؟ عادة سيئة أن أقذف به كل ليلة على الأرض! لا أريد ان أتحرك لأجذبه بالرغم من أن نسمة هواء باردة تجعلني اتكور على نفسي كالقنفد.

من يقرع الباب .. وبإصرار وقح؟!

ما أروع النوم عندما تحتويك فكرة، بأن ما تتغطى به ليس لحافًا، وإنما حسناء. ليقرع الباب وليصحو غيري، انا لن أقوم!

قلت لها قبل أن تغادر بي الطائرة موسكو، بأني أشعر بأن قدمي تسوقانني للسجن.

قالت ببراءة ودهشة، وهي تضم ذراعي الى صدرها الدافئ، وسط نهديها:

- ولكن لماذا.. هل انت شرير؟

النهدان ينقلان لي، عبر ذراعي خفقات قلبها الواجفة المذهولة، لا تفهم ولن تفهم. والقرع أصبح في دماغي، رأسها يغطس وسط صدري، اضغط وجهها بيدي واتنشق عبيرها الأخاذ، قالت بتسليم:

- أكيد شرير.

اخذت رأسها بين ذراعي، وذاب الفضاء الفاصل بين شفاهنا، مددت ساقي بقوة، وأردت أن اتغطى جيدًا. قرع متواصل شديد. لن أقوم .. افتح؟ الجنة مغلقة!! أحلامي هي الجنة، والقرع هو جهنم، فكيف استجيب؟

- متى ستعود الي؟

- تعالي معي.

- لا أعرف لغتكم.

- أنا أعرفها

تلاقى القطبان، فحدثت ارتجاجات صدرية، النعومة تتحدى القرع، لن أقوم.

- ابق معي.

- يا ليت.

- انت لا تحبني.

- يروق لي ان أراك سعيدة.

- لا تهرب من الجواب.

- أكون حزينًا ان خطف الدهر ابتسامتك.

- أنت لا تحبني.

- أكون سعيدا بوجودك الدائم معي.

- لماذا لا تقول لي الحقيقة؟

- لأنك تعرفينها.

وغرقت في مد من قبلاتها، وعندما جاء الجزر .. كان القرع يتواصل بشدة.

هل أنا نائم؟

نحن غارقان في مقعد مظلل بالأشجار والليل والنسيم، ونهو موسكو يعكس النجوم بوضوح، وبجانبي التعاسة المنتظرة.

- اعترفي..

- انت تستطيع ان تسيطر على قلب المرأة..

ومدت يدها، وانفرجت اصابعها في حركة تشنجية ثم ضمت قبضتها وأضافت:

- هكذا..

- ولكني لم أخدعك..

- من يعلم؟

- أنتِ!

- أنا أعطيتك كل شيء.

- هذا يحز في نفسي.

- جميع الرجال من نوع واحد، أنانيون..

- لم أكن استطيع ان أرفض.

- أنا كنت أستطيع.

- ولكني استطيع ان اسيطر على قلب المرأة.. هكذا؟

وقلدت حركتها، واضفت

- وعندها آخذ ما أريد!

- أنت وحش .. شرير.

- لذلك أنا ذاهب الى السجن.

ورطبت دموعها المالحة شفتي .. افتح. قرع شديد ينرفزني، منذ شهرين لم يذوبنا العناق. لم تذوبنا القبل. لم نغب عن الوعي في انشودة الخلق .. منذ شهرين وآلاف الأميال تفصل بيننا، وأعصابي تتوتر من الطرق، ولكني جائع للنوم، للدفء والأحلام، لا شيء حولي، لملمت نفسي شاعرًا ببعض البرد حتى كادت ساقاي تلامسان رأسي. القرع شديد، من يقرع؟!

ها هي تطل بشفافيتها ورقتها، وجهها المشرق يحمل مسحة حزن. أمس بكت عندما خسرت عذريتها، واليوم تعطيها مسحة الحزن التي تظلل جمالها، رونقًا، ذا فاعلية شديدة.

وصلت الي وتأبطت ذراعي، ولم تقل أي حرف. سرنا في اتجاه غير معروف. لا أعرف ماذا اقول لها. اشعر بارتباك شديد. ضميري يعذبني. هل أخطأت؟؟

طلبت مني ألا أهتك عذريتها، واللذة لا تعرف حدودًا. استسلمت، وها هي اليوم حزينة، مستسلمة لعشقها وعاشقها.

وصلنا الى حديقة غوركي. جلسنا. لففت ذراعي حول كتفيها. استسلمت والقت رأسها فوق كتفي. لحظات وسالت دموعها بغزارة.

ازداد ارتباكي. يجب ان اقول شيئًا، قلت:

- اني أتعذب..

قالت من خلال دموعها، وهي تحيط خصري بذراعيها:

- ليتني لم أتعرف عليك.

- كفي الدمع.

- لم يبق لي شيء غيره.

- وأنا .. هل تنازلت عني؟

- ستعود الى وطنك، وتكون لك واحدة غيري.

القرع شديد، أحاول أن أستوعب مصدره، فأرى وجهها، فاهتف:

- أحبك.

بحلقت بي عيناها الدامعتان بدهشة، ويداها تضغطان ذراعي.

- نعم أحبك..

- لا أصدق..

دموعها تثيرني، وشفتاها؟ لم أكن أستطيع ان أقاوم.

- أحبك.

قلت بقوة وضممتها الى صدري، وأخذت شفتيها بين أسناني، استسلمت لحظة، ثم ابعدتني عنها بقوة.

- سيرانا الناس.

كانت ابتسامة حزينة تعتلي شفتيها:

- حبنا أقوى من الناس.

أخذت تجفف دموعها. كنت أشعر بحزن شديد. كثيرًا ما حاولت أن تجرني لأقول لها أحبك، ولم أرد ان أعترف بالحب. فأنا لا أستطيع ان أكون لها. ولكن يجب أن تكوني سعيدة يا حسنائي، انتزعت منك الشيء الذي لا ثمن له، فلأعطيك بدلاً منه كلمات، صادقة أم كاذبة؟ وما الفرق؟! الست سعيدة بها ...؟ أحبك. أحبك. أحبك.

أخذت اردد هذه الكلمة .. واخرجتني ابتسامتها التي أشرقت كشمس الفجر من حزني واضطرابي وتوبيخ ضميري. وواصلت الترديد بنشوة، رغم الضجة التي لا أعرف كيف تتسرب لنشوتي:

- أحبك.. أحبك .. أحبك.

وضعت اصابعها فوق شفتي، وقال بمرح حزين:

- أحد الأمثال الروسية يقول: ان الحب هو مجنونان اللذان يصنعان الثالث.

- ولكنا لم نصنع الثالث بعد..

- انا وأنت اثنان..

- والثالث؟

- دعك منه، فلن يكون.

- أحبك.. أحبك .. أحبك.

- هذه هي حصتي منك.

- لماذا أنت حزينة؟

- بل أنا سعيدة..

- لن اخطئ معك مرة أخرى.

- فات الأوان، لم يعد مجال للخطأ.

- لا أفهم.

- هل تحبني؟

- ألم تقتنعي بعد؟

- اذن فأنا كلي لك.

- أنت رائعة.

- لقد أعطيتك كل شيء.. أعصابي .. عقلي .. جسدي.

- هذا هو الحب الحقيقي.. أنت أغلى شيء عندي.

لماذا هذه الضجة؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟

- ما أعطيتك اياه لا أستطيع ان استرده. وانت تستطيع ان تسترد كل شيء. انا قدمت اقصى ما تستطيع فتاة أن تقدمه وانت لم تقدم سوى حبك.

- من الممكن ان تصبحي فيلسوفة؟

- الرجل يلقي بجراثيمه في كل مكان، والمرأة تتلقى فقط!!

- عدم مساواة جدير بالدراسة.. ولكن بالمقابل قدمت حبي.

- شكرًا، سأحتفظ به في أحشائي.

- سنصبح ثلاثة؟

- سنبقى اثنين.. مجنونين.

- ولكن.

- أنا الآن اريدك.

- كما أردتك أنا أمس؟

- بل كما أردتني دائمًا.. ومنذ أول يوم.

- وهل انت لم تريديني مطلقًا؟

- الآن زال الحاجز.

- أنا المذنب.

القرع على الباب ينرفزني، يجذبني من أجمل أيامي، سراب يشملني. اين أنا، ولما الضجيج؟ وحبيبتي تتوهج قربي، رائعة كما أعهدها. دفنت رأسي في صدرها هربًا من الضجيج. احطتها بذراعي، قبلتها في اعلى عنقها، احتمت من شفتي بصدري، ورغم الضجيج وصلني صوتها الحزين.

- متى ستسافر؟

- بقيت سنة وآخذك معي.

- هنا وطني.

- وهناك أنا.

- أنت لست وطني.

- سأعطيك أكثر..

- كل شيء يفنى.

- هذا مشترك لنا.

- ما عدا الوطن.

- انت عنيدة.

هزتني قرعة في قمة الشدة، فعدت الى نفسي، الآن أميز قرعًا حقيقيًا على الباب، ترى من يقرع الأبواب في منتصف الليل؟ هل أقوم؟

أمس، عندما قمنا بالمظاهرة تنبأت بالاعتقال. طريقة بوليسية كلاسيكية دمقراطية. هل يكون البوليس؟! لا أحد غيره يستعمل الدمقراطية لإقلاق راحة الناس في الليل. قرع متواصل مرفق بكلمات عصبية، يروق لي ان أتحدى. لن أقوم. حنين جارف لاستعادة الذكريات العاطفية، قرع وقرع ثم قرع. النوم يشدني بقوة مغناطيسية تفوق شدة القرع. يسرني أن أجرب الاعتقال. لا شك أني متوهم. هل يعقل ان اعتقل على عمل لم أفعله بعد؟

هنا دمقراطية، هنا ..

- تفتاح مشطاراة .

(كلمتان بالعبرية : افتح شرطة)

قرعت أذني تلك الكلمتان العبريتان. يبدو أني غارق في حلم اسرائيلي. هل يجوز ان تصل السخافة الى حد اعتقالي؟ أشعر بحركة خارج غرفتي. جزء من الحلم أم أحد افراد العائلة سحبه القرع من نومه؟ لأنام بعمق ولأزيد مقلقي راحتي نرفزة. الضوء يملأ غرفتي فجأة. والدي يهزني... شيء من التثلج يسري في أطرافي، أريد أن أنام، ان أستعيد ذكريات الانفتاح العاطفي، ذكريات الدخول للرجولة بمعانيها وأبعادها المختلفة. لا أروع ولا أجمل من ذكريات عهد جديد انفتح في الأفق، وجهها المشرق يلوح لي... أحاول ابقائه في ذهني.

هزة عنيفة تجعلني استعيد الواقع. نرفزة وقهر يعترياني. لن أقوم قبل الهزة العاشرة. التثلج يذوب ويتحول الى تحد. التحدي يطرد النوم. الشرطة تنتظر، وأنا لن أقوم قبل ان يطول بهم الانتظار، قرعوا طويلا ما شاء لهم القرع، فلينتظروا ما شاء لي، وما راق لي أن أماطل. أحاول ان أعود لفتاتي، ابحث عنها في وعيي وفي لا وعيي. أناديها بصمت وإصرار. انتظر طيفها. ابتسامتها. عطرها. يعتريني القلق... هزة جديدة. هل هي العاشرة؟ أو ربما العشرون؟ اذن لأفتح عيني بمشيئة الآب والابن والروح القدس والدمقراطية والشرطة.

 

قصة: نبيل عودة

* (كتبت عام 1970)

 

قدور رحمانيالإهداء: الى قلعتي الشرف في غزة والجنوب


 

العيد

هذا العام ياأماه

أقبل راعفا

كل الكواكب

قـبّرات من دم ..

نغم الطفولة

قد تشكل في العشية شرفة

تروي

تفاصيل المسافة

عن جراح الموسم..

والأرض

في وشمي وفي حلقي

تئنّ

وفي منازل معصمي ...

أماه...

واندلعت سماءٌ فجأةً..

كل الجهات صواعق

مطر نحاسيٌّ .. دخَان شاهق ..

طفل بـهيٌّ

كان في قلبي يعد جراحه ..

سُــورٌ مسنٌّ

بين أضلاع المباني والصدى

كالذهن

تحت القصف ضائعْ ...

شكل بلا شكل

وأوردة هنا

وهناك جمجمة تئن وحيدة

والجو فاقعْ ..

 

كتب .. زجاج نازف

وضفائرٌ

سود

تهيم

على الثرى

وذراع طفل دون جلد أو أصابــعْ ..

سيارة الإسعاف مُهر غامض ..

نغم سماوي

يطارده نُواح الطائرات...

من أين يأتي الماء

يا نبع السرابْ؟

و لكل رشةِ ديـمةٍ خضراءَ

فوج من مدافعْ ..

لن يطفئوكْ ..

لن ينهبوا

أظلالك العليا غدا

ما دام

نبض الأرض يكبر رائعا

في صدرك العاري

كنوار المزارعْ ..

وزع

عناقيد الحزام على الزحامْ ..

لم يبق في هذا المدى

إلا حزامُك والرَّدى..

فجـرْ ...

فلا سقف يقيك ولا منامْ ..

ذبحوا

مزامير المراعي والندى ..

سفحوا

عبير البرتقال

و يتموا

مرح السواقي والحمامْ ..

زرعوا الجذامْ ..

نسفوا

فراخ الضوء فانصرف المطرْ

فتصوَّرِ الدنيا

بلا صحو يغرد أو غمامْ ..

يا أيها المزروع فينا كالشعاعْ

لا شـيء

يكبر في ملامح دربنا

إلا إرادتك التي

حولتَها شجرا خرافيا

على أرض الحزامْ ..

فجــرْ...

جهاتِ الجسم في كل الجهاتْ

فجــرْ ...

لتبتدئ الحياةْ..

***

لك إخوة

خلف الظهيرة قادمون

سلاسلا ..

آتون من ظل الحريق

فرائضا ونوافلا..

من خارج الدنيا عناقا

ساطعا

كالحب

من شهد الحبيب

تصبه

شهب الفناء جداولا ..

***

آتون

من قمة الطيب  التي انتشرت

وقامة البرق

و المرجان والشجر ..

آتون رقرقة

من ساحل التفاح

في وتري ..

آتون رفرفة خضراء

زوقها

سرب

من الحجل البري بالدرر ...

آتون من

أرَج الفرقان

هفهفة

شقراءَ مورقة

في كل فاتحة من طلة المطر ...

***

ماذا أقول إذا لم تستطع لغتي

أن تحتويْ

جرحها المفتوحَ في شفتي

و القلب يحضن كالقنديل جـمرته

و نارُه

أعشبتْ في كل زاويـةِ ..

 

من جبهتي ودمي العاري

ومن عضدي

و ركبتي

ويدي أطلقت أعْيِـرتي

أنا القيامة قد أطعمتها شهبا

من قامتي

و خيوط البرق أوردتي

يا جارة القلب والعينين مغفرةً

ما كنت

أملك إلا نزْف أخيلتي

أموت منتصبا

أَرضي على كتفي

ليكتب الموت فوق الشمس: "لم يمتِ"

***

قدور رحماني

 

 

مَنْ مِنا لمْ يذكر وجه الشمس

حين تبارح لملمة الليل الدامس

كل نهارْ..؟

مَنْ منا لمْ يسمعَ آذانَ الفجرِ

والغبش الضارب في الافقِ على الامصارْ..؟

غزة، ليست كل فلسطين

والضفة الغارقة في النور

تلوي اعناق الليل

وتصرخ، يا للويل ..

وعكة، تنفخ في بوق نفير الفجر

وخليل الله يُجلجلُ،

هذا يومٌ، تتعافى فيه فلسطين من الذبح

هل هو كبح

لجماح العهر

أمْ تحريرْ ..؟

هل من تبرير..؟

**

اللعبةُ كبرى في كلِ فلسطينْ

وخارجها يحكي

قصص الموت،

وكارثة التهجيرْ..!!

فأينَ هو التحريرْ..؟

في الخُطَبِ الرنانةِ

في مواخير العهر السكرانة

أم في قتل الأطفال وفي التفجيرْ..؟

كيفَ يكون التحريرْ

وحدود فلسطين، مغلقةٌ تستجدي

لقمة عيش وحبة أسبرين..!!

كيفَ يكون التحريرْ

وصواريخ الأسر تستعبدُ مَنْ يُطلِقُها

فأين هو التحريرْ..؟

شعب الجبارين،

يعرف لعبة اولاد العم

ويعرف من يسبح في الدم

منذ سنين..

**

تركوكِ فلسطين عقوداً وعقودْ

تركوكِ قياماً وقعودْ

سلبوا منكِ الأرضَ

والعِرْضَ

سلبوا منكِ شجيرات الزيتونْ..

فأين هو "الياسر"، أين هو "الزعنون" ..؟

أين "جهاد" أين هو "الدرويش" (*)

وأين هو القائل :

نتعلمُ منكمْ كيفَ يكون الحرف

له وقُع السكينْ..!!

***

جودت العاني

20/05/2021

...........................

- الياسر / ياسر عرفات

- الزعنون/ قائد فلسطيني

- ابو جهاد/ قائد فلسطيني

- الدرويش/ الشاعر الفلسطيني الكبير

 

 

سليمان ـ عميراتمهمَا حاولتَ فإنك لا تستطيعَ تخيلَ كلّ الرّعبِ والإرهابِ الذي يمكن أن تعيشه في ليلةٍ ممطرةٍ من أيامِ شتاءِ 1996 في الجزائرَ، حيث يمرُ البلدُ بسنواتِ سودٍ دمويّةٍ، تكادُ تكونُ حربًا أهليةً على نطاقٍ واسعٍ، بين الدولةٍ بجيشِها ودركِها وشرطتِها وإرهاب لا وطنَ ولا دينَ لهُ.

على طريقِ برحالَ حيث كنا عائدِين من عنابةَ نحو منطقةِ حجرِ الديسَ، كنتُ حينها برفقةِ سائقِ سيارةٍ ينقلُنَا بمقابِلٍ وراكبَيْن من نفسِ القريةِ، كان الوقتُ يقاربُ العاشرةَ ليلاً، الجَوُّ شتوِيٌ باردٌ، والمطرُ يتساقطُ رذاذًا، وقد وصلنا إلى منتصفِ الطريقِ، بالضبطِ قربَ جسرَ وادِ زيادِ، رأيْنا من بعيدِ حاجزٍ أمنيّ على الجسرِ، سيارةُ الدركِ الوطنيّ بلْونها الأخضَرِ ورجالٍ في بَزَّاتٍ عسكريةٍ، لكننا لم نعرفْ لمنْ الحاجزُ؟ ما إذا كان للدركِ الوطنيِّ أم هو حاجزٌ مزيفٌ نصبتهُ إحدى الجماعة الإرهابيةِ، يَتَنَكّرون في زيِّ الدركِ والجيشِ، يستعملون أسلحتَهم وسياراتَهم، بعد خطفِها في الأشهرِ الماضيةِ.

المشكلةُ التي سنُواجهُهَا كبيرةً وخطيرةً، قد تؤدِي إلى حتفِنا، لا ندري مع من نتعاملُ، ومن هم الذين سيوقِفُونَنَا بعد قليلٍ، وهل يستعملون هويتَهم الحقيقيةَ أم يمتحِنوننا؟ لمجردِ خطأ بسيطٍ قد يؤدي بحياتنا جميعًا، إن تعاملنا معهم بصفتِهم دركًا وطنيًّا ثم فاجؤوننا على أنّهم إرهابٌ، هنا يعاملوننا كخائِنينَ، وتكون نهايتنا محتومةً، أما إذا تعاملنا معهم كجماعةٍ إسلاميةٍ مسلحةً ولهم حقٌ شرعيٌّ في القتالِ، وتعاطفنا معهم كانت نهايتنا على يدِ الدركِ الوطنيِّ، لم يعد الشعبُ يثقُ فيه لأنه بدوره لا يثقُ في الشعبِ، وقد تجدُ دركيّ لا يثقُ في زميلِهِ، وجنديٌّ لا يثقُ في شرطيٍّ وهكذا.. لشعراتِ السنينَ والأمرُ معقدٌ والقتلُ يتكاثرُ، لا أحدَ يثقُ في أحدٍ، هذه هي مشكلةُ البلدِ.

صَرَخْنَا في وجهِ السّائقِ، أنْ توقفْ وعُدْ أدراجَكَ بنا، فالموقفُ صعبٌ وخطيرٌ بلْ مميتٌ، لكنه ردَّ علينا منفعِلًا:

- فاتَ الوقتُ، إن رجعتُ يمكنُ أنْيطلقُوا علينا النّارَ.

وقدْ صدقَ في ذلكَ، فقدْ يحسبُنَا الدركُ الوطنيُّ من الإرهابِ، وإن كانَ حاجزٌ مزيفٌ قد يعتبرُونَنَا من الجَيشِ الذي يرونَهُ أخطرَ عدوٍ.

وهكذا استَمَرّيْنَا في السّيْرِ ودُرْنَا مع الجسرِ لنَجِدَ أنفسنَا أمَامَ الحاجزُ مباشرةً، وبمصباحِهِ اليدوِي يُصوبَهُ الدركيُّ نحونَا، في وُجُوهِنَا مباشرةً، ويسألُ السائقُ عن وجهتِنَا، وما الذي أخّرَنَا لهذا الوقتِ من الليلِ، وأننَا تَجَاوَزنَا حَظرَ التِجْوَالِ وحَالةِ الطوارئِ، شعَرْنَا جميعُنَا بالخوفِ الشّديدِ، وكادَ الدَّمُ يتوقَفُ في عروقِنَا، وبَطَأَ التنفُسُ فكانَ رَدُنَا على الدركيِّ مضطربًا وثقيلًا.

- أَنزلُونَا من السيارةِ وفتشُونَا ثم طلبُوا بِطاقاتُ هَوِيّاتنَا، وأخيرًا جاءَ الفرجُ، وكانتِ المفاجأةُ عندمَا طلبَ منَّا الدركيُّ العودَةَ إلى عنابةَ ودخولِ القريةِ من جهةِ الحجّارِ، ثم بَدَأَ يشرَحُ لنا أنّ هُناكَ جماعةً إرهابيةً الأخطَرُ وَطَنيًا على الإطلاقِ أمَامَنا وهم يُطَوِقُون المَكانَ، عَرَفْنَا منْ يكونَ قائدُهم الذي اشتَهَرَ بعُنْفِهِ وزرعِهِ الرّعْبَ في الأمنِ والشّعبِ، رَدَّ السائقُ مرتَجِفًا، وخَائِفٌ منْ أنْ يكونَ أحدُنَا من الإرهابِ أو الدولةِ:

- إنه المَانْشُو ذلك الأَغْوَاطِي الذي قتلَ الكثيرَ من ضباطِ الجيشِ والأمنِ، وستكونَ نِهَايَتِهِ سَارَةً للشعبِ الذي أرْعَبَهُ.

وسَمِعْنَا إطلاقُ نارٍ على مقربةٍ من الجبلِ المقابِلِ لوادِ زيادِ. هُنَا تَنهّدْنا رَاجِعينَ وكُلٌ يقولُ في قرارَةِ نفسِهِ الحمدُ لله أنّنَا لمْ نلتقِي بهم اليَومَ ولا من قبلِ ولا من بعدِ، كُنَا نُبْغِضُ عَمَلَهُمْ المَبْنِي على الشّرِ والقتلِ والخوفِ، كنّا نَرْهَبُ حواجز الدركِ المُزَيّفَةِ التي أخذَتْ الكثيرَ من الأبرياءِ في شَرْقِ وغَرْبِ البِلادِ.

***

الأديب سليمان عميرات

عنابة في 14 مايو 2021

 

 

ريكان ابراهيم(الى روح مايا كوفسكي)

أنا أرتدي الحجرَ الكريمَ لكي يقيني

العادياتْ

منهُ خواتمٌ في الأصابعِ او قلائدُ

حول جيدي

وعلى الزنودِ كتابةٌ منه تُخيفُ الحاسديْن

لولا الخواتمُ في يديَّ لعشتُ في ضيقٍ

شديدِ

سُبحانَك اللهمَّ سَخّرتَ الخليقةَ كلها في خدمتي

وجعلتَ لي القَدْحَ المُعلّى

وبقدرةِ الحجرِ الكريمِ تهابني الدنيا وتخشى

قولَ كلّا ...

والإنسُ والجِنُّ الرهيبُ مُيسّرانِ لحاجتي

قولاً وفعلا ...

انا لا أخافُ من العدوِّ وفي يدي تلك الخواتمْ

صاروخُهُ بَردٌ على جسدي ،وسيفُ

قتالهِ خشَبٌ جبانٌ لا يكرُّ ولا يُهاجِمْ

 

**

انا أرفعُ الصوتَ المُجلجلَ بالدُعاءْ

فأنا أسيرُ مَحبّتي للأضرحةْ

لا خوفَ من شرٍّ ولا عُسْرٍ ،اذا

واجهتُ أعدائي صرختُ بكلّ صوتي يا

شيوخ طريقتي ،آنتصروا

فيأتيني العَدوُّ مُكبَّلا كي أذبَحهْ

إنَّ الدعَاءَ لدى الضرِيحِ  يُعدُّ

أقوى الأسلحةْ

**

أنا أشربُ الفنجانَ أحياناً لأقرأَ

طالعي في ماتبقّى

فالقهوةُ العربيةُ المحروقةُ الشفتينِ

تُنبىءُ بالذي يُغنيك صِدقا

**

نابانِ من فيلٍ ومن أفعى ،وعُرفٌ من بقايا

هُدهدٍ مع وردةٍ تُدعى (لسانَ الثورِ)،

تُمزَجُ كُلُّها لتصيرَ حِرزا

في حَمْلهِ في الجيبِ مغزى

جَرّبتهُ وهو المُجرَّبُ في دكاكينِ الذينَ

يُمارسونَ السِحرَ لُغْزا

فأفادني وقهرتُ أعدائي بهِ

وسحرتُهمْ فتطايروا كثُغاءٍ

مِعزى .....

***

د. ريكان ابراهيم

 

علي القاسميفصلة من رواية "مرافئ الحب السبعة"

كانت الحافلة التي أقلت سليم وزكي من بغداد إلى بيروت تطوي الصحراء المترامية الأطراف طيّاًّ، والطريق تمتدُّ تحت أشعةِ القمر الفضيَّة امتدادَ البصر. لا شيءَ يحجب البصر أو يصدُّه في الصحراء، لا شيء سوى الرمال، رمال بِكر لم يطرقها طارق، ولم ينبت فيها نبت. تصرف عينَيكَ عنها إلى السماء لترى القمر مضيئاً ومحاطاً بالنجوم اللاهثة،فتشعر بعظمة الكون واتّساعه. وتعجب من امتداد الصحراء وشسوعها. ينطلق العقل من عقاله مبهوراً بين رمال الصحراء الذهبيَّة والنجوم الفضيّة اللامعة، وتقول في نفسكَ لا غرو أنَّ جميع الأديان السماويَّة الكبرى وُلدت في هذه البيداء، لأنّ أفكار السماء لا يتسع لها مكان إلا إذا كان باتساع هذه الصحراء.

نام معظم الركّاب في مقاعدهم، حتّى زكي الذي لم يفُه إلا بجملةٍ واحدةٍ بعد أن تحرّكت الحافة في بغداد:

- ها أنا ذا أغادر بغداد دون أن أودِّع حميدة وهي على بُعد خطواتٍ معدودةٍ مني!

على حين ظلَّ سليم ذاهلاً صامتاً، ولم يحطَّ على عينَيه طائرُ النوم.

إلى جانب سليم في الحافلة، جلس رجلٌ فلسطينيٌّ في الثلاثينيّات من عمره. بقي هذا الرجل يتطلَّع، مثل سليم، من النافذة إلى السماء والصحراء. التفتَ إلى جهة سليم فالتقت نظراتهما. قرأ سليم في عينَيه رغبةً في الكلام. كان يريد أن يتحدَّث إليه أو إلى أيّ إنسان، أو يحدّث نفسه بصوتٍ مسموع. قال له سليم:

ـ هل هيجتْ قريحتَكَ الصحراء؟

ـ ليست الصحراء، بل الاقتراب من الديار.

سأله سليم:

ـ من أيِّ بلدةٍ أنت؟

ـ دير ياسين، دير ياسين.

كان اسمها كافياً لفتح الجرح فاغراً في القلب. لم يقُل سليم شيئاً ولكنَّ عينَيه تضرَّعتا إلى الرجل أن يتحدَّث إليه، أن يزيد الحزن اشتعالاً، والجرح إيلاماً. قال الرجل:

" كنت نائماً مع أُمّي وأخي الكبير وأختي الصغيرة. أفقنا بعد منتصف الليل على صوت المدافع، ولعلعة الرصاص، من جميع الجهات. كان عمري تسعة أعوام. لن أنسى ذلك اليوم. خرج أخي الكبير ليستطلع الأمر. عاد بعد قليل بسرعةٍ: اليهود يهاجمون القرية. كانت دير ياسين بلدةً صغيرةً جميلةً على ربوةٍ عالية. وكانت بيوتها المبنيَّة من الحجر الأبيض تنتشر على السفوح بشكل متناسق جميل، وقد أحاطت بها أشجار الصنوبر والأشجار المثمرة. لم يكُن أبي معنا تلك الليلة، كان يقوم بالحراسة مع عمّي وخالي. عمّي كان مسؤولاً عن المدفع الرشاش المنصوب على أحد مدخلي القرية. أخذَنا أخي الكبير إلى طريق عين كارم، وأعطاني أُختي الصغيرة أحملها على ظهري، لأواصل السير مع عدد من الأطفال الآخرين وبعض النساء، ودَّعنا على عجلٍ وعاد. مررنا على مدرستي الصغيرة. كان الرصاص يمرّ فوق رؤوسنا مثل المطر. كانت دير ياسين مثالاً للتسامح والتآخي. حتّى اسمها مركّب من ديرٍ بناه راهبٌ مسيحيٌّ منذ قرون واسم مسجد القرية الذي بناه الشيخ ياسين. عند انبلاجِ الفجر كنا منهكين مذعورين. توقّفنا على ربوة في الطريق تطلُّ على سفح القرية. رأينا من بعيد اليهودَ يقتحمون بيوت القرية، يجمعون النساء والأطفال والشيوخ، يجعلونهم يقفون أمام  جدار ويطلقون النار عليهم. كان بيتنا في منطقة الجلجال ليس بعيداً عن الجملونة أو الخربة. كان أهالي القرية لا يتجرأون على دخولها ظنّاً منهم أنَّ القبور بداخلها مسكونة. لم أرَ والدي ولا أخي ولا أُمّي بعد ذلك اليوم. أُمّي بقيت تساعد الجرحى. قتل اليهود أكثر من 250 شخصاً في يومٍ واحد. إنّها مجزرة.  مجزرة..."

ثمَّ أطرق زيدان قليلاً، ورفع رأسه وأضاف:

ــــ إنَّ الصهاينة يستلهمون تراثهم الحربيّ كما ورد في الأسفار التي كتبها أحبارهم، وهي مليئةٌ بالحقد والكراهية. ففي سِفر يشوع 16:22: "وحرِّموا كلَّ ما في المدينة من رجلٍ وامرأة، من طفل وشيخ حتّى البقر والغنم والحمير بحدِّ السيف." وفي سِفر صموئيل15:3:" فالآن اذهب واضرب عماليق وحرِّموا كلَّ ما له، ولا تعفُ عنهم، بل اقتلْ رجلاً وامرأةً وطفلاً ورضيعاً وبقراً وغنماً وجملاً و حماراً". فتراثهم لا يشتمل بالمقابل على وصيةٍ مثل وصية الخليفة أبي بكر الصديق إلى يزيد بن أبي سفيان، قائدِ أحد الجيوش المتوجِّهة إلى الشام لتحرير أهلها من قبضة الرومان: " إنّي موصيكم بعشر كلماتٍ فاحفظوهن: لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً صغيراً، ولا امرأةً، ولا تهدموا بيتاً أو بيعةً، ولا تقطعوا شجراً مثمراً، ولا تعقروا بهيمةً إلا لأكل، ولا تحرقوا نخلاً ولا تغرقوه..."، وهي وصية نعلّمها لأبنائنا في المدارس، وقد سبقت مفهوم الغرب لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بأكثر من ألف وأربع مئة سنة.

كان اسمه زيدان. وكان عائداً من بغداد في طريقه إلى لبنان، ليلتحق بالفدائيِّين الفلسطينيِّين. وكان وجهه موسوماً بالشهادة والموت.

***

علي القاسمي

.........................

* علي القاسمي. مرافئ الحب السبعة ـــ رواية ـــ ط1 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012)، وللرواية عدَّة طبعات؛ وهي متوافرة على الشابكة للقراءة والتحميل في موقع "أصدقاء الدكتور علي القاسمي".