مصطفى معروفيســموت إلى السماء أريد نجما

عــلى كــفي يحط و فوق مائي

 

على حين ارْتَمى الغد في رماد

و كــان الوقت أبطأ من ورائي

 

تــهــاويل  الــمسافات اعْــترتْهُ

لــها بــللٌ تــناثر فــي ســمائي

 

أنا  نسق الحروف تجيش خوفا

و قــد أبــت الضيافة في دمائي

 

أداريــهــا لــعــل بــهــا يــباسا

تــأثَّــل  فـــي ذراهـــا بــالتواءِ

 

أرى قــمر العجائب ليس يذوي

و  قــد ألــف التمظهر في رياء

 

عــلى غبش الضحالة قد تردّى

و يــزعم أنــه عــن ذاك نــائي

 

كــراريــس  الــكــناية هــمَّشتْه

فــأوغــل فــي حــناياه الــتنائي

 

ألا كــم مــن أيــائل لــيس تغفو

تــخاف  تــرى كوابيس المساء

 

و  كــم من نجمة تصحو سؤالا

يــراودها  الــشرود بــلا انتهاء

 

إلــى أن يــسفر الصبح ابتساما

و تزهر في العيون ربى ضياء

 

و  أســأل عن مسارات التحدي

بـــلا  كــلل و جــحفلها إزائــي

 

مــنازلة الــسهوب تصير قوسا

إذا  أنـــا أُبْــتُ مــنها بــارتواءِ

 

عــلى فــرح تــهب طيور ظني

لــتصنع  مــن يدي خط استواء

 

مَــداراتــي لــديها كــل مــعنى

مــتى  ما طال في شجن ثوائي

 

ســمو الــحلم مــن حقي و إني

لــترأف بــي ظــلال الــكستناءِ

 

هرعتُ إلى جذوع الريح رهوا

لعل  صدى دمي يطري رثائي

 

هناك على ضفاف الفجر أمشي

و أرفــع عــند أجــملها لــوائي

 

هي  الأشجان تكرع سؤر عمر

عــلى ســيل الــغواية كــالغثاء

 

دهــاني أنــني أمــشي شــموخا

تــراني  في الطريق بلا انحناء

 

و  قــد أغشى المجالس للمعالي

يــقــدمني مــقــالي لا ردائـــي

 

فــقل  لــذوي المظاهر لا هنئتم

مــظــاهركم  كــهــوفٌ لــلبلاءِ

***

مصطفى معروفي

 

تجدها، في كل

الأشياء نفايات..

تتراكم عبر الأزمان

تعشش بين زواياها..

تلوث ابداناً وعقولاً

ثم، تقارع اشكال المعقولاتْ..

لتحرف معناها وخفاياها ..

العقلُ، مخزون فيه زمان ولى

وزمان الحاظر

تترنح فيه الاشياءْ

وتجرف في الضوء خطاياها ..

وتحمل في الظل سجاياها

صدقاً يعكس،

في العقل مزاياها..

فمتى يسطيع الانسان

على تنظيف نفايات العقل

ليمسي لا يحمل ضيم الأقنان..؟

ويصبح وجه لا وجهين

شخص لا اثنين

ومتى يتخلص عقل الانسان

من الأدران..؟

نفايات العقل تتكاثر كالديدان..

**

قال روائي القرن الماضي

" كولن ويلسون " في اطروحته:

طفيلات العقل "

(هن يتزاحمن

في لجة هذا العقل،

فيشوشن على منطقهِ،

حتى ينحرف عن خط الصدق)

مع الافكار

مع الناس

حتى في مسرى القداسْ..

ومعنى الوسواس الخناسْ..!!

لا ينفع فيها ضبط النفس

وكتم الأنفاسْ ..

**

طفيلاتٌ، تدخل عقل الانسان

زرافات، بالأطنان ..

فكيف يغربل هذا الكمْ ..؟

وكيف يغوص بأعماق اليمْ ..؟

ومتى يمتحن الأنسان شوارده،

ليس بإسلوب الصُم والبكمْ،

بل، تنظيف العقل

الطافح باللآمعنى

ليحدد طريق المعنى

بالأفعال وليس الكلماتْ..

**

نفايات العقل،

لن يشفى منها الانسان

بطقوس الأوهامْ..

وأشكال الأصنامْ..

يل يتحكم فيها

منطوق العقل

القابع في بحر القدرات..!!

***

د. جودت العاني

20/08/2021

 

 

هناء شوقيفريسة فراغي وقعت قبالة بابه الخالي من الزوار، كان أكثر ذكاءً من زيارتي! راح يفتح الباب مستقبِلًا إيّايَ رغم عدم إبلاغي زيارته، رُحت غارقة بالدهشة، (كيف يسبقني دون إعلامي له بالمجيء) قاطع ذهني السارح قائلًا: كيف دخلتِ من باب الخروج؟

تهتُ مرة أخرى، تنحنحتُ لأرتب جوابًا يليق بألغازه، سرق مني نحنحاتي وشدّني نحوه فتقاطعت النظرات وارتعش ما بداخلي وبقي هو في ثبات، قلتُ في سري: للتو جئتُ من مخاض حيائي، عيناهُ تبرق، ولعاب ثغره يزبد، فاقتنصتُ فرصة سقوطه وهربت نحو مكتبته لأفتش عن كتاب يحتويه، راح يسرق من الزمن ضعفي، رحت اختلس من جنونه أعذارا إلى أن وصلتُ باب الدخول هاربة من مبتغاي ، أخذ ركنهُ على مكتبه قبالة أوراقه والشغف، راح يكتب ويكتب ويكتب …

أنا ! أخذتُ الممحاة للركن القصي من رغباتي، رُحتُ أمحو وأمحو وأمحو…

ما بين حروفه وحذفي ظننتُه رجُلًا عاشقًا فسقطتُ في إسفلت ظنوني…

**

هناء شوقي

عبد الله سرمد الجميل- بماذا تُفكِّرُ هذا المساءْ؟

- أُفكِّرُ كيفَ انتهيتُ إلى ها هُنا،

وأفكِّرُ لو عادَ فيَّ الزمنْ،

تُراني سأختارُ نفسَ الطريقْ؟

أَمِ الريحُ تجري بعكسِ السفنْ؟

- أَأُعطيكَ تَبْغاً؟

- أنا لا أُدخِّنْ،

أنا تَبغُ هذا الزمانِ وخَمرتُهُ والشجنْ،

- ومِمَّ تخافُ وماذا تحبُّ؟

- أخافُ من الموتْ،

ولستُ أحبُّ الحياةْ،

- ومن ذا تُعاتِبْ؟

- أُعاتبُ ربّي:

لماذا أُبصِّرُ للناسِ شتّى المسارِبْ،

وأمّا مصيري فعنّي تحجَّبْ؟!

- وهل عشتَ حبّاً؟

- عشِقتُ فتاةً،

وأقسمتُ ألّا أُبصِّرَ فِنجانَها أو خطوطَ يديها،

ولكنّهُ الشكُّ عينُ اليقينْ،

فخانت وهانَ عليها جميلُ السنينْ..

***

د. عبد الله سرمد الجميل - شاعر من العراق

 

 

عقيل العبودراح ينصت لنبضات قلب أتعبه المخاض، علق سماعته الطبية، وانصرف بعيدا عن عينيها التي اغرورقت بالدموع

اتخذ الفقر طريقا بائسا، لعله يكمل تلاوته عن حكاية بقعة من الجسد طُعنت احشاؤها قبل يوم واحد

اكتظت أخبار الحي المتهالك بحضور بعض المسؤولين، بما فيهم أصحاب التحقيق الجنائي، ومع حضراتهم، اصطفت البيوتات تشارك الحاضرين العزاء

ابتدأت جولته الصباحية مع كدمات رسمتها كاميرات الشرطة لاحقا، أملا بالعثور على القاتل

حط عند جدران ذاكرته طائر يبدو ان له علاقة بحكاية المشهد

أمست حبات القمح تنتظر زهوها المنثور فوق بقاع الارض المحزونة؛ "ليتها لم تمت، ليت أنفاسها تعود كما كانت"- تمتم مع نفسه نيابة عن ساقية كانت أشبه بشاهد عيان

غاص الصوت بعيدًا، وقف بطريقة تكاد ان تكون اقرب من الآخرين اليها، لعله يعثر على إجابات لأسئلة غدت تلح عليه

انحنت عقارب الساعة على أعقاب تلك التمتمات، تركت بصماتها مع مكتنزات قصيدة أُجبِرَ صاحبها على الاصغاء، تزاحم الشعر مثل قلادة تناثرت أقراطها، اشتدت لغة الأنين، بينما عند منتصف الليل ارتدت النجمة البعيدة سر الحداد

وعلى غرار المأتم، بات الليل يجرجر خطوات الجسد المطعون بالحمى، يبحث عن أصل الظلمة، ينمو فيها، يسكن في منتصف القاع، يطرق أبواب الهلع الآت، يتقدم نحو بقاع الأرض المنحوتة بحطام الموتى، يحملُ اسرار الضوء الواهن، يبحث عن مسارات الغروب، يتحدث عن فلسفة الأشياء ، يرسم خارطة الاسماء، يحمل فجيعة الفزع المسكون ببقاع الأفق الغارق بالعتمة

اختفى القاتل عند اشباح النهايات الواقفة خلف الجدران، دون ان يعلم به أحد، أما العصافير فقد اطلقت صيحاتها بحثا عن مكان آمن

 

عقيل العبود

سان دييغو/ كاليفورنيا

 

سعد جاسمالعراقيونْ

دائماً يلطمونْ؟

يلطمونَ على ملكهم السومري

الذي لم يتركْ عذراءً

الا وفضَّ بكارةَ احلامِها

وتركَها هائمةً

في سوقِ المتعةِ والرغبات

 

ويلطمونَ على علي

حينَ غدرَهُ شيطانٌ

 بهيئةِ رجلٍ امويٍّ ودمويٍّ

غدرَهُ حينَ كانَ يحاورُ الله

في لحظةِ تجلٍ وصلاة

حيثُ شجَّ الملجميُّ

رأسَهُ النبويَّ

فسالَ دمُهُ نافراً الى الاعالي

وكانَ مضيئاً مثلَ كوكبٍ دريٍّ

دائماً يتوهّجُ ليضئَ

سماواتِ الحقِّ والحقيقة

ويزيحَ الظلمةَ والظلمَ

عن هذا العالمِ الموغلِ

في وحشته

وفي وحشيتهِ

وفي خرابهِ العظيم

 

والعراقيونْ

دائماً يلطمونَ

على عثمان وقميصهِ

وعلى عمر وعدالتهِ

القاتلة المقتولة

وعلى فاطمة وجنينِها المهدورْ

وضلعِها المكسورْ

وعلى الحسنِ وبناتهِ

وعلى الكاظمِ والصادقِ والرضا والعليل

وعلى القاسمِ واولادهِ

وعلى زينبِ الغريبة والعقيلة

والقتيلة في شام القسوة والوحشة

والموت الابدي

ويلطمونَ على الحلاجِ

والسهروردي

والمتنبي المقتول

 

وكذلكَ العراقيونْ

 يلطمونْ

منذ أنْ صارَ الحسينُ

وعيالُهُ ومآلُهُ

محضَ مذبحةٍ

من رؤوسٍ وكفوفٍ

وقلوبٍ تبكي

الى اللهِ

تبكي كلَّ هذهِ القسوة

وتبكي كلَّ هذا الغيِّ والغلِّ

وتبكي كلَّ هذا الكفر

وكلَّ هذا الحقدِ والجنون

 

ياالهي

هلْ يُرضيكَ

أنْ يبقى العراقيونْ

دائماً يلطمونْ

ودائماً ينحبونْ

ودائماً ينزفونْ

على ذنبٍ لم يرتكبوهْ

حيثُ إنهم لم يلمسوا الحسينَ

ولا هُمْ الذينَ قتلوهْ؟

 

والعراقيونْ

يلطمونْ

على كريمِ

الزعيمِ الحالمِ الفقير

الذي كانَ

 وربما أوهمَهُ الآخرون

بأنه حرٌ وشجاعٌ

ووطنيٌّ

ولكنّهم غدروهْ

وفي ظهيرةِ بغداد الكئيبة

كانَ القتلةُ القساة

والأجلافُ والرعاةْ

قد سحلوه

ثمَّ قتلوه

 وبوحشيةِ وصلفِ الزناةِ والشواذِ رموا جثّتهَ في النهرِ

وربَّما ...

في مستوطنةِ الذئابْ

 

يالذاكَ الزمانْ

يالهذا الهَوانْ

يالذاكَ العذابْ

يالهذا الخرابْ؟

 

والعراقيونْ

يلطمونَ على فهد

وسلام عادل

ومحمد باقر الحكيم

والعلوية بنت الهدى

والصدر الشهيد

ويلطمونَ على كاوه الحداد

ويلطمونَ على شهداءِ الحروبِ

التي تتناسلُ كلَّ يوم

وتنهشهم كعصفٍ مأكول

ولكنّهم صامتونْ

 

ويلطمونَ على ضحايا (حلبجه)

وضحايا (سبايكر)

وضحايا داعش 

وضحايا الفتنةِ السوداء

وعلى النساء

والاطفالِ والشيوخِ

والجنودِ والعمالِ والعلماءِ والشعراء

الذينَ أكلتهم أسنانُ الطغاة

ومخالبُ الحصارات

 وسكاكينُ المقاصل

ورصاصاتُ الكواتم

وفخاخُ الغفلةِ

ومفخ آآآآآآخ ات

 البهائمِ والعواصمِ

والجرادِ والقرادِ

والرمادِ والسوادِ

والتقاريرِ المريبةُ

(ولا غريبه .. ولاعجيبه

العراقي يصير

كبش المحرقهْ

والعراقي يصير

خركَه مشكَكَه

وصورهْ سوده

وركَبه تتلولح

بحبل المشنقهْ

كلها تلعب بيه

ويوميه تسمّهْ

وتزني باحلامه ومصيره

وقطعهْ قطعهْ

وكبدهْ كبدهْ

وعينْ عينْ

وروحْ روحْ

كلها ياللهْ تريدْ

تدميرهْ وخرابهْ

ومايظلْ عدنهْ عراقْ

ومايظلْ إلْنا وجودْ

نبقى بس احلامْ

واوهامْ وجثثْ

تبقى بَسْ المقبرهْ

الكلْها انينْ وذكرياتْ

وأحنا نبقى بلا وطنْ

وبلا حياة ْ)

 

ياإلهي : 

لماذا العراقيونْ

دائماً يلطمونْ؟

***

سعد جاسم

 

 

 

علي القاسميوكاثرين مانسفيلد

في أواسط الستينيّات من القرن الماضي، التحقتُ طالباً بالجامعة الأمريكية في بيروت. وبعد أكثر من شهر بعد بداية الفصل الدراسي، أقام رئيس الجامعة، الدكتور صموئيل كيركوود، حفلاً للترحيب بالطلاب الجدد. لا بُدَّ أنه كان مشغولاً جداً في بداية الفصل. وفي الحقيقة، هو مشغولٌ دائماً، فلم يلبث في الحفل إلا أكثر من نصف ساعة بقليل.

حضرتُ الحفل في أوَّلِ دقيقةٍ فيه، كما لو كان درساً من الدروس. وهناك التقيتُ بعض زملائي في مادَّة اللغة الإنكليزية. وهيمن على لقائهم شكواهم من صعوبة أستاذة تلك المادة الدكتورة سيرليَن ديلي. فهي، في بداية كلِّ أسبوع من الأسابيع الأربعة المنصرمة، تدخل إلى غرفة الدرس، وتقول : Quiz وهذا يعني اختبار دقيق سريع. ولم نسمع هذه الكلمة من أيِّ أستاذ آخر غيرها. ويتكوَّن اختبارها من سؤال واحد تكون إجابته قصيرة جداً، بكلمة أو كلمتيْن ولا تتجاوز السطر الواحد على أيّة حال، ويتعلَّق بالمعلومات التي أدْلَت بها في الأسبوع المنصرم أو بالكتب التي أوصت بقراءتها خلال ذلك الأسبوع. وفي الدرس التالي تعيد الأوراق إلى الطلاب وعلى كل ورقة منها علامة (0) أي صفراً.

عندما تجمعنا حول الرئيس، للسلام عليه، أثار أحدُنا مشكلتنا مع أستاذتنا الدكتورة سيرليَن ديلي، واتَّهمها بأنَّها تعاملنا باستعلاء وعدوانية، وأنَّنا سنرسب جميعاً في هذه المادَّة بكلِّ تأكيد. وختمَ مرافعته برجاء رئيس الجامعة ليتكرَّم بالتوجيه لحلِّ المشكلة. ابتسم الرئيس ابتسامةً ودود، وتكلَّم بهدوءٍ، يجمع بين لطف الطبيب مع المريض ودبلوماسية السياسي مع الجماهير ( فالدكتور كيركوود طبيب بالمهنة  شغل منصب عميد الكلية الطبية في تلك الجامعة سنوات طويلة، كما أنه ينتمي إلى أُسرة أمريكية عريقة في السياسة)، فقال:

ـ "إنَّ الأستاذة سيرليَن ديلي من أبرز أساتذة الإنكليزية في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى أنها أديبةٌ ومترجمةٌ معروفة، وهي أستاذةٌ زائرة نالت منحة من "برنامج فولبرايت" لتدرِّسكم سنةً واحدةً فقط، وهذه المنح محدودة لا ينالها إلا الأساتذةُ المتميزون. إنَّكم محظوظون لتلقّي معرفتكم اللغوية منها."

في تلك اللحظة وصل رجلٌ، ووقف خلف الدكتور كيركوود، وهمس في أذنه بكلمة واحدة وانصرف.  توقَّف الرئيس عن الكلام لحظة، ثمَّ وجَّه ابتسامته الودود ونظرته الحنون إلى كلِّ واحد منا لحظات، كأنه يلتقط صورةً لكلِّ واحدٍ بعينيْه النفّاذتيْن، ثمَّ استأنف كلامه قائلاً:

ـ "لم تُتح لي الفرصة بعدُ للتعرّف عليها شخصياً. لعلّها تشعر بنوعٍ من الغربة أو الوحدة، بعد مغادرتها بلادها وأهلها. كونوا ودودين معها واجتهدوا، وسترون أنّها سيّدة لطيفة وستبادلكم المحبّة والمودَّة.."

ثمَّ ودَّعنا بلطفٍ بالغ، وانصرف.

كان في الحفل كثيرٌ من أساتذتنا، وتحدَّثنا مع بعضهم، ولكن لم تلُح لنا الدكتورة سيرليَن ديلي.

وفي أوَّل درسٍ لها بعدَ ذلك الحفل، لم يبدُ أيُّ تبدُّل على طريقتها التدريسية أو سلوكها الشخصي؛ فأوَّل لفظٍ نطقتْ به لم يكُن تحية الصباح، بل تلك الكلمة المخيفة " Quiz". وكانت ملامحُ وجهها المتجهم تدلُّ على ضيقها وسأمها من جَهلِنا المكين. كانت في أواخر الثلاثينيات من عمرها، ولكنَّها تبدو لنا أكبر سنّاً بسبب صرامة تقاطيع وجهها الذي يخلو من أثرٍ لأي ابتسام. طولها متوسط، وجسمها رشيق، أقرب إلى النحافة. لا أمل لنا في أي تغيُّر يطرأ عليها. ولهذا التقينا ـ نحن الطلاب ـ بعد الدرس، لتبادل الرأي. وبعد مناقشة طويلة استقرّ الرأي على الأخذ بنصيحة الرئيس التي يمكن تلخيصها في كلمتين: "الاجتهاد" في قراءة ما تطلب هذه الأستاذة، وإظهار "مودتنا" لها. ولتحسيسها بمودتنا بطريقة ملموسة، رأينا أن يشتري أحدنا باقة ورد ويحملها عصراً إلى شقتها في الحيِّ الجامعيِّ ويقدِّمها إليها باسمِ جميعِ الطلاب. ولسببٍ أو لآخر، وقعَ اختيارهم عليَّ.

كان معظم الأساتذة يسكنون في شققٍ تضمُّها بنايةٌ مؤلَّفة من بضع طوابق، بالقرب من إقامة الرئيس الجميلة، التي تكمن في قلبِ الحدائق الغنّاء وأشجارها الباسقة، بين بنايات الإدارة والدراسة وبين الشارع الرئيس على البحر الأبيض.

وقفتُ أمامَ باب شقَّتها، وأنا أحمل باقةَ وردٍ أبيضَ مغلفةً بورقٍ زاهي الألوان، بيدي اليمنى بالقرب من صدري. ترددتُ قبل أن أطرق الباب. وأخيراً قلتُ في نفسي: لا بُدَّ مما ليس منه بُدٌّ، وطرقتُ الباب. بعد برهةٍ حسبتُها طويلة، وارَبَتِ الأستاذةُ البابَ، وألقتْ نظرةً فاحصةً عليَّ وهي تقول:

ــ "نعم؟!"

قلتُ:

ــ " مساء الخير، أستاذة. زملائي الطلاب يبعثون إليكِ بهذه الباقة من الورد، ترحيباً بك في بيروت."

وقدَّمتُ إليها باقةَ الوردِ الأبيض، الذي يرمز إلى الصداقة والمشاعر النقية.

قالت وهي تمدُّ يدها لتناول باقة الورد:

ــ " شكراً."

في تلك اللحظة، أخرجتُ يدي اليسرى التي كانت وراء ظهري وهي ممسكة بباقة زهور عصافير الجنّة الزرقاء التي ترمز إلى الفرحة والابتهاج والسعادة، وقلتُ:

ــ " وهذه منّي شخصياً."

فابتسمتِ الأستاذة ابتسامةً مقتضبة، ربّما بفعل المفاجأة، وقالت وهي تفتح الباب أكثر بقليل: " شكراً، تفضل أدخل."

أشارت إلى كرسيِّ في غرفة الجلوس، وسألتني:

ـ "هل تود تناول القهوة أو الكوكا كولا؟"

ـ "لا، شكراً. قلّما أشربهما."

جلستِ الأستاذة على كرسيٍّ مقابلي، فسألتها بأدب:

ـ " هل هذه أوَّل مرَّة تزورين فيها بيروت؟"

ـ " نعم. لم أزُر هذه المنطقة سابقاً."

ـ " اللبنانيّون في غاية اللطف والكرم. ولبنان بلدٌ جميلٌ جداً، يجمع بين البحر والجبل والطبيعة الغنّاء."

قالت:

ـ " هذا ما قرأتُه قبل قدومي."

ـ " هل جرّبتِ أطباق المطعم اللبناني؟ فمطعم الجامعة ليس لبنانياً في حقيقة الأمر."

" أحياناً أعدُّ وجباتي في الشقّة"

قلتُ:

" يُسعدني أن أدعوكِ في نهاية الأسبوع إلى مطعمٍ لبنانيٍّ للعشاء، ثم نشاهد فيلمَ " صوت الموسيقى"  The Sound of Music، إذا لم تُتَح لك فرصةٌ لمشاهدته من قبل. وكلا المطعم ودار السينما على بعد أمتار من باب الجامعة."

أطرقتْ هنيهة وقالت:

ــ " شكراً. لا مانع".

لم تكُن جرأتي تلك في دعوة الأستاذة نتيجةَ اجتهادٍ وابتكار ولا تسرُّع وتهوُّر، بل من المحتمل أَنَّني تأثرتُ بما قرأت في كُتيّب وُزِّع على الطلبة الجدد عنوانه " قواعد السلوك في الجامعة الأمريكية في بيروت"، ويقع في أكثر من مئة صفحة من القطع الصغير، ويتناول جميع القواعد التي ينبغي مراعاتها مثل ضرورة سكن الطلاب والطالبات في الأقسام الداخلية في الحرم الجامعي خلال السنة الأولى مع إمكان سكناهم بعد ذلك خارج الحرم الجامعي في ضوء نتائج دراستهم. وضرورة العودة مساءً قبل الساعة العاشرة ليلاً إلى القسم الداخلي. وعلقتْ في ذهني منه أشياء كثيرة مثل: يجوز للطالب الالتقاء بأيٍّ من أساتذته خارج الحرم الجامعي.

ومن ذلك أنني كنتُ أتناول القهوة أحياناً في (مقهى فيصل) القريب من باب الجامعة الرئيس، مع الشاعر اللبناني المرموق الدكتور خليل حاوي أستاذ الأدب العربي في الجامعة، وأرجوه أن يقرأ بعض قصائده الجديدة. وكان هذا الشاعر الفذُّ قد نال شهادةَ الدكتوراه من جامعة كامبريدج في إنكلترة، ورحَّبت به الجامعة الأمريكية في بيروت أستاذاً فيها، بعد أن كان يكسب قوته في لبنان من الاشتغال عاملَ بِناءٍ يرصفُ الطرق بالحجارة.

وقد شعرتُ بعميقِ الحزن والأسى عندما قرأتُ فيما بعد نبأ انتحار الدكتور خليل حاوي بطلقٍ ناري بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982؛ فقد كان مصاباً بالإحباط والاكتئاب الشديد، ولم تحتمل أعصابه المنهكة تلك الإهانة الموجهة للعرب جميعاً.

وعلمتُ بعد دخولي الجامعة الأمريكية أنَّ كُتيّباً مماثلاً عن قواعد السلوك في الجامعة يُوزع على الأساتذة الجُدد ويجيز لهم الالتقاء مع طلابهم وطالباتهم خارج الحرم الجامعي، بشرط عدم إقامة علاقات جنسية معهم. وكنتُ وأنا القادم من بيئةٍ قروية، أنظر إلى أستاذتي بمثابة الأُمِّ، مع الاحترام الواجب للمعلِّم طبقاً لمقولة: " مَن علَّمك حرفاً ملككَ عبداً"، أو طبقاً لما ورد في قصيدة أحمد شوقي التي حفظناها في المدرسة الابتدائية:

قُمْ للمعلِّمِ وفِّهِ التبجيلا ... كادَ المعلمُ أنْ يكونَ رسولا

غادرتُ الشقة مودِّعاً أستاذتنا الدكتورة سيرليَن دَيلي. ولكنّي عدتُ إليها مساء يوم السبت كما اتفقنا، لاصطحاب الأستاذة لتناول طعام العشاء في مطعم مرّوش الواقع في شارع بلِس مقابل سور الجامعة. ودانيل بلِس هذا هو القس الذي انتدبته الكنيسة الأمريكية البروتستانتية لتأسيس "الكُلّية السورية البروتستانتية "، في بيروت سنة 1866 إبّان الحكم العثمانيِّ للشام. وأصبحَ رئيساً لها 36 عاماً، وبعد وفاته أصبح مساعده، ابنه هاورد بلِس، رئيسا للكُلّية مدَّة 16 عاماً استكمل خلالها تشييد الأبنية الرئيسية؛ وعند وفاته سنة 1920 تحوَّل اسمُها إلى "الجامعة الأمريكية في بيروت" أثناء الحرب العالمية الأولى.

وقع اختياري على "مطعم مَرُّوش"، لِقُربه، ولهدوئه، ولزينته الجميلة، والأهمُّ لمطبخه اللبناني الأصيل. والمطبخ اللبناني جزءُ من المطبخ الشامي المشهور عالمياً بمشويّاته ومُقبِّلاته المتنوِّعة. ففي المطاعم الكبيرة بمدينة بعلبك المطلّة على شلالاتها المشهورة، مثلاً، يقارب عدد المُقبِّلات والسلطات الباردة والساخنة مئة نوع. وروّاد هذه المطاعم عادةً ما يكتفون بالمقبِّلات ولا يطلبون الطبق الرئيس. ويُكثِر المطبخُ اللبنانيُّ من استعمال الموادِّ الصحيَّة مثل زيت الزيتون، والثوم، والليمون، والخضروات، وثمار البحر؛ ويجمع بين تقاليد المطبخ العربي، والمطبخ العثماني، ومطابخ البحر الأبيض المتوسط كالإيطالي والفرنسي واليوناني.

وفي مطعم مَرُّوش، قُدِّمت للدكتورة ديلي لائحة الطعام، فألقت عليها نظرة سريعة، وقالت:

ـ لا أعرف هذه الأكلات. أنتَ اختَر لنا من فضلك.

فاخترتُ المُقبّلات: حمص بطحينة، والفتوش، والتبولة، وبابا غنوج، والكبيبات الشامية؛ وكذلك الطبق الرئيس، شيش طاووق، المُؤَلَّف من قطع الدجاج المشويِّ بالمُتبّلات.

أقبلت الأستاذة على الطعام بشهية لا تدلُّ على رشاقتها الملحوظة، وقالت إنها لم تذُق تلك الأكلات من قبل، ولم تأكل بهذا الكمِّ. وأكَّدت: "إنَّها لذيذة".

أمّا أنا فكان اهتمامي منصرفاً إلى كلامِها باللغة الإنكليزية الأمريكية، لا لأتعلم معاني المفردات وقواعد نظم العبارات، بل لأكتسب طريقةَ نطقِ الألفاظ، وتنغيمِ الجُمل. وهما الجانب الأصعب في تعلُّم اللغة الأجنبية، لأنَّهما يتأثَّران سلباً بعادات نطق اللغة الأم وتنغيمها. ولم أَدْرِ آنذاك أنني سأدفع ثمن ذلك التعلُّم في نهاية الفصل، وليس في بداية الفصل كما تتقاضى الجامعات الأمريكية ثمنَ كلِّ درسٍ مقدَّماً عند التسجيل فيها.

وأثناء تناول الطعام، تحدّثتِ الأستاذةُ عن نشاطها في لقاءاتٍ نسائيةٍ جامعيةٍ أمريكية تناقش ضرورةَ مساواة المرأة بالرجل، ليس في الانتخاب والحقوق السياسية فحسب بل كذلك في الحقوق الاجتماعية والمالية. فقد كانت معظم الولايات الأمريكية تشترط، في قوانينها وأنظمتها، حصول الزوجة على موافقة زوجها المكتوبة لفتحِ حسابٍ في بنك أو الحصول على رخصةِ قيادةِ السيّارة. أضف إلى ذلك، أجور الإناث التي تقل عن أجور الذكور مقابل العمل نفسه. وقد تمخَّضت تلك اللقاءات النسوية الجامعية عمّا يُسمّى بـ "حركة تحرير المرأة" Women’s Liberation Movement التي اشتعلت من أواخر الستينيّات إلى منتصف الثمانينيّات. وعلى الرغم من إيمان الأستاذة ديلي بضرورة المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، فهي لم تعترض بتاتاً على دفعي الحساب في المطعم، لأن ذلك هو الطبيعي طبقاً للعادات والتقاليد الأمريكية، والعربية؛ على حين أن الفتاة النرويجية، مثلاً، تقبل دعوتكَ لتناول الطعام، ولكنَّها تدفع من جيبها الخاص مقابل ما تناولته. فالعادات الاجتماعية أقوى من القوانين، والأنظمة المسطرّة، والأفكار الحداثية.

واستمرَّت لقاءاتُنا، أنا والدكتورة دَيلي، طوال ذلك العام الدراسي، حتّى خلال الفصل الثاني الذي لم يكُن لي أيُّ درس مع الدكتورة دَيلي فيه. دأبتُ على الذهاب إلى شقَّتها مساءَ كلِّ يوم سبت، لاصطحابها إلى مطعم من المطاعم، خصوصاً تلك التي تقع على البحر في منطقة "الروشة" ببيروت. كنا نستمتع غاية الاستمتاع بلقاءاتنا الأسبوعية والمحادثات التي تتخلَّلها، وننتظرها بشوق. وتعلَّمتُ منها كثيراً لا سيَّما عن التقاليد الأكاديمية الأمريكية، وعن الأدب القصصي الإنكليزي؛ فقد كانت الدكتورة سيرليَن ديلي في ذلك الوقت تضع اللمسات الأخيرة على كتابها الذي صدرت طبعته الأولى في نيويورك سنة 1965 ، ويتناول الكاتبة النيوزيلندية  البريطانية كاثلين مانسفيلد بوشامب (1888ـ1923)، التي نشرتْ قصائدَها وقصصَها باسم مستعار هو كاثرين مانسفيلد .

كانت سيرليَن دَيلي كثيراً ما تتحدّث في أثناء لقاءاتنا الأسبوعية عن كاثرين مانسفيلد بمحبَّةٍ كبيرة وأعجاب شديد، لم يقتصرا على قصائدها وقصصها القصيرة فحسب، بل شملا كذلك أُسرتَها الميسورةَ الحال ذات المكانة الاجتماعية والسياسية المرموقة. فأبوها كان مديَر مجلس إدارة بنك نيوزيلاند، وخالها تزوج ابنة ريتشارد سيدون رئيس الوزراء النيوزلندي، وابنة عمها، الروائية البريطانية ماري آنيت بوشامب، تحمل لقب "كونتيسة" وتزوجت فرانك رُسل، الأخ الأكبر للفيلسوف اللورد برتراند رسل، الحائز جائزة نوبل.

أمّا موهبة كاثرين مانسفيلد فهي مثيرة لإعجاب أستاذتي الناقدة، إذ ولدت كاثلين مانسفيلد بوشامب قاصَّةً حداثية مطبوعة، فنُشِرت لها قصَّةٌ قصيرةٌ في إحدى الصحف وعمرها عشر سنوات فقط، إضافة إلى قُدرتها على العزف على الكمنجة الكبيرة (الجلو/ الفيولونسيل). وفي تلك السنِّ المبكِّرة، كانت تكتب في يومياتها عن الإحباط الذي يصيبها بسبب اضطهاد " الماوريين " ، وهم أهل نيوزيلندا الأصليون، من طرف السلطات الاستعمارية البريطانية .

درست كاثرين مانسفيلد خلال المرحلة الثانوية من الدراسة، في مدرسةٍ داخليةٍ خاصَّة للبنات في لندن تسمى " كلية الملكة " وعادت إلى نيوزيلندا مدّةً قصيرة. وعندما بلغت سن التاسعة عشرة من عمرها، انتقلت نهائياً إلى لندن للتفرُّغ للكتابة. وخصَّها والدها بمنحة سنوية مقدارها مئة جنيه إسترليني طوال عمرها، تغنيها عن العمل وتوفِّر لها حياةً طيبة.   وفي لندن ارتبطت بعلاقات صداقة مع الكاتبة المعروفة فيرجينا وولف والكاتب الشهير دي أج لورنس الذي صوّر شخصيتها في روايته " نساءٌ في الحب"..

ومثل معظم بنات الطبقة الأرستقراطية البريطانية آنذاك، تمتّعت كاثرين بالصداقات والحفلات والعلاقات الجنسية مع الفتيات والفتيان والعشاق. بيدَ أنَّ أستاذتي الدكتورة لم تتحدّث إلا عن خيبات كاثرين، والآلام التي عانتها، والصعوبات التي واجهتها، وأحزانها.

فعندما تزوجت كاثرين بالكاتب جون موري، رئيسِ تحريرِ مجلةٍ أدبية، سنة 1910، كانت علاقتهما غير مستقرة بسببِ حساسيةِ كاثرين وعواطفها المرهفة، فانفصلا واتصلا عدة مرات. وأثناء الحرب العالمية الأولى (1914ـ1918)، تمَّ تجنيدُ أخيها الوحيد، ليسلي بوشامب، في الجيش البريطاني، وقُتِل أثناء التدريب على تفجير القنابل بمعسكرٍ في بلجيكا. وقد حزنت كاثرين حزنا بالغاً عليه، وقضَّت مضجعَها الكوابيس. تقول في إحدى قصائدها:

" في مجرى الذكريات، وقفَ أخي

ينتظرني، ويداهُ مملوءتانِ بالتوت:

أختاه! هذه حبّاتُ جسدي، خُذيها وكُليها!"

انفصلت كاثرين عن زوجها سنة 1917، وعمرها 29 عاماً. وفي تلك السنة، دلَّ الفحصُ الطبيُّ على إصابتها بالسل (التدرُّن الرئوي). وكان هذا المرض، قبل اختراع البنسلين سنة ،1943 بمثابة السرطان الذي لا علاج له في زماننا هذا، ولا يمهل ضحيته أكثر من خمس سنوات. وتعذّبت كاثرين كثيراً في البحث عن علاج لها من أيِّ نوعٍ كان: الرياضات الروحية، السحر، الابتعاد عن برد شتاء إنجلترا والذهاب إلى إيطاليا أو الريفيرا الفرنسية، وأخيراً الاستقرار في سويسرة للحصول على علاج تجريبي ظهر هناك...وعندما أدركتْ كاثرين اقترابَ نهايتها، انكبَّت على الكتابة ما أمكنها الجهد، لعلَّ الأدب يهبها شيئاً من الخلود. فنشرت في "مجلة أثينيوم" التي أصبح زوجها رئيسَ تحريرها، أكثر من مئة مقالٍ في عَرْض الروايات ونقدها. كما كتبت في سويسرة أروعَ قصصها القصيرة مثل " بيت الدمى، و" في الخليج" و" حفلة الحديقة" و" فنجان شاي" وآخر قصصها " الكناري". وهكذا استطاعت سنة 1922 أن تنشر أوَّلَ مجموعةٍ قصصية لها بعنوان " حفلة الحديقة وقصص أخرى". وغادرت الدنيا سنة 1923 وعمرها 34 سنة فقط؛ وأعمارُ العباقرة قصارُ. وبعد وفاتها، عكفَ زوجها على إعداد تراثها الأدبي للنشر، فأصدر قصصها في مجموعتيْن " عُشُّ الحمامة" (1923) و" شيءٌ طفوليٌّ" (1924). كما نشر على شكل كتب: قصائدها، ورسائلها، ويوميّاتها.

في نهاية الفصل الأوّل الدراسي في الجامعة، تبيَّن لنا ـ نحن طلاب الدكتورة سيرليَن ديلي ـ أنّها ليست عدوانية ولا متسلطة، كما توهَّمنا، وإنّما كانت تلك طريقتها لتدفعنا إلى الاجتهاد والدراسة أكثر، وإلى قراءة كتب عديدة باللغة الإنكليزية، كتاباً كاملاً في الأسبوع على الأقل، كما هو الحال في الجامعات الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية. فعندما عُلِّقت قائمة النتائج، كانت الأغلبية الساحقة من الطلاب راضية بها. كنتُ الوحيد الذي شعر بالغَبْنِ. فقد نلتُ الدرجة الأولى A في جميع الدروس الأُخرى، ما عدا درس صديقتي الدكتورة سيرليَن، فقد كانت درجتي  الثانية B، على حين نال عددٌ من زملائي الذين هم أقلُّ اجتهاداً مني، الدرجة الأولى A. أدرت وجهي من لائحة النتائج المعلَّقة، ولم أنظر في وجه أيٍّ من الزملاء، وسرتُ مطأطئَ الرأسِ، والشعور بالحيف والغضب يستعر في أعماقي، وأنا أردِّدُ بيتاً من لامية الطغرائي:

تقدّمتْني أناسٌ كانَ خطوهُمُ ... وراءَ خطوِيَ، لَوْ أمشي على مَهلِ

بيدَ أنّي في تلك الليلة، فكَّرتُ طويلاً في الموضوع، وأنا في سريري. وكما يقول المثل الفرنسي، " الليل يأتي بالنصيحة" La nuit porte conseil     ، وتفهَّمتُ موقف الأستاذة ودوافعها، ولكلِّ فائدةٍ ثمن، وقد دفعتُ ثمنَ صحبتي المفيدة المتمِّيزة معها. ولم يبقَ أيُّ غضب في أعماق نفسي واختفى، كما يختفي ضبٌّ في جُحْرٍ بعيدِ الغور.

ومساء يوم السبت التالي، ذهبتُ إلى شقَّة الدكتورة سيرليَن كالعادة، لاصطحابها إلى العشاء في أحد مطاعم منطقة "الروشة" على البحر. وهناك ومع الابتسامات المتبادلة، سألتُها عن الأماكن اللبنانية أو السورية التي تودُّ زيارتَها أثناء أيام العطلة القصيرة بين الفصليْن.

***

بحاسوب: علي القاسمي

 

فتحي مهذب** قبرها يهطل بالمطر

الرسولة التي امتلأت روحها بالغيوم.

**

الصخرة تعوي

كما لو أنها تنادي الجبل النائم

في التلة.

فجأة يخرج الحصان من الصخرة

بينما الذئب يفتح المغارة.

**

الفراشة

تنقل بريدنا السري للأزهار

المدججة بمكعبات الضوء.

**

سيكون حسابك عسيرا

أيها الإسكافي

قالت الأرض:

- لا ترتق جزمة هولاكو.

**

إنتهينا من طرد السماء.

بعد قطع فراسخ في الصحراء

مختفين وراء أقنعة كثيفة من الغبار

متسربلين بالأوراق والغصون

تتعقبنا زرقاء اليمامة

بسلة من العيون الكاسرة

كان الإله يرعى قطيع الإوز

في أذهاننا

لا يفكر بتاتا في إسعاد الموتى

لم يكن ينتمي إلى بنات نعش.

لم نكسب الحرب

ولكن اكتفينا بحصتنا من الجنون الخالص.

**

في الكنيسة

يصير التفكير مليئا بالضفادع

والخط المنحني الذي يتركه كلب الراعي وراءه

يطارد مخيلة الكاهن.

**

تابوتك طازج جدا

أتعبنا جدا هذا التنظير لتيمة الفقد

الفلاسفة ماتوا في منتصف الطريق

بجلطات دماغية حادة.

**

بعد موتها

صرت أنادي شجرة التوت باسمها

في المساء ترسل أوراقها

لإضاءة الشرفة

وتهدئة الخواطر.

**

سعداء بالقماط

أشقياء في الكفن

**

سمعت الجرة

تقول: حنانيك يا أبتي.

**

المصابيح تتكلم بلغة الضوء

سنفهمها يوما ما.

**

سيتبعك فراغك

مثل كلب سلوقي

فراغك الذي قتل نهديك بالرصاص

وفي فمه إصبع مقطوعة

سيتبعك إلى الجحيم

بساقين من الهلام الخالص

ليلتهم خفافيش السحرة

ويطارد الجواسيس بضبابه الفلسفي.

**

سأقاتلكم أينما كنتم.

يتبعني سكان المقابر الجماعية

وطاويط الكهوف الحجرية

أخرج الأرواح الشريرة من زجاج أعينكم.

أيها السحرة المعلقون في الهواء

أيها القتلة.

**

دبابتك انتحرت فوق الجسر.

عد إلى مغارتك الرجيمة

أيها المغولي.

**

تبدع الحرب في صناعة المجانين

تبدع الحرب في زراعة القتلى

تبدع الحرب في فن السخرية

تبدع الحرب في ترويج شواهد القبور

تبدع الحرب في نسيان يهوه.

**

لما أصير عجوزا حيزبونا

يتغضن جلدي وتتهدل شفتاي

تسقط رأسي إلى أسفل

ينقرها طائر الزهايمر بشراهة

ويفر النور من  عيني

مثل نورس مذعور

تحدودب الكلمات في فمي

وتداهمني أصوات غريبة من لا مكان

تتجمد ضحكتي مثل سمكة في عز الجليد

يتقوس ظهري وأجرجر ساقي

مثل لقلق مكسور الخاطر.

حينئذ ترشقني النسوة

بأعين من قش.

حينئذ أبحث عن تابوت العائلة

لأخفي جثتي المتعفنة

ريثما أختفي دفعة واحدة

وإلى الأبد.

خوفا من عيون الحساد.

***

فتحي مهذب

 

الحسين بوخرطةلم ينم "مسخر" أصعب ليلة من ليالي شهر غشت المصيري في مسار بلاده التنموي. إنها الليلة الحاسمة في مصير ساكنة مدينته المتوسطة.

تعلم "مسخر" وتكٙوﱠن على يد أحد رواد أنماط التدبير الجديدة وأحد نجوم التنوير الفكري والفلسفي اسمه "إثار". برز نجم هذا المعلم العبقري تفكيرا وممارسة. كثر الحديث عن كفاءته وخبرته النظرية والميدانية ومساهماته الجادة في إطار الواقعية الرومانسية والنقدية والإنسانية. رأى فيه الناس نموذج زعيم بأحقية قيادة مرحلة نماء، وملاذا لتحقيق أمل بناء المستقبل على أسس جديدة.

أعلن انعقاد اجتماع في أعلى المستويات. حبكت الخطة بعناية قصوى. تم انتقاء "مسخر" بعناية تامة من طرف رواد التحكم في مصائر الروح الجماعية بدسائس جهنية، لا يمكن أن تنقشع خباياها إلا للنبهاء. تم تعيينه مدبر إجراءات المرحلة، واتفق معه على الرهان والمصالح الذاتية بالتفاصيل المملة. طلبوا منه إتقان تعبيره على أحقيته في قيادة المرحلة. تثبت موقعه بعدما تم رفض التعاون محليا مع منافس له تم تعيينه من الأجهزة الفوقية.

اعتقد الجميع قوة حبك الخطة الجهنمية. وأن علاقة طموح التلميذ بأحقية المعلم ستشكل عقدة نفسية ستبعد الزعيم عن حلبة التنافس.

فطن "إثار" ثعلبية الخطة، وابتعد بعنفوان وكبرياء، غير مبال بأي حدث يذكر. تتوالى الأسئلة عليه كل ساعة، لتتكرر الإجابة الوحيدة على لسانه "لا علم لي بذلك". واعيا بحاجيات بسطاء الناس بتنويعاتهم المختلفة (الأطفال، الشباب، والكهول، والشيوخ، والفتيات، والنساء، ...)، كان لا يمد يديه إلا لمن يعتبر أيام الحياة لوحات فنية لا يشكلها إلا المهرة في قراءة لغة الداخل، وفي التعمق بنبوغ في أسرارها لدى الأفراد والجماعات بفعالية وقدرات على العطاء الإنساني. إنه مدرك أشد الإدراك أن الوقت لم يحن بعد لجذب انتباه الناس إلى وجود حلول جديدة لمشاكل الماضي والحاضر برؤية خدمة المستقبل. تابع الإجراءات التدبيرية للمخاطر زمن انتشار الوباء القاتل في بلاده، والحديث بإسهاب عن مشروعية العمل المركزي.

استقال "مسخر" كما كان منتظرا من منصبه القيادي في صبيحة الليلة المصيرية المعتمة، وفوت الزعامة الممنوحة إلى أصحابها. أوفى بتعهداته، وطمأنوه بالوفاء بوعودهم، لتتكرر سيناريوهات الماضي بتزكية عليا.

***

الحسين بوخرطة

محمد الذهبيوقفتُ ورحماكَ من موقفي

                     أناجيكَ خلاً وفياً صفيْ

وأيقنتُ أنك في خافقي

                  تدور على حدكَ المرهفِ

بكيتكَ حتى تشيخَ الدموع

                وصارتْ عصارتها تختفي

وجلت بقبركَ حتى إنثنيت

                      أقول أغالي ولا أشتفي

وحين تعلمت منك الحياة

                أمرتُ العيون بقولي انزفي

وشختُ ودمعي يغزو الخدود

                  نشيدُ الوفاء ينادي إغرفِ

سبيلكَ للمجدِ لم يمشهِ

                     سواكَ تليدٌ ومن طارفِ

وفي الروح منك جراحٌ كثيرٌ

              مع الجرح تصرخُ هيا إهتفِ

وفي العين دمعٌ دموع الشموخِ

                      يزاوجُ إعلانهُ والخفي

وتطعمُ شئتَ فلاذ الكبودِ

              الى السيفِ شئتَ ولم تكتفِ

فأطعمتَ نحركَ للضارباتِ

                ولم تشتكِ الموتَ أو تهرفِ

طلبتُ بحبك حبَّ الحياة

               ولم أطلبِ الموتَ بالمشرفي

لأن بموتك كنت الحياة

                   وبحرٌ دماك على النازفِ

فللهِ أعظمها من سيوفٍ

                 تجرعتِ الموتَ حتى تفيْ

وقبلك ماتوا بحرِّ السيوفِ

                 ولكنْ بموتك صاحوا قفيْ

سنينٌ وثورةُ رأس الحسين

                   بقصرِ يزيدٍ ترى ماخفيْ

فيا حجة الله في من رآك.

                     وحجتهُ بعدُ في الموقفِ

شممتُ ثراكَ فخلتُ الدروعَ

                   تحيطُ بذا الأروعِ الواقفِ

وميزتُ من بين كلِّ الجموع

                  حرارةَ جرح الفؤاد الخفي

وها أنتَ تزحفُ نحو الجموع

                   بسبعين ثورة في السالفِ

رجالٌ تنادوا فكان الزمانُ

                    يصوّبُ فعلَ زمانٍ هفي

ويركعُ ثانيةً للحسين

                        ويرفعُ راياتهِ يحتفي

               ***

محمد الذهبي

 

علي الباشايقيناً أني علوت المقام

             ارتقيت بحب أهل الهمم

وصرت أجوس بحار الظلام

         غريبُ عامّتي نكران الذمم

أحبهم حب المريض السقام

              فريط الفؤاد، قليل النقم

وصار كلامي أيُّ الكلام

        قطيعٌ رجائي، نظيري الندم

تهاوى الزّنيم بين الحطام

         وظل المخضّب خفيق العلم

الحمدُ أنّي خصمت الخصام

            فقاع الجبال شموخ القمم

وصلت مصيبتي بآلي العظام

           رجوت منهم بعض الكرم

فهذي جراحي تلم الغمام

            هشيمٌ خمطه نار الضرم

أعيش ونفسي تهيم هيام

          مصيبة أعزتي سيل عرم!

           ***

بقلم: د. علي الباشا

 

 

محمد حمدذات يوم

في زمن ما زال يتزامن معي وجها لوجه

ملامحي اغتنمت فرصة ذهولي

المؤقت

سرقت منيّ لساني المكبّل

بالصمت المطبق 

(كالعادة)

وفي غرفة التفتيش في بلد مُباح ومُستباح

قالت كل شيء نيابة عنيّ

اعترفت !

بكل ما ارتكبه الآخرون من حسنات ضدي

فاقتادوني مسربلا بالقصائد والاوهام الهجينة

إلى جهة غير مجهولة

واتهموني بأنني كتبت قصيدة

على الأرجح قبل ولادتي !

هجوتُ بها نفسي

(وكان الهجاء آنذاك محرما)

إضافة إلى تُهم أخرى من نوع كذا وكذا...

صرختُ بادنى صوتي الممزّق رعبا:

أنا بريء

من كلّ "كذا" على وجه الارض

براءة يوسف من دم الذئب !

***

محمد حمد

 

 

صادق السامرائيأمّة الفَجْرِ وليْلُ الأمـــــــــــــــــةِ

كيفَ أضْحى النورُ مِثلَ العُتمةِ؟!

 

لا تَقــــــــلْ كنّا وكانَتْ أمَّتي

عَصْرُنا عَصْرٌ شَديدُ الظُلمةِ

 

أيْنَ أنْوارُ وجــــودٍ سامِقٍ

وحَياةٌ في رِحابِ الذُرْوَةِ؟

 

هَلْ كبَوْنا وارْتَضَيْنا رَقدَةً

أوْرَدَتنا لمَصيْرِ الفُـــرْقة؟

 

جَعَلتنا مِثلَ صَرْعى صَعْقةٍ

فانْتَهيْتا لعَميْقِ الحُفـــــــرَةِ!

 

أمُّنا ذاتُ عَطاءٍ وافِــــرٍ

وابْتكارٍ لأصيلِ الفِكرةِ

 

بَدأتْ مِنْها مَــــزايا إنّنا

وبإنْسانٍ وَسيْعِ القُدْرَةِ

 

كلُّ يَنبوعٍ تَنامــى إرْتَوى

بمياهٍ مِنْ فيوضِ الرَوْعةِ

 

قد تَسامَتْ برؤاها للعُلى

وتَواصَتْ بسِراجِ الرَحْمَةِ

 

إنْ تخابتْ لوَجيعٍ حَفَّها

ما تناءَتْ عَنْ صِراطِ العِزَّةِ

 

حَدَّثَ التأريخُ عَنْها إنَّها

أمّةٌ تَحْيا برَغْمِ الشدَّةِ

 

 بَلْ وتَبْقى في عُلاها شُعْلةً

تَتساقى  بضِياءِ الحِكْمَةِ

 

أمّة العُرْبِ عَريْقٌ أصْلُها

يَتباهى بعَزيزِ الرِفْعَةِ

 

بكتابٍ ورَسولٍ قادَها

وبأفْكارِ رِجالِ البَعْثةِ

 

أمَلٌ فينا وفيها طاقةٌ

وحُشودٌ مِنْ جُنودِ الوَثبَةِ

 

رُغْمَ أعْداءٍ عليْها سابَقوا

سَوْفَ تَرْقى لعَلاءِ القِمَةِ

 

مَنْ وَعاها مُنذُ بَدْءٍ إنْبَرى

لعَظيمٍ وجَديْدِ الصُنعَةِ

 

عُلماءٌ أذْكياءٌ ساهَموا

بعَطاءٍ مُسْتقيْمِ النَظْرةِ

 

أوْهَموا جيْلاً وجيلاً بَعْدَهُ

بضَلالٍ مِنْ صَنيْعِ الخُدْعَةِ

 

إنَّهمْ كانوا وكانوا قد مَضَتْ

وعَليهمْ بقبولِ النَكْبةِ

 

يا شِراعَ المَجْدِ يا ريْحَ المُنى

إنْطوى عَهْدٌ بعَهْدِ الجَفْوَةِ

 

وأرانا في مَيادينِ الوَغى

فاسْتَفيقوا مِنْ سَباتِ الهِمَّةِ

 

كلُّ ما فيها جَميْلٌ واعِدٌ

وحَريٌّ بمَديدِ النُصْرَةِ

 

فَتساءَلْ عَنْ لماذا إشتَكتْ

أمّةٌ تُرْوى بفِكْرِ الصَفوَةِ

 

هذهِ الدُنيا لأمٍّ أشْرَعَتْ

بابَ أمْجادٍ بروْضِ القوَّةِ

 

فَتفاخرْ بنجومٍ أوْمَضَتْ

وأنارَتْ بدروبِ اليَقظةِ

 

إنَّهــــــــا أمٌّ لقَومٍ أعْلنَتْ

إنّما العَقلُ طليقُ الرؤيةِ

 

فتعافَتْ مِنْ ظلامٍ حَفَّها

وتَواصَتْ ببناءِ الدَوْلةِ

***

د. صادق السامرائي

28\7\2021

 

 

 

مَنْ يُدنِسْ،

صفاء العيون الجميلة ..؟

مَنْ يداري جنون القبيلة ..

إذا ما تعشقَ ثأرُها

في رعودِ السماءِ الوبيلة ..؟

تقولينَ، لست جميلة ..

نجومُ السماء غفونَ

ولمْ تغفُ أعين المحبين

عن رذاذ السماء البليلة ..

فكل الطقوس، تزاحمن

في نقطة الضوء،

وعند منحدر الجديلة ..

أيتها الماسةُ،

الوضاءة الشماءة

في رحاب السماء الجليلة ..

لمْ أكنْ أعرفُ الهمسَ

فوق الهضاب

وعند السواقي

وبين الظلال الظليلة ..

(عيناك غابتا نخيل)،

عند الغروبِ

وعند أحجية الخميلة..!!

***

جودت العاني

16/08/2021

 

 

نور الدين بنبلاامتلأت فضاءات المدينة بأنغام سيارات الإسعاف، وباتت ذبذباتها مألوفة، تحس بها القلوب الرهيفة، وترتعش لها الأكباد الحنونة، إذا توالت شكلت معزوفة سمفونية جنائزية حزينة، تستدعي بالقوة"حفل مقنع" للأرواح الشريرة والأجساد المنبوذة لترقص رقصة الموت المجاني، وتحسب خطوات العشق الرمادي،  وتهمس في الآذان فحيح الثعابين، و تنبئ بقدوم الأرماڭيدون...

فلا ترتعد أيها القارئ الكريم، تفاءل وتصالح مع الحياة، كذلك، في بكور كل يوم  تنقر طبلة أذنك نوتات موسيقية، تسعف روحك التواقة الى فك العزلة عنها، وقد اختلطت هذه النوتات بصفيرة دراجة الدركي الذي يسبقها، لتشق جدار الزمن الكوروني،  وتخترق الثقب  الأرضي الأسود، كل ذلك للحفاظ على عصير إكسير الحياة طازجا منعشا، فما إن يتذوقه القنفذ الكوروني الخبيث حتى يستطيبه ويتلذذه، فيلقي سلاحه ويستريح كمقاتل أضناه التعب من هتك عرض الجسد الإنسي دون استحياء. ليحوله الى ملثم وملثمة لا فرق بينهما إلا في اتساع الخصر وانحراف الأرداف.

هذا القنفذ الكوروني الصيني المارق،انفلت من عقاله ليغزو كل البقاع و الأصقاع، وينتشر انتشار النار في الهشيم. ويجد جسد عباس قديرة الذي لم يتعود على معانقة الغرباء ولم يألف الانفتاح على كل قادم جديد، فيرفع حرارته ويفقده حاسة الشم ليعطي إشارة على أن الخبيث استحلى المقام وسكن الجسد.

 رغم ماعرف على الرجل من جلد وصبر أثناء مزاولة عمله كموظف بوزارة الداخلية لم يبق مما يملكه من ذلك سوى حشرجات صوتية مبحوحة تشبه صوت خشبة مْسَنَّدَة تنتظر الصيحة الكبرى. هذا السكون الاضطراري أعاده للأمس و اقتلعه من حاضره ليشعل فيه نار الشوق إلى كل المحطات التي مر منها قطار حياته قبل أن يتوقف في هذه الأخيرة وقفة تأمل وتصحيح خوفا ورهبة من مغادرة غير طوعية...  

و لدرء الكارثة، حُمِل السي عباس قديرة على وجه السرعة إلى المستشفى العسكري،  المرستان الذي لا يستسيغ إلا المنعم عليهم والموشحة صدورهم بأوسمة الرضا والطاعة، وهو بناية جميلة مصممة على طراز هندسي واقعي، متعدد الاختصاصات حيث حَوَّلَه المناخ الصحي المضطرب  إلى جناح كبير مخصص فقط لمرضى الكوڤيد،..وليؤدي وظيفته كاملة، سيج بشريط أخضر زاهي بأنواع من الورود والزهور، كُلِّلَ بعدد من أشجار الزيتون، ثُبِّتَتْ أسفلها أرائك لاستراحة المرضى.

في هذا الجناح ترى الممرضات يتراقصن بوزراتهن البيضاء، وكأنهن حمامات سلام كُلِّفَتْ بوضع حد لغربة الأرواح التي تغادرنا شيئا فشيئا، وعلى وجوههن الرضا للعطاء دون الأخذ، وذنبهن في الأصل الصبر.

ففي صباح أطلت شمسه من نافذة الحجرة المعطرة بعبق النسيم المتسلل من خارج المستشفى والممتزج بأريج التربة الطينية المصففة بأنواع الورود والنباتات العطرية، كانت إحداهن كالعادة تتردد على عباس قديرة للقيام بجميع الإجراءات الصحية الضرورية لإسعافه..

تفرست وجهه الطفولي، ورفعت يده التي أَلِفَتْ لمسها كل صباح لِتَعُدَّ نبضات قلبه وتقيس الحرارة النابعة من هذا الصرح الممتد أمامها محاولة سبر غوره رغم غيابه عن إدراك ماحوله. فالتَّماس المستمر بينها وبينه حولها الى مفاعل حراري يضخ طاقة كميائية قوية  تسري عبر شبكة منسجمة تخلخل كيانها الرهيف، وتسلم ذاتها لنحيب دائم على حظها السوداوي، حيث خمرتها الرغبة في تكسير جدارالخجل الذي يخنقها، ويحتجز كل خفقة تكنزها و تدخرها لمثل هذه اللحظات القهرية كباقي أخواتها من جنسها اللطيف لتصدح في أذنه وتقول "أحبك"...استسلمت لحلمها وسرقتها غفوة يقظة  لتجد نفسها مرتدية فستانا طويلا أبيضا في غرفة نوم شملها البياض من كل جنباتها،تحف جدرانها ستائر قرمزية اللون، يتوسطها سريروردي عريض يتمدد عليه عريس حلمها عباس قديرة وهو يلبس منامة بيضاء مخططة بأشرطة  عرضية سوداء وكأنه سجين ينتظر عفوا ملكيا لحسن سيرته وسلوكه.. ويداه ممدودتان وعيناه مغرغرتان بالدموع.. ينظر إليها نظرة استعطاف ورحمة ولسان حاله يقول : إقتربي لأقص عليك كل حكاياتي الغرامية، وأجعلك بطلة تقام من أجلها الحروب، وأخلدك في ملحمة إلياذة هوميرية على مقاسك.. وأطير بك على جناح السرعة وأحوم بك حول عالمك الداخلي وأحملك على هودج سحري وأنت تلوحين بيديك  لكل الكائنات السفلية التي تنط و"تجْدِبُ"، متأثرة بفعل موسيقى إيقاعية مختلطة النغمات " ها لڭناوي،ها العيساوي،ها الشعبي،ها تقيتقات…"، لتتبرك بأهداب برنوسك الملكي.. عَجَزَتْ هذه الممرضة عن الاقتراب من عريسها الوهمي  وكأنها رُبِطَتْ  إلى الجدارمن خلف بسلاسل حديدية صلدة لم تقوى على كسرها. ولكنها قدمت إليه عبر أثير غرفتها صحنا عليه قلبا صغيرا وهي تقول: خذ هذا القلب، وافتحه، لعلك تجد المفتاح الذي يلائم بوابة سجنك، فتخرج وتعود إلي وإلى أهلك سالما معافى..ثم أحنت رأسها على كثفها من شدة العياء وقد تشبهت بمُصَلَّبِ بني إسرائيل.. لتستفيق من غفوتها الحالمة على نبرة قوية لجهاز القلب  المجانب للسرير وهي تُنْعي وفاة عباس قديرة.. وتسقط الممرضة أرضا وهي تصيح : "آآآه يا نساء إحذرن الوحش قاتل الرجال ".."آآآه، واحذرنني فأنا لست سوى امرأة مشؤومة، قاتلة لا حظ لها مع الرجال."

***

نورالدين بنبلا

 

 

خالد الحليكنّا .. ولكنّنا !

كنّا معاً،

لكنّنا لم نكنْ

سويةً

كنّا نسيرُ  خَطْوةً

إلى الأمامِ حائرينْ

ثمّ نعودُ بَغْتَةً

إلى الوراءِ خائبينْ

كنا معاً،

لكنّنا لم تكنْ

سماؤنا صافيةً،

لم تكنْ

أنهارُنا جاريةً.

كنّا معاً،

لكنّنا لم نكنْ

**

ملل

طيورُ الفجرِ تأخذها بعيداً

تحلّقُ في سماءٍ لا أراها

تحلّقُ كيفما شاءتْ، وتشدو

أغانٍ ليس يأتيني صداها

متى يأتي بها عطرُ التمني؟

ليُفرِحَني بفيضٍ من شذاها

متى يأتي و  يُزهرُ حسنُ ظني؟

مللتُ اِلانتظارَ  وملّ منّي

**

واحة من حنين

لا تُوصِدي البابَ و لاتُغْلِقي

شُبّاكَنا العابقَ بالزنبقِ

لا ريحَ تأتي عندما تضحكينْ

لا حزنَ يأتي عندما تَبسِمينْ

أنتِ عبيرٌ  لابتهاجُ السنينْ

أنتِ لروحي واحةٌ من حنينْ

تحفها الورودُ والياسمينْ

لا تُوصِدي البابَ و لاتُغْلِقي

شُبّاكَنا العابقَ بالزنبقِ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن

 

 

عبد الله سرمد الجميلإِخوتَنا في كابولْ،

مصيرُنا مُشترَكٌ،

من قبلِكم كنّا هنا الضحيّةْ،

مُسلسَلٌ تُخرجُهُ جِنيّةٌ خفيّةْ،

**

في ليلةٍ ليسَ بها ضوءُ القمرْ،

سلَّمَنا حامي البلادِ للتَّترْ،

فخرَّبوا وذبّحوا ومنهمُ لم يَسلَمِ الحجرْ،

**

بعشرِ دقائقْ،

ستُرزَمُ كلُّ الحقائبْ،

وتُبدَلُ كلُّ الحقائقْ،

ويصبحُ بيتُكَ مُلكَ الأجانبْ،

**

إِخوتَنا في كابولْ،

ليسَ لنا ما نقولْ،

فلْتَخرجُوا ولتتركوا المدينةْ،

هيّا اصعَدوا ستُبحرُ السفينةْ،

باللهِ لا تلتفتوا وراءكم،

فإنّما الجبالُ والوُديانُ والسهولْ،

حزينةٌ حزينةْ،

**

قد نكّسوا الأعلامْ،

وأخلَوا السِّفارةْ،

وأتلفُوا الأوراقَ والأقلامْ،

وصرَّحُوا بِتِلْكُمُ العِبارةْ:

نُعربُ عن أحزانِنا،

سنعقِدُ اجتماعَنا،

 ورُبَّما نُحاورُ الإمارةْ !

**

إِخوتَنا في كابولْ،

قد شوّهوا سُمعتَكم،

وشوّهوا سمُعتَنا،

يكفي بأنْ تقولَ أنتَ من أفغانْ،

وعندَها ألفُ علامةِ استفهامْ،

كأنّكَ الشيطانُ لا الإنسانْ..

***

د. عبد الله سرمد الجميل

 شاعر وطبيب من العراق

 

مصطفى معروفيعلى رابيات الوعد تشمخُ خيبتي

          إذا أبصرتْ حظي تودُّ احتلالَهُ

جوادي يثير النقع في كبد الوغى

                 ويكتم عني أن أُلاحظَ حالَهُ

حسبت إيابي من عواصف رحلة

       له هامش في الطين يطوي احتماله

أنا خفقة لا تعرف الطير كنهها

           ولم يُلْقِ عنها الطين يوما سؤالَهُ

تحنُّ نياقي تحت غائلة النوى

            ويحرمها سمْتُ الطريق ظلالَه

أجازف بالأشجان تنهش أضلعي

              كأن دمي شاء اللهيبُ اغتيالَهُ

ألا ليت شعري ما تكون هواجسي

         لقد أضمرتْ للسهْد ضدي افتعالَهُ

سأفتح للغيم الجميل نوافذي

            وأسكب في غي النهار ضلالَهُ

عساه إذا ما طاف حول روضة

             يظن بأن العشب يهوى غزالهُ

إلى أن يفيض العشق طيَّ شغافه

           ويغرس في الحلم السعيد خيالَهُ

ويتخذ الآلام أحلى رفيقة

             ومن صبر أيوب المتين مثالَهُ

سئمت من الأشجار حين يطالها

         سحاب سخيفٌ ليس تأبى انهِمالَهُ

يسوم نواحيها جنونا وتنتشي

        كجرح رأى العدوى تقوي اندمالَهُ

فلست أداري الصخر مات كلامه

                     ولست بناس للئيم مقالَهُ

لتحْيَ حروف الورد في وجه صفحة

                   تؤثث  فيه للوجود جمالَهُ

وتذبحُ في أحشائه القبحَ عندما

          ترى القبْحَ يُذْكِي للوجود اختلالَهُ

           ***

شعر: مصطفى معروفي

 

احمد ختاويمرثية مرفوعة إلى روح الشهيد المفدى، شهيد الجزائر:

 جمال بن اسماعيل ...تعزية وولاء


ما جانبتُ النغم – عزوفا - في صحراء كاليفورنيا

ولا جانبتُ بن يوسف في مليانة(1).. ولا بتُ جوعانا – يوما 

في مرابع الكرز والجود والكرم والزروعا

**

زرعتُ مشاتل الإنسانية

في تشكيل نغم جمال ومصنع الأمير بارودا

ما رشحتُ ماء آسن من هذي الشمائل

ضغينة ولا ثأر داحس والغبراء جبروتا

جراء كُسر ركبة ناقة في الصحراء ضليلة .

ولا أذكيتُ جذوة النعرات المقيتة

زغرد نغم من ثغر حضارة أل بن اسماعيلا(2)

كانت للأنام عربون مروءة ووحدة النجوعا ..

بين وجهاء وعقلاء الأربعاء(3) والجزائر ومليانة .

ركب الوجهاء والعقلاء في الأربعاء ومليانة

وبقية الأحراش صفوة للسمح والصفح تلاوة وترتيلا واتزانا

كاليفورنيا من نبع وصحراء الهنود الحمر

..كانت زمنا

ترتوي من معين فتنة النازية في ألمانيا عزاء وانتقاما

حولق الولي- فيه ألف بركة - بالبسملة من منبر الفضائل

وقد نذر جمال للجزائر قربانا وشابا ودودا شهيدا

ما كان جمال تيسا مثل عرائس النيل

يُساق قربانا للأسطيرا ..

ما اكتوت والدته بحرقة ثكلى جريحة

ولا لطمتْ وجهها عويلا تنكيلا مثل نساء الجاهلية الأولى

**

أم جمال انطلقت زغاريد نصر لأن جمال مات شهيدا

حين قالت قيتارة جمال : صفحا ": تلك أيام نتداولها- عونا 

في الشدائد والمحن بين النجوع والناس جميعا ...

ما كان جمال تيسا يذكي جذوة الافتتان سعيرا

حين شد الرحال من مليانة سندا

لأهالينا في غابات وأحراش منطقة القبائل العزيزة

ما كان جمال ليُزف حيا للنار تقتات من جسده

**

ومن قيتارتة - همجا - وتنكيلا مثل طقوس الهنود في الأمد

**

قيتارة جمال جنان فيحاء ما سنتْ الإنسانية قاطبة لها مثيلا

مهما كان يُعزى للإذعان، للتهم وملابساتها والامتلاءات والوصايا

ذاك البديلا

أن تتم وحشية الوأد وثمة في الجزائر عدالة

ما كان جمال ليحُرق حينا ويرمى وبالا في صدر الإنسانية جمرا

أو جسدا محروقا للنمل غذاء

جمال نذر شبابه لإخوانه في منطقة القبائل .

مثلما حولقت ريشته وقيتارة المكلومة ..

**

حديد منجم مليانة كان مدى

لزخرفة أعالي برج أيفل اغتصابا .

ما كان أبدا حديدا من مناجم مليانة يحمل بأسا شديدا ....

والد الشهيد جمال بمروءته أعطى درسا لعالمينا

لعمري ورب الكعبة ما شهدتُ مثله في الاتزان والحكمة صنديدا

**

لك كل الإكبار أبا جمال ما حييت ُوكذا التبجيلا

كيف لا وأنت سليل بن يوسف تاج مليانة

جمال أبلى مثلما أبلى مغاويرنا البواسل في جبال الونشرييسا(4).

جمال مات شهيدا، فداء الوطن

يُسدى الرحمة والتآزر منا كهولا وشبابا

وأنت القائل - أبا جمال -في مُحكم تنزيل كلامك :

من دخل الأربعاء فهو أمن

ومن دخل مليانة فهو امن

لنا في منطقة القبائل أصهارا وأنسابا وإخوانا وخلانا

ودما مختلطا يجري بين الأوصال والوصال

بين نجوع الأمازيغ والعرب . لا للاحتقان .. للفتنة .

والجزائر أُمّنا ومرضعتنا جميعا ..

تحية إجلال لك أيها الأب الفذ الحليم ا لمغوار .

لمثل والدته الكريمة الصبورة

مناصفة سِلال التبجيل تكريما

قيتارة جمال لن يصيبها القحط - أبدا 

لا في صحراء كاليفورنيا

ولا في باقي أرجاء المعمورة

.. هي الآن تشدو بين التلال نغم الإنسانية مهما قيل ..

وقال فلان أو فلتانا ...

جمال في وجدان الجزائريين والإنسانية

ريشة ترسم معابر الوحدة والخلودا

***

كتب : أحمد ختاوي // الجزائر

البليدة في 15/08/2021

.........................

هوامش

1 - بن يوسف ولي صالح بمليانة مدينة الشهيد جمال بن اسماعيل

2- آل بن اسماعيل لقب الشهيد جمال أي عائلته

3- الأربعاء نسبة إلى الأربعاء نات ايراثن بولاية تيزي وزو

4- الونشريس سلسلة جبال بمنطقة الظهرة بولاية ين الدفلى بالجزائر أبلت البلاء الحسن في حرب التحرير ضد المستدمر الفرنسي، فقدمت قوافل من الشهداء فداء للوطن

 

جميل حسين الساعديردي الردى إنّ يـوم الثأرِ قـــد حــــانا (1)

لا تصبــــري لغـــــدٍ فالملتقـــى الآنــا

 

لاترهبـي جمـــرات المــــوتِ إنّ بهــا

للنصــــرِ والمجــــدِ تلميحـــاً وإيذانـــا

 

فالمجـدُ ليـــس على قـــولٍ نشيّــــــــدهُ

بلْ فـــوق أشلائنا نُعليــــــــهِ بنيــــــانا

 

صبراً على الموتِ في سوح الوغى أبداً

فليــسَ إلّاهُ يمحــــــو عارَ بلوانـــــــــا

 

مضــتْ سنونٌ فهـــلْ عشنــا قضيتنـــا

حقّـــاً ولو كانَ هــــذا العيشُ أحيانـــــا

 

في كـــــلّ حينٍ حزيرانٌ يُطالعنـــــــــا

شهــــورنا كلّـــها عادت حزيــــــــرانا

 

كأننـــا قـــــدْ رضينـــا الذلَ نجـــرعـهُ

جيــــــلاً فجيـلاً  لكيْ نُنهـــــي قضايانا

 

فعالنـا كلّها للخـــــــــزيِ جالبـــــــــــةٌ

حتّى الفدائيّ لم نتركْـــــــهُ غضبانـــــا

 

طريقـــــهُ كلّـــــه ُ شــوكٌ وأسلكــــــةٌ

وكـــــانَ أجــــدرَ أن يمشيــهِ ريحـــانا

 

عشنــا على الوهْــمِ لمْ نعـــرفْ حقيقتنا

فظلّ موكبنــــا في الدربِ حيرانــــــــا

 

كأنّ واحــــدنا من فـرطِ حيرتــــــــــهِ

صخـــرٌ تمثّلَ إثْـــرَ النحـــت إنســــانا

 

قُمْ أيّها الكادحُ المرهـــوق منتفضـــــاً

واسحقْ ــ فديتُكَ ــ بالأقدامِ تيجانــــــا

 

أزحْ رؤوساَ تخلّــتْ عــنْ مواطنــــها

كانت على الشعْـبِ والأحـرارِ عدوانـأ

 

أنغفــــرُ الذنبَ للحكّـــامِ إنْ ظلمـــــوا

وإنْ شكونــــــا فليلُ السجـــــنِ مثوانا

***

جميل حسين الساعدي

.........................

*جزء من القصيدة التي ألقيت في مهرجان الشعر للثانويات، الذي أقامته ثانوية قتيبة في مدينة الثورة عام  1968 وقد فازت القصيدة بالجائزة الأولى، وكان عمري وقتها خمسة عشر عاما وهو ينشر للمرة الأولى ولم يسبق أن نشر في أي موقع.

1 ـ ردي: صيغة الأمر من الفعل وردَ ، يقال: ورَد فلانٌ الماءَ: أقبل عليه،