عدنان البلداويهَـتـفَ الـمَجـدُ للأصالــةِ لـمـّا

مَـلأ الحــقُ قـلبـَهــا واسْــتـبانا

 

سَكبَ الفجرُ ضوءَه فـي رُباها

فارتـقتْ تسكبُ السّنا في رُبانا

 

عِـفةُ الــقـلب للحـقـوق ضمانٌ

وسَجايا الأمين تُــعطي الأمانا

 

كــلُّ نـبْـعٍ صافٍ يــجـودُ نـقاءً

والـقذى ينضحُ القذى والهَوانـا

 

أيها المُودِعُ الصّدى شقَّ صَفٍّ

عُدْ حَسيراً فقد خسرتَ الرِّهانا

 

وُلــِدَ الـوعيُ فــي ربوع أنـاسٍ

عــرفوا العدلَ، فارتـدوه عَـيانا

 

إنّ مَـن يرتـدي التـطرّفَ يـفـنى

ذكرُه والزمـانُ يـوصي الزمانـا

 

كلُّ مَـن يـَحـتـمـي بجُلباب زيْـفٍ

يـشربُ الــذلَّ صاغِــرا ، ومُهانا

 

يا سَـمانـا، يـبـقى رذاذكِ مِـسْكـا

يَـسْـتـقـي طهْــرَهُ حُـمـاةُ ثَـرانــا

 

كلُّ حَــرْفٍ  يناصرُ الحقَّ دوما

يـَملأ الـجـوَّ  نـــورُه و الـمَكانـا

 

يا رَبيـبَ الـبـيـان أطـلِـقْ يَـراعـاً

فالـتِبـاسُ المَغْـزى، يـُريـدُ بـيـانـا

 

واشـدد العَـزمَ في القوافي لـتبقى

وحـدةُ الـصف ، تحت ظِل لِوانا

***

شعرعدنان عبد النبي البلداوي

 

وكما شاء الله

أن تبدو أنثى

يتكثف فيها الحسن

جمالاً و دلالاً

حتى يتهافت في ظل رشاقتها

سحرٌ ، يتراقص في مشيتها

إيقاع الكون

وبين شفتيها ، يسيح عبير

العسل البري ،

ومن بين خيوط الفجر

يتماوج شعر ضفيرتها

في عين الشمس

فتهرع أنسام

تتهادى

تنعس بين هضاب

شاءتْ أنْ تصرخَ

في وجهي ، أنا أنثى ..

وليسَ ، ككل نساء الأرض

تحمل صاعقة الجذبْ..

واطنان الحبْ..

حينَ تمرُ

تتبعها نظراتْ ..

جائعة ، تبدو جارحة

تلك النظراتْ ..!!

**

هي أنثى .. (*)

في نظرتها يتكور هذا الكون ويذوب

يتلاشى هفيف الاغصان مع الريح

في حضرة قامتها

عند المشي ،

وفي مخدعها

تتراقص انغام

تتهافت نسماتْ..

تنحر احلاما

تترامى خطواتْ..

فوق الممشى

إيقاعٌ ، يهتف أن أمضي

فوق رصيف الشارع

اغني للريح

بأن تصغي

لهجيع الليل

وأنا في صحوي وجموحي

وتراتيل طموحي..

في ظل نسائم فجر يأتي

وآخر يسترخي

فوق ، هضاب الدفئ

ما بين سحابات

تمطر غيثاً

ورعودُ الشوق

تغازل قامتها عند الخطو

يترنح ردفيها

هي باهرة ، متحرية ، رائعة

فيحاء ، مجبولة في الطول

شموس

تخلو من غيمات عبوسْ ..!!

**

هي أنثى ..

حوراء ، دعجاء ، كحلاء

تتحدى الأزمان ..

**

يتطلعُ شيخٌ نحو وسامتها

يتطلعُ صبيٌ صوب رشاقتها

تتطلع إمرأةٌ تأكلها نيران الغيرة

من مشيتها

لا فرق ، بين السحر الساكن

في قلب المسحور

وبين السحر الطافح

بين نثيث الديجور ..

**

هي أنثى ..

اخاف عليها

خطوط الدهر

يرسم ما شاء

كي تبقى الأشياء

تدور ، وتدور ، وتدور..!!

***

د. جودت صالح

17/06/2021

...........................

(*) إمرأة على رصيف الميناء ...

 

 

صحيفة المثقفبغداد تؤبن ذكراهــا

بليالٍ تسكنها الاسفار

 

وأماسٍ للشعر عكاظ

شموع تحجبها الاقدار

 

ومنافٍ بطبــــــولٍ دقت

اسفيناً في وادي الذكرى

 

2579 لميعة عباس عمارة 3لميعة في الغربة قمـــرا

ينيــــــــر دياجير الايام

 

وشعرا يبزغ مــن فجرٍ

يتضور شوقا للاوطان

 

ياغربة  تأكل اـــوراق

وتشعلها بلهيب الشوق

 

تتوق لاحــــــلام ضفاف

نوارسها سكرات الروح

 

تحلق فوق شغاف البعد

قلوب تنبض بالذكــرى

 

ياشمسا انتِ وياقمــــرا

وحرفا في لوح ٍ محفور

 

وشعرا يرســـم تاريخاً

وصوتاً يصدح بالافاق

***

مريم لطفي

 

لطفي شفيق سعيدضيعت هويتي...

وأضعت جنسيتي أيضا

أخبرني رجل الشرطة:

أن أحصل على بدل ضائع

ولكن ماذا لو أنني ضعت؟

أنبأني الزمان:

لا يمكنك أن تحصل على

بدل ضائع ولا بدل تالف!

ولن تجده في أي مكان

**

(ضياع)

في ليلة سابقة

ليوم مضى

وقبل أن أخلد للنوم

رسمت نقطة دالة

على وسادتي

خوفا من ضياع الفكرة

عندما يأخذني الحلم

إلى عالمه الفضفاض

لكنني عندما استيقظت

لم أجد الفكرة ولم أتذكر الحلم

**

(الفكرة)

حينما نزلت إلى اليابسة

لا أقصد ساحل البحر

لأنني لم أبحر قي حياتي مطلقا

بل قصدت أرض المطار

لا أتذكر أي مطار منها

لأنني مهاجر وجوال

في عدة مطارات

المهم أنني طرت

على جناح الفكرة

**

(ملامة)

لمرات عديدة

وجدت نفسي تلوم نفسي

عندما أجعلها تكتب

على صفحات الرياح

وفوق لجة الماء!

**

(الأنا)

لمحته مر مسرعا

رجعت لأتأكد من يكون؟

فرجع هو أيضا

ووقف أمامي فجأة

تمعنت في وجهه

حينها أدركت بأنه

هو أنا في مرآة المتجر

**

(رقم قياسي)

لحد الآن

سجلت في المارثون

رقما قياسيا

89 سنة ×365 يوما

ولا زلت أعدو

لا علم لي متى سأصل؟

**

(أوراق تطارد أوراق)

ترصدتها من خلال

غرفة زجاجية

رزم فوق رزم

أكداس من أوراق ملونة

ذات أقيام وأرقام سرية

يتداولها أناس كثر

لكنها لا تعني شيئا

للعراة والفقراء

هم بحاجة إلى:

خبز ومسكن ودواء

**

(حلم مزعج)

حظر سجاني مرة أخرى

ليخرجني من زنزانتي هذه

ليرمي بي في زنزانة أخرى

هذه المرة أشبه بالصندوق الأسود

لا ضياء فيه ولا ضوضاء

ولا أحبة أو أصدقاء

فكان ذلك هو حلم

اشبه بالهراء

***

لطفي شفيق سعيد

رالي في الثامن عشر من حزيران 2021

 

 

عقيل العبودتهبهُ بلونها البني الممزوج بنكهة الشهد المحلى بالشوكولاتة، نشوة الغبطة، يرافقها شعور بالابتهاج والأمل.

يعشق طقوس مودتها، فهي ليست ذلك النبيذ الذي ينعم على شاربه بلذة السرور، إرضاء لحاجة شعورية، قد تكون مضطربة، إنما هي بلسم به تنتصف الروح، تتداوى، تنأى بعيدا عن ساعات الجزع، واللغو.

يحلق صوب مكان سحيق ، ينحني تعبدا، يهيم بنفحة شذاها المزدان بسحر ذلك الملاذ.

ملاك يسكن في شعاعه الحبور؛ (سماوات سبع، وأرضين سبع)، تعتقه من أسر حياته الواهنة.

يرسم مع لحظات الترنيم حدائق، وساحات، تعقبها غابات، وشموس، وبحار.

عشِيّ به يتحرر من تقاطعات هذا التزاحم الذي يشغل النفس بالعبث، والزيف، والترقب.

تتناغم لغة الأوتار وفقا لترتيلة تغوص به عبر فضاءات من التأمل، يصبح قريبا اليها، يشم عبير طيفها على شاكلة فراشة تعانق آنية من الورد.

تنبعث الأزهار في حديقة عاطفته مع خِصْب عينيها؛ تتغنى، تعزف مع رخامة الصوت سمفونية

تحمله الى خلاء مهجتها، وهي تشدو كما العصافير، تتكلم، يصغي اليها بلهفة متقنًا فن الانصات.

يكتب على باطن كفها بعض الكلمات، مذيلة برسائل حب، مع بعض نصوص من الشعر.

يجالس صباحاتها المقفاة، لعلها تلك الإمساءات تمضي مع كأس التوق اليها.

ولذلك مع إشراقة كل نهار، ينشد قلبها مع ترياق قهوته المحلاة بالعسل، لعلها تمنحه فرصة للحياة جديدة.

 

عقيل العبود

سان دييغو/ كاليفورنيا

 

قصي الشيخ عسكرلحظة

قالت مرآة القلب

لملمت فتاتي

وجمعت شتاتي

فأنا أقوى الآن

لكنك ياذا العاشق

لا تبصر وجهك بي كالأمس

أخشى أن يخدش حز الكسر صفاء في عينيك

**

عنفوان

كشمس الغروب الخجولة

رحلت

وغادرت قلبي

ينوء بتلك الليالي الثقيلة

**

نقاء

يمكن أن تتلوث كل الأشياء

يمكن أن تجتاح الأدواء العالم

ويظل الحزن نقيا

رغم تلوث كل الأشياء

**

نأمة

الصبي الصمت

مازال رقيقا

وأليفا

وطليقا

إنه يرقب وجهينا

فيرتد

غريبا

وعنيفا

حينما

غير بعض الأقنعة

عبثت

عيناك بالليل فأضحى

أشرعة

عشق

زرعت بركة أحلامي

في صدر القمر الغائب

شوكة صبار

وانحسرت

ثم انتظرت

كل الدهر ِ

ليخضرَ القلب سرابا

يلتهم الأبصار

مر الدهر بطيئا كالصحراء

وأخيرا

سقطت من صدره

أولى قطرات العشق

**

لقاء

وجدتك

لمّـا تعثر بيني

وبين المساء الشفق

وكان

جدار من الصمت يهوي

فتزحف مثل الجراد الثواني

لتغزو واحة قلبي

***

د. قصي الشيخ عسكر

من شعري القديم مجموعة رحلة الشمس والقمر

 

 

سردار محمد سعيدأشكو إليكم 

خبا ضوء فانوسي

فمن يدلني الدرب الممتد من ابي الخصيب حتى جدارية فائق حسن

من يمسك الحمام

الأخضربن يوسف مضغ قلمه

ازدرد الخزف ذا اللون النبيذي

خنست حدقاته

ارتجت الشجرة الطالعة من طين البركة المقدسة

زيت الفانوس يقشعر

كم عنيد هذاالفتيل  يعشق اللهب

ولم تبدأ القصيدة

عين أم غدير

على حين غفلة رحل الشيوعي الأخير

والسحاب ماظلل الحديقة

 الشمس أكملت ألف دورة

رحلت وظلك ما زال يدوريجري لمستقرله

وريّا القرنفل ضجيع أم الرباب

أم الحويرث تقبع ما بين اللون ورياه

مسافة أعمق من آهة مدله

بين لون الوردة وعطرهامسافة بحجم سم ابرة

من أين أبدأ البحث؟

ربما من الصلصال والأسماء كلها

علّمني كيف يخصف ورق الجنة

كيف أهزغربال السحاب فينزل القطر

وأقرع الطبول فيزأر الرعد

شراره من عود ثقاب مشتت فيكون برق

دوحتك الوريقة انتثرت أوراقها

ففزالعشب كأن أحجاراً تساقطت

مذ رسم وجهك في هواء (سيدي بلعباس) صورة قهر

يا لبراءة التخطيط 

يا لرقته كالنبيذ

أيها الشعراء اتّقدوا شعراً

إرتعدوا لينبجس ما في الصدور

تسوّد الأثافي ويغمر السخام القدور

أفتحوا افواهكم كما تفتح القبور

يوم النشور

***

سردار محمد سعيد.   

 

قاسم محمد الساعديقيس المولى في ذكرى رحيله الاول

غَريبٌ

أن يَضيقَ شارعُ المقبرَةِ

 حَتى يَصير خَيطاً رفيعاً

وحدَك هُناك

 تُشاهدُ زرقةَ السَّماءِ كَئبيةً

2-

ولِأنكَ سُومريٌّ قحٌّ

لاتأبَهُ لمواعيدِ السَّاعة

العاطِلةِ

فوْق قوسِ المقبرَة

ومبتسمٌ

إن الوقتَ هُنا لاينْتهي

ولَا يمْنحُنا استراحَةً لمزاجٍ رائقٍ

كَي نتَّصلَ بالأهلِ

3-

 

هَل هُناكَ أصدِقاءٌ جُدد

مَقهى تًجلسُ فيه مُبكراً

ولا تضْجر حَين يتأخَرُ الوقتُ

4-

سَاعي بَريدٍ المقبرةِ

كان نشيطاً

وهُو يوزِّعُ الدعَوات

اقترحَ زعيمُ قُدامى الموْتى

أنْ يجلِسوا في الصفوفِ الأُولى

5-

أعرفُ أنكَ لاتطيقُ كثرَةَ الأسْئلةِ

وتتحدثُ همساً

لكِنكَ تَنظرُ بفرحٍ لقنديلِ ملاكٍ يقتربُ

6-

بمُؤازرَةِ ، خُطى الذِّكرى

غَنًّى أحدُهم

(امـــانيــــا نظـــــل عــلى البــال

ولا فـــــــد يوم تنســونــا

واذا مــــرة وحشنـــاكم

الـــــــف مرة وحشــتونا

اذا نســــمع بطاريــكم

نبــوس حـروف اساميــكم) (1)

***

قاسم محمد مجيد

...............................

* اغنية للفنان حسن الرسام – كلمات ضياء الميالي والحان نصرت البدر

 

اسماء محمد مصطفىفتحتُ عيني ّ بصعوبة، وأنا أسعل بقوة، ويدي كأفعى تضغط على عنقي وتلتف حولها .

لا اتذكر سوى أنني وجدتها تقف أمام المرآة وتعيد زجاجة عطري الى مكانها، قبل أن تغادر غرفتي تاركة الشذا وراءها يشاكس أنفي، ويروض أعصابي او يستفزها .. هرعت أضع منه، كانت الزجاجة فارغة. وجدتها تعود الى الغرفة وتقف ورائي راسمة على سطح المرآة ابتسامة ساخرة، نظرتُ الى أصابعي، تتحول الى أفاع ٍ صغيرة مخيفة في لحظات الانقضاض . خلّفَ تصادم الزجاجة بالمرآة ريحاً عاتية من شرائط نجمية مضيئة عارمة شرسة مختلفة الأحجام والأشكال تائهة المسار قبل أن تتناثر بين أرجاء الغرفة على أصداء نحيب وضحكات .

في الشارع، ألقيت بنفسي في جوف السيارة المكتظة بالركاب كعادتي كل صباح، استمع الى نشرات الأخبار من أفواه الركاب، ومن النافذة الصغيرة التي وضعت رأسي المتعب عليها رأيتها تنظر اليّ مبتسمة من سيارتها الفارهة . لاشك أنها تشعر بالنشوة باستماعها الى أغان ٍ رقيقة ليست كالأغاني التي تصدع رأسي كل يوم في الطريق، وتستفز أفاعي يدي النائمة .

لم تدعني مرة لأركب معها واتنعم بالهواء المبرد في سيارتها رأفة بي من إزعاجات الطريق الخانق .

في مصعد المؤسسة التي أعمل فيها شممت العطر. زاد عبوسي وأنا أنظر الى فستانها الأنيق وشعرها الجميل ووجهها النضر، وأشيح بعيني الى ردائي العادي واتحسس وجهي المتعب وشعري المرفوع والمسحوب للوراء بلاترتيب. حاولت الأفاعي أن تنقض على أذيال فستانها وهي تخرج من المصعد قبلي، لكن الباب وهو ينغلق قبل أن أخرج، صفع الأفاعي بقوة، مسببا لي ألماّ شديداً .

راقبتها بإهتمام، كعادتي، وهي تحيل القسم الذي نعمل فيه الى خلية ضاجة بالحياة، تحكي وتصمت، تترنم وتمزح،، تروح وتجيء تاركة شيئا من شذى العطر هنا وهناك، بينما أنكب على إنجاز الملفات المتراكمة على مكتبي بملل، مراقبة الأفاعي تلدغ أوراق تلك الملفات، وتحاول نهشها .

لم يكن هو العمل الذي رغبت به بعد تخرجي في الجامعة لاسيما إنه بعيد عن اختصاصي العلمي، لهذا لم اتآلف معه، وتعاملت معه بروتينية قاتلة، بينما هي لم تجد مانعاً من الانسجام معه بالرغم من أنها تحمل اختصاصي الأكاديمي نفسه، سخرت مني مرة قائلة لي .. عن أي اختصاص تتحدثين ؟! إننا أوفر حظا ممن لايجد وظيفة في هذه الأيام . واقعيتها واندفاعها وانسجامها أهّلها لتحظى بمكانة مهمة في العمل . لاسيما وهي تتصرف بثقة ولها حضور وأفكار بنّاءة في اجتماعات المؤسسة، كانت تجلس في الصف الاول من قاعة الاجتماعات واضعة ساقا على ساق، بينما أجلس في الزاوية القريبة من الباب حتى اتمكن من التسرب بمجرد شعوري بالملل .

شعرت بأنّ جميع من حولنا يحبها، فهي لطيفة التعامل مع الآخرين إلاّ معي . لم يعنني أن أحبها الآخرون أم لا .. ماهمني سوى قلب واحد .

كان في القسم زميل وسيم وجذاب يعجبني منذ وقت طويل، لم أعرف كيف ألفت نظره من غير أن أمس كرامتي وحيائي بشيء .

أخذت الأفاعي تستطيل لتصل اليها، حين لاحظتُ أنها تقترب منه بلاتردد، وتكلمه بما لم أسمعه . لأجدهما بعد لحظات يضحكان بصوت عال ٍ وبلاحياء . أغاظني أكثر حين وجدته يستنشق شذاها . وفي طريقها من مكتبه الى مكتبها مارة بمكتبي غمزت لي ضاحكة بينما أصاب الأفاعي ما يشبه الخدر !

يالها من وقحة قليلة الحياء، كيف لصنف النساء هذا أن يضعن الرجال في جيوبهن، مع أول ابتسامة، وأول كلمة ينطقن بها أمامهم ؟!

أظن أن لامانًع لديها من أن تتقدم لخطبته وتدفع له مهراً، حتى ترضي غرور قدرتها على السيطرة والتحكم وتثبت لأمثالي اليائسات من أي الإناث هي ؟

أنتِ قديمة الطراز حتى في لفت انتباه الرجال .. سأريك كيف أضعه في جيبي بلمح البصر ..همست لي قبل يومين، حين وجدتني اختلس النظر الى زميلي بنظرات حب بدائية ساذجة بنظرها . وقد حققت مرادها اليوم، وأذلتني .

في البيت، لم اتناول طعامي بعد عودتي . تسمرت أمام المائدة، يقتاتني عبوسي وإحباطي، بينما جلست ـ هي ـ قبالتي تأكل أحلامي بمرح وشهية.

تناثر صحنها الى أشلاء صغيرة على الأرض بعد نوبة غضب انتابتني دافعة أفاعيي الى القيام بدورها . زاحمت صدى التشظي قهقهتُها، فكانت خيبتي كبيرة وأنا أدرك أنّ تحطيمي الصحن حصل بعد أن فرغتْ هي من تناول وجبتها .

لم أطق استفزازاتها .. فوزها الدائم عليّ .. نيلها ماتريد ـ حتى رضا أمي المتسلطة عنها بينما تضطهدني دوماُ ـ .. فعلها ماتشاء .. لفتها الأنظار .. ارتداءها مايظهرها فاتنة .. أنوثتها .. رشاقتها .. جموحها .. رعونتها .. ضحكاتها وقتما تشاء وأينما تريد .. تمردها على التقاليد الخانقة .. قدرتها الإقناعية ـ حتى أمام أبي الذي أقنعته بعدم تزويجها بمن لاترغب بينما فشلتُ أنا في أقناعه بأن يعود عن قراره الجائر بتزويجي بمن لاأريد ـ  وربما هذا منحها مشروعية سرقة حبيبي مني، وإن كان مثلها لاتعنيه المشروعية، فهي لاتأبه إلاّ باستفزازي، لهذا تتعمد الظهور أمامي دائماً لتوصل لي رسالة من رسائلها المتخمة بالغرور والخبث .. كما حدث اليوم عند انتهاء الدوام الوظيفي، سحبتُ قدميّ الى السلم نازلة، ولم أدرِ متى لحقت بي سائرة الى جانب حبيبي، تتبادل معه الضحكات عند نزولهما، من غير أن تنسى الالتفات اليّ بابتسامة، خلتها لئيمة، لاسيما وهي تتغنج بعطري .

مايدهشني حقاً فيها، كما يستفزني، أنها لم تدع أفاعيها تواجه أفاعيي الحانقة، ولم تبادل نوبات سخطي بردود فعل عصبية . كانت المثال النموذجي لدحض القانون الفيزيائي بأن لكل فعل رد فعل مساو له في القوة، معاكس له في الإتجاه . أفاعيها كانت تتمايل راقصة على إيقاع ناي هندي كامن في نفسها، تخرجه متى تشاء .

إنها تعيش معي منذ أعوام في الغرفة نفسها، تستخدم أشيائي، تنام على سريري نفسه، يزاحم وجهها المبتهج وجهي التعس على الوسادة، حتى حين أفزع من نومي أحياناً أجدها نائمة وعلى شفتيها ابتسامة، تغط في حلم جميل، كما يبدو لي . ولاأعرف لماذا، وفي كل نوبة فزع، تتراجع أفاعيي وتنكمش بعد استطالتها ووصولها الى العنق المغري للدغ ؟!

كثيراً ماأجدها ترقص وتتقافز كالأطفال على السرير مبتهجة، فأطلب منها الكف عن الضجيج، لحاجتي الى الراحة والهدوء، لكنها تعاكسني، وهو ماتفعله في أي مناسبة، كما فعلت في المطبخ ظهيرة اليوم عندما تحدثتْ مع حبيبي بهاتفها النقال متعمدة أن يكون صوتها مسموعا، بينما كانت الحنفية تدلق لي لسانها المائي في زحمة استيائي من عملية غسل الصحون بشكل يومي كما هي الأعمال الروتينية المستمرة التي تسرقني من زمني وتسرق زمني مني . بل مازاد من استيائي رؤيتي شظايا الصحن المكسور في الحوض .

تذكرت كل تلك التفاصيل التي عشتها أمس وقبله وقبله، كأنها جميعا يوم واحد مستنسخ عما سبقه، في الحافلة وعند باب المصعد المشاغب ومكتبي الممل والسلم القديم والصحن المكسور ولسان الحنفية المندلق والسرير المؤرق .. وأنا أوحي لأفاعيي أن تستطيل ..

فقد كرهت هذه الفتاة الجامحة المزعجة، ما جعلني، صباح اليوم، حين شممت شذاي عبر مرورها بي، أرمي زجاجة العطر على المرآة، ليتشظى وجهها، فتصاعد مع التشظي صدى نحيبي .

لكنني أحببت هذه الفتاة الرائعة المستفزة، ما جعلني أرمي الزجاجة نفسها على المرآة، ليتشظى وجهي، فتصاعد مع التشظي أصداء ضحكاتها التي

أصابتني بالدوار والغضب معا، هرعت لأخنقها بيدي من غير أن أدع ضميري او مخاوفي تمنعني كما تتمكن مني كل مرة احاول فيها .. جحظت عيناها، واندلق لسانها الفظ من فمها .. وكنت أسعل بشدة وأنا اتلوى على شظايا الزجاج المبعثر على أرضية الغرفة وحيدة ..

***

قصة قصيرة

 أسماء محمد مصطفى

 

 

سالم الياس مدالوثلاث قصص قصيرة جدا


1- رصاصة طائشة

الوقت صباح والرياح تعول شديدة كادت ان تقلع سقوف المباني الهشة والاشجار كان غارقا في صمته مدخنا غليونه نافذا دخانه في حلقات فارغة الا من هواجسه وافكاره الخاوية وحينما هداة العاصفة خرج لا يعرف الى اين، كان صمت غريب يخيم على المكان فجاة سمع صوت اطلاق نار كثيف تفكر بالعودة من حيث اتى، ولكن وما ان استدار للعودة واذ برصاصة طائشة تسكن صدغه لتردية قتيلا .

**

2 - فلاح

خفافيش الظلام كانت تعبث في الارض فسادا تحرق الزرع والضرع وفي صباح يوم ربيعي مشمش ركب حماره واتجه صوب حقله حنطته القريب من القرية وعلى بعد مسافة من الحقل راى دخانا اسودا كثيفا يتصاعد فلم يتبين له هل ان الدخان المتصاعد كان من حقلة ام من الحقل المجاورفشرعت دقات قلبه بالتسارع فحين اقترب من حقله اكثر تبين له ان الحقل المحترق لم يكن حقله بل الحقل المجاور تنفس الصعداء ودقات قلبه عادت الى وضعها الطبيعي وحينما نزل من على حماره واضعا احدى رجليه على الارض لدغته افعى سامة جعلته طريح الفراش لايام معدودات قبل ان يفارق الحياة .

**

3 - وطن

اراد ان يكتب شيئا فلم يستطع فشرع يرسم رسم قرى وحقول تحترق واسراب اليمام تهجر قباب امالها واحلامها وعلى شاشة التلفاز التي كانت امامه راى جمع من الناس يهتفون نريد وطن نريد وطن وراى ايضا رجالا يطلقون نارا كثيفا على الجمع المنتفض وضحيايا كثيرة تسقط مضرجة بدمائها فيما الهتاف كان هادرا يعلو ويعلو نريد وطن .

***

سالم الياس مدالو

 

صادق السامرائيهيَ الأحزابُ ما كثُرتْ أسانا

تُبعْثِــــرُنا وتُلقمنا امْتِهـــــانا

 

عجائبُ أمّةٍ في حِزْبِ أفْكٍ

تُؤسّسُهُ القِوى برؤى عِدانا

 

فلا حِـــزبٌ بلا سَندٍ بَعيْدٍ

ولا حِزبٌ لأوْطانٍ تَفانى

 

شِعاراتٌ مُزوّقةٌ بكِذْبٍ

 وأفْعالٌ تُبادلها اقْتِرانا

 

عَقائِدُها مُسَوِّقةٌ لقَهْـــرٍ

وأطْماعٍ يُتابِعُها سِوانا

 

مَناهِجُها بَضائِعُها البَرايا

تُدمّــرُها وتُسْقيها ارْتِهانا

 

بِنا عَبَثتْ وأشْقَتْنا مِـــرارا

ولا زِلنا نُضاربُها الرِهانا

 

فما نَضَجَتْ ولا جاءَتْ مُفيدا

تدورُ بنا وتُهْدينا الهَـــــــوانا

 

علينا كلّ فادِحَةٍ تــــوالتْ

وإنّ الحِزبَ سلاّبٌ قِوانا

 

إذا قالوا فما صَدَقوا بفِعْلٍ

وكمْ طَعَنوا إذا حَقّتْ كِيانا

 

بحِزْبٍ واحدٍ شُقَّتْ صُفوفٌ

وواحِدُهم بهِ سَقَطتْ حِمانا

 

مُــوَرَّدةٌ إليْنا دونَ غُشٍّ

بأغلفةٍ تداعِبُ مُنْطَوانا

 

فنُلقى في مَواجِعِها حَيارى

تُنَوِّمُنا ويَأكُلنا لظــــــــــانا

 

وعاهــــــــــاتٌ مؤطّرة ٌبفِكْرٍ

يُخادِعُنا , يُخاطِبُ ما اعْتَرانا

 

لنا الأحْزابُ زقّــــومٌ وداءٌ

ومحْرَقةٌ وقد وسِعَتْ أذانا

 

فما رحَمَتْ ولا جَمَعَتْ قلوبا

وأذْكَتْ في مَواطِننا احْتِرانا

 

فدَيْدَنُها التلاحــــــيُ مُسْتقيدٌ

فهلْ يوماً بها صَنَعَتْ أمانا؟

 

تحزَّبَ شرُّها والخيْرُ يُشْقى

علـــى ليلى ألا غنّتْ هَوانا

***

د. صادق السامرائي

9\5\2021

 

 

أخرُ اخفاقاتِ اللقاءِ تُوّجَ بمغادرةٍ لائقة..

كلٌّ اتجَهَ الى صوبِ المنفى

لا أحدَ بعدَ ذلكَ يجادلُ أنفَهُ المتعالي

أنَّ هناكَ أملاً بالعودةِ

أخذْنا معنا مشاعرَنا الهرمةَ

وقبلاتِنا الخربةَ

حتى الاحتضانُ بات مشدودا بألم

خرجْنا سالمينَ معافينَ

وكأننا نخرجُ من حربٍ لم تحنْ بعد

أفواهُنا مغلقةً

الشفاهُ ترتلُ قداسةَ الماضي الجميل

حدائقُنا المبجلةُ

ومسطباتُنا الحالمةُ

كانت مغادرةٌ أشبهُ بلُفافةِ تبغٍ

أيُّ نارٍ تُشعلها ..

دخانُها نستطيبُ به حتى النهاية

اللقاءاتُ  حروبٌ ونزواتٌ

عندها كانتْ الاسلحةُ متوفرة

التاجرُ ماكرٌ صنعَ فخ اللقاء

التاجرُ .. حبٌ .. شوقٌ.  غيابٌ .. خيانةٌ .. عتابٌ .. ثأرٌ ..طمعٌ. .جشعٌ

عندما حانَ وطيسُها

اشتعلَت ْالرؤوس بياضاً

والقلوب انقباضاً

واضطربتْ المشاعرُ

سلمنا راياتِنا للشياطين

وغادرنا بهدوءٍ الى المنافي

***

فاضل ضامد - العراق

 

 

أنا الجنون الأوّلُ

أطْوي صُراخَ الشوارع

وأزُف الحُدود إلى رحِم الشمْس

وحين تنتفخ المسافات بنيراني

ألْقي القَبْضَ على مَا تبَقى من ريْقي

على ما تبقى من ريق قصيدة

ألقي القَبض على ما تبقى من صراخ

تتدفقُ الغُربةُ في الغيْم نِداء

 

أنا الجنون الأول يا قلبي

أزف لكـَ انتصار الحصار

عبثا تحاول الزّغاريدُ

لا مفاوضة بيننا

لا مفاوضة بين الليل وما تبقى من انتظار

 

لا مُفاوضة يا خِلّان

غبيةً كنت ُ حين صدّقتكم

غبية ً كنت ُحين آمنتُ بكم

و حين مَدَدْتُ يديّ للرّيح وأسْقطتُ ظلي

كـ الغبينة المنفتحة على الهوامش : علقت انتظاري رجاء

خُنْت ظلي

تسَرب مني بعْضي

لا نداء خلف أحْقاب السنين

لقد ضاع مِني صبري

فأنا ..

أنا الجنون الأول الآن

 

لا شيء يمنح لجوقة الماء نبضها المستحيل

لا شيء يَتسَوّرُ الكلامَ

كرهْتُ كل شيء

الشعر الرواية والقصة والرماية

والمبدعين المعلقين على جدار حماية

كرهت الدخلاء والبخلاء

والأربعاء وأول لقاء

مثلك تماما  صرتُ

يا درويش الكلام

 

فأنا الجنون

أنا الجنون الأول

مُذ ْ اكتشفت بأن الظلال كانتْ تقامرُ بروح الحكاية

مذ اكتشفت بأنني عشت كذبة شوهاء

أنتِ ابنة الوطن العربي يا زهراء

**

خروج:

لم تكن اللقاءتُ مستقيمة ً

فالظل كان في قبضة الحصار

***

فاطمة الزهراء العلوي

 

مصطفى معروفيظمأ الحضور نما بأوراقي

لذا رممت مملكتي بفرشاة الغيوم

فصرت صنوا للفصولْ،

أتلو صلاتي

أقرأ الأشجان في نزق الخيولْ،

أنا واقف في حمأة الأمداء

لا أغفو

أنازل سطوة الأيام

بين يديَّ أتربة الذهولْ.

الوقت في لغتي

تعسكر روحه

في موكب الأعراس يزرعها

و يرسم فوق جبهتها شموس اللاأفولْ

أمشي...

شراعي مشرئب

نايه ذهب...

على قدميه تعوي الريح

تنزع من محاجره

دوالي المستحيل،

لي غاية ....و قصيدتي

ما زلت أركبها

و أدمن في موانئها النزول

***

شعر:مصطفى معروفي

 

باسم الحسناويالحزنُ دائرةُ الجمالِ وإنني

من أجل هذا دائماً لحزينُ


 

1

مجنونةٌ في حبِّها لكنَّها

تأبى إذا قلتُ العناقَ أريدُ

وتشاءُ مني أن أخوضَ حروبَها

لتقولَ عني إذ أموتُ شهيدُ

من رأيها أنَّ السياقَ جمالُها

أمّا متيَّمُها هو التوكيدُ

أذكى الأنامِ الفيلسوفُ وإنَّما

أنا مذ عشقتُ مغفَّلٌ وبليدُ

2-

من سندسِ الكلماتِ أقطفُ وردةً

ليشمَّ أنفُ الخاطراتِ رحيقَها

أنا يا صديقةُ واقعاً متعجِّبٌ

أنَّ الصديقةَ لا تضمُّ صديقَها

إني أراكِ بعطرِ وردتيَ التي

أنا أستفزُّ زفيرَها وشهيقَها

وأراكِ أيضاً نجمةً في الليل لكن

لا ينالُ السّاعدانِ بريقَها

3-

يا أيُّها اللحنُ الذي أصغي إليهِ

وليسَ يسمعُهُ سوايَ تحنَّنِ

فأجب ندائي حين أهتفُ في الفيافي

العاشقاتِ الهائماتِ: قتلتَنِي

لما تحدَّث عاذليَّ عن الهوى

وشؤونِهِ لم تنتصف وبهتَّني

يا ربِّ أسألُكَ الصبابةَ أن تزيدَ

وأن يزيدَ الخمرُ سكرَ المدْمِنِ

4-

الحزنُ دائرةُ الجمالِ وإنني

من أجل هذا دائماً لحزينُ

يأتي إليَّ الوحي من جبريله

فيقوم لي مما سيوحي الدينُ

أنا أنقل الآيات دون زيادةٍ

ونقيصةٍ ففم النبيِّ أمينُ

أنا جدُّ أجداد الغرام جميعهم

علماً بأني في البطون جنينُ

5-

من عطر أنثى قد بنيت عوالماً

فيها بدورٌ أشرقت وكواكبُ

من عطرها أيضاً نسجت نبوةً

بمسيحها وأنا هنالك راهبُ

أنا أسعد الشعراء في الدنيا بها

بالرغم من أني خيالٌ ذاهبُ

إلا بها أنا في الحقيقة زاهدٌ

ففمي على قبلاتِها متكالبُ

6-

مرَّ السحاب وفرَّ من أرجائنا

ولذا الغمامةُ آذنت برحيلِ

إن يرتحل عنا الغمامُ فإنني

نهرُ الفراتِ وأنتِ نهرُ النيلِ

ما جفَّ نهرانا ولو في لحظةٍ

والفضلُ في الجريانِ للتقبيلِ

لا تتركي التسبيحَ إن عانقتِني

أو فلتكوني عندَها إنجيلي

***

شعر: باسم الحسناوي

 

 

 

سجال الركابيكيف يجرؤ الفجرُ أن يتنفّس

ولست َفيهِ أول شُعاع...!

لا تسلْ عن لون عيوني …إسأل …شظفَ لقاء

مواعيد الشمس رمال فكيف تُبحرُ الأمواج؟

دثِّر قلقي رقائقَ حُلمٍ عذراء الزرقة

ربّما…. ربّما

يعزفك شوقي المتكوّر في طرف القفصِ

تراتيل شعرٍ بنكهةِ غرق….!

وربّما

أخضّب آهاتي بندم:

(أنّك متربّع على عرش عصيّ على تفسيري)

أو:

(أنت شهيق روحي)

أو:

(أنا العامريّة وأنتَ دون جوان)

وأخيراً

(دعنا نحلّق معاً في سموات عصيّة على التفسير)

***

سجال الركابي

14.6.2021

........................

* البرزخ كلمة فارسية الأصل معناها مكان يفصل بين شيئين أو حالتين

 

الحسين بوخرطةفي يوم مشمس صيفي، اشتريت خشب أرز بلدي. أشبعته زيت صيانة دائمة. قطعت القطع النافعة واحتفظت بالباقي. توجهت مع صديقتي إلى مقبرة أرواح العفوية. وصلنا إلى المكان المعد مسبقا لاحتضان مراسيم الفراق المؤلمة. سمرت جوانب صندوق وقاعه بمنطق المقاومة لآفات الزمان وأجيال ديدان التراب المحتملة. صنعت نعشا بصلابة المناعة المطلوبة، رشته معي صديقة بماء الزهر والرياحين، وساعدتني بإفراشه قطنا. وضعت فيه جثمان الغفلة والتماهي والتهور، ودققت آخر مسمار إغلاق على واجهته العليا. وجهته القبلة، قبلت زاويته اليسرى ترحما على ماض كان سعيدا مبتهجا، وصليت عليه صلاة القداسة. اشرأبت بفعل كلمات أنوثية عشوائية وملتوية مشحرجة اعتبرتها رثائية.

ناديت الصديقة، والتمست منها مساعدتي على إنزال النعش إلى مثواه الأخير. فعلت متمتمة بكلمات غير مفهومة. انتهى المهام. طردت غبار التراب عن ثيابي صعقا بقلق اصابع اليد، مسحت حذائي من رذاذ غبار أبيض، ابتسمت صديقتي، وقررت أن أكون إنسانا آخر، ليزلزلني سؤال غريب: أي قدرة لاتخاذ هذا القرار؟

***

الحسين بوخرطة

كفاح الزهاوياستيقظت من النوم ولا زلت اشعر بالنعاس. قفزت من الفراش بتنهيدة وتثاؤب بصوت مرتفع مع إصدار نغمات نشاز كلما صفقت على فمي بأصابع يدي المتراصة.

كان صادق الفلاح القروي في الخمسينيات من عمره قد أرسل ابنته الصغيرة ذات عشر سنوات الى مقرنا في وقت الظهيرة، طالبا المساعدة الطبية، لأن زوجته كانت تشعر بوعكة صحية. اتخذت استعداداتي وتوجهت الى منزلهم المتواضع، كان قد بناه بنفسه من الصخور والطين على الهضبة المطلة على مقرنا. المنزل يتكون من غرفة واحدة يتوسطها موقد. وإلى جانب الغرفة، كوخ صغير كان يؤدي وظيفة المطبخ.

بعد ان انتهيت من فحص زوجته. قدموا لي قدحا من الشاي. وفي هذا الاثناء دخل شاب وهو بيشمرگة ينتمي الى احدى الاحزاب الكردية التي كانت تتواجد قواتها في نفس الوادي. كان نحيل الجسد، عيناه غائصتين في محجريهما، ضامر الوجه، يخفي تحت بشرته حزن عميق. يلبس معطف غامق اللون.

رحب صادق به وقال:

- اهلا بك يا دكتور. تفضل بالجلوس.

أجاب بصوت خفيض:

- تعيش.

ثم جلس قبالتي وعيناه تحومان الغرفة بتفحص كمن يلقي على أجوائها نظرة الوداع. ثم ارخى نظره إلى الأرض، كاد اليشماغ ان يسقط من فوق رأسه. ورغم ذلك لم يرفع عينيه نحوي. بينما صادق طلب من ابنته تقديم الشاي إلى الضيف.

وأردف صادق وهو يوجه كلامه الى الضيف:

- زوجتي كانت تشعر بالتعب منذ يوم أمس، الشكر موصول للدكتور مهند من بيشمركة الحزب الشيوعي العراقي الذي لبى الطلب واعتنى بالأمر.

عندها رفع رأسه والقى نظرة سريعة نحوي مع هزة رأس خفيفة بطريقة كمن يقول مفهوم.

ثم أضاف صادق كمن لا ينسى خدمات الاخرين ايضا:

- دكتور بهزاد كلما يأتي الى هنا يساعدنا إذا احتجنا الى المساعدة.

بهزاد كان رجل في الثلاثينيات من عمره. وهو معاون صحي. جاء مع مفرزة الى المقر التابع لحزبهم في مهمة عمل.

وفي تلك الجلسة القصيرة ترك في نفسي انطباع انه انسان غامض وغير ودود، لذلك حاولت التجنب وعدم الخوض في أي نقاش ودي معه. بعد ان احتسيتُ الشاي، غادرت المنزل.

وفي اليوم الثاني في الساعة الثانية ظهراً وبينما كنت في زيارة لمقر حزبهم تناهى إليّ أصوات تشي بالشجار، عرفت فيما بعد ان بهزاد هو أحد اقطاب التناحر في هذا التراشق الكلامي مع بعض من رفاقه داخل المقر واستولت عليه بغتة رغبة جامحة في ان يغادر المقر عائدا إلى مكان إقامته في مقر آخر، رغم مناشدات البعض لإيقافه عن اتخاذ خطوة قد يندم عليها وأخبروه بمخاطر الطريق.

عند خروجه من الغرفة، كان سلاحه من نوع الكلاشينكوف الروسية قد علا كتفه والغضب يغمر عينيه، ووجهه متجهم حد الانفجار.

كان يوما ثلجياً عاصفاً. رحل وحيدا في هذا الطقس المُهلك، رافضاً الاذعان الى النصائح، بل أصرَّ على العودة بعناد مستميت الى مقرهم والذي كان يبعد بحوالي أربع ساعات سيرا على الاقدام في الأيام المشمسة.

اعتراني قشعريرة في جسدي وانا التمس قراره الخاطئ بمغادرة المكان في ظل هذا الجو العابس الكئيب والمغبر، في شق طريق غير واضحة المعالم وهو يعاني من حالة نفسية حادة، وقد تراءى لي كمن يفكر بالانتحار.

كنت ابحث عن تفسير مقنع لغضبه الذي اشتدَّ في لحظة، وقدرته الذهنية في مواصلة المسيرة لوحده في تلك الوديان العميقة التي تغدو خطرة عندما السماء لا تنقطع ثلوجها عن السقوط. لابد وأن تركيزه منخفض ورؤيته شائبة وفكره مُضْطَرِب. كل تلك العوامل بمجملها كانت كافية في ان تلقي به في متاهة شاقة.

وفي صباح اليوم الثاني توقفت الثلوج عن الهطول والسماء كانت صافية كالزجاج، والشمس تضيء بقوة خاوية من الحرارة، وكأن السماء لم تكن قبل عدة ساعات في حرب ضروس مع الأرض وهي تغرقه بوابل من ندفات الثلج.

خرج صادق في رحلة الصيد كعادته بعد ان تناول فطوره الدسم. لم يدم مكوثه طويلا في رحلته تلك حتى عاد أدراجه بسرعة لينقل خبرا سيئاً إلى رفاقه بعد ان تأكد بان بهزاد كان يرقد متجمدا بالقرب من كهف مفتوح ليس عميقا نزولا الى الوديان القريبة عنا دون إعطاء مزيداً من التفاصيل...

بادره أحدهم بسؤال بينما علامات الحزن ترتسم على وجهه:

- هل هو ميت؟

اجابه صادق بتردد، كمن غير واثق من الأمر:

- لا أدري ولكن جسده جامد ومغطى بالثلج، فأسرعت الخطى اليكم كي ابلغكم عسى ان تتمكنوا من إنقاذه.

وحال وصول الخبر، أبلغونا بالفاجعة وطلبوا منا المساعدة الطبية في إنقاذ رفيقهم. فجهزنا أنفسنا في مفرزة صغيرة، حيث كنت أحد أفرادها، بينما كانت بحوزة مفرزتهم بطانية وبعض الحطب لإشعال النار. وخلال تلك المسيرة كنت ألقي بنظراتي على الطريق الذي سلكه بهزاد.  يبدو انه كان يكابد جدا وهو وحيد وسط طبقة بيضاء غمرت الجبال والوديان، والرؤية كانت سيئة، والتعب قد نال منه وأنهك قواه العضلية، حيث لم يبق سوى ثلاث أمتار نحو كهف صغير. كانت توجد عيدان وبعض الأغصان اليابسة وولاعة (شخاطة) حيث وضعت هناك للاحتياط. كان بامكانه ان يحمر بها نارا ويوقد توهجا في جسده الذي استحال الى صقيع كي يعود إلى حالته الطبيعية فيستعيد الحياة منتعشا.

مشاهداتي لأثار اقدامه الناحلة المتعثرة في الثلوج تؤكد فشله في محاولاته المتكررة واخفاقه الكبير في قدرته للعودة الى الطريق بعد ان انزلق منه على المنحدر المتواري تحت أكوام الثلوج والسعي بكل طاقته في التسلق إلى الأعلى.

ترنح عاجزا يمينة ويسرة حتى صار خائر القوى. يبدو ان الظلام قد داهمه بعد ان امتص ما بقي من ضوء النهار الباهت وتضاءل منسوب الأمل مع تسرب اليأس إلى نفسه رويداً رويداً.

السكون العميق قد خيم على المكان، والريح الباردة قد أطبقت على جسده النحيل في عناق قاس وامسكت بخناقه بعنف حتى أنهكت قواه، ووقع صريعا مستسلما الى نوم هادئ قرب صخرة كبيرة اتخذها كجدار آمن واتكأ عليها ولاذ في صمت عميق بعيدا عن وقع بساطيل الجنود وأزيز رصاصات الموت.

بعد ان وصلنا الى الموقع، كان جسده متجمداً كما لو ان دجاجة ملفوفة في كيس تُركت في المجمدة وظلت هناك في فترة غير محددة. قمنا بإشعال النار وتركناه بالقرب منها ليتسرب الدفء إلى جسمه ويساعده على تحريك الدم.

كنت أتمعن إليه عن كثب. أخال اليَّ تلك الرحلة المشؤومة وما تمخض عنها من صعوبات: في تلك الساعة. كانت أعاصير من الأفكار قد عصفت جوارحي بقوة، وكأن صقيع الجبال ذاب على حين غرة وتدفق بسرعة لينساب مياهاً مدمرة تغرق كل شيء تصادفها في طريقها.

لقد تجمدت اطرافه من البرد وسرى الخدر في جسمه الخاوي من أي سعرات حرارية. كانت هيئته تبدو للناظر كجثة محنطة.

كانت هاوية الليل الطويل تزحف في الديجور أصداء الرعب والموت وتختبئ في الطرقات وتحت الجليد وتلقي ظلالا من العزاء واليأس. كنت أرنو الى وجهه الشاحب واتخيل وحدته في تلك الساعات العصيبة في العراء مرتعداً وهو يصارع أشباح الموت وهم ينقضون عليه تحت جنح الظلام. وناقوس الليل يقرع في سكون بارد في عتمة الوادي إيذانا بانتهاء حمايته. ومن نافذة الفجر تسمع تراتيل الحزن تذوب في توان صدى صوته. ارى من آثار الأقدام المتعبة فريسة يأس أليم ناجم عن محاولاته العديدة في لجة الانهيار النفسي وهو ينحرف عن الطريق ويتدحرج ليسقط من هاوية المنحدر في بحر من أكوام الثلوج التي ما فتئت تنهمر بغزارة دون توقف.

وكلما حاول انتشال نفسه من هذا الوحل الأبيض، تضاءلت قدراته الجسدية وذابت طاقته الذاتية في رفد عضلاته قوة إضافية تمكنه على الصمود. وما ان رفع قدمه إلى الأعلى حتى أحس ان ركبتيه ترتخيان، وقدميه تثقلان فكأن الجليد قيدهما بالأرض.

كان يبذل جهدا اراديا عنيفا في مواجهة الموت الزاحف. استفحل الشعور بالوحدة يملأ بسواد عاتٍ كالرماد، انهارت مقاومته كما ينهار جسر مهترئ عندما يداهمه الطوفان. ذلك الشعور المظلم في متاهة الوحدة وصراخ الصمت الكئيب في عزلة تامة عن العالم ورياح اليأس في زحمة الإخفاق والتراجع جعله واهنا أمام قوة الطبيعة الغاضبة في سلب الحياة. كانت سياط الريح قد خدشت سحنات وجهه الرقيق، ومحت عنها رونقها.

كان جالسا بهدوء غير مألوف، يرنو الى جهة الكهف متحسراً. ربما جال في ذهنه ذكريات مدفونة لم يألف ان يتذكره في حياته الروتينية اليومية، ذكريات الطفولة والمراهقة المجنونة، وتلهفه الى تلك اللحظات التي قد تمدّه بشيء من الدفء، ولكن في هذا الوقت كان يمضي ساعاته الأخيرة في معركة غير متكافئة، في مواجهة عنيفة قد يكون مصيره الحتمي في عالم مجهول، عالم يختفي بخفة في نعاس الليل. عدو لم يرغب في منازلته، وإنما اصراره على التحدي اوصله الى هذا الكمين الواسع. راح الثلج يلفه كغطاء يمتص حرارة جسمه، يفترس جسده من كل جهات، ويجمد أضلاعه ويكبح خلاياه عن الحركة. لم يبق للسماء لونا ولا للوديان طعما. كل شيء صار مراً كالحنظل.  يسدل الليل ستاره وينهي حراسته، فتفاقم في نفسه الشعور بالعزلة حدة.

بالرغم انه كان يميل الى السكينة وقلة الكلام إلا انه في تلك الساعات النادرة كانت أمنيته ان ينبعث من ذلك الصمت ضجيج وصدى أصوات يخترق الكون ويصنع المعجزات. فبرقاده على الأرض المفروشة بالثلوج قد اوعز الى وعيه بالتوقف عن التنفس، وكأنه أراد ان يدفن خلجانه في العتمة بصمت.

راح صوته يتهدج ويضيع في صومعة البرد القارس وفي غياهب السكون القاتل وخوار الروح المستسلم، والضباب الكالح في متاهة المسيرة الضائعة، والصراخ المكتوم في عمق النسيان.

كان ذلك المنظر قد بدا لي مؤلما، بعد ان سرى وهج النار في جسده، وهمد صقيع المتجمد في عروقه، ولكن الدم لم يعد متحمساً على الجريان في قلبه، فظل وجهه باهتا دون ان تغمره نسمات الحياة.

طفق جسده في الاستلقاء على الأرض، ولكن بصمت وهو يرقد في عالم آخر. شعرت بالأسى عليه.

***

كفاح الزهاوي

 

 

علي القاسميفي الأسبوع الأخير من صراعه المرير مع السرطان، جلس في جناحه الخاص في المستشفى الكبير، يحيط به جميع عُوّاده: أفراد أسرته وأقربائه وأصدقائه وطلابه ومحبيه، وجميع مَن طلبهم للمجيء لسببٍ أو لآخر ومَن لم يطلبهم. ابتسامة شجاعة تملأ غضون وجهه وهو لا ينفكّ يروي الطرفة بعد الطرفة والنكتة تلو الأخرى فتنطلق ضحكاتهم ويشيع جوٌّ من السرور، وكأن الجمع قد التئمَ في مناسبةٍ سعيدةٍ، مثل عرس أو ختان أو ميلاد طفل، وليس لوداعِ عزيزٍ راحلٍ إلى العالم الآخر بعد أيام أو ساعات. هنا يختلط الهزل بالجدّ على عتبة الموت.

أتظاهرُ بالابتسام ومتابعة ما يقوله؛ ولكنّني، في حقيقة الأمر، أحاول جاهداً أن أُدرك أمراً، أن أفكَّ لغزاً حيّرني منذ أسابيع، أثناء عياداتي المتكرِّرة المتواصلة المطوّلة له، أو بعبارة أخرى أثناء مكوثي شبه الدائم في جناحه في المستشفى خلال الأشهر الأربعة المنصرمة التي أمضاها هناك، بعد أن ظلّ يسافر كلّ شهر تقريباً إلى باريس للعلاج مدَّة خمس سنواتٍ متعاقبةٍ، ولم ينجح العلاج، وأُغمي عليه ذات يوم فحملوه إلى هذا المستشفى الوطنيِّ.

ما حيّرني وأقلقني وأشعرني بعجزي وأثار غيرتي في آنٍ واحدٍ، أنّ عينه اليمنى كانت تتَّجه إلى مدخل ذلك الجناح بين الوهلة والأُخرى في انتظارِ قادمٍ ما، بَيدَ أنَّ عينه اليسرى تخشى وصول ذلك القادم المُرتقَب ولا تريد حضوره. إحدى مُقلتَيه تستدعي ذلك المجهول والأخرى تحذّره من المجيء وتصرفه.

ثلاثون عاماً من الرفقة الطيِّبة والعِشرة والمحبّة والصداقة الحميمة، بل الأخوّة الخالصة، إضافةً إلى التشابه في خلفيّتنا العائليّة وتعليمنا وخبراتنا ومهنتنا المشتركة، كلّ ذلك كافٍ ليجعلنا ـ أنا وصديقي سيدي محمد ـ قادرَيًن على فهم رغبات الآخر وإدراك مشاعره، بمجرّد النظر إلى العينَيْن. العينُ نافذةٌ مشرَعةٌ على باطن النفس. نأخذ أحياناً، ونحن وسط الآخرين، في التواصل فيما بيننا بعيوننا، نُفصِح عن الرغبات والطلبات، ونعبّر عن مشاعر القبول والرفض، والرضا والسخط، والفرح والحزن، دون أن نتفوّه بحرفٍ أو ننطق بكلمةٍ، ودون أن يعي الآخرون ما نحن فيه. يكفيني أن أنظر إلى عينيْه لأفهم ما يريد، ويكفيه أن يلمح عينيَّ ليستوعب مشاعري ويقف على أحاسيسي. أستبطنه ويستبطنني، أنفذ إلى أغوار نفسه، ويلج في أعماقي. أسراره أسراري، وأسراري أسراره، لا يُخفي أحدنا عن الآخر شيئاً، آمالنا واحدة، وهمومنا مشتركة، وأحاسيسنا متطابقة، ومشاعرنا متماثلة، كأنَّنا أصبحنا كائناً واحداً أو روحاً واحدة حلّت في جسدين، كما يقول الشاعر:

روحُهُ روحي وروحي روحهُ     إنْ يشأْ شئتُ وإن شئتُ يشأْ

ولهذا كلّه، انتابني القلق عندما عجزتُ عن استيعاب ذلك الموقف غير المفهوم: عينه اليمنى تتلهَّف لوصول القادم المجهول، وعينه اليسرى لا ترغب في قدومه.

لعلّ حزني المستعرّ بين جوانحي هو الذي أصاب قدرتي الحدسيّة بالعجز، أو لعلَّ الإرهاق الذي ألمّ بي مؤخَّراً هو الذي عوّق مداركي الاستيعابيّة. ولهذا جمّعتُ قواي الذهنيّة والروحيّة اليوم، وركّزتُ نظراتي عليه دون أن يشعر، وهو منشغل مع عوّاده، فألفيتُ بكلّ وضوح لا يقبل الشكّ ولا التأويل، أنّ عينه اليمنى تستعجل القادم المجهول وعينه اليسرى تثنيه عن القدوم.

في جميع دراساتي الفلسفيّة وأبحاثي النفسيّة لم أطّلع على حالةٍ مماثلةٍ ينقسم فيها عقلُ الكائن بهذه الحدَّة، وتنشرخ إرادته بهذا الوضوح. لم يحضرني في تلك اللحظة إلا حالتان: رسمٌ وبيتُ شعرٍ. رسمٌ منقوشٌ على أحد جدران أطلال بابل يمثّل أفعى برأسين، وكلُّ رأسٍ يندفع بقوة في اتّجاهٍ مضادٍّ. وبيتُ شعرٍ قاله شاعرٌ عربيٌّ قديمٌ يصف فيه ذئباً أصابه الهلع:

ينام بإحدى مقلتيهِ، ويتَّقي الـ    ـمنايا بأُخرى، فهو يقظانُ هاجعُ

لم أقبل الهزيمة، فأنا لستُ بأقلّ عزيمة منه. منذ خمس سنوات وهو في معركةٍ شرسةٍ مع السرطان الذي هاجم نخاع العظم منه بضراوة، ونخر عظامه حتّى أمست مثل قطعة من زجاج انتشرت فيها الشروخ، مثل شبكة عنكبوت بحيث ستنهار بفعل هبّة ريح خفيفة وتتهاوى شظايا مبعثرة، كما قال لي طبيبه وهو يصف حالته. ومع ذلك، فهو يخرج من غرفته مرّتيْن في اليوم ليتمشّى في ممرّات المستشفى في محاولةٍ شرسةٍ لإعادة الحياة إلى عظامه المنهارة. ثمَّ  يعود إلى غرفة الاستقبال في جناحه في المستشفى ليتوسّط المجلس، ويرحّب بعوّاده وزوّاره، ويروي لهم الطُّرف والنكت والحكايات المُضحِكة.

لم يحبّه الناس لروحه الخفيفة وأخلاقه السامية فحسب، بل أحبّوه كذلك لأنّه لم يطمع بما في يد غيره قط. قتل الطمعَ في نفسه، ونقّاها من الخبائث، فصارت صافيةً شفافةً، كمرآةٍ مصقولة. ومِن عينيْه وهو يتحدّث مبتسماً، أُدرِكُ أنّ الألم أخذ يشتدّ به. يرمقني بنظرةٍ ذات معنى ويبتسم. إنّه يريد أن يعلّمني كيف يموت المرءُ بكرامة. فأُرسل إليه نظرةً تقول: كما عاش بكرامة. ثمّ أدلفُ، دون أن استرعي انتباه أحد، إلى غرفة الممرضة المجاورة، وأطلب منها أن تقدّم له قرصَ مسكِّنِ الألم ذائباً في قدح ماء دون أن يلاحظ جلساؤه أنّه يشرب الدواء. إنّه أسبوعه الأخير، كما أسرّ إليَّ بذلك كبير الأطباء المشرف على علاجه.

نظرتُ حولي، تصفّحتُ الوجوه واحداً واحداً. إنّهم جميعاً هناك. أعرفهم جميعهم. لم يتغيّب فردٌ من محبّيه. ولم يتخلّف واحدٌ ممن يحبّ. تُرى مَن هو ذلك القادم المنتظر، إذن؟ لم تعُد المشكلة بالنسبة إليَّ تنحصر في عجزي عن إدراك ماهيّة التناقض بين عينيْه، بل أصبح التحدّي الذي أواجهه هو معرفة سرّ ذلك القادم المرتقَب الذي لا يريد صديقي أن يطّلع أحدٌ عليه. وبعبارة أُخرى، إنّ الذي آلمني وأقلقني أنّ صديقي الحميم  أخفى عنّي سرّاً من أسراره. فأنا لم أكتم عنه أيّاً من أسراري.

اشتعل لهيبُ التحدّي بين ضلوعي. لا بُدَّ لي من معرفة ذلك السرّ. حبُّ الاستطلاع المتجذِّر في نفس الإنسان هو الذي ارتفع به إلى قمم المعرفة، وهو الذي سقاه الردى مرّات. لن أسمح له بدفن سرّه معه. سأحطّم تلك الصدفة، لأُخرج اللؤلؤة منها. سأتّبع طريقةً أُخرى للوقوف على ذلك السرّ من دون أن أستجديه منه. فواضحٌ أنّه لا يريد البوح به حتّى إلى أقرب الناس إليه، بل إنّه يخفيه حتّى على ذاته، أعني عليّ أنا الذي هو. سأمتشق تقنيَّتي الثانية. فالتقنيَّة الأولى، وأعني بها لغة العيون، تساعد في إدراك الرغبات والطلبات والأحاسيس، ولكنّها لا تمكّنني من الوقوف على التعبيرات الدقيقة أو الأسماء المحدَّدة. ففي الحالة الأخيرة، ألجأ عادةً إلى تقنيَّتي الثانية التي تُسمى بقراءة الأفكار.

وتتلخّص فحوى هذه التقنيّة في قدرتي وقدرته على قراءة الأفكار، أفكاره أو أفكاري، من غير الحاجة إلى التعبير عنها بكلماتٍ منطوقة. وكانت هذه الطريقة قد أثارت انتباهي أوّل مرّة عندما كنتُ صبياً، وقد اصطحبني والدي خلال العطلة الصيفيّة إلى مدينة الإسكندريّة في مصر. وذات ليلة، ذهبنا إلى مطعم ـ مسرح لتناول طعام العشاء. وهناك، ظهرَ على خشبة المسرح " ساحران"، هبط أحدهما صوب المشاهدين في حين ظلَّ الآخر واقفاً على خشبة المسرح، وهو معصوب العينيْن وظهره إلى الجمهور. اتّجه الساحر الأوّل إليّ. لعلَّه اختارني لأنّي كنتُ أصغر الحاضرين، أو لأنّه عرف من ملامحي أنّني لستُ مصرياً وإنّما سائحٌ يزور مصر لأوَّل مرَّة. وطلبَ مني بلطفٍ أن أعطيه جواز سفري أو بطاقة التعريف. فناولته إياه. وأخذ يقرأ المعلومات المدوَّنة في جواز السفر قراءةً صامتةً لا يحرّك خلالها حتّى شفتيه. وإذا برفيقه الثاني الواقف على خشبة المسرح يرفع صوته بالمعلومات التي يقرأها زميله.

الاسم: علي بن محمد القاسمي

الجنسية: عراقي

المهنة: طالب... إلخ.

وبعد قليل، اتّجه الساحر الأوَّل إلى سائح آخر وفعل الشيء نفسه. 

أدرتُ وجهي إلى والدِي وعيناي تلمعان دهشة وتتألقان إعجاباً وانشراحاً وأنا أسأله:

ـ أليس في الأمر حيلة؟

ـ لا حيلةَ مطلقاً. إنَّهما يقرآن الأفكار، كما يستطيع غيرهم قراءة الشفتيْن، مثلاً. قارئ الشفتيْن يستخدم بصره، وقارئ الأفكار يستعمل بصيرته. الأمر يتطلّب شيئاً من التوافق الذهنيّ والمران والتركيز.

في تلك اللحظة تلاشت الحدود الفاصلة بين السحر والحقيقة، وتعانق الخيال والواقع في نظري.

ـ ولكن، يا أبي، هل أستطيع أنا، مثلاً، أن أتعلَّم قراءة الأفكار؟

وتفاقمتْ دهشتي وتعاظم سروري حينما سمعتُ والدي يقول:

ـ ولِمَ لا؟ بإمكاني أن أساعدك على ذلك.

وكان والدي قد درس العلوم الدينيّة في الحوزة العلميّة ببغداد، وتعاطى الرياضات الروحيّة والتصوّف.

وبعد عودتنا من مصر، أخذ والدي يدرِّبني على قراءة الأفكار. وهذا الفنّ يختلف قليلاً عن التخاطُر، أي تناقل الخواطر والوجدانيّات من عقلٍ إلى عقلٍ على البُعد بغير استخدام الوسائل الحسّيّة المعروفة. أمّا قراءة الأفكار فتتمُّ بحضور الطرفين في مكانٍ واحد.  أوضح لي والدي أنّ التفكير يختلف عن الفِكرة أو الأفكار، لأنّ التفكير هو العمليّة الذهنيّة التي تتبلور في فكرةٍ تُصاغ على شكلٍ جملة لغويّة داخليّة تستقرّ في الذهن، يُطلِق عليها اللسانيون اسم اللغة الوسيطة. وعندما تنتقل تلك الجملة من التفكير إلى التعبير، ويتلفّظها الفردُ باللسان والشفتَين وبقية أعضاء النطق، تُصبح لغةً منطوقةً، تلتقطها آذان السامع، وتنقلها إلى المخّ لتفسيرها، واستيعابها وتمثُّلها.

وذكّرتني التمارين التي استخدمها والدي بالتمارين التي كانت تستعملها معلمة البيانو معي، لأتعرّف على النغمات الموسيقيّة. كانت تعزف على البيانو إحدى النغمات، وعليّ أن أنطق باسم علامتها الموسيقيّة. أسمع النغمة فأقول:

ـ ري

ـ حاولْ مرةً أخرى.

تقول المعلِّمة ذلك، وتعيد عزف النغمة ذاتها ثانية، فأقول:

ـ فا

ـ حاول مرةً أخرى، اسمع جيداً.

وتعيد عزف النغمة نفسها.

ـ مي.

ـ نعم، أحسنتَ.

وهنا أشعر بارتياح.

وأخذ والدِي يتّبع طريقة مماثلة. يصيغ فكرةً صغيرةً في ذهنه، ثمَّ يطلب مني قراءَتها. استجمع بصيرتي الداخليّة وأركز على ذهنه، كما علّمني، فتتضح لي الفكرة شيئاً فشيئاً على هيئةِ جملةٍ لغويّةٍ، أقرأها بصعوبة أوّل الأمر، ثمَّ بالتكرار والمران أصبحتُ أقرأ أفكاره بيسرٍ وسهولة. 

ها أنا ذا أجلس قبالة صديقي في جناحه في المستشفى. مرّ يومان وأنا في محاولةٍ متّصلةٍ فاشلةٍ لفهم اللغز: عينه اليمنى تشرئِب متطلّعة إلى القادم المجهول، وعينه اليسرى تحذّره من القدوم وتخشى وصوله. لا بُدّ من استخدام تقنيَّتي الثانية " قراءة الأفكار " لفكِّ اللغز. ولكنِّي أتردّد في انتضائها لسببيْن: أوّلهما الإجهاد الذهنيّ الذي يرافق هذه التقنيَّة بسبب الطاقة المُستنفَدة في التركيز، وثانيهما أنَّ صديقي هو الآخر يقرأ الأفكار. والعجيب في الأمر، أنّه، هو كذلك، تعلّمها من أبيه الذي درس العلوم الدينيّة في جامعة القرويين بفاس. ألم أقلْ إنّنا متشابهان في هواياتنا وأخلاقنا وعاداتنا وتعليمنا، وحتّى خلفيَّتنا العائليّة؟

لَم يبقَ له سوى ثلاثة أيام على قيد الحياة، كما أسرّ لي بذلك طبيب الإنعاش. جميع الأحبّة والأقرباء والأصدقاء الأوفياء والطلاب القدامى يحيطون به، وحتّى بعض الأطباء والممرضات الذين أخذوا يُمضون بعضَ أوقات استراحتهم في مجلسه. اصطادهم سيدي محمد الذي كنتُ أسميه " صيّاد القلوب". وقعوا في شباك محبّته. نظرتُ إليه. التقتْ عيوننا. أَدركَ من نظراتي أنّني سأحاول قراءة أفكاره. ابتسم لي ابتسامة خاصَّة ولمعتْ عيناه بطريقةٍ معينة. فهمتُ. إنّه يتحداني وكأنّه يقول لي:

فالسرُّ عنديَ في بيتٍ لهُ غلقٌ     ضاعتْ مفاتيحُهُ والبابُ مختومُ

إنّه يمزح معي. لا ريب في ذلك. إنّه يلعب. هكذا يفعل دائماً، حتّى في أحاديثنا الاعتياديّة، يواظب على اللعب. يستخدمُ في كلامه الجِناس والطباق، يُكثِرُ من المشترك اللفظيّ ذي الدلالات المتعدَّدة، يستعمل عباراتٍ مبهمة، يستثمرُ أبحاثه اللسانيّة للإعجاز والتعجيز. لكنّني لن أسمح له هذه المرّة. سأوقفه عند حدّه. سأريه قُدراتي أنا أيضاً. سأفضُّ الختم، وأخلع الباب، وأهدم الأسوار. فأنتَ تعرف من أنا. لا، يا صديقي العزيز. لقد تخطَّيتَ عتبة الهزل، وحللتَ في فناء الجدّ والحقيقة. الموتُ هو الحقيقة الوحيدة الثابتة في هذا الوجود التي لا تقبل الهزل. وأنتَ ما زلتَ ترتدي زيّ البهلوان وتواصل الضحك والإضحاك. لا، يا صديقي.

أغمضتُ عينيّ وركزتُ قوى بصيرتي على أفكاره لقراءتها. لم أتبيَّن شيئاً. أعدتُ المحاولة بتركيزٍ أشدّ. يا للدهشة ويا للعجب. ليس ثمَّة ما أقرأ. ذهنه خالٍ من أيّة فكرة يمكنني التقاطها. ماذا أقول؟ حتّى الجنين الذي في بطن أُمّه لا يخلو ذهنه الصغير من تلافيف سجّلتْ ما وصل إليه من أصواتٍ وأحداثٍ من العالم الخارجيِّ، ولا يظلّ صفحة بيضاء ناصعة كما هو عقلك الكبير الآن؟ كفى لعباً، فأنا في حالة لا تسمح لي باللعب.

ابتسمَ لي، وواصل كلامه مع الآخرين.

إنّه يتحدّاني وأنا أقبل التحدّي. أحتاجُ إلى تركيزٍ أشدّ، وبذلِ مجهود أكبر للقيام بمحاولةٍ غير مسبوقة: سأحاول قراءة أحاسيسه قبل أن تتبلور في فكرةٍ ذات صياغة لغويّة وسيطة. فلا شكَّ أنَّه تعمّد عدم السماح لعواطفه بالتمظهر في ذهنه. احتفظَ بها هناك في أغوار الأعماق.

أمضيتُ العصر كلّه في التجريب. كان العَرق يتصبّب مني، وارتفعت درجة حرارتي. لاحظني أحد الأطباء كان بين الجالسين. حتّى أطباء المستشفى أخذوا يمضون أوقات استراحتهم في مجلسه. يسحرهم بحديثه. إنّه الساحر الأكبر. خرجتُ من الصالة. تبعني الطبيب.

ـ لا شيء. إنَّني على ما يرام.

ولكنّني لستُ ممن ينهزمون عند أوّل إخفاق. سأحاول غداً صباحاً فقد انصرف عوّاده جميعاً، حان وقت العشاء. سأغادر أنا كذلك. لا أريد أن أرى الممرضة وهي تُطعِمه بالملعقة، لأنّ يديه تعطّلتا عن الحركة منذ يومَيْن. ولكن سأعود غداً صباحاً، فلم يبقَ له سوى يوم أو يومين من الفترة التي حدَّدها الطبيب، ولا بُدَّ لي أن أقف على سرّه الذي لا يريد أن يفشيه لمخلوق.

حاولتُ أن أنام جيداً تلك الليلة، تأهُّباً لمعركتي الأخيرة. لم أفلح. نهضتُ باكراً. تحمّمتُ بالماء البارد لأوقظ جميعَ قواي وحواسي. توجّهت إلى المستشفى في أوّل الصباح قبل أن يغرّد العصفور الدوريّ، وقبل أن ترحل القُبّرة، وقبل أن تتربع الشمس في وسط السماء.

أَلفيتُه وحيداً. تعانقتْ نظراتنا. دخلتِ الممرضة وهي تحمل طعام الفطور. طلبتُ منها الانصراف. شيءٌ في داخلي حبّذَ لي أن نبقى وحيديْن. أخذتُ أطعمه بيدي ونحن صامتان. أعني لا ننطق. ولكنّنا كنا في حديثِ عيونٍ مستمرٍ، مع أنَّ قراءة العيون اليوم أصعب من المعتاد كثيراً، فقد كانت دموعٌ مقموعةٌ تلصف في مآقينا. هكذا هي حالنا خلال الأشهر الأربعة الأخيرة. ما إنْ نبقى وحدنا، حتّى تغزونا دموع عنيدة.

وبغير إرادة مني، رجته عيناي معرفةَ القادم المنتظَر. لا جواب. عيناه فارغتان. لا رفض ولا قبول. هذه هي عادته. لا يرفض لأحدٍ طلباً. يجود بكلّ شيء. ولكن ما هذه المعلومة التي لا يجود بها عليّ؟ نظرتُ إليه. فهمَ من عينَيَّ أنّني، والحالة هذه، سأبذل قصارى جهدي للوقوف على ذلك السرّ.

صَمتُّ. ركّزتُ عينَيّ المغرورقتَيْن بالدمع عليه بأجمعه؛ لا على عينيْه فقط، ولا على ملامح وجهه فحسب، وإنّما على كيانه كلِّه. أَخترقُ بنظراتي العارمة جلده الشاحب، وعظامه المهشَّمة، وقفصه الصدري المضعضع. أنفذُ إلى صميم قلبه، أشترك مع دقّاته الباهتة في معزوفة جنائزيّة، أتسرّب إلى دمائه المنسابة ببطءٍ مميت، أركّز أكثر فأكثر.

جبيني يتصبَّب عرقاً. تشتعل الحمى في جسدي. تتعالى ضربات قلبي بشكلٍ جنونيٍّ. غشاوةٌ تغطّي عينيَّ. أراه أمامي يميل في جلسته ميلاناً غير طبيعيّ. يُغمض عينيْه. يتدلّى رأسه على صدره. يتّجه جسمه إلى الأمام. إنّه ينهار من على مقعده إلى الأرض. لا أرى شيئاً آخر. تظلمّ الدنيا في عينيّ. أسقط أنا الآخر مغشياً عليّ. ننتهي مُسجَّيَين على الأرض جنباً إلى جنب.

***

قصة قصيرة

بقلم: علي القاسمي

....................................

من مجموعتي القصصية:

ـ علي القاسمي. حياة سابقة، ط 4 (القاهرة : دار أروقة للنشر، 2019).

وهذه المجموعة متوافرة في موقع " أصدقاء الدكتور علي القاسمي" على الشابكة، للقراءة والتحميل.

 

عبد اللطيف الصافيكيف لي أن أغض الطرف

عن هذا الصهيل

الذي يمطر برقا في قلبي الملبد بالحنين؟

يلهب غيمات روحي

أنا الذي

حملتكِ أعواما على كاهل الريح

و كنتُ حينها أرعى الحمام في فناء أقداري

أحرسه من أزهار الشر

أدربه على الحب

أطعمه فتات المواعظ

أقرأ له فصولا من كتاب طوق الحمامة

واعِدُّ له من نبضي

مساءات غجرية تليق به

أعرف الآن

كم كنت غريبا

تجري تحت جسور أيامي

وبين أصابعي المتوهجة بالسؤال

أنهار من الصمت الصوفي

وأنت يا سلمى

فراشة مرصعة بالدهشة

تتلألئين كالموج

بين الظل والضوء

تنظرين إلي بعينين غارقتين في السديم

كجمرتين من زبرجد

تمتصين فائض الأرق المتراكم في أحداق ليلي

تلْمسين بيدكِ يدي العارية

فيزهر الضوء في ثغرك

ينصبُ الفرح خيمة في أحلامي

و يمطر صهيله برقا في قلبي.

***

عبد اللطيف الصافي /المغرب