يحيى علوانلن أجزمَ، فلستُ أدري هل ستكون لهذه القصاصة توابع، أم لا!

لَملَمتُ كل طاقتي العقلية والنفسية كي أتركَ للعلم يفعل فعلته فلا تكون "الأخيرة"..

فلديَّ ما ينتظر الإنجاز، ولا وقت عندي لدخول نَفقَ "الغياب"!

كأولئك الذين راحوا في القصف فذهبت حكاياتهم معهم، تحت الأنقاض!

فالموتُ يُخلِّفُ ويولِّدُ في رحَمه نسياناً، يكبرُ مع الوقت ..

***

حتى لو أَبقَت "الريح الصفراء "! ريشةً واحدةً في جَناحي ..

سأطيرُ بها فوقَ تِلالِ الغيمِ .. إلى ما خلفَ تُخومِ المدى ..

أغتسِلُ بضياءِ الكون، خُلوَاً من "مزابل" الدنيا!!

***

آخر مرة، كُنّا نَفَذْنا من المَقْتَلَةِ!

خَرَجنا مُترنِّحين مثل السكارى، وما كُنا بسُكارى ..!

مُنهكينَ، نَرفعُ شارةَ نصرٍ جريحة ..

خَرَجنا لننسِجَ حكايتنا ونكتب سرديتنا نحن ..!

نلوذُ من النُعاسِ بِمَلاكِ الصحو،

إِحمَرَّتْ عيناه من السَهَرِ لحراسةِ أحلامٍ مُبعثَرةٍ، نختلِفُ حولها ..

مازلنا مُعفّرينَ بغبار الطرقات،

ننامُ واقفين ...

ونموتُ واقفينَ مثل شراع،

أو ندخُلُ مُتحفاً بارداً، لا يتذكّرنا ..

يسبقُنا غدٌ سيمضي، ونصيرُ مِلك الصدى والهامش!

نَتحرَّرُ فيه من سلطةِ "المركز" المُستبدِّ، بكل مسمّياته،

كي لا نصيرَ مَسّاحي جوخٍ! نُلمِّعُ قفطانَه (المركز)، ولا نكشف عن فتوقه ..

نَتصابرُ على "العادي"، كي لا نضحّي بحريةٍ، إكتسبناها بأثمانٍ باهظة،

ليس اقلّها التخلّي عن أشد الضروريات الشخصية،

وهي عادة أبسطُ حقوق الناس ..

....................

هي حريتنا رغم أنف " الواقع " المُشَرشَح!

حريةَ أنْ نقولَ نعم أو لا، دون أن نَحترقَ ببروجكتر " المركز"!

حتى لا ينالَ من حُصنِ حُلمنا، الذي نُريدُ ونُرضِع!

فالحريةُ ليست في تغيير الواقع، إنْ كان ذلك ممكناً!

بل في ألاّ نسمحَ للسائد أنْ يُغيرنا، كما يَهوى!

فـ"المستحيلُ" قنديلُ مَسرانا .. وجيشُ نَمْلٍ لا يهدأُ في عروقنا!

.....

هل كنّا غيماً، كالأبَدِ المؤقتِ في الشِعر .. لا يزولُ ولا يدوم ؟!

فقد كان لنا أمسٌ يُرتِّبُ أحلامَنا صورةً، صورة ..

وكانَ لنا قَمَرٌ مُكتملٌ، مُعلّقاً فوقَ زَقُّورة عگرگوف،

كُنّا رُواةَ الحكايةِ، قبلَ وصول الغُزاةِ إلى غَدنا ..

إذ أحرقوا كلَّ شيءٍ، حتى خيوطَ ثوبِ السراب، الذي كُنّا ننسجه!

ومرَّت بمَفْرقِنا حوافرُ خيولهم ..

ولم تَضِجّ العواصم!!

صارتْ تبسم بشفاهنا!

لأننا لم نتعلّمْ السباحة إلى شاطيء الفَرَحِ بعدُ ..

بعدُ .. بعدُ ......!

***

يحيى علوان

9.9.2021

 

امان السيد على الشرفة كان،

ثلاثة كراس،

 وطاولة صامدة..

 

متمزقا،

سقط الكرسي الأول،

 متمزقا،

سقط الثاني،

صرخت..

 دع الأخير لي،

 أعشق الشمس،

 والهواء..

 

أطرق صامتا،

ابتعد،

ولم يتجرأ بعد على الاقتراب..

 

حدّثني..

صحا من حلم،

كان النهر بيننا،

كان يُلوّح لي،

من بعيد،

لا يستطيع الوصول..

 حزينا كان،

 لأنه لم يستطع الوصول..

 

في النوم، رأيته،

أحلامي لا تخيب،

 في الثلاثين كان،

شابا،

وهو الكهل المرير..

 

حين شعرت بسقوط الجدار،

تناثر مثل زجاج،

ولكني كنت سعيدة،

لقد تخلّصت من ذاك الشوك،

في صدري،

كبابّة شوك كانت تدميني،

ولا من أحد يدري،

أني أحلبُ الكابوس،

تلو الكابوس،

 تلو الكابوس..

 

بين عرائس الحياة،

أتعرّش الآن،

غصنا، وغصنا،

أنمو وحدي،

أرقص وحدي،

وأكبكب عناقيد العنب،

وحدي،

وأرتشف نبيذها خمريّ الرحيق...

 

إشارات، إشارات،

كم تصدق الإشارات معي،

وكم تحنو علي،

بعد عناء،

ونِصالِ انتظار...

***

أمان السيد

 

 

جاسم الخالديتأخذُنِي الدروبُ

وتعودُ بي...

 لا الدروبُ تعرفُ وجهتي

ولا أنا اعرفُ حقيقتَها

الدروبُ شتى

وأهوائي ...بلا بوصلة

*

دروبٌ...

بين ارضٍ لعبت الأهواءُ بها

فانشطرتْ

الى عالمينِ متخاصمينِ

وانجبتْ ولدًا أشأمَ

وسماءٍ يحلقُ بها

ذلك الفتى الذي

سرقته الدروبُ

*

سلامٌ على الدروبِ

وهي تحتضنُ خطاه

 سلامٌ على ولدٍ

ضاقَ بالأرضِ

فمضى نحو نهايتِه

شامخًا

كجنديٍّ آمن بقضيتهِ

وانتعل الأرضَ

كي يصلَ نهايتَه

*

دروبٌ تتعثرُ بالدروبِ

تسقطُ الأرضَ

وتمضي نحو حافتِها المسننةِ

لكن الفتى الموجوعَ

يقفُ عند نهايتِه

 يدورُ حولَ نفسِه

فيسقطَ مغشيًّا عليه

*

ضاقتِ الدروبُ

والمساءاتُ ودعت روادَها

 أمَّا الأبوابُ

فسقطت مفاتيحُها

في يمٍّ عميقٍ

وحدَها الدروبُ

تضيقُ ...

تضيقُ...

حتى الشهقةِ الأخيرةِ.

***

د. جاسم الخالدي

 

عقيل العبودجلسَ مع نفسه يقلبُ دخانَ سيجارةٍ على وشك أن تنفد، اتكأ عند حافة منضدةٍ مهشمةٍ، راحَ يتصفح مذكرات تحمل بين طياتها أسماء نخبة من الأصدقاء، فارقهم يوم كان طالبًا في الجامعة

أعداد لم تبق من أطلال حكاياتهم إلا مشاهدات قصيرة من الصمت

 حطَّت أصابعه عند بقايا صور أمست على صلة مع الماضي؛ صبار، وقيس ، وصباح، وصلاح ، وعبد الحميد، مثلما غيرهم، أسماء لها تواريخ غير مسجلة إلا بين وريقات، أتعبتها استغاثات حبر مغموس برائحة الدم

هنالك حيث يتنفس القلب لغة الوجع، تم التلويح لمئذنةٍ بعدم السماح بتلاوة الفاتحة على أرواحهم

لقد غادر الجميع كل على شاكلته ، رحلَ قسمٌ بطريقة الموت المؤبد ، بقي الآخر خاضعًا لشروط التحقيق، فقد شطر حياته في زنزانات التعذيب، وأعدمت أنفار بطرق شتى

استدرجت آلام الشيخوخة ما تبقى من تلك الألوان وحفاظًا على الحياة، هربت ثلة متحدية أسلاك الرهبة، والسجن، والهلع

وتلكم مقاطع تعود لقصة ماضٍ خلفتها سجون الطغاة، لتنحت العزاء احتفاء بمراسيم حداد تحول وجه القلق فيها إلى ليل ظليم

أمسى السواد ملبدا بمشاهد تلاشت صورها خلف أسوار مقبرة مكتظة برائحة الوجع

أغارت رغبة السلطان مرة أخرى، لتستحوذ على كل شيء، حتى تلك الإنجازات التي أنتجتها عقولهم

ولذلك في الضفة الأخرى من العتمة، إعتاد المطر أن يرتبط بعلاقة حميمة مع نافذة أدمنت الإنصات إلى إيقاعاته، يوم امتزجت بتراب الأرض المنعمة بحبات القمح؛ ذلك حرصًا على ما تبقى من أنفاس ضحية كانت تحتاج إلى مسكن آمن، وربما استجابة لنحيب أرملة غدت تتوكأ على عصا ضعفها ، التي أنهكها الهلع

استعدت السماء لأن تطلق العنان لأجنحة عصفور قرر أن يغادر أسوار عشه الهش، ريثما يتاح للرجل أن يستأنف العودة إلى قصة بطل مات قريباً جداً من المنفى.

 

عقيل العبود: كاليفورنيا

 

 

ناجي ظاهرقرب شجرة الكينا، في وسط المدينة، ليس قرب شجرة الكينا القائمة، وإنما تلك التي كانت، سمع ضرار صوتًا تمنى سماعه منذ فترة لا يكاد يتذكرها، لبعد الشقة بينهما، الصوت جاء من الناحية الأخرى للشارع، مثل أغنية حملت أمجاد الأمة العربية كلها.

كان الصوت مطربًا ناعما منعشا للروح:

- ضرار.

منذ فترة لم ينادِ احد عليه في هذه المدينة العاقّة، بمثل هذه الرهافة، ضرار اسم جميل، من قال انه سيئ؟ خاصة إذا ما فاه به فم ذهبي. أسماؤنا تصبح أحلى إذا ما نطق بها من نحبهم أو نتمنى أن نستمع إلى أصواتهم، فعلًا اسم ضرار اسم جميل، الحمد لله أن والده اختاره له.

تكرر الصوت: ضرار.

أرسل ضرار نظره باتجاه الصوت، إنه لا يكاد يتبين صاحبته، لعن الله خفة النظر، لو كان يرى كما ينبغي، لعرف على الأقل من هي صاحبة الصوت الناعم الاثيل، لكن لماذا عليه أن يعرف، وهل يوجد في الناصرة أكثر من مبدع اسمه ضرار، انه ضرار واحد جاء أهله من قرية مهجرة، قبل ولادته بسنوات، وها هو يتوقّف قرب شجرة كينا كانت، ليستمع إلى صوت تمنى سماعه في ليل وحدته المتواصل. يللا يللا يا ضرار إرفع يدك، اشّر لها، لصاحبة الصوت، أشعرها انك استمعت إلى ندائها، قل لها، دون أن تقول، إنك ستمضي إليها بعد انقطاع سيل السيارات بينكما، وانك أنت أيضًا كنت بانتظار أن تراها في هذه الصحراء، وليست هي فحسب. ارفع يدك ارفعها أعلى أعلى أعلى، ارفعها لتطال بها السماء السابعة، هي المرأة يا ضرار، هي المرأة، ارفع يدك ارفعها، ارفعها عاليًا لتصل إليها.

ضرار يرفع يده يلوّح بها، إلى صاحبة الصوت الناعم، في الناحية الأخرى، يلوح بها بشدة كأنما هو لا يريد أن يفوت لحظة فرح دون أن يعيشها إلى أقصى مدى، يلوّح بشدة، بهمة شباب ابتدأ يشعر باحتياجه إليها، يلعن دين السيارات. السيارات تفصل بينه وبينها، أهل الناصرة يحبون السيارات، كل واحد عنده سيارة أو يريد أن يكون عنده. لو كان حاكمًا لأمر أهل مدينته لان يعودوا إلى الخيول العربية وأيامها الرائعة، ربما لهذا هو لن يكون حاكمًا، ربما..

سيل السيارات يتواصل، مؤكد أن السيارات تتآمر عليه، والا لكان انقطع خيطها قليلًا، كي يتيح له أن يطير إلى الناحية الأخرى، إلى حيث هي تلوّح له.

يرسل إليها في ناحيتها، نظرة مُحب متيم كابد الشوق حتى عرفه، إذا كان سيل السيارات لا يتيح له الوصول إليها فليمتّع ناظريه برفعها ليدها، وليشنف أذنيه بالاستماع إلى صوتها يلهج باسمه، يا الله ما اشد الشبه بين ما في داخلها وبين ما في داخله، لا بد أنها واحدة من المعجبات به، هو ضرار المبدع الكاتب، وربما تكون واحدة من تلميذات صغيرات علّمهن كتابة القصص في إحدى المدارس، وانتظرت حتى كبرت، فجاءت إليه لتعبّر عن رغبة واصلت التمرد تحت عقد من الزمان حتى حانت لحظة انعتاقها.

يحاول ضرار أن يقطع سيل السيارات، يقدّم رجلًا ويؤخر أخرى، لو تجرأ أكثر لضربته سيارة مصرة على منعه من الوصول إلى المرأة، ولفقد الحلم بعد أن لامسه بنظره الخفيف وبأذنيه المرهفتين، لينتظر، لينتظر قليلًا فمن انتظر كل هذه السنوات، يمكنه أن ينتظر لحظات، فلينتظر، وليشبع من اللحظة اللائحة، ثم ما دامت صاحبة الصوت هناك في الناحية الأخرى، تلوّح بيدها، فان الدعوة ما زالت مشتعلة، ولا بد له من أن يشعلها هو من ناحيته.

ضرار يغمض عينيه ويصم أذنيه، يتلهّى، حتى تحين اللحظة وينقطع السيل السياراتي، فينطلق إليها، انطلاقة سهم عربي شق العصور. يغيب في عوالم قرأ عنها في الكتاب الأثير على نفسه "ألف ليلة وليلة". يتصوّر نفسه هارون الرشيد، ويتصوّر صاحبة الصوت زوجة الرشيد زبيدة، من المؤكد انه حين سيقطع الشارع، سينعم بليلة عباسية.

ضرار يشعر أن سيل السيارات خفّ قليلًا. يفتح عينيه، يضع قدمه اليمنى. يضع خطوة أولى على الإسفلت. يرسل عينيه إلى الناحية الأخرى، يرى.. انه يرى فعلًا.. يفرك عينيه، يا للهول، انه يرى، فعلًا يرى شابًا في اقل من نصف عمره، يصل إلى حيث وقفت صاحبة الصوت، يتعانق الاثنان، ويمضيان بعيدًا، تاركين ضرارًا مهجورًا قرب شجرة الكينا في وسط مدينته، بالضبط مثلما كان.

 

قصة: ناجي ظاهر

 

عبد الكريم رجب الياسري

"الى التي تلك التي حاولت، ومازلت أحاول ومنذ سنين قطع المسافة بين عينيها ونهديها، ولكن دون جدوى"


 أَمْسي، وَيَوْميَ مِنْ خِلَالِكْ

مَرَّا إِلَى..

أَغَدي كَذَلِكْ؟

**

طَرَّزْتُ وَشْوَشَةَ الْمَرَافِئِ

فَجْرَ دَهْشَةِ بُرْتُقَالِكْ

**

ورَشَشْتُ مِلْحَ الصَّمْتِ

حَتَّى سَالَ سُكَّرُ كَرْنَفَالِكْ

**

هَطَلَ الْغَرَامُ عَلَى سُفُوحِ

الَحَرْفِ في نَجْوَى سُؤَالِكْ

**

فَتَرَنَّحَ النَّارِنْجُ، يَنْحَتُ

في دَمي طُوبَىٰ دَلَالِكْ:

**

هَذَا هُوَ النَّبَأُ، الَّذي

ابْتَكَرَ الْمَسَافَةَ، لَيْسَ ذَلِكْ

**

هَذَا هُوَ الْمَخْبُوءُ تَحْتَ

صَدَى النَّوَارِسِ في هِلَالِكْ

**

هذَا هُوَ الْمَنْفيُّ في

كَأْسٍ تَبَقَّى مِنْ زُلَالِكْ

**

هذَا هُوَ الْمَطْوِيُّ في

وَرَقٍ تَدَحْرَجَ مِنْ خَيَالِكْ

**

حَالي يُتَرْجِمُهُ الرَّحِيلُ

لِمَا وَرَاءَ لِسَانِ حَالِكِ

**

لَوْني يُفَسِّرُهُ انْدِلَاقُ

الْأُفِّ نَحْوَ لَظَى غَزَالِكْ

**

لكِنَّ عُذْري لَيْسَ يَشْقَى

مِنْ نَوَامِيسِ احْتِيَالِكْ

**

وَجَحَافِل الْآهَاتِ لَا

تَشْكُو أَبَابيلَ احْتِلَالِكْ

**

لَمْ أّعْتَنِقْ طُرُقَ السَّمَا

حَتَّى اهْتَدَيْتُ إِلَى ضَلَالِكْ

**

لَمْ أَقْتَرِحْني آمِناً

حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى حِبَالِكْ

**

حَتَّى إِذَا مَا أَذَّنَت ْشَفَتي

هَفَوْتُ إِلَى بِلَالِكْ

**

وَإِذَا شَدَا الصَّفْصَافُ ذِكْرَى

الْبَوْحِ مِلْتُ إِلَى ظِلَالِكْ

**

أَشْتَاقُ لِلْعِيدِ الْمُزَمَّلِ

في تَضَارِيسِ احْتِفَالِكْ

**

أَشْتَاقُ لِلْكَلِمَاتِ، تَغْفُو

فَوْقَ آيَاتِ ابْتِهَــــالِكْ

**

أَشْتَاقُ رَشْفَ غَمَـــــامَةٍ،

أَشْتَاقُ، فَاللَّا شَوْقُ حِالِكْ

**

الطَّيْفُ لَا يَرْوِي سِوَاكِ

وَلَا يَكُفُّ عَنْ انْثِيَالِكِ

**

النَّأْيُ تَحْجُبُهُ طُقُوسُ

الْحَمْدِ في فَتْوَى حَلَالِكْ

**

أَحْلَى حُقُولِ الْقَمْحِ تَرْفُلُ

فَوْقَ رِيفٍ مِنْ رِمَالِكْ

**

أَشْهَى قَوَارِيرِ السُّلَافِ

تَزُفُّ تَمْراً مِنْ سِلَالِكْ

**

بِرَبِيعِ ثَغْرِ الْأُقْحُوَانِ

تَفَتَّحَتْ نُعْمَى اخْضِلَالِكْ

**

وَبِنُورِ مِشْكَاةِ الطَّريقِ

رَأَيْتُ بَعْضاً مِنْ خَيَالِكْ

**

مَا زَالَ بَيْنَ أَصَابِعي

مَلَكٌ يُسَبِّحُ بِاعْتِدَالِكْ

**

مَا زِلْتِ مِفْتَاحَ الْكَلَامِ,

وَبَاءَ بَسْمَلَةِ الْمَمَالِكْ

**

مَا زِلْتُ في وَرَعِ الْجَنُوبِ

أَرَى وَقَاراً مِنْ شَمَالِكْ

**

أَمْسي، وَيَوْميَ مِنْ خِلَالِكْ

وَغَدي، وَبَعْدَ غَدي كَذَلِكْ؟

**

وَلَسَوْفَ احْتَضِنُ الْجِنَانَ

وَأَحْتَسي خَمْرَ انْفِعَالِكْ

***

عبد الكريم رجب الياسري

................................

* هذا النص منشور في مجموعتي "صلوات الفيروز"

 

 

عادل الحنظلفيكَ أبا الخِصبْ

ماتَ النَخلْ

ماتْ


 فيكَ أبا الخِصبْ

ماتَ النَخلْ

ماتْ

لم تَدفنهُ الناسُ كما الموتىٰ

لم يذكرهُ الساعونَ الى المسجدِ

والداعونَ بأدعَيةِ استجداءِ الماءْ

بِرياءٍ يَتْلُونَ ألمْ ترَ كيفَ ..

ولا يدرونَ بأنَّ خَرابَ (العمّةِ) كيدُ الكيدْ

يانخلةَ .. ياذاتَ الأكمامْ

2819 نخيل ميتفي حِجركِ أنجبَتِ العذراءُ فقُدّستِ الأيّام

ياسيّدةً نَثروا حَولكِ أعذبَ شِعْرْ

يامرتعَ من جَلسوا تحتَكِ في نشوةِ سُكْر

ياغابةَ عَينَيْ حَسناء بُويبْ

وملاذَ السُمّارِ وقد ثملوا إذْ ظلُّكِ خمرْ

يا مَطرَا لا يقطرُ إلّا الشهْدْ

حينَ أتى قابيلُ رأى في فيئِكِ ناعِسَةً

فابتدأَ النسلْ

عَرَفوا من صَبركِ سرَّ الصبرْ

يافرَساً عَقَروا ساقَكِ في غِلّْ

لم يرفعْ أحدٌ عَينيهْ

ليرىٰ في هامكِ دَمعَ الذُلّْ

تَلفحَهُ الشمسُ فيقطرُ كالعبرةِ فوقَ الخدْ

رأسُكِ يانخلةَ مَحنيٌ

مشنوقٌ فوقَ الجذعْ

وحَسيسُ السعفْ

يشكو للريحْ

لايسمَعهُ

إلّا المدفونُ بجنبِ الجذرْ

تتَأوَّهُ أعظُمُهُ

لصريرِ العرجونِ وأشلاءِ العذْقِ المهصورْ

وأنينِ الكَرَبِ المسكونِ بدودِ الحيفْ

في النخلِ سجلُّ التاريخْ

وحَكايا الزمنِ المبتورْ

ماكانَ أبو الخصبِ خَصيبا لولا النخلْ

يانخلْ

نثروا أجداثكَ كالمنحورِ بلا ذنبْ

كجنودِ عدوٍّ قُتلوا في ساحةِ حربْ

قتلوكً أبا ألخصب

قتلوكَ بلعنٍ وبسبّْ

***

عادل الحنظل

 

 

 

ابويوسف المنشدإلى.. رفيق الدرب

صديقي الدائم، الفنّان التشكيليّ المبدع، حسام الحديدي


 أبا شاهين ياخــــــــلّاً إليه

يتوق القلب ينشده التلاقي

 

كأنّا الآن كــــلٌّ فــــــي بلاد ٍ

وذا حالي وحالك في العراق ِ

 

فدعها ترقص الأحزان دعها

فآخـــــــــرها الأحبّة للفراق ِ

 

أبا شاهين يانجمــــاً أخيرا ً

بهذا الكون تبصره المآقي

 

يرتّلك الجمـــال بكلّ فـــــــــنِّ

ويصدح فيك صادحها البواقي

 

لريشتك انبعاثٌ، واندهـــــاشٌ

لهذي الأرض والسبع الطباق ِ

 

فما في مرسم الأزمان رسم ٌ

كرسمك فهو سحريّ المذاق ِ

 

أراك أراك ملهم كلّ جيل ٍ

وآخر مبدعٍ للفن ّ راقـــي

 

ففي عينيك (سلفادور دالي)

وبين خطاك فجر الانعتاق ِ

 

سلام ٌ ياصديق عليك منّي

فودّك فيّ رغم البعد باقي

**

بغداد – الشاعر أبو يوسف المنشد

 

 

مصطفى معروفيفي المقهى

يتكئ الفنجان

على ساقين أمامي

ويعب من الصمت

عذوبة قدري الثاني

فيذكّرني

أنَّ الملعقة المستثناة من البنّ

ترتق ذاكرتي

لتطير مواقيت الغابة منها،

أفهم أغنية

حين تعيش بلا نهدين

وتمضي

كي تسكب حمأتَها

فوق سهوب العسجد

حتى لا تخسر يدنا اليسرى

ومض الجزر الفضلى

ومرايا لا تظمأ أبدا

حيث هنالك

 كانت لؤلؤة الردة

ملقاة بين هزار و عصاة،

وأحن

ومازلت أحن

إلى تلك المدن المغسولة

بتواشيح النيلوفر

ورذاذ الزنبقة الحوراء.

***

شعر: مصطفى معروفي

 

 

احمد دسوقي مرسيأمسكت بمعصمه لحظات.. يا الهى.. لا فائدة.. ثم تركت يده تسقط وحدها بجواره كما تشاء. تأملته برهة وهو يرقد رقدته الاخيرة فى هدوء مخيف أسمر نحيل قامته القصيرة تستلقى على المنضدة كعود قصب ملقى من غير اعتناء شفتاه الرقيقتان كشفتى فتاة، تنفرجان قليلا، كما لو كان يبتسم لشىء غامض لا يبين. رأسه المائلة الطويلة يعلوها جرح غائر مديد يتوسط الجبهة، أشبه شىء بثعبان صغير راقد، والدم المتجلط يختلط بالتراب فى لون رمادى داكن ويرتفع مهيبا على جانبى الاخدود الرهيب كضفتين صغيرتين مرعبتين " مات الشاب اذن " فلا حول ولا قوة الا بالله " واسرعت ملهوفا الى الدكتور (ع) ابلغه باكتشافى الحزين.

كان الدكتور (ع) يجلس فى حجرته الفخمة ومرفقاه الضخمان يستندان على مكتبه الخشبى العتيق بينما حبست انامله اليسرى سيجارة راح دخانها يتصاعد حول وجهه الشحيم كساحر فى الاساطير

- وانا كرمتك جداً والله يا حاج

طرقت سمعى كلماته أحسست فى التو بالامتهاض يسرى فى دمائى حدقت فى الرجل الذى يجلس معه ملياً رأيته طويلاً نحيلاً وجلبابه البلدى البنى الذى يرتديه، يبدو واسعا على جسده كانه قد فصل على واحد غيره اما راسه الطويلة فقد تربعت فوقها طاقية صوفية تزحزحت قليلا عن جبهته العريضة فكشفت عن شعر اشهب قصير تلالا فوق راسه فى جلال رزين. كان وجهه الهضيم وملامحه الحادة تنبىء عن رجل حازم جاد يجلس امام الطبيب حزرت فى نفسى انه والد الفتى القتيل فالتماثل بين وجهيهما وطولهما شديد وعجيب

زفر الرجل فى حرارة وقال فى صوت هادىء وقور:

- موافق سيادتك يا دكتور.. موافق..

ثم سكت قليلاً وقد غلبه التأثر وعاد يقول فى أسى:

- من أجله تهون..

و لم يستكمل هز راسه فى حزن بالغ وكأن الكلمات ضاعت من فمه وابتلع ريقه فى صعوبة بالغة كما لو كان يبلع معه شوكا سعلت فى تكلف:

- اذا سمحت يا دكتور.. كلمة من فضلك..

قلت ذلك وانا لا ازال واقفا بالقرب من الباب قابضا على مقبضه النحاسى

اشار الدكتور نحوى بيده الممسكة بالسيجارة

- وهذا هو الاستاذ الذى عمل له صورة الاشعة على الجمجمة فأطمئن.

و نهض متثاقلا واتجه نحوى فى خطوات وئيدة

- نعم يا محمد (فيه) حاجة

- الاشعة سليمة يا دكتور والنبى

و كان هو الرجل ابوه سالنى وهو يقف متلهفا من مقعده ونظرات عينيه تسكب علينا خوفا وترقبا.. شعرت بالاحراج يملؤنى ويخنقنى

- اطمئن يا حاج لم تكشف الاشعة اى شىء،الجمجمة سليمة والحمد لله

كذبة بيضاء اطلقتها كحمامة سلام لترفرف على الرجل المسكين امنا واطمئنانا الى حين

- عن اذنك (خمسة) يا حاج

و امسك الدكتور بذراعى وخرج بى الى حجرة الكشف وكفه الضخمة العريضة تشد الباب وتغلقه من ورائه

- خير يا محمد. عملت صورة الاشعة على الجمجمة

- لا

و هززت راسى نافيا ونظرت الى عينيه فى تحد

- لقد مات يا دكتور (ع)

- مات.. مستحيل..

ظلت عيناى تحدقان فيه بشماته والغيظ والاسى يملان صدرى أطرق برأسه هنيهة وامسك بذقنه وراح يحكها بابهامه وسبابته الغليظتين القى بسيجارته تحت حذائه وسحقها كان وجهه الملتمع وذقنه العريضة وشفتاه الضخمتان تبدو كلها وكانها تفكر معه فى امر خطير

وضعت يدى فى جيبى قلت فى نفسى " انه يفكر ويدبر، يا ثعلب الطب، يا وحشاً فى ثياب طبيب ارنى كيف تتخلص من ورطتك " اخيرا اتانى صوته هادئا خفيضاً

- لى رجاء واحد يا محمد

- تفضل يا دكتور

- ابوه هو الذى يجلس فى الحجرة معى

- هذا واضح تماما

- نعم. واعتقد انك لن تقول له الحقيقة

- لقد سمعتنى يا دكتور وانا اقول له ان صورة الاشعة سليمة

- متشكر جداً يا محمد.. أنا عارفك لبق وذكى جداً فى مثل هذه الاشياء

صمت قليلا وضع كفه على كتفى – ابتسم.

- عارف، لو انك اخبرته لصدمته صدمة الله وحده يعلم كيف سيستفيق منها

ابتسمت ساخراً يحسبنى اننى زرعت الاطمئنان فى قلب الرجل من اجله

- انت تفهمنى يا محمد

ثم فتح باب الحجرة فى هدوء ودخل على الرجل فى وثوق

- صورة الاشعة سليمة تماماً.. ألف مبروك يا حاج أما العملية فستجرى له حالا فاطمئن وانسحبت اخرج فى صمت وخطواتى تحملنى – لست ادرى لماذا – الى حجرة الاشعة من جديد

كان الشاب ممددا فوق المضدة جثة صامتة متخشبة لا حول لها ولا قوة وجهاز الاشعة يطل عليه من فوق راسه المحموم وكانه يتعجب له من طول رقدته تحته

اشحت بوجهى عنه.. " اه يا رب. ستظل رؤية الموت معنا شىء مخيف مهما تعودنا على رؤياه ".

صك سمعى صوت الدكتور (ع) وهو يجلجل فى الصالة:

يا سلام حضر حجرة العمليات بسرعة

- 2 –

لو ان الفتى قتل فى طريقه لما عرف بوليس المركز قصة موته او قتله ولدفن كما تدفن كل الاموات ممن اماتهم الله بمشيئته.. ثم الويل كل الويل لقاتله وكل رجل فى اسرته فأنه مقتول.. مقتول لا محالة حتى ولو اختفى فى بروج مشيدة لكن الضربة الرهيبة لم تقتله سريعا.. اتته كالصاعقة من خلفه فى المساء على الطريق الزراعى فسقط بعدها مغشيا عليه حتى اذا راه البعض منطرحا على ظهره فوق التراب كان يتنفس ويرد على سائليه ببطء شديد وراسه ترقد مائلة كصخرة ثقيلة على تربة الطريق بين دم متخثر معجون بالطين

حملته الاسعاف الى مستشفى المركز بالامس بعد اذان العشاء وحوله جمهرة كبيرة من ذويه وعارفيه وكانت وجوههم الصامتة تكبت غضبا عنيفا يكاد يفجر صدورهم بالغل والحقد وكل شىء فيهم يتوعد فى صمت مهيب بثأر لهم هو ات عن قريب

سألوا عن طبيب المستشفى (النوباتشى) فأجابهم اسماعيل (التمورجى) وكان هو الذى قابل جمعهم الذى يغلى

- فى البيت

صرخ أحدهم فى وجهه:

- كيف يكون فى البيت ويترك المستشفى فى هذه الساعة؟

رد اسماعيل ساخراً:

- حكمة ربنا.. أسالوه هو ولا تسألونى

جمجم بعضهم بالفاظ تشتعل بالسباب طار وفد منهم الى الطبيب بأسرع ما تحملهم ارجلهم وكان الجرح الغائر فى جبهة الشاب قد انتقل الى راس كل منهم

قال لهم الدكتور (ع) حين قابلهم:

- لا يمكننى الخروج الان.. الصباح رباح

تأثر واحد منهم قال بضراعة أشبه بالنحيب:

- أعمل معروف يا دكتور.. الولد نزف دمه اعمل معروف الله يعمر بيتك

- لا استطيع قلت لكم

برز ابوه نحيلا.. مضعوفاً..

- ابنى الوحيد يا دكتور.. مستعد افديه بكل ما تريد

تحت ضغط الالحاح الشديد جاء استاجروا له عربة حملته الى المستشفى حملاً وكان الوقت قد اوغل بقاربه بعيدا فى بحر المساء الحزين نظر فى وجه الشاب هز راسه وقلب شفتيه وفى هدوء ابرد من ماء الثلج، امر (التمورجى) باعطائه حقنة مخدرة حتى الصباح

- 3 –

دخلت حجرة مكتبى وقفت امام النافذة كانت الحقول تبدو خلف المستشفى باعواد قصبها النحيلة وكانها تستجمع نفسها لترحل فى جمع حاشد حتى الافق البعيد بينما سجى الصمت ثقيلا فى كل الانحاء مخدرا كل الاشياء والشمس هناك فى مرقدها البعيد من السماء تنفث على الارض شواظا تتلظى بالجحيم

" اف لى. اعصابى تكاد تنفلت.. لماذا انا صامت؟ جبان أنا؟ نعم.. حتى الكلمات التى هى اضعف الايمان لا استطيع النطق بها ": هززت راسى الذى يكاد ينفجر يقولون عن حالتى وصمتى (لقمة العيش) خطوت بضع خطوات فى الحجرة لم اتحمل صبرا دخلت حجرة الاشعة، فاذا بجثة الشاب قد حملت منذ دقائق.. ابتسمت.. رغما عنى ابتسمت لماذا ابتسمت؟ لا ادرى " مبروك وسلام " هذان الشيطانان ذراعا الدكتور (ع) الاخطبوطية تكفلتا بنقلها الى حجرة العمليات بالتروللى

- 4 –

خرج الدكتور (ع) بعد نصف ساعة من غرفة العمليات خرج بمعطفه الابيض ومن خلفه الشريران (مبروك وسلام) تماماً كما حزرت فى نفسى منذ دقائق هرع الى الدكتور جمع من الرجال ذوى الجلاليب البلدية يتحلقون حوله سبقهم فى الحديث وابتسم:

- الحمد لله.. الف مبروك.. العملية نجحت مئة فى المئة

- الحمد لله البركة فى (ايدك) يا دكتور

قالتها القلوب قبل الشفاه وهى تزفر زفرة الارتياح والسعادة مسح الدكتور على وجهه بالمنديل

- كله بامر الله. العبد لا يشفى.. الله هو الشافى

تمتمت الشفاه المتوترة:

- ونعم بالله

حينئذ جلجل فى الردهة صوت عجلات التروللى يدفعه امامهما " مبروك وسلام "

جرى البعض نحو التروللى هتف الدكتور (ع) بصوت صارخ مبحوح:

- لا.. لا من فضلكم حالته لا تسمح بان يقترب منه اى واحد. دعوه الان يستريح حتى يفيق من البنج تماما

- ولكن يا دكتور..

- ولا لكن.. و لا حاجة.. الساعة الخامسة ممكن تطمئنوا عليه ارجوكم دعوه الان

انفض الجمع المسكين من حوله وقد عشش على ملامحهم طائر الاقناع الجميل

- الحمد لله

و جلس منهم من جلس وكانهم يستريحون بعد عناء طويل

- الف مبروك يا حاج.. الف مبروك..

و تكاثر الجمع حول الرجل الاسمر (ابوه) يشدون على يديه ويتمسحون به ويقبلونه فى وجنتيه والرجل الطيب يبتسم وافراح الدنيا كلها تتراقص بين شفتيه.. ودموع الحمد تخضل عينيه

- 5 –

- اسمع يا محمد

و التفت الى مصدر الصوت الذى باغتنى من خلفى فاذا..

- تعال معى اذا سمحت

و دخل بى حجرته وهو يتقدمنى بخطوات مهرولة ثقيلة

- اقفل الباب

اغلقت الباب فى تكاسل فلنسمع ولنرى التدبير الاخر لقد بانت الان اصول اللعبة

- اجلس

- لا شكرا

- اجلس يا استاذ محمد اجلس

و تبسم لى ابتسامة ثعلبية:

- تفضل سيجارة

- شكراً يا دكتور.. ألف شكر

- امسك السيجارة عليك عفريت اسمه شكراً

تناولت السيجارة

- الحمد لله

و انحط كالبرميل جالسا على كرسيه حدقت فى عينيه سعل فى تكلف

- غمة وانزاحت يا ستار

و دس يده فى جيبه متنهدا متأففاً

- تعرف يا استاذ محمد انك انقذت الموقف انقاذا لا مثيل له ولا يسعنى – والله – الا ان اهنئك عليه

لم اتكلم.. ظللت فى منزل الصمت متحصنا خلف جدرانه

- يا سلام يا محمد يا سلام.. انت رجل ذكى جدا.. اتفضل

- ماذا يا دكتور؟

- عشرة جنيهات

- حد الله يا دكتور.. حد الله

نهض واقفا " امسك بكتفى "

- انت احسن منى مثلاً.. خذها خذها ولا تكن عبيطا

- ربنا سترها يا دكتور بالحلال.. الحمد لله

و قبلت يدى ظهراً لبطن

- يا محمد يا حبيبى لا تكن حنبليا هكذا

و امسك بيمناى فى قوة لكنى خلصتها منه بشدة وتراجعت عنه خطوتين:

- مستحيل

- مستحيل !

و ارتسمت على محياه خيبة امل غير متوقعة لكنه تماسك وامسك بكتفى

- انت يا محمد شاب. ومحتاج الى تكوين نفسك

- اكون نفسى بالشرف يا دكتور

- تقصد يعنى اننى غير شريف

و تعقدت اساريره وساد بيننا صمت واجم كان قلبى يتخبط بين اضلاعى ملتاثا وصوت مخبول يهيب بى ان اصرخ من اعماقى لاكشف الحقيقة.. كل الحقيقة باعلى صوتى

- انا اتكلم عن نفسى يا دكتور

- انزل يده واجهنى بظهره العريض يكتم غيظه المتأجج نحوى جاءنى صوته مع ذلك هادئا بعد قليل يا لك من بطل يا دكتور تسيطر على نفسى فى كل المواقف.. " برافو"

- محمد.. هذا العناد لا يفيد.. لا ترفض رزقا ساقه الله اليك

لم اتمالك نفسى ضحكت الغيظ اضحكنى شر البلية ما يضحك

تسميه رزقا.. واعجبا.. !!

و هززت راسى هازئا

- لا تحاول معى يا دكتور.. ارجوك

استدار نحوى انفكت اساريره وابتسامة واسعة جدا تلتصق بشفتيه

- طيب يا محمد.. اذا كنت ترغب فى ذلك فانا احترم رغبتك.. و لكن.. واقترب منى اكثر

- لى رجاء واحد وانا أعتمد على الله ثم عليك.. الا تذكر شيئا مما رأيت أو عرفت.. انت عارف طبعا كلام الناس.. انك اذا فعلت فسوف تجاملنى بعمل لن انساه لك طول الحياة

- اطمئن يا سعادة البيه اطمئن ولكن هناك سؤال واحد ارجو الا تبخل باجابته على ماذا سيفعل ابوه حين يكتشف الحقيقة؟

- لن يفعل شيئا صدقنى سوف يدخل الحجرة فى الساعة الخامسة فيرى الجرح قد خيط وهكذا يكتشف الحقيقة بنفسه صحيح انها حقيقة مرة ومؤلمة ولكن هل هناك احد يمنع الموت؟

ثم ابتسم واشعل سيجارته التى تناولها من على مكتبه

- فالموت على رقاب العباد.. و كل شىء الى ميعاد.

- تمت –

***

احمد دسوقي مرسي

 

يحيى السماوي"مقاطع من نص نثري طويل"

ملاحظة لابد منها: ما كنت سأنشر نصوصي النثرية هذه

لولا طلب  صديقي الشاعر مصطفى علي


  

لـ " كـلـكـامـش مـا " لـكـلـكـامـش " ..

ولـ  " إيـنـانـا " مـا لـ " إيـنـانـا " ..

ولـي مـا لـيـسَ لـي  ..

*

لـيـس لـي مُـلـكُ هـرون الرشـيـد فـأخـشـى ضـيـاعَـه  ..

ولا كـنـوزُ قـارونَ فـتـرهـقـنـي حـراســتـهـا  ..

أنـا:

الـربّـانُ الـذي أراد عـبـورَ بـحـرِ الـنـار بـسـفـيـنـةٍ مـن ورق ..

والـراعـي الـذي لا يـمـلـكُ مـن الـقـطـيـعِ إلآ الـبَـعـر  ..

والـفـلاحُ الـذي لا يـمـلـك غـيـرَ مـنـجـلٍ صـديء  ..

*

مـنـذ عـادت إيـنـانـا الـى عـالـمـهـا الـعـلـويّ

وأنـا فـي الـعـالـم الـسـفـلـيِّ:

مَـلِـكٌ بـدون رعـيَّـة

*

قـلـبـي كـبـاديـةِ الـسـمـاوة:

لا شـجـرةٌ فـيـهـا  فـتـنـسـج ظِـلالـهـا بـسـاطـاً

لِـقـدَمَـيَّ الـحـافـيـتـيـن ..

الـقـطـا مـن حَـجـر ..

والـغـزلانُ مـن حَـسَـكِ الـسـعـدان

ولـيـس غـيـر الـسـرابِ أســتـقـيـه لـي ولـنـاقـتـي !

*

تـعـلـمـتُ مـن الـنـاعـور  أنْ  أســقـي الـحـقـولَ الـعـطـشـى

وأكـتـفـي بـأنـيـنـي  ..

وكـالـتـنـور: أمـنـحُ خـبـزي لـلـجـيـاع

وأكـتـفـي بـرمـاد احـتـراقي

*

لـي:

مـن الـصـحـراءِ صـبـرُ رمـالِـهـا عـلـى الـعـطـش  ..

ومـن الـبـحـر الـزَّبَـد  ..

مـن الـصـحـو الـقـلـق  ..

ومـن الـنـومِ الـكـوابـيـس  ..

ولـيـس لـي مـن أوروك إلآ الـغـبـارُ الـعـالـقُ بـحـذائـي  ..

حـذائـي الـذي ثـقَّـبَـتْـهُ  الأسـلاكُ الـشـائـكـة

حـيـن اجـتـزتُ  حـدودَ أوروك ذات رعـب  !

*

مـذ شَــيَّـعـتُ جـثـمـانَ الأمـس

وأنـا  أحـفـرُ فـي مـقـبـرةِ الـحـاضـر

قـبـرَاً لـغـدي  ..

غـدي الـذي مَـرَّ سـريـعـا  مـرورَ حُـلـمٍ بـمـقـلـةٍ رمـداء

*

لـيـسـت لـي غـابـة فـأعـود إلـيـهـا

هَـربـاً مـن جـحـيـم أوروك

ولا " شـامـاتُ "  فـتـؤنـسِـن حـزنـي الـوحـشـيّ .. (*)

وتـذيـب بـنـارِ أنـوثـتِـهـا جـلـيـدَ الـضـجـرِ الـمُـتـجـمِّـدَ

فـي عـروقي ..

*

" إيـنـانـا " عـادت الـى كـتـابِ الأسـطـورة

وأنـا عـدت الـى سـبُّـورةِ الـواقـع:

أمـسـحُ بـأجـفـانـي غـدي الـذي مَـرَّ سـريـعـا

مـنـتـظـراً  مـجـيءَ الأمـسِ لأكــتـبَـه  ..

هـي لـيـسـتْ طـريـقـاً فـأسـلـك غـيـرَه ..

لـيـسـتْ مـديـنـةً فـأُقـيـمُ فـي غـيـرهـا ..

لـيـسـتْ يَـداً فـأُشِـلُّـهـا وأكـتـفـي بـواحـدة ..

ولا  سـاقـاً  فـأسـتـبـدِلُ بـهـا عُـكّـازا ..

إنـهـا مـن قـلـبـي نـبـضُـهُ ..

ومـن روحـي:

الـبـتـلـةُ الـتـي أنـجَـبَـتْ لِـصـحـارايَ سـبـعـةَ بـسـاتـيـن

والـغـيـمـةُ الـتـي  جـعـلـتْ مـن أخـاديـدي  سـبـعـةَ أنـهـار

*

أيـهـا الـعـشـاق

مـن رأى بـي  شـوكـاً فـلـيُـقـوِّمْـهُ بـأزهـاره (**)

فـتـعـاونـوا عـلـى الـزهـور والـرحـيـق

ولا تـعـاونـوا عـلـى الـشـوكِ والـطـحـالـب

*

إذا لا أعـشـقُ ولا أكـتـبُ شـعـراً

فـكـيـف أعـرف أنـنـي

عـلـى قـيـدِ الـحـيـاة ؟

*

الـعـمـرُ لـيـس  الـمـاضـي والـحـاضـر

إنـمـا

مـا سـوفَ نـعـيـشُ فـي مُـســتـقـبـل الإيـام

*

قـلـتُ لـهـا:

\بـي جـوعٌ لـفـاكـهـةِ بـسـتـانـك فـأغـيـثـيـنـي ..

أعـطـتـنـي بـذوراً لأزرَعَـهـا

وتـعـرفُ أنـنـي لا حـقـلَ لـي

والـنـهـرُ بـعـيـد

*

مـا الـفـائـدةُ مـن امـتـلاكـي مـجـذافـاً

إذا كـنـتُ لا أمـلـكُ سـفـيـنـة ؟

*

حـصـانُ جـسـدي

يُـجـيـدُ الـصَّـهـيـلَ فـي أيَّـةِ مـديـنـة..

لـكـنَّ نـاقـةَ روحي

لا تُـحـسِـنُ الـرَّعـيَ إلآ  فـي

بـاديـةِ الـسـمـاوة

***

يحيى السماوي

أديليد 14/9/2021

........................

(*) شامات: الحسناء التي تعرّتْ للوحش أنكيدو فتأنسن بعد ممارسته الحب معها .. وإينانا إلهة الحب والخصوبة والمطر في ملحمة كلكامش ..

(**) تناص مقلوب مع قول عمر بن الخطاب (رض): " أيها الناس، من رأى بيَ اعوجاجا فليقوّمه " وتناص جزئي آخر مع قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)

 

 

كريم الاسديمثنويّات ورباعيّات عربية..


 حينما تحمــــلُ الهمَّ همَّك كبرَ البحــــــارِ وبُعْدَ النجومْ

فلا تنتظرْ في الحياةِ أماناً واِنَّ الدنى بقياماتِها لنْ تقومْ

**

حينما يمسخُ المرءُ تأويلَ موتِهْ

فيصيرُ مذيعاً لما أَوَّلَ الغاشمونَ الجناةْ

سوفَ يَمسخُ في سَورةِ الزيفِ نبرةَ صوتِهْ

وينكرُ اسمَ أبيهِ ومعنى الحياءِ وكنهَ الحياةْ

**

حينما يصبح النذلُ رأسَ القضاةِ، وتصبحُ عاهرةٌ قاضيهْ

سوفَ يسقطُ صوتُ العدالةِ باِسم العدالةِ في الضربةِ القاضيهْ

**

حينما تدركُ انَّ المدرِّسَ أصغرُ منكْ

ولَمْ تكنِ المتكبرَ أو صاحبَ الاِدِّعاءْ

حينما يصدرُ الحُبُّ فيكَ، اليكَ وعنكْ

لِيعمَّ الجميعَ، فأنتَ المدرِّسُ والعدلُ في حكمةِ الحكماءْ

 

**

حينما تتهاوى أَمامَ السيولِ طوالُ الجبالْ

فهلْ تأملُ أنْ تحتويكَ ملاذاً صغارُ التلالْ

**

حينما تفقدُ الصحبَ طوداً فطودْ

وتنهارُ في مُرعِدِ العصفِ كلُّ الصروحْ

حينما تهملُ الجرحَ جرحَكَ حتى تعالجَ للآخرين الجروحْ

سوفَ تدركُ اِنَّ الشموسَ التي أفلتْ في سحيقِ الفضاءاتِ حتماً تعودْ

**

حينما تمنحُ الحُبَّ قلبَ الخليلةِ حتى أقاصي المحالْ

وحتى يجنَّ من الجنِّ أعلى الخيالْ

ثمَّ تأتي اشارةُ كفِّ الرئيسِ الخسيسِ لتوقفَ حبَّكْ

 فقلْ واحتسِبْ ان مليارَ صخرٍ حقودٍ سيمطرُ دربَكْ

**

حينما يجبنُ العارفونَ أَمامَ الجبانْ

فقلْ فقدَ الطفلُ والأُمُّ سقفَ الأمانْ

**

حينما يتبعُ القزمُ خطوَ القُزيمْ

وتكونُ القيادةُ حكراً على العاهراتِ وسمسارِهنَّ اللئيمْ

ويحاصرُ جيشُ الأباطيلِ خطوَ الجوادِ الكريمْ

سوف تغدو الجريمةُ في كل بيتٍ سميراً وضيفاً مقيمْ

**

حينما يسقطُ العلماءُ ويهوونَ في شركِ المَصلحَهْ

سوفَ تعرفُ روحَ الزمانِ جليِّاً وتبصرُ في وجههِ ملمحَهْ

**

حينما تقلبُ الصحنَ في وجهِ مَنْ أطعمكْ

لأنَّهُ قد ناورَ حتى يصيدَ ضميرَكْ

فأنتَ تردُّ عليهِ بِعِلمِ الزمانِ الذي علَّمَكْ

وسوفَ تحاولُ تحريرَهُ اذْ يكونَ أسيرَكْ

**

حينما يُهلكُ الأمنُ في مجلسِ الأمنِ مليونَ طفلْ

فقلْ انَّ يافطةً للسلامِ تقولُ : السلامُ طريقٌ نهايتُهُ فعلُ قتلْ

***

كريم الأسدي – برلين

..........................

ملاحظة:

* زمان ومكان كتابة هذه المقاطع في اليوم العاشر من أيلول 2021، في برلين.. والمقاطع جزء من مشروع شعري طويل يشتغل عليه الشاعر منذ أعوام اسمه (مثنويّات ورباعيّات عربيَّة ) يخطط له الشاعر ان يكون في ألف قصيدة وقصيدة من القصائد القصيرة المركزَّة حيث كل قصيدة تتألف من بيتين (مثنوي) أو أربعة أبيات (رباعي) وحيث من الممكن نشر كل قصيدة منفردة أو ضمن الوحدة الكليَّة للمشروع .. والمشروع عموماً حوار مع الارث والحاضر الشعري والأدبي العربي والشرقي والاِنساني تتعدد مواضيعه وتتشعب لتشمل مِن ضمن ماتشمل الوجود، الكون، الزمان، المكان، الحياة، الموت، السلام، الحرب، العالَم، الاِنسان، الأخلاق، الحب، الجمال، العدالة، وقد قطع الشاعر أكثر من نصف الطريق في هذا المشروع الذي نشر الكثير من أقسامه و يأمل الاِستمرار في كتابته كلّما طاوعه الشعر لاِكماله .. أما عنوان هذا النص الفرعي (أحايينُ حينما) فهو من ضمن الاِشتغال على كلمات مفاتيح وأدوات في اللغة العربية لاِستنطاق هذه الكلمات وحيث كتب الشاعر ونشر العديد من أمثال هذه النصوص مثل (أحوالُ كيف) و(أمنياتُ لو) و(احتمالاتُ ربّما) و(تلازماتُ كلّما) و(تريثاتُ ريثما)، وحيث يكون المحور كلمة اداة أو اسم شرط تدور حوله المقاطع.  

 

بن يونس ماجنفي جرادة (1)


 الاموات يحملون الاحياء

على اكتافهم

 

في جرادة

الاموات يدفنون الاحياء

ويصلون عليهم صلاة الغائب

 

في جرادة

هناك اجساد ميتة

قبل قبض ارواحها

 

العائدون من الانفاق

داخل ابار الفحم

يخرجون منها احياء-اموات

اجسادهم متفحمة

 

بلا كفن

يهبطون الى مقابرهم الرهيبة

حيث شبح الموت

يحدق في وجوههم البائسة

 

باظافيرهم المتهالكة

ومعاويلهم الصدءة

يحفرون السراديب والاخاديد

ويملؤون التوابيت

ببقايا الفحم الحجري

 

الاسرى

يتوقون الى الحرية

اما الاموات في جرادة

يموتون من اجل لقمة عيش

 

في جرادة

الاجواء سوداء

الارض سوداء

السماء سوداء

الايام سوداء

حتي الانسانية والاكفان

صارت سوداء

 

اليس هناك في جرادة

حمام ابيض

اكل طيورها من سلالة

الغربان السوداء؟

***

بن يونس ماجن

................

ملحوظة: جرادة مدينة مغربية مهمشة معروفة بمناجم الفحم الحجري تقع في الجهة الشرقية جنوب عمالة وجدة انجاد

 

 

 

الأفكار تخرج من رأسه.. تحلق بعيداً، تأخذه الى اجواء اخرى خارج جدرانه الأربعة، حيث تظل تدور به لترسم له الاشياء كما يريد ان يراها، وهو شغوف في ان يراها تتحقق.. وحين يعود الى واقعيته، إلى جدرانه واشيائه التي تحيطه، تبدو تلك الصورة قد تبددت، وهي صورة لما يريد او يتمنى ان تكون وليس لما هو كائن.. وحكمة ” كونفوشيوس” تقول.. إحذر من ان تقع في فخ تمنياتك.. لأنها قد لا تكون واقعية. وثمة تساؤلا يرى نفسه مرغماً على الاجابةعليه : ماذا تريد؟ هل تريد ان تستمر الصورة الكائنة كما هي خاضعة لتراتيبية المكان والزمان، ومدفوعة بكمٍ هائل من الافكار والصور او بالاحرى هذه الحركة الدائبة في كليتها التي تظهره في حال ان لا خيار امامه إلا في مجاراتها، أم انه يريد ان يغير مجرى الافكار والصور، ليس بما يتعارض مع الحركة الكلية، إنما التفكير بالحركة وتغييرنمطيتها في محيطه ؟! انه يريد ان يكون سيد نفسه.. وهل يتم له ذلك بفعل تطوير ذهنه وعقله الواعي.. لقد اصبح منفصلاً عن دوافعه الغريزية.. واخذ يرى انه كلما ابتعد عن تلك الدوافع ازدادت دوافع الأثارة، وتراكم الطاقة والضغط النفسي.. امامه معادلة صعبة للغاية.. الانفصال عن الدوافع الغريزية يدفع به الى عالم الوعي الكامل بكينونته بعيداً عن عالم الاخرين الذين تحدث عنهم “جون بول سارتر” واعتبرهم الجحيم بعينه، وهو بدوره يدفعه الى رؤية الحياة في اعماقه وكأنها الواقع السري المثالي.. انها مقارنة صعبة، كيف يمكن للانسان ان يفقد اتصاله بقواه الداخلية او ينفصل عنها. واذا ما تم له ذلك، كيف له ان يعود الى تلك القوى لكي يلتأم حيث يصبح الخارج اقل ضرراً.. لأن اكتشاف طبيعة الدوافع الغريزية وحتميتها ينبغي ان تلازم عالم الوعي بالكينونة.. تلك هي المتلازمة التي لا انفصال عنها ابداً.. فمن غير الممكن استبعاد الدوافع الغريزية بدعوى السمو المطلق.. ومن غير الممكن استبعاد الوعي الذهني واتساعه على اساس انه فخ يشجع على استبعاد الغرائز التي قد تتحكم في الذهن حين تتحول الى قرارات.. ولا احد يضع الغرائز في المقام الاول إلا في عالم الحيوان.. والحيوان لا يدرك ان سلوكه غريزياً محضاً.. إلا أن الانسان ليس حيوان بالمطلق وليس انساني بالمطلق.. فهو يجمع، شاء أم أبى، بين الغريزة الحيوانية وبين الوعي بوجوده الانساني.. الأمر يقتصر على قدرة الوعي الانساني في الإرتقاء والتحكم بمفاتيح الغرائز على وفق الروادع ومحددات المحرمات والمقدسات التي يعززها المجتمع البشري.

دخل مقهى قريب تابع لمطعم هو في حقيقة الأمر كان بيتاً قديماً تم تحويره الى مقهى، فيما كان الى جانبه (موتيل) صغير ولكنه انيق جداً ينم كل ما فيه عن ذوق رفيع.. جاءت اليه النادله وهي ممشوقة هيفاء جميلة، واجمل ما فيها عينيها الواسعتان الصافيتان وشعرها الأحمر النبيذي المتروك الى الخلف كذيل حصان، وكانت ترتدي قميصاً كاكياً.. ذكرته حين اقبلت عليه لتسأله عن ما يطلب، بمقولة قرأها لـ(غوته).. زوجان من العيون تشعان سحراً رائعاً يخلق لدى الشاعر كلمات قد تخلق عالم أكثر جمالاً.. ثم اصغى لهذا الحس حين حدق في ورود القرنفل البنفسجية في أصيص على المنضدة في مدخل المقهى والتي تفوح منها رائحة رائعة تظل تفوح لتملأ المكان عبيقاً وشذى>

طلب قهوة وبعض من الحلوى.. وكان يحدق في عينيها اللتان تمتزج فيهما خضرة أوراق الشجيرة المطلة على باحة المقهى وزرقة السماء وهي تميل ببطئ نحو الشفق.. أدركتْ بحس الأنثى أنه يحاول اقتحامها.. أحست بشيء من الإنتعاش لكونه كان يشعرها بجمالها كما هي أنوثتها الطاغية التي يفوح منها العطر ومن حركتها إيقاع الموسيقى.. ومع ذلك، قطبت حاجبيها ولوحت لحرب ناعمة مفعمة بالغنج ولكنها غير معلنة، ثم توارت صوب الداخل.. عندها كان قلمه قد وجد طريقه سريعاً على غلاف مجموعة القصص القصيرة.. وما بين دقائق معدودات حتى وضع سيلاً من كلمات الشعر بايقاع الموسيقى الراقص احياناً، وهو لا يدري كيف تسربت تلك الكلمات وباتت على الورق:

غاضبة نادلتي

تروغ في امواجها

كأنها عاصفة مدمرة..

أرى بريقها، زفيرها

كأنها الرعود

في غياهب الشرود

مثل غيمة مزمجرة..

نادلتي.. تقول كلما تمدد المساء..

كلما تعكرت ملامح السماء..

أنها كما ترى في محنة مقدرة..

فكلنا نعيش مأزقاً وحالة مكدرة..

تضاعفت أنفاسها

تمازجت أقداحها

من العذاب

والوعود والسراب

كانها عوالم مشفرة..

تزيد من سهامها

فأنها تهيم في مياسم مبعثرة..

باسمة نادلتي..

أرى سماءها، صفاءها

أرى لهاثها المعطرة..

تغيب في أفلاكها

 وتمرح القطعان في رحابها

كأنها آلهة

يقاتل الزمان عقمه

ولم يعد أمامه إيقونة محيرة..

لم تعد أنغامه تشاكس الرياح

كلما تهافت المحال

عجلتْ تعاكس الشراع

ترتجي حياتنا المسيرة..

لم تكن طقوسنا

 مرابع الوصال

كلها معابر مدبرة..

ألم تكن حياتنا مقدرة..؟!

جائته بالقهوة وبالحلوى وهي تبتسم، ثم انصرفت بدلال الأنثى .!!

***

د. جودت صالح

01/08/2020

 

 

سالم الياس مدالوعيناي مفتوحتان صوب الزمن الاخضر

عيناي مفتوحتان للندى المتصبب

فوق اوراق الاشجار

عيناي مفتوحتان للانهار

لوجه طفل حزين فقد اباه

عيناي مفتوحتان لموسيقى

حزينة

عيناي مفتوحتان

لوقع اقدام جندي كئيب

عيناي مفتوحتان

لعصفور

جريح

عيناي

مفتوحتان

عيناي

مسدودتان

عيناي

الان

تبكيان

***

سالم الياس مدالو

 

 

عبد الامير العباديفي جلابيب حكايا جداتنا،

ننتظر الزفاف

من مدن الحيف

إلى متى نزرع الانتظار؟!

 

عند حفريات العقل

نشبع الآهات ،

ننقب في ثناياالأمل

عن موت لا تغادره الروح..

 

أتظن شجيرات عصافيرنا

أنها محمية من غضب أجنحة

الريح وقساوة القيض؟

 

حلقت ببراق أفتش

بين القمم وبطون المعلقات

لم أجدك!

إني أحلق في غابات الهلاك..

 

وقفت ، أهمس لبصيرتي

سوف أرسم زحفي فوق موجة؛

إنه الطواف الاخير.

 

هذي التي مللت عشقها

كفت أدعيتي عنها،

لقد تسلقت مع مفاتن الله

فجرا لصلاتي الموعودة..

 

أغامر بما تبقى لي من وعي،

أساجل النجم وحراسه

أما ينتهي بي السبيل؟

 

انتصرت في سوح المعارك

حتى خذلتني مواثيق

رفعتها رماح الهزائم

(أيقنت أن الخيانة سوادنا الأزلي)

 

كلما اجتمعت نديمات الصبا

تجلدت أرضنا البكرْ

بورا هجرتها طيور الله..

 

في أقصى المدن

نهاية بحار الدنيا

ينزعون الضيم،

ونحن نستنسله من عفونة الماضي..

 

يالهذا الوهن الذي استباحنا!

بدد بقايا شجننا

تناثرت أجنحة عنادلنا

أقامت أكتافنا مآتم أبدية..

 

ما أتعس حظ المدن!

وما اأتعس خواء الرجال (المخانيث)!

ينتظرون بوابات الغرباء

ليجمعوا كل الصلوات مرة واحدة

يالغرابة مآذن الرب!

تؤذن في قرى اللصوص..

 

عقيمة هي السطوح

طاردة لأصوات الطيور؛

تلسعها جذوة لشمس

يتركها حنان الضباب

يحط عند أغصان تنام

بالقرب من القمر..

 

الغيمة الماطرة تعادي

صحارى بؤسنا،

تغازل فرحنا المسترق،

يغادرنا الصقيع

ونحن المصلون له

 ألف صلاة.

***

عبدالامير العبادي

 

 

عبد الجبار الحمديلم تسعفه الأيام وهي تحمله على كفيها دون صافرة إنذار، لقد كان الشارع مزدحما فأخرس كل الصافرات إلا تلك التي لا زالت في بطن نفسه... لم يعي انه في موقع بعيد رمت به عُهر الايام التي كانت في يوم ما تتراقص له وتعري نفسها بغية ان يضاجعها ليكشف ما بين افخاذها... أشيع عنها أنها غير مأمونة ففخاج الرغبة لاشك لها نتؤات واسلاك شائكة فما عادت عبارة ادفع اكثر لتنال الرغبة مقياس لها بل صار المقياس.. تَدَين فتسعى بين يديك رغبات الشياطين، اسلك مسلكا بوليا تنال انتفاخ اوداج وخصيتي ثور... همه الاطاحة بالكثير من بائعات الهوى...

رؤوف شخص لم ينل من التعليم إلا القليل فحبات السمسم التي كان يسير ويلتقطها من رجل واكبه كرمز للخلاص من عبودية الاصنام غيرت مجرى حياته الى ان يعبد صنما واحدا يجيد العزف على ساكسفونات العالم، لا زال يؤمن بأجراس الكنائس، ولا يزال يؤمن بأن اليهود شعب الله المختار، ولا زال يؤمن ان شعب موسى وغيرهم ليسوا من المختارين الجدد... صاغ لنفسه خاتم مثل خاتم سليمان رسم طلاسم و وجوه عفاريت امسك بالخرافة ان الحياة لا يمكن ان تستمر إلا بإله تصنعه لنفسك، فما الجاهلية الأولى ببعيدة... إن الارباب ان تكاثروا صار الاختيار متعددا والحرية مباحة، فلتؤمن بمن تشاء وتكفر بمن تشاء ما دمت تدفع للسادن... اما الرب الذي يجمع القرابين سيقسمها حين تركب اضلع معوجة لتسير عليها حيث الصراط المستقيم... هكذا ادرك رؤوف انه على حق وعدا ذلك فهو كفر وإلحاد فالانسان لا يعيش مرتين... لذا وجب يقول لنفسه ان نعلم انفسنا ان الارباب كُثر فلا نؤمن بالإله الواحد...  كما الجاهلية،

رؤوف قواد من طراز القرن العشرين الذي يسير وحوله حاشية تجمع البصاق الذي يرمي به بعد كل حديث عفن... حتى دخل عالم السياسة ذلك العالم الذي غير موازين كانت ثابتة عنده، صهرت مسميات العصر والتدين الليفة التي يحك بها جلده، شعر انه ليس القواد الوحيد في مجاله وان مهنة وحرفة بأن تكون قوادا ليس مشروطة بما تملك من عاهرات او وسفن رغبة، إن العالم الجديد يحوي اساطيل من دول وحكام مهنتهم ان يكون مثل ذلك التابع في حمام بخار الرجال مهنته ان يمسد ويدلك أعضاء سادة العروش...

دخل رؤوف في اول لقاء للتعارف خجل ان يعرف عن نفسه وقد سلك قبله من تميزوا عنه بعوالم مظلمة دون ان ينبس بكلمة سمع صوتا يقول: لقد وقع عليك الإختيار يا رؤوف أن تكون الواجهة الجديدة، فبعد ان كشفت الكثير من الوجوه وأُطيح بالاقنعة صار لزاما تغيير الواجهات، و بما انك بارع في بيع وشراء العاهرات وحلو اللسان كالثعلب أرى انك الأجدر للمهمة... لا عليك فكلنا معك والى جانبك ما عليك إلا أن تُسَخِر امكانيات سلخ الجلود... خذ من حاويات الوعود ما شئت إزرع بطانة الحرافيش، ضم إليك من هم أسفل السافلين.. كن قائدا بإمتيار عُهر بغاياك لاشك سيدنيك من العين الواحدة لتراك وتصنع منك أيقونة، بعدها تكون قائدا لشعب مختار اصلا بأن يكون كالح همة البكاء والنواح، يحب الفقر حتى يستجدي حقه، يمتاز بالذلة ليصرخ طالبا طود نجاة، خذها مني يا رؤوف إنك مُقبل على دنيا يكون فيها الحرام حلال، والفساد عنوان تجارة وشرف، التدين سمة لا تنفك تتبعك أين ما ذهبت وحليت... لاشك ان عهدك سيعيد للدنيا حديث السندباد، ستصعقك الحقيقة كأنها تعيد إليك شحن افكارك بأنك تعيش عالمك بخطوط عريضة انت فيها الخيط الرفيع الى جانب الكثير من الخيوط الاخرى الملونة... ستبزغ شمس جديدة من نفس ذلك الهرم الذي ترقد عليه عين الدجال الكبير، ستغتسل من خطاياك ببول بعير، وبول بقر، ستكون من اصحاب السقايا والرفادة ستلبس ردائك الفضفاض، ستغني لك المومسات وهي ترقص على دفوف خيم الرايات الحمر، ستعلو كالمنطاد فخراج وطنك في كل مكان غيث يتلقفه الغرباء اما اهله فلهم الحصرم والشقاء، يكفيهم ما يوارونه نفاقا وبهتانا... سيُكتب في السقيفة الجديدة ان البابا مر وكان هنا، سيعيد كل القوادين صياغة مسيرة القافلة فلا غمام يظلل عليها بعد ان ازاحوا ستار مسرحية أنا وطريق الحرير المتعثر بالخيانات.

 

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي 

 

 

علي القاسميقادماً من مدينة الرباط بسيّارتي، وصلتُ إلى منزل صديقي، الأستاذ سيدي محمد، في مدينة شفشاون، لتناول طعام العشاء معه. كان باب المنزل مفتوحاً فدخلته. رأيت حشداً من المدعوين في جُنينةِ المنزل، ومعظمهم جالسٌ إلى موائدَ معدّةٍ لتناول طعام العشاء، وبعضهم القليل واقف، وجميعهم يستمع إلى موسيقى الآلة التي تعزفها فرقة موسيقية. حامت عيناي على وجوه الحاضرين بحثا عن أخي سيدي محمد، فوقعتا عليها واقفةً وحيدةً في الطرف الأقصى من الجنينة بالقرب من مجرى النبع؛ فحطَّتا عندها، وكفَّتا عن مواصلة البحث عن صديقي.

ينبغي أن أقول التصقت عيناي بها، وأُذَينا قلبي كذلك. فجمالها يطغى على المكان كلّه، وعلى الفضاء برمَّته. فهي تتمتَّع بجاذبيةٍ شديدةٍ شَلَّتْ قدمَيَّ فلم يقدرا على مواصلة السير، وسحرت عينيَّ فلم تتمكنا من النظر، ولو للحظات، إلى غير وجهها الصبوح.  كانت تقف في الطرف الآخر من الجنينة. ولم تكن مع أحد من المدعوين، ولم تنظر إلى واحدٍ منهم، بل كان رأسها مرفوعاً قليلاً، وعيناها غائرتين في السماء كما لو كانت تنشد شيئا من المدائح النبوية مع أيقاع موسيقى الآلة.

في أوربا التي أزورها بانتظام، وفي هذا البلد الرائع، وفي هذه المدينة الرائعة، شفشاون، أرى جميلاتٍ كثيرات، لاسيَّما في مثل عمرها الذي لا يتعدى عشرين ربيعاً؛ ولكن ليس في مثل حسنها الفتّان. فمدينة شفشاون التي تُلقَّب بـ "الجوهرة الزرقاء" لروعة طبيعتها الجبلية الخلابة، تأسَّست سنة 1472 لإيواء مسلمي الأندلس الذين طردهم الإسبان، فحملوا شيئاً من ثقافتهم الأندلسية معهم إلى البلدان المغاربية التي لجأوا إليها.  ولم يكُن أولئك اللاجئون من أصول مغاربية إسلامية فحسب، بل تعود أصول معظمهم كذلك إلى جميع أصقاع الإمبراطورية الرومانية النصرانية القديمة. وقد أسلموا إبّان الحكم الإسلامي المتسامح لإسبانيا الذي دام ما يقرب من ثمانية قرون. وعندما أمشي في أزقة شفشاون، أرى الأطفال بعيونٍ خضرٍ وزرق وشهلٍ وسودٍ وبنيةٍ وعسليةٍ، وبشعرهم الأسود والبني والبني الدافئ والأشقر والأشقر الذهبي وغيرها من الألوان. وقد تحوّلت هذه المدينة إلى قلعة لمقاومة الاستعمار الأوربي في القرن السادس عشر وما بعده. ويمتزج جمالُ أهلِها بشموخِ التحدي والإباء.

لم تكمن مشكلتي في تلك اللحظة في حُسن تلك الصبية القتّال الواقفة وحيدة في أقصى الجُنينة، بل في الإحساس الذي داخلني. إحساسٌ شديدُ الوطأة على نفسي ووجداني وجميع كياني. أحسَّستُ أنني قد رأيتُها من قبل. وتحدثّنا معاً عدّة مرّات، وفي مناسبات عديدة. ولكن أين؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وتهاطلت الأسئلة على روحي مثل قطرات المطر الأولى، تبدأ خفيفة منعشة، وبعد حين تتصاعد وتيرتها حتى تغدو مُغرقةً مصحوبةً بعاصفةٍ أو إعصار.

أزعم أنني أعرف الفرق بين الخيال والواقع، وبين الوهم واليقين، وبين القضية الكاذبة والقضية الصادقة. وأنا واثقٌ تماماً من صُدق إحساسي بأنّني رأيتها من قبل، هي بعينها، بل بعينيها النجلاوَين الكحلاوين كأنَّهما عيون المها في جزيرة العرب، وبخديها الأسيلَيْن المتوردَيْن كأنَّهما من التفاح الذهبي، وبشفتيها الحمراوين الممتلئتَيْن المنفرجتَيْن بعذوبة، وبجيدها العاجي الطويل مثل رقبة رشا الغزال في التفاتته، ويتدلّى عليه قرطان لؤلؤيان ثمينان، وبجسمها الرشيق الذي لا يشتكي منه طولٌ ولا قصرُ. أنا متأكدٌ أنني رأيتُها هي بذاتها من قبل! ولكن أين؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ هنا مربط الفرس، كما يقول الفرسان.

وأخذْتْ جميعُ حواسي تقترب من بحيرةِ حُسنها الفتّان، وتطفوا على شواطئها، ثمَّ تغوص شيئاً فشيئاً في دفءِ عينيها الخضراوين، وأنا أذوب على رموشهما؛ وينطلي لساني كلُّه بمذاق حلاوة شفتَيها، وينتشي أنفي برائحة جلدها البض (فلكلِّ جلدٍ رائحةٌ مخصوصة)، وتهدهدني ذوائبُ شعرِها الأشقر الذهبي. وكلّما غصتُ في أعماقِ بحيرةِ ذلك الحسن الفريد، أزدادت صاحبته نوراً وألقاً، وشعرتُ أنني أقترب إلى شموسِ السماوات وأحترق فيها، وأبعُدُ عن ضفافِ البحيرات والمحيطات. فتمنيتُ أن عينيَّ لم تقعا عليها مطلقاً. وتذكَّرتَ قولَ أبي تمام:ِ

          قدْ قَصَرْنا دونكِ الأبـْـ  .... ـصارَ خوفاً أن تَذوبا

          كلَّما زدناكِ لحظـــــاً   .... زِدتنا حُسناً وطِيــبــا

ما أربكني وأقلق أعماقي، إحساسي بأنَّ هذا الجمالَ الأخّاذ ليس غريباً عني وليس بعيداً مني، فهو منحوتٌ بين الضلوع، ومتمدَّدٌ على حنايا الروح كلها. ورحتُ أُسائلُ ذاكرتي المنهكة: أين رأيتها؟ ومتى تحدّثت معها؟ وكيفَ التقيتها من قبل؟ ولماذا تركتها أو تركتني؟ ولم أجد جواباً يشفي غليلي الملتهب. لقد استعبدني ذلك الحُسن الأخاذ. وكدتُ أصرخُ مع الشاعر أحمد شوقي:

صوني جمالَكِ عنا إنّنا بشرٌ .... من التُرابِ، وهذا الحسنُ روحاني

...إذا تبسَّم أبدى الكونُ زينتَهُ  .... وإنْ تنسَّــــمَ َأهدى أيَّ ريحــــانِ

         

وداخلني خوفٌ من أنَّني رأيتُها في حياةٍ سابقةٍ؛ فقد كنتُ في تلك الأيام أبحث في موضوعِ الأطفال النادرين الذين يتحدّثون في حوالي السنة الثالثة من عمرهم عن حياة سابقة عاشوها، ويعطون أدلَّةً ملموسة؛ وبعد قرابةِ سنتَين، ينسون تلك الحياة السابقة تدريجياً. وحتّى نحن الكبار، يحصل أحياناً أن نمرَّ بزقاقٍ في مدينة نزورها لأوَّل مرَّة في حياتنا، ويداخلنا إحساس شديد أكيد عنيد بأنَّنا مررنا في ذلك الزقاق بعينه من قبل!! الآن يتسلل صلُّ الهلع إلى أعماقي. مَن هذه الحسناء ذات الوجه الملائكي؟! هل كانت ابنتي في حياة سابقة، أم حبيبتي وعادت إلى الحياة؟!

ثمَّ انتبهت فجأة إلى أن مفتاح الإجابة على جميع هذه الأسئلة قريبٌ مني، أقرب من " نبع رأس الماء " في شفشاون؛ فهو في يد صديقي سيدي محمد أو في جيبه. لا بُدَّ أنَّهُ يعرفها جيّداً بحيث دعاها إلى وليمته. تلفَّتُ يمنةَ ويسرة مثل غريق يبحث عن منقذٍ بعد أن انبثقَ رأسُه من لُجة الماء لآخر مرّة قبل أن يختفي نهائياً. وأخيراً لمحتُه، وهو يتكلّم مع النُّدُل بعيداً عن الجنينة. لا بدَّ أنَّهم يتحدَّثون عن  تقديمِ الطعام عندما يحين الوقت بعد انتهاء الفرقة الموسيقية من عزفها فن الآلة وإنشادها المدائح النبوية.. ولم يكُن من اللياقة أن أقاطعه لأسأله عن فتاةٍ بين المدعوين.

يعمل صديقي سيدي محمد أستاذاً جامعياً، ولكنَّه مثقَّفٌ عضويٌّ لا يكتفي بإلقاء محاضراته على طلابه وتصحيح كراستهم وأوراق امتحاناتهم، بل له مبادراته الثقافية المختلفة في المجتمع، فهو يؤمن بأنَّ الثقافة أساسُ التنمية البشرية. وهذه الوليمة جزءٌ من مهرجان "الموسيقى الأندلسية" السنويِّ الذي أطلق باكورته تلك السنة.

والموسيقى الأندلسية هي الموسيقي الكلاسيكية، والغناء، والمدائح النبوية، في بلدان المغرب العربي التي حملها المسلمون المطرودون من الأندلس معهم. ولا تتقيَّد كلماتُها ومقاماتها بالأوزان الشعرية التي وضعها العبقري الخليل بن أحمد. ويؤدَّى ما بقي من نوباتها، بالآت موسيقية وترية كالعود والكمنجة، وأحيانا القَانون والرَّباب. وقد نشأت وتطورت في الأندلس وحملها المسلمون الذين طردهم الإسبان بعد سقوط الحكم الإسلامي إلى بلدان المغرب العربي. وتسمَّى الموسيقى الأندلسية في المغرب العربي بأسماء مختلفة بحسب المناطق، مثل موسيقى الآلة، والطرب الغرناطي، والصنعة، والمالوف. ولم تنتقل هذه الموسيقى إلى بلدان المشرق العربي، وإنَّما نجد في المشرق "الموشحات الأندلسية" التي نشأت وتطوَّرت في الأندلس كذلك بعد وصول الموسيقي زرياب (تلميذ إسحاق الموصلي) إليها سنة 822 م، فالموشَّحات الأندلسية فنٌّ شعريٌّ على وزنٍ مخصوص، وقد يستعمل اللغة الدارجة في خرجاته.

وأخيراً حانت لي فرصةٌ لأسال أخي سيدي محمد عن تلك الفتاة المُدهِشة. كنت آمُلُ أن يجيب على سؤالي: مَن هي؟! مَن هي؟! أو على الأقل يصحبني ويقدّمني إليها. ولكن سيدي محمد كثيراً ما يستعمل طريقة الفلاسفة الإغريق في تعليم طلابه، وقد طبَّقها معي ذلك اليوم، فسألني:

ــ "لماذا؟"

قلت:

ــ "لديّ إحساسٌ بأنَّني رأيتُها من قبل وتحدَّثتُ معها.

ــ اذهب إليها واسألها.

قلتُ معترضاً:

ــ كيف أكلّم فتاةً لا أعرفها؟

قال:

ــ "ها أنتَ تناقض نفسك: مرَّةً تُخبرني بأنَكَ رأيتَها من قبل، ومرَّة تقول إنَّكَ لا تعرفها!"

قلتً:

ــ "معرفتي السابقة بها مجرَّدُ إحساس، وقد لا أكون مصيباً."

ــ "اذهبْ واسألها، فهي لا تمانع أذا تحدَّثَ إليها مَن لا تعرفه. اذهبْ!"

ثمَّ انصرف سيدي محمد لشأن من شؤونه. وتركني وحيداً في حيرتي.

انتظرت حتى انتهت الفرقة الموسيقية من العزف. وحينذاك توجّهت نحوها ورأسها ما زال ينظر إلى الشمس الغاربة، وقد ألقت بظلالها على تقاسيم محياها فزادتها حسناً وجمالاً وحلاوة. وكأنَّ وجهها يخاطب الشمس قائلاً:

ـ "غيبي وأنا بَدلكِ. اهنئي.".

قصدتُها وَجِلاً بخطواتٍ متردّدة، وأنا أقدِّم رِجلاً وأؤخِّر أخرى. لم تنظر إليَّ وأنا متَّجهٌ نحوها، ولكن حالما اقتربت منها، تحوَّلت بكلِّ كيانها نحوي، وقد أشرق وجهها وتهلَّل بابتسامةٍ فرِحةٍ مُرحِّبة، وكأَنَّني حبيبٌ عزيزٌ عاد إليها من رحلةٍ عظيمةِ المخاطر. ابتسمتُ بدوري ابتسامةً حييةً مرتجفة، وبصعوبةٍ وبشفتَين جافتين مثل إسفنجة قديمة قلتُ:

ـ "السلام عليكم."

أجابت، وقد أطلّ صوتُها من بين شفتَيها ممزوجاً بالفرحةِ معجوناً بحلاوتهما:

ـ " وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."

قلتُ بتلعثمٍ واستحياء:

ـ " آسف، آنستي، على تطفّلي. اسمي الدكتور سليم الهاشمي؟

ـ " تشرَّفتُ سيدي الدكتور. اسمي جميلة."

ـ " اسمٌ على مُسمَّى.! آنستي"

ـ " شكراً، سيدي"

وفي تلك الأمسية، اكتشفتُ بسهولةٍ تامةٍ أنَّها جميلةٌ خَلقاً وخُلقاً.

ـ " هل التقينا سابقاً، آنستي؟"

ـ "لا، مع الأسف."

قلتُ:

ـ " ولكن لدي إحساس مكين أنَّنا تقابلنا من قبل وأنّني أعرفك!"

قالت، وقد تفاقمت ابتسامتُها وعيناها إشراقا وترحيباً:

ـ "لعلَّكَ كنتً تعرف والدتي عندما كانت في مثل عمري؟"

ـ ومَن هي أُمُّكِ العزيزة؟

ـ الرسّامة فاطمة الزهراء. مندوبة وزارة الثقافة في الشمال.

وهنا شعرتُ بالمفاجأة، وبسذاجتي. لماذا لم أفترض أنّها تُشبه شخصاً أعرفه؟!

قلتُ:

ـ "صحيح، فأنتِ تشبهينها كثيراً. (وأضفتُ في دخيلة نفسي: أو كانت تشبهكِ)  إنني لا أراها هنا؟ أين هي؟!"

ـ "إنها تضع اللمسات الأخيرة على "المتحف الإثنوغرافي " الذي اقترح سيدي محمد على وزارة الثقافة إنشاءَه في قصبة (قلعة) شفشاون، ويريدان افتتاحه غداً إن شاء الله بمناسبة مهرجان الموسيقى الأندلسية. ولذلك حملتْ من منزلها ومنزل سيدي محمد بعض القطع الأثرية والملابس التقليدية لاستكمالِ تأثيثِ المتحف. وقد تلتحق بنا هذه الليلة.

قلتُ:

ـ "ولماذا لم نلتقِ أنا وأنتِ من قبل، فأنا وأمُّكِ العزيزة نتزاور أحياناً؟"

ـ " لأنني أدرس في باريس."

ـ " وماذا تدرسين؟"

ـ " الموسيقى، وتخصُّصتُ في الموسيقى الأندلسية."

وبدأ طعام العشاء، ولم تصل أمُّها، فأسعدتني الاَنسة جميلة بجلوسها إلى جانبي وكأنَّها ألِفتْ في شخصي صورة الأب. واكتفيتُ بالنظر إلى جميلة ولم أتحدَّثْ ولم تتكلَّمْ. وتتالت الأطباق المغربية اللذيذة: البسطيلة التي لا توجد في العالم كلِّه إلا في المغرب، والدجاج المحمَّر على طريقة المطبخ المغربي، والحولي المشوي، ثمَّ الفواكه المغربية. وفي نهاية العشاء، أعطتني الآنسة جميلة ورقة كتبت فيها عنوانها في باريس ورقم هاتفها، وكأنَّها تقدّم طبق الحلويات الذي َ تُختَم فيه الوجبة مع الشاي بالنعناع.

في اليوم التالي رجعتُ إلى الرباط، وبقيتْ جميلة مع أمّها في شفشاون. ولكنّي كلّما رأيت أمّها في الرباط سألتُها عن أخبار الآنسة جميلة. وحالما أسألها عنها تتحدَّث عنها بإسهاب، فقد كانت فخورة بها. أخبرتني أنَّها متقدّمة في دراستها الموسيقية، لأنَّ الأمَّ علَّمتها العزف على البيانو منذ نعومة أظفارها. وفي مناسبة أخرى، اخبرتني أنَّ جميلة تتكلَّم بطلاقة أربع لغات: العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية، وهكذا.

كان عملي آنذاك يقتضي السفر مرَّة في الشهر على الأقل إلى دولٍ في إفريقيا وآسيا، وذلك قبل عصر تكنولوجيا الاتصال التي يسَّرت عقدَ الاجتماعات والمؤتمرات عن بُعد. وكان الاتحاد الدولي للنقل الجوي (الإياتا) الذي تأسَّس بعد الحرب العالمية الثانية سنة 1945، بهدف توفيرِ نقلٍ جوي آمن، واتَّخذ من مدينة مونتريال في كندا مقرّاً له، ويضمُّ حالياً في عضويته أكثر من 290 شركة خطوط في 120 قطراً، قد راعى مصالح الدول الأوربية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية التي أسسته وشركاتها الجوية. فعند تنظيم خطوط النقل الجوي، جعلت (إياتا) معظمَ الرحلات بين الشمال والجنوب، وليس بين الجنوب والجنوب. فإذا كنتَ في تونس مثلا، وعزمتَ على السفر إلى فريتاون أو كوناكري أو جاكارتا، فمن الأيسر والأسرع والأرخص لك أن تسافر إلى لندن أو باريس أو أمستردام أوَّلاً، ومن هناك تستقلُّ طائرةً متجهة مباشرة إلى المدينة التي تقصد؛ إذ لا تتوافر رحلات جوية مباشرة كثيرة بين تونس وتلك المدن التي تقصدها. ولهذا كانت مطاراتُ باريس محطةَ تغييرِ الطائرة في معظم رحلاتي. والتغيير قد يتمُّ بعد ساعة في المطار نفسه أو قد يستغرق بضع ساعات أو يوماً كاملاً. وهكذا كنتُ أسعد بلقاء الآنسة جميلة في باريس لتناول فنجان قهوةٍ أو وجبةٍ من الوجبات، والتحدُّث معها عن دراستها.

ذات يوم أخبرتني أمها فاطمة الزهراء أن ابنتها الآنسة جميلة قد تخرجت في كلّيتها، وأنها تعمل في فرقةٍ موسيقيةٍ باريسية، وأنها التقت أحد أعضاء تلك الفرقة، ويعتزمان الزواج قريباً. وأضافت:

ـ " ولكنني لستُ موافقةً على هذا الزواج."

ـ " لماذا؟"

قالت:

ـ " لأنني التقيتُ بذلك الرجل، وتحدّثتُ معه عدَّة مرّات. ووصلتُ إلى رأي راجحٍ بأنه لا يصلح لابنتي. فهو ليس كفؤاً لها في السن، ولا في الثقافة، ولا في المكانة الاجتماعية، ولا في الأخلاق.".

وكانت تتكلّم بانفعالٍ واضح.  قلت لها محاولاً تهدئتها:

ـ "إنَّ أولادنا خُلقوا لزمان غير زماننا، ومقاييسهم غير مقاييسنا. وهم أذكى منّا عندما كنا في مثل أعمارهم.          أضيفي إلى ذلك، عندما نرسل أولادَنا إلى أوربا أو أمريكا، لا تبقى لدينا

القدرة على توجيههم في قراراتهم، لاسيّما فيما يتعلّق بزواجهم."

بعد أكثر من عامَين، مررتُ بباريس وكان لدي أزيد من 40 ساعة من الانتظار، وفكّرتُ في الاتصال هاتفياً بجميلة

لمجرَّد السلام عليها. اتصلتُ بها، فوصلني صوتها فرحاً متهللاً مرحباً، وأخيراً قالت بإصرار:

ـ "ستتناول طعام العشاء معنا. فنحن نحتفل هذه الليلة بعيد ميلادي. وستلتقي بابني مولاي إدريس وبزوجي. سآتي بسيّارتي لاصطحابك، فشقتنا ليست في باريس بل في إحدى ضواحيها." (والمغاربة يضعون كلمة "سيدي" قبل كل مَن اسمه "محمد"، إكراماً للرسول (ص)، وكلمة "مولاي" قبل كل مَن اسمه إدريس، إكراماً لمؤسِّس دولة الأدارسة في المغرب سنة 788م، الإمام إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم).

وصلت جميلة إلى المقهى الذي كنتُ أنتظر فيه قبيل الغروب، وصحبتني بسيّارتها إلى شقّتها. وهناك رأيتُ ابنها الصغير، وزوجها، وثلاثة من زملائه الموسيقيين، وثلاثَ شابات فرنسيات، قدَّمتهن جميلة إليّ بوصفهن من طالباتها في دروسها الخصوصية للرقص الشرقي. وكان معظمهم يتناول عصير الفواكه المعلب ما عدا زوج جميلة وأحد الموسيقيّين يتناولان النبيذ الفرنسي.

وبدأ الموسيقيون بالعزف. وحتى مولاي إدريس الصغير كانت أمامه دربوكة صغيرة يضرب عليها مرَّةً بيدٍ واحدة ومرَّةً بيدَيْه كلتيهما، وينظر إلى أمِّه بين الفينة والأخرى وهو مبتهج كأنه يُريها مهارَته الموسيقية. وراحت الفتيات الفرنسيات يتمايلن في جلستهن حتى أشارت إليهن جميلة بالرقص فانبرين يظهرن ما يُتقنَّ من الرقص الشرقي. وكان جميع الحاضرين بين عازف وراقص إلا أنا، فقد كنتُ عاطلاً.

في فترة الاستراحة، كان زوج جميلة ونديمه الموسيقي الآخر يواصلان شرب النبيذ، ويتحدثان. وأخذ صوتُ زوجِ جميلة يرتفع شيئاً فشيئاً، واحمرَّت عيناه، حتى تأكَّد لي إنه قد ثمل وكشفت الخمرةُ عن حقيقة طبيعته العدوانية، أو كما يقول المثل اللاتيني: " الحقيقة في النبيذ" ويقابله المثل العربي " الكأس تتكلّم عني". وهنا ارتأيتُ أن أنسحب من الحفل. فالتفتُ إلى جميلة هامساً لها:

ـ " شكراً عزيزي، حضرتُ لكيلا أرفض دعوتكِ الكريمة، فلدي التزام آخر الآن. "

ثمَّ نهضتُ ملوِّحاً لبقية الحاضرين مودِّعاً. ولم تعترض جميلة، وكأنَّها أدركتْ قصدي. ونزلتُ وحدي إلى الشارع أبحث عن سيّارة أجرة.

بعد بضعة شهور هاتفتني فاطمة الزهراء قائلة إنّها تودُّ أن تراني لأمرٍ مستعجل. حضرت إلى منزلي وهي في حالة يُرثى لها من الغضبِ والانفعال. وأخبرتني أنَّ زوج جميلة ألقى بها وبابنها في الشارع في ساعة متأخرة من الليلة البارحة، حتى من دون أن يسمح لها بتغيير منامتها، أو تأخذ أي شيءٍ من النقود معها. وأنَّها أمضت الليل لدى إحدى جاراتها التي سمحت لها باستعمال هاتفها لتتصل بأمِّها. ونظراً للقيود الوطنية على تحويل العملة فإن فاطمة الزهراء تتساءل ما إذا بقي معي من سفراتي السابقة بعض العملة الصعبة لتشتريها مني، وتبعث بها مع أحد أصدقائها المسافرين إلى باريس لإيصالها لابنتها جميلة.

فكرتُ قليلا وأنا أرد في نفسي المثل العربي " الصديق عند الضيق"، ثم قمتُ إلى مكتبي وأخرجتُ دفتر شيكات، وحرَّرتُ فيه مبلغ خمسة آلاف فرنك فرنسي، وسلَّمته إليها، قائلاً:

ـ " هذا ما بقي لي من حسابي المصرفي في باريس عندما كنتُ أدرس هناك".

قالت بشيء من الارتياح:

ـ "وكم يساوي بالدرهم لأردنَّه؟"

قلتُ:

ـ " إنه هدية صغيرة لمولاي إدريس."

شكرتني وخرجت مسرعة.

وبقيتُ أتابع أخبار جميلة التي سرعان ما تغلّبت على أزمتها، وتفرّغت لتربية ابنها، وتطوير عملها، ومواصلة دراستها. وبعدما انتقلت جميلة إلى جامعة مدريد في إسبانيا ثم إلى جامعة غرناطة لإنجاز الدكتوراه في الموسيقى الأندلسية، زارتني وأمُّها وابنها الصغير في منزلي ذات مرَّة للبحث في مكتبتي عن كتب عن الثقافة الأندلسية، وحملت معها كتاباً أو كتابَين، وحمل ابنها دُميةَ أو دُميتَين.

وفي سنة 1994، وصلتني دعوة من مهرجان مدينة فاس السنوي للموسيقى الروحية والعريقة، وهي تحمل شعار المهرجان: (من الروح إلى الروح، تشجيعاً لحضارة الانفتاح والحوار بين الثقافات)، انطلاقاً من التسامح الذي ساد الأندلس إبان الحكم الإسلامي. وقد شارك فيه كبارُ المطربين العالميِّن والفرقُ الموسيقية الشهيرة. وقد سعدتُ بالاستماع إلى وصلات الدكتورة جميلة الغنائية التي أدتها على موسيقى طاقمها. ثمَّ نزلتْ من المسرح، واتجهت إليَّ لتسلم عليَّ وتهدي إليَّ نسخة من قرص تلك الأغاني الأندلسية الذي وقَّعتْه بنفسها.

 ***

د. علي القاسمي

 

 

فينوس فايقعلى رصيف وطن

مطرز بخطوات مسرعة نحو المجهول

ومُرصّع بأرواح خضراء

أترك بصماتي على جدار اللاجدوى

أفرش منديلاَ

وأبيع الكثير من الخجل

صرة من الشرف

وأنوثة مذبوحة

من يشتري؟

فللخيبة قرابة دم

مع الكرسي الهزاز

الذي يتأرجح عليه فكري

**

لدي الكثير من الصمت

وصناديق تفيض بالصراخ

حين كان غضبهم يتربص بي

بين شقوق الجدار....

منزلاً كان أم وجعاً ؟

أقيم فيه حدّ الاحتراق

فللكرسي الهزاز

قرابة خشب

مع الأريكة التي يتناثر عليها

الكلام

وتشهد على موت المعنى

حين يكون الكلام

ملفوفاَ برائحة البارود

**

لدي الكثير من الحلم

لم يعد يُناسب قوامي

والكثير الكثير

من التأمل

من وراء حديد القفص

وأطنان من الدهشة الغبية

وصناديق من الضحك نافذ المفعول

وملء خزانتي، قهقهات

لم تعد صالحة للأحاسيس

سأهبها كلها لوحل الطريق

فلخيبتي قرابة

مع رائحة الإنسان المقتول فيكم

***

فينوس فائق

 

 

 

صادق السامرائيسلامٌ مِنْ صَبا ألميْ وشِعْري

وإمْعــــانٌ بأفكــــارٍ وأمــــْرِ

 

لإنْسانٍ بهِ الإنْسانُ يَرْقى

وأشْعارٍ هنا بَزَغتْ كفَجْرِ

 

فأحْيَتْ روحَ مَخْلوقٍ يُعاني

جَهالةَ رحْلةٍ في كنهِ سِفْرِ

 

حَسِبْتُ ديارَها ذاتَ انْدِحارٍ

وإنَّ شِراعَها يُذْوى ببَحْرِ

 

وما عَرَفتْ إذا نَظرَتْ سَتدْري

وأغْوَتْ كلَّ طالعةٍ بنَصْرِ

2

كأنّ الروحَ يا (دَنتي) أباحَتْ

عَنِ السلفِ المُعَنّى بالديارِ

 

بآتيةٍ مِنَ الأشواقِ قادَتْ

مَنابِعُها لواضِحَةِ الخَيارِ

 

ومِنْها كلُّ مَعشوقٍ تغنّى

بألحانٍ مِنَ الزَمَنِ المُباري

 

أعانقُ روْعَةً في فيْضِ قوْلٍ

وأشْدو نَغمَةً ذاتَ انْبهارِ

 

أهاجرُ في نَسائِمها وأحْيا

بريقَ الضوءِ أو شُهُبَ المَدارِ

3

أعاتبُها وقلبي دونَ نَبْضٍ

وعَقلي من وداعَتِها كبَدْرِ

 

أبوحُ لها وما باحَتْ وبانَتْ

وترْهنَني بقاسيَةٍ وزَجْرِ

 

وكمْ قالتْ وما فَعَلتْ ونادَتْ

ضَميرُ الخَلق يدْعونا لطُهْرِ

 

وما صَدَقتْ وأخْفَتْ ما أرادَتْ

بتضْليلٍ وتوْهيمٍ وذُعْرِ

 

فمِنْ لهَفٍ ومَوْجَدَةٍ وشَوْقٍ

إذا صَدَحتْ مَناقِبُها ستُبْري

4

أسائِلها ورأيٌ إبنُ ظنّي

وأخْشاها إذا رقدَتْ بحُجْري

 

تُعانِقُني وروحي لا تَراها

وأنّي مِنْ مَساوئها بخُسْرِ

 

فعُدْ نفساً تأجِّجُها بقُبْحٍ

أمانيُها كساعيةٍ لغَدْرِ

 

وإنْ سُجِرَتْ بنيرانٍ تَنادتْ

فقد عَذِبتْ بأجّاجٍ ونَحْرِ

 

وكمْ سَرَقتْ مَعانيها وطافَتْ

بعنوانٍ وذو العَيْنَينِ يُغري

5

سَلوا وَجَعاً بأوْجاع تحلّى

وأحْراراً إذا حَنَّتْ لأسْرِ

 

ومَرْهوناً بأصْفادٍ وذِكْرى

وأفئدةً وقد هَتَفتْ بذِكْرِ

 

ومَجْروحاً بجارحَةٍ وأخْرى

أباحَتْ عنْ ضَراوَتِها بنُكْرِ

 

وأوْفَتْ كلّ مألومٍ مُناهُ

وأشقتْ إبنَ داعيةٍ لعَقْرِ

 

وما بلغَتْ بنا الأيّامُ شأوا

ولا فتَحتْ لنا أمَلاً ببُشْرِ

6

جَحيماتٌ مِنَ النيران تُرْوى

وأبْدانٌ إذا كَبُرَتْ لحَشْر

 

وعاصمةٌ مِنَ الإغْراقِ غَرقى

وشاهِدةٌ على زمَنٍ سَتُضْري

 

تَدورُ بحالِها والناسُ حَيْرى

وما هَجَعَتْ ولا حَلِمَتْ بخِدْر

 

وكمْ عَصَفَتْ وأشْقتنا جَميْعاً

ودامَتْ في مُداولةٍ وعُذْرِ

 

صَحَوْنا عِندَما قالتْ تَعالوا

فغِبْنا عنْ مَواطِنها كنُذْر

7

بريئٌ ما جَنى أبداً ويَبْقى

لهُ ذكرٌ ومَنْحوتٌ بتِبْرِ

 

أرادَ وجودَها أدباً وعلماً

وأنْواراً يُساقيها بصَبْر

 

وكمْ حَمَلَ المآسيَ دونَ عَجْز

وداواها بإبْداع وفِكْرِ

 

وأضْفى كوْنهُ فوقَ إكْتنانٍ

تنامتْ روحهُ وسَعَتْ بحُرِّ

 

تماحَتْ كلُّ آتيةٍ وغابَتْ

وقد بقيَتْ مَعالِمهُ بقبْر

8

فمِنْ هذا ومِنْ أرَبٍ ومَجْدٍ

تَولدَتِ الروائعُ رُغْمَ عُسْرِ

 

مُجاهِرَتي بقاسيَةٍ وأخْرى

أرى سُحباً تُداهِمُنا وتَجْري

 

ومَنْ بَلغَ المَعاليَ جاءَ مَجْداً

تولاها برائعةٍ وفَخْرِ

 

فذكّر ذاتَ إبْداعٍ تَجَلّى

وساهِمْ في سَعادتِها بجَهْر

 

"مَعرّيْ" قد تَعاطاها بزُهْدٍ

وإبْحارٍ بخافيَةٍ بصَدْرِ

9

حَضاراتٌ لنا والناسُ غَفْلى

ومِنْ جَهْلٍ أرى ظهَرَتْ بغَيْرِ

 

عَناصرُها بأعْماقي وروحي

وفَحْواها يُسابقُني ويُثْري

 

وليْ فوقَ العُلى بُرْهانُ حَقٍ

أواطِنهُ ويَحْميني ويُقري

 

فهلْ ظهرتْ وما عُقِلتْ فخابَتْ

وأضحَتْ ذاتَ إحْجامٍ وسِتْرِ

 

عَصائبُها كأشلاءٍ تَناهَتْ

وأشواكٍ بباديةٍ وصُحْرِ

***

د-صادق السامرائي

منشورة في 2\1\2013

...............................

* دانتي هو الشاعر الإيطالي صاحب الكوميديا الإلهية، وهذه الكلمات معظمها مكتوبة قبالة البيت الذي كان يسكنه ، في مدينة فلورنسا الإيطالية بتأريخ 14\11\2012 الساعة الثانية والنصف ظهرا.