ريكان ابراهيممُواجهةُ الذات أمرٌ عسيرْ

وكشفُ النوايا خطيرْ

يُلجلج قلبي وتعروُهُ بعضُ الوساوسِ

حول المصيرْ

وقبلي تساءل قبلُ

وبعدي سيسال بَعْدُ

عن المفردات التي في الصدورْ

أتيتُ كما قد أتتْ سلحفاةْ

وعشتُ كما عاشت الأمنياتْ

على طبَق مستديرْ

من الضاحكُ المستفيدُ من اللعبة القاحلةْ؟

من الممتطي صهوة الراحلةْ؟

سأختارُ للأسئلةْ

ثلاثاً من الأدوات:

لماذا، وكيف، وأين

أنا لا أخافُ من الله في الأسئلة

أخافُ من الرقباءِ، من الأوصياءِ

على المسألةْ

فقلبُ الذي خلق الكائنات كبيرْ

ويعرفُ في العُمْق مالجلج فيه اللسانْ

ولكنَّ من نصبوا فخَّهم في المكانِ

هُمُ المعضلةْ

إلهي...

تذكّرت أنك اوصيْتني

بانْ لا أحابَي فيك رديء التقاليدِ، إبليس

في ما أرادْ

فأعلنتُ حربي عليه،

حرستُ سمائي،

وأغلقتُ كل المنافذْ

وسلّطت ألف رقيبٍ على ساحلي

ولكنني...

فجئت بأنَّ رديء التقاليدِ، إبليس،

في داخلي

***

إلهي...

هو الحقُّ حقٌ ولكنّهُ

يُؤَّخُر فينا الزيارةْ

إلى أنْ تضيقَ العبارةْ

ويأتي... وقد رقصَ الراقصونْ

وشقَّ الدفوف بها اللاعبونْ

فإنْ كان هذا- وقد كان هذا-

فأصدر له الأمر أنْ لا يجيء

لأنا عُجالى

وأنتَ الذي قد خلقت البشَرْ

يُحبّون قطْف سريعِ الثَمرْ

فيا خالقِي في كبَدْ

أدرْنِي على هاديء العينِ فيكَ

لأنَّ الضجرْ

تملّكني في انتظار الذي لا يُجيء

ويضحك مني إذا جاء يسألنُي

ما الخبرْ...

***

إلهي...

لإبليس عندي جنودٌ كثيرةْ

فعينٌ ترى كلَّ هذا الجمال

تقودُ خطاي إلى المُغرياتْ

وتجعلني هائماً في السؤالْ

وكفٌّ من امرأة في الخيال

تُصيِّرُني عُرْضةً للضَياعْ،

وهمسًا على شُرُفات الزوالْ

إلهي...

لإبليس عندي جنودٌ كثيرةْ

فجوعٌ يقابلهُ بذخُ الآخرينْ

يُعَّطُل عندي انتمائي لدينْ

يُمزّقُ فيَّ خيوط الهدوء

ويجعلني ثائراً، ناقماً، لا يلينْ

ولا يستحي أن يقيم القيامة فيه

على المُترفينْ

إلهي...

خلقت الجمال وأوصيْتني أن أكون

جماداً أمامهْ

وخوّفتني بالقيامةْ

وصارتْ رساميلُ هذي الحياة

لدى الساقطين

فَحذّرتني أن أمسَّ من المال يوماً

حرامهْ

ألم تر كيف فعلت بقلبي؟

ألم تكُ ربّي؟

وتعرف أنّي ضعيفٌ وقلبي جبانٌ

أمام الندامةْ

إلهي...

نعيم الملذّات سوطٌ، وأبليسُ

يعرفُ كيف يُدير معي لعُبة المضحكاتْ

وتلك الحياةُ

تعيثُ بها زمرةُ التافهينْ

وإبليسُ مثلي جبانٌ ولكنه صار في المُنظَرينْ

إلى يوم ينفخ في الصُور،

يغري، ويضحكُ منّي ومن جمعِكَ

المؤمنينْ

***

د. ريكان إبراهيم

 

حسين يوسف الزويدسلامٌ مِنْ رحيقِ الوردِ أحلى

                                  ودمعٌ يملأُ الآفاقَ سيــلا

 أيا ابن الأكرمينَ ونِعْمَ أصلٌ

                              بهِ يُغنى عَــنِ الْمُلكِ المعلَّى

وزادَتْكَ الخصالُ حــميدَ ذكرٍ

                             إذا يَفنى الزمــانُ فليسَ يَبْلى

 يُراودني بجنحِ الليلِ حـــزنٌ

                            يحارُ بِهِ الفؤادُ جوىً ويُصلى

أبا نفسي، فـــداكَ النفسُ إني

                            أُعيذُكَ مِنْ خصامٍ، لسْتُ أهلا

وإنْ بَدَرَتْ ملامحُ مِنْ خِلافٍ

                               فَمِنْ بـــابِ التدلّلِ، ليس إِلاّ

أبي .. اني ابْنُكُمْ لا فرقَ بيني

                              وبين دلالِ مَنْ أحبَبْتَ طِفلا

أبي .. اني امْرؤٌ تأبى خِصالي

                               قبـولَ الضيــمِ لا واللهِ كــلاّ

وإنّي مِنْ كرامِ الناسِ فرعــاً

                          ويكفيني اسمُكُمْ شرفاً وأصلا

ثَبوتٌ في المبادئِ ذو عنـــادٍ

                            وليــسَ مِنْ السهولـــةِ أنْ أُذلاّ

خَبِرْتُ خصالَكُمْ وسَرَتْ بروحي

                             وكانَتْ لي منــاراً قد تجـــلّى

وكــانَتْ نِيَّتــي واللهُ يـــدري

                          بلوغَ رضاكَ مهما السعرُ يَغْلى

وإنَّ الحــقَّ مهمـــا اسْتَأْخَروهُ

                            ولكـــنْ في النهايــةِ لَنْ يُذَلاّ

وإنْ تَكُ أوْقَعَتْ بيني وأهلي

                             نمائمُ أضْمَرَتْ أفكـــاً وبُطْلا

فَـــإِنَّ الليــلَ مَعْدِنُــهُ رهيـــنٌ

                              بِصُبْحٍ ليـــسَ يَلْبثُ أنْ يَطِلاّ

 

............................

* د. حسين يوسف الزويد

ذات يوم عتب علي والدي لتصرف معين وأنا ابنه الأكبر ولكونه - رحمه الله - مولعاً باللغة والأدب وتاريخ العرب فقد استرضيْتُهُ بهذه الكلمات .

 

عبد الرزاق الصغيرلم أعتد إستعمال فناجين الأركوبال في شرب القهوة

ولا أن أحمل ديوان الحماسة من أذن العنوان

دخلت هذا المقهى الأسبوع الفارط صدفة...

من عادتي أن لا أسمح لغير القصيدة مجالستي

سماعات الهاتف

وعبير الكمان ..

الطاولات أجمل كثيرا مما توقعت أيها الشاعر

السقف، الأركان، الجدر تلبس الربيع، البلاط ممرد ممزوج بأزرار النوار

جلست ثلاثة نورات على حواف طاولتي الأسطوانية المشرشفة

لا إستأذان هنا

كل شيء مباح

الأولى سمينة بعض الشيء يبللني بياض صدرها رذاذ، شعرها طويل منكوش يطفي على العشب في عينيها وتيرا من ضوء منسيا

جمالا يمسكك من حيث تدري أولا تدري ...

كرصاصة تستقر في جبينك وأنت تتجول في حديقة مجهولة

الثانية تلبس نظارات طبية تخالط بياض وجهها صفرة ليمونية

يرقد السماء كالملاك في عينيها ..

لا تأبه تردد كرهها للرجال

الثالثة رفيعة سلسة الشعر واللسان

لذيذة

ترفع السمينة البيضاء طرف قميصها الزهري المنقط من على حزام قوس قزح

جازمة وقوع حمام حدقاتي على حواف سرة بحيرة بكر

توشوشني أن إن إحجز الأريكة خلف الستار

أرفع فنجاني وأنا واقف إلى شفتي أتراجع وأضعه خارج صحنه

وأنا أعتذر

سأقضي حاجة وأعود

ردت الرفيعة وهي تضع على عينيها نظارات الثانية تتغنج أو لا تعود

نحن لسنا بحاجة إلى ...

إلى القصيدة المقبلة

تبعتني الأولى إلى عريشة ورد مقابل المقهى ...

 

****

حبة سكر

وأنا جالس على فروة خروف

تحت التينة العتيقة

أعيد في ذهني بيت شعر لطرفة...

أستطيع

أن أكذب عليكم مثلا أصور نفسي على كرسي هزاز

أو شاز لونج تحت نخلة وشنطونيا أو مظلة مزوقة كلوحة

على حافة حوض سباحة تحوطه أحواض نوار

أستطيع أيضا تصوير صاحبة ولا مانيكان في صالونات الأزياء

ولكن حورية

شعرها

بؤبؤها الأسود

مذاق

وصوت إنسكاب الشاي

في الفنجان

تغريدة الشحرور

رائحة النعناع

القرنفلة المعلقة في فتحة الفستان

بسمتها

ثلاثة وثلاثين حبة سكر

أحلي بها الشاي

****

رذاذ

تطرق القصائد بابي الحديدي

حتى تتورم أصابعهن

ويجلسن على العتبة

كل ما غادرت واحدة نزقة مخلفة بزاقها على الباب

تخلفها أخرى تقتعد حجرا مكورا على جنب الباب تحضن ركبتيها الحليبية

مطرقة

تخمن

أفتح نافذتي الخلفية قبل عودة السحاب

تقابلني شجرة خلف سور السكة الحديدية

بارزة الشقوق كعجوز لازالت شبقة

أصورها كل ما تخضر كي أبحث في ڨوڨل عن إسم لها

ودائما لا أفعل

كي أتمشى قليلا

أتسلق السياج وأقفز خلسة

إلى دروب خالية إلا من شجر البلاتان المعمرة

والريح تكنس أكياس الكاغد وقناني البلاستيك، تشاكس رؤوس الأشجار، وتدفعني بقوة

مسكت ذراعي بحنية قصيدة

سمراء مجعدة الشعر، عريضة الجبين والأنف

وعدنا إلى البيت، لم أجد أحدا بانتظاري

فتحت الباب ودخلنا ولم أجد سحابا مشتتا أو سقف غرفتي مغيم

فتحت قصيدتي أزرار قميصها الليموني

وغسلت نهديها الصغيرين بماء مثلج

وتمددت محلولة القميص تقطر حلمتاها أحلاما عسلية

لم أحرك ساكنا وهي تجذبني إليها

وراح الرذاذ يغسل المدن المجاورة

والبعيدة ...

***

عبد الرزاق الصغير

 

فتحي مهذبمضطر الى هجرة سرية..

لاعادة نهر ضائع الى غزالة..

مضطر الى مدح فاكهة النار

أمام هنود حمر..

الاصغاء الى فرقعة مفاصل الضوء

عبادة شجرة أنقذت متصوفة

من زئير المتناقضات..

مضطر لبيع جميع مومياءاتي

الى عالم آثار..

مضطر لاعادة عنغ توت أمون

الى دار الأوبرا..

قبل طلوع الفجر..

لينظف طواطم روحي بالموسيقى

***

فتحي مهذب

 

محسن الاكرمينكان إيثري يحب الجري في المساحات غير المحدودة، وفي الفضاءات غير المسيجة بحواجز الزمان والمكان، حين كان يلقي بأول رجل له أرضا تلوح ملامح أبيه من بعيد في تلك البحيرة التي تقل ماء في فصل صيف الحرارة و الجدب. تفكيره حين يسرع خطوات الركض على الأرض اندفاعيا يزيد عمقا، كان يشده إلى مشهد أبيه آدم الذي داوم الجري بنفس المدار والمسار، كان إيثري يشتم عرق أبيه يفوح عطرا بجوانب تلك البحيرة البئيسة التي تحولت من جنة خلد، وأضحت صَعِيدًا زَلَقًا.

 لم تمنع الموسيقى المعلقة بأذني إيثري  من تجاوز حد السرعة النهائية وانتقال مركز الثقل على القدمين بالتساوي العادل على وقع الأرض، لم تمنعه رغبته المتعطشة في ملامسة يد أبيه وسقطة خضوع ركعة بين يديه تيمنا به. لكن كل نقط المسافة المستديرة كان تزيد طولا من تقاسم خلايا النقط  بالتكاثر وأصبح مسار الجري ممتدا بلا نهاية.

كان إيثري في قرار نفسه يستحضر صغره وهو يلهو بجانب البحيرة الدفيئة بالمياه والحياة الوجودية بالتنوع، كان يتابع باهتمام قابلية الجري عند الأب آدم وهو يمارس رياضته الحياتية المفضلة لمسافات طويلة، وببضع مرات التكرار. كان يذكر تلك المراكب الخشبية التي صنعها وهو صغير العمر إيمانا منه بتطبيق ما قرأ من تاريخ طارق بن زياد الأمازيغي وخطبته البليغة لمعشر تنوع روافد جيوشه " أيها الناس! أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم، فليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب اللثام..." 

في حد خط الوصول ابتعد ملمح الأب آدم بنفس المسافة الأولى عندما ألقى إيثري برجليه للجري بين الهرولة والشد على صورة الأب الآتية من الماضي. أحس بضيق حرج يلفه حنقا، وزاده علوا شدة توافد أنفاس حارقة بصهد أثر زمن الماضي والحاضر ، والمستقبل الذي لا حيلة له فيه. استمر في الركض نحو الإيمان المطلق بحقيقة الوجود والموجودات،  دون أن يعلم إيثري متى التوقف من معاودة مجاراة أول نقطة حملت تموضع ملمح الأب آدم.

في ظل تكرار الطواف على البحيرة التي تقل ماء صيفا، ودون ترديده  لكلمات ألفها في حياته. أحس إيثري بقلق يسيطر عليه من الداخل ويخنق نفسه كمن يتصعًد سماء، قلق يثقل جريه نحو المستقبل و يبقيه لصيقا بالبحث عن مخلفات الماضي الساكت عند بداية خطوات أبيه الأولى بالجري بمحاذاة تلك البحيرة البهيجة ماضيا. هو يذكر حق المعرفة أن البطء أمسى يسكنه في أفعاله وقراراته العلوية، هو يعلم أن الحاضر في الجري المفرط  السرعة  لن يوصله إلى هدف حلم المعرفة الكلية بل ممكن أن يسكنه في العالم الأسفل والهاوية الممتدة.

إيثري يعلم حق اليقين في جريه الدائري أجوبة تفكير مستطيلة عن أسئلة وجودية إخبارية، من هو، ولما يجري باتجاه ملمح أبيه ؟، ولما لازال يسرع الخطى نحو صورة الأب في تلك البحيرة المتهالكة ؟، تساءل كذلك ، حين ستنتهي مسارات نقط الركض أين يتوقف، أو سيوقف بعلامة تشوير"قف" ؟. حينها آثر إيثري التوقف لزوما ليسترجع أنفاس التفكير الهادئ و الرزين، وينقذ  صدره من ضغط تصعُد السماء المرهق. في توقفه عن الجري تعلم آليات التفسير والتحليل، تعلم كيف يزاوج بين الأحداث والمظاهر، تيقن بعلم اليقين العقلي والنقلي بالقوة الخارقة المتحكمة في صناعة الكاف والنون.

حين استرد إيثري أنفاسه في تلك البحيرة القليلة الماء صيفا، وتوقف من الجري قدما، تعلم من الجري أنه ما هو إلى بحث عن السلطة وحب ناصية الامتلاك، وبسط يد السيطرة الممتدة ، تعلم إيثري أن الخرافة الهامشية أنتجت قصصا لشجرة الخلود على كرسي السلطة، تعلم حكم قيمة أن الشيطان بتعدد رمزيته يبقى من ثلة المعارضة الآسنة، تعلم أن إعادة كتابة التاريخ ما هو إلا تفكير في تغيير مجرى أحداث مستقبل عالم بأكمله.

 

ذ. محسن الأكرمين

 

حسن العاصيرياحين المساء

تناجي غفوة الخريف

تزهر السكينة في كف الشهقة

كأن تعاريج الصمت

تولد على مهل

من رماد العمر

          2

رحلت في يقظة الامتداد

جلست مع السبات

أبحث عن مقعد يشبهنا

العربة شاغرة

والأماكن مرايا خاسرة

أدوّن سفري مع درب الريح

كي أقطف الجدار

          3

نتمايل بين حلمين

والظلال القاتمة

كأننا اجتمعنا عيون متشققة

خذ سفري وأخاديد الرحلة

خذ زمني ولهاث الخريف

نرسم المسافات

كي لا تتسع الدروب

خذ حقيبتي

قد هيأت لك يدي للسفر

              4

وحدنا في سكون العناوين

نحمل طقوس المغفرة

وظمأ الفصول

أنت هناك

تنتصبين على باب حروفي

تطالعين الوجوه العابرة

وأنا هنا في نكهة الأمسيات

أخلع وجه الطريق

أقف على مسافة الجنون

بسلام

                5

لا شيء يحلّق في درب الحزن

أشتم فيك مطر يشبهني

حين يضيق الكلام

تتوه الجدران

هربنا من يتم الدروب

لاحتمال الألوان

تدلّت المساحات المكتومة

كَتبَ الرواة

هنا ماء الضياع         

           6

أوثقوا ضفائر الصبّار

جمعوا مفردات موتنا

وطن على ورق

ونشيد يتلاشى خذلاناً

نرحل إلى نعش الانتظار

يداهمنا وجه الفراغ

نريق وهجنا

شمساً للصلاة

فتكبر فصول المساء

هناك

         7

تزفر أورقة الشمس

في درب الريح

أطلنا لوعة المسافة

ما انزلقنا لصقيع الألوان

لم تمت زهرة البحر فينا

مازالت حكاية في أقلامنا

ومازال للخطى

قصائد حد الاشتهاء

ترانا في رتابة الحقل

نسلك نوبات الشعر

لنكتشف سر الحماقة

***

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

صادق السامرائيأنتَ مُعْجِزُ أنتَ

فهلْ كنتَ كما أنتَ

عندما تماهيْتَ

بأصيلِ فِكرة؟!!

17

حَلّقْ فوق مداراتِ رؤاكَ

واقْطفْ

أثمارَ جديدٍ دونَ سِواكَ!!

18

الجنينُ ينادي

في ظلماتِ البذرة

غاباتٌ أنا

ويؤمنُ بالقدرة!!

19

الليلُ رحمُ آفاتٍ أبدية

والفجرُ

مِحرابُ كينوناتٍ أزلية

فاصْنعْ فجرا للحرية!!

20

كأنّ الدنيا خرابٌ

والعيش يبابٌ

والبشر حَطبٌ وحَطّابٌ

فلماذا العبور؟!!

21

يتعانقون عند جرفٍ هارئٍ

ويغيبون

في محراب النسيان الأسود

الذي يمتص جميع البهتان!!

22

يحلمون بمداعبةِ الحياة

والزمهريرُ مقيمٌ

على أكتافِ العاجزين

كأنه جبل كالح تنكره الغيوم!!

23

الكرسي عباءة رؤانا

قبعة ما فينا

قناع وجودنا

الكرسي أمامُنا وإمامُنا!!

24

معادنُ السلوكِ

عناصرها ترابية

فهل أدركتَ نبضاتَ الكونية؟!!

25

أنتَ الذي يحررُ أنتَ

من أصفادِ العبودية

فانتفضْ

وحطمْ قيود الأمية!!

26

الشراع يُمسكُ لجام الرياح

يمتطي صهوة الأمواج

يغدو بوصلةً

 لخطوات مُراد!!

27

قلْ ما شئتَ

فلنْ تقولَ

ما تريدْ أن تقول

فالكلماتُ تخور!!

28

نكتبُ القصيدَ

ونكتبُ....

لكيْ نلِدَ القصيدة!!

29

أعاصيرُ أنا

ببحر هنا

وكلّ أنا فيها أنا

فمَنْ أنا؟!!

30

قالتِ السنبلة

سأطعمُ الجياعَ

فأخْرَسها عصفورٌ عَنيفٌ

أفناهُ طيرٌ جارحٌ

إرْتوتْ بدمائه سنبلة

فتشرّبتْ إرادة الجياع ببدن التراب

تَعِدُهم بعطاءٍ وفير

فعاشتْ السنبلة!!

***

د. صادق السامرائي

 

هند العميدأربعُ زوايا تَحْمِلُ بينَ طَيَّاتِها عَبَقَ التَّارِيخِ، وتُغلقُ على نَفسِها حكاياتٍ عمرُها سنواتٌ طوالٌ، أحدُ أضلاعِها يحملُ على جنبِهِ رُفُوفًا حَمَلتْ كُتُبًا عَتِيقَةً، والآخرُ لا يختلفُ كثيرًا عَنِ الأوَّلِ بما يَحْمِلُ إلا بتلكَ الكُئُوسِ التي نَدَرَ أنْ تُرَى باللونِ البرونزيِّ أو الفِضِّيِّ، لاحتلالِ اللونِ الذهبيِّ عَلَى أغْلبِها، غُرفةٌ ذَاتُ طابعٍ كلاسيكيٍّ وكأنَّها مُتأخِّرَةُ زمنيًّا عن بقيةِ غُرفِ البيتِ الذي كَانَ كلُّ رُكْنٍ فيه يَصْدَحُ بالحَدَاثَةِ والإتيكيتِ والمعاصرةِ، لم يكن الجَدُّ (مَاجدُ) ممن تَسْتهْوِيهُمْ مُغريَاتُ التكنولوجيا التي احتلتْ اهتمامَ كُلِّ مَنْ ببيتِهِ كبيرًا كَانَ أو صغيرًا، بلْ كَانَ ذلك الهَوَسُ بوسائلِ التقنيةِ واقعًا يحاولُ الجَدُّ الهروبَ منه بأغلبِ تفاصيلِه، حيثُ لم يبق من زمنِه الخالى إلا تلك الغرفةُ التى لم تكنْ في نظر الأبناءِ والأحفادِ سوى حجرةٍ تُغَرِّد خارجَ السربِ، بعد أن عجزتْ أنْ تفتحَ شَهِيَّة أحدِهم، بالرغم ما تحويه هذه البقعةُ من كتبٍ وجوائز وشهاداتِ تقديرٍ تُخَلِّدُ اسمَه، لكنَّ الحالَ كانَ مختلفًا أشدَّ الاختلافِ معَ الحَفيدِ الأصغرِ للعائلةِ (أميرٍ)، والذي كانَ يزورُ جَدَّه بين الفينةِ والفينةِ ويجالسُهُ لساعاتٍ وساعاتٍ دونَ أن يدركَه سأمٌ أو تُغَشِّيه منه نوباتُ مللٍ، وأَنَّى يدركه السأمُ وهوالذي يجدُ أجوبةً مُفصلةً لكلِّ أسئلتِهِ المطروحَةِ المُستفسرة من هذا الجَدِّ الذى لم يكنْ ليتضجرَ أبدًا من فضولِه، لكنَّ سؤالا واحدًا لم يحظ أميرٌ من الحاجِّ ماجدٍ بردٍ شافٍ عنه، وكان حينَ سألُهُ وهو يشير إلى أحدِ الكئوسِ حيثُ كانَ مُكَّفنٌ بِقماشٍ أبيضَ قد تغيَّرَ لونُه إلى اللونِ الرماديِّ بفعل الأتربةِ التي تكدستْ لزمنٍ ليس بالهينِ، وبمرورِ الأيامِ، أصبحَ ذلك الكأسُ الهاجسَ الأكبرَ لدى أميرٍ، وراحَ يُلِحُّ على جدِّه بأنْ يَقصَّ عليهِ قصتة ، لم يجدْ الجَدُّ محيصًا إلا أنْ يميطَ اللثامَ عن تلك القصة، وعندئذٍ تنهَّدَ المُصارعُ المُعتزلُ (ماجدٌ) وهو يرفعُ حاجبَهُ الأيمنَ، مصوبًا نَظرَهُ إلى أعلى الرفِّ العلويِّ حيثُ ذلك السرِّ، ثم قالَ : أتُريد أن تعرفَ سِرَّ ذلك الكأسِ يا أميرُ؟ أجابَه أميرُ : نعم، نعم يا جَدِّي أرجوكَ، قالَها وهو يقفزُ متحمسًا بحماسةِ الأطفالِ الفضوليين. . قال الجدُّ : حسنًا، قد نلتُهُ بعد أن تغلبتُ على منافسى بنقطةٍ فارقةٍ حينَ انهيتُ الجولةَ بضربةٍ قاضيةٍ، لكنني ما أن ادركتُ دوافعَ خوضِ منافسي لتلك المعركةِ الضاريةِ بكلِ ذلكَ العزمِ والاستماتة في النزالِ .. حتى ضاعت مني نشوةُ النصرِ وأحسستُ أننى قد انهزمتُ في داخلى. لم يكنْ أميرُ يستوعبُ حجمَ الكلامِ ولاعُمقَ الإحساسِ بالحُرقةِ والغُصَّةِ التي كانتْ تصاحبُ نبرةَ كلامِ جَدِّهِ، غيرَ أنه قد أخذ يهز رأسَه ببراءةٍ صاغيًا باستمرارٍ. - ثم عادَ الجَدُّ يصوِّبُ نظره إلى أميرٍ قائلاً : يا أميرُ جَدُّكَ قد هَزمَ أبًا كان يُريد أَن يُهديَ ابنَه المُصابَ بالسرطانِ كأسَ الفوز، والأدهى أنه لم يطلبْ مني أن أتنحى عن البطولةِ لهُ، بلْ كان صادقاً إلى درجة جعلتْ من انتصاري هزيمةً.

***

هنـــد العميــــد/العـــراق.

 

نور الدين صمود

شهرُ الصيام يَــزيدُ القلبَ إيمانـَا*ويغمر الروحً إشفاقــًا وإحسانـَا

ويزرع الخير في كل القلوب، ومَنْ*يحصدْهُ يزددْ من الرحمن قربانا

والصــومُ في كل ديـــن كان تـَنـْـقِـية ً*لـكل قــلب حبــاه الله إيـــمانـَا

وكـُنـْـهـُـهُ تــَرْكُ ما تهْوى النفوسُ، ومَنْ*يَصُمْـه فرضًا يزدْه اللهُ إحسانـَا

والصومُ تركٌ كما (العذراءُ) قد نذرتْ* لله صومًا وزادت فيه كتمانـَا1)

يا رَبِّ وَجِّــهْ قلوب الناس قاطبة ً*إلى المَــحَـبَّـةِ، كي تزداد تـحْـنـانا

واسْـلـُكْ ذوي الخير في درب الهُدَى، فلقدْ*ساروا عليه، زرافاتٍ ووحْدانا

يجوع فيه غنيُّ القوم محتسبا**لكيْ يُحِسَّ بمــنْ قد بات غـَـرثانا2)

ويصْرف الشهْـرَ يتلو الآيَ مُتـَّبـِعًا*لِلـُبِّ ما أنـــزل الرحمــن تِـبْـيانـَا3)

فيه التـَّطـَهُّرُ من كـُلِّ الذنوب، ومَنْ*يَـفـُـزْ بذا، نال يوم الحشر غـُـفـْرانا

وكلُّ مَنْ رَضِيَ الرحمنُ سِيرتَهُ*يلقى على الحوض في الفردوس رضوانا

يسقيه من مائه كأسا مشعشــعـــة ً*بهــا يظــــل، بدار الخلد، رَيـّانا

يا مُنـْشِئَ الـخـَوْخِ والتفاح من زهَـرٍ ٍ*وكــاسِيًا ببديع الــزهْــر ِأغصـانا

ومبدعًــا لعناقيدِ الكرومِ بـَدَتْ*مــثـل الثـــريات أشـــكــالا وألــوانــــا

في  شكل (قارتنا السمراء) ناضجة ً*تـَظـَلُّ تلـمَـع بـِيــضانا وســودانا4)

فبعضُه عِـقـْدُ فـَيْروز ٍ لـزُرْقــَـته*والبعض شابه في الألوان مَــرْجانا

الرازقيُّ به الرزاق يرزقـــنا*والأصفــرُ الذهبـِيُّ اللــون قـــد بــانــا

كأنه عِقـْدُ تِـــبْــر ٍلاح منتظِمًا*مثل الهـِلال لذات النحــرِ قــد زانـــا

أوْ ذوْبُ وردٍ له في الأفـق شعشعة ٌ*أظلُّ منه، مدى الأيامِ، نشوانـَا

كـُلُّ الثـمار تنــادينا وتغمِــزنا*لكنْ نـَغـُضُّ، عن الــلذات، أعـــيانَـا5)

ونرتجي لِـذوي الإحسان مغفرة*جزاءَ صــوم ٍ عن اللـــذات ألوانا

فارْزُقْ إلهي الذي قد صام محتسبًا*في جنة الخلد، تفاحا ورمّانا

وامْـنَحْهُ ما لم تكن عينُ الورى بَصُرَتْ*أمثالـَه طول عيش ٍ كان ما كانا

شـَـهْــرٌ  بـِهِ ليلةُ القـَدْر التي فـَضُلـُت*في ظلها أنزل الرحمنُ فـُرقانـا6)

بين الظلام وبين النور يكشفه*ويجعل العقل في الضدَّيْــنِ سلطانـَا

يا ليلة القـَدْر ِ في شهر الصيام لقــد*جـــاوزتِ ألفـًا بها نزداد إيمانا

ومَنْ يقمْ ناسكا فيها ســيمـنحهُ*رَبُّ السماء وربُّ الأرض غفــرانـَا

(صوموا تصِحُّوا) كما قال النبي لمن*أتوه يبغون في الإيمان إيقانـَا

(وسافروا تغـْـنموا) فالأرض واسعة ٌ*والله يكلِــؤكمْ سَيْرًا ورُكبانـَا7)

فالصوم ليس بجوع، بل عبادةُ مَنْ*قد أشبع القلبَ والوجدانَ إيمانـَا

 

أ‌. د: نورالدين صمود

...............................

هوامش وتعليقات:

1) العذراء: مريم أم يسوع .

2) غرثان: جوعان.

4) شكل القارة الإفريقية يشبه شكل عنقود العنب، ومنه الأصفر كثريات الذهب، والرازقي الأسود.

5) العيْن: جمعها أعيُن وعُيون وعِيون وأعيان. وغـَضُّ العيون عن الثمار وعدم تناولها للصوم عبادة.

6) أشار تعالى إلى بداية نزول القرآن في أول سورة القدْر: (إنا أنزلناه في ليلة  القدْر ليلة القدر خير من ألـْفِ شهر  ...)

7) (سافروا تغنموا وصوموا تصحوا) حيث نبوي

 

 

شوقي مسلمانيتسلك طريقاً وعرة

تهتف ضدّ تحالف اللصوص 

لا يليق أن يُهان الإنسان، الحياةُ قطعٌ ووصل

هل تعلم أنّ الأشكال الهندسيّة هي بالأصل أرقام؟

هل تعلم أنّ أم كلثوم كانت في حياتها السابقة ملاكاً حارساً؟.

**

الآخر، رأيُ الآخر

ولا أقصد الذي باع بثلاثين فضّة.

**

الحقيقة هي الكون كلّه  

وأن نفهم الحقيقة بإطلاق

يجب أن نفهم الكون بإطلاق

وإلى أن نفهم الكون بإطلاق

يجب الإقرار أنّ كلّ حقيقة هي نسبيّة.

**

الحريّة لوحة

الديمقراطيّة إطار.

**

من إنجازاتِ العِلم

أنَّ الإنسان لم يعد يؤمن

أنّ الأعاصير، الفيضانات

الزلازل، البراكين

وغيرها من العوامل الطبيعيّة

هي من عمل ذات متعالية، غاضبة.

**

المسألة مسألة تكنولوجيا

أم يجب أن تقول القصّةَ على نحوٍ أفضل؟.

**

تحدّثوا عن الصدقِ ونبالةِ الصدق

كلُّ الكتابات التي عثرنا عليها

من تلك المرحلة أو الحقبة

هي على هذا المنوال

عن الصدق وفي عظمةِ الصدق

وفي مرحلة لاحقة ترد ذات العبارات

مع إضافة وهي إعطاء أمثال بقوالب قصصيّة

رامزة عن فوائد الصدق

كلّ كتابات الحقبة التالية فيها هذه الإضافة

وفي مرحلةٍ ثالثة نرى تجميعاً للمرحلتين السابقتين

وشروحات فيها فكر

وعلى أساس من هذه الفروقات

يتمّ تعيين المراحل أو الأحقاب.

**

الثرثرة

عندما أحد

بعدُ لا يسمع أحداً.

***

شوقي مسلماني

 

صحيفة المثقفحكاية اسطورية من شبه جزيرة القرم

نقلها من اللغة الروسية: أ. د. حسن البياتي

***

اوكسانا، أوكسانُچكا، هيه – هيه، بُنية حُليوة... وهل كثير قولُك: جميلة؟!.. إن الجمال هذا لايتطلب كلمات كثيرة. الجمال لا تتحدث عنه باللسان، بل أنظر اليه بعينيك. والعيون ستوحي أبداً. لكنْ ماذا عليها أن توحي به هنا؟ إن الأمر واضح بغير ذلك...

هيه – هيه، أوكسانا، أوكسانُچكا، ممشوقة، قوية. لا أحد في وسعه القول أنه شاهد، وإنْ مرةً، الدموع في مقلتي أوكسانا. الدموع من سمات الواهنات.

إن القوزاق ذوي الشوارب السود لم يكونوا يبدأون الحديث معها فجأة. لا لأنهم كانوا يخافون بعض الخوف، بل لأنهم كانوا حذرين.  ماذا حلَ بذلك الرنين المعدني في صوت القوزاق؟ لقد رقَ حدّ الاستعطاف.

كانت أوكسانا تعيش وحدها، مثل سحابة صغيرة بيضاء. الشبابيك الصغيرة في مسكنها مطهرة بالماء، السطح المطعم بالقش مشذّب، ومثل فارس عند جواده كانت جرارها المعدنية تتألق تحت اشعة الشمس. كان كل شيء واضحاً: لم تكن يدا أوكسانا تلامسان الأوساخ، إن الأوساخ نفسها كانت تنصرف من تحت أناملها البتولية الحاذقة. سواء على السطح أو عند السياج ذي الاغصان المجدولة، كانت أوكسانا تدير الأمور كما ينبغي.

في اليوم القائظ، يلف الهدوء القريةَ. كل يبحث عن البرودة، يهرب من القيظ. أما أوكسانا، فلا. تحمل فوق كتفيها النبّوت مع الأقمشة الكتانية الى النهر، لكي تقصرها. الأقمشة الكتانية رقيقة، طويلة وبيضاء اللون، لماذا اذن يصار الى تقصيرها؟ تريد أن تصيّرها بيضاء كبياض الثلج. لكن العذراء واضحة مهما حاولتَ أن تخفيها.  يبدو، انه يؤرقكِ، يا أوكسانا، التفكيرُ في كيف تبدأين بخياطة وتطريز القمصان، لك ولفتاك الحبيب.

هيه – هيه، أوكسانا، أوكسانُچكا، لو كنت تدرين، لو كنت ترين، لما ذهبتِ، في ذلك الوقت، الى النهر لتقصري القماش الكتاني. لَما ذهبتِ، لو كنت تدرين أن البلية تزحف من السهب البعيد.

كما لو ان رعداً قد بدأ يقصف. تلفتت أوكسانا فرأت أن السماء صافية. من أين اذن يأتي الرعد؟! لكن البلية كانت تتحرك زاحفة أقربَ فأقرب. من السهوب البعيدة انقض قطيع من قبائل القرم الرحل على القرية الآمنة الراقدة في اغماءة هادئة. ارتفع الأنين والعويل، وبعدئذ ظهرت آثار حرائق.

لا تفكري في الجري الى الوراء، نحو القرية، يا أوكسانا!.. لن تقع أقمشتك الكتانية في الأيدي المتوخاة، لن ترتدي، ولن يرتدي حبيبك القمصان البيض. وهل الأقمشة وحدها، ياترى؟ أنت نفسكِ ستطالك الأيدي القذرة، عنوة. وهذا ما حدث. منحنية قليلاً، مطلة بحذر من وراء الشجيرات، انقضت على الفتاة فجأة زمرة بكاملها. آه، كيف أخذت تدافع عن نفسها أوكسانا، كيف راحت تعض الأصابع القذرة!.. لم تصرخ باكية، كلا! سوى أنها شرعت تزحر من بغضٍ عاجز. وبعد ذلك مضت، مربوطة اليدين بشريط جلدي غير مدبوغ، مشدودة الى رقبتها، مضت الى حيث سحبت. كانت صامتة. آه، ما كان يحق لأمثالهم أن ينظروا الى وجهك، في عينيك، يا أوكسانا !

ابتهجت زمرة النهابين، لقد وقعوا على غنيمة ثمينة، سيدفع لهم التجار لقاءها كثيراً من النقود. رفعت أوكسانا بصرها فإذا بها ترى أفراد الأسرة المجاورة لمسكنها في وضع مأساوي: الأبناء مضرجون بالدماء وقد ضُربوا ضرباً مبرحاً. لقد التفت الأنشوطة حولها بمهارة من الخلف، ليس من السهل عليها الآن أن تفلت. العجوز اوستاپ القوي كشجرة البلوط. اقتربوا منه، خبطوا على صدره الضخم، وراحوا يتمطقون وهم يرون كيف أخذت خُراجات العجوز اوستاپ تطفر متحركة، إثْرَ هذا الخبط، نحو الخدين. مربوط بالوثاق، لكنه غير مذعن. والخالة؟ ماذا ستقول، وقد رعرعت أمثال هؤلاء الأولاد؟ ضمت اليها آخر العنقود، طفلة، تسير الهوينى في آخر الركب، حافية القدمين، دون أن تمسح دموعاً...

في المقدمة، مسالك الطرق رهيبة، قرى قد تحولت الى رماد، مسارب ملطخة بالدماء. تلتفتُ خلفك، تبصر أكواخاً تحترق. تحترق السعادة البشرية، يحترق شرف الفتيات العذراوات – كل شيء يحترق. الطاحونات وحدها، ليس إلا، ترف بأجنحتها، كما لو انها تتوادع. عجلات العربات تبعث صريرها، تنقل السبي، تنقل القمح، والمحاصيل الاخرى. يالها من ثروة !

راح اوستاپ يخطو، أخذ يرنو أمامه دون أن يطرف له جفن، كأنما كان يريد أن يرى هناك، في البعيد، مصيرّه، أن يقول له كلمته.

ها هي ذي كافا، المدينة اللعينة. الباحة الواسعة، المحاطة بجدار شاهق، البوابة الكبيرة، الموثقة بالحديد. آه، كم من الناس قد مروا عبر هذه البوابة، كم من الناس تلفتوا حولهم بهمّ وحسرة عندما كانت توصد، باعثة صريرها! ها ستمضي الآن المساومة. ويكفي أن تباع أسرة واحدة ليس إلا. فليس الهمّ هماً، هاهنا. هنا سيتمكن اوستاپ من أن ينقل قوته كلها، أن يدخلها أجزاءً في كل قلب من قلوب البنين والبنات. نظر الى المرأة العجوز نظرة وعيد، لكي لا تخور عزيمتها، سيؤازر الجميع، سيغطيهم، كشجرة البلوط بأوراقها، سيلّم الجميع تحت ظله، سيأخذ كل شيء على عاتقه. ملاحة أوكسانا – اليتيمة الغريبة – واحلامها وتأملاتها البتولية – سيحمي كل شيء، فقط أن تكون مجتمعة.

هاهو ذا المالك، والى جانبه الطواشي ذو الوجه الممتقع قد وصلا معاً الى سوق النخاسة. انتزعوا من الأسرة أكثر الصبايا رهافة، أكثرهن روعة، وبلا حياء، مزقوا قميص الصبية، متفحصين بهاءها البتولي، دونما أي خجل، تباً لمعدومي الضمير!.. اندفع الأشقاء المحكمو الوثاق ليدافعوا عن شقيقتهم. إيه، ولكن كيف؟ سقطوا، مضرجين بدمائهم، عند قدمي شقيقتهم. القوة وفيرة لدى العجوز اوستاپ، تحطم الأصفاد. فليكن الموت! .. انه خير من الاهانة ومن هتك الجسد.

مغطيةً بالتنورة صغرى بناتها، لم يكن أمام الأم العجوز سوى البكاء. كانت عبراتها ناعمة. لكنَّ ينبوع الشجن الأمومي لم يكن يكفي الجميع.

المزايدة في سوق تجارة الرقيق جارية. وها هي ذي فتاة ثانية عارية حتى صدرها. أما اوكسانا فلم تظهر على وجهها وإنْ تصعيرة خدٍ. بقيت واقفة، كجلمود صخر، رائعة في غضبها الحزين. كانت على مستوى من الروعة جعلت حتى اولئك المتاجرين بالأجساد البشرية تلتصق ألسنتهم بحلوقهم. لا ينبغي الثناء على هذه البضاعة، لا ضرورة الى ذلك، فهي نفسها تعلن عن نفسها. مثل هذا الجمال لم يكن له وجود من قبل. مثل هذه القوة، هذه القيافة لم يسبق لأحدٍ أنْ وقع بصره عليها.

بحذر شديد راح الطواشية يتنقلون هنا وهناك. جريئة – أخذوا يعبرون عن احساسهم – لن تستطيع أن تخلع، عن مثل هذه، قميصاً. وظلت واقفة، ساحرة الجمال بغضبها الذي جعل الناس كما لو ان في نفوسهم رغبة تحدوهم الى أن ينقشوا مظهرها في أذهانهم الى الأبد. وبدأوا يغمضون عيونهم.

ودون أن تنكس رأسها، دون أن تنظر الى أحد ما، بل مصوبة بصرها الى مكان ما، بعيد – بعيد، هكذا كانت واقفة أوكسانا. الى أي شيء كانت تنظر. لم يكن الأمر مرئياً لأحدٍ. وكان ثمة شيء ترنو اليه أوكسانا، بعيد عبر البرية كلها. لقد شاهدت ذاك الذي كانت تتوخى أن تراه.

لم يتفق وجود (پاڤلو) في القرية أثناء تلك اللحظة المشؤومة. أين أنتَ يا قرنفلة حبي، أين أنت يا حبيبي القوزاقي؟! حتى وإن لم يستطع الناس أن يقولوا أين انا، من قُتل، من وقع في السبي. لكنْ هل القلب القوزاقي صامت، ياترى؟ ألا يقول لك شيئاً، ياترى؟ (پاڤلو) سيسمع، (پاڤلو) سيعرف... إنه سيأتي، في كل الأحوال. فقط أن لا يمسني أحد، فقط أن لا يلوثوا الشرف البتولي. إن (پاڤلو) سيتلقى أبراحنا. أٌّيٌّ هو؟ تعرف أوكسانا. تعرف روح حبيبها القوزاقي. غضبه عظيم، مقلتاه ناريتان، عريض المنكبين، قوي الساعدين !.. تعرف أوكسانا: ان هذا الغضب سيقوده عبر السبل المحروقة. ما عليها إلا أن تنتظر قدومه.

لم تكن أوكسانا تلاحظ كيف كانت المتاجرة تحتدم أكثر فأكثر، كيف كانت مقلتا المالك تلتهبان نهماً فوق نهم، كيف كان يفرك يديه ويطويهما معاً، تقريباً. كان يتنقل حواليها ويشير من بعيد فقط باصبعه، دون أن يلمس الفتاة. لم يجرؤ...

ها قد بيعت أوكسانا. غاب عنها أثر العجوز اوستاپ ومعارفها جميعاً. حشروا الرقيق داخل عربات نقل مسقوفة. أخذوا يدفعونها هي الاخرى الى هناك أيضاً. حاولت أن تقاوم، فضربوها. لو رأيتم كيف أخذت تحرك كتفها أوكسانا حين ضربت أول مرة في حياتها. لن تضرب ثانية!.. هذا ما قالته أوكسانا بكل كيانها. فتوقفوا عن ضربها.

أوصلوهم الى مدينة غريبة، غامضة. موحلة، مغبرة – كما لو انهم قد كسحوا النفايات من جميع الجبال الى هذه الحفرة. سوى أنه كان يلوح للأنظار في مكان واحد مبنى حسن المنظر لم تكن أوكسانا قد شاهدت مثله من قبل. لكنها لم تكن تبدي أي اهتمام بأيما شيء، لم تظهر أي فضول. بقيت هكذا جميلة جامدة، كجمال صخرة جامدة، لم ترفع نظرها. أوصلها الخدم الى مسكن مكتظ بالنساء. لم  تكن أوكسانا تفهم لماذا جمعوا في مكان واحد مثل هذا العدد الكبير من النساء، دون الرجال.

فجأة راحت ترنو اليها من وراء باب كبير عينان  بتوليتان: زرقاوان، صافيتان وبالغتا الحزن الى حد جعل فؤاد أوكسانا كما لو ان أحداً ما قد دفعه بيده. آه، أيتها المحرومة، آه يا ابنة أرضنا الاوكراينية!.. وظلت العينان الزرقاوان تتعقبانها بإلحاح. وهكذا راح الحديث يجري بينهما طويلاً بالمقل وحدها. واحدة تسأل، وأخرى ترد. كان الحديث طويلاً وثقيلاً. لم تقل العيون أي شيء حسن. وبأية حال، لم تستطع العينان السوداوان أن تحركا أي أمل. تكلمتا، تكلمتا ثم انكمشتا.

لقد تصادقت الفتاتان. روت ذات العينين الزرقاوين كثيراً من الأمور العصيبة حول الحريم، حول الرق.

- لماذا أنتِ بيضاء هكذا؟ - راحت أوكسانا تسأل صاحبتها – لماذا لا تلاطف الشمس وجهها أبداً؟ لماذا هي تتوارى عنها؟

- أنظري أين أجلس، أخيط، - أجابت ذات العينين الزرقاوين – هو ذا المنول، هي ذي الأرضية الترابية، هي ذي النافذة الصغيرة خلف الشبكة، هو ذا الطواشي، هو ذا منول آخر. من المرجح أنهم سيجلسونك، أنت الأخرى، خلفه، ستكونين مثلي أيضاً، تطرزين صور السناجيب، تتذكرين أوكرايينا الحبيبة. وها أنت ذا، مثلما أنا، سوف تحلمين: ستمخر قادمة السفينة – النورسة، فتبحرين معها بعيداً، عبر الدنيپر، الى موطنك، ربما الوالدة مازالت على قيد الحياة، ربما سيقول الوالد شيئاً.

لم تقل أوكسانا أي شيء. لكن كان يبدو أنها لن تخيط، لن تجلس في هذه الحفرة، خير لها أن تقطع حلقومها، خير لها أن تهشم رأسها على هذه الجدران، إنها لا تعرف بعد ماذا ستفعل... إنها ستخنق كل من يحاول لمسها.

لم يلمس الطواشية أوكسانا ولم يذهبوا بها الى الخان. كانوا ينتظرون أن تضعف عزيمتها، أما الجسد فلم يحاولوا الإساءة اليه. (سوف نطعمها طعاماً لذيذاً، نلبسها ملابس جميلة، باطلٌ تحطيمها، لم يكن من ديدن مأوى الحريم تدمير مثل هذه.) – هكذا كانوا يفكرون.

غير أن أوكسانا، المرتدية ملابس فاخرة، كانت تجلس صامتة. كان الطواشية يتنقلون على مقربة منها وهم في حالة هلع. كان يسألها العونَ كل الضعفاء، كل المنهوكين، كل المحطمين. كما القلعة كانت أوكسانا داخل بيت الحريم. الى مثلها لن تصل يدٌ، على مثلها لن تطلق صرخة.

مرت الأيام – كئيبة، مملة، الواحد يشبه الآخر. بم ستنشغل أوكسانُچكا، التي ألفت الرحاب السهوبية الواسعة، الشمس الساطعة؟ كم من الهدايا كانت الطبيعة والحياة قد وهبتاها لها!.. الآن فقط قد قدرتها حق قدرها: القرية الحبيبة القريبة الى قلبها، وأشجار الصفصاف الهادئات، المياه النقية والنجوم الساطعة، الضحك البتولي والأغاني الايقاعية الرخيمة...

وماذا عن (پاڤلو)؟!.. خير لها أن لا تفكر فيه. هذا يجب أن يخبأ عميقاً جداً، هذا يمكن أن يقصم. أوكرايينا، هيه، هيه، أيتها الأرض الحبيبة!

لكنّ أوكسانا لم يكن أحد قد رآها باكية، قط. ثمة قوة داخلية هائلة كانت تسند الفتاة، فظلت هكذا، حازمة مثلما كانت. ومثل أم عظيمة كانت تجول بين السبيات الصغيرات، كانت لهن السلوى والسند.

كل شيء يمكن أن يحدث على وجه الأرض. فجأة يحب المرء، فجأة يكره، فجأة يولد، فجأة يموت. كل شيء ممكن.

جلب الطواشية، ذات مرة، الى بيت الحريم امرأة مسنة، ساخطة، طويلة القامة، تحمل بضاعة أجنبية مجلوبة من وراء البحار. كان ثمة غزل رفيع معمول بمهارة فائقة، قطع من الخز ناعمة جداً. وثمة مخرمات لم ترَ العيون مثلها من قبل، وثمة أيضاً ديباج قميصولي(2) ناعم مثل نفحة هواء، وثمة حجاب أسود اللون، أصفر وأزرق. آه، أية مهجة نسوية تستطيع أن تحتمل!.. البضاعة راحت تلامسها العيون والأنامل معاً. باحتراس، أخذت النسوة تنحي، كل واحدة وما يروقها. أما أوكسانا، فلم تضع جانباً أي شيء من البضاعة. سوى أنها قد دُهشت فجأة، شيء ما قد إختلج في داخلها. ضخمةً كانت العجوز، شاملٌ حجابها، وجهها لا يرى، لكنّ عينيها ليستا بعينَي إمرأة عجوز، سريعتان. نظرت أوكسانا الى هاتين العينين بإمعان، وإذا بها تحس فجأة بأن شيئاً ما بدأ يتحرك بصعوبة في صدرها. پاڤلو! ها هنا الآن. أما الموت لكليهما أو الحرية.

بسطت التاجرة كل ما لديها من بضاعة، قدمتها جميعاً. عندما فرغت السلة الكبيرة حتى قعرها، أعطت الإشارة الى أوكسانا بعينيها ليس إلا: سيري، أيتها الفتاة، ورائي، سأعطيك أعزَّ ما لديّ. قرر الطواشية: فلتذهب هذه الحجرية، ربما ستغري العجوز قلبها البتولي بشيء ما، ربما سنبتاعها، في نهاية المطاف.

سارت أوكسانا تابعةً الحورة الشاهقة. سمع الطواشية، أولَّ مرة، كيف أنها بدأت تضحك، تنفسوا الصعداء: (إيه، سيهون الآن علينا الأمر، - فكروا،- لن تغضب بعد الآن)...

بالآه والأنين وضعت العجوز السلة على كتفها، متحجبة بمنديل عتيق، انسلت، رويداً رويداً، الى الشارع. لم يعترضها أحد ولم يرفع حجابها أي شخص – إنه لإثمٌ عظيم!

من يدري كم من الجهود بذلها پاڤلو، وكم هي المساعي التي بذلها اصدقاؤه في سبيل الحصول على البضايع المختلفة، قبل أن يتمكنوا من التغلغل في عاصمة الخان والوصول الى قصره. كان قلب پاڤلو يقوده عبر طرق مجهولة، لقد أوصله الحب الى وكر الزنابير ذاته. هنا كان يمكن أن يلقى عليه القبض ويُجلس على الخازوق. ولكنّ هذا لم يحدث.

متجمعةً، جلست أوكسانا في السلة، وقد كتمت أنفاسها. آه، كم بدت أوكسانا ساخطة على نفسها، على جسمها الضخم، على طاقتها القوزاقية. تمنت أنْ لو كانت جد نحيفة، فلربما ما التوى، عندئذ، كتف الفتى القوزاقي مثل هذا الالتواء.

أخيراً، وصل بالسلة الى زقاق بعيد، وضعها مسندة الى الحائط. شيء واحد فقط همس به لأوكسانا: تسيط، تسيط. وماذا كان يمكن أن يقال لها، إنها لم تكن قادرة حتى على أن تتنفس.

بالصريخ والضجيج مرقت، عبر الزقاق الخالي، مجموعة من الفرسان. ثلاثة فرسان انفصلوا. تتر... غير أن اللغة ليست تترية، اللغة حبيبة، أنيسة، سلسة.

هيه – هيه، أوكسانا، أوكسانُچكا. ها هي ذي على صهوة جواد، السلة مرمية، ماذا حل بقطعة القماش؟ معتدلاً في قامته الجبارة، وثب پاڤلو الى صهوة جواده، فانطلق به الجواد. اوكسانا في الوسط، الفرسان يحيطون بها مثل حلقة متراصة، يجرون بسرعة، بسرعة. كان يبدو ان كل واحد منهم قد نقل  قوته الى جواده. هيا، أَسرع، أَسرع، أَبعد، أَبعد!.. هيا، الى هناك، خلف الجبل الشاهق، خلف الغابة الخضراء. أسرع، ثم أسرع ! .. راحت أوكسانا وهي ملتصقة برقبة الحصان تدعوه بأعظم الكلمات حلاوة وحناناً: حبيبي، عزيزي، أيها الحبيب الغالي، هيا بسرعة أبعد !..

خرجت حاملةً الجميع قوةٌ مقحامة، جرأة بطولية. حملت الجميع جياد قوزاقية وفية. ها هي ذي السهوب الحبيبة اللامتناهية، ها هي ذي المياه النقية والصباحات البهية...

بعيداً الى الوراء بقيت الأسوار العالية لقصر الخان، الحراس القساة لعنابر الخان، غضب الخان الذي لا يرحم وجبروته الهائل. كل هذا، بل حتى الموت نفسه، قد غلبه الحب القوي، الحب النقي والصداقة القوزاقية.

  

...................

 

1- أوكسانا: تعكس هذه الأسطورة الكفاح التاريخي للشعب الاوكراييني ضد تتار القرم، الذين كانوا يشنون الغارات الجائحة على الاراضي الاوكرايينية – الطبعة الروسية ص242-

وهي واحدة من مجموع اربع وثلاثين اسطورة مترجمة عن اللغة الروسية، آمل أن تجد سبيلها الى النشر

- المترجم -

2- القميصول (Camisol) : سترة نسوية قصيرة. أو لباس نسوي تحتاني قصير من غير كمين. المصدر قاموس المورد الانكليزي - العربي. – المترجم -

 

جميل حسين الساعديالقصيدة من ديواني الشعري (اللواهب) الصادر في بغداد، والذي يشتمل على قصائد تعود إلى فترة بداياتي الشعرية

 ***

 يؤرّقنـــــي إلـــى دُنيــــاك ِ عشقُ

                                   فهـــلْ للمتعبِ ألمأســــــــورُ عتـقُ

     سئمــتُ مــن الظـلام ِ يلفُّ نفسـي

                                   ولمْ يبرقْ من الآمــــــــال ِ بَــــرقُ

     تحمّلنـــي المدينةُ ألفَ قيــــــــــــدٍ

                                   وطبعـــــي ما عرفتُ العيش َ طلْقُ

     تكلفنــــي مطالبـها كثيـــــــــــــرا ً

                                   فكمْ فيــــها لنفسِ الحرّ خنْــــــــــقُ

      تريدُ مـــن الفتى الحّر انقيـــــــادا ً

                                   لأشيــــاء ٍ يصـــحُّ لهُــنّ خــــــرْقُ

     وتخلــقُ فـي دخيلتـــــه ِ صــراعاٌ

                                   يبيــنُ لـــهُ بصرْح ِ النفسِ فتْـــــــقُ

     فكمْ أودتْ بذي حـسٍّ رهيـــــــــف ٍ

                                   ولــمْ يبدرْ لهـــــــا فــي ذاك َ رِفْـقُ

     لقـــدْ ضجّــتْ شــــوارعها بخلــقٍ

                                   لهُمْ في الخزْيِ والإفســـــــادِ سبـْقُ

     يحسُّ بقــدرةٍ إنْ شلَّ خيــــــــــرا ً

                                   وفخــــرٍ أنْ يُــرى يومــــا ً يعــــقُّ

     يفيـضُ رطـــانة ً فــي كلّ أمـــــر ٍ

                                   ولمّــــا يدْرِ مــا غــرْبٌ وشـــــرْقُ

       قلوبهـــمُ مَـــنَ الإخلاصِ صفْـرٌ

                                   ســـــوى مـــا جاءَ بالإقـــرارِ نُطْقُ

     تبيــــــنُ لهُمْ وجـــــــوهٌ شاحبـاتٌ

                                   تخلّلهــــا مـــن التزييــــــف ِ عرْقُ

     ولـــو قارنتهـــم يومـــا ً ببهْــــــم ٍ

                                   وجــــدْت َ الحــال َ أنْ لمْ يبْـدُ فَرْقُ

     فظيـع ٌ إنْ فقــــدتَ مقـــالَ صدْقٍ

                                   وأفْظـــعُ منــهُ أنْ لمْ يبــق َ صِــدْقُ

                                         ***

     معــــاذا ً قريتـــي أنســـاك ِيوما ً

                                   وهـــلْ يُنسى علـى الأيّــامِ عِلْقُ(1)

     إذا يومــا ً ذُكـــرت ِ علــى لسانٍ

                                   أهــــــابَ بمسمعي للقلــب ِ خفْـــقُ

     وإنْ يوما ً تحدّث َ عنــك ِ قـــومٌ

                                   تطـــاولَ بــــي إلــى الأفواهِ عُنْــقُ

     لأسمـــــع َ ما يســرّ لـــهُ فؤادي

                                   ويُذْهـبُ لوعتـــــي فيــــزولُ حَرْقُ

     عشقتُـك ِ عشْق َ مَنْ يعلـوهُ وجْدٌ

                                   إذا غنّـتْ علــى الأفنــانِ وُرْقُ (2)

     ومن يعيا لُـــــهُ في بثّ شـــــوقٍ

                                  لســــــــانٌ حـــاذقُ  فيبــــوحُ عُمْـقُ

 

جميل حسين الساعدي

......................

(1)  العِلْق: النفيس من كلّ شئ لتعلّق القلب به

(2) الأفنان: الأغصان

وُرْق :  جمع ورقاء وهي الحمامة

   

 

مصطفى غلمان1 - الأشياء ..

كلها أوتار محلقة بين الكمان ويد الموسيقي  ..

تتزاحم قطع كونشرتو البيانو

وتغدو فنارا لفوضى اللحن وإيقاع المعنى ..

2- الأشياء مدى لأرض واثقة بخطو الفراشات  ..

تهز أنغام الطبيعة  .. ألهوينا

وتكابد انتظارات مهادنة

كالنفس التي تقايض مهجة الاختيال  ..

3 - الأشياء لا تعود كما الماضي السحيق  ..

كلما أوردت غمامها الموسيقي ماء الوصال  ..

 تسربلت ،

وسرت بين حقول الشك سرابا  ..

5 - الأشياء الخفية القنوع

تحتذي بالبطء لباسا وشرابا ذلولا  ..

كسر  غارق  في أحلام اليقظة

كلما نثرت ورودها تحلحل الماء من ينبوعه

حتى ارتوى الكمال في روح القدوس  ..

6 - الأشياء المكسوة بنياط البوح

تستعير قناعها ليكون سماء لظلال قديمة  ..

تدور كما البراءة أينما قامت هل قيامها  ..

لا ترى غير ما تجهره البصيرة  ..

7 - الأشياء الغافية اللاطمة

 طباق شعري يكسي أسرار البلاغة من جغرافيا الكينونة  ..

تتقمص دور المنقذ من ظلالات الفرح  ..

8 - الأشياء القريبة البعيدة السعيدة الشقية البيضاء السمراء الكظيمة الثخينة العقيم الولود السابحة في ذرى الصمت؛  ..

تهاب الموت وتشقى  ..

9 - الأشياء الطاغية الظالمة العابسة مجرد طوبيا لسراب مخل  ..

يطأ حمأة السأم كي لا تصاب الكمائن بعتمة التاريخ  ..

10 - الأشياء قربان الصداقة،  نقع التراب، همس القوافي  ..

شحذ المحبة لمقامة سعيدة في مقام سعيد .

***

مصطفى غلمان

 

عبد الجبار الحمديلا تكن مثلي.. تضيء للنّاس ومن ثم تدفع الثمن، أستعجب حالك!! فبعد ان ناولك الدهر صفعات أطالت عمرك المستشري عذابا دون ان يهيد أو يستكين... لم أشهده لحظة قد أخذ هدنه أو أراح أكف، فدوما يغزل لك المكائد كي يلهيك مثلي.. لم احسب كم هو طول الفتيل الذي ألبستني؟ فغالبا ما تلبسنيه في عتمة خلسة، حتى لا تدعني اشهد جريمتك وأنت تجبرني على شرب ما يذهب بعقلي بعدها ترسلني حيث جهنم... الى أن ألزمت نفسي ان لا أطالب بأن اكون ذي مشاعر او أحساس، فقد ماتت براعم الاحاسيس التي احرقها اللهب.. صرت مجرد ذبالة همها ان تسف رائحة مستنقع فتيل أجرب كالمسطول.. الشيء الوحيد الذي يجعلني ابتلع جريمتك هو أنك تحاول الخروج مما أحطت به من عالم مظلم، رغم علمي وعلمك قبلي أنهم لن يدعوك تخرج، حتى لا تسهم في انعاش ذاكرة من كانوا حولك بأن الدنيا عالم لا يصحبها إلا من ضرب الدفوف وأرتدى بدلة سوداء وغطى رأسه بكيس، همه أن يقف عند الحافة الآمنة يمسك بقلادة الموت التي يلبسها لأصحاب البدل الحمراء، هكذا كان في السابق أما الآن فترى مختلف الألوان تصطف طوابير تنتظر ان تنال تذكرة انبعاث آخر.. صاحب القلادة لم يتغير هكذا اعتقد وانت وانا أيضا والسراج لم يطالنا التغيير.. لقد عكفنا وقَبِعنا في وادي الموت هذا.. الا ترى أنك تبالغ في رزم اسماء ممن هتكت حياتكم لا لشيء إلا لأنهم قرؤا على ذبالات خافتة بحرية؟.. الحرية تلك المفردة التي أقلقت وضج سامعها ممن تعرف؟ أنظر الى نفسك كأنك لا تجيد سوى مهمة إتخامي وحشو مؤخرتي بهذا الفتيل الذي أراه فَرِحا بمهمته التي سرعان ما يصرخ بعد ان تشعل رأسه وتلهبه... فمن تَخَلُفهِ عندما يرى ظلي يحسبني أرقص.. اظن اعتقاده صحيح غير أني ارقص من وجعي على وجعي... أما الفتيل فصراخه يعلو خاصة عندما تهب ريح انفاسك التي لا ملاذ من شم فسادها... انظر لقد اصبت بالعمش كون ما تسقينيه من مستنقع جاوز الصلاحية كأعمار من تخطب مناديا بإصطحابهم حيث ذاك مكيس الرأس.. يا لجنونك وسذاجتي!؟ نعم سذاجتي لولاها ما استطعت ان تغرر بي، لكنك داهية على الضعفاء ممن تطالهم يديك، تعمد على انتهاك حرمتهم بأصابع فتقت أزرار العفة فخانت عهد الله في كل شيء، خلقت لنفسك ربا تعبده.. تمجده تصلي له.. حتى ظفر بك كما ظفرت أنت بنا.. فألقاك حيث مقبرة الموت الأبدي.. لا مناص لك سوى ان تعيش ميتا أو تموت حيا... معادلة صعبة أعيشها أخوض في طيات تبيانها كل يوم... بل كل لحظة مذ إيقادِ حتى تطفئني بنفخة رجل موسوم بالموت لا محالة لكن دون قلادة، فما تبلعه من بقايا أنفاس ورائحة الموت كفيلة بالفتك..ههههههه جنوني يصور لي أنك خاويت الموت فطال في عمرك وصاحب القلادة...

سيأتي يوم ما، سيغير ربك طريقته في محاكمة الابرياء، سيجلب وسائل حديثة لنيل ممن لا يرومهم حوله كالذباب الطنان... تخيل الإنسان بالنسبة للحاكم ذباب طنان، احكَمَ عليهم بعمر كما عمر الذباب إن طال او قصر، يفسح لهم المجال مدة اربعة عشر يوما بعدها يسوق لهم الحديد والوعيد.. فينساقون بناي الراعي حيث جب يوسف الذي كان وعدا... لكن هل من نبي جديد يبعث؟ هل سيكون لنا يوسف جديد وفي كل يوم يولد الف عصبة واخوة أعداء؟؟ اما الجلادين فلا عد لهم ولا حصر.. غبي من يظن أن الضياء يمكن ان يكون طريق حياة او فنار لسفينة غارقة لا محالة... حتى بوصلة الاتجاهات تأخذك حيث الضياع.. طرق مختلفة لم يحتاج فيها الحاكم الى ضياء ذبالة ضعيفة لا تغطي مساحات الكم الذي يرغب ان يحيطه، فجل همه أن يأخذ الخراج من كل غيمة تسير في السماء بحريتها.. سيرسل طيور أبابيل بالسجيل يأمرها ان تحيد عن مسارها وإلا سيقحمها يُجبرها ان تجهض نفسها في واد أرض شيطان متأكل لا فائدة منه دون أن يرجو عطاء..

هل سمعت يا حاصي الأسماء؟ ام أنك تَلَيَفت فكثرت قذارتك، نَتِنَت رائحتك فما عدت تميز بين من؟ وأين؟ فزلفت بعيدا حيث رقيمك القديم في كهفك تحاول ان تقرأ ما نسيته بصوت عال بعد أن اخرستك الوحدة إلا مني وسراجك.. قلت لي مرة أنك لا تعول على صاحب القلادة فقد قُطِعَ لسانه عندما اراد فسحة في حوار ديموقراطي هههههههه يالها من ديموقراطية شمطاء عجوز تنال من على مكنستها الطائرة أيا كان فتسخطة قردا او سخلة أو غراب.. فلا يعول عليهم بعدها أبدا..

رد بعد ان شعر بغصة مما سمع كأنها أيقظت من كان نائما في ذلك الكهف.. فقال:

لا ادري يا ذبالة الغثة متى يمكنني التخلص منك الى الابد؟ فبرغم الحداثة والنور ذو الأزرار.. لا يرغب من اعبد ان أحظى بغيرك، فطالما قال: لقد ورثنا ذلك ممن تسلطوا، طال حكمهم حتى وصل الخلود.. إرث جاهلي أزلي لا يمكن التفريط به.. فلا تشغلن بالك ايها السجان بالحداثة فما هي إلا وجع للرؤوس... اعلِمت من هي الرؤوس؟ إنها التي أينعت وتعمد أنت الى إلباسها وصاحب القلادة... فالنور يجلب لك الأحلام بعدها يزيد فسحة الأمل، فالحياة عامة ترقى بالضياء.. اعني هنا ضياء النفس والروح والعقل، ومن ثم تزيد في قدرة الفرد على قراءة الاسفار والغور في المفهوم الإنساني والحقوق والواجبات، تكشف المستور.. عندها تبدأ محنتي، تزداد نفسي سوءا يزداد هلعي على ملكي.. عرشي، فأفزع وهذا ما لا أريده ابدا ان يحدث..

هذا ما يردده ربي.. لكني مللت حياتي يا ذبالة النحس... كرهتها جزعا فطالبت بالخروج من هذا الجب لكن خوف ربي مما اعلم ومما شاهدت ومما فعلت بأمره يخيفه أكثر فسلط علي الويلات، نال مني واهلي جميع ممن احب، فَخِفت رغم أني لا أعرفهم.. لكن هم لي بقية من عشير، قاومت بداية فأخصيت، وقبل أن يخصوني فعلوا فعلتهم بي فأصبحت ملاطا بحيوانات غير آدمية.. مللت حاولت قتل نفسي لكنه منعني و وضعني في عالم يخلو من كل شيء إلا منك انتِ والسراج.. لعلك تذكر يا سراج الهم كل ما اعنيه؟ مَد لي التعاطي بما ينسيني فأدمنته... وهكذا فررت الى داخل جحور الأرض حتى لا أُشعر من يعرفني بالعار والخزي.. أما انتِ يا ذبالة أقسم لولاك لسارعت بشنق نفسي، لكن مشاهدتك حية هي من ترفدني البقاء.. برغم الموت، ضياءك المشوش ولسانك المضجر، إلا أني استشعر أني ما خلقت أو مد الخالق في عمري إلا لسبب، أظنه لم يأتي بعد... في تلك اللحظة فقط وعندما أحس أن السبب قد بانت مفاصله سأخرج راميا بفتيلك، اضمن لك أني لن أستغلك أو اعمد على إيقادك في ظلمة.. سيكفيك ان تكوني شاهدا عيان بعد ان يسملوا لك عينيك التي ترى عيوب الآخرين... ثم يصعدون بي حيث صاحب القلادة... فيا خليلي.. كلنا أموات لا محالة ولا يبقى سوى الحاكم والجلاد.

 

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي     

 

ريكان ابراهيمقرية الشاعر

 في العراق

***

‏‫قريتُنا قُبعةٌ أرضيّةْ

تجثمُ فوق الضفَةِ اليُمنى

من نَهْرٍ يتلوّى مثلَ الحيّةْ

قريتُنا مَفْقَسُ أفراخٍ بشريّةْ

بعْضٌ قد أصبحَ شيخَ عشيرتهِ

من دونِ ذكاءْ

والآخَرُ طار بعيدًا في دُنيا الغُرباء

أحلى ما في قريتنا مقبرةُ القَريةْ

فيها الأمواتُ هُم الاحياءْ

***

في قريتنا زرتُ المقبرةَ الأهليّةْ

فحصلتُ على قبْرٍ من دائرة البلديّةْ

يستقبلُني في أوّلِ صُبْحِ الأبديّةْ

ملكًا لا إيجارْ

ففرحتُ بأنّي إنْ مِتُّ ستُصبحُ

عندي دارْ

وحُسِدتُ على قبري...

وحُسِدتُ بأنّي مَسرورْ

وتضايقَ منّي مَن لم يجدوا

بعد الموتِ قبورْ

***

قد يعجَبُ من قولي مَنْ لم يفهمْني

في ما أعنيْ...

حتّى أهلي وأعزُّ الناسِ إليَّ، أبني

لكنّي...

لا تثريبَ علىَّ

سأكتبُ ما عنَّ على ذهنيْ

***

في قريتنا... في تلكَ الشمْطاءِ الحسناءْ

سقطتْ من أُمّي كُومةُ لحمٍ

سمّوها "ريكان"

سقطَتْ، لا تدري كيفَ، ولكن هذا

ما كانْ

ونَمُوتُ كما تنمو الديدانْ

إفطاري اللبَنُ الرائبُ من بقَرةْ

وعشائي مثلُ غدائي...

خبزُ شعيرٍ ممتازْ

مع صَحْنٍ من خُبّازْ

وإذا أبقيتُ من المقسومِ

قليلاً... تأكلهُ البقَرةْ

فتعلّمتُ العِبْرةْ

من عيشٍ طَرفاهُ اثنانْ

الأوَّلُ تُمسِكُهُ الأبقارُ

وثانيهِ "ريكانْ"

***

قريتُنا بَيْضٌ ودَجاجْ

تبتاعُ به الفلّاحاتُ من السُوقِ "الدشداشةْ"

مع قطعةِ حلوى لكبيرِ الأبناءِ

وللأصغرِ "خرخاشةْ"

ولمنْ يهوى منهم أنْ يُصبحَ جُنديّاً "رشّاشةْ"

وبهذا أصبحتِ الفلّاحةُ في قريتنا

تَتحدّى السُوقَ وأفكارَ السوقْ

بالبيضِ المسلوقْ

وتُقايِضُ أرقى ما عند التاجرِ من إنتاجْ

بقطيعِ دجاجْ

***

عن قريتنا...

يتَحدّثُ عُشاّقُ النَظرياتِ البَدويةْ

ويكيلونَ المَدْحَ لأخلاقِ ذوي القُربى

يُدهِشُهمْ أنَّ القرويَّ

هو الأصفى قلْبا

والأنقى من كلِّ رجالِ البشريّةْ

لكنْ لو سمعوا قولي...

لأعادوا فحْصَ النظريّةْ

أنا أعلمُ منكم يا عُشّاقَ النظرياتِ

بأهل القريةْ

أنا لا تعدوني فِرْيةْ

***

في مدرسةِ القريةْ...

كنَّا نصطفُّ صباحًا...

ونُردِّدُ أجملَ مَوّال

نرفعُ علَمَ الوطنِ الغالي

ونغنيّ للشعبِ العربي

ولأيامِ العصر الذهبي

***

في الدَرْسِ الأوّلِ يدخلُ "داودْ"

أُستاذُ اللغةِ العربيّةْ

ليقولَ لنا:

-"قَدْري جنديٌّ في اربيلْ"

-"نحيا والموتُ لإسرائيلْ"

-"وطني وطني ... من طنْجةَيمتدُّ إلى اليَمني"

وفَهِمنا الدَرْسَ الأوّلْ

علّقنا جَنْبَ السُبّورةْ

أجملَ صُورةْ

لبلادٍ تثلِمُ شأفتَها

قَدمٌ لدخيلْ

***

في قريتنا...

أقوى المخلوقاتِ الشيطانْ

والناسُ تخافُ من الجانْ

وتلوذُ بقارئةِ الفنجانْ

مَنْ لم تُنجِبْ ولَدًا فعليها أنْ

تطفُرَ قَبرا

مَنْ لم تتزوّجْ فعليها أنْ تُحرِقَ، سِرّا

بعضَ القمصانْ

مَنْ ماتَ لَها أكثرُ من مولودٍ

فوراءَ الأمرِ اثنانْ:

إمّا جِنيٌّ يغتالُ الأطفالَ سريعًا

أو نُذْرٌ لضريحٍ وأدتْهُ كفُّ النِسيانْ

***

في قريتنا...

أجملُ أُمنيةٍ عند التلميذِ بأنْ

يُصبحَ شُرطيْ

فيعاقبُ مَنْ يلقاهُ لأبسطِ غلَطِ

هذا ما كانَ وكنّا

فلقد عُلِّمنا...

أنَّ الإنسانَ إذا صارَ قويّا

صارَ ذكيّا

وفهِمْنا في الدرسِ الأوّلِ أنَّ الدكتاتورْْ

أقوى من عَقْلِ الجمهورْ

***

د. ريكانْ إبراهيم

 

سعد جاسم كمَنْ يتخففُ من تَركاتٍ

 وأسرارٍ ثقيلةٍ

 ويتخلصُ من حماقاتهِ وأخطائهِ

وكمَنْ يسعى الى خلاصهِ المُضيء

ويمضي ناصعاً الى فردوسهِ الأخير

 سأتركُ ذاتَ فجرٍ باسقٍ

أو ذاتَ حلمٍ عابرٍ :

السريرَ بارداً وبلا احلام

الغرفةَ موحشةً كصحراء

البيتَ مظلماً وحزيناً كقلبٍ مريضٍ

والمدينةُ أتركُها

كمقبرةٍ مخيفةٍ

والبلاد اتركُها بلا ندمٍ وبلا ذكريات

والمال سأتركهُ لأنهُ زينةٌ خادعة

وسأتركُ الأبناءَ لأنهم لم يعودوا لي

وإنما هم ابناءُ الحياة

وأتركُ العالمَ

يتمرّغُ في خرابهِ الاسودِ الرهيب

 لأنني أنا الزاهدُ السماويُّ

لمْ أعدْ بحاجةٍ

 لكلِّ هذهِ الاعباء

بعدَ أن عثرتُ

على طريقِ الأبدية

***

سعد جاسم

 

صالح موسى الطائيما ذا أكتبُ أمامَ هذي الطبْخة التتريّة ؟...

فلا نبضَ في العيون ِ ولا في البيوت

لا نَسغَ في الشجَر

 لا زمن َ في الساعات

ماذا أكتبُ...؟

ماذا أكتبُ عن غابة ٍ مظلمة ٍ جدا ومخيفة

لا ضوءَ فيها ولا ماء

موحشة ٍ... حدّ التصاق الأرامل ِ

والأمّهات ِ بالقبور

هذي الغابة ُ...

مُنتخبٌ لوحوش الأرض والسموات

لا عقلَ فيها ولا جنون

 فيها الثعابينُ والحشرات

والأحزابُ الدمويّة ُ...والعصابات

والبرلماناتُ الوهميّة ُ

يتكاثرُ فيها عزرائيلُ وإسرائيلُ   

بأسلوب ٍ عنقودي ٍ حديث 

غادَرتْها الحمائمُ والعصافير... 

هَرَبَتْ من دُخان الضمائر ِ...

والثعالب ِ واللصوص ِ المَحَليّة ِ والمُسْتوردة

حيثُ أعشاشُها التي مزقتها الغربانُ والأوبئة

وسياساتُ القرودِ المقرونة ِ بالعُربان

بالخيانات ِ وبالقنابل ِ المتحدة

باللطم ِ وبالنزف ِ الأزلي

فيها تنتشرُ الطواحينُ البشرية ُ

والأمراضُ القبليّة ُ المخلوطة ُ

بالفايروس ِ الماسوني

وبالطاعون ِ الدولي

ماذا أكتبُ....؟

قلمي مسكينٌ...  وحيدٌ وفقيرٌ جداً

أمامَ هذي الحرباء الكروية

والخنازير ِ النوويّة

أوراقي  مزقتها العواصفُ والذكريات

بغدادُ عارية ٌ في غُرف ِ الإنعاش

مِسقط ُ رأسي قد أصبحَ عاصمة ً للموت  

ومزارا ً للكمائن ِ والفتن ِ المُعَلـّقة

ماذا أكتبُ عن لقيط ٍ

يَغسلُ نطفتهُ بالدماء

يَحلق ُ شاربيْه ِ بأمر ٍ من فتاوى النكاح

و تجار ِالأوطان والأديان

ماذا أكتبُ....؟ 

بَلْ ماذا أقرأ الآن َ...؟

أمامَ هذا الجمهور الغارق ِ

في الحَيْرة بين القيامة ِ والتهجير

ماذا أقرأ غيرَ الفاتحة ...؟

على مَنْ ماتَ في القلب ِ

وفي السموات...

..................

..................

شعر  صالح الطائي

 

فاتن عبد السلام بلانتوهّجْ .. توهّجْ

الأدراجُ مجرّاتٌ والآهاتُ أرواح

 اِتقدْ لا تنطفئ

المداراتُ أضواءٌ واللاءاتُ جراح

ازأرْ اجأرْ خلفَ المُحال

الحياةُ عاقرٌ دونَ خيال

اِنطلقْ .. تحرّرْ

 الممراتُ كلماتٌ والمعابرُ نايات

تعربشْ تعرّشْ

فالأغصانُ غيومٌ والعصافيرُ نجمات

اِسعلْ .. اِعطسْ

إنّ الكارما* جنايةٌ

 تُفّاحُ وسوستها يتبلّعمُ بغصّات

*

قيّثرْ أصابعكَ وترَ الموسيقى

صدركَ راعٍ وأضلاعكَ نغمات

دندنْ قابَ النقاءِ أو أعلى

فروحكَ أوركسترا

وحواسكَ نوتات

هذا أنا أنتِ أنا نطفةُ غيبٍ

في رحمٍ مضى

طفلٌ مفطومٌ على ثدي الصبا

*

انسى لثغةَ الحزنِ

فـ لمعةُ الأرقِ وجعٌ

وثرثرةُ المناديلِ دموع

والذئابُ الثكالى

تعوي في وحشةِ الشموع

قلْ كلَّ شيءٍ قبلَ صمتِ الطين

فكلُّ مزاميرِ الضجيجِ

 كرنفالاتُ قيامة

كلّ أياسرِ الصورِ أيامنُ وجوه

كلّ الأشجارِ شغفُ فساتين

يتساقطن بأنوثةٍ

 على محكِّ الخريف

هذا أنا نورسُ وميض

وهذي أنتِ يمامةُ برقٍ بلبلةُ سنا

جناحايَّ أرضٌ وسما

وقلبكِ أرجوحةُ خمرٍ

علتْ موجَ العشقِ بين درفاتِ المدى

*

أتخجلُ الورودُ من فحولةِ النور ؟!

أيستدمي الأرجُ

فوقَ عرشٍ آيلٍ لـ الأفول ؟!

حُجبٌ في حُمرِ الفكر

يانعةُ الغوايةِ لا تزول

اِسبحٔ داخلَ أضواء القناديل

حيثُ الخارج صنّارةٌ

والأسماكُ تنوّسُ هوسَ المصابيح

حين تكرُّ الشواطي شخوصًا

 وتفرُّ الرمالُ خارجَ الكواليس

ويعرسُ العنّبُ تحتَ أقراطِ تموز

وتُفضُّ الكستناءُ بألسنةِ كوانين

لا تهسهس في آذانِ المغيب

هذا أنا أنتِ أنا شامةُ حُسنٍ

فوقَ خدِّ الصباح

شبقُ عطرٍ على عنقِ الربيع

 قتيلٌ .. عليلٌ

أضناهُ العشقُ وضيّعَ المفتاح

*

حلّقْ إلى الأعماقِ واستيقظْ

 إنّ الفضا أجنحةٌ

وحكايا الزمنِ قيود

شهرزادُ الوحدةِ عنقاءٌ

وزغاليلُ شهريار أعشاشُ وكروم

أتحبلُ الغاباتُ بالحفيف

وتلمعُ الفؤوسُ بالحطّابين ؟!

هذا أنا .. أنتِ أنا

شطحةُ نارٍ واِنهزامُ جليد

تأشيرةُ عبورٍ قبلَ الرحيل

عجوزانِ متصابيان

تشاقتْ قُبلتهما في جيوبِ العيد

ملحُ الطفولةِ مرٌّ يحلو بعناقٍ جديد

يمشي/يركضُ عصبُ الأملِ

يثبُ فوقَ شيبِ العمر

هنا كنّا .. هنا بتنا

نتعاطى الجنونَ باللا شعور ..

أنتبرشمُ .. أنتسقرطُ

أنتهتلرُ .. أنتهستر

 بين شرارِ العيون ومرايا الأثير .. ؟!

*

أتخشى أوراقَ التوتِ

وعوراتُ الظلالِ تسيلُ شهوة ؟!

تعالَ كأولِ شتوةٍ

غارقًا بغرامياتِ قُزح

مائجًا بأصيصِ الرغبة

فكلّ الأفكارِ طريدةٌ لنْ تستوعبها أسرّة

ولنْ تشهقها وسائدُ في حُلمٍ مطير

هيّا لنفلّترَ غبشَ الرؤية

شتّانَ بينَ المكانين

فوقَ الترابِ تتأنسنُ فكرة

وتحتهُ تموتُ فكرة

سيشحُّ كازُ الوقتِ فالساعاتُ كاذبة

أيتفيّأُ سجينٌ في بؤرةِ أسير ؟!

تعالَ نُهشتغُ * جنوننا

بـ (#نزوةٍ_عقلية)

ونذوب بلا عددٍ بلا حدٍّ

"الـلـه مددْ مددْ مددْ"

في سمادهي * الأصيل ..

***

فاتن عبدالسلام بلان

تمت كتابة النص في شام الياسمين

.......................

*كارما: مصطلح بوذي وهندوسي يعني السبب والنتيجة، أفعال يقوم بها الكائن الحي، و يترتب عليها حصد النتائج، إن كانت خيرا فخير والعكس صحيح ..

* نهشتغ: اشتقاق فعل مضارع من كلمة هاشتاغ، والأخيرة تعني وسم أو علامة توضع قبل الكلمة أو الموضوع المطروح ليسهل الانتشار في مواقع التواصل، وتداول الموضوع والنقاش به ..

سمادهي: عند الهندوسيين سمادهي وعند البوذيين نارڤانا، وهي حالة متقدمة في التأمل، وتعد أسمى حالات اليوغا، بحيث يكون المُريد واعيًا متيقظًا خارج عن الأنا المادية، سابحًا في الأنا المُطلقة، في حين الحواس والأفكار نائمة، وهي حالة اتحاد الوعي والإدراك بالذات الحقيقية، حينها يدرك الشعور بالغبطة الأبدية .

 

صادق السامرائيدمٌ يقطرُ مِنْ عَيْنَيها

في أوْعيةِ الروحِ العربية

يَصيرُ خمرا

أوْ سلاّف وَجيع!!

2

كأنّ الدينَ نارٌ

في أروقةِ البهتان

وعندَ حاشية السلطان

والناسُ تبحثُ عن أمان!!

3

يَتَعتّقون في قارورة المُشكلة

يتطيّبون بعَصيرها المَيمون

ويشربون أنخابَ الصبرِ

والفرجِ المَضمون!!

4

يَحْلمون باللذائذِ المُطمئِنة

في جوفِ الموتِ

فالحياة نقمة

والموت نعمة

ومتعةٌ في جناتِ الرغباتِ السُفلية!!

5

الكرسيُ هدفنا الأعظم

فبَعدهُ

تبدأ الحِكاية

وتنتهي الوصاية!!

6

تعمّمْ لترْتزق

وأنتَ عاطلٌ ومُعَطّلٌ

فالتضليل مِنْ خير العَمَل!!

7

إمرؤ القيس قدوتُنا الأصيل

فالشعر في أيامه كان شعرا

ومِنْ ثمَّ

داسته أقدامُ الإعْتقادِ

وأفناهُ الدين!!

8

نترادف لنتعارف

تعتقلنا جبّة قال

وتعطل عقولنا الأقوال

وقائدُنا دجّال!!

9

لا تسألْ

لا تبحثْ

واتبعْ واخنعْ

واقبع في جهلٍ

فالنار سؤال!!

10

طاقة الغيبِ انطلاق

تأخذنا إلى ما وراء الآفاق

فلماذا يكون الغيبُ شِقاقا؟!!

11

رأى ويرى وأرى

ولكلٍّ منا ما يرى

ولكن...

هو الذي رأى!!

12

الأبوابُ مغلقة

والمفاتيحُ مَقْدِرَة

فاكْشفْ بعقلكَ غطاءَ المُعضلة!!

13

يا سيّدَ الأخلاق

يا سامي الأذواق

هلْ رحلَ العشاق

فسامَنا الفراق؟

14

أطيافُ ذكراكِ

تتوافدُ نحوَ أنهارِ السراب

والملهوفُ

يتغرغرُ بخيطِ دخان!!

15

مَن أشعَرَنا بأنَّ الضوءَ ظلام

مَنْ علّمَنا أنَّ الفِكرَ حَرام

مَنْ أوْقَدَنا دونَ ضِرام؟!!

***

 د. صادق السامرائي

فتحي مهذبلست أدرى متى سأسقط

مثل ثمرة متعفنة..

أو ذئب بين نهدين نائمين..

أو زجاح قوس قزح

على قرميد الأفق؟..

لست أدري هل سيطردنى قناص

من الدنيا برصاصة في قوادم رأسي؟..

ويمزق أجنحتي بجزمته المخيفة..

هل سأسقط من فم طائرة

مليئة بالرهائن وقش الايديولوجيا؟..

وأظل أتخبط في الهواء مثل مركب صاعد من رأس أرملة..

لا أدري قد تسحبني يد هتلر

الى الهاوية..

ويهشم جسور مخيلتي بقذيفة..

أو بشرارة كثيفة تزرب من فوهة

نظرته الشوفينية..

لا أدري قد تتقمص جسدي الهش

روح موسوليني..

يقتل الحلفاء كل شياهي

التي افرنقعت في غابة رأسي..

ويحتفي بي حبل المشنقة..

لا أدري..

هل سينتف مطر ريشه الذهبي..

ويطلق طائر الغاق رصاصة في السماء..

هل سيوقظني صهيل الموت من نومي الهلامي؟..

وتتفتح شقائق النعمان في نبرة

المعزين..

هل ستمشي تلك الشجرة الضحوكة في جنازتي؟..

وتتبعني عصافير الدوري

الى ضريحي..

لاقامة جناز باذخ..

والسخرية من نهايتي العبثية..

لا أدري قد أسكن جسدا آخر

أشد عذوبة من تابوت !!

لا أدري قد تسحبني موجة

بمخالبها الى قاع الأبدية..

وأختفي بين سيقان الغرقى..

وثرثرة سمك الماهي ماهي..

قد أطير فجأة الى لا مكان..

لا أدري الفخاخ كثيرة..

والمفاتيح مخبأة في جيب زلزال..

والسماء هاوية عميقة..

قد تزورني أمي الميتة..

التي انكسرت مثل جناح طائرة

في الملكوت..

التي اختلسوا كروانها في غزوة

مريعة..

قد أستوي على سوقي في النسيان

قريبا..

وأفتتح دورة طارفة

***

فتحي مهذب