صحيفة المثقفاقتل فردا

أو اقتل أُمّة

لا فرق

اقتل شعبا

أو اقتل واحدا

قال الواحد

" فكأنما قتل الناس جميعا "

احرص أن تلبس قفازا

فجميع الخلق

الاك صراصر

أنت العارف والباصر

وسواك بعض عناصر

تبتزك إذ تحيا

فالعالم لك

وسواك لصوص

لأنت

من يعلو في المرتفعات

وعداك الكل يغوص

في الطين الآسن

أنت الخالق

وكل الكوكب مخلوقاتك

وانت الفكر

وكل الناس أداتك

فافعل ما شئت

اقبض

ابسط

فالبحر بل حتى الارض

فتاتك

وتجود على الناس ببضعة انفاس

إن شئت

وإن لم ترغب

فالناس عبيدك

أمواتك

*****

سمية العبيدي/ بغداد

في 17/3/2019

 

قصي الشيخ عسكرأخيرا التقيت السيد وضاح المهداوي.

 كأنني ألتقيه للمرة الأولى.

 لا أدري قط هل كان يجب أن يحدث كل هذا فأدركه وقد بدا أكبر من سنه بعقد من الزمان.. قضيت ليلة في السجن فبان الكِبَر عليه.. الشيب أنهك حيويته فكاد يصبح عاجزا أم رجع شابا أصغر من عمره بعشر سنوات.. كنت أشيح بوجهي عنه.. نظراتي تتحاشاه كأن عيني تنفران من مشهد كريه.. بعد كل ما حصل جاء يصحبني خارج التوقيف، لا أعرف أين أذهب، كيف أقضي الليلة، مادام الحادث مرَّ بسلام فما عليّ إلا أن ألتزم الصمت والهدوء.

في ذهني الطلاق وتصفية حساب الشغل

لا أكثر.

ارتحت؟ انتقمت؟ أليس كذلك؟

 حسبته يمضي بنا إلى المطعم ليصفي بعض القضايا معي، لكنه غير طريقه ومال عن محطة القطار، ومدينة الألعاب أوقف السيارة عند المكتبة الموسيقية، ودخلنا كافتريا الفوركس:

تأكل شيئا؟ أظنك جائعا فلا عشاء ولا فطور.

 بقيت معرضا بنظراتي عنه.

لا وسيلة إلا الهدوء.

مازالت لفحة السجن الباردة تسري في كتفي!

الإقرار بالهزيمة.. ربما تدل نظراتي إذا طالت إلى الأرض على احتقاري لشخص آخر لا أرغب في النظر إليه، غاب، وعاد بعد دقائق، وضع على المنضدة وعاء شاي وقطعا من " سنايل" و " فرانس بغذ".. قال بين الحزم والسخرية:

انظر لي حين أكلمك لاتهرب!

التفت أجيل البصر إلى الزبائن، وتحاشيت نظراته:

واجه المشاكل بشجاعة ولا تكن جبانا.

 ماذا يريد مني وقد عرفته كذابا من أول يوم التقيته؟! ذلك اليوم لم أكن في موقف يستدعي الكذب.. ربما أكون الوحيد من بين اللاجئين الذي نطق الحقيقة.. لست بحاجة أن أقول فجرت عمارة في بيروت وأدعي أن الحرب الأهلية هناك أنهكتني.. أعدائي حاصروني فإما أهدم بنايات وأطلق الرصاص أو أموت.. ولا أقول أجبرت على الذهاب إلى الجيش ففرت كي لا أقتل إيرانيين.. ملفي يكاد يخلو من الكذب.. أما من أسمى نفسه وضاحا فقد جاء في غير زمن اللجوء والكذب.. فتلاعب بالحاسبات وقوائم الكهربالء والضرائب ومحصول المطعم.. ليكن .. مادام الكذب مرتبا فلا غنى لنا عنه، اكذب.. اكذب وليكن كذبك لا ثغرة فيه.. الدنماركيون يدركون ذلك.. يعرفون أننا نكذب ويصدقوننا، فلم نكون ملكيين أكثر من الملك.. وقد رأيت الاستهجان على وجوه رجال الشرطة والمحقق .. القرف من رجل هاجم زوجته لأنها تمنح جسدها لشخص آخر كذبة أخرى.. تزوير جديد.. قلت متحمسا، وقد لمحت عينيه باحتقار:

طبعا لا أجرؤ على رؤية وجه رجل هتك عرضي!

فنفث الهواء، وارتشف من كوبه:

سأخبرك منذ البداية، لاتقلق، أعرف أنك سترتاح لحديثي، اعذرك لتصرفك الانفعالي.. ردة فعل.. لك العذر.. ولشارلوته العذر.. فهي تجهل كل شيء مثلك، فأنتما لاتعرفان أن " دانا " ابنتي!

 ماذا أسمع، صحو أم منام، يا إلهي، تجسدت تلك اللحظة أمام عينيّ قبل حواسي الأخرى رعونتي وقسوتي المفرطة. وترآى لي وجه "دانا" المليء بالكدمات والزرقة.. قسوت إلى حد بعيد فكدت لا أبصر خيط دم نزل من أنفها حتى سبقتني دقائق المواجهة.. لم يبق إلا أن أكره نفسي، رحت أجهش بصوت خافت.. سرعان ما تحولت شهقاتي إلى حشرجة شبيهة بالصراخ، فقال لي مندهشا:

أنت رجل .. عيب.. في مثل سنك أنا كنت مطاردا من رجال الأمن .. تذكر أنك في كافتريا.. فلا تلفت نظر الزبائن بسلوكك الطفولي..

 كرعت قدح الماء، ورشفت بعض الشاي، وقد أضمرت ألا أتناول أي شيء جلبه إلى الطاولة.. في ذهني أن أنصرف حالما أسوي الأمور بيننا وإن كنت لا أدري أين أذهب فيما بعد:

ابنتك؟

نعم قالها وهو يبتسم بمرارة.

هل تعلم "دانا "ذلك؟

لا أبدا، لاتعرف عن علاقتي بأمها تدرك أنها بنت شخص تونسي مجهول وأمّ بولندية وكاد الأمر يظل سرا لولا ولادة علاء الدين التي فضحت الماضي وكشفت المستور ذلك المعنى الخفي الذي لم أضعه في بالي أبدا.

قلت كأنني مازلت غير مصدق:

يعني علاء الدين حفيدك؟

و"دانا" ابنتي، وأنت زوجها، وشارلوتة زوجتي، مابك هل فقدت ذاكرتك بعد ليلة قضيتها في التوقيف!

 قلت وأنا أشيح بوجهي عن رجل ترآى لي يغرق بالماضي، لا احتقارا كما فعلت قبل قليل بل خجلا منه ومن نفسي لسوء ظن فرضه علي واقع أقوى دهاء مني:

كثيرا من الأحداث نكاد لانصدقها مع أنها تعيش فينا أو معنا.

كي أزيل عنك اللبس لا بد أن اقول لك إني هربت من بغداد إلى كردستان بعد انقلاب شباط بأيام ومن هناك إلى الأتحاد لبسوفيتي وبعد شهرين من إقامتي في موسكو وجدت النظرية في واد والناس في واد، البيروقراطية، والأزمات، العراقيون الهاربون معي تستشري فيهم الواسطة والمحسوبية فعرفت أني كنت مخدوعا أحببت كارل ماركس ولينين، وتحمست.. انفعلت ولجأت إلى العنف في بغداد، في نهاية الأمر يمكن أن يفضل علي أي انتهازي لواسطة ما أو لمصلحة ما.

لا شيء عندي أعقب عليه أمام ماض كشفه مولود صغير لاحول له.. كنت أتطلع في عينيه وأستغرف في بسمته ثم أرى أظافره الصغيرة الناعمة البيضاء مثل اللؤلؤ فلا أظن أنه يقدر على أن يخدش بها كلّ مابناه جدّه فليس هناك من شيء أقف عنده سوى التساؤل:

وهل كانت بولندا أفضل؟

ربما.. على الأقل في وارشو عشت حياة رومانسية. نشأت بيني وبين " مارتا" أم " دانا" علاقة حب كانت أقوى من أية لحظة خداع قد لا أكون مخطئا حين أقول إنها الحقيقة الأنقى في حياتي ماعدا ذلك البعد الرومانسي ففي وارشو فكرت في الدنمارك؟

لم الدنمارك بالذات؟

هي الأقرب إلى بولندا ففي ذلك الوقت لم تكن هناك مثل الآن إجراءات صارمة .. بإمكان أي شخص أن يُمَنَحَ تأشيرة الدخول حالما يصل الحدود، لا أحد قط يفكر في دول الشمال.. منفى.. دول مغلقة نصفها ظلام ونصفها نور في الوقت نفسه احتاج البلد عام 1966إلى بعض العمال من باكستان للعمل في الأرض ..

وازدرد ريقه " وواصل":

أصلا أنا لم أطلب اللجوء.. .

 هززت رأسي كأني أطرد كابوسا وقلت:

الحقيقة الأمور التبست في ذهني إلى حد كبير واختلطت علي معانٍ كثيرة فقد نعيش حياة نجدها سهلة ذات يوم غير معقدة غير أنها تبدو الآن.. .

 تابعني باهتمام وقرأت في عينيه توسلا .. براءة كانت مخفية .. نسيت كلّ مافعله بالمكائن وعداد الكهرباء .. وقوائم الضرائب ومافعله من غش في مدخول المطعم.. تساءلت قبل أن يقاطعني ياترى لو كنت مكانه لفعلت مثلما فعل حتى لو لم أفعل فأنا الآن أشعر برابطة تشدني إليه أكثر من السابق .. لم يعد ابن بلد طردت منه ذات يوم.. دول كثيرة ضنت عليّ أن تؤويني لكن هذا الرجل الذي تعرض من حفيده ابني لهزة عنيفة كشفته كان يراني أقرب شخص له في أوروبا لعله فكّر وقلب رأيه مرات ومرات.. وهو يدرك أن "دانا" ستنجذب لفتيان وشباب تتخذ -شأنها شأن البولنديات والإسكندنافيات -عشيقا ثم آخر وآخر حتى جئت فوجد فيّ فرصة يغامر بها.. أنا فرصته الأخيرة.. وتحقق له ما أراد .. الآن أظافر " علاء الدين" الناعمة خدشت جرحا قديما مستورا، هذا الملاك الصغير جزء منه ومني .. نشترك فيه نحن الإثنين. كان ينطق بمرارة:

لكن الصورة ستزداد وضوحا في ذهنك حين تدرك أني عرفت زوجتي وأم ولديَّ"شارلوته" هنا.. كان أبوها قنصل الدنمارك في موزمبيق.. رجل ذو ثروة.. صاحب مشاريع. والأهم أني استلطفتها واستلطفتني.. .

فابتسمت وقاطعته لأوفر عليه أن يلتقط أنفاسه ويستريح قليلا من حديث مضنٍ:

حالة تناقض .. إرباك.. تشتت ..

كنت أحب " مارتا" التي أخرجتني نعومتها ورقتها من طبعي العنيف، كانت رقيقة أشبه برق ملاك.. وكان مستقبلي "شارلوته" التي تزوجتها ثم بعد ستة أشهر قلت لها إن علي أن أسافر بضعة ايام إلى بولندا لمتابعة مشروع لي أسسته هناك قبل قدومي إلى كوبنهاغن.

أقرب إلى التعجب من الاحتجاج:

صدقتك من دون تأمل.

المشكلة إن المجتمع الدنماركي كان في الستينات أشبه بالمغلق يقبل الأجنبي بحدود، ويصدق أي قول. لقد ظل الأمر سرا بيني وبين "مارتا" حتى توفيت قبل عامين فأخبرت شارلوته أن لي صديقا تونسيا متوفى من أيام أقامتي في بولندا زوجته توفيت أيضا .. المهم لفقت حكاية حتى جلبت معي "دانا" في المطعم لتكون تحت رقابتي والحق يقال إن شارلوته تبنتها مثل ابنة لها.

الشيء الذي لم أفهمه كيف كنت تتواصل معها من دون أن تعرف الصغيرة بعلاقتكما أو تجهل كل شيء؟

أولا "مارتا" أصيبت بمرض القلب بعد وصولها إلى كوبنهاغن بثلاث سنوات مما جعلنا نمتنع عن ممارسة الجنس، أما قبل المرض فقد كنت أزور مارتا في منزلها خلال ذهاب "دانا" ألى الروضة والمدرسة. مرة واحدة اغتنمتها فرصة عندما ذهبت "دانا "في معسكر مدرسي إلى شمال الدنمارك فسافرنا معا الى يوغسلافيا حيث أجريت عقد زواج عند مفتي براغ الذي طلبت منه أن يجعل تاريخ العقد في زمن حددته له فقبل مقابل هدية ما ثم ختمت العقد من سفارة العراق هناك.. ورقة احتفظ بها في صندوق الودائع بالبريد.

 هكذا قبل أن يأتي علاء الدين بسنوات وقع وضاح صك إدانته.. ربما نستطيع أن نخفي كلّ شيء .. نخفي أموالنا في صناديق نؤجرها في البنوك.. وهناك في ألمانيا أو سويسرا ودائع وأموال لا تطالها الضريبة نتلاعب مع إدارة الكهرباء ومفتشي الضرائب لعبة القط والفأر.. . توم وجيري.. حتى يحين يوم ندين فيه أنفسنا.. .هل كان وضاح يلوي الزمن وحده فدفعته من دون أن أدرك ؟ كنت أسأل نفسي حين رأيت ولادة طفلته أعني زوجتي "دانا" التي لم يرد لها أن تكون ابنة سفاح.. يشرب الخمر .. يأكل اللحم غير المذبوح.. يغني وهو صاح أو يسكر بمواويل عراقية قديمة أكل الدهر عليها وشرب ولا يراني فاقدا للهوية.. من دون وطن.. لكن حاول أن يلوي الزمن فلويته معه وقد نجح لكن الأيام صرعته، والعلامة الفارقة بيننا أنه طلب أن أترك كل شيء ورائي. أنسى لكنه تمسك ببعض ظل للماضي ولم يدرك بعد أننا نهزم الزمن إذا جاءنا مُجْتَمِعا ويهزمنا إذا واجهنا مُتَفَرِّقا، وقد فاجأني سؤال مر بخاطري تلك اللحظة:

لكن ما الذي دفعك لكلّ ذلك!

فقال بابتسامة واسعة:

أنا لم أنبت هنا في الدنمارك، ولا في بولندا، صحيح أتجاهل الدين غير أن مشاعري دفعتني إلى أن ألتمس هذا الطريق إذ مهما يكن فلدي إحساس أن " دانة" جزء مني !

بقيت صامتا أتأمل في علاء الدين الصغير والخدوش التي طبعتها أظافره الناعمة على وجه " شارلوته" التي انقلبت إلى نمرة جريحة :

هذا يعني أنك لست نادما؟!

لا قط.. بل كنت أفكر بأسوأ من هذا من قبل.. حتى أني لم أرتح أن أدعو دانه إلى منزلي.. كانت شارلوته تسألني لم لا أدعوها مادامت ابنة صديق عزيز عليّ من زمن بولندا.. فتخيلت ماذا يحدث لو جاءت إلى البيت والتقت أحد أخويها.. قد تحدث بينهما علاقة.. فكنت اتفقت مع شارلوته إلا تأتي إلى المنزل ولاتبيت عندنا قط.

- بودي أن أسألك ماذا كانت ستكون ردة فعلك لو جاء " علاء الدين" شبيها بي؟

 قلت ذلك وللمرة الأولى يخطر ببالي أنه كبر، ولن يخمش وجهي بأظافره فقد أصبح يتكلم لغة غير لغة أمه ولغة أبيه، سيكون مثل هؤلاء الاسكندنافيين العمالقة يتحدث لغتهم مثلهم من دون لكنة، لن يقولوا له إرحل لن يصرخ فيه أحد من العنصريين هذا ليس مكانك.. وقتها ننزوي أنا وأمه بعيدا عنه:

- عندذاك ربما كانت الأمور تجري بهدوء ومن غير ما أنا فيه الآن!

 غير أني أتساءل مرة أخرى:

"دانا"لم تخبرني قط بزيارتك لها فكيف لم تعترف لها إلا أمس أنك أبوها ألم تشك في مجيئك للبيت بحجة جلب هدايا إلى علاء الدين..

"دانا" طيبة القلب سرعان ماصدقت أنّ أمها استثمرت معي مالا في المحل هنا وفي بولندا، وطلبت منها أن تحتفظ بالسر عنك حتى تختمر القضية وتتحقق لتستثمرا المال في مشروع.. .صدقت ولكونها أمينة تعدني مثل والدها أو لنقل والدها بالتبني وثقت بي وصدقت لذلك لم تخبرك حتى تتحقق من إتمام كل شيء.

وماذا عليك أن تفعل الآن؟

يبدو الأمر سهلا من الناحية البايولوجية فقد عرفت أن الدنمارك تلجأ إلى طريقة الحمض النووي لمعرفة علاقة اللاجئين القادمين إلى الدنمارك ضمن عمليات جمع الشمل بمن يدعون أنهم آباءهم وأمهاتهم، أما من الناحية القانونية فأنا أب لولدين، وثروتي مشتركة مع زوجتي ستكون هناك تبعات حول الميراث..

 أعتقد أن "دانا "ستكون سعيدة بوجودك وليست بثروتك.

مع ذلك فلدي بعض المال الذي أخفيه في صندوق الأمانات سأقدمه لها.. . ثم لا تنس أن شغل المساء الذي أخفيته عن " شارلوته" أوفره لزوجتك!

قد أكون نسيت نفسي فتساءلت:

ماذا تقترح علي أن أفعل؟

هل تذكر يوم أبلغتك بوفاة الحاج شعيبي؟

رحمه الله

اشتريا محله، ستعملان معا .

فكرة تغريني..

 أراه يهرب مني إلى "دانه" وأنا أهرب إليها.. إنه هربي الأخير.. لم أكن أتصوّر يوما أني أغادر العراق.. أو أتوقع أن أطرد.. لا أعرف لهجة أخرى ولا لغة غير الدنماركية التي تعلمتها الآن.. لأبدأ مشوارا جديدا مع " دانا"أؤدي الدور نفسه الذي بدأه من قبل عمي أبو زوجتي.. ألمح الحاسبة فأغير فيها.. أتلاعب في المبيعات.. أتفق مع محصل الضرائب.. سوف يصدقني الدنماركيون.. تصدقني مديرية الضرائب.. كنت تقول لي إن لم نفعل ذلك لانقدر أن نجمع مالا يضمن لنا المستقبل.. نكذب بترتيب.. لكنني لن أبقى إلى الأبد أعتمد على سائق بالأجرة ينقل إلى محلي جثث الخراف .. سأدخل دورة وأحوز إجازة سوق .. حتى أخالني أخرج من الجحيم إلى الفردوس.. نعم كانت غرفة التوقيف باردة كالجحيم ولا أرغب في أن أعود.. هناك أشياء كثيرة أقوم بها قبل اللعب بالحاسبة والضرائب وها أنا أكتشف غلطي. يراودني خجل الآن :

ربما باع ورثته المحل؟!

إطمئن أنا تحدثت معهم، ولابدّ أن تغتنم الفرصة!

 أفضل.. يخيّل إليّ أني أبدأ عملا جديدا.. محل الحاج شعيبي لا يبيع إلا الحلال ولا أغيّر سنته.. حرفة جديدة تدفعني للدم قبل طلوع الفجر أقصد الحقل والمسلخ.. .. أحز رقاب خرفان وثيران ودجاج.. فهل ذبحت من قبل.. لاشك أني في مطعم علاء الدين فرمت لحما أو قطعته شرائح لأعلقه فوق السيخ.. أما أن أباشر الذبح والسلخ.. و.. تلك حرفة جديدة كنت في غفلة عنها .. أقسم أني لم أذبح حيوانا بل كنت أتلذذ بحلول العيد حين أجد خروفا موثوق اليدين والرجلين والجزار يهوي على رقبته بالسكين، وكان شواء الكباب يثير شهيتي حتى كدت أفضله على أي طعام آخر:

واستند بيديه إلى المنضدة لينهض، فظننته ينوي الذهاب إلى دورة المياه، لكنه قال :

لكن.. كيف أقابل "دانا "بعد العنف الذي وجهته إليها؟!

لا بأس عليك كنت أحدثها عنك قبل اعترافي لها. قلت لها إنها غيرتك التي دفعتك إلى استخدام العنف معها.. أيّ زوج مكانك يمكن أن يقدم على فعلك.

إني أتركك الآن.

فسبقني خاطر سريع:

هل تدع لي ورقة زواجك من " مارتا"؟

قد أحتاجها في المحكمة.

قلت معترضا، فقد خالطني شيء من الندم كوني كتبت عنه في قسم التحقيق ورقة تخص الضرائب وخداعه حتى إني وددت أنهم لم يطلعوه عليها:

ماكان عليك أن تذكرها القوانين هنا لاتعاقبك عن خيانة امرأتك لكنها تعاقب على الزواج من ثانية.

فقال وهو يطلق ضحكة قصيرة:

إما أن يكون الاعتراف كاملا أو لا، ليس هناك مايدينني عدا هذا الأمر حتى لو كتبت عني بعض الخصوصيات .. ادعاء لاسند قانونيّ له.. " فتحولت نظراتي خجلا منه إلى الطاولة وشعرت بحمرة الندم تسري في خدي وبعض القشعريرة" فعقب وهو يراني سارحا في كلامه: "دانا"بنت طيبة مثل أمها هل تعقل أن أمها كانت تكره الشيوعية لقد احبتني أنا الشيوعي وكنت أزين جدار الصالة بغرفة الاستقبال عندنا في وارشو بصورة كبيرة للينين فتنظر إليها وتبتسم على الرغم من أنها لا تحبه.. مالي أراك مازلت جالسا.. . هيا دانة تنتظرك.. تذكر إنها طيبة القلب.. هيا انهض.. . لا تكن غبيا لن أذهب معك إنها بانتظارك.. .

كان يحمل على كاهله كل هموم الدنيا.. .

وقد خيل إلي أنه يدندن وهو يغادر الكافتريا بمقامه المعهود الذي تركه في القبو على المنضدة جنب آلة التسجيل، بدا أشبه بشخص لا يدري أن يذهب بحمل ثقيل بدأه يوم كان جزارا في نقرة السلمان.. سجين جزار يضحك ويتسلى بالمقامات العراقية وأغاني الريف فيغني للجمال والفلك الذي انقلب فجأة به والآخرين وهو مشغول عنه بالغناء ويده تحزّ خرفانا يجلبها القادمون من المدينة لأبنائهم، في تلك النقطة الغارقة في رمال الصحراء، ومن غريب الأمور أني أدركت أنه ورَّثني هذه المهنة التي سأتعلمها بعد أيام قبل أن أفتحح محلي الجديد، وستشاركني " دانا" في كل شيء.. ليست دانا وحدها .. علاء الذين الذي كشف المستور معها سأراه قبل أن يكبر ويرحل بعيدا عني .. فلماذا أمارس المهنة التي تعلمها جدّ ابني في سجن نقرة السلمان ذات يوم.. فقد تغير كل شيء .. كوبنهاغن تغيرت أيضا.. لاحت لي في تلك اللحظة أنها تخرج من عزلتها.. يبدو أنها بدأت تعرف الفلافل والساموسة وتستسيغ الطعام الحلال..

تنتفخ مثل البالون ولا تنفجر

 وتركني قبل أن يسمع ردّي..

 ولم أكن مخطئا حين قلت إنه أصبح شابا ورجع كهلا في وقت واحد.. كأنه يحمل على كتفه جبلا يشده إلى الأرض لم يكن هو وضاح الذي حاول أن ينسى كل شيء تماما.. ماعدا موالا أو بعض موال ظل يدندن به منتصف الليل حتى توارى عن عيني خلال النهار، فهل أرثيه أم آسف لشيء لم أختلقه كاد يودي بي.. ينهي جهدا عارما بذلته كي أحقق ذاتي في بلد جديد عليّ .. لقد أرادني – حين أنتهي من الإقامة والتجنس- أن أكون ذراعه التي تمتد بعيدا .. مشاريع في باله انهارت.. مؤسسات يفكر بها في ألمانيا والسويد أصبح أنا اللولب الدائر بينها، مع ذلك، على الرغم من خسارته فقد لمحت بعض الهدوء يطفو على قسماته الحزينة كأنه يقول لي مادمت تبقى مع دانا" فليذهب كل شيء إلى الجحيم..

لكن قدوم " علاء الذين" الذي لم يكن مفاجئا قط قلب الموازين كلها رأسا على عقب.. .. لا أشكّ أني حققت ذاتي من خلاله .. أشياء فقدتها فعادت إليّ وبسببه أيضا فقد جَدُّه كلّ شيء.. , أما أنا فلن أفقد رائحة وضاح فقد ورثته في كلّ الأمور.. وقد ورثته " دانا" و "علاء الدين" حفيده أكثر مما ورثه أبناه الآخران.. .فوق كل ذلك .. .لا أبالغ حين أقول إن هواجسي ذابت في حقيقة واحدة هي أني أظنني أصبحت أقرب إنسان إليه من دانة نفسها وابنيه الآخرين .. .

 وربما أقرب إليه من حفيده ابني.. .

كنت بعد دقائق أقف أمام باب الشقة كأنني عائد من سفر بعيد أنهكني سنوات طويلة.. رحت أبكي وأنا أهم بالدخول .. .

أجل..

كان هناك نشيج يترجرج في صدري قبل أن أجرؤ على الدخول.. ..

انتهت

 كلمة المؤلف

لابدّ أن أشير وأنا أختم نهاية تلك الرواية بهذه الصيغة إلى تأثير الأدب الروسي في منذ الصغر بالضبط في السادس الابتدائي وأوّل رواية قرأتها وهي الأم ثم توالت القصص والروايات الأخرى لكن طعم الرواية الروسية يظل مميزا بخاصة في مسألتي الأخلاق والتطهير. في هذه الرواية التي كتبتها نهاية ثمانينيات القرن الماضي وجدتني أنساق مع الذكريات القديمة فأجد أنَّ من الصعوبة أن أجعل اللاجيء يكذب ويزوّر ويختلس ويتلاعب في الضرائب. هناك جانب إيجابي في اللاجئين القادمين من الشرق إنها روح علاء الدين النقية التي تتعلق بالمصباح والنور. لقد انسقت مع هذا الاتجاه عن غير وعي مني حتى جاءت مقالة الناقد د صالح الرزوق عن مفهوم الاخلاق عند دستويوفسكي (المقالة منشورة في صحيفة القدس العربي)، فاتبهت إلى أن هناك شيئا ما في هذه الرواية كمن في نفسي بتأثير من لأدب الروسي عن غير وعي مني هو أني جعلت وضاحا مدانا ونقيا في الوقت نفسه بل أنه عاش في خاتمة الرواية أجمل لحظات النقاء.

تحيتي للأخوة النقادوالأدباء والقراء لتفاعلهم مع هذه الرواية.

 

قصي عسكر

 

سردار محمد سعيدكأن صمت "رشيدة "

وجع المسافات البعيدة 

من هنا مرّت الخفافيش 

تحملها سود الرياح  

بأكفّ مجذومة تحمل السلاح 

وتبذرالخرافة

تنبثق أغصاناً من مسامير

تطال النحور

رشيدة ساهمة فيما يدور

***

يوم أجهضت رشيدة

قبرت طفلنا في عتبة الدار

سرعان ما نمت نخلة

طرحت رطباً وطولها لم يزد عن أشبار

ليلتها حلمت بنبي ينسج لها إكليلا من الغار

قلتَ: لا تقصصي رؤياك على أحد

اليوم ثانية أحلم بك

رأيتك رميتني أسيافا 

بلغن الشغافا

وضحكتنا على أكاذيبنا المنتقاة

من زعم المتيمين بالصبابة

 وقبلتنا الأولى

تغشي العيون

رجفتنا الأولى

وقولك مالذة الدنيا إذا لم ترجف الراجفة ونحس بطعم المنون

قصّي عليّ :

أرأيتني أرتجف لوحدي

أوأعصرخمراً

أم أقتات رغيفاً

أكنت عفيفاً

أم عنيفاً

قالت : أحتاجك اليوم

بكل ما فيك قويّاً ضعيفا ، صلداً رقيقا

***

نسيت حلاوة ما كنت ترنم

كنت إذا افتقدت السكّر

أمزج عباراتك بالقهوة 

ماذا أقول أكثر

هل قدّمت النساء على مذبح النحر أندر

يسألنني

ما سرّ توّرد الوجنات

قلت :هل أكلتن يوماً الكلمات

ورشفتن من ثغرالحبيب شعرا 

واتخذتن الأصابع العابثات بالخصلات لمّا ونثرا

سلّماً وجسرا

ذبتن في إحساسه المميت

جعلتن سواد عيونه يغيب

ويداه حول الخصرمغلولة

وجعلتن من فحل الفحول طفلا

يأمن من خوف

يُطعم من جوع

هل تمتعتن بعذوبة الغموض

بكاساته المترعة

إذن ما أبعد الأضلاع عن الأضلاع

والقطارات عن السكك

اليمامات عن منائر المآذن

لا وشم لسنابك خيول العشق

في مرابع الصدور

***

عندما تتهادى رشيدة بـ  "ديدوش مراد"

يفقد الناس الإتجاهات

والرصيف الثبات

شيخ يصيح سبحان الخالق

ترد امرأته العجوزحسبنا الله أزفت الآزفة

كأنها أجزاء ثلاثة تسير معاً

جنوباً محيط مائج

شمالاً بحر هائج

والخصر بينهما كالمضيق الوديع

تخشاه الكواسج

رشيدة في مهب العاصفة

مثل عصا موسى

مرة تهتز كجان

وأخرى كثعبان

أسجدوا فراعنة الورود

يا شقائق النعمان

رشيدة لن تعود

***

رشيدة كانت عطر "عنبر"

يخترق الإحساس

يهب على الناس

بأجنحة  هلامية

يطيرمن الفرات  يحط في حي" لافيجري "

ينبجس من أنفاسها

ما زلت أشمه على الوسادة

وعلى القلادة التي تركتها

على أعقاب السجائر

وبقايا أحمر الشفاه على الأكواب

لم أغادرالشواطىء  

أنتظريني في المرفأ القادم...

أحمل قبضة رمل فضي

***

سردار محمد سعيد

نقيب العشاق بين بيخال والبنج آب

.............................

رشيدة = رفيقة جزائرية رحلت قبل قرابة نصف قرن

ديدوش مراد = شارع كبير في العاصمة الجزائرية

لافيجري = حي من أحياء العاصمة مكان سكناي .

 

نور الدين صمودالإهداء إلى روح الشاعر الهندي

 طاغور

****

جولة ٌفي النهر قد ضمَّتْ مُحِبْ*مِنْ (بني الهند) إلى جنبِ مُحِبّْ

هام وجدًا في التي كانتْ على*زورق ٍفي ماءِ نَهـْـر ٍمُضْـطــربْ

تــارة يـبدو غـضوبًـا مَــوْجُهُ*مثــلَ ليثٍ خلفَ صَيْدٍ قــد وثــِـبْ

وهْـو طــوْرًا سـاكـنٌ ذو هــَدْأةٍ*مِـثـْل طِــفــلٍ ذي هُــدوءٍ وأدبْ

إنـّهُ (الكــنجُ) الــذي يعــبـــدهٌ*كـُلُّ مَـنْ كان لِـذا النهْــر مٌـحِـبّْ

ســبَحوا فــيـه لِـيَـمحـوا حُــوبَـهَـم*وهو للغفران ما كان سببْ

غـفــر اللهُ لمـن ضـلـوا ومَــنْ*جعــلـوا غيــرَ إلـَهِ الكــون ربّْ

وجـرى الزورق في النهر الذي*لم يَـصـفْ أمْثالـَهُ أهــلُ الأدبْ

ضَـمَّ  قـلــبيــنِ مُحِبَّيـْـــن ِمَعًـا*وكِلا القـلبيـن بالحُـبِّ الـْـتـَهَــِبْ

وبَـدا لي هائمًا إذ قـال لي:*ليس في الكون ِسِـواها مَــنْ أُحٍـبْ

ورأتـْهُ شاخصـًا في حِـجْـلـها*وهـو خـَلخالٌ ثـمــيـن ٌمِـنْ ذهَـبْ

نـَـزَعَـتـْهُ وَرَمَـتـْـهُ نـَحْــوَهُ،*فلـقـد خالــَتـْهُ في الحِـجْــل رَغِــبْ

لم يُـعِــرْهُ نـظــرة بل مَــسَّـُـه* ثـُــمَّ ألـــْقــاهُ بـمَـوج ٍذي صخَـبْ    

وبـِلا أي اكـْـتِـراثٍ قـــد مَــضى*مُـمْــعـنا في ذاتِ حســن وأدبْ

سـألـَتْ عاشقـَها عـنْ حِــجْــلِـها:*ذلك الحِجْـلُ تـُرَى أين ذهـبْ؟

فـَـرَمَـى الثانـي ســـريـعًـا قائلا:*(ها هـنا ألـْـقيْـتـُهُ، حيث رسبْ)

وتـَمَـلـَّـى قـَـدمَــيْــهــا مــثـلــما*(يَعْـبُــدَ الهنـْدِي مَهـاة ًويُحِــبْ)

لـم يَجـِدْ في الكـون أغـْـلى منهـما*فـهُــما قَـدْ زيَّـنا ذاكَ الـذهَــبْ

أوشـَكـَتْ عــيْــناه أن تـحْــسُوهُما*فـَهُما أعـذبُ من ماء العـنـبْ

مـا رأيــنـا مثــل هـذا الحُـب فـي*كلِّ مَنْ في الكون قد هبَّ ودبّْ

وارتمتْ إثـرَهـما في النهر كي*تنقذ الحِجْليـن، والأمــرُ وجَــبْ

ومـضتْ بـاحـثةً ًفي الماء عـنْ*قـِطـْعَــتيْ تِـبْـرٍ يَزينانِ العَـقِــبْ

وبدا، مــن شـدة الوجد بهـا،*قلـبَه كالموج في النهـر اضْطرَبْ

فـمَـضـى يُـنـقــذ ُمَـنْ هـام بهـا*لا يـــبـالي  بالـذي مـنها سُــلِبْ

فـهــي في عــينــيهِ كـنــزٌ فائـقٌ*كـُلَّ  كَـنـْـز ٍمـن لـُجَيْن ٍوذهـبْ

ومَـضَـى النـهـرُ ولكـنْ دون أنْ*يـُنقِـذ َالـحِجْلَ الذي فيه ذهــبْ

ساقـهـا، من حِجْـلها، أغلى وما**فـي الذي قد قالهُ عِندي كـذِبِ

و مضى النهر بكنزين مَـعًا*ومــضَـى العاشـق وجْــدا يــنتحٍـبْ

ضَيَّعَ الحِجْلَ ومَنْ يهوى معا*وقـضى في فـَيْـضِ دَمْعٍ مُنْسَكِـبْ

***

2017 نورالدين صمود            

ــــــــــــــــــــــــــ

هامش:

رابندرانات طاغور أشهر شعراء الهند في العصر الحديث، ولد سنة 1861 وتوفي سنة 1941 م وفاز بجائزة نوبل عام 1913.

عاطف الدرابسةهذا الصَّخرُ

كيف يُسافرُ فيه الماءُ

ليُعيدَني حيَّاً ؟

(2)

بعدَ غيبةٍ

أسألُ عنِّي

كأنِّي لستُ منكِ

أو كأنَّكِ لستِ منِّي !

(3)

بُعثتُ فيكُم

وما أنا منكُم

لأُعلِّمَكم

كيفَ تُباعُ الأوطان

وكيفَ تبكي السُّهولُ

وكيف تموتُ عطشاً

الشُّطآن !

ثمَّ أُعلَّمكُم

ثقافةَ النِّسيان !

(4)

بُعثتُ إليكُم

لأُحييَ الموتى

وما أنتُم بموتى !

(5)

بُعثتُ فيكُم

لأُوحيَ لكم بالسِّرِّ

وكيف خرجَ الضَّميرُ

من الضَّميرِ

كما تخرجُ الرُّوحُ من الجسدِ

لتَحِلَّ في الحجر !

فيصرخُ من شدَّةِ الظُّلمِ

الحجرْ !

كم تمنيَّتُ أن آتيَ إلى هذه الحياةِ

على هيئةِ حجرْ !

وهل يخلدُ في هذا الزَّمنِ الفاسدِ

إلا الحجرْ ؟

(6)

أُحاولُ أن أمضي

باتجاهِ دولةِ البرقِ والرَّعدِ

أتبَعُ خُطى المطر

وأنظرُ كيف يتغيَّرُ

وجهُ الأرضِ

وكيف تحبلُ بالأسرار !

وأتأمَّلُ كيف يموتُ

على حواشي الرِّمالِ

الموجُ !

ويصمتُ عن البوحِ

آخرُ بحر !

(7)

أُحاولُ أن أشُقَّ الطُّرق

كي يعبرَ الهواءُ النَّقيُّ

إلى رئاتِ العصافيرِ

ورئاتِ الحَمَام !

أُحاولُ أن أُشعِلَ النِّيرانَ

في المياهِ المالحةِ

لأحفرَ الأنفاقَ

في صدرِ الظَّلامِ !

وأكتبُ على وجهِ القمرِ

آخرَ الوصايا :

لا تضعوا العسلَ في السُّمِّ

فيفسدَ السُّمُّ

في خلايا الدَّمِ

ويحلو المَرارُ في الفمِ

فأعودُ إلى الجاهليَّةِ الأولى

أتبعُ شيخاً وقبيلةً

وأُصلِّي خاشعاً

للصَّنمِ !

***

د. عاطف درابسة

 

امين دمقالبَحْرُ مُرْتَبِكٌ بِمَوْجٍ لاَ يَشُدُّ عَلَى يَدِ الغَرْقَى

لِيسْكِنَهُمْ مَدَاهْ

قَلِقًا تَمَامًا كَابْنِ مَتَّى لَمْ ُيَصِّدقْ .. أَنَّ حُوتًا عَادِلًا

قَدْ يَبْصُقُ الفُقَرَاءَ نَحْوَ شَوَاطِئٍ ... بَرِمَتْ بِزُرْقَتِهَا فَعَانَقَهَا الشَّمَالْ

لَمْ يَتَّكِلْ قَلْبِي عَلَى نَعْيِ الجَرِيَدةِ وَاِرْتِحَالِ البَدْوِ عَنْ لَغْوِ التِّلَالْ

المَوْتُ كَاَن مُتَلْفَزًا بَثَّتْ لَطَائِفَهُ الجَزِيَرةُ فِي المُبَاشِرِ

[كَانَ مِنْ دَوْرِ الصِّحَافَةِ أَنْ تُوَاكِبَ عُرْيَنَا وَسِفَاحَ لَوْعَتِنَا]

قَالَ المُصَوِّرُ لِلْمُقَدِّمِ :

(أَنْ أَجِزْ..)

وَلْتَبْتَكِرْ دَمْعًا يُلَائِمُ رِقَّةَ التِّمْسَاحِ فِي قَضْمِ المِلَاحْ

لَمْ تَسْتَوِي أَبَدًا سَفَائِنَهُمْ عَلَى الجُودِيّْ ..

مِهْنِيَّةُ الخَبَرِ اقْتَضَتْ أَنْ نَسْأَلَ الأَشْلَاءَ عَنْ أَحْلَامِهِمْ ...

عَنْ مُمْكِنَاتِ القَوْلِ فِي الغَرَقِ السَّخِيّْ

[ وَرَدَتْ عَلَيْنَا الآَنَ بَارِقُةُ انْتِشَالِ أَوَاخِرِ البَطْرِيقِ مِنْ بَحْرِ الشَّمَالْ.. ]

قَدْ ضَلَّتِ الدَّرْبَ المُهَيَّأَ مُنْذُ أَلْفِ سُلَالَةٍ ،

فَلَرُبَّمَا سَلَكَتْ مَضِيقًا لاَ يُعِيرُ فِرَائَهَا زَغَبَ المَجَالْ

قلْتُ الشَّمَالُ هُوَ الشَّمَالْ

الغُنْمُ سِلْعَتُهُ **** وَالثَّلْجُ جَوْرَبُهُ

تَبَّتْ يَدَا حُلُمِي * *** إِنْ ظَلَّ يَطْلُبُهُ

لاَ لَنْ يَضِيعَ دَمِي **** مَا دَامَ يَشْرَبُهُ

هُوَ كَوْكَبٌ لَا يَنْتَمِي لِضِفَافِنَا..

هُوَ مِحْنَةُ الغُرَبَاءِ فِي لَيْلِ الشَّقَاءِ ..

خُرَافَةُ الشَرْقِيِ ّ فِي كَيِ ّ الجِبَاهِ المُتْعَبَاتِ مِنَ الصَّهِيلْ

وَضَغِينَةٌ نَامَتْ عَلَى خَبَبِ الحَدَاثَةِ وَاجْتِرَارِ الِاحْتِلاَلْ

(عَفْوًا نَعُودُ إِلَى السَّفِينَةِ...)

حَيْثُ لَمْ يَغْرَقْ سِوَى مِائَةٌ مِنَ الشُطَّارِ لَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ نَسَبًا وَلاَ حَسَبًا..

لِكَيْ يَسْتَأْثِرُوا بِالذِّكْرِ وَالأَضْوَاءْ.

وَهُنَاكَ بِالمِينَاءِ: طَيْفُ حَبِيَبةٍ ..

غَنَّتْ عَلَى وَئْدِ المُلوحَةِ عُرْسَهَا،

جَاءَتْ بِزِينَتِهَا وَفُسْتَانِ الزِّفَافِ لِكَيْ تُوَدِّعَ مَنْ تَفَانَى فِي حَرِيقِ شِفَاهِهَا

ذَابَ الرَّصِيفُ بِلَوْعَةِ اِمْرَأَةٍ سَتُبْعَثُ مِنْ بُكَاءِ وَحِيدِهَا

صَفَعَتْ مُؤَخِّرَةَ الفَرَاغِ بِقَلْبِهَا حَتَّى تَفِرَّ مِنَ الغِيَابْ ..

قَدْ صَاغَ مِعْمَارَ الهَوَاجِسِ فِي تَجَرُّدِهَا مِنَ الأَلْوَانْ.

" نَادَتْهُ فَاِعْتَمَرَ الشُّحُوبَ : فَضِيلَةً لِلْاِنْسِحَابِ مِنَ العُبَابْ "

وَبَقِيتُ وَحْدِي أَرْمُقُ المُتَطَفِّلِينَ يُزَخْرِفُونَ بَلَاهَةَ " السِّلْفِي" بِضِحْكَتِهِمْ مَعَ المَوْتَى

وَسِرْبٌ مِنْ جَوَى البُولِيسِ يَحْرُسُ:

مَا تَبَقَّى مِنْ رُفَاتِ العَاطِلِينَ عَنِ الحَيَاةْ

فَكَّرْتُ فِي خُطَبٍ مِنَ العُهْرِ المُعَلَّبِ سَوْفَ يُنْشِدُهَا الطُّغَاةْ

فَكَّرْتُ فِي حِقْدِ المَسِيحِ عَلَى الصَّلِيبِ وَمَنْ يُصَفِّقُ لِلْجُبَاةْ

وَهُنَاكَ قُرْبَ سَوَاحِلِ المُتَوَسِّطِ القَانِي

وَجَدْتُكَ نَائِمًا .. قَمَرًا مُسَجًّى ...

لاَ يُؤَدْلِجُ مِلْحَ مِيتَتِهِ بِمَوْجٍ لاَ يُعِيرُ الِانْتِبَاهَ لِسِحْرِهِ وَجَمَالِهِ

هُوَ غَايَةُ الشَّرْقِ المُحَاصَرِ بِالشِّقَاقْ.

هُوَ لَثْغَةُ الهَمَسَاتِ ..،

فِتْنَتُهَا تُسَافِرُ مِنْ رُبَى الكُرْدِيِّ فِي هَمْسِ الشَّظِيَّةِ لِلْضَّحِيَّةِ

هَارِبًا مِنْ يَنْبَغِيَّاتِ الفِرَاقِ ..

إِذَا دِمَشْقُ تَنَهَّدَتْ كَمَدًا عَلَى عُشَّاقِهَا وَعِنَاقِهَا لِلْعَابِرِينَ إِلَى الجَحِيمْ.

اِيلَانُ قَافِيَةَ القَصِيدِ وَخَاتَمٌ لِلْأَصْفِيَاءِ المُرْسَلِينَ مِنَ الشَّهَادَةِ..

لَمْ يَكُنْ عِجْلًا مِنَ الذَّهَبِ النَّقِيِّ مِنَ المَجَازِ

وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّامِرِيِّ عَلَاقَةٌ بِبَهَائِهِ،

حَتَّى يُحَرَّقَ ثُمَّ يُرْمَى خِرْقَةً فِي اليَمّْ

" مَا كُنْتُ أَنْوِي أَنْ أُثِيرَ الغَمّْ "

كُلُّ الحِكَاَيةِ أَنَّنِي كَلِفٌ بِمَوْهِبَتِي .. عَصَى سِحْرِي

لَكِنَّ اِيلَانَ اِسْتَثَارَ بَدَاوَتِي.. كَقَصِيدَةٍ يَسْتَوْحِشُ الإِيقَاعُ مِنْ نَزَوَاتِهَا

أَوْ عَاشِقَيْنِ يُغَمِّسَانِ اللَّيْلَ بِالقُبُلاَتْ

قَدْ كَانَ يَنْوِي أَنْ يَصِيرَ مُهَنْدِسًا أَوْ شَاعِرًا أَوْ سَاِرقًا لِلنَّارِ وَالأَقْمَارْ

اِبْنُ الثَّلاَثِ مُهَيَّأٌ لِيَصِيرَ مِفْتَاحَ القِيَامَةِ.. جَنَّةً لاَ يُسْتَظَلُّ بِكَرْمِهَا

حَتَّامَ نَقْتُلُهُ وَنَبْكِي مَوْتَهُ العَبَثِيَّ مِنْ عُهْرِ السِّيَاسَةِ وَالقَرَارْ

تُوبُوا لِبَارِئكُمْ وَلاَ تَتَفَيَّئُوا قَمَرًا سَيَحْلُمُ بِالحُلُولِ بِضِفَّتَيْهْ

اِيلَانُ: يَا شَجَرَ المَشِيئَةِ ثِقْ قَلِيلًا فِي الدُّمُوعِ وَفِي الدِّمَاءْ

قَدْ كُنْتَ صَفْعَةَ ثَائِرٍ لِمُؤَرِّخٍ أَلِفَتْ مَنَاهِجَهُ الرِّثَاءْ

وَالآَنَ بَعْدَ فِرَارَكَ القَاسِي تَأَكَّدْ أَنَّنَا..

شَعِبٌ مِنَ اليَقْطِينِ يَنْبُتُ فِي أَقَاصِي الوَجْدِ ..

يَجْتَرُّ النُّبُوءَةَ وَالمُوَطَّأَ وَالسِّيَرْ

لاَ لَمْ تَكُنْ فَضًّا غَلِيظَ القَلْبِ حَتَّى تَسْتَحِيلَ لِمُضْغَةٍ بِفَمِ المَنِيَّةِ وَالقَدَرْ

قَلِقًا تَمَامًا كَابْنِ مَتَّى لَمْ أُصَدِّقْ أَنَّ حُوتًا عَادِلاً

قَدْ يَصْطَفِيكَ لِبَطْنِهِ سَكَنًا...، سَيُنْبَذُ بِالعَرَاءِ وَلاَ يَفِرّْ

 

أمين دمق

 

سليم الحسنييقول الذين عرفوه، إنه لم يكن بهذا التكبر والطغيان، كان بسيطاً متواضعاً، يعرف طوله وعرضه، فلا يجلس إلا في مكانه، ولا يتكلم إلا بما يعنيه، يجيب على السؤال بجواب محدود الكلمات، ينتقيها بحذر شديد، فقد كان يرى ما حوله عالماً يضجّ بالمخاطر، فوراء الباب عيون تترصد، وللجدران آذان، وفي الطرقات شرطة سرية. كان يعتقد أن خروجه من بيته الى الدرس مغامرة كبيرة، فحين يعود يشكر الله ويحمده على نعمة السلامة.

لم يستخدم حقيبة كتب، إنما يحملها تحت أبطه، يكشف عناوينها، فلا مجال لاتهامه بأنه يحمل كتاباً ممنوعاً.

يستخدم أكياس النايلون الشفافة حين يتسوق، فكل شيء ظاهر لمن يراه، ولو لا الحياء لكشف عن جلبابه وهو يمشي حتى لا يظن الشرطي السرّي أنه يحمل سلاحاً أو سكيناً أو عصا.

كان هاجس الشرطي السرّي يرافقه ليل نهار، وهذا ما دعاه أن يجهر في قنوته قدر الإمكان، فهو لا يدعو إلا بالعافية، وكان يرهقه الدعاء، فهو يتخير أكثرها وضوحاً وبساطة في الكلمات.

وقد فكّر مرة أن يدعو في سرّه، لكنه طرد الفكرة، فربما يظنّ الشرطي السري أنه يدعو ضد الرئيس. ثم ندم على هذه الفكرة ندماً شديداً، فقد تكون للفكرة علامة على الوجه، وسيقرأها هذا الشرطي. قرر أن يجلس في بيته أربعين يوماً حتى تزول آثار الفكرة تماماً، لكنه ندم مرة ثانية بعد مضي أسبوع، فقد وجد أن انقطاعه عن الدرس قد يفهمه الرقيب احتجاجاً على السلطة، فلبس جلبابه وانطلق الى المسجد مسرعاً.

في الطريق تعمد أن يسعل سعالاً متواصلاً، ليوهم المارة بأنه كان مريضاً. غير أنه توقف عن السعال حين اجتاز بضعة أمتار، فقد هتف صوت بدخله:

ـ ما الذي تفعله؟ سيقولون إنها إشارات خفية لعمل مقصود. تصرّف كما أنت، لا تأت بجديد، إن الجديد يوقعك في ورطة.

واصل طريقه من غير سعال، لكنه ظل قلقاً على الأمتار الأولى، ماذا لو سأله الشرطي عن سبب توقف سعاله فجأة؟

تدارك الخطأ بنوبة من السعال المتواصل، هكذا يكون الأمر أفضل. ثم ضربته صفعة ندم غاضبة:

ـ ما الذي فعلته؟ إنك تعيد الخطأ مرة بعد أخرى.

سقط كتاب من يده، هذه فرصة نادرة، انظر من حولك لتستجلي الزقاق، فتعرف من سمع سعالك ومن لم يسمع.

كان الزقاق خالياً، يغطيه الصمت والهدوء، ازدادت مخاوفه، فهذا الرقيب يترصده بذكاء، يختفي بسرعة شبح ماهر، إنه ينظر الي الآن، أنا مكشوف أمامه، وكذلك افكاري وهواجسي، لقد أوقعت نفسي في فخه، أحاطني بشركه، سيضع القيد في يديّ، لقد مكّنته من نفسي باخطائي المتلاحقة. سأقسم له بأني مريض، أو أقسم له بأني لا أعرف سبب السعال، لقد دهمني فجأة، أو أقسم له بأني أخطأت عندما سعلت.

لفّته الحيرة من كل جانب، شعر بأنه من غير ساقين، سيسقط على الأرض، لابد أن يسقط، ما الذي يجعله واقفاً؟ أيكون الشرطي قد أمسكه؟ أتكون نظراته لها قوة خارقة تتحكم بطريدته؟ إنهم يملكون من الأسباب ما لا يحيط به عقل، نعم، فهذا الشرطي يمسكني، إنه يقف خلفي، هذه أصابعه الصلبة، أحسها تضعط عظامي، صرت في قبضته، لا مجال للهرب. سأعترف له بأني لم أكن مريضاً وأن سعالي كان خوفاً، ولن أعود لمثلها ثانية.

أحس بقبضة الشرطي صلبة على مؤخرة رأسه، ضربة موجعة، استدار ليتوسل اليه، كان جداراً قديماً يلتصق به، والزقاق خال من المارة، إنه يوم الجمعة، والوقت مبكر، لا زال الناس في بيوتهم، عبّ نفساً عميقاً وعاد الى بيته، يشعر بتعب اللحظات الصعبة، سجد شكراً لله على نعمة السلامة.

 

سليم الحسني

 

حسن حاتم المذكورهربت مني

... ابحث عني

في وطن خسر الرهان

 ........  فباعني

امتعتي

- اسم: نطقته امي

- سمرة: شمس الجنوب اورثتني

- لهجـة: في حبر عذوبتها كتبتني

اربعون عاماً

اسير على مسافة مترين

بين ان اعود ... او لا اعود

*

صوت سيدة

في الجانب الآخر من المنفى

- ابق كما انت هناك

لا احد هنا يهواك

لا عنوان بأنتظارك 

والدار يسكنها سواك

لا تشعل الأشواق فيك

واشرب دموع هواك

وانتظرني هناك

*

- من انت سيدتي ...؟

- ........... انـا ..؟

تلك التي كانت انـا

بغداد الدنيا يا ولدي

خذلوا الزمان

واغتصبوا المكان

وانتصروا فينا جاهلية

......... فأصبحنا

ارملة التاريخ انا

وانتم الأيتام .. يا ولدي

***

حسن حاتم المذكور - برلين

حسام عبد الحسينعادت سيجارتي من جديد، وعادت معها ذكريات الهوى، ومرديات الصبا، عادت بعد سنوات لتخبرني بعشقي العتيق، بتلك التي قبلتها في الخفاء والخوف، عادت لتذكرني بأجساد الصبايا ورفاق الطفولة، عادت لتراقصني ان حزنت، وتواسيني ان جزعت، وتلاعبني ان نفيت، وتصور لي من دخانها حنين الماضي، وترسم في الهواء مستقبل العناء.

اليوم وجدت فيها ذات الوطن وذات الانفس، وجدت فيها اثار الفراق ومعالي الاخلاص، رأيتها تحاكي ذاتي وتردد اشعاري ثم تشرح ما فيها من الم، عادت لتصرخ وتقول: قد عانقتك من جديد، قد هيمنت على قواك، قد نمت في سرك وجوفك، حتى بدأت لذاتنا تتفجر، وصراخنا يردد: يا بلدي المضرج دعنا ننتفض.

اخذ الصمت لوهلة ثم نطق ورق سجارتي قائلاً: اعرف وعيك وحلمك في ثورة، اعرف دموعك الضائعة في بحر الطغاة، اعرف فقدك للحياة في عالم المال، اعرف ما سرقه الاثرياء من احضانك، اعرف ما سببه الظلم من وجعك، اعرف ما تركه الجوع من عظيم فكرك، اعرف كيف دار الزمان ما بين طاغ وطغات في عمرك، اعرف الثروات كيف وزعت في بياض رأسك، اعرف النساء كيف اضطهدت في تجاعيد وجهك، اعرف السراق كيف قدست في ذبول عينيك، اعرف العشق كيف سحقته الطبقية في وحدة دربك، اعرف الخرافة كيف تسلطت في سمار جسدك، اعرف الفقراء كيف ذلت في انحناءة رأسك، اعرف الموت كيف تربع في التفاتة بصرك، اعرف الموؤدة كيف قتلت في صراخ صمتك.

لذا يا رفيقي اصمت فالحمقى لا يكفون عن الكلام.

 

حسام عبد الحسين

محمد صالح الغريسيأطلقي مراكب حبّك سيّدتي

دعيها تبحر في دمي..

في شراييني .. في أوردتي،

دعيها تلقي مراسيها في الشّغاف..

دعيها تمخر عباب الرّوح..

تسافر نحو البرزخ

تسبّح للملكوت الأعلى

*

يا حارس الأشعار

هلّا أهديت حبيبتي رجفة المعنى

في قدّاس القصيد،

هي لا تعرف كم شمعة أشعلت ..

و كم نذرا نذرت ..

و كم صلّيت من أجل اللّقاء ...

تعالي نسر معا على ضفاف الحلم

تضلّلنا غمامة بيضاء

تمطر علينا بتلات من الورد

ترقصها نسائم النّشوة ...

يا نوارس الحلم

خبّريني عن وطني الجريح

عن اتّجاه الرّيح

عن أقرب مرفإ

للنّجاة...

لقد ضاعت البوصلة

و الكلّ أرهقه الدّوار

ربّاه قد تاه القرار

ما بين الربّان و البحّار ..

ما بين المطرقة و المسمار...

هل ضلّت السّفينة الطّريق؟

ها هي جنّيات البحر تراودنا..

تجرّنا إلى الأعماق

صاح أحد الركّاب

تبعه آخرون..

ثمّ آخرون:

نريد .. دفّة القيادة..

نريد .. دفّة القيادة..

و لبّدت في الأفق السّماء

غيومها السّوداء

و فتّحت أفواهها ..

الرّيح .. و الماء .. و لعنة السّماء

و اختلط العباب بالغثاء

و طني..

إلى أين تمضي يا وطني

ها ملأت ضفافَك الأشلاء

و هاجر الخلاّن و الإخوان و الأبناء

غدا يا وطني

سنشتري بالمال جلد ثور

لوطن جديد

و ربّما نقتّل كما قد قتّل " الهنود"

و ربّما نشرّد كما تشرّد "اليهود"

و ربّما نساق كالعبيد

في دولة القرود

*

حبيبتي

لم يبق لي إلاّك يا حبيبتي

فلتبحري سيّدتي

في شراييني .. في أوردتي

و اجعلي من شغاف القلب مرفأ لك

 للنّجاة.

فأنا أخشى عليك من جنون العاصفة.

***

شعر: محمد الصالح الغريسي

 

رند الربيعيعذبًا كانَ المجيءُ...

من اقصى المنافي،

رغم وحشةٍ طافيةٍ في المساراتِ

تبدأُ ...

تنتهي نازفةً

داخلَ جسدٍ؛

تلك القصائدُ...

تحترقُ بدخانِ صوتٍ رخيمِ،

وَلعناتِ قُرّاءٍ

بِحنجرةٍ مُستعارة!ٍ

ناقصةُ الملامحِ تلكَ النهاياتُ

تلتهمُ روحًا قِشّيَّةً

ما علّمتني،

ما حمّلتني،

ما مَنحتني المنافي إلّا عوزاً بارداً! !

ليالٍ نافقةٌ،

ألوانُ نورسٍ يُحلّقُ بجناحٍ مَكسورٍ

رغمَ عشقِ النهرِ...

أرقامُها أزرارُ محطاتٍ

يالَبكاءِ النوايا!

أنينُ الزّهرِ خلفَ الذكرياتِ

هنالكَ...

في أقصى زاويةِ الفَقدِ

تطاولَتْ أمنياتٌ

تاهتْ يدي

تكورَتْ أرواحٌ بظلِّ المرايا،

تنزوي حُلمًا،

تفتحُ آفاقَ عبورٍ مهذبٍ...

أنا... لستُ أنا!

هنالِكَ منافي نبوءةِ نازحٍ ،

رسالةُ ثكلى،

غابَ الطريقُ الطويلُ،

تعالوا...

نعلنُ سفرَنا الكاذبَ لها...

حقائبَ وَ مسافاتٍ،

غرباءٌ برؤوسٍ مثقوبةٍ،

النوافذُ مشرعةٌ لرذاذٍ مطري،

زاغَ مِنْ غيومٍ تشرينيةِ

***

رند الربيعي

 

مريم لحلوخريف -

ببقايا ثوبها القديم تطيل

خالتي العجوز ضفائرها

٢

كانون -

أطول من النهار

ذيل فستان العروس

٣

الشمس خلال الغيوم -

يا أسفي على الوَضَح

في جسد الحسناء !

٤

سكة القطار المهجورة -

عزف منفرد تحت

قدمي الصَّبية

٥

قطرات الندى !

ما إن تسقط واحدة

حتى تستعد أخرى

٦

كما زمان

أطول من ظلي

ظل شاهدة قبرك

٧

شحاذ تحت المطر

حتى تمثال الإمبراطور

مدرارة دموعه

٨

لا معنى للريح

لولا شعرك

 الطويل

٩

غروب دموي

الأسلاك الشائكة

تقطع أوصال الشمس

١٠

حفل تكريم -

بغضبه القديم ينصرف

خصيم الطفولة

١١

موسم جني الزيتون -

دافئة حلمة الأم

 في فم الرضيع

***

مريم لحلو - المغرب

فاتن عبد السلام بلانإلى أستاذي الإنسان ومعلمي الروحي الجليل

 زاحم جهاد مطر،

 أكثّفُ دعائي لك بالشفاء.

***

في رجيفِ اللاشيء

روحي غريبةٌ

 ففي زحامِ الوحدة

تغدو السماءُ فلاشًا

وشاشاتِ تلفزة

ويتحوّلُ الأثيرُ

إلى هواتفٍ لاسلكية

أراكَ تشقُّ غُبارَ الشّمس

هُناكَ كُنّا أصيصَ زهْرٍ

هُنا بتنا بخّةَ عطرٍ

 تُوسّمُ بالألقِ

تاريخَ الوردة

ها أنتَ تسري بي

إلى عمودِ الألوهةِ الفقري

حينَ كُنّا في

نخاعِ الزمانِ فكرة

حينَ صرنا في

جذرِ المكانِ نبضة

تكةٌ تكة تعرجُ بي

تمسكُ بيدِ خوفي

قابَ قوسينِ

من حُنوٍّ وكلمة

*

تعالَ .. تعالَ

بالشّعورِ واللاشعور

تعالَ أيُّها التائهُ

 إلى غُدراني

تعالَ أيُّها الهائمُ

فوقَ شطآني

إنَّ صراطَ المسامِ هزيلٌ

وأنتَ.. مُهرٌ أثيرٌ

 تُسابقُ بالضوءِ

 مروجَ ذاكرتي

 لتلقاني

*

تعالَ .. تعالَ

 نايًا بريئًا

واتركْ جرحًا عتيقًا

إنَّ الرُعاةَ

 كبوشُ الزهدِ

و أضاحٍ تُيّممُ التُراب

 ترتكبُنا الحياةُ

 بشهقةٍ

ولسانُ الداءِ

سليطُ النشاز

فيا .. مرآتي

 دجّنْ الظِّلالَ أرجَ نورٍ

وكنْ الخلودَ

 في ألحاني

*

تعالَ .. تعالَ

بينَ شوارعِ الآهِ غيمة

تنثُّ شظايا الغيابِ

قطرةً قطرة

تموءُ ببسمةٍ

وتنسى بغمضة

 كُنتني ذاتَ رئةٍ

 على قيدِ التنفّس

وكُنتكَ

 على ذمّةِ العُمرِ

 ومضة

فيا مرآتي

 لُمّ الدمعَ وزُمّه

فالمحيطُ سِلْمٌ

 والأمواجُ حربٌ

ومزاميرُ الرعدِ

تشدو بأشجاني

*

تعالَ .. تعالَ

 فالوقتُ عقاقير

وخديعةُ مسافات

أيامي سنابل

ولياليّ فزّاعات

وناطورُ الريحِ

يزفرُ التعبَ

 في مفاصلِ الساعات

فيا مرآتي

 كنْ .. نسمةً

كنْ .. همسةً

شموعَ معبدٍ

 في تراتيلها تتوهّجُ الحياة

فنذوري بخورٌ

مناديل

أنتَ وأنا طقسٌ غائمٌ

ما استفزكَ ياروح

قدْ … أبكاني ..!

*

تعالَ .. تعالَ

نمدُّ الشّموسَ جسورًا

لنندمجَ شعاعًا

ونحترقَ شُعلة

 هسيسُ الآلهةِ قياثير

ونقراتُ أرواحنا غُنوة

 فُكّ أزرازَ المستحيلِ

واشربْ ريقَ الفجرِ

شربةً شربة

فيا مرآتي

أجسادنا ألغازٌ

وأعمارُنا أسرار

إنَّ الصُدفَ طائيةٌ

لنحُلَّ طلسمةَ الحظوظ

 فإنْ أدماكَ خنجرُ القدرِ

أُبشّرُكَ ..

قد وخزَ حُنجرةَ صمتي

 وأدماني .. !!  ..

***

فاتن عبدالسلام بلان

سلام لك وألف سلامة

مصطفى الخليلالحمائم التي قُتلت، لن تتيه عن قاتلها

بصمات يديه الموشومة بالدم...

شاهدتها السماء

قال أحدهم، صدقوني، لاتخشون شيئاً

في المنتهى؛ عند اللحظات الأولى، سيسقط....

مثقلا  بأوزرانا ...

سنمر بسهولة، نستشرف رائحة التفاح

رجلٌ مهدل الشاربين، قال بخبث

نرتاح في البستان أم نشمت به؟

مولانا، هل هذه خطيئة،

أخشى أن نجده أمامنا وقد سَرقَ كل (الشراب)

*

الرموز أبجدية الخنوع

تمائم الخائفين، من ظل خطوات الوهم

*

على عتبات الحياة...

طرقٌ للموت - الغرق

التيه لقرون، في الصديد

قيحاً، يتقيأنا الدهر للمرة الألف

*

في المدارس

عند شيخ الكتاب

في الصحف الرسمية

في مهرجانات الشعر

يكذبون علينا....

شيخ القبيلة المتخم حماقة

على رائحة حب الهال كل مساء...

صدع رؤوسنا عن جده الذي مرغ أنف ابن عم له

لإجل معزى...

تلك حكاية المجد؟

يصب القهوة، ينظر بشزر، ماكرٌ

كيف لإبن (القهوجي) أن يتسيد؟

الشمس بنتنا...

لكنها مولودٌ عاق

*

في تراتيل الكنائس

دعاء صلاة الفجر

في جرس المدرسة

حفلات الطَهور

في مولوية الدراويش

لطميات المقتلة الكبرى

وأصدقها ؟

ابتهالات في القدس....

الحاكم بأمر الله....

ظل الله على الارض...

ظل الشيطان في الارض

***

الرقة- مصطفى الخليل

 

صحيفة المثقف: "يمه عبالك حية" هذا ما بدر لذهن المولدة لحظة رأته لكنها لم تنطق - خشية أن تنقص مكافأتها - بل زمت شفتيها عنوة وهي تضعه في حجر أُمه حتى لم تخطر ببالها عبارات التهنئة المعهودة وحين نظرته أُمه التي كانت ابتسامتها تشع فتنير وجهها لأنها أنجبت أخيراً الذكر الذي ينشدانه هي وزوجها نظرت اليه فتقلصت شفتاها على ابتسامتها وهي تقول لنفسها بصوت هامس

: "عيونه مثل الحية" رحلت ابتسامتها بلا رجعة . ثم انتبهت الى أًم زوجها وهي ترتد شيئاً ما عن الطفل بعد النظرة الأُولى لكنها أرغمت نفسها على تقبيله وتهنئة أًمه . وأخيرا جاء الزوج فقد أتمت المولدة عملها وخرجت لتبشر الرجل بوليده وتدعوه لرؤيته .

ما كاد الأُب ينحني على الطفل حتى هتف مروعاً بصوت لم يحضر نفسه لكتمانه

: " هذا حية "

ثم اسماه " ثعبان " وبذا كرّس اسمه الصفة فيه . نفرت منه أُختاه أولا ثم الآخرون .

وفي الجوار لم يحبذ الأطفال أن يلعبوا معه أمام منازلهم ولا على الأرصفة ، أما في المدرسة أول التحاقه بها وحين وقفت المعلمة عند اسمه ثم قرأته بصوت عال وهي منحنية فوق سجل الأسماء وقد ظنت إن في الكتابة خطأ ما ... هناك من أجاب نعم فقالت له دون أن ترفع رأسها

: قف

ولما رأته قالت

: هه أنت اسم على مسمى إذن نفر الطلاب منه ومن اسمه وقرروا مع أنفسهم وفي سرائرهم الا يلعبوا معه . فظل وحيداً وإن كان لهذا نفع وأثر حميد فهو سعيه جاداً الى طلب العلم في كل مراحل الدراسة فليس له أصدقاء يشغلون من وقته جزءاً . كان صديقه الوحيد كتابه لذا تفوق في كل المراحل وعوض النقص بطلب العلم والانصراف الى المعرفة لنيل التفوق . في ثانوية الناحية المختلطة كان يرى بعض الأحيان سهاماً للمودة تنطلق من العيون في غفلة من العيون لكنه طبعاً كان خارج قوسها ومرماها . وتكرر ذلك في الجامعة فظل فريداً ورضي بالتفوق بدلاً . طوال حياته لم يدع للمشاركة في ايما فريق رياضي لذا كانت رياضته الوحيدة هي السير الحثيث فكان يصل في سيره الى ركن من المدينة يغيره بين آن وآخر فيجلس على صخرة أو حجارة أو حتى على الأرض مباشرة ليفكر ويفكر حتى يتلبسه السأم فيعود الى داره والى حجرته ليقرأ ويقرأ .

تخرج طبيباً من أوائل دفعته وعين حيث أراد ولما حان وقت زواجه اختار زميلة له فتقدم مباشرة لذويها خاطباً دون استشارتها وبغير تمهيد للأمر خشية رفضها وهذا ما حدث فعلاً . كان خلوقا ً جداً واسمه ألجأه الى حياء إجباري، غير إن أحداً لم يحبه أبداً ولا أمه التي كان يرضيها بشتى الوسائل .

ومع إن صفة عينه ضؤلت عبر الزمن غير إن الاسم لا ينفك يذّكر بها وأخيرا في إحدى الليالي وقد طفح كيله وضاقت نفسه كتب طلبين وكان أحدهما عاجلاً حيث تفرغ لمتابعته منذ الصباح الذي انبثق بعد تلك الليلة فأخذ إجازة ومضى الى مركز القضاء وقصد محكمة الأحوال الشخصية ليرفع لها "طلب تغيير اسم" أما الطلب الثاني فقد احتفظ به حتى يتم له الأمر الأول وفيه " طلب نقل لمحافظة بعيدة لا يعرفه أحد فيها .

***

سمية العبيدي - بغداد

 

 عبد الجبار الحمديمثل لفافة تبغ معتقة عاملني وأقتنيني، فانا أعرف أنك من محبي الأشياء النفيسة القيمة... أجل قبل ان تتفوه باستغراب وتسال هل انتِ شيئا حتى اقتنيك أو احتفظ بك؟! سأجيبك وبكلمة واحدة نعم كما أقتنيتك أنا، لقد عشت معك ما يناهز أربعة من العقود وانا أراك في جميع الاحيان حريصا تخاف على ما اقتنيته عشقا، تعيش معها حالات من الهوس ايام طوال وسهر، كنت أراك تحدثها، تسامرها، تنادمها، كأنك بنيت بينك وبينها علاقة حب، ما لم تكن هي كذلك، وجدتك تهوى غيري، بداية صبرت قلت... هي عادة لا يمكنه التخلي عنها ونحن في بداية حياتنا، لكن كلما مرت السنين اجدك تبتعد عني أكثر فأكثر، هكذا شعوري صور لي، أراجع نفسي، تصرفاتي، حالات الزعل او الغضب، حتى الاختلاف في الراي، فأرى انها أمور عادية تحدث لاي اسرة، جاءنا من الأبناء ما دفيء قلبي وقلبك، تربوا على حبك وحبي، الحنان يلفاهم في بعض الاحيان منك فأعتادوا على ذلك، أما أنا فلا يلفاني وذاك لم أعتده منك.. جرفتهم مجريات الحياة بعيدا عنا.. بقينا أنا وأنت، غير ان حبك لما تقتنيه اكبر وأكثر، على مضض اتقبل واقعك المر لاني احبك جدا، أتصدق عندما أقول لك.. أني أغار من لفافة التبغ التي في يدك!؟ تلك التي تشاركني فيك، تتبوأ مساحات من وقتك وعالمك، تدفع بأصابعك بإتجاهها بحنو تعاملها بحذر.. تخرجها بهدوء تبلل طرفها بلسانك، تشم تبغها حتى تنتفخ اوداج صدرك، ثم تخرج زفيره محملا بآهات تجعلني أتسائل؟!! أتلك الآهات من عشرتي معه، أم هي هموم يوم عمل؟ او ربما نتيجة صراخ نزاع بيني وبينه حدث في مسألة ما لأختلاف بوجهات النظر... ما يغيظني أنك تبقيها طويلا بين شفتيك، لا تتركها أبدا، تداعبها بحنان أكثر مني، حتى عندما تمسك بها بعيدا عن فمك أراك تتبع الدخان الذي تخرجه كأنك تنشد الذهاب معه الى عالمها المتطاير حيث تقول: إنها الحرية التي تفتقد، هذا ما سمعتك ذات مرة تقوله لها أليس كذلك؟ أشعر بالغيرة الشديدة واخاف أن اصرح بذلك، إن ما يزعجني أكثر هو عندما تتلذ بطعمها ثم تطلب مني أن آتيك بفنجان قهوة كي تزاد رغبتك فيها فتضاجعها بكل أحاسيسك، في كثير من الاحاين أسمع براعم شفاهك وأنفك يصرخن من اللذة، سألتك ذات ليلة.. أترك السيكار إنه يتعب صدرك ويلهيك عني... فتجيب: أبدا إني لا أشعر بإلإنتماء الى عالمي هذا إلا معها، يا لك من خائن!! تقولها في وجهي وبصراحة، عالم الانتيك الذي اعتمرت كمحراب ولفافة تبغك التي تعشق هي عالمك، إذن من أكون بالنسبة لك؟! مجرد إمرأة أدخلتها حيث تُكمل مقتنياتك وبيتك فيها... ألست من وزعت أوراق الشجر قصصات رسائل حب؟ ألم ترسل نسيم الليل ساعي بريد يهمس لي؟ وقبلها يطرق زجاج نافذتي رغم برودة الجو ومن حرارة اللهفة ترسم بأنفاسك قلب عليه حروف أسمي واسمك... كم تظنني أستطيع أن اتحمل أهمالك؟ أو دعني اقول: هل أستطيع الأستمرار في الحياة بعيدا عنك؟ فبرغم إهمالك مهووسة أنا بحبك، لا أتصور نفسي في الوجود، فخمائل ستائر عمر الليالي معك لا يمكنني أن أجعلها تسدل، فمازال هناك بيننا فصول لم نكشف حوارها، لم نعتلي بها مسرح مشاعرنا، فلا زال الربيع يزهر، يعطر ستائر الحب التي تهوى أن تجلس في شرفتها روحي وهي وراءك كونك بطلها في العرض المسرحي لحياتي، يا الله!!! أتخيلك احيانا تنهض وتحيي الجمهور الذي أمامك عندها أشعر بدوي تضج به أنت بعد ان تفرغ من لفافة تبغك، تلك اللحظة فقط اراك تكلمني وقبل أن تبدا يُرفع الستار مرة أخري كي تجدد طلبك بشرب القهوة لكن مع من تحب، إنها صاحبتك لفافة التبغ المعتق التي قرأت معها ونفسك ألف نص ونص حتى اهملتني، غير أني قنعت رغم غضبي بقبولي دورا بسيطا اقوم به، مرددة عبارة واحد اقول لك فيها سيدي... أترغب بفنجان آخر من القهوة؟ بعدها أخرج عن عالمك، تركز انت وشخوص تختلقها من تلك الانتيكات حتى تنهي فصول مسرحيتك.. يقف الجميع مصفقا لك، إحساسي بأن شعر جلدك ينتعش ويقف بعد كل نفس دخان ورشفة قهوة يثيرني، يدفع بي الى تلمس مفاتن جسمي متسائلة؟ ما الذي عندها يحبه أكثر وهو ليس عندي؟؟ انزعج من نفسي حين أقارن نفسي بها، لكن صدقني استفحل الضجر في نفسي، مللت رؤياك على هذه الحالة في كل ليلة، كم ارغب أن تجلس معي المساء بعد ان تعود الى كواليس حياتك لنتسامر، الجميع يذهب، الجمهور، العاملين كلهم يذهبون، يتركونك وحيدا، إلا أنا أبقى حيث اراك تعيد ترتيب مساءك، تجمع شتات أوراق خيالك، تزيل كل ما تلفاه يبدد جمال ما تقع عليه عينيك... تجلس على مكتبك تدفع بما كنت تقرأه الى الرف الذي خضت رحلتك بين رفوفه عرض مسرحياتك والايام.. أما أنا فأول شيء أفعله هو احمل مطفأة رماد لفافات تبغك، أرميها حيث سلة المهملات، اما فنجان القهوة فأسارع الى غسله بعد ان اُقَبل مكان شفاهك كي اقرأ كعرافة الكلمات التي قلتها لِلِفافتك دون أن أسمعها... اراك الآن تضحك مني وتقول: أني مجنونة وإمرأة غيور... لا أبدا بل قل إني إمرأة عاشقة...مهووسة، مجنونة... أجل مجنونة وهذا ما أقوله لنفسي حين يضمني وإياك حضن واحد، عندما تسكن قلبي وتقبلني في آخر المساء، تهمس أنفاسك لي بأني حبك الأول والاخير، عالمك الذي لا ينتهي... فأطوف كعبتي حتى ينال مني التعب، لكن ابدا لن أنسى غيرتي عليك عندما أشم رائحة انفاسك وهي تلفح وجهي وبها رائحة التبغ وطعم القهوة.

 

بقلم/ عبد الجبار الحمدي 

 

قصي الشيخ عسكرالخيط الفاصل بين الحلال والحرام.. قد يكون تعهدا في البلدية أوقع عليه مع "دانا" التي عاشرتها في الحرام، أو عبارات أرددها خلف شيخ ملتح، يمنحني البركة في المسجد إنها وضع آخر..

حياة جديدة...

مشاعر أخرى...

أسرة انتماء، بداية لمرحلة من حياتي . خلتني أملك كل شيء..ولم يعد بي ظمأ قط منذ أن سكنت مع " دانا" التي أطفأت ظمأي، وملأت عليّ حياتي بوهجها وحيويتها..أول امرأة ألتقيها..يسطعني وهجهها بشكل أحلام عذبة لا ألم فيها..كأن لامشاكل في الحياة، ولا صعوبات.رأيت جسدها قبل الزواج.رائعا، ووجدته بعد أن تزوجنا أكثر فتنة كأنما العلاقة بين اثنين تحددها ورقة  من البلدية تضم أسطرا كتبت لي ولغيري  أو كلمات يرددها أيا كان أمام  شيخ ذو عمة .  وقد فعلت الإثنين.. ذهبت إلى البلدية والمسجد...هكذا أردت أو هكذا نصحني  وضاح..  والذين يحيطونني سعداء بي. أسرة جديدة أنستني الماضي. أسرتي في المقام الأول هي الأولى.. بيتي قبل أيّ شيء  وليأت بعدئذ أبي وأمي وبقية الناس.

قل لي ما معنى jeg elesker dig  بالعربي!

أحبك!

ها نسيت سمعتها من أمي !

وماذا عن البولندي؟

كوهام جه

إلى هنا يمكن أن تنتهي الحكاية التي تخصني .

أسرة، وبيت، أولاد.. انتماء أبحث عنه وجدته في أسرة صغيرة، وعمل، وفي المستقبل يمكن أن أخلف كل الحوادث المؤسفة وراء ظهري فقد بدأت أحصل على كل شيء أكثر مما توقعت لو بقيت في الشرق..السيد وضاح نفسه بدأ يثق بي فيكشف لي عن بعض خصوصياته.. كان بحاجة لشخص يثق به.. عرفت إلى حد ما أكثر مما أخبرني به منذ أن زاولت العمل معه.. عمله أوسع من مباشرته في المطعم الساعة الثانية أو الواحدة ظهرا.. وأحيانا قدومه مع عامل من النادي البولندي وربما مع آخر من النادي الجيكي ليتعاونا معه في تحضير شرائح للناديين كل مساء بعيدا عن أنظار زوجته...

لم يقل لي – بعد الزواج من " دانا " صراحة إنه صاحب مشاريع كبيرة تتحرك بالخفاء وبأسماء مستعارة .كان يلمح من باب خفي إلى تلك المشاريع يتحدث عن سلع يمكن استيرادها من ألمانيا  وشاحنات بيرة تعبر بطريقة ما إلى السويد التي بدأت ترفع من نسبة  الضرائب على الكحول..مايفعله حقيقة يعبر عنه بكلمة يمكن في المستقبل،ويذكر عَرَضَاً مشروعا آخر  قيد الإنشاء في بولندا حتى ظننت أن المطعم واجهة لأعمال ومشاريع تتحرك في الخفاء تدر عليه أرباحا لابأس بها لكن كل ذلك لم يمنعه من أن يحتال على الضرائب كل يوم أو يضع مغناطيسا على مقياس الكهرباء حتى خيل إليّ من خلال حديثه  الخفي وربما تحذيره وأحيانا تلميحه عبر النكتة أن الذي يفرط بالأمور التافهة يمكن أن يفرط بالأشياء الكبيرة...

لكن ولادة "علاء الدين" غيرت كل شيء فأدركت لم فعل كل ذلك معي ولم يفضل أن يزج في عالم التجارة والمشاريع بولديه اللذين ارتاح هو وزوجته لاهتمامها بالدراسة والسفر إذ كان يدرك تماما أنه لو انتدبهما للعمل معه لما كان بمقدروه أن يحجب عنهما العالم الخفي من أسراره التي جعلني أطلع على بعض منها..

الحق إن مجيء الملود كشف عن أمر خطير كنت غافلا عنه. في البدء فرحت به..ومن شدة فرحي وتيمنا مني ومن " دانا" بالمحل المكان الذي التقينا فيه وتعارفنا سميت المولود الجديد " علاء الدين" لكن حين بدأت ملامح الصغير تتبلور ، وتتضح أكثر دب الشكّ في نفسي..شك تحول إلى ريبة حادة تشبه السكاكين تغلغلت في صدري ...

حقد هائج رحت أكتمه قسرا..

علاء الدين، ابني من " دانا" لايشبهني..

كان صورة طبق الأصل لوضاح... ذلك الشخص الذي خدعني بطيبته..أعجبتني بطولته وصراعه وجرأته، الفارس الذي ترك الحرب،أدمى الوزير،وفر من السجون، كان يتركني في المطعم ليذهب إلى بيتي حيث يجد زوجتي بانتظاره...ربما هي المرة الأولى التي أجده فيها منقبضا تعلو وجهه قتامة ويدركة حزن مجهول.. ولعله بثرثرته يطرد الشك عني:

أحمد يبدو أن رسالة أخيك تأخرت أو ضاعت!

مجرد ثرثرة يهش بها إحساسا راوده كالذباب، يريد أن يخفيه بأية طريقة:

لم أعد أبال إن تصل أو لا...

لاتشغل بالك.. آمل في يوم ما أن تجد أهلك " ثم يغير الموضوع كأنه يتعمد أن يهرب من وسوسته وصمتي بالكلام"

على فكرة تذكرت ربما لا تدري.. الحاج شعيبي أمس سمعت الخبر توفي!!

الله يرحمه

هذه هي الدنيا..من كان يعقل هذا الرجل جاء إلى الدنمارك عام 1956 قبلي بسبع سنوات وكان يحلم أن يعود العادم القادم إلى المغرب... يصفي حسابه ويبيع المحل وعدته أن أشتريه منه لتتولى أنت مهمته.. لكن هذا حال الدنيا..

الله يرحمه

الشك والخوف راحا يسريان إليه مثلي..ذئب يقول عن نفسه.. السوق يحتاج إلى أن يكون التاجر ذئبا وأنا كوسج.. سمك قرش..في النهاية أكلت منذ اليوم الأول.. كان ذا وجه بشوش يتهلل بالمزاح ويهوى النكتة..اكتشف زيف موسكو وبؤس وارشو، فهجر مبادءه ومارس التجارة.. وهو في كوبنهاغن يقرف من حرب طائفية يدعو لها العرب.. حرب الخليج. الآن يسأل الأوروبيون عن سنة وشيعة.. كانوا يظنون الإسلام واحدا..لا جيء شيعي.سني من جماعة الحكومة..شيطنة الأشياء..رجل متناقض يبدو بسيطا لكنه معقد.. أدرك خداع السياسة مبكرا في مثل سني وحالما تعرف بدنماركية  وثقت به.. ذلك الوقت في الستينيات كان الشرقي عملة نادرة.. وهؤلاء القادمون من باكستان والعراق ولبنان والمغرب قلة تنجذب إليهم الدنماركيات،شعر أسود عمله نادرة،ذوو الشعر الاسود جماعة علاء الدين والمصباح السحري ،السندباد،أما من يعرف من أين تؤكل الكتف فسوف يقترن بشارلوته التي تقف معه..الحياة فرص لايخسرها إلا المغفلون، هذه  العاهر  التي تظنني قوادا بنت قنصل سابق في موزمبيق كم من خصيتين لأسود استافت قبل أن ترافق صاحبهما إلى الحمام ومن بعد تدلك جسده..العالم الناعم أصبح شريرا كله، أملس ناعم مثل أفعى لا تبال .. لقد جاءت محملة بكنز فاغتنم الفرصة..شاركها بمشروع..لم أكن الضحية وحدي هي أيضا..القلق ذاته وجدته ينطبع على وجهها..كم كانت فرحة بزواج " دانة" مني..عاملتني بلطف والتصقت بزوجتي أكثر كأنها ابنتها..ثم وجدتها تنظر إلي بنفور.. أحيانا نظرات ذات دلالة تخفي معنى آخر أدركه ولا أفهمه..لكن معاناتي الحقيقية كانت تتبلور في الشقة...الجمال .. الرقة.. الصوت الهاديء.. النبرة الحنون.. جثة عافها ذئب فحط عندها غراب..جثة تعيش معي ونطفة ليست مني تحمل اسمي:

حبيبي خلال هذا الأسبوع أسجل علاء الدين في حضانة حتى أعود للعمل!

تأتين معي إلى العمل منذ الصباح لتغادري في الواحدة، تكونين وحدك في الشقة فيطل عليك في المساء، وانا لم أحسب حسابي بعد:

إفعلي مايحلو لك!

هل تغار منه؟

معها وغائب عنها.اصبحت أقرف..تنظر إليّ بعينين واسعتين وتسأل:

مابك؟ لقد تغيرت تماما. تفكر في أهلك؟ لعلك تعثر عليهم.. بعد سنتين تصبح مواطنا وتقدر تسافر تبحث عنهم بل نسافر أنا وعلاء معك!

لا أعقل..الهرب بالصمت أحيانا.. مازلت أشك..وهو القلق.. الصوت الدافيء..تتعرى أمامي تستعرض  كتفيها وشفتيها.. تهمس لي : هل أحضر لك كأسا..وتضيف: أتحاشى الشرب من أجل علاء..أنظر إلى بطني لم تترهل.. علاء يشرب حليبي أفضل..ألست معي حليب الأم أفضل..

أرجوك اتركيني.. ألا تفهمين..

أشيح بوجهي عنها لأقابل في اليوم التالي وجهين تغيرا مثل وجهي،ولم يبق إلا وجهك لم يتغير. كأنك تجهلين كل شيء .من الصباح حتى منتصف الليل. سنة اللغة انتهت..وساعات عملي ازدادت ولو رجعت " دانا" إلى الشغل فإن العمل بازدياد.. الفلافل والشاورما والكباب.. أكلات جذبت زبائن كثيرين.. وساعات عملي الإضافية ازدادت .. نقود كثيرة..

كان لابدّ من أن  أنفجر  بوجهها.بدوت  كبالون لمّا يزل يرزح تحت الاحتقان لكن قد يتشظّى في لحظة ما أيّة لحظة.لم استطع أن أفعل شيئا.ثانية واحدة ربما أقلّ تمطّت  ببضعة أشهر سبقتها بأحلام كثيرة ملونة ذات طعم مسحور وفتنة لا تنتهي..لينقلب الكتفان العاجيان إلى مرآة مشوشة،رأيت فيهما سدودا خشنة وتجاعيد وكهوفا وأنهارا ويبسا ومواقع في الصحراء تشبه تماما جدريا ما ترك أثره على وجه وسيم : ولد يا أحمد .. السونار ماذا تسميه،نفكر بأسماء.. تقلب ذاكرتها بالدنماركية والبولندية، وفجأة نتذكر .. كلانا نهتف باسم قديم جديد.. ليكن علاء الدين باسم المحل الذي التقينا فيه،وأصبح مصدر رزقنا، علي أن اشد بطني بعد الولادة لأحتفظ برشاقتي ،أمّا الجسد الأبيض الحيي فقد لاح جذعا منخورا لاحياة فيه،كنت أهرب منها إلى الغرفة المجاورة.. تركت الغرفة المشتركة لها والطفل.انفصلت تماما...وانتقلت إلى الغرفة المجاورة!

7

في يوم العطلة التي سبقت الحادث. استيقظت على بكاء علاء الدين...

لم أعد أطيقة، صراخه يستفزني، أضجر منه، ومن مناجاته،حسبته كالورم الخبيث الذي يريد أن يلتصق بي رغما عني ثمّ غادرت غرفتي وفي أذنيّ رنين..هبطت إلى الشارع الرئيس باتجاه الفوتكس، وابتعت قنية نبيذ..ثم قصدت البحيرة. وجلست على أحد المقاعد الخشبية.. كان الجو هادئا، لفحة برد خفيفة.والشمس في غياب على الرغم من أن السماء صحو..كان هناك بعض المتنزهين.. والمارة.. وعجوز على الساحل عن يميني تقود كلبها الصغير.. كأني أحد المشردين أرتشف من القنينة وأعود أتابع النظر إلى الأفق..بعد ساعة من جلوسي أمام البحيرة صامتا كالتمثال.نهضت أصعد الدرجات ،واتجهت إلى الشارع العام..ثم ملت نحو Estadgade  حيث البغايا اللائي ّ ينتشرن فرادى في الشارع،فيلحن وهن بفساتينهنّ القصيرة أشبه بالتماثيل المزروعة على الأرصفة.رائحة الخمر تشيع من أفواههنّ،ضحكاتهن من دون سبب تستوقني.عليّ أن أبدأ من حيث انتهى الآخرون.كنت أشعر بخدر لذيذ، فقد شربت الزجاجة كلها، وداعبت خيالي فكرة شارع السكس أو الشارع الوسخ تلك التسمية التي سمعتها من وضاح نفسه.. ماذا كنت أفعل منذ أكثر من عامين.. لم أعرف من كوبنهاغن سوى مركز اللغة شارع السكس .. التيفولي التي تتلألأ في الصيف والمطعم.. أوروبا  التي تبهر الأبصار.. كوبنهاغن الفاتنة.حددتني بشارع البغايا ومحطة القطار ثم التفولي والمطعم.مساحة صغيرة وجدت فيها الدنيا كلها من أجل أن يتحقق لي انتماء في المستقبل، المدرسة نفسها القريبة من خطواتي ماعاد لها ذلك الوقع  اللذيذ سوى جمل وكلمات تخطر في ذهني فأتحسسها في الشارع .. تركي .الباني.. أحمد العراقي..جوليت من جزر الفيرو حيث الشمال والمطر.. كانت تنظر من طرف خفيّ تجاهلت نظراتها الخفية.. بعض اهتمام تأملت ردة فعل له.. هنا يمكن أن أتجاهل أية  فتاة النساء يبدلن الرجال والرجال يبدلن النساء، وقد أصبحت واحدا من هذا الخليط .. أيقنت أني يمكن أن أبدل أرضا بأرض كما أبدل حذائي..أرضا عشت فيها منذ طفولتي.. بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان.. هكذا أنشدت مع طلاب الصف الأول في مدرستي الابتدائية ثم خُلِعتُ من ذلك المكان كما لو أني  أخلع سروالي .. من السهل أن أخلع حذاء قديما.. " جوليت" تجاهلتها تماما فسبقتها " دانا" يوما كأنّي على موعد معها.. فكرت أن أدعوها أتقرب منها لكني ترددت.. أحسست أني أحقق ذاتي في المطعم  وغدا أخلع " دانا"  حتى تذكرت الشارع الوسخ في حالة سكر فاقتربت من إحداهنّ..سألتها :

كم؟

مائتا كرونة...

ما الفرق بينك وبيني أنت تعيشين في مبغى.. أحبك jeg elesker dig  ..كوهم جه I love you لم تعد الإنكليزية اللغة الوحيدة في العالم.. أنا وسط شارع تحيطني محلات تطل منها واجهات تحمل الخزي،هؤلاء يمقدور أية منهن أن تتحدث لغات العالم... وأنا أكتشف مؤخرا أني أعيش مع واحدة مثلك..  قهقهت ساخرا، وقلت :

أوكي لكن من الجانب الآخر

وتركتها دون أن أعلق وكانت ترد عليّ بنغمة  أشد سخرية:

أيها الطفل المسكين النقود التي معك لاتكفي! إلجأ إلى يدك أفضل..

إغضبي ، مهما بلغ بك الحنق فلن تتحول كوبنهاغن بنظراتك وسخريتك ، في لحظات،إلى لبوة شرسة،أنت لن تصلي بقدرتك إلى بعض من سطوة " شارلوته"..كان مركز المدينة، والبحيرات،وثمة مدينة الألعاب،والنوروبرو، والقبة السماوية،الصور التي تقع عليها عيناي كلّ يوم،ناعمة جميلة الملمس مثلة أشعة الغروب السادرة بين الدفء وجفلة البرد حتى ثارت بوجهي شارلوته،فاضطرب السكون من حولي ، فتفتحت عيناي على منظر بغيض .. بشع قاتم .. مقزز كريه..

من الجانب الآخر ياابن الكلبة..

وحالما ابتعدت عنها مخلفا محطة القطار وراء ظهري لمحت على الرصيف المقابل  لوحة غريبة.. فأنا منذ أن انتهيت من مركز اللغة الذي يقع في الشارع نفسه لم آت إلى هنا بل لم أمر من الطريق.. الشارع الوسخ ولوحة على واجهةِ محلٍ طورَ الإعداد..حلال لحم حلال.. سكران.. وبغايا ولحم حلال.. الحلال في قلب الحرام، أطلقت ضحكة زلزلت الشارع.. الحاج شعيبي انتقل إلى رحمة الله وقفز محله إلى شارع البغايا هذه هي النهاية.. كان يحلم أن يعود إلى المغرب فمات وانشطر محله مثل البكتريا.. الحلال ينشر نفسه في كل مكان مثل البكتريا.. الطاعون.. السفلس ، وثمة أشياء آخرى تنتشر لانراها إلا متأخرين كخيانة فظيعة  تقتحم عليك بيتك.

ليس هناك من شيء  في كوبنهاغن ليس في قبضتي سوى أني قرفت من نفسي والأشياء، لذت دقائق بحافة البحيرة ، بدأت أغري البجع كأنني أرمي شيئا في الماء أردت أن أسخر من نفسي فوجدتني أسخر من الطيور،تهمّ إلي بجعات من بعيد ويهبط إلى الماء نورس وحيد.. هل حقا رحت أمارس تفاهتي على الأشياء الأخرى ،فأجد أن شيئا ما يفصلني عن الماء والطيور.. ألتفت فيقع بصري على كلب صغير تخطى صاحبه بمسافه وكاد يحف ظهري، فبقيت ساكنا حتى اجتازني الكلب ، فالتفت ثانية إلى البحيرة....

كانت البجعات تراجعت.

والنورس اختفى...

عافت نفسي العودة إلى الشقة، فسرت بخطوات متثاقلة باتجاه مدينة الألعاب، اجتزتها لأدخل مجمع صالات العرض.... لا بد أن أعود فأجدها نائمة، لأصحو مبكرا فأغادر الشقة وهما نائمان.. كي أقابل وجهين آخرين في العمل لا أحبهما.. البحيرة .. السينما.. مدينة الألعاب.. أماكن انطبعت في نفسي.. أصبحت شيئا لا ينفصل عني.. خلال العام الماضي قبل ولادة " علاء الدين" ذهبنا إلى السينما أكثر من مرة.. تقريبا شاهدنا كل الأفلام الدنماركية.. ثالث أو رابع فلم شاهدناه معا " رقصات مع ركزتا"..ركزتا التي قبلها بطل الفلم على بطنها.. كانت حامل وقبل أن تحبل " دانا" قبلتها على بطنها مثلما يفعل بطل الفلم..الشيء الذي لم أنسه أن "ركتزا "ذهبت مع شخص آخر وعادت إلى زوجها..في تلك الليلة لم يكن هناك من فلم دنماركي ... كانت صالات العرض تعج بأفلام أمريكية.. وألمانية.. كنت أبحث عن فلم "ركتزا" الذي ضاع مني.. شيء ما، ولا طاقة لي بالبقاء خارج الشارع.. لاشريط في السينما يستهويني، ولا مكان أرغب في الذهاب إليه. "ركتزا" التي قبل زوجها بطنها المنفوخة كانت ترقص سعيدة في الحفلة رقصت مع شاب آخر خطف قبلة سريعة من شفتيها.. وفي الصباح جاء زوجها يحمل حذاءها الذي نسيته في حفل البارحة.. كنت سكران أترنح وأتمايل...آخذ طريقي إلى البيت.. وعندما وصلت وجدتها صاحية ... استقبلتني بلهفة ، وحاولت أن تطوق ذراعي، فقلت وأنا أترنح :

تأخرت أحمد.. قلقت عليك حبيبي..

أتركيني أريد أن أنام.

أحمد لقد قلقت عليك.. الساعة الآن الثانية عشرة.

إتركيني قلت أريد أن أنام.

وتمتمت مع نفسي:

لاشك غضبي لم يأت بعد"وتمتت مع نفسي"عاقبت قبلك بغية وبجعات.وسيأتي دورك!

دخلت الغرفة وكنت أرتمي بملابسي على السرير.

7

في تلك اليلة – ليلة الحادث – قذفني الشرطيّ داخل زنزانة باردة ذات دكة عالية إسمنتية  لاغطاء عليها، في الأعلى تحت السقف مباشرة فتحة للتهوية يهب منها هواء بارد..كان هناك مرحاض يقابل باب الزنزانة مفتوح من الأعلى يستر الجالس إلى الكتفين.. سألت شرطية فأذنت لي، وأشاحت بوجهها عني حتى قضيت حاجتي وخجل يراودني كاد يمنعني من أن أفرغ مافي مثانتي حيث كل من يعبر الممر من الشرطة يرى وجهي.. ثم عدت إلى الزنزانة فاستلقيت على الدكة والهواء البارد يلفح كتفي ويتغلغل في مفاصلي..كانت بي رغبة للنوم، على الأقل أقتل الوقت نوما، وعلى الرغم من أن الوقت صيف إلا أن تيار الهواء راح يهش النوم عن عينيّ.. أين مني حرارة السيخ وفرقعة الزيت حين تلامسه أقراص الفلافل التي كنت أنفر منها كل مساء... ما كان مضجرا في المطعم يبدو مسليا في هذه الزنزانة الباردة.. الدفء غاب تلاشى.. الحرارة تسربت.. ابتعدت عني..وفي الساعة الحادية عشرة أخرجي شرطي إلى غرفة التحقيق،وجدت رجلا نحيفا ذا وجه طولي بملابس مدنية قدم نفسه بصفته محامي .. بعد دقائق حضر شرطيّ، وضغط على جهاز تسجيل:

أحمد بلوط هذا هو سامك؟

وجه الشرطي شبيه بأحد لاعبي كرة القدم المشهورين ملامحه في ذهني ولا أعرف اسمه..خمسة  شرطة في بقاع متباعدة رسموا وجوههم في ذاكرتي.. منذ أعوام خلت ، دفعني شرطي عراقي إلى الحدود، ووضعني شرطي إيراني في مخيم، إيران قالت عني عراقي، والعراق ادعى أني إيراني، وأول ما أسأل عنه اسمي. خاتمة جيدة لبداية ما :

نعم

أنت متهم بضرب زوجتك وإهانتها

ثاني شرطيّ يحقق معي في الدنمارك..، يوم وصلت،واجهت قائمة من الأسئلة في المطار،طال التحقيق معي ، ثم أرسلت إلى محقق آخر،وقتها لم أكن أتضايق، فما ألاقيه أفضل مما مر، وطعم الأسئلة هذه المرة يختلف:

نعم

هل تعترف

نعم

ما الدافع لما عملت؟

يبدو أن الجلسة تطول والأسئلة تتوالى، المحامي ينصت باهتمام أو غير مبال .. قد أبقى في التوقيف شهرا..ربما أكثر..

اكتشفت أنها تخونني

تشك بأحد يشاركها الخيانة

وضاح الرجل الذي أشتغل عنده.

كيف أدركت الأمر؟

حين أكون في نوبة العمل يتسلل إلى بيتي

أنا غريق في يم لاقرار له.. المسألة معقدة..الإعتداء على امرأة في الدنمارك ضريبة لها ثمن.. أفقد حق المواطنة في المستقبل.. أسجن..لم لا أجعل الآخرين يغرقون معي .. الضرائب اختفت من حسابات وضاح.. الكهرباء والمغناطيس ولو اشترى محل الحاج شعيب لتلاعب بمقاييسه..رجل دنيء النفس يملك ثروة طائلة ولا يمتنع عن التلاعب بمقياس الكهرباء.. إن لم تكن تلك دناءة فكيف تكون إذاً..ساعات العمل الإضافية التي يمنحني إياها بعيدا عن أعين الدولة..رجل لا أخلاق له.. عنيف.. لجأ إلى العنف عام 1962 المعتدى عليه الآن وزير خارجية البلد...صاحب مباديء .. العرب شيطنوا إيران .. تبقى الثورة أقرب إليه من صدام الانقلابي.. إيران ثورة..الخميني  مثل لينين.. ميرابو.. ماذا عن آل سعود.. حكام رجعيون..ارجعوا إلى ملفاته السابقة في الدنمارك والعراق..يستورد بيرة مهربة من ألمانيا..كثيرة هي السوآت ..

إني بحاجة إلى ورقة وقلم:

المحامي يتدخل:

هذا تحقيق أوليّ سيزودونك بكل ماتطلب.

كيف عرفت أنها تخونك؟

السيدة " شارلوته" رأته يدخل عليها في غيابي.

هل هناك من دليل آخر؟

قلت وأنا أزدرد ريقي:

وماذا عن ابني علاء الدين إنه يشبهه تماما ألا..

إن كان الأمر كذلك كان بإمكانك أن تطلق، تترك...

تدخل المحامي ثانية:

إنه لم يستطع أن يكبح هيجانه.

أنا محاصر.. المنافذ سدت بوجهي..الحقائق تتشابك والجلسة تمتد ، المحامي نادرا ماكان يتدخل طول الاستجواب.. بعد ساعة أعادني الشرطي إلى الزنزانة فأضطجعت  على الدكة، ظل الهواء البارد يلاحقني.. ربما غفوت ولعلني واصلت يقظتي من دون أن أشعر بالنوم.. خيالات كثيرة رسمت مع وشوشة الهواء الهابط بعض القتام على أيامي القادمة.

إنه الندم..

تهورت..

لحظة حركت الماضي والشرق في داخلي..تصرفت بحمق .. أجل.. عليّ أن أعترف.. حصلت على عمل.. وجمعت خلال سنتين مالا، فلم سلكت سلوكا عنيفا.. خانتني " دانا" فليكن إلى سقر..  إلى الجحيم.. في الشرق الذي تناسيته تنبت لي قرون أكثر من اثنين أما هنا... الطلاق الانفصال...كل شيء يمكن أن يتحقق بهدوء، ياللسخرية أقصى عقوبة أتلقاها بعد الانفصال نفقة لوضاح الصغير.. أنفق على ابن ليس مني.. نطفة أخرى.. أخف ثمن أدفعه في حياتي بدل من السجن والمحاكم والعقوبة التي تؤخر حيازتي على حق المواطنة..الوطن كاد يكون بين يدي وأجده الآن يهرب مني إلى حيث لا أدري...

وطن جديد ناعم ينتظرني..

دنماركي.. أذهب إلى الشرق بوجه آخر..

لم أنتبه إلى الوقت، فقد جردني الشرطيّ من ساعتي وطلب مني أن أنزع خيط حذائي قبل أن أرمى في الزنزانة،ويبدو أنها كانت الحادية عشرة حين فتح الباب واقتادني شرطي إلى موقف تحت دكة خشبية عالية كان بعض الشرطة يقفون وراءها وكل منهم يتحدث مع  شخص ما،ماعدا شرطيا في الخمسين من عمره وقف ينتظرني. قال لي من دون مقدمات:

زوجتك اتصلت بنا بعد ساعة من توقيفك ومن حسن حظك أنها تنازلت عن الدعوى وإلا كنت تبقى عندنا في الحجز شهرا قبل أن تحال إلى محكمة!

بقيت صامتا، تنفست الصعداء، وصفعني خبر جديد..

تنازلتْ..

لم أكن أتوقع أن يحدث هذا..أظل صامتا فيسترسل الشرطي الذي وجدت نفسي مجبرا على أن أرفع رأسي للأعلى حين يخاطبني، ففي تلك اللحظة ، وددت لو أطأطيء  كطفل أبله :

وضاح الذي تعمل عنده جاء ليصحبك لكن أي عنف .. أي اعتداء يجعلني أرميك في السجن أنت عامل في محله وهناك ارتباطات قانونية بينكما يجب حسمها كذلك مع زوجتك عليك أن تعي ذلك!

كان يكلمني كما لو أني طفل..قشعريرة البرد مازالت تسري في مفاصلي، هل أفقد لفحة النار.. فأين تلاشت لسعة الشاورما الدافئة الساخنة في موسم الصيف..

 

د. قصي الشيخ عسكر

.......................

حلقة من رواية: علاء الدين

 

زياد كامل السامرائيأفكّكُ شفرة البحر

فأنداح،

منذ السفن اليابسة

الموغلة بالثقوب..

أميّز سراب الرمل

فأنجرف،

منذ أوّل جسد ذاهب للمنفى..

أوزّع الأحلام جملة بعد جملة،

فتلتفّ النوافذ

حبائلا شاهقة للنشوة،

وأهذي..

فتشرب الرقصة، سخط النجوم مني

منذ أول سماء محفوفة بالمخاطر..

أتمادى في العصيان

من زعل الياسمين،

منذ أول قُبلة

اغتالها التأويل ببابي..

ومن العطش

أنشرح،

بقطرة ماء على وجه الأزهار المطمئنّة

فوق جلد النهارات،

منذ الأجنحة المشدودة

بأرض، لا تصلح سوى للغياب ..

فلمَ كل هذ الأبواب

أيتها المفاتيح،

جهتك ألاّ تمضي،

جهتك أن تنام قبل النوم

وأن تُصغي لقلبك المتسكّع،

في واحة الجنون.

لماذا كل عاشقة

زرعتْ في شفتيّ مأوى أغنية

وتركتْ سطور الصباح

في ثقوب الناي، سجينة؟

هو خريف مفتوح في دمي

وأيام لائذة بي

تخبأ لياليها،

لتقول ملء الحقائب:

إن الحبّ يخصّب الوقت

بالاعتراف.

سآخذ منها النهر والغيمات

وأزرعها في أقاصي العمر اليابس

وأقبّل النسرينة

التي حفظتْ طويلا

ظلال التين،

وأجمع ما ضاع من قمري الفضيّ

لدعاء الحجر..

ما التقينا في صباح الرمل

ولا انداحتْ مخاوفنا

من شفرة البحر.

***

زياد كامل السامرائي

 

فتحي مهذبالمطر والبنت الخلاسية

يذهبان معا الى الوراء..

كذلك ماعز أيامي السريعة..

ظلي الذي دهستة عربة الصيرورة..

صوتي المقرفص في شقوق الصدى..

الذين احتموا بضبابي المسائي..

أيقظتني يدي بدمعة رسول شاسع..

أخفي براهيني تحت قوادم العميان..

الموت فاكهة اللامعنى في سلة الهامشي..

الحفر في انتظار كبوة المخيلة..

القلب مهدد بسهم هندي أحمر..

المظلي يحمل شاة الجاذبية

على كتفيه..

تتبعه نجوم هشة

ونيازك من الضحك العبثي..

فعلا الجسر تحت سيطرة العميان..

رعاة الهواجس تحت الأنقاض..

تفاحة اللعنة تتدلى من نبرة المومس..

فعلا الشمس متدينة هذا الصباح..

ترتدي حجابا من مطرزات الغيم..

لم تسلم من مقولات النائمين..

ازداد سقوط العابرين في الفخ..

وحدي أنصت الى أوركسترا الحواس ..

بخشوع وجنائزية..

الأرض بارزة العظام..

الهواء  سيئ المزاج..

لم يدحض ظلمة الغراب..

وضحكة الطاووس المريبة..

البيت ذو المائة عام ونيف

المحدودب بسبب الربو..

الذي ينبح في الليل

مثل مخيال متوحش..

الذي تبكي نوافذه..

مثل باخرة في مأزق بحري..

الذي تنادي أبوابه الجريحة

شجرا مهددا بمدية قناص..

الهابط من الجنة..

بسبب تفاحة سقطت من جيب طيار ..

البيت القائم على كتفي زلزال..

منذور للخسران..

هكذا أفكر بشراهة..

بفصاحة رواد الفضاء..

لم أدر من قطع أصابع آدم

ليلة أمس..

ومزق منهدة حواء..

وباع ألبومها العائلي بثمن بخس

أمام مستشفى المجانين..

فعلا الفلاسفة قتلوا الأنبياء

في الصحراء..

قطعوا آذانهم بمقص التنظير

ثم اختفوا تحت الرمل..

مثل سحليات مهجوسة بالظل..

فعلا لم ينجب الشعراء سوى صحون طائرة..

المشاؤون في العتمة..

صانعو قيامتهم بتبر الاستعارة..

الذاهبون الى ذروات الهباء ..

مصارعو نثر  الموتى..

صانعو ايقاع الأبدية.

***

فتحي مهذب

بكر السباتينأخيلةً السرد

تلظم المعنى في سمّ الكلام

وتُخيطُ في حَرْثِهِ

ما في جعبةِ الريح..

أخْيلةُ البوح

ترتشفُ سلافَةَ الرحيق

وتنشر في اليبابِ الربيع

وأخرى تعربد

في حقل السنابل

كالجراد..

أخْيلة تزرعُ الضوْءَ في الظلِ

من مدادِ النوايا

فإما يتجهمُ المعنى

أو يترنحُ أعمى

أو يورقُ جَذْلاناً

في فمِ الورد ..

أخيلةُ الشعرِ

تُلْقم أثداءَها لبراعم النورِ

تحت رمادِ الفجر..

دَيْجورٌ يكتم المعنى

يسطو على صوتِ المغني

يصادر اليرغول

ثم يسود كظل الموت

فوق بيوتٍ كأنها القبور.

وكلُّ دانيةِ في كرمةِ الصبحِ

تتخاطفها العقبانُ والصقور..

حتى استيقظت زهرةُ النور

في عيون الليّاح..

ثم رويداً رويداً

يشتعل النهارٌ..

وفي كبدِ السماءِ

ها هي عشتارُ تتمطى

فينداح الأفُقُ في عينيها..

تحلل لغة الماء

وتستنطق الصخور

في تجاويف القلب واللسان..

تتأملُ السؤالَ

تستمطر السماءً

قمحاً.. وورداً..

ثم تنتشر فراشات الود

ضاحكة كالحكايات..

ويقتات السنونو على دهشة البوح..

***

شعر بكر السباتين