عدنان الظاهرفي زحمةِ خضّاتِ الإقلاعةِ طوْعا

تتبدّلُ أوضاعا

تتبادلُ صاعاً صاعا

تتغيّرُ قِشّاً منفوشا

تنحلُّ عصيراً مخفيّاً عصْراً عصرْا

تأتي يومَ الزينةِ عَفْوا

تحملُ للحافي كي يشفى ثوبا

تقلعُ في الصيحةِ أبوابا

مِعصَمُها خُفٌّ معقوفُ

تصهلُ مُهراً مذبوحا

ما حلَّ بمنْ كانوا أهلا

جرّوا حبلَ السُرّةِ جرّا

ما صاحوا لا ساخو لا قالوا أهلا

زالوا زلزالا غَصبْا

أبحثُ عنها ؟

سلسلةٌ من عصفِ الشكوى أقوى

تضربُ خَمْساً في خمسٍ سوطا

تتحجّرُ شَمْسا

حُزْماتٍ من نورٍ لوحا

ماتت فيها أضوائي خنْقا

أجري لا أدري مَنْ يجري في رجلي

مَنْ يرفعُ كأسي رأسا

مَنْ يتوانى يتفانى

يدنو ينأى

يُحصي أنفاسَ شبابي رَقْماً صَعْبا 

يتربّصُ بي  باباً بابا

جئتُ فغابوا إكليلَ خُزامى أشتاتا

صوتُكَ أبهى نَقْشا

إخلعْ رأسكَ قبلَ الطُوفانِ وما يغشى

إمسحْ أقدامَ الغرقى كافورا

جففْ أعناقَ غرانيقِ التطوافِ العشوائي

قاضيها بالريشِ وأطباق الحلوى

سقطَ الطاووسُ قتيلَ الخِنجرِ حَدّا

باهاني يتفصّدُ عِرْقا

لونُ الليمونِ مِزاجُ الريشةِ في جُرحِ الرُمّانِ

يتساقطُ عُشّاً مِنْ قِشٍ عُشّا.

***

عدنان الظاهر

جابر السودانيليلة من مساءات الحرب

 العراقية الايرانية

***

خوفٌ على ضفةِ

المســـــــــــــــاءِ

الفاوُ في مرمى حجرْ.

متتابعٌ خطوُ الجنودِ إليهِ

عبرَ مسالكِ الألغامِ

والملحِ الأجاجِ

وأنتَ في الرتلِ الأخيرْ. 

هوناً تجـرُّ الخطـوَ

منشغلاً تتابعُ في سماءِ الفاوَ

أسراباً من الطيرِ المهاجرِ

أفزعتْها في الغروبِ

قذائفُ الأوباشِ

فابتعدتْ تلوذُ بغيمةٍ

والليلُ تشعلهُ

الصواريخُ البعيدة ُ بَـغتة ً

ومشاعلُ الـتَّنويرِ ألافٌ مؤلفة ٌ

وليلُ الفاوَ

مثلَ جهنمِ الحمراءِ

ينفثُ غيظهُ

حمماً على رملِ السواترِ

         2

والفاوُ في مرمى حجرْ.

متعثرٌ خطوُ الجُّنودِ إليهِ

وجوهُهم مطليـَّة ٌ بالقارِ

مثلَ زوارقِ الأعرابِ

في سبخِ الجَّنوبِ

الصبحُ أقصى ما يحاولُ بعضُهم

وحواجزُ الإعدامِ اقربُ في المساءِ

وأنتَ في الرتلِ الأخيرْ.

هوناً تجرُّ سنينَكَ النزرَ اليسيرَ

عن الحريقْ.

       3

والفاوُ في مرمى حجرْ.

متقهقرٌ خطوُ الجُّنودِ

إلى الوراءِ

وأنتَ في الرَّتلِ الأخيرِ

هوناً تجرُّ خطاكَ

مزدرياً دمَكْ.

أبمثلِ هذا الخطوِ

تندفعُ المنيةُ ؟

من أين جاءتكَ البلادةُ هذِهِ

لتظلَ منتصباً كجذعٍ ميتٍ

الأرضُ لا مأوى يقيكَ

وليسَ في جفنيكَ

متسعٌ لحلمٍ مرةً أخرى

وحشدٌ من عويلٍ حولَ وجهِكَ

كنتَ مختنقاً بهِ حسكاً وعوسجْ. 

فلتكنْ

للريحِ ساقاكَ الخفيفةُ بعدَ ذاك.

***

جابر السوداني

 

حنان عباسيسحب السيجارة  الأخيرة من جوف العلبة البيضاء وألقاها أرضا بحركة تلقائية، نظر إليها وقد توسدت كيسا بلاستيكيا أسودا كان يعانق الاسفلت وحيدا، بدت الصورة  مضحكة وتخيل لوهلة أنهما ورغم تناقض الشكل واللون والمادة بينهما إلا أن تناغما غريبا يجمعهما وكأنهما التقيا ليؤنس أحدهما الآخر،و انتهى به الظللُ إلى حديثِ في بهجة اللقاء، يبدؤه الكيس الراقص مُهلّلا بالزائرة وهاشًّا لمقدمها السعيد، وتكمله العلبة المنكسرة في استحياء تشكر له جميل ترحابه وتسأله فيمَ كان حزنه . لكنه لا يردُّ إنما يظلُّ مُغاليا في مدحه لصفاء لونِها ورونق الحروف المرسومة على جنباتها، مُطيلا التحديقَ في ثناياها حتى يبلغ بها الخجل منتهى الصمت،فتلقي ببصرها نحوه صاغرة لحلو الكلام  وشاكرةً في ابتسامة خفية صاحبها الذي اختار أن يرميها بين أحضان شاعر ..

أكمل سيجارته متضاحكا لما آل عليه المشهد في النهاية، وقرّر أن يختار لتلك السيجارة المتبقية مجلسا بين سجائر أخرى حتى لا يتركها ضالةً بين الأرصفة .. ورغم جنون الفكرة وغرابة البحث بين الركام عن قبيلة سجائرية المعشر إلا أنه جدّ في تنقيبه حتى أرشده الدرب إلى زاوية مظلمة تحت كرسي خشبي يتوسط الحديقة العمومية ،فأنزل العقب المحترق بتؤدة وأسكنه قرب أشقائه وهو يتمتم الوصايا ويتوعد العقاب لمن لا يطيعه ..

اختار تغيير كل خططه لذلك اليوم، وارتأى أن اللحظة مؤاتية لكل ضروب الخبل .. لقد بدأ صباحه كأغرب ما تكون الصباحات، وانحرفت أفكاره عن كل دروب العقل، فانصرفت عن التقيد بلوائح الاتزان والوقار، وجاهرت بالعصيان .. كان أول التمرد إغلاق الهاتف الشيطاني،ذاك الذي لا يتركه يهنأ بأي لحظة جلاء نفسي .  تأكد من همود الجهاز اللعين ومن ثمة دفنه في جيب بنطاله، اطمأن لتلك السكينة التي سرت كنسيم بين خلاياه . تسربت إلى فمه شبه قهقهة وهو يتخيل نوبة الغضب التي ستغمر رئيسه عندما يتصل به فلا يلقى من مُجيب إلا ذلك الصوت الآلي المُستفز يردد في نبرة ساخرة أن رقم مخاطبه ليس في وضع آستخدام حاليا .. ولم يقدر لضحكته الصاخبة ردعا، فعَلتْ زهزقة  وسط الجموع  الراكضة في كل الآتجاهات . وعندما أدرك ثباته كان قد توقف أمام واجهة بلورية عكست شبح رجل يشبهه خلقة ويُخالفه رؤيا . تفحص ملامحه المنتشرة في فوضى جميلة، بدا كغريب رأى في الجهة المقابلة من الشارع أحدا يشبهه ..كان ذاك العديل يرتدي ثيابه في ترتيب مزعج، أنيقا في آستقامة ثقيلة، يوحي لناظره بانه يمتلك تلك الصفات العجيبة لرجل سويّ الخُلق، مؤدب القول، رشيق الحرف، رجل علت منزلته وسمت عزته، رجل روتيني الوقع، سليل الملل وقريب السأم . لم يعجبه التطلع أكثرفأدبرعن مثيله كارها تلك الهيئة، وأزمع على الجموح غير مذعن لصواب التعقل في مثل هذا العزم على التحوّل إلى غير طبع والتعلق بغير حياة .. استعاد خطوه الحثيث نحو وجهته المجهولة، عازما على التمادي في انتفاضته، مُقرا في أعماق روحه  البحث عن تلك السعادة التي ألِفها الكيس البلاستيكي الأسود عندما ألقى بين جنباته تلك العلبة الكرتونية البيضاء .

 

حنان عباسي

 

ريكان ابراهيمهو أنتَ؟ أم شبَحٌ أراهُ هزيلا  

                             لم أستبِنْ عُرْضًا له أو طُولا

مَيْتٌ؟ أمِ المَوْتى أنابوا واحدًا

                             منهم يُداعِبُ ذهنيَ المشغولا

وضعَ الزمانُ على الحروفِ نقاطَها

                             وبقيتَ وحدكَ تعشقُ التأويلا

تُعلي بكاءَكَ والقصائدُ تنتَخي

                             فمتى ستشهرُ سيفَكَ المسلولا

إنّي لأجلك بِعتُ كلَّ بضاعتي

                    ورجعتُ أبحثُ عن جذوري الأُولى

علّيْ أراكَ كما رأيتُكَ يومَها

                                  أسدًا يُقاتِلُ باليدينِ الغُولا

إخلعْ لها نعليكَ، تلك مَفازةٌ

                            جرداءُ تدعو أنْ تراكَ رسولا

في الجُبِّ يُوسفُ والقميصُ بلا دمٍ

                                   منه يُحمِّلُ ذئبَها ما قِيلا

وجمَالُ وجهكَ لا يراهُ حاسدٌ

                              مَنْ لا يُحِبُّكَ لا يراك جميلا

مُستَفعلٌ لا فاعلٌ يا صاحبي

                              فالفعلُ شاخَ ولم يجِدْ مفعولا

عجِزتْ حروفُ الجَرِّ عن مجرورها

                               وهي التي كانتْ تجرُّ الفيلا

والمُبتدا ثاوٍ على أطلالهِ

                               يبكي بها خبرًا أهانَ فحولا

بمن ابتدى؟ بمن اقتدى؟ كيف انتهى؟

                             لِمَ صار مغرورًا فعادَ ذليلا؟

وإذا ابتدأتَ وكنتَ دونَ مُقامِها

                           في النازعاتِ فمارسِ التعديلا

وجهانِ فيكَ فخُذْ بوجهٍ واحدٍ

                              إنَّ البطولةَ أنْ تكون أصيلا

واقطعْ به عهدًا لطالبِ نخوةٍ

                             فالعَهْدُ كانَ ولم يزلْ مسؤولا

أثُمالةٌ في الكأسِ يشربها الفتى

                              ليصير فيها سادرًا مخبولا؟

أم رشفةٌ في الكأس يُبقيها الفتى

                               لغدٍ سيأتي شاحبًا وخجولا؟

لا هذهِ أو تلك بل كأسٌ عَنتْ

                              طوعاً فكنتَ مليكَها الضلِّيلا

              ***

هو أنت؟ لا بل أنتَ لكنّي أرى

                              ليلًا وقد أرخى عليكَ سُدولا

بل أنتَ لكنَّ الثُغورَ أسيرةٌ

                                  فيها سلاجقةٌ تُعينُ مَغولا

الغائِمُ الجُزئيُّ يُخفي شمسَها

                             صبحًا، وليلاً بدرَها المأمولا

بل أنتَ مُذْ بلَغتْ تراقيَ صُورِها

                              علَّ المُصابَ يُثير إسرافيلا

يا صابرًا. إنيّ كرهتُكَ صابرًا

                           وكرِهتُ فيك الهَمْسَ والتعليلا

أوقِدْ سراجَكَ فالنجومُ بعيدةٌ

                           وسوى سراجِكَ لن يكونَ دليلا

إنّي نصحتُكَ والنصيحةُ مُرّةٌ

                            قد تجرحُ المخبوءَ والمجهولا

أنا فيكَ وَقْفٌ لا يُباعُ ويُشترى

                             بالمالِ حتى لو قضى مقتولا

ومن الخطيئةِ أنْ أكونَ لها كمنْ

                               هانت كرامتُهُ فصار عميلا

 

د. ريكان إبراهيم

 

قاسم محمد الساعديمُشاكِس دائما

 فَتَحَ الباب الاربعين في الحكاياتِ

 فشَتَمَتهُ صحف بلا وقار

 انضمّ لجوقة ألداعين لرجمه

 مشعلوا ألحرائق

 ومن لا يعرفون أَنْ الحرب تختتمُ بالباء

 مدفوعا" بخيلاء سكر

قال: قضّيت الليلة على سَطْحِ كوكب عطارد

هنا ...

لا أظن ثمة أَلَّهَه .. تّراقب

ولا كُتَّاب سجلات الذنوب‏ والْحَسَنَاتِ

 فالكثير من المسافاتِ بيننا

وأنا

 أحِبُ أن استريح قَليلًا

 أيها الإلهُ اللآمبالي

لا.. أَعْرَفَ لم رسائلُ اِستَغاثَتنا

 مّرصوفة على الرفوفِ

 مَختُومَةً بالشمعِ الاحمر

 لَكِنَ

لا يُهمني... أن عدُه البعضُ بِدْعة

 أريد إِلَها !

أحملهُ في حِقيبتي

 وتارة أضّعه في جيبِ ألبنطال

 وقبلُ أن أنامَ أرَشُّ

رحيق الازهار على وجهِه

***

قاسم محمد مجيد

 

نادية المحمداويبأعشابها ..

إبتدأت روحي هياجها العالي

أطلقت للافق جوارحها

وإذا كنت أنت

تقدم الصباح

وتكسر الليل على مذبح الذكرى

تتبدد المخاوف .

فتعلن روحي خوفا مهيئا للحديث

يتكسر العالم ... خذهُ

ينحني الوقت

فابدد عنك وحشة الحروب

أيها الحزن إبتعد

فانا مازلت ..أريد  البوح  للملكوت

أيها الحلم :

أنتخب صحبتي

فأنا مازلت ..أشد أهدابي لشعاع الشمس

في ظل ..هذا الليل الكافر بالأقاصي

أدرك أن القلب

.. بيت الأمنيات

***

نادية المحمداوي

 

حامد فاضلفي متوالية أيامنا المتعبة. بنصل الفجر تشق الشمس خباء الليل، فتهب من نومها مدينتنا الخربة.. كائنات النهار فرادى وزرافات. تخرج من بيوت الطين، بيوت الصفيح، بيوت التجاوز، من اللا  بيوت.. بصدور مبطنة بالإشعاع، وأرواح مهددة بالموت المتربص في الأنحاء، وأرجل ناحلة كالقصب. تسرع نحو مَنْ كانت يوماً قلوب الطيور تهفو إليها.. ساحة مدينتنا، عروس الربيع التي تميس بثوب مُوَشًّى بالأزاهير، زنار من الآس، قلائد أقواس قزح من مصابيح، ونافورة تنث على سجاجيد النجيل رذاذ ماء قراح.. بثياب خسرت اسمهاً، وعباءات خسرت لونها.. شيب وشباب، نساء وأطفال.  يستبقون ليعدوا لهم متكأً على حُصُر التراب المبثوثة حول خصر الساحة، الخصر الذي كان يضوع بعطر أزهاره إذا داعبته أصابع نسيم الشمال.. ذات انفجار نهشته عُبُوَّة ناسفة. قطعت رؤوس عماتنا الفارعات، أوقفت خفق أجنحة الشعفات، لوثت ثوب ساحتنا بالسخام، بعثرت جثث الحمائم، الفواخت، العصافير على النجيل الأعزل.. هذه هي ساحة مدينتنا التي يحج إليها كل صباح خليط عجيب من فقراء ما بعد العام 2003.. أرامل متعبات، عجائز شمطاوات، أمهات ثكلانات، عَذْراوات متسولات، أطفال يتامى، وشيوخ هَرِمون.. ويطوف حولها بائعو الجرائد، النساتل، العلك، الشاي، الماء، وبائعو خرق مسح زجاج السيارات. هذا هو مَرْأًى الساحة ورُوَّادها كما تراه الشمس إذا ما أطلت من شرفة المشرق على صباح مدينتنا المتعب.

(2)

بخطوات طاووس، جلد حرباء، مكر ابن آوى، وفرشاة الأمس. دخل رسام اليوم المقر المحصن بكتل الاسمنت، الأسلاك الشائكة، الكاميرات، أجهزة الإنذار، والجُنْد المدججين.. الصورة المحمولة خلفه على أكتاف رهط الهازين ذيولهم مع الريح، وأدت تردده، واطلقت لسانه فراح يستعرض قدام صاحب الصورة مهارة فنان صالح لكل العصور، فكم رسمت ريشته ومحت، وما تزال ترسم وتمحو، وستظل ترسم وتمحو، وترسم و............ألخ، فالرسام يبدل قناعه كلما تبدلت الوجوه.. صاحب الصورة الذي لم ير غير وجهه القديم في جنسيته التي استبدلها بجنسية بلد بعيد. فتح عينيه على سعتهما، ليلتهما وجهه الجديد المطل عليه من الصورة، التي تجاوز ارتفاعها قامته وقامات مَنْ يحيط به من حرس خاص.. مدهوشاً قدام الصورة تلبَّث غير مصدق، ثم فجأة استدار، خطف الرسام بين ذراعيه، احتضنه، عانقه، قبله، وأغدق عليه من الأوراق الخضر بغير حساب. وبإشارة واحدة حُملت الصورة ثانية على الأكتاف. ونحو الساحة زفت بسيارة مكشوفة، مزينة، مسبوقة برتل، ومتبوعة برتل.. زرعوا الصورة في الساحة، هتفوا، ببنادقهم طعنوا الهواء ، ثم انفضوا.

(3)

التلميذ الذي كتم كاتم صوت أنفاس أبيه. مسح دموعه، كتم حزنه، شد حزامه، وغَيَّر مسراه من المدرسة إلى الساحة. فأصبح رقماً جديداً في قائمة فقراء الساحة.. تخلَّت يداه عن كتاب القراءة والحساب، لتحمل ماسحة الزجاج ورشاش الماء، فكانت شمس الساحة صباحاً تراه وهو يكمن كالصياد في انتظار الطريدة.. عيناه لا تفارقان أضواء إشارات المرور، ولكي يدشن التلميذ الصغير عمل أول يوم له في الساحة، أشرع ماسحة الزجاج، وهرول يسابق أقرانه نحو أقرب سيارة أوقفها الضوء الأحمر. راح يرش الماء على زجاج السيارة ويمسحه، ولم يثنه رفض سائقها من الحصول على ثمن خدمته، وما هي الا بضعة أيام حتى احترف التلميذ الذي لم يعد تلميذا عمله، يستيقظ ما إن يغبش الليل، ويهرع إلى الساحة. يقضي نهاره بالتربص للسيارات، وعند المساء يعود ليلقي برأسه في حجر أمه، ويفرش أجفانه لاحتضان ابيه، الذي قيل له انه غادر الى عالم ناصع كثوب العروس، عالم ليس فيه يد تسرق، ولا لسان يكذب، ولا وجه ينافق.. في منتصف أول نهار للصورة، التلميذ الصغير الحافي القدمين، دخل الساحة المهددة بالانقراض، رفع دشداشته، قدام الصورة أقعى وأقام مأدبة للذباب.

***

قصة: حامد فاضل

 

صحيفة المثقفمات حـيـّـاً، بعدما سوّد بالقبح جبينَهْ

أخرقٌ قد غاب عنه أنه أسخف طينهْ.

علقوا في جيده المهروشِ، من فرط التناحرْ،

جلدةً بالية ً تحمل في طياتها كلمة (شاطرْ)!

جُـنّ تيهاً وغروراً وتمادى في التفاخرْ،

فاقداً أبسط حالات التوازنْ،

هاتفاً في صوته الهارب من وقع الحوافرْ:

إنني، ولتسمعيني يا منازلْ،

فلتةٌ نادرة ٌمن ظهر (مازنْ)،

وارد إسميَ في شتى النوادي والمحافلْ،

شارد ذكريَ ما بين البوادي والحواضرْ،

مردفاً، في صلفٍ: هل فيكمو، يا آل عامرْ

(عنتر) يشبهني في صوغ ألوان المهازلْ

وفنون الطعن في سوح الرزايا والنوازلْ؟

ناسياً أنّ أباهُ

كان في تكريت چراخَ سيوفٍ وخناجرْ

وأخاهُ

عاش في بيروت سمسار عواهــرْ...

سخرتْ، من ضيق شدقيهِ، صعاليكُ هوازن،

نفرتْ، من صوته المختنق النابي،

بُنياتُ قوارير الأباعــرْ

عندما راح ينادي بين أحياء القبائلْ:

أنا كشّاف الخبايا، أنا فتّال الحبائلْ،

أنا شارٍ أنا بائعْ

دونما أدنى غريم أو منازعْ...

بصقتْ في وجهه المحتقن الكابي

أزقاتُ بنات الليل في (سوهو وپادن...)،

صفعتْ أنفاسه ريح المقابـر

يومَ أنْ صار دليلاً في ممرات مخازنْ

تاجرٍ دون رصيدٍ، من بقايا السوق،عاثر!

فهنيئاً لكِ، يا بغلةَ عـابـرْ

بابنكِ المتخم بالخبث المداهنْ!

ومريئاً لكَ، يا فلتةَ ماجن!!!

***

شعر: ا. د. حسن البياتي

لندن  16 حزيران 2007

 

 

صحيفة المثقفرَحَلَ في الزمنِ الخطأ ..

لا أعرفُ أحداً من العرب حدَّدَ

وقتَ رحيله، إلاّ خليل حاوي !!

 *

للوهم مدخلُه إلينا، يُسَوِّغُ ما نشتهيه ولا نقدر عليه، فتَلتبِسُ النوايا في زهرة الدفلى،

يُغالطُ عيوننا وما نُسمّيه وعياً عقلانياً، فنروحُ نرعى رغبةً ميتافيزيقيةً تُريدُ إلغاءَ الموتَ،

ليس لأننا نريدُ إِمْحَاءَه، بل لأنه يعِزُّ علينا مفارقةُ مَنْ نَوَدّ ونُحِبُّ !

يا صاحبي [معذرةً! تجرأتُ، لأنكَ قد رحلتَ، ولفَّكَ فعل الماضي الناقصِ واللئيم، فلم أقُلْ أستاذي ورفيقي!]

لن أُسرِفَ بتقليب دفاتر الذكرى، كما يفعَلُ الدُعاةُ والقوّالونَ عادةً ..! ومَنْ ثَلّجوا حرارةَ العلاقة معكَ لأنكَ كنتَ

أَطهرَ وأكثرَ " حِشمَةً " منهم ..!!

سَتَصطَكُّ خاصرةُ البوحِ بين شِفاهي، كي لا يتبعَ الحرفُ قافِلَةَ الذكرى فيَعشَوشِبُ الوسَنُ / السأَمُ ..

أعرفُ أنّكَ آثرتَ أَنْ تُبقي جمرةَ الصمتِ  بين الأصابعِ كي لا يَخرَبَ إيقاعُ النشيد !

ويبقى النخلُ كثيفاً في البساتين، التي أحبَبت ..

والمنازلُ أَرحبَ من الخُطى .

*        *       *

هكذا ترحلُ كالبَدوِ : حينَ يختلزون الهديلَ .. بنجمٍ بعيدٍ وذئبٍ يُشمْشِمُ الخُطى،

فيغدو الغيمُ شِراعاً .. ولَمّا يزلِ اليَمُّ سَراباً !

في زَمَنٍ، صُيِّرَ فيه العَقلَ خاتمَ فِضَّةٍ في إصبَعِ المَعتوهِ والدجّالِ والمأفون ..

*        *       *

كأنَّ أصباحَ "طريق الشعب" كانت الأميرَ ونحنُ "المَوالي"!

أنكونُ حاولنا أن نَبري قرونَ الأيائلِ بالحجارةِ الصلد، قَرناً فقَرنا ؟!

أم بَرَينا الحجارةَ كي تَلينا ؟!

فينا مَنْ رأى شيئاً ... وفينا مَنْ رأى غيره !!

فينا مَنْ رأى فارِساً تَرَجَّلَ في وقته .. وفينا أيضاً، أَوغادٌ "إسترجَلَوا" عليكَ في زمنٍ سافِلٍ !

ما همَّ ! ستظلُّ شديدَ الدُنُوِّ منّي .. كَدُنُوَّ حاجتي وعِفّتي !

*       *       *

أبا مخلص، لا بُدَّ كنتَ تتذكّرُ أنَّ الفَتقَ كشَفَ عورةَ الأيام ..

وكيفَ كُنّا " نتوسّلُ " نَسغَ الرؤيا أنْ يُخيطَ ما إستطاع،

ويُبقي ما لمْ ... من ثقوبٍ تستضيءُ بظلمةِ قِنديلِ الحال ..

حيث نامَ " نواطيرُ " الحق، وغدا ورقُ العُمرِ أصفَرَ ..

مرَّ الخريفُ، ولمْ نَنتبه، مرَّ كل خريفٍ ونحنُ على الرصيف،

لَمْ نَنتبِه !!

كانَ " الشِعارُ " سيفاً لنا .. وعلينا !

حمِلنا الرحيلَ حَفنةً من غُبار، عسى تُذريه ريحٌ فنعودَ .. من دون "فاتحين " !!

لكن ..... !!

ما كانَ ضرورياً أبَداً أنْ نكونَ شهوداً على الخراب ..!! 

وداعاً أبا مخلص

 ***

يحيى علوان 

...............

* شخصياً، أكلَمَني رحيله. لم أشأ تعداد مناقبه وخصاله، ليس ضنّاً مني .. ! فلا بُدَّ أنَّ غيري سيتولّى ذلك، ناهيكم عن كونها معروفة

لدى الكثير من مجايليه، رفاقاً وأصدقاءَ ومحبين ومعارفَ .. أردتُ، فقط !، أنْ أستقوي بالحرفِ على الحصار الموجع والشديد،

الذي ألمَّ بي ساعةَ سماع الخبر، لاسيما كنا، قيس الزبيدي وكاتب السطور، قد قرّرنا زيارته في لندن .. فَرِح أبو مخلص وقال

في آخر مكالمة معه " يلله سَوّوها هله بيكم من زمان ما تشاوفنه ! " لكن عارضاً صحياً إضطرنا لتأجيل موعدِ السَفر، وها هو يُغافلنا ويرَحَل !!

 

 

فتحي مهذبلم نيأس يا سبارتكوس..

نحمل صخرة سيزيف بأسناننا

ونقاتل ذئابا شرسة في دهليز المعنى..

أضدادا تغرد فوق شجرة الرأس..

فراغا أشيب بزئير حوشي..

يطاردنا حطاب بفأس

وغناء قروي جارح..

يطاردنا دب نهب معطف قس

من كنيسة مهجورة..

يطاردنا طيار

بمروحية ضحوكة

في بهو صغير لاستقبال

عربات النوم

وصناديق الأموات...

كان مطر يهذي..

يعدو مثل لص

بسيقان مرتبكة..

حياني ومضى..

رأيت ذيله مقطوعا

وعلى ياقته كلمات مسمارية..

في الأسفل

افترسته بركة عبثية

ملآى بأضابير الجريمة

ترتادها تماسيح مريضة

هاربة من مصحة..

أقزام يأكلون ذكريات مملحة..

يشربون ماء من غلاصم الغرقى..

ناداني بلبل سكران..

لا يصحو مثلي أبدا..

فر من مخالب تايمورلنك..

قتلوا صديقته في آذار..

رموا قصائده بالهرطقة..

لم يك ثمة قصف

في المنحدر الثلجي..

ثمة قبعات جنود قضوا

فوق صدري..

ثمة حصان

نجا من زلزال في حديقة رأسي..

لكن لماذا لم يزل يحبو

وعيناه زائغتان..؟

حاورني لوقيانوس السميساطي..

ينام أول الليل في كتاب قديم..

- ألك صغار؟

- فروا

- الى أين..؟

- لا أدري..

- ربما عادوا الى كهفي القديم..

- ربما ابتلعتهم  غيمة

- تسعل باستمرار..

- ربما سقطوا في هاوية اللاوعي..

أو طاردهم نمر أسود بهراوة..

- ألك بيت ؟

لا-

-أين تقيم؟

- في قصيدة..

على حافة جرف هائل..

ترافقني ذكريات مريرة..

- ألك زوجة؟

- اختفت في آذار

أيام الثورة..

- هربت في غواصة

باتجاه النهاوند..

- ألك أصدقاء؟

- لي ثعابين جيدة

تزورني كل يوم..

في حانة قديمة.

***

فتحي مهذب

 

صالح البياتيهل سرت يوما في غابة

او بين أشجار اليوكالبتوس

أرأيت كم هي مهيبةً

تصطفُ سامقة، منتصبة القامةِ

كالجنود البواسل

في ميدان عرض عسكري

هل استرعى انتباهك

انها مجردة من الأسلحة

امعن النظر اليها

سترى اوراقا حمراء

لا يذهب بك الظن انها جراحاً نازفةً

انتبه حين تمشي، حتى لا تدوس الأوراق الجافة

فهي ليست كما توهمت ميتةً

او قتلى سقطوا برصاص الأعداء

انها ارواحنا التي فارقت الحياة

احترس جيداً، ان تطأها بقدميك

كي لا تُحزن المعري، الذي أوصانا

ان نمشي الهوينا

الأشجار شواهد  لقبور من ماتوا قديماً

او ماتوا مجهولين في الغربة

تذكرنا بهم عندما تهوي جذوعها

تحت وقع الفؤوس

بأننا لا زلنا نرتعب

من سيف الجلاد الذي يدحرج الرؤوس

أمامك الطريق واسعاً

يتسع لجميع السائرين

فامضِ في سبيلك، ولا تلتفت للوراءِ

***

صالح البياتي

 

حنان عباسيتحتاج فقط إلى دقائق حتى تستعيد كلماتها الخجلى والتي احتجزتها نظراته .. أمامه هي طفلة متلعثمة تتعثَّر في حروفٍ منهزمة.. رفعت رأسها في خيلاء كاذب، في محاولة جريئة لإثبات أنها قوية رغم الضعف البادي في صوتها الهامس .. لم يكن قد أدرك الخصومة المحتدمة بينها وبينها  في حضوره .

تعمدتِ البقاء في جلسة معتدلة المزاج، وهي تومئ برأسها إيجابا على أسئلته القصيرة الجملَ، وتختزل الردَّ في أبسط أساليبه موحيةً له بأنها واثقة من نفسها وأنْ لا تأثيرَ له عليها .. وأنه لا يخْبرها بين الكلمة والكلمة أنها الأجمل بين الحاضرات، والأحلى صوتا وصورة، وأنه يتوق لإنهاء كل هذا الضجيجِ الإداري كي يرحل بها بعيدا .. وأنه لا يجذبُ أفكارها نحو حلم واحد أسطورِيٍّ : أن تكسر غروره بقبلة، تشدّه نحو شفاهها المرتعشة، تضمه أمنية لذيذة إلى صدرها وتنبض به جنونا ..

...... كان هذا اسمها الذي يتردد بين جدران الرواق، ذلك الصوت ناداها ثانية.. وللمرة الثانية تبعته إلى المكتب تحمل ملفها وبقايا الحلم الغبي الذي كانت غارقة فيه وهي تنظر إليه يُحَدِّث المُرشَّحةَ التي سبقتها في الدخول ..

 

حنان عباسي

سعد جاسم(قصيدة للاطفال)

***

 أَيَّتُها البَبْغاءْ

ضوضاءْ

ضوضاءْ

كمْ أَنتِ تُصْدرينَ من ضوضاءْ

كلامُكِ .. ضوضاءْ

غناؤكِ .. ضوضاءْ

ويزعجُ الطيورَ في الحديقةْ

وقطتي الرقيقةْ

وأُختي الصغيرةْ

وجدتي الكبيرةْ

ويزعجُ البلابلَ البيضاءْ

حاذري ياببغاءْ

إِنْ لمْ تَكُفّي أَبداً

عن هذهِ الضوضاءْ

نَرُشُّكِ بالماءْ

فتُصبحينَ مُضْحِكةْ

حزينةً ومُرْبَكةْ

***

سعد جاسم

 

جميلة بلطي عطريالشّوقُ كَفّ عَطاء

فِي راحة الكونِ

يسكبُنِي نُقطةَ ضوْء

بَذرةً تحملُ بيْن الحَنايا

سَماد الزَّمن

سنبلةً حُبلى تُطاوِل الشّمسَ

تُلوِّنُ جدائلها بِعبقِ التّوق

علَى فَمِ الأحياءِ ترسمُ بسمةً

فِي عُمق البَحرِ

تُوشوشُ فِي أذن المَحَار

همْسة تسْرحُ في وَريدِ المَاء

تُوقظُ الحلْمَ المُؤجّل

تُنصِفُ الأحْياء

تُلبِسهم دَوائرَ بلوْن الطّيِف

تَسقِيهِم الفرَجَ رَجاء

حَياةٌ بيْن الشّهْقة والدَّهشة

تلدُ النّبَض الجَديد

ونُقطة الضّوْء تتّسِعُ

تلاحقُ الدّائَرة

علَى صَدر الأيّامِ تُعلّق العَراجين

سَبائكَ نورٍ تمتصُّ الظِّلالَ الغائِرة

تُحوّلُها قناديل

مشَاعل تَضخُّ الدِّفْء

تمتدُّ على وجْه المجرّةِ مزيجَ ألوَان

فِي رِحابها تتصالحُ الأزْمان

علَى المِنصّة القُزحيّة يُرفعُ شِعار

يُهلّلُ صوتٌ أنْهكَه الانتظَار

أنا نُقطة الضَّوء

مِنْ طين الطّهْر سَجيّتي

أنا ِزينة الكوْن

مِنْ وَتينِي أسقِيه فيُهديني حُرّيّتي

مِنهُ ومنِّي تنبجسُ المُعجزة

والعُمرُ في المَحاريبِ يُصلِّي

يسرّبُ الرِّضا رَوحًا وريْحان

أنا الطّيبُ فِي رَاحَة الكونِ أعْبقُ

بِي يَحتفِي

يُباركنِي

يُكِرمُني إنْسَان.

***

بقلمي: جميلة بلطي عطوي

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها :

ابتسامتُكِ تفيضُ على الكونِ

كأنَّها الأنهارُ

تتفتَّحُ فيها أشرعةُ العُشَّاق !

دعيني أُبحِرُ

بين ضفافِ تلكَ الابتسامةِ

أبحثُ عن اليقين

في زمنِ الشَّكِ اللَّعين !

*

دعيني أُرافقُ تلكَ الابتسامةِ

إلى أبعدِ ما يكونُ !

سأمرُّ على كلِّ الفصولِ

وأسألُ الخريفَ عن شعرِكِ

الذي تساقطَ قبلَ الأوان

وأسألُ أصابعي

التي كانت تمرُّ بين خصائلِهِ :

لِمَ هذا البُكاء ؟

أمَا آنَ لهذا الدَّمعِ النَّازفِ

من بين الأظافرِ

أن يتوقَّفَ عن النَّزف !

*

سأتركُ لهمُ الجسد

مُسجَّىً

كأنَّه البلد !

وأحملُ ابتسامتكِ

بينَ جفنيَّ

وأفتحُ لها بابَ الأحلام

قد تأتي لي بجوابٍ

فالدَّمُ المُراقُ

بين شوارعِ البلد

آنَ له أن ينام !

*

تعالي نولدُ مرَّةً ثانيةً

تعالي نبدأُ العمرَ من جديد

كالأجِنَّةِ في الأرحام

بلا خطايا

بلا آثام !

*

تعالي نتسلَّقُ الجبالَ

في اللَّيلِ

في النَّهار !

*

تعالي نتصدَّى للرِّياحِ

بظهورِنا العاريةِ

كعرِّي الأشجار

نمضي وحدَنا

إلى أعلى الجبلِ !

واتركِي الطُّوفان

يغسلُ الأرضَ

من الرِّجسِ

والأوثان !

*

وانظري إلى السَّفينةِ

كيف تقهرُ الأعاصيرَ

والأمواج !

تأمَّلي بها طويلاً طويلا

وانظري إلى النُّجومِ

كأنَّها الجيوش

تزفُّ السَّفينةَ

نحو الشَّواطئِ الجديدة !

*

انظري إلى وجهي

سأفتحُ جفنيَّ

تأمَّلِي في عينيَّ

ابحثي فيهما

عن تلك الابتسامةِ

ورُدِّي الطَّرفَ

نحو السَّفينةِ

وابتسمي من جديدٍ

لنبدأَ الحياةَ

فتلك السَّفينةُ يا حبيبةُ

هي ابتسامتكِ

التي كانت من قبلُ

تُقيمُ بين عينيَّ

كالأحلام !

*

هامش: حين تبتسمينَ تتجدَّدُ الحياةُ !

 

د.عاطف الدرابسة

 

صحيفة المثقفكانت تلف قدميها على بعضهما ابتغاء إراحتهما، مالت بجسدها نفضت رماد سيجارتها في منفضة جميلة موضوعة على منضدة صغيرة بجانبها من الألمنيوم والزجاج ثم اعتدلت ورفعت رأسها واستأنفت معلقة على ما جرى من حديث : لا أدري لِمَ تستغربون وترفضون التنوع ؟ !، ولا تصدقون إمكانية التآلف معه وبه، وقد ضرب الله لنا مثالا عليه، ألا ترون الطيف الشمسي أليس هو مكونا من عدة ألوان جميلة إذا رأيناها منفردة ولكنها تنسى تفردها إذا اجتمعت معا مكونة لنا ضوء الله الذي ننعم به جميعا . أنا أرى إن المجتمعات كذلك وإن في تنوعها قوة وفائدة لنا وإن الانسجام فيها أصيل لا مفتعل .

أجابتها جليستها وهي محنكة تلتحف بالسواد : لا أرى ما ترين فلا يمكن لمجتمع من هذا الطراز أن ينتج خيرا ويستمر عليه فإن تضارب الميول والرغبات سيؤدي به الى التهلكة .

وكانت تقف عند رأسيهما فارعةٌ في غاية الأناقة تحمل بيدها اليسرى صحنا صغيرا من حلويات اختارتها من الصحون المصفوفة بترتيب وذوق على مائدة في جانب من الغرفة أما يدها اليسرى فهي تحمل كوبا من الشاي سكبته لنفسها من إبريق يحتفظ بالحرارة، فجلست في مقعد بينهما بعد أن وضعت ما في يديها على منضدة صغيرة أُخرى، جلست وهي تقول: عجبا لكما الا تريان إن التنوع هو سمة الحياة الأساسية وهو سمة الخلق كله ؟!. تخيلا بلدا لا ينبت فيه الا القمح وبلدا فيه كل ما خلق الله من نباتات وورود ترى في أيهما تودان العيش ؟!!! .

استمرت ثلاثتهن بالحديث والجدل البارد وكن فيه إذ دخلت بل اقتحمت عليهن الغرفة رابعة وكانت تحمل في يدها بضعا من ورود ال " كاردنيا " الموسمية، وفي اثناء إلقاء التحية والتقبيل الحار أعطت لكل منهن واحدة فرفعنها جميعا لأُنوفهن وهن يسحبن منها أنفاسا ويتمتعن بخلق الله ويستحسن الرائحة الجميلة قالت : قطفتها من أجلكن قبل صعودي لسيارتي إنها طــازجة ناعمة وبيضاء " مثل القيمر " . . شكرنها جميعا ثم عدن لحديثهن قالت إحداهن : كنا نتحدّث قبل مجيئك عن التنوع وعن الانسجام هل هو فعلي أم مصطنع ومدى قوته وفاعليته في المجتمع فما هي وجهة نظرك يا ترى ؟ قالت وهي تزم شفتيها : أنا أرى انه ضروري لتقدم المجتمعات ولإيقاد شعلة الحضارة فيها، أُنظرن معي سيظل مجتمع ما على ما هو عليه ما دام منعزلا يتداول عاداته وتقاليده أبا عن جد ما لم يتلاقح مع مجتمعات اُخرى يظل بسيطا موقنا من انه على حق تماما وأبدا سواء أكان كذلك أم لا، هيا تخيلن معي مجتمعا بعيدا عن المدن والتجمعات البشرية لنأخذ مثلا في القطب الشمالي إنهم منذ زمن موغل في القدم يعيشون يأكلون ويشربون ويتناسلون كل ذلك جميل لكنهم لن يتقدموا أبدا ما لم يروا أُناسا آخرين يحيون بطريقة اُخرى ولهم عادات أُخرى فهم سيقتبسون منهم ما ليس لديهم وما ينقصهم وهذا ما فعلوه فعلا أخذوا من الآخرين ما ليس لديهم فطوروا من أوضاعهم واكتسبوا أشياء اُخر لم تكن لديهم لذا سهلوا طرق عيشهم وطوروها مع الاحتفاظ بقيمهم . وكذلك أراد الله لخلقه في قوله تعالى " وخلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " .

أجابت ربة الدار من مقعد وثير كانت تغطس فيه وهي طبيبة في الأربعينات من عمرها جميلة ترتدي فوق ملابسها شالا أزرق لأنها لم تتشافَ تماما من مرضها بعدُ - كانت صديقاتها يزرنها للاطلاع على صحتها من جهة وليؤنسنها من جهة اُخرى - قالت كلكن تعرفن منحدري وقد طلبت أن يكون تدرجي الطبي حيث وُلد جدي لأخدم أهلي وعشيرتي . غير اني طوال ما كنت هناك عوملت كغريبة تماما إذ كانت بنات عمومتي لا يأنسن لي أبدا وينظرن اليّ في معطفي الأبيض كدخيلة لا لشيء الا لأني أولا أعمل في مشفى ولأني ثانيا لم أكن ألبس ولا أتكلم مثلهن    ..... حتى ندمت لاختياري منطقة التدرج وفرحت بانتهائه - . وهذا يبرهن إن الانغلاق سببٌ للتمسك بعادات وتقاليد مناطقية والتحمس لها والذود عنها وقد لا يكون كل الخير فيها .

قالت الاولى : لعل فيما نقول بعض التجني . غير إن كثيرا من العادات التي تمارس في المواقع المنعزلة على إنها تمسك بالتقاليد يُشرّف من فعله قد يُعدُّ سُبّة في مجتمع آخر .

ردت الثالثة : نعم فيما تقولين كل الصحة فان ابن أحد أعمامي نهى عن ابنة عمي الآخر ومنعها من أن تتزوج لأنها مسماة باسمه منذ ولادتها ولما ترك عمي ( أبوها ) القرية الى مدينة صغيرة قريبة منها أتم كل أبنائه تعليمهم وكذلك ابنته فجاء المسمى خطيبا متقدما لخطبتها مصرّا عليها ولم يرض عمي ولا ابنته بذلك غير إن العشيرة كلها – الا أبي - وقفت مؤيدة ابن العم في إصراره على الزواج منها واعتبروه شجاعا وشهما لتمسكه بها وبتقاليد العشيرة ونسي الجميع أو تناسوا قول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم ) ( بالكفء ) فلما ذكّرهم أبي بذلك، قالوا جميعا انه كفؤها أليس ابن عمها فلم يروا في الكفء الا جانب النسب فحسب .

قالت الثانية : ولِمَ لم يزوجوها منه ؟! . الا يُعدُّ ذلك استكبارا أن ترفضه لأنها متعلمة وهو ليس كذلك ؟

قالت الثالثة : الا تعلمين إن شرط الزواج الرضا والقبول وما لم يتوفر يُعتبر الزواج باطلا لو إنها اقتنعت به لكان الأمر طبيعيا ولكنها لم تقتنع ومن هنا ولد الإشكال . ثم إن المرأة عادة تضع نصب عينيها مثالا ويكون زوجها قدوة فإن لم ترَ فيه قدوة لها ومثالا فلن يكوّنا اسرة قادرة على المضي قدما في مختلف الأحوال والظروف . خذي مثالا على ذلك زميلتنا ( س ) التي انفصلت عن زوجها لأنها كانت تتعرض لسخرية الزوج كلما نطقت بكلام أو طرحت فكرة ما وإن كانت نيّرة، ذلك لأن البون شاسع بينهما في التحصيل العلمي والثقافي . فكان يسخر من كل ما تعلمته وآمنت به وتود أن تعمل به ليكون دعامة لمسيرة حياتها وحياة اسرتها . لذا فقد أبقاها معلقة فلا هي زوجة ولامطلقة . لذا فإن " الكفء " تشمل التعليم ضمن ما تشمل كما أرى وأعتقد . وهنا اندفعت الى منتصف الغرفة حيث ربة البيت طفلة في الرابعة من عمرها بجدائل كستنائية جميلة وهي تقول : ماما ماما سوزي مريضة اكشفي عليها واعطني دواء ماما ماما أرجوك أسرعي سوزي تحتاج الى " ابرة " . كانت تحتضن دميتها سوزي بحنان ورثته عن امها وجدتيها . أخذت أمها الدمية ووضعتها في حضنها وهي تتظاهر بالكشف عليها قائلة :

اوه .... نعم إن حرارتها مرتفعة، وجست نبضها ثم طلبت من ابنتها أن تأتيها بلوازم " الابرة " - وكان ضمن لعبها عدة بلاستيكية لذلك - وبعد أن تظاهرت بانها حقنت الدمية بما يشفيها طلبت من الطفلة أن تأخذها الى فراشها كيما ترتاح وطمأنتها قائلة : لا تخافي فقد أجريت اللازم . كانت الضيفات جميعا يبتسمن طوال الفترة التي استغرقها الفحص والتشخيص واجراء اللازم . أعجبهن ما فعلته الطفلة فابتسمن قائلات " فرخ البط عوام إن شاء الله " .

ولما خرجت الطفلة عُدن لتداول الحديث ولكنه هذه المرة كان عن اسعار وأنواع الملابس والكماليات وعن أخبار المحلات الجديدة

" المولات " الكثيرة التي انتشرت أخيرا بسعة وانتشار في أرجاء البلدات القديمة .

***

سمية العبيدي - بغداد

31 / 5 /2014

 

نادية المحمداويالربانُ المغلوب

أدركَ أن الأقراشَ المتوحشةْ.

ستهاجمُ بين لحظةِ وأخرى

حطامَ السفينةْ.

وأدركَ أن ما تبقى

من الواحِها الطافيةْ.

لا يقيه ضراوةَ الفتكِ اللعينْ.

ليس في ظلمةِ الأعماقِ

حلمٌ يجيءْ. 

ولا في كآبةِ الأفقِ

جناحٌ يسافرُ،

بشوقِكَ الكبيرِ إلى اليابسةْ. 

ماذا يقولُ عنكَ

السائلونَ حينَ لا تعودْ.

حينما تموتُ في قرارة الأعماقِ

مغلوبا حزينْ. 

أولادكَ الصغارُ انتظروكَ

عشرين شتاءٍ

وناموا بعدَ طولِ انتظارٍ يائسينْ.

أولادكَ الصغارُ كبروا

وأنتَ منذُ عشرين شتاءٍ

غائبا كحلمِكَ القتيلِ لم تجيء. 

***

نادية المحمداوي

سلام كاظم الشجريقظتي؛ أحكمت مغاليق

الجدران.../

أقمت صلاة الغائب

خلف الجنائز

تسمّرت وجوه الباكين

حول سياط الوحشة

وهلوسة الاِدمان

سنقف بعيدا وجدا

خارج حدود الرؤيا

ننتزع مكاشفتنا

وطول الصبر على مخافتنا

أن يمنحنا الربّ

بلادة الرهبان ،،،

لا تغادر مظلتي

وأبقى حولي تقرأ بعضا من

وحدتي وهي فكرة

إلحاد أسّسَ لها الشيطان

.

.

الجزء اليسير

من صوتي لم يزل

يدندن كجرس بابنا العتيق

يداهم صمتنا

يتمشدق بهمسة كاذبة

رسمتها شفاه معطلة

بأدنى من قدرتها الخفية

على أن تستنهض النيام

وتتبع الأحلام بآخر الطريق

اِنا ضمن مسافة الشوق ؛

لنرسم الموجات فهنالك الأعماق

هنالك إجترار وغريق

.

.

معظم مساحاتي

مؤجرة.../

لقادمين من خلف

خطوط النهار

يتقاسمون عودتي محملا

بأثواب الصبر

وشيئا من نواح كآخر القصب

ينحني باِنكسار

.

.

سلام كاظم الشجر /العراق

 

رابح حيدوسيككل يوم، لا يملل من الملل، هذا التائه على رصيف مكتظ بالعابرين، لا شيء يلهيه عن تأمل تسارع الحركة وفتورها ساعة بساعة الأشخاص وإن اختلف لباسهم واشكالهم، فإن محياهم يحمل من فصول الخيبة والقلق العميق، ما يؤثث به اتجاهاتهم المتقاطعة إلى حواف سحيقة، لا يدري منذ متى جلس إلى كرسيه البلاستيكي المألوف، الذي جمعته به رتابة السنوات، كأنه صنع خصيصا له،  فهو إذ أسند جسده اليه يشعر أنه يتلاشى، خارج الوقت، و يشعره بأنه يلعب خارج رقعة الشطرنج الفاخرة المهملة على طاولة نظيفة من الغبار الذي يلف أفقه هذا الصباح، ككل يوم آخر، يراقب النهر البشري المتدفق على مسرح الحياة من رصيف بارد، يجثم الليل كالعادة، فتخبو الحركة رويدا رويدا. لتفسح مجالا لصرير أمعائه الخاوية، إلتفت  إلى اليمين، ثم إلى اليسار، لا شيء بالجوار ينبض بالحركة، حتى صاحب المقهى، لم يبد عليه الإهتمام، فغط  في نوم عميق، حتى الساعة الحائطية التي نظر إليها طويلا بدت غارقة في هوة سحيقة على غير سيرتها، عقاربها تجمدت. لم يعد هناك شيء يمكن تذكره، فالأحداث  كالأمس وقبله، لم تتبدل .ربما، لم يعد للوقت معنى . قال هذا، وتنهد بعمق، وأطلق ساقيه للريح،  يحاول  بخطوات متهالكة أن يؤجر للساعات روحه .

 

حيدوسي رابح /بسكرة /الجزائر

عبد الستار الزبيديكلانا يتقصّى الآخر

عند تقويم تَوَاتر الخطى

أنا أهدر أسئلتي

حتى ألمُجنى عليها

وأنت تُحرِض احلامي نحو التدفق

لَمّْا تَسَلَلْتَني ذات ولادة

بَسَطَتَ جهاتك رغم ارجائك الشاسعة

سمحة على مديات دمي

وقدَّرت حدودك

عرض العشق واتساع الصلوات

وقتها فتح البردُ بابًا فاغرة

انتابتني شياطينُ الأرصفة

ارتجفت حتى أكثرَ الاستفهامات لسعاً

من مَنافٍ قارصة

غير إني احيطكَ دفءً من حُمّى الروح

أيَهذا المحكوم بالإقامة الجبرية مع النبض

انا هناك قابع حيث حافة الأرض

أينا يسكن الاخر

انا هناك

هناك جدا

أيها الوطن المفعم بالتشرد

الموسومُ بالسَبيّ

الضارب بالوجع والتاريخ

وضعت النهار شاهداً

إني وطّنتُك مساحاتَ نبضي

مذ مسقط القلب

من العشق الى العشق

ألك أن توطنني؟

***

عبد الستار جبار عبد النبي الزبيدي

نرويج . استافنجر 2014