علي الطائيوفي خُلُقِ الوَفَاءِ يُصَانُ عَهدُ

             وَثاقُ المَرءِ في الدنيا وعَقدُ

جَرَعْتُ صَبَابَةً بِجَميلِ صَبرٍ

             فَصِرتُ مُصَابِراً فيمَن يُعَدُّ

أُمَنِّي القلبَ في أمَلٍ وَطَيفٍ

            فَمَطلَبُ وَالِهٍ في الحُبِّ سَعْدُ

هُدوءُ الليلِ يَكنُفُني وَئيداً

                فَيهجُمُ عابِثًا بِالعَينِ سُهْدُ

يَضُمُّ اللَّيلُ مُعتَرَكَ الأَماني

                يَتيهُ بِغَمرَةِ الآهاتِ وَجْدُ

صَريرُ الرِّيحِ يَتبَعُني كَهَمسٍ

           يُدَاعِبُ سَمعِيَ المَفزوعَ وِرْدُ

ذَرورُ العَيْنِ في الأَدواءِ كُحْلٌ

           سُرورُ الجَفنِ في اللَّيلَاءِ رَقْدُ

تَنامُ العَينُ مِن لَغَبٍ وكَدٍّ

               فَهَجرُ القلبِ للمَحبوبِ كَدُّ

فَمِنْ سُوءِ الَمقادِرِ أنْ سَأبقَى

               رَهينَ الهَجرِ إذْ يَتلُوهُ فَقْدُ

ومِنْ سُوءِ العَوَاقِبِ حِينَ يَضحَى

           لِدَاعي النَّأيِ والهِجْرَانِ حَمْدُ

فَفي عُرْفِ الأَطِبَّةِ مِنْ زَمَانٍ

              شِفَاءُ الخَائِرِ المَحمُومِ بَرْدُ

أَلا بَرْدٌ أُعَلِّلُ فيهِ قَلبِي

             حُمَيَّا الشَّوقِ تُمرِضُني تَهُدُّ

           ***

د. علي الطائي

 

 

علي الباشاوطني

يا غُـربتي الأولى

أَمَا زلت تذكرني …!

أما زلت تذكر طيفي

بين حواريك

كان يتخطى

أما زلت تذكر ذاك اليتيم

الذي لم ينسَ

والحيُّ كان ينهره

والجارة ، والسوق، والممشى

**

أحبك يا غُـربتي الأولى

يا شدو الجروح

يا غربة الروح

يامن بأساه أتأسى

وكيف أنسى؟

ما زلت أذكر العيد

كيف كان يتجلى

نطوف الحيّ

نطرق الأبواب

ونجمع الحلوى

أحبك

يا غُـربتي الأولى

وبين أضلعي

جمر يتلظى

**

ما زلت أذكر أشياءً

كلَّما ناديتها

فرّت

كعصور

فرَّ من خلوه

**

بين طيّات الجرح

أمرر أصابعي

يا لأحلامي ..!

كم لأحلامي

ترفٌ يتخطى ..

***

بقلم: د. علي الباشا

كاتب سوري مقيم في السويد

 

 

يا صمتاً يجتاح وجودي

نيران الفقد تطـــــوقني

رمادا تذرونـــي الايام

وهدير الامس يباغتني

يجتــــــر سنيناً وسنينا

دلال الغــــــربة باردة

لاهيل فيهـــــا ولاقهوة

والجمـر البارد لايقوى

صقيع يأكل جـــــذوته

ويتركه أمــــــل خائب

الفجر يقطن فــي غمدٍ

وسراجي قد تاه بليلٍ

كسيح فيه يحبو شعاع

وجبال سحاب كاسرة

تغتال سمائي على مضض

وشمس وأدتها الاقدار

لانورا فيهــــا ولادفء

طوفان حنيني يغرقني

بسفينٍ ياتـــــي ويغيب

وأنا وراحلتي نمضي

لنحط رحــــال الايام

***

 

مريم لطفي

 

محمد الذهبييا ليتها أفصحتْ عن بعض ما تَجِدُ

                  أنا ارتديتُ ثيابي وهي تَتَّقِدُ

يا قلبُ صبراً أتدنو وهي هاربةٌ

           أم ترجو منها وصالاً وهي تبتعِدُ

قلْ ما تشاءُ اذا شعراً كَلِفْتَ بهِ

          ودعْكَ من عشقِ شيبٍ شابَهُ الكَمَدُ

يا قلبُ ليلك وخزاتٌ تنوءُ بها

              وفي صباحِكَ أقراصٌ بها تَجِدُ

بكلِّ رعشةِ ودٍ قد مُنيتَ بها

            ذابتْ خيوطُك والنبضاتُ ترتعِدُ

دع عنك عمراً رأى أنْ لا تعذّبُهُ

                ونمْ به ما تشا قد يَدْرِكُ الأمَدُ

يا قلبُ تذكرُ كم مرّتْ بنا غَصصٌ

                 لهيبُها حتى هذا اليومُ يَزْدَرِدُ

أودعتهُ التيه غضاً مِلْأَهُ ترفاً

          وعدتُ قد شاخَ في أعطافِهِ الصَمَدُ

يا قلبُ حَسْبُكَ يكفينا على مَضَضٍ

              أنْ نعْشَقَ الغيدَ عن بعدٍ فنَنْسَعِدُ

يا ليلُ حَسْبُكَ ما في القلبِ من أحدٍ

             حتى يَحُنَّ علينا في الهوى أحدُ

وهذه الأرضُ قد ضَجَّتْ بنا طَرَباً

         حين الهوى راحَ في الأكبادِ يَحْتَشِدُ

أنا وقلبي نسينا إننا بَشَرٌ

                ورُحْتُ أعذلُهُ حتى أتى المَدَدُ

أنا على ضوءِ نارٍ من أشعتها

                أرى طريقاً غدتْ أشواقهُ تَفِدُ

يا قلبُ يكفيك ما تَرْجوهُ من أَربٍ

                  أنْ يجمعَ اللهُ روحينا ونَتَّحِدُ

لا تَيْأَسَنَّ فبعضُ الودِّ مَنْغَصَةٌ

             حين الحمامةُ باضتْ أيْنَعَ الوَتَدُ

يا ليلُها أنتَ ليلٌ ما به أحدُ

               فقط هي الآن تدعوني فأجْتَهِدُ

تشيرُ عَنْ بُعْدِ أميالٍ الى قلمي

                فصارَ قلبي يُوَفّي كلَّ ما يَعِدُ

                  ***

محمد الذهبي

 

الحسين بوخرطةفي بداية ليلة آخر يوم إمساك عن شهوتي البطن والفرج، فرح عبد العال فرحا مشوبا بقلق وانشغال مؤمن بقضية وطن ومصير. بعدما ازدرد ما لذ وطاب من الطعام، استلقى على إحدى أرائك صالون بيته المتألق المطل على شارع عريض من أعرق الفضاءات التجارية في مدينته الشاطئية. بشاشة الفرح انبعث من عينيه ووجنتيه وهو يتابع إعلان يوم العيد.

التفتت إليه زوجته الشقراء علياء، ذات الجمال العربي الخلاب، مبتسمة ومباركة المناسبة المقدسة. أما أطفاله الثلاث، أيمن ونسيمة وفيصل، فهرعوا متدافعين إلى الدولاب. انتظموا أمام بابه، والغبطة كاسحة فضاء المنزل بكامله، وممتدة بطاقتها المشعة إلى الشارع العريض. أخذ كل واحد حلته الجديدة الغالية، وارتدوها محملقين في منظرها الجميل أمام مرآة محاطة بمصابيح منيرة.

أما الزوجة علياء، بعدما أعدت صينية الشاي المغربي والحلويات اللذيذة ووضعتها على منضدة مزخرفة من الخشب الأصيل أمام زوجها المصون، ولجت بهدوء لا يلفت الأنظار إلى الحمام، وتطهرت وتعطرت بماء الورد. ارتدت لباس الحمام الناعم، ودخلت مباشرة إلى غرفة النوم في سرية تامة. توارت عن الأنظار للحظات متأملة أدواتها التجميلية، فاتحة كعادتها مناجاة فردية لإبداع لوحة حياة جديدة تليق بمقام الليلة. بعدما اختارت بعناية فائقة حلة مباركة بألوانها الزاهية، غاصت في تفكير عميق لتحديد وتجديد مقومات الجمال المهيج لمخيال الحواس الأسري. أخذت كالعادة وقتها الكافي، وحولت محياها وجسدها المنحوت بعناية ربانية إلى لوحة فنية جذابة بمنطق تصارع الكواكب، مصممة تعبيد مسار تجديد لذة ساعات المتعة العارمة وتمديد أمدها صحبة بعلها عبد العال. أتمت الترتيبات بإتقان معهود، وترسب الإبداع الجمالي متراكما بمعنوياته الفائقة في بيت الزوجية.

بعد إنهائها للمساتها الأخيرة، فتحت باب ورشة صناعة الحب والبهجة والحياة، وأقبلت على عبد العال بضياء القداسة، وببراعة إبداع عباقرة الفنون التشكيلية. قفز من مكانه قفزة فاقت اللحظات المشابهة في الماضي القريب ذهولا، مصدوما أمام روعة لوحة فنية زادها الابتكار عذوبة. غادر بسرعة البرق وضعية الارتخاء والامتداد والاستلقاء. انتصب جالسا، وكأنه شحن بطاقة مجسدة لنسبية أنشتاين وأحلامه. جلست ورائحة عطرها الثمين طافحة، والحب يتطاير من عينيها كرذاذ مطر يوم عاصف. ألصقت الجانب الأيمن من أردافها الناعمة بفخذ رمز الوحدة والرعاية الذكورية. نط الأطفال من أمكنتهم منجذبين بهذا المنظر المبهر، ليكملوا عناقا معالم لوحة أسرة مغربية تزخر حبا وحنانا وإنسانية.

دخل عبد العال بدوره الحمام، استجابة لرسائل ودروس وعبر زوجته المعتادة. انتصب بمخيال تجويد معاني الحياة تحت الرشاش متجاذبا مع رذاذه الكثيف. خرج باعثا ابتسامة روح مبتهجة تعجز حواس البشر عن وصفها. تفاعلت المشاعر، وارتقت الروح إلى أسمى مستويات الشغف بحرارة الولع الملتهبة، توردت الخدود، واحمرت الشفاه والوجنات المتقابلة، وابتدأ العد العكسي لاستنفاد الوقت المخصص لينام الأطفال ملء جفونهم ومعانقة أحلام لذة الانتماء الأسري.

في هذا المنعطف الزمني الحرج الذي لا يحتمل الانتظار، أطل عبد العال على الشارع العام المكتظ بالمارة. أصوات الباعة ترتفع هستيريا مشهرة الأثمنة المناسبة وجودة المنتوجات. كل تاجر بجانبه مذياع أقراص تنبعث منه عبارات الآيات القرآنية المتباينة المرتلة والمجودة بأصوات المقرئين الرخيمة، محدثة ذبذبات صوتية متداخلة يعجز العلم والتاريخ على تفسيرها. كاد أن يتعكر مزاجه بهذا الصخب والضجر المتلاحق. قمع عنقه المشرئب إلى الخارج، أغلق النافذة بحكمة، ملتحقا بسجادته الوثيرة، سابحا في فضاء رباني، وخاشعا بتركيز شديد معبرا بإيمان صاف وصادق عن أحقية الله في عبادة صوفية. ختم برنامج تعبده بصلاة استخارة استحضر فيها مستقبل أسرته ووطنه والأخوة العرب، وضائقة الفلسطينيين الأفذاذ.

دخل إلى غرفة النوم، وبرمج توالي ألحان فيروز على قناة اليوتوب بحدة ألحان منعشة. التحق بسارقة فراشه، المرأة الناعمة، زرقاء العينين، قرمزية الشفتين، حمراء وأسيلة الخدين، مقوسة الحاجبين، وهي توضب آخر أواني الليلة. لامس بنعومة أردافها المنتفخة الخارجة لحوضها المنحوت، واسترسل بشحنة حب لافحة في ملاحقة الفخذين الملساوين المملوءتين متلذذا رشاقة الخصر ورحابة البطن المنبسطة التي تعلوا منطقة سر اللوعة ومصدر تلاحق الأجيال. حلق ملتحما بمخيلتها بعباراته الشعرية مصوبا قافيته مجسدا بولع خارق غيداء عنقها، ونهد ثدييها، ودفء حضنها، وطهارة روحها. حملها بين يديه بحرارة قد تفوق لحظات يوم الدخلة ليلة زفافه، وارتميا معا في يم متعة الاطمئنان المشروعة. اشتعل الولع والشوق المتجدد بين جسمه بعضلاته المفتولة وقوامها برشاقته المرنة وخصلات شعرها المنسدلة. ارتقت الإثارة إلى أعلى مستوياتها وطوقت نفسيهما بحرارة الرغبة الملتهبة كالجمر، وصعدا إلى برج اللذة والارتعاش مقاومين الوصول إلى محطة النزول.

استيقظ في الصباح الباكر، مودعا للغسق ومستقبلا للصبح المشرق. وهو يستحم لأداء صلاة فجر يوم العيد، توالت عبارات المذيع العربي منددة بالاعتداءات الإسرائيلية في اليوم المقدس على الفلسطينيين. عجل إجراءات الاستحمام، وراح يتجول بين القنوات العربية والدولية، ليعم الخبر مدويا فضاء كل شعوب العالم ومؤسساتهم الرسمية وغير الرسمية. تألم كثيرا لهذا الاعتداء الشنيع في يوم مقدس. أفاق زوجته وأطفاله، وعم الغضب والحزن بيت السعادة. تابعوا، والأسى يتطاير من جفونهم المترقرقة بالعبرات اليائسة، انتشال الأطفال من تحت الأنقاض، والمنازل تتهاوى على الرؤوس جراء تهاطل القنابل والصواريخ على أسطحها، وأشلاء أجسام الأطفال والرجال والنساء تتطاير في السماء، والدماء الطاهرة البريئة تبلل أرض الأنبياء والرسل.

بعد مرور ساعتين أو ثلاث، أطل عبد العال مجددا من النافذة على الشارع المعتاد. لم يلاحظ أي تعبير سلوكي مغاير. على عكس ما توقعه، اشتد نشاز الصخب والضجيج منذ الساعات الأولى ليوم العيد. الباعة، مباشرة بعد الصلاة وتناول الفطور، انتشروا في الشارع المعهود. ازداد حماسهم لإشهار سلعهم، مرددين بصرخات حناجرهم المبحوحة قيمة تجارتهم الرخيصة. التحق بعد ذلك بالمقاهي المنتصبة بحواشي الشوارع الواسعة. الجالسون والجالسات، بألبستهم التقليدية ناصعة البياض، يقهقهون ويتبادلون الضحكات والتبريكات، ويرتشفون كؤوس القهوى والشاي التي افتقدوها طوال شهر رمضان.

عاد إلى منزله مكهرب المزاج. ذهل ودهش لما رآه وتابعه. احتار متسائلا بإلحاحية تائهة عن مصدر شيوع ثقافة اللامبالاة من المحيط إلى الخليج. انتابه قلق شديد وهو يفكر كيف يوضح لأطفاله وضعية الشعوب العربية الإسلامية زمن الاعتداءات بدون رادع. أحس برعدة تعم حنايا روحه، وأشله الخوف عن مستقبل بلاده. منشغلا بتتبع تطورات القضية والأنين المروع للشعب الفلسطيني، وهو يستعد للبحث عن القناة الإخبارية الأكثر مصداقية، ارتمى أطفاله في حضنه وفي عيونهم استفهامات مضنية. اتفقوا على سؤال مركب واحد، ساعدتهم أمهم على صياغته استجابة لإلحاحهم عندما كان خارج البيت : هل انهار العز العربي إلى هذه الدرجة، ألم يعد هناك ما يجمع الشعوب في دفاع مشترك عن الذات؟.

تطلع عبد العال بدفء إلى وجوه أطفاله المشرقة ملقيا نظرات متتالية ومتأرجحة على عيونهم منبهرا بقوة السؤال، مشدوها ومشدودا أمام حب استطلاعهم، فقال لهم : سأوضح لكم الأمر ببساطة لتستوعبوه. هناك فرق شاسع في الوعي الثقافي لدى شعوبنا زمنيا وجغرافيا.

عقب أيمن للتو : كيف ذلك، لم نفهم مقصودك يا أبتي؟

استرسل الأب في الكلام قائلا: "أنصتوا جيدا ولا تقاطعونني حتى أنتهي. في زمن طفولة جيلي وجيل أمكما، كان جارنا علال آنذاك نقابيا صلبا. يجتمع كل صباح ومساء مع جماهير العمال قبل الدخول إلى وحدات الإنتاج التي تعتمد أكثر على قوة العمل الجسدي. يطمئن بشكل مستمر على مستواهم المعيشي، ويستشف من أجوبتهم مدى صلابة ارتباط الحقوق بالأجور. في الستينات والسبعينات، ساد الكساد والفساد، وتجرأت الدولة وقررت رفع أسعار المواد الأساسية بسنتيمات قليلة. أتعرفون ماذا وقع؟"

تدخلت نسيمة معقبة: "استسلم الجميع لقرار الدولة السيادية؟"

ابتسم عبد العال، وعقد العزم على التبسيط والتوضيح مسترسلا في القول: "أتفهم جوابك، لكن حدث عكس ذلك. انفجرت الأوضاع الاجتماعية، وعمت الاحتجاجات مشمول التراب الوطني. تأثرت نسبيا القدرة الشرائية للأسر، تلاها تكتل قوي للطبقة العاملة والحرفيين والفلاحين. ارتفعت أصوات الحناجر، وتحركت الطبقة النشيطة وراء النقابات وأحزاب المعارضة، سقط عدد من الضحايا، وجمد القرار".

أخذت نسيمة الكلمة مجددا: "أتريد أن توضح لنا أن الوضع اليوم في الأقطار العربية والعالم مغاير؟"

ابتسم الأب لذكاء بنيته معقبا: "فعلا، الحاضر والمستقبل يدخل في خانة مرحلة مغايرة في كل شيء. تعيش الإنسانية زمن التكنولوجيات المتطورة، وغزت الرقمنة والدقة مجالات الإنتاج وتحديد مواقع المنشآت وهويات الأفراد. فالشيخ ياسين مثلا، كزعيم فلسطيني بارز، استهدف عن بعد، وانفجر به وبمرافقيه كرسيه المتحرك. الحروب أصبحت اليوم تكنولوجية وكيماوية، والتصويب يصيب المستهدف على أساس قياسات دقيقة. استعمال الطائرات الإلكترونية بدون طيار أصابت الإنسانية بالهلع، ويمكن أن يعيش جيلكم زمن جيوش الروبوتات التي لا تتعب، ولا تصاب بسرعة، وتجيد استعمال الأسلحة الفتاكة".

أصيب فيصل بالذهول وعبرات الصدمة تتهاطل من مقلتيه، ثم قال: "الحماس إذن لا ينفع ولا جدوى من وراءه، فما العمل في نظرك يا أبتي؟"

أجاب عبد العال بعبارة أخيرة : "المستقبل في التربية والتعليم والعلم؟ فالاستراتيجيات الدفاعية المختلفة لشعوبنا، إن وجدت، يجب أن تركز على السلمية وربح الوقت ومواجهة الهدر المعرفي، وأن تجعل من القراءة والترجمة ملاذا لإشراك الأجيال في بناء عالم النور والكمال والأمل المقاوم للانزلاق والاختناق في واقع الظلام الكئيب".

 

الحسين بوخرطة

 

 

سردار محمد سعيدلولا سحاب الكون انفطر

وتبعثر الحجر

ولم يعد هناك ما يسمى مطر

ونابز داحس الغبراء

يبقى ماء الفراتين أعذب ماء

والنخلة سيدة الشجر

ولو داهمتها عاصفة

وتناثر الرطب

وريش طيور واجفة

قفي أيتها الريح

من أنت

وسكني كيف عرفت 

أريد عيشاً بلا محن

أريد وطن

أيها القتلة

ايها السفلة

وكل وجه قبيح

هيا خذوني للمقصلة

واتركوا الوطن

خذوا كل شيء

التمر والريش والزهر والفنن

خذوا المناصب والوزارات

ولكن لا تمسوا دجلة والفرات

لئلا تتعفن

خذوا المصارف والنقود

تخطوا حتى الحدود

ولكن لا تمسوا سيدة الشجر

رمز الوطن

تباًلك أيها الأشن

أيتها الطحالب

أيها العفن

اتركوا العراق

أتركوا طيناً منه خلقنا

وأليه نعود في  كفن

أتركوا أرض السواد

أرض المعاد

أرض ابراهيم

أرضاً تقول كل  يوم

حاء ميم

***

سردار محمد سعيد

 

 

أنتِ ، ايتها الغيمةُ الماطرة..

فكي سواد الليالي العجاف

وصبي رعودكِ

فوق تلك الرؤوس الفاجرة..

وتلك العقول ،

وتلك النفوس الماكرة..

وهدي صقيعك

في رحاب السفوح

ولمي نهاراتك السافرة ..

وزمي لهاثك زم الحذر..

لان السفوح غدت مسرحا للخطر

وسوحاً تجافي هطول المطر..!!

**

إلآم النحيب

إلآم انتظار القدر..؟

بأدعية ما لها من نصيب

يداوي جراحاتنا النافرة..

**

لم تعد حية تلك السواقي

وتلك المأقي غدت فائضات

وشرايينها باتت مخلدة باهرة..

**

انت ايتها المزنة الماكرة

عودي لحضن المغيب

ولا ترمقي اطيافنا الغائرة..

**

فهذي الحياة

وهذي ، نهاراتها الخائرة..

تميدُ ، كأن الطغاة ،

تلاشت سحاباتهم

في الهباء

وغاصت علاماتهم في الحضيض

ودرب الهروب غدا موحلا

وحتى المصير بدا كالحاً مبهما..!!

يقولون: إنا نطاول هذا الزمان

وما عادت الريح تصفر

فينا مثلما..

يستفيض النحيب

ولا من مجيب

ولكن هذا هراء

يراهن في فضاء العراء..

**

هناك من يصارع هذا الزمان الذليل

ويطلق الطلقات الدليل

فأين المفر

بين أرض تميد

وسيف يحازز عنق القدر

ليشفي جموع الثكالى..

ويعضد ، سواعد اطيافنا الثائرة..؟!

***

05/06/2021

 

زهرة الحواشي "اللٍي ما يجيبش كرّاس محفوظات جديدة نعطيه صفر!"

هكذا قالت معلّمة الفرنسية في مطلع الثلاثي الثاني من السّنة الراّبعة ابتدائي .

رجعت للمنزل بعد الدّرس لكنّي لم أجد لا أبي ولا أمّي .فقد ذهبا لزيارة جدّي المريض بالقلعة الجردة ولم يبق في المنزل سوى أخي وأختاي الصّغيرتان .

ماذا أفعل لا بدّلي من نقود لأشتري كرّاس محفوظات جديد  وإلّا سيكون نصيبي صفرا وأنا الأولى بالقسم  وأنيستي بيّة معلّمة الفرنسيّة لا تقول كلاما إلّا وتنفّذه بحذافيره؟

بقيتُ في حيرة من أمري واشتدّ بي الحزن .

 غدا العاشرة حصّة الفرنسيّة، ما العمل؟

و فجأة وجدتُ الحلّ ويا له من حلّ!

تذكّرتُ أنّ أمّي كثيرا ما تضع النّقود المتبقّية من المصروف فوق خزانة الماعون فساورتني الفرحة، ربّما أعثر على ثمن كرّاس المحفوظات!

وضعت كرسيّا أمام الخزانة وصعدته وأمسكت طرف الخزانة بيدي اليسرى ومددتُ اليمنى إلى فوق الخزانة لكنّها لقصر قامتي لم تصل إلى المكان المأمول .

تمطّتّ بكلّ قواي لمكنّني لم أبلغ سطح الخزانة .

نزلت من الكرسيّ ووضعتُ فوقه كرسيّا آخر صغير الحجم وصعدت ثانية . بلغت مكان النّقود . تلمّستها وأخذتُ اجمعها بين أصابعي وكنت كلّما قبضتُ على قطعة أفلتت منّي الأخرى فأعيد المحاولة من جديد ولم أتفطّن إلّا والكرسيّ الصّغير ينقلب بي ومن فرط خوفي أمسكت بقرن الخزانة وتشبّثت به فانقلبت الخزانة إلى الأمام وفُتحَت أبوابها وسقطّتُ أنا أرضًا وتساقط الماعون الذي كان بداخل الخزانة فوقي .

تكسّرت كلّ الاواني الزّجاجية وجرحتُ في جبيني من الجهة اليسرى وفي يدي اليمنى جروحا طفيفة لحسن حظّي وتناثرت قطع  الكنز المنشود في ارجاء المطبخ  فانسللت بصعوبة  من تحت الخزانة ومسحتُ جراحي وأخذت النّقود وأسرعت إلى الكتبيّة واشتريت كرّاس المحفوظات الفرنسيّة الجديد واشتريتُ بما تبقّى قلم رصاص .

كنستُ بقايا الزّجاج ووضعت عشاء إخوتي وانقضت اللّيلة .

و في الغد باكرا رجعت أمّي وأبي وهالهما ما حلّ بي وبالخزانة واحتسبت امي خسائر الأواني التي تكسّرت فكانت قرابة المائة وخمسين دينارا .

حمد أبي الله على لطف ماحدث لي وداوت أمّي جراحي بكلّ حنان ولكنّها حزنت على أوانيها الجميلة .

أمّا أنا فكنتُ فرحةً بكرّاسي وقلمي وبإفلاتي من الصّفر .

ملاحظة: مازال أثرُ أحد الجراح ظاهرا بين أصابع يدي اليمنى إلى حدّ  تاريخ كتابة هذا النّصّ .

***

زهرة الحواشي

من المجموعة القصصية "من حينا ذكرى"

 

 

محمد حمدأمتطي قلمي الاعوج بالمقلوبْ

من فمه المدبّب

تتساقط الكلماتُ هشّة المعاني

ظامئة الشفاه

مليئة بالندوب

اتباهى أمام اقراني بقلّة الأخطاء

والهفوات و....الخ

رغم كثرة الذنوب:

بعضي مزيج من عصور اختلطت فيها

محاسنُ الدهر بعربدات الخطوب

وبعض بعضي جاءني صدفة من تلألأ العيون

على شواطيء القلوب

وحين تخلّت شلّة الغاوين عني

غيّرتُْ مسارات عمري كما اشتهي

فألٕفت صوتي الاجش السماءُ ورقصتْ

بين أقدامي الدروب

تركتُ التسكّع خلفي وامامي وحولي

لست قيس بن الملوح ولا ابن الورد عروة

فمتى يتخلّى قلبي

عن عبث الهوى العذريّ

أو يتوب؟

***

محمد حمد

 

 

سالم الياس مدالوفي مدارات الليل

يضاء حلمي

يجري من صومعة

الغربة صوب حدائق

المنى والاشتياق

متنصتا لغناء

عندليب

قرب لبلاب

من هوى

الفراشات

وفي سماوات الرحيل

ارسم قمرا

 

اخضرا

وزهرة كي اعبر

صمت ذاتي

صوب ثرثرة

 

الانهار

بوجه ممهور

بالامل

 

وفي سماوات المنى

غيمة ستمطر

بنفسجا

 

واقحوانا

على تراب

من صدى الانين

ومن الم الازمات .

***

سالم الياس مدالو

 

 

كريم الاسديمثنويّات ورباعيّات عربية

اِبنُ سبعٍ حاقتْ بيَ النكساتُ

وتمادى على الحياةِ مماتُ

ضاقَ نهرٌ ، توسَّعتْ فلواتُ

طاحَ نجمٌ ، تسامقتْ نكراتُ

**

كَمْ سعينا لكي نكونْ

فحُسبْنا على الجنونْ

**

كمْ سعينا لكي نكونَ ونحيا

طلقاءً وسْعَ الفضاءِ خطانا ،

نمنحَ الكونَ بَهجةً وأَمانا

مِن حروفٍ شيَّدنَ صرحَ دُنانا

**

وفتيٍّ على الشواطيءِ يمشي

والدنى برزخٌ بينَ عينٍ ورمشِ

**

رمقتْهُ الحسانُ صبَّاً وسيما

هائماً ساهماً غفولاً عليما

منحَ الحُبَّ هائلاً وكريما

كمْ سقى ديمةً لكي تستديما

**

كمْ أردنا تعاشقاً وودادا

يصلُ الأرضَ بالسماءِ دروبا

يحملُ الريحَ للشفاهِ  طيوبا

يجعلُ الحبَّ للبلادِ بلادا

**

كمْ أردنا من الزمانْ

ومضينا مع الرياحْ

ثمَّ عدنا الى المكانْ

وهطولُ الدنا رماحْ

**

كمْ أردنا من الزمانِ هباتِ

دونها أنجمُ السماءِ عطايا

حائلٌ صاح دائماً: هيهاتي،

لنْ تسودوا فالأرضُ مُلْكُ بناتي !!

***

أيها النيلُ ما يقولُ الفراتُ ؟! :

عزرئيلٌ دَنا فجاءَ المماتُ !!

***

كريم الأسدي

........................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه النصوص: في اليوم الخامس من حزيران 2021 ، في برلين، وهي من مشروع مثنويّات ورباعيّات عربية الذي كتب الشاعر فيه وعنه في نصوص منشورة سابقة .

 

 

زياد كامل السامرائيحمض نووي

أنتَ من سلالة عريقة

وهو أيضا لا يُشبه الرعاة

حين الشتيمة و الداء

ينظران إليك من باب موارب.

 

ابتسامة

ابتسم فقط

كي يظن الآخر بأنك أعمى.

 

أخبار

قالت الأخبار:

حبل الوهم رِخوٌ

والكذب حطب

يراه الله مدينة تُحدّق فيها النار.

 

 

صناعة

النُزهة الأولى لصناعة غدٍ :

غيمة

تُخيط صحراء الوجد

بنهر من الأمنيات.

 

بلاد

أضعتُ البلاد كلها

ولمْ يسرّني أن أرى العالم تفاحة

في قرية الكون المهجورة.

 

ميراث

بقليل من الضجر

تولد نهايات مُغلقة

لا تصل الى أي فجر أو رايات

و لأن الروح ما زالت بورا

عليّ أنْ أُكوّر هذا الصلصال

بأن يكون قلبا يهزم معناه

الهزيمة انثى تهطل على حشود الشهوة

كلما اندفعتْ بحرارة جرح قديم

يؤثثُ سواترا للموتِ

انتشل جُثتي منها

من معبدِ الأسماء الهائمة

وأضرمُ النار بما ورثتُ

حتى  تتوارى الحقيقة،

رمادا

لتتجلى للأحفاد هزيمتي.

 

أثـــر

افتحْ ذراعيك

قبل بلوغ العاصفة أحلامك

فقد لا تجد للعصفور

الواقف على شجرة حياتك

أثر.

 

معركة

المعركة التي خضتها معك

لا ملكٌ فيها و لا جُندٌ

ولا فيل

قيل : فقأتْ عينه الرايات

إلاّ رقعةَ قلب صانتْ صهيلهُ الطرقات

 

لا واحدة تكفي

أقول : لا

"للّحظة" التي أنجزتْ المهمة بنجاح

ذاب فيها قلبي

وفيها سال الوطن.

 

سِرّ الشجرة

إنكَ تتعثّر بالصدفة

لكنك أيضا

لا تستطيع أن تخفي هدفك

تجرح الشجرة لتقول لها : "أحبكِ"

فيما قالتْ هي لك كل شيء بلطف.

***

زياد كامل السامرائي

 

 

صادق السامرائيألا تبَّتْ وما بَلغتْ مُناها

أياديهمْ إذا قَتلتْ أباها

 

بسامــــــراء مَوعِدُنا وإنّا

على أمَلٍ يُباركُ مُرْتَقاها

 

بها التأريْخُ مَمْشوقٌ تليدٌ

وأشْهادٌ كما سَطَعَتْ أُلاها

 

بأفْكارٍ تلاقتْ ثمَّ فازتْ

بساميةٌ تباهَتْ في رُباها

 

بها الإسْلامُ منْ أنوار إلاّ

يواشِجُ أمّةً عَبَدَتْ إلاها

 

فلا فُرَقٌ ولا فَرَقٌ عليها

تلاحمَ كلّها في مُحْتواها

 

كعاصِمَةٍ مِنَ الويْلاتِ تَبْقى

مؤيّدةً بمَنْ أزْكــــى ثَراها

 

على أفُقٍ تُنوّرهُ السَجــــــــايا

تَنامى خَطْوها وسَمى هُداها

 

وسامــــراء مَوئِلنا المُعَلى

ومَنْهَلُ ومْضَةٍ فينا رؤاها

 

شَمَخْنا رُغْمَ تَعْويقٍ وقَهْرٍ

فقد جَذَبتْ لعاليةٍ ذراها

 

بأسْفارٍ مُعــــــزّزةٍ بفِعْلٍ

وأبْطالٍ تُسابقُها خُطاها

 

ومَنهَجُها على الأيّامِ إلْفٌ

يُآخينا ويَمْنَحُنا انْتِباهــــا

 

فهلْ شقُّ الجبالِ يكونُ سَهْلا

بصَخْرٍ من جبالٍ أو سِواها

 

"كناطح صخرةٍ" أنتمْ كأنْتمْ

وقد كسَبَ النَطيحُ بها أساها

 

دهورٌ في مَرابعها وكانتْ

على أهُبٍ إذا دارتْ رَحاها

 

فهلْ أنتمْ منَ المَجْهولِ جِئْتُمْ

بلا كُتبٍ تُذكّرُكمْ قِواهـــــا؟

 

حَضاراتٌ بها بَزَغَتْ كفَجْرٍ

ومِنها كلّ إبْــــــــداعٍ تَلاها

 

سَلوا بربُوعِهــــا زمَنا بَعيداً

أشادَ مَواطِناً رَسَخَتْ قُراها

 

وعَنْ فَيْضٍ مِنَ الأفكارِ يَسْعى

بأجْيالٍ إلــــــــــى أمَلٍ دَعاها

 

سَتبقى رُغمَ عُدوانٍ جَديدٍ

وشيطانٍ تُسانِدهُ عِداها

 

فسامراء خالدةٌ بأرْضٍ

تنوّرها بما مَلكتْ يَداها

 

قِبابُ الروحِ يا وطنَ الغَيارى

بعَسْجَـــــــدها تُبادلنا سِماها

 

ومأذنةٌ تُغذينا شُموخاً

وتَدْعونا لفائقةٍ عُلاها

 

إذا انْقلبَ الزمانُ فلا جَديدٌ

وكمْ دارتْ تخاصِمُ مُجْتباها

 

وأرضٌ ذاتُ سلافٍ لمَجد

ستلهمُ أهْلها شمَماَ وجاها

 

وتوصلهـــــمْ بينْبوعٍ دَفوقٍ

وتُعْلِمُهمْ بما كنزَتْ حِماها

 

هيَ الحُضْنُ الذي فيهِ ابْتدأنا

ودُمْنا فــــي مَواطِنها سَناها

 

فسُرَّتْ حينَ سِرْنا نحوَ مَجْدٍ

يُواكبهـــــــا ويُعْبِقُها شَذاها

 

فبيتُ الروحِ في كَهْفٍ ونَهرٍ

ومأذَنةٍ تلــــــــوّى مُعْتلاها

 

أبا حَسَنٍ بمَرْقدهِ المُزكــى

يُباركُ ذوْدَنا عَمّا اعْتراها

 

إذا كانَ الإمامُ بهـــــا وَديْعا

فكلُّ الناسِ إنْ حَقَّتْ فِداها!!

***

د. صادق السامرائي

8\5\2021

 

 

عبد الرزاق اسطيطورأتني على مرآتها

طيفا شاردا بلا بوصلة

فشده الحنين للطلل

هكذا قالت عند الغروب

ساعة السفر

ومضت كريح الصبا

ترسم على رمل الشط

هوسا بظلال الطيف

وتصب عليه كطفلة موج البحر

ورذاذه وزرقته

عله يعيد إليها شغب الطفولة

عله يعيد إليها نورسها المهاجر

فهل كانت طيفا

بلون الفراش القزحي

مر خفيفا ..هائما

بالقرب من  روحي

وشرفاتي المشرعة

فشردني في دروب الغواية

أم كانت سحرا متدفقا كنهر جارف

من أساطير آلهة الشرق ومتعة الحكاية؟ !

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

 

ريكان ابراهيمفي أنْ تكونَ سائلاً

ليس هناك ما يشُير أن تكونَ

جاهلاً

(أنْ تجهلَ الجوابَ) ليس دائماً ما يبعثُ

السؤالْ

فقد تكونُ دارياً وناكراً

أو عارفاً وماكراً

وقد تكونُ باحثاً عن المسؤولِ لا

السؤالْ

ماك ُلُّ ما نسألُهُ يحتاجُ منّا دائماً

علامةَ أستفهامْ

فقد يَشّكُ مؤمنٌ فيُصبحَ

الإيمانُ مصدرَ السؤالْ

قد تحمِلُ السؤالَ جملةٌ

مفيدةْ

وقد يكونُ كِلْمةً وحيدةْ

أو همهمَةْ

فنفهمَهَ

أو نظراتٍ مُبهمةْ

فنعلَمهْ

أو نَحْنحةْ

لكنها السؤالُ في محكمةٍ عن مذبحةْ

قد نسألُ السؤالَ في غضَبْ

فيصُبحُ السكوتُ عنه من

ذهَبْ

قد يفضَحُ السؤالُ سائلَهْ

ويستر الجوابُ قائِلهْ

طريقةُ السؤالِ تربيةْ

فقد يكونُ واضحاً أو مُبهماً أو

توريةْ

حياتُنا سلسلةً من القَلقْ

مليئةً بالحزنِ والهمومِ والأرَقْ

وكلّما مَرَّ سؤالٌ دونما إجابةٍ

صار السؤالُ مَصدْرَ القلَقْ

كُلُّ سؤالٍ وله الثوبُ الذي

يلبسُهُ

فقد يكون رائقاً في طبقٍ من

حنظَلِ

وقد يكونُ حنظَلاً في طبقٍ

من عسلِ

لكي يكونَ ممكناً أنْ تسألَ الكبارَ

عن مصير الأُمّةِ الضعيفةْ

عليك أنْ تكونَ أوّلاً مُؤدّباً،

من الشهير طبعٌهمْ بذُلّةِ السؤالْ

فتسألَ المطلوبَ في أختصارْ

وأنْ تكونَ صيغةُ السؤالِ ،فيها

خِشيةٌ وخيفةْ

حذارِ أنْ تُطيلَ في الحوار

إن السؤالَ فَنّْ

والفنُّ للحياةِ كالمِبراةِ والمِسنّْ

مُركَّبٌ من مفصلِ الزمانِ والمكانْ

فلا تسَلْ

إلاّ اذا أصبحَت في أمان

***

د. ريكان ابراهيم

 

 

2499 مايكل سيمزترجمة: صالح الرزوق


 الآن حان وقت عصفور التناجر النعسان. “إي. إس”

أولا فقدت صوت بلورة الثلج وهي تضرب الزجاج.

ثم صوت لسان الهرة وهو يجري على فرائها.

كنت بالعادة أسمع تقريبا صوت اهتزاز ذيلها.

وصوت عضلات الظهر وهي تستطيل، وتثاؤبها وهو

يبدل نغماته...

فقدت أزيز الذبابة، ولعلعة مطرقة جاري

الذي يعمل على سقف بيته،

ونواح الريح بين الدعامات والكلمات التي تقولها

وأنت تبتعد، وفتح باب غرفة على غرفة تالية، وصوت موسيقا

في بيت تمر بجواره، لن أسمع هذا أبدا. حتى الضحكة الناعمة

من كوميديا تلفزيونية لم تكن تفوتني،

ولا دخان عادم الحافلة ولا طلقة رصاص من الشرطة

باستثناء صوت لوي أرمسترونغ وبيسي سميث... مع غياب بعض النبرات.

هذا يعني أن أفقد كل الأغنية، بالطريقة التي تسقط

بها كل الخرزات على الأرض حينما ينقطع الخيط.

*

ما أفتقده حقا الأصوات التي تريد مني أن أسمعها:

زقزقة.. تغريدة عصفور دوري جائع في العالم الجديد،

صفرة القرقف، ضربات وطرقات

نقار الخشب،

والصقر ذو الذيل الأحمر وهو ينادي على شريكته،

وغناء أمك، وتعتعة صوتها في طبقات متراكمة من السنوات

ثم انكساره والركون للسكينة في صدرك.

*

وأستطيع أن أشاهد لمعان النجوم الرئيسية بين الأغصان،

مع أن نثار الخشب غير مرئي تقريبا وهو بين أوراق تفترش الأرض،

والأغنية الصامتة لعصفور يحمل حبلا بمنقاره

وعودة مئات الغربان لتأوي بين جبالنا كل أمسية.

*

لفترة طويلة، يخالك أنني دون مشكلة بالسمع،

هي مشكلة إصغاء. ولكن يا لللعنة، أنت محق...

أصوات عديدة تجاهلتها مع أنه لدي فرصة لسماعها.

كل صباح تدب الفوضى بالأغاني، وتضمحل النجوم، واحدة بعد الأخرى-

وتقريبا يمكنني سماعها.

وكل يوم يتعلم أطفالنا كلمة جديدة،

وكل أمسية ننطوي على أنفسنا.

ماذا يعني صوت يدين تصفقان؟.

*

ما نفقده هو المعنى الملتبس لصرير السرير في الليل،

والقافية النفاذة لصوت الريح وهي تشتبك بالأشجار،

وعويل الجندب النطاط. وأغنية بلحن لزج لضفدع متوحش،

كل تلك الرواسب هي الضوء المتوهج فوق الثلوج.

والرياح تحرك آخر الأوراق المتبقية على شجر الصفصاف.

*

سريعا يحل الصمت، في البدء صمت الصمم البسيط،

ثم الصمت العميق المتنامي من بقعة مظلمة سوف

تتحول لظل تحت شجرة، وأخيرا إلى ليل، بلا نجوم ولا نهايات.

ربما مع انحسار قدراتي على السمع، مهارتي بالإضغاء ستتحسن،

وهكذا كل صوت سيدعونا للعودة إلى البيت

كما تفعل أمهاتنا في المساء،

وكل المخاوف تصبح صوتا مثل

أصداء في صالة السباحة -

ربما سأستمع لشوبان وأنا أخلع عنك حمالة أثدائك.

تذكري يوم قراننا لأول مرة،

كم كنا نعشق أن نكون معا وحدنا،

نمتطي القطار البطيئ من نيويورك إلى بيتسبرا،

وإيقاعه مثل سحر عاطفي بيننا؟.

وفي البيت، نستلقي على السرير، ونتبادل قبلات تسقط بيننا كالشلال.

*

الموسيقا ستكون حلما،

ثم ذكرى عن هذا الحلم،

ثم لا شيء على الإطلاق، كلمة فقط،

فكرة لم تكتمل

مثل لون بنظر رجل أعمى

أو مثل رائحة زنبقات تتململ في الجو

بعد أن حملناها إلى خارج الغرفة.

*

أنت، نصفي المفضل، تعلمين

متى أكره نفسي، وأكره كلينا

حين تهربين إلى الغابة لتعتزلي

مع عصافيرك، ومع خطواتك المليئة بالثلج

وواديك السحيق وجسورك الخشبية

والشلالات الممشطة، والقنوات الحجرية

وأغاني النجوم

وهي تنبعث كل على حدة.

*

ها هو طير السمان، الطير الحارس، يطلق صيحة

ونقار الخشب ذو العرف يطارد صقرا.

آه أيها الحب، اسمح لنا للأبد بامتطاء القطار الوحيد إلى بيتسبرا

حيث سيمفونية تشرين الثاني تخفت بصوتها مع توالي السنين.

2016

***

........................

مايكل سيمز  Michael Simms شاعر أمريكي معاصر. آخر أعماله (رماد أمريكي). الترجمة بالتنسيق مع الشاعر.

 

سوف عبيدحَفنةً حفنةً

القمحُ ينهمرُ

يَسْحَقُهُ حَجَرُ

حفنةً حفنةً

الدّقيقُ يمضِي

يُسقِطهُ الغِربالُ

الفتَى ناعسٌ

تُهَدْهِدُهُ شَنْشَنةُ الفضّةِ

في مِعصمِ البِلّور يَدُورُ

وأغنياتٌ

للذي في الصَّيفِ

مرةً واحدةً في العام

يعودُ

تَدَحرجتِ الشّمسُ على الحَصير

عندما القمحُ اِنتهَى

أفاقَ الفتَى

بعدما العُمْرُ اِنقضَى

وجدَ نفسَهُ

في قلبِ الرَّحَى

***

سُوف عبيد

 

حسن السالميوقصص أخرى قصيرة جدّا.


الإعدام شنقا

اكتظّت قاعة المحكمة بمئات الصّحفيين جاؤوا من مختلف أنحاء العالم يسجّلون آخر محاكمة لرجل شغل النّاس...

وما يثير الحيرة والتّسآل، هو ذاك المظهر الذي بدا عليه الرّجل داخل قفص الاتّهام...

وسرعان ما سطعت مصابيح التّصوير في وجهه الشّاحب، وتزاحم حول قفصه جمهرة من الصّحفيين:

"هل تعرّضت للتّعذيب؟"

"هل حقّا حاولت الانتحار؟"

"حدثّنا عن أحوالك في السّجن؟" ...

**

جحيم العرفان

"مفعولها ساعة واحدة."

وناولني حبّة دواء وانصرف باسما...

عندما وقفت زوجتي تنثر في مسامعي ورد الكلام، كانت حاسّة أخرى لا أدري منذ متى نبتت في، تنبئني بما يدور في خلدها فصُدِمت وذُهِلت. ثمّة رجل آخر في حياتها تقاسمه فراشي...

وعندما حضر لديّ ابن أبي وأمّي كنت قد نفذت إلى سريرته فذُهِلت وصُدِمت أيضا...

"ها قد رفعنا عنك الحجاب فماذا وجدت؟"

"إذا تعرّى العالم فقد بهاءه."

**

النّصر للظّلام

فجأة قفزت أفعى في الهواء، التفّت على الشّمس وابتلعتها...

**

السّرّ

قطَف زهرة...

"خذ، هذه حياتك!"

**

التّرجمان

ما فتحوا أفواههم قطّ، إلّا وامتلأ الفضاء والتّراب بروائح أنتن من الجيفة. بعد الفحص والتّشخيص، شرحت صدورهم فإذا هي مملوءة دما وقيحا...

ضِدّ الطّبيعة

"انصبوا المشانق..."

"إليّ بالطّين."

"ماذا تصنع يا مولاي؟"

"أصنع شعبا آخر."!

**

العصر

رأيته يطوي السّماء كسجّادة صلاة، ويأكل النّجوم بالشّوكة والسكّين...

**

حدّثتني قهوتي

في قعر الفنجان فجوة للغيب. أنا وحسناء وكرسيّ ومقصلة...

***

بقلم: حسن سالمي

 

عبد الجبار الحمدييا للغرابة!!! صرخ دون ان يشعر بخروج صوته وهو يرى ذلك الذي يستقبلهم عند باب دخولهم قبو شبه مضيء... فجاة تسارعت الاكف كالمراوح تعمل على قفاهم دون هوادة، يمسك هو بملف كان يحمله ضمن طوابير كثيرة تساق كالعبيد، ربما احدها كان لتقديم معاملته كسجين سياسي سابق هكذا قال له ظنه... لقد علقت أذياله بحافة نتوء في باب سلطة كان ديتها انه لم يصرخ بعدها طالبا الحرية فقد تلونت مقارع السلطة التي قاست جلده شبرا شبرا وأحصت عظامه عظما عظما... قدره قاده ليؤمن بحرية التعبير، كان قد تحرر من قيود وأصفاد سلطة جائرة قبل زمن، هاهو يقف على بوابة حقوق الانسان في الافصاح عن مكنون معاناته، شأنه مثل المئات من الآلاف الذين زحفوا على بطونهم في إتون حرب مزقت ثوب حيائهم فبانت عوارتهم، حتى ان البعض استطالت معاناته مثل خصيتي رجل كهل تدلت من الحرارة والرطوبة وهو يقضي حاجته في العراء يهش الذباب الذي يلاحقه طلبا لمعونة... تلك الحادثة التي رآها اعادته الى زمن تصوره أنه زمن البداوة... فذلك الزمن إما أن تكون غازيا او تكون مغزيا عليك، هاهو الآن يعيده الزمن دون ان يكترث لحاله فعندما تعلو النفايات يكثر حولها الكلاب السائبة ويروج لها طنين الذباب على إنها مائدة مسؤول رفيع المستوى، لا تصاب بالدهشة ولا تصغي لمن يذيب كل دهشتك فالدهشة أحيانا تعطيك عكس حقيقية ما لا يدهشك، لقد صرنا مثل لفافة التبغ نطوي أيام اعمارنا ثم ندخنها بحرقة بعدما نشعل رؤوسها بأحلام كاذبة لنبكي شاهد ذكريات بأننا أحرار في زمن الوئد البشري، كلنا عبيد نباع في اوقات لا نشعر بها إلا حينما ندخل سجون النخاسة حيث ذلك السجان والذي علمت بعدها بأن اسمه المبيد الحشري، سمي بذلك لأننا بالنسبة له حشرات همه ان يبيدنا حتى لا نلوث بيئة السلطة التي شرعت له بأن يمارس الغزو كيفما يشاء، فما نحن بالنسبة له إلا قاذورات علقت بأحذية اصحاب السلطة وكونه لاعق أحذية من الدرجة الأولى التي صنف بها فمآلنا لسانه المتعفن، دميم الشكل شَهِدُت الحقارة فلم اتصورها إلا في وجهه، أما البذائة وسوق الخلق أظنها أنجبته ليكون إبنها الأكثر قذارة ممن حملت بطون عاهرات السلطة، ما يؤخذ على الزمن أن العاهات تسابق الريح، والأدهى انها تصل خط النهاية متأخرة كونها متطايرة كالنفايات الورقية... أما الإنسانية فقد تركوها على أعتاب القضاء تستجدي الحقيقة وهي عارية يتهموها بالفساد ليثبتوا أن ميزان عدالتهم بيد إمرأة عمياء يستحون لمسها فصرت اردد بيت شعر كتبته مرة نلت عليه صفعة جعلتني احفظه فلم انساه ابدا (توافه الزبد تطفو على السطح والدر في قاع البحر يندثر... لعمري انه زمن العاهرات راجت بضاعتها الكل منبهر)، لم اخرج من حالتي إلا حينما امسك بي ذلك السجان وقد أدار رأسي بضربة جعلتني افقد توازني فتطاير الملف والاوراق التي فيه.. فصرخ اظنك ممن يثيرون الفتنة؟ أنت مثقف لابد... جاء الجواب على سؤالة ركلة كسرت البيضتين اللاتي كانتا تثبت اني رجل غير مخصي، شعرت لحظتها ان روحي قد خرجت من أنفي لولا ذلك الخنزير الذي امسك بها قائلا: أين تريدين الذهاب؟ ليس الآن فما زلنا في بداية الطريق ثم دفع بي احدهم فرحت اتدحرج على سلم نال من جسدي الذي تذوق الآه من قبل وهو يصرخ علي اللعنة عليك وعلى الحرية... ها انا اعود بمعيتك حيث خرجت لاشك أنك ملعون بلعنة العراق الذي لم يستكن له امر طوال حياته فمن حرب الى حرب ومن نكسة الى نكسة ومن وبال الى وبال حتى شرعت القوانين في صناعة نعش خاص بكل إنسان من هذه الأرض... اللعنة عليك حتى الصراخ ما عاد يجدي فحياتنا صارت كما أخاديد الألم تتشقق مفردات عطشى لآه طويلة بعنوان أريد وطن، وطن يحيط به مثل مبيد الحشرات هذا ولا ادري هل بسبب الملة ام أم بسبب النفاق؟ فنفاقنا قد فاض وتدلى مثل تلك الخصيتين، وما الثقفي ببعيد في مقولته.. وما ابا الحسنين ببعيد عن مقولته لقد ملئتم قلبي قيحا أظنها قيلت لأهل هذا الوطن، وألا بماذا تفسر تلك الكوارث التي تلاحقنا مثل لعنة الفراعنة، ما أن نفتح بابا حتى تخرح اللعنة تسحق كل من قام بفتحه مواربا للحرية او المعرفة، كنت استمع له وانا اردد عادت ريمة الى حالتها القديمة فما ان خرجت حتى عدت حيث بطانة سجون ودهاليز عكرة، يبدو أن الله قد كتب في شهادة ميلادي وتحت عنوان السكن سجون السلطةهههههههه... يا لضيمي وحتى اكون صادقا في حدسي أظنى اعرف من هو المسؤول عن فهرسة بيان الولادة أكاد أجزم انها تحت توقيع المبيد الحشري.... تقترب ساعة الخلاص عندما يصلب المسيح قصاص فلا مناص، تلك واحدة كانت دلالة على ان العالم لا تسوده الرحمة او العدل فحتى عيسى النبي صلب، كان مثلا كإنسان فما ان قال الله ربي وما انا سوى عبدا لله حتى مزقته المقارع، صلبوه... وها أنا وذلك الطابور ما ان قلنا نريد الحرية واننا عباد الله حتى نزل ابليس يحمل مبيداته ليوسعنا ضربا بأن الله جعلنا احجار شطرنح، فمال بنا العدل ورفعت الصحف وجفت الاقلام، لا عدالة لمظلوم في زمن الموبقات، الدين ترك هناك تحت الشجرة، اما الإيمان فقد مزق مع الصحيفة لم يبقى سوى اسم من خلق وهذا ما لا يستطيع صاحب السلطة ان يقارعه...

أما دون ذلك فمباح... كل شيء يمكن تدويره وإعادة تأهيلة ليكون مطواعا وعبدا حقه ان يكون نعلا للسلطة، كانت ايامي سوداء حفظت وقعها، صرت اسارع في لقم نفسي الخوازيق، اسارع في كل ما يطلبه المبيد الحشري الذي راق له تطبعي بما يقول... حتى في لحظة توقف فيها الزمن، صرخ بي قائلا: هيه أنت... يبدو أننا قد أشتبهنا في حقيقتك، فأنت لست مع الذين اقتيدوا نتيجة تمردهم على السلطة، لم يكن من جانبي خطأك لكن هناك من سأل واستقصى عنك فَعَلِمَ انك كنت في المكان الخطأ لا عليك، هيا جهز نفسك للخروج من هنا فقد كان مجرد اشتباه.

 

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي

 

قصي الشيخ عسكرزادك الصمت هيبة وجلالا

                      فلقد كنت للجمال مثالا

فتماديتُ فيك أودي بصمتي

              علّني عن هواك أنفي المحالا

فتجليتِ  همسة من عبير

                       وتماديتِ رقًّةً  ودلالا

                ***

قسم

قسما

بالصمت وعينيك

إنّي

لا أنفي أحلاماً

مادامت لا تنفيك

بياض

 

لون أبيض  يطغى

ما بين الفرحة والقبر

**

سنوات

كنتِ بقلبي

سبع سماوات

واحدة منها سرقت نومي

والأخرى سرقت يومي

ماذا تفعل بعد السنوات الخمس؟

***

قصي الشيخ عسكر