الحسين بوخرطةإنه عباس الأكرمي ترعرع في مدن غرب المغرب.عمره لم يتجاوز بعد الخامسة والثلاثين. رزقه الله في مسار حياته أناسا طيبين، رأوا فيه ذكاء مصحوبا بحيوية وطموح زائدين. خافوا عليه من المكائد والدسائس، واختاروا له مبكرا مؤطرا ملائما بحكمة وتبصر، طامحين أن يجعلوا منه زعيما ترابيا. متزوج بامرأة في غاية الجمال، وله ابن في سن الثانية.

بعد عقد من الزمن، عاد المؤطر إلى منظمته المدنية متذمرا ومتعبا. أنهكته مرافقة عباس وتكرار سلوكيات طموحه المبالغ فيه. قدم تقريره السري، وانسحب من المهمة، ليقرر رواد الحكمة رفع مسؤوليتهم عن مستقبله.

وهو حر طليق بدون مراقب ولا رادع. رافق رماة الصيد الناري في ليلة حالكة من ليالي الخريف إلى غابة معمورة الكثيفة. استل في رمشة عين عن الكوكبة بدون أن يفطن غيابه أحد، وفكر في الاغتنام السريع.

غامر ودخل غابة الصيد الممنوع غلسا. لمح خنزيرا وحشيا. صوب تركيزه وسلاحه الناري المشدود بقوة على كتفه على الطريدة، متلهفا لإصابتها بأقصى سرعة في مكمن مقتلها. تقدم أمتارا كسعقة برق مشرئبا هدفه. هوى في فخ سرداب صيد غارق. اخترقت جسمه أسهم خشبية حادة مغروسة بالدقة المتناهية في قعره، فمات بعد دقائق من الاحتضار غارقا في دمائه.

***

(قصة قصيرة جدا)

الحسين بوخرطة

 

احمد دسوقي مرسيالوحدة والحزن والخريف:

الحزن فى القلب نصل رهيف سموم الملل فى الدماء تسرى.. شمس الامال حجبتها سحائب الاكدار

- يا ويلى من هذا المساء المخيف

خطواتى هذيان على الطريق دون معنى

- ليتنى أعرف سببا لالامى

جند الخريف تحاصرنى باشواكها تخزنى وتلسعنى تخترم لحمى وعظامى ومع ذلك فانا لست ابالى

الاشجـار صوحت.. عاقتها الاوراق وغادرتها الى الطريق.. اوراق اخرى صفراء مازالت تتشبث بصدور الاغصان سوف تقطفها اكف الريح الهوج عن قريب

- انا متعب.. المسير اتعبنى لماذا اسير ولا هدف لى ولا طريق؟ سوف اجلس على هذا المقعد الحجرى هناك ، اف المقعد الحجرى قد من الثلوج. صلب. بارد سأجلس لابد ان اجلس حالتى لا تسمح بسير طويل أنا لست ابالى

المجلة.. وضعتها عن يسارى. الهواء الملعون بدأ يزحزحها.. بأسنانه المثلوجة يعض صفحاتها. اوراقها تئن ، طفل الغلاف يبكى ويتوجع حملتها وسدتها بين يدى - الا من تسلية فيك يا ايتها الصفحات.. كلمينى.. شاب موثوق اليدين يقف خائفا.. رجل وجهه لا يبين يمسك بمسدس صغير فى يده يصوبه الى رأسه كلمات تحتها " فى فيتنام الايدى الاثيمة تنزع الحياة الثمينة " ماذا بالله تعنى الكلمات؟ انا لا اعيها ماذا فى الصورة من جديد لا شىء ابداً جديد ، طويتها المجلة

- سوف ألقيك بجانبى فكل شى يا عزيزتى سخيف طفل الغلاف ما زال يبكى.. علام يبكى وكل الاطفال يبكون؟ السيارات شياطين تجرى صوت البحر من خلفى يهدر قبضاته المرعبة تدق الصخور حتى انت يا بحر تريد الانفلات اذن فاضرب اضرب بكل قواك وعنفك فالكل ضارب ومضروب أضرب كل الليل وكل النهار اضرب فانا لست ابالى

فتاة على الطريق:

فتاة تبدو من بعيد خطواتها على الطريق متهادية مستانية شعرها الاسود الاثيث يرفعه عن راسها الهواء المجنون راحة يسراها تحط عليه تمنعه من حرب العبث مع الهواء صغيرة

- لماذا تسير وحدها مع الغروب والخريف؟ لتمضى وحدها ماذا يعنينى من امرها؟ وانا مالى.. كلا انها تمضى نحوى واعجبا !! كانها تعرفنى نظرات عينيها تلصقها على شخصى

- مساء الخير

- مساء النور

جلست على طرف المقعد اراحت حقيبتها على ركبتيها مسحت بيمناها على شعرها الذى تهدلت خصلاته ماذا تبغى بحق الاله؟ انا مالى

الملل الفتاك يصارعنى الحزن صخور تتدحرج فى القلب اشعلت سيجارة دخانها الذى كان لذيذا لا طعم له ولا مذاق.. صوت مذياع يرن فجاة من مكان لا ادريه " اسقطت طائراتنا المقاتلة الاعتراضية صباح اليوم طائرة اسرائيلية من طراز سكاى هوك فوق القناة عند..."

لــم اسمع تفاصيل النبأ بعد ذلك استغرقنى الذهول تماماً كل شىء بدا تافها وباهتا الرياح تكنس من تحت ارجلنا اوراق الاشجار البحر الهائج المجنون ما زال ينطح صخور الشاطىء ويصارعها ماذا لو اندفع كاسحا فى طريقه الاشياء وزحف على المدينة يخلع كل شىء فيها ويلتهمه ليت ذلك يكون ماذا يهمنى انا لست ابالى

- اذا سمحت المجلة من فضلك

- تفضلى

تناولتها من يدى انتهى الحديث عدت الى صمتى خروشة الاوراق تقتحم سمعى دبيب القرف فى نفسى اصغى اليه كل شىء يا رب سخيف ، التفتت الى صاحبتى فى حركة لم اقصدها عيناها تحدقان فى صورة الرجل الذى يصوب مسدسه الى رأس الفتى قبضت على نظراتى المتلصصة عليها ابتسمت

الحديث:

- هل ينوى قتله؟

- قتله بالفعل

- فظيع فى اى بلد يحدث هذا؟

- فى فيتنام

- ومن هذا الرجل القاتل؟

- امريكى

ابتسمت:

- ظننته اسرائيليا

- الشر واحد والهدف واحد

- ولماذا الحرب دائما؟

-...

- يقولون اننا اسقطنا طائرة العدو

- نعم

حط طائر الصمت بيننا اجفلته بحديثها الجديد:

- البرد هنا شديد

- نعم

- يبدو ان شتاء هذا العام سيكون قاسيا

- هل تحسين بوخزاته؟

- نعم

- ولماذا تتعذبين ولا تعودين الى بيتك واسرتك؟

حدجتنى بنظرات مصها الالم

- لانى وحيدة

اعتراف اراحنى يا للعذاب الذى به تتعذب !

- انا ايضا مثلك

اشرق وجهها بالابتسام

- موظف هنا حضرتك

- نعم

- من اى بلد؟

- من القاهرة

- هى مدينتى ايضا

ابتسمت لاول مرة منذ هذا الصباح السئيم ابتسم..

لكن ماذا يعنينى من امرها لتكن هى من تكون انا لست ابالى

- الا تريد ان تتمشى قليلا؟

- اذا لم يكن لديك مانع

خطواتنا على الطريق طرقات تدق قلبى افكر فيها زميلتى ابحث لها عن كلمات اقولها اللعنة..اللعنة ماتت الكلمات فى دخيلتى صوتها يأتينى انقذينى من ورطتى انقذينى..

- تسكن بعيدا من هنا..

- ليس بعيدا تماماً

- هل فى استطاعتنا الوصول اليه سائرين؟

- نعم..اذا اردت

ورطة. كارثة لا تفتأ المقادير ترمينى بالارزاء ماذا افعل الان؟ انا لا اريدها لا اطيقها لو انها قابلتنى فى يوم غير هذا اليوم لرحبت بها اما ان تلقانى فى هذا المساء التعيس فامر لا ارتاح له كثيرا ولا قليلا

- انا هنا منذ العام الفائت

- وانا ايضا

ضحكت:

- اشياء بيننا مشتركة

" مقارنة قذرة كيف تقارن نفسها بى "؟

- مات ابى بالسكتة بعد ان تركت بيتنا مع رجل زين لى الطريق

" لماذا تسرد على مسمعى قصة حياتها او تعنينى فى شىء؟ انا لست ابالى بحياتها ولكن ابى مثلها مات ايضا بالسكتة بعد نقلى الى هنا "

- مات ابى ايضا بالسكتة بعد نقلى بشهرين

- يا خبر حاجة عجيبة

تبسمت قلت لها:

- كما تقولين: اشياء بيننا مشتركة

ضحكت وامسكت بذراعى:

- صحيح ولكن لماذا لم اقابلك طوال هذه المدة؟

- لقمة العيش انها تأكل الناس على الدوام

تنهدت وأطرقت ودفعت بقدمها حجراً صغيراً هذه الفتاة شدتنى اليها يخيل الى انها تفهمنى اتمنى ان اسير هكذا معها حتى الصباح ذراعها فى ذراعى نثرثر نضحك ولا اذهب الى العمل غداً ساقول لها اشياء عن نفسى وحياتى وليتنى اقولها بمثل بساطتها

- لقمة العيش هى قيد الابد.. من تحرر منها تحرر من كل القيود هى الحرية دونها كل الحريات

هزت راسها موافقة لعلها لا تفهمنى.. هكذا يبدو صمتها

- صدقينى لقد كرهت هذا البلد اتمنى ان اعود اسعد الناس جميعاً سوف اكونه لو تخلصت من قيد الوظيفة انا احس هنا بضياع غريب

- انا الاخرى ضائعة

تعاستنا مشتركة العذاب بيننا واحد نظرت الى وذراعها ما زالت متعلقة بذراعى

- ولكنى لا استطيع ان اعود

المذياع يرن صوته من محل عصير قريب

" ادلى متحدث عسكرى ان طائراتنا المقاتلة الاعتراضية اسقطت صباح اليوم طائرة اسرائيلية.."

- احسن

قلت على اثرها فى حماس حقيقى:

- لابد ان ننتصر

- ان شاء الله

- انتظرى ساشترى لك كوبا من عصي الفراولة

- لا

توقفت

- انا جائعة

- اذن انتظرى قليلا هنا ساشترى لك طعاما من هذا المحل هناك

الطعام:

خطواتى مهرولة.. انا جائع مثلها.. ابتسمت.. شىء بيننا مشترك.. يا للاشياء الرائعة الجميلة.. اى حماس عجيب غمرنى الان.. خرجت من المحل مثقل اليدين.. سيارة فارهة تقف بجوارها.. اكاد اصعق قلبى بلغ حنجرتى.. الدماء تحترق فى راسى باب السيارة يفتح اللعينة تركب السيارة تنطلق الان وقفت مكانى اه يا رب هذا الطعام من يشاركنى فيه؟ المجلة ما زالت فى يدى طفل الغلاف ما زال يبكى مذعورا علام يبكى؟ لماذا عيناى تدمعان؟ ايها الطعام المسكين الذى لم تمسسك بيديها: اختفى هنا فى احضان المجلة التى لمستها بيديها.. صورة الرجل ذى المسدس دمائى تنزف فى دخيلتى..دمائى..احزانى.. متى افيق؟

- تمت –

***

للقاص احمد دسوقى مرسى – مصر

 

ولكن، لا تغامرْ

اخاف عليك طريق المخاطرْ ..

تمهلْ ـ ايها الطير المهاجر ..

لا تغادر

سريعاً

فنحن نريدك تبقى،

فوق السفوح المجدبات

وفوق المياه الشحيحة..

حتى قليلا من الوقت

غادر بعدها،

الى حيث شأت

ودعنا عطاشى السهوب القبيحة..

فرْ، بريشك ايها الطير الجميل

الى حيث المياه الوفيرة ..

والشموس الكثيرة ..

لم يعد الا القليل من الماء

شربة ماء قد تكون الاخيرة..

في موسم الهجرة

والمساءات المريرة..

لا تغادر سريعا ايها الطيف المهاجر

لست وحدك كي تبقى غريبا

كل عام، تعبر الاهوار

والصحراء والأجواء..

وترانا كم بقينا تعساء ..

نشتكي من قلة الماء والنور

وظلم الأشقياء،

ما عاد نور الشمس

يضفي بهجة للروح

في وقت الشدائد ..

كلنا في محنة الضيم طرائد ..!!

لا تعاند،

إنها بضع دقائق

تتبقى،

عبر لحظات

اراها،

مائجات عابثات ..

يحرقون القمح في الحقل

ويمضون، يجارون الطغاة ..

هل ترى في الحقل غير البؤساء

عراتٌ  وحفاة ..؟

غادر المرعى سريعا

قبل ان ياتوك في جنح الظلام

همج الماضي السحيق

أنت والجمع وليمة

قبل أن يبزغ هذا الفجر

غادر،

إنهم يتربصون ويقتلون

من كان في الحقل وكل العابرين

غادر الحقل السواد

قبل ان يطلع خيط الفجر

فهم لا يرحمون،

طيور الله في الاجواء

فوق العشب

فوق الماء، نراهم

يسكرون، وينتشون

بدمائنا يتلاعبون ..

ارحل،

إلى حيث جبال الله

واشجار الصنوبر،

حيث ماء النهر من ثلج يسيح..

غادر المرعى الكسيح..

قبل ان تدرك انواع المعاول..

فهناك العشبٌ

والدفئ وأشكال الأمان..

لا أمن في هذي الربوع ولا أمان

يرتاع في هذا الزمان..!!

***

د. جودت صالح

03/09/2021

 

قاسم محمد الساعديلم يخطر في بالي ان تأخذني أحلامي إلى المجهول وقليلا منها أخرج سالماً وكثيراً مثخناً بالجراح

ولا عجب أن تشاركها الأيام الوقحة حد الخجل وكأنهما يبحثان، عن عدو لها

**

كنتُ مخطئاً على الدوام وأنا أحاول ترتيب الأفكار، وهي مصفرة وشاحبة،  لكن لم، أنتظر رسالة وأنا أيقنت أننا افترقنا للأبد، هل لأن حقائبي باقية بانتظار لحظة ندم مختبئة تحت النجوم

**

حاولت أن أقنع نفسي أني متفائل جدا  لكن لا جدوى بعد أن صارت الآمال مكتظة بالبضاعة الرديئة وانت (بطران) تريد أن ترفع احتجاجك بصوت مبحوح تعرف جيداً انه لن يسمعه احدٌ

**

ليست الصورة ثابتة  ولا أنكر ذلك قط، انا الآن كسول وقلق أن تترصدني كلمةٌ وتفضح المستور وماذا أفعل بعد ! واسوأ أيام النحس، انك بالكاد تتذكر متى ميلاد هذا الولَه

**

كلما أوغلت في جلد الفقر بسوط اللّامبالاة تضحك حد القهقهة سحابةٌ على شكل كلب صيد جائع

وتتواصل مواسمُ القحط وطابور العَوزِ طويل ممتد حتى آخر بوابةٍ للسماء ،

ولا أحد يغامر ويرفع السلاحَ في وجه من !

لا أدري !!

**

يا إلهي ماذا عنا

كي نطمئن أننا لسنا امواتاً، أنرفع الأيادي كلما مرت جنازةٌ ونردد مازال في الأيام رمَقٌ ..

**

لم يعرفِ الحب البريء المكرَ والخديعة، لكن لا جدوى وأنت تسمع اناته التي تسبقُ النزَع الأخير َ، وحيرى الروح الى أين تفر ولا مأوى ..!!

**

في الكتابة تبدو عارياً ومنعكساً كشبح في مرآة مكسورة !!

**

لن تهنأ حتى بأحلامِك ، فحطب الكوابيس مشتعل دائما.. والشارع ليس مثلي لن يشعر بالوحدةِ دون هلَع

**

في اللحظة الراهنة رأيت نفسي أقف عاجزاً ولست راغباً بأي شيء

سوى انتظار ريح رقيقة ترسم وجه الأيامَ، والأحْلامُ تعدل قبعتها المائلة!!

***

قاسم محمد مجيد

 

عقيل العبودلازمني الصمتُ، فصرت وحيدًا

هجرتُ جميعَ الطرقات،

لم أشعر بالوهن، سافرتُ بعيدًا عن هذا العالم،

باتَ بلا مأوى جسدي

وُلِدَت روحي

اتخذت أشكالاً شتى

**

غار بريقُ النور

صار العهدُ سحيقاً، عانقهُ الأجل

أشلاءُ الأرض تبعثرت

حطَّ الشقاءُ على نخلة

طوقّ أجفانها الخجل

استوطنَ الشجن

**

أضحى الوردُ قريبًا

سرى عالمُ الملائكة،

تزاحمت النجومُ

استوطنت الأكوان

اهتزت معادلة الأشياء،

حدث المكان، سكنت الأرض

أحس وليدها بالأمان

**

فقد الآخرون مداركهم،

سبقتهم أنباءٌ مجهولة،

إنسلت قافلة العتمة

غدا فراش الليل منفردًا،

استقرت  العاصفة.

***

عقيل العبود:

سان دييغو كاليفورنيا

 

حسن السالميوقصص أخرى قصيرة جدّا.

في حضرة الشّيطان


جحظت عيناها وهي تكابد كي تلتقط أنفاسها وتلك القبضة الحديديّة تضغط على عنقها...

- ماذا جنيت؟ اتركني.

- أقتلكِ وليكن بعدها ما يكون.

- تعقّل...

- ما جزاء الخيانة؟

- مثلي لا...

وتتعالى الطّرقات في الخارج مخلوطة بالصّرخات...

- أرجوك يا أبي. افتح.

في الدّاخل تخبط المرأة بقدميها وتطلق حشرجات مخيفة...

يُخلع الباب... ثمّ يسود هدوء مهيب...

**

أفديك

- أرأيت ذلك الضّوء؟

- إنّه بعيد.

- هو أملنا في النّجاة.

- احترس من تلك الموجة.

- يا إلهي، إنّها عاصفة.

- تثبّت جيّدا يا أخي.

- هذه الخشبة لا تسعنا معا.

- ماذا تفعل؟ عد. لااااااااااا...

**

أحرقت قلبي

صعد مدارج العمارة بقلب خافق... لم يبد أنّ شيئا تغيّر... كلّ درجة كانت تحدّثه عنها فيكاد يسمع همسها العاشق...

عند البسطة الثّانية سمع أمّا تنادي. "أتراها هي؟"

في الثّالثة هدوء شامل إلّا من مواء قطّة... في الرّابعة طرق باب شقّة قديمة وانتظر طويلا. أطلّت عجوز فانية. حدّقت فيه مليّا وشهقت باكية. فتح حضنه، لكنّها كانت قد صفقت الباب وقالت من ورائه: "اذهب، لا ولد لي!"

**

من دفتر الأوجاع

- أمّي، أنا جائع.

تهمس في الظّلام:

- اصبر يا ولدي. إنّ الصّبح قريب.

يسكت قليلا ...

- كيف أذهب إلى المدرسة وقميصي قد قرضه الفأر؟

- نم يا حبيبي. غدا أتدبّر الأمر.

يتنهّد...

- وخريطة الوطن العربي.

- ما بها؟

- قرضها الفأر هي الأخرى!

***

بقلم: حسن سالمي

 

هشام بن الشاويلا أحب شتنبر، رغم أن هذه العطلة الصيفية، قضيتها كبقية أيام عمري المتشابهات، المضرجة في الحزن الفادح..

قبل أيام  فقط، تمنيت  لو كنت أملك مقصا خفيا، يقص هذا الشهر، الممعن في الضجر والكآبة من دفتر العمر الرتيب، دون أن تسيل قطرة دم واحدة على تراب الحديقة الخلفية لأحزاني القمرية.

قبل الظهر، رأيت في طريقي إلى محل البقالة عمال مطحنة الحي، يستمتعون بدفء شمس هذا الشهر، الذي لا أحبه ولن أحبه أبدا، لأنه يذكرني بحزن طارئ يداهم طفولة بعيدة، لكن هذه الطفولة مازالت تسكن الروح..  تعجبت أن يعملوا في هذا اليوم. ربما هناك شيء ما طرأ، وأنا لا أعلم !  كنت أنظر إلى ذلك الكهل المتقاعد في ريبة،  وأنا أرنو إلى سرواله القصير وساقيه المتبرجتين، وقلت للبقال هامسا: "لم يرتد الجلباب الأبيض بعد"، أجابني: "بعد الغداء !"، استغربت : "الأسبوع الماضي، كان يرتديه قبل الجمعة...". أخذ ينظر الي في دهشة، كأنما يشك في قدراتي العقلية، وقال لي: "واقيلا مقوين ليك"، لم أضحك.. لم يكن هناك ما يستحق حتى ابتسامة.

في البيت، أخبرت زوجتي بما حدث، وقلت لها ببراءة طفل لم يجرب الكذب، أنني كنت أعتقد أن اليوم يوم الجمعة، كنت مهموما فقط، بجلباب الرجل، الذي لم يلبسه بعد.. والظهر أزف. ضحكت زوجتي، كما لم تضحك من قبل، صمتت لحظة، ثم كمن يعترف بذنب، قلت لها إنني كتبت لصديقة هذا الصباح: "جمعة مباركة"، أمعنت زوجتي في الضحك، كأنما أيقنت هذه المرة أنني مسحور فعلا، حتى الإفراط، أو كما نقول بعاميتنا المغربية الساخرة: "قواو ليا"!

تذكرت جارتنا، وتلك النظرة، التي تشبه طعنة في القلب.

لا يمكن لنظرة يتيمة أن تقلب كياني!!

لكن يحدث في هذا البلد الأمين أن يصير المعتوه نجما، ويعامل أتباعه بتعال مقيت، لا تعوزه الخسة والوضاعة، بيد أن لا أحد يبالي بربع قرن من الاحتراق على الورق، ولن يهمهم إن كنت تكتب بأسلوب ركيك أحيانا، حين تخذلك الدموع، بينما الغوغاء يمجدون تفاهات عاهرات يسرقن الأضواء من الأنبياء، وكما يحدث في الأفلام تماما، يستغل آخرون تلك الانشغالات ليسرقوا حب هذا الوطن من قلوبنا...

***

هشام بن الشاوي

 

قصي الشيخ عسكرمن قصص اللمحة


خرس

اكتشفتْ – بعد نصف قرن-أن زوجها لم يكن أخرس

**

زهرة عباد الشمس

الشمس بشأن آخر هذا اليوم لم تتبعها زهرة عباد الشمس

نثر:لم تلتفت زهرة العبّاد إلى الشمس اليوم

**

بعير بحجم الوحش

ذات يوم التفت فلم ير البعير الذي اعتاد أن يسير خلفه كان هناك وحش مبهم الملامح يقتفي خطواته.

**

تشكيلات

أجعل مشنقة أفعى لكن لا أقدر أن أجعلها وردة

نثر: تلاعبتُ بحبل المشنقة فتغير إلى أفعى وعجزتُ أن أجعله وردة

**

الصبي والطائرة الورقيّة

فلتت الطائرة الورقية من يد الطفل وضاعت في الهواء فتأمّل أنامله وهو يبتسم.

**

فنّ الموت

الخالدون في كوكب (الأزل)تأمّلوا بعد أن رؤوا المكان يضيق بمواليدهم الجديدة والموارد لا تكفي ثم فكّروا أن يخطفوا واحدا من سكّان الأرض ليعلمهم فن الموت.

**

خيانة

كان لا يخشى إلا ظلّه.

***

قصي الشيخ عسكر

 

مصطفى معروفيأيــهــا الــغــارق فـــي أوهــامـه

تـحـتـهـا يــهـذي مـــدى أيــامِـهِ

 

قم ودع وهْمك يمضي واحْسُ إنْ

عَـلَّـكَ الـحـاضِرُ مــا فــي جـامِـه

 

حــبــذا الــواقــعُ مــــن أفــراحـه

نـحـتـسي طـــورا ومـــن آلامــه

 

لـــن يـفـيد الـمـرء يـبـكي هـلـعا

أن رأى الـعـالـم فـــي أسـقـامه

 

أنــخـاف الـلـيـل مـــن أشـبـاحه

و نـشـيح الـطرف عـن أحـلامه؟

 

و لــبـوم نــحـن نـصـغـي جــيـدا

لا لــطـيـر ذاب فــــي أنـغـامـه؟

 

قـــد ألـفـنـا الــحـر حــتـى أنــنـا

لا نـبـالي الـصـبح فــي أنـسامه

 

فـــدع الـعـالـم لا تـشـقـى بـــه

لـيـس يُـشفى بـكَ مـن أورامـه.

***

مصطفى معروفي

 

جاسم الخالديمثل وردةٍ عصية

واجهت نزقَ الشتاء

وخيانةَ الخريف

وحوارقَ الصيف

حين وقف الربيعُ على بابي

قطفني

وردٌ احمر

كم ربيع وربيع

يأتي

وما من عبق

عيون ضلّتِ الطريق

أما أنا

فعبَّرت عن حزني

بوردةٍ مذبوحة

كيف لي ان أحلّق في جراحي

وفي صدري

آهاتان

كبيرتان

أضمر في جسدي

وهما تكبران

أغفو

وأصحو

والصورة ماثلة

أمامي

أعدو

وأعدو

وما من

أملٍ في العودة

قبل أن أنام

أدعو

أحلامي

لعلنا لا نتصافح

في آخر الفجر

***

د. جاسم الخالدي

 

 

زياد كامل السامرائيكنتَ وحدك مَنْ ارتدى الغسق

و شاهدا على الليل حينما طاف على البلاد..

لمْ يتغير شيء

سوى ضجيج الصمت الصاخب

منذ أنْ لسَعَتْ شفاه التنور صباح الأرض

بماءٍ أعمى

منذ أنْ حملتكَ الواح الفُلك

و طافتْ بكَ في أفقِ القول..

و اكتفى سقفها المختوم بحكاياتٍ شتّى

أنْ تعبرَ الأهوال

فجمد هنالك السؤال.

كيف ذُقتَ الليل؟

هل ضحِكتْ في وجهكَ النهارات الغارقة بنكهةِ الملح؟

هل أنجب الثعبان ما يكفي من الألم

لترجمَ الحمام بالهديل

سعفات النخيل !

أنا قلتُ، منذ أول غزالة دخلتْ مخدعها :

- سننجو

بينما الموج يتطاول... يتطاول

ليرى   "أرارات"*  من بعيد يبتسم .

**

أغنية..

وباقة من النعناعِ باقية خلف القلب

سيحملها الطير بمنعطفِ ضُحى

أبهى من شجرة بلوط

تكدّس ظلها، ومات في العراء

**

أصغِ لمحنتكَ أذنْ

وامنحْ من سنيّ عمركَ لمِحنتنا صبرا

لعلَّ مِنْ عَتَبة الأرض إلينا

سيدخل النهر الطويل.. سِحر المواويل

نغرف منها الشمس والتراب

إلهين

وحارس ارتوى من الصباحات قلبه

نامَ على الحلفاءِ...

ينسجُ أحلامه الحرير.

**

ضاق بي هذا الأمل

والمجذاف نحيل

يرفرف في الدجى

لا يأتي بمعجزةِ القرصان الذي أنكرته السلاحف وابن آوى

لكنك تدخل الآن جهة المطر

بالدفوفِ و نسوة البراري.

**

كيف سنرى المسيح من سبع سماوات

مصلوبا

أ سيومىءُ بيديه الباردتين

أنْ انهضوا من أجداثكم !

ما أقسى أن يفتحَ الميّت عينيه

وما أسهل أن يموت حينما يلوّح الطوفان.

***

زياد كامل السامرائي

........................

 

أرارات: جبل عظيم تحيط به أربع دول هي تركيا، أرمينيا، أذربيجان، إيران .. وحسب ما جاء في سفر التكوين "الإصحاح السادس، السابع، الثامن، التاسع" فإن سفينة نوح قد استقرتْ عليه.

 

 

سعد جاسموكذلكَ نُريدُ أَنْ نُمْسكَ "سعفة الكلام" 

التي كانتْ شعارَ جمهوريتِكَ الشعريةَ الباذخة


  

نحنُ لا نريدُ أَنْ نرثيكْ

ونحنُ لا نريدُ أَنْ نبكيكْ

وإنَّما نُحبُّ ان نقرأَ في حضرتكَ

قصائدَكَ ونصوصَكَ المشاكسةَ

والموجعةَ والموجوعة

2775 سلمان داود محمد

ونحكي عن "غيومِكَ الارضية"

علامتكَ الفارقة " "و

ونزهرُ ونتجلّى معك

في "ازدهاراتك" غَيرِ المفعولِ بها

ونضحكُ معكَ على فضايح ومهازل (واوي الجماعة)

آآآآآآآآآآآآآخ من الجماعةِ وثعالبِها وأَفاعيها وخنازيرِها

وذئابِها الغادرة

وكذلكَ نُريدُ أَنْ نُمْسكَ "سعفة الكلام"

التي كانتْ شعارَ جمهوريتِكَ الشعريةَ الباذخة

ايها الشاعر النبيل والجميل والجليل

2776 سلمان داود محمد

" سلمان داود محمد "

ياآآآآآآآآآه يااخي وصديقي وصاحبي

صدقْني ان عزاءَنا يتوهجُ ويتجلى

في جمهوريتكَ المُحتشدةِ

بكلِّ عوالمِ واشراقاتِ الشعرِ واسرارهِ

وعطورهِ والوانهِ القزحيةِ وتجلياتهِ

وخساراتهِ وأَوجاعهِ وحرائقهِ وقمصانكَ

واصابعكَ المحترقة في لهبهِ العراقي

الذي لنْ ولمْ ينطفىء لا في شارعِ المتنبي

ولا في ساحةِ التحرير

ولا في مدينةِ الثورة

ولا في الكرادة

ولا في البصرة

ولا في الناصرية

ولا في الديوانية

ولا في الحلة

ولا في كربلاءَ

ولا في النجف

ولا في الرمادي

ولا في كل مدايننا االمذبوحة

والمجروحة والملغومة والمسبية

ولا في قرانا الحزينة والجوعانة

ولا في اريافنا العطشى

حيث تحتضر دجلتنا المغدورة والمنهوبة

ويتضور فراتنا المريض عطشا وسبخة

واجراس ماء وطين

2778 سلمان داود محمد

ويا سلماننا الغالي

والراحل للاعالي

ان جمهوريتك الشعرية الباذخة بالانوثة

والبنات والصبايا النافرات

والاغاني الشجية والنايات الجنوبية

التي كنت تحب وتبكي بصمت ونشيج

ونحيب على انينها المبحوح

والجارح والمجروح

فاننا نحن اصدقاءك

واخوتك وخلانك ومحبوك

سنبقى نحرسها بكل قوة وبسالة ومحبة

حتى تظل تشعر يا سلمان

وانت في فردوسك المضيء

والخفي والبعييييد

اننا كنا ولازلنا وسنبقى

رغم كل القهر والضيم وللقلق والخوف

والغربة والوحشة والمنافي

سنبقى بخير وعافية وامل

ونحلم معك بشعب ووطن سينهضان

ذات فجر عراقي اخضر

ويكونان مثلما الفنيقات والعنقاوات

التي تنهض دوما من رماد الحروب والوباءات

وهرطقات الطوائف والملل والنحل والظلاميين

والطائفيين وتجار الدين الكذبة

والاحزاب الكاذبة واللصوصية والمرتزقة والبراغماتية

والقتلة والهتلية والسَفلة والروزخونية والناقصين

والعملاء والخونة والاوباش والاجلاف ووو الخ ... الخ ...

و سنكونُ نحنُ أَجملْ

وأَروعَ وأَبهى وأَنبلْ

ويبقى الشعرُ

وتبقى البلاد

والامهات والحبيبات

والعشاق والعاشقات والشبان الثوريون

وكل شاعرات وشعراء قصيدة النثر والتفعيلة

والومضة والهايكو الجميلين

وحتى العموديين المجددين

و الشاعرات والشعراء المقهورين والمغيبين

والمطرودين من جمهوريات افلاطون

واخناتون وصهيون واخمينون

وقرشون وامونون وعباسون وماسون

وعثمانون وعرقوبون وكردوشون

ودعشون وبعثون وشيعون وشوعون

وسنون وعربون وخلعون وشخلعون

ووووو الخ ...الخ ....

ولاهم يفقهون

ولا هم يعلمون

ولا هم يحزنون

2777 سلمان داود محمد

ويا سلمان بن داود بن محمد

نَمْ هانئاً ...ونَمْ حالماً ودافئاً

نَمْ تحت سوابيط ارواحنا

وعرايشها الفردوسية الشاسعة

التي كلما لامستها اصابعك اللؤلؤية

تزداد نوراً وغبطةً وعطراً

تغار منه سواقي القلوب

وحقول الندى والعيون

نَمْ صديقنا وخلّنا وحبيبنا

نَمْ فارداً جناحيك الضوئيين

فوق عشب قلوبنا التي تعرفك

وتحضنك اكثر من اكفنا النحيلة

التي تعزّكَ وتُحبُّكَ

حَدَّ اللوّعةِ واللعنةِ

والدهشةِ والجنووونْ

نَمْ ....

أَرجوكَ حبيبي نَمْ

نَمْ ...بلا نَدمٍ وهَمْ

نَ ...

مْ ...

***

سعد جاسم

السبت : 29 - 8 - 2021

 

كريم الاسديمثنويّات ورباعيّات عربيّة ..


 الرياضُ ثمـــــارٌ مُسَمَّمَةٌ، ومياهُ النوافيرِ دَمْ

والأثيرُ رموزٌ مُلَغَّزةٌ، ووجومُ الكواكبِ جَمْ

**

قتيلٌ مِن الشرقِ يرثي قتيلَهْ **

فتسعونَ ألفِ صريعٍ بيومٍ وليلَهْ

**

معاملُ أسلحةِ الفتكِ ساهرةٌ في الهــــوى لا تنامْ

وتجّارُ موتٍ يطيرونَ أسرعَ مِن موكبٍ للحَمامْ

**

البلادُ التي تركتْها الحُزيباتُ مرتحِلهْ

وقدْ عنوَّنَ الشرُّ فيها عيـــونَ الطغاةْ

فباتَ بها هدفُ الصَلْبِ أفئدةَ الأُمهــــــاتْ

لَمْ تزلْ منذُ ذاكَ الحريقِ الى الآنِ مشتعِلهْ

**

الرياضُ ثمارٌ مُسَمَّمَةٌ وندَمْ

والأثيرُ رموزٌ مُشَفَّرَةٌ، والعلومُ عدَمْ

**

عويلُ نساءٍ مشى في أزيزِ رياحِ النخيلْ

لينصبَ جسراً على الضفتينْ

يوحدُ ما بينَ بَينٍ وبَينْ

ويسألَ عن موعدٍ ذابلٍ أجَّلتْهُ الخليلةُ حتى يعودَ الخليلْ

**

البليدُ الذي غدرَ الدارَ يضحكُ منّي

لأنَّهُ في جوقةٍ مِن سماسرةِ القصرِ أضحى لعوباً تُغنِّي

**

اختصمْنا طويلاً فأصبحَ قاتلُ أبنائِنا السيدا

نحجُّ لكي نتصالحَ دوماً اليهْ

وليسَ لدى قادةِ القومِ مِنّا اعتراضٌ عليهْ

واِنْ لوَّثَ الدمُ منهُ يداً، ووسَّخَ بالسرقاتِ يدا

**

شبابٌ لهمْ القُ الفجرِ يسري يقبِّلُ طهرَ البساتين راحوا ضحايا لَكمْ

فكيفَ نقولُ لكمْ مرحباً  بالرفاقِ، وكيف نسامحُ أفعالَكمْ

**

ملايينُ مِن أهلِ دورٍ على ضفة اللهِ والنهر راحوا وهمْ يحلمونَ بأحضانِ زوجَهْ

مضوا، وطموحاتُهم أنجمٌ وصروحْ

مضوا، ومواهبُهم جِنَّةٌ وجمــــــوحْ

لِيغتالَ ريحُ سمومٍ  بقلبِ الربيعِ الوليدِ مروجَهْ

**

اضحكوا مِن غباءٍ بِنا أيّها القاتلونْ

أنتمُ الحاكمونَ بهذي الديارِ، ونحنُ بِها سابلونْ

***

كريم الأسدي

...................

ملاحظات

* زمان ومكان كتابة هذه المقاطع في اليوم الأول من أيلول 2021، في برلين، وهي جزء من مشروع طويل بعنوان (مثنويات ورباعيات عربية) يشتغل عليه الشاعر منذ أعوام ويحاول فيه محاورة التراث والحاضر الشعري والأدبي العربي والشرقي والاِنساني، وحيث يخطط للمشروع ان يتألف من ألف قصيدة وقصيدة من القصائد القصيرة المركزة المكونة من بيتين (مثنوي) أو أربعة أبيات (رباعي)، وحيث كل قصيدة من الممكن ان تُنشر وتُقرأ لوحدها أو ضمن الوحدة الكلية للمشروع الذي يعتمد الشعر العمودي أو شعر التفعيلة في مواضيع اساسية منها  الوجود، الكون، الحياة، الموت، العالَم، الاِنسان، الحب، الأخلاق، العدالة، الجمال، الزمان، المكان .. وقد سبق للشاعر ان نشر نبذة مفصَّلة عن حيثيات المشروع، دوافعه، تقنياته و مواضيعه .

** تعبير (تسعون ألف قتيل) له علاقة بأحداث الحرب العراقية الاِيرانية أطول حرب في القرن العشرين، وحيث بلغت الخسائر البشرية من الطرفين أحياناً في يوم واحد ما يقارب تسعين ألف قتيل من الجانبين في بعض أيام اشتداد القتال، وحيث الخسائر البشرية الاِجمالية من الطرفين على مدى الحرب اقتربت من مليون ونصف مليون انسان، وربّما تعدّت هذا الرقم الى مليونين من البشر..

 

 

ياسين الرزوقأَيَكْتبكَ الذي سوّاك حقّاً سنبله؟!

وهذي الأرض صارت قنبله !

علينا الحرب قامت مقبله....

إلى أنْ يستفيق هوىً يقاومُ مهزله

إلى أنْ تستجير شآمنا بالياسمينِ فزهرةُ الوجدان صارت ذابله !

إلى أنْ يستحيل سجالنا بين العقول المائله

إلى أن يستعيد حقوقنا تاريخ خيلٍ صاهله !

مضى العمرُ المكنّى بعَبْلةَ مذهله .....

قضى الحبّ المنادي حلمنا في وجه عنترةَ السيوفِ العادله !

بأنْ تبكي العيون على ظلال القوم إذ أمستْ زائله

بأنْ يستقبلَ الإنسانَ كونٌ قد تخطّى المقصله !

بأنْ تستميل حقوقُنا رجلاً يصادقُ معقله.....

 

و مايا من شآم العشقِ أهْدَتْ للسلامِ حكاية الصدق الذي لن نُهملَه!...

و مايا من رواية عشقنا أعطَتْ عبارات الصناديق التي أضحتْ بموسى جاهله !

فهل بعد الهوايات الكامله ؟!

سَنَنْجو اليومَ من غرب الحضارات مُذْ نادت قائله

: سيفنى المنتهى كي لا نعانِقَ منزله!.....

***

 الشاعر ياسين الرزوق زيوس

 

 

كفاح الزهاويفي غمرة العتمة وسكون الليل وقفت وسط الزقاق المظلم، كان هذا في احدى الأمسيات الهادئة واللاهبة وانا في طريق العودة من بيت صديقي سيروان، الواقع على الجانب الغربي من منزلنا. لم أكن استوعب سبب هذا الظلام الدامس الطافي على هذه البقعة الصغيرة في زقاقنا، وكأن المكان مخصص من أجل تعذيب النفس البشرية. وفجأة شعرت بحاجة ملحة الى التبول، وكطفل صغير في التاسعة من عمره لا يزال عقله طريا رغم المسافة إلى منزلنا التي لا يستغرق تجاوزها على ما اظن ثلاثين مترا إلا أنني اتخذت قراري وبدون وعي أخرجت عضوي الذكري الصغير وتبولت، ودون الاخذ بنظر الاعتبار في تلك اللحظة بأنني كنت في وضع غير طبيعي بسبب خطورة الشياطين وظهورها. هذه الشياطين الذين يظهرون في كل مكان ويراقبون مليارات الناس على الأرض، او ربما يترصدون فقط اولئك الذين يعانون من عثرات الزمن في مسيرة حياتهم.

هيمن الصمت على أجواء الليل الكالح عند هذه المساحة المحددة من ساحة حرب مفتعلة لا تُرى. وفي اختناق السكون لا تسمع سوى خرير البول كلما تدفقت خيوطه. البول كان سلاحي الأقوى في مواجهة هذا الصخب الأصم. كنت أعيش حالة طوارئ غير معلن، وهذا ما جعلني ان اكون في حالة تأهب قصوى في مواجهة الشياطين حالما تبلغ رائحة بولي الى انوفهم، فتوقظهم من مضاجعهم متأهبين للغزو، حيث يهبون مستفزين بإسراع الخطى نحوي ويحفون بيَّ كي لا أجد سبيلا إلى الهرب.

كنت اجول بنظري لوهلة هنا وهناك في هذا المكان المُعتم، بل عينايَّ تنظران يمنة ويسرة بتوجس، تحسبا لأحدهم ان يقفز على اكتافي وهذا يعني اصبحت قاب قوسين او أدنى بين فكي الشيطان، سوف يمسك بخناقي ويثقل انفاسي حتى ينال مني، والافظع من الموت هو ان أصبح مقطع الاوصال وهم ينهشون جسدي ويرمونني اشلاء مثناثرة ويلتهمونني، لأنني ازدريت بقدراتهم وتحديت جبروتهم بينما انا لست سوى طفل صغير من بني انسان. أليس هو الشيطان الملعون الذي يقوم بإغوائنا وتحريضنا على ارتكاب الفواحش، ويلهينا على أداء وظائفنا بشكل مستقيم؟

تلك لحظات قصار جعلتني ان اشعر ولأول مرة بتردد الانفاس وخفقان القلب. وفي لحظة أخرى تنبهت ان الصمت ظل هو السائد. لم أسمع أصداء القضقضة الشيطانية التي كانت والدتي تلقنها لي وتدسها في رأسي كلما واجهتها الصعوبة في كبح جماح مشاجراتنا اليومية.

كان هذا التحدي بمثابة صرخة ضد التضليل والافتراء، ضد هذه اللعبة الخرافية الهدامة وخطوة نحو تحرير العقل من قيود الاوهام وانسلاخ عن الذات ورغبة ملتهبة نحو المعرفة وجليَّةُ الأَمرِ.

كانت لحظات مصيرية لطفل وقع في الخطيئة يجب ان يعاقب عليها. حيث قمت بعمل ينافي العقيدة، حين لقنتني والدتي أن لا أتبول في سواد الليل، لأن ذلك يؤدي إلى تجمع الشياطين حولي، ورغم ذلك عصيت كلام أمي. بل ربما هذا العصيان كان قد يجلب بسببه على الحي مصائب الدنيا وكوارثها. فكل ما يصيبنا من سوء الحظ فهو من رِجْسِ الشيطان. لأنه هو الاقوى والاعظم والقادر على كسر شوكة الانسان. هذا الانسان الذي تمكن من الوصول الى القمر واكتشاف خبايا الطبيعة والغوص في بحر العلوم والتكنولوجيا.

عندما انتهيت من مهمتي الصعبة، أردت أن اهرب ولكن توقفت لوهلة وتذكرت تلك الليلة عندما داهمني وبشكل مفاجئ كلب اسود في مدخل الزقاق وراح ينبح بشراسة وكأنه التقى أخيرا بمنافسه واعتراه الرغبة في الانتقام. حاولت الهرب ولكن مشاهدتي للكلب وهو يلم شتاته من أجل اللحاق بي، استبد بيّ الهلع ووقفت مرتعدا، بينما الكلب وقف متشبثاً في مكانه مع جل استمراره في النباح. كنت مذعورا حد اللعنة. حاورت نفسي وجمعت عصارة ذهني وفكرت ان أخفض من وقع اقدامي وانا اخطو خطواتي بتثاؤب. ففكرت ان لا أقع في فخ الشياطين واهرب بعيداً وحينها قد يلاحقونني حد الدار ويدخلون المنزل معي ويقضون على عائلتي ايضا.

انتهيت من التبول، ثم تحركت قليلا والتفتُّ حولي: لماذا يلوذ الشياطين بالصمت؟ اين هم؟ هل يخشون طفلا لا حولة ولا قوة؟ شعرت بخفة وانا احرك قدمي وكأن الأرض فقدت خاصيتها المغناطيسية ورحت امشي في الهواء. غادرت المكان بحذر وأناة، حتى وصلت الى باب الدار. ادرت رأسي وألقيت نظرة فاحصة من خلف كتفي تحققا من أن الشياطين يمضون في أثري، لم أجد منهم احداً في الأرجاء. شعرت بالزهو، وكأن ثقلا كبيرا قد سقط عن عاتقي، حيث تلاشت تلك الفكرة عن منع التبول في الظلام وعن جمهور الشياطين. وعندما دخلت البيت ورويت لأمي عن إنجازي العظيم في معركتي الوهمية مع مخلوقات لا مرئية. نعم كان ذلك من دواعي المعجزات بالنسبة لي كطفل صغير تحدى الشيطان. وشرحت بالتفصيل لها حول ما قمت به وأن الشياطين فقدوا الجرأة على الظهور. ورغم ذلك اصرت والدتي على وجودهم ولكن لم تغضب مني على فعلتي. ومنذ ذلك الوقت عرفت ان كل ما يدور الحديث عن شيء اسمه الشيطان ما هو إلا هراء مقيت.

***

كفاح الزهاوي

 

 

ابو الخير الناصري- "أيُّكم يستطيع أن يشرحَ هذه الكلمة؟"

- "أستاذ..أستاذ..أستاذ".

وسُمع طرقٌ بالباب!

كنا وصلنا مرحلةَ الشروح اللغوية في دراسة نص لأحمد أمين عنوانُه "فَلْنَرْحَمِ العاملَ المسكين". بَدَتْ لي الفاءُ في أول العنوان مُقحَمة يَحسُنُ الاستغناء عنها. لم يؤخذ العنوان من داخل النص المُدرَج في الكتاب، فأيُّ كلام تربط الفاء بينه وبين ما ذُكر بعدها؟ من الأنسب أن يقال: "لِنَرْحَم العاملَ المسكين".

لم أذكر شيئا من هذا أمام التلاميذ. تجاوزتُ العنوان وباقي خطوات "تأطير النص" سريعا، لأصل إلى قراءته وفهمه ابتداء من الكلمات التي يصعب على أغلب التلاميذ فهمُ معانيها.

من يطرق الباب هذه اللحظة فيوقف الدرسَ إيقافا غير مرغوب؟

مشيت سريعا نحو الباب وفتحت.

- "لماذا تأخرت يا أحمد؟"

- "اعذرني يا أستاذي. عندي ظروف".

- "هذا ثالث يوم تأتي فيه متأخرا وتقول (ظروف)!؟"

ثم أضفتُ وأنا أحدق فيه مُستطلعا صِدقَه:

- "أظنك تكذب عليّ!؟".

نظر إليّ في قليل من صرامة يَشوبُها استرحام، فرأيت عينيه تفيضان دمعا. اقتربت منه وهمست له:

- "ماذا هناك. أخبرني يا ولدي"

- "أصيب أبي بالشَّلل، ولم يعد يقدر على تحريك نصف جسده، ولم يعد يتكلم". وسالت مع الكلمات دموع من عينيه.

أشرت إليه أنِ ادْخُل، وخرجتُ قريبا من باب القسم.

"أصيبَ أبي بالشلل، ولم يعد يحرك نصف جسده، ولم يعد يتكلم"!!

انثالت على ذهني صورة أبي رحمه الله وأنا أستحضر كلمات الصبي.

رأيته في المنزل ثم في المستشفى ونحن محيطون به لا نملك سوى أن ندعوَ له بعدما عجزت محاولات الأطباء عن تحريك اليد والرّجل  وإطلاق اللسان.

رأيتنا ونحن نُطعمُه سوائلَ بوساطة أنبوبٍ يمتد من أنفه حتى معدته، ونرى عينيه تنطقان حزنا لم نره من قبل.

رأيتُنا نُبَلل قطعة قماش بماء دافئ وصابون، ونغسل أجزاء من جسده الذي لم يعد يقوى على الحراك.

رأيتنا نغالب دموعنا ونحن نحار في تفسير نظراته إلينا.

شريطٌ من معاناة مرّ أمام ناظري وأنا أستذكر كلمات الصبي ودموعه.

حاولت أن أُوقفَ شريطَ الألم، وأدخلَ الفصل لأتمَّ الدرس مع التلاميذ، لكنَّ عينيَّ كان لهما رأيٌ آخر!!

أخرجت من جيب القميص منديلا من ورق. جففت عيني. لكن الدمع لم يتوقف. قصدت الدرج هابطا نحو الأسفل لأغسل وجهي قبل العودة لإتمام تحليل نص أحمد أمين.

***

أبو الخير الناصري

أصيلا في16 من غشت 2021م.

 

 

افضل فاضللا أفكّرُ كثيراً بالجنّة

فأنا، لا أُحبُّ النِكاح

وقليل ٌ من الطعام

يُشعِرني سريعاً بالتُخمة  ..

إنّ صلاتي ونُسُكِي ومَحْيَاي لله ربّ العالمين

لأتَجَنّبَ دخّانَ النار،

فأنا مصابٌ بالرَبو القَصَبيّ

وإحساسي الرهيفُ جداً بالألم

لن يقوى على مَشاهدِ العذاب ....

أستيقِظ ُ، فإذا الكثيرُ من الفقراء يمشون فوق جلدي،

أَجمعُ ما تفتّتَ من جوعِهم عند المساء

مستَخدِماً قلبي  ....

**

أنا بسيط

و لي روحٌ كأنّها مـاءٌ فَـقَـد الذاكرة ؛

و حيثُ ينكسرُ الإنسان ُ،

أَتَـوَفَّـرُ بغزارة ...

أنا ارتّبُ فراشي بنفسي كلّ صباح ،

وأزرعُ الشتلاتِ بشكلٍ يوميٍّ كعلاجٍ لتوتّري من إرهاق

العمل،

و من حُنجرتي

تلتقطُ العصافيرُ الحَبَّ والزقزقات

دون مُقابل،

و أنا

لا أردُّ أحداً جاء بطلب ،

إلّا حين يحاولُ أحّدهم أن يلمسَ قلبي بيدٍ مُلوَّثـة،

أو حين يطلب منّي أن أرجمَ الحُبَّ الذي تمادى

بعيداً عن مخادع شَيخي الأربعة  ....

***

د. أفضل فاضل

 

فينوس فايقلديَّ الكثير من الإيضاح

حين يكون الصمت أبلغَ من الكلام

والكثيرُ من الكلام

حين يكون "القولُ" هباءً

والكثيرُ من الصمت

حين يفقد المعنى حضوره

وسط ركام أحلامٍ

لا تشبه الأحلام

**

لدي الكثير من الأحلام

أخزنها في عُلبٍ

تكاد تفقد الصلاحية

وجدتي

التي لم تكن تعرف كيف تحلم

علمتني أن أكتب أحلامي

كل واحدٍ على ورقة

وأن أضع كل مساء

واحداً  منها في إبريق الشاي

وأضيفَ بعض الهيل

وأدعه يغلي

وأشربه

فهي لم تحلم إلا

بأباريق الشاي

والصحون المترعة بالخجل

والكؤوس الملأى بالجراح

 

وأمي علمتني

أن الأحلام لا تنمو

إلا في رحم فاكهةِ الحكمة

علمتني أن أضع

كل واحدة بين طيات

كتاب أقرؤه

من الغلاف إلى الغلاف

لتعانقَ الأبطال

تتسكع معهم في الطرقات

**

علمتني جدتي

أن الأحلام ليست فاكهة

أشتريها  وأتركها

فتتعفن بقاياها

وأمي علمتني

أن الأحلام ليست كتابًا  نشتريه

إنما هي كُتبٌ نقرؤها

وحياةٌ نؤمن بها

كبواتٌ نستفيق منها

واقفين

كشجرة صفصاف

تصادق الريح

وتغازل المطر

**

وأنا مازلت أحلم

ومازال عندي الكثير من الإيضاح

حين يكون الصمت أبلغ من الكلام

والكثير من الكلام

حين يكون "القول" هباءً

***

فينوس فائق

 

 

صادق السامرائيسناؤكَ مِنْ يَنابيـــــــعِ الفُيوضِ

وذاتُ الكوْنِ في كنهِ الغُموضِ

 

وإنّ البَحْرَ أمْــــواجٌ تَلاحَتْ

تُدافِعُها مُديْماتُ الخُضوضِ

 

كأنَّ المَوْجَ فــــــي وَجَعٍ وأنٍّ

تُألِّبهُ العَواصِفُ بالرُضوضِ

 

وأرضٌ فـــي أباهيمِ انْتواءٍ

تهدِّدُها الكواكبُ بالقبوضِ

 

عليْها كلّ مَخلوقٍ كضَيْفٍ

ومَرهونٍ بتأديةِ الفُروضِ

 

إذا شَنَأتْ تمادَتْ فـــــــي أذاها

وأشْرَتْ أيَّ مُفتَرِسٍ عَضوضِ

 

أراهــــا بِنْتَ أهْواءٍ وسُوءٍ

فكمْ حَفَلتْ بداعيةِ النُغوضِ

 

أ تُسْكِرُنا بأوْهــــامٍ  وهَمٍّ

وتُطعِمُنا بفائدةِ القُروضِ

 

وُجِدْنا في مَرابِعِها ودُمْنا

تواعِدُنا المَنايا بالنُهوضِ

 

وعَيْنً المَوْتِ واعيةٌ مُناها

تُراقِبُنا بسائِقةِ الـــرُبوضِ

 

تتيِّمُنا النوازعُ في هَواها

فتأكلنا بقاسيةٍ مَضوضِ

 

سَئِمْنا مِن مَخاطِرِها وحِرْنا

بغادِرَةٍ أجادَتْ بالرُكــوضِ

 

فواجعُها علينا قــــــــــد أغارَتْ

وما جَنَحَتْ إلى زمَنِ الفُضوضِ

 

إذا هَدأتْ تداعَتْ نَحْوَ أيْنٍ

مُعَزّزة بحاضِنَةِ البُيوضِ

 

فهَلْ بَعثتْ جَحيمُ الكونِ شرّاً

إلى بَشَرٍ بمَألسَةٍ نَضوضِ

 

وقالَ الخلقُ مَهلا كيْفَ كنّا

وكيْفَ جَرَتْ بنا نحوَ الدُحوضِ؟

 

إلهيَ إنّ فحْوانا تبدّى

بحاديةٍ إلى السوءِ البَغوضِ

 

تَتوَّجُنا بباءٍ أو قِناعٍ

فدعْ باءً لشائنةٍ غَيوضِ

 

طغى ظلمٌ وبادتْ أبرياءٌ

ودامَ فقيرُها حَتْفَ الرُموضِ

 

فهلْ جاءتْ بقارعةٍ سماءٌ

وهلْ وثبَتْ على أرْضٍ غَضوضِ

 

وإنّ المَوتَ صيّادٌ لحيٍّ

وسيّافٌ لخاتمةِ  النُفوضِ

 

فهذا الحَيْنُ كمْ أزْرى بخلقٍ

كأنّ الخلق مُنتَزَعُ النُبوضِ!!

 

أساليبٌ تعارضُ مُحْتواها

ومَعْناها تداعى بالنقوضِ

 

فلا شِعرٌ بها أبداً سَيَبْقى

إذا حادَ القريضُ عَنِ العُروضِ!!

***

د. صادق السامرائي

28\2\2020

 

 

محمد حمدالمجانين يتنزهون على رصيف

مُصاب بالتواء المفاصل

معبّد بتطلعات

غامضة المنشأ ومنتهية الصلاحية

في النهار

يبحثون عن الضوء في بداية النفق

وفي الليل يغلقون جميع الانفاق

على أنفسهم

حتى لا تتسرّب احلامهم العصيّة

على التفسير

إلى أزقة المدينة (الفاضلة) وتسقط

في فم الرعاع المتنكرين

بازياء الحكماء...

 

رأيتهم باُمّ عيني

يستجدون ومضة الامل وضحكة البراءة

من بصيص السجائر وبخار التنهدات

ويجمعون

حسب أبجدية التسكّع  المعاصرة

شظايا خطاهم

المتناثرة على ساحات الاغتراب

المكتظة بقدامى المغتربين

(ابطال بلا أوسمة أو نياشين !)

وعلى ميادين بائعات الهوى

والثرثرة

المحاطة على مدى خمس وعشرين ساعة

يوميا !

بالرقباء والعسس المدججين بالارتياب

وبالأسئلة الحرجة جدا...

 

خلافا لكل توقعاتي

رفض المجانين للمرة الالف

أوراق اعتمادي

بحجة أن عقلي ما زال يتمتع

بنسبة مئوية متواضعة جدا

من الرجاحة !

***

محمد حمد