 قراءات نقدية

لخلق معادلة بديلة في المجموعة الشعرية: سأرزق برجل من ضلعي الأيمن للشاعرة فينوس فائق

جمعة عبد اللهالشاعرة فينوس فائق واسعة الثقافة والمعارف اللغوية والنشاط المدني الدؤوب، تحلم بعالم الحرية والانعتاق في قصائدها الشعرية، تملك صياغة فنية متمكنة، في رؤية فكرية سديدة تتجه الى عالمٍ حر بدون قيود، تسوده المحبة والتعايش والاحترام المتبادل، بدون ظلمٍ واضطهاد، بدون انتهاك، تنظر بعين المساواة الواحدة بين الرجل والمرأة، وتحاول تمزيق العقلية الشرقية الجامدة والسلفية، التي تنظر الى المرأة نظرة احتقار وانتهاك بالنظرة السلفية، بأن المرأة مصيرها السجن الانفرادي بالاحكام المؤبدة في البيت، لأنها لا تصلح سوى المتعة الجنسية والإشباع الشهوة الغريزية، ولا يجوز لها تخطي الخطوط الحمر التي وضعها الرجل الشرقي في سطوة فحولته المتغطرسة بالتعالي. تتناول هذه المعضلة في قصائد المجموعة مع هموم الوطن وأوجاعه. الشاعرة تنطلق من عمق ازمات في عتبات الوطن، وصوتها الشعري يحتضن كل المكونات واطياف اللحمة الوطنية، كلهم شركاء في بناء الوطن ومعاناته. وبمجموعها تجرعت الزقوم من الانظمة الشمولية الظلامية من الدناصير واحفادهم، وعانت القسوة الوحشية والغطرسة والحقد الدفين بالعنصرية الحاقدة، وقصائد المجموعة الشعرية تتوجه مباشرة الى الذين اغتالوا واغتالوا الوطن قديماً وحديثاً. كما تتوجه بالاصابع الاتهام بكشف عورات الرجل الشرقي المتزمت والسلفي في نظرته للأشياء بعين واحدة تشبع أنانيته الذاتية الجشعة. كما يتبختر ويتباهى بعقليته القبلية والعشائرية الظالمة تجاه المرأة. في جعل المرأة تلوك الانكسارات والانهزم تحت سلطة وسطوة ورحمة الرجل، بدون شك هذه العقلية السلفية الجامدة ارتدت جبة الدين، ما هي في حقيقتها إلا خنازير في جبة الدين، يمارسون دور البطولة والانتهاك على حساب حق المرأة في الحياة والعيش الكريم. يصورونها زائرة ثقيلة ليس لها مكان سوى السجن الانفرادي الدائم وسرير المتعة والشهوة الجنسية، وتباع وتشترى كأي بضاعة آخرى أو أية سلعة آخرى. وما وظيفتها إلا الانتقال من حضن الى حضن رجل آخر يتحكم بها في البيع والشراء بكل غطرسة ووحشية. لذلك تعزف الشاعرة (فينوس فائق) لتغير المعادلة التي مضى عليها الآف السنين بأن (المرأة خرجت من ضلع الرجل) وكانت نتائجها المدمرة في المعاناة والاضطهاد والقهر والآهات. لذلك تحلم في عالم يسوده العدل والانصاف بدون اجحاف وحيف بحق المرأة، أن تجد بديل لهذه المعادلة، أن تقلب المعادلة بشكل آخر أن يخرج الرجل من ضلع المرأة (سأرزق برجل من ضلعي الأيمن)، من أجل الحرية والمساواة العادلة بالإنصاف. ان تخلق عالماً متغايراً من أنقاض العالم القديم، عالم يسوده الوئام والمحبة والتعايش. كما في قصائد المجموعة الشعرية،  التي تحتوي على 20 قصيدة. تتناول الأشياء في منتهى الصراحة والمكاشفة، لكي تؤكد بأن المرأة من سلالة الزهور، تحمل الشوق والاشتياق والحنين والوفاء والحب، عليها ان تصدع الجدار الرجل الشرقي الظالم بحق المرأة. قصائد تملك شفافية الصيغة والانسياب المتدفق، وتحمل رؤية فكرية سديدة تجاه الوطن والمرأة.

- الخشية من الألوان والفصول والمطر، ان تخفي آثار انفاسها المتشوقة الى لقاء الغريب الغائب، الذي يحمل في قلبها بعض نبضاته وانفاسه، كم يقلقها هواجس القلق بلحظة لقاء الغائب، وكم من المساءات تنفقها لتهدأ الروح لغيابه الطويل، فمازال الصدر يحمل الدفء، والأظافر تحمل شيئاً من رائحته، والترنيمات تحمل شيئاً من عبق المساءات التي سارا عليها سوية وتخشى من المطر أن يخفي آثار انفاسها، او تخاف ان تبلل اقدامها بمرورها بجانب بابه.

الألوان

(لون المطر)

أخاف أن يفاجئني

فتختفي أثار أنفاسي من على أوراق الشجر

بجانب نافذتك

أخاف أن يبتل مرور أقدامي بالأمس بجانب بابك

**

(لون اللقاء)

كم من المساءات أحتاج

لأنفقها على غيابك

قبل أن أغرق في لحظة لقاء مدهشة

لازال صدري دافئا

أظافري تفوح منها رائحتك

كم أغار منك

ترى نفسك أكثر مني

***

(لون الخطوة)

يدهشني هذا الرصيف

يفكر مثلي في وقع اقدامك

يردد ترنيمة مشيتنا ذات مساء

يبقى الوطن بطعم حلاوة الشوق والحنين، والخيال يسرح في الوطن البعيد، تلوكه بترياق الغربة، خبأتها في خزائن الذكرى والذكريات، كم تحتاج الى مئات الخزائن، لوطن اغتصب من الديناصور وأحفاده، وراح يسقونه طعم مرارة المعاناة بالاختناق بالغازات السامة وغازات الغردل، ليفتح باب الرحيل عن الوطن بلا عودة. كم تتقيئ من أقوال الساسة ورجال الدين وهم يلوكون الخرافات التي عفى عليها الزمان وشرب،

على بعد وطن أجلس إشتياقا

أحتسي ترياق غربتي بمذاق مطر

تحت حزام الأرض

تأريخ لمسميات أشياء

اندثرت خلف غياب الحكمة وموت الوصايا

سأحتاج إلى مئات الخزائن

لأفرغ فيها ذاكرتي

و أقفل عليها بابا حديديا عاليا

أحتاج إلى المئات من الزوايا المظلمة

لأستفرغ فيها أقاويل الساسة ورجال الدين

**

أحتاج إلى مئات المرافئ

لأتقيء ذاكرتي

و أفرغ جسدي من ديدان وطن صار غربة

و أتعلم فن الإقامة تحت شمس باردة

في منفى صار وطن

- الحلم بالحرية هي الامل والطموح. لكن ثمن الحرية باهظة الضريبة من الدماء والاحتراق، بأسلحة حرمها الله والشرائع السماوية.

تعال معي

و أحلم معي بالحرية

دعني ألعب بشعرك

قبل أن يحترق هو الآخر

بنيران البنادق المسروقة

كما احترق شعر المدينة

بأسلحة صادرها الله

- تحاول ان تكسر العتمة والظلام، والغيوم الملبدة بالفزع، تحاول ان تسكب في زمن التمرد والذهول على كلماتها على قصيدة عتيقة، تتحول القنديل الى وجع وصمت. تحلم بجثث كلماتها بعالمٍ لا يأذن بالنحيب على موت الطريق، لكن كلماتها تضيء قمراً بجوار قبرها. في انتحار الضياء.

هراء

سأرقد الليلة بين جثث كلماتي

و أضيء قمرا بجوار قبري

الشمس تموت على خاصرة ينبوع

يمر تحت وقع سقوط أوراق

تعانق الصفار

حتى مغيب العمر

 

سأرقد الليلة على كاهل قصيدة عتيقة

من زمن التمرد والذهول

يتمزق الماء تحت قدميً

و يتحول القنديل إلى وجع

يلازم صمتي

يموت الظلام حتى بزوغ فجر

لا يأذن لي بالنحيب

على موت الطريق و

إنتحار الضياء.

- إنها أمرأة حالمة بالحب والعشق. وتحاول ان تشارك الوطن بهمومه فقد رسمته بجوانح احساسها. في زهرة النرجس المنسية. وتحلم أن يأخذها الحلم  ربوع الوطن. في هذا الزمن الثقيل، تحلم ببياض الحقيقة أن تتجول في دروب الوطن المنسية. تتجول في بستان الوطن.

أحلم بطبيعة لم تنجبني بعد

أحلم بمريم تحملني في رحمها

أعبر الشارع المؤدي

إلى أفق ينتهي عند أول سؤال

أطرحه على الطبيعة

**

متى ستصحو هذه الريح

على بياض الحقيقة و

تنام عند عتبة أول الخضار

و تتقاسم الحياة

مع أول زهرة

تحلم ببستان من الوطن؟

- هي امرأة خلقت من العشق والحكمة. في هذا الزمن الذي تعفر وكبر وتمرس على الظلم والاجحاف والحيف بحق المرأة، أنهكها التاريخ، فمنذ آلاف السنين بأنها خلقت من ضلع الرجل، ولكن لم تجد سوى مرارة الاوجاع والمعاناة، كأنها تركض وراء السراب والوهم، لم تجد نفسها إلا محكومة بالسجن المؤبد الانفرادي طوال عمرها. ذلك تريد ان تعدل أو تغير ميزان العدل المقلوب. وتنهي العسف والظلم، أن يخرج الرجل من ضلعها، ان ترزق برجل من ضلعها الايمن، لتنهي رحلة المعاناة، وتنتهي من القذارة والعفونة بأنها جارية تحت اقدام الرجل الشرقي، الذي يلعب بها كسلعة للبيع والشراء. ان تنهي هذا العبث والغثيان بحق المرأة.

منذ آلاف السنين خلقت من ضلع رجل

منذ آلاف الأوجاع وأنا أمسح تأريخا لا يليق بي

منذ آلاف الطرقات وأنا أركض وراء ضوء الشمس

و أطارد الحكمة أينما كانت

منذ آلاف الكتب المقدسة وأنا أعتذر لنفسي

عن حماقة الخلق تحت سماء من الكذب و

بحور من الخدع

من آلاف الآيات وأنا أحفظ عن ظهر قلب

قصائد تحكي قصص الأنبياء والقديسين

و تنهرني المعلمة على أخطائي الإملائية و

تعاقبني على هفواتي الدنيوية

و تحكم علي بالقصاص على

آرائي الإنسانية

منذ آلاف الحكم وأنا أطرز من شعاع الشمس

فستانا يليق بأنوثتي و

لباسا لا تفوح منه رائحة الشرف

وو شاحا من الضحك لا يشعرني بالقرف

***

جمعة عبدالله

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الف تحية استاذ جمعة عبدالله لقلمك الراقي، تمنياتي لكم بدوام الصحة و التألق

فينوس فائق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً للشاعرة القديرة فينوس فائق على هذا الاطراء الجميل .
ودمتم بأحسن صحة وعافية وشفاء تام
تحياتي لكم

جمعة عبدالله
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5502 المصادف: 2021-09-28 07:53:11


Share on Myspace