صالح الرزوقتعود فكرة الميت الميت الحي في الرواية لعدة نسخ وعدة أشكال. لكن أشهرها هي شخصية فرانكنشتاين Frankenshtein لماري شيللي والتي صدرت بطبعتها الأولى عام 1818، ودخلت مباشرة على خط الصراع التقليدي الرومنسي بين مشكلة المعرفة والإيمان. ومن المؤكد أن شيللي لم تقترب من الموضوع السياسي لعصرها، ولذلك بقيت بعيدة عن أي مباشرة اجتماعية، وركزت كل كلامها حول مجموعة ثنائيات أو تقابلات لتطوير الحبكة، ومنها عدم قدرة الإنسان على الحياة بمفرده وضرورة خلق قنوات للتواصل.. إنسانية عامة (أن تكون وسط بيئة حاضنة) وبشرية خاصة (أسرة من امرأة ورجل وأطفال). وهذا هو السبب الحقيقي لتمرد المخلوق المرعب على صانعه وهو الدكتور فكتور فرانكنشتاين.

بالمناسبة هذا الاسم يعود لطبيب جراح شاب اهتم بمشكلة البعث والنشور وبحث عن أسرار الخلود (على طريقة البطل الملحمي الرافديني جلجامش).

لاحقا ظهرت من العمل نسخ معدلة آخرها فرانكستاين  Frankissstein لجانيت ونترسون Jeanette Winterson.  وبها رفعت سقف مطالب مخلوقها الاستثنائي والمرعب، وجعلته نافذة ننظر منها على مجتمع ما بعد - بعد الحداثة. عدا عن تحطيم الشكل التقليدي للحبكة، والتعبير عن الوجود من خلال الفراغ أو بواسطة  تحريض وتنشيط عمل الذاكرة، اختارت أن تضيف إنجازات الصناعية الصغرية في إنتاج المارد، تمهيدا ليواجه أعتى قضايا الألفية الثالثة: مثل الذكاء الصناعي وتبديل الجنس والتمرد على التصور التقليدي للعلاقات بين أفراد المجتمع من جهة والسماء من جهة أخرى. 

ولكن هناك نسخة مزامنة لرؤية شيللي. وهي مثلها تلعب على مسارين: الحب وتلازمه مع الخوف. وأشهر الأمثلة دراكولا لبرام ستوكر التي صدرت عام 1897. وهو مصاص دماء مشهور، ينام نهارا وينشط ليلا. وهذه إشارة واضحة لدراما النور والظلام والصراع الأبدي بينهما كتمثيلات مباشرة عن فكرة الخير والشر. غير أن لدراكولا مضمونا طبقيا، فهو كونت - من طبقة النبلاء. وفقد سلطته بصعود الرأسمالية واندحار الإقطاع. وبما أنه أضعف من أن يعتدي على الطبقة الصاعدة اختار ضحاياه من بين العامة. وتطور دراكولا لاحقا لشخصية زومبي الذي لا يكتفي بدم الضحية بل يستهدف كل شيء فيها.. اللحم والعظم، الأطراف والرأس،  القلب والصدر. باختصار تحول لميت يفرض فلسفته على مجمع الأحياء دون أي شفقة أو رحمة. وباعتقادي هو وريث حركة نهوض أدب الرعب (الأدب القوطي) وليس أدب التشويق (المغامرات والمطاردات الليلية - كما في أشباح والتر سكوت وما يضاهيه)، ويعبر عن مطامع الإمبريالية بالسيطرة والتوسع لدرجة الاستعباد.

وبدمج كل النسخ السابقة وصلت إلى أدبنا العربي صورة مرعبة ومثيرة للشفقة بآن واحد. وتجدها في  (فرانكنشتاين في بغداد) لأحمد السعداوي. وقد صدرت في بيروت عام 2013، وحصدت على الفور تقديرا منقطع النظير. واتفق سوق الرواية العربية والغربية على تتويجها بعدة جوائز لأنها بإجماع الآراء تمثل نقلة نوعية في أسلوب ومضمون رواية ما بعد الاستعمار. وباعتقادي الشخصي إنها عمل وطني يبني على رموز من المخيلة الجماعية. واختار السعداوي لروايته إدارة حبكة مستديرة، وفيها يتعهد الميت التراكمي (المصنوع من ترابط ضحايا مجهولين)  بالانتقام من قاتليه.

2517 قصي عسكرولم تنفرد مغامرة السعداوي بكل المشهد، وفي أدبنا الحديث أمثلة متعددة على شخصية المسخ والقزم والشهيد الذي يستعذب الموت لأسباب متنوعة (انعدام الحرية أو الفقر الأسود إلخ..). وأذكر من هذا النوع: حارس الموتى لجورج يرق (2015)، وآخر من شبه لهم لأديب النحوي (1991) وغيرها. وهي أمثلة أخيولية، بمعنى أنها تتخيل الواقع وتبنيه على أساس الاحتمالات. بلغة مختصرة تدخل في عالم الممكن. وما يبرر لها ذلك أنها تريد التبشير بحياة أفضل، وقد غلب عليها التفكير النضالي والسياسي، ولم تقف عند حدود الأحوال الاجتماعية بعمومياتها.

وأهمها رواية (شيء ما في المستنقع) لقصي الشيخ عسكر (صدرت في دمشق عام 1991)، وتدور فكرتها حول شاب يكتشف في مستنقع قريب من بيته أجزاء تعود لجثة. وبالبحث عن بقية الأجزاء يكتشف أنها جثته.  وغني عن القول إن الحبكة وجودية. فهي تفترض أن الحياة راكدة كمياه المستنقعات، ولا شيء جديد، والإنسان تحول لشيء في مجتمع مجرم وبارد ويفتقد للعواطف الإنسانية. ولا تجد بالرواية فرقا يذكر بين المدينة والمستنقع. كان كلاهما كناية أو مجازا عن حالة موت سريري.

وتتطور هذه الحبكة لاتهام الشاب بالجنون، ومحاكمته، ثم هروبه مستغلا اندلاع حريق هائل يحاصر المدينة.

أكثر ما لفت انتباهي في الأحداث أنها بعيدة عن فكرة فرانكنشتاين. فأجزاء الميت لا تعود للحياة، والشاب لا ينوي على الانتقام. بالعكس حاول الشاب تحذير أبناء مدينته من عواقب الإهمال، وذلك بلغة نبوئية، وبخطاب تبشيري يذكرنا بحالة "نبي" جبران في عمله التنويري المبكر، مع لمحات إضافية من (إنجيل الابن) لنورمان ميلر و(جدار الموت) لسارتر.

ويمكن  أن تقول إن بطل (شيء ما..)  نسخة ضعيفة من مسيح أناني لا يؤمن بدور التضحية في التطهير. وتدعم هذه النقطة عدة لمسات تقريبية. فالابن لا يعرف أباه، ويعيش وحده مع أمه الشبيهة بأيقونات العذراء التي لا يخلو منها جدار كنيسة. وحسب الرواية هي دائما حزينة وساهمة، لا تبدل اتجاه نظراتها. ويعقب الراوي العليم على هذه الصورة بأعلى صوته فيقول: هكذا يجلس الفلاسفة (ص5) وكأنه أراد أن يجعل من هذه الأم البسيطة كائنا فوق الواقع. 

مع ذلك قد لا تكون هناك علاقة مباشرة بين الرواية وما سبقها، ولا سيما نص شيللي أو السعداوي (ناهيك عن نسخة ونترسون). كان فرانكنشتاين صنيعة العقل البشري (الوعي أو العلم في حالة شيلي - والوعي الباطن في حالة السعداوي). وهو بالأساس إعادة تدوير لمبدأ تنويري يعود للقرن التاسع عشر ومضمونه:  لا شيء يأتي من الفراغ، ولا شيء ينتهي للعدم، بل هناك أفكار تغذي التمثيلات، وهي الطبيعة البشرية (الطبع الذي يغلب التطبع عند شيللي) والهوية الوطنية (المضمون الحضاري للمجتمع عند السعداوي).

وقد ذهب السعداوي لما هو أبعد من ذلك حينما وضع للعنف في روايته هدفا نبيلا. وهو انتقام جماعة الضعفاء من واحد أقوى منهم. فمخلوقه من ضحايا المفخخات، وبينهم الفقير والغني. والعبد والسيد. والمؤمن والكافر. واجتمعوا على إرادة واحدة وهي تحرير أنفسهم من قيود المدينة الفاسدة أو الدايستوبيا. وبدواعي الإنصاف يجب أن نعترف أن السعداوي حرر فرانكنشتاين من أفكار شيللي الجاهزة، ووضعه بسياق مبتكر وهو تحرير الإنسان والأرض بنفس الوقت.

ولكن ليس هذا هو مبدأ رواية (شيء ما..). لقد تحركت ضمن إطار واحد بدأ من السأم الوجودي وانتهى به. ولذلك كانت الرموز واضحة ومباشرة وبلا تمثيلات. المستنقع، مثلا، هو طوفان الأخطاء. وسطحه مجرد فاصل رقيق بين الوعي الباطن (لغة الأعماق - الأموات المغمورين بماضيهم ورذائلهم)، والسطح العاكس الذي ترتسم عليه الصور المشوهة كأنها صورة دوريان غراي بطل أوسكار وايلد، المعيار المنظور لمقدار الرذائل التي نرتكبها.

وكان الماء الراكد يدل على أمرين اثنين.

الأول هو كساد الحياة. فقد ترافق صدور الرواية مع فترة كساد مجتمعاني كبير (يعادل الكساد الذي ضرب أمريكا في الخمسينات).  وكنا آنذاك نمر بمرحلة مجتمع ما بعد النكسة وظروف أوسلو ودخول حركة التحرر العربية بموت سريري.

الثاني هو انتشار التفسيرات الذاتية للظواهر على حساب التأويل الموضوعي. وبلغة علمية كان وعي البطل في الرواية  طفوليا يشبه تعرفه على ذاته من خارجها وهو ينظر لصفحة المرآة (حسب بارادايم لاكان).

وحتى لا نحمل الرواية أكثر مما تحتمل أستطيع القول إنها شهادة إنسان أعزل عن فترة مضطربة وحزينة من حياة المنطقة. ولكن هذا لا يعفينا من الإشادة بطموحها الفني. فقد سبق للمرحوم يوسف سامي اليوسف أن اعتبر أنها عمل طليعي تعاقب فيه نوعان: فصل سرد - وفصل حوار في غرفة مغلقة وبالتبادل. وكأنها مسرواية (فن هجين من تداخل المسرح مع السرد).

وأغتنم هذه الفرصة لأذكر أن رواية ماري شيللي كانت سباقة فنيا أيضا. فهي أول رواية فنية بتكنيك الأصوات، وقد تناوب فيها على السرد:

1- شهادة فكتور فرانكنشتاين.

2- وجهة نظر المخلوق المرعب.

3- وأخيرا رسائل القبطان لأخته، وجاءت أشبه بتفسير للفراغات المبهمة التي تخللت الأحداث.

ولم يكن التنقل بين هذه الوحدات السردية ميكانيكيا (فهو عيب فني لم ينج منه حتى نجيب محفوظ معجزة الرواية العربية سواء في "ميرامار" أو "المرايا" حيث كانت الأصوات تتراكم ولا تتطور وتأتي بسياق واحد بسيط وغير مركب). لقد عرفت ماري شيللي كيف تربط وتفصل الأصوات، وكيف توزع حصة كل صوت على الحبكة.  

باعتقادي إن قصي الشيخ عسكر كان يفكر بدايستوبيا وهو يكتب روايته. فقد صور لنا مدينة شريرة تأكل أبناءها. وكانت أشبه بكابوس دائم يجثم على صدره (كما ورد في الفصل الأول - ص 6).

ولم يجد حلا لها بغير ركوب زورقه والهرب. لكن يحسن بنا أن ننتبه هنا لملاحظات عابرة ذات معنى.

أولا المستنقع هو بقايا فيضان أحفوري سابق.

ثانيا الزورق هو رمز لسفينة نوح.

ثالثا وهي أهم نقطة أنه مركب صغير لا يتسع لسوى شخص واحد.

ويعبر عن هذه المشكلة الحوار التالي:

قال الشاب لأمه وهو على متن المركب: هل تركبين معي؟.

قال صانع الزوارق: لكنه صغير ولا يسع لأكثر من واحد.

فردت الأم: عليك أن تنجو بنفسك يا ولدي. الزورق هيأه لك أبوك (ص93).

والتفسير الوحيد لهذه النهاية هو عقدة أوديب مع تبديل في الرموز والأدوار. الأم تتحول لزورق وتحمل ابنها لشاطئ النجاة. والأب يفوز بالأم. لكن بشرط أن يحترق معها في هذا الفرن الكبير، الأتون الذي كان ضروريا لإنقاذ الابن. 

وعموما الإبدال شيء أساسي في الرواية. فالابن الحي -في الرواية - هو الأب الميت أحيانا، والحاكم يتجلى في بعض الأوقات بصورة الأب، والأم يمكن أن تكون ضحية وظالمة (بالتناوب - حسب قانون اللحظة - وهو شيء مختلف عن قانون البنية الثابتة). وبمثل هذا المنطق وظفت الرواية تكنيك الصور عوضا عن أسلوب الأصوات لتغطية الأحداث من عدة زوايا. وهذا فرق جوهري آخر بينها وبين الأسلوب الراديكالي لنسخة شيللي والسعداوي. لجأ الاثنان لبناء شخصيات بذاكرة قوية وواضحة ولكن دون أي تصور عن نهاياتهم.   بينما صور قصي الشيخ عسكر أبطاله دون ذاكرة، وكان يغلب عليهم الالتباس والشك غير أنهم يصنعون قدرهم بأيديهم. وعن ذلك يقول بطل الرواية: كل شيء محسوب حسابه (ص91). وعلينا أن نتصرف لأن البكاء وحده لا ينفع (ص93).

 

د. صالح الرزوق

 

 

 

 

انعام كمونةوجلٌ ووردٌ وعود / د. سجال الركابي

خلاصة: استخدام الرمز احدى مظاهر التجديد في قصيدة النثر وتوظيفه من أهم السمات الجمالية في الشعر العربي المعاصر لغرض إيحاء عمق الدلالة بابتكار رؤى الشاعر بسيمائية لغته الشعرية، وظاهرة توظيف الرموز أسلوب استعاري فني للتشبيه أو الكناية لإيحاء الدلالات في ذهن القارئ بإيماءة وتلميح وتستر، والتعامل الرؤيوي للشاعر مع الرموز لخلق عوالم غير تقليدية أو تجريب غير نمطي في قصيدة النثر خاصة بمستويات عدة في التركيب البنيوي أو الاقتباس والتناص أو التضمين الكلي أو الجزئي بصياغة عصرية تعي مرونة تراث ادبي وابتداع فكري لاحتواء التجربة الشعرية بتركيز وتكثيف، البحث يتضمن رمز انفعالي ذاتي الابتكار يحتضن كتلة النص بموضوع تشكيله، ويتدرج بأفق الانساق يتراءى ببنية النص معمارية ترابط متين، باغترابه عن ظواهر المألوف بجوانب فلسفية شعورية بكونيات النص، يتكرر بتساؤل معرفي باستفهام واستغراب عن طبيعة علاقات انسانية بفكر حسي،يتماهى دلاليا للتجريب والتطبيق والتقريب الذهني بوقفات تأملية او صيرورة رؤيا فلسفية تثار من معاناة فكرية ونفسية فيعبر عنه بمفارقات أبستمولوجيا الإيحاء بإسناد رمزي، والأبستمولوجيا من احدث التطبيقات والنظريات المنهجية الحديثة واكثرها مرونة للفيلسوف باشلار والذي أهتم بدراسة المخيلة والخيال في الشعر وفلسفة الفن والجمال، تبحث عن الحقائق العلمية للأشياء بالشك والظن لحين اثباتها بشواهد مقنعة، والأدب احد العلوم التاريخية والمعارف الحضارية القابلة على التطور باستيعاب العلوم الإنسانية والاجتماعية والدراسات النفسية لذا تسعفنا بحرية استنطاق دلالات الجمل الشعرية والمجازات الفنية ووحدات عالم النص بدلالات عنصر الإيحاء وتطبيقها من خلال تجلي أبستمولوجية الرمز بابتكار وتجديد، الأنموذج رمز" التأرجح " في نص/ وجلٌ ووردٌ وعود / للشاعرة سجال الركابي ومن الضروري ان نحيد لدراسة تحليلية وسيمائية أسلوب النص لتكتمل القراءة.

تمهيد

- الرمزية وسيلة تعبير اسلوبية تتجلى من الوعي أو من تراكمات في دهاليز ومتاهات اللاوعي الحسية والنفسية،لتمنح رؤى الشاعر بعدا دلاليا وتعتبر آلية مهمة للابتكار الجمالي في النص، ويعد استخدام الرمز بأشكاله وأنواعه من أهم عناصر قصيدة النثر للإيحاء، وقد عبّر الدكتور عز الدين إسماعيل عن الرمز والإيحاء بقوله " تركيبة وجدانية تنتمي الى عالم الوجدان أكثر من انتمائها الى الواقع"، لذا يختارها الشاعر بحتمية ما يتطلبه الموقف الشعري بشعور وجداني ، ويقتنيها بما تستدعي غايته الدلالية برؤى ممزوجة بين الواقع والخيال،والرمز أداة لغة قوية واسلوب اشاراتي لحالة شعورية فني الفلسفة لتكثيف الفكرة بتلميح مستتر،، وتتغير دلالة الرمز بتشكيلات المجاز وموقعه في الصورة الشعرية ومستوى صياغته في الأنساق، وقد يتجلى بجنوح دلالات الأنساق اليه فيكون صيغة شمولية للرمز وهيمنته الإيحائية فنية تشكيل بلغة غائرة الدلالة تقنية الأبداع والتميز ...

- ومن بعض تعريفات الرمز /الرمز في اللغة " يعني الإيماء والإشارة والعلامة "، وردت لفظة الرمز في الآية المذكورة في القرآن الكريم:﴿قال ربّ اجعل لي آية قال آيتك ألّا تكلّم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾ آية آل عمران "41"،أي أن يومئ لهم فقط، يعني إشارة بنحو يد أو رأس (لا تكلم أحدًا الا بالإشارة )، وما ورد في لسان العرب لابن منظور في مادة الرمز معناه " تصويت خفي باللسان كالهمس وتحريك الشفتين بكلام غير مفهوم باللفظ من غير إبانة بصوت، إنّما هو إشارة بالشفتين والعينين والحاجبين ...

- أما أحدى تعريفاته اصطلاحا،" إنّ الرمز بمفهومه الشّامل هو ما يمكن أن يحلّ محل شيء آخر في الدلالة عليه لا بطريقة المطابقة التامة وإنّما بالإيحاء أو بوجود علاقة عرضيّة أو علاقة متعارف عليها، فالرمز وسيلة إيحائية تستخدم للشعر، إذ هي قادرة على الايحاء والتلميح”، كما يقال أن : " الايحاء إلقاء المعنى إلى النفس في خفية بسرعة "، فالرمز فلسفة الشاعر ولغة رؤاه للتعبير عن خلجاته المدفونة دون الإفصاح المباشر ...

- والرموز أنواع قد تكون من التراث أو الأسطورة أو عقائدية وصوفية وغيرها،وممكن من أي مصادر معرفية اخرى علمية أو أدبية، لربما تكون عبر جملة أو مفردة اسمية أو فعلية بما تشير اليه من عمق غائر بقيمة موقعها في النسق النصي وترابطها لِنَشد الفكرة،وكثيرا ما تكون خليقة ابتكار نابعة من مخيال الشاعر بعفوية ترميز ذاتية الشعور أومن تراكمية اللاوعي المكتوم، يستجلبها من أفق معرفته ويلتقطها من فضاء خياله بمكنون الموقف الذي تستحثه عليه تجربة ما، يبثها الى أثير ذهن المتلقي ليلتقطها بفاعلية ما يتذوقه من رؤى الشاعر فيعيرها اهتمامه كما يسميه الناقد روبرت ياوس بأفق توقعه بتحفيز ما يدخر من فلسفة ثقافية ومعرفية ...

- نستقطب من فلسفة النص عنصر مهم نضعه تحت بصيرة الاستقراء هو رمز  (التأرجح ) بسيمائيته الفنية ..التعبيرية ..الجدلية ..الحدسية والافتراضية،كذلك،الظاهر والباطن منها،وما يتمظهر منه دلائل حيوية الحركة بملامح تمركز الزمان والمكان، يحيلنا لرمز ذاتي الشعور محوري الأبعاد، مضمر الدلالات، يعج بتفاقم حسي ونفسي عاطفي التأثر،يبرهن واقع انساني متماهي بين الحضور والغياب، بعلامات أشاراتية مركزة الإيحاء، يتجلى في كيان عموم النص بتوغل لا مرئي حتى يستشرق عنوة قبول وشدة وضوح،يتراءى حضوره بإيماء دلالاته في كل الصور الشعرية ويتدحرج على كل الأنساق، يهيمن على فضاء المتن بإيحاء مستتر، نسترجعه احيانا بطاقة دلالية التأويل، نفترضه احيانا أحجية يستوجب حلها ، واحيانا يتجلى ضمور لغز بدلالة التعبير، تفوح به كينونة الصور، أو يستجلبه لب الموضوع بإيماءة غائرة، ومن طاقة أبستمولوجيا الرمز تتيح لنا فلسفة رؤى مرنة بحداثة ناضجة ...

- نرى الشاعر اكثر من يتحسس ما يدور حوله من مواقف وتجارب وصراعات فيسعى لمواجهة الواقع بنسج الخيال من خصوصية رؤى لعمومية خطاب، كما نرى في رؤى الشاعرة سجال حين تتفاعل بوجدان معرفي مع قضايا جنسها وتشدها هموم المرأة ومعاناتها النفسية والإجتماعية وغيرها مما يدور في فلكها من مآسي وأحداث، فتبحث عن المستور في محيطها الإنساني وتخترق ظلال المحظور،لتنقب المطمور من بيئتها، فتنشدها رؤى بتأثر نفسي قدرة مبدعة معبرة بلغتها الغير معيارية بآليات حِرَفية وأدوات تقنية المحاكاة الفكرة بإجراءات شعورية بارعة النظم نمط قصيدة النثر وآفاق بصيرة انسانية ...

-ولقصيدة النثر فلسفة خصائص معينة ليس من السهولة تكوينها بدونها كما يذكر الناقد العراقي الكبير احمد عبد الرضا عن فلسفة قصيدة النثر (أن الصعوبة تتجلى حين نتلقى النص الجديد الذي يثير عواطفنا مباشرة من غير مؤثر خارجي، فيلامس اعماق الوجدان دونما استئذانِ، او ترخيص، الى جانب ما يحمله من ابتداع في فلسفته، فلسفة النص، او الموضوع الذي يشتغل عليه الشاعر ويضيف ان يحدث فينا ادهاشا عند التلقي وترتاح له ذائقة القارئ، لما يقدمه من خيال سحري مولد تصطفيه النفس وتنشد إليه على نحو تفاعلي، فيستغرقها في مآلات المخالفة، والتباين،والثراء التصويري، فضلا عن بقاء عواطفه فيها أطول مدة ممكنة)، وبما ان الشاعر باحث في كيان محيطه يتوجس الفكرة بحسية متأمل ويستبصر بؤرة القضية،تحفزه آفاق فكرية وثقافية باستدراك واعي وخزائن اللاوعي ...

فنرى من نص الشاعرة الركابي حين تتقصى المخبوء تبثه فلسفة رؤى برسائل انسانية شفافية الوعظ بسماحة الإيحاء وبُعد الإيماءة حين يصعب التصريح،فيغدو المضمون جوهر خطاب عام، تتسرب لغتها للقارئ بتيار مشاعر مستساغة الفكرة بدفقات شعورية نتذوقها بالوان الابتكار تجربة وجدانية بابتداع تقني للصور الشعرية والمجازات المفعمة الرهافة والعذوبة متوهجة بروعة التصوير، ورشاقة التعبير لذيذة الحوار برومانسية عفوية قوية الانفعال رخيمة المعاني...

- ننحو لدراسة العنوان وفرد سيمائية مفتاح أول العتبات

- نُسِجَ كيان العنوان ببنية أسمية من ثلاث معجميات معطوفة على بعضها سيمائية رقيقة التعبير أنيقة اللفظ بتناغم صوتي، تؤكد رهافة حس شاعري شفيف الروح، فمجاز العنوان قصدية رؤى منتقاة بفلسفة أنثوية الشعور، مصاغة بلغة مخملية، ناعمة الهمس تفوح من حيوات الطبيعة، تفصح مكنوناته الدلالية بتوتر واعي ولمسات تضاد جميلة ببيان الرؤى المكثفة الومض،ومن سيميائية الرموز نبحر استبصارا واستنطاقا مع دفقة شعورية ببنية بسيطة سهلة التعبير، وحداثة لغة عذبة لخيال شاعرة بشاعرية الموقف ورؤى معمقة للحدث الوجداني بقصيدة النثر...

- لننحو لمقاربة العنوان بأول مفردة ال (وجل) بناء مشهدي لإيماءة حسية باستنفار جميع الحواس، فالوجل دلالة ذاتية بالغة الانفعال باعتراك نفسي داخلي للمشاعر الإنسانية توحي لرقة الأنثى بلحظة الحدث،حين الخوف من شيء ما يربك أمانها الحسي فيؤدي لا اراديا الى سمة الارتجاف بتشتت فكري واستفزاز حركي ...

- ولننحو لمعجميات (ورد،وعود)استعارة رموز تفوح منهما شذا الطبيعة الخلابة بمزايا عطور، والتي لها سحر مميز باختلاف الاذواق ترتبط ارتباط وثيق ومباشر بحاسة الشم من جهة، كذلك لها تأثير نفسي بالتذوق النفسي،فتعم بيولوجية الحواس بدرجات متغايرة من شخص لآخر، مما يدل تباين العلاقات بين الجنسين بمستويات فكرية واجتماعية وثقافية، ورغم اختلاف فسلجة التكوين وتنوع الأجناس إلا أن جمال ائتلافهم منذ ذرى الطبيعة حقيقة رحلة...

- إن تاريخ الحيوات ماهية وجود جوهرية الحراك لزمكان بنشوء التواجد لأي عمر بمحدودية التواجد تتجلى في ال (ورد وعود) زمن معين منذ مهد التكوين كأي كائن حي شبيه (الأنسان) بدأ ببادرة(الجنين) برحم التراب ليتبرعم (طفل) ومراحل النمو لحين إنتاج الثمر ثم يكبر ويشيخ، ويموت، مقاربة لدورة كاملة للحياة، تشبيه متكامل ببيان استعاري بليغ ورائع، كذلك تأثره بكل متغيرات الطبيعة وظواهرها الموسمية من مطر أو رياح رطوبة جفاف ضوء، فيمرض ويحتاج لعلاج وهكذا يمر بكل مراحل الحياة كالبشر فالورد استعارة بيانية لحياة نوعين من الجنس في الوجود (انثى وذكر) بجينات تكاثرية للتوالد والحفاظ على الجنس الكوني وأن اختلفت مواسم التزهير وتغاير الذبول فيبذر جيناته يجف ويصبح عودا ويعيد دورة الحياة أجياله...

- نلاحظ استثمار راقي لمعجمية ال (ورد) جمعي الإشارة،ورمز نداوة غضة بأنطولوجيا ملونة، مختلفة ومتعددة الدلائل ،استعارة بليغة التشبيه للمرأة كجنس ناعم بصفاتها الطبيعية والفطرية خصبة العطاء،تتعطر الأجواء بوجودها، ومن اقدم العصور مرمزة آلهة خصب ونماء، رغم ان رمز الورد سرعة الذبول والانكسار الا انها تمنح الجمال وتنشر العطر بدلالة مشبهة بنوع من الأجناس ولرقة مشاعر المرأة بتأثرها العاطفي وخلقتها الفسلجية...

- أما (العود) هو يباس الاخضرار (من ورد واغصان وأوراق أوساق الشجر أو لحاء وجذور، ومنه كثير من البخورات الزكية الرائحة)، استعارة بليغة وذكية من كيان الوجود، تشير لمادية الكون، ونسبية الرموز تأمل فلسفي عن معنوية (الوجود والعدم) بخلاصة تكوينية لأصول الخلق، ندركه جدلية ميتافيزيقية عقائدية الرؤى، نستشفها من هيكلية البنية دلالة أساس الكون بأوجه مختلفة لدورة حياة كائن ...

لذا استعارة رموز العنوان لبلاغة تشبيه يومئ ظاهريا بصلة المعنى، هما الورد بأنواعهِ والعود بأوجه مختلفة، فالرموز تشي بائتلاف الاختلاف موحي لقصد غائر،وما يكتنف العلاقة من إيقاع تجاذب وتنافر بهاجس حسي وانفعال نفسي بدلالة الباطن، فمنذ تمام الخلق لقصة الوجود وتطوراته العصرية بتراكم الزمن وأعرافه الاجتماعية بنتائجه التراكمية، تجذرت البنية البشرية والطبيعة الفطرية بتذبذات متواترة وترددات منسجمة أو متنافرة،نستخلصها من رؤى الشاعرة كيان وجود آدم وحواء منذ عجينة الطين والنفخة الأولى بسائد الانسجام والاختلاف ...

- وعلى مستوى جمالية البنية واثراءها بتشبيه حميمي وتضاد رائع تشي بدلائل متنوعة عن علاقة بشرية بتماس فطري ما بين توائم صفات وتوأم روح، يترجم ثلة أحاسيس لموضوع انساني حسي نستنبطه من دلالة مجاز مباشر بعاطفة خاصة لموضوع مشاعر عامة، وبتقديم مفردة (الوجل) نتحسس هاجس الخوف الذي يعتري مشاعر بوح المرأة وكما ذكر في الكتاب الكريم من سورة الأنفال آية 2 "الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ"، فالوجل رمز شعوري لا ارادي، إحالة تأويلية لحالة شعورية بعنفوان وجداني يدل على الاضطراب ...

- النص

نلاحظ مخاتلة غرائبية بين رقة ومضة العنوان وتفعيل ثورية النص بتماثل المضمون وانسجام على مستوى الموضوع والدلالة باسترسال متدرج،وبما تنطوي عليه قصيدة النثر فلنتابع عتبة عتبة بتشكيلاته الحسية والنفسية والفكرية الرائعة الرؤى ...

- تستدرجنا أول العتبات باستفهام استدلالي ونبرة خطاب مونولوج داخلي،جدلية حوار فاعل بشواهد عديدة نحو حبيب افتراضي، نستبصره من مشهد التأرجح كرمز نفسي وحسي مقترن مع سيميائية رموز اخرى بكيان النص بالتفاف بلاغي ملتحم رؤيويا بعدة معادلات موضوعية تتماهى بإيحاء دلالي مستتر على مستوى الأنساق بإيقاع دافئ ولغة حميمية رائقة البوح بتوجس انثوي، وانغماس روحي لتكريس فكرة خطاب ملهم يتمحور من الخاص للعام، من أنطولوجيا الأعراف الاجتماعية وبؤرة سلوك متوارث،تتفحصه الشاعرة بفلسفتها الشعرية المتميزة التأمل، ببنية فنية النزوع لحداثة شعرية بأصول رؤى انسانية،تستنفر فضول المتلقي لشوق مبحر لمعرفة رؤى الشاعرة،وكنه الاستفسار طبيعة جدل بتضارب حسي وتنازع فكري،، فلنستنبط من حروف حكمتها، ونرحل للصورة الشعرية التالية بأول الغيث...

هل عرفتَ لماذا أتأرجح..! ؟

- استهلال أول العتبات بعلامة استفهامية وتعجب تقنية اسلوب بارع بتجلي انفعالي تحرر اداة التعبير من قيد التقليد لتشكيل نص شعري بأسلوب عصري متجدد لتقنية قصيدة النثر بملامح رؤى حديثة، تنبئ عن ادوات متميزة بخبرة شاعرة تجيد مبضع التخييل، بطوبوغرافية لغة أنثوية ولمسة حسية مؤثر نفسيا بثراء ملهم يستلطفه القارئ للبحث والاستقصاء ليستوفي دلالات الإجابة من ثنايا النص بكنه الخطاب...

- أول القطاف صيغة رائعة لصورة شعرية ببنية استفتاحية ب "هل" حرف الاستفهام الذي يستفز دهشتنا ويثير غيض تساؤلنا لنبحر في مشهد هذا التأرجح ورصد خباياه من فعل ذهني الشعور بانعكاس واعي،هو الفعل "عرفتَ"، الذي يدل على حدث مضى وتم التعرف عليه والتاء مرهون بضمير منفصل مضمر افتراضيا لتوجيه رسالة لغائب حاضر (أنت)، ولننحو لأداة أخرى داعمة ومتممة لهذا السؤال وهي (لماذا) والتي تعد (كلمة مركبة من لام التعليل، وما الاستفهامية، وذا الإشارة)، فالسؤال نتيجة ايجابية لمنطق تجربة خاصة بموضوعه العام سبق اختباره وتراكمت اسبابه واستحدثت نتائجه من قوة قيمتة الدلالية ب (هل وماذا )، سؤال بفلسفة لغة شعرية بارعة يُحشد القارئ بالاستطلاع والبحث عن الأسباب والتنقيب للوصول ليقين القناعة...

نستنطق من سيمائية رمز (التأرجح) تمركز دلالي مكثف حركي الأبعاد متعاكس الاتجاهات، رمز شعوري يشي لبعثرة توازن حسي بثنائيات متعارضة وتضاد مسافات يومئ ب(البعد والقرب،الحضور والغياب)،بمعيار دلالي لعدم الاستقرار بعامل وجودي لتاريخ زمان ومكان، وكذلك إيحاء دلالي نفسي لتقلب الرغبات بحركة ضدية مع وضد يخلق التوتر النفسي، فالتأرجح معادل رمزي مدمج التجسيد بحيوية غائرة عن سمة عدم التكافؤ بالفكر والمشاعر والأحاسيس، يحيلنا لتأويل دلالي عن التشتت العاطفي الملفت في صميم العلاقات الإنسانية...

وللعتبة الأولى ارتباط متين بكل عتبة من عتبات النص الآتية، تتلاحم بانسجام يوحي ويشير لتناسل السؤال بوعي استرجاع رمزي الإيحاء بتوالي الصور الشعرية والتي تتغير استعاراتها وتتباين دلالاتها الحسية وتستكمل ماهية أسباب سمات التأرجح، فنحيد لأبستمولوجيا رمز التأرجح ممغنط بتيار انفعالات زئبقية،ممسك بعتبة الاستفتاح لخاتمة دفقات الشعور، متطوف بملامح دلالات أنساق النص، منه سيتعلق شغفنا الاستقرائي بتفاصيل فنية الخطاب للوصول لسر مكنون السؤال والعثور على الأجوبة التي تستنفر ذهن القارئ، لذا يستوجب التوقف لتأمل عميق بما يرتبط بها من بقايا النص لنستنطق فحواه ...

ونستطلع ملامح ابستمولوجيا التأرجح ورمزيته الشعورية من الصور الشعرية التالية

بين رجفة نار وحمّى صقيع

نلاحظ بينية الزمن تشي بعدا عميق الدلالة لحالة التأرجح في دوامة حياة توحي لاستمرار معاناة حسية بتدفق تلقائي للمشاعر، وتوظيف استعاري بليغ لرموز مادية من الطبيعة لإيحاءات معنوية التشبيه باستعارات متضادة (النار والصقيع) كذلك توليف السمة الحسية برمز صوفي مادي نسجة فنية متمازجة البينية مع( رجفة النار)، وباستثمار سمة اللهب بحركته التذبذبية إيحاء دلالي لقوة انفعال عاطفي محتد وحركية زمن، وتكملة الصورة بواو عاطفة ب( وحمى صقيع) نقيضين متآلفة بتقنية وخبرة بارعة لتوليف المتضاد بمقاربة دلالية مرهفة الشعور، قوية الإشارة، لتبيان مستويات التأثر الوجداني برؤى الشاعرة وتمرير انفعال المشاعر المتسببة زمكانيا من وجع الأحاسيس، إحالة تأويلية بدلالة نفسية لمعاناة عاطفية...

ونستمر مع بينية الشعور في الصورة البديعة التالية...

بين رقصٍ على موج وعود

من تكرار(بين) تأكيد نغمي لزمن مستمر، تعصف بمشاعر امرأة جلية الانوثة بلسان ارهقه الاحتجاج، مقاربة تشبيهيه للتأرجح باحترافية رائعة ممسكة بتمهيد الجواب تزحلقنا على الأسباب، متمثلة بالانزياح التركيبي والدلالي الباذخ الشفافية،فما زال رمز التأرجح يقض الشعور بذبذبة أهواء الحبيب،استخدام رمزية الرقص استعارة لبيبة،حركية الإيقاع مختزلة الزمان والمكان بطاقة وافرة الأحاسيس استخدام رمز الفرح (الرقص) ملتفع الحزن، تشبيه جوهري مراوغ ولاذع، خلاله نستذكر مثل معبر عن وجع المعاناة ( الطير يرقص مذبوحا من الألم)،فأي وجع يكون؟...

وتشبيه استعاري آخر لرمز من الطبيعة متأرجح الاتجاهات،هو (الموج) إيحاء تجريدي للدلالة عن حركة التأرجح بسيمائية الزمكان وتغير مستمر بين مد وجزر شعور تخمر في اللاوعي أرهق نفسية المرأة بوعود خاوية، فأي ابداع رُسم بعنفوان الشعور، وشعرية استعارة تضاد لكل مفردة برمزية دلالية موحية، فنستقرأ اشارات دلالية انيقة التعبير بحس أنساني تجسد مدى التوجع بغائر الأحاسيس، احالة تأويلية عن فقدان السكينة الوجدانية بشحوب الود...

ومن ثم يستمر صوت التأرجح معطوف بسؤال معاتب لاستكمال الوصف لحالة التوتر الحسي كما في...

واختباءٍ في لون ورود

صورة شعرية تعيدنا لثريا العنوان تثبت جدارة وإتقان ترابط العنونة بكيان النص، ومنه تستكمل أوجه العذاب بكتمان أحاسيس الوجل والخجل بدلالة معاناة التأرجح النفسي والحسي بذات مرغمة اجتماعيا،، فلما يستدعي الاختباء بلون الورد؟، علامة استعارية معنوية الاشارة عن ملامح الخجل بأنسنة كيان طبيعة ببيان تشبيه،اذن بما يمكن تأويله ان دلالة الكتمان هو استحياء من خيبة شعور مجروح انسانيا،، يوحي لدلالة نفسية تنتهج الحذر أو الخوف من مواجهة حقائق عارية محظور تداولها، والتكتم على سلوك الآخر بأعراف العادات والتقاليد،إحالة تأويلية لاحتكار معظم شؤون وخصوصية المرأة ...

ثم يتكرر صوت الحواس بهدوء ما زال معاتب نستبصره من قطاف الصورة الشعرية التالية ...

أرأيتَ الوجَلَ في عيون الظباء؟

بصوت حسي رقيق الهمس نلاحظ بنية الماضي الصورية في (أرأيتَ الوجَلَ ) تربو أسباب دلالات مرمزة لتفسر ابستمولوجيا التأرجح بتكرار منطقي نستنتجه من شاهد ملموس ويقين رؤية من الفعل (أرأيت) فعل حسي تأكيد دلالي باستمرار استفهام بعدة عتبات على مستوى التكثيف يضفي اتساع دلالي برؤية شعورية لتقييم الذات المجروحة، ما يومئ لجدلية الخوف المستمرة تحت وطأة التسلط بعدة أساليب نفسية بتقادم الزمن...

 

تبدو سيميائية الذعر بما يرتسم في العيون، النظر للشيء بتماس مباشر مع النصف الآخر رؤية بالعين المجردة، والرؤية هو ما ينقل عبر العصب البصري دلالة على مدى التماس الزمكاني، فتحدث ردود الأفعال مباشرة،ونستشف من حرف الألف(أ)لرسم طبوغرافية الارتجاف بطاقة صوت المفردة ذبذبات نفسية الإيقاع لحاسة النطق يضفي نغمة حسية مع حاسة البصر، فلنستمتع بإيقاع الحواس بدلالة الباطن، إحالة دلالية بأهمية تأكيد أهمية الحواس لتفسير التدفق الانفعالي، فالعيون رمز استعاري لترجمة اعماق الأحاسيس ....

نلاحظ ترامي رمز التأرجح بتكرار معجمية (الوجل) في سياق النص التي تسترجع حسيتها من العنوان يبدو ايقاعها الداخلي نغمات تأثير الشعور بقيده المنهك والذي يرسم هالة الفزع النفسي فتفر المرأة لخلجات الصمت أسلم حلول، وما يخفى من دلالة نستكشفها من تكملة الصورة الشعرية بتساؤل ذهني لما تخاف الضباء، ومِمن ؟، نرى تشكيل البنية انزياحات استبدالية رائعة التشبيه لوصف الأنثى بجمال طبيعي متوهج، فالظباء رمز بليغ الاستعارة رائع البيان ...

فلنستكمل الرؤى من ابستمولوجيا رمز التأرجح في جدلية الزمكان من الصورة الشعرية الآتية ...

(حيرة النسيم بين تناغم أغصان وتشابك أشواك؟!)

نلاحظ استعارات موحية للمرأة بتشبيه حريري الدلالة بتكوينها الفسلجي، إشارة شعورية لرمز الحيرة،وما يلتمع منها ملامح التردد العاطفي تشي بدلالة غائرة للتأني والصبر رغم وجع التأرجح، ومن البعد الظاهري لمعجمية (النسيم) رياح الربيع المنعشة للروح والنفس بدلالتها الزمنية، مقاربة تقنية الاستعارة بتشبيه رمزي للطبيعة الفيزيائية للمرأة،تشكيل لغة رشيقة السمات، بشاعرية الاقتناء لأدوات رائعة التعبير بما يلائم طبيعة المرأة برهافة عاطفتها الحميمية وقدرة احتمال لمجابهة قسوة الحياة وتأثيراتها ...

تتجلى بينية زمن مترادف الدلالة في الصورة الشعرية (تناغم أغصان وتشابك أشواك)، بما يراودها من اعصار انساني يدين التلاعب الحسي بعاطفتها تحيلنا لدلالة الشعور بالغربة، نستدل من تضادية تناوب نستبصره من الأفعال المضارعة الموحية بالاستمرار المستقبلي (تناغم وتشابك)...

وبوحدات طبيعية التضاد تحقق التزاوج الدلالي المكاني ببلاغة استعارية بين رموز الطراوة واليباس في( أغصان، أشواك)، نلاحظ جمال الانزياح الدلالي والتناغم الزمكاني واستعارات مترفة الروعة يزيح لأبستمولوجيا التأرجح بتلميح مقتدر، إحالة تأويلية لعدم الاستقرار العاطفي ...

ولننحو لخلجان أنات قسرية بتعابير حسية من حشايا ذات أنثى تستبصر مواجع بنات جنسها أثر تجارب الحياة تجسدها بفلسفة شعرية خصبة الرؤى بدلالات مكثفة الإيحاء نستشفه من القطاف التالي ...

(هل تنسّمتَ لحناً جنوبيّ الشجَنْ؟)

تساؤل واستفهام بنزعة عتاب رومانسي الملامح، قائمة على توجيه الخطاب لغائب يفرض حضوره من خلجات متباينة لكيان وجود مرتسمة استفسار بلواعج الأحزان استرجاعا لصورة ذهنية، وتكرار صيغة السؤال ب(هل) الاستفهامية يلحقها فعل حسي يدل على الشم (تنسمتَ) وما يضفي على الروح من صوفية انتعاش لبقية الحواس، توظيف عميق الدلالة، وتقنية التفاف ادبي، استبدلت السمع بالشم كأداة تعبيرية لحالة شعورية، تلفت القارئ لبيان صيغة تبادل الحواس، نلاحظ تكثيف التَمَوج الصوتي بتناغم تعدد الحواس ...

ثم توظيف رموز التراث برؤى عصرية أيديولوجيا حداثة،وكما يذكر الاستاذ محمد شنيشل الربيعي في كتابه حكيم اوروك " ان حوار الكاتب مع مفتعلات عالم الصورة يُسَهِل في انضاج إخراجها "، فيبدو من رؤى الشاعرة الانتقاء الفكري بمقاربة حوارية مع الحبيب، باستعارة رمز تراثي في (لحن جنوبيّ الشجَنْ؟)، وعلامة شعرية تختزل دلالات الزمكان،بسيمائية صوت فلكلور متميز بجمال اللهجة المحلية أو الشعبية، ينعش الذكريات بتذوق الخاطر، التفاتة جدية موغلة الروعة بعيدة الدلالة لربط الماضي بالحاضر تنم عن خبرة ابداعية الرؤى للشاعرة الركابي بانتماء أصيل،تبدو لنا سمات التأرجح ابستمولوجيا التأثر النفسي، إحالة لدلالة تأويلية تلوح عن جفاء التواصل الاجتماعي ومشاركة طقوس ميول المرأة ...

وننحو برؤى الشاعرة افتراضات بصيغة احتمالية متعددة الأسباب،لمواجهة حتمية بما تترتب عليها من تبعية قرارات تلحقها نتائج لهذا التأرجح المتأزم تشحن مشاعر القرار بمناورة خطابية كما في ...

إن لم تراودك رموش نجوم نَعِسة

فلسفة حسية بأداة جزم ندركها من الفعل المضارع (إن لم تراودك) بخطاب موجه للآخر يشغل الحواس قلبا وعقلا، إيماءة رومانسية بوعي ضدي الدلالة بإلغاء مشاعر المرأة كإنسانة أو حتى مناقشتها عن همومها فتوظيف" رموش نجوم نعسة " تشبيه استعارة بأنسنة معنوية، إحالة تأويلية بدلائل حسية وفكرية ونفسية، توحي التمني ...

وصورة شعرية أخرى معطوفة على سابقتها بترابط نسقي متداخلة الأحاسيس بقوة التأثر تستكمل انسيابية الإيقاع، بتوظيف مقتدر الصيغة فني التشكيل وجمال إيحاء تجذب تأمل المتلقي فلنتابعها ...

ولا ترنّحَ الليل في سهادكَ

من الفعل" ولا ترنّحَ " علامة النهي دلالة لجفاء مشاعر الآخر، بشاعرية محتدة مشحونة بحكمة اجتماعية، فالحب والعشق يجعل الشخص معنويا بتأجيج حسي طرب سينمائية الترنح هي طبوغرافية مشاعر فطرية، تشي بهيام العاشق فالليل ذكرى المحبين وتأجج عواطفهم، فتبدو بلاغة الاستعارة، يتجلى الانزياح التركيبي والدلالي للقارئ من التشبيه للمرأة برموز من الطبيعة في أنسنة الليل بترنحه وسهاده، إحالة تأويلية واضحة الدلالة بتهمة جمود مشاعر الآخر نستشعره من الجزم تأكيد يومئ لاحتجاج انفعالي مضني ...

وحين نكمل الصور الشعرية التالية ...

فأنت

من الضمير (فأنت) اشارة للكناية عن الحبيب لأثبات توجيه الحوار وتأكيد الخطاب بلهجة قوية التعليل تشي بذات فاعلة بجدية التفكر ولمعة جواب بما ستخبر رفيق الحياة، لذا سترتب بالتعاقب عدة نتائج حسية نستقرؤها من الآن في ...

لا رأيتني ولا

رغم تقريرية التعبير إلا أنه استوجبت الرؤى كردود حسية لإرضاء الذات الأنثوية وحتمية ما يتطلبه اكمال السرد بإبداع، فتوظيف تكرار (لا) اعتداد نفسي جازم لحسم اشكالية التأرجح بإصرار، نرى مؤكَد اعتراضي يشي بالنفي والتصريح، يتبادر لذهننا اختلاف نغمية صوت الذات العاتبة بهدوء حميم إلى صوت الذات المتمردة، بتراكم الأسباب وتراتب النتائج، فتهيء مناخ الدهشة للقارئ بمفاجأة ثورة انثوية ضد إهمال المشاعر وكل ما تستحقه من خصال الإنسانية بمواربة فائقة الجمال،إحالة تأويلية عن التوافق الحسي والفكري بحسم القرار بتصالح الذات مع القلب والعقل، نستشف سمة رمز التأرجح ببستومولجية نضوج الفكرة...

وبفلسفة شعرية عابقة بالأنوثة تتدفق احساسا في الصورة الفنية الفاعلية الاحتجاج بعد النفي السابق بامتداد آخر في سمعتَ عطر تنهّدي

صورة شعرية مركبة الاحاسيس مكثفة ببراعة لغة غير معيارية باستعارات حسية الدلالة،وانزياح مركب اختزل عمل ثلاث حواس " السمع الأذن، العطر مشموم الأنف، والتنهد من الفم " دوال محملة من واقع جميع الحواس بدلالة مجترحة توحي بنتائج رمز التأرجح فتستقر في عمق الذات بوعي ناضج وتنحدر في اللاوعي متراكمة الاستنتاج ...

ما زلنا على أوج فرضيات فلسفة أنثوية اللغة عميقة الأحاسيس معتقة بالمعاناة وسرد ايحائي التصوير، فلنتابع ماذا ستقرر بصحوة نافرة لولادة جديدة بعد سيكولوجية التأرجح باندلاع لغة خطاب التحدي في الأمر التالي...

إطوِ ما لم تكتبه

توظيف مخاتل ببراعة لغة رافضة سمة التأرجح،فماذا يطوي رفيق العمر أو الحبيب وهو من أهمل كينونة وجودها وأصول نشوئها، هل ستستمر معه..؟ فلنرى ماذا ستخبرنا بتجربتها الشعورية ورؤياها الشعرية، بتعبير آمر يؤكده فعل الأمر(إطو)، إحالة تأويلية بدلالة مكثفة ولغة خبرية ببراعة تقنية، اختصرت سيرة حياة مشتركة لجدوى رحيل ونسيان قبل ان يخوض مساومة الرجوع، قرار حازم ليكف عن خضوعها لدراما فوضوية الفكر والتزام متشظي بعقدة الذكورة؟...

وبدفقات خاتمة شاعرية الوجدان لأحاسيس إنسانية وما يترتب على التغاضي عنها، نرى ما توهج من لحظة شعورية بحزم أنثى لأنهاء عمر الجروح العاطفية باستفتاح نفسي وحسي وفكري مثير ورائع التكثيف، بتشكيل فعل التمرد من حوارية الذات الآتية ...

أما أنا

نزعة تنبيه إنيوية عميقة التبصر مشحونة بالإصرار، ونقطة تحول واعي بتحدي مؤكد وحازم، لنتابع نتعرف على ما اتخذت من قرار ليتوقف زمن التأرجح النفسي ...

سأسكبُ جدائل ليلي على كتفي فراغ

صورة شعرية بانزياح مركب بإيحاء دلالي عن خلاصة تجربة لتفتح نافذة الخلاص بتحدي واضح فتصرح بالتخلي عن الحبيب، والرحيل للوحدة رغم الم الفراق، استعارات بليغة التعبير فنية البيان تشي بالتنحي عن كل سمات التأرجح، وجفاء تواصل غير مُقنع، احالة تأويلية عن استفزاز نفسي بمنحى تراجيدي فكثيرا ما يقال( أهون مما هي فيه)، والجمال الاستعاري في أنسنة الليل في ( جدائل ليلي )تعبير معنوي عن تفضيل الوحدة، وما أروعه من تعبير أنثوي عذب بقوة التلميح عن غصة الألم،كما نستشف من رمز (الفراغ) بيان تشبيه لعدم جدوى وجوده بحياتها سيان غيابه وحضوره، وتستمر القرارات الثورية فلنتابع نتائج الأسباب السابقة للتأرجح ...

أكفكفُ صرير الأوهام

تظهر غمامة الحزن من الفعل (أكفكف) فعل يفيد التكرار،دلالة حسية لتناسى الماضي تمسح ما ترسب من آلام وخيبات،وكأنما تقول لألملم أشلاء نفسي، حتى تشير الى بلاغة ما تبعثر منها من مشاعر وما ضاع الكثير من انسانيتها، فتستجمع ما تبقى من كيانها، ونسق نغمي آخر للحواس حسي السمع هو (الصرير) صوت احتكاك مزعج تشبيه استعاري لدلالة توحي لعدم الارتياح لفوضى العذاب،واثبات خطأ التجربة تشبهها بالأوهام والفعل أكفكف للدموع والألم والجراح والوجع، أحالة متكاملة التعبير مكثفة الدلالة إشارة موحية لصراع الذات...

ونتابع ترابط نتائج أسباب سيميائية رمز التأرجح بقرارات من،

أرتقُ ألف بوح استفهام

تبدو لغة الحواس بصوت متعدد بتكثيف مشترك لحاستي اليد والفم تشي بعمق التوجع ومعجمية الرقم (ألف) رمز التعدد والتكرار الكثير توحي لغرض الشفاء من هذا التأرجح ...

وبشفافية امرأة تتردد باتخاذ القرار نوازع مختمرة ذاتيا بعد توخي الصبر لتجزم قرارها لمرحلة مواجهة مجتمع تقف بمنتصف الطريق نستدلها من المجاز التالي محتارةٌ في انتظار فجركَ …

نستشف من سيميائية الحيرة رؤية دلالية مواربة للمراجعة والتأني لمعاينة تنظيرية للتمحص النفسي والفكري، لترجيح الخطى بين الذات والعام، والخطأ والصواب، فتتصدى لنفسها بقرار الانتظار، مما يوحي لزمن كوني غير معلوم بتصاعد شعور الذات الواعية كرهان مؤثر لإرادة ورغبة لا تنفصل عن مشاعرها بمسؤولية شخصية فتعاود النظر بتقليب القرار، ايضا يرتد علينا ايحاء رمز التأرجح ونمسك زمامه بإحالة تأويلية لتردد خلجات النفس الانفعالية...

وبخاتمة استفهام زمني واستغراب مقيد بالاستحالة والممكن يبدو في الصورة الشعرية التالية ...

تُرى متى تُشقشقُ الأنوار…؟!

اتقد التساؤل بمدى استفهامي مفتوح الزمن (متى) بمنحى استطلاعي للتغير بدلالة رمز استعاري (الأنوار) احالة لأمل إنبعاث جديد يشي بتنور فكري، كذلك بباطن معجمية التشقشق بداية الفجر يومئ لشروق ضوء المعرفة الإنسانية من الأنا للمطلق، وما تُرك من بياض باستفهام لوقفة تأمل القارئ ليضيف ماهية رؤاه بتأويله وتحليله ...

خاتمة:

لنلقي الضوء على ابستمولوجيا رمز التأرجح ودلالات الإيحاء التي اعتلت النص، وطغت على نسقية الاسلوب بسلسلة مشاعر إنسانية بتوالد يرتشح من ذاتية موضوع لمَعين مركزية الخطاب، متزحلق من أول عتبة لآخر دفقات الختام ..متواري ..مترائي، بجمال كيان النص، تكتشفه مجسات رؤى القارئ المعرفية بفلسفة دلالات فكرية من معترك المنطق أو حسية تجريبية التوقع،افتراضي الإيماءة، يذكر الدكتور غالي شكري (ايديولوجية الشاعر الحديث تنبع أساسا من إحساسه الذاتي بالقضايا الكيانية الكبرى،لذلك فهو لا ينحصر في أطر سياسية او اجتماعية او اقتصادية وانما يكتسب ايديولوجية في الإطار الحضاري الشامل لمأساة الإنسان)*1، بادلجة الحداثة لقصيدة النثر باختلاف المسميات، يبدو صدق الحالة الشعورية للشاعرة بشعرية ديناميكية التشكيل محكمة النسجة بجمال فنية المضمون، برسالة حتمية الاعتراف بإنسانية المرأة طوبوغرافية نوع من نفس واحدة كما ذكر في القرآن الكريم من سورة الشمس (ونفس وما سواها)، كإنسان بطيف رقة الخلق ورهافة عاطفة، برؤية الشاعرة سجال لقضية انسانية مهمة ابدعت التصوير بابتكار لون الرؤى وأُطر التأمل

 

بحث وقراءة إنعام كمونة

............................

1/ شعرنا الحديث ..الى اين ص 256/ ظواهر التشكيل ورؤى الشعر العراقي الحديث،

 

 

وسام عبدالعظيم عباسفكرت كثيراً وانا متجه الى العرض المسرحي، (الراديو) اخراج محمد حسين حبيب وتأليف كين تسارو-ويوا، الذي قُدم في جامعة بابل كلية الفنون الجميلة بتاريخ 1/6/2021، وقلت ماذا سيقدم العرض من جديد والاستعارة الاسمية له كادت ان تنقرض، كيف سأتفاعل مع عرض مسرحي اسمه راديو، ازاء التطور التكنولوجي الفائق ومغرياته المتاحة في متناول اليد كالسينما وما تعرضه من اعمال عالمية،  فضلاً  عن مغريات الصورة البصرية للعروض الاستعراضية واشكالها الماتعة التي ترتكز على التقنيات الرقمية والاضاءة الليزرية، بالإضافة الى الالعاب التفاعلية التي هي  في كثير من الاحيان اكثر ابهاراً مما يُقدم في عديد من العروض المسرحية، وما عزز في خاطري هذه الفرضية، تَصَوري ان اغلب شخصيات العرض تنتمي لإيقاع جيل السبعينات، الذي لا ينسجم كثيراً مع الجيل المعاصر والمزاج الذي يعيش فيه، فتبادر في ذهني، واذهان ممن يفكرون بطريقتي، اننا سنشاهد عرضاً تعليمياً / تربوياً/ مدرسياً بامتياز، وهذا ما لا يمكن ان يقدم لنا المتعة او الإشباع الخيالي بوصفه قائم على وظيفة معينة، بالإضافة الى ان اغلب الممثلين في العرض هم من الذين لديهم خبرة في مجال المسرح المدرسي ومتضلعين فيه، فافترضت ان اشتغالاتهم السابقة ستتمظهر في الراديو، وكل المعطيات تؤكد هذه الفرضية، ابتداءً من تصميم بوستر العرض الذي يُشير صراحة لصورة الراديو/ المذياع هو نفسه لا لشيء اخر يمكن ان يكسر افق توقعي، بقي هذا التصور حتى لحظة دخول القاعة وما زاد على ذلك؛ واقعية الصورة الاولية للعرض  والمباشرة المقدمة على الخشبة من خلال بعض الادوات والاكسسوارات التي تظهر، كون الستارة لم تفصل بين الخشبة والصالة، فهي مفتوحة منذ البداية، فضلاً عما يعلنه المخرج في شاخصة العرض، ان مدة العرض ستين دقيقه، قلت في نفسي يا له من عذاب .

بدأ العرض بمشهد استهلال عَرفَ من خلاله المخرج، طبيعة شخصياته التي ستُدير دفة العرض، وكَشَفها لنا مرة واحدة، فتنوعت بين البائع (حسنين الملا) والموظف (علي التويجري )، وصاحب الدار(مهند بربن)، والنزلاء الذي فيه (احمد عباس، ومحمد حسين حبيب)، ثم يستمر العرض ليكشف عن شخصيتين رئيسيتين/ النزلاء، امتازت صفاتهم بالكسل والملل والفقر، وعدم الارادة، فهما نموذج للإنسان المتقاعس العاجز عن مجابهة المجتمع والانخراط فيه، تدور احداث العمل في غرفة تنقصها جملة من مقومات العيش الكريم، ليس لديهم ما يفعلوه سوى ان يقضوا الساعات من اليوم في نقاشات لا طائل منها يختلفوا في بعضها و يتفقوا في الاخر ليس  عن قناعة انتجها الحوار انما لمصالح خاصة، وهكذا تنتهي لديهم الايام، ويتهربوا نهاية الشهر من صاحب الايجار باستخدامهم شتى انواع الكذب والخديعة  والاحتيال.

2512 راديو 1

على الصعيد الفني لجماليات العرض امتازت الصورة البصرية بمنطقتين الاولى اشبه بمنصة مرتفعة عن خشبة المسرح تتوسطها شخصية مستمعة للأحداث عبر الراديو، قدمها (علي العميدي) التي ظهرت منذ الوهلة الاولى للعرض حتى نهايته، ما يحسب لصانعها ان هذا التشكيل اعطى شكلاً بصرياً مغايراً عزز من تأثيث فضاء العرض،  وما يحسب عليه عدم توظيفها بشكل فاعل، اذ بقيت اشبه بالصورة الثابتة طوال فترة العرض ولم يتم تفعيلها والممثل الذي فيها الا في حركة بسيطة تُشير الى تغير موجة الراديو وهي غير كافية، وقد كان بالإمكان ان تتداخل مع القسم الاخر على خشبة المسرح عبر تعليقه على الاحداث سلباً او ايجاباً، او تفعيل ادائه مع الراديو بوصفه ناقلاً لحركة النزلاء وما يحدث معهم وهذا بطبيعته يمكن ان يزيد من فاعلية الصورة البصرية للعرض .

والقسم الاخر هو المنطقة الثانية على الخشبة بوصفها غرفة للنزلاء، جاء تأسيس المكان والصورة الاخراجية فيه بشكل اعتمد الواقعية في منطلقاته وكل ما قُدم فيها بصورة واقعية بدءاً من الازياء الى الديكور والاكسسوارت، اذ تم توظيف السرير/ المنضدة/ المغلاة/ الراديو /الشاي/ الاكواب وتدور الاحداث وكأنك تسمع النص لا ان تشاهده ما اعطى الحيز الاكبر للمنطوق على حساب الصورة البصرية للعرض،  ولعل الغاية من تقديم العرض بشكله الواقعي هو لان المخرج مدرس لمادة الاخراج في الكلية، اذ اراد ان يبين لطلبته والمشتغلين في المسرح ان العرض يمكن ان يُقدم بشكل واقعي بالاعتماد على حرفية المخرج ومهاراته رغم كل ما للتقنية من ابهار جعل من البعض يتصور انها اطاحت او يمكن ان تطيح بالعرض المسرحي الذي يعتمد على تقنيات الممثل الاعتيادية وتقنيات المسرح التقليدية، اذ اثبت مخرج العرض ان المسرح يمكن ان يُقَدَم بواقعية رغم العصف التكنولوجي الذي اعاد صياغة الفنون بمجملها، وما يحسب له ولـكادره الدرجة العالية من الاتقان والاهتمام بأدق التفاصيل على خشبة المسرح، اذ سار كل شيء بانتظام وانضباط عال، رغم كثرة التفاصيل التي يستخدمها الممثلين، الا ان كل شيء تم توظيفه بشكل منسجم مع الشكل العام للصورة البصرية وحركة الممثلين فيها، وما زاد من فاعلية العرض هو الترابط الوثيق بين اجزاءه الذي جعل من ايقاعه متدفقاً لم يسمح لاذهاننا كمتفرجين ان تغادر ولو لثوان خارج ما يحدث في الخشبة على مدى ستين دقيقة وهذا ما لا يتحقق بسهولة الا اذا كان للعرض منطق يساعدنا على متابعة احداثه وتفسيرها لان متعة المسرح مركبة تحدث نتاج المزج بين المراقبة والتفكير والانفعال، والتسلية،استمرت وتيرة العرض بالتزايد رغم اعتماد الممثلين على تقنياتهم الاعتيادية وما متاح من اكسسوارات دون اي معززات رقمية سانده. و ان الحركة المنضبطة للممثلين وتعاملهم مع مكونات العرض التقنية وترابط اجزاء المَشْاهد مع بعظها والشخصيات جعل من العرض يسعى الى تحقيق الهدف الاعلى وخط الفعل المتصل الذي نادى به المخرج الروسي الكسي بوبوف عبر تحقيق السمترية والترابط المنسجم بين الممثلين ومكونات العرض

2512 راديو 2

اما المنظومة الادائية للممثلين فلها الكفة الاكبر من جماليات العرض، وقد فاقت عمل المخرج في انشاء الصورة البصرية اذ امتازت الشخصيات بتنوع ادائي لافت، واجتهاد واضح في مجمل الشخصيات المقدمة، لا سيما شخصية (الآلي) التي مثلها (احمد عباس) ولشدة أدائه المتدفق اعاد في ذاكرتي تساؤلاً فحواه ماذا يفعل الممثل حتى يصل الى جماليات الاداء وذروته؟، ماذا يفعل الممثل في لحظات التجلي الذي تجعلنا كمتفرجين نشعر بتلك النشوة ونتفاعل مع ادائه؟ اذ قدم جملة من الاداءات المختلفة في آن واحد، كان جائعاً فأشعرنا بصراع احشاء معدته، صار ثملاً زكم انوفنا برائحة الخمر، ثم اميراً ليغمرنا برهبة الحكام وعظمتهم، فضلاً عن صمته المدقع الذي نقلنا الى عوالم خارج فضاء العرض لحظة اكتشافه اقرب الناس اليه (باسي) يمارس الحيلة والكذب والخديعة حينما انتحل صفة رسمية غير صفته وخدع الاخر بها، فجاء ادائه اشبه بالعصف الذهني الذي جعل من صمته كلام منطوق . ومن خلال مشاهدتي لـ (احمد عباس) بوصفه ممثلاً ازعم ان هذه الجماليات جاءت نتاج جملة من الفواعل:

1- الدقة في تفعيل تقنياته الصوتية والجسدية بشكل مهاري عال، وهذا تبلور نتيجة للخبرة المتراكمة و التمرين المستمر للممثل .

2- الجهد الادائي الواضح في تحقيق تطابق الفعل الداخلي مع الفعل الخارجي للشخصية .

3- الوعي في العمل مع نفسة بوصفه (احمد) ومع الشخصية التي مثلها (الآلي) وجعل مسافة بينهما .

4- تطابق الفعل الادائي لمهاراته العقلية وخياله وانفعالاته، مع الفعل الخارجي للجسد .

اما اداء الممثل (محمد حسين حبيب) فانه وْسِم بالاستراخاء العال والتلقائية في الفعل ورد الفعل، ورغم ما لهذه الصفات من اهمية في الاداء الا انها اوقعته في مطب اخر، اذ انه لم يعطي للشخصية التي مثلها نمطاً معين او سلوكاً خاصاً بها كما فعل اقرانه الممثلين في الشخصيات الاخرى من العمل ذاته، فضلت شخصيته دون ملامح واضحة، ولشدة استرخائه غالباً ما كان ينقل حركاته اليومية الاعتيادية المألوفة نفسها على خشبة المسرح، كظرب كلا يديه مع بعظهما (وهي تصفيقةٌ واحده)  في اطراف الاصابع وقد تكررت لأكثر من مره دون تبرير واضح، فضلاً عن ايقاع شخصيته الذي لم يكن ينساق بوتيرة منتظمة، فتمظهر ذلك من خلال جملة من الحركات التي تم رصدها، عبر وضع يديه في جيوب بنطاله، وتارة اخرى يلفها على ذراعيه وكانه حائراً بها، ما اعطى انطباعاً غير راكز عن شخصيته، كما بان جلياً عدم اعتماده هيئة واضحة للشخصية التي مثلها في مشهد الرقص الذي قدمه، فاذا افترضنا ان هذا الاداء للشخصية العفوية التي فيها شيء من شخصية الممثل (محمد حسين حبيب) فهي غير منسجمة مع هيئته وعمره، لذا كان الاجدر ان يرسم ملامح واضحة لشخصية (باسي) وخطاً يتفرد به عن شخصيته كممثل، وربما يعود السبب في ذلك للوظيفتين المناطة به (المخرج و الممثل)  الذي يؤديهما في آن واحده اما على صعيد اداءه الصوتي فقد امتاز بالقوة والوضوح والثبات.

فيما جاءت شخصية صاحب الدار التي قدمها الممثل (مهند بربن) بوصفه سانداً للحدث الرئيس داخل العرض، فقد ساقنا معه ببراعة وحرفة وجعلنا نعتقد انه ثملٌ حقاً، لكن سرعان ما كسر خط فعل الشخصية بمخاطبته لمنفذ التقنيات عبر اعتماده تقنيات الاداء الملحمي، فتحول من ذلك الشخص الثمل الى الشخصية الواعية الراكزه التي وجهت خطابها عبر اللاقص الصوتي بنبر شجي ليكسر التماهي الذي قد يصل بين الشخصية والمتفرجين .

وقد سار على النهج ذاته شخصية رجل الامن الذي جسدها الممثل (علي التويجري) ولا يؤخذ على ادائه الا في مشهد التوسل لشخصية الضابط التي انتحلها (باسي) من خلال كثرة التوسل وطلب العفو (ارجوك يا سيدي ... سامحني ياسيدي) فقد تكررت مراراً وكأن هناك ضعف في بنية النص لم يتم تداركها من قبل الممثل او المخرج، وقد كان بالإمكان تعضيد المشهد بحوارات اخرى . وكذا الحال بالنسبة لشخصية البائع الذي قدمها (حسنين الملا) بوصفها ساندة للشخصيتين الرئيسة في العرض، فقد كان لهم الفضل في تعزيز ايقاع العرض وتنوعه .

اما على صعيد التنفيذ التقني للإضاءة والصوت فقد وفْقَ كل من (علي عادل) و(علي المطيري) بالتنفيذ المنضبط الذي سار مع ايقاع الممثلين والشكل البصري للعرض .

وان ازدياد وتيرة ايقاع (الراديو) وتماسكه  طوال الستين دقيقة  بعرض امتازت خصائصه الادائية والبصرية (بالواقعية) هو الذي عزز الاعتقاد بان الراديو يمكن ان يلتحق بالتطور التكنولوجي الفائق.

 

د. وسام عبد العظيم عباس

 

 

عبير خالد يحيىدراسة ذرائعية مستقطعة في قصائد للشاعر العراقي وليد جاسم الزبيدي من ديوان مرايا الورد

مقدمة: مما لا شكّ فيه إطلاقًا أن هناك علاقة وثيقة ومحكمة بحتمية التأثير والتأثّر بين الفنون جميعها بالعموم، ومنها الأدب بالخصوص، وبين المجتمع، فالتطوّر الذي يشهده أي مجتمع، وعلى أي مستوى كان، اجتماعيًّا أم سياسيًّا أم اقتصاديًّا أو ثقافيًّا، يرتكس له الأدب، ويتطوّع ليكون أداةً ومؤشّرًا ومقياسًا يقيس هذا تطوّر، وبالأخصّ التطوّر الاجتماعي الذي تدفعه عجلة الحداثة ليحتلّ صدارة المشهد الحضاري والثقافي في أي مجتمع. لقد كان الشعر العربي سيد الأدب، وأول من وعى هذه الحقيقة، ولو بالفطرة بدايةً، تحت ذريعة أن الأدب انعكاس اجتماعي، فكان الشعر القريض، وكان شعراء القريض ينظمون قصائدَ كالمرايا، تعكس صور مجتمعهم وحياتهم الاجتماعية كما هي، فتأتي قصائدهم مباشرة، تشرح المحيط الاجتماعي والبيئة الطبيعية والقضايا المحدودة شرحًا مباشرًا بعيدًا عن الترميز والعمق، فقط منزاحة نحو الجمال، بأغراض شعرية معدودة، لاتتجاوز الذمّ والمدح والغزل والفخر والرثاء.

لقد شهد القرن العشرين تطوّرًا اجتماعيًّا كبيرًا على المستوى الكوني، ولم يكن المجتمع العربي بمنأى عن هذا المدّ الحضاري ولا عن هذا التطوّر الاجتماعي، الذي تعقّد فيه المجتمع تحت ضغط التطوّر العلمي والثقافي والتكنولوجي في جميع ساحات الحياة وزواياها العلمية والاجتماعية والأدبية وغيرها، وهذا التطور بدوره خلق محيطات وبيئات مختلفة لا تمتّ بصلة للبيئة التاريخية التي سبقت، بمعنى أن كل حقبة من الزمن لها بيئة أدبية ومحيط أدبي جديد، لذلك يقف الأدب مرآة عاكسة للبيئة الآنية مثلما كان للبيئات السابقة، مستجيبًا لضرورات الدعوة إلى مواكبة التطوّر الاجتماعي من جهة، ومتأثّرًا بمحمولات الذراع الثقافي لأخطبوط الحداثة الغربية من جهة أخرى، ما دفع الكثير من الشعراء العرب المعاصرين للدعوة الملحّة إلى حرية الشعر، وانعتاقه من كل ما يمكن أن يقيّد مضامينه، سواء كانت الأوزان الشعرية أم الأغراض الشعرية المعتادة، ليكون الشعر حرًّا، كفوءًا وجديرًا بمهمّة نقد المجتمع، فتقتضي حرية الشعر  الالتصاق بقضايا المجتمع طبقًا لتطور البوصلة الاجتماعية واتجاهها نحو الأدب كبديل للصحافة التي تركت موقعها كسلطة رابعة ساندة للمجتمع، فتقدّم الأدب خطوة للأمام لاحتلال موقعه في الريادة، ليكون عرّابًا للمجتمع، وهذه المكانة تفتح للأدب أبوابًا تفرض ظهور أغراضٍ جديدة تمكّنه من القيام بمهام تلك العرابة، وهذه الأغراض تتنوّع بتنوّع قضايا المجتمع المتعلقة بالتطوّر والعصرنة الآنية في جميع جوانبه السلبية والإيجابية، ولو ضربنا مثلًا عمّا قلنا، سنجد الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي،وهو شاعر يكتب القريض، يدعو لأن يكون في الشعر غرض اجتماعي حر، هدفه متابعة إرهاصات المجتمع، في قصيدة شهيرة له يتناول موضوع حجاب المرأة، بحريّة الرأي الفكري والفلسفي الخاص به يدعو المرأة العراقية إلى نزع الحجاب، بأسلوب راديكالي:

مزّقي يا ابنة العراق الحجابا    واسفري فالحياة تبغي انقلابا

مزقيه أو احرقيه بلا ريب        فقد كان حارسًا كذّابا

ما الغرض الشعري في هذه القصيدة؟

هل هو المدح؟ لا،

هل هو هجاء؟ لا،

هل هو رثاء؟ لا

غزل؟ لا ....

فهو ليس غرضًا من الأغراض التقليدية، هو غرض اجتماعي، دعوة لنقد اجتماعي، بغض النظر عن كون الدعوة سلبية. لأننا سنجد شعراء آخرين يستجيبون لنفس الدعوة ولكن بفكر أعمق، يتجاوز شكل الظاهرة الاجتماعية، متبصّرًا في أعماقها، ومحلّلًا تداعياتها، وهذا ما فعله الشاعر المصري حافظ ابراهيم في قصيدته المشهورة (الأم مدرسة) حيث تناول نفس الموضوع، حجاب المرأة،لكنه تناوله بالعمق، حجب المرأة عن العلم، وعن كل ما يصعد بها فكريًّا واجتماعيًّا وأخلاقيًّا، فجاءت دعوته متعقّلة، متطورة ورزينة، يقول:

الأم مدرسة إذا أعددتها    أعددت شعبًا طيب الأعراق

أنا لا أقول دعوا النساء سوافرا    بين الرجال يجلن في الأسواق

فإذًا، نستطيع أن نقول: إن شعراء القريض، ومع تطوّر المجتمع، كانوا أول من أحسّ بضيق الأغراض الشعرية التقليدية، فانبثق من هذا الضيق بوادر شعر جديد، بأغراض جديدة، وهذا المفهوم لحرية الشعر أيضًا، بعد أن انعكس بشكل متعلّق بالمضمون، ينعكس أيضًا بآخر، بالشكل الشعري، وبما أن النص الأدبي هو سباق بين الشكل والمضمون، نرى هذا السباق يستمر في بوتقة التطور الإنساني، لذلك ما عادت القافية ملزمة للشاعر، فقد خرج عنها نحو التفعيلة، ثمّ نحو الحرية الكاملة تحت ضغط المضمون على الشكل، فتنوّع الشعر الحر طبقًا لدرجة الحرية الماثلة فيه وبشكل نسبي: (قريض /قافية) مقيدة، (وسيط- تفعيلة/ موسيقى تفعيلة) حرية نسبية، (نثر /موسيقى داخلية) حرية كاملة.

في المجلد الثاني من الموسوعة الذرائعية، الموسوم ب / الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية / يميز المؤلف المنظّر الأستاذ عبد الرزاق عودة الغالبي في الشعر الحر المعاصر ثلاثة أنواع: الشعر الوسيط – شعر التفعيلة – وقصيدة النثر . يقول:

"الشعر الوسيط [1]: الشعر الحر هو تأثير غربي دخل الأدب العربي بدافع إذلال قصيدة القريض ومحوها من ذهن الإنسان العربي، وذلك محال، حيث جاء الرد عكسيًّا من شعرائنا حين نحتوا منه الشعر (الوسيط) بموسيقى خليلية، وتعبير غربي مليء بالانزياح نحو الخيال والرمز، فكان لونًا حداثيًّا جميلًا انبثق من سيّدته قصيدة القريض بشكل جميل ومبهر، وحلقة وصل بين القريض والحر المستورد، وتلك حركة عبقرية نابعة من الانزلاق الحيادي للرفض المجتمعي لساكني ذلك الزمن الجميل (منتصف القرن العشرين) الذي يتمسّك بالموروث ولا يرضى بديلًا عنه، ومن هؤلاء الشعراء شاكر السياب ونازك الملائكة، فكانوا عندها مختبئين تحت جلباب الحذر والخجل من أنهم أدخلوا شيئًا غريبًا للخيمة العربية المترعة بشموخ فراهيدي، لذلك جاءت أوزان قصائدهم (وسيطة) تميل نحو الأوزان الخليلية بتحفّظ شديد من تطبيق الحرية الكاملة والاتجاه المستعجل نحو التفعيلة بشكل كامل .... "

لقد أطلقت الذرائعية مصطلح (الشعر الوسيط السيابي) على الشعر الذي يركب موجة الشعر السيابي الذي يجمع بين موسيقى التفعيلة والمضامين المتعددة. وخروجه عن الأغراض الشعرية السلبية من مدح وهجاء وذم، وكسب مفهومًا ذرائعيًّا حين دخل المذاهب والمدارس الأدبية.

هذا النوع من الشعر الحر (الوسيط) والذي ساهم بتقريب الحرية للشعر القريض الذي استفاد منه كثيرًا فصار يلاحق المعنى بدرجة ملاحقته للموسيقى الخليلية وأكثر، والاستفادة الكبرى كانت بخروج الشعر القريض عن الأغراض الشعرية السلبية، وقبوله الانزياحات نحو الرمز والخيال، فصار عميقًا بعد هجره المباشرة التكوينية، مع بقائه متمسّكًا بالوزن والقافية.

في هذا النوع من الشعر، الوسيط السيابي، والتفعيلة، بالإضافة إلى قصيدة النثر كاملة الحرية، كتب الشاعر وليد جاسم الزبيدي ديوانه (مرايا الورد) الذي سنتناول بعض قصائده بالدراسة الذرائعية.

السيرة الأدبية للشاعر:

الاسم/ وليد جاسم الزبيدي، التولد/ العراق- بابل/ 1956م.

عضو اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق. / عضو رابطة الأدباء العرب/ عضو اتحاد المؤرخين العرب/ عضو رابطة المبدعين العراقيين/ عضو رابطة الأكاديميين العراقيين/ عضو الاتحاد الدولي للشعراء والأدباء

- خريج الجامعة المستنصرية/ كلية الإدارة والاقتصاد للعام الدراسي 1976/ 1977م.

بكالوريوس لغة عربية –جامعة بابل/ كلية التربية-قسم اللغة العربية للعام الدراسي 1999/ 2000م.

ماجستير تحقيق مخطوطات عربية/ جامعة الدول العربية/ معهد التاريخ العربي- للعام الدراسي 2005/2006م.

دكتوراه تراث فكري –جامعة الدول العربية/ معهد التاريخ العربي – للعام الدراسي 2008/2009م.

التخصص الدقيق: أدب عباسي.

الإصدارات:

ديوان خرافة المرايا- مكتبة الأدباء/ بابل سنة 1995م.

ديوان حصى الانتظار- مكتبة الأدباء/ بابل 1998م.

كتاب جمهرة الإسلام ذات النثر والنظام/ دراسة وتحقيق مخطوطة- دار الضياء للطباعة- النجف الأشرف سنة 2010م.

كتاب (ذاكرة المكان) دراسة اجتماعية، دار الضياء- النجف الأشرف سنة 2010م.

ديوان محارتي/ دار كنوز المعرفة/ الأردن سنة 2011م.

كتاب نقدي (أوراق ورأي)- دار كنوز المعرفة / الأردن 2012م.

كتاب (محمد مهدي البصير مؤرخًا) دار تموز-دمشق سنة 2013م.

ديوان (تغريدات نخلة)- المركز الثقافي بابل- القاهرة سنة 2014م.

كتاب نقدي (فانتازيا النص في كتابات وفاء عبد الرزاق)، تقديم: د. علي حسين عبد المجيد الزبيدي، دار العارف- بيروت سنة 2015م.

كتاب (كمامة الزهر وفريدة الدهر) – دراسة وتحقيق مخطوطة/ دار الميزان – النجف الأشرف/ سنة 2015م.

ديوان (أيقونات على مكتب الذاكرة) –عن المركز الثقافي بابل-دمشق- القاهرة سنة 2017م.

ديوان (مرايا الورد) –مؤسسة نجيب محفوظ- القاهرة / سنة 2017م.

دراسة نقدية (الظاهرة الأدونيسية بين الأصالة وآفاق الحداثة- دراسة في كتاب ديوان الشعر العربي-) دار السكرية/ القاهرة /2018م.

ديوان (أناشيد الرّائي)- دار السكرية/ القاهرة، 2019.

ديوان الظلّ ضوءاً- دار الفرات للثقافة والاعلام – العراق- 2020م.

كتاب نقدي(مرايا وأقنعة في السرد –في كتابات د.فاتحة مرشيد)- دار مقاربات- فاس/ المغرب/ 2020م.

كتب تحت الطبع:

-كتاب غزل المحبين، للشيخ مرعي المقدسي (ت1033هـ)، دراسة وتحقيق.

-كتاب الشراكسة ، للشيخ مرعي المقدسي، دراسة وتحقيق.

مستويات الدراسة الذرائعية

أولًا- المستوى البصري اللساني والجمالي:

المدخل اللساني:

نبدأ بدراسة الدلالات اللغوية التي يطرحها الشاعر في الديوان، لنقف على ثيمة كل قصيدة، وبعدها نحدّد ثيمة الشاعر واستراتيجيته وبؤرته الفكرية.

اخترت من الديوان عشر قصائد:

القصيدة الأولى:  بعنوان "اش زهرون " .

بالبداية سنتفق على حقيقة يقرّها النقّاد باختلاف مناهجهم، وبالأخص المنهج الذرائعي، وهي: إن العنوان هو الدلالة الأولى التي تعطينا بؤرة النص أو ثيمة القصيدة، فإذا أُدغِم العنوان يستقصي الناقد الثيمة في متن القصيدة نفسها، وهذا ما يفعله الشعراء الرمزيون، يقفلون العنوان فيكون (رمزًا مقفلًا) فتُقفَل الثيمة، ويصبح العنوان تجريدي Abstract مثل الفن التجريدي في الرسم تمامًا، حيث يقوم الفنان بتجريد اللوحة من الشكل الصُّوَري، ويعوّض فيها عن الشكل باللون فقط، فتُحلَّل اللوحة انطباعيًّا (المدرسة الانطباعية لقراءة وتحليل الفن التجريدي)، أي وفق نظرية الفن  للفن، وحين امتزج الأدب مع الفن بدأ الأدب يُقرَأ انطباعيًّا، أي وفق نظرية الأدب للأدب، والتي يُكتَب فيها الأدب بلغة أدبية غير خاضعة لشكل، يُكتَب فيها النص بالأسلوب الرمزي المقفل.

بالعودة إلى قصيدة " اش زهرون":

اش: لفظة سومرية تعني فعل أمر (اسكت)، وهي تدل على تكميم الأفواه.

زهرون: " هو زهرون الملا خضر بن بدران بن قارجار ال زهرون عمارة، والملقب ب (زهرون عمارة) صائغ فضة عراقي ولد في محافظة العمارة من الديانة الصابئة المندائية، عرفه تقريبًا كل أشراف وملوك العالم "[2]

" اش زهرون" عنوان أعطى البؤرة، أو ثيمة القصيدة، فاقتران توجيه الأمر بالسكوت لشخصية عراقية ممثّلة بشخصية علَم مشهورة يحيلنا إلى ثيمة سياسية. وهي ثيمة سنجدها مستمرة بدلالات كثيرة على امتداد هذه القصيدة السيابية الوسيطة، وسأشير إلى بعض تلك الدلالات بخط، حيث يبدأ الشاعر قصيدته بشعارات ثورة، تُطلِقُ لسانَ الشعب من عقال الخرس، وتقتلع خوفه من جور السلطان وسوط السجان:

إش .. إش

لا إش بعد اليوم

فالأخرس نطقْ

والخوف مزّق أغلاله

والصوت فِرَق

إيه .. زهرون ..!

تتفيأ بستان السلطان

والبستان ظلال ال (إش)

و(إش) سوط السجان

ويعرّج الشاعر على كل دروب وعيوب المجتمع، فينقد السياسة الاقتصادية والفساد الاقتصادي نتيجة سوء تطبيق النظام الاشتراكي من قبل الحزب الحاكم، بأسلوب الكوميديا السوداء، باستدعاء أرباب الاشتراكية (الروسي كارل ماركس- والألماني فريدريك إنجلز)، وما يمكن أن يفعلوه وهم يشاهدون نِتاج اشتراكيتهم في العراق، وكيف انعكست على حال الوطن والمواطن، فقرًا وتجويعًا وحربًا أهلية وتهجيرًا وتشريدًا:

لو .. (ماركس) يأتينا اليوم

لأخفى " رأس المال "

بجوارب " أنجلز "

لاستحيا خجلًا من هذا العصر

من التنظير

فلا تنظير، ولا تطهير، ولا تحريرْ

فالسوقُ اختلفتْ

والسَوقةُ والأرباب

إيه .. زهرون ..!

اختلفت فيك نظرياتُ:

الموت، والحرب الأهلية،والجوع

ورصيفٍ كان لك مسكن

تلغيه البلديةُ من خارطة التصميم

فأنت المتجاوزُ على حقوق

الأمم المتحدة

وحقوق الحيوان

في عولمة صارت هجرة

يلفظُنا الوطنُ فننزح

وبنفس الكوميديا السوداء، ينتقد الشخصية العراقية التي ما نمّا فيها الظلم الاجتماعي إلّا الممالأة والنفاق الثقافي، وركوب الموجة العريضة، وامتطاء الفكرة الرائجة، تُهلل، على السواء، لزعماء الاشتراكية السوفييتية والرأسمالية الأمريكية، وكلتاهما اغتصبت أمنها ومالها وكرامتها، وكأن هذه الشخصية مصابة نفسيًّا بـ(متلازمة ستكهولم)[3]، شخصية مزدوجة المعايير، تتقلّب بين الخير والشر،تارة تكورة شخصية ملائكية خيّرة، تناصر الفقراء، والأطفال واليتامى، مخلّفات الحروب ومخيمات اللجوء (أنجلينا جولي)، وتارة أخرى تكون شخصية شيطانية فاجرة ك (راسبوتين)، شخصية مهلّلة، مبهورة بكل القادة الكونيين (بوتين- ستالين- كاسترو – ترامب).

زهرون العراقي، وقد انطوى فيه كل الأعلام المذكورين من كلا المعسكرَين الكونييَن المتنافرَين.

إيه .. زهرون..!

كنتُ أظنك تبقى أبيضَ

لا تتقلبْ

تكدحُ.. تتعبْ

لكني .. قرأتُكَ في صحفِ

" بوتينيًا" قُح

أكثر من " بوتين"

تحتسي " الفودكا " مع صورة " ستالين"

وتدخنُ سيكار " كاسترو"

وتأخذ " سيلفي"

مع " أنجلينا جولي"

وتضاهي خسة " راسبوتين"

في فصلٍ آخر

تتبدلُ أوراقَك، تصوّت، وتهلّل

تصدح بلون " ترامب"

" ترامبيٌ" أنتَ ومسكين

مسحورٌ ببرهجة التكوين .

 

القصيدة الثانية: بعنوان " اشتغال"

المعنى القاموسي ل " اشتغال": عَمَل، حركة، سَير

وهو عنوان مُدغم ومُبهم، لا يكشف ثيمة القصيدة، التي وجب علينا استقصاؤها في القصيدة نفسها، عن طريق تقنية الاستنتاج الدلالي: ونعني بها الغوص لمعرفة ما لم يُعرَف .

ونبدأ باستخراج دلالات ملقاة في القصيدة، أشير تحتها بخط:

قد تساعدكِ: الغيرةُ

في حرق أوراق العتب

أو تؤشّري

في بعض الكتب

عباراتٍ للعشقِ، والحبِ

من واضح من الدلالات (الغيرة_ العتب- العشق – الحب- وياء المخاطب المؤنثة) أن القصيدة خطاب عتاب رومانسي بين الشاعر وحبيبة، فالثيمة رومانسية.

وعلينا أن نجد العلاقة الإجرائية بين العنوان و الثيمة، وإلّا كانت القصيدة ساقطة فنيًا.

يتابع الشاعر إلقاء الاحتمالات،(قد تساعدك) مع وسائل المساعدة:

قد تساعدُك: الأسئلةُ

التي صيرتْ عيونَكِ نوافذَ

مكسرةَ الزجاج، مخلوعة الستارة

في الدخول إلى صندوق أسراري ..

أو العبث بأقداري ..

الأسئلة هي حقل الحيرة والشك، والنوافذ مكسرة الزجاج ومخلوعة الستارة هي حقل الهجر والإهمال الطويل، وصندوق الأسرار هو حقل النفس والباطن، والعبث بالأقدار هو حقل الفوضى والكفر والتألّي على الخالق، فحينما تتساءل الحبيبة بعيونها المهجورة المهملة الخربة عن أسباب منعها من الدخول إلى عالم حبيبها الداخلي، تفقد مكانتها ودورها في تشكيل مصيره، فنحن هنا في حقل الهجر .

يستمر الشاعر بنفس الاستراتيجية طرح دلالاته الرمزية، بطريقة الاحتمالات وأدواتها، ليتلقّفها المتلقي لاستكمال العملية الإجرائية:

قد يحيلُكِ: الشكُ آلهةً

تنفخُ غضبها ريحًا

تقتلع سفنَ الحنين

أشرعةَ الدموع

نحو ليالٍ، أولها نسيان ..

وآخرُها: قبلةُ وداع..!!؟

من الدلالات (قد- الشك – آلهة – غضبها ريحًا – سفن الحنين – الدموع- النسيان – الوداع) نحن في حقل الغضب المثار بعواصف الشك، يقصم ظهر الحنين والحزن، ليمضي نحو النسيان وذكرى الوداع.

إن الإحاطة بحقول الدلالات، التي ينبت فيها ما لا يحصى من المدلولات التأويلية، والتي تؤطّرها الذرائعية ضمن نطاق المفهوم، تجعانا ننهي استنتاجاتنا الدلالية التأويلية للوقوف على الثيمة الداخلية للقصيدة، والتي تحوي استراتيجية الشاعر وبراعته الشعرية، ونثبت الغرض في هذه القصيدة على (الرومانسية)، ونستأنف الربط بينها والعنوان " اشتغال"، هذا العنوان يحيل إلى الاحتمالات الإجرائية التي طرحها الشاعر عبر قصيدته منذ الاستهلال إلى قعر القصيدة، والتي حوت كل الدلالات، لبلوغ الثيمة، وبمطابقة المعنى القاموسي للعنوان مع مفهوم الدلالات نجد أن " اشتغال" هو السير والحركة باتجاه الهجر والفراق. بهذه العلاقة الإجرائية بين العنوان والثيمة (غرض رومانسي بثيمة الهجر) استطاع الشاعر ببراعة أن يحولَ دون انهيار القصيدة المحقّق بذريعة انفصال العنوان (المُقفَل)عن الثيمة، هذه العلاقة الإجرائية لو لم تتحقّق لكان الشاعر كمن بنى بيتًا (قصيدة)، ثم وضع بابه الرئيسي (العنوان) عند جاره.

القصيدة الثالثة: بعنوان " الكائن: جلجارا..!"

ثيمة (الأسطورة) واضحة من العنوان، والقصيدة مليئة بالرموز الأسطورية التي وظّفها الشاعر في خدمة قصيدته التي ربط فيها بين أساطير الماضي وأحداث الحاضر، وقارن بين الرموز المتمرّدة الأسطورية (قيثارة سومر- أسد بابل- ثور آشور) وبين الرموز الفكرية الثورية المعاصرة المنادية بالحرية والسلام (حمامات بيكاسو – حصان جودت سليم)، ومزج بين جلجامش المتمرّد الذي بحث عن الخلود،وجيفارا الثائر الماركسي الكوبي الذي بحث عن الحرية، فكان الكائن جلجارا، ولادة رمز (ثوري وطني) أبواه الأسطورة والمعاصرة، وطنه عربي حرّ بلا حدود، غرض وطني بثيمة الأسطورة:

نصفه جلجامش ...

الذي اعتصر في خمّارته

جنون قيثارة (سومر)

نشوة أسدِ (بابل)

عربدة ثور (آشور)

رحلته صوب غابات (خمبايا)

نصفه جلجامش...

الذى رأى نصفه الأسفل

وبلاد الله السفلى ..

ونصفه الآخر: جيفارا ...!

فكرُه: موقدُ ثورة..

كتابٌ يعتقُ نظريات

الديالكتيك .. والميتافيزيك..

نصفه الآخر: جيفارا ...!

حيث الوطنُ، الأملُ

لا تحبسه حدود

يرسم على جدران السجون

حماماتِ بيكاسو،

حصانَ جواد سليم[4]

القصيدة الرابعة: بعنوان " المتجرّدة"

العنوان كدلالة يحيل إلى الثيمة (الصوفية)، النفس الإنسانية عندما تتجرّد من ذواتها باتجاه فضاءات نور الله، يدعم ذلك الدلالات الصوفية التي حوتها القصيدة، غرض وجداني بالثيمة الصوفية:

ما بين ضغينة وبغضاء..

ما بين محبة ووفاء ..

تجردتِ الأسماء..

لتشكلَ دلالات في سماواتٍ

وفضاء..

التوبة ثوب التوت

تداعبه نسمات الخطيئة

وبين مسرةٍ ومسلةٍ

ونبوءة،

القصيدة الخامسة: بعنوان " توكي"

الثيمة واضحة طبعًا من العنوان، لعبة التوكي تحيل إلى ثيمة الطفولة، ومع ملاحظة أن هذه اللعبة هي خاصة بالفتيات من عمر السبع سنوات تقريبًا، وبعد قراءة القصيدة سنجد أننا أمام دلالات رومانسية، حب طفولة، إذا ربطنا بين دلالة المعنى ودلالة العنوان، سنجد أن القصيدة تأخذ غرضًا رومانسيًّا بثيمة الطفولة، وهذا وجدته بكثرة في قصائد الديوان، "غرض رومانسي بثيمات مختلفة ":

زُيّن لي أنكِ طفلتُنا

ولسانُكِ ما زال يُتأتأ،

وأصابعُ ترسمُ في الباحةِ

صورَ مربعْ

و(الغميضةُ)، تسري ليلًا

هل تأتين..؟

تختبئُ (الصايةُ) و(الصرمايةُ)

وغواةٌ سُراق يحكونْ..

أحاديثَ لموسى وهارون..

يرمون الحجرَ، يضجّون..

لكراسٍ تهتزّ بلا فكر

كي .. لا.. ينتبه الناطور

القصيدة السادسة: بعنوان " خائن"

ثيمة الخيانة، أيضًا عنوان مكشوف، وهي ثيمة خاصّة خطرة تشير إلى واقع سلوكي سلبي في المجتمع الإنساني، فالغرض من أغراض الشعر الجديدة وهو غرض نقد اجتماعي بثيمة الخيانة،  وجملة حتى أنتَ .. يا .. تحيلنا إلى جملة هاملت الشهيرة (حتى أنتَ .. يا بروتس)، الشاعر وضع نقطتَين تفيدان الاستئناف، وتشيران دلاليًّا إلى فراغ يجب أن يُملأ بالمنادى، لكنه لا يأتي بالمنادى إلا بعد أن يعدّد مثالبه، يطعن بمدية عمياء(العدالة الزائفة والقوانين المجحفة)، والصعق بالكهرباء (طرق التعذيب الوحشية) :

حتى أنتَ .. يا ..

حتى أنتَ ..

تطعنني بمدية عمياء..

بأجهزة لا كاشفة

تغطي الجريمة والمجرمين

وتصعقني بالتي كانت هي الداءْ..

التي اسمها: الكهرباءْ..

ويستمر الشاعر في سرد انتهاكات وغدر وخيانات (أنتَ)، ثم يكشفه، هو الوطن الذي سمح للقادة بانتهاك الرعية:

حتى أنتَ .. يا وطني..؟؟

ستقتلني ..

وتذبحني..

وتدفنني..

بلا كفنِ..

وهل يُغفَر للوطن الخيانة؟ هنا تتحوّل القصيدة لتلبس الثيمة الوطنية، الشاعر لا يتنكّر لوطنه مهما قاسى منه:

وبرغمها .. أصرخُ:

حتى أنتَ يا وطني..؟؟

ستظل أنت وطني ..

وطني..

وطني..!!

القصيدة السابعة: بعنوان دبابيس كلام

العنوان كدلالة يحيل إلى ثيمة (انتقاد) سلبيات المجتمع، هذه القصيدة نثرية، أي أنها قصيدة مضمون، وعصرنا عصر المضمون، لذلك انتصرت فيه القصيدة النثرية، حين تخلّت الصحافة عن دورها في قيادة المجتمع ونقده وتقويم اعوجاجه، عندها تحرّك الأدب ليكون سلطة رابعة، فتعدّدت أغراضه، وتنوّعت حسب حاجة المجتمع في مطاردة الظلم والفساد والسلبيات، والحضّ على الكفاح في الحياة والمجتمع لنصرة الخير في صراعه الأزلي مع الشر:

دبابيسُ الكلامِ تغصّ بها

تختنق بجرح دمعة

تستفيقُ...؟ لا ...، تجفلُ

مع كل صباحٍ يعلنُ نهوضَهُ

يقرعُ أبوابَ من لا قوتَ لهم ..

كي يشطبوا أيامهم

على خشبِ عرباتهم

المنحوتة على ......

صورة نعش..!!!!!

القصيدة الثامنة: بعنوان " كهرمانة"

" كهرمانة" رمز تقني تاريخي عن العصر العباسي، وهي الشخصية المشهورة في حكاية علي بابا، إحدى حكايات " ألف ليلة وليلة" الفتاة البغدادية التي سكبت الزيت الحار في أربعين جرّة كان يختبئ داخلها أربعون حرامي، فثيمة القصيدة المستقاة من دلالة العنوان هي ثيمة رمزية تاريخية، حيث وظّف الشاعر رمز تقني تاريخي ليقارنه برموز حداثية أشير تحتها بخط، الغرض وجداني بثيمة رمزية تاريخية، القصيدة ترصد حالة الغربة المصاحبة للإنسان حينما تداهمه الشيخوخة، فيجد نفسه فجأة يعيش غريبًا، في غير زمنه:

وفتية آمنوا بصداقات ((الفيس بوك))

وما جمعوا من بوكيمونات فراغهم،

بعدما علّقوا أحلامهم على مسامير:

التوتير .. والواتساب

وأنتَ ما تزال تخاطب العالمَ

ب (الصرصور)

وخطوتُكَ سلحفاةٌ عجوز،

وتجاعيدُك رقيمٌ يتكلّمُ

في زمن بابل

وتكاد تكونُ: أنتَ صوتكَ، أغانيكَ، ذكرياتكَ..

متحفًا

يزورُك طلبةُ الآي باد ..

فيتندّرون .. ويقهقهون..

بل يضعون صورتكَ في صفحاتهم

ليحصلوا على أكثر تعليقات

وأنت ما زلتَ تصبّ

في جراركَ الستين

زيتَ حماقاتك

ليكون زمانك:

كهرمانة ...!!!

القصيدة التاسعة: نخلة صيّون أو حكاية يهودية

قدّم الشاعر لهذه القصيدة بمقدمة عن حال عوائل يهودية كانت تسكن مدينته (المحاويل)أربعينات القرن الماضي، القصيدة قصّة قصيرة بطلها(حمزة القناط) ونخلته (صيّون)، وحمزة شخصية محاويلية كان يعمل ساقيًا للنخل على امتداد طريق المحاويل، القصيدة تحمل ثيمة وطنية، نستدل عليها من الدلالات في القصيدة التي تظهر أن الوطن والمواطنة كانت فوق كل الاختلافات العقائدية:

نخلتُهُ ..

ما يزالُ رطبُها

تأكله السيّارةُ

كان السقّاء يصبّ عليها

من عرقِ جبينه

يسمّونهُ:

(حمزة القناط)

نخلتُهُ:

ظلّتْ مثل مسمارِ (جحا)

يغادرُها ..ثم يعودُ

بعد حنين .. واسترخاء .

 

كان الوطن (العراق) أكبرَ من الحلم القومي لليهود، الصدارةُ فيه للأكفّاء الغيورين عليه بغضّ النظر عن دين النشأة، وكان (ساسون حسقيل)[5] أول وزير مالية في العراق في العصر الحديث، هاجر حسقيل، وهاجر حمزة، وبقيت نخلة صيّون حكاية ترويها الأمهات للأطفال:

هناك رحلةٌ أخرى

في محطة القطار

لمهاجرٍ آخرَ

يسمّى:

(حسقيل)

علّمهم: التجارة والحساب،

لكنّ أمّي،

بين رغيف وآخرَ

تقصّ على طفولتي

قصة نخلةٍ

نأكل منها،

تسميّها:

نخلة (صيّون) ..!

القصيدة العاشرة: بعنوان نبوءات أجاثا كريستي

النبوءة دلالة أسطورية، والثيمة الأسطورة يستخدمها الشاعر بكثرة، ولا غرابة في ذلك، فهو من العراق، سحر الشرق، وبلد الأساطير، تحيط به الرموز الأسطورية أينما أدار وجهه، كما تحيط به أهوال الحاضر ومآسيه، لذلك هو مجبر على الإتيان بالماضي ليستطيع أن يقرأ الحاضر، على مبدأ (وبضدّها تُعرف الأشياء)، وهذه القصيدة أنموذجًا حيًّا عن ذلك، إن نحت الأسلاف حضارتهم النيّرة، فإن الخلف الآن يشهدون نبوءات (أجاثا كريستي) المرعبة عن جرائم فظيعة ترتكبها عصابة داعش:

في مربع يفوق أفق الزمان،

يفوق تكعيبة البحر واللون،

ينحت في رمل دجلة

في صخر (النمرود)

تتفتّح رياضٌ بين كفّيه

وقصورٌ تفتحُ أبوابها لمخيّلتها

مع أنفاسه..... تكتبُ

قصصَها

تأريخًا إلى: نينوى ..

تل عفر

تنبّأتْ قبل قرن ....

في قصصها البوليسية

أن (داعش)

ستأتي هنا ذات ظلام ..

لتسبي النساءْ

وتهتكُ الحياءْ

وتحبسُ المطر..!!

المدخل الجمالي:

شاعر متمكّن من أدواته الجماليّة قبل اللّغويّة. فهو بارع في البديع، وبارع في البيان، وبارع في الجمال، و له استراتيجيته الحسّيّة، عندما يكتب الأسطورة يغدو نحّاتًا تارة، فنسمع وقع إزميله على رمل دجلة، وصخرة النمرود، وعازفًا تارة أخرى، يطربنا بأنغامه على قيثارة سومر،

ينحت في رمل دجلة، في صخر (النمرود)، تتفتّح رياضٌ بين كفّيهِ

تستفيق مع طرقِ فأسهِ

حيث يعلنُ الفتحَ لمقامٍ جديد، زقورة .. معبد

قاموسه في علم البديع ثري:

في الطباق:

الأخرس نطق

السوقة والأرباب

ومضة ظلام

شيخ وطفل

قريبًا، غريبًا

وفي الجناس:

فلا تنظير، ولا تطهير، ولا تحرير

التشريع .. التصريع .. التمييع

خلق، قلق

قدسية، تقديس

الصّاية والصرماية

يحكون ويبكون

مسرّة ومسلّة

في الترادف:

في زمن البؤس وخارطة الحرمان

تكدح تتعب

أوّلها: فنجان نسيان .. وآخرها: قبلةُ وداع

نصفه جلجامش، ونصفه الآخر ُ: جيفارا

ضغينة وبغضاء

وأنتِ النارُ حارقةً، وأنتِ الثلج في الكاسِ

متجرّدةٌ من شرّ ما خلق، من وهمٍ ومن قلق

تأتين بياتًا، وتروحين

تسمع قولي .. وتدعم فعلي

بجرم الخيانة وبيع الأمانة

ستقتلني، وتذبحني، وتدفنني

سنونو العشرين، ونوارسُ الأربعين

يتندّرون .. ويقهقهون

يغادرها .. ثم يعود

أما الصور البلاغية: فغزيرة، معظمها استعارات، وكنايات بالإضافة إلى التشابيه:

يلفظنا الوطن

نؤسس أوطانًا لليتم

لأرامل تلتحف الطرقات

تتسوّل .. تجتر نفايات

شوارع يخنقها الطين

قد تساعدك الغيرة في حرق أوراق العتب

لتفجّر الأفكارُ قدحةَ صورةٍ.. أو ومضةَ ظلامٍ وارتعاشةَ حجر

قد تساعدكِ الأسئلة التي صيّرت عيونَكِ نوافذة مكسّرة الزجاج، مخلوعة الستارة في الدخول إلى صندوق أسراري

قد يحيلكِ: الشك آلهة تنفخُ غضبها ريحًا تقتلع سفن الحنين، أشرعةَ الدموع

صواريه: عناقيدُ كرومٍ تتأرجحُ نجومًا تفطمُ عطشَ المجرات

مجاذيفُهُ: ممالكُ تحضنُ كفَيهِ

مواويلهُ: آهاتُ جوعٍ، وأعوامُ ظمأ تحفر في شفاهٍ آبارَ أغانٍ رعاتُها يسابقون سرابَ ترنيمة ناي.

فكرهُ: موقد ثورة ..وكتاب يعتّق نظريات الديالكتيك .. والميتافيزيك..

وثوبٌ تتجسّد فيهِ مرايا الطفولة،

صورُ كفاحِ نساءٍ يتعلّمنَ حياكةَ صباحٍ يولدُ من دياجير ليل مثقل

حيثُ الوطنُ، الأملُ لا تحبسُه حدود، يرسمُ على جدرانِ سجونٍ حماماتِ بيكاسو، حصانَ جواد سليم

من حقيبتهِ،تخرجُ .... ولادةُ: ج ....ل....ج....ا..ر..ا....!!

التوبةُ ثوب التوت تداعبه نسماتُ الخطيئة

تتناوب غيماتٌ على جبينِ مروءة

تجرّدَ الشجرُ من أوراق همومه، وهو يعدّ دمعاته

تجرّدَ الطريقُ من خطواتِ عشّاقِه، ومن أفولِ لقاء

تجرّدَ الليلُ من قهوةِ حنين، وآخر سيجارةٍ ينفث فيها تعبُ السنين.

تجرّدتِ من خوفكِ، من أسئلةٍ كانت سكاكين في خاصرة استفهام

تجرّدتُ من شكوكي، فكانت غيرتي فزّاعةً تطردُ طيورَ وسواس

وتصعقُني بالتي كانت هي الداء.. التي اسمها: كهرباء.. والتي شُيّعتْ بتلك القرون كسُمِّ المنون

تتقلّبُ بين فكرةٍ، دخانُها يجرّه قلقٌ، يتأرجح بخيوطِ الخوف، تتعلّق بمسامير ذكرى على جدران زمنٍ صاخب

بشعاراتٍ: يحملها النملُ نحو ...مساكنه

أناشيدَ تردّدها خفافيشُ بياضَ السواد

رسوم: تلوّنها ريح غربة .. يوقظها .... حلمٌ

يقتاتُ على ريش جسدها نعومة الصخر، خشونة الحُفاة

دبابيسُ الكلام تغصّ بها، تختنقُ بجرح دمعة

مع كل صباحٍ يعلنُ نهوضَهُ، يقرعُ أبواب من لا قوتَ لهم .. كي يشطبوا أيامهم على خشبِ عرباتهم المنحوتة على صورة نعش..!!!!!

صبابة تعتّقها في جرارِكَ السّتين

تضلّلُ دروب السواقي، تجعلُ لُهاثُكَ طيورًا

خطوتُك سلحفاةٌ عجوز

ينحت في رمل دجلة، في صخر (النمرود)، تتفتّح رياضٌ بين كفّيهِ

تستفيق مع طرقِ فأسهِ حيث يعلنُ الفتحَ لمقامٍ جديد، زقورة .. معبد..

كان السقّاء يصبّ عليها من عرقِ جبينه

على امتداد شارع ما زال يمتدّ أفعى مسالمة، تلوّح لأطفال المدارس بالتحية

على مرمى وردة، كان هناك بيت (الياهو)

نخلتهُ ظلّت مثل مسمار (جحا)، يغادرها.. ثمّ يعود

لكن أمي، بين رغيف وآخر تقصّ على طفولتي قصّة نخلة

ثانيًا – المستوى الأخلاقي:

البؤرة الفكرية الثابتة:

وفيها نثبت ثيمة النص الأدبي، واستراتيجية الأديب وأيديولوجيته الفكرية، وثيمة الناقد أي المنهج الذي يقدم فيه دراسته، وهنا أثبت المنهج الذرائعي كمرجعية منهجية علمية أستند عليه في دراستي هذه.

بالنسبة لثيمة العمل:

بعد استعراض كل القصائد بالديوان، وانتقاء عشرة منها للوقوف على مواضيع القصائد أو ثيماتها، لا بد من العودة إلى الديوان كوحدة دلالية تبحث تحليليًّا عن مدلولاتها المراوغة، وإيقاف مراوغتها التأويلية داخل إطار المفهوم، لقد وجدنا أن في الديوان ثيمات متعدّدة، تراوحت بين الثيمات العامة كالرومانسية بأنواع عديدة، والأسطورية، والوطنية، والسياسية والصوفية، والتاريخية، كما شهدنا ثيمات خاصة تدخل في حقل انتقاد المجتمع السلبية كالخيانة والقمع والازدواجية المعايير .

فإذا عدنا إلى عنوان الديوان (مرايا الورد) وتساءلنا، هل أمكن لهذا العنوان أن يكون قلبَ النص وثيمته؟ هل وُفِّق الشاعر أن يجعل العنوان، كبوابة للديوان، وأولى العتبات، ملخّصًا لكلّ الثيمات التي وجدناها في قصائد الديوان؟

مرايا: جمع مرآة، والمرآة هي أداة لها القابلية على عكس الضوء بطريقة تحافظ على الكثير من صفاتها الأصلية قبل ملامسة سطح المرآة، وتستخدم المرآة للتأنّق الشخصي والتزيين، كما تستخدم في الأدوات العلمية كالتلسكوب والليزر والكاميرا .

وهذا التعريف القاموسي للمفردة الأولى في العنوان يحيلنا إلى حقل عكس صورة الواقع كما هو (مرآة- كاميرا) أي عكس كل مظاهر المجتمع + عكس الجمال (تأنّق شخصي – وتزيين) وأكثر ما يستخدم المرآة للتزيين هنّ النساء الشابات. المرآة كأداة علمية (تليسكوب) تعكس أيضًا دقائق المجتمع البعيدة، وهي أداة معالجة (الليزر) للآفات المستعصية، فالحقل الأول والثالث هو للمجتمع بكل مظاهره وآفاته(الاجتماعية والتاريخية والسياسية والاقتصادية والوطنية،،،،)، والحقل الثاني للرومانسية.  وهي كلّها ثيمات رصدناها في قصائد الديوان .

اقتران (مرايا) ب (الورد) جعل حقل الجمال أكبر، أي جعل ثيمة الرومانسية تطغى، وهذا محقق فعلًا، فالقصائد الرومانسية بأنواعها كانت الغالبة في الديوان.

إذًا، نستطيع أن نقول بمنتهى الأمانة، أن الشاعر عكس حرفنته، وتقدّمه الحسّي الكبير، في اختار عنوان الديوان، وربطَ بدقّة بين العنوان، كعتبة خارجية، و بين قعر النص، أي ثيمته الداخلية التي تحوي استراتيجيته وبراعته النصية.

نحدّد استراتيجية الشاعر من خلال ثيمة الديوان بأنه شاعر رومانسي بالدرجة الأولى، وطني إلى درجة كبيرة، يتألّم لأوجاع وطنه، وينتقد أحوال مجتمعه الحياتية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، هوشاعر مفتون بأساطير حضارات الشرق وسحره،

الخلفية الأخلاقية:

الرومانسيات عنده متحفظة، أنيقة بعيدة عن الابتذال والتجاوز الأخلاقي، مختلفة تمامًا عن رومانسيات التيارات الوجودية الذاتية والإباحية التي لم تحترم كيان المرأة الجنسي تحت ذريعة حرية التعبير، فكانت تلك الحرية تجاوزًا رمزيًّا على الأخلاق،

ثالثًا_ المستوى النّفسي Psychological Level:

الشعر انفعالات وجدانية تهاجم الشاعر الموهوب من حين إلى آخر، مساقة بالحالات النفسية التي يمرّ بها الشاعر، فهي ليست حالات حاضرة التصرّف يستطيع الشاعر أن ينظمَها كيفما أراد، أو يوجّهها حسب ما يُطلَبُ منه من قِبَل الآخرين، ولهذا السبب نجد فرقًا شاسعًا بين نظم الشعر الذي يسلكه مؤلفو الأغاني حينما يُطلَبُ منهم أو يُفرَض عليهم موضوعًا معيّنًا مسبقَ الانفعال، وهذا لا يجوز،لأن الانفعال حالة نفسية عميقة غير مُسيطَر عليها، تُثار بالتأثّر الانفعالي للشخص غير المعنون، وهذا ما أسماه العرب القدماء بشيطان الشعر، (وهل للشعر شيطان؟) .

أمّا التنضيد الشعري فهو حالة تعقب ولادة القصيدة، فحين تولد القصيدة من هذا الانفعال النفسي الواقع بين وعي ولاوعي الشاعر، والذي يتضمّن مفاهيم غير مقرّرة مسبقًا، وإنمّا قُرِّرتْ بحالات نفسية تأثّر بها الشاعر، فتسلّلت إلى أعماق نفسه لتصبح قصيدةً لا يعلمُ وقتَ ولادتها، صباحًا أم مساءً، ليلًا أم فجرًا، وحين تولد القصيدة يبدأ الشاعر بتنضيدها كتنضيد اللؤلؤ في حلية جمالية تعكس إبداعًا مميّزًا، وحرفنة يتقدّم فيها الشاعر خطواتٍ عن أبناء جيله، فالشعر غير السرد، السرد يُكتَبُ بأسلوب، والشعر يُكتَب بإحساس. لذلك فإن للشعر حصّة كبيرة في المستوى النفسي ومداخله المتعددة:

المدخل السلوكي Behaviorism Theory:

من خلال التّساؤلات المطروحة ضمن متن القصيدة، ومحاولتنا البحث عن الأجوبة التي من الممكن أن يضعها الشّاعر مخفيّة أو ظاهرة، أو من خلال محاولتنا استنباط أجوبة لتلك التّساؤلات، سنتمكّن من الدخول إلى أعماق الشّاعر لاستخراج مخبوءاته والوقوف على جوانب عديدة من أفكاره، ولا يُعد النّصّ حيويًّا ما لم يطرح تساؤلات تدخل في مضمار الإشكاليّات الجدليّة، وقد رصدتُ في الدّيوان عددًا لا بأس به من التّساؤلات على أنواعها...

في قصيدة " اش اش .. زهرون": يطرح سؤالًا وجوديًّا عن ماهيّة الإنسان، وهي أدرى بها، وإنما يلقيها تحت ضغط نفسي، حرقة النفس وقهر الروح، عن الجرائم التي ارتكبتها النظام الاشتراكي بحقه كإنسان، يستقدم ماركس ويبدأ في طرح أزماته، لتغدو الأسئلة قضايا كبيرة، تلوّث بيئي، وانهيار اقتصادي، وفساد تشريعي، وتهجير وتسطيح:

لو تعرف ما الإنسان..؟؟

لو يأتي .." ماركس"

ماذا سيكتب عن نفايات برية ..؟

ماذا يقترحُ لحل الأزمات القهرية؟

ماذا سيطرح من مشروع للتأميم ..؟ببلد الفقر

ولمن .. سيعطي حق اللجوء..؟

ماذا سيكتبُ في فلكلور التشريع .. التصريع .. التمييع

بعد طرح الأسئلة، يطرح إجابات فيها استشراف قائم على مقتضى الحال، استشراف فيه تهكّم بقدر مرارة حال الشرق، فما صلح للغرب ما صلح، ولن يصلح، للشرق الغارق في سكرة الشعارات والمغيّب بأفيون السياسة والجري وراء لقمة العيش:

لو يأتينا ...؟؟ لتمرّد

يساريو الشرق

وغنّت جوقة " ماو"

ألحان كفاح لا مصرّح

على شواطئ الكافيين

وتجاهل يساريو الغرب

ستايلَ (لينين)

في تقليعة لحيتهِ

واستغراقٍ في التلوين

وشوارعُ يخنقها الطين

وسؤال وجودي آخر حائر، في القرن الواحد والعشرين، عن حال شاذ لا يقبله العقل ولا العصر  :

أين تكون ..؟ وكيف تكون ..؟

في عولمة صارت هجرة

يلفظُنا الوطن فننزح

خلف بحار، خلف سهول

وماذا نفعل خلف البحار وخلف السهول؟ جواب يفوق السؤال لوعة، نؤسس (أوطانًا لليتم) مأوى ومخيّمات لجوء لأطفال في حكم اليتم، ونساء في حكم الترمّل، ينامون في الطرقات، ويقتاتون من المزابل :

نؤسس أوطانًا لليُتم

لأرامل تلتحف الطرقات

تتسوّل .. تجترّ النفايات

من قصيدة كهرمانة:

تساؤل وجداني: عن غربة النفس حين تداهمها شيخوخة العمر، ومازال فيها قلبٌ مراهق يخفق بالحب:

لماذا الآن؟؟ لماذا في هذه الصفحة؟؟ في هذا الخريف..؟؟ لماذا تذكّرتَ بعد رحيل سنونو العشرين ونوارس الأربعين

اليوم دقّت طبولُ صدرِكَ هل تقوى على الركض في مراثون الصّبابة..؟؟

أيُّ صبابةٍ وأنتَ تصبغُ الصدأ، وتجاعيدك رقيم يتكلّمُ في زمن بابل..؟

 

المدخل العقلاني / التّناص والتّوازي في نصوص الشّاعر:

كتب القصيدة الحرّة (الوسيطة) كما كتبها السيّاب، بخروج خجول عن القافية، وموسيقا الفراهيدي، وعدّد في حروف التفعيلة، وجعلها متقاربة، وتناصّ مع جميل صدقي الزهاوي في الدعوة للنهوض بالأغراض الشعرية،بالرغم من أن جميل صدقي الزهاوي ليس شاعرًا حرًّا، لكنه دعا لتجديد الأغراض بقصيدة القريض، عبر طرح ثيمات خاصة تخرج القصيدة عن الأغراض التقليدية باتجاه العصرنة التي تسيّدت المجتمع، وطرحت فيها قضايا جديدة، يجب على الشاعر أن يتابعها حتى لا ينفصل شعره عن مجتمعه، وحتى لا يكون شعره مجرد نظم فارغ من المضمون، والشعر في هذا العصر هو شعر المضمون.

رابعًا- المستوى الحركي في التّحليل Dynamic Level:

الموسيقى الشّعريّة:

لقد اشتمل الديوان على قصائد تفعيلة، وقصائد نثرية.

في قصائد الوسيط والتفعيلة، الموسيقى محقّقة في حرف التفعيلة، وقد نوّع الشاعر في تفعيلاته، فجعلها على حروف عديدة في القصيدة الواحدة، وجعلها تفعيلات متقاربة، ونسوق بعض الأمثلة:

أولًا- عن التفعيلات المتعدّدة المتقاربة: نجدها في قصيدة "إش زهرون" وهي قصيدة سيابية، فيها خروج جزئي عن القافية، نوّع فيها الشاعر تفعيلاته بين حروف (القاف – والنون- والميم- الراء- والتاء المربوطة والعين- والتاء المفتوحة والباء) ويعود إلى النون بتقنية التدوير الذرائعية.

لا إشّ بعد اليوم

فالأخرس نطق

والخوف مزّق أغلاله

والصوت فِرق

إيهٍ .. زهرونْ

تتعمّدُ، والدمع عيونْ

والناس نيام

من تعبٍ تحرسها الأحلام

تتفيأ بستانَ السلطان

والبستانُ ظلال ال(إش)

و(وإش) سوط السجان

نفس الشيء نجده في قصيدة (اشتغال) التي نوّع فيها التفعيلات المتقاربة على حروف (الباء، التاء المربوطة، والياء والنون، والعين)

في قصيدة(المتجردة)أيضًا تفعيلات متقاربة على حروف (الهمزة – التاء المربوطة- اللام – والهاء – الياء – السين) مع التدوير على الهمزة، التفعيلة الرئيسية.

يندرج تحت نفس النوع، قصيدة توكي..! وخائن ...!،

ثانيًا- القصائد الكاملة الحرية أي قصائد النثر: نستقصي الموسيقى في الإيقاع الداخلي للقصيدة.

وقصيدة النّثر، أشدّ القصائد صعوبة في ضبط الموسيقا الدّاخلية فيها، وذلك لشدّة السّرديّة فيها، والسّرديّة علّة كبرى في هذا الجنس الرائع، لأنّها تأخذ القصيدة نحو الخاطرة، والعودة إلى الشّعريّة فيها تتمّ عن طريق الجانب الموسيقي في شطورها، والمبالغة في ذلك، فكلّ شطر يجب أن يكون موزونًا موسيقيًّا، أي لا كسر فيه، بنهاية مختلفة عن سابقه ولاحقه، وهنا تشتدّ الصّعوبة على كاتب هذا الجنس، فعليه أن يدرس التّشابه النّغمي بين جميع الأصوات العربية، كأن يلاحق الأصوات القوّيّة والضّعيفة، وأن يزاوج بينها، وأن يبحث عن الأصوات المتشابهة في نبرة الصّوت النّغميّة، وتلك عمليّة وعرة على شاعر هذا الجنس مقارنة بسهولة النّظم بالشّعر الخليلي، فالشّاعر الخليلي يجد هيكليّة موسيقية جاهزة تسمّى بالبحر الخليلي، أما شاعر النثر فإبداعه بخلق بنيّة موسيقية خاصّة به، وقد كان الشاعر وليد جاسم الزبيدي مجيدًا في خلق هذه البنية الموسيقية، عبر اختيار الألفاظ ذات الأصوات التي تملك ذات النبرة الإيقاعية، نذكر مثالًا على ذلك قصيدة: الكائن جلجارا

يخافُه البؤساءُ المطرودون

من موائِدِ القصر

ومراقِصِ البغي

ف (موائد القصر، ومراقص البغي) لها نفس الرتم الإيقاعي (متحرّك فتحة- متحرك فتحة – ألف ممدودة – متحرك كسرة- متحرك كسرة – أل تعريف – متحرك فتحة – ساكن- متحرك كسرة).

أيضًا: (جنونَ قيثارةِ، نشوةَ أسدِ، عربدةَ ثورِ)

نصفه جلجامش ...

الذي اعتصر في خمّارته

جنونَ قيثارةِ (سومر)

نشوةَ أسدِ (بابل)

عربدةَ ثورِ (آشور)

كما لجأ الشاعر في بناء إيقاع قصيدته إلى تكرار جملة بعينها (نصفه جلجامش) لتكون لازمة موسيقية أكثر من أنها لازمة فنية، يستخدمها كلما خفّ أو خبا إيقاع القصيدة تحت وطأة السردية، يستأنف من بعدها السرد:

مواويلُه: آهاتُ جوعٍ، وأعوام ظمأ،

تحفر في شفاه آبار أغانٍ رعاتُها يسابقون سراب ترنيمة ناي

نصفه جلجامش...

الذي رأى نصفه الأسفل

وبلاد الله السفلى

ونصفه الآخر جيفارا...!

في قصيدة (دبابيس الكلام)، هناك إيقاع موسيقي متحقّق بحسّية الألفاظ الشعورية والمادية، ومفارقاتها البارادوكسية(بياض سواد، نعومة خشونة)، وتراتبيّة الأفعال (تردّدها – تلوّنها- يوقظها- يقتاتُ):

أناشيدها: تردّدها خفافيشُ

بياضَ السواد..

رسومَ: تلوّنُها ريح غربة ..

يوقظُها..........حلُمٌ

يقتاتُ على ريش جسدها

نعومةُ الصخر

خشونةُ الحُفاة

في قصيدة (كهرمانة)، بنى الشاعر إيقاع القصيدة على نبرة السؤال، وتكرار علامة الاستفهام:

لماذا الآن؟؟

لماذا في هذه الصفحة؟؟

في هذا الخربف ..؟؟

لماذا تذكّرت بعد رحيل

سنونو العشرين

ونوارسُ الأربعين

اليومَ دقّتْ طبولُ صدرِكَ؟

هل تقوى على الركض في ماراثون الصبابة ..؟؟

فالإيقاع الموسيقي هو عامل سحري له تأثير مباشر على المتلقّي في اللّغة، كما نراه عند التّعامل مع نوم الأطفال (التّهليلة والرّبت الإيقاعي) .

التجربة الشعرية:

هو شاعر رومانسي، وطني، فانتازي.

وظّف القصيدة الشعرية كطريق معبّد لحرية الأغراض وتعدّدها في القصيدة الحرّة، تلك الأغراض التي فرضها التطور الاجتماعي ما أعطى القصيدة الحرّة المعاصرة مبرّرات خروجها من جلباب أمّها القريض لتلحق بقطار العصرنة الموجّه نحو عربة المضمون وليس الشكل، لذلك توجّب أن يخرج الشاعر بقصائده من مجتمعه بالدرجة الأولى، على اعتبار الشعر انعكاس لحالة نفسية، والشاعر هو أول من ينفعل نفسيًّا اتجاه أي ظاهرة تلمّ بمجتمعه، فينزف انفعاله إحساسًا حقيقيًّا على الورق من رأس قلمه، لتولد القصيدة ولادة حسيّة، بإحساس حقيقي، لتكون القصيدة موقفًا وليس تعبيرًا، وبذلك يقدّم الشاعر مجتمعه على ذاتيّته، والغرض الرومانسي لم يعدغرضًا مهمًّا أو مؤثّرًا في هذا العصر، والبعض يعتبره غرضًا فارغًا من الثيمة، إلّا إذا اقترن بثيمات أخرى، تتبع للأغراض الشعرية الجديدة، وكان هذا ديدن شاعرنا وليد جاسم الزبيدي الذي تميّز بازدواجية الغرض الشعري، وإدراكه لحقيقة أننا نعيش في عصر القضايا الجسام، في عصر المضمون، وهذا مبرّر آخر لاكتمال الحرية في قصيدة النثر، والتي هي مضمون، وتقدّمها بخطوة كدليل للشعر نحو نهاية النفق.

والشاعر وليد جاسم الزبيدي، ما فتئ يحاول أن يجعل قصائده متعدّدة الأغراض قدر الإمكان، وكأنه يكتب قصصًا سردية تمتاز بالوصف الجميل والصور الجميلة، كان متقدّمًا في المستوى الدايناميكي في بناء القصيدة الفني والموسيقي، كما كان متميّزًا في البناء الجمالي،حيث زاوج أيضًا في بناء الصور الجمالية بين علم الجمال وعلم البلاغة، وجعلهه معمّدة بالحس الشعري الحقيقي، إيمانًا منه بأن الشعر هو بالدرجة الأولى إحساس حقيقي يكتبُ نفسَه موقفًا وليس تعبيرًا. لذلك وجدناه في القصائد ذات الغرض الوطني يكتب بهمّ كبير، يعرض المثالب، وما آل إليه حال الوطن والمواطن، بحرقة مغموسة بغصّة القهر وقلّة الحيلة، وجلد الذات، يأتي من الماضي العريق بقبس من نور، يحاول أن يضيء به مساحات العتمة، لعل في قصص الماضي دروسًا مفيدة قد تسهم في نهضة الحاضر. هو شاعر لم ينفصل عن عصره أبدًا، كما لم ينفصل عن ماضيه، فنراه يذكر (الفيس بوك – تويتر – واتساب – بيكاسو- لينين – ترامب – بوتين – ستالين – ماركس – ماو – جيفارا ....... وشخصيات رسمية في حكومة بلده، أو شخصيات من بلدته)، لا ينفصل عن حضارته، رموزها وشخوصها(الزقورة – شبعاد – جلجامش- وأسد بابل- ثور آشور - قيثارة سومر .....). وظّف ثقافته العامة، وهي غزيرة ومتنوّعة في مختلف المجالات، الفنية والتاريخية والحضارية والأسطورية والثقافية والسياسية والاقتصادية..... إلخ، في قصائده توظيفًا دلاليًّا موفّقًا .

شاعر، في قلبه إيقاعات حب، ونبضات وطن.

***

د.عبير خالد يحيي -  الاسكندرية

 ................................. 

المراجع والمصادر

1- الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية – تأليف / عبد الرزاق عودة الغالبي – تطبيق / د.عبير خالد – دار النابغة للنشر والتوزيع – مصر – الطبعة الأولى 2019- ص57

2- زهرون عمارة- ويكيبيديا – المصادر كتاب شخصيات مندائية في التاريخ المعاصر تأليف (خالد ميران دفتر)

3- متلازمة ستوكهولم: Stockholm syndrome هي ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه بشكل من الأشكال.... ويكيبيديا

4 - جواد سليم هو فنان تشكيلي ونحاة عراقي مشهور واسمه الكامل جواد محمد سليم عبد القادر الخالدي، ويُعتبر من أشهر النحاتين في تاريخ العراق الحديث – ويكبيديا -

شارك بنحت نصب الحرية مع عدة نحاتين، كانت مشاركته منحوتات: الحصان ورواد الثورات والطفل والباكية والشهيد والأم وطفلها والمفكر السجين والجندي والحرية ودجلة والفرات والزراعة والثور والصناعة (من مدوّنة ثائر الأطرقجي)

5- ساسون حسقيل أول وزير مالية للعراق في العصر الحديث، استلم وزارة المالية العراقية سنة 1921 وفي 13 آب 1923 فوضته الحكومة العراقية آنذاك لمفاوضة البريطانيين حول امتياز شركة النفط العراقية التركية، حيث ثبت بأن يكون الدفع بالشلن الذهب سعرًا للنفط المباع، مماأفاد الميزانية العراقية فيما بعد _ ويكيبيديا

 

جمعة عبد اللهيتميز الاديب (واثق الجلبي) بعدة مواهب أدبية متنوعة (صحفي. شاعر. قاص. روائي. اعلامي. كاتب مقالات) وفي ناحية فن القص والسرد، يملك اسلوبية متميزة. أو ظاهرة تشق طريقها بكل اقتدار في عالم السرد المتطور، في فن تداعيات السرد الحرة. لا يتقيد في فن القص السائد والمألوف، فهو متغير في التعاطي والطرح، في الصياغة الفنية واللغوية، يحاول تجنيس اصناف متعددة من أصناف الادب ويدخلها في فن القص (الشعر / النثر. اصناف التداعيات الدرامية المتنوعة الاخرى) يجنسها بجنسية واحدة في اللغة الحبكة والحدث السردي. اما من ناحية الصياغة الفنية، فهو يعتمد على نصوص أدبية من القصص القصيرة وانه يجزء المشهد السردي العام، يقطعه الى اجزاء من القصص القصيرة. ويجعل النص يملك تداعيات حرة يقودها السارد العليم، الذي يقود دفة السرد الى ضفافه المرسومة. أما من ناحية الرؤية الفكرية فتكون العمود الفقري للبنية الروائية وحكايته، يتوغل فيها في اعماق الواقع، ويكشف تداعياته وتجلياته، بلغة حادة كأنها لغة المسامير المدببة والجارحة. ويتناول في هذه المجموعة القصصية،. التي تتعرض الى ازمة الانسان المعاصر وتداعياته المتشظية في انفجاراتها الحادة، التي تقود الانسان العراقي الى الانكسار والاحباط والانهزام من خلال تناول الثالوث القائم، الذي يكون شكل ومحور  البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع، وهي (الاسطورة. الدين. الواقع الاجتماعي السائد) بالمصارحة والمكاشفة الحادة بالطرح الجريء في الجدل. من خلال عمق الوعي وتصوراته الفكرية التي يملكها من عمق المشاعر التي تلاحق مجريات الامور الملتهبة على سطح الواقع، وابراز صورتها بالتصوير الحسي والفكري، ليضرب جدار الواقع السميك الذي يقود الانسان العراقي الى الارتباك والفوضى. ويجاول يكشف متاهاته المجنونة والسريالية. ويتوغل في هذا الجدار الصلب لكي يضربه باللغة الحادة أو لغة المسامير. طالما الواقع يحرث في الزوابع المتغطرسة بصلافتها، ولا تعير أهمية للقيمة الانسانية، في معاناتها وشقائها وحزنها. تتعامل مع الانسان العراقي كبضاعة رخيصة أو منتهية الصلاحيات. ومن سوء الزمن والقدر الذي يحرث في تعميق أزمة الانسان العراقي الجديد، هو دخول الى حلبة الصراع القائم، صنف سياسي هجين ومتغطرس بالنفاق والزيف والخداع. هذا الصنف السياسي يمثل اقذر انواع السياسات القائمة، وهي سياسة المعمم.. يتناوله في نصوص السرد على شكل ألاقصوصات القصيرة جداً (لكل مجموعة قصصية متكونة من نصوص سردية قصيرة) وايضاً يتعرض الى مسألة في غاية الاهمية هي مسألة الالهة وتوابعها. كأن آلهتنا مثل آلهة الاغريق، يتفرجون على شقاء ومعاناة البشر، ولا يقدمون يد العون والمساندة، بل تتركه يسبح في برك من الازمات ولا يستطيع الخروج منها. حتى تكون حياته مشبعة بالمعاناة. كأن الانسان هائم في صحراء قاحلة تذر عليه الرمال الحارقة، ولا يعرف اتجاهات الصحراء وبوصلاتها، كل ما يشاهده سراب. يتغاوى وينادي عليه. ان الاديب (واثق الجلبي) يحاول ان يضع التوازن في المعادلة. عنف الواقع في مفرداته، مقابل عنف اللغة في مفرداتها:

1 - المجموعة القصصية. الاغتيال الازرق: نصوص قصيرة تتكون من 50 نصاً:

يقدم رويته الفكرية من خلال لغة السرد المركب (النثر / الشعر) برؤية السارد العليم في تجليات الرؤية الفكرية، التي تكشف مفردات الواقع الخفية والظاهرة، ويغوص في اعماقها يكشف معانيها ومغزاها الدال. في الاشياء الظاهرة وخلفياتها العميقة، التي تنظر الى السماء والشمس والانسان بعين عوراء، وتشير الى القمر بالاصابع المبتورة. لكي يكون المكان عبارة عن ظلام داكن. يتحرك الانسان في داخله بالمتاهة المجنونة، لكي يجر اذيال الخيبة والهوان الى حد الاختناق والمحاصرة. والالهة تتفرج على مخلوقاتها، حتى تكون هذه المخلوقات مصابة بالاغتيال الازرق، بشكل ناعم وصمت خافت. والزمن في بلاد سومر الجديد، عبارة عن نكسات متوالية. تدخل في ثقوب الروح. ويصبح كل شيء يطارده كغنيمة سهلة. حتى الصغير لا يجد ثمن رغيف الخبز. وعندما يلعلع الرصاص يرقص الموت في الطرقات. في استباحة على ضفاف ومراى من آدم وعشتار والرسل والانبياء. يتفرجون على فاجعة الانسان العراقي. في فرح سريالي مجنون (كانت خطواته الاولى باتجاه الحذر...... لم يستطع أقناع نفسه بما ستؤول اليه الامور.. سقط من جيبه معول... تراكضت الاصابع نحو نجيع أحمق.. رأى نفسه قنينة دواء من ارخص ما يكون.. نظر الى الوراء وهو يتصفح بيانات الانبياء) النص رقم 6. تدور الاسئلة حوله ولا تترك له مجال للهرب. يحمل اثقالها المنتحرة بالسؤال (العذاب الذي قضاه في حرائقه لم يشبهه ثلج آخر... فكر في ان يجعل ناره برداً فلم تتح له الفرصة... أراد أن يخنق نفسه بدخان سيكارته لكنه فشل مرة آخرى.... لم يتح له قلقه أن ينشغل بقلق آخر.. أكل نفسه دهوراً واردفها بكلمات كانت أحمق ما نطق بحياته الاسفنجية... أشترك إلهان في جسده فلم ينهض عقله المنتوء... كفر بكل شيء) النص رقم 8. و(جاء الى هذا العالم القذر وهو يلوك نفسه مراراً على بؤس هذا القاع.... كانت مداركه معطلة فأشتعل الرأس بمعاقبة الجوارح) نص رقم 18. و(جاء الى هنا.. ممتداً بين كل رجوع قبضة من دم لم يستوف حقوقه من الطعنات... كانت خطواته مستمرة في التخاذل الطروب..... ويداه مخفوق احلام وكوابيس مرتبة حسب الابجدية الغامضة) نص رقم رقم 43، وسقط في القاع المظلم.

2 - المجموعة القصصية. لحاء الطباشير: تتكون من 51 نصاً.

يسقط في كأس الاحزان المليء، ويحاول ان يلملم بعضه، لكن زفة الريح الرعناء بالتوحش تمنعه من ذلك. ينتكس في اعماقه، خوفاً من كوابيس تداهمه على حين غرة. وتجبره على يلوك احجية الموت  (بعد أن ضرسته الخطوب واعتراك الليالي.... جلس يستنطق افواه الدماء والدموع... لم تلبث أنسانيته في أنائها المكسور ماحتوت وجهه أسراب طيور مهاجرة.. كان انشغاله ساعة رمل وفنجان هوس ومصباح وحبوب بكلمات متوفية) النص رقم 11. ويحاول ان ينتشل نفسه من سراب الواقع، فلم يجد سوى رزايا الواقع تتربص به (كان غرقه جزء منه فانتشله صوت أخرس.... صار هشيماً تذروه المنون.. فانتشر راية الموت لا تمر بقبضة مكان إلا حولته زمناً بلا وقت.. وثق بئره فلم يظمأ فانحاز الى كهوف الانامل المبثوثة كالرحى في عاصفة النواعير عند مسارب الرحيل) نص رقم 19. كره عيشه منزوياً بما يقدمه افكار الجوع. تتدثر على لوعته، وان قلبه محموماً بالرحيل (وقف على جثته طويلاً.. بكى عليها.. لطم نخلة الجوع..... ورمى على جثته الطين..... قلص مشافره وركب بغلة النهار.... لم يرغب بالاستواء فعالجته الرمية... ظل يشق صدره ويخيط ماله حتى لم يؤويه زورق..... بلغت به ذروة البكاء ما لم يبلغه موسى بموعد الجبل) نص رقم 36. فأنكفأ بلوعته بأنه سيغادر هذا الواقع محموماً في قلبه ألف غصة.

 هذه رحلة آدم في بلاد سومر الجديد، الذي احتله عالم مغلف بالخداع والزيف، لكي يعلو على كل الاشياء.

 

 جمعة عبدالله

 

منذر الغزاليللشاعر العراقي المغترب: د. مديح الصادق

مقدمة: حظي الشعر بمكانة كبيرة في الثقافة العربية، وللمرأة في الشعر مكانة بارزة؛ فإذا كان الشاعر العربي يبدأ قصيدته بالوقوف على الأطلال، فإنه ينتقل بعد مقدمته الطللية إلى الحبية، يتغزّل بها، أو يصفها، أو يصف مغامراته معها. 

وظلّ للمرأة – الحبيبة المكانة البارزة ذاتها مع تطوّر القصيدة العربية، وأخذت الحبيبة دلالاتٍ أوسع من دلالتها التقليدية التي تنحصر في إبراز ذكورة الشاعر، أو أنوثة الحبيبة.

ولعلّ أبرز الدلالات التي ارتبطت بالحبيبة في الشعر الحديث هي دلالة الوطن، كأنّ الحبية هي وجهٌ آخر للوطن.

في المجموعة الشعرية التي نتناولها اليوم للشاعر العراقي المغترب الدكتور مديح الصادق كانت العتبة الرئيسية، عنوان المجموعة هو عنوان إحدى أجمل قصائدها (لي في العراق حبيبة) في حضور بارز لارتباط الوطن بالحبيبة في وجدان الشاعر، وفي قصائد المجموعة، سواء كان هذا الحضور حضوراً ظاهراً بارزا، أم حضوراً بشكل نسقٍ دلاليٍ مضمر تحت لأنساق أخرى، يحتاج من القارئ بعض التفكيك ليبرز ذلك المنسق المستتر الذي يعطي الإشارة الباطنية لرؤية الشاعر في الحبيبة وفي الوطن، سواء بسواء.

وهذه القراءة تحاول الكشف عن بعض تجليات حضور المرأة في المجموعة القصصية.

المرأة الحبيبة، الجسد

لجمال المرأة، وصورة الجسد مكانة في القصيدة العربية التقليدية، ووصف جسد المرأة هو أحد الممكنات الجمالية في القصيدة العربية.

العشيقة من لحم ودم، وبما تملكه الأنثى من عناصر فتنة وأنوثة؛ وهي على العموم أقرب إلى النسيب منه إلى الغزل، فيكشف لشاعر في قصائده بعض صفات الحبيبة الأخلاقية، وبعض محاسنها الجمالية.

ففي قصيدة (صلاة في حضرة الحبيبة) يصف حبه للحبيبة، مستعيراً بعض أوصافها الجسدية

 "حبّي لك من أنفا سك أعذبُ

مثلُ اللون الوردي في خدَّيك

بأول لُقيا

مثلُ بها ء الشفتين

الأحمر"

وقد يصل النسيب إلى التشبب بالحبيبة، فيصف بعض حالات الوصال، ولو بشكل حلمي أو وهم. يقول في قصيدة (لي في العراق حبيبة):

"في صُحوتي عيناي ترنو لها

وفي حلمي

أشاطرُها السرير حتَّى

تفضح الشمسُ أسرا رنا

أُداعبُ الشعر، تلك لُعبتي

أرشفُ الشهد عذباً

و من مبس مها الدُرَّ"

صورة المرأة القدسية

يفتتح الشاعر د. مديح الصادق ديوانه بقصيدة (صلاةٌ في معبد الحبيبة)، ولعلّ لهذا الافتتاح دلالته التي لا تحتاج تفسيرا، فالمرأة في ضمير الشاعر، وخياله، وتكوينه الثقافي جوهر قدسي، فيه حالة طهريّة رغم حضور الحالة البشرية، والتوصيف الجسدي للحبيبة وطقوس الحب؛ غير أنه في الحالة العامة، كل ذلك تفاصيل صغيرة من الصورة الأشمل، صورة الطهارة التي تصل حدّ القداسة. فما الصلاة إلا لمقدّس، وما طقس الصلاة إلا حالة طهارة تامة:

"أحببتُك فوق الحبّ

و أبهي مما عرف الناسُ

و أكبر

قدر عد د نجوم الكون

وذرَّا ت الرمل

و أكثر

أنقى من حبّ ملاك لملاك

........

حبي لك فوق الفوق

وما هو بالعادي"

بل تتمظهر قدسية الحب، وبالتالي صورة الحبيبة في تناصّاتٍ لها أبعاد دينية، مثل

 "أقسم بالتين والزيتون

وعينيك

بضفائر أمي أقسم

وخبز التنور الأسمر

وفي قصيدة  (الحب عبودية) يقول:

وليشهد كل الأسلاف من الماضين

أنك لست بأنثى

ما مثل الناس، ولا ببشر أنت

ما من ماء أو طين

ما مثل الخلق، فحسنك لا يوصف إلا

في التوراة أو الكنز أو الإنجيل

وإما في صحف الأولين"

المرأة الأسطورة

الشاعر ابن الرافدين، موطن الحضارات، ومنشأ الأساطير الأولى، عشتار، وما تبعها من أساطير تنسج على منوالها، فلا غرابة أن تتجلى حبيبة الشاعر بالإلهة عشتار، بما تحمله رمزيّتها من خصب وأنوثة وعشق:

"من غيرك ما فاض فرات

ولا رويت بابل

لا زرع قام

ولا أثمر"

ومن التجليات الأسطورية للمرأة في الديوان صورة المرأة السيدة/ الإلهة

يقول في قصيدة عنوانها (الحب عبودية):

"الروح ملكك وأنا عبدك

ماذا تأمرين؟

أعبّد الأرض باللؤلؤ، بالديباج

وكلِّ ثمين

على ريش نعام

أو أفرش روحي

أبسط قلبي

تنامين وتحلمين"

 الحبيبة – الوطن،

الديوان كله امتزاج بين المرأة بكل تجليات حضورها، وبين الوطن, فالوطن في قلب الشاعر حب كأنه الحببة، والحبيبة في وجدانه هي الوطن، هي الملاذ، ذاكرة المكان وحارسة السنين:

"نخلة داري أنت

وأنت الدار والأهل"

 صورة الجسد – صورة التاريخ، حارسة المكان والحضارات

"ليست ككل النساء حبيبتي

وما هو كسحر الباقيات جمالها

بابلَ في عينيها أرى

وفي القامة سومر لاح لي

ملوكُها

ذوائب الشعر تحكي لنا

آشور، وما حكت

لشهريار من قصص، شهرزاد

وأخبارها العجيبة

الحبية الوطن، ذاكرة الجرح

شبّه الشاعر عذاب حبّه وقسوة حبيبته بالصدود، بعذاب الوطن لأبنائه المخلصين، فالحبّ في الحالتين صادق، والعذاب في الحالتين جارح، والمقصود بالوطن ليس التراب والحضارة والأبناء الطيبين، أبدا، فالشاعر يشير إلى مغتصبي الوطن، مدّعي الوصاية عليه.

وكيف لا يكون عذاب الشاعر من قسوة حبيبته كعذابه من قسوة الوطن؟ فكلاهما: الوطن والحبيبة أثمن وأغلى ، وكلاهما: الوطن والحبيبة، عذّباه لأنه أحبهما كلّ هذا الحب:

"أنى وليت وجهي

فثمّ وجهان بلا ثالث

حبيبتي التي سرقت نومي

وفي محجريها

مكر كل النساء

شاحبا مثلما الموت

في مقلتيهما نائما كان

وجه الوطن

مرسومٌ على الجبين

حدّث السيف

قطّع الأوصال

وانتهك المحارم

واسترخص الدماء

وأغرق البلاد طولا وعرضا

بالمحن"

ويغرق الشاعر في ذكريات الحزن يفيض طوفان الذكريات البائسة، ذكريات الألم والظلم، فتتحول الحبيبة القاسية التي كان يشكو صدودها إلى ملجأ آمن يرتشف منه الصير على الذكريات.

في قصيدة حبيبتي ووجهُ الوطن:

"أيا وجه الحبيبة، مفعما بالنور

اسقني صبر اً، سأشتريه

ألا ليت لي صبرا كصبرك

يا جمل

وهل للحرّ من صبر

والسبايا كما الخراف تقاد

وبين سقط المتاع يبعن

ويشترن؟

غاباتُ جفنيها، حبيبتي، غرقى

جحافلُ الرجال كلمى

على النع ش مواكبُ قد حمّلت

والموت لا تشتهيي، حبيبتي

منهما الحياةُ، ومنهما

تُسق السُنن"

الحبيبة – الأم

حضرت الأم في أكثر من موضع في الديوان، لكن الشاعر أفرد لها قصيدة خاصة بعنوان باقة ورد لأمي

نقرأ منها:

"ما أجمل، ما أعذب

صوتك يا أم

يا نبع المحبة

يطفئ ظمئي

ومن دمك الصافي: خلق الدم

كفّاك تطعم، تكسي

بل تداوي

علّتي

عيناك أقمار

تضيء الظُلَم

أنهار هذي الأرض

من نبع أمي، تجري

منها الخير، ومنها الطيب

منها تُرضَع الذمم"

الحبيبة والصورة الصورة الميتافيزيقية:

الشريكة في رحلة الحياة، ومشوار الفراق واللقاء، والانتظار، وأمل العودة... زوجةً، أو أوختاً، أو بنتاً.

بل تأخذ بعداً ميتافيزيقياً، وتصبح الصورة هلاميّةً، شفافةً، صورةً غيبية، بألفاظٍ لها جذورٌ مادية واقعية، غير أنها تأخذ دلالات غيبية، فلا الانتظار يظل الانتظار الذي نعيشه، ولا الغائبون هم الأحبة في الغربة، ولا البيت ولا الزهور... إنها أبعاد فوقية، علوية، فيها الغياب الأزلي، وفيها انتظار البعث المحتوم، وفيها ترتيب النفس وتأثيث الضمير، وزرع الزهور في السرائر لتبقى عطرة إلى يوم لقباء لا بد آت:

"لا تقفلي الباب بالمزلاج

ولندع خاشعين

أن يعودوا

آخر الليل

حضّري ما يشتهون من الطعام

وكفكفي الدموع

قد يفزعون من سيل الدموع

رتّبي الصالة

مثلما أرادوا لها

قبل الرحيل

واسقي الزهور التي غرسوا

وادعي من ربّ الزهور

أن لا تموت الزهور

وأنْ لأعشاشها تعود الطيور"

الحبيبة وصورة الذكر والأنثى

صورة المرأة العشيقة، في مخيالنا الجمعي، امتزجت بصورة العاشق الرجل، الذكر، وثنائية الذكر وانث، وذلك الصراع الأزلي بين سطوة الذكورة، وخضوع الأنوثة, بين خشونة الذكر، ومكر الأنثى. فالشاعر في قصيدته قصة مجنونين يرسم هذه الصورة بطريقة جميلة، عذبة. يقول واصفا أقاويل الناس وأوهامهم:

"نسجوا روايات

وأشاعوا

أنكِ مغرمةٌ

غارقةٌ حتى أذنيك

بحبي

قلبك مجنون

يبحث عن مجهولٍ

عني... في الطرقات

ويقضّي الليل قبالة نافذتي

شعرا ينشدني

ويسامرني"

لكنّ الحقيقة أنّ حلم الحب يبدو منعكساً في انعكاس الصورة؛ يشدّه حبه لها، ويحلم أن تكون هي بدلاً عنه، تنشده الشعر الذي ينشدها، وتحقق أحلامه التي يحلمها:

أنذر عمري لك

يا... غدي الآتي

وأشاعوا

لخيالك يرقد جنبي

في نومي

ويحاورني

يهمس في أذني

أحلى الهمسات

أقوال... وإشاعات

وأنا لصٌّ

مذعوراً... أتسلل

سوراً.. أتسلّق

أتحدّى الناطور

وليل جحيمٍ

إياك... أبات"

الحبيبة، وصورة المجتمع الذكوريّ المتزمّت

في قصيدته  (محكمة القرية المتحضّرة جداً... جداً) يرسم صورة متهكّمة للظلم الاجتماعي الذي يلحق بالمحبين، وعلى وجه الخصوص على المرأة العاشقة، التي يخشى من تمرّدها على قيوده الصارمة، من خلال قصيدة قصصية جميلة:

"ممنوعٌ أن يجتمعا

ممنوع أن يبتسما

محذور حتى الهمس

فطهرٌ للطهر

في القرية ممنوع أن ةينبض قلب

في حب الثاني

علناً ذلك، أم في السر

في القرية أن تكفر سهل

أن تكذب أيسر

والأهون أن تسرق

تبقى المعصية الكبرى

أنْ للحب تغني

ناموس القرية

لا يُسمح أن يُخرق.

قلم الشاعر يكسر

ودواوين الحب تصادر

شمع أحمر يختم ثغره

خشية أن ينبض حبا

جهاز مراقبة يرقب صوته

خطر جدا

هذا الشاعر"

ويبقى في الديوان الكثير الكثير من حضور المرأة وتجلياتها ومقاماتها.

والشاعر كما قال أحد الأصدقاء يوماً تتوهّج قصائده بالجمال حين يكون عاشقاً؛ وهو عشقٌ إنسانيٌّ، شموليٌّ كونيٌ.

 

منذر فالح الغزالي

 21/5/2021

 

 

 

عدنان حسين احمدنص سردي يدور في فَلَك الحُب الذي جاءبعد فوات الأوان

تلجأ مريم مشتاوي في روايتها الجديدة "هاتف الرّياح" الصادرة عن  المركز العربي للكتاب في الدار البيضاء إلى تقنية القصة الإطارية Frame story التي تتضمن قصة داخل قصة Story within a story أو عددًا من القصص داخل القصة الرئيسة التي تُهيمن على المَسار السردي كما في "حكايات ألف ليلة وليلة" و"الديكاميرون" لجيوفاني بوكاتشيو لكن مشتاوي ستُدخل قصة واحدة تتعلّق بطوني وروزا وتستفيد من بُعدها الميتاسردي الذي يُغذّي الثيمة المحورية بمعطيات جديدة تمنح النص نكهة إضافية مغايرة.

يساعد استرجاع النسق الخطّي المستقيم لـ "هاتف الرّياح" في فهم الشخصية المحورية مريانا التي ألْقتها الأم عند ولادتها بالقرب من سطل للنفايات، وقد عثرت عليها امرأة عجوز سلّمتها للشرطة وانتهى بها المطاف إلى مَيْتمٍ مظلم. وعلى الرغم من تداخل الأزمنة والاسترجاعات الذهنية  Flashbacks للبطلة إلاّ أنّ الإمساك بالنسق التصاعدي للأحداث ليس أمرًا صعبًا، فقد أحبّت مريانا راؤول الذي تصغره بسنةٍ واحدة، وهو فتىً أشقر الشعر تعرّض للاغتصاب من قِبل الأب جرمان وفارق الحياة، وقد قالوا "إنّ كلبًا هاجمه حتى الموت". وحينما شبّت عن الطوق أحبّت فتى متهورًا في بيروت "سرق براءتها برضًا تام". ثم وقعت في حُب رياض، وانجذبت إلى مداراته لكنه رفض أن يقترن بامرأة نشَأَتْ في ميتم وترعرعتْ فيه، ومع ذلك فقد قبِلت بعلاقة مؤقتة واستجابت لنداءات قلبها الغامضة، وظلّت تلاحقه في المستشفيات والمظاهرات ووجوه المارّة الذين يشبهونه في الشكل والهيأة والحركات. وأخيرًا تعرّفت إلى ليث وما إن اكتشفت غرابة أطواره حتى بدأت تُعامله بحذرٍ شديد وتنبو عن عالمه الخاص. أمّا العلاقة الجوهرية التي ظلّت مخبأةً فهي صداقتها الحميمة مع "صادق" الذي كان يكبرها بثلاثين سنة، وقد أهداها في عيد ميلادها الثلاثين كتابًا وطلب منها ألاّ تفتحه إلاّ بعد أن يغادر الحياة. وعلى الرغم من اعتقادها بأنّ هذه العلاقة لا تتجاوز حدود الصداقة إلاّ أنها اكتشفت في كتابه "كم أحببتها!" حجم الحُب الذي كان يكُّنهُ لها بغض النظر عن فارق السنّ الذي يحول بينهما. وأنّ قراءتها لهذا الكتاب سيعزّز المبنى الميتاسردي لهذه الرواية التي تتعالق في أكثر من موضع مع أشعار شكسبير، وأغاني فيروز، وبعض المقولات الفكرية والفلسفية التي تلامس ثنائية الوجود والعدم، وتستنفر أفكار الحُب والشجن والتماهي مع المحبوب الذي أدار ظهره لها متذرعًا بالتقاليد والأعراف البالية التي تُوصِم كل يتيمة بـ "بنت الحرام" التي لا أصل ولا فصل لها.

نَفَس بوليسي خفيف

لا تخلو رواية "هاتف الرّياح" من نَفَسٍ بوليسي خفيف وخاصة فيما يتعلق بالمرأة العجوز التي تظهر وتتوارى فجأة مثل حلم خاطف، تُرى، هل هي القديسة "ريتا" المتحدّرة من الاسم اللاتيني "مارجريتا" الذي يعني اللؤلؤة أم هي شبح يظهر ويتلاشى فجأة وكأنّ شيئًا لم يكن؟ لقد نجحت الروائية مريم مشتاوي في بناء شخصيات الرواية برمتها لكنها برعت كثيرًا في رسم معالم المرأة العجوز وجعلت منها لُغزًا لابدّ من من حلّه وهذا هو ديدن الكاتبة المحترفة التي تُمسك القارئ من تلابيبه، وتجعله يواصل القراءة بلهفة كبيرة حتى يصل إلى الحلّ الصادم، وتتكشّف الأمور أمام عينيه، ويعيد ترتيب الأحداث من جديد في ذاكرته التي تشتتت بفعل الأنساق السرديّة التي تقوم على تقنية التلميح والتصريح، والكشف والمواربة وما إلى ذلك من وسائل فنية تعزّز الحبكة الروائية، وتحاول قدر الإمكان الذهاب في المغامرة الشكلية والمضمونية إلى أقصاها. كما أنّ شخصية الراوية مريانا هي شخصيّة إشكالية ومستديرة حقًا وتنطوي على قدرٍ من التعقيد الاجتماعي والفكري والنفسي الذي يؤهلها لأن تكون حبيبة لصادق، ونظيرة له في الثقافة والعمق الفكري، فهو الذي اكتشفها، وعلّمها على التمرّد، ودلّها على عيون الكتب التي زوّدتها بالعلم والثقافة والمعرفة رغم أنها كاتبة وصحفيّة وتعمل في قناة فضائية وتُعدّ التقارير والريبورتاجات التي يطلبها مدير القناة. وإذا كان صادق يعيش برفقة دي أتش لورنس وأودِن وفرجينيا وولف وإليوت فإن مريانا لا تتورع عن ركوب المخاطر والأهوال وهي تسافر من لندن إلى بيروت المنتفضة من أجل الحرية، وتأكيد الذات، والعيش الكريم، فهي الأخرى شخصية مثقفة، وناشطة، ومناضلة تضع روحها على راحة يدها، وتهتف مع المتظاهرين بأنّ كل الساسة في بلدها فاسدين، وأتباع لا كرامة لهم مُذكِّرة إيّانا بالشعار المدوّي الجريء "كِلنٌ يعني كِلنٌ".

توسيع دائرة الأحداث

تُوسّع الروائية مريم مشتاوي دائرة الأحداث والشخصيات بمهارة كبيرة، ففي "ميتم الأمان" في بيروت نتعرّف على مربيتها إيفون التي قَدِمت مع سائق الضيعة العم أنور لاستقبالها في المطار ومرافقتها في السكن بفندق البريستول القريب من موقع الأحداث. وحينما تتحدث مريانا عن علاقتها بالمهندس رياض الذي رفض الاقتران بها لأسباب عائلية واجتماعية وأخلاقية لا تنسى الروائية أن تعرّفنا بكامل أسرته، فأمه وأخته تعيشان في باريس ولا تتردد الأم بزيارته في لندن كلّما دفعها الشوق، وحرّكها الحنين لابنها الذي لم تستقر مشاعره العاطفية بعد. كما نتعرّف على أخويه منصور وعبدالكريم اللذَين أنجبا خمس بنات وثلاثة صبيان، كما أصبحت شقيقته التي تصغره بسنة واحدة جدة، فلاغرابة أن يؤجل زواجه لخمس سنوات قادمة، ثم يقترن بامرأة أخرى بحجة إنجاب ولد قبل أن يتزوج من مريانا رغم معارضة الأهل برمتهم لكنه لم ينفِّذ هذا الوعد الذي قطعه على نفسه. وعلى الرغم من أنّ مريانا فقدت أثر رياض إلاّ أنها ظلت تبحث وتلاحق أخباره حتى أنها اضطرت لمجاراة ليث الكئيب، والمضطرب نفسيًا الذي اصطحبها إلى مستشفى القدّيس جوزيف لكن تبيّن أنّ الغرفة رقم 7 التي يقيم فيها رياض كانت مغلقة لمدة شهر بسبب الترميمات وليس هناك أي مريض يحمل هذا الاسم، فتُصاب مريانا بانهيار عصبي وتضطر لأن ترقد في المستشفى ذاته لمدة يومين حتى تلتقط أنفاسها، وتستعيد عافيتها من جديد. تنصحها الممرضة بأن تستعير كتابًا من مكتبة المستشفى فيقع اختيارها على كتاب "رجل يلاحق القمر" لجوبير حسن وفيه نتعرّف على قصة طوني الذي فقد عقله، وروزا التي تدهسها سيارة فتفقد القدرة على الحركة جرّاء العملية الجراحية في دماغها والتي سبّبت لها شللاً نصفيًا أقعدها عن الحركة.

2486 هاتف الريح

روافد تغذّي النهر الكبير

ثمة قصص جانبية تغذّي النص السردي وتشدّ انتباه القارئ إلى أنهار فرعية لكنها تصب في خاتمة المطاف في النهر الكبير للرواية ومن بينها قصة العمّ ميشال، عالِم الرياضيات، والإنسان الذي درس الطب والهندسة، وقدّم للناس خمسة ابتكارات وانتهى به المطاف في دار المسنّين بسبب خراب الدولة، وفساد المسؤولين، وسرقة مقدّرات الشعب اللبناني. أو قصة "بائعة المحارم"، المرأة الخرساء التي كانت توزّع المناديل مجانًا إلى المتظاهرين رغم أنها الوسيلة الوحيدة التي تعتاش منها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذه القصة هي عراقية بامتياز وقد عرضتها شاشات التلفزة مئات المرات ولا أدري لماذ أدرجتها الروائية مريم مشتاوي في "هاتف الرّياح" بوصفها امرأة لبنانية؟ وثمة قصة ثالثة تتمحور على الرجل العجوز الذي يحاور جنديًا شابًا يتفهم حرقته، ويعرف ما يدور في أعماقه، ويخبره في خاتمة المطاف بعبارة مُقتَضبة شديدة الدلالة مفادها "أنا بأمرك!" التي تعني اصطفافه كجندي إلى جانب المتظاهرين، وتمرّده على أوامر الدولة القامعة. أمّا القصة الرابعة والأخيرة فهي قصة سمير، المواطن اللبناني الفقير الذي كان يعمل في منشرة تمّ إغلاقها ولم يستطع توفير الغذاء لأولاده والدواء لزوجته المُصابة بالسرطان. وحينما يشعر بالعجز الكلّي يعلّق مشنقة على الجدار ويشنق نفسه بصمت رهيب.

تقنية الإثارة والتشويق

تُعد "هاتف الرّياح" من الروايات الشائقة التي يتكشّف فيها غموض بعض الشخصيات التي منحت النص السردي بُعدًا بوليسيًا وأولها شخصية المهندس رياض الذي تعرّفنا عليه بواسطة خصلات شعره البُنيّة المربوطة إلى الخلف وقد تابعناه من خلال الرحلة الطويلة لمريانا مع ليث المضطرب نفسيًا وهو يصطحبها إلى المستشفى الذي زعم أن صديقه رياض يرقد فيه وقد تبيّن لنا في خاتمة المطاف بطلان إدعائه. ولكي تواصل الروائية مريم مشتاوي لعبة الإثارة والشدّ والتشويق تدفع شخصيتها الرئيسة مريانا لأن تسأل عن متظاهر لبناني اعتقلتهُ العناصر الأمنية وكان شعره مربوطًا إلى الخلف فيأتيها الجواب سريعًا: "إنه الثائر رياض!" لكننا كقرّاء لم نتيقّن من حقيقة هُويته. فهل ترك رياض عمله في لندن مؤقتًا وعاد إلى لبنان لكي يشترك في المظاهرات الحاشدة، ويظهر لنا بشخصية الثائر الذي غيّر قناعاته السابقة؟ إنّ مجرد الوصول إلى هذه النتيجة تبدو مُقنعة إلى حدٍ ما في معرفة مصير هذه الشخصية التي بدأ الغموض يلفّها في الفصول الأخيرة من الرواية. أمّا الشخصية الغريبة حقًا، والمثيرة للانتباه فهي شخصيّة المرأة العجوز التي تحمل السرّ الأكبر في النص السردي وقد شغلتنا بها الكاتبة على مدار الرواية وجعلتنا مُنْشدّين إلى إطلالاتها الخاطفة وهي تحمل مسبحتها اللؤلؤية المُلفتة للأنظار. لقد أجّلت مريم مشتاوي الكشف عن شخصية المرأة العجوز حتى الفصل السادس والأخير من الرواية حيث ظهرت أمام مريانا ثم توارت فجأة لكنها تركت المسبحة اللؤلؤية على عتبةٍ بيت قديم فوضعت المفتاح الذهبي، الذي سبق لها أن استلمته في علبة خشبية، في ثقب الباب فانفتح، وحينما دلفت إلى الدار  وجدت كتابًا يحمل عنوان "كم أحببتها!" وتبيّن أنّ مؤلفه صادق وقد أهداه إلى مريانا التي أحبها حُبًا جمًّا يقول فيه:"الحياة سفينة دون ربّان . . تتهادى بين أمواج وقت ميّت لا نعلم زمانه. طوبى لمن لم يركب السفينة". أمّا العجوز فهي أم صادق التي تحمل شبهًا كبيرًا بعجوز الكنيسة. وعلى الرغم من فارق الحُب الذي تشعر به مريانا بين أحبائها السابقين إلاّ أنّ حبها لصادق الذي تكشّف لاحقًا كبير لدرجة لا يمكن وصفها أو تخيّلها. دعونا نقتبس بعضًا مما كانت تشعر به:"لقد أخذ نصفي ورحل . . لم أكن أعلم أنّ حُبه لي كان رحبًا رحابة الأرض". ثم تمضي في البوح حينما تقول متسائلة:"كيف لي لم أُدرك وقتها كل هذا الحُب الذي كان يكُنّهُ لي؟".

تعالقات مع الأشعار والأغاني

ما يميّز "هاتف الرّياح" عن روايات مريم مشتاوي الأربع السابقات "عِشق" و"ياقوت" و"تيريزا آكاديا" و"جسور الحُب" هو كثرة الثيمات الرئيسة والثانوية ومن بين هذه الثيمات يمكن أن نشير إلى هذه الفكرة المهيمنة التي تقول فيها مريانا:"الحُب في نهاية المطاف كالقدر نُساق إليه من دون مشيئتنا". وحتى التعالقات التي تعقدها مع التماعات محددة من نصوص أخرى مثل الاقتباس الذي استعارته من ت. س. إليوت يصلح لأن يكون ثيمة ثانوية في أضعف الأحوال حين يقول:"لا يمكنني أن أحبّ امرأة لا تُحبّ الشعر . . فهذا يعني أنّ ذوقها رديء" في إشارة واضحة إلى تعلّق صادق بحب الشعر خصوصًا والأدب بشكل عام. لابدّ من الإشارة إلى ثيمات أخر تزدان بها الرواية من بينها ما قاله رياض:"لن يكتمل الحُب إن لم تنفخ المرأة عطرها في روح الرجل"،. أو ما قالته سوسن، صديقة روزا، وهي تقرأ مقطعًا شعريًا لشكسبير في مسرحية عُطيل يقول فيها:"لا تحاول أن تستمر في حياة لا تجد فيها مكانك. التقط روحك وطر بها إلى مكان آخر. قد يكون الأعلى الشفيف أو قد يكون المهوى السحيق. حاول أن تستمر في حياة تحضنك بدون وجع".

تسرّب المَحْكيّة إلى النسيج الفصيح

لا شك في أنّ لغة مريم مشتاوي فصيحة وعذبة ومنسابة لكنها تستعمل المحْكيّة أحيانًا أو تتسرّب إلى نصها السردي من دون وعي مثل كلمة "طابة" التي تعني بها "كُرة"، أو كلمة "شنطة" التي يقابلها في العربية "حقيبة" وكلمة "شنطة" çanta كما هو معروف تركية وتستعمل في الفارسية أيضًا. كذلك ترد كلمة نهر التيمزThames The في الرواية لكن المؤلفة تكتبها "التايمز" خلافًا للصيغة الصوتية المتّبعة لدى الإنكَليز. وهناك أخطاء إملائية في عدد من الكلمات من بينها "ساوث بنك" حيث كُتبت ثلاث مرات "سواث، وثاوث، وساوس" وهي منطقة تجارية وترفيهية معروفة في قلب لندن.

تنجح مريم مشتاوي في خلق حبكة روائية متميزة في هذه الرواية إلى الدرجة التي نلمس فيها قدرتها الكبيرة على التلاعب بالأزمنة سواء من حيث التداخل أو الاسترجاع الذهني أو الاستباق وما سواها من تقنيات زمكانية تُدلل على حِرفية الكاتبة التي تمزج بين التقنيات القديمة والحديثة. كما برعت أكثر في تطوير شخصيات نصها الروائي بطريقة ذكية تُغبَط عليها حقًا وخاصة فيما يتعلّق بمريانا ورياض وصادق والأم العجوز.

تُسجل مريم مشتاوي طفرة كبيرة في "هاتف الرّياح" عن رواياتها الأربع السابقات، وهي تكشف بشكل لا يقبل الجدل عن قدرتها السرديّة التي تتطور باطّراد. كما تكشف مضامين هذه الرواية عن طاقتها الفاذّة في تطعيم النص السردي بأفكار ومهمينات تجمع بين الفكر والشعر والفلسفة، ولا تجد حرجًا في مواجهة مَواطن الضعف لدى رجال الدين في المؤسسة الكهنوتية التي تُخلخل هي الأخرى منظومة القيم الأخلاقية في المجتمع اللبناني على وجه التحديد، وهو صورة مصغرة للعالم العربي والإسلامي برمته.

 

عدنان حسين أحمد

 

الحسين بوخرطةقراءة نقدية للقصة القصيرة "البحث عن قبر الشاعر البياتي" للدكتور علي القاسمي.

المجموعة القصصية "أوان الرحيل"

من خلال ملاحظة العنوان "البحث عن قبر الشاعر البياتي"، وبداية النص المعبرة عن حالة نفسية عادية "... سافرت من مقر عملي في المغرب إلى سورية للمشاركة في مؤتمر مجمع اللغة العربية في دمشق ... وصلت قبل يومين بسبب مواعيد الرحلات الجوية ... جاءني (الأخ من العراق) إلى الفندق ضحى يوم الجمعة ... سلام وعناق وحديث طويل عن الأهل والأصحاب..."، ونهايته "تذكرت غربة البياتي، وتذكرت غربة الشيخ محي الدين بن عربي التي لم تطالب الأندلس باستعادة رفاته، وتذكرت غربة العراقيين في بلادهم، وتذكرت غربتي، وبدون أن أدري ترقرقت دمعة في عيني،..."، وبعض المشيرات الهادفة "...أتلوا الفاتحة على روحه ... ولد (البياتي) بالقرب من صوفي –الشيخ عبد القادر الجيلالي- ودفن بالقرب من صوفي – الشيخ ابن عربي- ...عرفنا المحافظ من لهجتي التي لم يندثر لحنها بعد خمسة وثلاثين عاما على فراق العراق ... للقبر شاهد مرتفع نوعا ما (قبر البياتي الذي ألف الآلاف المؤلفة من العبارات الشعرية الأخاذة وأغنى بها اللغة العربية لفظا ونحوا ودلالة)... كُتِبتْ على قبره عبارة واحدة فقط، مبتسرة ركيكة التركيب... ذهني حلق بعيدا في فضاء حزين من الذكريات... شاهدت الدمع تتجمع في عينيه (البياتي) مثل غيمة تسوقها الريح... "، يتضح أن قصة القاسمي تعالج قضية نفسية، قضية سارد ووطن وإقليم.

إنها نفسية حزن وعذاب وألم وحسرة واغتراب خيمت وتخيم على أنفس وأرواح المفكرين والمبدعين، الأحياء والأموات، داخل وخارج البلدان العربية. إنها نفسية السارد، والشاعر، والأديب المبدع، والمفكر العالم، ... فالبياتي، الشامخ في الذاكرة الثقافية العربية، كما هو الشأن بالنسبة للكاتب، قاوم بشراسة بالقلم والكلمة، مرددا برقي وسلمية صدى العبارات الإبداعية والكلمات المنحوتة في شمول الفضاء العربي الشاسع، زاخرة بالحب والحزن والقيم الإنسانية وبواعث الانتماء الكامنة. ولد بالقرب من صوفي، ودفن قرب صوفي آخر، لكنه أحب الحياة كما تمناها للعراقيين بصفة خاصة والعرب بصفة عامة، متشبثا بدون استياء بالنضال من أجل الكرامة داخل الوطن. سطع نجمه وبزغ لامعا من خلال حياة متاخمة لموقعين زاهدين، الأول احتضن فرح ولادة والثاني استضاف الرفات بعد الوفاة.

لم يستسلم (البياتي) لطلبات وتغريرات الارتماء في حضن الصوفية، كمجموعة طرق وسلوك في العبادة والتنسك، لأنه كان يعتبر بإيمان المبدع أن نزعة الهروب، هروب الزهاد، ما هي في العمق إلا ردود أفعال مناوئة للتغطرس وانعكاس مباشر للمبالغة في ممارسة القمع والتسلط النسقي باسم الدولة الراعية. تابع كيف تبدلت أحوال وأحلام الناس، وبارت أمانيهم، وتكسرت علاقاتهم الاجتماعية، واستسلمت النفوس الزكية للهروب بعيدا، لتتفرغ للأذكار والخلوة بالنفس، لتزداد قوة عزيمة الشاعر في البوح الفاضح لمساعي إبادة أرواح الأوطان العربية وكبس أنفاسها، جاعلا من الكلمة المنحوتة بالدقة المتناهية سلاحا عتيدا للمقاومة، ومواجهة مخاطر السباحة ضد تيار الحاكم. إنه ابن حضارة بلاد الرافدين المجيدة والمتسامحة بصداها المدوي في فضاء الحضارات التاريخية. السارد، كما البياتي، تعايشا مع الصوفي الذي انتابه الاعتقاد، أمام تكدر المعيش وشيوع الفواحش والاعتداءات على كرامة كينونة البشر، أن الخلاص يوجد في الغوص في صفاء القلوب وركوب الطريق السوي.

 إن سطور هذه القصة الرائعة، تحمل بين طياتها دلالات استفحال مقت النظام العسكري للمبدعين بالعراق، مقارنة مع الدول العربية الأخرى. فالانقضاض القسري العنيف، بالحديد والنار، على فضاءات العيش المشتركة داخل الوطن الواحد، لا تولِّد إلا الزهد أو الإرهاب أو التيه والتفاهة. فإذا كان الزاهد يحرص على التفرغ للعبادة وإهمال الدنيا وطلبها والتقليل من شأنها والرغبة في دار البقاء، فإن النزوع إلى الإرهاب عنوانه الحقد والرغبة في الانتقام، لتستسلم فئات من العامة إلى الصمت والخوف والمسايرة اليومية لتعبيرات الدونية، مقتصرين بالتشبث بالبقاء على قيد الحياة بدار الفناء. إنها بدع أنتجها وأذاعها الطاغوت عربيا في أذهان الأجيال المتعاقبة.

فخصائص القصة من حيث الحالة النفسية تزكيها بقوة دلالة المكان (سورية المتفاعلة والمتاخمة للعراق -مؤتمر مجمع اللغة العربية في دمشق)، والزمان (أوائل شهر أكتوبر – يوم الجمعة وإقامة صلاتها وزيارة قبر البياتي)، والشخصيات برمزيتها الكبيرة (السارد كشخصية رئيس، أخو السارد الذي تحمل عناء السفر للقاء شقيقه بعد سنوات عجاف من الفراق، البياتي نفسه قيد حياته، القيم على الضريح، ومحافظ المقبرة وابنه).

كما نجدها في قطع متواليات السرد من خلال استثمار الكاتب لخطاطته السردية بإبداع لافت. البداية كانت عادية نفسيا (وصول إلى الفندق، لقاء الأخ بحب وعناق وشغف). لكن البراعة ستزداد ارتقاء في منعطف أحداث الوضعية الوسطية المخلة، فالشخصية الرئيس (السارد) سيرتبط بأحاسيس جديدة ستغوص به في عالم ذكريات الأحزان (البحث عن قبر عبد الوهاب البياتي رمز جدلية اليأس والأمل). إنها وضعية انجذاب اصطفى وامتثل من خلالها وجدان السارد متنكرا للذات، عكس الأخ الذي كان يطمع في لحظات متعة ذاتية مع أخيه (استشهاد: تبادر إلى ذهني أنه كان يرغب في اصطحابه إلى مطعم فاخر في أحد المصايف الجبلية الرائعة)، باحثا عن قبر الشاعر البياتي (استشهاد: رآني أتهيئ للخروج؟ أين ستأخذني؟ قلت : "سنذهب إلى ضريح الشيخ محي الدين بن عربي للبحث عن قبر المرحوم عبد الوهاب البياتي، لأتلو الفاتحة على روحه". فبقدر ما ازدادت الرغبة عند الأخ للهروب إلى فضاء رحب وممتع، وأن يستل من مآسي تراكم القتلى والموتى (استشهاد: ألم نشبع من القبور والمقابر في العراق؟)، اشتد الحرص الدائم لدى السارد للتشبث بكينونته الإنسانية ونضاليتها (استشهاد: هذا قدرنا).

أما في وضعية النهاية، فقد تم التعبير بأمل عن مآسي الذكرى، مآسي الغربة والهروب من الفظاعة، والويلات التي تحملها وتكبدها الشعراء والأدباء والمفكرون ورجال الفن المبدئيون والملتزمون بالقضايا العربية. والسارد في طريقه إلى اندونيسيا، توقف ذات مرة في عمان قاصدا شقة البياتي، ليتم إخباره بانتقاله إلى دمشق للإقامة فيها. إنها وقفة تذكَّرَ فيها مقطع من ديوان المغترب النازع إلى الموت تحت عنوان "قصائد حب على بوابات العالم السبع"، الذي يقول فيه: "عدت إلى دمشق بعد الموت/أحمل قاسيون/أعيده إليها/ مقبلا يديها/فهذه الأرض التي تحدها السماء والصحراء/والبحر والسماء/طاردني أمواتها وأغلقوا علي باب القبر". توجس خوفا، ليسترسل في استرجاع شريط الذكريات القاسية (غربة البياتي، غربته هو نفسه، غربة محي الدين بن العربي وآخرون). أما الأخ، فقد رمزت وضعيته النفسية غير الآبهة إلى الإنسان العراقي الذي لا يعبأ بمجريات الأحداث بوطنه، المغترب في بلاده، وغير المكترث خوفا من عواقب الكلام في السياسة والفكر، والميال إلى الصمت والعيش بما يضمن الروح في الجسد (استشهاد: عندما استدرت خارجا من المقبرة صامتا واجما، وأخي يتبعني من غير أن يتكلم).

بأسلوب حواره الداخلي، الذي امتزج فيه الخارجي، وبأسلوب سردي من الخلف، غاص بنا الكاتب بشخصيته الساردة الرئيس في فضاء إبداعي سلس، بحبكة قياسية الإتقان، وببناء فني مرصوص، وباختزال يبهر، أهدى للقارئ خطاطة سردية منظمة بمقاطعها ومقاصدها الدلالية، زارعا الأمل في استنهاض الضمائر والهمم. لقد عبَّر، بنفحات امتزج فيها الفرح والتوتر والانفعال والحسرة والحيرة، عن جرح غائر في نفسه، لا يضمده إلا الأمل في غد أفضل، الأمل الذي لا يكل ولا يمل بهمساته وصيحاته في مناداة المثقفين العرب للوحدة في التعبير عن الكلمة الهادفة وإيصال مدلولها إلى نفوس الأفراد والجماعات. إنه الأمل في غد أفضل الذي يجب أن يعضوا عليه بالنواجد متضامنين ومتعاونين وموحدين إلى حين التخلص من غبار التخلف والانحطاط. فعلا، لقد ربط الكاتب ما عاشه السارد من أحداث مؤثرة بشخصيات من عظماء الحضارة العربية. أولهم عبد الوهاب البياتي، الشاعر نجم أدباء العراق المغتربين، اللغوي والأدبي المبدع اللامع، والصحافي المقتدر، الذي تكبد الويلات بسبب مواقفه الوطنية، والتي كان أبشعها فصله من وظيفته واعتقاله. عاش مغتربا متنقلا بين الأقطار شمالا وجنوبا. سافر إلى سوريا، ثم بيروت ثم القاهرة. احتضنه بحنكته وخبرته الاتحاد السوفيتي، واشتغل في جامعة موسكو الحكومية، ثم باحثا علميا في معهد شعوب آسيا. جاب العالم وأقطار الدنيا رحالة ومهاجرا ومنفيا وثائرا ومفكرا، وبقي مرتبطا بحق العودة وانعتاق الشعب العراقي من التسلط، وظل منارة أرض سومر وشاعر الحنين والمنافي، مستلا بعقلانية من الصوفية ليعانق المرحلة الرومانسية والحداثة (مقطع من أشعاره: نحن من منفى إلى منفى ومن باب لباب / نذوي كما تذوي الزنابق في التراب / فقراء، يا وطني نموت وقطارنا أبدا يفوت…).

انتقل بنا السارد إلى مسقط رأسه معلنا أن البياتي ولد في بيئة شعبية صغيرة وفقيرة (عام 1926) بالقرب من مسجد وضريح الصوفي الشيخ عبد القادر الجيلاني في بغداد. وهذا الأخير كان علامة عصره في علوم الشريعة. تابع طلبه للعلم، ورحل إلى بغداد ودخلها سنة 1095 ميلادية وعمره ثمانية عشر عاماً. انتسب إلى مدرسة الشيخ أبو سعيد المخرمي. عايش الفوضى التي عمت كافة أنحاء الدولة العباسية، وويلات هجومات الصليبيين. إنها ولادة قرب رجل مقدام استطاع بالموعظة الحسنة مجابهة الحكام الظالمين مغذيا روح المقاومة عند الناس محذرا إياهم من الانصياع للطواغيت (أشهر عباراته: "صارت الملوك لكثير من الخلق آلهة. قد صارت الدنيا والغنى والعافية والحول والقوة آلهة، وبحكم جعلتم الفرع أصلاً، المرزوق رازقاً، والمملوك مالكاً، الفقير غنياً، العاجز قويا والميت حياً، .. إذا عَّظمت جبابرة الدنيا وفراعينها وملوكها وأغنياءها ونسيت الله عز وجل ولم تعظِّمه، فحكمك حكم من عبد الأصنام، تصيّر مَنْ عظّمتَ صنمَك"). لقد اغتنم يوما وجود الخليفة في المسجد وخاطبه ببسالة من على المنبر قائلاً "وليت على المسلمين أظلم الظالمين وما جوابك غداً عند رب العالمين". ومن أبرز أقواله الشهيرة: أن يجتنب المتعلم الكذب هازلا أو جادا/أن يجتنب لعن أي شيء من الخلق/أن يجتنب الدعاء على أحد/أن لا يشهد على أحد من أهل القبلة بشرك/أن يجتنب النظر إلى المعاصي/أن يجتنب الاعتماد على الخلق في حاجة صغرت أو كبرت/أن يقطع طمعه من الآدميين/التواضع، وبه تعلو المنزلة.

ألحق السارد القارئ به، ليجد نفسه واقفا أمام معلمة تاريخية ثالثة، وهو الشيخ محي الدين بن عربي (استشهاد: سنذهب إلى ضريح الشيخ محي الدين بن عربي (1165-1240م) للبحث عن قبر المرحوم عبد الوهاب البياتي، لأتلو الفاتحة على روحه). هو واحد من أكثر المتصوفة والفلاسفة العرب تأثيراً. كتاباته لا تزال تتمتع بشعبية كبيرة، وتعطي اليوم أجوبة هامة على المقاربات الأصولية في الإسلام. لقد كان خبيرا في الشؤون الدينية المرتبطة بالتجربة الكونية الروحية الضمنية، وساعده الشعر في التعبير عن اجتهاداته المبهرة. بفضله انتشر الإسلام في عدد من أقطار آسيا. يُعتبر أحد الأشخاص ذوي الكرامات في دمشق، وله صورة براقة في بقية العالم الإسلامي، ونجم كوني برؤاه في شأن التسامح والتناغم بين الأديان. يعد من رواد تشكيل حضارة عالمية إنسانية بالكامل، الداعين إلى الإبداع والتعاون العميق الذي ينبع من فهم روحي حقيقي للدين، مستندا على فهم عميق للقرآن، منتجا بذلك للمعاني المتعددة والمتداخلة. كان من دعاة رقي الإنسان بإنسانيته بطموح الإتحاد بخالقه تعالى. لقد كان دائما يردد أن الحكم نتيجة الحكمة، والعلم نتيجة المعرفة، فمن لا حكمة له لا حكم له، ومن لا معرفة له لا علم له.

بعد ذلك يدخل السارد صحبة أخيه لمسجد محي الدين بن عربي. أديا صلاة الجمعة، بارزا دلالة جواب القيم على ضريح الشيخ :"لا يوجد أي قبر بجوار الضريح، ما عدا قبر الأمير عبد القادر الجزائري، ملفتا نظر القارئ أن قبر المقاوم للاستعمار بالجزائر قد استعادته الدولة الجزائرية بعد الاستقلال، متسائلا بغليان وحزن شديد: متى يستعيد العراق رفات البياتي والجواهري ورفات مئات نوابغه الأحياء والأموات؟ الأمير عبد القادر ابن محي الدين المعروف بـ عبد القادر الجزائري ولد في قرية القيطنة قرب مدينة معسكر بالغرب الجزائري سنة 1808 ميلادية، هو قائد سياسي وعسكري مجاهد عرف بمحاربته للاحتلال الفرنسي للجزائر. يتلقى السارد هذا الجواب لينقاد لضغط الذكرى وذكريات الأحزان مستحضرا مقبرة الغرباء بدمشق التي تحتضن النوابغ من أبناء العراق، تحتضن الكثير من رفات نجوم الإبداع في هذا البلد الأبي الساطعين في مختلف المجالات، أمثال الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري والشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي والشاعر مصطفى جمال الدين وغيرهم. في حين هناك حيرة كبيرة لم يجهر بها السارد تتمثل بعدم معرفة أين دفن الكثير من مبدعي العراق الذين ماتوا في الغربة.

أثار السارد الارتباط الوجداني للبياتي بالمغرب حيث خصص لذلك فقرة هامة في القصة (استشهاد: "كان يأتيني إلى المغرب في بعض المناسبات الثقافية، وأحيانا بدون مناسبة، وكنت أعلم أنه يأتي إلى المغرب ليرى ملامح الوجوه العربية وليسمع اللغة العربية في الطرقات، وليتناهى الأذان من المنابر إلى أذنيه، وليشاهد المنازل والبنايات المشيدة بالعمارة والريازة العربيتين، ويروي عينيه بالأزياء العربية التي يرتديها الناس"). وأضاف جملة مغمورة بالرمزية قائلا: (استشهاد: "وبعبارة أخرى كان الشاعر في حاجة إلى رؤية جمهور قراؤه العرب وهم في بيئتهم العربية ليتمكن من قول الشعر باللغة العربية). سافر بنا كذلك إلى عمّان، بارزا بعد ذلك مكانة الامتداد الإسلامي إلى الباكستان في وجدان شاعره الفذ عبد الوهاب، محدثا وقفة سردية محزنة معبرة على تعلقه بنوستالجيا موسكو (استشهاد: رأيت ملامح وجهه تتغير (البياتي)، ثم شاهدت الدموع تتجمع في عينيه مثل غيوم تسوقها الريح. سألته عن السبب، فقال: إنها قصائد الشاعر المرحوم أنصاري الذي كان زميلي في المنفى بموسكو).

خلاصة القول، لقد أمتعنا الكاتب بهذه القصة الرائعة للغاية بما أثارته من تشويق، وكسر لرتابة السرد من أول كلمة في التقديم إلى آخرها في الختم. لقد أبرز للقارئ، تارة بشكل مباشر، وتارة عبر رسائل مشفرة، أن أحسن وسيلة للتخلص من الشقاء والموت هي الاعتصام بالخيال والقناعة والرضا وعدم الاستسلام للوهن والأحزان. بأسلوبه السردي المتين، واستعماله الأساليب الإبداعية الحجاجية، علمنا ما معنى الانتماء إلى العروبة، ونبهنا بمزيج من الشعور والفكر أن استعصاء احتضان تراب الأوطان العربية لكل أبنائها وبناتها ما هو إلا حالة نشاز غير طبيعية، وأن بناء الغد يتطلب صحوة الذات بأبعادها الشعورية واللاشعورية، لتنتزع الحق في التعبير عما تفيض به النفوس من أحاسيس وأفكار وعواطف ونوازع وطنية والقواسم المشتركة في أبرز منطقة تتوسط جغرافية العالم، فارقة شماله وجنوبه، ومحدودة ما بين الخليج والمحيط. وطن حضاري عريق بذكريات عوالم ووجدان رواد اللغة العربية.

غادرنا البياتي في الثالث من أغسطس/آب 1999 ميلادية عن عمر 73 عاما، قضى أغلبها في المنافي، كانت دمشق آخرها، وجاء حسب وصيته بأن يدفن في مقبرة بن عربي الصوفي الذي عشقه شاعرنا، مرددا أكثر من مرة "إنني أعد العدة لكي أنام إلى جوار شيخي". السارد، مطرقا بقدميه على تراب سورية، وهائما في ملكوت وجدانه خارج الفضاء الدمشقي، وهواجس الأخ تتابع الخطوات بملل وحيرة مرتبطة بنوازع الذات، يناشد العراق، الوطن الحضاري الباشق الذي يئن جراء العنف القاسي المسكون بعقدة اغتال مادته الرمادية داخل الروح الشعبية، لاسترداد رفات مبدعيه المنفيين. فعلا، قيل للسارد أن البياتي اختار مكان دفنه، ليقرر السارد الالتحاق به مشيا على الأقدام إكراما له، بدون أن يعلم أن المقبرة في اتجاه قمة الجبل. لم يكن هناك أمامه من سبيل سوى التسلق صاعدا، وصل هو وأخيه والإجهاد باد عليهما. لم يجده في المقبرة المنعوتة بل في ملحقة لها. الموقع تضلله شجرة صفصاف وارفة ينبعث منها نوح حمامة محزونة، أما لوحة قبره (الشاهد المرتفع)، على تراب محكوم بنظام مشابه، لم تجسد قيمة الرجل لغة ولفظا ونحوا، بل تغذت ركاكة وابتسارا

 

الحسين بوخرطة

 

 

السعيد بوشلالق- أستفتحُ هذه القِراءة بهذا الاقتباس من نفس الرِّواية: (مَنْ لا يَعي القراءة جيداً سينحت الحروف والفواصل بعيداً عن تمثال الحقيقة) ص 62. فلعلّ أزميل القلم ينحت ذلك التمثال..

- الكاتب هو سليم بن اعمارة من مواليد عام 1977 بمدينة بوسعادة، الجزائر

- الرِّواية صدرت عن دار الماهر للطباعة والنَّشر والتَّوزيع. العلمة. سطيف. الجزائر. الطَّبعة الأولى 2019. من الحجم المتوسط بـ 210 صفحة.

- تتوزع الرِّواية عبر أربعة أجزاء هي: - رِيح الرَّماد. - صِراع الاتزان. - جُرعة الألم. - لمسة الكفن.

- سيميائية الغلاف والعنوان: القراءة السِّيميائية تسعى إلى التركيز على الدلالات والعلامات، بدايةً بقراءة الغلاف؛ فالغلاف بلونه الأسود يُحِيل إلى العشرية السَّوداء التي عرفتها الجزائر في تسعينات القرن الماضي، يظهر في السَّواد تشكيل شخص غير واضح الملامح تشي صورته إلى سوداوية المشهد وضبابيته حيث تداخلت الأحداث والمعلومات والبيانات وتأثيراتها على الواقع وأصبح الجميع يشك في الجميع. (.. ما أمْقُتُه في ظِلِّي هو سواده هل هذا أنا..؟ أهذا عالمي..؟) ص 51.

ونقف عند عتبة العنوان باعتباره تعريضاً للنص، ويشكل بنية دلالية كبرى تساعد القارئ على فهم دلالات النَّص. حيث جاءت كتابة العنوان (شاهد على شفرة) بالأبيض و(الكنيف) بالأحمر، لون الدم، فجاء التأثير ملفتاً لنظر القارئ المتطلع إلى قراءة نص حافل ممتلئ يروي شغف القارئ معرفة، فما الرِّواية إلَّا نص ماتع للكاتب والقارئ معاً. يقول السَّارد في ربط واضح بين عمق المتن والعنوان (لعنة الله على مَن سماها السِّلاح الأبيض، إنّه السَّواد بعينه، والله إنّ الرَّصاص مسالم مع حِلكَة سواد الخناجر. لو خيَّروهم قبل قتلهم: أتختارون الموت بسلاح أبيض. لاختاروا كُلَّ الألوان إلَّا الأبيض..) ص 146. وعن معنى (شفرة الكنيف) في الموروث الثَّقافي الشَّعبي في المنطقة التي تدور فيها أحداث الرِّواية في مسعد بولاية الجلفة، فهُم يُسمون الشفرة أو السكين باسم (الكنيف)، أما في اللغة العربية فيقصد به المرحاض أو الساتر أو الترس. طبعاً لفظ (الكنيف) هُنا في الرِّواية لا علاقة له بالمعنى اللُّغوي بل بدلالته في الموروث الشَّعبي للمنطقة التي تدور فيها أحداث السَّرد. يتماهى العنوان مع المتن ليدل على عمليات الذبح الجماعي للمواطنين الأبرياء العزل من الجماعات الإرهابية المسلحة في تلك الفترة المظلمة من تاريخ الجزائر التي تفرق فيها أبناء بعض العائلات بين من كانوا في صفوف رجال الأمن والجيش ومنهم من التحق بالجماعات الإرهابية المسلحة. فبات الأخ يقتل أخيه في هستيريا مرعبة. (الأخوة يأكلون بعضهم بعضاً، أولادنا يقتلون بعضهم بعضاً) ص 47.

-عتبة النَّص: يستفتح الكاتب سليم بن اعمارة متن الرِّواية باقتباس للرِّوائي الكبير غابريال غارسيا ماركيز نصه: (ضع بعض أحجار ساخنة على تلك الجراح). قد لا يُدرك القارئ المغزى مِن هذه العتبة إلّا بعد أن يغوص في عمق الرِّواية إلى نهايتها. وهو ما يدفعه ليسأل هل يمكن للأحجار السَّاخنة أن تداوي الجراح؟.. إنّ الكاتب أراد بهذا الاستفتاح أن يخدم محتوى ومضمون النَّص. فهو يشير إلى أن آخر العلاج الكي. غير أن الحجارة السَّاخنة تكون كالسِّكِين السَّاخن يمكن أن يُشفي ويمكن أن يقتل.

- أحداث الرِّواية: الشَّاهد في هذه الرِّواية يسرد أحداث حقبة عايشها خلال العشرية السَّوداء والحمراء التي عرفها القُطر الجزائري، وفي الرِّواية بالتحديد قرية سلمانة بمنطقة مسعد بولاية الجلفة بالجزائر، ويروي ما حدث في المنطقة من أعمال إرهابية، ولعلّ القارئ يستشعر أن أحداث الرِّواية واقعية فهي تأخذنا نحو صِدام الذَّاكرة، ونسير معها على شظايا الألم، والحرية، والوطن، والخيانة، والنِّفاق... تتحرك شخوصها وتتقاطع أحداثها في زمن بداية العشرية السَّوداء بالجزائر، لترسم لنا بشاعة الإرهاب ووحشيته.

2484 ابن عمارة سليمتتشابك أحداث الرِّواية ابتداءً من سنة 1994عندما يفترق الأخوين "أحمد" و"عيّاش" "بطل الرواية" من عائلة واحدة، لتتفكك الأسرة ويجدا نفسيهما وجهاً لوجه بالسِّلاح، عندما يلتحق "عيّاش" بالجماعة الإرهابية بعد وفاة والده في المستشفى وما حدث له مع الطَّبيب عبد الباقي هناك (نظراتُ الطّبيب باستِحقار إليه، بينما يحمل والده وهو في آخر لحظاته، ذلك الشُّرطِي يتملَّقُ بهم وهُمْ فِي طريقهم إلى المُستشفى، زواج أُخْتِه، وتِلك الصَّداقات التي تغيِّر وجهتها، كُلُّها أحقادٌ تدفعه لِيكتسي حُلَّة الإنسان الأخر، وتُنير له دربه المُتلاطم، كُلّ لحظة سيدنو أكثر مِن الجماعة ويمحو كُلّ بصمة مِن شخصه.) ص 114، يحاول عيّاش أن يُعوض خساراته، لكنه تعويض بمثابة هروب إلى اللاشيء، فهو حائر ومتناقض، شخصية قلقة مضطربة مشوشة بين العبث والضَّياع. وفي الوسط الدَّموي الجديد الذي انتمى إليه يكتشف حياة "أبا ذر" وهو اسمه الجديد بين الجماعة الإرهابية، حيث يصارع ذاته بما حمله من خير وبما سيحمله من شر، متخبطاً في أفكاره، يتقاطع بأحد أفراد الجماعة الإرهابية في شخص "الرُّوجي" كهل متضارب الأفكار، خلافه مع أفراد الجماعة المسلحة حيث البحث عن القوة والسُّلطة، وحمايته لـ "عيّاش" الذي يرى فيه صورة أخيه الذي تلاعبت به أيادي من الجماعة نفسها.. الكُلّ يشكُ في الكُلّ، والجميع يرتاب في الجميع.. (أترى ظلك.. لا تأمنه، إنه يُلازمك فقط عندما يسطع النُّور) ص 159.

الخيانة حتى عند بعض أفراد مصالح الأمن حيث الوشاية تطمس الحقائق، يُصارع "أحمد" رجل الأمن في مسعد والأخ الأكبر لـ "عيّاش" مفترق طرق أو قد يكون ملتقى طرق، مقتفياً آثار الجماعة الإرهابية في قرية سلمانة، متخفياً بصفة أحد أفراد الدِّفاع الذَّاتي، ليكتشف خيانة ضابط في جهاز الأمن كان له اتصال بالجماعة الإرهابية.

"أحمد" رجل الأمن في مسعد والأخ الأكبر لـ "عيّاش" يلوم نفسه على أنّه لم يتقرب من أخيه مما كان يمكن أن يساعد على إبعاده عن الانخراط في هذه الجماعة المسلحة يقول: (كنتُ بعيداً عن أخي.. لا أستمع منه إلَّا الأخبار التي تسُوء. ولا أُحاوره إلَّا لِعِتَابٍ.. لم أقرأ صفحته كاملةً يوماً.. كُنتُ أقرأ إلَّا بعض السُّطُور.) ص 181.

"بختة" أخت "عيّاش" يجمعها القدر بالزواج بـ "عيسى" مصور القرية، وهو أخ الطبيب "عبد الباقي"، هذا الطَّبيب الذي يفاجئ الجميع في النِّهاية كونه هو أمير الجماعة التي يحركها من بعيد، "الزّردي"، "الباز"، "الأزرق"، و"الجزار" مجموعة دموية تتصارع فيما بينها وهي تتحرك بعدة أوجه. ليكتب في النِّهاية أن تسقط الأقنعة وتتشابك الأحداث في موقف واحد حيث لا نهاية لشرٍ صنعه الإنسان، إنه الإرهاب لثام لا يؤمن بالمكان ولا الزمان.

تختتم الرِّواية بنصب حاجز مزيف، كانت الحافلة تَقِلُ أخته "بختة" وزوجها "عيسى"، يُعتدى بالضَّرب والتهديد بالذَّبح على أخته وزوجها، وذلك كُلُّه على مرأى من "أبو ذر" الذي لم يستطع الدفاع عن أخته وزوجها وهو بين الإرهابيين، وعلى مرأى أيضاً مِن بعيد من أخيها "أحمد" الذي كان هو ودوريته التي تتبعت الإرهابيين تنتظر الإذن بالهجوم عليهم.. وفجأةً تصل سيارة مِن بعيد ويصيح أحدهم: الأمير وصل الأمير.. وصل الأمير. لم يكن أحد يعلم بأن "عيسى" زوج "بختة" هو أخ الأمير. وفي هذه اللَّحظة (يُدرك - الأمير- أن مُعظمهم قد اكتشف حقيقته، فَهُمْ يعرِفونه كَطَبيب في مستشفى المدينة، أما اليوم فهو مُدبِّر الحاجز المُزيف. فهذا سِرُّه ولا بُد أن يموت معهُم.... - اِقْضِ عليهم.. وتأكد مِن موتهم.) ص 204. في نفس تلك اللحظة تشن دورية الأمن الهجوم على الإرهابيين ويتم القضاء عليهم. واعتقال "عيَّاش - أبو ذر" بعد أن باءت طريقه بالفشل. (حدَّق عيَّاش إلى أخيه أحمد ثُم قال: إنه الإرهاب.. يختفي ورائنا لِيُلبس كُلّ واحدٍ مِنا ريحه التي يعبق بها المكان، لكن في جوفه آلة لحصد الأرواح، إنه لا لون له فهو يحمل كُلّ الأقلام، ولا طعم له فهو يحمل كُلّ الأذواق، ولا رائحة له فهو يحمل كل الأنفاس. الفرق بينه وبين الماء، أن الماء خُلِق للحياة، والإرهاب خُلِق للموت.) ص 208.

وفي رمزية وإيحاء إلى ألم وحزن الوطن الذي جمع فيه كُلَّ الأطراف المتناحرة من أبنائه، يقول السَّارِد: (منذ غياب عيَّاش وبعد زواج بختة، ساءت الأحوال.. البيت الذي كان يجمعهم ضربه طنين الفراغ، لم تعُد فيه روح.. السُّكون يملأ جُدرانه.. كآبةٌ ترسبت في زوايا البيت.. كُلّ شيء ملمسه بارد. إنّه الكدر الذي يُلازمنا. لم يعُد للأفقِ قيمة. فنظراتُنا بالكاد تعلو. تحطَّمتْ الأُم وهي تشهد فرقة أبنائها. لقد وُلِدُوا في حُضنها وتغذَّوا من شريانها.. ما ذنبها. لقد ذكرتهم دوماً بحبِّها لهم. ألمْ تمنحهُم جَمَال سُهُولِها..ألمْ تُهديهم صفاء مائها.. ألمْ تُغرقهم في عشق بحرها.. ألمْ تُلهمهم بِسُفوح جبالها.. ألمْ تذكر لهم تاريخها لوحدهم.. كونها أبنائها الأقحاح.. عندما تشُدُّ بأيديهم لتأخذهم خِلسة، لِيَشْتَّمُوا ذلك الثَّرى الذي يُغطي أجدادهم.. للذين وحدهم مَن منحوها الحُبَّ دون مُقابل.. وقد تغنوا لحياتها قبل موتهم.) ص 172.

- نقاط على هامش الرواية: هذه مجموعة من النِّقاط سجلتها على هامش الرِّواية أثناء قراءتها:

- الرِّواية تُعري ذلك الواقع الذي طالما زجَّ الدِّين بالإرهاب، وإن كان الدِّين مطلقاً بريئاً مما نُسب إليه من تشويه وسوء فهم لنصوصه وحملها على غير محملها الصَّحيح.

- الرِّواية كُتبت للجيل الذي عاش تلك الفترة وللأجيال التي أتت وتأتي بعده. فهي ذاكرة مزجت بين الشّخص والشخصية؛ بين الحقيقة والتَّخيل. لأحداث حقبة حمراء انتكست فيها البلاد ولا يمكن أبداً نسيانها لانعكاساتها الماضية والحاضرة.

- الرِّواية تفسح مجالاً لاستقراء الماضي، لا من أجل الماضي نفسه، ولكن ليكون رؤية استشرافية للحاضر والمستقبل.

- الكاتب مكن النَّص باقتدار من ممارسة سلطته وهيمنته على القارئ، فأدخله في أجواء الرِّواية وشغفها من بدايتها إلى نهايتها.

- إن شخصية "عيَّاش" بطل الرِّواية، تمثل نتاجاً طبيعياً لذلك الواقع الذي عايشه في عشرية الإرهاب، في مراحل القهر والفقر والظلم، وبعد أن فقد والده في المستشفى، مع ما حدث له من صدام مع الطبيب هناك. ففي واقع الحال فإن "عيّاش" استسلم للواقع وقَبِلَ به، وهو يعاني من وجع نفسي سيطر على سلوكه ونمط تفكيره، وقاده إلى حالة اضطراب وارتياب، وشعور بفقد الثِّقة بالنَّاس، والرِّيبة منهم. كل هذا الكم من الارتدادات ارتدت على شخصية "عيَّاش" أو " أبو ذر" بطريقة تجعل حياته محطمة ومحبطة يسودها (الخوف والتَّرقب والشَّك..)

- (شاهد على شفرة الكنيف) نصٌ يخاطب الضَّمير ويُسلط الضَّوء على حقبة صعبة وقاسية من تاريخ الجزائر المُعاصِر، أراد الكاتب سليم بن اعمارة من خِلاله أن يُبين حجم المأساة التي عاشها المجتمع الجزائري، في محنة الإرهاب من قتل وخطف ونهب وحرق ودمار وفوضى وخوف وفساد بكل أنواعه وأشكاله.

- بدا لي أن الكاتب اعتمد نظرية الفهم، وهي نظرية القراءة التي يشارك فيها المُتخيل في صُنع المعنى والصُّورة والمشهد الرِّوائي. فرواية (شاهد على الكنيف) مرتوية بالتَّخييل قادرة على التَّواصل.

- إنَّ أهم ما استوقفني كقارئ له سلطته على النَّصِ أيضاً في رواية (شاهدٌ على شفرة الكنيف) هو الصَّلابة والوضوح في الرؤية والموقف بثبات واستقامة، لعالم يشتد فيه الصِّراع من أجل الانتماء والهوية.

- اقتباسات من الرِّواية (شاهد على شفرة الكنيف):

- (الأجسام كالدُّموع متشابهة لك آلامها مُختلفة.كُلّها خِضَّم. فالحزن والفرح يشتركان في دمعة ويختلفان في ضبط أوتار الفؤاد) ص 16

- (لستَ مُجبراً لاختيار ذوق الماء كونك تمتلك البئر نفسه) ص 20

- (إذا لم تسمع صدى صوتِك فاعلم أنه لم يصل) ص 24

- (العِطر الذي أخفى لبعضهم رائحة خيانتهم، وزيف دناءة أفعالهم. تتغير نظرتنا إليهم مثلما تتغير عندما يُخاطبك سيئ الخُلُق بطيب الخَلق. حتماً سترتاح له، وطيبة كلامه وأفعاله ستمنحه نوراً يحجب عنك حقيقة خُلُقه) ص 37

- (امتدت الحِمم وتناثرت الشَّظايا، لِتُصِيب البعيد والقريب. لا بُد وأن هذا الزمن سيعيد نفسه يوماً ما، فذاكرتنا دائماً ما تصدح لومضات لا نعي زمانها ولا مكانها، لكننا متأكدون وبلا شك بأنها قد مضت علينا. أحياناً ندرك بأن الأمور لا تسير على الطَّريق الصَّحيح. ونعلم بأن خطواتنا تسير بلا دليل، نتكبد جُلّ المآسي والمحن ونحن عاجزون عن فهم السّبب. ولا نعلم حتى مصدر تلك الأيادي الآثمة.) ص 45

- (اقتنع في الأخير أن موته على تُراب أرضه أهون من أن يتلذذوا في انتهاك كل ذرة منه، ليس من السَّهلِ عليهم أن يُخرجوه مِن أرضه فقد يفتديها بِكُلِّ ما يملك، وأقسم بِأنهم لن يُزيحوه إلّا على روحه التي سيزكيها لِتُرابِهِ. على الأقلِّ ستشهد لهم الأرض بنضاله، وترتوي جراحها بدمائه، ويوماً ما سينبت زرع لهذه الأرض لِتحيا مِن جديد) ص 48

- (لن يتذوق الأمل من يختفي وراء فشله، لأنه سيبحث عن ذرائع يَطمس بها الحقائق ليغير مبادئه ويبسُط لها قواعد، حينها لن ينهزم. ومن يعرف طعم الهزيمة قد يعتريه الفشل، ولن يختفي وراءه بل سيقاتل ليّحي الأمل) ص 49

- (إنه يحمل المرآة ليُشاهد من خلفه النُّبل كلها ضده وَوِجهة الأسهم كلها نحوه، فجأةً وهو يُلاحظ ظِلّه وهو يَتموَّج ، يتلاشى أحياناً. يتحرك لِيُغير خلاخل فِكره. أهذا ظِلِّي..؟ ليتأكد خيانة ظِلِّه، ركز على تفاصيله. جُبّة وسِلاح بيده وحذاء عسكري. قال في نفسه: إنه يعكس حقيقتي. إنه يلبس وِجداني. ما أمْقُتُه في ظِلِّي هو سواده هل هذا أنا..؟ أهذا عالمي..؟) ص 51

- (الهدوء لا يعكس حقيقة الحال. لعله كبت الحِمم. أو حشوة للشجرة التي طالما غطت غابتنا. حتى أننا لم نعُد نأمن بعده.عندما تسقط إحدى أوراقك لا يهمك ستتوالى كُلّ الأوراق، ولن يتظلل أحد منك سوى الحطَّاب) ص 52

- (الفرق بيني وبينهم أني أستيقظ لأسعد بالشُّروق باكراً، وهم يبحثون ويسعَدون دائماً للغروب) ص 54

- (الحياة كالوردة اختر مَمسكها، وابحث عن رائحتها، وفكر قبل قَطفها، مُرادك تجارة لِمِسكِها أو حَصادٍ لِعبقِها، ربما في النِّهاية ستذكر أن مُعظم حقلك قد قُطفت منه بعض الورود، والباقي كُلّه وخز للأغصان) ص 56

- (قد نتلذذ بأحلامنا لأنه لا وقت يُقيدنا، سنخسر التّلذذ والسّعادة عندما نتقيّد) ص 57

- (قد تغدو الكلمات سلاحاً للبقاء، لكنها في الأصل تُغير المعاني الحقيقية، ويمكن للصّمت أن يرسُم لوحة أوسع) ص 78

- (الواجهة النّقية لا تعكس حقيقتك، فمظهرك الواقعي لن يعكسه النّهر النّقي، فالكُلُّ يختفي وراء نقائه المُزيف، وعندما تُهز أو تُحرك مشاعرك سيعكس حقيقتك المُرّة) ص 84

- (تلك الصُّورة التي نراها تُدمينا عزاءً، يوماً ما سندرك أنّها تُخفي لنا وميضاً لحقيقةٍ أسعد) ص 88

- (إذا فقدنا حُريتنا سنتأمل السَّعادة بعيداً عن أحاسيسنا وسنخسر الفُرصة لأننا مُجبرون على الجُثوِّ على واقِعنا) ص 90

- (عندما ينخرنا الألم عدة مرات يُمكننا أن نفقد الشُّعور به. ولن نُميِّز بين الصُّور فتأمُلُنا يفتقد الإحساس) ص 98

- (عندما ينبض قلبك أقوى وأنت تغمرك الابتسامة، تحلّى بالتّوازن لعلّك ستقبَل الجمود ولن تتقدم. فَعُقدك لن يَحُلَّها المدح وإنَّما النَّقد الذي يفكُ عنكَ عوائق الطّريق) ص 106

- (لم يعُدْ للغد قيمة فنحن نتشبث باليوم وكفى، كونه الأفضل مِمَا مضى فيه رُغم مآسينا، سنذكر كُلّ لحظة أمنٍ مرتْ علينا، سنقصُها على أولادنا قبل النَّوم، أو نُحدث بها أحفادنا عندما يكون للغد قيمة، أو نُتمتم بها ونحن نحرك مهد ذلك الطِّفل الذي ولد في خِضَّمِ السُّكون، فصرخته وحدها، لا ابتسامة، لا فرحة، وإنّما حُضنٌ دِفْئه حارٌ سيروي له لا محالة الحقيقة) ص 135

- (هُناك من يعيشون ليُساوموا، يبحثون عن مربط فرسٍ للآخرين، كالّذي يُساوم على خِدْمةٍ لِينتشل بها كرامة الآخر، إنَّهُم يُسْقِطونكَ في فِخاخِهم، فهُناك مَنْ يُساوم بركعةٍ، وهُناك مَنْ يُساوم بِقطرةِ دم، الفرق بينهما أنّ الأول يُساوم الإله، والثاني يُساوم الوطن) ص 138

- (السُّور الذي تبنيه ليحمي قلعتك سيأتي يوم وتجده صعب التَّسلُّق لتنجو مِن كلابك.) ص 152

- (البعد يُقاس بقرب القلوب ولا يُقاس بقرب القريب، أحياناً تجتمع أرواح الأحياء بأحبابهم الّذين رحلوا، وأحياناً تنفر القلوب مِن بعضها ولو كانت تلتقي في كُلِّ لحظة) ص 168

- (عندما يشتد الألم رُبما في تلك اللحظة قد لفظت العِلَّة فيها آخر أنفاسها. فالسَّماء لا تُمطر إلّا بعد ظلمة سحاب، حياتنا كمياه الوادي العابر تمر بلا عودة، فلنحرص أن نتذوق القطرة التي نختار فالأيام تنتهي عند عبورها) ص 189

- (لا يُمكن أن نبني جداراً في لحظة، لكن بإمكاننا أن نحتمي به طوال العمر.) ص 195

- (لا شيء يدوم سنهزل كَكُلِّ الأسود عندما يَلفظنا العرين) ص 199

 

أ. السعيد بوشلالق

 

علوان السلمانللشاعر اليوناني سيمونيدس (ان الرسم شعر صامت..والشعر تصوير ناطق)

وللشاعر نزار قباني:كل الدروب امامنا مسدودة، وخلاصنا بالرسم بالكلمات

..الشعر نشاط إبداعي جمالي قائمٌ على التخيل الخالق لصوره التي تحقهها المخيلة المنتجة..وتجسدها الالفاظ الشفيفة..فضلا عن عناصره المتمثلة بالفكرة والشكل والموسيقى والتخييل والالفاظ الموحية.. وهذا يجرنا لعوالم اللوحة التشكيلية التي تعد شكلاً من أشكال التعبير ورؤية فنية تقوم على اللون والصورة والخيال

ومهارة  التفكير.. هذا يعني انهما  يلتقيان في مصب واحد هو وجدان المستهلك (المتلقي) فيستفزان ذاكرته لاستنطاق عوالمهما وما خلف صورهما..كونهما يعبران عن (نشاط بشري يتمثل في قيام الانسان الفنان بايصال عواطفه الى الآخرين بطريقة شعورية ارادية وبعلامات خارجية..) على حد تعبير  شارل لالو.

2483 لوحة

والخطاب الشعري الذي نسج عوالمه الشاعر (يحيى  السماوي) متناغما واللوحة التشكيلية للفنان ستار كاووش ببنيته اللغوية والفنية المنفتحة على امكانيات التأويل..كون الشعر والتشكيل من التجارب الروحية والرومانسية التي ترتبط وأعماق الذات الانسانية.. فاللوحة كون تعبيري اسلوبا ومنهجا تقوم على (دراما تشكيلية) مشحونة بالمشاعر الداخلية التي تصور الانفعال..مع اعتماد عناصر تشكل نظرية (الجمال الفني) تتجلى في (الموضوع والشكل والتعبير والتوتر...)..

وجعي لذيذ فيكِ فابتدعــي

جرحا يزيد حلاوة الوجــعِ

 

لي فيك اطـــــــماع وأولها

ان تمنعي عيني من الطمعِ

فالنص يعانق اللوحة بعوالمها التي تكشف عن الانثى..الحياة النابضة بالوانها وخطوطها المتناغمة كاوتار (الكمان) الندية التي تتمحور حول الحب والعشق بصوفية شفيفة من خلال توظيف مساحات لونية وخطية ذات منظور باصر وبصيرة طرية ثاقبة ..فضلا عن توثيقه بعض الرموزالمتمثلة بـ (طاقية الراس والعيون المتقابلة وهي تعيش لحظتها العاطفية بدفء..وقد انتشرت  بين عوالمها الانسانية  الوان  الطيف الشمسي  فكانت عنصر جذب مضاف.. كونها تنسجم ومناخاته الفنية والاسلوبية الحالمة..وكل هذا اقترن بفضاء النص الذي يخاطب انثاه برؤية مشهدية تنتزع اللحظة وتسجلها بعناية ودقة مبتدءا بضمير المتكلم من خلال حوار ذاتي وحركة الزمن الخفي..اضافة الى اعتماد المنتج (الشاعر) خطابا يتسم بالواقعية التعبيرية المتميزة بالحركة مع اشتغال على سايكولوجية الشخصية انطلاقا من معطياتها وسلوكها وتحولاتها..

فأنا وانت لنـــهر عاطــــــفةٍ

ضفتان من طيش ومن ورعِ

معك اختتمت العـقل ملهمتي

وبدأتِ انت لظى الجنون معي

فالنص يمتاز بنزعته السردية الموسومة بالحركية والتوتر مع مقصدية  رامزة..فضلا عن تتابع الصور المازجة بين الحسي والذهني بتشكيل بصري يتحرك وحركة الذات وهو ينطوي على افقين مترابطين..اولهما افق التجربة الذي يقوم على صياغة متابعة للحدث وثانيهما افق التوقع المستقبلي (الجنون معا).. باعتماد لغة يومية شكلت المصدر الاساس في بناء النص وانجاز اللوحة بمفرداتها اللونية والحركية (خصلات الشعر والأقدام ونوافذ نصف عارية والعيون المتقابلة).. كل هذا يعني ان النص بكل تشكلاته واللوحة بكل مكوناتها يتخذان من الواقع منجمهما الذي يتكئان عليه لخلق ابداع متسائل..مزاوج ما بين الحياة واللغة الحرفية واللونية الاشارية..مزاوجة المبنى في المعنى التي يلعب فيهما كل من التنقيح والطبع دورهما..

 

علوان السلمان

 

 

توفيق الشيخ حسينبهذه العبارة أفتتحت الكاتبة وفاء عبدالرزاق روايتها "دولة شين": (كن نفسك وأزح عن عينيك غشاوة الفراغ .. كن ينبوعا ًوأبعد عني العدم كي أرتاح) .

كن صوتا ًولا تكون صدى ً لذاتك دائما ً، كن صامدا ًوكن لنفسك أبدا ً، ومعبرا ً عن أعماقك في دروب الحياة، وأعكس خواطرك على مرايا الواقع، وأجعلها أكثر قوة حتى وأن جعلها لك الزمان أكثر ألما ً .

تنقل لنا الكاتبة وفاء عبدالرزاق في روايتها "دولة شين" الحدث الصرف من الزمن المُعاش المتعمد والمتراكب من خلال السرد ضمن الأطر المكانية والزمانية والذي يدخل القاريء في عوالم مختلفة،عندما تتوغل الكاتبة في بواطن الشخصيات وتحليل مغزى أفكارهم وتطلعاتهم، تحاول من خلالهم اعتماد تقنية تعدد الأصوات لسلوكيات وظواهر إجتماعية مازالت تعيش فسادا ً في الروح الإنسانية .

تحتل الشخصيات موقعا ً هاما ً في بنية الرواية "دولة شين" من حيث تعدد الشخصيات وتماسكها وكثرت الأحداث، ولعل نظرية المحاكاة لأرسطو تشكل مدخلا ً ملائما ً للحديث عن مفهوم الشخصية، حيث يدفع بالشخصية الى أن تكون تابعة للحدث أو ظلا ً لها، شخصيات رواية " دولة شين " للكاتبة وفاء عبدالرزاق متنوعة في جنسها وهي على ثلاث أنماط (الشخصيات الدينية، والشخصيات المنحرفة، والشخصيات الشاذة) .

في قمة الجبل بنوا مملكتهم الكبيرة، يسود اجواءهم الهدوء والطمأنينة، ويعيشون في سلام وآمان، "كريم" لم ينس عظمته وعلى جميع جلاسّه تلبية أمره بإشارة منه، يدير مملكته الجبلية بحركة أصبع، أفضل ما يريده من الآخرين الإيمان به سيدا ً، ومنحه الطاعة ليجزل العطاء عليهم، (ودا ً كان أم ثوابا ً)، ونادرا ً ما يحدث شجار هنا أوهناك، ولو حصل يكون سطحيا ً ولا قيمة له، ثم ينتهي بالصلح والاحتضان، ذات أمسية بينما هم ساهرون على تحليل التوقعات، في منتصف الليل نهض " كريم " عن كرسيه وخاطب الجميع واقفا ً: (لقد نصبت " نديما " رئيس وزراء المملكة، وعلى الجميع تنفيذ أوامره وطاعته) صعقتهم المفاجأة، لكن " شين "خرج هائجا ً وغاضبا ً مما سمع، لحق به رضوان وأعاده الى المجلس، حتى وقف مخاطبا ً " كريم " بصوت مرتفع " لن أخضع لمن هو أدنى مني مرتبة ًوشرفا، غضب كريم منه ثم ترك الجلسة آمرا ً شين بالرحيل

قضى " شين " في سيره أسابيع هابطا ً من أعلى الجبل الى الوادي، " نديم " لم يكن بمستوى مسؤولية الوعد الذي قطعه، وقادته غريزته الجسدية وأهواؤه الى خرق الوعد، غضب " كريم " وأقسم أن يصب عليه الزيت ويجعله كتلة من طين، لكنه استحلفه الغفران والرحمة، إنه الضعف أمام الشهوات، قبل " كريم " توسله وصفح عنه، لكنه نفاه خارج سور المملكة وأنزله أرضا ً في أعماق الوادي قبل أن يصل " شين " اليه، نفاه هو وزوجته .

وقف " شين " وقفة الحائر في صحراء مترامية الأطراف، استفزه شكل غريب، الا هو وجود ثلاثة عشر بابا ً صُفت الى بعضها وكّونت سورا ً في صحراء دون حوائط وجدران وأسوار ثم يبدأ بسؤال نفسه: " أما من معلم ٍ للأخلاق خلف هذه الأبواب ؟" آدميتهم تحولت الى ذئاب، وأصابعهم الى مخالب، ألسنتهم مليئة بالآقاويل، مليئة بالكفر وعفونة النميمة .

2482 وفاء عبد الرزاقالرواية كما يؤكد الدكتور (ناصر الأسدي) تستحضر الموروث الديني كله، وتقوم بتسليط الضوء على كل جزئية من الجزئيات التكوينية، لينبعث منها قبس ممكن لنا نحن أن نتلمسه من خلال القدرة على تقصي الأجزاء الآخرى . تطفل "شين" ونظر من ثقب أحد الأبواب، استغرب من معاشرة القرود للحمير تزاوج جديد وذرية مشوّهة .. لكن لماذا يشعرون بعذوبة المخاض والوليد المدنّس ماهذا العالم الملىء بالتناقض ! انتقل الى ثقوب أكبر حجما ً، فاتسعت لديه مساحة الزرائب، يتعين عليه ألا يطرق الأبواب، بل يدخلها ليلا ً مثل فأر ليتعرف على حقيقتها، وتحسبا ً من أن يعرفه أحد الساكنين غير ّ ملابسه وارتدى ملابس فقير .

الشخصية الدينية فرضت نفسها في الرواية العربية، ويرى الكاتب " سعد المطوع" أسباب التحولات التي تطرأ على شخصية المتدين في الرواية العربية راجع الى سببين: الأول: ان الشخصية الدينية في النص الروائي أرتبطت بالواقعية لذا جاءت انعكاسا ً للواقع بحسب ما يبنيه الروائي، أما السبب الثاني: فهو طبيعة العمل الروائي، إذ هناك ما يعرف بالشخصية النامية، الكاتبة وفاء عبدالرزاق لا تقدم شخصية التدين دفعة واحدة بل تجعلها تنمو من خلال النص ووفق منظومة زمان ومكان وتاريخ .

المتتبع لدورة الحياة يرى الأضواء مسلطة على جوانب محددة من حياة الناس دون الجوانب الأخرى، أهم الجوانب التي تم ابراز سلبياتها دون الإيجابيات شخصية المتدين، فقد شوهت صورته بشكل كبير، حتى خيل للمشاهد أن عامة المتدينين يتصفون بتلك الصفات السلبية، أن النفوس تتفاوت، هناك النفوس الطيبة التي لا تعمل إلا طيبا ً وخيرا ً، والنفس اللوامة وهي التي يقع صاحبها في المعصية ولكنها تلومه عليها، والنفس الأمارة بالسوء، وهي التي اعتاد صاحبها السوء، فلم يعد يثير فيه أي شعور بالندم والاستنكار، بل هو يعيش مع السوء، ويأمر بالسوء وقد اعتاده، بحيث أصبح لا يفعل إلا سيئا ً، ويستمتع بذلك السوء .

فتى ملتحي يعتمر عمامة، لم يظلمه أحد، كان كل الوعاظ مجتمعون فيه، يضع رأسه بين ركبتيه نادما ً على فعلته لائما الشيطان وغوايته، حدث " أمير" نفسه باحثا ً عن جواب، تحكمه غرائزه متحديا ً بتأثيرها عليه لحيته الطويلة وسجادته المهيأة للصلاة، لو لم يكن عاملا بسيطا في مصنع الجلود لاستطاع استكمال نصف دينه، لكن دينه يأبى أن يكتمل .. ظل " أنور " مختلفا عن ظل " أمير " بينما ظل " أمير " واضحا ً للباقين، ووجهه اكثر سوادا ً من وجه ظل " أنور "، الإ ان " أنور " كان رافضا ًلما يقوم به " أمير " لكنه في النهاية يستسلم لرغباته واكتشاف أسرار جسم جارتهم المومس ومفاتنها التي أثارت رجولتهم وسيطر عليهم شيطانهم. هذه النفوس أمّارة بالسوء، ظاهرها لا يشبه باطنها، فأية رحمة تاتي من نفوس مريضة ! فعملهما الحيواني خضع لنظام الغاب، كان الليل غابة وشيطانهما ذئبا غابة وخلوة حيوانية، تردد " شين " كيف يواجه الحياة الجديدة لهؤلاء ! هي فرصته في التعرف على هذا العالم الغريب، جاء من اجله، وها هو يقف موقف المتفرج، ربما هي أزمة ضمير أو ازمة موقف ! بل هي أزمات في حال اخترقت كل الأبواب .

تناولت الكاتبة وفاء عبدالرزاق العنف الجسدي واختراق حرمة جسد المرأة بالتحرش والإغتصاب حتى تصل في بعض الاحيان الى القتل وأزهاق الروح تتساءل الكاتبة وفاء عبدالرزاق، أليست الخطيئة كونية ؟ أبونا الأول وأمنا كانا صوت الحرية والتعبير عن الذات دون قيود، لذا أثمرت شجرة التفاح خطايا بعدد الحقول وبائعي التفاح وشاريها، أباح الرب لأدم وحواء الجنة، وقد تمكن الشيطان من إخراجهما من جو الحشمة والعفـّه والسمو الروحي، وبدأ الشيطان مشواره معهم، فرأى البشر في عريهم وفسادهم وعدم احتشامهم، وأنتقالهم الى جو الشهوة الفاضحة .

" بشرى " أو المرأة الشيطان والذي اطلق عليها هذا الأسم أغلب الجيران، لأنها تظهر فجأة ثم تختفي ولا يعرف أحد عن اختفائها، لانها تعيش وحدها، كانوا يرون شابة تشبهها تماما تدخل خلفها وترافقها أينما ذهبت، ذات يوم حين التقى الشيطان " أنور " بشيطان " أمير " اتفقا على الاقتراب من شيطانة " بشرى " والتعرف عليها، " بشرى " تكره كل رجل ملتح، وتحاول الإيقاع به وتقتله، سأل الشياطين الثلاثة " أنور، اسراء، أمير " الشيطانة بشرى عن سرها: (دفء الحياة لم يعطها فرصة للبقاء معها حتى تكبر وتتربى بعز أسرتها، التي ابتلعتها حادثة سيارة مفخخة، مما جعل أصحاب المحلة يشفقون عليها وهي لمّا تزل في الخامسة من العمر، قرر إمام المسجد احتواءها وتربيتها مع أسرته في دارهم)، لم تتركها الحياة تمتلك نفسها، منذ اللحظة الأولى لوعيها شعرت بشيء غريب يخترقها، يد الأب تغوص في احشائها بأصابعه في المرة الأولى، ثم استفحل الأمر حتى تعرفت على ما لا تعرفه بالضبط، إلا ان زوجته اكتشفت ذات يوم مداعبته الغريبة للطفلة " بشرى " فأقسمت ان تبلغ الشرطة عنه، توفى وهو ينازع مرضا عضالا ً.

" برهان " .. يعجن الألوان ويرسم وشما جميلا على الأيدي والاكتاف والصدور، يرسم ورودا وأشكالا هندسية غاية في الجمال، جاره " بشير " باكستاني الجنسية يعتبر الوشم حراما، ملأ محله بصور شيطانية، أحب هذا المحل الشياطين الأربعة (أنور، أمير، اسراء، بشرى)، اصبح برهان يرى الشذوذ منطقيا، تعرف على أحد المخرجين الكبار من صنّاع الأفلام، الكوكب لم يعد يحتمل الشياطين البشرية وبحاجة الى اللجوء لكواكب اخرى، ركز عمله على صناعة سينما التشويق والوجوه المشوهة والشيطانية، رفع " شين " بصره متفقدا وجه السماء لعله يجد بصفائه منقذا مما يرى، لم ير َ الصورة التي رسمها " الله " للبشر، كثرت الثقوب وعظمت، واكثرها قبحا اكل قلوب المذبوحين نيئة، أطفال القصور يرمون الحجارة على أطفال الفقراء، أرض تحرث بالكرباج، وتسقى بماء الكذب .

وقف " شين "، مد يده لدفع الباب ثم سحبها وكأنه يقبض على جمرة وليس مقبض باب، شيطان " توفيق " مربوط بقوة بحبل شيطانة حين صادق جارته " تغريد "، كلمات الغزل تنبثق من فمه كشعلة نار تحرقها وتحرق حياتها الهادئة الهانئة مع امرأة متزوجة ولها سبع بنات، يتحدث شيطان " أنور " بهمس (صرنا تسعة وهذا عدد لا بأس به كي نكوّن مدينتنا الكبرى) انه عالم مزيف، ومتى لا تستحي من الزيف افعل ما تشاء، مسرحا ًعاهرا ًوخائنا ً، وجوه مدربة على تغيير شكلها كما الحرباء، لم يتحمل " شين " منظر طفلين يغُتصبان من معتوهين تبرأت الضمائر منهما واستفحلت شياطينهما، في هذا الثقب بالذات، احتار ما سيكون عقاب الأخرة! وهل موت الطفلين حرية لهما من شرور البشر ! الأرواح لم تغط وجوهها خوفا من الشياطين، إنها تخلق فجوات جديدة ليس لها أثر وتتحصن بها، وإلا ما تفسير حادثة المرأة التي سرقوا بيتها وأرضها وبقيت متشبثة بشجرة زرعتها وهي طفلة أمام الدار .. هل الشجرة أعز ّ من الدار، أم كل هذا ما تبقى لها من حياة مسلوبة ؟

الغش ليس في الميزان وحده، بل الغش وصل لهيئة البشر، " ثريّة" ترغب باللعب مع إخوتها الثلاثة ولم تشته اللعب مع أختيها بالدمى، أغوتها كرة القدم بدل لعبة النط على الحبل، استهوتها لعبة خنق الضفادع قرب النهر، كان العنف الأول أسّريا ً ثم توسع فصار مجتمعيا ً، " ثورة " صديقتها منذ الأبتدائية وحتى التخرج من الجامعة، قررت تأجير شقة تحتويهما معا، لتمارسا كل طقوس الإنسانية المحقة لهما، شيطانتاهما سحاقيتان ايضا، الشبه بمن تشبّه به قرين .

العلاقة المثلية بين (ثريّة وثورة) تفتح لنا عوالم مغلقة وممنوعة الإشهار لانها تمس اكثر مكامن الوجع في روح الإنسان، السحاق وتعني اشتهاء المماثل بين الجنس الأنثوي، هناك من يذكر بأن الأسم مشتق من الجزيرة الإغريقية (لسبوس اليونانية) والتي كانت تعيش فيها الشاعرة (سافوا) في القرن السادس قبل الميلاد وقد كانت تمارس علاقات الحب مع مثيلاتها من النساء اليونانيات .

وقف " شين " في الصحراء يحدّث نفسه كمجنون أخرق بعد خروجه من الباب كممسوس مصاب بالهوس، سمع هرج ومرج وصراخ وعويل، الباب يهتز بقوة، لم ينظر من ثقبه إنما دفعه ليعرف ويختلط مع الآخرين في الداخل .

عملت الكاتبة وفاء عبدالرزاق على تقريب المسافة بين النص والواقع وتقديم صورا ً لسلوكيات وظواهر إجتماعية مازالت تمعن في قتل الروح وكما برز ذلك في موقف رجل الدين " جاسم " الذي يتذرع بالدين ليحقق مآربه المادية والجسدية،

كيف يتجاوز الإنسان آدميته ويصبح شرسا ً؟ الطاعن والسكين أصدقاء، والضحية فتاة سقطت في وكر الجنس، " جاسم " كان يشتري الأفلام الممنوعة التي تباع سرا ً في محلات الفيديو، وبيعها بأثمان عالية لمن هم على شاكليه، أوقع صبية في فخ غرامه وعشقه لها، حتى تبادل العشق سعيا وراء تحقيق ساعته المجنونة، لقد تجاوز الإنسان حدود " شين "، تناقل الحي قصة " جميلة " المحرومة من النزهة والخروج من الدار حتى وصل الخبر الى " جاسم "، أصابه الفضول لمعرفتها ورؤية وجهها الممنوع من الجميع، سمع أن أخيها الصغير مصاب " بالصرع " ولم يفده الطب في استخراج الجنيّ منه، التحى " جاسم " بلحية صناعية، واشترى مسبحة وبعض كتب السحر والتنجيم وذهب الى عائلتها، لما احضروه، وجده في الخامسة من العمر، فهذا الصغير لا يدرك ما سيدور حوله، عندما يقرأ واضعا كفه على جبين الطفل ومرددا بعض الأسماء الغريبة، يصرخ الطفل فجأة خوفا من صوت الشيخ " جاسم " ويصرخ عاليا: أُ ُريد " جميلة "، متعلق بها لأنها تحبه حبا ً كبيرا ً أكثر حتى من امه، تحضر " جميلة " ويرى جمال وجهها على الرغم من تلحفها بالسواد الكامل، تكررت الخلوات والسهرات بحجة البقاء على الشغل، وبعد شهر اختفت " جميلة " ولم يبق غير شيطانتها وشيطان " جاسم " في المكان، من الطبيعي ان يفرح الشيطان " شين " انه مجّبر الآن على الانخراط باللعبة حتى نهايتها، الاعتداء الجنسي على الأطفال أمر منبوذ لا ينبغي التسامح معه، بعض الباحثين من المانيا يرون أن (البيدوفيليا) لها علاقة بالدماغ ويعانون من إزدواجية اضطراب السايكوباثية وأحيانا ً أضطراب الجنس، ويتصفون بالتمرد على القواعد الإجتماعية ويفتقدون لتأنيب الضمير وبأي احساس للتعاطف مع الآخر، كما يتصفون بالاندفاع واللامبالاة وعدم تقدير عواقب الاعتداء الجنسي على الأطفال .

هكذا إذا ً يا " شين " أنظر الى الأمور وأقترب منها، مجّد نفسك إنقاذا ً للأبدية، هذا هو العالم المتحضر الآن، العنف، والتنكر للأخلاق والبربرية المطلقة في كل السلوك، أنت لست في مملكة الوحوش، هنا التوحش النبيل، والحروب تغير وجهة نظر الإنسان للحياة .

أهمية جسد المرأة من منظور ذكوري، لتفريغ شهواتهم ونزواتهم وإرضاء ذواتهم المريضة دون مراعاة لمشاعر المرأة ورغباتها بلعبة الكلمات .

هاجرت من بلادها الى بلد آخر بحجة البحث عن الرزق، تبحث عن نفسها بين المدرّسات، بين شوارع وضفاف الأنهار، بين أضلع المغرّبين في ارضهم، وفي مراياها، اصيبت بدهشة حين عرفت أسم مديرة المدرسة " خاتون " ومعلمة اللغة العربية التي ستتقاسم واياها حصص اللغة " خلود "، " خليل " مالك البناية التي تسكن فيها " خولة "، قرر التقرب اليها وشهامته اقتضت التواصل معها، تكررت محاولات التوصيل للمدرسة، وتكررت معها الهدايا بمناسبة ودون مناسبة، تم كل شيء بسرعة، لم يترك لها مجالا للتفكير، وبلحظات صارت زوجة له، عرفت من باب الصدفة، له أسرة مكونة من ثلاث زوجات وأبناء بعدد زيجاته المتكررة، كلما وصلن الى الأربعة، طلّق واحدة، ليحق له الأستمرار في شرَه الزواج، وتحريف الدين على هواه وهوى جيبه المقتدر، يذهب للقرى يتزوج بنات الفقراء وهن لما يتجاوزن الحادية عشرة ويطلقهن بعد شهور، يرجعهن الى ذويهن خاليات من كل شيء، حصل مع " خولة " الحال ذاته، انتابها الشعور بالضياع، كل الآمال خائبة، وتتجاوز حدود حلمها، وكأن أيامها كانت على اتفاق مع اليأس .

مساكين هؤلاء البشر، محكومون بالقهر، يكدون ويتعبون، يغوصون في قعر أيامهم كما البحار الهائجة، ولا يملكون مفاتيح أبواب المستقبل، وهم مجرد وهم بهيئة إنسان، تأمل " شين " وجوه الجميع رآها ممسوحة، سرعان ما تبخرت فيها الملامح، وصارت مسطحة، تنزف حزن السنين، وتمشق سيوفها لتطعن نفسها، سمع صوت ذئبة عابرة، بدأ يراقبها وهي تدخل الباب الثامن يتبعها ذئب أسود اللون، ذئب آخر يتربص في كل الأشياء حوله ويدخل .

" دلال " شابة تزوجها مدير مدرسة، قبلت الزواج منه من أجل العيش الرغيد والحياة، هي بئر تفيض ماؤها، اما زوجها بئر نضبت ماؤها وصارت قاحلا، كان يعيش معهم ابن اخت المدير، شاب في مقتبل العمر، كلما غط ّ الزوج في نوم عميق، تتسلل " دلال " الى فراش ابن اخته، ويفعلا الفاحشة معا، ندم على فعلته ولم ينظر بعين خاله ولا بعين جدته، استأجر غرفة مع صديق له، بقى يومين وغادر البلاد، توفى الخال في حادث سيارة، عثروا في حقيبته على قلادة ذهبية واساور واوصلوها لزوجته الذئبة .

" دريد " متزوج بأمرة متزوجة قبله ولها ابنة صغيرة " دريّة " تعيش معها، رزق بثلاث بنات منها أيضا، فصار أسمه " ابو البنات "، كان يعاني من ألم في الركبة، فطلب من ابنة زوجته بدعكها بالدهان، شعر باناملها تخترق وجدانه وجسده، وهي في ريعان فورتها الأنثوية، ذات مرة وبعد اطمئنانه من خروج زوجته، تسلل الى غرفة " دريّة " وجامعها ثم خرج، بقى على وضعه هذا لسنة كاملة، والابنة تخاف إخبار والدتها، إنه القتل، قتل الطفولة والبراءة، " دريّة " زهقت براءتها بكل سهولة من مجرم ترك في اعماقها لقيطا ومنفى ً مظلما ً، لذا اقتادوه الى السجن، الشياطين جميعهم فرحين خلف الباب، لانه اضاف لهم شياطين آخرين، شيطان " دينا " واخوها الأصغر التي كانت تداعبه في الحمام، وحين بلغ الثالثة عشرة اخذت تتقرب اكثر منه وتجبره على الممارسة معها، وحين رفض هددته بأمه، لقد هزم الطفل بداخله وصار شيطانا، من الملام هنا ؟، الأم بقسوتها وعقابها غير المنصف جعلت منه هاربا لفراش الأخت، التي استثمرت رجولته المبكرة، الكل هنا مجرم ..

يشير الدكتور (جمال فرويز) الى ان جرائم اغتصاب الآباء لابناءهم مرض نفسي ناجم بسبب التربية الخاطئة للأسرة منذ البداية وخلل في التنشئة الإجتماعية، وأن ظهور مثل تلك القضايا نابع من انحراف سلوكي ومرض نفسي وشخصية غير سوية ومضطربة، وأن المخدرات تعد ّ سببا ً رئيسيا ً وراء انتشار تلك الظاهرة المشينة، تتوالى الجرائم الإنسانية وتتضاعف حدتها وقسوتها، وباتت الأبوة عند البعض بلا معنى يُذكر، حيث التجرد من كل الأحاسيس والمشاعر الفطرية .

" ذياب " يهان من أبيه في اليوم عشرات المرات، هذا ما شاهده " شين" وأستغرب الحدث، " ذو النون " خمار ومرتش، وبائع حشيش، يمارس الطريق الأسهل للخنزير الذي يقطن روحه، أو لشيطانه الخنزير، كان يعتدي على ابنه جسديا ً بالضرب والمعاشرة، أي ذنب هذا ؟ كيف سمح له ضميره بمعاشرة ابنه ؟ لم تثنه الأبوة من بيع شرف ابنه وقبض من " ذاكر " سمسار الحشيش، من أجل المال يفعل المعجزات، ما الذي يجعل الإنسان أصلا ً ميالا للقتل والأنتقام ! لم يعد ذوالنون بائعا، فقد تحول الى مدمن بالأبر، حوّله ذاكر الى مدمن مستعد دفع ثمن إبرة الحشيش بأي طريقة،(العرض يباع من أجل نشوة) غرز الإبرة في وريده وسلم طفلته الى " ذاكر " فما كان من " ذياب " الا أن يصب ّ النفط على ابيه وعلى " ذاكر " ويتركهما يحترقان، " شين " الظامن الدائم، يرى نفسه فارسا ً، بينما يراه الآخرون موسوسا ً للنفوس، يوسوس للشر ذاته ليصبح ابنه الشرعي، مشى بطيئا ً ودخل بكل هدوء ولطف .

" شين " يكتشف عدة أماكن في مكان واحد، " رسول " أحد الهاربين من ذواتهم تأخذه الأمنيات لأكثر من أمنية، عندما حلم وتمنى مضاجعة أمه الجميلة، أمه الخائنة لأبيه، وعلى مرآى منه كانت تستقبل عشيقها في غياب الأب، جبان يحمل داخله جبانا، يقوده من يده ويذكره بما قام به في المقبرة، حين استدرج مراهقا مجنونا وهناك مارس معه التجربة الأولى له، ثم استدرج طفلة في السابعة ولحظة صراخها قتلها خنقا، واكمل دوره معها وهي ميتة، بصدره العاري خرج منه الشيطان الوقح المتسول باسم الثقافة، المتضرع للمسؤولين ليكرموه بجائزة مالية، يمسح بكرامته الأرض، " ثرية " لا تعرف ما الكتابة، يكتب لها سيرة إبداعية وينشر لها في الجريدة التي يعمل فيها مسؤولا للصفحة الثقافية، ينتظر مبلغا يكفيه للخمر والسجائر، طبع لها كتابا كتب اشعاره هو، واستلم الثمن سيارة فارهة، الشيطان المتسول فيه تستهويه اللعبة، ثلاثة شياطين بصدر " رسول " يتوالدون ويتكاثرون أبشع ما يتمناه لنفسه أن يصبح رئيسا للجريدة، دائما يقف "شين" محموما حيال مايراه، تصيبه رعدة قوية فيختض بدنه، أهي الجذور الأولى للجرم! جرب عدة مرات امتحان نفسه، وخرج بحصيلة الوهم .

ينتهي الرابط الجسدي بين الأم وابنها بقطع الحبل السري، ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة في العلاقة تعتمد على العاطفة والنفسيّة، لكن ماذا لو أستمر هذا التعلق بعد مرحلة البلوغ، يمكن للحب أن يكون تجربة قوية ومفقدة للإتزان، وتزيد الرغبة الجنسية في حالة نوبات الهوس، مما يؤدي الى فرط الجنس وهو ما يسمى  (الهوس الجنسي)، يتملك منها شيطانها فتدفن مشاعر امومتها أسفل التراب، ولم تكتف بخيانة زوجها بل تسول لها نفسها أجبار ابنها على ممارسة الرذيلة معها .

المحقق يقرأ ملف " زهير " ويعرف تفاصيل القضية، لكن " زهير " من أجل سمعته ونفسه قرر البقاء صامتا، المحقق يعرف بأن الجثة المذبوحة في الشقة هي جثة أم " زهير " والسكين عليه بصمات اصابعه، اخذ المحقق يحقق في قضية آخرى أمام " زهير " ليعطيه الفرصة لكسر قيد الصمت، " زين العابدين " خبير حسابي في المحكمة، اغواه الشيطان حين راى المدُعّى عليه ثريا ً، فطلب من مبلغا كي يكتب التقرير لصالحه، كان يرغب بزيارة " بيت الله الحرام " لكن وضعه المادي لا يسمح بذلك، كان المدُعّى عليه سارق من الشركة مبالغ كبيرة وشريكه المشتكي كل الحق معه، اذا ً هي رشوة واعتراف بجريمة الزور، هل تظن ان النبي سيقبل حجتك بالزور والرشوة، قال له المحقق أنت ليس " زين العابدين " بل اسوأ العابدين .

رصدت الكاتبة وفاء عبدالرزاق التحولات النفسية للبشر وظهور عقدها، وبعض المتلازمات النفسية كعقدة أوديب، والمشاعر السادية، أو المازوشية معتمدة على أساليب التحليل النفسي .

نظر " زهير " بكل الجوانب كمن يبحث عن شيء مفقود، تحشرج صوته في بداية الأمر لكن الضابط شجعه على الكلام، همهم ثم صمت، كان أبوه مصابا بمرض السكر، وعاجزا جنسيا كليا، وأمه شابة بحاجة لمن يشبع جسدها، تعلقت بابنها تعويضا عما فقدته، ترضعه من ثدييها ويتلذذ لصوتها، تهدهد بأغان ٍ جميلة وتمسد جسده بأناملها الرقيقة، ويوما بعد يوم صارت تداعب عورته معها وتشجعه على ممارسة الفعل معها كل ليلة وتتأوه، لكن حين بلغ الثانية عشرة شعر بحاجته مثلها، تعلق بها ولم يستطع رد أي طلب لها، لكن ليلة الجريمة لم يقم برجولته، جذبته اليها بقوة، لكنه تردد كثيرا، وعى على وضعه الشاذ ورفض، لكنها أصرت بقوة واخذت تغريه، وبعد أن انتهى من فعلته ذهب الى المطبخ وسحب السكين وذبحها لا يدري كيف قام بذلك، كان في حالة انفصام تام عن ذاته .

كتب " شين ": (اللذة الحيوانية هي التي اسقطت " نديم " من الجبل، يا لحيوانية الإنسان !) .

الهذا الحد يصير حقد الإنسان على أخيه الإنسان ؟ أبشع وجه للإنسانية ، صورت الكاتبة وفاء عبدالرزاق الشيطان في روايتها " دولة شين " مهموما ً وحزينا ً فقد تفوق الإنسان عليه، وأصبح أقوى منه في الغواية وإبتداع المنكرات، شياطين البشر (أنور، أمير، إسراء، بشرى، باسم، برهان، توفيق، ثرية، ثورة، ثابت، جاسم، جميلة، حنون، حازم، حاذق، حذام، حمزة، خولة، خليل، دلال، داود، درية، دينا، ذرى، ذياب، ذوالنون، ذاكر، رسول، زهير، زين العابدين، زهدي، سعيد، سمير) .

رجع " شين " الى تيهه في الصحراء وجلس الى مرتفع رملي يعبىء يديه بالرمل وينثره في الهواء، مفكرا بحاله وما آل اليه من سوء واكتشاف حقائق لم يكن يعرفها، يهرب من التساؤلات، انه جبار أيضا، من يتحدى جبارا فهو جبار مثله .

دخل " شين " الباب ولم يعلم انه بيته، وجد فيه اثنين من أعوان " كريم " ضحكوا واكلوا بنهم بعض الأكل من اللحم والرز والفواكه والحلويات، إنها وجبة الأشرار، كما يقول المثل (شعرة من جلد الخنزير حلال)، تمدد الأثنان على الأرض، أخبرهم " شين " بأنه عازم على الرحيل الى الجبل، حيث القلعة، قضى ليلتين يطوف الجبل صعودا، لا يعرف لسيده قرار، ففي كل مرة له رأي، لذلك كلما استقر وهدأ راح يحدث نفسه، انهم ينتظرون عودته، سيتصفح الحياة وقتها ويعلن انتصاره، كيف نزل الى الأسفل بكل تحد وغضب في لحظات المطر والعاصفة، وحين حط ّ في صحراء قاحلة، كانت الأبواب غير موصدة، ولم يعرف لماذا وجد الأبواب مواربة بعض الشيء، لذا قرر اقتحامها ليعرف اهلها، صار يفكر بملاقاة " كريم " وأحبته، وكيف سيواجهه وما عساه سيقول له، وهو العارف بكل شيء، لكنه فكر قليلا: لِم َ كل هذا الألم إن كان عارفا ً! أهي لذته في آلامنا ؟ أمنحه البهجة مضاعفة حين نتألم ؟ ..

هكذا تقدم لنا الكاتبة وفاء عبدالرزاق في روايتها (دولة شين) عن انتهاكات لحقوق الإنسان،وتعتبر النساء والأطفال الذين يتعرضون أكثر من غيرهم للإعتداءات على حقوق الإنسان، وهم الإشخاص الأكثر معاناة من العنف الجنسي والقتل والقائم على نوع الجنس والتي تعتبر مشكلة خطيرة والتي يجب التصدي لها، إن ما يقلقها هو الهم الإنساني الكوني، فأغلب أعمالها تصب ّ في حالات الظلم والقهر والإستبداد والتشرد .

 

توفيق الشيخ حسين

...................

- رواية / دولة شين / وفاء عبدالرزاق / دار أفاتار للطباعة والنشر / القاهرة .

 

صدرت عن دار "سرد" ترجمة رواية الكوبي أليخو كاربنتييه" "أسلوب المنهج".

تظهر هذه الرواية، في الإشارات العربية القليلة التي كتبت عنها، تحت عنوان «أسباب الدولة». ولا شكّ أنّها ترجمة حرفيّة للعنوان الذي وضعه فرانسيس پارتردج Frances Partridge لترجمته الإنكليزيّة: Reasons of State

فكّرتُ، وأنا أطالع بعض ما كتب حول الرواية ومحتواها، أن أعنونها «مصلحة الدولة العليا»، جريا على عباراتٍ درجنا على سماعها من قبيل «مقتضيات المصلحة العامة» و«متطلبات الأمن القومي»...ثمّ ما لبث رأيي أن استقرّ على «أسلوب المنهج»، وهو ترجمة حرفيّة للعنوان الأصليRecurso del método ، ثمّ لأنّ هذه الترجمة تلبّي ما أراده المؤلف من تناظر وتواز بين عنوان روايته وعنوان كتاب الفيلسوف الفرنسي ديكارت «خطاب المنهج» Discours de la méthode الذي منه استلهم روحها:

Discours de la méthode

Recurso del método

وما أبعد ما "خطط" ديكارت عمّا "اختطّ" الدكتاتور.

في ثنايا الرواية يشير الدكتاتور إلى مفهومه عن "المنهج" بعد قضائه على محاولة انقلابيّة قام بها أحد جنرالاته:

«إنّ عليه مطاردة الجنرال هوڤمان في تلك المسالك، محاصرته، تطويقه، عزله ثمّ وضعه على جدار دير أو كنيسة أو مقبرة وقتله. «أطلقوا النار!». ما من سبيل آخر. إنّها قواعد اللعبة. إنّه أسلوب المنهج».

  صحيح أنّ كارپنتييه يقدّم لكلّ واحد من فصول روايته بفقرة مأخوذة من أدبيات ديكارت، تلخّص فحوى ذلك الفصل، لكنّ الفرق بين فقرة ديكارت الموجزة والحدث الذي تلخصه هو أنّ الفيلسوف يضع القاعدة ويداه في الماء البارد، بينما يظهر تطبيقها ساخنا ملتهبا مسوّما بالحديد والدم والنار. فهو الواقع. والتطبيق. والتبرير. والحجة. واقعُ الفرد وتطبيقُ الواحد وتبريرُ الأفق الضيّق وحجّة الرأس المربّع.

وهكذا تسير الرواية، بين "خطاب" ديكارتي و "أسلوب" دكتاتوري.

بين منهجmethod  وريجيمregime .

بين علميّة methodology وتجريبيّة empiricism

لترينا في النهاية عواقبَ التجريب والتطبيق:

«توقّفوا وتأمّلوا هذه الفوضى»

فـ «المنهج» في هذه الرواية هو «الدولة». «الدولة» بمعنى الـ System أو الـ Regime، الدولة التي لها «أسلوب»، هو، في الواقع، «منهج» ثابت مضطرد.

ولأنّ الدكتاتورية واحدة في كلّ مكان، لم يضع كارپنتييه لدولتها مكانا على الخريطة ولا لعُهدتها زمانا على الروزنامة. مكانٌ عام ورمزي: أمريكا اللاتينية. وزمان نخمّنه تخمينا ونستنتجه استنتاجا. أمّا اسم الدولة المزعومة فهو "الجمهورية" مرّة و"البلد" مرّة أخرى و"هنا" مرّة ثالثة. أمّا اسم الدكتاتور فهو منصبه: المستشار الأوّل. حيّ الله دكتاتور:

«تماثيل حضرتك ستستقر في أعماق البحر؛ سيصبغها الملح بالخضرة، وسيحيط بها المرجان، وتغطيها الرمال. وسيعثر عليها، في العام 2500 أو 3000 رفشُ كاسحة، ليعيدها إلى دائرة الضوء. وسيتساءل الناس وقتها: ومن كان ذلك الرجل؟". وقد لا يجدوا من يردّ على سؤالهم. هذا ما حث للمنحوتات الرومانية الكثيرة التي تشاهدها في المتاحف: لا يُعرف عنّها إلا أنّها لمجالد أو خطيب أو قائد. أمّا الأسماء فقد ضاعت. أمّا في حالة حضرتك فسيقولون: "تمثال نصفي. تمثال  دكتاتور. وما أكثر من مرّ منهم على نصف الكرة الجنوبي هذا، وما أكثر من سيمرّ، حتى لا تعود الأسماء تهمّ في شيء»

فالقصة خيالية لكنّها محتملة الوقوع.

والحكاية مصنوعة لكنّها ملء العين والواقع

لأنّ التاريخ القريب أرانا ما يشبهها تماما وقدّم لنا منها النموذج والمثال.

وهكذا هي القصّة: حقٌّ أو باطلٌ مصنوعٌ على غِرار حقّ.

يقول الدارسون إنّ شخصية المستشار هنا خليط من شخصيات فُلان الفُلاني في كوبا وعِلان العِلاني في المكسيك أو كولومبيا. لذلك فهي خيال مبنيٌ على واقع، ووهمٌ مبنيٌ على حقيقة.

يرسم كارپنتييه للمستشار صورة الدكتاتور "المثقّف" المتفرنس المتنوّر الذي يصادق أكاديميا وشاعرا وأديبا هناك، والذي يزور، حين يكون هناك، المتاحف ويحضر عروض الأوبرا ويزيّن قصره باللوحات. والذي يشيدّ هنا مبنى الكابتول على غرار ما ينهض منه في حواضر العالم وعواصمه.

ويرسمه خطيبا مفوّها ديماغوجيا سلاحه الكلام واسطوانته هي الحديث عن:

«حرية. إخلاص. استقلال. سيادة. كرامة وطنية. مبادئ مقدسة. حقوق مشروعة. وعي مجتمعي. ولاء لتقاليدنا. مهمّة تاريخيّة. مسؤولياتنا تجاه الوطن»

 لكنّه، على "ثقافته"، دكتاتورٌ فاسدٌ مفسدٌ يتلقى "الكومشنات" عن طريق سكرتيره، ويتغاضى عمّا يبتدعه المحيطون به من مشاريع وهمية يكسبون منها السّحت الحرام، وعمّا تعقده ابنته من صداقات، وما يبرمه ولده، سفيره في واشنطون، من صفقات.

أمّا وحشية الدكتاتور فتظهر في قمعه لأيّة معارضة وإخماده لأيّة ثورة، وإن كلّف القمعُ أرواحا وصوامعَ وكنائس وقديسين.

يفعل كلّ شيء للبقاء على كرسيه: يحوك المؤامرات ويرسم المسرحيات: انتخابات مزوّرة ومواقف مؤثرة وابتزاز ومساومات وشراء ذمم. لأنّه يعرف أنه من دون الكرسي لا يساوي شيئا:

«إن نزعتِ الصليبَ عنّي فماذا سيتبقى منّي؟ من سأكون؟»

  وكما ينتهي كلّ دكتاتور فقد انتهى هو مطرودا مطاردا بعد أن رفع عرّابوه وصانعوه أيديَهم عنه:

«الشيءُ الوحيد الذي يمكنني عمله هو أن أمنحك لجوءاً في قنصليتنا. هناك ستكون حضرتك في حماية رجالنا من المارينز. وقد حصلتُ على موافقة حكومتي»... «في تلك اللحظة أدركتُ بأني خُدعت: «وأنا الذي كنتُ دائما على علاقة جيدة بكم...وما أكثر ما قدمتُ لكم من خدمات!» ابتسم الآخر، من وراء نظاراته، وقال: «ومن دوننا...كيف كنتَ ستظلّ كلّ هذا الوقت في الحكم؟ أمّا الخدمات فسيقدمها لنا سواك...»  

ارحلْ

ارحلْ

مطرودا ثم لاجئا ثمّ ميتا في منفاه سائرا على آثار أمثاله:

إنّه لا يريد أن تكون نهايته كنهاية الطاغية روساس، الذي مات ميتة غامضة، منسيا – نسيته حتّى ابنته. ولا يريد أن يكون مثل پورفيريو دياث، زعيم المكسيك، الذي مات وهو حيّ، فكان يطوف بجثته، ببدلته وقفازيه وقبعته المهيبة، في جادات (البوا)، بين مشمّع أسود، كثياب الحداد تقريبا، في عربة تجرها خيول، تفصح طريقة سيرها عن خطوات موزونة بطيئة لمواكب جنائزيّة قادمة

لقد خانه جنرالاته وخانه سكرتيره وتخلّت عن دعمه القوة العظمى التي كانت تسنده.

خيانة من كلّ جهة وطرف.

حتّى أنتَ يا پروتس

حتّى أنتِ يا أوفيليا.

أوفيليا ابنته، التي طردته من بيته الباريسي، وودعته مع "شلّتها" بنشيد ساخر:

«إن لم يعجبك أصدقائي، فاحمل حقائبكَ واذهب إلى (الكريلون) أو إلى (الريتز). هناك لديهم غرف فاخرة. رووم سيرڤيس وأجواء ممتازة»

العجوز الأحمق ذاهب إلى الحرب

انظر إليه، انظر، انظر

العجوز الأحمق ذاهب إلى الحرب

ولن يعود!...

بل لقد انتظرت بفارغ الصبر أن يلفظ أنفاسه الأخيرة لتخفّ إلى كرنفال يعده أصدقاؤها.

أمّا وصيّته فقد نفّذتها "بالحرف"، حين لم تضع على قبره حفنة التراب، تراب الوطن الطاهر المقدس التي أمر بها، بل جاءت له بحفنة من ترابٍ أخذته من حديقة (لكسمبورغ) الباريسية.

***

لطالما قُرنت هذه الرواية بأخريين من تلك التي عُرفت بـ "روايات الدكتاتور": "خريف البطريارك" لغابرييل غارثيا ماركيث و "أنا الأعلى" لروا باستوس. فخلافا لروايات الدكتاتور الكلاسيكية – "فاكوندو" لسارمينتو و"باندريس الطاغية" لبايّه إنكلان و"السيد الرئيس" لأستورياس، فإنّ هذه الروايات، الأقرب عهدا من تلك، عالجت شخصيّة الدكتاتور من الداخل. تأملتْ نفسيّته وأصدرت عليه حكما ذاتيا لا موضوعيا.

أمّا اللغة التي كتبت بها الرواية فهي التي تعرف بالباروكيّة الأمريكية اللاتينيّةbarroquismo americano. لغة معقدة متكلفة مجددة مصطنعة تكثر من الوصف ومن الإشارات الثقافية والرموز المتصلة بشعوب وبلدان متحضرة ومتأخرة. إنّها لغة "التجديد والتغيير" التي تظهر حين ينوء الفنّ بفراغ لا تستطيع اللغة الكلاسيكية المعهودة ملأه.

***

أمّا أليخو كارپنتييه (1904-1980) فهو واحد من أبرز أدباء كوبا وكتّابها. ولد في لوزان بسويسرا لأبٍ فرنسي وأم من أصل روسي. في أحضان تلك الأسرة الأوربيّة نشأ، ومن ينابيع الثقافة الأوربية نهل. اهتمّ بالموسيقى وبالنحت. ودرس الهندسة المعمارية ثمّ الصحافة وعمل فيها وفي الإذاعة، ومنها انطلق إلى الكتابة الأدبيّة، بعد أن ترأس تحرير العديد من المجلات الأدبيّة. أقام في فنزويلا سنوات طويلة، وفي باريس سنوات أطول، فضلا عن زيارت تطول وتقصر إلى العديد من بلدان العالم. تأثّر بأفكار الشيوعية وهو في العشرينات من عمره وسجن بسبب تلك الميول والأفكار ونفی. عاد إلى كوبا من فنزويلا بعد انتصار الثورة في كوبا وتولّى مسؤوليّة دار النشر الوطنية الكوبية. ثمّ عين وزيرا مفوضا في السفارة الكوبية بباريس. سار إنتاجه الأدبي جنبا إلى جنب مع عمله الوظيفي، فأصدر رواية "مملكة هذا العالم" عام (1949) ورواية "الخطوات الضائعة" عام (1953) ومجموعة "حرب الزمن" القصصية عام (1958) ورواية "عصر التنوير" عام (1962). في عام 1974 صدرت له روايتان هما "كونشيرتو باروكو" و "أسلوب المنهج".

عرف كارپنتييه بلغته المنمّقة الصعبة التي تهتمّ بالصناعة اللفظية والوصف وتزخر بالإشارات الثقافية والفلكلوريّة والفنية. وصف بأنّه الكاتب اللاتيني الأكثر ولعا بالرسم والنحت. أمّا هو فقد وصف نفسه بأنّه "مزيج أوربيّ- أمريكي، عابرٌ للثقافات، ومفترقُ طريق لاتيني يشعّ بالصور نحو ضفتي الأطلسي بعفويّة وطلاقة".

 

 د. بسّام البزّاز

 

 

تجعل الرواية ولوجَنا إلى عوالم أخرى سهلا، دون حواجز أو عراقيل. يمكننا من خلالها أن نكون شهود عيان على حيوات متعددة، تارة غريبة عنا وتارة شبيهة لنا. الروائي أو الروائية عبارة عن حكواتي، ينسج حكايات، تبدو لأول وهلة أنها متفرقة، لا تمتّ لبعضها البعض بشيء. وكل حكاية تشكل لوحدها حلقة كاملة، لكن كل هذه الحكايات، في الواقع، ليست منفصلة، وإنما هي متداخلة بعضها ببعض داخل حلقة كبيرة. هكذا تشبّه الكاتبة والروائية التركية إليف شفق، في أحد محاضرتها باللغة الإنجليزية، على منصة  Ted Talks، فترات حياتها التي تبرزُ على شكل دوائر عديدة  تلمّها  دائرة كبيرة. كانت بدايتها في فرنسا، حيث ولدت في ستراسبورغ عام  1971. ثم عاشت فترة المراهقة في اسبانيا. فبعد انفصال والديها عادت مع والدتها إلى أنقرا، ليعيشا مع الجدة من جهة والدتها.

كانت أنقرا سبعينيات القرن الماضي ذكورية بعائلاتها الكبيرة العدد. فكيف لأسرة من ثلاثة أفراد نسائية أن تعيش بينهم؛ طفلة وأمها شابة متعلمة ومنفتحة لكنها مطلقة وجدَة، امرأة تقليدية تؤمن بالمعتقدات. لكنها، مع هذا، رفضت تزويج ابنتها وشجّعتها لإكمال دراستها الجامعية التي جعلتها، بعدئد، تعمل بالسلك الديبلوماسي. هذا من أحد الأسباب التي سمحت لإليف شفق، وشفق هو اسم والدتها، أن تتنقل بين دول عديدة في العالم. و تشبّه، بذلك، نفسها بالرحالة أو البدوية التي هي في ترحال مستمر، حاملة حقائبها المليئة خيالا وذكريات، حنينا وغضبا، فرحا  وخيبة أمل. وهي الكاتبة الأكثر مبيعا في تركيا، تكتب باللغتين التركية والإنجليزية، وتُرجِمت أعمالها إلى خمسين لغة، ومن أبرز رواياتها "قواعد العشق الأربعون"، "حليب أسود"، "أنا وسيدي"، فضلاً عن "لقيطة إسطنبول" و"الصوفي" وغيرها."

فما شدّ انتباهي هو بناء تقديمها للمحاضرة التي تحدثت فيها شفق عن فترات حياتها وأيضا عن نظرتها إلى مهنة الكتابة. فهي تعتبر أن كل فترة من حياتها تشكل دائرة تغادرها لكي تشغل دائرة أخرى في مكان آخر أو ربما في نفس الفضاء. فالبقاء في نفس الدائرة يجعل المرء يجف ثم يموت، حسب قولها. كلنا نفضل أن ننتمي إلى مجموعة معينة أو مجموعات، لأن ذلك يوفر الأمان  والحماية والاعتراف الذاتي. لكن سلبية هذا الانتماء لدائرة مغلقة تحدّ من التنمية الذاتية والانفتاح على الآخر. لذلك تعتبر نفسها رحالة، تبني مفاهيمها على أفق متحرك وتعيد بناءه باستمرار. فالتغيير في المضمون يتطلب، أيضا، تغييرا في الأسلوب.

فطريقة تفكير شفق تحيل على مفهوم التفكير البدوي الجذموري للثنائي الفرنسي الشهير جيل دولوز  والمحلل النفسي فيليكس غتاري في كتابهما تحت عنوان "ألف هضبة" ( 1976). فإنهما يؤمنان بفكرة نظام يتضمن مجموعة من المفاهيم المرتبطة في ما بينها ارتباطا ضروريا ويكون هذا النظام مفتوحا. فالفكر بدون صورة، حسب قولهما، هو ما يعرف الآن بالتفكير البدوي أو البداوة في التفكير. لأن البدوي لا ينشأ عمارات فلسفية ثابتة، بل هو في ترحال مستمر.

الترحال أو البداوة  ليست مجرد وسيلة للتنقل الجسدي. فحسب القراءة التي قام بها دولوز لنيتشه، فهي شكل من أشكال التفكير الذي يتبع خط الهروب والذي لا يسمح بالسقوط في شباك القوى المؤسساتية. وهذا يعود إلى التفكير الفني البدوي، في القرن التاسع عشر، الذي يغرف من منبع استقلال عالم الفن وتكوين شخصية الفرد الذي يعمل على إبراز فردانيته وهويته الإبداعية.

أما الجذمور، في علم النبات، فهو عبارة عن نباتات واسعة الانتشار، تنبثق من الأرض وتمتد فوق منطقة واسعة. تبدو وكأنها منفصلة، لكنها مترابطة تحت الأرض، تنمو أفقيا وموازية لسطح التربة، يستعملها النبات للانتشار وتكوين نباتات جديدة تطلق جذورا وسوقا عند العقد الساقية. حسب دولوز وغتاري، تكتسب هذه النبتة  دلالات فلسفية متميزة.

فمفهوم الجذمور باللاتينية rhizome   يقوم على ستة مبادئ:

مبدأ الترابط والتنافر، التعددية، القطيعة الغير دالة ومبدأ الخريطة.

أما التفكير البدوي الجذموري، فيعتمد على افق منفتحة وعلى عدم ثباته على تعريف مفهوم معين؛ بحيث يبقى هذا المفهوم الفلسفي عرضة للتغيير والحذف والاضافة المستمرة.

وهذا ما تدعو له  شفق في كتاباتها ومحاضراتها. ففي روايتها الأخيرة، باللغة الإنجليزية، المعنونة "10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب"، تطرح حيوات اجتماعية متعددة، متنافرة وفي الوقت نفسه، مترابطة لتعدد هوياتها وانتماءاتها. تهرب من وسط لا يؤكد ذاتها فترسم لنفسها خريطة طريق؛ تجهل توقعات موطنها الجديد.

البنية النصية

تُهدي الكاتبة روايتها، التي تتكون من ثلاثة أجزاء معنونة؛ العقل ،الجسد والروح، "لنساء إسطنبول، ولمدينة إسطنبول التي كانت ولا تزال  مدينة أنثى"، أو بالأحرى تتمناها أن تكون أنثى.

في الجزء الأول، اضطرت الراوية العليمة / شفق أن تعرضَ، في عشر دقائق وثمان وثلاثين ثانية، صيرورة مكثفة لحياة ليلى "التيكلا" التي اشتهرت بهذا الإسم بين زبنائها وأصدقائها. فبدأت بنهاية الحكاية؛ حيث وُجدت ليلى كاملة عفيفة، المولودة يوم 6 كانون الثاني عام 1947 بمدينة فان، مقتولة ومرمية في حاوية نفايات معدنية  في اسطنبول وحذاؤها الأرجواني ما يزال في قدميها، يوم 29 تشرين الثاني عام 1990. كانت رابع عاملة جنس تُقتل خلال شهر حسب التلفاز الوطني. صادف خبر مقتلها تقرير الأمم المتحدة للتدخل العسكري في العراق واستقالة السيدة الحديدية في بريطانيا والتوتر بين تركيا واليونان وإعادة توحيد فريقي كرة القدم في الألمانيتين الغربية والشرقية وإلغاء الشرط الدستوري الذي يفرض على المرأة التركية المتزوجة الحصول على موافقة الزوج للعمل خارج البيت وحظر التدخين على الرحلات الجوية التركية.

لقد توقف قلب ليلى التيكلا عن الخفقان، لكن دماغها ما زال يقاوم حتى النهاية ولمدة عشر دقائق  وثمان وثلاثين ثانية أخرى؛ حسب تشخيص سابق لأطباء العناية المركزة في كندا.

وخلال هذه المدة القصيرة ستستعرض ليلى التيكلا ذكرياتها، دقيقة تلو الدقيقة، من خلال مذاق ونكهات أطعمة سبق أن تناولتها تماما كما حدث مع الكاتب الفرنسي مارسيل بروست / الراوي عند تناوله كيكة المادلين في روايته "البحث عن الزمن المفقود".

ففي أول دقيقة التي توقف قلبها عن الخفقان ومازالت الخلايا العصبية نشيطة تربط بعضها ببعض وتمدها بطاقة أخيرة، كانت أول ذكرى مرّت بعقلها هي ذكرى الملح الذي غُطست فيه إبان ولادتها لامتناعها عن إصدار الصرخة الأولى. ولدت ليلى في عائلة أكارسو في مدينة فان التركية. تزوج أبوها هارون من والدتها، بينّاز، وهي في السادسة عشرة زواجا غير رسميا. بيناّز التي بقوا يعيّرونها بالفقر، هي ضرة الزوجة الأولى سوزان العاقر. هذه الأخيرة التي أصبحت أمّا  لليلي وبينّاز، أمها البيلوجية، عمّتها.

دقيقتان:

بعد توقف قلبها بدقيقتين، تذكرعقلها مذاقين متناقضين؛ الليمون والسكر. ففي حزيران عام 1953، رأت نفسها طفلة في السادسة من عمرها، في بيتهم الكبير، بمدينة فان، بجدرانه المزينة بجداريات فنية الذي ينمّ عن تاريخ عريق. لقد سكن هذا البيت، قبل الحرب العالمية الأولى، طبيب أرميني مع زوجته وبناته الستة اللواتي كنّ يعشقْن الموسيقى والغناء. لكن هذه العائلة خرجت ولم تعد وتركت ورائها ممتلكاتها الثمينة. وحصل والد هارون، محمود (الأغا الكردي) المتنفذ على هذا البيت لقاء دوره في تهجير الأرمن من هذه المنطقة، اللذين اُرسلوا في جماعات إلى صحراء دير الزور، حيث لم ينج منهم إلا القليل. اكتشفت ليلى أن الأمور ليست كما تبدو عليه؛ يوجد طعم مرّ تحت الطعم الحلو.

ثلاث دقائق:

بعد توقف قلب ليلى التيكلا بثلاث دقائق، تذكرت القهوة المنكهة بالهيل؛ قهوة مركزة ارتبط مذاقها في عقلها بشارع المواخير في إسطنبول. كان ذلك في شهر أيلول عام 1967، تذكرت ليلى شارعا مسدودا بجوار المرفأ، الممتد بين صفوف المواخير المرخصة. وفي الجوار، توجد مدرسة أرمينية وكنيسة يونانية وهيكل لليهود الشرقيين وتكية للصوفيين وأبرشية للروس الأرثوذكس. وهذا كله ينتمي إلى الماضي الذي أسسه السلطان عبد العزيز في القرن التاسع عشر. كانت ليلى آنذاك في السابعة عشرة من عمرها، حين باعها زوجان منغمسان في الدعارة إلى أول ماخور، ولم يكن في حوزتها إلا خمس ليرات وعشرين قرشا. وذلك حدث قبل ثلاث سنوات. لكنها تعتبر ذاكرتها مقبرة للماضي، دفنت بها مقاطع من حياتها. ففي هذه السنة، تعرفت ليلى على نالان في  الزنزانة، وهي من عائلة ثرية من الفلاحين ومربي المواشي في منطقة  وسط الأناضول. جاءت إلى إسطنبول لكي تصحح الخطأ السافر الذي اقترفته الطبيعة. أسمتها ليلى نوستالجيا. وكانت  نالان تدعى عثمان. هرب في ليلة زفافه إلى إسطنبول. وهي أحد أصدقائها الخمسة.

أربع دقائق

إن رائحة البطيخ ومذاقه أعادها إلى صيف أب 1953 ورحلة عائلة أكارسو إلى بلدة معروفة بصيد الأسماك على الساحل الجنوبي. هناك بدأت ليلى تعيش كابوس الاعتداءات الجنسية من قبل عمّها وعمرها لا يتجاوز ست سنوات واستمر ذلك خلال زياراته للعائلة.

كان صديقها الوحيد في هذه القرية، "والشجرة التي تقدم لها الحماية والملاذ" بالرغم أنه يعاني أيضا من التنمر،  سنان، ابن صيدلية القرية. وهو أيضا أحد أصدقائها الخمسة. كان أبوه الذي توفي في الحرب. يعتبر "أن سكان القرية أناس مسحوقين تحت وطأة الدين والمعتقدات الصارمة". وكان يؤكد "أن المرء لا يستطيع تغيير الجغرافيا، إلى أنه في وسعه أن يحتال على القدر".

خمس دقائق

بعد مرور خمس دقائق على توقف قلبها عن الخفقان، كانت ذكرى ولادة شقيقها تاركان مقرونة برائحة يخنة الماعز المتبل بالبهار ومذاق الكمون والثوم والبصل. ازداد تاركان بمتلازمة داون وكان ذلك بمثابة عقاب رباني للأب هارون. فامتنع هذا الأخيرعن شرب الخمر وخياطة فساتين النساء ومنع أسرته من سماع الراديو وتصفح مجلات الموضة ونجوم الفن.

في 13 نيسان عام 1963، صادف هذا العام أحداثا كثيرة، اطلعت عليها  ليلى في الجريدة اليومية؛ اعتقال مارتن لوثر كنغ لاحتجاجه على سوء المعاملة. وفي الأخبار المحلية، اضراب فلاحي الأناضول بسبب الفقر والبطالة. حينها بلغت  ليلى السادسة عشرة.

كان سنان ينقل أخبار الراديو ويمدّها بالمجلات، فعلمت بحصول المرأة الإيرانية على حقوقها السياسية وأن أمريكا خسرت الحرب في الفيتنام. كما أن سنان يعرف الكثير عن الحربين العالميتين الأولى والثانية. لذلك أسمته سابوتاج – تخريب. بالإضافة إلى ذلك، كانا يساندان بعضهما البعض كونهما يعانيان من التنمر خصوصا في المدرسة.

ست دقائق

بعد ست دقائق على توقف نبضات قلب ليلى عن الخفقان، مرّ في خاطرها ذكرى الموقد المشتعل ورائحة الخشب. كان ذلك يوم 2 حزيران عام 1963 وهو يوم زفاف ابن عمها. وأرعبها حزام الطوق الأحمر الذي يلف خصر العروس ويرمز إلى العفّة. فشعرت بصخرة على صدرها لأنها تعرف عقاب الفتاة الغير عذراء. هكذا بدأت ليلى تؤذي نفسها بأي شيء حاد للتكفير عن ذنبها. وكانت اعتداءات عمّها تتكرر كلما سنحت له الفرصة ويوهِمها كل مرّة بأن القذارةَ موجودةٌ فيها. أما والدها فكان يعلّمها القرآن ويكرّر لها بأن الله يرى كل شيء، لكنها ترى أن الله لم يساعدها عندما تحتاجه.

سبع دقائق

إذ واصل عقل ليلى القتال، تذكّرت طعم التربة، الجاف والطباشيري والمرّ. فالطباشير ذكّرها بأطفال كانوا يطاردون رجلا عجوزا يزيديا، فرسموا حوله دائرة بالطباشير وتسمّرَ في مكانه. فهذه الدائرة هي أيضا تمثل شكل لعبة الهيلا هوب التي منعها والدها من اللعب بها كالعارضة الأمريكية التي رأتها في مجلة "الحياة". فكيف يمكن أن يصبح الطوق الدائري الذي عزل إنسانا، أوقعه في فخ، رمزا للحرية المطلقة ونعمة لإنسان آخر؟" فهذا التوق الذي يلف خصر الأمريكية يمثل لها الحرية، أما اليزيدي فكان ينتظر أحدا يمحو له خط الطباشير لكي يخرج من الدائرة.

أما التربة فقد كانت تلتهمها عندما عرفت أنها حامل من عمّها. وباحت بذلك لعمتها بيناز وهذه الأخيرة أخبرت أباها الذي لم يرد أن يصدق ذلك لكي يحمي أخاه. أما الطعم المرّ فقد اقترن باكتشافها حقيقة والدتها البيلوجية؛ وهي عمّتها بينّاز.

ففي أيلول عام  1963، قرر الأب منع ليلى من الذهاب إلى المدرسة. وفي تشرين الثاني داهم المرض شقيقها تاركان وغادر الحياة. وفي عصر نفس اليوم تركت ليلى البيت. وعرفت أنها "لا تستطيع العودة، وأن هذا الموت البطيء الذي وجدت نفسها فيه أصبح هو نفسه الآن حياتها".

تعرفت على جميلة في المستشفى أثناء الفحص الطبي لعاملات الجنس وهي أول صديقة لها في إسطنبول "وهي أحد خمسة". ولدت جميلة في الصومال لأب مسلم وأم مسيحية توفيت باكرا. عند بلوغها السابعة عشرة، انضمت جميلة إلى اجتماع في الكنيسة. ولم يجد ذلك قبولا عند العائلة فأصبحت منبوذة. فخلال فترة حكم سياد بري، جاءت مع العديد من الافارقة إلى إسطنبول هربا من الحرب الأهلية والعنف الديني والعصيان السياسي.

ثماني دقائق

مرت ثماني دقائق وتمثلت الذكرى التالية، التي تركت أثرا على جسدها في آذار عام 1966، في رائحة حامض الكبريتيك، لقد حاول أحد الزبائن، المختل عقليا، أن يفرغ محتوى الزجاجة على وجهها. فأصاب، لحسن حظها، ظهرها.

لقد ازداد البؤس والعنف في المدينة، طوال فصل الربيع لعام 1966.  واشتبكت الفصائل السياسية وقتُل الطلاب في الجامعات. لكن ثمة امرأة عربية واحدة كان يروق لليلى أن تقضي الوقت برفقتها، امرأة قامتها قصيرة إسمها زينب 122. وهي أحد خمسة؛ ولدت في قرية جبلية شمال لبنان. كانت تتمنى أن تكون رحالة وهي قارئة الفنجان في أوقات فراغها. ففي نيسان عام 1964، اشتغلت في صالون حلاقة في إسطنبول لساعات طوال لم يتحملْها جسمُها. فعرضت عليها سيدة العمل كمنظفة في الماخور.

تسع دقائق

تذكرت ليلى د/علي الطالب اليساري ومذاق حلوى الشكولاته المحشوة بالكراميل والكرز والبندق المطحون. ففي تموز عام 1968، كان الأسطول الأمريكي السادس في طريقه لكي يرسو على ضفاف البوسفور. لكن مظاهرات مناهضة للنظام أفشلت قدوم سفينة الناتو. كان من ضمنهم د\علي الذي هرب من الشرطة وآوته ليلى في الماخور. وأصبح يتردد عليها ويجالسها في غرفتها ويحكي لها عن والده العامل في مصنع فورد في كولونيا وعن روزا لوكسمبورغ التي اغتالها الجيش ورماها في ترعة. كما أنه كان يكلمها كأنها ندا له. فراقت لها هذه المساواة.

عشر دقائق

بمرور الوقت، استعاد عقل ليلى مذاق بلح البحر الأسود المقلي في زيت غامر. ففي تشرين عام 1973، اكتمل جسر البوسفور، بعد ثلاث سنوات من العمل. وهو رابع أطول الجسور في العالم. يلتقي البحر الاسود ببحر مرمرة من جهة في حين يجري بحر إيجه ليلتقي بالبحر الأبيض المتوسط من جهة أخرى. وقد صادف احتفال التدشين الذكرى الخمسين لتأسيس جمهورية تركيا. في ذالك اليوم،

زار د\علي ليلى وهو محمل بمنشورات ضد النظام وبلح البحر المقلي. لقد كاد أن توقفه الذئاب الرمادية - الفاشيون المسيطرون على المنطقة.

ففي تلك الفترة، تعرفت ليلى على حميراء بالصدفة عندما وجدتا، على الطريق، قِطّا أسودا مُصابا وقرّرتا أخذه إلى بيطري لعلاجه. فحميراء أحد خمسة،

ولدت حميراء في ماردين، على مقربة من دير القديس غابرييل في سوريا وهو اقدم دير في العالم للسريان الأرثوذكس. اُرغمت على الزواج وهي في السادسة عشرة من صديق والدها في التجارة والذي كان يعنفها فهربت إلى اسطنبول وكانت خائفة أن تقع ضحية غسل العار. لقد كانت تعمل مغنية في كازينو على رصيف الميناء.

عشر دقائق وعشرون ثانية

في الثواني العشرة الأخيرة التي سبقت توقف دماغ ليلى عن العمل توقّفا تامّا، تذكّرت قالبَ حلوى زفافها مع د\علي  وتركها للمهنة واستأجراهما، في شارع هيري كافكا، شقة رقم 7 في الطابق العلوي. لكن  فرحتها لم تدم طويلا؛ لأن  د\علي قُتل أثناء مظاهرات  الأول من أيار، في ساحة التقسيم، من قبل أحد القناصين عام 1977.

عشر دقائق وثلاثون ثانية

قبل أن يستسلم دماغ ليلى التكيلا نهائيا، تذكرت مذاق الويسكي بالشعير، وكان آخر طعم بين شفتيها قبل وفاتها. ففي تشرين  الثاني عام 1990، بينما كانت  ليلى وصديقتها جميلة في البيت رنّ الهاتف. كانت مديرتها السابقة في الماخور تطلب منها خدمة؛ أن تلتقي إبن باشا وتقنعه بالزواج  من فتاة اختارها له والده. يبدو أن للشاب المُثلي عشيق منذ زمن طويل. وافقت بصعوبة. فذهبت للقاء الشاب في فندق الإنتركونتنتال لكي تعلّمه قواعدَ الإغراء قبل ليلة الزفاف ربما يتماثل للشفاء، حسب والده الباشا المتدين والمحافظ جدا. وخلال حديثها معه تفهّمته وغادرت المكان. وهي في طريقها إلى بيتها، اعترضتها سيارة مرسيدس وعرضوا عليها الركوب لتشاركهم عيد ميلاد صديق وأغروها بمبلغ كبير، كانت هي فعلا في حاجة إليه لعلاج صديقتها جميلة التي تعاني من مرض الذئبة. ففي الطريق، انقبض قلبها. لكن فات الآوان.

الثواني الثماني الباقية

كان آخر ما تذكرته ليلى هو مذاق قالب الحلوى بالفراولة في السادس من كانون الثاني الذي أعدّته بنفسها. لقد أقام، بمناسبة عيد ميلادها، أصدقاؤها الخمسة، سنان المُخرب، صديق الطفولة والذي لحق بها في اسطنبول، نوستالجيا نالان المتحوّلة جنسيا، جميلة، زينب 122 وحميراء المغنية حفلة لها. لقد كانت تظن أن العدد خمسة مميز؛ فالتوراة تتألف من خمس كتب وأركان الإسلام خمسة وفي البوذية خمسة طرق، في حين أن شيفا كشف عن خمسة وجوه تنظر إلى خمسة اتجاهات مختلفة، وأما الفلسفة الصينية فتدور حول خمسة عناصر؛ الماء والنار والخشب والمعدن والأرض. وهناك خمسة مذاقات متعارف عليها؛ الحلو والمالح والحامض والمر والأومامي (طعم الغلوتامات). كما يعتمد إدراك البشر على خمس حواس؛ السمع والبصر والشم والذوق واللمس.

هكذا حاول العقل تكثيف حياة برمّتها في وقت يستغرق غليان ماء في إبريق. أما في الجزء الثاني "الجسد"، فسنرى الأصدقاء الخمسة الذين يريدون انتشال جثة صديقتهم ليلى، التي رفض أهلها إستلامها، من مقبرة "كيروس" للمنسيين والغرباء والمنبوذين واللاجئين والمهمّشين، وذلك لكي يردّوا الاعتبارَ للجسد  ويمنحوه قبرا وليس رقما مجهولا؛ ولأنسنة المجّرد من الانسانية. فبعد أن نُبذت ليلى من جهة قرابة الدم فقد وجدت في أصدقائها قرابة الماء. لقد كانوا "ضعافا منفردين، ولكن أقوى في اجتماعهم".

أما في الجزء الأخير المعنون "الروح"، فقد نجح الأصدقاء الخمسة في إيجاد قبر الجثة وانتشالها رغم ملاحقة الشرطة لهم.  فلقد غامروا وألقوا بالجثة في آخر لحظة في مضيق البوسفور كما كانت ليلى تتمنى أن تعيش سمكةٌ في كونٍ غنيّ بالألوان الطبيعية. وقد شاهدت كنوزا ضائعة وهياكل صدئة لمراكب غارقة ومحضيّات دُفعن بهنّ دفعا من نوافد القصر وهنّ داخل أكياس تماما كما نقرأ في قصائد "الشرقيات"(1829) للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو. لكن ليلى أضحت سعيدة لكونِها أصبحت جزءا من هذا الملكوت النابض بالحياة والبرّاق مثل ولادة شعلة جديدة. لقد "صارت حرّة أخيرا".

 

نجاة تميم

 

امان السيد قراءة في رواية "يوميات عجوز مجنون" للروائي الياباني "جونيشيرو تانيزاكي"

 في الروايات الناجحة يستطيع الكتّاب أن ينسلوا بالقارئ إلى جحور في وديان لا يتجرأ بنفسه أن يميط لثامها أحيانا، وإذ بها تفتحه على أبعد الأمداء، فيخلع برقع حياء مجتمعيّ كريه قد يعتبر المصدر لبؤسه، وتشوهاته. لنكن صريحين حين نعترف أن الكبت هو المُدان الأمكن في هذا الموضع!

 إنه الكبت بمختلف أنواعه وأشكاله وألبسته من قمصان إلى فساتين، إلى وجوه مبرقعة، وضحكات عاهرة، وتهجّم وعبوس في مقابلة الحياة رغم ما فيها من جمال لا تنكره عين.

 ماذا، وإن كان الجنس الذي نكبته في نفوسنا هو ذاك المدرج الأول للاستئثار بالخفاء لتقمّص صورة يرضى عنها المجتمع، بينما صاحبها في أعماق نفسه ينتحب وهو يئدها، ويركم عليها التراب والأسمنت ركما؟!

 رواية "يوميات عجوز مجنون" للياباني "جونيشيرو تانيزاكي"، تحيلك إلى ذلك الفضاء الأجرد من أي قيم، فتترك للنفس أن تتعرّى بمختلف قذاراتها، أو ما اصطلح على نعته بالقذارة دينيا ومجتمعيا، فتروح تغتنم الفرص بوضاعة الدنيء أمام شهواته التي تقفز فوق المحرمات لتمارس حقوقها في إشباع نزق يرى أن من حقه أن يرتع صاعقا في طريقه كل شيء، من قيم متعارف عليها، ومن اعتبارات، وروابط عائلية، فتروح تثير من الجدليات الملعونة ما يستحق المتابعة، والتقصي، والاستنباط، وكأنك بالروائي المذكور أعلاه يعول بمعوله بلبلة في خزائن النفس البشرية في أدق ثنياتها مرخيا لها الانطلاق على سجيتها، وعبث فطرتها، وهي تنشد الارتواء، والانتشاء.

 العجوز الذي يُفصح منذ أوائل صفحات الرواية عن رغباته التي من صورها التلذذ بالشذوذ المأفون مجتمعيا، ثم إنه الحريص على تدوين يوميات يودعها درجا غير متقصد إغلاقه!

  يوميات، تراتيل أيام لا تنتهي مع أمراض الشيخوخة التي تتكالب على رجل مثله تجاوز السبعين من العمر، هي أمر عادي، ولكن الروائي يحلو له أن يقدّم بطل روايته العجوز لقارئه عبر منصتين حساستين بينهما اتصال لا يخفى للقارئ: العجوز المتآكل المتهاوي المصاب بالعنّة، والإنسان المتماسك الذي ما يزال يشعر بالنشوة الجنسية، وإن كانت غير مكتملة، ولكنها كافية لأن تسمح له بأن يمرر لعابه بلسانه على فخذ امرأة، وإن كانت تلك المرأة الصبية كنته!

  المرعب في الأمر، وهنا أعود إلى المجتمعيات، والخلفيات الدينية، والأدبية كأي مبنى يتراصّ على طول زمن بما حُشي من مبادئ وقيم، وارتكازات خُلقية لأستثار من الدهشة والامتعاض في الوقت نفسه، فكيف لرجل أن يشتهي كنته، وأن ينحدر به الإسفاف إلى استجداء أطراف من المتعة معها، ويذل نفسه في سبيل تلك الشهوة، بل ويكتريها بالمال، بينما وحين أكتب من منطلق المحلل، ورافع ألوية الحريات أرى أني أمام كائن ضعيف يتحامل على ساقيه، وعجزه، وهو يرى أنه ينحدر إلى أراذل العمر، ولكنه حريص على التشبث بالحياة، وممارسة قناعاته ما دام يشاركها مع طرف يتوافق معه في الرأي، والرغائب أيضا!.

 أليس في الجنس الإحياء للجسد الذي يأتلق بالحب، حتى وإن نُعت بالنقيصة، والانحطاط، والعار؟! ثم أليست النفس الإنسانية لجج عميقة من دوامات، ومجاهل وتحليقات، وانتفاضات، وبراكين، صاحبها بها العليم، وغير العليم في الوقت ذاته، فإن تكشفت له اشتهاءاتها، لن يتمكن دوما من مغالبة شراستها، وما توحي إليه به من سعادة، وإن كانت قاتلة؟!

روائي قدير، وذكي في انتقائه للشخصية المحورية هنا، عجوز ثري مالك يريد الجميع إرضاءه بما أنه المغدق، فلا يمتنعون عن الرضوخ إلى طلباته، ويغضون النظر عما يستدعي حقا الثورة، والتأجج، والاتهام، ثم المقاصصة، والمعالجة النفسية!

 إن الازدواجية تتبدى في الرواية حلة رئيسة للشخصيات في المجمل، فالزوجة، الحماة، تدرك ما يفعله العجوز مع كنته، ولكنها لا تحتج، بل إنها تصمت مقابل ما يقدمه الزوج من العطاء، وأيضا اتقاء لفجور، وسفاهة كنة أرغمت على قبولها. البيت واسع ثريّ التضاريس، الحياة رفاهة، إلى ما إلى ذلك، أما الكنة الشابة التي تعيش حياة البذخ بعد أن كانت راقصة تعرّ في كاباريه، فلا تقنع بما حازته من حياتها الجديدة، بل هي تساوم حماها، وقد استشعرت شهوته تجاهها على مجوهرات فادحة الثمن، وسيارة فارهة، والمال الوفير، وتمارس في الوقت نفسه حياة زوجية مفتوحة إلى درجة مخيفة، فلا هي تكتفي باستغلال اشتهاء العجوز لها، والسماح له معها بممارسة سلوكيات جنسية مستهجنة، بل تجعل منه الراضخ لغرائزها وشهواتها أيضا، تصطحب عشيقها إلى بيت العائلة للاستحمام تحت حجة واهية لا تلبث أن يسقط قناعها، حيث تمرره إلى غرفتها، وإلى حمامها فيتشاركانهما سوية، والعجوز في منتهى السعادة، والمرح، بل إنه الملحّ في طلب مشهد يعوضه عن عنته، ونقص أداء جنسي ما يزال في شره إليه!

 للمصداقية، إن روائينا الياباني لا ينعت بجرأة الطرح فقط، بل إنه وافر الشفافية، والواقعية في سبره لما في الأعماق من الانتكاسات، والانفعالات التي يحرم خروجها إلى العلن، والذي يحرص المجتمع منذ الأزل على تهذيبها، وتأطيرها في أطر دينية، ومجتمعية، والتي إن أفلت لها القياد، فستودي بتلك المجتمعات إلى الهلاك شرقا وغربا، وكم من ممارسات قد ترد على الذهن، والقارئ يبحر في القراءة بلا قيد أو رقابة مع نفسه، وحوله، منها ما خضع أصحابه للعلاج النفسي، ومنها ما أدى إلى الإجرام، ومنها ما ظل حبيس جدران الذات، أختار  أو أورد منها جانبا من حلم كان يرد بإلحاح على مراهقة ويمنعها من مواصلة حياة طبيعية مع الخارج،  ترى أنها معلِّقة نفسَها إراديا عارية على حبل، أو عمود يماثل أعمدة السيرك، وأسفلها حشد من الرجال يتناوبون على ارتشاف ثدييها، وهي في خدر لا انتهاء له، فلا هي تمكّنهم من مرغبهم، ولا هي تمنعهم عنه، وهي الآمرة الناهية، والجمع في تداول سكينة، والتفاف طوفي!.

 من تراه ذاك الذي يجترئ على تعرية مشاهد تنحشر في بؤر البشر سوى كاتب، أو فنان، أو قناص غير مبال.. أولئك الملعونون من مجتمعات تتجلل بالخطيئة سرّا، وتتربع موائد لذائذها جهارا، وبكل صفاقة؟!

***

خاص/ صحيفة المثقف

أمان السيد

 

 

2477 OIPترجمة: صالح الرزوق

ترتبط جينيالوجيا المقاومة في روايتي أهداف سويف ونايانتارا ساغال بمصر والهند، وتشترك بتجارب اقتصادية وثقافية تسيطر عليها الإمبراطورية البريطانية. وقد تغلغلت السيطرة البريطانية عن طريق مصانع شركة بريتيش إيست إنديا (شرق الهند البريطانية)، وتبع ذلك تبادل تجاري كثيف منذ القرن السابع عشر، وتم تسمية الهند مستعمرة بريطانية في أعقاب حركة التمرد في الهند عام 1857. وفي نهايات القرن التاسع عشر، أصبحت الهند جوهرة لا تقدر بثمن في التاج البريطاني، ليس لأنها قدمت المواد الأساسية مثل القطن والتوابل، ولكن أيضا لأنها وفرت تيارا مستمرا من المتطوعين للجيش، وكانوا قوة لا غنى عنها لبقاء الحكم البريطاني في أرجاء الإمبراطورية. وكان الجنود الهنود غالبا إما يشكلون قوات احتياط أو إمداد للقوات البريطانية في بقية المستعمرات، ومنها مصر على سبيل المثال.

وبعد مقتل الضابط البريطاني جورج غوردون في السودان عام 1885 على يد قوات تابعة للمهدي، وهو قائد ديني أعلن الاستقلال وشكل دولة منفصلة، تم إرسال جيش مكون من جنود مصريين وبريطانيين وهنود بقيادة هوارشيو كيتشنير لفرض السيطرة، واستعادة ما سيعرف لاحقا في عام 1898 بأرض مصر والسودان الإنكليزية. 

وقد ضعف دور الحكم البريطاني في الهند على نحو محسوس بعد الحرب العالمية الأولى، حينما اندلعت على مستوى وطني الاحتجاجات بسبب المجزرة التي ارتكبت ضد متظاهرين سلميين في أمريتسار عام 1919، وهو ما قدم الدافع للحركة الوطنية البورجوازية. ولكن التيار الجارف بدأ حينما طلبت حركة “خروج الهند” بقيادة الزعيم غاندي الاستقلال عن البريطانيين  مقابل التعاون  معهم في الحرب العالمية الثانية. ووافقت بريطانيا، التي أثخنتها الجراح في الحرب، على هذا الشرط، وتكونت دولتان مستقلتان جديدتان هما الهند والباكستان في 15 آب عام 1947.

وبدأ تاريخ مصر الاستعماري بعد فترة وجيزة، وتضمن طيفا معقدا من القوى الأجنبية. فقد رزحت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية لعدة قرون، ثم وقعت بين أيدي جبيش نابليون عام 1798.  ولكن القوات المصرية تلقت الدعم من الجيش البريطاني، وتمكنت من دحر الفرنسيين بعد ثلاث سنوات من الصراع. ومع أن مصر، وخلال ثمانين عاما تلت، لم تكن رسميا مستعمرة فرنسية أو بريطانية، فقد وجدت نفسها على نحو متزايد تحت سيطرة اقتصادية للحكومتين الفرنسية والبريطانية، وديونها المستشرية كفطر الغابة، وعلى وجه الخصوص في عهد الخديوي إسماعيل (الحاكم المعين من قبل الإمبراطورية العثمانية)، أجبرها لقبول إدارة اقتصادية تعاون فيها الفرنسيون مع البريطانيين. ولاحقا قاد الكولونيل أحمد عرابي جماعة من الوطنيين المصريين للقيام بانقلاب عسكري على الخديوي توفيق في نهايات عام 1881. وقدمت هذه الخطوة للقوات البريطانية المبرر لتحتل مصر رسميا عام 1882، وكانت تهدف من وراء ذلك للتحكم بقناة السويس، ومنع القوات الاستعمارية المناوئة من فرض سيطرتها على مصر واستعمارها. ثم نشبت الحرب العالمية الأولى، وحولت السلطات البريطانية مصر في عام 1922 من محمية إلى ملكية دستورية، كخطوة مصالحة وكمحاولة يائسة لاحتواء الثورات الوطنية. ولكن احتفظت بالجيش وقطاع الاتصالات بيد البريطانيين. ولم يحصل في مصر قطيعة اقتصادية مع الفرنسيين والبريطانيين حتى قيام حكومة ناصر، واستلامه السلطة عام 1952. فقد أمم قناة السويس، وطرد القوات البريطانية، ونفى الملك فاروق وأعلن قيام الجمهورية.

ولا أريد من أحد أن يفهم أنني أعتقد أن كلا من مصر والهند سارتا بمسار متماثل في ظل الاستعمار البريطاني، حتى قيام الثورات وتحقيق الاستقلال. والحقيقة أن هذه الجينيالوجيا تؤكد وجود تمايز في روابط مصر والهند مع الاستثمارات الاستعمارية البريطانية، فقد اتخذتا موقعين مختلفين، وأحيانا متعاكسين، وذلك ضمن الأسرة الاستعمارية. مع ذلك رغم هذه الفروقات الواضحة في تطور تاريخ المقاومة الوطنية، وتطور ظاهرة الاستعمار، توجب على مصر والهند أن تكافحا ضد الاقتصاد الاستعماري والتبعية الثقافية التي اتكأت بشكل واسع على مجاز ورموز معينة، هي تحديدا ما اتفقنا على تسميته باسم “الاستشراق”.

كان الاستشراق (ولا يزال) مهووسا بفكرة مركزية وهي افتراض وجود عقدة جنسية عند الذكر “المحلي”، الذي يعتقد أنه يحمل رغبة جارفة بالمرأة البيضاء الغربية.  وترى روايتا سويف وساغال بشكل مباشر، مع مجاز استشراقي آخر، ظهر تقريبا في كل سياق استعماري في نقطة من النقاط - إن المرأة البيضاء الكولونيالية مهددة من السلطة الاستعمارية، وتهددها بنفس الوقت. كان من المقبول للنساء البيض القدوم للمستعمرات بأعداد كبيرة في نهايات القرن التاسع عشر لسد النقص في “التحضر”، وما قد يسببه ذلك من ضغط على المستعمر البريطاني. ولكن تمثيل صورة المرأة البيضاء في المستعمرات لم يكن بنية مستقرة، فهي مثل بنية الرجل الاستعماري، تشير لمخاوف وتخيلات كولونيالية وليس لمجرد حضور واقعي وفعلي. بهذا الصدد لاحظت آن لورا ستولير Ann Laura Stoler  في “المعرفة الجنسية والسلطة الإمبريالية” أن موقف بريطانيا، من فكرة النساء البيض في المستعمرات، قد تبدلت بتبدل السياسات الاستعمارية نفسها. وعليه في بواكير القرن الثامن عشر كانت المستعمرات تصور على أنها شديدة الخطورة على المرأة البيضاء، وكان المستعمر البريطاني يفضل اتخاذ تدابير لتوفير خادمة وخليلة من النساء المحليات لإرضاء ميوله الجنسية و“احتياجاته” المحلية التي تعتني بها عادة الزوجة البيضاء. ولم يكن يسمح للضباط أن يتزوجوا حتى يتموا فترة محددة بالخدمة، وغالبا تبلغ ثلاث سنوات أو ما يزيد على ذلك. وبنهاية القرن التاسع عشر، هذا السلوك المعياري، أصبح ينظر له كسلوك غير متحضر وله احتمالات خطيرة. وللتأكد أن الرجل الأبيض يحافظ على “نقاء” هويته البريطانية في فترة الخدمة بالمستعمرات، أصبحت السياسة الرسمية تشجع النساء البريطانيات على الهجرة مع أزواجهن أو للاقتران برجال يخدمون العلم في الخارج. وبتكوين “بريطانيا مصغرة” بشكل بيوتات في المستعمرات، خدمت المرأة البريطانية البيضاء هدفا أساسيا وهو حماية وإعلاء شأن التسلسل الهرمي الذي خشي عليه المسؤولون بشكل جدي، ولا سيما بسبب نظام المحظية وما نجم عنه من أطفال مهجنين ومزدوجي العرق. ومع أن النساء البيض كن يعتبرن أساسا حاميات لنقاء العرق البريطاني في المستعمرات، سرعان ما انتقلن لتمثيل المخاطر التي لحقت بالمشروع الاستعماري. إن تصوير النساء البيض وكأنهن عرضة لخطر العنف، وبالأخص العنف الجنسي، الذي يمكن للرجال المستعمرين (بفتح الميم) أن يقترفوه قد خدم بتوحيد المجتمعات البيضاء ضد أولئك الذين يحكمونهم، وبالتالي ساعد على تثبيت وفرض الحدود العرقية، وهو ما كان الموظفون الاستعماريون يقلقون منه. هذه الحدود كانت قابلة للعبور في عقود سابقة، وفضفاضة، ولا تقيد التواصل بين الحاكم والمحكوم. وقد قالت فرون وير  Vron Ware:”أصبح أمن النساء البيض في الإمبراطورية مشكلة إيديولوجية مستمرة، مرتبطة بشدة بشرعنة السلطة الاستعمارية”. وبتعبير آخر: أصبحت حالة النساء البيضاوات في المستعمرات ترمز لمصير سيطرة الثقافة البريطانية نفسها. ونتيجة ذلك تزايدت المخاطر المعلنة الموجهة للنساء البيضاوات مع ظهور علامات تدل على المقاومة الوطنية للحكم البريطاني، ورسمت بالتالي حدودا تاريخية نوعية لكل مستعمرة على حدة. وتمثيل الذات الكولونيالية ثقافيا في وقت الأزمات كان عقدة تاريخية وجغرافية، وعليه إن أوصاف الرجل الهندي الخطير والمعبأ بإيحاءات جنسية قد يختلف عن الصور الاستشراقية للخطر الجنسي في مستعمرات الشرق الأوسط.  وبتعبير جيني شارب Jenny Sharpe رمزية المرأة البيضاء  بشكل ضحية جنسية محتملة للرجل الهندي قد برزت أولا بعد ثورة الهند عام 1857، وتم تعويمها بشكل أداة تحريك وتعبئة موجهة للمجتمع الأبيض بعد أزمات لاحقة  عانت منها السلطات البريطانية، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر مشكلة ميثاق ألبيرت عام 1883  (*وثيقة أجازت للقضاء البريطاني في الهند بإصدار أحكام ضد  رعايا بريطانيين إن كانوا غير أوروبيين) وما تبعها من عصيان في أعقاب مجزرة أمريتسار عام 1919. 

وهكذا أمكن تبرير واتباع القمع الوحشي لعصيان الوطنيين المعارضين للكولونيالية بحجة أنه ضروري لحماية نساء وأطفال بريطانيا في المستعمرات. وبالمقارنة مع الهند البريطانية، كان هناك القليل من النساء البريطانيات في مصر في بواكير القرن العشرين. ولذلك كانت المرأة البيضاء أساسا رمزا للحريات التي حرمت منها النساء في “الثقافة  الإسلامية الأحادية والظالمة” جدلا.

طبعا إن هذه البلاغة كانت مبطنة بالتعالي والتزوير. مثلا استعمل اللورد كرومير، القنصل البريطاني العام غير المحبوب شعبيا والمعروف في مصر في بدايات القرن العشرين، هذه البلاغة عن حريات النساء البيضاوات حتى بعد أن قطع التمويل الذي كان متاحا لبنات المدارس في مصر وساعد بكل قوته في دعم جمعية معادية للأنوثة في بريطانيا هي: نادي الرجال ضد حق اقتراع النساء.

ومع أن الوضع المهدد بالخطر ساعد على تلاحم البيض في بعض الأوقات حينما  تعرضت السيادة البريطانية لتحديات ومعوقات، فقد تلقت النساء البريطانيات الملامة على انحدار الإمبراطورية البريطانية. وفي الهند كانت شخصية الممصاحب (*السيدة البيضاء) برهانا على عنصريتها في المستعمرات، وكانت تقارن بالدور المقابل للرجل الكولونيالي. وبتعبير جين هاغيز  Jane Haggis  كانت المرأة البريطانية في الخيال البريطاني الشعبي هي“التي تسببت للبريطانيين بفقدان إمبراطوريتهم، وللأصدقاء المحليين بالاستلاب من خلال كبريائها المثير للشفقة وغيرتها الجنسية”. ولكن النساء البيضاوات لسن مشكلة فقط في حال تورطن كثيرا ببلاغة التعالي الكولونيالي. هن أيضا مشكلة إن لم يتورطن بها على الإطلاق. تقول كوماري جايا واردينا Kumari Jayawardena “النساء البيضاوات حارسات للعرق، ومن لم تمتثل لهذه الصورة ينظر  لها كخطر موجه للسلطة الاستعمارية. ومن لهن صديقات محليات كن تتهمن - بالتغول - وأي نشاط اجتماعي مع الرجل المحلي ينظر له كما لو أنه خيانة عرقية”. وليس مدعاة للدهشة أن التمثل المزدوج للنساء البيضاوات كمنظفات عرقية وملوثات عرقية قد فشل بوجه الإطلاق للاعتراف بدور العقدة التي لعبتها المرأة البيضاء في المستعمرات البريطانية. لقد ذهبت المرأة البيضاء إلى المستعمرات لأسباب متعددة. بعضهن لسبب تبشيري أو بدافع الاشتراكية الداعية للتضامن والمساواة، وغيرهن دفعهن الأمل بالرفاهية المادية أو إغواء السرديات الاستشراقية التي ضخمت من الجانب الروحي المعزو للتصوف الديني. والنساء المبشرات غالبا  تنتمين للأخويات الدولية، وهي أساس تدخلهن بالسياسة الجنوسية في المستعمرات،  وهو ما عارضه المواطن المحلي، امرأة كان أو رجلا.

وفي نفس الوقت تساوى التحالف والصداقات السياسية بين الوطنيين الذكور في المستعمرات مع نشاط  البيضاوات لتحرير المرأة وأصبح المجالان متكافئين على حساب المزيد من التورط بمشكلة التضامن النسوي الذي يهمل الحدود العرقية.  وحينما نصل للترتيبات بين الأعراق، نكون أمام واحد من احتمالين: إما أن فكرة الجنوسة الكونية تفتح الطريق لمعاداة الإمبريالية، أو أن التكافل الوطني يمهد للجنوسة، وهذه مشكلة معروفة حتما منذ دراستي للروايات الجنوب إفريقية سابقا. 

ماذا جعل رواية سويف أو ساغال متميزة بضوء هذه الأنماط التاريخية، في حين أن رمانسياتهما بين الأعراق تبدو مثل تعبير متخيل عن تحالف سياسي بين المرأة البيضاء / الرجل الكولونيالي، فقد كانت تتدبر شؤونها لتتجنب الجانب التبشيري والوطني على حد سواء. 

تبرز الكاتبتان متكاتفتين جزئيا لأنهما تمثلان نوعا من أنواع التضامن الذي يمكننا رؤيته في معظم التفاصيل التاريخية - المرأة البيضاء المعادية للإمبريالية والرعايا المؤنثات المستعمرات.

بالتأكيد تهدف سويف لاستنتاج أنواع جديدة ومقاربات عابرة للحدود الوطنية والمراحل التاريخية، وذلك بواسطة استيعاب الرومانس الاستعماري في “خريطة الحب”. والتمثيل يصبح الموضع الأساسي لمثل هذه العلاقات الحميمة في رواية سويف، فالشخصيات تهمش ضمن الإشكاليات السياسية الوطنية، وفي هذا الحين تلتفت لوسائط تتراوح بين الحبكة والترجمة وحتى الانترنت للبحث عن خطاب مقاومة بديل. وتعود للخلف وتعبر عدة أجيال لتركيب تحالفات مع النساء الأخريات، وهي تحالفات سياسية وفنية صلبة متخيلة عابرة للتاريخ.

ولوصف كيف أن هذه الشخصيات المعاصرة تفقد نفسها في حكايات أمهاتها، تعمل سويف على إضفاء طابع درامي على الشدة المؤثرة والمتعة الخاصة وكلاهما تقدمة من الرومانس، وذلك فقط لتفسير وتوضيح كيف أن هذا التأثير يوفر الرافعة اللازمة لتجديد الفعل التراكمي (*الجماعي).

***

....................

– الترجمة عن كتاب “إعادة التفكير بأنواع الرومانس: تقارب الثقافات الأدبية الدولية المعاصرة. منشورات بيلغراف ماكميلان. 2013. ص 66 - 70.

* إميلي س. دافيز Emily S. Davis كاتبة أمريكية. تعمل بمرتبة أستاذ مساعد في جامعة ديلوير. مهتمة بشؤون الرواية في جنوب إفريقيا وتأثير المجتمع والجندر على أساليب الكتابة.

 

 

عدنان حسين احمدقصائد مُكثّفة تضعُ المتلقّي أمامَ فِخاخ المعنى، وبلاغة التعبير

تشكِّل تجربة الشاعرة المغربية فاتحة مرشيد علامة فارقة في المَشهد الشعري العربي الذي تنتمي إليه، وتفترق عنه في الوقت ذاته، فهي لا تكتب الشعر العمودي الذي يقتضي الالتزام بالوزن والقافية، ولا تميل إلى كتابة "شعر التفعيلة" وإنما تجد نفسها في الأنماط الشعرية المتحررة من القيود والاشتراطات الشكلية التي تحدّ من حرية الشاعرة التي تريد أن تكتب نصًا مختلفًا لا يشبه النصوص الشعرية السائدة والمألوفة التي رضخت لآلية التدجين وفقدت القدرة على الإثارة والإدهاش. ومَنْ يتصفح مختاراتها الشعرية الجديدة التي حملت عنوان "حميميّة الغيم" الصادرة عن المركز الثقافي للكتاب في الدار البيضاء سيجد فيها هذا النزوع إلى المغايرة سواء في المعاني أو المباني التي اجترحتها على مدى تسع مجموعات شعرية بدءًا بـ "إيماءات" عام 2002 وانتهاءً بـ "حميمية الغيم" 2020  التي قام بترجمتها إلى الإنكَليزية الأستاذ نورالدين زويتني، وهي بالأساس مختارات شعرية انتقتها مرشيد من مجموعاتها الثماني التي أنجزتْها على مدى عشرين عامًا، لذلك فإن الحديث عن هذه المختارات يعني بالضرورة الحديث عن التجربة الشعرية للشاعرة فاتحة مرشيد التي سبق لها أن فازت بجائزة الشعر في المغرب عام 2011، وهذا اعتراف صريح بمنزلتها الشعرية، وأهمية ما تكتبه من قصائد آسرة تخلب الألباب لأنها "من نسيج وحدها" وليست صورة مُستنسخة عن شعراء آخرين. ما أريد قوله أو تحديده بدقة هو أنّ هذه الشاعرة لها صوت خاص، وبصمة باتت معروفة لمن يقرأ قصائدها ويتأملها جيدًا لأن نصوصها الشعرية لا تمنح نفسها دفعة واحدة ولا تكشف عن كنزها المدفون سريعًا، ولعل بعضًا من صورها الشعرية تتمنّع كثيرًا قبل أن تنضو عن جسدها المفاتن اللغوية التي تتمترس خلفها لتضع المتلقي أمام فخاخ المعنى، وبلاغة التعبير، واختبار نبضات القلب وهو يتلقى هذه الجرعات الشعرية التي تنقله بسرعة البرق من الواقع الأسيان إلى تجليات الحلم.

صاحبة الأصوات الثلاثة

تروي فاتحة مرشيد قصائدها بثلاثة أصوات، فهي لا تجد غضاضة في صوت الرجل حينما تستعيره صراحة من دون أن تتقنّع به أو تختبئ وراءه. كما أنها تستعمل صوتها الخاص، ونعني به صوت الأنثى الذي يكون غالبًا رقيقًا، وشاعريًا، وحسّاسًا. أمّا الصوت الثالث فهو الصوت المحايد الذي يجمع بين الأنوثة والذكورة ويعبّر عنهما دونما خجل أو وجل.

تتألف المختارات من ثماني قصائد وهي: "ورق عاشق"،"أي سوادٍ تُخفي يا قوس قزح؟"، "أنزعُ عني الخطى"، "فينيسيا الغياب"، "لا موعد لموت أكيد"، "، "هلوسات الماء"، "يوميات الحزن بجدة" و "رشفات". تتضمن "ورق عاشق" 37 قصيدة تتراوح قصيرة تتراوح أطوالها من 6  أبيات إلى 22 بيتًا، وترصد كل واحدة منهما حالة شعورية معينة حيث تلج الأولى إلى مدار الهزيمة العاطفية المُحببة طالما أنّ رحاها تدور في ثغر الحبيبة، والثانية تعبّر عن الاستسلام، والموت البطئ، والانزواء في شرنقة النسيان.

لو تأملنا القصيدة العاشرة في "ورق عاشق" لوجدناها تتمحور على ثنائية العاشق والمعشوق التي كتبتها الشاعرة بضمير المُخاطَب، وبصوت الراوي المذكّر وهي تصف الحدث بعد انتهاء اللقاء العاطفي حيث تقول في المقطع الأول من القصيدة:

"ذهبتِ. . ./ واحتلَّ عطركِ المكان / كيف أهربُ منه؟ / وملء أنفاسي / أنفاسك".

قد يتخيّل القارئ بأنّ المكانَ مفتوحٌ كأن يكون حديقة أو متنزهًا عامًا يحتضن العشّاق والمحبّين لكن المقطع الثاني من القصيدة ينسف هذه التوقعات، فثمة ما يشير إلى فضاء منزلي حميم يحتفي بالحضور الباذخ للمرأة العاشقة وما خلّفته من رائحة زكيّة ورعشات يستشعرها المتلقي الذي يقرأ النص الشعري أو يسمعه. دعونا نقتبس المقطع الثاني حتى تكتمل الصورة الوجدانية التي رسمتها الشاعرة بحذاقة شعرية مُبهرة حين تقول بصوت العاشق:

"ذهبتِ . . ./ يسألني عنكِ / دفءُ الأريكة / ظل الشمعدان / وفنجان قهوة . . . ثمل / يُناجي شفتيك".

2476 فاتحة مرشيد 1

الهايكو الياباني بمَسحة عربية

تكتب فاتحة مرشيد بعض قصائدها بتقنية الهايكو والتانكا اليابانيين لكنها تُضفي عليها مسحة عربية وترصّعها بلغةٍ بليغة لا تخشى من التعابير والصياغات الفلسفية الجسورة. وكما هو معروف للمشتغلين في حقل الأدب بأنّ الهايكو والتانكا والهايبون هي أنماط شعرية تعتمد على البساطة والتقشف اللغوي لكنّ شاعرتنا مرشيد تتجاوز هذه السهولة التعبيرية وتقترب كثيرًا من "الومضة" أو "القصيدة التنويرية" التي تعْلق بذاكرة المتلقي لوقت طويل.

دغدغة مُخيّلة القارئ

يضم "أي سواد تُخفي يا قوس قزح؟" 47 قصيدة قصيرة جدًا تعتمد غالبيتها على تقنية "الضربة الشعرية" التي توخز أذن السامع وتفتح أمامه أفقًا جديدًا لم يعهدهُ من قبل. لنقرأ الومضة الرابعة التي تقول فيها الشاعرة:

"يُعيد صياغةَ / أسئلةٍ قديمة / بفرشاةٍ جديدة / لا تَعنيها الأجوبة".

لا يكتمل بعض هذه القصائد الوامضة من دون الإتكاء على الشجاعة والجرأة الحسيّة بمختلف مستوياتها، وهذه ليست استجارة بمفاتن الجسد لدغدغة مخيّلة القارئ، واستنفار رغباته الجسدية، فالجسد شقيق الروح حتى وإن كان سجنًا لها في كثير من الأحيان. لنتأمل هذه الومضة المكثّفة التي تُعد صورة مؤسية للاشتعال الأبدي حينما تقول:

"تحترقُ شفتاي / كلّما ضمَّ سيجارة / لشفتيه".

ثمة صور شعرية مركّزة تحتفي ببياض الجسد وتموجاته من دون أن تخلّ بالآداب العامة لكنها لا تضحيّ بفنية النص الشعري بحجة الالتزام بالتقاليد والأعراف الاجتماعية.

لا تبتعد قصيدة "أنزع عني الخُطى" عن مضمون العنوان لكنها تتفرّع إلى الوقت والرحيل على متن السفن المُبحرة التي تحمل في جوفها أعدادًا كبيرة من المغامرين الذين لا يرومون العودة. دعونا نتأمل النص الخامس من قصيدة "الخُطى" لنُمسك بهاجس الشاعرة وهي تذهب في مغامرتها الروحية إلى أقصاها حينما تقول:

"لن أكونَ سمكة حمراء / تلتف حول نفسها / في قليلِ مائك / لي قرابةٌ بالأزرق / وشغفٌ بالسفن / التي لا تعود".

يتكرر الليل غير مرة في قصائد "الخُطى" مثلما يتكرر الحوار بين العاشقة والمعشوق اللذَين يتناوبان على إثارة الأسئلة التي تنبثق من الأعماق في محاولة معقدة للإمساك بمعنى الوجود الذي يتسرّب من بين أيدينا كالرمال.

تقنية الهايكو التي تحدثنا عنها قبل قليل تتكرر في قصائد "فينيسيا الغياب" الست ولكن ثمة قصيدة جميلة شكلاً ومضمونًا لابد أن نضعها أمام أعين القرّاء كي تظل وامضة مُشعة في مخيلتهم حيث تقول الشاعرة:

"امرأة من زجاج / لو تنفخُ فيّ / من لهيب أنفاسك / أتشكّلُ مزهرية".

الأجواء المنزلية الحميمة

2476 فاتحة مرشيد 2ليس بالضرورة أن تتناغم أجواء وفضاءات القصائد في المجموعة الشعرية لأنها "مختارات" من عدة دواوين فلا غرابة أن تنطوي على موضوعات متضادة، وثيمات مختلفة. فقصيدة "لا موعد لموت أكيد" تتمحور على الشك، والضياع، والتيه لكن ذلك لا يمنعها من كتابة نصوص شعرية ترصد حميمية الأجواء المنزلية الدافئة التي تتمثل بـ "قط يلاعب كُبّة صوف" أو الاندساس في "ظل المرايا" وما إلى ذلك من صور شعرية تشعُّ كالجمر في موقد شتوي.

تستحق "هلوسات الماء" لوحدها دراسة منفردة لما تنطوي عليه من ثيمات تتمحور على الألوان والحواس، والصوت والصمت، والاتصال والانفصال وما سواها من موضوعات شعرية مثيرة وجذّابة. وأكثر من ذلك فهي تركز على التيه والبوصلة، والقارب والإعصار، ولا تنسى أن تتعالقَ مع سمكة همنغواي، فهي بالأساس سمكة وعواطفها "هلوسات ماء".

لابدّ من التأكيد على الجوانب الحسيّة المهذّبة لغالبية القصائد الجريئة التي تكتبها فاتحة مرشيد، وقد ضمّت "هلوسات الماء" باقة من هذه القصائد المتألقة التي تتوهج بين غلافيّ هذه المختارات الشعرية التي تضع القرّاء الكرام في قلب التجربة العاطفية من دون أن تغفل ثنائية الوجود والعدم أو الولوج إلى غابة الأسئلة الفلسفية التي تؤرقنا جميعًا. تقول الشاعرة في واحدة من الومضات الأربعين ما يسلّط الضوء على اللحظة الحسيّة:

"صَمتي / نهدُ الكلامِ ينتصبُ / كلَّما سَرى همسكَ / في الشِّريان".

أشرنا في مقدمة المقال إلى الصوت المحايد الذي تتشبث به الشاعرة في بعض المواقف والأحوال وقد آنَ الأوان لأن نسلّط الضوء على واحدة من هذه القصائد التي ترصد حالة الحياد وتمجّدها حيث تقول:

"كلّما انشقّت أصدافُ الأنوثة / انتصبَ صوت الذكورة في الحشا / ولا أهتمُّ / من أيِّ الجنسين أنا".

تنهمك فاتحة مرشيد بفكرة التماهي التي يمكن أن نختصرها بذوبان روح العاشق بالمعشوق والعكس صحيح أيضًا ولكنها تجنح في بعض الأحيان إلى خلق صور مركّبة تتداخل بها الأوجه في لعبة الاتصال والانفصال. لنتأمل هذه القصيدة التي تقول فيها:

"نتصلُ عميقًا / إذ ننفصلُ / وفي المرآة / يرتدي وجهي / ملامح وجهكَ".

ثمة قصائد محبوكة، ومُغلقة تمامًا إلى الدرجة التي لا يمكن أن تحذف منها كلمة أو تُضيف إليها حرفًا. فهي مكتفية بمعناها ومبناها ويمكن أن نشير إلى هذا في المقطع 30 من "هلوسات الماء" الذي تقول فيه:

"هذا الليلُ لي / وهذه النجوم لكَ / ولا من نجمةٍ تسطعُ / خارج ليلي".

تحدّي المحرّمات

تشتمل "يوميات الحزن بجدة" على عشرين قصيدة لها خصوصيةمكانية رغم ابتعادها عن المناطق المقدسة في المملكة العربية السعودية لكن منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية تظل واحدة فلا غرابة أن نتلمّس هيمنة الرجل وتسيّده على المرأة في كل مكان من جزيرة العرب. تتناول مرشيد بعض المحرّمات فلا يجوز أن تمشي المرأة حاسرة الرأس، ولا تسافر من دون محْرم (قبل 1 آب / أغسطس 2019) أو موافقة وليّ الأمر وما إلى ذلك. وأولى يوميات جدة العشرين تتحدى الشاعرة هذه التحريمات لأنها تريد لرأسها أن يظل عاليًا، عاريًا، مرفوعًا، وأن تفرد روحها للريح حيث تقول:

"على ضفّة البحر الأحمر / يكنسُ ذيل عباءتي السّوداء / بقايا عاصفة رملية / وترفضُ الطّرحة أن تستوي على جبين أردْتَهُ / عاليًا، عاريًا كشمسِ الظّهيرة / يقول أحدُ المارة: / "غطّي شعرَك يا حُرْمَه" / قلتُ:  / لقد دفنتُ غطائي عندكم / وأفردتُ الرّوحَ / للرّيح".

في القصيدة الثانية يسأل الجمركي السؤال نفسه ولكن بصيغة استفاهمية أخرى مفادها:

"مَنْ سيستلمكِ يا حُرْمَه؟ / قلتُ لنفسي: / ما استلمتني يومًا / غير نفسي".

وفي النص الثالث وعلى ضفّة البحر الأحمر أيضًا يقول لها أحد المارة:

"احتشمي يا حُرْمَه" / دع عنكَ ذنوبي / إنّي كفيلة بها / أتقاسمها بسخاء / مع منْ رضي الله عنهم".

تحتوي هذه الإضمامة على قصائد "سيريّة"تدوّن فيها الشاعرة فاتحة مرشيد جانبًا من السيرة الذاتية للوالد الذي "ماتت في عِشقه النساء" وخلّدتهُ في شِعرها وذاكرتها، وهو في نظرها ذلك الأب الذي لا يموت. ولعلهُ كان مَعينها اللغوي، والمنجم الذي يزوّدها بالصور الشعرية التي تأسر الألباب.

تضم "رشفات" سبع قصائد تزدان بلغة مشذّبة نختار منها قصيدة "كي تحيا" لنلمس حجم التضحية التي تقدّمها هذه الشاعرة المتفانية التي لا تتورع عن الجود بالنفس وهو "أقصى غاية الجود". تقول الشاعرة في هذا النص الصريح:

"كما الموجُ  / ينفثُ / أنفاسه الأخيرة / على الرّمل / الذي لا يرتوي / أموتُ مرّاتٍ  / لكي تحيا".

كلمات مُعجمية

لابد من الإشارة إلى أهمية اللغة في هذه المختارات الشعرية فهي سلسة، متناغمة، ومنسابة وفيها من عذوبة الفصاحة الشيء الكثير ولعل القليل النادر منها يحتاج إلى مراجعة معجمية وسنكتفي بذكر ثلاثة أمثلة لتأكيد ما نذهب إليه. تقول الشاعرة في القصيدة 12 من (ورق عاشق) "أتوجّرُ قهوتي بين سطور جريدة . ." وهي تعني أرتشفها كارهًة وقد أحسن زويتني حينما ترجمها إلى الإنكَليزية I bitterly sip my coffee . تستعمل فاتحة مرشيد في القصيدة التاسعة من "أنزعُ عني الخُطى" الصورة الشعرية الآتية التي تقول فيها: "وعواصف تَسْحُو أحلامَ الملاّحين" ومعنى السَحو هو الجرف والتقشير. لا تتورع مرشيد عن استعمال المحكية أو الكلمات الإنكَليزية التي دخلت إلى اللغة العربية مثل الفعل "أمسِّجُ" الذي أخذته من الفعل الإنكَليزي Massage مع أنّ هناك فعلاً موازيًا لهذه الكلمة العربية وهو "يدلّك" إضافة إلى الأفعال المقاربة "دعكَ، وعركَ، وفركَ" وكلها تؤدي الغرض نفسه وتستعيض عن الفعل "مسّج" وإن كان هذا الاشتقاق جميلاً ومقبولاً ولا تنفر منه الأذن العربية.

ضرورة الإمساك بالمعاني الحقيقية

لا تخلو أي ترجمة من بعض الهنوات والأخطاء، وترجمة الأستاذ نورالدين زويتني جيدة وتتوفر على روحيّة إنكَليزية وهذا أقصى ما يتمناه أي مترجم مُحترف لكنّ هذه الدقة، على ما يبدو، لا تُنقذ المُترجم من اقتراف بعض الأخطاء الناجمة عن سوء الفهم وعدم الإمساك بالمعاني الحقيقية لبعض الكلمات رغم أنها بسيطة. ففي القصيدة 36 من "هلوسات الماء" تقول الشاعرة: "أنْمَحي كالصمغ في قعر مائك" وقد ترجم زويتني كلمة الصمغ بـ Sumac التي تعني "السُمّاق" بينما تعني الصمغ بالإنكَليزية Glue, Gum, Adhesive وما إلى ذلك من كلمات موازية. تتردد كلمة السفينة Ship أكثر من مرة في قصائد الشاعرة فاتحة مرشيد لكن زويتني يترجمها Boat التي تعني قارب وهو أصغر من السفينة بكثير. وفي السياق ذاته يترجم زويتني كلمة البوصلة بـ Astrolabe التي تعني الإسطرلاب بينما كلمة Compass هي الأقرب إلى المعنى من الكلمة الكلاسيّة القديمة إسطرلاب. كما يترجم كلمة غجرية Gypsy بـ Bohemian التي تعني بوهيميّة وثمة فرق واضح بين الكلمتين.

وفي الختام لابد من الإشارة إلى أنّ هذه المختارات تُعدّ إضافة حقيقية إلى قرّاء اللغتين العربية والإنكَليزية خصوصًا وأنّ الشاعرة المبدعة فاتحة مرشيد تتلقّى الدعوات من مختلف بلدان العالم وهم بحاجة ماسة لأن يقرأوا منجزها الشعري بلغات عالمية حيّة مثل الإنكَليزيّة والفرنسيّة والإسبانيّة والألمانيّة والروسيّة وقد تُرجمت بعض مجموعاتها إلى هذه اللغات وبات منجزها الشعري متاحًا أمام القارئ العالمي.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

حيدر عبدالرضاعزاء رؤية الذات ويقظة حلم الذات الناظرة

توطئة: من الأهمية أن ندرك أن بناء الرؤية الشعرية في تمظهرات دوال القصيدة، محمولا مزدوجا في تراكيب قضوية من مقابلات قول الذات إلى جانب حيثيات منظور الموضوعة الدلالية في النص . عندما نقرأ تجربة قصائد مجموعة (ببطء مثل برق) للشاعر حسن عاتي الطائي، توافينا تلك المساحة التفارقية في ثريا العنونة المركزية . إذ إننا نعاين وجه الاختلاف في مكونات الصفة الدالة للبرق، وما يترتب على هذا الدال من حالة خاطفة من سرعة الخطف في صدر الغيوم الملبدة، ولكننا عندما نطالع دوال النص المعنون بهذا الوسم، نلاحظ بأن للشاعر حسن عاتي الطائي ثمة محمولات خاصة في الرؤية الإيحائية تدعمها إرهاصات تهكمية من موقفية الموضوعة الشعرية في قصائد المجموعة .

ـ خصوصية الذات وخاصية التفاوض مع الذات .

من الجميل أن نعرف أن تجربة قصائد المجموعة تواظب معطيات تحولاتها في نطاق كفاءة خاصة من فاعلية (الذات المتساءلة) بقصدا ما من تشكيلات التعارض والتوافق بين الخارج والداخل، لذا نجد كيفيات انشطار الذات عن محيطها، كإضافة تكميلية إلى تفاصيل وقائعها الاحوالية الممكنة:

أنا أجيد التحدي

علاقتي به وطيدة

التحدي يلازمني

وأملك تأريخا حافلا بشأن ذلك

فحين جردتني الغيوم

من امطاري

كنت إلى جانب النهر

أشجعه

على

الأبتسام . / ص15 قصيدة : انتصار

وتستغرق استبصارات المعنى الشعري في منازعة ظواهر الأشياء، كحالة توفيقة بين شكل الموضوعة وطبيعة الذات المكتملة وما تتعارض عليه وفيه وقائع الخارج النصي، فجملة (أنا أجيد التحدي) توفر إلى المتن الدوالي في النص، مستلزمات بقاء الذات في منظورها التصوري ضمن جملة استبيانية أحوالية خاصة، من شأنها النظر إلى عوائق العموم الخارجي، كوسيلة تختبر ذاتها في نضوج محصلات دليل (الانتصار) فيما توفر جملة (التحدي يلا زمني) الكشف عن واقع الذات الشعرية وأغراضها التأثيرية في مسار فاعلية تجربة التحدي، كواصلة دائبة بالمرموز الأبعادي المسخر في صفات الذات المركزة في اعتباراتها العلائقية : (فحين جردتني الغيوم .. من أمطاري .. كنت إلى جانب النهر .. أشجعه .. على .. الابتسام) وهكذا الأمر يواليك، بحجة المشاطرة في ممارسة طابع التحدي، فعندما أصبح مجال المطر محجوبا من قبل الذات، بفعل اختلافي معادل من دال (الغيوم)ما جعل للذات سوى مراهنة الغيوم على علاقتها المتمرسة بجدول النهر، وهذه المقاطع من النص، تطوي بدورها مجالات خطيرة من واقع حقيقة صراع الذات مع دلالة الخارج (السياسي / الحكومي / الرقيب) مما جعل الأسطر اللاحقة من النص تباشرنا بهذه المقاطع:

وحين كان الظلام

يحوم فوق رأسي

أبرمت اتفاقا للأصطفاف

مع الأزهار

و يوم قررت الطيور

أن تتخذ لها وطنا جديدا

كانت جذوري تتمسك بكبريائها . / ص16

القيمة الشعرية هنا تكمن في صياغة العلاقة المبدئية مع نوازع الذات، لذا فهي بحد ذاتها تشكل مرحلة عصية في عنفوانها الموقفي والتعقبي، مما جعل صورتها القصوى من الأشياء الجديدة (وطنا جديدا) كحالة غير مستجيبة، لأن أبعاد سيكولوجيتها تتعارض مع لسانية هذه الأوطان الدخيلة . كذلك نتعرف في قصيدة (النهر صديقي القديم) على صورية ـ حسية لا تخلو من تمسك الذات بوعدها القاهري وشرطها الحضوري مع أصعب المسميات، حتى وأن تطلب الأمر أن تتحول إلى رقعة استعارية عصية على السير نحو مجهولية مدينة النجاة:

الطيور تعرف ماذا تفعل

و كذلك الأنهار

أما الضباب فلا خيار أمامه

سوى أن يكون غامضا . / ص17

أن مقاطع شعرية الطائي هنا، تبرهن في ملفوظها على صحة فكرته المتمسكة باعتباراتها الدالة، إذ أننا نستنتج من وراء رسومية جمل (الضباب فلا خيار أمامه .. سوى أن يكون غامضا) بأن الذات الشعرية تكرر رؤيتها ضمن حالات واحدة من الصوغ المتفرق، وكأنها تسعى إلى اعتماد لغة انتقادية ـ أمثولية موجه إلى قناعات خلقتها مرحلة ممجوجة، فيما أصبح البحث في حالات النص، أشد تعقيدا رغم مرونة اللغة وسلاسة دائرتها الدلالية، إذ أن الشاعر الطائي أخذ يحمل قصيدته مرموزات ذات دلالات مترابطة عن حافزيات موضوعية متحولة في خلاصاتها الظاهرة والباطنة :

و الآن

الأضداد

تتجاذب

ولا شيء يمنعها من التماهي

فإن الريح لن تغير سلوكها

و تأوي إلى

بيتها

مبكرا . / ص17

و يحقق الحس الانتفاضي في مخزون الذات الصامدة ـ المنتصرة، من خلال محاور: (الضباب ـ التخلي ـ الاختيار ـ الريح ـ ببطء مثل برق ـ تغير سلوكها ـ ما يمكن إخفاؤه بالضجيج) وهذه الدوال لو دققنا في ملامحها المضمرة، لوجدنا ثمة كيانية حاشدة من الأسئلة والنفور والاحتجاج والبركان المرهون برمزية الإضمار الشعري الدال في اختياراته وتواصلاته وإضاءاته القيمية . وانطلاقا من قصيدة (أسئلة) وقصيدة (حراس شخصيون)و قصيدة (نحلق ذقن أحزاننا) وقصيدة (نسيان) وقصيدة (وحدي مثل غيمة) وقصيدة (الهزيع الأخير) تتشكل أمامنا موضوعة شعرية ذات هوية مضمرة، ولكنها هوية تحيا داخل الحب والحرب والذات المستشعرة في حكايا شعرية، تحفزها ظلمانية التوقع وتدفعها خصوصية الذات المرهونة بتفتيت صوت يسعى إلى دحرها عن مجال محمولات رؤيتها الذاتية المشبعة بأرهاصات إحالة موضوع بلاغاتها الى محض تتابعية هامشية:

في الهزيم الأخير

من حياتي

قررت أن أكف

عن التلويح بأحلامي

و إيقاف حركة أحتجاجي

و ترك نفسي تقرر

مصيرها بنفسها

و السماح لها بأن تسترخي

و تغمض

عينيها

قليلا . / ص19 قصيدة : الهزيم الأخير

تنفتح الدائرة (الاسترخائية) من دلالة قول الذات الشاعرة، التفافا حول مشهدية ساكنة من قرار النفس على هيئة مراجعة الأسباب المتاحة في أحياز مأزومية الأسئلة الواردة من قبل مواجهة لذاتها وإلى مؤشرات الواقع الخارجي المتمركز في بؤرة (عبث الرقيب) لذا وجدنا حالات النفس في نموذجها المثال، تتوسع في مديات مراجعاتها القاهرة في إحصاء شوائب ومثالب واقعها الخارجي المصفد بعثرات الأقنعة والمسميات المسطحة، قد يكون لها حنين الاسترخاء الشعري قليلا، أو أنها تختزل أسئلتها في خصائص متفردة وحدية لمقارعة ذلك الآخر، لذا فإن جملة (في الهزيم الأخير) ما هي إلا علامة استفهامية إلى قيامة أكثر استظهارا برقيتها الخاطفة، بيد أن جملة العتبة العنوانية (ببطء مثل برق) قد تكون الصورة المختزلة لفرحة الاحتفاظ الذاتي للثورة الشعرية بنهضتها المأتية حسما . وعلى هذا النحو نعاين بأن مرآة الذات قررت عن الاكتفاء بالحلم وحده (عن التلويح بأحلامي) وصولا إلى (السماح لها بأن تسترخي) اقترانا لها ب (حركة احتجاجي = ببطء مثل البرق) وعلى هذا النحو تتكشف لنا أذونات المكون الشعري في مجموعة قصائد الشاعر ـ استفهاما وتنقيطا وبياضا ـ الى جانب حضور فاعلية أفعال الذات الشعرية بمنظور التشاكل والتفاوض مع موقفها من (ببطء مثل برق) ومصالحات أحلامها المتبقية في دلالات وحدات:

فليس أمامي سوى

التفاهم مع اللحظة

الأخيرة

من

الشك . / ص93

ـ تعليق القراءة:

أن الدائرة الاستفهامية في محرضات الذات الشعرية أخذت تستدرج احتمالاتها الظنية بروح الاستظهار بوضوحية متلبس بلبوس الشكوكية والريبة والظنية من واصلية ذلك الآخر المتمثل بمحاور (الغيوم / الريح / أحتجازي / شروخ / الأنقاض / الظلام / الغبار / لاوطن) فجملة هذه الدوال الزاحفة في متن وعلامات التمثل والتشكل الشعري في النصوص، كان مبعثها التصوير الحسي المخالف بروح المعادل الرموز والمغزى المقطوع والمحتمل المفجوع، فالشاعر يلخص لنا استجاباته المؤولة ضمن ماثلات افتراضية في الشكل والمقاربة والمقترح والفاعل في منطقة التوزع الحلمي، لذا وجدنا مجموع قصائد المجموعة، وكأنها مؤلفة على نحو موجهات دالة وغير دالة، متعددة وأحادية، منوعة ومنفردة، وقد تبدو لنا حينا كثورة حاسمة وحينا كمحض سطور في قصيدة واعدة . إذ تتنازع في اشتغالات النصوص اللغة الشعرية التي لا يتحصل من خلالها الموقف السياقي الدلالي الثابت، ولا حتى خضوبة المستوى الشعري المؤثر، ولكنها من ناحية هامة تبقى كنوازع لمحمولات ذاتية تسعى في ذاتها إلى بث لواعجها المبطنة على هيئة إرهاصات ذاتية منفعلة ضمن إحالات متعينة من الملفوظ الجاد في رسومية ظنية من سببية الأغراض القولية المراد حقا قولها في مضمر حقيقة هوية النص الشعري . في الحقيقة أن وظائف مجموعة قصائد (ببطء مثل برق) للصديق العزيز حسن عاتي الطائي، ما هي في النتيجة القصوى، سوى صور شعرية مأزومة بسرد مواقع الذات من الأخر الكلي أو الجزئي، إذ يرتد الراوي الشعري في التواصل الحقيقي مع روح ودلالة الموصوف في قصائده، مما جعلها تبدو كتساؤلات بياضية أو أنها صرخة ذاتية محبوسة في موقع حيادها المنعزل عن استنطاق حقيقة جوهر الأشياء بلغة تستقطب التدليل في الأشياء من غير الحاجة إلى إثارة غبار إنقاض الحروف من جهة ما وتعطيل جسد الحلم الشعري المؤثر والأثير . أن مشكلة الشاعر العزيز مع قصيدة مجموعته، عدم تفعيلها بصورة استنطاقية حية، فقط أنه قام بأرسال برقيات محفوفة بلغة عزاء الذات ويقظة حلم الذات الناظرة .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

محمود محمد عليما زلت أومن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن "دانتي" يعد أعظم شاعر إيطالي، اشتُهر بـ"الكوميديا الإلهية"، وهى قصيدة ملحمية تُعد واحدًا من أهم الأعمال الأدبية في العالم، ظلت علامة بارزة في الأدب الإيطالي، وصُنفت من بين أعظم الأعمال الأدبية الأوروبية فى العصور الوسطى، إذ قدمت رؤية مسيحية عميقة لمصير البشرية الأبدي، وقد اعتمدت على تجربة "دانتي" الخاصة فى المنفى من مدينته فلورنسا، وتسرد رحلته الخيالية إلى الإله، وتتكون من ثلاثة أقسام، حيث يزور "الجحيم" و"المطهر" و"الجنة". ويمكن قراءة الملحمة على شكل رمزي، حيث تأخذ شكل رحلة عبر الجحيم والمطهر والجنة، تحلل المشاكل المعاصرة لتُظهر كيفية تحقيق الخلاص.

وإذا نظرنا إلي "جحيم دانتي" فنجد أنه لا يزال معدودًا أكبر قصة ذات حوادث رائعة في الدنيا، ولكن قليلًا من الناس قد قرأه رغم ذلك، ولئن كان كثير من شعره صعب الفهم غير محبَّب إلى القارئ العصري أن يستمر في قراءته، ويشارك "دانتي" في رحلته الطويلة حيث جاس خلال الجحيم، فهو — مع ذلك — خيال رائع التورية والكناية، لا يتخلَّف إذا قيس خياله القوي إلى خيال شكسبير وملتن الذي اشتهرا به في أشعارهما. وظاهر الكوميديا الإلهية وصف للجنة والنار والمطهر، وباطنها تصور حال الأرواح بعد الموت، مورِّيةً بذلك، ومكنِّيةً عن حاجة الإنسان إلى قبس روحاني ومرشد يكون له هاديًا. ولقد رسم لنا «دانتي» جحيمه على صورة هاوية عميقة هائلة تشبه مخروطًا مقلوبًا يلتقي بالأرض في منتصفها، ثم ينقسم في جانبيه عدة أقسام — طبقات بعضها فوق بعض — تضيق سعةً بالطبع كلما هبط الإنسان من درك إلى درك، وكلما ازدادت شناعة الجرم سفل مكان الخاطئ فيها!

وعلى الرغم من صعوبة فصل الخيال عن الواقع لرسم سيرة دانتي، إلا أنه من المؤكد بأن منظوره الفلسفي ومطامحه الشعرية تَشكّلا ضمن سياق نشأته في فلورنسا أواخر القرن الثالث عشر. على سبيل المثال، كان لدانتي دورٌ شاغل في الحياة الثقافية والمدنيّة لفلورنسا: حيث خدم في الجيش، وشغل عدة مناصبَ سياسيّة بين العامين 1285 و1302، فتزوج وكوّن أسرة، ثمّ تذوّق حرارة المنفى من مدينته فلورنسا. وفي هذا السياق، ونأيًا عن يُسرْ حال عائلته، كانت لمساهمة دانتي في السياسة الفلورنسيّة دور رئيسي في نمو فكره الفلسفي وجسامة طموحاته الشعريّة.

وفي دراسة رائعة نشرها المؤرخ المصري المبدع الدكتور حسن عثمان بعنوان " أفريقيا في جحيم دانتي"، حيث أكد في هذه الدراسة أن دانتي كان رجلاً واسع الثقافة متعدد الجوانب، فتأثر بتراث القدماء وبتراث العصور الوسطي، وبآثار الأدب الإيطالي الوليد، وبثقافة الشرق والعرب وأفريقيا . وكتب دانتي "الكوميديا الإلهية" بأقسامها الثلاثة " الجحيم والمطهر والفردوس"، وأشادها علي معرفته وأصالته، واستمدها من الماضي والحاضر والمستقبل، من الذكريات والأماني، من التجارب والمحن والآلام، من العلم والفن، من النبات والحيوان والإنسان، من الآثام والخطايا والعواطف الرقيقة النبيلة، من فرائز الجسد والزهد والتبتل، من اليأس والإيمان والأمل، من الأرض والسماء، من الأنهار والبحار والصحاري والجبال والبلدان والأقطار والقارات.

و"الجحيم" كان الجزء الأول من قصيدته، تبدأ بأن يعتزم «دانتى» ارتقاء جبل أضاءت الشمس قمته، لكن اعترض طريقه 3 وحوش، ترمُز للخطايا التى تُحيِّد البشر عن الطريق الصحيح، فشعر برعب شديد، وقرر العودة، إلا أنه ظهر أمامه شبح شاعر اللاتين «فرجيليو»، عطف عليه وأزال مخاوفه، وذهبا فى اتجاه آخر ليصل إلى أعلى الجبل، وعندما زار الجحيم رأى نفوس الآثمين يلقون صنوف العذاب، وأدرك أصل الشقاء فى الدنيا، ثم زار المطهر وشهد فيه عذاب النفوس التائبة التى تأمل بلوغ الجنة بعد تطهرها، وبعد اجتيازه الجحيم والمطهر صعد إلى الجنة.

وفى "الجحيم" يقول: "فى منتصف طريق حياتنا وجدت نفسى فى غابة مظلمة، إذ ظللت سواء السبيل.. آه ما أصعب وصف هذه الغابة الموحشة الكثيفة القاسية التى تجدد ذكراها لى الخوف.. إنها شديدة المرارة حتى لا يكاد الموت يزيد عنها، ولكن لكى أتناول ما وجدت هناك من خير، سأتكلم عن أشياء أخرى رأيتها فيها"، ويضيف: «هنا الطريق إلى مدينة العذاب، هنا الطريق إلى الألم الأبدى، هنا الطريق إلى القوم الهالكين". فى ملحمته، يتشابه الجحيم والمطهر عند "دانتى"، من حيث موضوعهما، الذى يتطرق إلى عذاب النفوس الآثمة، إلا أنه فى الجحيم وصف عذاب الخُطاة غير التائبين عذابًا أبديًا، أما فى المطهر فعذاب الخاطئين عذاب مؤقت.

واختتم "دانتى" ملحمته بـ"الفردوس" أو "الجنة"، وفيها، يجيب "دانتى" بأن الإيمان هو الأساس لكل ما يؤمل فيه من الأمور، والدليل على ما لا يُرى منها بالحواس، ويقول إن أسرار السماء خافية عن أهل الأرض، وينبغى أن يُتخذ القياس المنطقى بدون المزيد من الرؤية، وبذلك يتضمن الإيمان معنى البرهان.

وكانت أفريقيا كما يذكر حسن عثمان من العناصر التي استمد دانتي منها مادته، فأخذ منها طائفة من الصور والأساطير والشخصيات والحوادث والبلدان . ووضعها في موضع مختلف،وأحكم صياغتها حتي جاءت وحدة متماسكة متآلفة مع شتي الجزئيات العديدة التي تالف منها عالمه العظيم.

وسنعرض هنا في هذا المقال نماذج لما أورده دانتي عن أفريقيا في " الجحيم " من خلال دراسة حسن عثمان:

1- في الأنشودة الخامسة في الحلقة الثانية، حيث تبدأ " الجحيم " الحقيقية عند دانتي، بلغ هو وأستاذه فرجيليو المنطقة التي يعذب فيها أولئك الذين غلبوا العاطفة علي العقل في أثناء الحياة، وارتكبوا الخطيئة التي يعذب فيها أولئك الذين غلبوا العاطفة علي العقل في أصناء الحياة، وارتكبوا الخطيئة بسبب الحب، وينقسم هؤلاء قسمين الطائفة الأولي منهم جماعة الذين أمعنوا في حياة الهوي وشهوة الجسد . رأي دانتي أرواح هذه الجماعة تطير في عاصفة هوجاء،وتطلق صرخاتها كأنها الكراكي تنوح بصوتها الحزين في أثناء هجرتها من المناطق الباردة في أوربا إلي المناطق الدافئة في أفريقيا.

2- وفي الأنشودة الرابعة عشر في الحلقة السابعة، حيث يعذب أولئك الذين ارتكبوا العنف ضد الله وضد الطبيعة والفن، وذلك بممارستهم اللواط، وهم يعاقبون بأن تسقط عليهم من السماء شواظ من اللهب فوق رمال قاحلة جرداء، وصل دانتي وفرجيليو إلي سهل رملي قاحل أحاطته غابة المنتحرين . ووصف دانتي هذا السهل بأنه كان رملاً قاحلاًً كثيفاً لا تختلف طبيعته عن السهل الذي وطئه "كاتو" السياسي الروماني في رمال ليبيا المحرقة، حينما انضم إلي " بومبي" ضد "قيصر" وهرب بعد معركة "فارساليا" إلي أفريقيا في 48 ق.م.

3- وفي الأنشودة الرابعة والعشرين في الخندق السابع من الحلقة الثامنة، حيث يعذب اللصوص بين الزواحف القاتلة، رأي دانتي منها حشداً مخيفاً ما تزال ذكراه تجمد الدم في عروقه .وقال دانتي إنه لا يجوز لليبيا أن تفخر برمالها مزيداً، لأنه رأي هناك من الطواعين القاتلة ما ليس له في أراضها مثيل أبداً، ولا في إثيوبيا كلها، ولا في البلاد الواقعة علي البحر الأحمر، ويقصد بذلك ساحل بلاد العرب وساحل مصر.

4- وفي الأنشودة السادسة والعشرين في الخندق الثامن من الحلقة الثامنة، حيث يعذب أولئك الذين بدلوا خادع الرأي فأصابوا غيرهم بالكوارث، وتسير بهم شعلات من النار، رأي دانتي شعلة ذات لسانين من اللهب بعكس سائر الشعلات . وكانت هذه الشعلة تضم أوليسيس وديوميد اللذين قاما بأعمال الخداع لإحراز النصر في حرب طروادة . قال أوليسيس إن الروابط الأٍسرية والعواطف الإنسانية لم تغلب حماسته لكي يصبح خبيرا بالدنيا وبأحوال البشر، فركب متن البحر العميق المفتوح مع جماعة من رجاله الأمناء، وشهد في مسيره الشاطئ الأوربي حتي أسبانيا، ورأي الشاطئ الإفريقي حتي مراكش .

5- وفي الأنشودة السابعة والعشرين في ذات الخندق وذات الحلقة والتي هي استمرار للأنشودة السابقة، لقي دانتي "جويد ودا مونتفلتر " وزعيم الجبلين في أوربينو في القرن الثالث عشر الذي هزمته قوات البابا "مارتينو الرابع"، وامتاز بالخبث والرأي الخادع . قال "دا بونيفاتشو الثامن" عدو دانتي – قد أعلن الحرب علي آل كولونا، وكان جديرا به أن يحارب العرب واليهود أعداء المسيحية عنده وعند اهل العصر، لم يكن من أعدائه بعض المسيحيين الذين انضموا إلي المسلمين في الاستيلاء علي عكا في سنة 1291إلي 1341 . ولم يحفل البابا في عدائه للمسيحيين المخلصين بمركزه الرفيع ولا برداء الرهبنة الذي لبسه دا مونتفلتروا بعد توبته حينما سأله بونيفاتشو الرأي الخادع للتغلب علي أعدائه.

6- وفي الأنشودة الثامنة والعشرين في الخندق التاسع من الحلقة الثامنة، حيث يعذب مثيرو الشقاق ومروجو الفتن بقطع أعضائهم وتمزيق أوصالهم علي يد شيطان رنيم، رأي دانتي مشهدا رهيبا وأبدي قصوره عن وصف ما شهده من الدماء والجروح . وقال دانتي إنه إذا اجتمع كل من بكوا دماءهم فوق أرض أبوليا ضحية للطرواديين، وللحروب الطويلة التي تكدست فيها خواتم الذهب من أصابع القتلى، وإذا ظهر الجرحى أعضاءهم الممزقة، فلن يساوي هذا شيئاً بجانب ما رآه في الوادي التاسع الرهيب . ويقصد دانتي بالحرب الطويلة الحرب البونية بين روما وقرطاجنة والتي استمرت خلال القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد ويريد علي الأخص كعركة " كان".

7- وفي الأنشودة الثلاثين في الخندق العاشر من الحلقة الثامنة، حيث يعذب الأشخاص والكلام والنقود، رأي دانتي المعذبين وقد أصابتهم الأمراض ومن بينهم "أداموا دا بريشا" الذي زيف عملة فلورنسا الذهبية في النصف الثاني من القرن الثالث عشر. وسأله دانتي عن معذبين استلقيا علي الأرض متلاصقين وقد تصاعد منهما الدخان . فأجابوا أدامو أنهما ظلا هكذا دون حراك منذ أن هبط هو إلي هذه الهوية، وان أحدهما هي الزائفة التي اتهمت يوسف زورا وبهتانا بمحاولة اغتصابها عندما لم يستجب لإغوائها . والزائفة هي زوجة فوطيفار المصري في عهد الهكسوس في حوالي القرن الثامن عشر أو السابع عشر قبل الميلاد كما ورد في الأساطير القديمة.

هذه نماذج من الصور الإفريقية التي استمدها دانتي في " الجحيم" من أساطير أفريقيا وتاريخها وأهلها وعلمائها وأبطالها وقوداها وغزاتها، ومن بلادها وصحاريها وزواحفها وجبالها وشطآنها وبحارها ونيلها ومصرها .

ومزج دانتي في ذلك كله كما يقول حسن عثمان بين الأسطورة والتاريخ، وبين الخيال والواقع، وبين الشمال والجنوب، والشرق والغرب، وبين الطبيعة والإنسان ولم تبدأ واحده من صوره قلقة في موضعها أو متنافرة مع ما يحيط بها أو منفصلة عن السياق العام، بل جاءت كلها في ثنايا " الجحيم" ممتزجة متسقة مع سائر العناصر والجزئيات، ومتآلفة مع الأفكار والمعاني التي أقام دانتي عليها بناءه الشامخ . وهذه بعض مواهب دانتي . ومن غيره استطاع أن يأتي بمثل هذا الفن العظيم.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

نور الدين حنيفتمهيد: نحدد وجهة تحليلنا البعيد كل البعد عن استيفاء كل مكونات الخطاب السردي في الرواية أعلاه. وسنكتفي بمساءلة مكون المكان وحده داخل إمكان تعالقاته مع باقي المكونات إخلاصا لنسغ البناء، ودرءاً لانزلاق نتائج التحليل في مطبات التأويل الجارف.

نعتبر (المكان) مقولة وجوديـة مرتبطة أساسا بالكائن، ومشتقة من فعل (الكينونة) التّام والمحيل في ذاته على معنـــى (وجد). كما نعتبر هذه المقولة صياغة غير مباشرة لفعل التحول، على الرغم مما يتعلق بمقولة المكان من تداعيات جامدة منظورا إليها داخل مفهوم الحيز الفيزيائي المادّي. وصفة التحول هذه تتأتّاهُ من التصاقه بمفهوم أكبر، هو الفضاء الروائي، ومن ثمّة، فهو يصطبغ بصبغته ويتلون بتلاوينه ويتحقق داخله، مُدرَكاً مرِناً متخيّلا، لا مدرَكاً ماديا جامدا.

و المكان في الرواية هو كل فضاء تخيّلي يصنعه الروائي كإطار يُجري فيه الأحداث الوقائع والمواقف، بحيث يتعذر تصور وقوع هذه الثلاثة خارج هذا الإطار المكاني الذي يمثل في الرواية ما تمثله الخشبة في المسرح، ويربو عن ذلك إلى تأطير رؤية البطل وكذا رؤية مؤلف الرواية، وتطويرها، باعتباره مكونا روائيا قادرا على حمل المنظورات المتعددة وبسطها مفككة أمام ناظريْ القارئ والمتلقي. إن المكان من هذا المنظور الروائي التحليلي لا يصبح مجرد إطار فيزيائي يحتضن الحدث وما شابه الحدث في تجلياته السردية مع القوى الفاعلة وغيرها من مكونات العمل الروائي، وإنما، وأيضاً، وأساساً، يصبح دليلاً أنطولوجياً على الرؤية إلى العالم، وهي رؤية تنهضُ في منظور السارد، على الرفض الظاهر لهذا العالم شرقاً وغرباً من جهة، والرغبة في تصحيح هذا العالم من جهة ثانية، على اعتبار أن المكان يورّط الذات في أتون المفارقة الوجودية التي تقوم على التقابل والتمايز والتناقض بين مجموعة من المقولات المتضادة (و لكن ما يعني على نحو ملموس رفض العالم؟ يُقدَّمُ هذا العالم إلى الوعي كفرض للخيار بين بين عدة إمكانيات متناقضة، تتنافى، ولا يعد مع ذلك أيّاً منها مع ذلك مشروعاً وكافيا. فالرفض الدنيوي للعالم، هو رفض الاختيار والاكتفاء بإحدى هذه الإمكانيات أو هذه المنظورات. إنه فعل الحكم بوضوح ودون تحفظ بنقصها وحدودها، ومعارضتها بفرض قيم حقيقية الكلية يصبح بالضرورة فرضا بوحدة الأضداد)*1

يتجاوز المكان الروائي ما يسكن تمثلاتنا البسيطة التي تختزله في شرنقة الحيز الذي نعرفه في معيشنا اليومي، ونصوغه خارج ذواتنا كمادة منفصلة. في حين أنه في العمل الروائي يمثلُ قيمةً متخيلة مشبعة بعناصر الجمالية، ومفعمة بالحركية الروائية القادرة على التأثير في عمليات السرد، في تعالقاتها الممكنة مع الذات، التي نستحضرها هنا مقابلة لمقولة الموضوع، حيث يظل الجدل قائما بينهما ومرتكزا على سيمياء التفاعل وتبادل كل إمكانات التجلي الفني المترجم لأشكال أخرى من الوجود ... من هنا إحساسنا المستمر بالمكان إحساسا جوانيا يستحيل معه تصور الذات خارج الموضوع، والمتخيل خارج الواقع.

إن قراءة عمل روائي ومقاربته في أبعاده المكانية هو في حد ذاته دخول أدبي مغامر، يستبيح عوالمه المتخيلة. وهي عوالم تستدعي كثيرا من التداعيات، أبرزها تأسيس علاقة جدلية بين مخيال الكاتب وبين الواقع الزئبقي الذي يغوينا فعل الكتابة بولوجه، لا من باب الانعكاسية المسطحة، ولكن من باب الكشف عن رؤية الكاتب للعالم.

و من ثمّة، فالعمل الروائي هو في صميمه لغة تمارس حضورها النوعي عبر مجموعة من الشفرات الخاصة والأكثر حميمية، تجعل المكان الروائي فضاء معلنا ومبنيا وموصوفا داخل المعنى الحامل لدينامية الحدث، ولتفاعلات القوى الفاعلة، ولتشعب عناصر التشكيل المتأزم للرواية في أبعادها الدرامية الآيلة إلى قدر الانسجام الخطابي (من الخِطاب لا من الخطابة). من هنا، فالمكان الروائي خاصة والفضاء الروائي عامة لم يحظ بحقه في (الدرس باعتباره عنصرا مكوّنا تأسيسيا للعمل الروائي في تعادل مع باقي المكونات الأخرى مثل الشخصية والعقدة والزمن، بحيث كان يتمّ استحضاره كامتداد فيزيائي فقط، يقوم بدور احتضان هذه المكونات)*2

تحليل:

1 - بين يدي الرواية:

في رواية (سماء صالحة للرقص) يلعب الفضاء المكاني ببعديه الرمزي والواقعي، دورا أساسيا في شدّ لحمة الخطاب السردي، لا باعتباره حيزا فيزيائيا لتمظهرات باقي المكونات السردية فحسب، وإنما وأساسا باعتباره قوّة فاعلة في هذا الخطاب، يشي بالتحوّل المبين في حساسيات القراءة النقدية للفعل الروائي الذي كان دائما يحتفظ للحدث وللزمان بنصيب الأسد في التناول القرائي. في حين أن قيمة المكان النسغية في النص الأدبي عامة وفي العمل الروائي خاصة قيمة أساسية لا محيد عنها البتّة. فالعمل الأدبي حين يفقد المكانية فهو يفقد خصوصيته وبالتالي أصالته كما عبّر عن ذلك غالب هلسا في مقدمته لكتاب جمالية المكان.

و دون تعطيل لفعل الزمن في هذه الرواية، نقول إن القوى الفاعلة تتطور تبعا لطبيعة الأمكنة لا في تجليها الواقعي المحض، وإنما في وجودها الفني الموسوم بقدرة المبدع (ناصر قواسمي) على تمثل المكان كنقطة بدء واقعية تمتزج بإحساس هذا المبدع بالجمال القمين بتحويل العمل الروائي من عملية تأريخ للحظة الحيوية إلى عمليات تخييل لهذه اللحظة، تخييلا ديناميا يدعونا فيه المبدع (ناصر قواسمي) إلى اقتناص حقيقة المكان في خصوصياته المتعددة عبر مداخل مختلفة أهمها مدخل الوعي الخلّاق الذي يشعل ثنائية الذات والموضوع وميضاً مفاجئاً سريع التدفق عبر مجموعة من التحولات الفضائية .

يعفينا المبدع من عناء التقطيع السردي والبحث عن محددات إجرائية لهذا التقطيع، لأنه يقدم لنا الرواية داخل أربعة وعشرين فصلا نستدعيها كالتالي وفق الترتيب الكرونولجي للسرد: (نافذة صغيرة – الهروب – عزلة طفيفة – شمس ليلية – سماء صالحة للرقص – حزن صغير – كطير في مدى – فكرة مغلقة – كي تكون أكثر – تفاصيل ناضجة – فراش خفيف – هي عزلة أخرى – على شرفة وحيدة – حين ترتبك المدن – لا تملك ثمن الحلم – شرطان وحزن – وعي بلا وعاء – لا سبب للصعود – حظ الغريب دخان – نرد بلا أرقام – كذلك تمنو الفكرة – لا تعتذر عن شيء – وحيداً في الفراغ – تعود بلا معناك) .

2455 ناصر قواسمي

2 - المتن الروائي:

في مسافات غير طويلة احتضن المبدع تفاعلات هذا العمل الروائي الموسوم ب (سماء صالحة للرقص) في مائةٍ وثلاثٍ وأربعين صفحة ضمّنها تصوره الفني والفكري لقضية من قضايا هذا الوجود المستشكل في ذواتنا الصغيرة، عبر متابعة رحلة (علي الدبس) مهاجرا من أرض الشام إلى أرض الغرب، وعبر رصد معاناته في دول العبور مثل تركيا واليونان قبل استقراره في إيطاليا وفي مدينة جنوة بالخصوص. في هذا المسار يلتقي علي بإيلينيا، وهي شابة إيطالية، ينعقد بينهما شغف الحب، ويتمكن ... ويحدث أن تُصاب إيلينيا بتهتك في عمودها الفقري إثر حادثة سير، أفقدها القدرة على الحركة. في هذا الظرف العصيب، يتقدم (علي) بكل شهامة ويساعدها في محنتها ثم يتزوجها. وفي الأخير تقرر إيلينيا وضع حد لحياتها عن طريق الموت الرحيم في أحد مستشفيات سويسرا بقرار فردي لا رجعة فيه، بعد أن تركت لعلي وصية مكتوبة، مرفوقة بشيك محترم، تنصحه فيها بالرجوع إلى أرضه ووطنه والبدء من جديد .

3 - آليات اشتغال المكان:

+ المقطع المركزي:

عنوان الرواية هو عنوان الفصل الخامس (سماء صالحة للرقص)، وهو تركيب لغوي يبتعد فيه المبدع ما أمكنه الابتعاد عن واقعية الصوغ وبساطة الرؤية ومرآتية التخييل، ليحمّله دور الكثافة في الكتابة الروائية المُسائلة لسيمياء الواقع \ الأرض، انطلاقا من فعل متعالٍ تمارسه السماء الراقصة، عبر آلية التنسيب التي تشي بأن مقولة (الصلاح) توحي بنقيضها (الفساد) وتستحث الوعي على استحضار الرقص وعدم الرقص في آن .

إن قيمة العنوان الموقعية (السماء) تشي بالتعارض الواضح مع الواقع، ومع الأرض، في توجّه سردي سيميائي يفضح الثنائية التالية: السماء ترقص في مقابل الأرض التي لا ترقص. من هنا استدعاؤنا لقراءة العنوان داخل هذا المربع السيميائي:

سماء --- أرض

رقص --- لا رقص

أو: سماء --- أرض

مكان --- لامكان

هكذا يتميز العنوان باستقلاليته الزئبقية كنص متعالق مع الخطاب السردي في هذه الرواية =، من حيث قدرته على الإضمار المفهوم من خلال لغة الانزياح، حيث يتم إسناد فعل الرقص الدنيوي المادي للسماء \ الدخان الميتافيزيقي، باعتبارها جوهرا في مقابل العرَض، الأرض ... إن فعل الرقص كما هو قابع في تمثلاتنا البسيطة فعل يستدعي جسدا راقصا بأرجل راقصة. من هنا ثنائية النسق المعلن (السماء) والمضمر (الذات) في شقّيْها الواصف والموصوف ... السارد والمسرود ... حيث تتبدى الذات راغبة في التعالي، بمفهومه الفلسفي، والسمو على سيمياء الواقع \ الحضيض، فاتحةً عواهن السرد للذات الأخرى الموصوفة كي تنتصر على الألم بقرار خرافي، في بعدين: الأول يتجلى في تماهي البطل مع قضية إيلينيا والتجرد في الإخلاص لها رغم ظرفية النقصان، والثاني يتجلى في تسامي إيلينيا على الجسد الموبوء واختيار الموت كلحظة خلاص أسطورية . من هنا عملية دمغ السرد بدمغة التعالي سيميائيا وبشكل مفتوح على كثير من إمكانات التخييل.

+ في البدء كانت النافذة:

وقد كانت النافذةُ مكانا جزئيا يختزل مكانا كلياً هو البيت. وكانت العلامة الفاصلة أو الواصلة بين الجزء والكل هي علامة الريح التي استحضرها السارد قوّةً فاعلة موصوفة بالوقاحة والصلف والبلادة (الرواية ص 03) غير معترفة بحدود المكان. ونعني بالحدود مقولة الأبواب التي تتلبّس بسيمياء الانغلاق والانفتاح، متجازوة بذلك حركيتها الآلية كوظيفة اجتماعية للولوج والخروج والستر ... إلى وظيفة دلالية رمزية تُهرِّب المعنى السردي إلى أقصى حدود التأويل، حيث تتحول الريح إلى (آخر) يهدد خصوصياتنا الحميمية، ومع ذلك نحتاجه ولا نطيق غيابه. ومن ثمّة يكون هذا التجلي المكاني معنىً سرديا ممهدا بذكاء لانفتاح الذات الشرقية \ البيت، على الغرب \ الريح ... قال السارد (من أجل هذا وذاك كله لا يجب أن نهمل النوافذ لأنها عيننا الوحيدة على الخارج المتاح – الرواية ص 04)

يمكن تأويل هذا المعطى السردي الواصف (إنها عيننا الوحيدة على الخارج المتاح) تأويلا رافضا لعمليات الشفط التي يمارسها البيت على الذات الراغبة في الانعتاق. قال ماكس بيكار، الفيلسوف السويسري (البيوت تشبه الأنابيب التي تشفط البشر في داخلها بواسطة تفريغ الهواء Les rues sont comme des tuyaux où sont aspirés les hommes) * 3

و السارد في (سماء صالحة للرقص) يبدو رافضا لهذه الحياة الأليفة المسترخية المنتظرة في سلبية واضحة قدر الشفط وقدر الاندماج البليد في دواليب الأمكنة الراكدة التي تعزل المرء، وتفقده شعوره بعواصف الكون الخارجية، أي تفقده شعوره بالحياة وبمعناها (لم يكن المقرر أن نفتح الباب على مصراعيه – الرواية ص 3)

+ رقصة الهروب:

يحتمي السارد بمجن الأسئلة المنبثقة من رغبة غير واضحة في التبرير عبر مساءلة مقولة الهروب التي توحي سلبا وإيجابا بمقولة المكان، إذ لا يتأتّى هذا الفعل في الهيولى. لابد له من فضاء يمكّنه من ممارسة الهرب. قال السارد (هذا الكائن الهلامي العبث إذا ما جازت التسمية ص 6)

والمكان هنا مستحضر في سياق غير مرغوب، وهو سياق يغذيه ويثريه فعل الهروب، ويجعله فضاء قابلا للتلاشي بحثا عن فضاءات بديلة. وفي هذا المنحنى السردي، يتم اعتبار الذات غير مالكة لقراراتها، ولا قوة لها أمام جبروت الموضوع. ويتجلى ذلك داخل شرطين: شرط المكان الذي أمسى خلفية ماضوية، وشرط الفعل (الهروب) الذي أصبح حلاً بديلاً (و نمضي... كأننا لا شيء – ص 6)

تصبح الذات المحكي عنها هنا ذاتا متشيئة شبيهة بالكائنات الغريزية، تتصرف وفق ناموس فوقي لا يستشيرها في إرادتها (نعم إنها الغريزة التي تقودنا للقفز – ص 6)، وكأن السارد هنا يريد تبرير فكرة الهروب وشرعنتها وتصديقها، على احتمال أن ينبري للذات من يعارضها في قرار الهروب مسفِّهاً اختيارها ومدينا له.

يتحول ضمير السرد من الأنا المفردة إلى الأنا الجمعية (سنهرب إذن – ص 7) وهنا يكبر حجم التبرير ويزداد. وكأن السارد يفر من تهم الهروب محولاً القرار الفردي إلى قرار جمعي، يتدثّر فيه وبه متملصاً عبره من حق الآخر في المساءلة وفي الإدانة، مادام السارد قد وزّع دم الفعل على الأنا الجمعي حيث يستعصي التأشير بأصبع الاتهام على أيٍّ كان. يذكرنا هذا السياق السردي بهروب الشباب الفلسطيني داخل الخزان في رواية (رجال في الشمس).

تتبدى لنا قمّة التبرير في التجاء السارد واحتمائه بالمكان \ الحلم، في يقظة لا في منام، عبر هذا المقطع السردي الاستباقي (كي نتمكن من تجميع ما تكسر أو تهشم في دواخلنا ونعيد تدويره وتكريره من جديد لنضعه في خزانة المحتمل إلى حين – الرواية ص 7) ... والملاحظ أن السارد لم يكتف بتجميع ما تكسر، ولمِّ ما تهشّم، بل أضاف في سياق لعنة الوصف عبارات دقيقة آثمة ومُدينة في الآن نفسه. قال (ونعيد تدويره) في وصف يعتلي قمّة الهزء والسخرية السوداء الفاتكة بما تبقى من كرامة . ولا أدلّ على ذلك من قراءة فعل التدوير في مقامه الأصلي، حيث التدوير لا يكون إلا في المتلاشيات المحكومة بقدر القمامة. وهنا أيضا يزورنا طيف (رجال في الشمس) وهم يلقون حتفهم في آخر المطاف ويُلقى بجثامينهم في القمامة على مشارف المكان \ الحلم (الكويت).

هكذا، يتجاوز المكان حيزه الجغرافي إلى متعلقه بالمخيال الروائي المتجاوز هو أيضا لصرامة الواقع وسطحيته، بحثاً عن المعنى داخل ثنايا المادة المكانية، وهو المعنى الحامل لفعل الإدانة المنصبّة على فعل الهروب وفعل الركض عبر مقولة اللعنة (اللعنة... ألم ننتبه إلى كم ربيعا أضعنا في زحمة الركض – الرواية ص 9)

+ المكان العزلة:

العزلة مقولة لا نستوعب دلالتها إلا في نقيضها أي في الاختلاط والاجتماع، ولا عزلة ولا اختلاط في الهيولى واللامكان، بل لابد من فضاء مكاني يسمها بالمعنى. في هذا السياق، يتحول السارد من موقع المتكلم \ الأنا إلى موقع المتكلم \ المخاطب، بكسر حرف الطاء، في إطار تصور باختيني يتكشف المعنى السردي في تعدد الأصوات ويستثمرها في تشييد الرسالة السردية وبناء شفراتها الخاصة. من هنا، انزياح (سماء صالحة للرقص) من دوائر الرواية المناجاتية إلى آفاق الرواية الحوارية، وهي المثلى في نظر باختين. لأنها تمنح الفكرة حقّها في التعبير. وبالتالي، تخلق نوعا من التوتر بين الأنوات، كما هو الشأن في سياق هذه الرواية التي بين أيدينا، حيث تعدد الرؤية والرؤية المخالفة ... وهو تعدد يوفر للنص الروائي فرصا كبيرة لرصد الواقع رصدا شموليا في إطار محاورته لا تسجيله، وفي إطار تنبني فيه الفكرة عبر ذاتها وعبر نقيضها أولاً بأول. قال السارد (تكاد تنفض ضلوعك عن بعضها من التوتر والنزق وأنت تبحث عن معنىً صالح للاتكاء عليه – الرواية ص12). إن مفرداتٍ من قبيل (تكاد، أنت، تبحث) كلها مؤشرات لسنية تفيد انتقال الصوت من الأنا إلى الآخر القابع في الذات، المُسائل، الواخز، المُدين، المثبت، النافي، المصحّح، المستدرك، العارف ...) وحسبنا من هذا، هذا، لأن المقام مقام تأويل للأمكنة فقط، وبالتالي فالعزلة قدرٌ يجر بعده أقدارا وأبرزها سكون الذات ودخولها مراحل للتأمل وقراءة التاريخ العامر بحالات الهروب.

تفيدنا العزلة انتقالا سرديا من مكان إلى مكان، من مكان \ الحلم إلى المكان \ الواقع، عبر جسور دلالية ترتبط أساسا بالمعرفة والذاكرة، حيث يعمل السرد بمكر على زوبعة استقرار قارئ الرواية في استرخائه لسلاسة التأمل والزجّ به في المكان \ المحطة ... حيث بطل الرواية ينتظر وصول القطار، وحيث المكان يعج بالحياة لكنه لا يزيد الذات إلا إحساسا بالعزلة لا الاغتراب، وبالفرادة لا الشبه، وبالوحدة لا الاجتماع .

تعتبر المحطة مكانا لتكريس العزلة بامتياز، ومكانا لتتبع التفاصيل المرتبطة بالآخر في أدق حيثياتها، تأشيرا على الفراغ المهول الذي يسكن الذات، وتأكيدا على حجم الانتظار الذي يأكل أزمنة الذات، لكنه يغنيها ويثريها بالقدرة على الملاحظة وتتبع التفاصيل (أنظر وصف السارد لصراخ الطفل الذي استغرق أكثر من صفحة – الرواية ص15)

إن المسوغ لهذه الرؤية الواصفة الدقيقة هو ما يعبر عنه في أدبيات فن الحكي بالزمن النفسي، وهو زمن داخلي لا تتحكم فيه شروط موضوعية تقيس وحدات الزمن قياسا تقطيعيا محايدا. إنه زمن متواطئ وذاتي خاضع لشروط سيكيولوجية تمدّ في عمره أو تقصره، تبعا لطبيعة المواقف التي يمر منها الفاعل (l’actant) . وفي سياق (سماء صالحة للرقص) يكون الانتظار هو الشرط السيكولوجي المهيمن والمضخّم للوهلة، والمقزّم للتاريخ، في الآن نفسه.

تخيم العزلة على فضاء الانتظار تخييما كاسحا (الساعة الآن تمام العزلة ... الرواية ص 16) بل تتحول هي ذاتها إلى حالات انتظار فائضة تملك أعناق الزمان لتؤكد أخيرا قرارها بالصمت المتواصل القاضي بتوقف الزمن واشتغال الانثيال السيكولوجي لهذا الزمن فقط.

+ المكان الموسوم بالبداهة:

يتعلق الأمر بمكان خاص جدّا هو القطار، لأنه كأي قطار نكرة لا يحمل في ذاته إدهاشا وصفيا ولا يخرج عن وظيفته الاجتماعية. لكنه في سياق (سماء صالحة للرقص) يتحول إلى مكان \ بؤرة. وعملية التبئير هذه، تتأتّاه من احتضانه للقوى الفاعلة الرئيسة في هذا المحكي، ويتعلق الأمر بشخصيتي (علي وإيلينيا) أو بالأصح، يتعلق بفضاءين مختلفين (دمشق وجنوة، سوريا وإيطاليا، الشرق والغرب) حيث تمّ اللقاء \ البداية التي ستتناسل عنها أشكال عديدة من السرد وأشكال مختلفة من الرؤية والرؤيا معاً.

إننا لا نقصد بمفهوم التبئير اصطلاحه السردي المرتبط برؤية السارد، وإنما قصدنا (مَرْكَزَة) المكان و(تَنْوِيته أي جعله نواةً) باعتباره نواة خلق لكثير من أشكال التفاعلات المتفرعة في غضون الرواية. فلولا حضور مكون القطار الجامع بين علي وإيلينيا، لما كان لهذا الانثيال القصصي بفضاءاته المتعددة من قيمة، أو من وجود أصلا . (تجلس بقربك فتاة عشرينية تحمل حقيبة صغيرة تخرج منها كتابا أبيض لا تتبين عنوانه تماما رغم فضولك في المحاولة – الرواية ص 19)

+ مكان الانتماء وتشظي الهوية:

يستحضر السارد عبر آلية تعدد الأصوات شجرة الصنوبر، حيث تشتغل الذاكرة بمكر واخز ووخزٍ ماكر، تتحكّم في رقص الأمكنة بين حاضر ينفتح فيه المكان على المجهول (إيطاليا) وماضٍ ينغرس في الذات انغراس شجرة الصنوبر (سوريا)، وهي الشجرة الموصوفة بالعجوز لا قدحا ولا مدحا، وإنما تكريسا لسلطة المكان وتجذره وانغراسه اللامشروط: (تلك الملامح المسكوبة في قالب الجمال تعبث بحساسين رأسك النائمة على جذع صنوبرة عجوز، كنتَ تربيها في الذاكرة فتمادت وراحت تتمدد في كل أركان الرأس وصارت محجاً للعصافير البرية وطيور الغربة البلا وطنٍ محدد – الرواية ص 26)

لا تحيل مفردة الصنوبرة على حب الوطن وتمجيده والحنين إليه عندما تستبد الغربة بتلابيب الذات، فهذا يدخل في العادة والمعنى المطروح في الطريق طرحا جاحظياً ... لكنها هنا مفردة تدخل في نسغ رؤية سردية تفجّر العديد من الأسئلة الوجودية التي يطرحها المعيش اليومي في الهناك باستمرار، من خلال وضع الرغبة في قفص المساءلة الجدلية الدائمة، في غير إجابات، بل في شكل تهويمات تتمادى وتتمدد في وجود هذا الكائن المغترب حتى لا ينسى طبيعة الرحلة التي يمارسها في تفاصيل هذه الذات الملغزة، الموسومة بالرغبة الوجودية في الخروج من الحلقات المفرغة ومفترقات الطرق المتشعبة وغير المنتهية .

هذا التشعب الممكن في رصد طبيعة المكان يأتي جوابه في الحين بعد انسياب الذاكرة مباشرة، وانسحابها في الآن ذاته، إذ يلوح للقارئ ذلك المكان الواقع الحتمي والمرغوب في غير إرادة، والمطلوب في غير اختيار، تنتقل فيه الرؤية السردية من سديم التذكر إلى قسوة الحاضر الممتد في الذات والبادئ بتشكيل مسلسل الدراما الراقصة التي تبدأ الآن، ومن هذه الطريق (طريق طويل يمتد أمام ناظريك من الباب الزجاجي البسيط في زاوية الطريق إلى ما لا نهاية في مدى البصر وكأنها موصولة باللانهائي الأبدي، لكنك ستسعى للمشي فيها بحثاً عن لا شيء آخر تضيفه إلى قوائم اللاشيء الكثيرة في خزانتك الفارغة إلا من حطب الذكريات ونحاس الوقت وماذا سيحمل الغريب معه سوى ذكريات لا تُرى ومصابيح لا تضيء في العتم، من أجل بقاء الأرض على حالها دون المساس بكينونتها المنحازة لنفسها – الرواية، ص 26) ... هكذا تنرسم ملامح القسوة في صيغ تعبيرية تتجاوز دغدغة عواطف المتلقي بحثا عن التعاطف، إلى صيغ أكثر وخزاً تُسائل في مكر وجودي لا يني يؤكد احتراق الماضي (حطب الذكريات) كما لا يني يؤكد حيادية الحاضر ولا مبالاته (الكينونة المنحازة) .

من هنا، تبدأ رحلة الهوية، أو بتعبير أكثر صداميةً، رحلة اكتشاف الهوية . إن الأمكنة، سواء ما تعلق منها بانثيال الذاكرة حيث مقولة الانتماء، أو ما تعلق منها بالحاضر حيث مقولة الاغتراب، لا تتوقف عن مساءلة الذات في حميميتها (الهُوياتية) وتركيم كل أشكال الإدانة الصامتة على عاتقها في قسوةٍ واخزة (... من أنت لتبحث عن أثرك في هذه المدينة، ولست سوى عابر سبيل لا أكثر ولا أقل وإن بدوت للحظة من أهلها؟ من تكون لتحمل الجدران صورتك أو ملامح وجهك الشرقي؟ ... – الرواية، ص 27) ... إنه الوجه الشرقي اللاصق في وجه الذات الساردة مثل قدرٍ والراصد لحركيتها الباحثة عن المعنى في الأمكنة التي خلقت لذاتها كل المعنى ورسمت لوجهها خارطة وجه لا يأبه بالوجوه الأخرى ولا يكترث (تنتهز فرصة وجود المقهى على الرصيف العميق في الداخل والناس في شغل عنك كلٌّ لاهٍ في طقسه من دون وجهك الحنطي اللون، عبوس الشكل، خفيف الطلوع، كضوء فقد العزيمة – الرواية، ص 27). هذا الضوء الخافت الموسوم بالغياب، يتحول إلى ظلال في مفهومها الباهت والذي يشي بالغياب المرير لذاتٍ تقترب من الشبحية (تجلس على مقعد منزو ٍ كأنك تبحث عن ظل لا ظلّ له يبعث فيك الطمأنينة ويحدثك أن هناك على هذه الأرض من هو أسوأ منك حظا وأكثر تعثّرا بالطريق التي بلا طريق ... – الرواية، ص 27) ...

وهنا، وتحديداً هنا، يرقى التعبير السردي إلى قمّة الوخز حيث يسلخ الذاتَ حتى عن إمكان الظلّ في رسمٍ سيميائيٍّ قاسٍ ينفي عنها قدرتها على تشكيل الظلال التي تفيد فيما تفيد وجود الجسد. إن الجسد العربي هنا مخصوصاً في الجسد السوري، مخصوصاً أكثر في جسد المحكي عنه، هو جسد بلا ظل، بلا هوية، لأنه ترك ظله في الهناك الشرقي حيث الصنوبرة سامقة وظلها، وحيث الإحالةُ عميقة على أن الظل هو الانتماء، وأن بداية الجسد تكون بوجود الظل. والهوية لا تتحدد في جزئيات الكائن جسداً مفصولاً عن مكون من مكوناته مهما صغُر حجمه أو ضؤُل، مثل سياق الظل الذي يصبح تفصيلاً يسكن فيه شيطان مركزي. إن اختزال الكائن في بعضه داخل فضاءات الاغتراب هو اختزال يفضح درجة المرض الإنساني الذي يعاني منه المغترِب، وهو يتعرض في جوهره لنوع من التشويه والإغتصاب يوصله إلى أزمة حقيقية مع ذاته ومع الآخر ... وهذا ما يجعله متشظيا مضطربا، مريضاً إنسانياً (و الشخص المغترب، كما حاولنا أن نصفه في هذا الفصل، لا يمكن أن يكون صحيحاً، ومادام يخبر نفسه بوصفه شيئا ... فإنه يفتقر إلى الإحساس بالذات، وهذا الافتقار إلى الذات يخلق قلقا عظيما) *4

يتبدى هذا التشيؤ قاهرا في لهجة السارد وهو يصف في إدانة واضحة وجودَه المتشيئ (فأنت لم تكن سوى حدث طارئ، لا معنى له ولا تفسير لدى البعض، غير أنك شيء مرّ من هنا، ولا يستدعي أكثر من لحظة المرور فاذا توارى نُسي تماماً كقوس قزح أو كغيمة بلا معنى تحتل مساحة صغيرة في السماء بلونها الرمادي المختلف قليلا أو كثيرا عن قميص السماء الأزرق – الرواية، ص 29)

لكن الذات الساردة تسعى دائما إلى ردم المسافات التي يصنعها هذا التشيؤ وهذا الانقهار، عبر ممارسة لعبة الذاكرة المستحضرة للجمال. والجمال هنا عنصر تعويض نفسي أكثر منه حلية سردية تملأ الفراغات الوصفية: (ما حال دمشق الضاربة في الروح كشجرة صنوبر، والأقدم من الزمان بزمان وقد مّرت عليها العصور والأزمان والشعوب ولم تزل دمشق دمشق؟ - الرواية، ص 63) وفي هذا السياق نجد الذات مستريحة في شغفٍ برئ لانثيالات الذاكرة وهي تستحضر شريط الجمال والخير والحق، كقيم قابعة في الأرض، وفي الإحساس العارم بالانتماء: المسجد الأموي، القلعة العظيمة، الـبيمارستان، المدارس، المدرسة العزيزية، رفات صلاح الدين الأيوبي، قصر العظم، سوق الحميدية، قوس التترابيل، كنيسة المريمية، الباب الشرقي، متحف الخط العربي، سوق المهن اليدوية، الحمامات الشعبية، سور دمشق، أبراج دمشق، بيت السباعي، كنيسة الزيتون، مسرح دمشق، دار الأوبرا، ضريح السيدة زينب، المكتبة الظاهرية، مقبرة الدحداح، نصب الجندي المجهول، ساحة الأمويين ...

إن هذا الإفراط في الحنين مردّه إلى إفراط المكان الجديد في جلد الذات بقيمه المكانية والحضارية المغايرة في غير توقف، وفي غير هوادة. والأمر يزداد حدّة عندما تجد الذات الساردة نفسها في مأزق اجتماعي معيّن. من هنا اشتغال الذاكرة عبر هذا العنف المضاد لعنف رمزي آخر أكثر قوّة لما يمتلكه من حضور حضاري متسيّد، ظاهراً متسلّطاً متسيّبا كان أو خفيّاً متستراً بمظهر السكون والاستكانة الخادعة.

+ المكان العدم:

قال السارد: (وحملت روحك ومضيت لا تدري إلى أين؟ ولماذا؟ أو كيف؟ - الرواية، ص 32) ... يصوغ السارد ذاته صوغا وجوديا يتماشى سيميائيا مع هذا الانثيال الروحي القاضي بطرح الأسئلة والتنكر للأجوبة، لأن الأجوبة تقتل الأفق وتسد مداه. ولأن الأجوبة ترسم الطريق وبالتالي تحدّ من حرية التيه، أو على الأقل تتعارض مع طبيعة التيه الفارضة سياقَ العبث والعدم والخواء. وإذا كانت كل الطرق تؤدي إلى روما كما قالوا، فإن الطريق هنا لا تؤدّي إلا إلى رغبة هذا الكائن المتدثر في عباءة السارد، والموسوم بالقهر الوجودي الممتلئ، وهي الرغبة البانية لنسق السرد بناءً واعياً باللحظة وبالزمن في غير تسجيل وفي غير نسخ وفي غير تماثل. الرغبة تؤسس لفعل المساءلة الفاتكة بمشروع البداهة الرامية إلى تنميط الكائن داخل دوائر الإنسانية المستهلِكة لفعل الحياة. الرغبة هنا مشروعٌ منفتح على اللاإنسان، وعلى اللّاظل، وعلى اللاأحد، وبالتخريج النهائي، على اللاجسد . في هذا الخواء يكمن المعنى، إذ العمار موصوف بالنهاية، أما الفراغ الذي نفضلّه على إطلاقية العدم، فموصوف بالإمكان المفتوح على كل الدهشات والصدمات والمفاجآت بمعناها المباغت لا بمعناها الحالم والسعيد ... (لا طريق يؤدي إلى رغبتك ولا جهة تعرف جهتك كأنك تمضي إلى لا أحد ولا مكان ولا ظل ّ، وما هي الا محاولة فاشلة كسابقاتها للحصول على وقت إضافي آخر كي تستعد للمعركة التي في خيالك ورأسك المشرع لألف خيال وهاجس – الرواية، ص 32) .

يبني السارد المكان ويبنيه المكان في جدل قاسٍ جدّاً، وقاهر، وفي نفس الآن هو جدلٌ محاصر بسياق الرغبة الدائمة في الحضور وفي البناء وفي التميّز اللاإرادي المكره لا البطل... (وأنت تحاول، تحاول ماذا؟ أن تبحث عن أرض محايدة تقيم عليها عاصمتك المزعومة في خيالك وبناء جيش من العزيمة والرغبة لصعود السلم الطويل نحو أمانيك وانتصاراتك – الرواية، ص 32) هذه الأرض المحايدة لا وجود لها كمكان إلا في ذهن السارد، لأنه يعقل المكان داخل المكان، ويعقل البديل داخل المعطى، ويعقل الممكن، أي ذلك الشرق المُعدّل، داخل الكائن، أي ذلك الغرب المدهش والقائم على مستوى الحضور الثقافي كما على مستوى الحضور الإقناعي في جدلٍ أكبر هو جدل الحضارات .

في هذا الجدل المكاني أو هذه الأمكنة الجدلية لا يمارس السارد فعل الصدمة بين الشرق والغرب، كما هو الشأن في (موسم الهجرة إلى الشمال، للطيب صالح) ولا فعل التواطؤ بينهما، كما هو الشأن في (قنديل أم هاشم، ليحيى حقي) ولا فعل التوازي بينهما، كما هو الشأن في (عصفور من الشرق، لتوفيق الحكيم) ولا فعل الاكتشاف كما هو نسق (نيويورك 80، ليوسف ادريس) ... وإنما يمارس فعل تكريس ٍ لمقول الاختلاف كمفهومٍ حضاري قائمٍ على التمايز القاسي السائر بالذات الواصفة إلى قدر التعارض المستحيل بين خصوصيتين متباعدتين كل التباعد: بين الشجرة \ الشرق، والجدار \ الغرب، في سردٍ نسقي مولِّد لحالات مفارقة في الوعي بالذات وبالموضوع معاً ... (لا وجه للشبه بين الجدار والشجرة، فذاك لا يحتاج لشيء على الاطلاق وقد اكتفى بجموده ووقوفه لغاية في نفس الذي بناه، وتلك تحتاج الهواء والماء والشمس لتواصل انطلاقها نحو ذاتها التي تجهل – الرواية، ص 33) ... وهي الحالاتُ التي تؤدي بالذات الساردة إلى سلوك نوعٍ من المراقبة لتفاصيل الحياتين معاً في عبث يهدر الوقت وفي لاجدوى .

+مكان الهوية والبرزخ:

في (سماء صالحة للرقص) لا تتقدّم إلينا الهوية كمفهوم زئبقي هيولاني عائم، بقدر ما يحرص السارد، على تقديمها كمعطى إجرائي، يتموضع في المفترق الحركي لعلاقة الفرد بالمكان، بشكل عام، ولعلاقة (علي) كقوة روائية فاعلة بالفضاء الموسوم بالتشظي، بين مكانين، واحد يشدّ ذاكرته إلى الأصل، والثاني يدعوه إلى القطع مع هذه الذاكرة، وهي الازدواجية التي ولّدت في الذات تشظياً آخر، عنوانه الكبير الإحساس العارم بالصراع الداخلي الشديد التوتّر في غير هوادة . وقد عبر عنه المقطع السردي التالي خير تعبير (فقررتَ بكامل الغباء أن تبتعد عن الصراع المحتشد في الأركان كي يتفرع الصراع دون قصد منك فيصير صراعين لا يرحمان، صراعك مع الآخر الوهمي الذي غاب عن بصرك وما زال في عقلك يثير عاصفات من الجنون والبؤس والتنديد والتهديد، وصراعك مع ذاتك التي ترى حيناً سوء ما قمت به وحيناً صوابه كأنك نهر يتفرع في كل الاتجاهات حتى يفقد مجراه ويتيه عن مصبّه بكامل الارادة والرغبة ... من دعاك للهرب ... – الرواية ص 46)

و يتعلق الأمر أساسا بسردٍ روائي يحاول القفز على الذوات المتقابلة إلى مساءلة المقولات الأشدّ تقابلا، وأقصد بذلك: المساءلة بين الثقافة والذاكرة، وهما في عمق النظر، عالمان لتشكيل الهوية، الأولى مكتسبة عنوانها أرضٌ وتاريخ ووطن ( من سلخك عن أرضك؟ ... الرواية، ص 47) ... والثانية مُشَيّدةٌ، تبدأ أبجديتها انطلاقا من صناعة قرار الهروب والدخول في (الآخر) دخولاً اختياريا يستتبع شروطه الخاصّة التي تملي على الذات وجوداً هوياتياً جديداً جديراً بالتمزق الغامض الذي لا يبين فيه صاحبُه وضعَه وموقعه وقراره بالمضي أم بالنكوص (وأنت حالة من الصراع بين الوقوف والركض، إن وقفت ستصدمك الأشياء، جميع الأشياء الراكضة باتجاه المجهول وغير منتبهة لشيء فهي أيضاً أخبروها أن لا تقف، لا تتأمل، لا تفكر، لا تتأنى، لا تنتظر فركضت ... - الرواية، ص 48) . ورغم الإقبال المكثّف الذي تبديه الذات لهذا المكان الموسوم بالآخَرِية، إلا أنه يبقى مكانا مُعاديا بتعبير باختين، وضيّقاً رغم سعته الجغرافية، ورغم رحابته وامتيازاته التي يقدّمها .

في الانسلاخ عن الأرض \ الهوية، تتولد حالة من اللاموقف، هي حالة البرزخ التي لا نتبيّن حقيقتها، أهي عذوبة ماء النهر أم هي ملوحة إرهاصات المحيط ... وقد عبّر السارد بذكاء نوعي عن هذه الحالة بلاموقف الركض . وهو تعبير سردي يتجاوز فعله الحسي المرتبط بحركة الإنسان العادية (من العدْوِ) إلى التعبير الروائي الدرامي عن قدر غامض يلفّ حياة القوة الفاعلة المدعوة (علي) . والركض كأي فعل حركي له مسار وله بداية وله نهاية، لكنه في حالة (علي) هو ركض في اتجاه المجهول، في ارتباط بحالة أخرى أكثر صدامية هي حالة اللاوعي . من هنا، أصالة التعبير الفني الروائي وهو يرصد حركية الإنسان في لافيزياء المعقول، حيث تتحول الهوية إلى كائن يركض في مسار مجهول ببداية مُهرَّبَة إلى نهايةٍ مجهولة، وأكثر غموضاً، رغم معالمها الحاضرة انطلاقا من تمثلات الغير لها وإرسالها شفراتٍ إلى الذات عبر السماع القابع في تجارب الهاربين السابقين، وبمعنى أكثر انسجاماً: في تجارب الراكضين السابقين .

تتبدى الهوية أكثر تشظيا وفي قمّة التصوير السردي الواصف لعبثية الهرب وعبثية الركض في المقطع السردي التالي: (وأنت تتشظى في كل الأرجاء تبحث عن بقايا من بقاياك كي تجمعها وتعيد بناءها لعلك تتبيّن ملامحها التي تحدّق في المرآة فلا ترى سوى ظلال لا تشي بملامحها – الرواية، ص 47) وهنا يتجلى فعل الأرض قويا في قدرتها على التجميع لبقايا الذات الساردة والهاربة والراكضة، وهو تجميع لأشلاء قابلة للبناء من جديد لأنها هي الأصول التي تحمل جينات الهوية ولا يمكن التملص منها أو نكرانها أو التخلي عنها . وقد عبّر السارد عن هذه الأصول المتجذرة بلفظة (ملامح)، وهي مفردة عربية تدل على العلامات الحقيقية أكثر من دلالتها على الظلال . نقول: ملامح الوجه أي علاماته المميزة، سواء تعلق الأمر بخاصيات الوجه الطبيعية أم بالحالات العرضية كملامح الغضب أو ملامح السرور وغيرهما ... ورغم حديث السارد عن الظلالِ المتكرر إلا أنه أوردها في سياق المرآة وليس في سياق الواقع . وهو السياق الجديد الذي أربك هوية الذات وجرّها إلى المساءلة الدائمة والمقهورة في اتصالها بالآخر .

تحضر المرآة في تيمة الهوية لا كانعكاس للذات المغتربة، في تشظيها بين المكان الأصل والمكان العابر، وإنما كأداة للمساءلة كلما التقى الوجه العربي الشرقي مع صفحة هذه المرآة لا في سياق الأرض، أي الهوية الجاهزة والتابثة، وإنما في سياق الغربة، أي الهوية المتحولة والمشيّدة . وهو السياق الكفيل بتحويل السارد إلى كثافة وجودية تستطعم السؤال وتستلذ المساءلة عن طبيعة هذه الهوية الهاربة الراكضة في اتجاه النهاية . وما النهاية إلا هذا الضياع المربك لأحلام الذات وطموحاتها (يا له من ضياع هذا الذي نبحث عنه، ويا لها من معادلة مربكة ومثيرة للسخرية والألم، نركض لأننا نسعى للوصول وندرك كامل الإدراك عدم جدوى الركض وقناعتنا مطلقة من عدم وجود نهاية للأمر، ولا نستطيع الكفّ عن الركض، تلك أحجية أصعب من أن نستطيعها، وأن نفكك طلاسمها ورموزها كي تتكشف لنا، كأننا نهذي ونذوي في ساحةٍ عرجاء تضيق بنا وتودّ اخبارنا بالكفّ عن النزول بها، حتى الأماكن تضيق ذرعاً بنا وتصاب بالملل والقشعريرة – الرواية، ص 49) ... هكذا تتكلم الأماكن، وتحس، وتضيق بالإنسان، وتُصاب بالملل، كما أنها أماكن موصوفة بالعرج، خروجا بالمعنى إلى اللامعنى كي يصيبَ الساردُ كنْهَ المدركات التي تنبطح أمام القارئ انبطاحا طواعيا لغوايته خارج السرد، في لعبةٍ سردية ماكرةٍ تستبطنُ الغواية داخل السرد، في أفق روائي تجريبي جديد ومطلوب، وهي الغوايةُ القمينة بتأويل المكان داخل شرط الإبداع بعيداً عن كل محدد فيزيائي يقتل المعنى واللامعنى .

هكذا، فالمكان \ الهوية هو في أصله فضاءٌ لتمدد البرزخ بقوة، إذ هو بالتحديد من يرافق السارد في تهويماته الوجودية المبطّنة بالسؤال الواخز، ويجعله فريسة دائمة للتنغيص النازح من الذاكرة المعذِّبة في تقريعٍ أوخزَ من شتيمة (اركض دون انتظار أو نظر، لا تفكر لا تقرر، لا تتأمل أو تتخيّل، ولا تحفل بشيء سوى الركض، إن الركض رسول النجاة اليوم، وعرّاب الروح الأخير – الرواية، ص 54)

+ السماءُ الممكنة:

يرتبط المكان \ السماء بإمكان تجاوز لحظات الانقهار والاغتراب والإحساس بوخز الذاكرة في رؤية سردية تروم تحقيق نوع من التصالح بين السارد وبين رؤيته للعالم، وبين السارد وبين واقعه المشحون بكثير من أسئلة الرفض، أو على الأقل، بكثير من أسئلة الموقف الذي قد يتجاوز عتبات السلوك إلى دوائر من التأمل في الكيان الخاص وفي الكيانات الأخرى .

و تأتي لحظة الحب إكليلاً لهذا التيه، وتتويجا لهذا الضياع الفردي الخاص ب (علي) المتشظي والذي يكاد يطرق أبواب العبثية لولا حضور السماء في شخص هذا الحب الذي اندلع بينه وبين (إيلينيا) . إن الإمكان الذي يتناوله السارد هنا هو إمكان فلسفي يروم تحويل الجغرافيا المقيتة إلى عوالم سديمية جذْلى تستطلع الآفاق كي تشرب الروح منها بعضا من مشاربها المنقذة . ولا أدلّ على ذلك من حضور سيمياء المفردات المجاورة للمكان \ السماء، من قبيل (الظلال، الأغنية، القفز، الطيران ... أنتَ تحبّها) وهي مفردات مناقضة تمام المناقضة لمعجم التيه والضياع والتشرذم المسبوقة في بدايات النزوح من الشرق إلى الغرب .

إن السماء هنا صالحة لرقصة الروحين المتجاذبتين رغم التباعد الجغرافي والثقافي والحضاري الموسوم بالجدارية . لكنه رقص ممكن في سيمياء الوجود الكوني والقناعة بهذا الوجود في غير شعارية أو تطبيلٍ خاوٍ تنتهي صلاحياته بانتهاء مهرجانات تفعيله . المهرجان هنا سماوي الركح، سديمي القوى، زئبقي المتن، عجائبي العرس، هيولاني الجمهور، ومعنويٌّ بشدّة ... يقوم هذا المهرجانُ على فعل التأمل، ويولّد لدى السارد مجموعة من القناعات الحياتية التي من شأنها أن تغير رؤيته للعالم . (لِمَ لا نكون بكامل صدقنا كما ندّعي في مشاعرنا وأحاسيسنا لِمَ نحن مضطرون لأن نكذب أو نخبئ مشاعرنا في داخلنا كالأسرار، أو كأنها جرائم ارتكبناها في لحظة سكر وعربدة ولمّا صحونا خجلنا منها؟ ِلم لا نكون نحن كما نحن من دون أقنعٍة ونظارات سميكة تخفي ملامحنا؟ - الرواية، ص 88) ...

تتجلى حتمية السماء الممكنة في ارتباط المكان بالبرنامج السردي في رواية (سماء صالحة للرقص) وهو برنامج تكسّرُ خطّيتَهُ رغبة السارد في مفهومها الفلسفي المرتبط بأنطولوجيا بالتجاوز: تجاوز لحظة الشرق ابتداء من التفكير في هجرة الشام، وتجاوز لحظة الغرب ابتداء من التفكير في العودة إلى الشام، مما يسمح بالقول إن التشظي هو حالة الأرجوحة الوجودية التي تمتد بين أربعة أقانيم: الروح والجسد والعقل والقلب . وفي كل أقنوم نسجل تمكن هوية من الهويات، هوية الأرض مع الروح، هوية الغرب مع الجسد، هوية المساءلة مع العقل، وأخيرا هوية الحب مع القلب . مما يتناسل عنه تشابك غريب في شخصية السارد وهو يتتبع أطواره طورا بطور في تشكّلٍ عارٍ من كل شيء وفي شفافية ثقافية هي وليدة انصهار الشرق مع الغرب في قناعات السارد .

تتجلى هذه الحتمية في انسلاخ المكان عن قدر الالتصاق الترابي، ومحاولة التعالي الروحي المجسد أولاً في تضحية (علي) بشبابه وهو يرتبط بفتاة غربية المنزع، كسيحة الجسد، فاقدة لكل ما من شأنه أن يكون أداة إغراء وغواية بعد الحادثة ... ويتبدى ثانيا في حضور المكان \ الجنّة: (تصلون الى المكان المنشود، ويا له من مكان مطلّ البحر في ركن تستطيع بكل ثقة أن تطلق عليه اسم الجنة، في تلك البلدة الجنوبية من سويسرا فوق سطح البحر، والتي تحيطها جبال الألب فتضفي عليها جمالا طبيعيا ساحراً يمكن وصفه – الرواية، ص 138) والأمر هنا يتعلق بسويسرا، التي تحضر في سياق هذا البرنامج السردي مكسّرةً لرتابة الحكي الراغب في النهايات السعيدة بين شاب شرقي وفتاة من الغرب، وبالتالي تتحول سويسرا من فضاء جغرافي إلى فضاء سديمي يرتبط بالخلاص، وينسجم مع طبيعة شخصية (علي) المتأملة، ومع طبيعة العلاقة بينه وبين (إيلينيا) ومع طبيعة الدراما السردية التي شاء لها المؤلف هذا الاتجاه السردي، الغائص في التجربة الإنسانية المحترقة، سواء تعلق الأمر بتجربة (علي) في محنته الوجودية بين الشرق والغرب، أو تعلق الأمر ب(إيلينيا) في محنتها المرضية والتي لم ينفع معها علاج، ونفع معها الارتقاء إلى الجنة عبر مكان أرضي هو سويرا، المكان الواهب للحظة الخلاص .

الختم:

كيف يتوحد السرد مع الأنطولوجيا؟ سؤال يستسيغ ذاته في قراءة رواية (سماء صالحة للرقص) التي ابتعد بها صاحبها عن أي تشكيل روائي يروم الحكي خارج واقعيةٍ لا تبغي تسجيلا، وإنما تبغي تخييلا قائما على ذكاء الشعرية الروائية القائمة بامتياز على استثمار كل الممكنات الجمالية في هذا النوع الأدبي الموسوم بالبحث الدائم عن شكله المثالي . وفي هذه الرواية يضعنا صاحبها أمام قضايا متعددة، ومختلفة، وإشكالية، وغنية بالتوترات التي لا تدع للقارئ فرصة الاستكانة والاسترخاء، بل تظل تمارس عليه الوخز تلو الوخز عبر منطق السؤال الوجودي الراغب في السؤال الذي يتناسل عنه السؤال إلى ما لا نهاية . فلا ندري هل نجيب عن سؤال الغربة والاغتراب، عن الهوية والانتماء، عن الشرق والغرب، والجدل الحضاري بينهما، عن الأصول التي لا تمّحي، عن محنة الرحيل والخروج، عن سلطة الذاكرة، عن الحنين، عن الحب والعشق، عن التضحية، عن الشهامة، عن الحياة والموت، عن الجنة والجحيم ...؟ ... وأقول ختماً لبدايات أخرى: لا يسعنا إلا أن نقرأ (سماء صالحة للرقص) قراءة واعية بلحظة خلقها كي نظفر ببعض الجواب، أما بقية الأجوبة فتظل قابعةً فينا وفي ذواتنا الصغيرة أمام جماليات الحكي العربي المشخص امتيازا في هذا العمل الروائي الكبير لمبدعنا الكبير (ناصر قواسمي) .

بقلم: نورالدين حنيف

..................

1 - لوسيان كولدمان، الإله الخفي، الهيئة العامة السورية للكتاب، ترجمة د . زبيدة القاضي، ط 2010، ص 101

2 - R.Bourneuf, « L’organisation de l’espace dans le roman », in Études littéraires/Avril, 1970, Université Laval, p78

3 - غاستون باشلار، جمالية المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1984، بيروت ص 53.

4 - إيريك فروم، المجتمع السويّ، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، الطبعة الأولى، 2009، ص 322 .

 

حيدر الشماعتفاؤل

(لأنني لا أصلح إلآ للفرح

فسأبقى مبتسمًا

حتى لو ألتفَّ حبلُ النار حول عنقي ..

فالنخلة التي خسرتها في أمسي

سأجعل منها الـشراع الذي

سيقود سفينة يومي

لأربح بستانا شاسعا فـي غـدي)

من الممكن للشاعر أن يعطي مبررا لقناعاته على توليد صور وعلاقات لغوية تعمل بحرية قصوى لتؤثث له فضاء يوازي احساسه بغرائبية الحياة وصعوبتها، وكثيرا ما يفكر في مغزى تلك الحياة، وتجدد المرارة في حرارة واقعه وتصور ذلك المستحيل الذي يلازمها، وما يقترحه هو محاولة للوصول ليس إلآ عبر سرد جزئياتٍ والاحاطة بالكليات بواقع وجهها البشع الذي يرفضه ، فالخيبة والخذلان يجعلان الحاجة الى التفكير امرا واجبا تقتضيه نزعة الشك التي تقضُّ مضجع الشاعر حتى من خلال إشراقاته أزاء مسائل مجردة وتموضعات معنوية، ولافرق أن يكون متحاملا أو مستهزئا أو مكابرا بثوريته، مادام في زخم أتون الصراع والواقع، (تفاؤل فرح مبتسما) حيث الشيء لابد منه سأكون رغم اللاممكن ولكن ليس بالممتنع او المستحيل، في تناص مع أي للذكر الحكيم (حبل النار حبل من مسد) في مجاز ودلالات اشارية

سيمائية من المتعلق والمتعلق به كما يقول الناقد علاء حمد، (النخلة والحبل منها) والنخل من جذر ن خ ل في التفسير المعجمي، انتخل الشيء أي أختاره عن طيب خاطر، والنخل رمز وجذر وقيمة اعتبارية للحياة الراسخة بعمق جذورها الى عمق الارض وعمر الخليقة التاريخانية كأخت لآدم (أكرموا عمتكم النخلة) واعتبارها أصلاً للشموخ والثبات والمواجهة لعناصر الوجود الطبيعية القاهرة، كما اعتمدتها الميثولوجيات التي تشير الى جعلها شعاراتٍ ورموزاً دلالية لأعظم الحضارات المتعاقبة، فإنه مزيج عبقري وواقع مرتهن للمحيط في لحظة العقدة والانفراج أو الترميز تارة عبر مجازية ايحائية بين المحسوس واللامحسوس في فضح الواقع وستره حيث تعكس رؤية الشاعر، في احتمالية احتراق العنق والرأس والنخلة وتاجها، لكن الأصل والجذر خالد ثابت في الاعماق بعيد عن المنال، في عملية خلق لفضاء يؤسس له الشاعر سيكون الزمن فيه متحررا منسحبا من الماضي الى الحاضر الآني بفعل محرك لحظوي دينامي خلق فسحة من فضاء الإشراق لفعل يصلح جميع الازمنة ويؤسس لقيمة ذاتية، (سأجعل يقود أربح) (شراع سفينة بستانا) يكفي أن ننظر الى الخيال الخلاق والى حلم اليقظة حول الذات في استخدام المظهر المادي ويجعل نفسه شخصية رئيسة تستهوي الافئدة لأنه يعيش أناته من الداخل يشدها ويتعداها في منحى ملامح تجعلنا في استغراب وتعجب رغم الخوف والألم في عملية رفض واظهار مقاومة تقابل الفعل ورد الفعل تجاه ردود افعال تواجهه، في رد فعل انعكاسي انفعالي كمكافئ إدراكي (لأربح بستانا شاسعا)انا سيده وحاكمه فهو ليس مستحيلا ولكنه ممكن رغم امتناعه.

 

حيدر الشماع