عاطف الدرابسةعلى الرَّغمِ من تقديريَ العظيمِ لكلِّ الدِّراساتِ التي تتعلَّقُ بقصيدةِ النَّثر، ومحاولةِ البحثِ عن تعريفٍ لها، أو حدٍّ لها، غيرَ أنَّني أرى أنَّ البحثَ في هذا الأمرِ هو ضَرْبٌ من العبثِ أو التِّيهِ، خصوصاً وأنَّ العقلَ النَّقديَّ الآن قد تجاوزَ قضيَّةَ الأجناسِ الأدبيَّةِ أو الأنواعِ الأدبيَّةِ، باعتبارِها من أعقدِ المشكلاتِ الجماليَّةِ، منذ أفلاطون وأرسطو إلى يومنا هذا، ولعلَّ السُّؤالَ الأكثر جدلاً هو ذلك السُّؤالُ الذي يتعلَّقُ بقصيدةِ النَّثرِ، ويمكن صوغُه على النَّحو التَّالي: هل نتعاملُ مع قصيدةِ النَّثرِ بحسبها جنساً أدبيَّاً أو عملاً أدبيَّاً أو نصَّاً أدبيَّاً ؟ وهذا السُّؤالُ يتناسلُ منه سؤالٌ آخر: هل ثمَّةَ فرقٌ بين - لفظةِ - ولا أقولُ (مفهومَ) جنسٍ أو نصٍّ أو عملٍ .

كلَّما تكاثرت الأسئلةُ ازدادت المشكلةُ تعقيداً، فكلُّ لفظةٍ هي إشارةٌ دالَّةٌ، ولكلِّ دالٍّ مدلولٌ، غير أنَّ هذا المدلولَ يرتبطُ بمرجعينِ: الأوَّلُ ثابتٌ، والآخرُ متغيِّرٌ ؛ فالثَّابتُ هو السِّياقُ اللغويُّ المرتبطُ بوجودٍ ذهنيٍّ، والمُتغيِّرُ هو المرجعُ المعرفيُّ، أو أُسمِّيه المرجعَ الابيستمولوجي .

إنَّ قصيدةَ النَّثرِ هي مفهومٌ - إن جازَ لي أن أُسمِّيه مفهوماً - هو مفهومٌ جدليٌّ، ينطوي على غيرِ ثنائيَّةٍ ؛ (الشِّعر - النَّثر، النِّظام - الفوضى، المُقيَّد - المُطلَق)، وهي ثنائياتٌ لا يمكنُ فصلُها عن: (كلاسيكي - رومانسي، واقعي - رمزي، عقلي - مُتخيَّل) .

وهنا يَمكننا على نحوٍ ما أن نضعَ قصيدةَ النَّثرِ في مواجهةِ ما هو منظومٍ، كما أنَّنا في الوقتِ نفسِه نفهمُ الرُّومانسيَّةَ باعتبارها ثورةٌ على القواعدِ والأصولِ والنِّظامِ، وثورةٌ على العقلِ وتحريراً له من هيمنةِ القواعدِ والأُصولِ باعتبارِها قيوداً، من هنا يُمكننا أن نُقابلَ تاريخيَّاً بين الرُّومانسيَّةِ بوصفها ثورةً على الكلاسيكيَّةِ، وقصيدةِ النَّثرِ بوصفِها ثورةً على القصيدةِ الموزونةِ سواءٌ كانت على مستوى البناءِ العروضي أو على مستوى التَّفعيلةِ .

إنَّ أيَّ مفهومٍ جدليٍّ له شروطُه التَّاريخيَّةُ، وله شروطُه المعرفيَّةُ، وقصيدةُ النَّثرِ لها جذورٌ مرتبطةٌ بالجذلِ الكلاسيكي والرُّومانسي، غير أنَّ هذه الجذورَ قد تمدَّدتْ نحو جدليَّةِ الواقعي والرَّمزي، ومع بداياتِ الرَّمزيَّةِ دخلت اللغةُ الشِّعريَّةُ عموماً في طورٍ تجريبيٍّ على مستوى النَّماذجِ، والأنساقِ الأُسلوبيَّةِ، وسلوكِ اللغةِ، ولعلُّه لا يخفى على أحدٍ أنَّ الرَّمزيَّةَ قد تزامنتْ مع ظهورِ الفرويديَّةِ، وهنالك بدأ الخديثُ عن تغريبِ اللُّغةِ، وعن مصطلحاتٍ مثل الإيحاءِ، والتَّكثيفِ، والصِّراعِ، والتَّخييلِ، والحلمِ .

إنَّ حضورَ الرَّمزيَّةِ بشكلٍ طاغٍ، وحضورَ علمِ النَّفسِ، وعلمِ النَّفسِ الأدبي، وعلمِ النَّفسِ اللغوي، وما صاحبَ ذلك من حضورٍ حادٍّ للسِّيرياليَّةِ، وحين نتحدَّثُ عن السِّيرياليَّةِ فإنَّنا نتحدَّثُ عنها بوصفها مرجعاً أصيلاً للتَّفكيكِ، باعتبارِها رؤية لتحريرِ النَّفسِ، والعقلِ، والاستفادة من تجلِّياتهما الخفيَّةِ .

إنَّ مفهومَ التَّحريرِ قد يكونُ على نحوٍ ما مُعادلاً دِلاليَّاً لمفهومِ التَّفكيكِ، ومُعادِلاً دِلاليَّاً لمفهومِ الهدمِ، وإعادةِ البناءِ، ومع السِّيرياليَّةِ بدأت الثَّورةُ على الشَّكلِ أو لنقُل تحريرَ الشَّكلِ، فحاول الرَّسامون هدمَ الصُّورةِ النَّمطية للفنِّ التَّشكيلي، كما حاولَ المسرحيُّون هدمَ الشَّكلِ التقليدي للمسرحِ، وكذلك كُتَّابُ الرِّوايةِ والقصَّةِ، ولعلَّ أفكارَ فرويد ويونغ المُتعلِّقة بمفاهيمَ الوعي، واللاوعي، والوعي الجمعي أسهمَ في ظهورِ مصطلحاتِ العبثِ واللامعقولِ، والعدمِ، وهي بدورِها أسهمتْ في ظهورِ مصطلحاتٍ من مثلِ: ما وراء اللُّغةِ، أو ما فوق الواقعِ، أو العمى والبصيرة، أو الخفاء والتجلِّي، أو الثَّورة وما فوق الثَّورة .

وهكذا بدأت تظهرُ علاقاتٌ أشدَّ تقابليَّةٍ، وأشدَّ تضادٍّ، ممَّا أدَّى إلى ظهورِ شبكةٍ من المفاهيمِ من الرَّوابطِ الدِّلاليَّةِ، تتَّصفُ بالتَّغريبِ والدِّلالاتِ البعيدةِ، والإيحاءاتِ العميقةِ، والتَّشكيلاتِ العنكبوتيَّةِ إذا جازَ لي التَّعبير التي جعلت العلاقةَ بين الدَّالِّ والمدلولِ أكثرَ تعقيداً، وأكثرَ تأويلاً، فاتَّسعت الفجوةُ بين الدَّالِّ والمدلولِ، وضاقت المسافةُ بين الشِّعرِ والنَّثرِ، فكانت قصيدةُ النَّثرِ أشبهَ بحالةِ انفجارٍ أصابَ بِنيةَ اللُّغةِ، هذا الانفجارُ أصابَ الأصواتَ، والمقاطعَ، والألفاظَ، والتراكيبَ النَّحويَّةَ، والأساليبَ البلاغيَّةَ.

وهنا لا بدَّ أن أخلُصَ إلى أنَّ قصيدةَ النَّثرِ ينبغي أن تُدرَسَ بعيداً عن الشَّكلِ، فالشَّكلُ متغيِّرٌ ومتحوِّلٌ، شأنُه شأنُ فيروس الكورونا كما يظهرُ لنا الآن، فقصيدةُ النَّثرِ باختصارٍ ينبغي أن تُدرَسَ وفقَ مفهومِ البِنيَّةِ الأُسلوبيَّةِ، فهي بِنيَّةٌ ذات مضمونٍ شعريٍّ بشكلٍ لا شعريٍّ .

 

د. عاطف الدرابسة

 

 

أحادية المصدر وثنائية التناول في ثلاثية القراءة النقدية لرواية عيسى الحلو

"نحن بحاجة إلى التاريخ بأكمله، ليس لكي نعود إليه، ولكن لنرى إن كان بمقدورنا أن نهرب منه."              خوزيه أورتيغا غاسيت

لقد وصلت أخيراً إلى ما وعدت به: كتابة ثلاثية نقدية عن رواية عيسى الحلو "نسيان ما لم يحدث". وهي قراءة لا تضع اعتباراً إلا لسلطان النقد .... بدأتها ب"البحث عن الذئب الذي لم يأكل يوسف  وأنهيها بمحاولة "الهرب من الذئب الذي لم يأكل يوسف... " والذئب الذي نركض ونلهث ونطارده، ويطاردنا هو بدوره في متاهات "نسيان ما لم يحدث" هو التاريخ الذي ينشغل به عيسى الحلو على عدة مستويات في متاهات الرواية وتخومها. فهو مشغول به كفلسفة  عندما يقول: "حينما يعلو الواقع المباشر حيناً  ويتدنى التخييل.. ينهض علم التأريخ.. ويتسفل شأن الفنون.. والأفكار والآداب.." (ص 105). ومشغول به كذلك كسرد، وأيضاً كخطاب.

ومنذ البداية أود توضيح أنه على الرغم من اهتمامي، كما كان في الجزئين السابقين هو نص "نسيان ما لم يحدث" فإنني سأتعرض في قراءتي هذي لمقابلة أجراها معه محمد نجيب محمد علي تحمل عنوان "حدد العمر مسارات خطيرة جداً في الكتابة/ السرديات الكبرى سدت الطرق أمام الكتابة الجديدة" على صفحات مجلة كليك برس الإلكترونية، لأنها تتضمن إشارات حبلى بالدلالات عن التاريخ وعن أشياء أخرى ذات صلة قريبة أو بعيدة به. والمقابلة كما سنرى لاحقاً، مثل جميع الكتابات الجيدة، تثير من الأسئلة قدراً أكبر مما تنجح في الإجابة عليه.

ومع تعدد محاور الحديث عن التاريخ وتعقيداته في "نسيان ما لم يحدث"، فإن الحديث عن الرواية لا يستطيب دون التعرض للنقد والتعريض بالنقاد الذين أنا منهم. أقول هذا وأكاد أكون على يقين من أنه في وجدان ثقافتنا هذا أ نه إذا كان الشاعر هو ابن الأدب المدلل، والروائي والقاص هما من أبناء العمومة والخؤولة المقربين، فإن الناقد هو النغل الذي يعرفه الجميع ولا يعترف به أحد. ورفقاً بنا معشر النقاد ارتأيت استدعاء كلمات تندد بالنقد والناقد دون أن تغلظ عليه شديداً في القول. هذا مع الإقرار بأن كلمات تيودور روزفيلت التي اخترتها ليست عن الناقد الفكري أو الأدبي أو الفني، وإنما عن الذي يرتضي بديلاً عن الفعل أن ينتقد ويعيب وهو ينظر شزراً إلى إخفاقات الذي يحاول فيصيب حيناً ويخطئ مرة أخرى: "ليس الناقد هو المهم، ليس ذلك الذي يشير إلى كيف أن الرجل القوي قد تعثر، أو حيث كان بإمكان فاعل الأشياء أن يفعلها بشكل  أفضل. الفضل يعود للرجل الموجود بالفعل في الساحة، الذي يغطي وجهه التراب والعرق والدم، الذي يناضل ببسالة، الذي يخطئ ويقصر مراراً وتكرارا: لأنه ليس هنالك جهد بدون أخطاء وعيوب. الذي يسعى فعلا لكي يفعل وهو يشعر يالحماسة الكبرى والتفاني الكبير، الذي يبذل نفسه في قضية تبيلة، من يعرف في النهاية متعة الإنجاز الكبير، ومن في أسوأ الأحوال، إذا فشل، على الأقل يفشل بينما كان يحاول بجسارة حتى لا يكون مكانه أبداً بين تلك النفوس الباردة والخنوعة التي لم تتذوق نصراً أو تتجرع هزيمة." وما أقل الذين يفعلون، وما أكثر الذين يكتشفون النقص والنقصور فيما يفعلونه.

وعودة إلى التاريخ  ليس بوسعي غير أن أقول إن تعامل عيسى الحلو معه في "نسيان ما لم يحدث" يتصف بتعقيدات يكشف عنها السرد وحديث عيسى الحلو عنه. ويدفعنا هذا للتعامل مع تجلياته على عدة مستويات من بينها الفصل والتفريق بين تاريخين هما العام والوجودي الخاص: "يمتلئ رأس أمين النوراني بالصور. صور تأتي من بعيد .. من أمكنة وأزمنة مجهولة. من الخيال ومن التاريخ. وهنا يحتدم الصراع. وتقاتل ذاكرة أمين النوراني قتالا شرسا هذا التاريخ العام الذي يسعى بقوة لمحو تاريخ أمين النوراني الوجودي الخاص. وتجيء الصور من الخيال والوهم والنسيان مكسوة بغبار الأزمنة." (ص13)

وتقودني المقولة أعلاه إلى التنويه والتنبيه والتحذير من أن هذه الثنائية في التعاطي مع التاريخ في "نسيان ما لم يحدث" عميقة ومتجذرة وذات مغازٍ ودلالات تفرض عليّ العودة إليها أكثر من مرة في سياق هذه القراءة. ومع القبول في هذا المنعطف بوجود قتال شرس قي ذاكرة أمين النوراني بين تاريخين، فإن خصوصية التعامل مع التاريخ تأتي ومعها مشاكلها "الخاصة" بها عندما تعنمد عملية استرجاع التاريخ على الذاكرة، كما يتضح في حديث إحدى شخصيات الرواية عندما تقول "الذاكرة هي وعاء التأريخ العام والتأريخ الخاص .." (ص17). ولكن الذاكرة لا يُعتد بها كثيراً في رصد التاريخ، ولا يعول عليها إلا قليلاً عند استعادته. وإن كان هذا الحال يصدق على العديد من مجالات البحث، فإنه يكتسب في الإطار السردي السوداني مذاقاً خاصاً أخشى القول إنه ليس طيباً في كثير من الأحيان. ومن الدراسات التي تسلط الضوء على هذا المذاق المُستعاد دراسة إلينا فيزاديني التي تحمل عنوان "الذكريات المتنازع عليها، التبعية والدولة في التواريخ الاستعمارية وما بعد الاستعمارية في شمال شرق إفريقيا"، وأيضا دراستها "جواسيس وأسرار وقصة تنتظر أن تُحكى: ذكريات 1924، الثورة والتعنصر في التاريخ السوداني." ولعلي لا أخرج عن السياق هنا عندما أقول إن فيزاديني تزعم أن الخيانة تتسلل من بين جنبات التاريخ السياسي السوداني، وهذا أيضا تتلمسه وتفضحه بعض روايات "نسيان ما لم يحدث" التي تزعم أن "طعم الهزيمة (في كرري) خرّب الضمير السوداني كله  .. فأصاب الداء الأجيال جيلاً بعد جيل! وطلب خليفة المهدي من رجالات الدولة أن يستعدوا للهجرة .. استعدادا لمواصلة القتال .. ولكن رسول الخليفة كان قد وجد رجالات الدولة قد ذهبوا لسراي كتشنر لإعلان الطاعة والولاء!" (ص 41). "

كما تظهر بين متاهات السرد ثنائية تاريخية أخرى عندما يقول السرد "ولكن رسول الخليفة كان قد وجد رجالات الدولة قد ذهبوا لسراي كتشنر"، و"تتوغل الجياد وتخترق حزام الدفاعات والستر(في كرري)"، و"أبحرت (البواخر) باتجاه الخرطوم التي استولت عليها جيوش كتشنر." وهذه الثنائية تنهض طارحة تعارضاً واضحاً بين القراءة المعتمدة للتاريخية وقراءة أخرى يتبع فيها عيسى الحلو بشكل عام، وبطريق مقصود أو غير مقصود، ما ينادي به بروفيسور إيه إتش كار في دراسته "ما هو التاريخ"، والذي يبسط فيها اعتراضه على القيم الليبرالية السائدة حيال التاريخ والحقائق والعلوم والأخلاق، وبخاصة الأحكام التي يطلقها الأفراد وتتبناها الجماعات عن أحداث التاريخ. وقد عارض بروفيسوركار في دراسته بشكل أساسي مقولة سي بي إسكوت الشهيرة "التعليق حُر ولكن الوقائع مُقدسة"Opinion is free, but facts are sacred والتي تعتبر حجر الزاوية في الدراسات الإنسانية بشكلٍ عام في كل مكان. ويعترض كار على هذه القاعدة الليبرالية زاعما أن "التعليق ليس حراً والوقائع ليست مقدسة." ويزعم بروفيسور كار أن غاية ما يفعله المؤرخ هو أن يختار الحقائق التي تروقه من بين عدد أكبر من الحقائق التي تتوفر له ثم يقوم بتفسيرها وإعلاء شأنها من منظور أيديولوجي، قد يتعرف عليه ويعترف به وقد لا يفعل، على حساب حقائق أخرى تتمتع بذات القدر من الصلاحية، ولكنه اختار أن يتجاهلها بسبب المنظور الأيديلوجي الذي يصيب رؤيته هنا بالغبش. ولا بد لي من التنويه هنا إلى أن هنالك أيضاً معطيات الحقيقة الجمالية والحقيقة التاريخية و"فرضية "التاريخ المغلوط" والتي من شأنها أن تضيف أبعاداً إضافية إلى هذا الجدل، وكني لا أريد الخوض فيها هنا.

وهنالك ثتائية أخرى تتبدى عندما تقول شخصية أخرى من شخصيات الرواية:

"هي إذا أرواح تحلق.. تأتي من بعيد .. أكاد أسمع رفيف وأزيز الأجنحة!! إتها أعمال كالسحر .. يأتون من  بعيد من موقعة كرري! ومن لينينغراد.. ومن ضربة أبراج واشنطن في سبتمبر .. ومن تهديد دولة صغيرة تافهة لأعظم قوة ترسانة هيدروجينية في العصر الحديث! .. وها نحن نرى ونلمس أجساد يأتون إلينا في الخرطوم الآن من كل الأزمنة ومن كل فج وصوب.. من دولة المهدي ومن مروي القديمة .. لقد جاءنا الجاسوس العالمي المعاصر من أمريكا اللاتينية .. وابن لادن من زمان الصحابة الأول! وهكذا!!!" (ص 17).

والثنائية التي نحن معها الآن هي ثنائية الصحيح والخطأ التي قد تتسلل تفاصيلها عبر عُتمة - أو إعشاء وهج - السرد غير الموثوق به، والتي يعتمد قبولها أو رفضها على فطنة القارئ الذي قد يتبين وقد لا يتبين أنه لم تكن هنالك ضربة على أبراج واشنطن، وإنما كانت هي أبراج نيويورك للتجارة العالمية ، وأن العالمي الذي جاءنا من أمريكا اللاتينية (كارلوس) لم يكن جاسوساً، وإنما ثوري احترف النضال، أو إرهابي على أسوأ الفروض، وأن ابن لادن لم يأتنا من زمان الصحابة الأول وإنما جاءنا عبر وكالة المخابرات المركزية من أضغاث أحلام أو أو هام التطرف الإسلامي. كما قد يتبين القارئ، أو على الأرجح قد لا يتبين، ما هي الدولة الصغيرة التافهة  التي تهدد أعظم قوة ترسانة هيدروجينية في العصر الحديث، وهكذا، وهكذا، وهكذا!

وقد آن الأوان لكي أتوقف هنا عند ثنائية قد تبدو غير ذات دلالة كبرى، ولكني أراها بالغة الأهمية، وهي ثنائية التاريخ والتأريخ. فعيسى الحلو يستخدم كلمة "التأريخ" بالهمز الساكن، والذي هو المصدر من أرَّخَ يؤرِّخُ تأريخًاً أي كتب تاريخًا ودوَّنَ تقييداً عن زمان محدد، أو مكان معين، أو حدث بعينه ثمان مرات. أما التاريخ بالمد من غير همز كاسم للعِلْم بالأزمنَة والأمكنَة والأيام والأحداث، والذي يُطلَقُ عَلَما على مصدر مثل تاريخ الطبري وتاريخ ابن خلدون وتاريخ السودان فهو يستخدمه ثمان مرات أيضاً. ولا أظن أن عيسى الحلو قد توخى استخداماً متعادلاً للتاريخ والتأريخ، ولكن قد يكون! ففي حين يستخدم عيسى الحلو مصطلح التاريخ بمعناه العام عندما يقول "ولكن هذا التشابه الذي نجده يطبع بعض أحداث التاريخ .. أهو كما نقول (إن التاريخ يعيد نفسه؟؟)" (ص47) فهو يستخدم تأريخ عندما يتحدث عن كرري وأم دبيكرات وخليفة المهدي والخليفة علي ود حلو. وهذا يعود في تقديري، كما ألمحت سابقاً، إلى أن عيسى الحلو حتى عندما يتحدث في المقابلة التي نوّهت إليها عن "نسيان ما لم يحدث" "كذاكرة للأصوات المفصلية في تاريخ السودان القديم والحديث، وهو تاريخ زاخر بما حدث وما لم يحدث وبنسيان بعض أحداثه"، فإنه ينوء بثقل وطأة تاريخ، بعضه، إن لم يكن كله، هو إرث شخصي عليه أن ينهض بثقله كل صباح.

"كان الليل يهبط وكانت كرري قد دمرت تماماً. وانسحبت البواخر النيلية المحاربة. تراجعت من الشاطئ إلى وسط النيل... وكان خليفة المهدي وأعوانه على مشارف ضاحية أم دبيكرات وهم على ظهور الخيل .. أجسادهم منهكة حيث قضوا ثلاث ليالي في الطريق من أم درمان إلى هنا... ونزل أصحاب المهدي من ظهور الخيول .. وفرشوا الفروات على الأرض وأخذوا يصلون.. وفجأة حصدتهم رشاشات الجند!! ومع الأيام أصبحت أم دبيكرات مزاراً للثوار وأيقونة وذكرى عزيزة لوطن استلبه المستعمر... وهي موطن قبيلة دغيم التي ينتمي إليها الخليفة علي ود حلو الذي دفن مع الخليفة عبد الله التعايشي والصديق الإمام المهدي." (ص 51-52)

فالتاريخ هنا تأريخ، والفقد هنا شخصي، والفجيعة ماثلة، والحزن ملموس، والوجع محسوس، وعيسى الحلو لا يكاد يمضي منه قليلاً حتى يعود إليه:

"وتجيء أزمنة الوطن .. يجيئ البلد .. تجيء كرري بواخر نيلية داخنة، مبحرة فوق عرض النهر .. مدافعها موجهة نحو العمق .. جهة الغرب .. جيوش على ظهور الجياد تزحف شرقاً نحو النهر .. وهنالك محاربون مدججون بالبنادق .. والدراويش المهدويون رافعين سيوفهم التي تلمع تحت ضوء الضحى الباهر والغبار المتصاعد تحت حوافر الخيل وهي تخوض ساحات الوغى.. تتوغل الجياد وتخترق حزام الدفاعات والستر وتتساقط العمائم تارة والطرابيش والقبعات تارة أخرى وتتساقط الجثث من الجانبين. وتصرخ الحرب كلها شرقاً وغرباً .. سيوفاً وحراباً ومدافع وكلاشنكوف وبنادق. وتتساقط الجثث .." (ص 40-41)

وهنا لا بد لي من القول إن "نسيان ما لم يحدث" نص ينتحل نفسه. فهذا المجتزأ المقتبس أعلاه يعاود الظهور، ولا يكرر نفسه تماما. فبدلاً عن " يجيئ البلد ..تجيئ كرري" نجد "يجيئ السودان .. أزمنة إثر أزمنة"، وتضاف الطبنجات إلى البنادق، وَضوء الضحى الباهر" تحول إلى " أضواء الضحى الباهرة"، وبدلاً عن "وتتساقط الجثث من الجانبين" نجد "وتتساقط جثث الغزاة.." وهنالك أيضاً "وعندما مالت الشمس للمغيب  كانت السهول تحت جبال كرري قد امتلأت بجثث أنصار المهدي التي حلقت فوقها الغربان." التي تأني أكثر من مرة! وهذه جميعاً انتحالات، أو إن شئت استعارات. لأنه كما يقول بي بي كينق "لا أعتقد أن هنالك من يسرق شيئاً، جميعنا يستعير." ولكن، مثلما هو الحال في كثير من الأحيان،يأتينا إيقور استرافينسكي مناقضاً ذلك بقوله: "الفنانون الصغار يستعيرون، ولكن الكبار يسرقون." ومن بين تلميحات الاستعارة وتصريحات السرقة أود التأكيد على أنني لا أولي مسألة "انتحال النص لنفسه" اعتباراً كبيراً إلا في حدود أن الدهشه أصابتني وأنا أرى عيسى الحلو يشعر باحتياجه ليفرط في قول شيئ في حين أن الاستراتيجيه الغالبة لكتاباته القصصية والروائية هي جعل السرد يقول عنده لفظاً أقل مما يقوله عند غيره. ولا أتردد هنا للحظة واحدة عن قول إن عيسى الحلو ينحو في هذا منحى أحد "أساتذته"، إرنست هيمنغوي الذي كتب في "موت في الظهيرة": إذا كان كاتب النثر يعرف كفاية عما يكتب عنه، فقد يحذف الأشياء التي يعرفها، وإذا كان الكاتب يكتب بما يكفي من الحقيقة، فسيكون بمقدور القارئ أن يشعر بقوة بتلك الأشياء كما لو أن الكاتب قد صرّح بها. إن وقار حركة جبل الجليد العائم يرجع إلى كون ثُمنه فقط هو الذي يظهر فوق سطح الماء." وعيسى الحلو يعرف هذا جيدا كاستراتيجية للكتابة. ولهذا يمكن القول إن الحذف المتعمد، في كثير من الأحيان، هو الطاقة الكامنة وراء الوقار المتوتر في كتابات عيسى الحلو.

ويحكي السرد في "نسيان ما لم يحدث": "وقد كان أمين في سرده للحكايات يحاكي الحيل الذذكية في تلك الحبكات القوية في السرديات الأسطورية والقصائد الملحمية الكبرى. وكان النقاش بين الأصدقاء يحتد حول السرديات المهمة على طول مجرى التاريخ الإنساني.. تلك الحيل التي تجيء عند الكبار .. كافكا .. وفيرجيلوهوميروس وهمنجواي وبرخيس." ولكن ليس هو فقط أمين النوراني الذي يفعل ذلك نيابة عن الحلو، إذ أن الحلو نفسه يعود ليفعل ذلك عمداً وقصداً وأصالة عن نفسه.  ففي بوحه في "حدد العمر مسارات خطيرة جداً في الكتابة" يقول عيسى الحلو: "هنالك كتاب ينطلقون من الأفكار أنا من بين هؤلاء، في القصة العالمية أرى بوضوح في ذلك ميلان كونديرا والبرتو مورافيا، وأيضاً هنالك جون بول سارتر الذي كتب رواياته بدافع تبسيط الفكر الوجودي فلسفياً." وعلى الرغم من أن "الخفة غير المحتملة للوجود" تُذكر في تناقض مدلول كلماتها بتناقض مدلولات "نسيان ما لم يحدث" فلو كانت هنالك رواية تبدو من الخارج بسبب عنوانها وكأنها ستشارك "نسيان ما لم يحدث" في بعض ملامحها ثم لا تفعل فهي تلك. ولو كان هنالك روائي يختلف تماما في تعامله مع الرواية عن عيسى الحلو فهو ميلان كونديرا. فعلى الرغم من أن كونديرا يشبه عيسى الحلو في بعض المناحي، فإنه يختلف عنه أيضا بشكل واضح في عدد منها. فكونديرا مثل الحلو ممارس متميز للنقد، ومثله أيضاً معادٍ للأيدولوجية، ولكن في الوقت الذي آثر فيه كونديرا الصمت والتوقف والإنزواء، فلحسن حظنا لم يفعل عيسى الحلو شيئاً من ذلك.

وكما قلت فإن مقابلة "حدد العمر مسارات خطيرة جداً في الكتابة/ السرديات الكبرى سدت الطرق أمام الكتابة الجديدة" مثل جميع الكتابات الجيدة، تثير من الأسئلة قدراً أكبر مما تنجح في الإجابة عليه. ومن هذا المدخل هنالك أشياء اتفق مع عيسى الحلو فيها مثل "أن القصة القصيرة فقدت قارئها". وهذه ملاحظة لماحة مدركة وذكية. فعالمياً ازدهرت القصة القصيرة مع ازدهار الصحافة وظهور المجلات. وفي سودان اليوم الذي يشهد اضمحلال الصحافة تفقد القصة القصيرة قارئها. وهنالك أشياء أظل فيها على الحياد مع الحلو مثل وقفته المطولة على أطلال الشكلانية وتجاهله لما جاء بعدها مثل البنيوية وما بعد البنيوية  وأركيولوجية فوكو واستشراق سعيد وهجنة هومي بابا والخطاب ما بعد الكولونيالي. وهنالك أشياء أخرى أختلف فيها معه تماما، وعلى رأسها تسليمه على "أن الطيب صالح سقف الرواية"، وهو موقف، كما يقول محمد نجيب محمد علي، تراجع عنه الحلو قليلاً، ثم عاد وأكد "أن الطيب صالح هو سقف الرواية." والذي أراه هو أن الطيب صالح ليس سقفاً للرواية السودانية أو أي رواية أخرى. وهذا ليس موقفاً من الطيب صالح، إذ أنه ينطبق على غيره. فإيفو أندريتش ليس سقفا للأدب السلافي، ونيكوس كازانتزاكيس ليس سقفاً للأدب الإغريقي، وليس كذلك سلمان رشدي للأدب الأنجلوأمريكي، أو باولو كويلو للأدب البرازيلي، أو نايبول للأدب الكاريبي، أو غابرائيل غارسيا ماركيز للأدب الناطق بالأسبانية. يكلمات أخرى ليس للأدب مقياس يقاس به Yardstick أو معيار يتم تقييمه على أساسه Benchmark. فالإبداع باب مفتوح على مصراعيه يقود إلى ساحة تطل مباشرة على السماء. وهو جهد لا يحدده مكان ولا يطوقه زمان ولا يملي عليه إرادة كائن من كان. أما القول بأن "السرديات الكبرى سدت الطرق أمام الكتابة الجديدة" فهو قول لا تسنده وقائع تاريخ الأدب في أي مكان. فإبداعات دستيوفسكي لم تمنع ظهور باسترناك، وروائع توماس مان لم تحول دون ظهورغونتر غراس، ومرويات يوكيو ميشيما لم تحجر ظهور هاروكي موراكامي، وإنجازات فوكنر الروائية لم تحول دون ظهور جاك كيرواك

ولجاك كيرواك، صاحب "أحدهم طار فوق عُش الوقواق"، رأي بديع في هذا الشأن طرحه في مقال شهير له تحت عنوان "هل يُصنع الكتاب أم يولدون؟" موجود ضمن كتابه "العطف، خداع الذات والأبدية الذهبية." ويبدأ كيرواك بحثه بالنظر إلى كلمة "العبقري" التي لعبت دورا كبيراً في تشكيل مفهوم الثقافة الإبداعية، فيقول: العبقرية لا تعني الغرابة أو الانحراف أو الموهبة المفرطة. فهي مشتقة في اللغة الإتجليزية من الكلمة اللاتينية gignere (تلد). ويضيف أن العبقري في الأدب هو الشخص الذي ينشئ شيئاً لم يكن معروفاً من قبل. وفي هذا الإطارلا أحد غير ملفيل يمكن أن يكتب "موبي ديك"، ولا حتى ويتمان أو شكسبير كان بإمكان أي منهما أن يفعل ذلك. ولا أحد سوى ويتمان قادر على أن يكتب "أوراق العشب". لقد وُلِد ويتمان ليكتب "أوراق العشب"، ووُلِد ملفيل لكتابة "موبي ديك.

وعلى ساحة الأدب السوداني لو لم يكتب محمد عبد الحي "العودة إلى ستار" لما كتبها أحد، ولو لم يكتب محمد المكي إبراهيم "بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت" لما كتبها غيره، ولو لم يكتب محمد الفيتوري "معزوفة لدرويش متجول" لظلت غائبة تماماً في رحم الغيب. فهذه الأعمال هي نتاج عبقرياتهم وحدهم لا شريك لهم فيها ولا مانح أو مانع. وفي الرواية لم يكن بمقدور أحد أن يكتب "السواد المر" غير الروائي القاص الشاعرالناقد المترجم وصانع الأفلام محمد سليمان الفكي الشاذلي، ولا حتى صديقه الطيب صالح. كما أنه لم يكن لأحد أن يكتب "أطياف هنري ويلكم" غير العبقري الفوضوي الخلّاق مهند الدابي. والحال هو ذات الحال مع "نسيان ما لم يحدث" بنواقصها المحدودة وبروعتها اللامتناهية. لا سقف هنا يحجب أو يظل، ولا نافذة يطل منها من يطل، ولا درج يرتقيه عازم على الصعود، أو حبل يتدلى به راغب في النزول وإنما هي عبقريات تفري فريها حتى يرتوي الناس منها ويضربوا بعطن.

 

وكما أن هنالك تاريخ وتأريخ، فهنالك أيضاً في "متاهات نسيان ما لم يحدث" الهرب من شيئ والهروب إلى شيئ آخر. وهذه ليست محاولة للتلاعب باللغة، وإنما هي اختلاف في المداخل والروئ والتصورات تتضح معالمه عند النظر إلى منطلق خوزيه أورتيغا غاسيت الذي يرى أننا "بحاجة إلى التاريخ بأكمله، ليس لكي نعود إليه، ولكن لنرى إن كان بمقدورنا أن نهرب منه" وبين منطلقات وقراءات آخرى مؤسسة على تجارب معرفية مختلفة قادت إلى تبني مواقف مغايرة من بينها قراءة فرانك جيري الذي يقول: "لا يمكنك الهروب من التاريخ حتى ولو أردت ذلك، فأنت بحاجة لكي تعرف جيداً من أين أتيت، وأن تدرك تماماً كيف أن كل شيئ قد تمّ على هذا النحو أو ذاك." ويمضي معه في هذا التوجه اليكس هيلي، مؤلف ملحمة "الجذور"، الذي يكاد حلقه أن يغص بمذاق كل تلك المرارات التي تجرعها الأفارقة الذين حملتهم رحلة الاسترقاق عبر الأطلنطي إلى حقول التبغ والقطن والسكر والذل والمهانة في الكاريبي والجنوب الأمريكي، ولهذا فهو أكثر إحساساً بمغبة تجاهل دروس التاريخ وعبره عندما يقول: "ما لم نتعلم من التاريخ فسيكون قدرنا أن نعيده. وهذا لم يعد مجرد اجتهادات أكاديمية، وإنما قد يتضمن مصير عالمنا وقدرنا كبشر." أما عيسى الحلو، المُلِم بذلك جميعه، فإنه يعيش في "نسيان ما لم يحدث" حالتي الهرب (كفعل غير مشروع)، من التاريخ والهروب إليه (كفعل مشروع وأكثر ايجابية). فعلى مستوى "الهرب من" يقول السرد:

"وطوال كل هذ القرن المنصرم، ورغم تكرار هذه الفواجع في التأريخ الوطني وإن اختلطت أشكال هذه الفواجع إلا أن القوم لم يتعلموا شيئاً من هذه الهزائم! .. كانوا ينسون كأن شيئاً لم يحدث!! ... وهكذا يشتغل النسيان.. نسيان ما لم يحدث أصلاً في فضاءات الذهول والنوم الأسود. ويمشي الناس على الأرض وهم نيام .. يحيطهم الليل من كل جانب! وهم لا يدرون... حتى أصبح وعي العالم هو نوع من الهروب من الواقع." (ص 35-36)

وعلى مستوى "الهروب إلى" يقول السرد:"وهكذا انتهى ذلك العهد الوطني الذاخر بالتضحيات وغيب في غياهب التاريخ ... انطوى الناس صمتاً وتوجساً وخوفاً من الزمن الذي أصبحوا لا يأمنونه ولا يستريحون إليه. لقد قتلت في قلوبهم هذه النبضات التي تمجد ذكرى المهدي الإمام. وانتظروا حتى أتاهم استقلال السودان فعاودوا رواية تلك السير..وأخذوا يتعرفون على أنفسهم كأناس حقيقيين من جديد!" (ص 52). ويلاحظ القارئ أنني أكتفي بتقديم كلمات عيسى الحلو كما هي من غير أي محاولة لتقديم أي نوع من أنواع التفسير، لأني على قناعة بأن التفسير، كما تقول سوزان سونتاج، هو "انتقام المثقف من الفن"Interpretation is the revenge of the

وفي ذات المقابلة عندما تحدث عيسى الحلو عن توجيهه بعض اللوم لأبناء جيله لأنهم لم يأخذوا أنفسهم "بالشدة فتضخمت عندهم أحيانا "الذات الكتابية" سأله محمد نجيب "ألا تجد في ذلك تواضع الكاتب منك؟" فرد عليه الحلو"يقولون لي ذلك، وأنك متواضع كأنما في ذلك خلل في استقامة الأمور، وأنا أرى أن الكاتب كلما عاش التواضع قرأ العالم وما حوله ونفسه قراءة ذاتية جيدة لا ترتبط بنرجسية ولا تضخم الأشياء..." والحلو يقول، وإن لم يكن يقول فإته يقبل بفضيلة التواضع. والذي أراه أن ذلك غاية في حقيقة الأمر غايية في الغرور. ولا أقول هذا من باب اللوم أو التعيير، وإنما أقوله من منطلق المحبة والتقدير.فالروائي بحاجة إلى ذلك الزهو الداخلي الذي يجعله، كما يقول جيمس جويس في "صورة للفنان في شبابه": "أن نعيش، وأن نخطئ، ونسقط، وننتصر، ونبدع الحياة من الحياة. ظهر له ملاك وحشي، ملاك الشباب والجمال الفاني، مبعوث من محافل الحياة الرائعة، ليلقي أمامه مفتوحة في لحظة نشوة أبواب كل طرق الخطأ والمجد. وما إلى ذلك وما إليه وما إليه وما إليه!" ولأن المتحدث هنا هو جويس لا أستطبع التوقف عن إيراد ما قاله في لغته الأصلية حتى يرى القارئ شتان ما بين الترجمة مهما حاولت وذلك الإبداع اللغوي الذي لا يجارى:

“To live, to err, to fall, to triumph, to recreate life out of life. A wild angel appeared to him, the angel of mortal youth and beauty, an envoy from the fair courts of life, to throw open before him in an instant of ecstasy the gates of all the ways of error and glory. On and on and on and on!”

وأنا أقترب من .. على يقين من أنني قد أزعجت أستاذي عيسى الحلو بالعديد من الأحكام التي لا أخضع فيها إلا لما أعتقده من جماليات الأدب وما أقتنع به من حقائقه. والعلاقة بين الجمال والحقيقة في الأدب والفن علاقة لا انفصام لها. وفي هذا يقول دبليو أتش أودن "ينشأ الفن من رغبتنا في كل من الجمال والحقيقة ومعرفتنا أنهما لا يتطابقان"، ولكننا نسعى لكي يتطابقان. أو كما قال فيليب لاركن "تبدأ كل قصيدة على أنها إما حقيقية وإما أنها جميلة. ثم نحاول أن تجعل القصيدة الحقيقية تبدو جميلة، وأن تبدو الجميلة حقيقية."  ولهذا قد يريحه قليلاً أنني قررت منذ البداية أن تكون قراءتي لرواية "نسيان ما لم يحدث" ثلاثية، وليست خماسية أو سباعية. ومع هذا لا بد لي من الإعتراف بأنني قد وجدت متعة بالغة في التجوال بين متاهات "نسيان ما لم يحدث" باحثاً عن "الذئب الذي لم يأكل يوسف"، مستانئساً به وقتاً، وهاربا منه عند نهاية التجوال بعد أن عوى مراراً بنداءات الذاكرة والنسيان والخيال والوهم والإمكان والاستحالة وأخيراً التاريخ.

أخيراً، لقد ظل عيسى الحلو عمراً في ساحة الأدب يكر ولا يفر، يراجع تارة وتارة يبدع، يقول ولا يقذع، ينصح ولا يروع، ويطمئن ولا يفزع، ويزود عن كل ثغر للأدب، وينافح عن كل موقع. يفعل ذلك وهو "يطاعِنُ خَيلاً مِن فَوارِسِها الدَهر"، ويترك في عوالم القصة والرواية والنقد "دَوِيّاً كأنّما تَداوَلَ سَمْعَ المَرْءِ أنْمُلُهُ العَشرُ." ولهذا كلما رأيت صورته مبتسماً على الغلاف الداخلي "لنسيان ما لم يحدث" وجدتني أردد كلمات الفريد لورد تنيسون:

“Though much is taken, much abides; and though/ We are not now that strength which in old days/ Moved earth and heaven; that which we are, we are;/ One equal temper of heroic hearts,/ Made weak by time and fate, but strong in will/ To strive, to seek, to find, and not to yield.”

"وعلى الرغم من أن الكثير قد ذهب، إلا أن الكثير يثابر؛ ومع أننا لم نعد نمتلك قوة الأيام الخوالي التي تحرك الأرض والسماء، فلا زلنا نحن كما كنا نحن، ذات المزاج المعادل للقلوب الجسورة، التي ألحق الزمن والقدر بها الضعف، ولكن الإرادة لا تزال قادرة على أن تناضل، وتسعي وتبحث وتَجِد، وأبداً لا تذعن."

 

أحمد حسب الله الحاج

 

 

مهما كان الالم رقيقًا واقصد هنا وصفه بترفق، يبقى يمارس وظيفته، في النهاية هو منظومة من الأوجاع الجسدية او النفسية، حتى لانبتعد كثيرًا،،ساقني الفضول الى قراءة رواية خطى في الضباب للقاصة ذكرى لعيبي، وقد عزفتها كاتبة قصة وشاعرة وناقدة احيانًا، اقول ساقني الفضول لانها مجايلة لي،،على الاقل في الاحداث الجسام التي مر بها العراق، انهيت الرواية في جلسة واحدة ليس لانها قصيرة، بل بسبب اسلوبها الشفاف والجاذب

 بصراحة انا عندي نقطة أتوقف فيها عن قراءة اي عمل او استمر،أتوقف عندما اشعر ان الكاتب، قد توقف او انقطع في إيصال الفكرة، انا اتكلم هنا كقارئ واعتقد ان جميعنا لديه هذا الامر، وهذا ما أكده بنفسنت في تعريفه للخطاب " الملفوظ منظورًا إليه من وجهة آليات وعملية أشتغاله في التواصل "اقول ان ذكرى لعيبي في هذا النص توارت بجهد منظم خلف شخصياتها ومارست تنظيم النص بكل حرفية سواء في القوس العاطفي وهنا نقصد به نمو الشخصية السردية بالإيجاب او السلب،او في طرح رؤيتها في جانب الميتاسرد (ما وراء السرد)، لكنها منذ العتبة الاولى، اي العنوان (خطى في الضباب) اوحت لنا طبيعة النتائج التي سيفضي اليه خطابها السردي،منها اولا، ان الحب المنتج مرتبط بمرحلة الشباب لانه يشكل حلقة مكتملة مع انها حاولت ان توغل في ايداع هذه النتيجة في الضباب لكن شخصية اليازية كشفت لنا هذه النتيجة،ثانيًا ان العلاقات في العالم الافتراضي تخفف من القيود الاخلاقية في جانب الإلزام، مع توفر مساحة فردية لا تطالها الاعراف والقيود على العموم سنعود على هذه النتائج كمحمولات للخطاب السردي (خطى في الضباب) لقد حاولت ذكرى لعيبي الاقتراب من الحدود الخطرة

،لكنه اقتراب حذر ومتحفظ،،ربما فقط في الحلم الذي راود أميرة احدى ابطال الرواية،وهي في رحلتها الى باريس حيث استطاعت ان تظهر رغباتها المقموعة الى منطقة التمثل،وكذلك لامست بحذر قضية زواج المتعة في جانب انعكاسه على المرأة هو غطاء شرعي للرجل لكنه عبء على المرأة التي هي في المحصلة تندحر الى مخلوق ثانوي وفق المنظومة الاجتماعية والدينية لان المجتمع والدين عندنا ذكوري أبوي رعوي،ما يلفت الانتباه بشدة في (خطى في الضباب) هو صوت المرأة ولانريد هنا الجانب الفني والذي سنتطرق اليه في ملاحظتنا للجانب الفني السردي، انما هنا أردت ان ابين أن خطاب ذكرى لعيبي هو اول خطاب يفصح عن مشاعر المرأة العراقية،،بصدق،،ببساطة لايستطيع الروائي الرجل التعبير بصدق عن صوت المرأة الداخلي وكذلك لاتستطيع المرأة عن تعبر بصدق عن صوت الرجل، مهما امتلكا القدرة الفنية، نلاحظ في رواية (ذهب مع الريح) استطاعت مارغريت ميتشيل ان تجعل شخصية (سكارليت اوهارا) صوت حقيقي للمرأة بكل صدق حتى أنك تستطيع ان تتفهم آلية اشتغال تفكيرها، وكذلك فعلت إيزابيل الليندي في منزل الارواح حيث مكنتنا من الولوج الى عقلية بطلة الرواية كلارا، بينما ذهبت كل مساعي هاروكي ماراكومي ادراج الريح حينما حاول استنطاق عقل المرأة في الغابة النرويجية، ولو نلاحظ حتى اُسلوب ڤرجينيا وولف المركب والوامض وهومايسمى بتيار الوعي،استطاعت رغم كل تعقيد الأسلوب ان توضح لنا ومضات السيدة دلاوي،،لقد سقت هذه الأمثلة واعتبرت ان ذكرى لعيبي في عملها الإشكالي خطى في الضباب هو اول عمل حقيقي يتناول آلية تفكير المرأة العراقية التي عانت الامرين خلال الحيّز الزمني المأزوم،،حيّز الحروب وإسقاطاته على المرأة العراقية مع اني كنت اتمنى عليها ان تتخطى حذرها وتوغل في سعيها لكشف معاناة المرأة العراقية إبان هذا القطع الزمني اللعين، فالعاطفة التي تمتاز بها المرأة عن الرجل،،عندما تتشابك مع الأبعاد الاجتماعية والدينية والسياسية،،وما تمثله من سرديات تخطاها الزمن،اقول هذه العاطفة في تشابكها ستفضي الى ضياع المجتمع، وبنفس الوقت هو هدر لكرامة وحقوق المرأة،،هذا الامر سيظل يلاحقها حتى في الغربة والتي تضيف قيد آخر،،ربما يقضي على ما تبقى من إنسانيتها،،

في الجانب الفني، اشتغلت ذكرى لعيبي بأسلوب رواية الأصوات المتعددة وهو اُسلوب يدل على احترافية متقدمة،،لكن الرواية كانت بحاجة الى صوت ثالث عدا صوت أميرة وصوت شامة، ومع تداخل الصوتين في بعض الأحيان، الا انها فصلت بينهما بالإيغال في تفاصيل حياة كل منهما، انا كقارئ كنت بحاجة الى قسم اخر يتمم الحكاية، ليس بالضرورة نهاية مصير كل من البطلات سواء أميرة او شامة او حتى فاطمة واليازية، لقد اوحت لنا ذكرى لعيبي بفصل مخفي وهو فصل الضباب، لابأس بذلك لكن النهايات المفتوحة يجب ان يساهم القارئ في نهايتها وحتى يفعل ذلك لابد من نقطة ينطلق منها، ربما نحن نسميها نقطة ديكارت، طيب سأتكلم. أخيرًا عن خطورة المحمول الأهم في خطاب (خطى في الضباب)، يذهب رولان بارت في كتابه المهم (درجة الصفر في الكتابة) ؛ " أن الشكل ليس حلية ولا مجموعة قواعد، بل تشخيصًا لأحاسيس ملتصقة بتجاويف الذات وبأعماق الموضوع وعلى الكاتب أن يواجه العالم والاشياء وأن يختار عزلته أو حضوره مع الآخرين "اذ تخطينا وفق هذه المقولة الجانب الفني في خطاب ذكرى لعيبي ماذا سنواجه ؟ هل اختارت العزلة ام الحضور ؟ الحقيقة هي اختارت موقف موارب بين العزلة والحضور، وارجو الانتباه لما سيأتي لنقدر خطورة المحمول الذي أشرنا اليه، اذا استطعنا تشخيص منظومة الشخصيات في النص سنكتشف نسقين الاول متمثل بالرجال (احمد،سامي، مؤيد،حاج جاسم،ابو خالد، الزوج الثاني) اما النسق الثاني متمثل بالنساء (أميرة،شامة،فاطمة، اليازية، المرأة العجوز)، هذين النسقين رغم انتمائهم الى منظومة واحدة الا انهما متناقضين، وفي اماكن تعالقهما يحدثان الضرر أشبه بالتيار السالب والموجب للكهرباء عند تماسهما، النسق الاول متعدٍ على الثاني ومنتهك لحقوقه وفق ما جاء في الخطاب مهما تفاوتت درجات التعالق او الشخصيات في تقاطعها، ما اريد ان أوضحه وقد اشرت اليه سابقًا في مقالات عدة ومواضع مختلفة، ان المرأة العراقية هي بنية تاريخية مصمتة تبلورت بحكم شبكة السرديات الكبرى والصغرى منها الدينية والعشائرية والاجتماعية والسياسية، انعكست عليها ظلال كل هذه المحددات بالاضافة الى سلسلة الحروب التي زادت من صلادة هذه البنية، فالمرأة العراقية بحكم غياب الرجل عن البيت بحكم الحرب،،تحولت المرأة مهما كان تموقعها الى الصف الأمامي في مواجهة متطلبات الحياة، لذلك كان عليها ان تمارس واجبات الرجل والمرأة في آن واحد، وكل هذا على حساب أنوثتها،،او بمعنى ادق وظيفتها البايلوجية اذًا هناك هدر كبير لتاريخ المشاعر، هناك وجه آخر لهذا الامر، الرجل العراقي ينظر الى ممارسة المرأة في افق متحرر لعواطفها او مشاعرها مهما كان تمثلها، خارج نطاق المنظومة (الدينية - الاجتماعية) على انها خروج سافر على المقدس وبالتالي يمارس رد فعل جائر يتفاوت بين الهجر صعودًا ربما حتى القتل حسب التموقع الثقافي والمعطيات الظرفية، في حين ان المرأة نظرتها تختلف بالكلية عن هذا الامر، اذ انها تمارس وظيفتها الام لا اكثر ولا اقل وقد اختزلت ذكرى لعيبي هذه القضية بجملة في غاية الحكمة والبلاغة وبصراحة انا شخصيًا احتجت الى سنين طويلة وقرائات متراكمة حتى توصلت الى هذه النتيجة بينما أوردتها ذكرى لعيبي بكل سلاسة وبصياغة ادبية رائعة اذ اختزلت بها طبيعة وظيفة المرأة وما يتراتب عليها من وعي لنرى ما ذكرته في ص٧١ " إن بهجة أرضاء غريزة لدى المرأة توازي بهجة ولادة طفل جديد في عالم اشرف على الهدم "

في الختام أقول ان (خطى في الضباب) نص بمحمولات خطيرة .

 

جمال قيسي / بغداد

 

حيدر عبدالرضامقاربة مبحثية مع فصول رواية (حديقة حياة)

البنية الدالة بين وعي الواقع وواقع الممكن

الفصل الرابع ـ المبحث (2)

توطئة: تتماثل وتتشكل في سياق الفصول الأولى من رواية (حديقة حياة) ذلك الزخم الترتيبي الزمني في لحظة بلوغ الشخصية الروائية أقصى شهودية تفارقها مع الزمن التناسبي المخصوص في مشخصات حالاتها الانفرادية المعنونة في واصلات صيغة (الاسترجاع = المسرود الذاتي) والقارىء إلى مستوى تقانة الاسترجاع الديالوجي والمونولوجي على لسان حال الشخصية ميساء، وقد نعاين أن مهام السرد في النص، غدا مسرودا مركزيا ذاتيا يحدد انتقالات الأحداث الروائية من عين حاضرها وماضيها، بدءا من مناجاة الشخصية ميساء إلى غيابات الحبيب زياد، وكيفية هي اللحظة الكاشفة عن جل خلجات مرورات الشخصية ميساء في استعادة الأحداث ضمن فواصل مرحلية خاصة من زمن ظرفية الواقع الشخوصي لها في النص .

ـ زمن حكاية الرواية وأوليات مؤطرات النص الروائي .

تتعامل الكاتبة لطفية الدليمي في الفصل الثالث الموسوم ب(من أوراق ميساء) مع الواقعة الشخصانية المتمثلة بشخصية ميساء، ضمن وحدة تصدير استهلالية من شأنها الحكي عن ارتباطات ومواقف عاطفية تخص بها حالات الشخصية ميساء، وعندما نتعامل مع تلك الافراغات الناتجة من قبل الشخصية على حال عين شهودها، نجدها عبارة عن نزعة عاطفية خاصة بهموم المرأة والفتاة التي تسعى إلى التمسك بأدنى رأس خيط من خيوط الأمل والحلم في الحياة العاطفية، وبالتالي فأن الكاتبة الدليمي كما هي عادتها في حال رواياتها السابقة، تجعل من شخوصها النسوية ذات أحلام متلاشية وزائلة، قياسا بأرجاعات وااقعها المغمور بالعزلة والحروب والأسئلة المصيرية الغارقة وسط الجدران .

1 ـ راهنية الزمن المفترض وسياق متخيل الفاعل السردي:

يتبين لنا من خلال فقرات ووحدات (من أوراق ميساء) ذلك الرصد العاطفي والوجداني المركب من صراعات الأنثى إزاء عقبات (الزمن = المكان = الذاكرة) ومن الملفت إلى النظر أن واقع الشخصية هنا، قد حل حلولا لا تقوى على نقله مفردات (العرض / السرد) لأن طبيعة اللغة في المنطوق جاءتنا وكأنها مناجاة مونولوجية مستفادة من منظور الرؤية الشخصانية من الداخل حصرا: (لا أسأل لماذا ؟.. وهل يعرف المرء لماذا وجدت الحياة والموت ؟.. أندفع للركض في دائرة مكتملة.. تنبهر أنفاسي، أواصل الركض، تعيدني الدائرة إلى النقطة ذاتها / أحاول الأفلات، لا أجد منفذا.. أعاود الركض في الدائرة الموصلة فلا أجد أحدا كل شيء موحد.. جنون.. هذا هو الجنون.. أخاطر بكل شيء.. ولكن بماذا يخاطر أذا كان لا يملك شيئا . / ص48 الرواية) تسجل هذه الوحدات من النص، فاعلية أداتية تقترب من موضعية قيمة الفقدان العاطفي والفراغ منه، إلتماسا منه إلى محاولة تصعيد الملفوظ الموقفي إلى درجة تحقيق القصد الأقناعي من معرفة حالات الفعل السردي المنقطع .

2 ـ الصعيد الشخوصي وتماثلات الملائمة السردية:

يمكن للحكي في أفعال الشخصية أن تكتسب محورية الفاعل المعروف كمرسلا ضمن محمولات خطاب السارد المحفوفة بكفاءة المسرود الشخصي المتصور، وهذا الأمر ما جعل موجهات السارد ـ انعكاسا داخل صوت الشخصية ـ الممارسة لتتابعية زمن الحكي (لا أملك غير قصة الحب المترنحة على حافة الهاوية.. حبي لزياد.. بالأحرى حبي أنا وليس حب أي واحد.. حبي وحدي.. عامان.. نعم منذ عامين تخرجت في قسم الآثار.. لم أكتشف غير البلايا لم أنقب في الحياة إلا على  المزيد من الميتات، كل خطوة أتعثر بضريح.. مرة واحدة شاركت في عمليات التنقيب مع أساتذتي.. أطروحة التخرج كانت تقوم على تجربة العمل في موقع ـ أورـ هناك وجدتني أعبث بالزمن . / ص48 الرواية) وعلى هذا النحو يتدرج مفهوم الزمن عبر وحدات المسرود، وفي حدود من الأطارية المحملة بخفايا تصورات التأريخ، امتدادا نحو صفات وسلوك الشخصية، وهذه العلاقة المطروحة ما بين (قصة حب = زياد = الميتات) هي الصورة المستعادة من قلب واقع الشخصية فاعلا منفذا، يقوم بمتابعة تقابل الحالة الأدائية في الموضوعة الظرفية له، تقابلا معادلا مع وقائع عوالم التنقيب في الآثار الميتة وكينونتها المتفحصة في مصنفات (إداء الفاعل) ذاته ولذاته، دون حدوث إي معطى كموضوعة واصلة في الدلالة الروائية . يأخذ المحكي المسرود في الرواية بعين الاعتبار، لذلك المنحى المستلب من ذاتية الشخصية، وعلى الصعيد السردي يشكل ـ فاعل الحالة ـ مضادا لعلاقته بقيمة الزمن الراكد والمنسي من حكاية حب الشخصية، وهذا الحد من الضدية للشخصية نحو زمن الأفعال المستعادة، ماراح يشكل بذاته العلامة الفارقة على كابوسية الزمن الشخوصي بعين الاندماج مع حساباته المعنوية , فالشخصية ميساء تنظر إلى الزمن وشخوصه (زياد = الأب المفقود = الأم الصامدة = مناقب الآثار) على أنها معطيات تفعيلية ومتلقية لوقائع زمنها بالنسبة لكونها هي المرسلة والمتمعنة إلى أفعال هذه المرسلات الفعلية . لذا نجدها تتلمس في ذاتها الفعل المتقبل والخاضع إلى هيئات ذلك الزمن الراكد في جداول (الذاكرة / الحرب / الحديقة / الكوابيس) بينما تجاهد الأم ـ  حياة ـ ذات الواقع المرير، ولكنها بدت عليها سمات التشجع والتجبر إزاءه عنوة ، من غير أن تظهر لأبنتها مدى ما خلفه الفقدان والحرمان في ذاتها: (أستخرج دهرا.. قطعة فخار صغيرة.. واتفرج على دهرا آخر.. شظية آجر من سلالة حاكمة أرسلت السلام فكتب بناؤوها قصائد حب على الآجر والعمدة . السلام والحب توأمان.. كيف أقع في الحب ونحن نكابد الحرب في البر والجو.. بيدي الشظية الناطقة بحب سومري لم يندثر . / ص49 الرواية) أن أرسالية المكون السردي الناتجة على لسان حال مواقف وعاطفة الشخصية ميساء، بمثابة تفعيل الخلاصة من فاعلية المؤول من موقعها الشخصاني، فالشخصية تنتشل لذاتها وضعية الفاعل المنفذ ـ استقداما معادلا نحو حالة من المقاربة بين حقيقة مرحلة زمنية معتقة، ولكنها أثبتت خلاصة سلامها وحبها على آجر معمارية تراثها، مما راح يعكس حيثيات المفارقة في حدود زمن الشخصية المستحدث والمحفوف بروائح ركود الزمن وجفاف المعطى الحياتي . ومن خلال وعي الشخصية نتعرف على تفاصيل حياة والدتها ـ حياة ـ وهي تكابد أشق مراحل الواقع الحرماني في تمفصلات الحياة: (أمي ترفض أن يشفق علينا أحد.. لا تقبل أي عون من أي قريب أو كائن.. تتقبل حسب عون الطبيعة.. حذو الشجرة.. هبة العشق.. عطايا الزهرة.. خبرة أمي في مقاومة الجوع مهدت لنا سبل البقاء.. البقاء دونما يأس.. لا نحاول أن نستكين لخراب العالم بل نتعلم من كل شيء يذوي وكل أمر يلم بنا وبالآخرين كيف نخطو في لحظتنا التالية . / ص49 الرواية) .

ـ المعادل المكاني وسيكلوجية الاداء الشخوصي .

لقد أصبحت دلالات الرواية في مسار المد الأحوالي المتكون من (ميساء = الأم حياة = المنظور السردي) كمنظورات تستكمل حكمتها من الأعشاب والأزهار وروائح تربة أرض الحديقة . هذه المستويات تنقسم إلى ثنائية خاصة من (المنظور الموضوعي = المنظور الذاتي) ففي المنظور الأول تقدم لنا الأحداث الشخوصية بطريقة موضوعية، لولا أنها تقترب من لغة القصيدة منها إلى الرواية، غير أن المنظور الآخر يبرر لنا تكاثر المنقول من وجهة نظر الذوات الشخصانية، بواسطة السارد المتمظهر على لسان أحدى الشخوص في الرواية . ومن خلال ما يتبين لنا من علاقات المحورين (ميساء + حياة) فضلا عن المستوى الزمكاني واتجاه الموضوعة الروائية المتقدمة نحو ملامسة إدانة انسحاق المرأة وأبنتها في ظل ظروف قاهرة من الفقدان للحبيب والزوج في ظروف مختلفة، كما تطلعنا فصول (من أوراق ميساء) على الجوانب الأكثر تبئيرا من وجهة نظر الشخصية وعلاقاتها مع أمها ـ حياة ـ وصيغة حبها المتورط بالشخصية زياد . وهذا الأمر ما يدفعنا إلى معايشة مماثلة في أحوال الأم حياة، حيث تجربة المعادل والتعويض لا مع حياة نباتات حديقتها . فالشخصية حياة في حدود هذه الوحدات الأولى من فصول الرواية، تتبين لقارئها ذا وظيفة مزدوجة بين سلطتي (الرهان = الإحباط = الزمن) كما أن التصوير السردي لدورها في النص، لا يزل مشحونا بصبغة مقاومة الأم لأشد أعباء وأهوال مرحلة ما بعد غياب الزوج . إذ تمنحنا مقتطفات تفاعلات السارد المشارك على لسان الشخصية ميساء، جملة مرتكزات استعادية ناتجة من مجمل تخيلات الشخصية ميساء في مواقفها الحاكية لأهم تمفصلات أحداث حياة والدتها مع والدها في مرحلة ما قبل الفقدان له في الحرب (أمي تبتسم.. لعلها ترانا في الأمس قبل غياب أبي.. لعلها ترانا في الأمس قبل غياب أبي.. أو ترانا في الغد بعد عودته ألينا.. تقول لي: ـ أنظري إليه.. لقد أغفى وكتاب الطبري بين يديه.. أخفضي صوت المسجل.. أسدلي الستائر.. دعيه ينام.. تذهب إليه وتدثره بغطاء وتطفىء مصباح الغرفة.. تأخذ الكتاب وتضعه على النضد . / ص52 الرواية) لعل من أكثر علامات تغلغل مأزق الحلم بالواقع الحلمي المتخيل ما شهدته أحداث عوالم روايات (لطفية الدليمي) بدءا ب(سيدات زحل) ورواية (عالم النساء الوحيدات) ورواية (حديقة حياة) موضع مباحث دراسة كتابنا الآن . فكل شخصية نسائية في روايات الدليمي، تشكل حالة مفصلية من حالات مؤرقة من عذاب الحرمان الأنثوي إلى جانب مواجهات غيابات (الذات / الحلم / المصير / سوء الطالع) بحثا دؤوبا منهن نحو ذلك الموضع المناسب من يوتوبيا المرأة الجامحة في أحلامها وصفاتها وأفعالها ومقاومتها لنوازع ظرفيا الواقع الخارجي السياسي والمجتمعي والداخلي المترتب على الجوانب النفسية والعاطفية والقدرية، لذا وجدنا في مركب استطرادات أحوال الشخصية ميساء، ما تخبرنا به الرواية عن حالها المأزوم بكيفيات العطش العاطفي ومصارعة أوجاع الظرف الأقتصادي الحرج والضغط السياسي الخارجي للبلاد، كما تعرفنا تداعيات فضاءات الشخصية ميساء عن تفاصيل حياة الأم ـ حياة ـ والتي تحيا داخل أوهام تخيلاتها المتصادقة حول مواجيد حياة وهمية للأب في تفاصيل يومها الذي هو ككل الأوهام العجاف المصاحبة لها في زمن لياليها القمرية الباردة حيث الحرب والذاكرة والوسادة الفارغة من شبح الزوج: (هل أرى ذلك أم أتخيله ضمن كوابيس ؟.. أقف أمام النافذة.. الحديقة تتضاءل.. تختفي أشجارها ويجف عشبها.. تتهاوى الشجيرات والمتسلقات.. أراها وهي المترملة التي لم تترمل إذ لا تقر بإكتمال غياب المفقود ـ أنا لست أرملة ولن أرتدي ثياب الحداد ـ أرى لوحا من ألواح الأمس.. في لوح الأقدار مكتوب: غربت حضارات الحب.. وأشرقت فينا الحروب.. وأمي تستدرج حمامة نوح في أمسية المطر.. تقول أمي: ـ هذا طوفان قتل واليمام يعود مضرجا بالدم / زياد يغرب في المغرب.. ويشرق مع دموع أمي / تلفعت بشال صوفي سميك واقفة أمام النافذة وقد انهمر عليها فيض أبيض من نور القمر فقسم الغرفة إلى نصفين.. نصف رمادي بارد يغمر أمي.. ونصف أسود يخفي أحزاننا وأشباح الغائبين . / ص52 الرواية) .

1ـ البنية الزمكانية بين المجسد حلما والمتضاعف ملفوظات:

إذا ما تفحصنا مجال البنيات الزمكانية المؤطرة بإملاءات فضاء رؤية ورؤيا الشخصية ميساء، لوجدناها واصلات ذهنية ودلالية، أخذت تستشف من سياق الاستعادة الذاكراتية والاسترجاعية الداخلية، مستويات موازية إلى روح فضاء الاستعارة المعادلة في لغة مجرى الواقعة السردية . إذ أننا نواجه فضاءات من جهة خاصة بالشخصية تستعيد بها الأحداث ملفوظية استدعائية، بلا فواعل حدوثية موقفية متباينة، من شأنها الدخول في مساحة موظفة من الفعل السردي الدال والمجسد، فضلا عن بقاء شخصية الأم ـ حياة ـ كهالة معادلة عن دلالات إدائية ملمحة إلى أقصى درجات مرموز الفقدان وخلفية وجودية العدم . ولو دققنا من جهة أخرى في مقدمات فصل (من أوراق ميساء) لوجدنا أنها عبارة عن مذكرات أو مجموعة حالات حوارية متعددة بوظيفة المونولوج المتمظهر بأيقونة الحلم والرؤيا للواقع بطريقة الاسترجاع في زمن هو خارج إطار حكاية النص الروائي تحديدا . لذا فأننا لا نعثر في هذه المقدمات الروائية، سوى لوجود بنائية المخيلة الواصفة ملفوظا نحو أفعال إيهامية شعرية من شأنها نقل مهام الحكي المسرود تداعيا على حال لسان الشخصية ميساء أو الشخصية الأم كما قلنا مرارا (حياة)، فيما تلعب القابلية لأداة السارد شرطا انتقاليا ما بين كلا المحورين (حياة = ميساء) وفي ضوء هذا التصور يغدو مسار السارد تشاركا في عملية تناوب مضافة إلى مهام الفاعل المسرود ما بين (حياة ـــــــ ميساء / مستوى الحكاية ــــــــــــ تشاكل الخطاب / الأدوار: ميساء + حياة = فاعلان منفذان / جهة الموضوعة: غياب الزوج ـــــــــــ زياد / نتائج المكون السردي: كفاءة الغياب ـــــــــــ معادل تفعيل موضوعة / ملفوظ حالة: إيهام ذاتي ــــــــــ واصلة حلمية / المرسل: أنا الفاعل الموجب ــــــــــــ موقع السارد / تناوب الضمير الفاعل ـــــــــــــ السارد المرسل كعلاقة شخوصية مشتركة في موجهات الفاعل المنفذ) حاولنا من خلال هذه الترسيمة العاملية من لدنا وليس من المنهج النقدي، إيضاح شكل وموضوعة وعلاقة الأدوار الوظيفية والبنائية والتشكيلية في محتوى أسلوب أفعال السرد الشخوصي في ظل مصاحبات نوعية خاصة من مؤشرات الأرسالية العامة والخاصة من أواصر وظيفة المؤلف الضمني ومن خلفه السارد المناوب في تمظهرات الأصوات الشخوصية، فيما تبقى أحوالية المؤلف الحقيقة في علاقات النص كحركية تكوينية مفترضة وحقيقة من خلال مصادر ومراجع الإحالات التأليفية الخاصة .

ـ الأنا الشخوصية كعلامة سيميائية جامعة في المتخيل والنسق المرجعي.

و على نحو أكثر إيغالا في معادلات مسار السرد في وظيفة الشخصية الساردة، توافينا حكاية المرجعية المؤسطرة من دلالات حزن النساء وهموم شعرية الغم والهم النسوي إجمالا، ذلك بدءا من المرأة النواتية الأولى مرورا بالسومرية وحتى شخوص الرواية وكاتبتها، دون إغفال هاجس قصدية الحكي على لسان الشخصية الساردة ميساء، والتي تشكل بدورها الصيغة الأكثر بعدا في تداعيات العلامة المحكية عن مراحل أحزان النساء في الرواية وفي التأريخ النسوي ـ قديما وحديثا ـ وصولا إلى مرجعية النواة الفاعلة في حوارية الأنا الجماعية المرمزة في ضمير أحوال الشخصية الأم حياة: (لا أملك مكيالا لقياس الطوفانات ولكني أتيقن وهي مستغرقة في البكاء أنها تدفع ضريبة الدموع عن نساء البلاد جميعهن من أول الخليقة حتى آخر الحروب وظهور النجم المذنب لقيامة العالم / تبكي أمي ليعود أبي.. وتبكي ليوقظ دمعها سبات الأرض ويبزغ الخصب في تراب حديقتها.. تبكي.. تيامات التي هي أمنا وأمي جميعا . / ص53 الرواية) أن العملية الاستقرائية الدالة لمؤشر دلالات الشخوص الروائية، تدفعنا إلى مقاربة الانبعاث المرجعي في صورة معادلات كونية من الصراع والحلم وقصص الطوفان القرآنية والميثولوجية . فالشخصية الساردة ميساء، بحكم كونها باحثة في علم الآثار السومرية نجدها محملة بحكاية تثاقفات (الميلاد.. الموت.. الجدب.. الخصب.. الحياة.. الموت.. آلهة الحب الوثنية.. آلهة الحرب الوثنية الضالة) وهذا الأمر ما جعل منها جسرا تنافذيا واصلا ما بين الحس المرجعي ومعطى الحاضر الشخوصي في شتى ملامحه الموغلة في القسوة والحرمان العاطفي من الأب والحبيب، إلى جانب فناء الروح والجسد في صومعة أحلام العاشقة المحبطة في مسراتها المتوفاة بين يدي المصير القدري والاحتفاء بموتها المعنوي انتظارا للمحبوب غيابا وحضورا: (في لعبة الحب يبصر الحد الفاصل أو الضفة الأخرى.. خمس سنوات بمقياس الروزنامات المعتمدة في تقاويم البشر.. خمس سنوات بمقياس انحدارات القلب.. خمس ميتات بمقياس السقطات التي مني بها زياد خلال سنوات غربته وما بيننا من الرسائل وجدل اللغة وربما الصمم الذي نتفادى به القطيعة النهائية الآن ننتظر حدوث أمرا ما.. كل الأشياء تتحفز لمواجهة الكارثة التالية / الأشجار التي ستنال نصيبها من النار والشظايا.. الكتب التي سيغرقها الطوفان . / ص55 . ص56 الرواية) .

ـ تعليق القراءة:

في الحقيقة حاولنا في معرض وقائع مقاربة مبحثنا الثاني التابع للفصل الرابع من دراسة كتابنا، هذا القول منا: كان سعينا في تحليل دقائق سياق المسافات الموضوعية والذاتية للشخوص الروائية والدلالات الروائية ضمن خصوصية (الإداء / التماثل / التشكيل / فضاء الاسترجاع / العرض الذاتي للمسرود الشخصاني / مرجعية النص) وصولا إلى معاينة العلاقات الدلالية العضوية اتجاه معادلات مجردة ومزاحة في لغتها الشعرية والتوظيفية، فيما تبقى إجرائية المعاينة لدينا في حدود زاوية خاصة من مؤولات الدارس وحده بمعزل عن معيارية المناهج الجامعية.. أحببت أن أقول أننا لا نتعامل مع سياق المصادر والمراجع في آلية بحثنا، لأننا لدينا في الكتابة منهجية خاصة لا تتوخى سوى مادة الرواية وذائقة وثقافة ومخيلة الدارس نفسه من جملة تحاليل وانطباعات وتقويمات انتخبتها الذائقة النقدية الخاصة للناقد في معاينة الوحدات السردية للرواية بمنظور دلالات القيمة الفنية والجمالية والأسلوبية في صوت الشخصية الروائية المتماهية في موصولات وتداعيات تفاصيل حياتها الحلمية والواقعية المفترضة بدليل المعادل النصي والموضوعي . إلى جانب مباحث دراستنا الفرعية القصيرة أي في صدد هذا المبحث المركزي المتمثل بعنوان (البنية الدالة بين الوعي الواقع وواقع الممكن) فهو من المحكومية في شطره الأول ببنية المدلول التصوري للشخصية الروائية تحديدا، فلكل شخصية في النص سواء كانت (ميساء = حياة) فلها ملكيتها الخاصة من درجات البنية الذهنية المتخيلة والدالة في حدود رقعة موضوعة واقعها الفني والتخييلي في النص . أما بصدد أفق الواقع الممكن في النص، فيتمثل هو الآخر في هيئة علامة الرسم الشخوصي الدال خارج حدود متناول جهة قدراتنا الإحاطية كقراء بذلك الطموح الشخوصي المتجاوز كشرطية واقعة في حدود تعيينها في مركب خطاطة النص اللامقدرة نقديا من قبل قابلية التلقي ووعي القراءة المستأثرة في المعاينة النقدية كممارسة بحثوية ضمن حلقات خاضعة في مقاييسها لأحكام تطور النص .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

 

جبار ماجد البهادليقِراءَةٌ نَقديَّةٌ في الأَنسَاقِ الثَّقافيَّةِ لِقصيدةِ  (مِحنَةُ أَنكِيدُو)، لِلشاعرِ يَحيَى السَّماويِّ.

تحت تأثير سطوة الأسطرة المثيولوجية لـ (ملحمة كلكامش) السومريَّة، وسحر مقاربة جاذبيتها التاريخية والنفسية في أدب أوروك الرافديني العراقي الحضاري القديم، كتب الشَّاعر يحيى السَّماوي قصيدته الواقعية الملحمية  (محنة أنكيدو) التي وجد فيها حلَّاً سحريَّاً ناجزاً لآيديولوجيته الفكرية الثقافية  (الذاتية والسياسية والاجتماعية) الَّتي يدافع عنها عقيدةً مبدئيةً، ويؤمن بها في فلسفة الحياة طقوساً وممارسةً إبداعيةً لها وقعها التاريخي الجمالي الحضوري اللافت في الواقعة الشعريَّة.

فإذا كانت ملحمة كلكامش قد مزجت في أدبها السردي التاريخي الأوروكي بين (الحقيقي والأسطوري)، فإنَّ قصيدة السَّماوي  (محنة أنكيدو)) ذات النفس الملحمي، والوقع الأسطوري قد مزجت في تجلِّياتها الوثوقية بين  (الواقعي المتجلَّي)، و(المخيالي الخفي) المضمر في وقائع مشاهد سرديتها الأدبية التعبيرية. وإذا كان كلكامش هو نفسه البطل الأسطوري الرمزي الخارق المُتغطرِس بجبروته في أدبيات الملحمة، فإنَّ أنكيدو (السَّماوي) الإنسان البريِّ المتوحش، والمُتَأنسِن بفعل غواية (شامات) وإغرائها الآيروسي الشبقي الجنسي، هو البطل الحقيقي الفاعل بأدائه وفعله الأسطوري الملحمي في قصيدة السَّماوي (محنة أنكيدو)، وليس كلكامش الرمز الأكدي المارق بغطرسته واستحيائه لمناطق العفَّة والعذرية والشرف والجمال.

فالملحمة الكلكامشية كانت واقعيتها المشهدية الحقيقية تستند إلى الحكمة (السيدورية)، والأخذ برأيها السديد الصائب، أمَّا مخيالها الماورائي، فهو متسربل بوشي غطاء الرمزية في البحث عن الخلود لحياة أخرى ذات مرامٍ وقصديات بعيدة. في حين تَشي (محنة أنكيدو)) اليحياويَّة السَّماويَّة بأنَّها تقوم في معمارية هندسة بنائها اللُّغوي التركيبي الحقيقي والمجازي المخيالي على ناصية نسقين ثقافيين مختلفين في إنتاجهما الخفي والمتجلِّي، ومتَّحدين في وحدة الموضوع؛ كون محنة أنكيدو العصرية الراهنة تعدُّ في تجليات أقانيمها الداخلية القريبة والبعيدة قَصيدةَ أنساقٍ  ثقافيةٍ إنتاجيةٍ بحتةٍ. وعلى وفق تلك المدخلات الثيمية، والمخرجات التأثيرية، فإنَّ النسق الأوَّل الظاهر منها والمهيمن على تخوم فضاء القصيدة وأجوائها الحَدَثِيَّةِ، هو النسق الآيديولوجي الثوري الذي يتماهى فيه السَّماوي_وطنيَّاً وثوريَّاً_ بتقريب الواقع العياني الراهن وإسقاطه على أدبيات أسطرة التاريخ الأوروكي السومري، وليس العكس من ذلك بإسقاط واقعية التاريخ الملحمي للأسطورة على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي للوطن الكبير (العراق) الذي يجد فيه الشاعر في مقاربته النسقية مِساحةً من السعة الشعرية الكبيرة، ومهمازاً فنيَّاً لحريَّة التعبير الآيديولجي عن أنساقه الفكرية، وهمومه وآماله وتطلعاته وطموحاته الثورية المنحازة لهموم الوطن السليب، والمعارضة لنظام الحكم الدكتاتوري الفاسد، سواء أكان السابق أم اللاحق، وما يندرج تحت مظلته من تحدياتٍ كبيرةٍ،وإسقاطاتٍ متواليةٍ راهنةٍ،لها أثرها الكبير في رسم الحياة السياسية للبلد وإرجاعه إلى الخلف.

أمَّا النسق الآنتاجي الثقافي الثاني، فهو النسق (الذاتي العاطفي)، أي الهمّ الذاتي الكبير والوجع  (الأنوي) مع الآخر، وما له علاقة بالجمال الروحي، وصيرورة التغنِّي بالجمال الحسِّي الأنثوي للمرأة المعشوقة أو العاشقة، وما يقع تحت ظلال الرومانسية الحالمة بوطن آمن وعشق قائم يحتاجه الفكر غذاءً روحياً للعقل المعرفي، وترويحاً نفسياً لعلائق شغاف القلب. والعلامات الفارقة المضيئة لمهيمنات هذين النسقين المتشابكين عند يحيى السَّماوي  (نافذة العشق الروحيَّة المضيئة)، تُشير إلى أنَّ موضوعات النسق العاطفي الذاتي لا تقلُّ أهميةً وجدوىً في شعرية الخفاء والتجلِّي عن موضوعات النسق الرمزي الأسطوري؛ وذلك لكون النسقين (الأسطوري الرمزي)،  (والذاتي العاطفي) يشكلان جدلياً وجمالياً وحدتي التقارب والتلاقي، والتعانق والتماهي في رفد المشروع الفكري الإنتاجي الثقافي وتعضيده بديلاً شعرياً مناسباً لكسر وخلخلة الأنساق الشعرية المستهلكة التالفة المعطوبة في منظومة الشعر العربي المعاصر التي استحال أكثرها لا رَصينُها الإبداعي إلى هذيانٍ لغويٍّ وإسهالٍ لفظيٍ ممجوجٍ تحت مظلة النثر المبهم، والمستغلق من الشعر العربي الحديث، والذي لا يمتُّ لحداثة لشعر بصلة.

إنَّ لجوء السَّماوي إلى تقنية التوظيف الشعري الأسطوي بِنَسَقَيْهِ الآيديولوجي والذاتي، والاستفادة من الدلالات المعنوية والتاريخية الكبيرة للرموز والشخصيات الأسطورية في النصِّ الملحمي يعدُّ فتحاً معجمياً كبيراً مدهشاً، له مسوغاته الفنيَّة والجمالية المؤثِّرة، وله أيضاً مراميه البعيدة، وأهدافه ومقاصده الإبداعية الباسلة التي يقتفي أثرها الشاعر المجدُّ في حفرياته التاريخية وتنقيباته التراثية على المستوى الوطني الموضوعي العام والذاتي الروحي الخاص . فعراق اليوم بمجمل صور وجعه المدمي ومآسيه وجراحاته الكبيرة، ونهب خيراته وثرواته الوطنية الكبيرة، واهتزاز سيادته، وتصدُّع لحمته الكليَّة وسداه، وفقدانه لهيبة اسميته الدولية، هي بحدِّ ذاتها تشِّكل وحدةً موضوعيةً أسطوريةً سرديةً مُذهلةً، وتعدُّ هاجساً موضوعياً وفكرياً رمزياً معقَّداً في تركيبه اللامؤسساتي، والَّذي لا يمكن أن يستوعبه أو يتخيله فكر العقل الإنساني، أو يتقبَّله المنطق الواقعي الذي يُنبِىء بأنَّ حاكمية السلطة وراعية شؤون رعيتها العليا تُفضي بالبلد وشعبه الآمن من سيء الحال إلى حالٍ أسوأ، وتمضي بخارطته الدولية إلى عالم المجهول، عالم المستقبل اللامتناهي.

فعلى صعيد الخطاب الشعري، فقد كتب السَّماوي عنواناً أسطورياً دالاً على نسقية نفسه، موازياً لتجلِّيات متن النصِّ االشعري اتّخذه قناعاً رمزياً تخفَّى به نسقياً تحت دلالة الرمز الأسطوري المنقذ من الظلال (أنكيدو). وإنَّ لمثل هذا القناع الماسك الشخصي أثراً كبيراً منح بناء القصيدة ومنحها جوَّاً أسطورياً عابقاً بالتوهج الفكري المقارب لحيثيات الواقع؛ كونه يحمل رسالة آيديولوجيةً عقائديةً واضحةً المعالم في ولاء الشاعر وانتمائه السياسي الممتد عبر جراح الوطن الكبير، والذي رمز إليه بـ (أوروك)، أوروك التاريخ والوطن والعراقي الكبير، أوروك ملاذ حبِّه الذاتي وعشقه الروحي. فتراه متسللاً بحذر شديد عبر نوافذ ماضيه، باحثاً عن إشراقة شمس تضيء حاضره النازف الطافي وتستشرف غده الراكد المعطوب، وتستنقذ أنين وجعه الراهن المغيَّب الذي يُجيلُ النظرَ بحثاً عن أثر له في أوروك، فلم يجده، فلا أوروك هي أوروك، ولا هو الوطن:

جَالَ فِي أرجاءِ أُورُوكَ

طَوِيلَاً

بَاحِثَاً عَنْ أَمْسِهِ المُشْمِسِ

فِي أَحْيَاءِ عَدْنَانَ

وَطَيٍّ وَمَضَرْوبعد سبع سنواتٍ مملوءات لا عجاف من العشق الرُّوحي الأثير، كَمِثلِ سنينِ يوسفَ في رؤيا سنابله الحبلى المملوءة، تنعَّمَ بها الشاعر في ظلال جنائن مملكته العشقية الطاهرة العذراء النقية الفاضلة، حيث عقد يحيى السَّماوي العزم، فكان  (أنكيدو العشق السومري) الذي شدَّ الرحيل إلى أبواب مملكة أوروك قاصداً الحياة متوخياً البحث عن حقيقة وجوده الكوني الحياتي، فلا مناص من الحقيقة المرَّة  (أكونُ أو لا أكونُ). فكان أنكيدو محارباً حاسراً لا درع ولا خوذة على رأسه، ولا بحثاً في رحلته الأسطورية عن شبقه الفحولي الذكوري الذي حدث بتأثيرٍ من غواية شامات فتاة الهوى، بل عن أنسنة وحشيته البرية التي باركتها وعمدتها تعاليم (إينانا) إلهة الحبِّ والخصب والجمال، وعضَّدتها حكمة  (سيدوري) صاحبة الحانة بالقول النافع والرأي السديد. فلولا (شامات)، وخصيب أمطار (إينانا)، وحكمة (سيدوري)، لِمَا كان أنكيدو الحياة صنواً ندياً مناظراً لغرور كلكامش وغطرسته الظلمية،ولبقيَ وحشاً بريَّاً هائماً سائماً لا يعرف معنىً للعشق والحياة في معراج رحلته الوجودية:

شَدَّ أَنْكِيدُو إِلَى أُورُوكَ عَزْمَاً ..

حَاسِرَاً عَنْ شَبَقِ الفَحْلِ لِـ"شَامَاتَ"

وَعَنْ زَخَّةِ لَثْمٍ مِنْ إِلَهِ العِشْقِ

والأَمْطَارِ "إِيْنَانَا"

وَكَأْسٍ مِنْ نَبِيْذِ العَقْلِ فِي حَانَةِ "سَيْدُورِي"

تَخَفَّى

سَارَ كَاللِّصِّ بِخفٍّ مِنْ حَذَرْ

وفي ضوء أنساق هذه الرسالة الرمزية التي تبثها سطور هذه الدفقة النصوصية، يبدو أنَّ الشاعر كان متشائماً قلقاً جدَّاً، وحذراً يقظاً من عواقب خطر رحلته الأسطورية. فهو على الرغم من أنَّ البطل الحقيقي (أنكيدو) قد أَلهَمَ كلكامش بفعله القوِّيَّ الخارق في المنازلة وعلَّمه معنى الحياة الحقيقية الحقَّة، وانتشله من ظلال براثن عقليته وغطرسته وجبروته وجَوره المستبد، إلَّا أنَّ الانتظار قد طال أمده على شعب أوروك، وأنَّ عودة (غودو) ورجوعه أصبحت خبراً مستحيلاً حتَّى في طيف الأحلام والرؤى والتمنيات، كي يعيد لـ (أوروكَ) الأمسِ  (أريدو) اليوم مجدَها الضائع وعزَّها الذائب الذي صادره جموع ألهة الزور الحفاة من سياسيي الصدفة، وسدنة الأحزاب اللاهثين وراء المال والجاه والمناصب، والمُغَرَّرينَ بخيانة الوطن الكبير:

جَازَ فِي عَوْدَتِهِ سَبْعَةَ أَنْهَارٍ مِنْ الخَمْرِ

وَسَبْعَاً مِنْ سَوَاقِي المَنِّ وَالسَّلْوَى

وَغَابَاتٍ وَتَرَاتِيْلَ وَوُدْيَانَ سَهَرْ

 

فعلى الرغم من أنَّ مشارب أنهار الخمر، ومآكل وسواقي المن والسلوى لها  أثرها الروحي والقرآني الديني المتجلِّي الكبير لدى المؤمن الموعود بجناتها الدائمة في الحياة الأخروية، فإنَّها في أنساق شعريتها الخفية له خصوصيتها الأثيرة لدى الشاعر العاشق؛ كونها مخاطر رحلته العشقية التي يتلذَّذ بوقعها وتأثيرها النفسي في رحاب مسيرة حياته الدنيوية.

وكما أنّ ظاهرة التكرار _كما معروف_ من أبرز ظواهر الشعر العربي القديم والحديث، لكنَّ تكرار العدد (سبعة) في تذكيره وتأنيثه في انثيالات هذه الدفقة النصية له في نفس الشاعر قدسية كبيرة من المعاني والدلالات الخفية البعيدة. فيتناهى إلى ظنِّي كثيراً أنَّ  (أنهار الخمر السبعة)،  (وسواقي المن والسلوى السبع) التي قطعها أنكيدو في أسفار رحلته الأوروكية الخطرة، هي أنهار سنوات الإبداع الإنتاجية السبعة الأخيرة التي أمضاها الشاعر متوجِّهاً سبعاً مملوءاتٍ فكراً ومحبةً في مركب رحلته الشعرية العشقية الطويلة نحو (إينانا) الخصب والمطر، والعشق الجمالي الروحي المائز في الأسطرة الشعرية. وليس الغاية من هذا التكرار العددي اللَّفظي هو توكيد المعنى الإخباري للرحلة، وتهويل محموله المعنوي الدلالي، وإثارة انتباه المتلقِّي القارئ إليه فحسب، وإنَّما الغاية التقصدية والأُرومة التي يتخفَّى وراءها الشاعر العاشق للجمال في قصديته البعيدة هي غاية نسقية معرفية ثقافية ذاتية مضمرة تخصُّ سلوكيات الشاعر وأدبيات ممارساته المعجمية.

إنّ صورة الواقع السياسي المتردِّي المأزوم في العراق، والذي تشتدُّ فيه حمى وطيس الصراع التحزُّبي الآيديولوجي على قيادة السلطة، وتُسفَكُ على مذابحه الدماء من أرواح العراقيين الأبرياء على الهُوِيَةِ وتحت ما يسمَّى بمظلة الطائفية والإثنية المقيتة تارةً، وتارةً أخرى تحت شعار التبعية الولائية غير المعلن لخارج حدود الوطن الجريح. كلُّ هذه الممارسات والمسوغات الفكرية والعملية تُغرِسُ ثقافةً عدوانيةً دخيلةً جديدةً لم يألفها واقع المجتمع العراقي من ذي قبل؛ كونها تَؤسِّسُ إلى صياغة خطاب ثقافي شعري متضاد يدعو فكرياً وآيديولوجياً وعقائدياً إلى صناعة لغة الكراهية والمعارضة والمواجهة:

طَمَغَ الجَبْهَةَ

قَصَّ الشَّعْرَ

وَاخْتَارَ لَهُ اِسْمَاً جَدِيْدَاً

وَاكْتَنَى غَيْرَ الَّذِي كَانَ يُسَمَّى ..

فَهْوَ الآنَ "أَبُو الخَيْرِ عَلِيُّ"

وَ"أَبُو العَدْلِ عُمَرْ"

إنَّ من أساليب الشعرية العربية المعاصرة في الخطاب الشعري من الناحية اللُّغوية والجمالية تعدد المستويات كالمستوى الإيقاعي (الصوتي)، والمستوى التركيبي (النحوي)، والمستوى البلاغي (الانزياحي)، والمستوى الدلالي (المعجمي)، والمستوى الصرفي (الوزني)، لأبنية الكلمات العربية الذي يميل فيه الشاعر في أسلوبية معجمه الشعري إلى الألفاظ والمفردات المُعَرَّبة والدخيلة على اللُّغة، ويوظِّف بعض المفردات والألفاظ العامية في اللَّهجة (الدارجة)، ويختار منها ما كان وقعه مضيئاً مؤثِّراً في دلالته النفسية وفقهه اللُّغوي وإيقاعه الشعبي اللغوي البلاغي على المستوى  (الزمكاني) المؤثِّر والمتأثِّر.

فمن بين هذا السمين المملوء المُعرَّب الذي لجأ إليه السَّماوي كغيره من الشعراء الكُبار اختيار الفعل الماضي الشعبي القديم (طَمَغَ) ذي الأصول التركية العثمانية بدلاً من الفعل الماضي العربي المعروف في التوظيف السُّوَرِي القُرآني (خَتَمَ) الذي يُماثله في المجانسة اللفظية وزناً ومعنى، ويختلف عنه في دلالته الواقعية السياقية البعيدة. ويتناهى إلى اعتقادي كثيراً أنَّ السَّماوي كان مُصيباً فَطِنَاً في حُسنِ اختياره لهذا الفعل المؤثِّر في جملته الشعرية (طَمَغَ الجَبْهَةَ)، أي علَّمّ ناصية جبهته بعلامة زورٍ ومَرَاءٍ ورياءٍ ونفاقٍ، لِمَا لهذا الاختيار الفعلي من تأثير نفسي حسِّي وصوري مغاير في نفوس العراقيين الوطنيين الأحرار من أبناء الوطن الحُماة،؛ كونه أصبح (الفعل) صورة (إمجيةً) قبيحةً، ووشماً صورياً حسيَّاً مغايراً لصورته الدينية الحقيقية لمن يَدَّعون فضيلة الإخلاص وحبَّ الوطنية الحقَّة من آلهة الزور الذين يتسترون بعباءة الدين، وهم بُراء منها. وممن يختارون لأنفسهم كنىً واسماء جديدةً يتسربلون بها بردةً ووشياً لفظياً وَحِليةً اسميةً لا معنىً حقيقياً لها يعطيها الأحقية في الاختيار الزور. وهم منتفعون _ظلاً ظليلاً دائماً_ من أسماء الرموز الدينية الكبيرة في التاريخ العربي الإسلامي، فمنهم من يُشابه نفسه ظنَّاً ووهماً بصوت العدالة الإنسانية أبي الخير عليٍّ، أو أبي الحقِّ الفاروق عُمَرَ، متغافلون في الوقت نفسه من أنَّ ما يطفو على السطح من الزَبَدِ الدنيوي يذهب جفاءً، وأنَّ ماينفع حياة الناس يمكث قارَّاً ثابتاً في نهر الحياة الجاري الذي ينظر أمامه شاقاً طريقه، ولا ينظر إلى الخلف تماماً في مسراه الحقيقي.

فضلاً عن هذا كلَّه أن توظيف الأفعال الماضية الأربعة (طَمَغَ، قَصَّ، اِختارَ، اِكتنَى) قد أسهمت جميعها في تركيب الجمل الشعرية بإنتاج دلالات صورية (حسيَّةً ومعنويةً) مؤثِّرة في إعادة إنتاج الصورة الواقعية الهشَّة بلغةٍ شعريةٍ قصصيةٍ ساخرةٍ تميَّز بها السَّماوي في هجائه الآيديولوجي السياسي لهؤلاء المدَّعين الفضيلة والعدل الإيمان من الذين باءت كلّ محاولاتهم الإدعائية الرخيصة، وانكشفت رائحتهم العدائية في الحفاظ على أوروك، فأصبحوا إنَّهُمُ الخطر الحقيقي الذي يُهدِدُ أوروك العراق الجديد، وليس الحامي أو المنقذ الذائد عنه حياضه الوطني حين يهدده السيل الجارف لحمى لخطر:

وَهْوَ المُنْقِذُ وَالحَامِيُّ/ القَوِّيُّ/

الزَّاهِدُ /المُؤْتَمِنُ/ السَّبعُ

إِذَا هَدَّدَ أُوْرَوْكَ خَطَرْ

وأشدُّ إيلاماً وترويعاً على فكر الشاعر ونفسه أنَّ أضواء دروب الأمسِ الماضية الزاهية لا تؤدِّي خطاها المشرقة إلى حاضره، ولا تمتُّ بأيِّ صلةِ تواصلٍ إليه، فلا الحاضر الراهن يُشرِّفُ الماضي بحضوره الغائب، ولا الماضي يَتشرَّفُ بموت الحاضر المُغيَّب المشلول الكسيح. ومما يغيظه أنْ يرى رموز الوطن وَدُعاته الحقيقيين لا أثر لهم ٍفي أوروك الجديدة، فلا حياةَ مُغريةٌ بعد اليوم (لشاماتِ) الهوى تُذكر، ولا مَلاذاً آمناً لـ (إينانا) العشق في أوروك طالما المغاني أضحت أثراً بعد أثر:

راعه أنَّ دُرُوبَ الأَمْسِ لَا تُفْضِي إِلَى اليَوْمِ

وَشَامَاتَ قَضَتْ نَحْبَاً بِساطُورِ وِلَاةِ

الأَمْرِ بِالمَحْشَرِ

وَالنَّهْيِّ عَنَ العِشْقِ ..

وَإِينَانَا اِسْتَخَارَتْ غَيْرَ أُوْرُوكَ مَلَاذَاً

وَالمَعَانِي لَا أَثَرْ

وفي ظلِّ هذه المطابقة اللَّفظية لولاة الأمر بالمحشر، والنهي عن العشق التي أزهقت حياة (شامات)يتماهى السَّماوي في أنساق شعريته الأسلوبية مع أسطرة الواقع السياسي والاجتماعي الراهن وتوظيفه على لسان بطله الخارق (أنكيدو)، فيرسم صوراً أليمةً موحيةً لذلك الواقع من الوجع الأسطوري العراقي، لبلدٍ يطفو على بحيرات من البترول، وشعبٍ لا يملك من الخير الوفير غيرَ الذُّلِّ والاستجداء والفقر والفاقة والمجاعة وحطام الأمنيات في لوحةٍ مشهدية موجعةٍ تجمع أسطرتها بين طرفي (الأمل والألم)، أمل الحياة التي يسعى إليها أنكيدو، وألم السلام والأمان الذي ينشده السواد الأعظم من الناس الفقراء:

وَرَأَى الفِتْيَةَ وَالصِّبْيَانَ يَمْشُوْنَ

حُفَاةً ..

بَعْضُهُمْ

يَبْحَثُ عَنْ بَقَايَا طَعَامٍ فِي بَرَامِيْلِ

النِّفَايَاتِ ..

وَبَعْضٌ

يَبْسِطُ الرَّاحَةَ يَسْتَجْدِي نُقُوْدَاً ..

وَكَثِيْرُونَ عَلَى أَرْصِفَةِ الذُلِّ

يَبِيْعُونَ دُخَانَاً وَمَنَادِيْلَ وَأَشْيَاءَ أُخَرْ

فالشاعر في التقاطات هذه اللَّوحة التجريدية الصورية الضوئية، وانثيالاتها الحسيَّة الموحية بجماليات قصصها الأليمة الموجعة لشعب أوروك الجديدة، أوروك اليوم والحاضر،إنَّما يؤسطِرُ فنيَّاً ونسقياً بإنتاجه الإبداعي الشعري السردي لقليل من صور ومناظر الجوع والمهانة المتعدِّدة فيه. فهو لم يقل في صوره النسقية الواقعية المتجلِّية إنَّ الفتية يبحثون عن بقايا فُتَات طعام ٍ في (سِلال المُهملاتِ)، أو النفايات، وإنَّما تقصَّد القول تعظيماً وتفخيماً لحجم المأساة الشعبية العراقية، فقال يبحثون في  (براميل النفايات)، ودلالة (البحث) المعنوية ليس كدلالة الموجود المتوفر المتاح لهم في الحياة. كما أنَّ لفظة (البراميل) هي الأقرب المتيسر إلى حياتهم اليومية، كونها مزابلَ أو مصدراً للقمامة التي هي أرخص شيء أو أتفه صورة للإنسانية الحقَّة، أمَّا لفظة سلات أو (سلال المهملات)، فهي الأقرب في دلالتها النفسية اليومية إلى المترفين من المترفهين بالعيش الرغيد ونعومة الحياة الهانئة السعيدة التي لا شأنَ لها ببراميل النفايات، ولا تعني بِهَمٍّ الفقراءِ المعدمينَ والمعوزينَ في بلد البترول الثري الذي تكالبت عليه الانظار غنيمة لا تنضب مصادرها العظيمة ولا تجف خيراتها.

فما أجمل أنساق الشاعر المتجلِّية لهذا (البعض)من فتية الشعب وشبابه حين يُقَسِّمُ أفعالهم اليومية بين باحثٍ عن طعام لسد رمق جوعه اليومي، وباسطِ راحةِ كفيهِ كلَّ البسطِ يستجدي مالاً يعيل به نفسه المعدمة، وبين بائع دُخان ومناديل ورقية يقف مَحْنيَّ القامة، مكسورَ الخاطر،موجعَ القلبِ على أرصفة الذُّل والهوان كي يعيش ويحيا في بلدٍ مأهولٍ بالثراء كالعراق. فأفعال المضارعة الأربعة (يَبحثُ، يَبسِطُ، يَستجدي، يَبيعُ) الدالة على آنية المشاركة الفعلية قد أدَّت دورها الدلالي التركيبي القريب والبعيد في سياقاتها، ومنحت الجمل الشعرية المتراتبة طابعاً نسقياً خاصَّاً مميَّزاً لصور البؤس والعدمية لواقع الناس.

ويستبد ألم النسق الآيديولوجي الثوري لفكر الشاعر في انفعالات قلبه الثائر، وهيجانه الروحي الكبير،حتَّى يُصبحَ قادراً على صنع الحجج والعبارات المقاومة، وإنتاج المسوغات التي تتحوَّل إلى عقيدةٍ ذاتيةٍ في ثقافة المعارضة ولغة الاحتجاج، والعقيدة الآيديولوجية وحدها تكفي لإنتاج حراكٍ شعريٍ ثوريٍ يكون سلاحاً ثقافياً موجَّهاً ضد دكتاتورية المستبد الطارئ:

وَأَرَى بَعْضَاً مِنَ القَوْمِ _قَلِيْلِيَنَ_

يَسِيْرُونَ طَوَاوِيْسَ

وَيَمْشِي خَلْفَهُم جِنْدٌ كَثِيْرُونَ ..

رَأَى مِنْ بِدِعٍ فِي الدِّيْنِ مِا لاً يُغْتَفَرْ

يا لها من ترانيم صورة فنيَّةٍ كاراكتورية ساخرة مضحكة رسمتها ريشة الشاعر الثائر المحتقن اهتياجاً من ظلم وجور تلك الأفعال الدنيئة. واللافت المُدهش على تقاسيم هذه الصورة السلبية للوجه الآخر أنَّ النفر القليل الضالَّ منهم لا يسير سير الراعي الخادم المتواضع لشؤون رعية شعبه،بل يمشي استعلاءً مشيةَ الخُيلاء والتكبُّر والغرور،مزهواً كالطاووس النافخ لريشه فخراً، وهو الفارغ الأعجف الأجوف الذي يُمارس من بدع الدين والضلالة ما لا يُغتفر عند ربًّ مليكٍ عزيزٍ مقتدر.

وتحتدم مشكلة الشاعر الموضوعية وطنياً وثقافياً في سرده الشعري الملحمي، وتتهول عظمة محنته الأنكيدوية في بلاد أوروك قداسةً، وتتعثَّر خطى رحلته الأسطورية لأوروك حين يسود عنصر الشرِّ رمزاً في هذه المقاربة النسقية بديلاً عن الخير فيها، فَيُذْهِلُهُ وقع المفاجأة وَيُدهشهُ فِرار إله الشَّمس (أوتو) من أوروك اليوم الحاضر والماضي البعيد، فَيَشعرُ بحيرةٍ واغترابٍ حين أُعلِمَ بخبر انتحار إله الحِرَفِ والأعمال والصناعة (أنكي)فَكَرِهَ العيش في بلاد تسير إلى عالم أرضي مجهول:

فَأَتَاهُ الرَّدُّ:

"أُوْتو"  منذُ سَادَ الشَّرُّ فِي أُوْرُوكَ

فَرْ

 

وَإِلهُ الحَرْفِ وَالقِرْطَاسِ وِالأَشْغَالِ "أَنْكِي"

كَرِهَ العَيْشَ أَسِيْرَاً لِجَهُوْلٍ

فَانْتَحَرْ

فإنَّ النسق الثقافي المضمر في توظيف إلهي الشمس (أوتو)، والحِرَفِ (أنكي) توظيفاً فكريَّاً جمالياً آيديولوجياً تومئ دلالتهما الإيحائية وعلامتهما السيميائية الأسطورية إلى النخبة العاملة المتعلِّمة المنتجة من أبناء طبقات الشعب المكافحة المتعفّفة التي ترفض سيادة منطق الشرِّ وأساليب التجهيل والتهميش والإقصاء. فهذا الأمر المفاجئ الصادم مما روَّعَ أنكيدو وأهاله خوفاً، وبثَّ فيه شعوراً بالرعب سرى في قلبه الخافق، وصار لا يدري ما الذي يحدث في أوروك، ولا يعلم أين أضحى مبتدأ أوروك التي شدَّ رحيل العزم إم صار محض خبره،فكلُّ شيء مُبهمٌ لدية يلفُّهُ وقع الغموض والإيهام التام:

فَرَّ أَنْكِيْدُو

سرتْ في قلبهِ رعشةُ موتٍ  ..

لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ

هَلْ مُبْتَدَأ أَضْحَى لِأُوْرُوكَ الَّتِي شَدَّ

إِلَيْهَا العَزْمَ

أمْ مَحْضَ خبرْ

فالفعل الماضي المُضَعَّف (فرَّ) في مستهل الجملة الشعرية  (فرَّ أنكيدو..) التي تقصَّد الشاعر أن يترك للقارئ أوالمتلقِّي المبدع اللبيب في هذه البياضات النُّقَطِية الفراغية الحذفية تقدير ما يمكن  أنْ يُتمَّهُ إبداعياً في مشاركته النصيَّة، قد لوَّن النصَّ الشعري بصورةٍ حركية صوتية إيقاعية مموسقة لفرار أنكيدو من هول ما رأه مما يحدث،وأسقط وقع هذه الصورة على نفسه. ويبدو لي أنَّ السَّماوي في ظلَّ هذه الفوضى والاحتدام النسقي التخريبي العارم الذي أسس له العابثون الفاسدون بأمور البلد من ساسة الأحزاب والطوائف الإثنية والدينية لمْ يتغافل أو ينسَ الاهتمام بسياقات بنائه التركيبي في خطابه الشعري، تدفعه في ذلك ضرورة وحدات الوزن الشعري الإيقاعي، وجماليات فقه لغته الرصينة في جملته الاستفهامية الطلبية التي يبحث فيها عن جواب مقنعٍ إلى تقديم المفعول به كلمة (مبتدأَ) المنصوبة على الفعل (أضحى) الماضي الناقص الدال على زمنية وقته، فضلاً عن هذا أن الشاعر حرصَ في علاقة توخي نظم جمله على إنْ تبدأ الجملة الاسمية الشعرية الاستفهامية بكلمة (مبتدأ)، وتنتهي بمفردة (خَبرْ) المتمِّم لمعنى المبتدأ في سياق الجملة التامة المعنى؛ وذلك لضرورة الجمع والتفريق بين دلالتي المبتدأ والخبر التي تساوت صورتهما في الجمع بين الاثنين بحرفية (أَمْ) المعادلة العاطفة عند أنكيدو المنذهل المفجوع المتألَّم من تأثير صدمة حقيقة هذا التعادل غير المقنع لما حدث لأوروك، وما يمكن أن يحدث في القادم اللاحق.

لم يحدث على المدى الزمني البعيد في التاريخ السياسي العراقي الإنساني البشري الواقعي أنْ تكون الدولة العراقية الواحدة الموحدة أرخبيلاً مُجزَّءاً من دويلاتٍ وأحزابٍ طائفيةٍ هشَّةٍ متعدِّدة لها اليد الطولى والجرأة الكبيرة _من خلال مليشياتها المسلحة وأجنداتها الخارجية والداخلية_ القدرةُ على صنع القرار السياسي ورسم سياسة البلد، والتَّحكُّم بمصائر النَّاس وحياتهم في هذا البلد تحت رحمة المنقذ من الجهل والضلال في دولة الإسلام التي لا ينتمون إليها شكلاً ومضموناً:

كُلُّ حَيٍّ دَوْلَةً صَارَ

لَهُ جَيْشٌ وَقَاضٍ وَإِمَامٌ مُنَتَظَرْ

ومن خلال تكريس فاعلية الأسطرة التاريخية في النسق الآيديولوجي الثوري يتحوَّل السَّماوي بقصدية وعيه وحسِّه الوطني الثقافي في المجمل إلى شاعر ناقد يسعى عبر آليات الكتابة الملحمية الإبداعية المنحازة بأنساقها الخفية والمتجلِّية إلى صفِّ الشعب المأزوم بواقعه الراهن. فيعيد بأرخنته الشعرية المعارضة حركيةَ تلك الأحزاب، وفاعلية إنتاجها الفعلي بلغة الشاعر المبدع المتمكِّن من أدواته الشعرية الفذَّة، ويجدُّ بعين الناقد المُبصِرِ الكاشف للأضواء في تلك الأنساق المتداخلة. ويلفت نظرنا مرَّةً أخرى في طيات سياقه الشعري التركيبي النحوي بتقديم المفعول به على الفعل والفاعل. فذهب في المقطع السابق إلى تقديم المفعول (دولةً) على مرتبة العامل الفعل الناقص (صارَ) لغايةٍ جماليةٍ بلاغيةٍ فقهيةٍ لغويةٍ، ومن باب تقديم المهمِّ المقصود بالذم والسخرية والتهكُّم على الأهمِّ المذموم في التصيير والتحوِّل إلى إمكانيات دولة كبيرة.

وفي واحدة من أكثر تجليات شعرية الخفاء والتجلِّي النسقية الإنتاجية في الخطاب الشعري ذي الروح الأسطوري الملحمي الذي يُعبِّر فيه االشاعر يحيى عن مدى تذمره النفسي وسخطه الآيديولوجي وهجائه الثوري الكبير من تلك الجموع الضالة الفاسدة لآلهة الزور الجديدة الحاكمة؛ وذلك النهج (الأفيوني) واضح من خلال تلك الممارسات المشوِّهَة للدين والوطن، وعبر لغة العقود والعهود الأفَّاكة الكاذبة التي يقطعونها بأغلظ الأيمان على الناس، ويشرونها لهم بيعاً رخيصاً بشعارات الآمال والأماني والتمنيات ومسكِّنَات الخدر التي تعدُّ أفيوناً لتخدير وتكميم أفواه الناس عن مطالبهم المشروعة:

كُلُّهُمْ فِي مَجْمَعِ الآلِهَةِ الزُّوْرِ

يَبِيْعُونَ عَلَى النَّاسِ الأَمَانِي

وَالخَدَرْ

وبهذا الجمال النسقي الثقافي الإنتاجي لـ (محنة أنكيدو))الكبيرة يُعيدُ الشَّاعر يحيى السَّماوي إنتاج أحداث الواقع اليومي للأُمَّة، ويؤرخِن لمرحلةٍ جديدةٍ من تاريخها الحديث بتقارب فنِّي ملحمي أسطوري جمالي موضوعي ذاتي روحي، لا يتناُّص فيه الشاعر مع نصِّ الملحمة، ومع أحداثها التاريخية، بل يستفيد من طبيعة تراث وقائعها، ودلالات توظيف وظائف رموزها وشخوصها الحقيقية، وبيئتها الطبيعية الجغرافية المكانية والزمانية، وَيُسقطُ بحرفيةٍ فذةٍ عاليةٍ موضوعات وقائع الحاضر الراهن على ظلال التاريخ الماضي تأسيساً وتواصلاً بين التُّراث والمعاصرة.

 

د.جبَّارماجد البهادلي

...................

للاطلاع

يحيى السماوي: خيبة أنكيدو

 

صالح الطائيقراءة موضوعية في رواية وكر السلمان للأديب شلال عنوز

رغم التعب الكبير الذي يسببه الصيام لمن هم بمثل عمري، وملل الروتين الحياتي الذي يسببه الحجر الصحي الطويل والمستمر، وثقافة التباعد المفروض، وانعدام فرص اللقاء بالأحبة والأصدقاء، فضلا عن حالة امتناع الكتابة التي أعاني منها، والتي بدأت في الآونة الأخيرة تباغتني بشكل متكرر وكأنها تعلن نهاية أمجادي الكتابية، ومع التعب الشديد الذي سببه تنوع مواضيع القراءة المفرطة التي مارستها خلال الأيام المنصرمة؛ بين كتب التاريخ والفلسفة والاجتماع والدين والأدب، مع معاناة ضعف البصر وتكرار انقطاع الكهرباء وموجات الحر التي بدأت غزوها لبيوتنا، رغم كل ذلك، إلا أن العيش لثلاثة مساءات متتالية مع رواية (وكر السلمان) أعطاني دفقات من التنوع الذي كنت بحاجة لمثلة دفعا للملل ولكي أحرك ركود واقعي الروتيني الجاف.

ووكر السلمان رواية كتبها الأديب الأستاذ شلال عنوز، بدت مشحونة بالحوارات والحركة والترقب والمفاجئات الغريبة، ومع تشابك أحداثها واللقطات الاسترجاعية الكثيرة لحوارات وأحداث قديمة تتكرر هنا وهناك، إلا أن استذكارها لمحطات ساخنة من حياتنا الواقعية في أخطر حقبة زمنية مرت بنا، خلق بيني ـ ومعي كل من خاض تلك التجربة المرة ـ وبينها وشيجة بدت دسمة في بعض جوانبها الخفية، ولاسيما وأن الرواية تحدثت عن حقبة كنا خلالها مشاريع موت مؤجل ينتظر التنفيذ على مدى ثمان سنوات عجاف، امتدت من عام 1980 ولغاية عام 1988 حينما كانت جبهات الحرب الاعتباطية العبثية الغبية تطحن أعمارنا على مشارف بوابة الوهم الشرقية التي أقامت السياسة الفاجرة على مصراعيها نصبا للشيطان تحيط به الأبالسة الصغار ويدعمه الأرباب المزيفون بدولاراتهم المضمخة برائحة البترول والعمالة، ونصبت غير بعيد عنها مجاميع مجرمة أطلقت عليهم اسم (مفارز الإعدام) كانت مهمتهم تنفيذ أحكام الإعدام الفورية بالرجال المهزومين أو المضطرين للانسحاب تحت وابل النيران وصرخات الموت المحتم بدون محاكمة أو أمر من قاضٍ أو استجواب أو دليل. هذه المفارز التي كانت تجبرنا على التقدم لا ولاء للمجرمين الأغبياء ولا حبا بالبطولة الزائفة ووهمها، وإنما أملا في عيش يوم آخر في ترقب الموت المؤجل، ولاسيما وأن أصدقائنا والمحيطين بنا كانوا يتساقطون حولنا كأوراق خريف مبكر الواحد تلو الآخر، ومع ذلك لا يتركون في نفوسنا حُزنَ مفارقٍ أبديٍ بقدر وجلِ اللحظاتِ القادمة أن يكون أي منا هو الذي سيترجل عن صهوة غبائه ليعانق التراب.

2067 وكر السلمان

يومها لم تكن المذابح تكتفي بالقتل الكيفي بقدر كونها ساحة لعب للكبار وما نحن سوى احجارا على رقعة شطرنج يمتعون أنفسهم بتحريكها دون علم ولا دراية وكأنهم يتعمدون التخلص منا أو أن موتنا لا يعني لهم شيئا؛ مثلما هي حياتنا كانت رخيصة عندهم، الكبار كانوا يمنون النفس بالـ(عفية) التي ينتظرون خروجها من فم كبيرهم الطاغية الأخرق النزق الغبي الجاهل الذي علمهم الخنوع مقرونة بعدد من أنواط الشجاعة وأوسمة البطولة التي أساءت للشجاعة التاريخية نظرا لابتذالها ورخصها ومنحها لأوطأ الدرجات وأحطها بما في ذلك منحها لعمال الخدمة القائمين على توفير الراحة والمتعة للضباط، وحرمان الأبطال الحقيقيين منها.

ثلاث ليال تبدأ من ساعة ما بعد الإفطار لتمتد على مدى ساعة أو أكثر خصصتها لقراءة وكر السلمان، تلك الرواية التي كانت رائحة العقد النفسية المدمرة تفوح من أسطرها مثلما هي رائحة الموت تفوح من صورها المتشابكة، وتملأها صور توحش الإنسان والأمراض النفسية الخطيرة التي تخلفها الحروب على المشاركين فيها، والتي بدت لعبة أجاد شلال عنوز صياغتها وكأنه يسعى للمراهنة على خزين ذكرياتنا المر المترع بالمخازي التي سببها تنازل الإنسان القسري عن حريته وبعض كرامته لمجرد أن يعيش يوما آخر لا يدري ماذا سيحدث بعده!

وهذا يعني أن رواية وكر السلمان بوصفها أدب حرب قد اختارت الجانب غير المباشر، فالمعروف أن أدب الحرب يكون مباشرا وغير مباشر، المباشر منه يتناول الأحداث الحربية المفصلية بدقة راسما صورة للواقع تنز من جنباتها الدماء والآهات والوجع، أما غير المباشر فيختار جزئية من عالم الحرب العام الذي يشمل الجبهة وامتدادها المجتمعي؛ قد تكون غير مهمة، يختارها من ذاك الواقع المعقد الذي تختلط فيه مديات المجتمع والجبهة، ثم يقوم بتضخيمها لتشغل كامل الحدث من خلال أحداث قد تكون غير واقعية ولكن العلم يؤكد أنها محتملة بسبب ما تتركه الحروب ومعاركها الدموية من أثر على نفسية المقاتل، ذلك الأثر الذي يتأخر ظهوره أحيانا إلى ما بعد مفارقة المقاتل للخطوط الأمامية بسبب عوق أو إصابة مباشرة، وكأنه يرسم ذيولا غير مرئية للحرب قد تكون أكثر منها ضررا لأن حاملها يعيش وسط مستويات مختلفة من البشر الذين يمكن أن يؤثر فيهم على خلاف تواجده النمطي في الوحدة العسكرية التي تضم غالبا شريحة متقاربة في أعمارها وثقافتها.

ورغم الجو المأساوي الذي شاع في أجواء الرواية إلا أنها بدت في رصانتها الأدبية إدانة صريحة وواضحة للحروب بكل أنواعها، ودعوة لأن يحترم الإنسان إنسانية أخيه الإنسان ولا يفرط بها إرضاء لحاكم مجنون أو فكر متطرف أو عقيدة محرفة، فالعقلاء يضعون الحرب احتمالا قهريا محتملا يمكن أن يُستخدم حينما تغلق كل الأبواب الأخرى، طالما أن هناك سبلا أخرى ممكن أن يتم التفاهم من خلالها، أما المجانين والمصابين بداء العظمة والساعين إلى سد عقد النقص في حياتهم فالحرب لديهم هي الأصل وكل ما سواها استثناء، ولهذا السبب كنا لا نخرج من حرب إلا لنتهيأ للدخول إلى حرب أخرى.

ومع أنه ليس من اليسير إحصاء الأعمال الأدبية التي تناولت حروباً على مر التاريخ، إلا أن دراسة سريعة لتطور هذا النوع من الأدب، وإشغاله حيزا مهما في الساحة الأدبية العالمية العامة تُظهر بشكل جلي ذلك الدور البارز والكبير للأدباء والمثقفين والباحثين والأكاديميين في مناهضة الحروب وإدانتها من خلال نتاجاتهم الأدبية، مع أن الحروب نفسها بكل مسمياتها القومية والإقليمية والدينية كانت المحفز لولادة تلك القصص التي زودت لغة السرد الأدبية بذخيرتها التي مكنتها من رسم صور بدا بعضها في غاية الدهشة والغرابة. الإنسان الأديب نفسه وجد في جذوة تلك القصص محفزا مكنه من إعادة صياغة الحدث ليس الآن بل منذ أن شمر هوميروس عن ساعده ليسطر ملحمتي الإلياذة والأوديسا، وقد استخدم الأديب قلمه لكي يدين تلك الحروب ويعلن اشمئزازه منها ومن وحشيتها الطاغية ولاسيما بعد النهضة الفكرية التي أشعلت جذوتها الثورة الفرنسية عام 1789، حيث انبرى المستنيرون والمفكرون والفلاسفة الكبار من أمثال كانت وهيغل وسبينوزا ليدينوا الحروب من خلال كتاباتهم.

يومها بدأت الأقلام المثقفة تسخر من تلك الحروب العبثية وتدينها بشدة، فانبرى الروائي الفرنسي الكبير ستاندال، (1783-1842)، ليجعل من روايته (الأحمر والأسود) وسيلة لإدانة تلك الحروب والسخرية منها. بل إن أدباء آخرين عبروا من خلال رواياتهم التي كتبوها عن انطباعاتهم الشخصية بحتمية سقوط ونهاية حقبة الحروب العبثية الدموية، تجد ذلك واضحا في (دون كيشوت) للروائي الإسباني الشهير سرفانتس، والبؤساء للكاتب الفرنسي الكبير فيكتور هيجو. وبعدها جاء المد الجارف على يد المنظرين اليساريين والأدباء العالميين مثل إيريش ماريارُمارك، وإرنست همينغواي، وروجيه مارتن ديغار، ولويس فردينان سلين وآخرين غيرهم تركوا بصمة مشرقة أسهمت في دعم ثقافة وأدب إدانة الحروب.

إن انعدام هذا النوع من الأدب الجاد والحقيقي قبل عام 2003 في العراق كان سببه تخويف وإرهاب المثقفين والكتَّاب الذي مارسته السلطة القمعية، من أجل مواصلة نهجها العسكري العدواني وتطلعات القادة الأغبياء، ولذا جاءت كل قصص وروايات أدب الحرب التي كتبت في تلك الحقبة داعمة لفلسفة الحرب ساعية لتمجيد بطولات الطاغية وتحويل هزائمه إلى انتصارات كاذبة، ففي خضم التطورات الدراماتيكية التي حدثت أثناء وبعد حرب الخليج الأولى، بادرت الحكومة المتورطة في الحرب إلى تشجيع الأدباء على الكتابة الزائفة مقابل الحصول على مكاسب مادية ضخمة، انتجت كما وفيرا من الروايات الكاذبة المصطنعة البعيدة عن الواقع، ولم تبدا مرحلة الكتابة بوعي إلا بعد التغيير في عام 2003 حيث انزاحت سلطة القمع وشعر الأدباء بأجواء الحرية التي اتاحت لهم الكتابة دونما خوف، فانتج ذلك كما كبيرا من أدب الحرب العراقي الجاد، منه روايتنا التي نحن بصدد الكتابة عنها (وكر السلمان).

صدرت رواية وكر السلمان عن اتحاد الأدباء والكتاب في النجف الأشرف بواقع 220 صفحة تزين غلافها لوحة للرسام العالمي الإنكليزي ديفيد ماكوشي.

 

د. صالح الطائي

 

 

نور الدين حنيفتوطِئَة: نقول في عبورالمسافات المتخيلة للشِّعرية الزجلية في ديوان (سرْ النّونْ) للشاعر الزجّال المتميز ( فؤاد البياز القاسمي): إن الفرادةَ في الصوغ الزجلي تتأرجح بين خطابين وكلاهما ديناميكي ومتغير. الأول يمتح من لغة (المرڭد) والثاني يستضيف الحداثة في تجلياتها الماكرة . والمزيج المتجانس  جاء مخيالاً عاميا ينضح بالغناء، لا في تجليه الإنشادي فحسبُ، وإنما في بعده الجواني الغارف من الوجدان المغربي الجمعي والذاكرة التراثية معاً .

و في هذا السياق النظري، ندرك قدرة الشاعر الزجال (فؤاد  البياز القاسمي) على تطويع المخيال في مساجلَة أسرار الكلمة المخزونة في أتونِ علامةِ " النّونْ " الحاملة لأكثر من دلالة، لينتج في الساحة الثقافية المغربية خطابا زجليا  جديرا بالجدّة وقوّةِ الاقتراح لذاتِه كذائقة خاصة، ببصمة أخصّ، تقرأ الماحولَ في علاقته بالذات، وتقرأ الذاتَ في علاقتها بالواقع قراءةً تكرّس فعل الهوية خارج المساحات الجغرافية إلى آفاق الرحابة الإنسانية الضاغطة بكفٍّ حريرية وجمالية على منطوق الزجل كي ينخرط في صميم الإبداع الكوني، حتّى وهو يمتطَى اللهجة العامّيّة المحلّية، أداةً للتواصل وللتواصل الشعري .

واحد وأربعون قصيدةً عجنها الزجال (البياز) في خمسة أبواب هي (لغبْشِية، تحليقة لطيار، خْيامْ الدنيا، غوتْ لخْيامْ، غوتْ لمْطافِي) . وكل بابٍ منها، احتضن مجموعةً من الزجليات، أقلّها ثلاثة، والباب الأخير احتضن ستّة عشرة قصيدة، وذلك لحاجاتٍ في نفس الشاعر، أمّا (يعقوبُ) فهو برئٌ منها .

بحثْتُ في سيمياء العلامات بحثاً عابرا في غير عمق، فوجدتُ الأبواب تتحرك في تيماتٍ هي: الزمان والسماء والماحول . ولاحظتُ أن هذا الأخير استأثرَ باعتبار الشاعر، لا في مفاضلة تقوم على الاستحسان والتقبيح، ولكن في انفعالٍ شاعري واضح، يقدّم لنا تجربة زجلية في جماليةٍ مفردة، تقوم على المساءلة في شرطين هما شرطُ الوعي بالقضايا المطروحة، وشرط اللاوعي الذي يقبع في سرّ النّون باعتبارها مفتاح هذا الشعر وهذا الزجل .

= مكوّن الزمان:

يشكل الزمان في المقول الشعري وضمنه، الزجلي، مكوّنا لا مندوحة عنه في تربيب القول والارتقاء به إلى مستويات الكشف الدلالي البعيد عن الأطاريح الخطابية المعانقة لحضيض اليومي . وهو، أي الزمان والزمن معاً، شرطٌ عميقٌ لتحقيق التماهي بين الشاعر ومكونات الإبداع وبين الماحول، تماهياً يساعد على تكثيف الصور الزجلية والذهاب بها مذاهب الإدهاش لا محافلَ التسجيل والمِرْآتِية . على اعتبار أن توظيف الشاعر (البياز) لمفهوم الزمن لا يدخل في تأريخ القصيدة داخل الحيز والتحقيب، بقدر ما يدخل في قناعة شعرِية تنظر إلى الأشياء نظرة عميقة تربطها بالكون . وما حديث الزجال (البياز) عن (الغبشية والفجر والنهار وغيرها من وحداتِ الزمان) إلا دخولٌ في هذا الحضن الكوني الشارِح لهذه التجربة الفنية والذاتية في تلاحم جليلٍ يستدعي أكثر من وقفة . وهنا يقع التماسّ الجميل بين الذات والزمان حيثُ يتغير نظام الأشياء ويتغيّر نظام النظر إليها (وهذا النظام المختلف في النظر إلى الأشياء يعمق صلة الشاعر بتجربته ويبرهن رابطته بالكون، وبالحياة والأشياء، فيجعل من هذه الصلة، لا نقاط تماس مجردة، بل انصهارا حادا واندماجا في تيار جارف، شديد الفرادة، ولا يمكن لصلة الشاعر بعالمه أن تكون على هذا المستوى إلا إذا كان مسكونا برؤيا حقة، تتيح له تمثل العالم، والانغمار فيه والتفاعل معه تفاعلا داخلا وهاجا) -1

إنّ استحضار الزمن في تخوم الزجل هو من صميم الزجل ولا يشكل حِلْيةً للزخرف، وإنما يشكل صميماً موجوداً في نسغ هذا الفن . ومن ثمّة فإن اختيار (البياز) لزمن (الغبْشِية) بثقلها الشعبي الموسوم بانحسار الضوء في الوجدانية المغربية لا يجد جماليته التعبيرية إلا في حميمية المفردَة اللهجية المحلية والتي لا تعيق انسيابها في أفهام الإنسان في شرطه الخارجي . إن حضور (الغبشية) له علاقة شديدة الالتصاق بقدَر الإنسان المغربي الذي يرنو بعينه إلى السماء وهو الملتصق قدَراً بالأرض، ومادام هذا الإنسان يعي محدوديته في الاشرئباب إلى السماء فإنه يكتفي بغمزها ... وهو يرنو في زمن (الغبشية) لأنه خارج هذا الزمن سيتعرّض للَفْح الشمس الفاتك ولنورها الوهّاج وسيرتد إليه طرفه حسيرا ضعيفا.

عَيْنْ تَغْمَزْ السّْمَا   بِحَسْ مَقْطوع

عَيْن عْلَى  ڭلب حَاضي  مَفْڭوع

تْنَهّدْ لَفْجَرْ ..ضَوّ... فِ حْجَرْ لْعَشِي

تْرَبّى فِ عَزْ الِليلْ.... شَانْ مَرْفُوعْ

و ليس حضور الزمن هنا إلا تشكيلا زئبقيا للغة الزجلية الشعرية حيث تترجم لنا بصيغتها الماكرة باطن الذات المتكلمة وظاهرها، في تجلياتٍ مختلفة تنسجم في رؤية الشاعر (الحس المقطوع - الڭلب الحَاضي  - الڭلب المَفْڭوع) ... وهي اللغة الزجلية التي لا تقف عند حدود رسم اعتمالات الذات في المحتوى، بل تتجاوز ذلك إلى رسم الإيقاعات بمفهوميْها: الوزني والنفسي . وأمّا الوزني فهو واضح التقاسيم في المفردات والمقاطع، يتقدّم إلى القارئ في دندناتٍ مموسقة تشي بقدرتها على الاستدعاء اللبيب لمتابعة المقروء في معناه وفي لامعناه . وأمّا النفسي فهو الفاضح لغور الذات وترقباتها وتطلعاتها، وقبل ذلك لمعاناتها . هكذا تكون (اللغة الشعرية هي أحد مظاهر التآلف مع الزمن في علاقاته الظاهرية والباطنية، فما يحدث من أشكال أو أوصاف تتجمع بذاكرة الشاعر ودواخله على هيئة إيقاعات وأصوات ثم بعد ذلك تخرج في قالب شعري متنوع الطبقات الموسيقية التي تأتي بأنماط مختلفة) - 2

تنسجم الذاتُ مع الزمن في سلاسته الهادئة والمواربة للضوء، حتّى لكأنها تخشى السطوع المعادل للفضيحة . وتجد في الفجر فضاءها المميّز لممارسة حضورها بامتيازٍ أكبر، حيث قدرتها على المناجاة والطرح والشكوى والبثّ ... وفوق ذلك وأعلى، فإن الذات تستزيد من رغبتها في الوجود الممتاز والمقترن بلحظة الكتابة التي هي في عرف الشاعر لحظة الوجود الحقيقية:

أنا مْزاوَڭ وَالَّلهْ

فِي ديك نَجْمَة لَفْجَرْ

إِلى مَا زِيدي فِي لِيلي

وَوَنْسِي دَاكْ لَبْدَرْ

وَخَلِّي مْدَادْ لْكَتْبَه

يْسيلْ عْلَى السْطَرْ

را الدَّمْعَه سَايْلَه سَايْله هَوَّادَه.

تستفيد الذات من البدايات في انبلاج أزمنة الفجر، لتتجرّأ على الخروج من دائرتها المغلقة إلى أنساق أخرى مفتوحة على الآخَر، وتنسجم مع التحول في الحساسية الشعرية فتنتقل من الاعتمال الداخلي إلى الرغبة في التغيير المُمَارَس على عزلة الآخر ... إنه الزمن الزئبقي المتحوّل:

نُوضُو فِيقُو

رَ النّْهَارْ طْلَعْ

وَ اللِّيلْ رَاحْ

مَا بْقَى يَسْمَعْ .

وَلْبَرڭي عَنْدْ مُولاهْ رْكَعْ

جَبْتْ لِيكْ قُرْطَاسْ شْمَعْ .

 

و لا يكون الزمن في سياق هذا الديوان معزولاً عن التحولات الذاتية الممكنة، لأنه يرتبط بها ارتباطا عضويا يشي بالتفاعل والتداخل البنيوي الأكثر إمكانا وتوليدا للدلالة في أبعادها السيميائية الخارجة من شرنقات العلامة الملفوظة إلى التعبير عن البؤر النفسية المختلجة في جوانية الذات، مستعينةً بالشعرية اللغوية العامية، القابعة في القدرات التعبيرية البيازية (الدّكّالِيّة والقْواسْمِيّة) التي تسمح  بتوليد إمكانات كثيرة لتأويل المعنى،  لأن اللغة الشعرية تختلف في ارتباطها بالزمن، وهيَ تمزج هذا الأخير بالموضوع (الطير والفجر)، ولأنها قد تصفُهُ في إيقاع متوتر لا يكتفي بالوصف والتسجيل بقدر ما يقفز على ذلك إلى المساءلة والتنديد المتستّر في سيمياء الخوف:

خَوْفِي عْلِيكْ وَاهْيَا طَيْرْ لَفْجَرْ

مَنْ بَحَّةْ التَّلْفَه فِي سُوقْ لَغْدَرْ

وَطَجَّانْ اللّْغَا وتَجْيَاحْ لَوْكَرْ

وَصْبَاحَكْ يِسَوَّكْ بِعْكَرْ لَغْرُوبْ

 2438 سر النور

= مكوّن السماء:

الحديث عن الطير هو الحديث عن السماء لأن عنصر التحليق هو المؤشر السيميائي المشكل لمحورية الصوغ الزجلي في هذا الديوان، الكائن كينونة مضمرة في توظيف سياق النون (القرآني) في صميم الزجل الترابي، وأقصد: زجل (المرڭد) المعانق لتيمة السماء في شخص النون الربّانية . وحيث إن الطائر هنا ليس جسدا متشيئاً في المعنى فإنه ثقافة ترتبط بقبائل (القْواسم) – 3 التي يشهد لها التاريخ بالريادة في تربية الطائر القنّاص وتربيبه والممارسة في حقوله السماوية العجيبة . من هنا حضور الطائر في سماته المتعددة والتي سنروم القفز على مُتشيئِها في الديوان إلى الحديث عن دلالاتها ومدلولاتها  الممكنة .

للطير في هذا الديوان أربعة مواقع: موقع البدء (الفجر) وموقع القيمة (الخير) وموقع الحركة (الحوم) وموقع الجهة (الساحل) . وفي هذه المواقع يتربص الزجل بسيمياء الطير بذكاءٍ إبداعي تبدو فيه القصائد ولأول نظرة ساذجة وعابرة، وأن الديوان مجرّد مجموعة متناثرة من أشكال القول الزجلي، هنا وهناك . إلا أن الشاعر البياز اختار لفسيفساء زجلياته هندسة دلالية مقصودة تحكمها ثلاثة أنساق، الأول هو نسق السماء في شخص الطير، والثاني هو نسق النون كشرط صوتي ربّاني يبارك طير السماء، كي يكون لتحليقه المعنى الجبّار الذي يخرج من ريش الكائن والحيوان القنّاص إلى أجنحة الشاعر الإنسان . الطائر إذن ليس جسداً فلكلوريا، يسبح بعيوننا في تصفيق الإعجاب وصفيره، إنه معادل موضوعي للذات المتكلمة في تجلياتها الصاعدة والهابطة . والثالث هو نسق الانخراط في هذا الماحول الذي يُشَرّحُه الكلام الزجلي بآلياته الخاصّة .

و إذا كان تحليق (طوير الفجر) يشكل البداية المتعثّرة فلأن مقصدية الصوغ الزجلي اختارت مقولةً صرفية مناسبة هي التصغير (طْويرْ) واختارت له زمنا بدئياً يشي بالغموض في اقتضام الطريق . إلا أن ثقافتنا الإيمانية تربط الفجر بالرزق وبالبشارة وبالتوفيق، وثقافتنا البلاغية تفيد في التصغير تمليحاً أو تقبيحا ... ومن ثمّة يدخلنا الشاعر في متاهات التأويل، ويؤرْجحنا بين المدح والقدح في سيرورة زجلية لا تقدّم ذاتها هامدة سهلة القضم . وإنما تتقدم إلى القارئ ذكية موغلة في اكتناز المعنى والدلالة . من هنا فهمُ واستيعاب حضور مقولات لسنية تسير في اتجاه النقص مثل (خوفي عْلِيكْ – بحّةْ التّلْفَة – طجّانْ اللْغَا - ڭلْبُو تَعْگَرْ – مرّة مْكدّرْ ...) وهي الدلالة المهيمنة على مساحات هذه الزجلية المعنونة ب (طوير لفجر) . وينتهي هذا الميزان المترنح بتأييد المتلقي لهذا الطائر المبتدئ في اكتشافه لهذا العالم الموبوء، حتى يتمكن من ولوجه بذاتٍ محتكّة ممخوضة لها رصيدٌ من القسوة في استقبال القسوة (يا طْويري نَخْضَتكْ ايَّامْ لْحَرْ وَلْقَرْ) ...

يخرج من عباءة الطير الفجري المبتدئ طائر حكيمٌ يقرأ الوجود قيمةً تقتبس السماء في سديمها المشرق لتنقله إلى الأرض سلاماً أخضر . هكذا تتحول الزجلية الثانية من المجموعة الثانية إلى رسول سلام وتعايش وتسامح:

شَفْتْ ذَاكْ الطّيْر فُوقْ شَجْرَه

فُوقْ اجْبَلْ ؤُ فُوقْ هَضْبَه

فِ لَوْطَى ؤُفُوقْ حَجْرَه

هَازْ فْ مُقَّارو وَرْقَه

شَفْتْها.... لُونْها خَضْرَه

مَكْتُوبْ فِيها السَّلاَم ْ

ننتقل الآن من حالة البدء إلى حالة القيمة إلى حالة الحركة . وهنا يستدعي الزجال (طائره) ليتحوّل إلى مُجمّع شعري لمجموعة من المقولات هي الموضوع والفضاء والذات في مكتَنَز قول الزجال (يَا لْحَوَّامْ في سْمَا لَخْواطَرْ) . إنه استدعاءٌ فنّيّ قبل أن يكون استدعاءَ محتوىً ثقافيّ يربط القارئ بالمعنى . إذ المعنى موسومٌ بالطريق الجاحظية المعروفة . من هنا فالحركية تمتد من أجنحة الطائر إلى أجنحة الخاطر، إلى حركية الآخر، في تشظيه بين الإيجاب والسلب:

يَا لْحَوَّامْ في سْمَا لَخْواطَرْ

حَلَّقْ وَارْخي لْبالْ

شي هَادِي

شي هَايَجْ

شي ضَاصَرْ

فيصبح الشأن لا شأنَ سماء لممارسة التحليق الطقوسي والاحتفالي حيث الطائر عريسٌ مُجتبىً، وإنما يصبح التحليق شأناً خاصّا بالأرض وتناقضاتها (شي هادي، شي هايج) . بمعنى أن الصورة الزجلية هنا لا تقف عند حدود البذخ الثقافي الموسوم بالتعريف بثقافة (الطير) وإنما يصبح هذا الطائر أداةً وجودية للكشف عن طبيعة المفارقة المقيمة فينا عبر مقولة الحوم التي نعتبرها في هذا المقام مسحاً سماوياً للتناقض القبيح الموجود في عيوننا . لهذا يدعونا الشاعر إلى مأدبة الحوم مع (الطير) كي نكتشف جمال هذا الوجود، حيث تكون الكتابة أجمل ما فيه للفتك بكل أشكال المفارقات:

واهْيا لْحُوَّامْ

في سُوقْ لَكْلامْ

غْريبْ في هادْ الرَّحْبَه

حَرْفِي طَلْ مَنْ هادْ لْعَتْبَه

رُوحْ رُوحِي سَلْبَاه الجَّدْبَه

من هنا أيضا نفهم الحالة الأخيرة في هذا الباب، وهي حالة الجهة، وأسميها حالة النزول حيث المكان فارضٌ حضوره في مقولة (الساحل) . (والساحل شاطئ البحر، والساحل ريف البحر ... وفي حديث بدر: فساحلَ أبو سفيان بالعير، أي أتى بهم ساحل البحر) – 4 ... ومنه دلالة النزول الي نستخلصها من طبيعة الصوغ الزجلي في هذا المقام، حيث ينحسر الحديث العلوي والسماوي كفضاء مميز لتحليق الطائر . والبديل الزجلي هنا طائر معادلٌ موضوعيّ يشي حضوره بالإشكال الوجودي الأرضي الجانح نحو الاعتبار والاستلهام من تجربة الطائر المسقوطة على الذات المتكلمة  في شقّيْن: شقّ مُنتقِد، تمثّله هذه الصياغة (لَعْريسْ بْغا يَذْبَحْ - وَالنْسيِبَه كَتْلَحْلَحْ - فِي أيَّامْ لْكَزْ - كُلْشِي كَحْ كح  - لْبيرْ وْمَا وْكَحْ - شَارَبْ الزَّعْترْ مَا كَحْ  - وَاكَلْ لْحَلْبَة - مَا يَلْكَحْ ...) وشقّ مُعتبِر وتفيده هذه العلامات (اَنَا بْخُورَكْ  - اَنَا سْحُورَكْ – نْدَاويكْ - فِي مْتُونِي - وَنْرُشْ فِي سْطُورَكْ - مَنْ حَالي  - مَنْ حْوَالي - مَنْ قْوَالي - كِطْوِيرْ السَّاحَلْ - حَلَّقْ مَا غَابْ - مَا ذَّا خْبَارْ مَا جَابْ - عَيْنُو فِينَا عَاشقَة - وَلْحَطَّه مَا صَابْ ...) كل ذلك في تصوير لا يقدّم نفسه سهلا بسيطا وإنما يتجلى لنا آبقاً ماكراً صعب القبض والانقياد . إذ كيف نستسيغ حضور الطائر في توجّهين، الأول يرتبط بالتحليق والثاني يرتبط بالغياب، في حين أن العلاقة بين الطائر ومدرّبه تقوم على الحضور الكلّي والحميمي . من هنا نفهم جنوح الذات إلى التماهي لا مع الطائر \ الجسد وإنما مع الطائر \ الأيقونة المتخيّلة في جسد المفارقة، والحاملة للإدهاش من خلال تمرّدها على معنى الطائر إلى معانقة لامعنى الطائر في زئبقيته المتعالية .

= مكوّن الماحول:

يتمسرح هذا المكوّن الدلالي على مساحة ثلاثة أبواب في هذا الديوان، هما باب (خْيامْ الدّنيا - بأربع قصائد) وباب (غوتْ لخْيامْ – بثلاثة عشرة قصيدة) وباب (غوتْ لمْطافِي – بستة عشرة قصيدة) . والملاحظ هو أن طائر النّون ينزل بأسراره كلّها إلى تخوم الواقع حيث علاماتُه الدالّة واضحة في ملفوظات (الخيام والمطافي) وحيث المكان والماء هما أسباب الحياة في القبيلة . إلا أن سياق ورود مثل هذه العلامات سياق أبعاديٌّ ومخياليّ أكثر منه انتربولوجي وإناسي يبحث في تمظهراتها وتشكلاتها الاجتماعية والثقافية .

بمعنى أن المكان قدرٌ يجرّ الصوغ الزجلي إلى جاذبيته المقروءة داخل الفن لا داخل المرآة . لأن هذه الأخيرة تقدّم لنا الخيمة – مثلا – في وجودها الاجتماعي والإناسي والأيكولوجي وغير ذلك مما نلامسه في اهتمام المتخصص، تقديماً لا جرأة فيه ... أما الفن فيقدمها لنا في مقولة التماهي وفلسفة المكان غير المتحيز وفلسفة الدلالة البعيدة الباحثة عن خصوصية تعبيرية محمّلة بكثير من الإمكان التخييلي، وباصمة بميسمها الأخص، بحثا عن فرادة أكثر إمكانا .

و أول ما يطالعنا في مجال الماحول هو مقولة الهدم تأسيسا لفكرة البناء القادمة في السياق . والهدم في تجلياته السطحية يرتبط بالمكان الحيز (رابتْ لخْزانَة) . لكنه سيتحول إلى هدم يتناسل في مفهوم تفكيكي ليطال أكبر قدرٍ من المقولات . ومن ثمّة فهدم (لخزانة) هو هدمٌ وتفكيك لعوَجِ الزمان (مالتْ ليّامْ) ولعراء الحروف (تْعرّاتْ لحروف) ولفساد الغلّة  أو لفضح المكنون (تْفَرْڭعَتْ الرُّمَانَة) ... في نسقية ذهنية واصلة بين أطراف المتن والوجود معاً .

و نكادُ نلامس في الديوان تلكم الرغبة الدفينة في قراءة الماحول قراءة زجلية تهدم أنساقَه لتعيد بناءها من جديد، لا في قرارٍ نقدي يمارِس فيه الشاعر الزجال رقابةً على هذا الواقع لتقويمه وتعديله وتصويبه، فهذا ليس من مهمّات الزجل، وإنما في رؤية فنية تحليلية بين قوسين، وهي تفكيكية بامتياز لا بمباضع المتخصص الناقد وإنما بأدوات حريرية تتوسّل الكلمة العاميّة الشّاعرية التي تسلط على بنيات الماحول بعض الضوء الرؤيوي .  هكذا نفهم أن " التفكيك حركة بنيانية وضد بنيانية في الآن نفسه، فنحن نفكك بناء أو حادثا مصطنعا لنبرز بنيانيه وأضلاعه وهيكله ولكن نفك في آن معا البنية التي لا تفسر شيئا فهي ليست مركزا ولا مبدأ ولا قوة فالتفكيك هو طريقة حصر أو تحليل يذهب أبعد من القرار النقدي"- 5

تفيد مفردة (لخْزانَة) في الثقافة الشعبية المغربية لا بيتاً من قماش، مشدوداً إلى قدرين: قدرٌ جميل هو العرس وثانِ غير جميل هو المأتم . ولكنها تفيد طقساً احتفاليا جماعيا يلقي بالآصرة الجمعية في أتون الحاجات المطلوبة والمرغوبة سواء تعلق الأمر بالمواسم أو تعلّق بالطوارئ . وهي قبل هذا وذا تفيد ثقافة اللمّة بمفهومها الإيجابي الحاضن . ولكن الشاعر الزجال (البياز) هدم الفكرة ليبنيَها من جديد في عُرفِ الْمُساءَلة: ماذا وقع لهذا الفضاء ؟

إنّ انتفاء (لخزانة) ليس انتفاءً لجُدُرها وسارياتها الخشبية، ولكنه انتفاء لمعناها أو لمعانيها . ذلك أن تداعيات سقوط الخزانة كثيرة وعميقة: منها سقوط الزمن، وسقوط المعنى (الحروف والرمانة) . وبإمكاننا أن نقرأ أيقونة الرمانة في توجّهات متعددة، بعضها يمليه شرط الوجدان المغربي المرتبط بعملية الفضح (وَتْفَرْڭعَتْ الرُّمَانَه) تمهيداً للكشف عن وضعٍ آخر غير الذي تختزنه الرمانة والذي يفرض على الماحول الإيمان بالرمانة في نسقها المغلق . إن تفجير الرمانة في عرف هذا الديوان هو تفجير لكثير من المسلمات، منها مسلّمة الواقع المتغوّل بغموضه المفروض، ومنها مسلّمة الحرف الذي يشكّ الزجال في قيمته إذا ما حافظ على نسقيته المألوفة، ومن ثمّة نفهم رغبة الشاعر في فضح الحرف وتعريته تمهيدا لبناء مفهوم جديد للكتابة، أسميها كتابة العراء .

نفس النسق نقرأ به ما شئنا من مقولات الديوان، تفكيكاً  قرائياً للمغلق في المفتوح . ومنها قول الشاعر (لِيَّامْ ڭرَّاتْ) حيث الإقرارُ نسقٌ مفتوح على ضده الكتمان ... (ليّامْ ولدات) بين الولادة المترقبة الراصدة في فرح وخوف لجنس المولود او عقم الولادة، وبين الولادة كمحصّلة مفتوحة على الفتك بالسؤال بعد أن عُلِم الخبر \ المولود أو المولود \ الخبر ...

القصيدة            النسق المغلق               النسق المفتوح

رابتْ لخْزانة   (الخْزانة) في حالة البناء   (الخزانة في حالة الهدم \

                        \ الغموض                   الوضوح

لِيَّامْ ڭرَّاتْ       الكتمان                         البوح

ليام وَلْدات    الحبل حالة انتظار              الوضع حالة انفراج

الدَّنْيا حَنْتَاتْ    القسم كحالة غير خبرية    الحنت كوضعٍ واضح

حَالْنَا مَعْڭودْ    الماحو في وضعية العقدة      الماحول في وضعية الحلّ \

                        \ الأزمة                     الكشف

***

وهكذا دواليك أيها القارئ في غضون الديوان، تجوّل فيه ما وسعك الجول واقطف من لذائذه ما وسعك القطف، لكن في حذر شديد، يرشدك إلى عدم التعسف في التأويل، وإن شئتَ مخرجا فلا تؤوّل بغير شرط منهجي، يعصمك من القراءات المبتسرة والمجانية والعاشقة في رخاء المجانية المسترخية على أرائك الكلام الوثيرة .

إن هذا الماحول الذي يُشَرّحه الزجال (البياز) ويشْرَحه هو لعمري مجموعة من القضايا العالقة والتي يمارس عليها الزجل بعض الكشف الفني برؤية أكثر فنّا، وبطريقة تميل إلى المساءلة الاجتماعية منها إلى النقد الاجتماعي . ولا غرو أن يكون الفن بهذه الزئبقية المستعصية على القبض . ومنها قضايا تمس الدهر في توصيفٍ كلاسيكي للزمان (واشْ الزْمانْ ڭيَّدْنا ؟ تَشْكِيلَة رْباعِيَّة !) في غير تسجيلٍ ولا معاودة (رُندية) ... ومنها ما يمس التأمل الفلسفي المعيد لقراءة التاريخ (تفاحةْ آدَمْ) حيث لا تجد أيها القارئ لتجربة (آدم) تكرارا لقصة العصيان والنزول، ولكن تجد في هذا السياق شاعرا يمارس إعادةً لإنتاج المعنى الديني في لبوس زجلي عميق يقوم على إحداث حالاتٍ من التماهي الجليل بين الإنسان الحداثي وبين الإنسان \ البداية (عَرْاتْنَا الشَّجْرة وَالذّْنُوبْ كَانَتْ دْوَا) في تحليلٍ جديد لمكونات القصة الأزلية، والتي يُلقي بها الشاعر في أحضاننا جمراً لا نكاد نقبض عليه . وحتّى إذا رُمنا ذلك أرسَلَتْنا القوافي (البيازية) إلى حدود أخرى من الصوغ والمعنى والدلالة، فلا نجد (آدم) ولكننا نجد ابن الدوار والقرية مثخنا بجراحه الخاصة:

دَوْرُوكْ وَاهْيَا بُويَا

فَڭلتتْ لْڭسْ ؤُ لْقِيرْ

وَنْتَ خُويَا تَقْرَا

و منها ما يتساءل بمكر رؤيوي لا يدين الجهة وإنما يدين الفعل، خارج أصابع الاتهام القاصرة والتي تُسجّل القضية دائما ضد المجهول، وتعلّق العدالةَ في مقاصل النسيان:

وَمَالْ  عْرَاسْنا لَبْسُوا الدَّمْ

وْڭعدَةْ لَمِّيمَاتْ عْلَى الشَّطْ بِالتَّخْمامْ

وْمَالْ حَالْنَا بِمْدَادْ لْڭطْرَانْ

فِي وَرْقَه .. لاحْتُو لْمِيجَاتْ بِالتَّزْمَامْ...

غِيرْ اَناَ  ڭلْتْ، حَثَّى اَنْتَ  ڭولْ

و منها قضايا الحق . وحتى لا يقع الزجال (البياز) في محظور التكرار والشبه، فإنه بذكاء الزجال (لعْروبي) المخالِط لسيمياء الطير، يُمرّغ التجربة الاحتجاجية في تراب البلد (لوزِيعَه - حَقّْ لْمَڭرُوحْ – جِيحَة ...) حتى لنكاد نلمس تلكم الخصوصية في صوغ العبارة وفي طرح الإشارة مضمّخةً بتألّقها الإقناعي وبإقناعها المتألق الذي إن لم يخلق فينا تغييرا في الحساسية الإنسانية، يخلق فينا تعاطفاً جماليا بالقضية، في موقف سديميٍّ نسمّيه أضعفَ الإيمان .

إن تتبعنا لمثل هذه التيمات ومثل هذه القضايا أمرٌ سيحول دون استقراء منهج الرؤيا (البيازية) للماحول . لأن رصد القضايا في جنوحها القضوي سيقبِعُنا في المعنى، والمعنى مسألةٌ قدحها الجاحظ في طريقه القديمة . وخير لنا أن نتتبع الرؤيا الفنية في تجلّياتها الممكنة والممتدة خارج المعنى، حتّى نظفر بالأقل الممكن من نظرية الزجل في (أسرار النونْ) .

= الصوغ الزجلي:

أ – المفردة المحلّية:

يختار الشاعر (البياز) ودائما مفردته البانية لا لقصيدة زجلية يتيمة، ولا لديوان زجلي عابر، يقوم على الرغبة الهجينة في طبعه ونشره في الساحة الثقافية قصد جني بعض التصفيق والإعجاب . وإنما يختار مفردته لبناء مشروع زجلي مسؤول فنيا ورؤيوياً يدخل الساحة الثقافية من باب الإضافة لا من باب التكرار ودعم ثقافة الشبه .

من هنا سنتابع بعض المحطّات التي يتبدّى فيها الصوغ الزجلي البيازي، تمثيلاً واستشهادا لا حصرا . ومن ذلك نذكر: انتقاء المفردة المحلية المرتبطة بالأرض، (عَنْدي جُوجْ سْبُولاَتْ، مْهَاوْداتْ لِلْغا  بِفدّاني) والديوان عامر بمثل هذا الصوغ، لا لأن الشاعر ابن منطقة تُملي عليه ذلك، وإن كان هذا حاضرا في غير شرطية، ولكن لأن نسغ الكلام يفيضُ في هذا الاتّجاه لمقصِدِيَتيْن: الأولى نسْغِية تؤالِف بين المتكلم وبين مسقط رأسه في إطار تبادل ثقافة الاعتراف . والثانية تمثيلية يصبح فيها التراب مجالا استعاريا للقبض على المعنى والدلالة خارج البداهة . لأن هذه الأخيرة لا تُنتج زجلا وإنما تنتج خطابا يوميا يتقنه المتواصل مع الآخر في حديث يومي في مقهى أو في مجلس .

من هنا قوة الصوغ عندما تتجاوز المفردة في إدهاشها البسيط وهي تنغلق على المستمع الشمالي مثلا أو الحسّاني ... إلى إدهاش بلاغي يرتبط بفنّ الزجل المخلص لنسغ (المرڭد) حتى ولو استغلق الأمر على المخاطَب خارج هذا الحزام اللغوي . فهذا الأمر أصبح في المتناول عبر آليات التكنولوجيا الحديثة التي تقرّب البعيد وتقدّم للقارئ إمكانيات جديدة للاطّلاع على لهجات الأحزمة اللغوية المغربية في أقوى تعدّدها .

قلنا إن الأمر يتعلق ببلاغة المفردة وبالتالي ببلاغة التركيب المخلص للمحلّية، لا في شوفينيتها وإنما في تعددها الثر والغني والباني لزجل وطني مفعم بالتنوع . من هنا جاءت استعارات (البياز) منزاحةً بقوّتين: قوة التركيب المحلّي وقوّة الصوغ الجمالي . ودعنا الآن نستمتع ونعتبر ببعض الأمثلة من الديوان:

- (اعْريِّشْ الشكْوى تزْياطْ) ... لا يستعلي الخطاب هنا على المستمع بقدر ما يخلص لنسغ المحلية، ذلك أن مفردة (التزياط) لا تحيل على ذاتها في حصار مُعجمي بقدر ما تُحيل على حالة نفسية موجودة تحت قوة القهر، ويفيدنا القولُ الصوغي (الدَّقْ ف ڭلْبي... تَعْياطْ) إفادة بائنة . ومن ثمّة ف (التزْياطُ) في جرْسِها الصوتي وفي مجاورتها لمفردة (التعْياط) وفي انتمائها لنسق تركيبي دلالي تفيد أكثر من صوت، إنها صراخٌ وجودي يكاد يمزّق الأسماع قبل أن يدقّ طبلات الآذان .

- (لاطْني حَالْ هاذ السْلاط) ... يكاد يصدمنا لفظ (لاطْنِي) لأنه مُغرِقٌ في المحلية، ولكنه في آخر المطاف علامة لسنية لا تُكلّف القارئ إلا حركة بسيطة في محركات البحث للتعرف على ماهيتها وهويتها اللهجية . وإن شاء لم يفعل، وإن شاء احتمى بمقومات السياق، حيث ترقد اللفظة المفتاح في الجوار القريب (حالْ) . ومن ثمّة نُسرع ونقول إن المعنى وبكل بساطة هو (لاطْني الحالْ = مسّنِي الحالُ) وهكذا تتعرّى الدلالة في آفاق واسعة للتأويل ... كما أن مفردة (السلاط) تفتك بالمجهول في البيان، وتُعرّيه، لأنها تحيل على مفردة لهجية أخرى هي (امْسَلّطْ) ... وكفى بنا توضيحا .

ب- في سيمياء الانزياح:

يركّب الشاعر الزجال (البياز) لبنات زجلياته تركيبا يُغادر بشدّة واضحة مفهوم الكتابة المسطّحة إلى مفهوم الكتابة الشاعرية المتوتّرة الرافضة للمعنى في عباءات الخطاب اليومي . يذهب بها بعيدا حتى تستوي جواهر في قلائد بليغة بلاغة الزجل في مدلهمّ الكلام . نختار من ذلك على سبيل الاستئناس بعض العبارات الحاملة لهذا الجمال:

-(البدرْ التّحْتاني) ... وحيث لا يكون البدر إلا في الأعالي فإن هذا الموصوف انزياحٌ جميل وبليغ يؤطر الصورة الفنية الزجلية داخل المشابهة في غير تطابق تقليدي . فالبدر هنا ليس إمكاناً فلَكيا، إنه إمكان إنساني، وللقارئ كل الحقّ في التأويل .

-(وَلْوَرْدْ انْطابْ تَغْناجُو) ... كيف السبيل لا إلى استيعاب الجمال ولكن إلى تذوق الجمال في هذه العبارة النازحة من قزحية ال (الخاطرْ) التي استطاعتْ أن تحوّل المجداف إلى بحور الجمال في هذا الصوغ ؟ ... ولا نكاد ننهي سؤال الإدهاش حتى يعرّي الورد عن حالة استوائه الجمالية في غنج التثنّي والاحمرار البالغ أوجه في سيماء الخجل داخل صورةٌ فنية عاميّة محمّلة بقدرة بلاغية (بيازية) على تمثل الورد في حالة الثقافة بعيدا عن حالة الطبيعة . هكذا هو الزجل حين يفرّ من أسر الكلام ليبدع حقيقة الكلام .

-(فَقتْ مَنْ لَرْمادْ، كَانْ رْڭادي عَافْيَه) يتدثّر الزجل هنا، في هذا الصوغ داخل الانزياح المزدوج: لأنه يمتح المعنى من أسطورة الفينيق أو العنقاء، ولأنه ينتج الدلالة الآبقة على تسطّح المعنى . وفي هذين السياقين تدوخ ذائقة المتلقي دوخانا لذيذا يمرّغُها في منتديات الاستيعاب الجمالي . هل يقطف القارئ من بساتين المعنى الموسوم بحركية الرماد ؟ أم هل يقطف المعنى داخل انزياح اليقظة التي تكون عادة في الفراش وإذا بها هي الآن في الرماد ؟ أم هل يقطف المعنى في قدرة المتكلم على صناعة التماهي القوي بين الذات والأسطورة ؟ أم هل يقطف المعنى في تحويل النار إلى أُنس ؟ أم هل وهل وهل ... هكذا يمكن للزجل أن يستقلّ بشِعرِيته بعيدا عن الاقتراض من المنظومة العالِمة التي تُملي نظريتها في صوغ الجمال وفي تلقّيه أيضا .

-(كانَتْ غَوْتَة مَنْ جوجْ

جاتْ في تَعْواقْ فَرُّوجْ

للِّي فَيّْق السُّؤالْ

في زْحامْ لَمْدادْ

وَلْباكِي عْلى هْروبْ لْوَقْتْ

مَنْ نْواحْ لْكيسانْ

للِّي فاضَتْ

فوقْ الصّْوانِي ...) ... وحيث إن الذكاء الشعري لا يقف عند حدود المتشيّئ فإن الشاعر (البياز) يقفز بنا إلى ما فوق العلامة . وأقصد علامة الديك بصيغتها الدّارِجة (الفروج) التي تؤدي في هذا السياق دلالاتها أبلغ من أداء مفردة الديك . ولأن (الفروج كائن مألوف في طبيعة العلاقات النسغية البدوية ويمثل جزءاً من الحضور الإيجابي فإنه انتقل، بمبضع الشاعر، إلى علامة سيميائية لا تُحيل على المكوّن الحيواني المرتبط بخصائص الطائر، وإنما تُحيل على استبدالٍ بلاغي يُلقي بظلال التعبير على الإنسان . لأن صراخ الديك هنا موسومٌ ب (التعواق) الذي يتحول إلى (غوتة) وبالتالي تتحول هذه الأخيرة إلى استفزاز كبير لمقولة السؤال . ولا يتم هذا السؤال في المطلق وإنما يتمسرح في سياق إنساني موسوم بالزحام والاختلاط والتدافع، وموسوم أيضا بالعجز البائن على القبض على سيمياء الزمن . قال الشاعر باكي على هروب الوقت من نْواحْ الكِيسان (وتبقى علامة (الكيسان) علامة دالّة وجامعة لحضور إنساني يفقد في كل حين لذّته بفعل تغوّل مستجداتٍ تكاد تفتك بالطقوس الجميلة والبسيطة والدافئة التي كنا نختلسها في أزمنة الوضوح الطبيعي .

ج – سرّ النُّونْ:

هو سرّ الكتابة كما يذهب إلى ذلك منطوق الديوان في بعض محطّاته المركزية التي لا تعبّر عن ذاتها في التراكم الكمّي وإنما في الورود الكيفي . قال الشاعر (البياز) في مواقع مختلفة:

+ من قصيدة (كاسي فريد)

الليفْ لٍيفي والنّونْ نُوني

يا خُويَا تْشمْعتْ ظْنونِي

بْكَاتْ لَحْرُوفْ فِ مْتُونِي

وَتْجَنَّاتْ خْوَاطَرْ جْنُونِي

حلَّلْتِ لَحْرُوفْ وَسَڭتِيها

و أول التدبيج كان إقراراً بالخصوصية . والشاعر (البياز) يعلن في بيانٍ شعري زجلي أنه يمتلك حرفه الخاص، لا في تشابه ولا في تكرار ولا في تناص ولا في تقليد ... (الليفْ لِيفِي والنونْ نُوني) ويعلن أيضا أنه زجلٌ يكتوي بالاشتعالِ والبكاء، لا في نسقهما المحترق في مجانية رخيصة أو بكائية رومانسية، وإنما في تخطٍّ للمألوف يكاد يبلغ درجة الجنون في الكتابة . وهذا سرٌّ من أسرار النّون في الديوان . فالشاعر يقدّم لنا مفهوما متمرّدا لفعل الكتابة، وفيه نفهم تجاوزه للكتابة الناسخة في غير إبداع .

+ قصيدة (شطحة لحروف)

مَاحَزْتِ لْكَافْ وَالنُّونْ بِليلَهْ.

نبْها بِمدادي

فِي خْيامْ اللاَّماتْ

وَانا غيرْ كْليمَة

خَرْجَتْ كِيَّاتْ

نَحْصَدْ شُوكْ لْمَعْنَى

مَنْ بَعْد ما زْرَعْتْ

لَوْقاتْ

و هي أيضا كتابة تدعو صاحبها إلى التباهي المشروع مادامت متميّزة وباصمة على فعل الشعر في الساحة العاجّة بالغثاء . (نبْها بمْدادي) في محافل القامات الشعرية الكبيرة (في خيامْ اللامات) ودائما في حضور شرط الانكواء (خرجتْ كيّاتْ) والمعاناة (شوك المعنى) وهذا سرّ آخر من اسرار النون في الديوان .

= بعض الموسيقى:

لا يمكن الحديث عن الصوغ الزجلي دون الحديث عن المفارقة . ويتعلق الأمر بكثير من الكَتَبَة في مجال الزجل، يظنون أن هذا النوع الأدبي الموسوم بالعاميّة حائط قصير تسهل الكتابة فيه والإبداع، مادام في نظرهم مصوغا بالدارجة . مما يعطيهم انطباعاً خاطئا بأن الزجل مطيةٌ سهلة . هذا خطأ فادح وخطل في التصور الفني لطبيعة الإبداع في مجال الزجل . وليست هذه مناسبة للخوض في هذه المفارقة، وإنما حسبنا في ذلك، تتبّع طريقة الصوغ لدى الشاعر الزجال (فؤاد البياز القاسمي) .

يَنْظِم (البياز) زجلياته مؤمنا أولا وآخراً أنه ينحت من صخر، لأن العبارة الزجلية ماكرة مكرا أشدّ من مكر العبارة المعربة والفصيحة . إن استعصاء العبارة الدارجة على الانخراط في شِعرية القول هو لعمري رهان يبلور حقيقة المبدع الزجال، ويضعها في المحك مادامت الدارجة تتغوّل في سديم التركيب الشعري المنزاح عن طبيعة التخاطب اليومي الذي يحكم المتواصلين باللهجة المحلية بغاية التواصل ليس إلا . من هنا قوة الزجل حين يمارس عليه المتكلم المختلف عن الناس شِعريةَ الصوغ . فليس كل كلامٍ دارِجٍ بالضرورة زجلاً، والزجل أكبر من لهجة أو لسان عامي ينتظم مجموعة من المتكلمين . الزجل شعرٌ وكفى .

و هنا لا يهمّنا الحديث عن أوزان الزجل المرتبطة بالمبيّتْ أو مكسور الجناح أو السوسي أو غير ذلك، مما يحتاج درسا أكاديما خاصا ليس هذا مقامه، وحسبنا من ذلك أن نقرأ بعض الموسيقى في تجليات هذه الرحلة الزجلية تمهيدا وانتقاء وليس حسما وانتهاء .

يمتد الديوان على مساحات واسعة من القول الزجلي، وهو الشيء الذي قد يكون وبالاً على صاحب الديوان وعلى القارئ إذا ما لم يكن الصوغ الموسيقى صوغا واعيا بالعلاقة بين الشعر وأذن المتلقي . إلا أن الزجال (البياز) عرف كيف يوظف هذا الجانب في رؤية إيقاعية متنوعة تعتمد تعدد الأنساق الصوتية . ومنها النسق الوزني الرباعي الذي يعتمد رويا واحدا، وأحيانا أروية متعددة تتغير من مقطع إلى مقطع لتنويع الاستقبال الإيقاعي وبالتالي التأثير في استقبال المعنى والدلالة والمُضي بها إلى أقصى تخوم الجاذبية والإدهاش احتراما لذائقة المتلقي الذي لم يعد متلقيا ساذجا يستهلك كل القول باعتباره زجلا وما هو بالزجل .

و منها النسق الوزني المتعدد الأسطر الزجلية الشعرية بحيث لا مقياس إلا مقياس التدفق النفسي في قوالب صوتية تتحكم فيها طبيعة الدلالة . مع احترام نسق توارد الأروية بشكل هندسي واضح التناوب حيث يحرص الشاعر أحيانا على روي واحد يختم المقاطع، مهما تعددت أرويتها داخل الأسطر ما قبل الدفقة الزجلية الشعرية الأخيرة .

قد يزيد الشاعر في حجم المقاطع الصوتية البانية لهيكل البيت الزجلي الشعري فوق الأربعة عشر مقطعا وهذا نادر الاستعمال وقد يؤثر إيجابا في سمع المتلقي وفي وجدانه، كما قد ينفّره من المتابعة، وذلك تبعا لطبيعة المستمع وقدرته الجمالية على التلقي . مثال:

اَنَا مْزاوَ ڭ  في ذِيكْ لَحْروفْ لِي طَجَّتْ مَنْ لَوْكَرْ – نقطّعها كالتالي:

أ – نمْ – زا - وڭ  - فْ – ديكْ – لحْ – روفْ – اللّي – طَج – جتْ – ملْ – لو – كَرْ = 14 مقطعا

و في نفس الإطار الزجلي، يطفو على السطح سطر زجلي بمقاطع أقلّ:

شَفْنَاها في مَجْمَعْ الطُّلْبَه – بثمانية مقاطع، نوزعها كالتالي:

شفْ – نا – ها – فْ – مج – مع – الطلْ – بَ = 8  مقاطع

و أحيانا تنزل إلى أقل:

مالتْ بِنا لِيّامْ – بستّة مقاطع نوزعها كالتالي:

ما – لتْ – بنا – ل – يامْ = 6 مقاطع

و أحيانا أقل بكثير:

وا هْيا لِيّامْ – بأربعة مقاطع، نوزعها كالتالي:

واه – يا – ل – يامْ = 4 مقاطع

و في سياق إيقاعي آخر وجدنا (البياز) مبدعاً في نوع (لَمْبِيّتْ) وهو الصيغة الزجلية للبيت الشعري العربي التقليدي المشطور إلى صدر وعجز، وبالتعبير التقني الزجلي يسميهما الدارسون المهتمون بالمجال (افْراش ؤُ اغْطا) ... برع فيه (البياز) اختيارا للأنساق الصوتية المُعبّرة . قال:

فِي لْوْزيعَهْ ضَاعْ حَقّْ لْمَڭرُوحْ

ضَوّْ لْغُرْبَه   تَلّفْ طْريقْ لْبَرّانِي

رَفْرَفْ ڭلْبِي ضُّرْ كِفْريخْ مَذْبُوحْ

نْبُوحْ لْبُوحْ شُوقَاني.  لْعَلَّة شَدّانِي

***

و هكذا سار الصوغ الموسيقي في قصيدة (حَقّْ لْمڭروحْ) وغيرها من القصائد، يستظل فيها الشاعر بهذا الأثر الطيب في السمع والسماع المغربي، الذي يداعب الأذن عبر توظيفٍ جيدٍ لوحدة الروي (صوت الحاء الساكنة في العروض) و(صوت النون المشبعة في الضرب) . وفي هذه الزجلية التقتْ الدلالة البعيدة مع الإيقاع في شخص المقاطع الممثِّلة للدفقة الأخيرة من (الفْراش) ومن (الغْطا) حيث انسجمتْ الحاء الساكنة مع طبيعة المعاناة لهذا الموصوف ب (الْمڭروحْ) كما انسجم الإشباعُ في نون الدفقة النفسية والموسيقية في آخر البيت الزجلي مع توقِ الموصوف إلى شيء من الانفراج في مكابدته التاريخية . فتنوعتْ بذلك سيماء القصيدة بين اختناق الدلالة وانفتاحها، كما بين انغلاق الصوت وانسيابه .

و كما نجحت ذائقة (البياز) في اختبار الأنسب في (حَقّْ لْمڭروحْ) نجحت أيضا في انتقاء اللازم صوتا ودلالة في قصيدة (لَعْبارْ) . قال:

مَنْ عَنْدَكْ جَا هَاذْ لَعْبَارْ شِيَّاعْ

وَوْزَنْتِ النَّاسْ بٍالشُّوفَا قْيَاسْ

تُوتَشْ لْحَادْرَا الجّْمَلْ لْڭعڭاعْ

طَاحَتْ هَذْ لْبَيْضَه فِي الطَّاسْ

و الجميل هو توزيع المقاطع الصوتية في أبيات هذه الزجلية داخل نسق عددي يتراوح بين 9 و10 و11 مقطعا في البيت . مما يضفي على العمل الزجلي الشعري هنا بصمة موسيقية واعية بذاتها في محاورة الأذن المغربية كمتلَقٍّ لا يمكن تجاوزه كوعيٍ آخر ينتج القصيدة إنتاجا آخر بمكرٍ شديد، قد يتحول إلى نقدٍ أشدّ، ومنه إلى موقف نقدي أكثر شدّة . إلا أن (البياز) احترم هذا الشرط ولم يصدم المتلقي في ذوقه الذي أسمّيه الذوق العامّيّ المشترك، والذي يؤسس دونَ وعيٍ منّا قوة العلاقة الجمالية في مسألة التلقي الجمالي .

فنصبح أمام ديوان يوزّع مقاماته الموسيقية على شتّى الإيقاعات واختلافها وتعددها تعدد تنوعٍ لا تعدد تكرار ليفسح الزجال (البياز) المجال للمتلقي كي يشنّف مسامعه من لذيذ الوزن في زجل لا يتكلم تقريرا، وإنما يقدم للقارئ شيئا من الموسيقى الجاذبة والمؤثرة والمتجاوزة لوظيفة الحلية الصوتية إلى الوظيفة الإدهاش المبَطّنة بكثيرٍ من الوظائف الأخرى كالتأثير والإقناع والتوجيه والتعليم والإخبار والتصوير الفني وغيرها ...

خاتمة:

لم نحاصر الديوان في كلّه وفي جلّه، وإنما انفتحنا على بعض قضاياه وحاولنا مقاربته في حذر من أن يقرأَنا أحدٌ مُلمّين بالمادة والمجال إلمام العارفين . إن هي إلا مغامرة العابرين تروم تفكيك بعض العناصر الشعرية في ديوان (سر النون) للزجال (فؤاد البياز القاسمي) الذي اختار هذا العنوان تبرّكا بحرف قرآني أودعه أسرار الذات (البيازية) المهووسة بالقول العاميّ و(الشعبي) بين قوسين، وفيه تبدّتْ هذه (النون) حرفا زجليا لا يقف عند حدود الصامت المقيم في لسان العرب والمغاربة، بقدر ما هو نسقٌ ثقافيّ يمتح صولته الزجلية والقِرائية من الوجدان المغربي الغابر والراهن . من هنا قدرة الشاعر على التقاط عناصر هذه (النونْ) داخل نسق لهجي بدوي يستمد جماليته لا من مفردات اللهجة، فهذه ممكنة لكل متكلم (دكّالي) وإنما يستمد جماليته من قدرة (البياز) الشعرية الزجلية على عجن التراب البلدي في أتون الجمالية الشعرية، بطريقة تترك أثرا إيجابيا في المتلقي وهو يسبح مع الشاعر في عوالم الإدهاش الزجلي .

 

الكاتب: نور الدين حنيف

..............

هوامش:

1 - علي جعفر العلاق، في حداثة النص الشعري، (عمان: دار فضاءات، ط 3، 2013م)، ص11.2

2 - صابر عبيد، القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الايقاعية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001، ص 12

3 - توجد قبائل القواسم بمنطقة دكالة وعاصمتها مدينة الجديدة بالمغرب، وهي قبائل مشهورة برياضة الصقور .

4 - ابن منظور، لسان العرب، باب السين، دار المعارف، القاهرة، ص 1958

5 - حوار مع جاك، دريدا، كريستيان، ديكان: مجلة الفكر العربي المعاصر، العددان 18-19 (1982)، ص:254 عن عبد الله، إبراهيم، وآخرون،معرفة الآخر، مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة، ص:114.

 

 

 

 

 

 

 

صبري يوسفيكتب الشّاعر، والمخرج اليمني حميد عقبي الشِّعر كمَن يبحثُ عن مساراتِ دهشةِ الرّوحِ، وهو في أبهى تجلِّياتِهِ. لا يمسكُ بخيطِ القصيدة أثناءَ انبعاثها، لأنّ هذه القصيدةَ انبلجت عنده بطريقةٍ إشراقيّة عفويّة متدفّقة من دون أن يخطِّطَ لها، فلم يجدْ نفسَهُ إلَّا وهوَ أمامَ حالة انبعاث بهجة الحرف من وهجِ تدفُّقاتِ الخيالِ، فولدتِ القصيدةُ بطريقةٍ ابتهاليّة انسيابيّة خلّاقة، أشبهُ ما تكون رؤية حلميّة حنينيّة شوقيّة مكتنزة في عوالمِهِ الباطنيّة، فانبعثَتْ كإشراقاتٍ إلى مساحاتِ لاشعورهِ، ثمَّ أمسكَ قلمَهُ أو حاسوبه أو ما وقعَ في متناولِ يدِهِ، ليدوِّنَ ما انبعثَ من فضاءاتِ الخيالِ والأحلامِ المعشّشة في حنايا اللّاشعور، لأنّهُ ما كانَ يعرفُ أصلاً ماذا سيكتبُ، لأنّه كان في حالة تدفُّقاتيّة مفاجِئة، وغامرة بالفرح والجموح والتّجلّي، وهكذا حالة غالباً ما تكون ناجمة عن شحنة مشبّعة بالتَّأمُّل ومخزّنة في بواطنِهِ نتيجة تراكم أفكار مشرقة في ساحةِ الشّعور، تلقَّاها بطريقةٍ أو بأخرى ثمَّ توغَّلتْ إلى واحاتِ اللّاشعور كي تغفو هناك، ثمَّ تنبلجُ بطريقةٍ خاطفة دونَ أيّةِ مقدّمات. وبما أنَّ محورَ هذه القصيدة ينبعُ من فضاءاتٍ روحيّة إنسانيّة تأمُّلاتيّة، ومهداة إلى الشَّاعر القس جوزيف إيليا، هذا الشّاعر البديع الَّذي شاركَ في ندوة حول فلسفة الموت، الخاصّة برحيل والد الشّاعر والمخرج حميد عقبي، حيث ألقى القس الشّاعر بعض القصائد خلال النّدوة، افتتحها واختتمها، ويبدو أنّ ما قاله توغَّل في ذاكرة الشّاعر حميد عقبي، وظلَّت هذه المشاعر المتوغّلة في أعماقِهِ غافية في بواطنِهِ، تتحينُ الفُرصة لتخرج بشهقةٍ شاعريّة مفاجئة، وإذ به يجدُ نفسه يكتبُ نصَّاً عن عوالم الطُّفولة والبراءة والصّفاء وكل ما هو روحاني وطفولي وبرئ، حيث وجد نفسَه في لحظاتِ انبعاث القصيدة، محرَّضاً لما يعتريه من هواجس في هذه الفضاءات الرّهيفة، فكتبَ قصيدته مستوحياً من عوالم الرُّوحانيات والبراءة والقداسة وهيبة الموت وسموِّ الرّوح، ما جاء في سياقِ القصيدة، وأشار في نهاية القصيدة إلى أنّهُ في انتظارِ بسمة الرّب وعطاءاته الوفيرة. وكل هذا يشير إلى أنَّ الشّعر والإبداع بشكل عام ينبع من حالات إشراقيّة، تكون كامنة هذه المشاعر في أعماق الشّاعر، وتحتاجُ هذه المشاعر الكامنة في اللّاشعور إلى ومضة، أو إشراقة ما، وحالما تومضُ هذه الومضة تنسابُ القصيدة وكأنّها نسمة منعشة منبعثة من مهجة الرّوح إلى نورِ الحياة، وأكثر ما يعانقُ الرُّوح في مذاقِ الإبداعِ هو الشِّعرُ، وأرى أنَّ الشِّعرَ هو نوعٌ من التنبُّؤ وينبعثُ من حبورِ الرّوحِ والحلمِ والخيالِ، وكل هذه الانبعاثات محتبكة بخصوبةِ الرُّوحِ المتجلِّية، وعندما تولدُ القصيدة بهذه الطَّريقة، غالباً ما تكونُ رهيفة وشاهقة وخلّاقة، لأنّها تنبعُ بكلِّ انسيابيّتها وعفويَّتها ورشاقتها، وقد قرأتُ ما جاءَ بين سطورِها وما كان متوارياً في فضاءاتها الّتي لم يدوِّنها الشّاعر، لأنّ القصيدةَ عندما تولدُ في هذه الحالات، لا يستطيعُ الشّاعرُ الإمساك بالكثير من الخيوطِ الإشراقيّة المتدفّقة، فيكتبُ ما يمسكُ به، ويتوارى ما لا يمكن التقاطه، فيتلمّس القارئ اللّبيب توهُّجات ما توارى لحظات وهج الانبعاث!

 

 صبري يوسف

أديب وتشكيلي سوري مقيم في ستوكهولم

..............................

مانزال أطفالاً

حميد عقبي

الإهداء: إلى الشَّاعر القس جوزيف ايليا

 

يغترفُ الرَّبُّ من ينبوعِهِ 

ينثرُ ألواحَ قوس قزح

كنّا أطفالاً تغرينا شهقةُ السَّماوات

همهماتٌ في الأعلى

وتصفيقٌ ...

أصبحَ لكلِّ عاشقٍ ملاكاً

يشدُّ من أزرِهِ لينسجَ قصيدةً

يواسيهِ في  ليالي الهجرِ

يقبضُ روحَهُ إن طالَ الفراقُ ..

 

يغترفُ الرَّبُّ من ينبوعِهِ الآخر

قبضةً من نجومٍ

يزرعُها فوقَ الرَّوابي والغاباتِ 

تزهرُ للعشاقِ 

تظلِّلُهم فلا خوفَ عليهم

تعالي نبحثْ عن عشبةِ اللّاخوفِ 

اللّاحزنِ

اللّاوجعِ

 

وعدتني يا أبي بلقاءٍ قريبٍ

ظننَّا أنَّ الحربَ شاخَتْ

أنّنا سنقبرُها

نهيلُ التُّراب ونبتني قبراً إسمنتيّاً

نوصدُهُ عليها

قلتَ لي صدّقني

لماذا أصغيتَ لصفيرِ قطارِ المغادرة ؟

تسبحُ أحلامُنا المشروعة

يصفِّقُ الأطفالُ

قوسُ قُزَح يكحِّلُ عينَ الشَّمسِ 

تكلِّلُ أعناقَ السُّحبِ بعناقيدَ مغريةٍ

يدي ظمأى

الكأسُ على الطَّاولة

نصفُهُ ضوءٌ ونصفُهُ فراغٌ

الزّجاجةُ تنتظرنُي

يتلصَّصُ النَّدى

ليلٌ ساكنٌ

وأنا المسكونُ بالهواجسِ

أنتظرُ العودةَ

همساتٌ بلغةٍ غير أرضيّة

ترقُّباتٌ لهلالِ العيدِ

مانزال أطفالاً

ننتظرُ ضحكةَ الرَّبِّ .

 

حميد عقبي

مخرج سينمائي وكاتب وشاعر يمني مقيم في باريس

 

الكبير الداديسيبعد الجزء الأول التي رصدنا فيه النظر السوداوية لمدينة آسفي في كتابات روائييها، ونوعا من جلد الذات بالتلذذ في إبراز عيوب المدينة وتقديمها في صورة كالحة، نحاول في هذا الجزء الثاني إبراز بعض الإشارات المشحونة بدلالات موجبة في الكتابات الروائية التي استطعنا قراءتها.

فمن الروايات ما رأت أنه لولا البحر لما كان للمدينة وجود، ولَمَا قصدها التائهون وأهل الله، فقد " كان البحر بدءاً وكانت آسفي، استوت على الجرف العالي، واستوى الفلك على الجودي، صاعدة من قلب الطوفان، جوهرة ومنارة وحضناً للتائهين والحيارى وعابري المحيط والمؤلفة قلوبهم على الخير والصلاح والواصلين من أهل الله"  هكذا كانت أسفي عاشقة البحر ومعشوقته، بينهما عناق أبدي، حتى لتبدوَ المدينة من قمة سيدي بوزيد " في عناق حميمي خالد مع البحر فكأنها تخرج من بين ذراعيه، أو هو ينسل من بين أحضانها، أو كأنهما في اللحظة الأخيرة للانفصال عن بعضهما، أو هما في اللحظة الأولى للعناق والالتحام والضم"، هذا العشق يفرض التضحية من أجل العشيق، والحب عطاء مستمر بدون انقطاع ومن أحب يعيش من أجل الحبيب: "أحب البحر هذه المدينة، وأحبت آسفي هذا البحر، عاشت من أجله، وعاش من أجلها، أغدق عليها خيراته وعطاياه فسكنت إلى جواره بنت بيوتها البدائية على شواطئه"

لقد جعل البحر من آسفي نهاية العالم، وأبعد ما يمكن أن تصله المراكب والحضارة يوما ما، من وسط البحر تتراءى المدينة نقطةَ ضوءٍ تلوح فيقصدها التائهون في البحار وعلى ساحل بحرها وقفت: "سنابك جياد عقبة بن نافع كآخر نقطة للعالم المتحضر، نهاية العالم المتحضر، فلا فتح ولا عمران بعد آسفي... وآسفي آخر منارة قصدها الفتية المغررون أنقذتهم من التيه والضلال، كانت منتهى رحلتهم وغاية مجراهم، لقد اتجهوا نحو الضياء والشهاب والقبس "أسافو"

ظل البحر، ولا زال، يغدق خيراته على المدينة وكان سببا في أن بوأها مكانة عالمية في الصناعة الغذائية، وجعلها عاصمة السردين العالمية، فساهمت خيرات البحر في إنشاء "معامل تصبير السمك الممتدة على طول الساحل ابتداء من حي تراب الصيني وانتهاء بالشاطئ الجنوبي للمدينة يفوق عددها خمسين معملا يرتبط نشاطها بالإنتاج البحري" ، هذه الخيرات والمعامل خلقت فرصا للشغل، وما ضاقت الحياة بامرأة من أبناء المدينة إلا ووجدتْ ضالتها في تلك المعامل هكذا لمَّا "ترمَّلت رحمة أم إزَّة خرجتْ للعمل في معامل تصبير السردين الملاذ الوحيد لمن ضاقت به سبل العيش وصفعته الأيام القاسية" . ولم يجد المستثمرون لما فكَّـروا في بناء مشاريع استثمارية سوى الواجهة البحرية لبناء تلك المعامل، فشيدوها "على امتداد الساحل الجنوبي للمدينة: ارتفاع صخري يشغل مساحة هامة من حيز طبيعي يطل مباشرة على البحر بأجرافه العالية"  ليكون البحر مصدر الخير، مطهِّر الأجساد والأرواح ومستقبل النفايات لذلك بُنِيَتْ المعامل على مشارفه " مما يسهل رمي النفايات والتخلص من بقايا مخلفات السردين" بالبحر.

وبالإضافة إلى تأثير البحر على اقتصاد المدينة، فقد بينت بعض الروايات أثره على ساكنة المدينة وتطبعهم بطباع كائناته البحرية ، فليظهر بطل إحدى الروايات تعلقه بمحبوبته قال: " كسكان آسفي أصبحت آكل السردين باستمرار، فحملت كثيرا من خصائصه، السردين وَفِـيٌّ لأرضه، يقطع ألاف الأميال ليعود لمسقط رأسه ليضع فيه نسله، لا يمنعه من الوصل سوى الموت، وأنا وَفِيٌّ مثل السردين، أحِنُّ لأرضي، وأنت يا سكينة أرضي، سأموت ما دمت لم أستطع الوصول إليك" ، هكذا يكون البحر قد سكن أفئدة أبناء المدينة ليظل منقوشا في ذاكرتهم ووجدانهم حتى وإن غادروا المدينة، فلم تجد "السيدة كركم" إلا أن تمتع شريكها بما كان البحر قد متعها به في صغرها بآسفي فتقول له: "سأجلبُ لكَ جراد البحر الشّائك، وكذا حبّاره وأخطبوطه ومحاره وبلحَه الأحمر، لن أتركَ شيئا كان اللهُ يرزقني إياه على مائدة طفولتي" فظل البحر، ولا زال، يسكنها لا يفارقها طيفه، لدرجة أن أول ما تنسمته في صدر حبيبها عطر البحر الذي ذكرها بمدينتها آسفي تقول: "وتتذكّر جيّدا كيف ظهرتَ لي حينما وضعتُ رأسي على الوسادة في أوّل ليلة أقضيها بها (صقلية) ، كنت لا أعرف أيْنني حقيقة، أمازلتُ هناك في المغرب أم أنني في أرض أخرى غيره؟ كيف لا وقد كان أوّل ما تنسّمتُه عطرَ البحر في صدركَ فتذكّرتُ محيط المدينة التي رأيتُ فيها النّور، واليوم وأنتَ تظهَرُ لي من جديد في السّوق بالقرب من بائع السّمكِ فإنّ أول سفر ستقوم به ذاكرتي سيكون في ملكوت السّمك"  وكلما رأت البحر أو مدينة بحرية إلا لاح طيف آسفي التي ارتبطت بالبحر تقول وهي في صقلية: " صقليّة تذكّرني بكلّ شيء وبحرها يجذبني إلى بحري وسوقها تجذبني إلى أسواق وطني"

 

لقد شكل البحر على الدوام مصدر متعة وإمتاع، فيقصده أبناء المدينة للراحة والاستجمام، وتفريغ ما يختلج صدورهم، وكلما اغتم أحدهم، أو ضاق ذرعا بالحياة أمَّ البحرَ يشكوه همومه لأن البحر يحيط بالآلام ويرسم ويتقبَّل الآمال الممنوعة "مدينة آسفي كنت أستمتع قرب بحرها المحيط الذي كان يحيط بآلامي ويتقبل آمالي الممنوعة" . وكان سارد رواية "النادل والصحف" لا تحلو له جلسات المساء إلا في شرفة شقته يستمتع بجمال زرقة البحر يقول: (كثيرا ما كان يحلو لي الجلوس بهذا الفضاء أحتسي ما أعده من قهوة المساء، منتشيا بزرقة البحر على مرمى البصر من على الطبقة الثالثة من العمارة، وهي عمارة، تعتبر من نتاج الحرب العالمية الثانية مثلي، ما زالتْ إلى الآن على اسم مشيديها من الأوروبيين تحمل اسم العمارة الأوروبية) . وكذلك كان الطيبي الجزولي الطفل الكسيح في "سيرة صمت" يحب الجلوس في الكورنيش ومراقبة البحر (كنت أحب أن أجلس في الكورنيش أراقب البحر الهائج والصيادين الذين يرمون بقصباتهم المصنّرة خيوطها نحو الماء طلبا للأسماك."

 وأحيانا كثيرة، كان البحر يجود بفواكهه دون تعب، فيلتقطها الأطفال من على رمال الشاطئ، تصف بطلة رواية السيد كركم كيف كان الأطفال يتناولون فواكه البحر الشاطئ دون أن يدركوا قيمتها الغذائية فتقول:" وفوق الرمال المبلّلة كنّا نجلس معاً ونفرش إزارَنا الأبيض ونبدأ في أكل خيرات البحر نيّئةً، بينما والدي يشرحُ لي كيف أفتحها بالكُلاّب أو أكسرها بالمطرقة الصّغيرة، وكنتُ سعيدة بذلك أيّما سعادة وأنا سّأشربُ ماء القنفذ وألتهمُ بيضَه، أو وأنا أتلذّذ بمذاق بلح أو محار البحر النيّئين يِن والمالحين والمفعمين بكلّ العناصر المغذّية للجسد والمولّدة للطّاقة فيه. وما كنتُ أعلمُ أنّني كنتُ ألتهمُ الحياة الحقّة في شكلها الخام وكلّ عناصرها التخليقية إلا حينما كبرتُ وبدأتُ أعيد النّظر في كتاب الوجود، وأستوعب كيف أنّ البحر نفسه كان ولم يزل معلّمي الكبير، وكيف لا يكون كذلك وفي حضَرتِه عثرتُ على بيضة الكون، ومعه وبه شربتُ سرّهَا، ومددتُ كلّ خليّة في جسدي بنُسغها وأنا في رفقة السلطعون النّاسك والسرطان الأحمر والأسود والأزرق، وحيوانات أخرى لا حدّ لها ولا حصر."

هو البحر مصدر تغذية ومفرِّج الكُرَب والهموم، فلما ضاقت الدنيا بفاطمة – بطلة رواية "انتقام يناير" - وقررت الانتحار بعدما كاد يغمى عليها وسط زحام شارع الرباط بالمدينة، لم تجد سوى البحرَ متنفساً وبلسماً يشفي جراحاتها تقول: "تمكنت من سحب هامتي من الازدحام نحو كورنيش المدينة المطل على البحر من على ظهر جرف هار، بدت لي الشمس بعيدة تستعد لتغطس في قاع البحر، وتغتسل من تعب النهار، فكرت في إلقاء نفسي في الجرف السحيق عسى الارتطام يطهر النفس من أردان الزمن الموبوء، ضباب سنوات الدراسة الطويلة تلاشى، وألق الوعود بدده قرار رئيس يدعي تمثيل الشعب : لماذا لا أنتحر أ ريح وأستريح؟؟(...) نفخ نسيم البحر رذاذه على وجهي فكانت انتعاشته بلسماً" بل استفادت من إصرار الموج على نطح صخور الكورنيس دون ملل، ومن مقاومة الصخور للموج على مر الزمان، تقول" وضعت صدري النصف مكتنز على الحاجز، وغرقت أتأمل الجرف العنيد يقاوم تتابع هجمات الأمواج، فتتكسر تباعا، لا هي تعبت، ولا هو استسلم، ردَّدتْ قول الشاعر بترنم:

ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر  تنبو الحوادث عنه وهو ملموم

فَلأكن كهذه الصخور لن أستسلم سأتسربل المشاكل، وإن أصابتني مشاكل أخرى تكسرت المشاكل على المشاكل..."

نِعَمُ البحر على المدينة لا تعدُّ ولا تُحصى، فهو مصدر غذاء، ووسيلة راحة، سبيل حذاقة إنسان المدينة وفطنته لقدرته على تعليم الصيَّادين أسرارَ الطبيعة فرأت فيه إحدى البطلات المعلم الكبير "البحر نفسه كان ولم يزل معلّمي الكبير" . والبَحَّارُ الذي استأنس بالبحر وعرف أسراره "يُكثِر الحديث عن الصدفيات والرخويات والقشريات فيعرف المصايد واحداً واحداً، وأيُّها أوفر سمكاً، وأيُّ ريحٍ أنسب للصيد، وأي طعم يمكن استعماله في أوقات معينة تستهوي الأسماك مما يجعل الصيد وفيرا وعن حركات المد والجزر وارتباطهما بالقمر.." بل إن البحر يُكسب البحَّار درايةً وخِبرةً فتصبح له " القدرة على معرفة الأسماك الموجودة في كل جهة من البحر بحاسة الشم فقط، يشم ريح المنطقة ويأمر" ارموا الصنانير هنا يوجد سمك موسى بالأطنان" ومنه كانت بطلة رواية "سيدة الكركم" تستلهم معارفها فبقد الرهبة التي كانت تشعر بها كما وقفت بجانب البحر، كانت استفادتها منه تقول لعشيقها: "دعني أحدّثك عن البحر، فمنذ طفولتي البعيدة، كنتُ كلّما وقفتُ أمامه شعرتُ برهبةٍ كبيرة، كان أبي يعلّمني كلّ أسماء أهل البحر من القشريّات والصدفيات راسماً في يديّ خريطة الصّخور كي أعرف أين يسكن سرطان البحر مثلاً، أو الرّبيان الملكيّ، وكنتُ أجد في ذلك متعةً كبيرة وأنا أطّلع على الكهوف والثقوب الصّخرية الكبيرة" ـ ومن الكائنات البحرية التي تتأملها على الشاطئ كونت معرفتها بالكون والوجود، تقول: " حينما كنتُ أمسكُ قنفذ البحر بين يديّ فكان أوّل ما يصلني منه من رسائل عرفانيّة هو خطابه الدّفاعيّ المتمثّل بكثرة أشواكه، ضف إلى ذلك رائحته التي كانت تحتفل بالحياة بكلّ معانيها، ولون بيضه البرتقاليّ كان يقول لي إنّه منّي تبدأ الحياة وبها تنتهي. سرطانُ البحر له أيضا خطابات من هذا القبيل لكنّ شكل قوقعته كان يذكّرني دائماً بشكل القوقعة البشريّة أيْ بجمجمة الإنسان التي تحتضنُ الدّماغ بكلّ عنايةٍ ومحبّة، هذا الدّماغ الّذي يشبه في تشعّباته ولزوجته كثيرا المادّة الحيّة التي توجد في داخل قوقعة السرطان"

وتستمر تلك العلاقة الوجدانية والحب العفيف الطاهر، بين البحر وسكان مدينة آسفي حتى بعد الممات، في علاقة تشبه ما عبر عنه جميل بن معمر لمحبوبته بثينة لما قال فيها:

يهواكِ ما عشتُ الفؤاد وإن أمُتْ       يتبعْ صدايَ صداك بين الأقبرِ

لذلك كانوا يختارون لموتاهم مقابر تطل على البحر، حتى يظلوا مستمتعين بجماله بعد موتهم، ورد في روايةٍ لعبد الرحيم لحبيبي: "حفر أهل آسفي قبور موتاهم ومقابرهم على جنبات البحر، شمالا ووسطا وجنوبا، على منخفض حي آشبار المطل على الشاطئ والميناء، كانت هناك مقبرة كبيرة يشرف منها الموتى وهم في العالم الآخر على الرمال الذهبية... وعلى هضبة لالة هنية الحمرية، ومن تحت أقدام الجهة الجنوبية للسور كانت هناك مقبرة ، تحتها آثار مدينة قديمة مطمورة... في كل مكان على جنبات البحر مقابر صغيرة وكبيرة حتى في ضواحي المدينة باديتها المجاورة للبحر هناك مقابر ساحلية بحرية" . فظل البحر عبر التاريخ يُمْتِع المدينة، يستمع إليها ويحكي حكاياتها " هذا البحر يحكي قصتنا نحن في آسفي" .

 وللروائية الاسفية لمستها الروائية ونظرتها الخاصة للبحر، هكذا وجدنا الروائية أسماء غريب تضفي مسحة نسائية على علاقة البحر بأسفي فتفتح في كتاباتها الروائية المطبخ المغربي على البحر لتقدم ألذ الأطباق لشريك حياتها تقول بطلة "السيدة كركم" : "بعد المشروب السّاخن دعني أقدّم لك الجزء الثاني من أطباق البحر: سأبدأ بسمك القدّ، وقد طبختُه لك بالبخار في كسكاس من الخيزران ولا شيء معه غير بضع قطرات من زيت الزيتون وبصلة لتمتصّ روائح الخشب والسّمك، بعد هذا سأطهو لك بيديّ هاتين أطباقاً متنوعّة من سمك السردين" و لنر كيف تتفنن في تقديم تلك الأطباق وكيف وسم البحر الطبخ المغربي ليقدم للعالم طريقة تحضير وجبات السمك لما تقول لحبيبها "سنشعل نارا ألسنتها من خلٍّ عَطِر صنعتُه من التّفاح، وآخر من الليّمون الحامض وقشرته، وسأنقع فيهما معاً قطعاً رفيعة من سمك السّلمون والسّيف الفضّي، ثم أُزْهِرُهما بعروش من البقدونس الطريّ المقطّع بشكل دقيق جدّاً، ولن أضع ذرة واحدة من الملح. أمّا عن الأفوكادو والإجّاص، فإني سأصنع لك منهما طبقاً منعشاً ممزوجاً بحفنة، وبضع من حبات ياقوت الرمان ووريقات النّعناع الزكي وبضع قطرات من عصري الليمون.." وأكثر من الأكل كان البحر قادراً على أن يقدم إكسير حياة، وقادرا على تجديد الخلايا الإنسانية، وتطهير الأبدان والنفوس فتدعو حبيبها إلى شراب صنعته بيدها من ماء البحر : "هذه مائدتنا الرّابعة أ يها الفتى الزكّي، سأفتح إزارها في الصّباح الباكر، ونشرب معا قبل كلّ شيء إكسيرا صنعته لك بيديّ من ماء البحر وجلستُ أنتظركَ. سترى كيف أنّه لم يعد مالحاً، نريد أن نجدّد به خلايانا، ونطهّرها من كل العوالق والرواسب. فهو كما تعلم سرّ من أسرار العرفاء الأوائل"

هكذا كانت المدينة هِبَة البحر، وكان البحر مصدر رزقها ووجودها، وحق لأبناء المدينة أن يفخروا بهذه العلاقة بين المدينة والبحر ويكفيهم فخرا وقوف عقبة بنافع على شاطئها يقول سارد باب الشعبة مخاطبا سكان المدينة: (حق لكم أن تفخروا يا أهل آسفي... فوق هذه الشطآن تكسرت أمواج البحر على ركائب الفرسان، هناك رفع عقبة بن نافع يا سادة إلى الباري عز وجل أكف الضراعة وصاح عبر الزمان" اللهم لو كنت أعلم أن وراء هذا البحر أرضا لخضت جهادا في سبيلك" وكيف لا يفخرون والبحر يتعاطف مع المدينة في السراء والضراء فثارت ثائرته غضبا، وتجاوزت أمواجه الحواجز لتلامس الأسوار، وبكت السماء مطرا مدرارا ، وقصف الرعد منذرا بالخطر المحدق بالمدينة، ليلة قدوم السفن البرتغالية غازية: "لم يكد ينتصف الليل حتى ارتفعت أمواج البحر فلامست السور المواجه لها كما أخاف الرعد والمطر الغزير السكان..."

ما يشبه الخاتمة:

يستنتج إذن من خلال مقاربة تيمة آسفي والبحر في الرواية المعاصرة اختلاف وجهات نظر روائيي آسفي إلى علاقة المدينة بالبحر، ورغم ذلك الاختلاف فالنظرة عموما محكومة بنوستالجيا وحنين جارف للماضي مقابل حنق وغصة في الحلق على ما آلت إليه المدينة. فعلى الرغم من كون بحر آسفي اليوم يلعب وظائف متنوعة، يؤمن وظائف وقوت عدد كبير من أبناء المدينة، ويساهم بنسبة هامة في الاقتصاد المحلي، الجهوي والوطني، فإن الكِتابة الروائية وهي تحن إلى الماضي إنما تحاول خلق طريقة للتأقلم مع الحاضر ورصد مخاوف المستقبل...

 وتتضح هذه النوستالجيا أكثر عندما تقارن بعض الروايات بين واقع البحر الآن وحاله في الماضي، فقد روى بطل رواية "باب الشعبة - الذي طالما أثث الصورة السلبية روايته- قائلا: " كان الصيد وفيرا وكان الميناء رغم صغره يضج بالحيوية والنشاط وكان من عادة الصيادين رفق أصواتهم بالصلاة على رسول الله عند إنزال ما اصطادوه من قواربهم." ليتبين بالملموس أن المسألة متعلقة بالأحاسيس، وبتطور الحدث الروائي، أكثر من تعلقها بالواقع، فما يصطاده صيادو أسفي اليوم أكيد أضعاف مضاعفة مما كان يصطاد قبيل الغزو البرتغالي، وحركية الميناء وقيمة ما يروج فيه، وتقنيات وآليات الصيد لا يمكن مقارنتها بما كانت عليه آنئذٍ... وليبرر السارد إحساسه اضطر إلى العزف على وتر الدين " وكان من عادة الصيادين رفق أصواتهم بالصلاة على رسول الله عند إنزال ما اصطادوه من قواربهم"

ولتبين بعض الروايات أهمية النشاط التجاري للميناء ذكرت ذات الرواية أن الميناء كان يربط بين آزمور وجزر الكناري والبرتغال تقول: "نشطت حركة التجارة وازدهرت سوق السفن الرابطة بين ميناء آسفي وأزمور وموانئ جزر الكناري وأصيلا والمملكة البرتغالية ولسنا في حاجة لنبين الجهات التي يتعامل معها ميناء مدينة آسفي كل يوم في الوقت الراهن من جميع القارات...

والحنين والنوستالجيا للماضي ليس عيبا، ولكن لا ينبغي بخس الحاضر حقه، وإصدار أحكام قيمة مطلقة قد يتداولها الخلف، مثلما نتداول رأي الأسد الأفريقي في آسفي وأخلاق أهلها وقد انطلق من تجربة ذاتية ليعممها على المدينة، فالحاضر سيصبح غدا من الماضي، ومن يعيش بيننا صبيا قد يحن هو الآخر لهذا الواقع الذي يحلو لبعض الروائيين تقديمه مأزوما. فمن حق الرواية انتقاد الواقع، لكن الرواية الفضلى هي التي تتجاوز الواقعية الانتقادية إلى الرواية التي يثور فيها البطل الإشكالي على واقعه ويغيره لينشر الأمل... و مدينة آسفي حباها الله بمؤهلات طبيعية كثيرة ولعل من أهم تلك النعم أن ارتبطت في تاريخها ببحر كان وسيستمر مصدر الخيرات، وليس عبثا اختيار العرب البحر رمزا للتعبير عن الكرم والجود.

إن البحر جزء من آسفي ، وآسفي جزء من البحر وخصائص البحر تشكل جزءا من هوية ابن المدينة، بتسللها لكل شيء فيه، فأثَّرت على سحنته وشخصيته وارتسمت على ملابسه وجلده، فهذا " عطانة السمك امتزجت بملابسه وعلقت بجلده ) وذلك تسللت إلى فراش نومه فأضحى فراشه "تفوح منه رائحة الرطوبة الممتزجة بملح البحر"  ومن المؤسف أن نجد معظم الروايات تربط بحر المدينة بالغزاة، ونهب الثروات وتهريب الرمال، والأشغال الدونية المحتقرة سواء في الميناء، في البحر أو في معامل السردين... ولا رواية ذكورية أشارت لما يلعبه البحر في تلطيف الجو، ولما يجود به على المدينة من أسماك، ولما ميز مطبخ المدينة من أطباق شهية تفردها في المطبخ العالمي... ولعل الغرابة أن تجد بطل رواية يعيش في مدينة يحيط بها البحر ولا يذكر البحر إلا عند زيارته لمدن أخرى، فلما أراد بطل رواية "أناس عرفتهم" الإشارة إلى نسيم البحر العليل سافر بالبطل "الطيب" من آسفي إلى رؤية صديقه حسن يقول " تذكر صديقه حسن فقرر السفر لرؤيته، حسن يقطن بمنطقة مطلة على البحر، منطقة هادئة يشعر معها الطيب بطراوة البحر ، وبنسيم البحر العليل" وكأن مدينته لا بحر فيها، وفي بيت صديقه فقط " وككل زيارة يجلس الطيب للحظات طويلة في شرفة الغرفة ... كي يراقص النوارس بعينيه ..." وهو القادم من مدينة النوارس بامتياز، ولما تزوج لم تتمكن زوجته من الاستمتاع بالبحر إلا بعد سفرهما إلى طنجة " على رمال البحر الأبيض المتوسط، مرغت العالية جسدها لأول مرة بالرمال... كانت العالية تتمرغ بالرمال والماء، تتمرغ لدرجة أثارت استغراب الطيب لقد كانت متعتها الأولى" . فيما لا يربطه ببحر آسفي غير المآسي ووأد أحلام الطفولة، ولم يشر إليه إلا عندما " كان يرافق أصدقاءه نحو الشاطئ، على سوره رسم بيت حبيبته ومكان وقوفها... طريقة لتأكيد أحقية حلمه في الوجود... فاجأه حارس الميناء بالقبض عليه من الخلف... ليسمع هدير الفاركونيت على مقربة منهم، استعطفهم الطيب، لم يمهلوه الوقت الكافي للكلام، حملوه ورموه دفعة واحدة للداخل، اتجهوا به مباشرة إلى مركز الشرطة"

 صحيح إن البحر في الثقافة الإنسانية عالم المتناقضات: مد وجزر، هدوء وعاصفة، لين وقسوة، أمان وخوف، غدر ووفاء... لكن معظم روائيي آسفي آثروا ألا يروا سوى الصورة السالبة... وصعب جدا على مدينة ضاربة في جذور التاريخ أن تؤول حروفها هذا التأويل: "آسفي: أربعة حروف وملايين الأوجاع؛ ألفها استبدلت الألفة إفلاتاً وتفلتاً، سينها استبدلت السناء سكونا وسكّيناً غائرا في الجراح متغوِّلاً على الجسد، فاؤها فراغ لا نهائي ينخر الأرواح والأحياء والنفوس فيحولها إلى غيران لا تصلح إلا سكنا للوطاويط من مصاصي الدماء" إلا إذا كانت رغبته قول عكس ما يحس به تجاه مدينته.

 

الكبير الداديسي

.................

الروايات المعتمدة في هذه الدراسة:

لأنجاز هذا العمل عدنا لعدد هام من الروايات والإشارة هنا إلى الروايات التي المقتبسة منها بعض الاستشهادات وهي :

1- عبد الرحيم لحبيبي: خبز سمك وحشيش، إفريقيا الشرق ط1 الدار البيضاء

2- عبد الرحيم لحبيبي: تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء،

3- أحمد السبقي: باب الشعبة ج1 مطبعة طوب بريس الرباط 2011

4- ياسين كني: سيرة صمت، دار راشد للنشر ط1، الإمارات 2019

5- ياسين كني: تيغالين حلم العودة، ط1 ، المكتبة العربية للنشر والتوزيع القاهرة 2017

6- عبد الرحمان الفائز: النادل والصحف، ط1، المطبعة والوراقة الوطنية ، مراكش 2019

7- حسن رياض: أوراق عبرية ، مطبعة المعرف الجديدة ط1 الرباط 1997

8- محمد أفار: درب كناوة، ط1 مطبعة سفي غراف آسفي 2013

9- عبد الله إكرامن: السيد "س" ط1 مطبعة الكتاب آسفي 2013

10- المصطفى حاكا: أناس عرفتهم ط1 ، دار وليلي للطباعة والنشر، مراكش 2017

11- الكبير الداديسي: انتقام يناير، مؤسسة الرحاب الحديثة، ط1، بيروت 2020

12- أسماء غريب: السيدة كركم، دار الفرات للثقافة والإعلام ط1 العراق 2019

الهوامش

1- عبد الرحيم لحبيبي: خبز سمك وحشيش، ص5

2- خبز سمك وحشيش ص 5

3- المرحع نفسه، ص6

4- - المرحع نفسه، ص 5

5- محمد أفار: باب كناوة ص 15

6- المرحع نفسه،  ص35

7- المرحع نفسه، ص 35  

8- المرحع نفسه، ص35

9- ياسن كني: سيرة صمت ، ص77

10- أسماء غريب: السيد كركم، ص70

11- المرجع نفسه، ص66

12- المرجع نفسه، ص66

13- ياسين كني: سيرة صمت ص32

14- عبد الرحمان الفائز: النادل والصحف ص87

15- ياسن كني: سيرة صمت ص29

16- أسماء غريب: السيد كركم، ص 75

17- الكبير الداديسي: انتقام يناير، مؤسسة الرحاب الحديثة ط1 بيروت 2020 ص 353

18- المرجع نفسه، الصفحة ص 354

19- أسماء غريب: السيد كركم، ص 75

20- محمد أفار: درب كناوة ص246

21- المرجع نفسه، ص247

22- أسماء غريب: السيد كركم، ص 74

23- أسماء غريب: السيد كركم، ص 76

24- عبد الرحيم لحبيبي: خبز سمك وحشيش ص7

25- أحمد السبقي: باب الشعبة ص44

26- أسماء غريب: السيد كركم، ص 80

27- أسماء غريب: السيد كركم، ص 98

28- أسماء غريب: السيد كركم، ص 101

29- المرجع نفسه، ص33

30- المرجع نفسه، ص47

31- - المرجع نفسه، ص15

32- أحمد السبقي: باب الشعبة، ص 160

33- ياسين كني: سيرة صمت، ص 27

34- المرجع نفسه، ص97

35- المصطفى حاكا: أناس عرفتهم، ص 61

36- المصطفى حاكا: أناس عرفتهم، ص62

37- المرجع نفسه، ص 68

38- المرجع نفسه ص 19

39- - ياسين كني: سيرة صمت، ص 97

 

 

 

تشغل نازك الملائكة مركزاً مرموقاً في تاريخ الأدب العربي الحديث لا لكونها شاعرة مبدعة مجددة فحسب – وقد تميزت بجهودها المتواصلة منذ صدور ديوانها الأول (عاشقة الليل) (1947)، أو لأنها أسهمت إسهاماً إيجابياً في تطوير القصيدة العربية في موضوعها وبنائها سواء كان ذلك في محاولاتها الشعرية أم في تنظيرها لما شاع باسم الشعر الحر، - بل لأنها عرفت بمجهودها النقدي المنظم ومواقفها من بعض القضايا الفنية واللغوية والفكرية في أدبنا الحديث.

وليس من الغريب أن يكون لأعمالها وآرائها صدى يتجاوز حدود الوطن العربي وأن يعنى بها كتاب في عدد من اللغات الغربية لا سيما الإنكليزية بالرغم من أن الغرب لم يول الأدب العربي الحديث اهتماماً ملحوظاً إلا بعد الحرب العالمية الثانية كما بينا في موضع آخر (انظر الطعمة 70: 243-257)(**) .

وإذا استعرضنا نماذج مما كتب عن نازك الملائكة منذ عام 1950 حتى أوائل الثمانينيات، فإننا نلاحظ أن الإشارات الأولى إليها كانت ذات طابع عام تهدف إلى بيان مكانتها في الشعر العربي الحديث.

ولعل أول إشارة للتعريف بها وردت عام 1950 في مقالتين نشرهما صفاء خلوصي في "المجلة الإسلامية" (42: 40-45) و"مجلة الجمعية الآسيوية الملكية" (43: 149-157). وضم مقاله الأول – كما يدل عليه عنوانه: "شاعرات العراق المعاصرات" – تعريفاً موجزاً برباب الكاظمي وأم نزار الملائكة ونازك الملائكة وفطينة النائب ولميعة عباس عمارة، وكان لشاعرتنا شطر وافر منه تطرق فيه المؤلف إلى أثر الأدب المهجري فيها وأثر كيتس ود . هـ . لورنس ومحمود حسن إسماعيل، من غير أن يدعم رأيه بأدلة، وألمح إلى استعمالها بعض الرموز أو الأعلام اليونانية في شعرها ذاكراً بينها – سهواً – "هياواثا" وهو بطل أسطورة من أساطير الهنود الحمر (وقد نصت الشاعرة على استعمالها في ديوان (شظايا ورماد)، وترجم لها مقتطفات من بعض قصائدها في (عاشقة الليل): "بين فكي الموت" و"التماثيل" و"سياط وأصداء" و"أشواق وأحزان".

وكان خلوصي – حسب المعلومات المتوافرة لدي – أول من أشار في الغرب إلى خروج الشاعرة على نظام الشطرين واعتمادها التفعيلة أساساً وإلى إسهامها المبكر في وضع الأسس النظرية للشعر الحر مؤيداً ما ذهبت إليه الشاعرة في مقدمة ديوانها (شظايا ورماد) (42: 43)، غير أن محاولته هذه – على ما لها من قيمة تاريخية – لم ينوه بها حتى في البحوث الأكاديمية التي ظهرت بعد عشرين عاماً من تاريخ صدور مقاله.

أما مقاله الثاني عن الشاعرة عاتكة الخزرجي فقد اتسم بشيء من التسرع في أحكامه كقوله عنها بأنها تفوق غيرها من الشاعرات مكانة، وإضفائه عليها لقب "ملكة الشعر الحديث غير المتوجة"، وإن كان قد اعترف في موضع آخر بأنها في شعرها أقل من نازك الملائكة خيالاً وأصالة وموسيقية (43: 154).

وتبعت هذه المحاولة مقالتان للكاتب السوداني ووزير خارجية السودان السابق جمال أحمد نوه في إحداهما بنازك الملائكة كإحدى الشاعرات البارزات (18: 164)، وخص في الأخرى (19: 20) قصيدتها "الأرض المحجبة" – وهي من ديوانها الثالث (قرارة الموجة) – بملاحظة ثناء وإعجاب وترجم بضعة أبيات منها مشيراً إلى أنها لا تتميز بمتانة التعبير فحسب بل بكونها من خيرة القصائد العربية الحديثة.

وظهرت في عام 1959 مقالة للكاتب الفرنسي "روسي" (74: 199-212)، بعنوان "انطباعات عن الشعر العراقي: الجواهري، مردان، نازك الملائكة، البياتي" وفيها نجد ترجمة لقصيدتها "غسلاً للعار" بين ما ترجم من قصائد الشعراء الأربعة المذكورين، غير أنها – أي المقالة – تفتقر إلى الدقة في ذكر المعلومات عن الشاعرة وأعمالها كقوله إنّ ديوانها الأول صدر عام 1951، و (شظايا ورماد) عام 1954.

وشهد عام 1961 عدة محاولات للتعريف بها: محاولة مونتي (67: 99-109) في كتابه الثنائي اللغة عن الأدب العربي المعاصر حيث نجد قصيدتها "خمس أغاني للألم" في نصها العربي كما نشرته مجلة الآداب عام 1957، وترجمتها الفرنسية، وإشارة أستاذها الكاتب والمترجم الإنكليزي المشهور ستيوارت في مقاله "اتصالات مع أدباء عرب" (76: 19-20) وقد ذكر فيه بضعة أبيات من قصيدة "خرافات" كما ترجمتها الشاعرة نفسها مع بعض التعديل على حد تعبير المؤلف، ومحاولة جورج صفير في الملحق الأدبي الأسبوعي لجريدة النيويورك تايمز (75: 48-49) حيث يقول عن نازك الملائكة بأنها تعبر في أنماط رمزية ونغم حزين عن المشاعر الخفية في للمرأة المتيقظة، ومحاضرة صالح جواد الطعمة التي ألقيت في النادي النسائي لرابطة القلم في واشنطن (21: 14-15) وقد اعتبرها أبرز شاعرة في العالم العربي، وألمح إلى ما يشوب شعرها من تمرد وحيرة وكآبة كما ترجم بضعة أبيات من قصيدتها "جامعة الظلال".

إن هذه المحاولات وأمثالها مما ظهر حتى أواسط الستينيات ظلت مقتصرة على الطابع التعريفي العام، ونماذج شعرية محدودة من غير بيان مفصل لدورها في تطوير القصيدة العربية في سياق التجارب التي سبقتها أو عاصرتها، أو التطرق إلى آرائها ومواقفها النقدية. غير أن هذه الجوانب بدأت تلقى اهتماماً ملحوظاً منذ 1965 لاسيما في البحوث الأكاديمية أو الرسائل الجامعية التي تناولت الاتجاهات الحديثة في الشعر العربي.

ومما هو جدير ذكره أن معظم المعنيين بهذه الجوانب كتّاب من الوطن العربي شاءت ظروفهم أن يواصلوا بحوثهم في الغرب، أي أن الحضور العربي يعد عاملاً أساسياً مسؤولاً عن ظاهرة انتشار الأدب العربي الحديث في الغرب، وإبراز الشعر منه على وجه الخصوص.

وسأتناول بإيجاز الجوانب التالية: 1- موضوع أسبقية دور الملائكة في استعمال الشعر الحر. 2- آراؤها النقدية. 3- تأثرها بالشعر الغربي وترجمتها له. 4- ما ترجم من شعرها.

- 2 –

تناول عدد من الباحثين موضوع بداية الشعر الحر، وما إذا كانت الملائكة حقاً أول من استخدمه أم أن غيرها سبقها إليه كالسياب أو شعراء آخرين كنقولا فياض ولويس عوض.

ولعلّ موريه – وهو عراقي الأصل – كان أكثر المعنيين تتبعاً لهذه المسألة من الوجهة التاريخية، فقد أشار في دراساته العديدة إلى محاولات أبي شادي في التعريف بالشعر الحر، ودعوته إليه واستعماله له منذ أواخر العشرينيات. كما نوه بتجربة خليل شيبوب في قصيدته "الشراع" (وقد نشرت عام 1932) وإن ذكر أخوه صديق شيبوب أن تاريخ نظمها يعود إلى 1921، وبتجارب لنقولا فياض وفي طليعتها "وصال الخيال" التي نشرت في مجلة "الحرية" العراقية عام 1924. وقد خلص من دراسته لهذه التجارب وأمثالها إلى أن نقولا فياض كان أول من قال الشعر الحر عام 1924 (70: 205) ورأى أن يخصص للشعر الحر وخصائصه فصلاً يتناول مرحلته الأولى (ما قبل 1947) وآخر لما أسماه بالمدرسة العراقية (70: 196-215) حيث ألم بأهم آراء الملائكة ومفهومها واستعمالها للشعر الحر إلماماً شاملاً معتمداً على كتاباتها النقدية لاسيما ما ورد منها في مقدمتها لـ "شظايا ورماد" وكتابها " قضايا الشعر المعاصر".

وقد ميز بين قصائدها التي تتبع نظام الشعر المقطعي Monostrophic والشعر الحر الذي لا يخضع لنمط ثابت من التفعيلات والقافية، مبيناً أن ديوانيها "شظايا ورماد" و " قرارة الموجة" يحتويان على (25) قصيدة ذات نظام مقطعي موحد (70: 219) وكانت الشاعرة نفسها قد أشارت من قبل إلى أنها استعملت نظام المقطوعة Stanza وأنها أخضعت القافية أحياناً لأكثر مما فعل سواها (9: 17-18) كما في قصيدة "الكوليرا" التي جرت على النسق التالي في جميع مقاطعها: أ ب ب ج ج د د ب هـ هـ هـ هـ.

وبين موريه أن تجربة السياب في قصيدته "هل كان حباً" تختلف عن قصيدة "الكوليرا" بكونها غير خاضعة لنظام مطرد في الشعر الحر، وأن السياب كان على حق حين اعتبر محاولته أقرب إلى الشعر الحر بهذا المفهوم من قصيدة "الكوليرا".

ويفهم من هذا التمييز بين "النظام المقطعي الموحد" و "الشعر الحر" – وقد دعا إليه كذلك الكاتب التونسي في مقاله "قصيدة الكوليرا: ليست شعراً حراً" (4: 376-388) – أن القائلين به لا يعتبرون من الشعر الحر إلا القصائد غير الخاضعة لنسق أو نظام موحد، ولاشك في أن مفهوم نازك الملائكة للشعر الحر أوسع من ذلك إذ أنها تريد به ما يخرج عن نظام الشطرين ويتخذ التفعيلة أساساً له سواء التزم أم لم يلتزم بنسق موحد كما بينت في مقدمتها لديوانها (شظايا ورماد) حين أشارت إلى نوعين من قصائدها الملتزمة وغير الملتزمة بنسق موحد، من التفعيلات أو القافية، لـ "الكوليرا" و "غرباء" من النوع الأول، و"مر القطار" و "نهاية السلم" من النوع الآخر. وقد تناول منح خوري (39: 137-144) و (41: 127-149) مجموعة لويس عوض "بلوتو لاند" كتجربة أولى جادة في الشعر الحر سبقت محاولات الملائكة والسياب وبلورت على حد تعبيره "الأنماط والصيغ الشعرية الأساسية التي ميزت حركة الشعر الحر" (39: 138) ولكنه مع ذلك اعتبر الملائكة أول من وضع الأسس النظرية لتطوير هذا الشكل الجديد في مقدمتها لديوانها " شظايا ورماد" وكتابها " قضايا الشعر المعاصر" (41: 132).

إن هذا الجدل الأكاديمي حول من كان أول شاعر استعمل الشعر الحر أو دعا إليه له مبرراته بالنظر إلى أن الأدب العربي الحديث قد شهد منذ أواسط القرن التاسع عشر دعوات تجديدية كثيرة نتيجة للتفاعل مع الآداب الغربية وما نتج عنه أو رافقه من حركة ترجمة أدبية واسعة ومحاولات للأخذ ببعض الأنواع والأشكال أو الأساليب الغربية ومنها تجارب الشعر المرسل والشعر المنثور والشعر الحر، وأغلب الظن أننا قد نكتشف أسماء أو أعمالاً أخرى تتصل بالدعوة إلى التجديد إن قمنا بمسح شامل لما نشر في الصحف والمجلات العربية من شعر ونقد منذ أواسط القرن التاسع عشر، غير أن ذلك كله لا يغير من تاريخ انتشار الشعر الحر كحركة بدأت في العراق ولا ينال من دور الملائكة الريادي في تطوره بفضل منزلتها كشاعرة استوعبت التراث الشعري العربي ومارست أشكاله الموروثة وجددت وظلت تواصل التجديد في هيكل القصيدة العربية حتى يومنا هذا، وثانياً كمنظرة ذات رؤية أصيلة وثقافة وتجربة ساعدتها على وضع الأسس النظرية الأولى للشعر الحر، وتتبع تطوره بتفصيل لم يشهده الأدب العربي الحديث من قبل.

- 3 –

يكاد الكتاب الذين درسوا الملائكة يجمعون على أهمية دورها ناقدة لها مواقفها وآراؤها في مجالات عديدة وقد ترجم لها بعض النصوص النقدية إلى عدد من اللغات الغربية كمقالة "الجذور الاجتماعية لحركة الشعر الحر" وقد ترجمها عبد الملك إلى الفرنسية ملخصة (16: 372-447) كما ترجمها إلى الإسبانية مارتينث مونتابث (65: 372-385) و"بداية الشعر الحر" وقد ترجمتها إلى الإنكليزية اليزابيث فيرنيا وباسمة البزركان (35: 232-243) وبحثها "الأدب والغزو الفكري" (14: 30-34) وقد لخصه وترجم بعض فقراته نسيم رجوان تحت عنوان "رفض تأثير أوربا الثقافي: احتجاج شاعرة عراقية" (73: 16-17).

وفي مقدمة الموضوعات التي تناولها النقاد مفهوم نازك الملائكة للوزن في الشعر الحر وإصرارها على الإلتزام بوحدة التفعيلة بدون الخروج على القواعد العروضية كما يتجلى ذلك في بحثها عن تفعيلات الشعر الحر. فرأى المستشرق الفرنسي جاك بيرك أن مفهوماً كهذا يمثل تقييداً – إن لم يكن انتكاسة – للثورة التي اتسم بها الشعر الحر، وأن كتابها "قضايا الشعر المعاصر" كان متشدداً إزاء كل مرة يخرج على الضوابط التي اقترحتها (32: 272). وأشار بدوي كذلك إلى النزعة المحافظة في كتابها المذكور إشارة عابرة (29: 203 و 30: 228) وأغلب الظن أنه كان يريد بها موقفها من الشعراء الذين يخالفونها في تجاربهم الشعرية. وتطرقت الشاعرة الناقدة سلمى الجيوسي إلى الموضوع ذاته ورأت ألا ضرورة لإصرار نازك الملائكة على الإلتزام بثبات الضرب (38: 165) كما خالفتها في موقفها من قصيدة النثر واعتبارها الوزن وحده معياراً للتمييز بين الشعر والنثر (38: 638) كما يفهم من قول الملائكة: "إن القصيدة إما أن تكون قصيدة وهي إذ ذاك موزونة وليست نثراً وإما أن تكون نثراً فهي ليست قصيدة" (10: 132). وأشادت الجيوسي بحرص الملائكة على سلامة اللغة مؤكدة أنها قدمت خدمة عظيمة إلى الشعر العربي الحديث بتبيانها بعض الهفوات التي يقع فيها الشعراء (38: 607) كما نوهت بمعالجتها للجانب اللغوي في فصلين في كتابها عن أساليب التكرار في الشعر ومسؤولية الشاعر اللغوية (10: 230-240 و 289-300).

ومن أعمالها النقدية التي كانت موضع بحث أو ثناء كتابها عن شعر علي محمود طه، فقد لخص بدوي (30: 143) بعض آرائها حول ظاهرة الشهرة العريضة التي تمتع بها علي محمود طه وما نال من حظوة لدى جمهور قرائه على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم (11: 8-17 و 27) وأشار إلى تحليلها المتمكن النفاذ لموسيقية شعر طه في مواضع عدة من كتابها حيث تناولت العوامل التي أسهمت في خلق ظاهرة الموسيقى في شعره كالأساليب اللفظية والتناغم الصوتي (11: 64-68 و 143-156). غير أنه عندما تعرض إلى مسألة الجانب الحسي في شعر طه آخذ الملائكة على ما أسماه بـ "إنكارها المغالي" لذلك (30: 144) بمثل قولها "نعتقد أن الحسية وطلب اللذة عارضان في حياة على محمود طه لأن أصل نفسيته روحاني" (11: 81) وقولها "إن أعنف قصائد الشاعر الحسية لا تكاد تخلو من خلفية روحية وفكرية" (11: 365) وأحال القارئ على عدد من القصائد كـ "حانة الشعراء" و"حديث قبلة" و"خمرة الشعراء" من ديوان (زهر وخمر) وقصيدة "سؤال وجواب" و"جزيرة العشاق" و"الغرام الذبيح" من (المعشوق العائد) و"فلسفة وخيال" و"أندلسية" من (شرق وغرب) ليؤكد بذلك كله النزعة الحسية السائدة في شعر طه قائلاً: "ليس هناك من شك في أن وجهة نظر طه الرئيسية بدءاً من ديوانه الثاني حتى ديوانه الأخير ظلت باطراد تقريباً حسية" (30: 144).

ومن الجدير بالذكر أن الملائكة نفسها نصت على ذلك في كتابها حين قالت: "إن المنهج العلمي في الدراسة يقتضي أن نقرر أن في دواوين على محمود طه الأخيرة مسحة حسية ظاهرة خلا منها الديوان الأول (الملاح التائه) فلقد زخر هذا الديوان باللفتات الروحية والمثل العليا وتقديس الجمال المجرد وطهارة الحس والنفس بينما أقبل الشاعر في دواوينه التالية إقبالاً ملحوظاً على وصف المشاهد الحسية وابتعد إلى درجة معينة – عن عوامله الإفلاطونية الجمالية الأولى" (11: 366). واستشهدت ببعض القصائد التي أشار إليها بدوي، وغيرها لا سيما في الباب السادس في كتابها (11: 365-381) حيث تتبعت هبوطه "من مرتبة العاشق الأصيل إلى مرتبة المتفرج اللاهي الذي يبحث عن التسلية العابرة ومتعة النظر والنشوة الحسية"، وانتقاله من صومعة المثل العليا إلى الشرفة الحمراء، أو من الدين إلى الوثنية. ولكنها – بالرغم من ذلك – لم تشأ أن تجاري من ينفي عن شعر طه روحانيته نفياً تاماً كما فعل محمد مندور، وأرادت أن تجد تعليلاً يبرر الشذوذ الظاهر للقصائد الحسية المنزع، وإن كانت لم تفصح بوضوح عن ذلك بسبب الحاجة كما تقول إلى "معرفة التفاصيل الوافية عن حياة الشاعر ونفسيته وآرائه". (11: 381 و 104-111).

أما بحثها "الأدب والغزو الفكري" (14: 30-34) – الذي ألقته في المؤتمر الخامس للأدباء العرب المنعقد في بغداد عام 1965 – فقد كان موضع تعليق في مصدرين: رجوان (73: 16-17) وموريه (70: 273-274) بالإضافة إلى ما ورد عنه في بعض المصادر العربية (1: 120-121). لقد قام رجوان بتلخيص البحث وترجمة فقرات منه تشمل أبرز النقاط التي أثارتها الملائكة كالمقارنة بين الغزو العسكري والغزو الفكري، وملاحظتها حول سلبية مواقف العرب التي تتجسد في ترك "ما هو جوهري في حضارتنا وما نتفوق به على الغرب لنأخذ مكانه بضاعة رخيصة تضر بنا" وفقدان المدلول الأخلاقي للأدب العربي وانتشار روح التشاؤم فيه وابتعاد الجيل الجديد عن القرآن الكريم وما فيه من أجواء روحية، والترجمة كوسيلة لإضعاف اللغة العربية. وأنهى تعليقه الذي كان أقرب إلى الأسلوب الصحفي منه إلى التحليل الأكاديمي بترجمة ما قالته الملائكة حول لجوء بعضهم إلى مأساة فلسطين كتبرير لموقف اليأس والعدمية والإحساس بالفراغ: "إن المأساة التي وقعت عام 1948 قد ألهبت الوطن العربي كله بنار الكفاح والعروبة فقامت الثورات العظيمة في القاهرة والجزائر وبيروت وبغداد واليمن" (14: 33).

ومهما تكن الأسباب التي دفعت رجوان إلى اختياره هذا البحث موضوعاً للتعليق ونشره في مجلة سياسية مناوئة للعرب، فإنه أراد أن يبين جانباً من رد الفعل العربي إزاء تسرب الغرب بطرائق حياته وأيديولوجياته على حساب تقاليد العرب الأصيلة وهويتهم الحضارية، وأن يدلل على أن بين الداعين إلى مواجهة التحدي الغربي مفكرين تأثروا بالغرب وكانوا نتاج ما أسماه بـ "عصر التغريب"، متخذاً من بحث الملائكة نموذجاً متطرفاً أو عنيفاً لموقف دعاة التصدي للغزو الفكري.

وإذا انتقلنا إلى موريه فإننا نلاحظ تأكيده على الجانب الأدبي من آراء الملائكة، أي تقليد العرب للآداب الغربية، وقد أشار إلى أنها رددت رأيها مرة أخرى في رسالتها إلى سهيل إدريس (2: 1-2) وقد جاء فيها مآخذ أخذتها على "الآداب" منها أنها "تنشر الأدب المتحلل الذي يصدر عن نظرة غير أخلاقية إلى الحياة والوجود وذلك يطعن الأمة العربية في صميم كيانها لأن الأدب المرذول يفسد الشباب البريء ويلوث روحيته ويشل عزيمته وأنها دأبت "على نشر إنتاج لليافعين يغرق في تقليد الفكر الغربي المعاصر بما فيه من تشاؤم وإلحاد وتحلل وقلق ...".

واستشهد موريه كذلك ببعض ملاحظاتها المماثلة حول قصة زكريا تامر "قرنفلة للأسفلت المتعب" وما شاع فيها من تصوير مشوه للمدينة العربية مترجماً الفقرات التالية:

"نجد صورة المدينة العجوز المريضة في شعر بعض شبابنا وقصصهم لأن هؤلاء يستقون من آداب أوروبا العجوز حيث المدن قد شاخت وأصبحت بؤراً للجريمة والمرض والظلام والغثيان، وحيث الأدب المعاصر نفسه لا يعكس غير ذلك الجو القاتم الموبوء ... نحن (العرب) الأغنياء بالحياة والروح والأصالة والأخلاق نترك مواهبنا ... وينابيعنا ونتطلع مستجدين إلى أدباء أوربا التي تتفسخ حضارتها وتحتضر وتقترب من نهايتها المحتومة. نحن الذين تقبل الدنيا علينا اليوم وتتطلع إلينا لنعيد بناء العالم، نحن أنفسنا نزدري كنوزنا الفكرية والحضارية ونقف أذلاء على موائد الغرب المنحطة التي تشيع الجريمة والذعر واليأس والغثيان في أنفس القراء ... إن الشباب العربي يصحو اليوم ويهب منتشياً نشيطاً ... هذا الشباب يندفع اليوم في حرارة ونشوة لينفق طاقاته الفكرية والجسمية في بناء أمة تعمل من المحيط (الأطلسي) إلى الخليج (العربي)" (70: 272-273 و 13: 72).

إن موريه يعالج آراء نازك الملائكة هذه ليخرج بصورة عامة عن التيار القومي في الأدب العربي كما تمثله نازك الملائكة ونزار قباني.

 

- 4 –

ليس من شك في أن الآداب الغربية تكون مصدراً مهماً من مصادر ثقافة الملائكة وفي أنها قد تركت آثارها في بعض أعمالها، كما يدل على ذلك ما يرد في شعرها وكتاباتها من صور أو رموز مستعارة وإشارات إلى كيتس وغيره من شعراء الغرب، أو ما ترجمته من قصائد لبايرون وتوماس وبروك وغيرهم. غير أننا لا نجد بين ما نشر عنها في الغرب سوى الإشارة العابرة إلى بعض هذه الآثار كقول موريه (70: 204) بأنها تأثرت بالشكل المقطعي الموحد الذي استعمله كيتس مردداً بذلك رأياً مماثلاً لجبرا إبراهيم جبرا نشره في مجلة شعر (1957)، أو تنويه بدوي (30: 230) بما ورد في شعرها من التلميحات إلى الأساطير اليونانية أو استعمالها "هياواثا" من قصيدة الشاعر الأمريكي لونكَفيلو، وقد أشار إليها من قبل خلوصي (42: 43)، أو قول عبد الحي (17: 27-29) بتأثرها بالشعر الرومانسي الإنكليزي وشعر جماعة أبولو، وقد خص بالذكر استعمالها لصورة "القمرية" على غرار ما جاء عند كيتس، أو إشارة مونتي (67: 100) إلى العلاقة بين "خمس أغان للألم" وبعض الملامح في شعر غبرييلا مسترال (1889-1957)، وتلميح خوان برنيت إلى ذلك (77: 212).

إن هذه الأمثلة لا تعطينا إلا انطباعات أولية أو جزئية عن المؤثرات الغربية في شعر الملائكة، أي أننا ما نزال نفتقر إلى درس منهجي يوضح بالتفصيل وبالأدلة طبيعة هذه المؤثرات ومداها سواء كانت تتعلق باستعمالاتها اللغوية أو الصور والموضوعات أو غيرها مما يعكسها شعرها وجهودها النقدية.

ومما يتصل بموضوع تأثرها بالأدب الغربي ترجمتها لبعض القصائد الغربية كقصيدة توماس غراي المنشورة في ديوانها الأول بعنوان "مرثية في مقبرة ريفية"، وقد اعتبرها عبد الحي أنضج ترجمة من بين عشر ترجمات - وقف عليها في العربية - للقصيدة المذكورة، ووصفها بأنها عمل إبداعي يعيد خلق القصيدة الأصلية في قالب عربي جديد ويضفي على الأصل طابعاً رومانسياً، باستعمال بعض الإضافات أو التعديلات التي أحدثتها شاعرتنا كصفات الحزن التي أضافتها أمثال "المحزون" و "المكدود" و "الكئيب" و "الحزينات" 17: 27-28). وذهب عبد الحي إلى أن هذه الصفات المضافة تؤدي وظيفة تأكيد الكآبة التي يحتويها النص الأصلي، ملمحاً إلى أن مفردات الحزن والكآبة تكون عنصراً يتردد في معجمها أو أسلوبها الشعري في (عاشقة الليل)، وقد أحصى منها ما لا يقل عن "190" مفردة ورد منها "20" كلمة في ترجمتها لمرثية غراي. وبالإضافة إلى هذه الملاحظات أشار عبد الحي إلى خروجها التام غير المبرر - حسب رأيه - عن الأصل في بعض المواضع (17: 28) ولكنه لم يتناول هذه الناحية بصورة مفصلة كما فعل عزت خطاب في دراسته لأوجه الشبه والاختلاف بين ترجمة الملائكة والنص الأصلي (3: 227-247).

- 5 –

ليس من اليسير حصر ما ترجم من قصائد الملائكة إلى اللغات الغربية بالنظر إلى عدم توافر الأدلة الببليوغرافية الشاملة عما ترجم من الأدب العربي الحديث، وحسبي أن أذكر أن ببليوغرافية أندرسون (26: 1980) التي هدفت إلى الإلمام بما ترجم إلى الإنكليزية من الأدب العربي حتى عام 1977 لم تدرج للملائكة إلاّ قصيدة واحدة: "الزائر الذي لم يجيء" (26: 198). غير أن ما وقفت عليه من قصائدها المترجمة إلى الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية لا يمثل إلا جزءاً محدوداً من شعرها، وفي مقدمتها القصائد التالية:

1 - الكوليرا. 2 - نهاية السلم. 3 - الأفعوان. 4 - أنا (شظايا ورماد). 5 - مرثية امرأة لا قيمة لها. 6 - الزائر الذي لم يجيء. 7 - غسلاً للعار (قرارة الموجة). 8 - خمس أغان للألم. 9 - نحن وجميلة. 10 - ثلج ونار (ترجمة غير كاملة ظهرت بعنوان صمتي). 11- تحية للجمهورية العراقية (شجرة القمر).

وقد ترجمت بالإضافة إلى ذلك مقتطفات من بعض قصائدها:

بين فكي الموت. 2 - التماثيل. 3 - سياط وأصداء. 4 - أشواق وأحزان (عاشقة الليل) ترجمة خلوصي (42: 42-43). 5 - الأرض المحجبة ( قرارة الموجة) ترجمة جمال أحمد (19: 20). 6 - خرافات (شظايا ورماد) (ستيوارت. 76: 19-20). 7 - جامعة الظلال (شظايا ورماد) (الطعمة 21: 14). 8 - تحية للجمهورية العراقية (هيوود. 37: 185). 9 - نهاية السلم (شظايا ورماد) (بدوي. 30: 230).

إن القصائد والمقتطفات المذكورة تعكس في غالبها سمات الكآبة والتشاؤم والحيرة في شعرها، ولا تمثل قصائدها السياسية المتفائلة الطابع، أو شعرها الصوفي النزعة لا سيما ما ورد منها في مجموعتيها الأخيرتين: (للصلاة والثورة) (1978) (ويغير ألوانه البحر) (1977).

ولهذا ليس من الغريب أن تتكرر الإشارات إلى شعرها المغرق في الذاتية والكآبة والرومانسية وإن وردت هنا وهناك تلميحات إلى قصائدها الوطنية (بدوي 30: 230) أو ما جاء في مقال الطعمة أخيراً (1982) من تنويه بالنغمة المتفائلة وروح التحدي في قصائدها السياسية كما تعكسها مجموعتها (للصلاة والثورة) (24: 457).

إن هذا العرض السريع لما لقيته نازك الملائكة من اهتمام في بعض اللغات الغربية يدل بلا شك على ما تحتله من مكانة مرموقة في الأدب العربي الحديث، ولكنه في الوقت نفسه يكشف عن فجوات فيما نشر عنها أو ترجم من شعرها لا سيما فيما يتصل بالجوانب التالية:

أولاً: ثقافتها الأدبية (العربية وغير العربية) ومدى تأثرها بالآداب الغربية.

ثانياً: تمثيل شعرها دراسة وترجمة في مختلف مراحله.

ثالثاً: نتاجها النقدي ومكانته في حركة النقد العربي الحديث.

ملحق: مختارات من شعر نازك الملائكة المترجم إلى الإنكليزية

1- بين فكّي الموت.

1- خلوصي. 42: 542

ها أنا بين فكي الموتِ قلباً

“Here am I between the jaws of death”

لم يَزَلْ راعشاً بحُبِّ الحياةِ

As a heart still throbbing with the love of life

وعيوناً ظمأى إلى مُتَعِ الكو

As a couple of eyes athirst

For the enjoyment of the universe;

نِ تُنَاجي مفاتن َالأُمْسياتِ

Making advances to the charms of the evening,

لم أزَلْ بُرعماً على غُصُنِ الدهـ

I am still a bud, on the twig of fortune,

ـرِ جديدَ الأحلامِ والأمنيات

Whose dreams and hopes are fresh and new.

فحرامٌ أن تدفِنَ الآن يا مو

It is a shame, O death, that thou shouldst

تُ شبابي في عالم الأمواتِ

Bury my youth in the world of the dead

* * *

2- التماثيل.

2- خلوصي. 42 - 42 - 43

وأنا يا حياةُ ماذا سألقَى؟

“And I, O life! what fate is meted out for me?”

هل سأغدولفظاً جَفتْهُ المعاْني؟

Am I going to be a word devoid of meaning ?

هل ستطوينيَ الليالي وتُلْقي

Will the nights carry me away

فوق عُمْري دياجَر النسيانِ؟

And cast the gloom of oblivion over me?

وغداً يطفئُ الزَّمان سراجي

In the morrow, fortune will extinguish my lamps

ويُضيعُ الرَّدى صَدَى ألحاني؟

And death will squander the echoes of my tunes

ثم أغدو بينَ التماثيلِ تمثا

Then I shall become, amongst other ghosts, a ghost myself

لاً؟وأُمحَى من الوجودِ الفاني؟

And shall be erased from mortal existence.

آه لا لا أريدُ فلترحمِ الأيّا

Oh, no! I do not want that .

مُ دمعي وشَقْوتي واكتآبي

Would fortune have mercy on my tears misery and sadness.

وليكن من لحني الحزين صدى با

Let there be a lasting echo of my melodious song

قٍ بسَمْع السنينِ والأحقاب

Ringing in the hearing of the coming years, nay even centuries

رحمةً لا تكنْ دموعي الدِفُوقا

O mercy! do not let my flowing tears

تُ رثاءً مبكَّراً لشبابي

Be an early elegy on my youth

وليُسَجَّلْ على ضريحيَ ما يُبـْ

ـقي شبابي وان أكن في الترابِ

* * *

3- أشواق وأحزان.

3 - خلوصي . 42 - 43

كيف مرّت أيامنا كيف مرَّت

How did our days pass - how did they ?

بين فكِّ الأشواقِ والأحزانِ؟

Between the jaws of eagerness and grief !

ملء قلبي وقلبكُ الحبُّ والشَّوْ قُ

Your heart and mine were full of love and anxiety

ولكن نلوذ بالكتمانِ

But we took refuge under the wing of secrecy

كلّما حدّثتْك عيناي بالحبِّ

Whenever my eyes speak to you of my love

أعاقبْ عينيَّ بالحرْمانِ

I punish them by depriving them of you

كيفَ يا شاعري كتمنا ولم يَعْـ

O my poet, how did we keep it secret?

ـص كيوبيِد قبلَنا عاشقانِ؟

Yet of old, no two lovers ever disobeyed Cupid.

يا نشيدي متى ستأتيكَ ألحا

O my song, when shall my tunes reach thee

ني فتُصغْي إلى هُتافاتِ حبّي؟

So that thou wilt listen to the joys of my love ?

فيمَ أقضي الأيّام أكتُمُ أشوا

Why do I spend my days suppressing my

eagerness,

قي وقد ضاقَ بالعواطِف قلبي؟

When my heart is overflowing with emotions?

أبداً نلتقي فأعرضُ حَيْرى

Always we meet and always I ignore you, perplexed,

ولقلبي الكئيب أشواقُ صبَّ

While my sad heart is possessed of the anxiety of a lover!

إنّها الكبرياءُ تمتلكُ الرو

It is pride possessing the soul

حَ فيبدو المُحبُّ غيرِ محبِّ

That makes a lover appear indiffernt.

* * *

4- جامعة الظلال.

4- الطعمة. 21 : 14

أهذا إذن هو ما لقّبوهُ الحياهْ ؟

Is this then what they call ‘life’ ?

خطوطٌ نظلُ نخطِّطُها فوق وجهِ المياه؟

As lines we continue drawing upon the water,

وأصداءُ أغنيةٍ فظّةٍ لا تَمَسُّ الشِفاهْ ؟

As echoes of a cruel song which does not touch the lips.

وهذا إذنْ هو سرُّ الوجودْ ؟

Is this then the essences of existence?

ليالٍ ممزّقَةٍ لا تعودْ ؟

As torn nights with no return

وآثارُ أقدامِنا في طريقِ الزمان الأصَمْ.

and the trace of our feet on the road of the deaf time are gone !

تمرُّ عليها يدُ العاصفه

فتمسحُها دونما عاطفه

For the storm`s hand wipes them kindlessly

وتُسْلمُها للعَدَمْ

and surrenders them to nothingness

* * *

5- الأرض المحجبة.

5- جمال أحمد. 190 : 20

صَوّروها جنَّةً سحريَّةً

A haven of magic, we were told

It was.

من رحيقٍ وورودٍ شفقيَّة

Made of nectar and twilight roses,

وأراقوا في رباها صُوَراً

من حنانٍ، وتسابيحَ نقيَّه

Of tenderness and gold .

ثم قالوا إن فيها بلْسَماً

In it, they said, was

هيّأتْهُ لجراحِ البشريَّه

The panacea for the wounds of man.

وأردناها فلم نَظْفَرْ بها

We wanted it but didn’t get it.

ورَجعْنا لأمانينا الشقيَّة

Back to our hopes, miserable and unfulfilled.

أين تلكَ الأرضُ؟ هل حان لنا

Where is the land ? Are we see it or

أن نراها أم ستبقى مُغلَقه ؟

Is it to stay Enveloped, unattainable

لم تَزَل فينا حنيناً صامتاً

Agitating inside us only A numbed yearning ?

وابتهالاً في شفاهٍ مُطْبَقه

A prayer Within closed lips ?

والملايينُ حنينٌ جارفٌ

The millions are A torrent of desire,

يتلظّى ورؤىً محترقه

Burning desire,

And a dream of flame.

افتحوا البابَ فقد صاح بنا

Open the gates.

صوتُ آلافِ الضحايا المُرهَقة

* * *

6- خرافات.

6- ستيوارت. 76 : 20

قالوا الحياة

They spoke of “life”:

هي لونُ عينَيْ ميّتِ

it is the colour of a corpse’ eye:

هي وقعُ خَطوا القاتِل المتلفّتِ

it is the echoing steps of a frightened killer:

أيامُها المتجعداتْ

its curving days

كالمِعطف المسمومِ ينضَحُ بالمماتْ

a poisoned coat diffusing death.

أحلامُها بَسَماتُ سَعْلاةٍ مخدَّرةِ العيونْ

its dreams the humour of a demon

ووراءَ بسمتِها المَنُونْ

with paralysing eyes, death-hiding lips.

* * *

7 - أنا

7- خوري. 54 : 81

والريح تسأل من أنا

The wind asks who am I ?

أنا روحها الحيران أنكرني الزمان

I am its confused spirit, whom time has disowned

أنا مثلها في لا مكان

I, like it, never resting

نبقى نسير ولا انتهاء

continue to travel without end

نبقى نمرّ ولا بقاء

continue to pass without pause

فإذا بلغنا المنحنى

Should we reach a bend

خلناه خاتمة الشقاء

we would think it end of our suffering

فإذا فضاء !

and then -void

والدهر يسأل من أنا

Time asks who am I ?

أنا مثله جبارة أطوي عصور

I, like it, am a giant, embracing centuries

وأعود أمنحها النشور

I return and grant them resurrection

أنا أخلق الماضي البعيد

I create the distant past

من فتنة الأمل الرغيد

From the charm of pleasant hope

وأعود أدفعه أنا

and I return to bury it

لأصوغ لي أمساً جديد غده جليد

to fashion for myself a new yesterday whose tomorrow es ice.

* * *

8 - الزائر الذي لم يجىء

8 - هيوود. : 51 : 123

..ومرّالمساء، وكادَ يغيبُ جبينُ القَمَرْ

The evening passed and the moon’s brow was on the wane,

وكدْنا نُشيّع ساعاتِ أمسيةٍ ثانيه

We were about to say farewell to another evening

ونَشْهد كيف تسير السعادةُ للهاويه

And witness how happiness was moving towards the abyss

ولم تأتِ أنتَ..وضِعْتَ مع الأمنياتِ الأخَرْ

You did not come and were lost with the other hopes,

وأبقيتَ كرسيّك الخاليا

You left your vacant seat

يُشاغِلُ مجلسَنا الذاويا

To hold our fading gathering in anxious expectation

ويبقى يَضجّ ويسأل عن زائرٍ لم يجيءْ

Clamouring about a visitor who did not come.

وماكنت أعلم أنّك إن غبت خلف السنينْ

I did not know that in your absence beyond the years

تخلّف ظلّكَ في كل لفظٍ وفي كل معْنى

You leave your shadow behind in every word and every meaning

وفي كلّ زاويةٍ من رؤايَ وفي كلّ مَحْنى

In every angle of my vision and every curve.

وما كنت أعلم أنّكَ أقوى من الحاضرينْ

I did not know that even in your absence, You overshadow those present.

وأنّ مئاتٍ من الزائرينْ

That hundreds of visitors

يضيعون في لحظةٍ من حنينْ

Are most in a moment of yearning

يَمَدُّ ويَجْزُرُ شوقاَ إلى زائرٍ لم يجيءْ

Which ebbs and flows, longing for a visitor who did not come.

* * *

9 - نهاية السلم

9- أ - نهاد سالم. 52 : 152

مرّت أيامٌ منطفئاتْ

The days have passed,

لم نلتقِ لم يجمعْناحتى طيف سراب

طيفُ سراب

سسسَرَابْ

bedimmed.

وأنا وحدي، أقتاتُ بوقْع خطى الظُلماتْ

When we met not, even in the

shimmer of a mirage

خلف زُجاج النافذةِ الفظّةِ، خلفَ البابْ

And when I, alone, feed on

the sound of footsteps in the dark

وأنا وحدي …

Behind the cruel windowpane, behind the door

مرتْ أيامْ

I stand alone …

باردةً تزحفُ ساحبةً ضَجَري المرتابْ

And days have passed,

وأنا أصغي وأعدُّ دقائقَها القلقات

Cold, creeping and dragging along my dubious boredom.

هل مرَّ بنا زمنٌ؟ أم خُضنا اللا زمنا؟

While I harked, counting their anxious minutes beat.

مرَّتْ أيامْ

Has time gone by ? Or have we lived a timeless time ?

أيامٌ تُثقلُها أشواقي. أينَ أنا ؟

Sunk in the tide of dreams.

ما زلتُ أحدِّقُ في السُلّمْ

And days have passed,

والسّلمُ يبدأُ لكنْ أينَ نهايتهُ؟

Laden with my longings. Where am I ?

يبدأُ في قلبي حيثُ التيهُ وظلمتُهُ

Still staring at the stairs

يبدأُ. أين البابُ المبهَمُ ؟

And stairs do start, but where do they lead ?

بابُ السُلّمْ ؟

They start in my heart where a dark maze reigns,

* * *

9 - ب- بدوي. 30 : 230

Days have passed, whose light has been snuffed,

When we did not meet, not even in imagination,

While all alone I have been here feeding on the footsteps of the dark

Outside the cruel windowpane, outside the door.

Days have passed while all alone I have been here,

Cold days creeping, dragging along my suspecting impatience,

And I have listened and counted the anxious minutes.

Was it time that has passed or have we been wading through timelessness ?

Days have passed, made heavy with my longings,

And I ? I am still gazing at the stairs,

The stairs that begin here, but I know not where they end ?

They begin here in my heart where it is all dark,

But where is the door, the shadowy door

At the bottom of the stairs ?

* * *

10 - خمس أغانٍ للألم

10- بلاطة، عيسى. 33 : 13

نحن توّجناكَ في تهويمةِ الفجْرِ إلها

We crowned you as a god at dawn

وعلى مذبحكَ الفضيّ مرّغْنَا الجِبَاها

And prostrated our brows at your silver alter

يا هَوانا يا ألَمْ

O our love, O Pain

ومن الكَتّانِ والسِمْسِمِ أحرقنا بخورا

We burnt you incense of linseed and sesame

ثمّ قَدّمْنا القرابينَ ورتّلنَا سُطورا

Then offered sacrifices and sang verses

بابليّاتِ النَغَمْ

Of Babylonian tune.

* * *

نحنُ شَيَّدْنا لكَ المعبَدَ جُدراناً شَذيّه

We built you a temple of fragrant walls

ورشَشنا أرضَهُ بالزَّيتِ والخمرِ النقيّه

Sprinkled its floor with oil and pure wine

والدموع المُحرِقه

And burning tears.

نحن أشعلنا لكَ النيرانَ من سَعف النخيلِ

We kindled for you fires of plam branches,

وأسانا وهَشيم القمح في ليل طويلِ

Of our sorrow and of wheat bran in the long night,

بشفاهٍ مُطْبَقَه

Our lips closed.

* * *

11 - ثلج ونار.

11 - بلاطة كمال. 60 : 46

وإذا ما رُحْتَ تؤنّبُني، هل أنسحبُ؟

You may reproachfully provoke my guilt.

Would I retreat ?

هل يقبَلُ ثلجَ عتابكَ قلبي الملتهبُ؟

Would the sharp icicle of your plague cut through my flames ?

أترى أتقبّلُ؟ لا أغضَبُ؟ لا أضطربُ؟

Would I yield, and not go mad ?

لا!بل سأثورُ عليكَ...سيأكلُني الغَضَبُ

No. I should revolt, I scream inside.

* * *

وإذا أنا ثرتُ عليك وعكّرتُ الأجواء

But were I to trespass darken the air

بمرارةِ لفظٍ جافٍ أو حرفٍ مسْتاءْ

with some bitter phrase perhaps a misplaced word

فستغضَبُ أنتَ وتنهَضُ في صمتٍ وجَفاءْ

you would be offended, turn dry like sand

Rise and quietly disappear.

وستذهَبُ يا آدمُ لا تسألُ عن حوّاءْ

 

لا، لا تسأل … دعني صامتةً منطويه

Don’t ask me why I am gagged.

اترك أخباري وأناشيدي حيثُ هيَ

 

اتركني أسئلةً وردوداً مُنْزويه

Here, I remain

ووروداً تبقَى تحت ثلوجكَ منحنيه

a bed of roses bent under your snow;

* * *

يا آدمُ لا تسأل … حوّاؤكَ مطويّه

a puzzle of unanswerable questions

في زاويةٍ من قلبك حيرى منسّيه

in some corner of your heart.

ذلك ما شاءتْهُ أقدارٌ مَقْضيّه

It is a destiny’s prescription :

آدم مثلُ الثلْج، وحوّاءٌ ناريّه

Adams is the ice

Eve the fire.

* * *

12 - الأفعوان

12- فرنيا وبزركان. 35:245

أين أمشي ؟ مللتُ الدروبْ

Where shall I go ?

I’m weary of the ways,

وسئمتُ المروجْ

I’m bored with the meadows

والعدوَ الخفي اللجوج

And with the persistent, hidden enemy

لم يزل يقتفي خطواتي، فأين الهروب ؟

Following my steps .

Where can I escape ?

الممرات والطرق الذاهباتْ

The trails and roads that carry

بالأغاني إلى كل أفق غريبْ

Songs for every strange horizon,

ودروب الحياة

The paths of life,

والدهاليز في ظلمات الدجى الحالكات

The corridors in night’s total darkness,

وزوايا النهار الجديب

The corner of the bare days …

جبتها كلها، وعدوّي الخفيّ العنيدْ

I’ve wandered along them all,

With my relentless enemy behind me,

صامد كجبال الجليد

Keeping a steady pace, or sitting firmly

Like the mountains of snow

في الشمال البعيد

In the far north,

* * *

د. صالح جواد الطعمة

.............................

(*) نشر في كتاب تذكاري "نازك الملائكة دراسات في الشعر والشاعرة"

بقلم نخبة من أساتذة الجامعات.الكويت:شركة الربيعان، 1985.ص ص:111-141.

(**) سنشير إلى المصدر بذكر رقمه أولاً حسب وروده في قائمة المراجع في نهاية البحث تليه أرقام الصفحات.

المراجـــع

1- ادريس، سهيل: "تعليق" الآداب 13(3/ آذار 1965)120-121.

2- : "الآداب في عامها الرابع عشر" الآداب 14 (1/ كانون الثاني 1966) 1-2

3- خطاب، عزت عبد المجيد: "ترجمة عربية لمرثية الشاعر الإنجليزي توماس جراي" مجلة كلية الآداب (الرياض)3 (1973/1974) 277-247

4- صمود، نور الدين: "قصيدة الكوليرا: ليست شعراً حراً" افكر 24(1978/1979) 376-388

5- طه، علي محمود: ديوان علي محمود طه، بيروت : 1972 .

6- الطعمة، صالح جواد: الشعر العربي الحديث مترجماً. الرياض: 1981.

7- -:"شوقي وآثاره في مراجع غربية مختارة" فصول 3 (1/أكتوبر-نوفمبر-ديسمبر 1982)243-257.

8- الملائكة، نازك: ديوان نازك الملائكة. المجلد الأول. بيروت: 1971.

9- : ديوان نازك الملائكة. المجلد الثاني. بيروت: 1971.

10- : قضايا الشعر المعاصر. بيروت: 1962. ط3 بغداد:1967.

11- الملائكة نازك: محاضرات في شعر علي محمود طه: دراسة ونقد. القاهرة: 1965.

12 - : "ياسمين" - قصة- الآداب 6 ( 3/آذار 1968) 5-10.

13- : "نقد قصص العدد الماضي" الآداب 7 (12/ كانون الأول 1959) 69-72

14- ------- : "الأدب والغزو الفكري" الآداب 13 ( 3/ آذار 1965) 3 - 34.

15- موريه، س.: حركات التجديد في موسيقى الشعر العربي الحديث - ترجمة سعد مصلوح. القاهرة: 1969.

16- Abdel-malek, Anouar: ed. & tr. Anthologie de la littrature arabe contemporaine. II. Les essais. Paris: 1965. pp. 443 - 447.

17- Abdul-Hai. Muhamad: Tradition and English and American influence in Arabic Romantic poetry. London: 1982. pp. 27-29. 110- 112 , 119.

18. Ahmed, J. M.: “Present mood in literature.” Atlantic Monthly, 198(October, 1956) 163 - 164.

19.--------------------:“Young Arab writers today,” Middle East Forum, 33 (No. 7, July, 1958) 19 - 21, 33.

20- --------------------: “Young Arab writers today,” Islamic Review. 46 (July - August, 1958) 70 - 73.

21- Altoma, Salih J.: “Iraq and its contemporary Arabic literature.” The Arab World, 7 (No. 10, November 1961) 14 - 15.

22- --------------------: “Iraq’s contemporary literature,” Islamic Review, 50 (May - June, 1962) 14-15.

23- -------------------: “Postwar Iraqi literature: Agonies of rebirth,” Books Abroad, 46 (1972) 211- 213.

24- ------------------: “Iraqi literature,” Encyclopedia of World Literature in the 20th Century. Vol 2. New York: 1982. pp. 456 - 458.

25- Alwan, Mohammed B. : “A bibliography of modern Arabic poetry in English translation,” Middle East Journal, 27 (1973) 373-381, esp. p.378.

26- Anderson, Margaret: Arabic materials in English translation. A bibliography of works from the Pre-Islamic period to 1977. Boston: 1980. p.198.

27- El-Azma, Nazeer: “Free verse in modern Arabic literature,” Ph.D. Dissertation, Indiana University, Bloomington. 1969. pp. 77-82, 114 - 119.

28- Badawi, M.M.: An anthology of modern Arabic poetry. Beirut / Oxford: 1970. pp. xix-xx, xxxv.

29---------------------: “Convention and revolt in modern Arabic poetry,” Arabic poetry: Theory and development. ed. G. E. von Grunebaum. Wiesbaden: 1973. pp.181 - 208, esp. p. 203.

30---------------------: A critical introduction to modern Arabic poetry. Cambridge, England: 1975 . pp. 228 - 230.

31- Bellamy, James A. et al.: Contemporary Arabic Readers. V. Modern Arabic poetry. Ann Arbor : 1966. p. 217 (part 2).

32- Berque, Jacques: Cultural expression in Arab society today. tr. Robert W. Stokey. Austin: 1978. pp. 270, 272. 275, 289, 291, 300.

33. Boullata, Issa J.: Modern Arab poets : 1950 - 1975. Washington, D. C. 1976 . pp. 11 - 13, 157 - 158.

34- Boullata, Kamal. ed.: Women of the Fertile Crescent: Modern poetry by Arab women. Washington, D. C.: 1978. pp. 13-22.

35- Fernea, Elizabeth & Bezirgan Basima Q.: Middle Eastern Muslim women speak. Austin: 1977. pp. 331 - 349.

36. Harris, George L.: Iraq: Its people, its society, its culture. New Haven: 1958. p. 289.

37- Haywood, John A.: Modern Arabic literature: 1800 - 1970. New York: 1972. pp. 184 - 185, 187.

38-Jayyusi, Salma Khadra: Trends and movements in modern Arabic poetry. Leiden: 1977. See Index, pp. 865 - 866.

39-Khouri, Mounah A.: “Lewis cAwad: A Forgotten Pioneer of the Free Verse movement,” Journal of Arabic Literature, 1 (1970) pp. 137-144, esp. 138-139, 143. Reprinted in Issa J. Boullata (ed). Critical perspectives on modern Arabic Literature. Washington, D. C.: 1980. pp. 206 - 213.

40- Khouri, Mounah A. & Algar, Hamid.: Ed. & tr. An anthology of modern Arabic poetry. Berkeley: 1974. pp.15-17, 78-81, 240.

41- Khouri, Mounah A.: “Prose poetry: A radical transformation in contemporary Arabic poetry,” Edibyat 1 (1976) pp.127-149, esp. p.132. Reprinted in Boullata’s Critical perspectives.., 280-304.

42- Khulusi, S. A.: “Contemporary poetesses of Iraq,” Islamic Review, 38 (June, 1950) pp. 40-45, esp. pp. 42-44.

-43 -------------------: “Atika, a modern poetess,” Journal of the Royal Asiatic Society, 1950. pp. 149-157, esp. 149.

44- Al-Mala’ika, Nazik.: “Pour laver le déshonneur,” tr. p. Rossi, see 74: 209 - 210.

45---------------------------: “La douleur en chemin,” tr. V. Monteil, see 67: 100 - 109.

46---------------------------:“Funf gesange an den schmerz,” tr. Annemarie Schimmel. Fikr wa Fann, 1 (No. 2, 1963) pp. 34-35, 38-39.

47---------------------------: “Canciones para el dolor,” tr. L. Martinez Martin. See 61: 75- 82.

48---------------------------: “Sur la poésie libre,” tr. Anouar Abdel-Malek, see 16: 444 - 447.

49---------------------------: “Down hill.” The Arab world. 12 (October-November, 1966) p. 21. (a short story).

50---------------------------: “Jamais le visiteur,” & “Laver la honte,” tr. Luc Norin & Edouard Tarabay. See 72: 176 - 178.

51---------------------------: “The visitor who did not come,” Lotus: Afro-Asian Writings, 1 (Nos. 2 - 3, 1968) p. 123.

52---------------------------: “The top of the stairs,” tr. Nihad A. Salem. Afro-Asian poetry. Cairo: 1971. pp. 152-153.

53---------------------------: “Moonlight.” tr. Nihad A. Salem. Lotus: Afro-Asian Writings, (No. 16. 1973) pp. 138-139.

54---------------------------: “ Who am I ?,” tr. Mounah Khouri & Hamid Algar, see 40: 78 - 81. Reprinted in Fernea, see 35: 244.

55---------------------------: “The visitor who did not come,” tr. Shafiq Megally, Journal of Arabic literature, 7 (1976) p. 85.

56---------------------------: “Five songs to pain,” tr. Issa Boullata, see 33: 11-13.

57---------------------------: “The beginnings of the free verse movement,” tr. Elizabeth Fernea and Basima Bezirgan, see 35: 232-243.

58---------------------------: “The viper,” tr. Elizabeth Fernea and Basima Bezirgan. see 35: 245 - 247.

59---------------------------: “I am”, “Insignificant woman”, “My silence”, “Washing off disgrace”, “Jamila”, Tr. Kamal Boullata, see 34: 17 - 22.

60--------------------------: “Washing off disgrace”, “Jamila”, “My silence” tr. Kamal Boullata. Arab Perspectives, 1 (No. 4, July, 1980) pp. 45-46.

61. Martinez Martin, L.: “Nazik al-Mala’ika,” Cuadernos de la Biblioteca Espaٌola de Tetuan. 2 (1964) 75 - 82.

62-----------------------------: Antologia de poesia arabe contemporanea. Madrid: 1972. pp. 179-180.

63Matinez Motavez, Pedro: Poesia arabe contemporanea. Madrid: 1958. pp.260-261.

64-------------------------------: “ Aspectos de la actual literatura feminina arabe.” Almenara 1 (1971) 85 - 110.

65-------------------------------: “(ed.) Literatura Iraqui contemporanea. Madrid: 1973. 2nd. edition. 1977. pp. 65-68, 155-156, 373-385.

66-------------------------------: Introducciَn a la literatura arabe moderna. Madrid: 1974. pp. 174-204.

67- Monteil, Vincent: Anthologie bilingue de la littérature arabe contemporaine. Beirut: 1961. pp. 99 - 109.

68- Moreh, S.: “Nazik al-Mala’ika and al-shicr al-hurr in modern Arabic literature,” Asian and African Studies, 4 (1968) 57-84. Reprinted in his Modern Arabic poetry. (see below) pp. 198 - 215.

69----------------: “The influence of Western poetry and particularly T. S. Eliot on modern Arabic poetry,” Asian and African Studies, 5 (1969) 1-50. Reprinted in his Modern Arabic poetry. (see below) pp. 216-266.

70----------------: Modern Arabic poetry 1800 - 1970: The development of its forms and themes under the influence of Western Literature. Leiden: 1979. See Index p. 349 and pp. 213, 214, 215.

71----------------: “Technique and form in modern Arabic poetry up to World War II,” Studies in memory of G. Wiet. Ed. M. Rosen-Ayalon. Jerusalem : 1977. pp. 415-434.

72- Norin, Luc & Tarabay, Eduard. Eds.: Anthologie de la littérature arabe contemporaine. III. La poésie. Paris: 1967. pp. 23, 176-178.

73- Rejwan, Nissim: “Rejecting Europe’s cultural influence: Protest of an Iraqi poetess.” Jewish Observer and Middle East Review, 15 (No. 22, June 3, 1966) 16-17.

64- Rossi, Pierre: “Impressions sur la poésie d’Irak. Jawahiri, Mardan, Nazik al-Mala’ika, Bayati,” Orient, (No. 12, 1959) pp. 199-212.

65- Sfeir, George: “Writers in Arabic,” The New York Times Book Review, (September 23, 1961) pp. 48-49.

66- Stewart, Desmond: “Contacts with Arab writers,” Middle East-Forum. 37 (January 1961) pp. 19-21.

67- Vernet, Juan: Literatura rabe. Barcelona: 1968. pp. 212-245.

68- Wiet, Gaston: Introduction a la littérature arabe. Paris: 1966. pp. 301, 303.

 

ضياء خضيرحداثة لم تؤثر جوهرياً على روح القصـيدة الغنائية في الديوان الجديد

ديوان (نهر بثلاث ضفاف) الذي وصلني قبل أيام من الشاعر يحيى السماوي،  قاطعًا بأيام المسافة الشاسعة من استراليا إلى كندا البعيدة "بعد القلب عن اليد"، كما يقول في إحدى قصائد هذا الديوان، [ربما لأنها بين الأصدقاء] ينطوي على آخر ما تفتقت عنه شعرية هذا العراقي الطالع من (أرض السماوة)  منتظرا "هدهد البشرى" الذي ينقل إليه أخبار الوطن المحمولة على جناح قصيدة يختلط فيها الواقع بالأسطورة، والضفة الثالثة المجازية بضفتي الفرات وجرفه الأرضي و(السماوي) المجنّح، أوالهابط إلى الأعماق مع إينانا الباحثة عن تموز العراقي القتيل ليبعث ويعود من جديد كما الحلم في قصيدة، قبل أن يتحول إلى كابوس في قصائد أخرى.

لقد كتب لي  الشاعر في الإهداء

(أهدي مائدتك هذا الرغيف الورقي عسى أن تجد فيه شيئًا من طحين الشعر).

مع أن شعره في هذا الديوان، مثل دواوينه الأخرى التي نيّفت على العشرين، لا تنطوي على (طحين الشعر) وحده، بل أيضًا على حنطته وشعيره كاملين، بكل مكوناتهما وعصارتهما الأصلية الطالعة من أرضهما العراقية الخصبة. أعني أن القصيدة التي اختار السماوي أن يوزعها على بياض الصفحة في هذا الديوان بطريقة تشبه توزيع القصيدة (الحرة) وتوحي بنظامها القائم على مبدأ التفعيلة والتدوير، ما زالت تحتفظ ببنائها العمودي القائم على وحدة البيت الشعري بما ينطوي عليه من وزن وقافية واستقلال في المعنى، على ما قد يصيب بعض البحور الصافية أو المختلفة في تفعيلاتها من إجتزاء وتغيير لا يؤثر على طبيعة الإيقاع ووجود القافية التي توفر الضربة الموسيقية التي تختم البيت وتضع حدًا لامتداده اللفظي والدلالي.

نعم، هما وزن وقافية ظل الديوان، كل الديوان، يحتفظ بهما أصلا ثابتا وقاعدة عامة لا يستطيع شاعر مثل يحيى السماوي تربّى على فحولة القصيدة العربية وعرف " شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف" التي يقول المرزوقي في شرحه على (حماسة أبي تمام) إنه من "اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال، وشوارد الأبيات، والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخيّر من لذيذ الوزن ..". فنحن ما زلنا نجد كل هذه المزايا التي تؤلف فحولة الشعر وقوام القصيدة العربية موجودة في شعر السماوي ، على الرغم مما قد يمسّ وجهَ قصيدته ويلحق بقوامها من شيات وألوان ووسائل حداثة شعرية لم تؤثر تأثيرًا جوهريًا على روحها الغنائية ولهجتها الخطابية التي تلبي المطالب التداولية العامة، وتلامس في بعض نماذجها الذائقةَ الشعرية الخاصة على نحو لا يخلو من إبداع وقوة تأتيان من اكتمال العناصر التي تؤلف بنية القصيدة وتخالط لغتها شكلا رائقا، وروحًا نبيلًا شديد القابلية على الإحساس.

أما التدوير الذي تحدث عنه الدكتور (عبد الرضا علي) في مقدمته على الديوان باعتباره نوعًا من "التدفق في تركيب النسيج ، وفي انسيابية الجريان الإيقاعي وفيضه"، ويشبه عند السماوي التدوير في بعض دواوين نزار قبّاني، كما يقول، فلا أظن أن له هنا وظيفة تزيد على ما في البيت الشعري في القصيدة العربية التقليدية من ناحيتي الوقفتين الدلالية والعروضية، اللهم إلا في استثناءات قليلة، بصرف النظر عما يقوله الدكتور  عبد الرضا عن " شعر الأعالي المغاير للسائد في أسلوبيهِ التفعيلي المدوّر، والشطرين الجديد".

ونحن نعرف أن التدوير، كما رأيناه عند حسب الشيخ جعفر مثلا، يرتبط برؤية شعرية وفلسفية من شأنها أن تعبث بنظام القصيدة وتدخل التغيير على مجمل البناء الشكلي والدلالي لبنائها الكلّي. فهي شكل يحمل خاصية تعبيرية بين عناصر أخرى متكاملة، وليست مجرد إضافة خارجية أو حلية شكلية.

وقصائد من هذا النوع يمكن أن  تفيد من بعض العناصر الجمالية في الشعر، مثل الملحمة والقصة والحوار والتكرار، واستخدام بعض الكلمات الشائعة على ألسنة الناس في الاستعمال اليومي في إطار التدفق الغنائي وانسيابية اللغة. ولذلك، فهي تقنية مختلفة غيّرت السائد من نظام توزيع مفردات القصيدة من الناحية الصوتية والدلالية. واعتماد التدوير، والكتلة، والتدفق، تبقى خصائصَ في هذا النوع من الكتابة الشعرية. إذ إن مجموع العلاقات المعقودة بين وحدات اللغة وعناصرها المختلفة تتجاوز طول السطر وكيفية توزيع وحداته الإيقاعية داخل النسق من أجل الحفاظ على علاقاتها النحوية والإسنادية، بصرف النظرعن مكان وجودها داخل السطر أو نوع نغمتهما وزخرفهما الصوتي. ومهمة التدوير في هذه القصيدة ليست شيئًا آخر غير هذه التلاحق أو التدفق والاحتدام الحاصل بين محتوى اللغة وإيقاعها الموسيقي أو الوزني من جهة، وبين طبيعة التركيب الذي تبقى فيه العلاقات الإسنادية والنحوية قائمة بين السطر والذي يسبقه أو يليه، حسب التوزيع الذي تقتضيه الضرورات الإيقاعية أو الوزنية، من جهة أخرى. وهو أمر ليس موجودًا، كما قلنا، في ديوان السماوي هذا، إلا بصورة جزئية، وشكلية أحيانًا، تتمثّل إعادة التوزيع المكاني للبيت الشعري مع بقاء تفعيلاته، في مجملها، مستقلة أو غير مرتبطة بغير البيت الشعري نفسه، حتى إذا اقتضت الضرورة أحيانًا إضافة بعض التفعيلات إلى هذا البيت من أجل إكمال المعنى على طريقة القصيدة الحرة.

غير أن كل ذلك لا يعني أن شعر يحيى السماوي في هذا الديوان يفتقر إلي هذا التدوير، ولا تكتمل شعرية صاحبه المتميزة إلا به. وكل ما هنالك أن الحديث عن وجود هذا التدوير بوصفه تقنية شعرية حداثوية لازمة في شعر السماوي يشكّل نوعًا من الخطأ الذي يشبه الخلط الذي ينتج عن محاولة إدخال نظام على نظام. نظام مختلف في طبيعته وروحه وقواعده المنظمة. ويكفي يحيى السماوي أن يكون الشاعر الذي ظل سنين طويلة يمسك بطريقته الخاصة بزمام موهبة شعرية (عمودية) محلقة، وباعثة على الإعجاب دائما، بما انطوت عليه من أصالة وعناصر شخصية وثقافية وروح غنائية في إطار القالب الشعري القديم نفسه.

وقصيدته، مثل قصيدة الجواهري، تنطوي على روح القصيدة القديمة ورواسمها الأساسية. وهي تجهد نفسها من أجل تحقيق ما يمكن أن نسميَه (كلاسيكية جديدة) تقوم على التنويع والتجديد في المعاني والأغراض؛ مع العلم أن قصيدة السماوي، على (فحولتها) وقوة عارضته فيها وتمكّنه من لغتها، تبدو أكثر طراوة ولينًا وقدرة على قبول التغييرات الحداثوية المحدودة من قصيدة الجواهري نفسها. 

وهذا المثال من مقطوعة للشاعر بعنوان (قناعة) يمكن أن يقدم أنموذجا على طريقة الشاعر في هذا الديوان القائمة على توزيع مفردات البيت الشعري (المكتوب على الرمل هنا) من دون ضرورة ملزمة غير التوكيد، ربما، على القافية التي تنفرد، كما نرى، باستقلالها بسطر كامل في كل بيت من الثلاثة في المقطوعة:

"رشيقًا

"مثل مشحوف تهادى

يشقّ

بنور طلعته السوادا

 

أتاني والنعاس يشل جفني

وحين خلعت ثوب النوم

عادا

 

فيا تنورّها إن عزّ خبزٌ

فهبني منك جمرا

أو رمادا" 

وهذا المقطع المأخوذ من قصيدة الشاعر الطويلة (هبوط إينانا) يمكن أن يكون أنموذجا آخر لهذا النوع من (التدوير) الذي لا يوجد في القصيدة بمجرد إعادة توزيع تفعيلات الكامل أو مجزوئه على سطور الصفحة. فهذه التفعيلات تبقى، في جملتها، مستقلة من الناحية النحوية، مع إمكانية انتظامها من الناحية العروضية بأبيات كاملة أو مجزوءة تكتمل بوجود القافية اللامية الساكنة التي تضع حدًا لامتداد الجملة من الناحيتين الدلالية والعروضية.

" شقت ظلام الليل إينانا

فأيقظت المرايا

ألبستني

بردة الفرح المؤجل

منذ عام الهجرة الأولى

عن الماء الفرات

وسيد الشجر

النخيلْ

 

وعن السماوة

والظباء الفاتنات

إذا نظرن إلى الغزال

أسرنه

بمصائد الطرف الكحيلْ"

واستخدام الشاعر لرمز إينانا الأسطوري في هذا الديوان أو في عدد من القصائد فيه، يمكن أن يندرج في إطار قصيدة القناع باعتباره تقنية فنية  لجأ إليها الشاعر للتعبير عن تجربة أو تجارب حب وعلاقات وتأملات اجتماعية وفكرية ومواقف سياسية وغزل صريح قد يقطع مع الصورة العذرية العفيفة، أو يقلق حدودها الخفرة. وهو يحاول أن يعبر عن كل ذلك بصورة غير مباشرة للتخفيف من حدة صوته الشخصي، والنغمة الغنائية المباشرة في خطابه الشعري.

والقناع المختار هنا هو، كما نرى، إي إينانا (عشتار) إلهة الحب وقرينة تموز المعروفة في الثقافة الرافدينية القديمة، ليس اختيارًا اعتباطيًا بالنسبة للشاعر الذي تحتوي بيئته العراقية على الإرث الأسطوري والآثاري والحضاري السومري والأكدي والبابلي القريب من مدينة الشاعر (السماوة) وما يحيط بها من مدن الوسط والجنوب العراقي؛ علما بأن هذا القناع يبدو، مثل التدوير، شفافًا أو جزئيًا قد تتحلّل منه القصيدة نفسها، ويعود الخطاب فيها إلى ضمير المتكلم المباشر الذي هو صوت الشاعر نفسه، كما في هذا المقطع الذي ترد فيه هذه السردية الخاصة بعد المقطع السابق مباشرة:

"وحدي وقاسم كنت في قصر الغدير

مهرولين وراء قافية

وتطنبُ في الحديث عن البلاغة والبيان

وسرّ عجز النهر

عن إرواء متبول تأبّده الغليلْ

 

قبل انتصاف الليلْ

آذن بالذهاب إلى جنائن بيته الضوئي قاسمُ

فاقترحت عليّ أن أبقى معي

لأعيد ترتيب الهموم

عساي أطفئ من حرائقها القليلْ

 

قبل النداء إلى صلاة الفجر

فزّ القلب..

صوت كالأذان أتى..

أصختُ النبض

من؟

فأجابني صمتي هو المطر الوبيلْ

 

فانثر بذورك

آن للصحراء أن تتفيّأ الأيك الظليلْ

وتفيض غدران بأعذب

سلسبيلْ.. "  (هبوط إنانا، ص 14- 17)

وفي المقطع، كما نرى، إشارة إلى التغيير الذي حصل بعد سقوط النظام في أعقاب الاحتلال، قبل أن يتحول الحلم الذي "تتفيأ فيه الصحراء الأيك الظليل، وتفيض غدرانٌ بأعذب سلسبيل"، إلى كابوس في قصائد ومقطوعات أخرى في الديوان نفسه، كما ذكرنا.

وإضافة إلى (هبوط إينانا) هناك قصائد أخرى في الديوان ترتبط بأسطورتها نوعًا من الارتباط الشكلي مثل (قبل دخولي فردوسها) و(حبل إينانا)و(وصايا إينانا)، القصيدة التي سلكت وصاياها وتعاليمها التي "أوصى بها ربّ الفلق" مسلكًا أخلاقيًا يحضّ على الفضيلة ومكارم الأخلاق في إطار من المعاني الاجتماعية العامة التي ليس لها خصوصية معينة أو ارتباط بإينانا العراقية القديمة.

ووجود اسم إينانا والخطاب الموجه منها للشاعر أو من الشاعر إليها في هذه المقاطع، لا يختلف في الواقع عن الخطاب الذي اعتاد الشاعر العربي القديم توجيهه لامرأة حقيقية أو متخيلة يتخذ منها متّكأ ومعينًا له في قوله الشعري المتصل بكرمه وتضحياته وشجاعته ومجمل فلسفته في الحياة.

وبعض دلالات هذه (الوصايا) يرتبط بمعان ودلالات شعرية قديمة مثل قوله:

"إن ثوبًا من حرير الذل

أبهى منه في العزّ رداء من

خرقْ

 

ورغيف التبن

أشهى لأبيّ النفس من

خبز الملقْ "

فهو مأخوذ من أبيات معروفة لميسون بنت بهدل زوجة معاوية بن أبي سفيان:

ولبسُ  عباءة وتقرّ عيني    أحبّ إليّ من لبْسِ الشفوفِ

وأكلُ كسيرةٍ في كسْر بيتي    أحبُّ إليّ من أكلِ الرغيفِ

في حين تعكس بعض الأبيات والمقطوعات الأخرى ظلالًا وأضواء من قصائد ثانية، مثل هذه الأبيات المكتوبة تحت عنوان (خلاصة الحياة) التي نستطيع فصل ارتباطها الدلالي والشكلي برباعيات الخيام، أو بقصيدة إيليا أبو ماضي (الطلاسم):

"منذ دهر

وأنا أركض وحدي

في سباق الفوز بالجنة أو بئس المصيرْ

 

مرةً يسبقني الليل وأخرى أسبق الصبحَ

وفي الحالين

وحدي أركضُ الأشواطَ مجهولَ المصيرْ

 

ليتني أعرف: هل كنت بها الأول؟

أم كنت الأخيرْ ؟" ص 111)

والخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من قراءتنا لهذا الديوان هو أنه يبقى، كما قلنا، شعرا عربيا عذبا مكتوبا على وفق مقتضيات العمود الشعري الذي درج الشاعر على الكتابة فيه بكفاءة وقوة، وعلى نحو تحتل قصيدة الغزل والعلاقة مع المرأة فيه موقعًا مركزيًا، سواء أكان الخطاب فيه مباشرًا أو متخذًا من إلهة (الحب والعشق والمطر) إينانا، ستارا وقناعًا شفيفًا وبسيطًا لا يخفي ما وراءه من مباشرة ورغبة في الإفضاء والتعبير باستخدام ضمير المتكلم – الشاعر، أو راويه النائب عنه والقريب في موقعه منه.

والضفة الثالثة في ديوان السماوي هذا ليست، في الواقع،  شيئًا آخر غير هذه المرأة التي امتلأ الديوان بالقصائد الموجهة إليها تحت اسم إينانا، أو من دونه "فأنا الفرات، وأنت دجلة، والسرير بكوخنا شط العرب!". وهو ما يتكرر بهذه الصيغة أو ما هو قريب منها في أكثر من مقطوعة وقصيدة.

ولا بد من القول، أخيرًا، إن في شعر السماوي جانبا صلبا ومتوازنا على الرغم من تلقائيته التي تجعل  القصيدة المفردة منه تبدو خالية من التكلف والاصطناع، ولكنه شعر يبقى في عمومه بعيدا عن أن يكون عميقًا أو جارحًا أو خارجًا عن مألوف القول الشعري، على الرغم من وجود الإحساس المأساوي المتولد عن تجربة البؤس الجماعي و"والحزن الفراتي المعتّق" التي عاشها الشاعر في مدينته وبلده، حاملًا أحلاما وشظايا من فكر يساري تقدمي لم يجد غير حياة المنفى والغربة أو ما يسميه حياة ( الغربتين)، للتنفيس عنه.

وليس هناك في بناء هذا الشعر علاقات تركيبية معقدة على مستوى الإدراك العام للقصيدة ومحتواها الفكري والدلالي. فهي تبدو، مثل القصيدة العمودية، مكشوفة لا تنطوي على غير لغتها التي يمكن شرح بعض مفرداتها في الهامش من قبل الشاعر نفسه، وعاطفتها المبالغ فيها أحيانًا، وصورها وتجربتها وعلاقاتها الداخلية المحدودة بحدود أفكارها الاجتماعية والفلسفية المعلنة.

وبعض القصائد التي نشهد فيها شيئًا من ملامح البناء السردي والدرامي الفاعل مثل (حبل إينانا)، تبدو قليلة إلى جانب القصائد الذاتية والتأملية والغزلية التي تشيع في الديوان ويتراوح فيها الخطاب الموجه إلى المرأة بين العفة والعذرية، والغزل المكشوف أو المورّى عن الفحولة وأداة الذكورية فيه بألفاظ وتعبيرات ورموز واضحة الدلالة.

واستخدام الرمز الأسطوري إينانا وتكراره في قصائد عديدة من الديوان قد بقيَ، كما ذكرنا، دون عمق كاف لأنه ظل يفتقد الإطار النسقي الذي من شأنه تبرير استخدام هذا الرمز الأسطوري أو تسويغه. فأينانا في هذه القصائد تبدو مجرد امرأة عاشقة أو معشوقة وحكيمة توجّه النصائح لحبيبها. وهبوطها إلى العالم السفلي لا يحمل أية ضرورة أو معنى استعاريا محددا ، على الرغم من أن لجوء الشاعر إليه يبدو موظفا من أجل  كسر الرتابة وتوفير فسحة فكرية وخيالية أوسع، والخروج من الصورة النمطية للقصيدة، ومحاولة إدخال شيء من التوتر الدرامي، والبناء السردي الذي يربط الشاعر السومري بماضيه ويجعل قصيدته قادرة على التأثير عبر اقتحام حصون الحداثة وبعض وسائلها وأدواتها التي لا ينبغي أن تبقى لصيقة بنوع  أو لون شعري دون غيره.

 

د. ضياء خضير

 

 

عبد الله الفيفي- قال (أبو خراشة):

أُشهِدك، أيها الإمام الهمام الأكبر، بأني متنازلٌ عن تبعات ما شجرَ بيني وبين حبيبي، وقُرَّة عيني الخَرشاء، (العباس بن مرداس السُّلَمي، رضي الله عنه وأرضاه)، في القرن السادس الميلادي أو السابع، شريطة ألَّا يغدو ذلك سببًا في شجار أكبر بين العُربان كعادتهم إلى يوم يبعثون، وما ذاك إلَّا لبيتٍ زلَّ به لسانه فيَّ، عن غير قصد، قال فيه:

أبا خراشة، إمَّا كُنتَ ذا نَفَرٍ             فإنَّ قوميَ لم تأكلهم الضَّبعُ

ثمَّ أصرَّ النُّحاة، كعادتهم أيضًا، "ولكلِّ امرئٍ من دهره ما تعودَ"، أنه إنما قال:

"أبا خراشة، أمَّا أنت ذا نَفَرٍ ..."               

ومذ هذا البيت المشؤوم أكلتهم ضبع النحو، وإلى يوم الناس هذا.  بل أخشى في الأمر ما هو أدهى وأطم، وهو أن يكون ذلك سببًا في فساد العربية كلها، بعِلم نحوها؛ لتلك الرواية الغريبة التي أدلى بها سيبويه، بلا سند، ولا متن سليم؛ فأثارت الزوابع في ديار العُربان قاطبةً خمسة عشر قرنًا أو تزيد، وما زالت، وواضح أنها ستستمر!

فما كان من أحد تلامذة الإمام الأكبر، ويكنى بـ(أبي قوس النشاشيبي)، إلَّا أن انبرى لأبي خراشة:

- أ وتظن دخول السرداب كالخروج منه؟ ثكلتك أُمُّك! ألم يقل صاحبك (ابن أبي الآفاق التراثي) في مقال سابق تحت عنوان "من أوهام النحاة" ما قال؟ وأيُّ أوهام توهَّمها لدينا، وعِلمنا لَدُنِّيٌّ مُحكَم، لا تخرُّ منه قطرة ماء، يقينيٌّ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا من فوقه ولا من تحته؟ ثمَّ سَلْ صاحبك: ومن أنت، أيها النويقد، حتى تخرج من مجال الأدب إلى الثقافة، ثمَّ اليوم نراك تتجرأ لتقفز إلى حِمى نحونا المصون وأربابه؛ لتتعرَّض لسيِّدنا ومولانا الإمام الأب، رائحة التفاح الزكيَّة الفارسيَّة، قدَّس الله أسرار نحوه، أو لتتمادى لتناقش أحد ورثته الأبرار، ابن هشامنا الأنصاري المصري، هشم الله شانئيه، وشذر ناقديه، عليهم من الله ما يستحقون!  وهو الذي أصلح لنا النحو، على حين غفلةٍ من الزمان، فشذَّره تشذيرًا، وقطَّره تقطيرًا، كما هذَّب سميُّه (ابن هشام البصري) سيرة (ابن إسحاق)، فمحقها محقًا، معمِلًا فيها مشارط التهذيب والتشذيب، إلى أن حذف معظمها واستراح، ومَن لم يفهم النحو أو التاريخ، فلا فَهِم، وليشرب من بحر الروم! 

ألم يأتيكَ والأنباء تَنْمِي          بما لاقتْ لَبُونُ بَنِي زيَادِ

لا جرم، سترى منا ما لم تره (البسوس) من (كُلَيب بن ربيعة)، حين انتهكت حِماه!  أ ولم تسمع بأن لحوم علمائنا مسمومة؟!  ثمَّ ألا تعرف بأن بلاد فارس وبلاد مِصْر لهما سحرهما الغلَّاب منذ القِدَم، فمن دخلهما مغالبًا لم يعد أبدًا آمنًا! هيهات هيهات، لقد وقعتَ ولم يُسَمِّ عليك أحد!

فإذا (ابن أبي الآفاق) بالباب:

- سمعت صوتًا هاتفًا!

أبو خراشة: "أدرِكني، يا ابن أبي الآفاق!  ما قولك في ما شنَّه (أبو قوس النشاشيبي)؟

- وربِّك، ما كنتُ أحسب أن حكاية "أمَّا أنت ذا نفرٍ" تستأهل من النحويِّين كل ذلك الاحتفال في كتبهم، سواء أ صحت أم لم تصح، حتى أثبت لي صاحبك أنها لديهم كذلك، بالفعل والقوَّة، وأنها قضيَّة لا يستهان بها، ولا ينبغي أن يُعرَض لها بنقدٍ أو بتشكيك، كيف وقد جاءت في كتاب "الإمام سيبويه". حتى لعلَّه لو بُعِث ابن مرداس شخصيًّا، لما كان أشد حماسة ضدَّك، يا أبا خراشة، من حماسة هؤلاء النحاة لإثبات رواية بيته الغريبة عن قواعدهم، التي قعَّدوها فصدقناهم!  بل لو جاءهم ابن مرداس شخصيًّا، فأقسم لهم أنه إنما قال: "أبا خراشة، إمَّا كُنتَ ذا نَفَرٍ"، لقالوا له: كذبت، ومن أنت لتصحح لنا رواية بيتك؟  بل قلت: "أبا خراشة، أمَّا أنت ذا نَفَرٍ"!  اعترف، أحسن لك! لا حُجَّة بكلامك، ولا بديوانك، ولا بمن شهد لك من العلماء والمحققين، القدماء والمحدثين، وإنما المعوَّل عليه ما في كتبنا نحن، التي أولها كتاب إمامنا الأعظم سيبويه وروايته!  اغرب، تبًا لك، لا تفسد علينا تراثنا الجدليَّ المتوارث وشواهدنا!  أمَّا صاحبك، فلا ريب أنه أستاذ الأساتيذ في هذا الميدان، وهو ابن بجدتها، ولا فتوى وهو بالمدينة.  وهو نحوي مستنير، في ما نحسب، غير أن الحُبَّ غلَّاب، والصنعة قد تُعمي وتُصِم.  وما كنتُ لأعقِّب على كلامه النفيس، لولا أنه طرح بعض الإشكالات والتساؤلات.

وبدايةً، أحب أن أطمئنه، وزملاء النحو أجمعين، المستقدمين منهم والمستأخرين، بأنني لست "ممن استُهتِروا بشنآن النحو والنحويين، حين توهَّموا أن حماية العربية وإصلاح شأنها إنما يكون بالزراية على نحوها وعلى أعلامه، متجافين عن النقد العلمي الجاد، وهم أهل النقد وسدنة علمه"، كما تفضَّل.  ولكن لماذا يحسبون كل صيحة بالنقد شنآنًا لهم، وكل دعوة لنفض الغبار عن التراث، وتجديد مناهجه، زراية وعداءً لأئمتهم؟!  ثمَّ أينهم من النقد العلمي الجاد؟ وما النقد العلمي الجاد؟  أتقديس السلف، واتخاذهم أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون، وجعلهم فوق النقد والتساؤل والشك؟  وأين نحن من قول (مالك بن أنس)، مثلًا: "كل يؤخذ من كلامه ويُرَد"؟ 

ولقد كان مبتدأ نقاشي لجهود النحاة هو لتفكيك خطاب أحد القمامصة المشلوحين المتسلحين بأقوال النحاة للطعن في "القرآن الكريم"؛ لأنه بزعمه مخالف لقواعد النحاة.  ثم انقلب النحاة ليصطفوا مع القمُّص، من حيث لا يعلمون، منتصرين له، مشرعين له ولغيره الأبواب، بترديد ما جاء عن آبائهم، متبعين سننهم، حذو القُذَّة بالقُذَّة.  فيا لله العجب!  بل جعلوا يثبتون أن النحو نفسه، في كثير منه، لا يعدوا اجتهادات مضطربة، وتمنطقات بيزنطيَّة عقيمة، وآراء متضاربة، وشواهد ملفقة، واضطرابه وعقمه وتضاربه وتلفيق شواهده كل أولئك تمثِّل فيه عين وجوده، وسر خلقه، وأصل بقائه.  لا زيادة لمستزيد، وليس في الإمكان أبدع مما كان!

قال (أبو خراشة) عن (أبي قوس النشاشيبي):

- إن بيت ابن مرداس "لم يصدمهم، ولم يفاجئهم؛ فقوله جاء موافقًا لاستعمال عربي عرفوه فذكروه، وسيبويه يروي أمثلة ذلك التركيب عن أشياخه ولا يزعم ذلك زعمًا...".

- هذا ادعاء فضفاض.  ولنسلِّم أن سيبويه كان راوية عربيًّا، بل كان كـ(الأصمعي) أو (المفضَّل الضَّبي)، ومن أبناء البادية العربيَّة، ومن رواة مدرسة (زُهير بن أبي سُلمَى) الممتدة، لا شيرازي المولد فارسي النشأة، انطلق من عُقدة تلحينه في النحو إلى صناعة النحو الذي كان لحَّنه فيه أستاذه (حَمَّاد بن سلمة)، في حكاية لحنه المشهور في الحديث النبوي، هكذا: "ليس من أصحابي أحدٌ إلَّا لو شئت لأخذت عليه، ليس أبو الدَّرداء"، حتى انصرافه عائدًا من بغداد إلى بلاد فارس، بعد المسألة الزنبوريَّة الأخرى بينه وبين (الكسائي)؛ لنسلِّم بامِّحاء هذا كله، وأنه لا أثر له، نفسيًّا ولا ذهنيًّا، كأنه لم يكن، وأنه فوق ذلك راوي الرواة، فما أهميَّة رواية ما روَى والتقعيد له والانشغال به؟!  لقد أهمل اللغويون كثيرًا من كلام العرب، ولم يستشهدوا به، لأسباب ساقوها مكانية وزمانية، وتركوا كثيرًا من كلام العرب، حتى قال (أبو عمرٍو ابنُ العلاء): "ما انتهَى إليكم ممَّا قالت العربُ إلَّا أقلَّه، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم عِلْمٌ وشِعرٌ كثير."(1).  فيا ليتهم تركوا أيضًا تلك الرواية للغرائب والعجائب من كلام العرب، وإنْ صحَّت، بل ليتهم لم يشغلوا أنفسهم وأهل العربيَّة بها، فهي لا تسمن ولا تغني من جوع، وإنما يصدق فيها القول: إنها من قبيل العلم الذي لا ينفع والجهل الذي لا يضر.

هذا، ولقد جاء كتاب سيبويه خليطًا من مسائل النحو واللغة واللهجات، على طريقة التأليف في زمنه، فهو "كتاب" عامٌّ في العربيَّة، حتى إنَّ مؤلِّفه لم يحدِّد هويته، بل سمَّاه "الكتاب".  غير أن من جاؤوا بعده عدُّوه غالبًا نحوًا، ثمَّ بالغوا في إجلال صاحبه مبالغات فجَّة!  فأرهقوا أنفسهم واللغة العربية على مر العصور.  وزاد الطين بلَّة التعصب الذي أزرى بالمتأخرين، فلم يعد يدع لديهم فسحة للمراجعة.  مع أن القدماء أنفسهم كانوا يختلفون، ويشككون ويتحفَّظون. ومن أولئك (سيبويه) نفسه، القائل عن أستاذه (يونس بن حبيب، -182هـ): "ومن ذلك قول العرب: مَنْ أنتَ زيدًا، فزعم يونسُ أنّه على قوله: مَنْ أنت تَذكُر زيدًا، ولكنه كثر في كلامهم واستُعمل واستغنوا عن إظهارِه"، فلم يتحرج من استعمال كلمة "زعم"، كما لا يتحرج من نسبة الزعم إلى أستاذه الآخر (الخليل) في عشرات المواضع. 

- لماذا لم نعد نتحلَّى برحابة صدور هؤلاء؟ سأل (أبو خراشة).

- ذلك أننا ورثة تراث يتراكم مع الزمن ويلتبس.  مواقف القدماء وتحيزاتهم لم تكن تبرأ من نزعات شعوبيَّة تارةً، وقبليَّة أخرى، وطائفيَّة ثالثة، تنجم عنها المبالغات في تمجيد عَلَمٍ وصولًا به إلى عنان السماء أو الحط منه إلى الحضيض.  ثقافة ظنها المتأخرون بريئة كل البراءة، صادقة كل الصدق، لا تحيد عن الحق.  فاصطف فريق مع هذا وفريق مع ذاك، ونشبت المعارك الطاحنة، لا في شأن اللغة والنحو، بل في شأن أولئك الأبطال الأوائل، الذين دارت عليهم وبهم رحى المواجهات على أرضيات اللغة والنحو، فتعصَّب كل جمهور إلى بطله المثالي المتخيَّل. 

- قال (أبو خراشة): ثم قال صاحبنا: "تعلم العربية ليس طريقه تعلم النحو بل طريقه تلقي مهاراتها المختلفة بالوسائل المعروفة، وليست هذا الظواهر التي تشِكل بعض الإشكال كل النحو، وليس خطأ المخطئين بمثلها، بل بما هو أيسر مما أحكامه معروفة ميسرة. ولست تجد في كتب تعليم العربية في التعليم العام حديثًا عن مثل هذا البيت وما تعلق به من تفسير." 

- أتفق معه في أن العربيَّة طريقها ليس تعلُّم النحو.  لكن هذا لا يعدو كلامًا نظريًّا مُطرِبًا جميلًا، وهو محلَّ اتفاق.  غير أن الواقع بخلافه.  ولئن لم تكن تجد في كتب تعليم العربية في التعليم العام- من الابتدائية حتى الثانوية- حديثًا عن مثل ذلك البيت الغريب وما تعلق به من تفسير- كما احتجَّ- فإن طالب الثانوية ما أن يضع قدمه على عتبات الجامعة لدراسة اللغة العربيَّة حتى يُلطَم وجهه وقفاه بأمثال قضيَّة "أمَّا أنت ذا نفر"، مع كتاب كـ "شرح شذور الذهب"، والجدال المنطقي الفارغ حولها!  ولا حول ولا قوة إلا بالله!  هذا ما يعنينا، لا أن ثمَّة رواية لبيت العباس بن مرداس، لم يسمع بها سوى سيبويه "عن أشياخه"، الذين لم يصل إلينا عنهم شيء أصلًا.  كما لا ينبغي أن يشغلنا الانتصار "للإمام" سيبويه، أو غيره، والمسارعة لاتهام من يقترب من حماه بالزراية على الأئمة الأعلام والشنآن لهم، مع تهديده بنحو ما هددك به ابن مرداس، يا أبا خراشة! 

- لا تذكرني، فقد سامحته لوجه الله، ثم لوجه الإصلاح بينك وبين معشر النحاة!

- حسنًا، فعلت!  وليتنا نترك الشخوص في مدافنهم، ملتفتين إلى النصوص، وتطوير مناهج تدريس اللغة العربية، كما تفعل الأُمم.  وهذا ما جاء في حديث لي سابق تحت عنوان "مؤلَّفات العَرَبيَّة: (ضرورة المراجعة والتحديث)".  تلك هي القضيَّة المحورية.  لكني أفاجأ بأن الهمَّ، كل الهمّ، منصبٌّ على الدفاع عن الإمام فلان والشيخ فلان والعلامة فلان. 

- ثم يقول لك صاحبنا: "على الرغم من أن الظاهرة من الشيوع الذي لا يقتضي شاهدًا ذكروا بيتًا آخر هو:

إمّا أقمت وأمّا أنت مرتحلًا ... فالله يَكْلأ ما تأتي وما تذرُ."

- أيُّ ظاهرة تلك التي هي من الشيوع؟

- ظاهرة "أمَّا أنت ذا نَفَرٍ"، بتركيبها الذي أنفقوا فيه أعمارهم لتحليله وتأويله.

- أ وقد صارت ظاهرة؟!

- هكذا يقول.

- هذا الشاهد الآخر الذي ذكره أوهى من سابقه.  فعلى الرغم من القول إنها ظاهرة من الشيوع بمكان، فإنه لا شاهد لديهم عليها. فكيف تُعَدُّ ظاهرة وهي باطنة؟ وكيف كانت من الشيوع بحيث لا تقتضي شاهدًا؟! وكأنها من المفروغ منه، على حد قول المتنبي:

وليس يصحُّ في الأفهام شيءٌ          إذا احتاج النَّهارُ إلى دليلِ

ليس بين أيدينا سوى رواية مرجوحة لأحد الأبيات، عبث بها الرواة أو الكتبة أو النحويون، وبيت مجهول القائل أضافه صاحبك، عن (الزمخشري، -538هـ)، انفرد بالاستشهاد به، حتى لقد قال (الدكتور علي بو ملحم) في تعليقه على بيت الزمخشري: "لم أر مَن نسبه إلى قائله ولا مَن استشهد به."  ونضيف: إن ما لا شاهد عليه ليس بعِلْم يُركن إليه، فضلًا عن أن يبنى عليه ويقعَّد!  أين تلك الجمهرة المزعومة من لغة العرب، وهم عاجزون عن الإتيان بشواهدها، وإن أوردوا الشاهد، فإمَّا أن يأتي مجهول القائل، وإمَّا أن يأتي برواية مختلقة، تقابلها رواية موثوقة ومتسقة مع لسان العرب؟  ولولا اقتضاء الشواهد، لما تشبثوا برواية بيت ابن مرداس بأيديهم وأرجلهم، ولما أسعفهم الزمخشري ببيتٍ من خرجه، مجهول القائل، هو ببديعه أشبه بالشِّعر العبَّاسي منه بشِعر العرب الأوائل: "إمَّا أقمت- إمَّا مرتحل/ تأتي- تذر".  حسبنا من العربية ما جاء بالروايات الصحيحة عن العرب، ففيه الكفاية وزيادة.

- ثمَّ أردف صاحبنا: "والحق أن سيبويه والبصريون لا يبنون قواعدهم بلا شواهد، وشواهده في هذه الظاهرة أقوال العرب التي نسبها لهم، وأما الرواية الشفاهية فهي العماد في التلقي، وبها روي الشعر الجاهلي والقرآن الكريم، بل شاع بين أهل العلم أن الاعتماد على الصحف مرغوب عنه متهم صاحبه بأنه صحفي. قال العسكري "كَانَ يُقَالُ لَا تَحْمِلُوا الْعِلْمَ عَنْ صَحَفِيٍّ وَلا تَأْخُذُوا الْقُرْآنَ عَن مصحفي"." 

- "أن سيبويه والبصريون..."، كذا؟! 

- نعم.

- لعلَّ هذه كتلك، ظاهرة من الشيوع في كلام العرب، الذي لا يقتضي شاهدًا.  أو لعلَّ لها شاهدًا كشاهد سيبويه المشار إليه!  أمَّا ترديد القِيَم المعرفية البدائية الشفاهية، أيام "كان يقال"- تنقُّصًا للوثائق العلمية المكتوبة التي يُعتدُّ بها: "فلان عِلْمه من قراطيس"، مفضِّلين مَن يتلقَّى العِلْم عن شيوخ، ثاني الرُّكَب، وربما أصبح بعدئذ: "ثانيَ عِطْفِه"، أي أنه لا يعتمد على عقله وقراءاته، بل على الحفظ والترديد والاتباع، فتلك أُمَّة قد خلت، البقاء على مبادئها المعرفيَّة البدائيَّة، والاحتجاج بها، في العِقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، لعَمري قاصمة الظهر.  أمَّا نحن فسنقول: أين "أقوال العرب" تلك؟  قل: هاتوا برهانكم!  على أنه لم يكن اعتراضنا على الرواية الشفاهية، من حيث هي، ولكن على يقينية الاعتماد عليها في دقائق الأمور، كحرف فاصل بين رواية ورواية، وبين مسألة نحوية وأخرى.  وعَبَثُ الولدان من الرواة، وانتحالهم، وكذبهم، وازدهار التجارة الروائية في مدرسة البصرة، بخاصَّة، أشهر من وصفها هاهنا.  وليس (خلف بن حيَّان الأحمر، -180هـ)- وهو من علماء البصرة في اللغة والنحو- غير عَلَم اشتهر هنالك، وأمثاله كثر.  فالسؤال الذي طرحناه: أنَّى تيقَّن سيبويه أن ابن مرداس، قبل زمنه بنحو 150 سنة، قال: "أمَّا أنت"، لا "إمَّا كنت"؟!  أو قال: "ذا نفرٍ"، لا "ذو"؟!  أم أنَّ ذلك إنما وافق حاجةً ماسَّةً إلى شاهد؟!  أجل، لقد كان الرواة يتصرفون في الروايات، حتى قال (ابن مقبل): "إني لأُرسل البيوت عوجًا، فتأتي الرُّواة بها قد أقامتها".  وربما فُعِل ذلك حسب العرض والطلب، وربما قالها الشاعر مستقيمة، فتأتي الرواة بها قد عوجتها، بحسب الحال والغرض!  وما قولي  باحتمال وضع واضع على الألف همزة، وتغيير "كنت" إلى "أنت" متعلق بالكتابة بالضرورة، فالتغيير محتمل هنا شفهيًّا وكتابيًّا، وهو في الشفهي أكثر احتمالًا، وقد حدث في ما هو أكبر من حرفين وأخطر.  وأمَّا احتجاج صاحبنا بأنه "لا وجود لهمزة في ذلك الزمن تحت الألف، فهمزة الألف أول الكلمة ترسم فوقه أبدًا"، فحجَّة لنا لا علينا؛ لأن معناه أن "أمَّا" يمكن أن تُقرأ "إمَّا" أو "أمَّا" إذ ذاك.  فتأمَّل! 

- وهو يتساءل بعد هذا: أتطمع في أن "يُقبل ترجيحك ويدع النحاة رواية إمام النحويين الثقة"؟

- الحق أنني لا أطمع في أن "يُقبل ترجيحي ويدع النحاة رواية إمام النحويين الثقة"، لكني أطمع في أن يتواضع النحاة قليلًا، فيراجعوا كتبهم، وكتب أسلافهم، وينقُّوها، ويهذبوها من أوزار متراكمة، أقل ما يقال فيها إنها محض ترفٍ سفسطائي، عفَّى عليه الزمن.  فإلى متى يستمر التعامي والمكابرة؟!

- ثمَّ أسهب صاحبنا في نقل ما أورده (الجبوري) حول ديوان (العباس بن مرداس)، لينتهي إلى حكم نهائي، لا رجعة فيه، ولا استئناف، وهو: "لا حُجة بهذا الديوان المجموع، والمعول عليه ما في الكتب التي أولها كتاب سيبويه وروايته"! 

- سبحان الله!  كاد يقول: "التي أولها وآخرها كتاب سيبويه"! وأنا أعلم، طبعًا، أنه ديوان مجموع، وهو أَمامي، لكن رُب مجموع خير من مخطوط.  غير أن صاحبك لم يلتفت إلى قول المحقق هناك: "فقد أفدت من المخطوطة واتخذتها أصلًا من جملة الأصول التي هي مصادر الشعر... وقد حاولت ما وسعني أن أحرر نسخة صحيحة مضبوطة من شعر العباس... فثبت ما اتفقت عليه المصادر، وفضلت رواية القديم منها، إلَّا أن تكون مخطوءة وبينت الخلاف أو الخطأ أو التصحيف والتحريف."

- ثمَّ هو يتساءل عن الثمانية عشرة كتابًا التي روت البيت بصورته الطبيعية "أبا خراشة إمَّا كنت ذا نفرٍ"، ذاكرًا أنه لم يجد قول المحقق؟

- أحيله إلى الديوان نفسه، ص106، كما وثقته من قبل في المساق الزوبعة، وتحديدًا إلى حاشية تخريج البيت، ثمَّ ليَعُدَّ الكتب، كما عددناها.  ذلك أن المحقق، بعد أن اختار رواية "إمَّا كنت ذا نفر"، وفق ما ذكر من منهجه في الترجيح، أورد اثنين وعشرين مرجعًا للبيت من كتب التراث، لم يستثن مما أشار إليه منها سوى أربعة، روته "أمَّا أنت..."، فالبقية ثمانية عشر مرجعًا.  وليس بجائز في التحقيق العلمي أن يذكر المحقق تلك الأربعة على سبيل التمثيل فقط.  فعلام استند، إذن، في ترجيحه الرواية التي اختار؟  قطعًا ليس بيني وبين (يحيى الجبوري، رحمه الله) اتفاق على ذلك، لنغيظ النحاة!  والعهدة عليه في عدتها، على كل حال.  غير أن ما أنا متأكد منه هنا يكفي لترجيح رواية البيت غير الإشكالية.  فنحن ببحث سريع نجد ممن رواه "إمَّا كنت ذا نفرٍ": الخليل، "معجم العين"؛ ابن قتيبة، "الشعر والشعراء"؛ الجاحظ، "الحيوان"؛ ابن دريد، "الاشتقاق"، ابن دريد، "الجمهرة"؛ ابن سيده، "المحكم والمحيط الأعظم"؛ الخالديَّان، "الأشباه والنظائر من أشعار المتقدمين والجاهليين والمخضرمين"؛ الفارابي، "ديوان الأدب"؛ البلاذري، "أنساب الأشراف"؛ رواية في كتاب البغدادي، "خزانة الأدب"؛ ابن منظور، "لسان العرب"، (خرش)؛ الزبيدي، "تاج العروس"، (خرش). 

وأمَّا أسلوب التكثر بالكتب النحوية، التي أخذت برواية سيبويه طبعًا، فقد أشرتُ إلى أنهم إنما يتوارثون الشواهد ويتناقلونها كابرًا عن كابر، ويكررونها أبًا عن جد، منذ إمامهم سيبويه!  فبالتأكيد، والحالة هذه، سيزداد عدد الكتب التي تجتر رواية سيبويه- بل سيستمر رصيدها في الازدياد، على افتراض أهمية العدد في ذاته هاهنا- لكنها في النهاية ككتابٍ واحد، هو "الكتاب" لسيبويه.

- غير أنه قد أفحمك في اعتراضه على استشهادك بأن (الخليل بن أحمد) قد أورد البيت كما هو في ديوان الشاعر، لا برواية تلميذه سيبويه.

- كيف؟

- هو يشكك أصلًا في نسبة معجم "العَين" إلى (الخليل).

- قلتُ لك: لو بُعث العباس بن مرداس السُّلَميُّ لأنكروا روايته لبيته، واحتجُّوا عليه بما ورد في كتاب سيبويه!  التشكيك في نسبة كتاب "العَين" إلى الخليل بن أحمد، كلام قديم معروف ومكرور، لا يقوم على تحقيق ولا على إنصاف، تولَّى كبره الأول (أبو منصور الهروي الخراساني، المشهور بالأزهري، -370هـ)، الذي لا يُخفِي تنقُّصه الشخصي للخليل، مع نقله عن معجمه، وانتخاله إيَّاه في "تهذيبه"، واتكائه على جهوده مع نكرانها، إلى درجة الانتهاب والانتحال، مسميًا الخليل: تارةً (الليث)، وتارةً (ابن المظفَّر)، وتارةً يقول عنه: "رجل من الأزد من فراهيد"!(2) وقد أشرتُ إلى ما كان بين هؤلاء الأعلام من إحن ومنافسات وتعصبات، كسائر البشر، فلم يكونوا  ملائكة ولا معصومين، كما يحاول عشاقهم أن يصوروهم. ثمَّ خلفَ من بعد الأزهري خَلْفٌ تابعوه في دعواه، من عرب ومستشرقين، ووسعوها. 

- والله أنا حائر بينكما، مرةً تشكك أنت وتعيب عليهم ثقتهم، ومرة يشككون هم ويعيبون عليك ثقتك!

- المفارقة هنا أن نجد التشكيك في نسبة معجم كامل إلى صاحبه، مع الإلقاء عرض الحائط بما جاء عن بعض متقدمي اللغويين والمعجميين من نسبة "العين" إلى الخليل؛ وفي مقابل هذا يقف المشككون أنفسُهم كالطود، واثقين كل الثقة، من رواية بيت يتيم، مشتبه في روايته، مقيمين الدنيا من أجلها؛ لا لشيء سوى أنها جاءت في كتاب إمام الأئمة (سيبويه) وفيها شاهد لا يُعوَّض لمسألتهم النحوية.

- ولا تنس أن قد بنى عليها النحاة تراثًا من جدال طويل، لا يُستهان به!

- لم أنس ذلك.  نعم، هو جدال طويل، كليل العاشقين، لا ينتهي إلَّا لكي يبدأ!  ومهما يكن من أمر، فلنسلِّم جدلًا أن معجم "العين" من وضع (الليث بن المظفَّر)، صاحب (الخليل)، فذلك لا ينفي عنه قيمته العلمية، وما وردَ فيه من رواية قد تظافرت به الروايات عن غيره.  إلَّا أن تأخذ بتلابيبنا مناهج انتقائية ضيقة.

- أمَّا أنا، فسآخذ بتلابيب العباس، لنحتكم إلى قبيلة بني سُلَيم لحلِّ ما شجر بيننا من خلاف قبل أن يُخلق النحو وأهله.  بارئين إلى الله تعالى من خلافكمُ جميعًا!  ربنا لا تؤاخذنا!

- قبل أن تأخذ بتلابيب العباس، أبلغ سلامي وتقديري صاحبك، واشكره على فتح هذا النقاش.  وأكِّد له مجدَّدًا أن "الإمام" سينام قرير العين في تُربته، ولن يقضَّ مضجعه ما دار حول مسألته المثيرة للجدل.

 

ا . د/ عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

.......................

(1) الجُمَحي (-231هـ)، (1982)، طبقات الشعراء، تح. جوزف هل، (بيروت: دار الكُتُب العلميّة)، 34.

(2) انظر حول صنيع (الأزهري) مع (الخليل)، مثلًا: المخزومي، مهدي؛ السامرائي، إبراهيم، (1980- 1985)، مقدمة "كتاب العين" لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، (العِراق: وزارة الثقافة والإعلام)، 1: 19- 27.

 

طالب عمران المعموريالايقاع ونسج الصور في الوميض الشعري في (مجرات ضوء) الاديب رجب الشيخ.. مقاربة نقدية

نص وجيز يجمع خصائص الوميض الشعري من حيث التكثيف والايحاء والايجاز والايقاع الداخلي والخروج عن المعتاد والمألوف واللغة النثرية المباشرة انزياحا وتقيدا بعدد المفردات  اقف متأملا نص (مجرات ضوء) للشاعر الاديب رجب الشيخ  فقبل الدخول الى النص لابد ان اقف عند  العنوان فلا يمكن الحديث عن النص دون العنوان فهو جه النص(لذا يعد نظاما سيميائيا ذا ابعاد دلالية واخرى رمزية تغري القارئ بتتبع دلالاته ومحاولة لفك شفراته1.

ارى في عتبته الاولى واحدى المناصات 2المهمة والذي قدم فيه شعرية المناص على شعرية النص، ودوره المهم في تحفيز القراء وتنشيطهم وازدياد فضولهم على قراءة وسبر اغوار النص، جمالية شاعرية العنونة التي تحمل شحنة ايمائية انزياحية بثنائية لفظية (مجرات/ ضوء) بدلائل متشعبة تستدرج المتلقي لممارسة التأويل ففيها اكتناز عمق المعنى كعمق المجرات واسرارها واشراقية شعرية في بريق ضوئها    أما من حيث   عالم قصيدته جاء على مقاطع نصية بوميض شعري (نصوص فلاشية)  في طياته هاجس سرد نثري ،كما في نصه:

الساحل الذي يفتش عن أغواره...

غرزت

بين أصابعه رائحة البحر

اعتمد الناص في تشكيل الصورة الشعرية وهي من مميزات قصيدة الومضة من خلال توظيف ادوات رسم الصورة من مزج التناقضات والرمز و أنسنه واختزال لغوي من حيث الشكل والتكثيف والمضمون :

من سيكتبني بعد أن أرحل

خلف مدن الأسوار...ومن يقرأني بقايا رماد،

غير صور تكاد ان تفنى

في مجرات الضوء...على جدران الليل الباهت

نصوص باذخة في انزياحها اللغوي  الذي يضفي على النصوص تشكيلاً جمالياً للصورة الشعرية  كما في المفردات التالية:

الساحل الذي يفتش / صخرة الوهم/ جلد القصيدة/ لامس أطراف حروفها/

دعها ترقص على أطراف أصابعها/ اسمع صوت خلخالها/

وكذلك تجلت الصورة الشعرية في الحضور والغياب كما في :

من سيكتب/ بعد أن أرحل

خلف مدن الاسوار/ ومن يقرأني بقايا رماد

صور/ وفناء الصورة

مجرات الضوء/الليل الباهت

اجاد  الناص  من حيث الايقاع الشعري أعني ما يقع من أثر وجداني في القلب الذي جاءت نصوصه  بلغة  عاطفية شفيفة وخيال متوقد وحس مرهف نراه جليا في نصه رقم (6):

جلد القصيدة طري جدا..

فلامس أطراف حروفها، شيئاً من الرقة

دعها ترقص على أطراف أصابعها...

وأسمع صوت خلخالها

موسيقى...أنغام عشق  ملائكي...

زقزقة عصافير لمسة عشق

أما النص رقم (1)

الساحل الذي يفتش عن أغواره...

غرزت

بين أصابعه رائحة البحر

٣-

سرك المكنون تحت جلد

الخوف ...

يصرخ ملء فمه يستغيث

 

،(4)

القارب الذي غير وجهته

بعد حين

أرتطم بصخرة الوهم يندب حظه

ارى من وجهة نظر قاص، نصوص فيها من شعرية السرد النثري، فهي أقرب الى القصة الومضة الشعرية اذا وضعنا لها عنونة مناسبة و راعينا فيها علامات الترقيم لكتابة النص فمثلا يكتب النص رقم (1)

الساحل الذي يفتش عن أغواره؛ انغرزت بين أصابعه رائحة البحر.

النص رقم (3)

سرك المكنون تحت جلد الخوف؛ يصرخ ملء فمه يستغيث.

النص رقم(4)

القارب الذي غير وجهته بعد حين؛ أرتطم بصخرة الوهم يندب حظه.

الايحاء والتكثيف والاختزال  الذي اعتمده الشاعر الذي يهدف اليه بناء القصيدة الحديثة  ونقاط الحذف، الذي يثري  قوة للنص ويشد خيال المتلقي للتأويل  ودورها في تفعيل اقصى الطاقات الشعرية كما في نصه:

سرك المكنون تحت جلد

الخوف ...

يصرخ ملء فمه يستغيث

 

مجرات ضوء

١-

الساحل الذي يفتش عن أغواره...

غرزت

بين أصابعه رائحة البحر

٢-

أخْشَى على أصابعي

حينَ تصافحني بجنون... تريث قليلًا ..

قبلَ ان تسرقَ مني شَغف العِيون ..

٣-

سرك المكنون تحت جلد

الخوف ...

يصرخ ملء فمه يستغيث

٤-

القارب الذي غير وجهته

بعد حين

أرتطم بصخرة الوهم يندب حظه

٥-

من سيكتبني بعد أن أرحل

خلف مدن الأسوار...ومن يقرأني بقايا رماد،

غير صور تكاد ان تفنى

في مجرات الضوء...على جدران الليل الباهت

٦-

جلد القصيدة طري جدا ..

فلامس أطراف حروفها، شيئًا من الرقة

دعها ترقص على أطراف أصابعها ....

واسمع صوت خلخالها

موسيقى ....أنغام عشق ملائكي ...

زقزقة عصافير لمسة عاشق

 

طالب عمران المعموري

..........................

المصادر

1- بسام قطوس، سيمياء العنوان، وزارة الثقافة، عمان،ط1 2002، ص12

2- عبد الحق بالعابد/ عتبات جيرار جينت من النص الى المناص. الدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر،2008.

 

 

2418 محمد الواضحأولاً:  قصيدة (حيرة) للشاعر العراقي الكبير يحيى السماوي:

سـأظـلُّ مـشـنـوقـاً بـحـبـلِ

الأسـئـلـةْ:

 

الـدارُ ثـكـلـى

والـمـديـنـةُ  أرملـةْ

 

وطـنٌ تَـسَـيَّدَهُ الـلـصـوصُ

وعـاقـدو صـفـقـاتِ نـصـفِ الـلـيـلِ

والـمُـتَـجَـلـبـبـونَ بـطـيـلـسـانِ “  الـبـسـمـلـةْ “

 

فـإذا حُـفـاةُ الأمـسِ بـاتـوا الـيـومَ أسياداً

بـأرفـعِ منزلةْ

 

حـتـى مـتـى يـبـقـى عـلـى الـتـلِّ الـجـيـاعُ

مُـحَـدِّقـيـنَ بـسـارقـيـهـمْ

مُـكـتـفـيـنَ بِـشـهـرِ سـيـفِ “ الـحَـوقـلـةْ “ ؟

 

ولِـمَ اسْـتـحَـلـنـا لا نُـمـيِّـزُ بـيـن “ حلاّجٍ “ وحـجّـاجٍ “

وفـلاّحٍ وسـيّـافٍ

ولا بـيـن “ الـحـسـيـنِ “ و “ حـرمـلـةْ “ ؟

 

فـمتـى تـفـيـقُ مـن الـسـبـاتِ  جـمـوعُـنـا

الـمُـسـتَـغـفَـلـةْ !

***

ثانيا: القراءة النقدية

لايزال الشعر لسانًا احتجاجيًا يشكل الحدث الاجتماعي ببعده الأخلاقي والاعتباري سؤاله الكبير في دائرة الأسئلة الواعية والمتهكمة والمتندرة، يظهر الوعي ثيمة مضمرةً في الخطاب الشعريّ، ويحضر التهكم والتندر إشارة بليغة تزيد من فرص تفاعل المتلقي وانشداده مع النصّ من جهة، وتستبطن علائقية الوعي بكل تجلياته حين يغدو كل شيء مثارا للسخرية والتندّر والمفارقة والعجب.

 

نص السماوي نص جماهيري ينتمي الى اللون السياسي الذي يعتمد على الوضوح والمباشرة لتحقيق الحالة التواصلية في الخطاب، وهذا لايعني أنه يخلو من عناصر التوظيف الشعري وجماليات الأسلوب الأدبي المتغيّى من الشاعر كما سيتضح في هذه المقالة.

فحيرة السماوي الشاعر العضوي المسكون بوجع وطنه، والمأخوذ به عشقا حلّاجيًّا، لا يأبهُ: أكان الموت على مقصلته أم في كانونه الشعري؟!

 وحبال الأسئلة يلتفّ على بوحه ويأخذ بخناقه وخناق كل العراقيين على ذات المقصلة.

(الدارُ ثكلى والمدينةُ أرملة)  يستحضر السماوي في هذا الوعي صورتين مؤلمتين للمرأة العراقية المفجوعة بالفقد:

الأولى: الدار (الأم)الثكلى بفقد أولادها، وماذا بعد الثكل غير انطفاء جذوة الحياة وتشييع الفرح وانكفاء تلك الدار وطنها الصغير؛

 إنها بإيجاز  أم معطّلة من (معنى الأمومة). وما أكثر الثكالى في العراق!!

والثانية: المدينة (الزوجة)  أرملة .

وهنا تستجلي صورة الانكسار والاغتراب وغياب الأنس، والمدينة الموحشة .

بتكثيف أعمق وأدلّ ؛ إنه انتظار لغائب لايأتي .

(وطن تسيده اللصوص…)

اللصوصية والسيادة منهج تجاوز فكرة السرقة المنظمة الى حالة ينتهجها أرباب السلطة؛ إذ تُعين دلالة التلصلُص اللغوية على الخفاء والتجسس والظلام؛ لذلك يعقدون صفقات نصف الليل في (الغرف المظلمة) تطابقا مع صفة اللصوصية المناسبة لهذا المعنى.

ثم يشير الشاعر بقوله (المتجلببون بطيلسان البسملة)  إلى تماهي بعضٍ منهم بستار الدين، إذ يرتدون طيلسانهم: (الطيلسان وشاح ديني يضعه رجال الدين على كتفهم تمييزا لهم من غيرهم) وهنا يكني عن الساسة المتسترين باسم الدين؛ للتدليس عن وجههم الآخر المخبوء تحت الأردية والبسملة اللفظية الخالية من أدنى مصاديق القلب والمعنى.

يعرّض الشاعر بقوله(فإذا حفاة الأمس) - بتهكم لاذع-  بحقيقة واقع هؤلاء الحفاة متعجبا من دول الأيام كيف أمسوا وكيف صاروا؟! ويزيد من حيرة الشاعرة هيمنتهم المطلقة على مقاليد الحياة وتقييد الحريات والاقتصاد وقوت الناس.

وليس للجائعين غير سلاح سيف الحوقلة وهذا في الفهم العام أقل سبل الاحتجاج بل هو وسيلة الضعفاء والجماعات المأخوذة بالقهر والخوف والتجويع!!

تتسع حيرة السماوي تعجبا ودهشة؛ إذ تساوت مصاديق الفضيلة والرذيلة لديه:(ولم استحلنا لانميّز بين حلاج وحجاج.. وفلاح وسفاح)

تمثيل يشي بمرض مجتمعي جراء ازدياد سطوة القهر، فهل يتساوى (الحلاج) أيقونة التصوف ورمز الإنسانية والصفاء والعشق الإلهي مع (الحجاج) أيقونة البطش والهتك والتجبّر ؟!!!

وهل يتساوى الفلاح مثقف الأرض وموقد الخبز مع سفاح يلتذ بدماء شعبه؟ فبين جرس الجناس (حل . وحج + اج) و( فل. سف+ اح) تناغم في الإيقاع الصوتي وتشاطؤ في المعاني السامية وضدها، فذلك حمل آخر من الشاعر للمتلقي على المفارقة والدهشة!!

ويسدل السماوي الستار على حيرته باستفهام لتمثيل بائن الافتراق والقياس: أن يتساوى الحسين وحرملة!!!، ولنا أن نتساءل لماذا اختارالشاعر في جهة التضاد مع الحسين “حرملة” مع وجود نماذج أعلى تمثيلا منه، كالشمر وابن سعد ويزيد؟!

وهنا اعتقد أن الموضوع ليس له علاقة بالتماثل الوزني (حرملة، مستغفلة) مع فرض احتماله؛ لكن الشاعر آثر اختيار حرملة بوصفه الاسم الاكثر وخزا لجراح الامام الحسين، فقد تركت سهام حرملة بحق من أصابتهم وقعا وألما لايسكن في قلب الحسين وضمائر الاحرار؛ لذا يعد اسمه مصداقا للقبح البشري في ذاكرة الشر منذ التاريخ الاسلامي وحتى يومنا هذا !

صورة مسخة للإنسانية في قبالة أعلى مصاديق الرحمة المحمدية أبي الأحرار ليحملنا استفهام السماوي الأخير على الاستفاقة والوعي من يقظة الاغترار والتضليل التي تمارسها الجماعة الضالة  المتمثلة مصاديقها في النص.

 

د . محمد الواضح

 

نبيل عودةتعرضت قبل سنوات، لتهجمات شخصية تحت صيغة ملاحظات نقدية، بسبب رواية كنت قد نشرتها تحمل عنوان "امرأة على الطرف الآخر" بحجة انها مليئة بالجنس، واليوم تكرر الهجوم برسالة من "مثقف كبير" قرأ الرواية واثاره الجنس في الرواية .. ربما من "قصر ديلك يا أزعر" فأرسل لي رسالة "نقدية أخلاقية" مليئة بمواعظ  لا شيء ثقافي فيها.. الا اذا اعتبرنا التفاهة جزء من الثقافة.

الأمر الأساسي الذي اعجبني إني تلقيت اثباتا على نجاحي في صياغة نص روائي جذاب، معبرا عن واقع انساني هو ضمن حياتنا الاجتماعية وحياة سائر المجتمعات.

بالطبع ليس هذا ما دفعني لكتابة هذه الملاحظة الثقافية، فرأي شخص متحجر ومغلق لا يهمني، انما دافعي لكتابة هذه الملاحظة الثقافية عن الجنس في الأدب، انني حتى اليوم لم اقرا أدبا يستحق تسمية رواية او قصة او شعر، دون ان يشمل الجنس بمفهومه الشامل، من أبسط أشكال العلاقة، حتى أكثرها عمقا وتوترا وانصهارا.

هل من ادب عالمي خلو من المرأة والرجل والجنس؟ وهل من ادب عربي، يستحق تسمية الأدب بدون ان يكون الجنس او العلاقة مع الحبيب او الحبيبة، في مضمون النص النثري او الشعري؟

من أعظم الروايات العربية التي اسرتنا هي رواية جنس مباشر، وأعني رواية "الخبز الحاف" للكاتب المغربي محمد شكري.

المرأة في الأدب، ليست مجرد شكلا هندسيا، انما انسانا كاملا، بايجابياته وسلبياته، تماما مثل الرجل. والعقلية التي تظن ان الرجال قوامون على النساء، وأوصياء على الأخلاق حتى في النص الأدبي، هم نبتة غريبة في المجتمع البشري المعاصر. هم بقايا منقرضات مصيرها الاختفاء. وكل ما يعبرون عنه من أفكار محافظة ومن رفض للجنس في الأدب، سيكون محط سخرية وهزل، والمضحك انهم اذا ما تحدثوا عن سجلهم العشقي، نراهم يتفاخرون ويتباهون بإنجازاتهم الرقمية .. فبأي حق يصبحون قضاة اخلاق عندما يقعدهم العمر؟

التراث العربي على اختلاف ابوابه اعتنى بالجنس، ويندر وجود كتاب تراثي خلو من المواضيع الجنسية. هناك كتب خصصت للجنس فقط، مثل "نزهة الألباب"، و "رجوع الشيخ الى صباه" و"تحفة العروس ومتعة النفوس" و "الروض العاطر" وكتب تراثية هامة خصصت ابوابا للجنس، مثل كتاب "الأغاني" و " العقد الفريد"، و"نثر الدر" و"الامتاع والمؤانسة" و"البيان والتبيين". تقريبا لا يخلو كتاب تراثي او حتى ديني من مواضيع الجنس والحب والخلاعة والمجون، بل والشذوذ الجنسي ..

هل ما كان مسموحا الكتابة عنه في الماضي، ممنوع اليوم؟ وهل الثقافة الجنسية التي انتجتها مجتمعاتنا القديمة، كانت شرعية، واليوم تسحب شرعيتها؟ ربما يجب جمعها وحرقها حفظا لأخلاق العرب؟

 الجنس ممنوع اما زواج المتعة وزواج المسيار وزواج السياحة و30 نوعا آخر من فنون وجنون الزواج او الجنس الاباحي للدقة، وملايين الأطفال بلا اب هم حالة أخلاقية ومأساوية في المجتمعات العربية، هو امر متاح، ورواية تعالج واقع اجتماعي تسحب شرعيتها وشرعية كاتبها؟

اذن يا عزيزي الناقد آسف لأني أثرت شهواتك العتيقة، وذكرتك بأيام ركضك وراء التنانير .. ويبدو ان غضبك بسبب فشلك في الوصول الى مبتغاك وانت شاب، فكيف هي حالك اليوم وقد صرت مجرد مراقب محروم يشتهي ما يرى، فيصب غضبه على نص أدبي يذكره بانه كان صائدا نسائيا فاشلا؟

هل حان الوقت حسب تفكيرك لحرق كتب التراث العربي التي جعلت من الجنس محور مواضيعها؟ اذكر ان أحد كتاب مصر السلفيين كان له موقف مشابه لموقفك قبل سنوات طويلة، وجعل من نفسه سخرية للأدباء المصريين.

 هل بإمكانك عزيزي الناقد ان تشير الى رواية عربية جيدة لا مكان فيها للجنس؟

هل قرأت رواية "بنات الرياض" للكاتبة السعودية رجاء عبد الله الصانع التي تحدثت عن العلاقات بين الجنسين أي بين الرجال والنساء داخل المجتمع السعودي المحافظ والمغلق لدرجة نفي المرأة بل ونفي انسانيتها، الكاتبة الجريئة لم تتردد في تصوير العلاقات الجنسية، وهذه الرواية نجحت بشكل كبير جدا وربما كانت من أكثر الروايات العربية توزيعا ومبيعا؟

اعرف ان الأدب العربي المعاصر يواجه محاكم تفتيش دينية في العالم العربي. تمنع نشر بعض الكتب، وتصادر كتبا بتهم انها تخدش الحياء، لكن لا تخدش حياء زواج المتعة، وتسجن كتابا بتهم الكفر.

الموضوع ليس ما يطرحه الكاتب في اعماله الإبداعية، انما قدرته على التعبير عن عصره بكل تشعبات هذا العصر وتناقضاته. وبلا شك ان الجنس يشكل حيزا واسعا في حياة الانسان والمجتمع. ان التغاضي عن الجنس تحت ستار الأخلاقيات هو أمر مناقض للأخلاق .. بل دجل أخلاقي وزنى فكري لتغطية القمع الثقافي والفكري.

يدعون الطهارة بينما يرتكبون كل الموبقات وأعمال الفساد الاجتماعي والسياسي والثقافي، وهو أكثر حقارة من الزنى الجنسي.

الجنس هو من مكونات الحياة الإنسانية، والأدب له وظيفة بصفته تعبيرا عن الوعي الاجتماعي الإنساني، ولا يمكن ان يكون خلوا من علاج قضايا الجنس بكل ابعادها الإنسانية والأخلاقية.

 

نبيل عودة

 

 

حيدر عبدالرضاالعلاقة المونتاجية في وظيفة الأنموذج الشعري

الفصل الثاني ـ المبحث (5)


توطئة: يتضح ونحن نعاين تجربة أعمال الشاعر علي الأمارة، إلى أن مجالات وظائف قصيدته تتشارك وتتنافل مع مجالات خاصة من آليات وأدوات وتقانات سينمائية جاذبة الفعل القرائي نحو خصائص متميزة من نوعية مؤولات ذات غايات موضوعية دقيقة، على العكس مما نجده في حدود وتيرة المنجز الشعري التقليدي لدى الشعراء . فالشاعر كان أكثر تعضيدا في مسار اشتغالات دلالاته المتنية صعودا بها إلى ذلك الحضور الشعري المتمركز في حيز من تقانة (مونتاج العلاقة الشعرية) المبثوثة على هيئة مقصديات إيحائية لافتة في سياق اللقطة الشعرية المحفوفة بأجلى سمات الصنعة الشعرية المؤثرة .

ـ الحساسية الشعرية ومنظور الانعطافة اللقطاتية

أن عاملية الطبيعة الشعرية في مكونات قصيدة الشاعر، دائما هي ما تتشكل وتتلون وتختلج وفقا إلى ما تثيره علاقات الشكل الوظيفي والموضوعي في وظيفة النص، لذا وجدنا في نموذج قصيدة (مدينة .. بلا أمكنة) تضج بمحمولات الشكل الحواري ـ المونتاجي ـ اللقطاتي، استثمارا فريدا نحو خلق دوال صورية مدعومة بظاهر (الصيغة / الملمح / المسكوت عنه) فالأشياء في علاقات هذه اللقطات الشعرية، تعد بمثابة الطاقة الكامنة في الوعي الإمكاني، وما يستتبع هذا الوعي من التأثير في مجموعة الوظائف المونتاجية، التي ينظر من خلالها إلى الدلالة المضمرة في النص، على أنها الصورة المتعددة في العلاقة الواحدة من التكوين الموضوعي في محققات النص النوعية:

ـ ألو

ـ أهلا

ـ ألا نلتقي .. ؟

ـ أنا رجل بيتوتي

من البيت إلى النص

ومن النص إلى البيت

ـ ولكن بحق الصداقة ..

ـ أين نلتقي .. ؟ / ص6  قصيدة: مدينة .. بلا أمكنة

أن حوارية المقاطع المونتاجية، تتوفر على مساحة خاصة من الأسباب العلائقية المتعينة في حضور النص ـ امتدادا لها نحو الوظيفة القولية الممسرحة ضمن تواصلات خاصة مع الحال الفعلي للسارد الشعري، وبهذا المعنى تبدو وحدة الانتاج في القصيدة، وكأنها الظاهرة المخصوصة من الشاعر وإلى الشاعر نفسه، لكنها على صعيد اللقطة المنظورة تبدو لنا عبارة عن تشكلات في ظل شعرية مشهدية ضاغطة بإتجاه التجاوز والتخطي الذاتي، وهذا ما وجدناه في أحوال النص: (أنا ـ رجل ـ بيتوتي ـ البيت ـ النص) وبذلك يمكننا القول أن فاعلية الصفة الحوارية التخاطبية في مشهد اللقطة، لا يتوقف عند حدود الملفوظ فحسب، بل أنها حوارية تداخل نعاين من خلالها مواقع (الذات ـ الموضوع) اقترانا بذلك الانفتاح الوظيفي بأبعاد الذات الساردة:

نار جيل ونار أجيال

نتنفس الأحلام والترانيم

نسحب هواء المدينة النقي

دخانا

لكن الماء ..

ليس حميما ... دائما ... !

لا شك أن الانعطافة الدوالية الأخيرة، تظهر لنا مدى فعالية القطع اللقطاتي، المتجسد في جمل (لكن الماء .. ليس حميما) وبهذا الاعتبار القولي والدلالي تفصح لنا معادلات القطع المونتاجي مجالا داخل مساءلة كينونة (الماء) وهو ليس الماء في مادته العينية، بل إنه المستعار في أنتاج المعنى الآخر من اللفظ والكيفية الدلالية الأحوالية . أما الحال في موجهات اللقطة الثانية من النص والتي جاءت بعنوان منتظم (سجن نقرة السلمان):

السجن قفص صدري

ينشد فيه القلب

اسفار العزلة

ويؤرخ أبجدية البياض . / ص 15

أن طبيعة النسق البنائي والتشكيلي في هذه المقاطع، جاءت لنا بجملة استدلالات في الرؤية والمعادلة الموضوعية، وبقصدية مونتاجية واضحة ذات علاقة كامنة ما بين الموصوف والدلالة القطعية في جملة (أبجدية البياض) أو جملة التوحد مع الذات القطعية في (أسفار العزلة) إذ تمثل هذه المقاطع عينها من جهة هامة، تشكلات استعارية ذات أبعاد متمركزة في فواصل القطع الزمني (المونتاجي) بحيث يمكننا الاستدلال منها على روح الموازنة الشعرية المرهونة بقصدية قوة الدليل الموضوعي: (ليست ثمة جدران .. سوى الوهم .. حين تتوجك العراءات .. حلما)  إذ تتنازع الدوال ضمن وساطة مونتاجية فاعلة تواجهنا منها الاستجابة القرائية إلى رغبة في التأويل الموضوعي المتعدد عبر كيفية تراتيبية ساحرة في القول الشعري (سوفَ تتيهْ .. سوفَ تتيهْ.. وتصبحُ ملكَ الضلالةِ .. يصبحُ ماؤكَ جمراً .. ودمعكَ خمراً .. فهلْ تحتسيهْ ..إنها .. محنةُ المبتلى .. بأبيهْ ! . /ص19 قصيدة: الإرث) فخاصية التوليد المونتاجي الدلالي تكتمل ضمن حدود الذات الساردة، حيث تكتفي هذه الذات من محاولة تقديم طاقة لغوية مضاعفة في الاستجابة والتمثيل الصوري، فيما تشتغل بنية العنوان (الإرث) على ثنائية حضور ـ غياب، وصولا منهما إلى وضعية المثول داخل علاقة شعرية متحكمة بأبعاد الملفوظ بالزمن والمكان والموصوف ذاته، وقد يقترح فضاء الملفوظ حضورا بدلالة أفعال الإزاحة نحو مكامن خاصة من المشهد الشعري .

ـ الجمالي والتأثيري في قصيدة النموذج الشعري القصير .

أن مشروعية بناء النموذج الشعري القصير في عوالم شعر علي الأمارة، تتنامى من خلاله صياغات متوازية من علاقة البنية القصدية المحفوفة بأعلى مستويات شعرية الظل ـ التوقيعات، كما أن الترابط ما بين دوال هذا الشكل الشعري القصير، تحكمها مكاشفات البنية التفارقية المحكمة والمباغتة في مدى تصويريتها الإيحائية ذات الضربة الموضوعية الموفقة:

رياح واقفة

مدن متنقلة

نساء جميلات حدّ الرجولة

ساعات عاطلةٌ ملعقّةٌ

على حائط القلب .. / ص 35 قصيدة: تركات

يندفع الدال الشعري باتجاه رؤى تشكيلية تجمع ما بين زمن الأشياء المثقلة بانعكاسات وجودية ذاتية معطلة في تواصلاتها من الشاعر مع حركة الحياة والزمن، بالإضافة إلى ذلك تنحصر دلالات الأمكنة ضمن تحصيلات ذاتية منفردة في مجال تأملاتها المشهدية القصيرة .

ـ تعليق القراءة:

عند نهاية مبحثنا نرفد عتبة تعليق القراءة بهذا القول الآتي: أن مجالات الكتابة الشعرية في عوالم شعرية الشاعر علي الأمارة، تحكمها استراتيجية اللغة ذا الحساسية التصويرية المضاعفة، وقد تصل آليات النص الشعري إلى حد أستثمار تقانات متعددة من مجال الفنون الأخرى القولية والبصرية منها، بما يجعل من اللغة الشعرية في قصيدة الشاعر حمالة لأوجه فنية وأسلوبية ونوعية جادة وجديدة، وعلى هذا النحو وجدنا التقنية المونتاجية حاضرة ضمنا في أداة الوظيفة الشعرية في قصيدة الشاعر، إلى جانب توفر تصورات مثيرة من بنية النموذج الشعري القصير، الذي تعاملنا وإياه في مباحث سابقة على زمن هذا المبحث، غير أن تعاملنا هنا جاء في سياق آخر وموضوعة أخرى من أبعاد المقاربة المختلفة، وللشاعر مسارات مختلفة من الأداة والخصوصية والمنظور الشعري، كما أن أبعاد الواقعة الشعرية في أعماله إجمالا تتخطى الصور والموضوعات العارية والعابرة، بل أنها ملفوظات أخذت تتلمس طريقها الصعب والشاق للوصول نحو نقطة جوهرية من وجودية علاقات الأبعاد الدلالية القصوى من أسرار لغة الشعر والشعرية .

 

حيدر عبد الرضا

 

  

2410 مختار امينعن رواية وكر السلمان للكاتب العراقي شلال عنوز..

1ـ مدخل: إن من جماليات العمل الأدبي بشكل عام الفكرة والموضوع وحرفة التأليف في القصة والرواية على وجه التحديد، فإن الفكرة هي روح العمل القصصي والروائي، الفكرة هي التي تهم القارئ، بمعنى ماذا يريد هذا العمل الأدبي أن يحدثني عنه؟ هذاعامل، والعامل الآخر أن الرواية إضافة لتاريخ الأدب، بمعنى أن هناك على سبيل المثال رواية "وكر السلمان" للكاتب العراقي "شلال عنوز" كتبت في القرن الواحد والعشرون أرّخت عن حقبة بعينها في هذا العصر الذي كثرت فيه الحروب، ورمزت بشكل مباشر وغير مباشر عن أثر الحروب في نفوس البشر الفطرية التي نشأت في بيئة سوية لحد ما، وعامل ثالث هو الوقوف على رصد التطور الأدبي الحديث في التكنيك الروائي، من ناحية الشكل والمضمون فيما ظهرت عليه الرواية في أول عهدها، ومما لا شك فيه أنها قد اختلفت عن الرواية التي مارست مشوارها الإبداعي طوال مئات السنين، وأحدثت تطورا ملحوظا من حيث الشكل والمضمون والتكنيك حتى في أفكارها والموضوعات التي تناولتها، إذ لم يكن لدى الكتاب الروائيين القدامى حرأة وعلم كاف لاختراق النفس البشرية ومعرفة ما يؤرّقها في الآن والحال بترجمة علمية للشعور واللاشعور، وإن نحت في غير التقليدي تكلّمت عن الخيال العلمي، ولعلنا الآن نشهد هذا التطور التكنيكي الذي تحلى بالعلم والثقافة والادراك المعرفي جعل كتاب الرواية يتناولون أفكار وموضوعات يرصدون في رواياتهم الحال الواقعي للإنسان بشكل أقرب للتعبير عن هموم النفس البشرية ومعاناتها وما تتوق إليه.. هذه عوامل قد تعتبر ترسيخا لرسالة الأدب وأثره على المجتمع، وفي تطوره الحداثي من خلال كل الأجناس الأدبية قد تخطى حدّ المتعة والتسلية وتعبير الرواي عن نفسه لتفريغ همومه وأوجاعه الشخصية على الورق.

فنحن اليوم أمام عمل روائي بمثابة الصرخة المدوية في وجه العالم الحديث، تصرخ رواية "وكر السلمان" صرخات متلاحقة في وجه إنسان اليوم والحقب المتوالية من الإنسان القادم، تقول وبملء فمها: "انظروا إلى أين تتجهون بالإنسان المعاصر والقادم.. إن رحى الحروب المتكررة لن تكتفي بإبادة الجنود على أرض المعركة فقط، بل تطال الإنسان خارج أرض المعركة الذي ظن أنه آمن في بيته وفي عمله وفي الشوارع والميادين، ولم يكن الأوجع للإنسان المدني أن تطاله هو الآخر صواريخها وقنابلها حيث كان، بل هي تقتل وتدمر النفس البشرية كافة، وهي الدمار الشامل على أمد التاريخ" فما أوجع ما قالته الرواية وصرخت به. 

2ـ الصورة في الزمان والمكان والإنسان:

مما لا شك فيه أن الرواية التقليدية طوال مراحلها قامت على التركيز على أبعاد رئيسية تبدو تابو مهم أصيل في التوصيف النقدي لكل الأعمال الروائية من خلال: الزمان، و المكان، والأحداث، والشخصيات الفاعلة، ولكننا اليوم نسير وراء حداثة ربما تكون فاعلة للتقدم والتطور، وربما تخفت وتثبت فشلها في الأيام القادمة من خلال الإنسان المعاصر بتركيبته الفريدة المتنوعة المحيرة، إذ أنها تتجه نحو الخروج بالأجناس الأدبية من براثن الشكلية والأطر المحددة، وترفع لواء عدم تحديد الهوية للنصوص الأدبية عبر التدنيس، والخروج عبر النوعية والانحياز في التعريف والتوصيف إلى سلطة النص، وفي هذا حديث طويل لم يتسع مجال هذه الدراسة للخوض فيه، ولنا رأي فيه من خلال مقال منفرد يعبر عن وجهة نظرنا بالدلائل العلمية، يتكئ على أن العلم التقدمي صاحب الرؤية الدقيقة إما يؤكد على هذه النظرية أو يثبت عدم مصدقيتها، ولكننا اليوم في حضرة نص واضح معرّف محدد الجنس والهوية، في حضرة رواية " وكر السلمان" للكاتب شلال عنوز..

لابد وأن نعترف كنقاد أن دراسة الزمان والمكان في الرواية بشكل عام، عنصران مهمان يرتبطان ارتباطا وثيقا بآلية التكنيك والإبداع، ورواية وكر السلمان دليل. أولا من يقرأ الرواية قراءة نقدية أو تذوقية انطباعية سيقف عند الصورة في كل فواصل وعناصر الرواية، إذ أن الصورة محرّكة الخيال وهي القوة المغناطيسية لانجذاب القارئ أو المتلقي في الأعمال الأدبية والفنية على حد سواء، وفي هذه الرواية تأخذ الصورة اهتمام العين ولباب الفكر، وهي أداة رئيسية من أدوات مؤلف الرواية، لعل من قرأ رواية دعاء الكروان لطه حسين يلمح جليا فعل الصورة في عملية الانجذاب، وحرفية طه حسين كأديب في خلق صورة جمالية ومعبئة بالفكرة وأصل الموضوع، إذ أنه نجح في تصوير الدم الأحمر القاني الرقراق كأبشع جريمة، واليد المخضبة به هي فعل شيطان مريد، كما صور كتل الظلام وسحب الغيم كصورة مفبضة للنفس البشرية دال رئيسية على الجهل وخواء النفوس وتوقها لنور العلم والبصيرة؛ تماما كالصورة المحركة الفاعلة في هذه الرواية..

2399 وكر السلمان

والسؤال الفارض نفسه تحت هذا العنوان الفرعي "الصورة في الزمان والمكان والأثر الفاعل" هل الصورة في الزمان والمكان لها أثر فاعل، إما أن تصدر أثير يتيح الانجذاب لدى القارئ، أو تصدر أثير يساعد على النفور والبعد والترك؟.

فالنتكلم عن الصورة في الزمان وأثرها الفاعل في الرواية التي تخلق البصيرة في ذهن المتلقي..

الزمان والمكان نجحا في تصوير البيئة الداخلية للبطل والشخوص المحورية، ووضعا الرواية في بيئة محيطة تؤكد على فكرة الرواية في كل تفاصيلها، عندما حدثنا الراوي على لسان البطل في أول فكرة يسوقها إلى القارئ في توصيف المجرم، كان المكان في الجامعة -كلية الحقوق- أما الزمان كان (فلاش باك) حيث مرحلة الشباب، وكان نعمان البطل في مرحلة الجامعة وهو والزملاء يناقشون نظرية لامبروزو في علم الإجرام، للخروج بالفمهوم الحديث من هو المجرم؟ وهل له أوصاف شكلية وظواهر نفسية تلمح في السلوك؟ فنجد أن هذه الفكرة هي من المحاور الرئيسية في الرواية، رغم أن الروائي ناقشها بأسلوب فلسفي ليؤكد الوقوف عند هذه الفكرة لدى القارئ، غير أنها في ذات الوقت لعبت على البعد السيكولوجي والدراسة النفسية لشخوص الرواية والبيئة المحيطة التي ترسخ الجو النفسي المطلوب لموضوع الرواية وفكرتها الرئيسية وأفكارها الفرعية الداعمة، وهذا هو الحوار الوحيد لتوصيف المجرم جاء في الأحداث الأولية للرواية باختيار ذكي للزمان والمكان من خلال الصورة في تصوير الجو والبيئة والفكرة التي يريد طرحها بأفضل شكل، حيث أتاحت صورة المكان والمرحلة العمرية التي ترمز للزمان  لسرد تاريخ حالة البطل في مراحله العمرية، كما أن الكاتب نجح في الاتكاء على الصورة لتصوير الحالة النفسية للبطل من خلال الخلية الأولى التي نشأ فيها من خلال تصوير لقطات ذات ملمح لأسرته تؤكد على تاريخ الحالة للبطل في زمان ماض (كفلاش باك) كما تابع هذا في تطور مراحل البطل العمرية، وعند  التحاقه بالعسكرية وذهابه للجبهة أجاد إجادة ولا أروع في تصوير لقطات ومشاهد لصور حية للغارات القتالية من العدو على فصيلته في أحد الخنادق، وقد قتلت القنابل والصواريخ كل زملائه، وهو يشاهد أشلاء الجثث بعينيه ويحكي عن مواقف بعضهم قبل الموت ويقص علينا قصة حياة البعض منهم، ويسرد لنا أحلامهم وأمانيهم، وما ينتظرهم من خط مستقبلي مفروض عليهم لا يسمح لهم بمط خريطة الأحلام لتحقيق مستقبل فوق سقف الواقع المعاش في ظل وجود الحروب المستمرة التي يخوضها العراق مرغما حين، واستعراض للقوة في حين آخر في ظل حقبة مضت من تاريخ العراق في ظل حكم صدام حسين..

كانت الصورة هي الأداة الأولى في تصوير هدف الرواية ومرور فكرتها التي اعتمد عليها الكاتب بإتقان يحسب له، صورة لم تكن عشوائية ولكنها صورة تصور لقطات ومشاهد خاطفة تنور على الهدف من خلال البصيرة..

إن الرؤية البصرية في الأعمال الأدبية والفنية هي أوقع عنصر للجذب في العمل الأدبي والفني للمتلقي، وهي لم تعمل فقط على الصورة المباشرة وتأويلها على حدود اللقطة، ولكنها في المكتوب المقروء بالذات تستخدم دلالات عدة لعناصر أخرى مساعدة للتتحايل على العقل والخيال لدى المتلقي، إذ أنها ترتع في تصوير المكان والزمان وتركيبة الشخصيات وخلق حيوات خاصة لهم تناسب هدف الفكرة، وفي هذا براعة في التكنيك القصصي والروائي من حيث التأليف الذي يناسب ويتضافر مع الواقع بحيث يشعر المتلقي أنها شخصيات حقيقية، ومواقفهم قد حدثت بالفعل، وفي هذا قمة خيال الكاتب أن يصور حكاية من خياله يصدقها القارئ على أنها واقع قد حدث ويحدث وسيحدث، فالرؤية البصرية كما أنها تعتمد على الصورة، تعتمد أيضا في حدود المقروء على عامل اللغة والحوار والموقف المحبوك، وفي بناء الشخصية المحورية والشخصيات المعاونة، فكانت اللغة لغة طبيعية تشبه الحياة والواقع بشكل كبير، تخلت عن البلاغة الظاهرة في الألفاظ وبناء الجمل، وتخلت عن إكسسوارات الزينة والألوان الزاهية كما المعروضات في فاترينات محلات الهدايا في محفل الشعرية، رغم أن عهدنا بالكاتب أنه شاعر بليغ، وهذا أعده للمصداقية الخالصة والأمانة في حدود جنس الرواية كرواية هدفها موضوع بعينه يمرر فكرة تأثير دمار الحروب في الإنسان،  وأن هناك روائيون كثر يسقطون في جب سحيق في معيار اللغة، ويخفقون في اختيار اللغة المناسبة التي تناسب موضوع عملهم الأدبي وفكرته، ويميلون لتذوق حلاوة الألفاظ على ألسنتهم، وبناء المقاطع اللغوية الرنانة بشعرية رمزيوة معتمة لا توضح المعنى المناسب والمطلوب، وأيضا اعتمدت الرؤية البصرية على تركيب الشخصيات المذهل من أول خلق شخصية البطل "نعمان" بدقة وتوصيف واضح، والبناء الشكلي الخارجي، والبناء النفسي الداخلي المغاير، ونجح في تصوير صراع الشخصية الداخلي، واعتماده على المنولوج الداخلي والحوارات والأفكار التي يناقشها الكاتب مع نفسه، ومدى التحكم ورباطة الجأش والبطل يتعامل مع الشخصيات المحيطة به ليبدو متألفا معهم، وأنه منهم، ومماثلا لواقعهم، وفي هذا نصيحة للكتاب الجدد، عليهم الاعتماد في رواياتهم على المونولوج النفسي بقدرة تكنيكية لأنه وسيلة فريدة في توصيف الشخصية، وبساط سريع كما البرق لمساعدة الكاتب للتعبير عن فكرة عمله الأدبي بشكل مباشر وربطها بأفكار فرعية مساعدة، ونجد هذا في تصوير أم البطل المرأة العربية العادية البسيطة التي كل همها ودورها في الحياة الحفاظ على البيت والأسرة وتربية الأولاد ومصادقة الزوج والنرطيب عليه من منغصات الحياة، والأب الرجل العربي الذي يحرص حرصا دائما على توفير مناخ صالح لأولاده وتعليمهم وتربيتهم وفق ضمير مجتمعي عادل..

في تركيبة الشخصيات عمل الكاتب بشكل غير مباشر على تصدير فكرة العدل من خلال أسرة البطل، لتكون فكرة تأخذ كفة الميزان الأخرى معادلا لفكرة الحرب المدمرة الغاشمة التي ينقصها العدل والصمير.يلاك

أما أن الحديث طويل عن كل عنصر من عناصر التكنيك ومدى إجادة الكاتب في العمل عليه بإتقان وحرفة من خلال رواية "وكر السلمان" للكاتب "شلال عنوز" لا يتسع مجال الدراسة للحديث عنه بالتفصيل الدقيق آملا أن تكون القراءة  تفتح طريق الوعي للكتاب الجدد، فلابد أن أعترف على آخر سطور تقريري هنا أن رواية "وكر السلمان" من أروع الروايات التي قرأتها في آخر عام 2020   حتى الآن .

 

بقلم/ الدكتور مختار أمين ـ مصر

 

حيدر عبدالرضاالوقائع الروائية بين الرؤية من خلف ودليل قرائن الغياب الذكوري

الفصل الرابع ـ المبحث (1)

توطئة:

ينفرد الأسلوب الروائي في أحداث وزمن شخوص رواية (حديقة حياة) بما يمكن لنا فهمه بذلك الإطار المنصوص عليه عبر وظيفة المونولوج أو تيار الوعي، مع الملاحظة بأن طبيعة اعتماد الضمائر السردية في النص جاءتنا على هيئة تداعيات وايهامات تبنتها إمكانية العلاقة المتداولة سردا بين ضمير السارد والشخصية حياة والشخصية ميساء البنت الوحيدة للشخصية الأم حياة، وقد تناوبت متواليات السرد ضمن مؤثرات ومؤشرات داخلية وخارجية عبر وسائل السارد وبطرائق تقنيات الاسترجاع والاستعادة المتداخلتان في حدود متواترة من انتقالات خيوط الأحداث المحكية مع بعضها البعض صعودا نحو مسار من الرؤية السردية المكثفة .

ـ اللغة الروائية بين ذاتية السرد وموضوعية البناء النصي .

منذ بداية الرواية ونحن نواجه مأزومية المرأة، كوحدة إشكالية موضوعية إزاء تقاطعات وتفارقات الحياة والقدر والمصير وسوء الطالع . فالعلاقة ما بين الشخصية حياة وأبنتها ميساء تشكل بهذا الاعتبار الصورة الاغترابية الناتجة من منغصات الظروف الحياتية في ظل الحروب وغياب الذكورة، كحقيقة تشاركت في سيرورتها عوامل وعناصر تلقائية وعشوائية ومشيئية ودكتاتورية هي من صنيع الحروب وأربابها وإلتباس المواقف العاطفية وتخاذلها من قبل حيوات عالم النساء الوحيدات في مدن الدخان والشظايا: (تعرف المرأتان أن لا سبيل للتراجع، فقد قالت الحياة حكمتها ورضخ القلب، لا مجال للتراجع، فمهما يحدث للإنسان لابد أن يمضي قدما / ومثل من يسحب خيط ضوء من كتلة ظلام صلدة تسحب ميساء بإصبعين راعشين حلم عودته المستحيلة وتضع الحلم مثل تعويذة عتيقة أمامها.. تفتح النافذة وتناديه لعله ضجيج الحياة وحركة الريح في أشجار الشارع تحمل نداءها: عد.. ألا تعود؟.. تعال.. دع الصيف يسهر على يدي.. تعال ليفتتح المضيع في جسدي.. عد.. أين أنت؟. / ص6 الرواية) وفي هذا الإطار من قابلية المونولوج ـ الإطراد السردي الداخلي، تفصح لنا محكيات السارد عن منجاة الشخصية ميساء إلى ذلك النوع من الرجال ممن يحسنون لعبة اللامبالاة أو التنكر في لبوس عواطفهم نحو المرأة . فقد نتعرف على شخصية ـ زياد ـ دالا على هذا النوع في سياق الذكر الغائب في أسفاره الدائمة بعيدا عن موقعية التلاحم والحضور إلى جانب الشخصية الهائمة بحبه ميساء: (لا يستعاد شيء تهاوى ؟ هذه عبارة أمها التي لم تقلها، أنما تبلغها بهذا الصمت والتجاهل الذي تقابلها به كلما أشارت إلى قصتها مع زياد.. تسمع ميساء أو لعلها كانت تستعيد بإيحاءات من يئسها.. تسمع بلبلة لغات مختلطة تتشابك فيها الغايات بالأهواء بالقسوة والأمنيات والوقائع الصادمة . / ص7 الرواية).

1ـ الفاعل الشخوصي وأوهام مؤولات الفراغ العاطفي:

تسعى الشخصية ميساء إلى محاولة أبتداع لذاتها القامطة مناخات خاصة من مؤولات كاذبة، واهمة، مصدرها فعالية العاطفة المتوقة إلى مساحة منسجمة مع سراب ذلك الآخر ـ زياد ـ وعلى هذا الاعتبار بأن الأم حياة تستنزف في حالها ذات العلاقة من الفقد والفقدان، إذ إنها تشقى كثيرا من شعورها بالحرمان من فقدان زوجها الذي غدا مفقودا في ساحات الحرب، إذن فإن الحكاية الروائية بهذا المسار، تعرض لنا مواجهات قاسية من طرف المرأة إزاء غيابات الذكورة في مواقع مدينة تتنفس الدخان والموت والأوصال المبعثرة هنا وهناك من قتلى الحروب: (رجال المدينة ما عادوا يرون الزهور ولا بوسعهم التمايل مع الريح أو إيقاع موسيقى ولا يستطيعون ترديد كلمة عذبة لتتوغل موسيقاها في نبراتهم الجافة . / ص8 الرواية) إن حالة استقصائية أحاسيس النساء في زمن غياب الرجال في خنادق الحرب أو المعتقلات، صار دليلا شاخصا على أن المرأة مادة حكائية متفردة في ذاتها الناسجة لأهم وأسمى مشاهد حكايا الفراغ العاطفي لديها، وقد وضعت المبدعة الكبيرة لطفية الدليمي، مصائر شخصياتها النسوية كعادتها في مجمل رواياتها وقصصها القصيرة من معاناة هي حصيلة حساسية الأنوثة البالغة والمفرطة في حرمانها العاطفي واضطهادها من قبل مجتمع القمع الرجولي والسياسي إلى أقصى درجة ما من مستويات العمق المعنوي والمادي . نجد في فصول الرواية الأولى مدى احباطات الشخصية الأم حياة مع أبنتها ميساء من جراء فقد الحبيب والزوج في دوامة الظروف غير المعلنة في الرواية ودوامة الحروب: (أصابع الأم تأخذ الزهرة بحنان حذر.. تمسكها من ساقها النحيل المبلول وتضعها في قدح ماء: أعجوبة.. أليست أعجوبة يا أمي ؟؟ عندما فقد أبوها في الحرب.. أمضت ميساء عامين في ذهول وغياب وهي تتعذب في كوابيس مروعة، طحنت طفولتها وسممت حياة الأم.. كانت تسمع أصوات وصرخات تنبت من الجدران أو تتعالى من الأثاث.. أصوات مجسدة ضخمة لها حجم منتفخ كموجات الضباب.. تتطاول أو تكبر وتملأ الغرفة والهواء . / ص9 الرواية) .

2 ـ الفضاء الشخوصي بين الاستعادة الزمنية ومحاور الإيهام:

عالجت الكاتبة لطفية الدليمي في دلالات أحداث الفصول الأولى من روايتها، ثمة تمظهرات نفسانية معادلة إلى حجم موضوعة الفقدان والقنوط من جراء غيابات الزوج مفقودا في الحرب، وهذا الأمر ما ضاعف تصوير الجوانب التحتانية من وقائع الشخوص الداخلية، لذا وجدنا الأم حياة تشغل ذاتها المثقلة بأورام ومخلفات الفقد الزوجي من خلال معاينة نمو فسائل حديقتها وثمار أشجارها وتفتح أزهارها، فيما أخذت ميساء تترأى لها جملة أصوات منبعثة من مفاصل الأثاث المنزلي وزوايا وسقف الغرفة، وهذا المعادل النصي يخبرنا عن فداحة أصوات القتلى في ساحات الحرب وذكراهم المتجسدة بمحور وظيفة فقدان الحياة المادية إلى أولئك الجنود القتلى والمغيبون، إذ وجدنا صورة البراعم من جهة ما في حديقة الأم حياة، بمثابة المعادل الموضوعي للأرواح الشاردة والنافرة من شوارع الجبهات حيث الخنادق والموت المتكاثر: (تتساقط مياه غزيرة على أشجار التين والنارنج في الحديقة وتنساب قطرات المطر على الأوراق الخضراء وتتقطر من جديد.. وعندما تسكن العاصفة.. تتحرك أضواء بعيدة في الأفق.. ثم يلوح لها وجه أبيها ويصطبغ العالم بلون وردي ويضاء المكان وينحل الظلام إلى غمائم والأصوات إلى نغمات غناء: أبي.. أبي؟ تناديه ولا تحرك شفتيها المضمومتين على الرغبة المستحيلة: أبي؟ . / ص9 الرواية) من هنا يمكننا معاينة مستوى شيفرات العلاقة المتداعية ما بين حياة وأبنتها المهووسة بأحلام وأوهام مناجاة تواتر أصوات الأمنيات من مظهر عودة ذلك الحبيب ـ زياد ـ وإلى مستوى لهفتها إلى محاورة موقع والدها وهو في أشد مواقع المتشظى والمنشطر في مسار خبر العدم، وهذا الأمر ما جعل من الشخصية رازحة تحت عبء عقار المهدئات وتداعيات الذاكراتية، كمواضعة مونولوجية داخلية تحكي لذاتها عبر أصداء مجموعة من الأصوات والصوت الواحد من محورية الغياب وتفاصيل المغيب .

ـ كائنات الآخر من الحلم وخصوصية ما وراء الواقع

أن ما يميز الفضاء الخارجي عبر رواية وأحداثها هو ذلك المجترح من خلال (الآخر المجرد) إي أننا نصادف في أحلام الشخصية ميساء في أثناء غفوتها اليقظة من جراء المهدئات، ذات الملامح من العوالم المتخيلة، التي تبدو لنا للوهلة الأولى وكأنها تبئيرات معادلة موضوعية للأمكنة والأزمنة المفقودة في واقع حياة الشخصيتان (حياة + ميساء) فالواقع الحلمي للشخصية ميساء عبارة عن تشخيصات وهمية للأمكنة الخارجية والأشياء الواقعةة خارج أفق تحركات الشخصية، ومن هذا المنطلق الإبهامي، نعاين هذه المقتطفات من وحدات السرد: (ترى جنات وروابي معشبة، ترى أشجارا مثقلة بالثمار، ترى النهر يفيض على الأجراف وتبلغ مياهه الرائقة التي لها ألق البلور عتبات الأبواب / تسير وحدها في الماء البلوري الرائق الذي يغمر بلاطات رصيف المشاة.. تغترف منه وتغسل وجهها وترشه على صدرها.. وعندما ترفع عينيها ترى مبان شامخة في مدينة خيالها / ميساء تسمع همسا رقيقا.. تسمع أنفاسا تحس دفئا يلامس وجهها: هل استيقظت يا حبيبتي ؟.. هيا.. تحس بالنهر يجذبها إليه، جسدها الذي يسح عرقا يعوم في بلورة الماء السائل.. والنجوم لا تزال تنهمر على بغداد . / ص10 . / ص 11 الرواية) .

1ـ الفضاء المغلق والمفتوح في شعرية الأحوال:

و ينتقل السرد عبر لسان السارد والشخوص غالبا إلى نقطة من إمكانية استعادة الأحداث ضمن فضاء من التعضيد (مغلق ـ المفتوح ـ مكامن الذات) ويستبيح المجال الأنثوي لذاته أشد مسارات المتصل الذاكراتي وحدود وقائع خارج زمن حكاية النص بدءا منها نحو علاقة استعادية ـ استرجاعية، من شأنهما تشكيل وجها حلميا خاصا من معطيات شعرية تفاصيل راصدة لغرض استكمال حلقات الكشف عن دلالات عضوية في التفاصيل المفقودة من أجزاء حياة الأب حاضرا معاينا في سياق السرد: (عنقها يتيبس ويزداد تشنجه، تنهض وتمسده بزيت الخزامى حتى يلين وترتخي العضلات وتتمدد.. تلقي رأسها على الوسادة جوار صوت الرجل الذي يتنفس عبر السنوات الغاربة.. تمد يدها تحت الوسادة لعلها ترتاح في الظلمة الباردة الممتدة بين الوسادة والمفرش.. يحدثها الصوت عن زمن طاعن في القدم، يحدثها عن زمن سيأتي بعد شموس كثيرة.. كانت فيما مضى تدس يدها في يده وتنام.. ويضحكان وهما يتصوران لأبنتهما الوحيدة تأريخا حافلا بالفوز.. أريدها عالمة آثار تنقب عن العشرة آلاف مدينة التي لم يكتشفها أحد.. أنا أريدها عالمة فيزياء، لعلها تخترع شيئا يوقف تدهور الزمن في أجساد الناس . / ص11 . / ص12 الرواية) هكذا وجدنا أحلام الشخصية حياة في استعادة وتصور الحوارات والأمنيات والأحلام المعاشة مع شبح زوجها المفقود واقعا، ويعتبر هذا الفضاء المغلق من دائرة تخيلات الشخصية، بمثابة الموقع والشكل والدليل المنزاح عن قسمات الواقع المرير بحرفيته وتقريريته . فالشخصية تمظهر لنا الأبعاد في فضاء مستعاد عبر قابلية الحلم واليقظة المتصلان تعددا بذلك المجال المعادل من حقيقة أفعال وصياغة حياة ناقصة ومفككة في أوصالها وأبعادها ألا متحققة في هيئة تفاصيل الحاضر الزمني من النص . تتميز الفصول الأولى من الرواية على خلق وبث مسار الأفعال السردية ضمن وحدات من الحلم والذكرى والوهم، وبذلك تعد أفعال الشخصية في مجال حلمها، تأكيدا معادلا وتعويضا موضوعيا عن تفاصيل مفقودة من أحوال الشخصية: (تبتسم المرأة إلى جانبه وتتسع ابتسامتها وهي تمسك بيده.. ما بك؟.. ألا تراها؟ أنها على سرير المخاض.. أنت تحمل المولود وأنا أنظف عنه بقايا الدم وألبسه ثيابا أعددتها له.. أتسمعه إنه يبكي.. والله أنه يبكي.. تنسحب من القول.. تتكىء على حلمها وحدها وتدعه يضحك من أشواقها لحفيد سيأتي بعد سنين لا يعرفانها . / ص13 الرواية) .

ـ مأزق الوقوع بين واقع الإمكان وملاعبات الوهم .

يشعر القارىء للفصول الأولى من رواية (حديقة حياة) وكأنه يعاين سردا استبداليا متخيلا في محاولة من الكاتبة إلى جعل ماهية ومؤهلات عوالم نساءها، كصورة محفوفة بمصائر النأي والمأزومية ـ ابتعادا عبر زمن الأرتداد نحو رهانات المرأة مع مرارة واقعها القهري . وهذا الأمر ما وجدناه في أحوال ودلالات رواية (سيدات زحل) ورواية (عالم النساء الوحيدات) والآن الأمر ذاتها مع رواية (حديقة حياة) موضع مباحث دراسات كتابنا، وعبر الانغمار للشخصية حياة في مسار المرأة العارفة والمتبصرة التي تتصادى فيها مجمل المؤثرات التخييلية في النص، وتتساند من خلالها نواة الملامح والتقاسيم والصفات للمرأة التي تصارع الزمن عبر شرنقة مأزق الواقع والإمكان بالتواصل العيشي عبر خلجات الحلم وأوهام تصورات ماضيها مع زوجها كبدائل تعويضية تحكمها حسية الانتماء وعشق الذاكرة الدفينة في سواحل مخيلتها الراجحة نحو الإمساك بذاكرة امرأة تستهويها لعبة التمادي في الحلم واللاحلم، الواقع واللاواقع، الزمن واللازمن: (بعد سنوات عندما تكبر ميساء ويهجرها زياد إلى بلد بعيد، سوف تستعيد حياة ذكرلا هذه الليالي وأغنية فيروز والكلمات التي كانت تتكىء عليها في لحظات الضعف الإنساني.. وسوف تردد في أمسية الغد كلها.. الريح تبكي.. تبكي في ساحتي الحزينة . / ص30 الرواية) .

ـ تعليق القراءة:

من خلال ما قرأناه وعايناه في مسار أحداث الفصول الأولى من الرواية، إذ لاحظنا موضوعية اشتغال الروائية الدليمي على ثيمات النسيج السردي المستعاد، الذي راح متفاعلا وحدود تشكلات اللوحة السردية المشخصة من مسار حياة الشخصية المحورية في النص مع ابنتها ميساء، بالإضافة إلى وجود أطراف أخرى من الشخوص في الفصول الأولى تحديدا، كحادث مجيء أقارب الزوج المفقود إلى بيتها للمعالجة من مرض السرطان المتمثل في الشخصية أنيسة، وما أخذت تعززه الأحداث من متواليات ملتبسة ومأزومة في عاطفة الشخصية حياة.. وبعيدا عن أي مؤولات إضافية منا، نقول أن دلالات الفصول الأولى من النص الروائي، جاءتنا مقامات مدلولية مسوغة في صياغاتها التشخيصية الثمينة لأشد وأصعب الأوصاف والمواقف من بناء حكاية التشاكل والتمثيل الترتيبي في زمن محكيات الرواية التي أخذت تشتغل على الواقعي والمخيالي ضمن موضوعة الأشياء والمخزون الذاكراتي المترسب في دخيلة مقصدية روائية ذات مواقع متراكبة وأشكال دلالية مؤثرة وعنيفة على مستويات كبيرة من فاعليات الذات والهوية وأسئلة المصير الشخوصي .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

 

صدرت عن دار النخبة المصرية في القاهرة / 2021 للشاعر والكاتب مصطفى محمد غريب رواية جديدة بعنوان وجوه الوسواس المبعثرة.

- "أي أوجاعٍ عندما تعتمر القلوب بالأسى والتقهقر والعقول بفقدان الصبر واللجوء الى الطاعة، اين سر الحياة في ضجيجها الذبابي وصراخها الفولاذي؟

- كيف تكون قمم التبصر فيما آلت اليه المأساة في شكلها البشري وظهرت الوجوه قرمزية الألوان؟"

المدخل الأول للولوج إلى فصول الرواية الرابعة  المتكونة من ستة فصول وفروع ثانوية ترتبط مباشرة بالتسلسل التاريخي والمتقطع في زمن حدوث الوقائع، في المقدمة  في الفصل الأول تبدأ المداخلة في سبر المشاعر المتناقضة  في تداخلها الغريب ما بين الملموس وغير الملموس، بين الواقعية وما وراء الواقعية في إطار حوار متقطع تظهر مفاتيح من خلال البحث التنويري في مغاسل العلاقات البشرية لإيجاد  قناعات بشرية بلا شكوك في قصة نجية ام سعاد  التي وقعت ضحية السذاجة الفكرية وضبابية الوعي الاجتماعي فانحدرت الى مواقع الرذيلة القسرية تحت يافطات الارتباط الشرعي بواسطة التفاهم الأحادي الجانب ثم تنقلت ما بين الشك والتآمر للخروج من شرنقة القوادة الرسمية المبنية على خداع وعي الناس الى القناعة الشخصية بأحقيتها في ثمن الدعارة غير الناقص ووقوعها في ذلك الخرف الإنساني بما يسمى " المستقبل المضمون"  إلا أنه في هذه الحالة يتغير المثل الى " القرش الأسود ينفع في اليوم الاغبر" محاولة ام سعاد وحنينها العودة لباكورة نشوئها الجنسي يظهر من محاولاتها اليائسة . الرواية جاءت على لسان الراوي مباشرة أو غير مباشرة وعبرت عن مفاصل أساسية سياسية واجتماعية من قواطع واسعة مملوءة بالحوادث وانعكاسات الوعي الاجتماعي على وعي شخوص الرواية ومدى التطورات التي ساهمت في الكشف عن الاسرار والخفايا النفسية والجسدية في هذه الشخوص للاستفسار"

2409 مصطفى محمد غريب

- كيف أنجز؟ وما هي مقومات الإنجاز جدلياً؟ ولماذا لم تنجز الأمنيات والبقاء في التمنيات؟ كنت وما زلت أفكر بعمق التجربة أو التجربة الملغية

-هل يعرف من يريد التعرف على ما أفكر به وانا صامت؟ هل يعرف من يريد التعرف على أفكار الناس الصامتين؟ 

- هل ترى كيف بدأت وجوه مضغها الوسواس وكيف بقت وانتهت باقية! " هذه الاستفسارات دائما التقصي في المكان والزمان وتحوير الوقت المزمن في  التعقيد وعلاقات الموجودات باختلاف الزمان والمكان، أن ما يدور في كواليس الحياة التي ساهمت في التكوينات الاجتماعية أثرت في نسيج الرواية التي لم تتجاوز الواقع الموضوعي إلا بالتشكيل التجريدي للتمويه وبقت في إطاره تتفاعل وتبحث لإيجاد حلول بدلاً من السرد وطرح المواضيع بدون نظرة ثاقبة في مسببات النتائج وعدم الاعتماد على السرد الممل، الملل الظاهر واللامبالاة ظاهرة تجسدها نتائج شرب الكيف " الحشيش " إنها عالم سحري من الامتثال والامتثال من التقرب والابتعاد\، الانسان الذي يخلق ضائقة نفسية غير ظاهرة حتى تتبلور لتصبح هرماً من المعتقدات والأفكار، عالم الانسان البسيط والمعقد على هاجس الابتعاد عن النفس الإنسانية ليتقمص دوراً مسرحياً لا يليق بأدائه ولا مشروع للإعداد ليجسد الحقيقة على وضعها ويختفي في التخطيط المبهم لتنفيذ رغباته الحسية والجنسية أو يتطرف في تصرف بدائي وحشي برمته لا يمت لواقع شخصيته، حوادث لتكتلات بشرية تعيش ولا تعيش وهي تركض في فسحة من الوقت ومساحة من جغرافيا التطاحن من أجل تنفيذ الرغبات الدونية فحادثة الطابق الثاني في اللوندري عبارة عن متاهات مختفية خلف هالات من التسبيح الظاهري وضحاياها المرأة التي ترى في ظاهرة بيع الجسد جسراً للعبور لكنها تكره تاريخ قوم لوط إنه طابق المتاهات في وجود قلق عما يجري في حياة المخلوقات ، بينما نرى ما جرى في المقبرة الخارج عن نطاق المعرفة الإنسانية طريقاً لوحشية تتفوق على قوانين الغاب الجنسية، وتبقى سهام المثل الأعلى في قيام الدور النسائي لمشروعية التساوي لكنها تفقد موقعها الأثري بالتجاوز على حقها لأن تعيش كما تريد بدون خلط الحدود، أما الشخصيات الاجتماعية الأخرى فهي في دائرة مغلقة لها باب واحد مفتوح تحاول الهرب منه لكن هيهات، مجمل الرواية هي حكاية مروية بطريقة تراجيدية مركبة بكوميديا ذات طابع مأساوي له قيمة أدبية إنسانية بتوارد الأفكار والافعال لتكون طبيعية في مجتمع فيه من الطبيعي الشيء الكثير واللاطبيعي منظور، المهم في التصور الوحشي التجريدي نرى الانسان كما هو دون ظواهر انعكاسات التقليد، إنسان بإنسانية غير منظورة ولعب التطور العام الديالكتيك في توضيح مغلفات الميتافيزيق في العقل البشري. إن نشوء العلاقة بين الحوادث وواقعتيها تؤكدها الارتباطات العضوية ما بين الفصول الستة ، الفصل الثاني والثالث والرابع عبارة عن سفرات داخلية تكشف ما بين العلاقة العلنية ومحتوياتها الذاتية في قضايا يعيدها الفكر إلى الوراء للتذكر والارتباط " فلاش باك " خلال العمل البدني والعمل الفكري في قضية العلاقة مع الأرمني هبرسون ثم الهروب  من ملاحقة طارق اليساري الذي أنقلب مرتداً الى الخلف وتطوع " قضية التطوع " هنا التطوع دليل على التشكيل النفسي في قضية الفكر الوصولي الانتهازي ثم قضية ام محمد المصلاوية وابنها ذلك الشرود من الضغط الاجتماعي والتشبث بالعلاقة الامومية ومقدار التضحية في العلاقة البنيوية والوصول لطريق العدم الأبدي عن طريق التضحية بالنفس، والانتقال الجديد والشخوص التي بدأت تتدحرج وتتفاعل فوق قواعد موجودة بينما تفرض الفروع بفعل النشاط البشري الإيجابي أو السلبي،

وتتابع الفصول الخامس والسادس إلى استكمال اللوحة في التسلسل التاريخي وتعرجاته في الصعود والنزول كأفعى تحاول الزحف والتسلق بغية التربص بالفريسة " سهام " بينما ام محمد تختار الطريق في الانتقال من الكبت والحرمان الجنسي الى حريته بواسطة النكاح الحلال حيث تستكمل تواجدها الروحي والجسدي وتتخلص من لصوصيتها النظرية وينتقل جواد إلى العالم الذي يؤمن به في حرية التحرك واستبدال المفاهيم التي تحدد حركته الفكرية بمفاهيم الثورة والتمرد ولكن بشكل باطني ويقوم الفصل السادس في وضع الصورة العامة في تكاملها الخاص الذي أوجد حدوداً فرضت بالإرهاب والقسوة وحجب الحريات العامة وعلى المستوى الشخصي وفيها انقاذ لميسلون وإبراهيم وعدنان وغيرهم ثم بروز الممكن من العقد الاجتماعية والعائلية وأهمية انقاذ ما يمكن إنقاذه بالسفر أو الاختفاء أو الهروب أو السقوط في براثن السلطة التي بدأت تتآكل بسبب تناقضاتها الداخلية والخارجية.. الرواية زاخرة بالعقدية التي تفرزها الاختلافات الفكرية لكنها تبرز حقيقة موضوعية عن الحياة التي كانت في تلك الفترات السياسية قد أسست لاحقاً جملة من القواعد الشاذة لكنها أصبحت عرفاً تقليدياً تخطت الأسس الدينية وكونت  لها دين خاص بها، استحقاق الرواية ليس بضرورة قراءتها فحسب بل الغور في المفاهيم الإنسانية السائدة وتعرية الغث منها ومن هنا ستبدأ المعرفة زاهية غير ناقصة، بقى القول في النهاية الرواية امتدت على (457) صفحة من الحجم الوسط وبغلاف تعبيري أخاذ يدل على الجوهر في شكله التشكيلي وتجريد الوجوه المصابة بهلوسة تجاعيد الحياة وسرمدية العلاقات البشرية في القلق على المصير تحت طائلة الوسواس المتلبس بقواعد وفروع تكاد أن تكون مرتبطة بدون حواجز وقد طبعت الرواية / دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع في مصر، والرواية هي (4) في التسلسل الروائي إضافة إلى وجود ( 5 ) مجموعات قصص قصيرة و(15) مجموعة شعرية  الجميع طبع  في سوريا لبنان الأردن العراق النرويج مصر . وفي نهاية المطاف تنتهي " ــــــ أواه من الوسواس الخيّال الذي يجوب بدون توقف العقول قبل الوجوه، أواه من سهولة وقساوة الحياة بين وجوه من الوسواس الباحث عن حبل النجاة وهيهات ان ينتهي فهو متواصل!"

 

نضال صبيح مبارك

 

حميد الحريزيللروائي:  محمود جاسم عثمان النعيمي

العقل، مراجعة التاريخ، وذاكرة المدينة

الروائي أوضح لنا مضمون روايته من خلال العنوان، حتى قبل أن نقرأ متن الرواية،  فهي (رواية عن الكوفة، وعكد اللّوي).

وقد افتتح الرواية ب (صارت هوايته التي شغف بها ...)، بمعنى: أنها تشير الى فعل ناقص يدل على  الصيرورة والتحول من حال الى حال والحركة والتغيير، هذا بالضبط ما يرمي اليه (بطل) الرواية الذي تبنى فكرة (الفكر المغاير)، الذي يقاوم (الفكر البديل)، وهو الفكر الذي تسعى القوى التقليدية المحافظة الى زرعه وتخليقه في اذهان الناس؛ للإبقاء على حالة التخلف والركود في مختلف المجالات الحياتية. هذا أولاً.

ثانيا: اهتم الروائي بعرض باناروما شاملة لساحات وشوارع ومحلات ومعالم مدينة الكوفة العمرانية.

ثالثا: عرض الروائي الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية والفلكلور الكوفي في الماضي القريب والحاضر، وتحولات هذه العادات وهذا الفلكلور.

فالرواية في مجمل القول، هي: رواية الحركة والتغيير الجاري في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لمدينة الكوفة وسكانها، سواء في حالة التقدم، أو النكوص والتراجع .

أنها رواية الطموح لتغيير الواقع الفكري والثقافي المعاش، والعمل على مقاومة (الفكر البديل) من خلال العمل على ترسيخ (الفكر المغاير)، وهي المهمة الاولى الملقاة على عاتق المثقف، وعلى وجه الخصوص: المثقف العضوي، والذي يمثل بطل الرواية أو شخصيتها الرئيسية مثاله.

في (الفكر المغاير)، يرى البطل الفيلسوف المتطلع الى مجتمع متحضر مسالم بناء، يتطلع الى نبذ التعصب الفكري والعقائدي والقومي بمختلف مظاهره، وتحكيم العقل وليس النقل الساذج الجامد في الحكم على الظواهر والمتغيرات، ويؤكد على أن الزمن يسير ويتغير وعلى الانسان أن يحمل فكرا مرنا يتماشى مع الثورات الحاصلة في العالم والعراق، وفي المكان والزمان الجديد، ويتطلع الى نبذ كل ما من شأنه اعاقة الانسان، وقمع وكبح حريته في الفكر والعمل، والتخلي عن الرداء الفكري والثقافي الذي أصبح مهلهلا رثا لا يلائم حركة العصر وتطوراته، ويدعو الى نبذ الخرافة والتقديس الاعمى  للنص والشخص بعيدا عن استشارة العقل الذي هو معنى وجوهر كينونته، وما يميزه عن الحيوانات والجمادات، انه الانسان العاقل، حيث يبدو لنا  البطل وكأنه أحد رموز الاعتزال وحكمتهم الرائعة في بدايات العصر العباسي، حيث اعتمدوا العقل في الحكم، والاختيار، والسلوك، والاختبار.

العقل والعقلانية، هي ما دعا اليها القرآن الكريم وسنة رسول الله (ص)، فما  اكثر ما نجد في القرآن الكريم عبارات، مثل: الا يعقلون، الا يتفكرون، الا يتدبرون، وأن  نبي الاسلام  كانت معجزته عقلية، وليست حسية كما في الرسالات السماوية التي سبقته، فموسى كليم الله وعصاه السحرية في اليهودية، وعيسى الذي كلم الناس في المهد، وأبرأ الاجذم والأبرص، وهو روح الله في المسيحية.

البطل المتعقل المتفكر (كان منشغلا بالعقل، فأبدع فيه، ومعه التحم عنده الزمان بالمكان... متمردا على مجتمعه، لكنه لم يكن عدوا له، كان يريد للناس أن يتغيروا من خلال تحكيم العقل) ص/188. فهو من (اطلق صافرة البداية كي افتح مغاليق عوالم الناس الذين كان يراد لهم أن يعيشوا خلف أبواب الخرافة، وقصص الخيال، وتأليه الاسطورة، والنسخ والنقل) ص/189.

البطل المتعقل المتفكر يرى ضرورة اعادة النظر بالموروث الديني الثقافي، الذي هيمن عليه الفقهاء ووعاظ السلاطين، وحرفوا الدين عن معناه الصحيح بما يخدم مصالحهم ومصالح ساداتهم الحكام، وعملوا على احلال فكرهم (البديل)، الذي يدعو الى الخمول والكسل الفكري، والتسليم بما هو واقع وعدم التساؤل والنقد، واغراق الجمهور في الطقوس والشعائر التي تخدر النفوس وتبلد العقل وتقفل الباب امام المنطق، وحرفوا النصوص والاحاديث، بما يكرس الطغيان والفساد والجهل والتضليل ويؤبد حالة الفقر والجهل والتخلف في المجتمع .

لقد اعطى المطيرجية، في كوفة، العقل المبدع أشارة طلاق الماضي الخرافي، وأبرام عقد العقل، حينما دبروا حيلة لاصطياد (لقلق يونس) المقدس، الذي تنذر له الناس النذور. بعد اصطياده والتخلص منه، كانوا يرددون (هذا اللقلق راح نحنطه، قشمرناه بلعبة وحنطه) ص /135.

بمعنى: أن القديم البالي التقليدي أصبح جثة بلا روح، فتم تحنيطه والتخلي عنه، ليكون في متحف التاريخ الطبيعي، بنزع قدسيته وعدم الخوف منه، أو الاستماع اليه.

(اذن ذهب زمان، مات مع اسطورته، وجاء فكر آخر ينبئ بوعي جديد) ص /135.

فهو يحمل المثقف مهمة كبيرة للتوعية والتثقيف والتجديد ومسائلة اللامفكر فيه والمسكوت عنه. انه يرى أن أحد أسباب التخلف، هو: ضعف المثقف، وعدم الاستماع اليه، حين يقول: أن  المثقف بلا حول ولا قوة، يشعر بالغربة والاغتراب في مجتمع تسود فيه الخرافة، حيث يدعو بطلنا حين (اطلق صفارة البداية كي افتح مغاليق عوالم الناس الذي كان يراد لهم أن يعيشوا خلف ابواب الخرافة، وقصص الخيال، وتأليه الاسطورة، والنسخ والنقل) ص/189.

ويورد أمثلة على هذه  المعتقدات الخرافية التي تجاوزها العقل والعلم (يا حوت البلاعه هدي كمرنه بساعة، يا حوته يا منحوسة هدي كمرنه الغالي) ص/61، فتكبر الجوامع والمساجد ويعم الخوف الناس، وتشعل النيران، وتؤدى صلاة الخوف، ويجري الضرب على الصحون والقدور والصنوج؛  لاتقاء شر الحوتة التي  تحاول ابتلاع القمر، كل رد الفعل هذا على ظاهرة  خسوف القمر، وهي ظاهرة طبيعية، وهذا القمر الذي داست اقدام الانسان على ترابه منذ عشرات السنين.

كما أنه لا يرى في المدارس وسيلة لبناء فكر واع خلاق، فهي مبنية على التلقين والتدجين، وكبح التفكر والتساؤل، ولا تدعم التفكر والتساؤل، الذي   تؤديه الفلسفة،وهي: المشاكسة المتسائلة المشككة دوما، والتي ترى أن لا ثابت الا المتغير، لذلك ناصبوا الفلسفة العداء السافر، حتى وصل الحد ببعضهم الى القول (من تفلسف فقد تزندق).

ويرى ان تدهور الثقافة بسبب (قلة القراءة، واستخدام التواصل الاجتماعي، والجملة القصيرة)، كذلك يطالب المثقف بربط القول بالفعل ليكون منتجا ونافعا (امزجوا الوعي بالفعل، فالوعي بذرة، والفعل مطر، كلاهما يحتاج الآخر) ص/200.  هكذا كان يخاطب ويوجه مريديه من الشباب الساعي للتغيير، بمعنى أنه يدعو المثقف أن يكون بين الناس لإزالة الغشاوة عن عيونهم، حيث يقول (أنا عندما أدعو الى عقل مغاير، فإنما أدعو للاحتفاء ب (العقل الفاعل) الذي يسعى الى تفتيت الأساطير والرموز التي صنعت لنا تهويلا لا مبرر ولا معنى له ...) ص/120.

ويرى أن انتفاضة تشرين هم حملة الفكر المغاير الذي سيقلب الطاولة على كل عوامل ووسائل التخلف والجهل والتضليل، انهم الامل في الخلاص من الوضع والواقع المزري والمؤلم الذي يعيشه الشعب العراقي في ظل حكومة المحاصصة والفساد والافساد (أن هؤلاء الشباب، استطاعوا أن يتجاوزوا كل الخيبات في تاريخنا، وهم  الآن يخطون تاريخا آخر حق لنا أن نفخر به... هم ألان يصنعون (المتغير) الذي لم يكن بالحساب يمدون اياديهم نحو مستقبل يرونه بوضوح لانهم سيصنعونه) ص/140.

فقد سافر الى ساحة التحرير، واطلع على حماس الشباب - من الجنسين -وحسن تنظيمهم ووعيهم المتقدم  وإصرارهم على النصر، حيث شاركت المرأة بفاعلية في تظاهرات تشرين، وبشكل غير مسبوق، حتى في المحافظات المحافظة كالنجف وكربلاء، مما جعله ينحاز الى التشرينيين ويرى انهم امل الخلاص.

لكن القوى المضادة، المسيطرة على المال والسلطة، أخذت تحيك الدسائس، وتوجه التهم القذرة للمتظاهرين، بعد أن استشعرت خطورة انتفاضتهم واتساعها، حيث شملت اغلب محافظات العراق، بعد ان  صورتها فقاعة سرعان ما تنفجر وتندثر، شنت حملة كبيرة من التشكيك والتهم الباطلة ضد المتظاهرين، والذين هم جمهور واسع ليس بمستوى واحد من الوعي ومن الدوافع للتظاهر، وليس  بنفس الدرجة من الانضباط والتنظيم، مما سهل عملية اندساس قوى التخريب السلطوي بين صفوفهم، فنصبوا خيمهم متقنعين بقناع الثوار وتحت مسميات مختلفة، وجر المنتفضين الى معارك جانبية، والقيام  بأفعال لا تخدم قضيتهم، مما يوفر للسلطات ذريعة قمعهم، ويقلل من تعاطف الجماهير معهم.

فراحت السلطة تمارس القسوة والبطش، كالقنابل الدخانية والرصاص الحي لقمع المتظاهرين وحرق خيمهم، واختطاف ناشطيهم، بالإضافة الى استعمال وسائل الترغيب أن عجزت وسائل الترهيب عن اسكاتهم، وعلى الرغم من ذلك اصر الثوار على الاستمرار، رغم اعطائهم تضحيات كبيرة واعداد من الضحايا بالمئات وآلاف الجرحى والمعوقين، وقد أجبروا حكومة عادل عبد المهدي على الاستقالة، وهذه الاستقالة (هي ثالث استقالة في تاريخ العراق السياسي بسبب الضغط الشعبي: صالح جبر عام 1948، وياسين الهاشمي 1936 بعد انقلاب بكر صدقي)

ولأن المنتفضين  لم يختاروا بديلهم لرئاسة الوزارة، وفرضه على السلطات، فأن البديل السيد الكاظمي تخلى عن كل وعوده للثوار، وسلك نفس سلوك من سبقه، بل اشد وطأة، في قمع التظاهرات وتصفية الساحات بالتخادم مع المليشيات والكتل السياسية التي نصبته على كرسي الرئاسة، فأحرقت خيم التحرير وغير التحرير، وخلت الساحات من المتظاهرين الا في ناصرية الصمود والتحدي التي مازالت تتحدى، وقد كبل رئيس الوزراء الشعب بقيود القمع المباشر وغير المباشر، عبر اجراءاته الاقتصادية التعسفية تنفيذا لتعليمات البنك الدولي، وبدعوى انقاذ الاقتصاد العراقي من الانهيار، ففرض على الشعب المزيد من الضرائب، ورفع سعر صرف الدولار، في الوقت الذي  ارخى قبضته عن عصابات السلب والنهب، ماعدا قيامه ببعض الجولات والحركات الاستعراضية الزائفة  لذر الرماد في العيون، موهما الشعب بانه المنقذ والمخلص للشعب من ويلاته وحرمانه، وقد صدق المثل الشعبي القائل، حول زيادة مآسي الشعب العراقي، (راد له كرون  كصو أذانه) و(المارضه بجزه رضه بجزه وخروف).  والخسائر مستمرة ومتوالية بزعامة وزير المالية (علي عبد الامير علاوي) وبدعم من رئيس الوزراء.

استعراض الوضع السياسي في العراق عموما، وفي الكوفة على وجه الخصوص:

تتحدث الرواية حول دخول الافكار السياسية المختلفة الى العراق، والى الكوفة أيضا، بعد الحرب العالمية الثانية (الشيوعيون، والبعثيون، والقوميون) حيث كانت هذه الاحزاب سرية زمن الحكم الملكي، وتعمل تحت الارض، لأنها محظورة من السلطات الحاكمة؛ لمعارضتها الحكم ومطالبتها بسقوطه، لأنه وليد الاستعمار البريطاني للعراق، وقد توج  كفاح هذه القوى في ثورة 14 تموز 1958 للخلاص من ربقة الاستعمار وشركاته الاحتكارية، والخلاص من سطوة الاقطاع على الفلاحين في الريف العراقي، والعمل على اقامة دولة مدنية حديثة، ولكن للأسف ساد النزاع السياسي الحامي والدموي بين هذه الاحزاب، وتفتت تحالف جبهتها الوطنية، الذي كان له الاثر الكبير في تفجير ونجاح  ثورة تموز..

وقد اتضح هذا التفتت - كما رصدته الرواية - من خلال توزعهم وانصار كل منهم على مقاهي مختلفة في الكوفة، حيث كانت مقهى سيد علي للبعثيين، ومقهى محسن وعبيد وعبد الشهيد يؤمّها الشيوعيون، وبقية الحركات مقهى الحاج جعفر الكوفي ...

معلوم للجميع ما حل بالعراق وشعبه من حروب وخراب ودمار بسبب هذا الصراع الدامي لهذه القوى، والتنافس العنفي التآمري للسيطرة على كرسي الحكم بأي ثمن، وعلى الاخص ما حصل بعد  انقلاب 8 شباط 1963 في فترة الحكم البعثي الاول، وما حصل بعد حكم البعث الثاني في 1968 وحتى نيسان  2003 وسقوطه على يد الاحتلال الامريكي، حيث مهد الحكم البعثي الارضية لاحتلال العراق من قبل امريكا وحلفائها، ردا على الحروب العبثية المجنونة لنظام صدام واحتلاله للكويت، وقد سلطت أمريكا على حكم العراق طبقة سياسية عرقية طائفية موالية لها، فأجهزت على كل مؤسسات الدولة، وانشغلت بنهب ثروات العراق، وتقسيم المغانم فيما بينها، وعملت على تخليق حروب عرقية وطائفية، وشرذمة الشعب العراقي الى طوائف وملل واقليات قومية ودينية، مما ادى الى عزل  وتهميش العقل وتغليب النقل، فأقصيت الفئة المثقفة عن ادارة الدولة ومؤسساتها، ان وجدت هذه المؤسسات فعلا، (تخلت النخبة المستنيرة، التي تؤمن بالعقل، عن دورها  التاريخي، وتركت زمام الامور بيد شيوخ النقل كي يقودوا حركة الوعي الاجتماعي) ص/164.

مما ادى الى نشر الخرافة والأسطورة، ومزيد من التقديس للنصوص والشخوص، وأذابة الذات الواعية التي تستلم الفتوى من العقل الواعي، وليس من أصنام مقدسة، أو تدعي القدسية الزائفة التي صنعها الجهل والخرافة وتردي الوعي..

فسلطة مبنية على المحاصصة العرقية والطائفية لا يمكن أن يحكمها العقل والعلم، ولا يمكن أن تعيش وتستمر الا وسط التجهيل والتضليل والشد الطائفي...

فانتشر الجهل  والبطالة والعوز، وتقردنت الشخصية العراقية بدافع البقاء على حياة  تماثل حياة الحيوان، وهذا هو الحال الذي نعيشه اليوم، على الرغم من امتلاك العراق لثروات هائلة، فأن ما يزيد على 40% من الشعب العراقي يعيش تحت خط الفقر، مع تردي مريع في الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية والسكنية، وفقدان الامن والامان، وتحكم المليشيات في الشارع العراقي ومقدرات الانسان العراقي دون رادع، وقد أحسن الروائي في عدم الدخول في توصيفه وتعريفه لأنه ظاهر للعيان  وليس بحاجة للتظهير او التوضيح..

عادات أهل المدينة وتقاليدهم:

يأخذ الروائي - عبر جولات - بطل الرواية داعية العقل والتنوير في مدينته الكوفة، ايام الطفولة والصبا والشباب والنضوج، في شوارع ومحلات وأسواق وبيوت المدينة وبساتينها، حيث شارع السكة، ومسجد النبي يونس، والجسر ومراحل تطوره وتاريخ  انشائه، معمار الدار الكوفية، تربية الطيور، وانواع لعب ولهو الاطفال الشعبية المختلفة .

ذكرياته التي لا تنسى حول والده وجده وجدته ووالدته (كان أبوه عنده دنيا تطوف في البيت، دنيا رجولة وفرح، ونبرة صوت، وتاريخ مشترك ..) ص/110، وجدته المديرة القديرة لكل شؤون البيت (مديرة ادارة البيت) ومن بعدها أمه، مما يؤشر الى الدور الهام للمرأة في حياة الكوفيين..

كان جده يطبخ الهريس في عاشوراء في كل عام، كعادة اغلب النجفيين والكوفيين في هذا الشهر، واستمر والده بعده في  طبخ الهريس. يستذكر كذلك التشابيه في عاشوراء، حيث يمثل ناس لم يحترفوا التمثيل سابقا، دور ابطال معركة الطف: الحسين عليه السلام وأهل بيته وأنصاره من جهة، وجيش يزيد بن معاوية بقيادة عبيدالله بن زياد من جهة أخرى، في واقعة الطف، حيث تصطرع قيم البطولة والصدق والوفاء والتضحية والفروسية في  الجبهة الاولى ضد قيم العبودية والانحطاط الاخلاقي والغدر والخيانة في المعسكر الثاني... تعرض هذه المشاهد لتكون عبرة لمن يعتبر، وهي شاهد على انتصار الحق على السيف مهما طال الزمان.

يستذكر الاحتفال السنوي بعيد نوروز، او سنده بدر، في 21 اذار من كل عام، حيث يذهب الناس الى الحدائق والبساتين، ومعهم عدة الشاي والاكل والسكنجبيل والخس، ناهيك مما تعمله النساء في البيوت، كجمع وتحضير السينات السبع... وقد كان الريفيون يعملون الدبكات (الجوبي) حول الاضرحة وفي القبور وهم  فرحين، يرقصون على صوت (المطبق)  ... ثم يعودون لمنازلهم مرددين (سنده بدر يا بو الخس خلي العجم تتونس) حيث يحتفل الفرس والكرد بصورة اوسع واكبر بهذا العيد.

يستذكر ايام رمضان، واصوات المرتلين والمؤذنين وشعائر رمضان، وتبادل (صواني) الاكلات المتنوعة بين  البيوت، واقامة لعبة المحيبس  وابطالها المميزين بالفراسة وامكانية اخراج المحبس من يد الفريق الخصم، كذلك المجالس العامة في البيوت والجوامع..

الاستعدادات المبكرة لاستقبال عيد الفطر، من خلال عمل الكليجة ومختلف انواع الحلويات والمعجنات، وتحضير الملابس الجديدة للأطفال، وفرحهم من خلال ركوب المراجيح ودولاب الهوى، وركوب العربات التي تجرها الحمير والدوران في المدينة، وقد انتفخت جيوبهم  بالحلوى والكليجة  والبيض الملون وبعض العيديات النقدية، وتبادل الزيارات بين العوائل  الصغير يقصد الكبير، وبين الجيران والاصدقاء والوجهاء... الخ، حيث تستمر هذه المراسيم لثلاثة أيام متوالية..

ويستذكر مراسيم الزواج والافراح في المدينة، ونقيضها مراسيم الدفن والوفاة والفواتح ودفن الجنائز.

يستذكر الجسر والنهر، الذي يهتم به كثيرا كتوأم للكوفة، حيث يقول (ان من يريد أن يكتب عن الكوفة الآن، يجب عليه أن يجعل نهر الفرات توأما لها، يكتب عن الاثنين معا) ص/44.

يستذكر صباه وفتوته، والسباحة في النهر، والمرح مع  اقرانه من الشباب الكوفي، ومراقبة زوارق الصيد وهي تجوب النهر، والسفن التي تفرغ حمولتها في خانات مدينة الكوفة المنتشرة على امتداد ضفة النهر في المدينة....

يستذكر محل والده واصدقائه، شارع السكة ومحلاته والمقاهي وفاتنات الكوفة المحجبات، الذي جعل احداهن صنو مدينة الكوفة، وحبيبته المفترضة التي هام بحبها، وظل يحلم بلقائها طوال حياته، ولكن  أني  يضفر الفيلسوف المثقف بحبيبته، بمدينته الجميلة، وهو يعيش  كل هذا الخراب الاقتصادي والسياسي والفكري ؟!! وسط موجة الشر والقتل التي تستهدف العقل، والتي اقدمت على شل حامل الراس المفكر حينما كان يقصد مدينة بغداد، فوجه له اعداء العقل رشقة من رصاصهم الغادر ليبقى  مشلولا يتحرك على كرسي متنقل، في محاولة للحد من  نشاطه وفكره التنويري، ولكن هيهات، فالكوفة والعراق ولادا للمفكرين والتنويرين.   فها هو وضاح وشقيقه نجاح، ورثة الفكر النير ونواة الثورة ضد كل ما هو قديم، وقد ابدوا ذلك من خلال مشاركتهم الفاعلة في الانتفاضة التشرينية التي لم تخمد شرارتها مهما فعلت قوى الظلام والتخلف.

في  التفاتة جريئة، يوجه بطل الرواية النقد اللاذع الى العبث في مسجد الكوفة وبيت الامام علي عليه السلام، حيث اظهروه بمظهر باذخ وفخم يضاهي قصور الملوك والامراء، من خلال مظاهر البذخ المعماري والتكييف الحديث، مما افقده قداسته وطبيعته الزاهدة لحياة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام، وهو شيخ الزهاد، وسيد البلغاء، ونصير الفقراء،  فما حاجته للأبهة والذهب والفضة التي لو قام حيا لما ابقى منها شيئا، ووزعها على الفقراء الذين يتضورون جوعا وهم يتجولون بالقرب من داره ومسجده وضريحه، ليلتقطوا لقمة عيشهم من القمامة، ويبيتون في العراء، او في المقابر، لا يرون الا النجوم في السماء وبريق قباب الذهب  ومنائر النفاق لمساجد لا يؤمها سوى المنافقين وآكلي السحت الحرام، ويدعون انها بيوت الله، والله غني ومتعال عما يدعون... في حين عياله الفقراء يعيشون الفاقة والعوز، ويفتقدون لسقف يحميهم من حر الصيف وبرد الشتاء.

الروائي المحنك، محمود جاسم عثمان، أحكم سيطرته على حبكة الرواية ، وامسك بخيوط السرد الممتع، متنقلا بالقارئ بين صور ومشاهد  واحداث وجلسات نقاشية، ليجلسه حول موائد فكرية غنية بالفكر الحر، زاده العقلانية والتفكر والتدبر، وفضلاته التعصب والتطرف والخرافة  والتخلف، فما اغناها من مائدة  تثري العقول وتنير البصيرة...

رواية تستحق القراءة والاهتمام، وهي نقلة مهمة في تطور رواية الوعي الانساني والمدني، الداعية للتحضر والمحبة والتقدم والسلام، ناهيك عن توثيق تاريخ مدينة الكوفة ومعالمها وتقاليدها وابرز شخصياتها، كما هو ديدنه عبر رواية حي السعد، ورواية حجر الصوان، لتوثيق معالم وتاريخ  مدينة النجف، وتخليد ابطالها ومعالمها.

 

بقلم: الأديب حميد الحريزي