الكبير الداديسيملحوظة: لإنجاز هذا العمل عدنا لعدد هام من الروايات والإشارة هنا إلى الروايات التي اقتبسنا منها بعض الاستشهادات وهي :

عبد الرحيم لحبيبي: خبز سمك وحشيش، إفريقيا الشرق ط1 الدار البيضاء

عبد الرحيم لحبيبي: تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء،

أحمد السبقي: باب الشعبة ج1 مطبعة طوب بريس الرباط 2011

ياسين كني: سيرة صمت، دار راشد للنشر ط1، الإمارات 2019

ياسين كني: تيغالين حلم العودة، ط1 ، المكتبة العربية للنشر والتوزيع القاهرة 2017

عبد الرحمان الفائز: النادل والصحف، ط1، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش 2019

حسن رياض: أوراق عبرية ، مطبعة المعرف الجديدة ط1 الرباط 1997

محمد أفار: درب كناوة، ط1 مطبعة سفي غراف آسفي 2013

عبد الله إكرامن: السيد "س" ط1 مطبعة الكتاب آسفي 2013

المصطفى حاكا: أناس عرفتهم ط1 ، دار وليلي للطباعة والنشر، مراكش 2017

الكبير الداديسي: انتقام يناير، مؤسسة الرحاب الحديثة، ط1، بيروت 2020

أسماء غريب: السيدة كركم، دار الفرات للثقافة والإعلام ط1 العراق 2019

***

إذا كانت مدينة آسفي قد تناولتها أمهات المصادر التاريخية من كتب التاريخ، الرحلات، التصوف، الدين، الاقتصاد، الجغرافيا... وورد اسمها في كتب من تأليف كتاب سمعوا عنها، مروا بها أو أقاموا فيها، فإننا اليوم نفتح نافذة على أرض عذراء، في بحث لم يطأه باحث من قبل، وموضوع غير مسبوق، من خلال المساءلة عن علاقة هذه المدينة بالبحر في ما كتبه روائيو آسفي عن مدينتهم، وفي النفس صور لمدن عشقناها من خلال الروايات والأفلام، لنتساءل كيف صور ابناء المدينة تلك العلاقة،  وهو ما ستتناقله الأجيال القادمة إن كتب لهذه الروايات الخلود، مثلما نتناقل نحن ما كتبه ابن خلدون، ابن الخطيب، ليون الإفريقي، البكري، الإدريسي، ياقوت الحموي، ابن الزيات، ابن قنفذ،  الحميري، والناصري وغيرهم ممن أرخوا لهذه المدينة، خاصة وأن الرواية أضحت ديوان العرب المعاصر الناقل لأيامهم، أخبارهم وأحوالهم... مبتعدين أشد ما يكون البعد عن اجترار ما قالته المصادر القديمة، ودون إغراق في التنظير والتعريفات المتداولة عن البحر والمدينة والعلاقة بينهما، لتكون الدراسة ميدانيةً تغوص في الروايات التي تناولت آسفي إما في إشارات عابرة، أو جعلت المدينة مسرحا لأحداثها، ولن يهمُّنا منها في هذه الدراسة إلا النصوص التي رصد فيها مخيال أصحابها تفاعل المدينة بالبحر، منذ أول رواية آسفية؛ رواية "الهاربة" لمحمد سعيد الرجراجي[i] إلى اليوم، مقتصرين على عدد من الروايات - لأبناء المدينة منشأ أو مسكنا- تداخلت فيها صور متناقضة لعلاقة آسفي بالبحر. وكل نسج سردي يمتزج فيه التاريخي بالأسطوري، والواقعي بالخيالي، والقديم بالحديث، الحقيقي بالمزيف، الموضوعي بالذاتي الانطباعي... ولا كتابة بيضاء بريئة، وكل كتابة تورط جديد، سواء عادت بالقارئ إلى عوالم غابرة في التاريخ أو صورت الآني اللحظي...

وإذا كانت الدراسات القديمة قد اعتبرت مدينة آسفي هبة البحر، وأشارت إلى أن  البحر لعب دورا هاما  في معرفة المدينة والتّعريف بها، فإنِّي لما خطر ببالي موضوع "آسفي والبحر في الرواية" وضعت أمام عيني فرضية احتمال إشارة كل رواية اختارت أن تدور أحداثها بآسفي إلى علاقة المدينة بالبحر، وإبراز أهميته ودوره في تطوير الأحداث، وأن كتاب الرواية الآسفيين سيهيمون بالقراء في حكايات خيالية أو واقعية بحرية، يكثرون الكلام فيها عن البحر... لما للبحر من علاقة  قوية بالمدينة، وبالإنسان عامة، واعتباره مأوى الحيران، مقصد الولهان،  مشبع الجوعان، كاتم الأسرار وإليه يحج أبناء المدينة في كل حين وآن لغسل الأجساد والقلوب، وإمتاع العيون، يبثونه همومهم وأحزانهم، يرتبط به أكلهم، عاداتهم وتقاليدهم وكل تفاصيل حياتهم... لكنْ سرعان ما خاب أفق انتظاري، بوجود روايات لا ذكر للبحر فيها، وبعضها يذكره باحتشام... ومن ذكره منها فأغلبهم قدَّمه في صورة سالبة، وعلاقة متشنجة بالمدينة؛ فمن رآه سبب تعاسة المدينة وسبب شقائها، حامي المدينة ومُقدِّمها للأعداء، بل منهم من تنبأ بأن يكون البحر سبب هلاكها كما هلك تيغالين بجانب آسفي من قبل، دون أن يمنع ذلك من وجود إشارات في بعض الروايات إلى العلاقة الحميمية بين المدينة والبحر، ليجد القارئ نفسه أمام صورة لعلاقة بوجهين متناقضين، لخصهما سارد رواية "خبز سمك وحشيش" في قوله " آسفي هبة البحر على ساحله نشأت وترعرعت ونمت، كان البحر جحيمها ونعيمها، سعادتها وشقاءها"[ii]

علاقة آسفي بالبحر صورة بوجهين متناقضين:  وجه لعلاقة حميمية نفعية تتكامل فيها مدينة مع بحر يغدق عليها خيراته يحضنها ويحميها... وصورة كالحة  صبغها ساردو بعض الروايات بالسواد فلم يروا في البحر سوى سبب تعاسة المدينة وسكانها، وهي الصورة الطاغية للأسف، مما فرض أسئلة من قبيل ما خصائص كل صورة؟ ولماذا طغت الصورة السالبة على الموجبة في علاقة بالبحر بمدينة آسفي بشكل ربما لا تخطر على بال أي مقبل على دراسة تيمة المدينة والبحر؟

1 –  الوجه السالب في علاقة آسفي بالبحر

معظم ما كتب عن مدينة آسفي في كتب التاريخ لأناس ليسوا من أبناء المدينة، ومعظم ما تضمنه الرواية المعاصرة عن آسفي كتبه أبناء المدينة، والطبيعي أن تتحكم في مثل هذه الكتابات معايير النوستالجيا، والعصبية المحلية فتنبري أقلام الروائيين للدفاع عن المدينة وبحرها، وتقديمهما للعالم متكاملين في أبهى صورة، لكن الغريب هو أن يتعمد معظم روائيي المدينة  تقديمَ صورة سوداء عن هذه العلاقة، فجعل سارد "درب كناوة" البحر سبب كل بلاء حل بالمدينة، محيلا البحر على امتداده واتساعه لمجرد سورِ سجنٍ يحاصر المدينة ويجثو على صدرها، وكلٌّ يتحين الفرصة للهروب والتخلص من هذه المدينة المثقلة بالأوزار الحاطَّة من الكرامة الإنسانية نحو الضفة الأخرى لأنه " حين يصل الإنسان إلى الضفة الأخرى يمارس بحقٍّ إنسانيَّته، يجد خِفَّة في جسده، سيلانُ الزمان هناك يمنح حركيَّةً مغايرةً تجعلُ الإنسان يحمل جسداً شابّاً كما لو أنه تحرر من عبء ووزرٍ ثقيل، يستعيد كرامته التي طالما طمست و جرجرت في الوحل"[iii]

وهي نفس الصورة التي رسمها سارد رواية "سيرة الصمت"  لما صوّر المدينة  محاصرة ، تأكل أولادها، مستباحة للجميع، بل تبحث عن قواد يقدمها فريسة للغرباء، يقول: "كانت مدينة آسفي تشبهني محاصرة ببحر بدل أن يكون سبب عزها أصبح سبب ذلها، لم ينلها منه سوى الغزاة الآتين منه والقادمين نحوه. آسفي مدينة الظِلال في الليل تأكل كالقطة الأصيلة أبناءها خوفا وحبّاً، كالعناكب تسلم نفسها لفلذات كبدها يتقاتلون على جسدها كي يعيشوا ويكبروا ويلهيهم الأمل، تدفع ضريبة التخلي عن رفيق دربها، وصباحا تبحث عن قوَّاد كي يقدمها فريسة على فراش الغرباء"[iv] أي صورة سوداء هذه عن علاقة مدينة ببحر كلاهما ينبض بالحياة العطاء والجمل، أهي غيرة، تشف أم انتقام من مدينة لا ينقصها شيء، مدينة فيها ما لا يوجد في غيرها من المدن من المؤهلات؟؟  أم هل هو قول غير الحق وذم بما يشبه المدح لغرض في نفس الروائيين؟

وتعمم رواية "درب كناوة" اعتبار البحر حصارا وسيَّاجا يحاصر بلدا بكامله فيعبِّر ساردها عن أمنية غريبة لو تحققت لكانت نتائجها أغرب عندما يقول: "لو جف البحر المتوسط لهاجر السكان كلهم كبيرهم وصغيرهم مشيا على الأقدام، سعيا إلى القارة الفردوس التي تذر اللبن والعسل، لن يقعد أحد عن السعي... حتى كسيح الأطراف ومن بهم إعاقات سيذبون ويجرُّون أجسادهم ليصلوا.."[v] ولتحقيق أمنية الهروب من المدينة التي يحاصرها البحر ألفينا بطل الرواية يتحيًّن الفرصة: "كلَّ ليلةٍ يسهر مترقبا حتّى الفجر في محاولات عديدة متكرّرة لا يملّ ولا يكلّ همّه الوحيد القفز على ظهر باخرة الحلم والمكوثُ بلا حركة بين الحاويات لترسوَ به في أرض الأحلام"[vi]

و الميناء الذي ظل على امتداد التاريخ مفخرة المدينة، أشهر من نار على علم، وأبعد نقطة يمكن أن يصلها مركب. قال فيه الحميري: "وهو آخر مرسى تبلغه المراكب من الأندلس إلى غاية القبلة، وليس بعده للمراكب مَذْهب"[vii]. وشكَّل الميناءَ الرَّسميَ والدبلوماسي للمغرب في مراحل متعددة، فإن روائيي آسفي تفننوا في الانتقام منه، وتشويهه عن سبق إصرار وترصد، فلا ترى فيه رواية "درب كناوة" إلا فضاءً أجرد كئيباً مُخرِّباً ينشر الخوف والهلع في الأهالي لما قال السارد:" يضحي أجرد كئيبا، تحوم في سمائه طيور النورس مصخبة المكان بصياحها من يجرؤ على الوقوف أمام أمواج عاتية تقفز فوق الحاجز الواقي لتتكسر بقوة في الحوض  تلحق الضرر بالقوارب الصغيرة تكسر ألواح قوارب الصيد  وتخلق الهلع كأن ماردا جنيا يحرك القاع بعصا"[viii]  ومن لم يكرس هذه الصورة السلبية اكتفى بالبكاء على المجد التليد والماضي الضائع، ليقدم الروائيون صورة مأساوية للمدينة في علاقتها بالبحر، مُجمِعون على أن المدينة اليوم تعاني النسيان والتهميش ووحدهم الأقدمون من كانوا يقدرونها حق قدرها: " آسفي المدينة الغفل الغارقة في الليل، المنسية على سواحل التاريخ، البعيدة قسرا عن خطوط الطول والعرض والتماس، فلا تضبطها المراصد ولا تحددها ولا تعبُرها المسالك، وحدهم الأقدمون عرفوا قدرها"[ix]. وهي مدينة توالت عليها المصائب والأرزاء، و"أنهكتها المجاعات والأوبئة والفتن والدسائس والخيانات فرحل عنها علماء وفقهاء وعاش فيها الصعاليك والأوباش والأوغاد حتى قيل عن أهلها "إنهم أناس لا تربية لهم ولا أخلاق ولا حضارة""[x].

ولم يقتصر الروائيون على تقديم ميناء المدينة في هذه الصورة السلبية الممقوتة، بل نفى عنها بعضهم كل سمات التحضر، وأن عراقتها لم تعد سوى ذكريات بين بعض أبنائها الأصليين يقول سارد "سيرة صمت": "آسفي حاضرة المحيط لم يعد بها حضارة إلا تلك التي يتنفسها أصيل أبنائها بين دروب الزمن فيجودون علينا بنسمات الذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد"[xi].  وضد التاريخ وضد الجغرافيا وضد الواقع، سعى إلى فصلها عن البحر وعن الشاطئ، يؤكد نفس السارد أن آسفي لا بحر لها ولا شاطئ لها، وأن خيراتها من الأسماك التي تميزها عن غيرها من المدن المغربية والعالمية لا يستفيد منها إلا الغرباء والمهربون حين قال: "آسفي ليس بها شواطئ غير تلك  التي تسرق رمالها في واضحة النهار، ليس فيها بحر غير ذلك الذي تلوثه مركبات الفوسفات بمخلفاتها، ليس فيها سمك غير ذلك الذي تختطفه السفن الأجنبية وسماسرة التهريب القانوني قبل أن يصل إلى جوع أبنائها"[xii] . وهي ذات الصورة التي يكررها السيد "س" في نصوص عبد الله إكرمن حين قال" مدينتي كانت ذات زمن عاصمة سمك ، ولم تعد... ولكنها كانت ولا تزال وستستمر مدينة الغريب... – هاد آسفي شحال كتعطي لبراني ... جملة يرددونها"[xiii]

ولإتمام هذه الصورة السالبة آثرت بعض الروايات اعتبار الميناءَ المسؤولَ عن فساد أخلاق أبناء المدينة؛ يَدخُله الشاب مهذبا وقورا، وفي وقت وجيز يحيله طائشا فاقدا للأمل، ولنتأمل كيف تحولت أخلاق وشخصية الكوشي بهذه السرعة لما اشتغل في مرسى المدينة: "خلال الشهور الثلاثة التي قضاها بالشغل في المرسى بدأ يتحول من إنسان مهذب ذمت إلى آخر لا يعرفه أبدا. ضاع إلى الأبد الشاب المليء بالأمل، المفعم بالأماني، انمحت في داخله صور الفضيلة والأخلاق والشرف ليحل محلها شيء آخر مانع مُهترئ أين ذهب الوقار والنقاء والإيمان بالصالحين(...) فقد طاشت ألفاظه، تغير سلوكه، خشنت تصرفاته، غدا تمثالا تنوح بداخله رياح اليأس، والإحباط، انعكست على مرآة روحه آلام البحارة وبؤسهم"[xiv]

وحتى ما تراه المدن الأخرى مِنَّةً من البحر، وهبةً تُحْسَد عليها مدينة آسفي في علاقتها بالبحر، فضل بعض الروائيين - من خلال حب جلد الذات وتحقير كل ما هو موجود بالمدينة – تكريسَ الصورة السالبة عن العمل في معامل التصبير، واحتقار كل من يشتغل في أعمال مرتبطةٍ بالبحر، واعتباره بطَّالا بدون شغل وإن كان عاملا مشتغلا، فنجد في مفارقة غريبة  بحارا  يعمل بالميناء يُنظر إليه "وهو يشتغل شغله أنه بطَّال بدون شغل"[xv]، وأن معامل تصبير السمك رغم دورها الاقتصادي والاجتماعي ليست سوى : "فخاخ ابتكرها السَّادةُ ليجعلوا من البشر عبيدا... تحت اسم مشوه معنويا هو العمل... والراتب الشهري طعمٌ يخدر ضعاف النفوس ليبقيهم جراءً يبيعون أيامهم المعطاة من الله بالتقسيط لنخاسي الأعمار وتجار عرق الوجوه"[xvi] ، لدرجة أن صفة "عاملة في الفبركات" أضحت صفة للحط من قيمة المرأة، وسبة لها بين النساء.

وبدل الدعوة إلى تقنين استغلال رمال البحر، واعتبار رمال البحار كنزا، اكتفت بعض الروايات بالإشارة إلى ظاهرة تهريب الرمال، وما يثيره مهرِّبوه من هلع  وسط السكان  فقد توقف بطل رواية " النادل والصحف" خائفا بالليل من اللصوص لكن ازدادت مخاوفه لما  "فطن إلى أن الشاحنة من ذوات الهيكل الخاص بحمل الرمال، فزاد ذلك من مخاوفه، لكثرة ما يحكى عن مهربي الرمال من ارتكاب حوادث يشيب لها الولدان"[xvii] وبدل التركيز على عمل الصيادين وصراعهم من أجل تأمين لقمة العيش تقدمهم إحدى الروايات:" يقضون أوقات الصيد في تدخين قاذفات اللهب أو "السبسي""[xviii]

أي نظَّارة سوداء ارتداها هؤلاء الروائيون فغدوا لا يرون في المدينة إلا السواد، ويحيلون كل شيء جميل فيها-بما فيه البحر- قبيحاً، بل منهم من يتوغل إلى قلوب الناس ليراها سوداء، فلنستمع كيف ينظر هذا السارد إلى ممارسي رياضة ركوب الأمواج التي بدأت تنتشر في السنوات الأخيرة بالمدينة لما قال: " يمارسون رياضة ركوب الأمواج التي تشتهر بها المدينة، وهم يرتدون زيّاً أسود يقيهم من البرد، أرى أنا الأمواج دنيا الناس والزبد سواد الإنسان من الداخل"[xix] وعلى نفس المنوال لما فكر شاب في مقتبل العمر في كتابة أول رواية له " أوراق عبرية"[xx] اختار عائلة " كبيرهم من أفقر عائلة بآسفي" وتحدث عن المدينة في أسوء مراحلها مما جعل أبطالها من " من "الهاربين من الجفاف والطاعون الذي ضرب مدن الساحل"[xxi]، حتى ليتساءل المرء ماذا ترك هؤلاء الروائيين لمدينة آسفي إذا اجتثوها عن البحر والخزف، وأكدوا عدم استفادة المدينة من بحرها وخزفها: "آسفي مدينة الخزف الذي يعطى للعالم تحفا فنية ولا ينال حرفيوه غير لهيب الفران المتقدة"[xxii].

ولم تقتصر هذه النظرة السوداوية على الماضي والحاضر فقط، بل وجدنا روائيين يتنبؤون بمستقبل أكثر سوادا، ويرون أن المدينة تسير إلى الخلف في عالم يتطور سريعا، وأنها مدينة تفقد بالتدريج معالمها وما كان يصنع الفرجة فيها، وأن أنشطتها ومؤسساتها الاجتماعية يتم إبعادها عن البحر مما يئد أحلام الشباب؛ فقد كان كورنيش المدينة واجهتَها ووِجْهةَ سكانها، وساحة الفرح والفرجة فيها، وكانت به "دار الشباب العتيدة أيام الستينيات والسبعينيات قبل أن تجهز عليها الجرافات فتهد كل أحلام الشباب"[xxiii]، وهو ما أكدته رواية "سيرة صمت" حين تحن إلى أيام الفرجة التي اختفت عن  كورنيش المدينة بالتدريج،  فقد كانت "في الكورنيش حلقة من حلقات الفرجة التي بدأت تختفي شيئا فشيئا، ألعاب سحرية ورقصات غريبة تؤديها كلبة على نغمات قرد طبال"[xxiv]  دون أن تنتبه رواية واحدة لما يُبنى من معالم جديدة بالمدينة، ولما تشهده من توسع عمراني، وتزايد سكاني...

هذه أمثلة وغيرها كثير تفرض على الباحث عدة أسئلة حول سبب هذه الصورة السالبة عن علاقة مدينة آسفي بالبحر، وكره أبناء المدينة لمدينتهم، وشغفهم بجلد الذات والقصد في تغييب فضل البحر على مدينة يجمعها به عشق أبدي...

يتبع ......

 

ذ. الكيبر الداديسي

.........................

[i] – محمد سعيد الرجراجي: الهاربة، ط1 مطبعة الأندلس، الدار البيضاء 1973

[ii] – خبز سمك حشيش،  ص5

[iii] – محمد أفار: درب كناوة، ص284

[iv]  ياسين كني: سيرة صمت، ص96

[v] - محمد أفار: درب كناوة ص284

[vi]-المرحع نفسه،  ص287

[vii]  – محمد عبد المنعم الحميري: الروض المعطار في خبر الأقطار ص57

[viii] - محمد افار: درب كناوة، ص107

[ix] – عبد الرحيم لحبيبي: خبز سمك وحشيش، ص5/6

[x]–المرحع نفسه،   ص6

[xi] ياسين كني: سيرة صمت ص96

[xii]المرحع نفسه،   ص96

[xiii] عبد الله إكرامن: السيد "س"  ص110

[xiv] – محمد أفار: درب كناوة، ص243

28  – المرحع نفسه،   ص244

29 – محمد أفار: درب كناوة، ص 244

[xvii]  -  عبد الرحمان الفائز:النادل والصحف، ص53

[xviii]  سيرة صمت ، ص27

[xix] ياسين كني: سيرة صمت،ص 102

[xx] رواية لحسن رياض فائزة بجائزة اتحاد كتاب المغرب الأدباء الشباب 1997

[xxi] حسن رياض: أوراق عبرية، ص7

[xxii]- ياسين كني:  سيرة صمت ص 97

[xxiii] – عبد الرحيم لحبيبي: تغريبة العبدي ، ص5

[xxiv] -  ياسين كني: سيرة صمت، ص 70

 

 

حميد الحريزي(نتيجة الحروب خَلق اللصوص، ونتيجة السلام قتلهم) جورج هربرت

صرخة بوجه الحرب  يجسدها بطل لاجذر له في الواقع

العنوان:

عنوان الرواية يتكون من المضاف والمضاف إليه (وكر السلمان)، فالوكر غالباً ما يشير إلى مكان للمنوع أو المحظور من قبل السلطات الحوكمية أوالسلطات الأجتماعية السائدة، كالأوكار السرية للأحزاب المحظورة من قبل السلطات، أو أوكار العصابات بمختلف توجهاتها، وبذلك يعطينا المؤلف إشارة أولية بثيمة الرواية وموضوعها الذي يكون الوكر هو بؤرة الحدث..

(نقرة السلمان) وهو السجن الشهير والرهيب الذي أسسه الأنكليز في منخفض وسط  صحراء السماوة المترامية الأطراف، ليضيف إلى الوكر المزيد من الدلالة الأجرامية، حيث كان معتقلاً لأحرار العراق من المعارضين للأنظمة الديكتاتوريةوالاستبدادية، وعلى وجه الخصوص السلطات البعثية  منذ  1963  وإلى 2003...

يستعرض الروائي بين ثنايا روايته مشاهد من الحياة الجامعية للطلبةالعراقيين عشية المحرقةالكبرى لقادسية صدام حيث اندلعت الحرب بين العراق وإيران وطبيعة العلاقات بين الطلبة والطالبات، قصة عشق وهيام (نعمان) أبن السماوة لتاجر ميسور الحال هجر السماوة وعاش في بغداد حتى وفاته، وما خلفه لولده من أملاك وعقارات ومحال تجارية في بغداد والسماوة، وعلاقته مع بقية الزملاء محمود غريمه في حب (سناء) الشابة الثرية باذخة الجمال، ورحمة الصديقة الحميمة لسناء، وكذلك هيام، توصيف شاعري جميل مشبع ببلاغة وخيال شاعر كما هو عنوان المؤلف... الذي كان كريماً ومتمكناً من توصيف أبرز مناطق بغداد  كشارع الرشيد وشارع النهر، والمتحف البغدادي، ساحة الرصافي شارع أبو نؤاس، مطعم دنانير في الكرادة، الأورزدي باك... من خلال جولات الحب والغرام برفقة حبيبته وخطيبته لاحقاً (سناء) صاحبة الجمال وأبنة الابهة والثراء.

توصيف جهات القتال:

يوصف المؤلف كوارث الحرب (قادسية صدام)، المجازر الجماعية المرتكبة من قبل الطرفين دون رحمة أو شفقة، في حرب همجية جهنمية بمثابة محرقة للشعبين العراقي والايراني واستنزاف ثرواتهم لمصلحة قوى خارجية وداخلية.

يؤكد خلال الكثير من المقولات في توصيف وتعريف قذارة الحروب وشرورها، الحروب لا متنصر فيها سوى الخراب والدمار، تفشي البطالة والفقر والجريمة والانحراف الاخلاقي والمعاناة الكبرى وعلى الاخص للشباب والنساء والاطفال.

من ضحايا الحرب كان (نعمان) الشاب خريج كلية الحقوق بتفوق، ابن العائلة الفاضلة والمسالمة التي تعيش في بحبوحة من العيش، (نعمان) يصاب في الجبهة بكسر في عظم الفخذ وإصابة عضوه الذكري مما  تطلب بتره، مما سبب له عوقاً دائمياً من خلال العرج وفقدان ذكورته، أي أن إحدى نتائج الحرب هي عملية الإخصاء العضوي للإنسان، ناهيك عن الإخصاء الفكري، فالذكورة والفحولة فقط للقائد الأوحد، الحرب قامعة لكل رغبات وغرائز الانسان المشروعة، كحب الحياة والجنس والمتعة والاستمتاع بالأكل والملبس والسكن...الخ .

هذا الإخصاء الاجباري لـ (نعمان) يولد عنده ردة فعل انتقامية من كل الناس وعلى وجه الخصوص من القادرين على الفعل رجالاً ونساءً...

وقد كرس كل قدراته العقلية وذكائه من أجل سلب حياة أقرب المقربين إليه من الاصدقاء وحتى الاقرباء وحتى حبيبته وخطيبته الفاتنة (سناء)، حيث يكون الوكر هو محل تنفيذ جرائمه وهو عبارة عن كهف في مكان بعيداً عن الانظار قريباً من مدينة السلمان ومحل سكن نعمان.

((قطع على نفسه عهدا أن يجعل هذا الوكر قبرا لكل اصدقائه ولا يستثني أحدا منهم)) ر ص132.

الجريمة ودوافع الاجرام:

الروائي ولكونه محامياً يطرح أكثر من نظرية لتفسير الجريمة والاجرام الذي يرتكبه الاشخاص والجماعات سواء كانوا أفرادا عاديين أو حكاماً، ومنه أن المجرم يتميز بشكل معين وعلامات خلقية تدل على أنه مجرم وهذه نظرية تم دحضها من قبل الكثير من علماء النفس والاجتماع.

وهناك من يرى أنَّ الجريمة ناتجة عن البيئة الأسرية التي يحياها الفرد في عائلة مفككة عديمة القيم، تتميز بعدم ال

ألألتزام الأخلاقي والتعامل بعنف فيما بين أفرادها أو بين أفرادها وبقية أفراد المجتمع المحيط، فينشأ الفرد في بيئة منحرفة لتكون مثاله، لكن هناك الكثير من الشواهد تشير إلى وجود أشخاص تمكنوا من الإفلات من قيم وسلوكيات عوائلهم، فتميزوا بالأستقامة والفضيلة إن توفرت لهم فرص الخلاص.

وهناك من يرى أنَّ الفقر والحرمان والفوارق الطبقية الجادة بين أفراد المجتمع تؤدي بالبعض إلى سلوك طريق الأجرام والأنتقام والسرقة لتحقيق رغباته وسد متطلباته وتلبية شهواته، ولكن أيضاًهناك آخرين يكون تمردهم تمرداً إبداعياً يسكن طريق الكفاح والنضال الأيجابي لتحقيق العدالة في المجتمع والدفاع عن حقوقه وحقوق غيره من المحرومين ومثالهم الثوار المنادون للعدل والحرية والمساواة.

وهناك من يرى أنَّ الجريمة مغروسة في جينات الفرد المجرم وهو غير مخير في وجوب ممارسة الفعل الاجرامي، وأن الفعل الأجرامي قد يكون موروثاً من قبل الآباء أو الأجداد، وهذه فرضية تم دحضها من قبل علماء الهندسة الوراثية والجينية.

أما النموذج في رواية (وكر السلمان) (نعمان) لا ينتمي إلى أية فئة من الفئات المذكورة.

فهو يعيش في وسط عائلي منسجم ومتعاون ومترف، يؤمن بقيم الحب والسلام وفعل الخير ((دارهم ترفل بالهدوء والسلام والطمأنينة، ونعمان يتربع على قمة حب الأهل)) ص25 وهذا واضح جداً في توصية والده له للحفاظ على القيم الفاضلة والسمعة الطيبة للعائلة، وما أكدته له والدته وطلبت منه أن لا ينسى هذه الوصية.

يملك المال والوسامة، القبول والمحبة بين الناس، مثقف وشاعر مرهف ومميز، كل هذه العوامل تقف بالضد من سلوكه الاجرامي.

وإذا أراد أن ينتقم فكان الأجدر به أن ينتقم من السلطة الحاكمة التي أشعلت نيران الحرب وسببت ما سببته له ولغيره من العراقيين من مختلف أنواع العوق والموت والانكسار، لا أن يوجه عدوانيته صوب من كانوا من محبيه ومن بذلوا الكثير لرعايته ومساعدته، مما يدفع المتلقي إلى الاستغراب لفقدان المعادل الموضوعي في حبكة الرواية، حيث يقدم لنا الروائي شخصية رئيسة محورية في السرد الروائي لا تمتلك مقومات وجودها وتفتقد للأسباب الموجبة والدافعة لسلوكيتها/ فالخالق الروائي  لايمكن أن يخلق  مخلوقه  من العدم .

2399 وكر السلمان

حبكة الرواية والمعادل الموضوعي:

نرى أن الروائي لم يكن موفقاً في محاولته لتقديم شخصية غير تقليدية أو غير متداولة في السرد الروائي للرواية التي تعنى بالجريمة والمجرمين، بل استعار رداء العجائبية والغرائبية ليلبسه شخصية واقعية، وقد أكد عجزه عن تفسير وتبرير سلوكيات شخصيته حينما حولها إلى شبح هائم في صحراء لا متناهية، ولم يجعله يقف في قفص الاتهام والعدالة التي ستدحض كل مبررات الفعل والأنحراف السلوكي لـ (نعمان) الذي كان من المفترض أن تتطاير أشلاؤه خلال عملية تفخيخ الوكر حيث تلبسه الشر والانتقام من كل من يعرفه حتى لا يضطر أن يكشف عن حقيقة فقدانه لذكورته، وهو وضع هو ليس فاعله وليس  نقصاً ولادياً، بل هووصمة عار بوجه السلطات وليس في وجه الضحية.

التاريخ لم يروِ لنا مثل هذه السلوكيات من قبل خصيان خلفاء آل عثمان على الرغم من كثرتهم في قصور الخلافة ومعاناتهم كعبيد في قصر السلطان، فقد كانت لهم أفعال انتقامية ضد الخلفاء وليس ضد من أحبهم أو ضد رفاقهم.

الروائي الشاعر شلال عنوز يدخل ثيمة جديدة في فضاء السرد الروائي النجفي، البحث في معنى الجريمة وأسباب الأجرام كانعكاس لحروب الديكتاتورية، ونشر الثقافة القانونية التي ضمنها الرواية من خلال ثقافته القانونية وممارسته مهنة المحاماة، بمعنى عدم الأكتفاء بتوصيف المعارك  والضحايا، وإنما انعكاساتها على ضحاياها من حيث الحالة النفسية والسلوكية تبعاً لنوع الضرر الذي لحق به من جراء الحرب،فالرواية صرخة عالية بوجه الحروب مهما كانت أسبابها ومسبباتها.

* الشك في تصرفات (نعمان) وعلاقته باختفاء سناء، وقبلها عدم متابعته لأختفائها والمماطلة سابقاً في الزواج منها، لم يكن دافعاً ومحفزاً للأدعاء العام (هيام) لطلب معلومات حول إصابته في جبهة القتال، والشكوك باحتمال إصابته بإصابة غير كسر الفخذ مما سبب له العرج، فلا يمكن أن يذهب الشك والحدس بفقدانه لذكورته، كان يفترض لتكون الحبكة أكثر احكاماً أن يجد تخريجة أخرى يكشف فيها أو يلمح عن هذا العوق، كأن تبدر منه كلمة أو كشف سر لصديق أو صديقة في حالات الصحو أو السكر لتصل إلى علم الادعاء العام، مما يحفزه لطلب المعلومات من مستشفى البصرة العسكري؟!

ومن غير المقنع أن توافق (سناء) بمرافقة (نعمان) وبسرية تامة إلى السلمان من دون علم أهلها، حيث طلب منها التكتم على السفرة والطلب من سائق السيارة الخاص بها بالانصراف وعدم المجيء لإعادتها لدارها، فالسفرة غير مبررة وغير مقنعة... ناهيك عن تصرفات نعمان المريبة وإرغامها على مرافقته عبر طريق مقفر ليلاً لاطلاعها على الأثريات القديمة!

وقد كان من الممكن أرتكاب جريمته في دارها لخلوها من الأهل أو في أية منطقة مهجورة في بغداد، وكأن  الوكر هو أحد بواعث الجريمة في  نفس نعمان.

وكذلك هو الحال بالنسبة لمقتل ناظم ومقتل صديقه ناصر، حيث كان وحيداً في منزله بغياب زوجته وأطفاله عن البيت، ناهيك عن عدم وجود القناعة بتحضير حفرة عميقة بالتأكيد عمقها أكثر من مترين ليتعذر على ناصر الخروج من الحفرة (البئر)، مما استوجب أن يقيد يديه ورجليه حتى يسحبه نعمان خارج الحفرة ويتمكن من قتله؟! يلمس القاريء ان كل شخصيات الرواية  وعلى وجه الخصوص  ضحايا نعمان  اغبياء وسذج   وهو الذكي الوحيد بينهم !!!

من كل ما تقدم يلمس القارئ الناقد ناهيك عن الناقد الأدبي أنَّ هناك خللاً واضحاً من ضبط حبكة السرد الروائي للرواية وهو أمر مستغرب أن تجد كقارئ مثل هذه الثغرات في رواية استغرق الكاتب ما يقارب خمس سنوات في كتابتها (تاريخ كتابة الرواية 17-1-2015 – وانتهت في 16 -3- 2020) ص213 .

- في الوقت الذي يقدم فيه نعمان على قتل المقربين والأصدقاء حتى خطيبته يكتب وصية يوزع فيها ثروته عليهم بأريحية وكرم باذخ لا يصدر إلا من إنسان تقي نقي محب للخير ومؤمن بيوم الحساب والعقاب، وكيف أتيحت له فرصة كتابة الوصية قبل إلقاء القبض عليه؟

-  لا أدري هل أن الروائي كان يكتب كل ما يدور في مخيلته من أحداث دون أن يمسك بزمام السرد لإحكام حبكة الرواية دون أن يهتم بأسئلة المتلقي حول مسار وموضوعية الحدث وارتباطه بما قبله وما بعده؟ فالخالق يحسن به أن يتقن صناعة مخلوقه ...

الديكتاتورية الجهنمية قد تمكنت من بتر عضو نعمان الذكري وأخصائه،في حين بتر الروائي ضمير نعمان بشكل تعسفي غير مسبوق الا وهو قتله  الأصدقاء والمقربين .  فضمير نعمان يتوارى حينما  يدخل لوكره ولايصحو أل بعد أن يلفظ الضحية أنفاسه الأخيرة؟؟!!!

- القطة السوداء: خلق الروائي من القطة الحيوان الأليف رمزاً لأم نعمان مستجيباً لما يقال حول تقمص الأرواح لأجسام حيوانات أو طيور بعد موتها لتظل بالقرب ممن تحبهم، لكنها قطة سوداء بلون عباءة أم نعمان، وليس بلون قلبها الأبيض الطيب المسالم الحنون، وفي الوقت الذي كانت فيه القطة هي دليل الشرطة إلى الوكر للقبض على نعمان وهو أمر لا يمكن أن تفعله الأم بحق ولدها  لتقوده إلى حبل المشنقة نتيجة أفعاله الإجرامية التي كانت هي الشاهد الوحيد عليها، في حين تركته يهيم وحيداً في صحراء السماوة بعد أن فجر الوكر بمن فيه.

- يبدو لي أن الروائي لم يشأ أن يسرد لنا بقية الحكاية، ففي مثل هذه القضية لا يمكن لقوات الأمن بما تمتلك من امكانيات أن تترك المجرم يفلت من قبضتها، لتكون نهايته الموت جوعاً وعطشاً أو أن تفترسه ذئاب الصحراء، أو يموت بحبل المشنقة.

- إن شخصية نعمان ومسيرته وتحولاته السلوكية بطل الرواية بحاجة إلى الكثير لتكون مقنعة بالنسبة للمتلقي، فهل الروائي يجهل ذلك أم أنه أراد أن يضع هذه الشخصية الإشكالية أمام علماء النفس والأجتماع علهم يستطيعون تفسير وتبرير سلوكيتها  الأفتراضية الوهمية... طبعا  من حق  الروائي  أن يصنع خياله  مايشاء من الشخصيات ولكنه لايفترض به  أن ينفصل تماما عن الواقع  ألا في روايات الواقعية السحرية أو العجائبية.

- يمكن أنْ يتحول الإنسان إلى ضده في الفكر والفعل وهناك شواهد كثيرة على ذلك، لكن أنْ يتحول ناقماً على الآخرين ولا يمكن أنْ ينتقم من محبيه، وإذا كان دافع الأنانية المرضي يدفعه لقتل (سناء) حتى لا تكون في أحضان غيره بسبب فقدانه لذكورته فما هي دوافع قتله لأصدقائه المقربين وحتى محاولة قتل أقربائه.

- توصيف العراقي بازدواج الشخصية تعميم في كل زمان ومكان، وكأنها صفة جينية تتحكم في سلوكياته، وليست هي نتيجة للميوعة الطبقية في المجتمع العراقي وعدم انفصال الريف عن المدينة وعدم تخصص الفرد العراقي في مهنة أو عمل محدد، فمرة نجده فلاحاً ومرة عاملاً، مرة استاذاً جامعياً وأخرى سمسار عقارات أو سائق تكسي ووو، وكل ذلك ينعكس على شخصية الفرد وتتحكم في سلوكياته وتصرفاته.

- كنت أود أن تتوافق استنتاجاتي وتقييمي للرواية مع أغلب من كتب حول الروايةمن الزملاء النقاد أو هواة النقد، الذين أشادوا كثيراً بالرواية، وهم على حق في الكثير مما ذهبوا إليه ولكنهم للأسف لم يلتفتوا إلى الثغرات في الحبكة الروائية، فالنقد هو عملية تقويم وليس تقزيماً للروائي  لكي يرتقي إلى ما هو أكمل وأفضل في أعماله القادمة، وعدم ايهامه بأنه قد بلغ قمة الكمال والإبداع فيما يكتبونه حول منتجه الإبداعي...

- النقد يجب أن يكون موضوعياً فلا تجريح ولا مديح مجاني، بل إلقاء الضوء الكاشف لمواطن الإبداع والحبكة في النص موضوع النقد وعدم إغفال مواطن الضعف والركاكة.

الأهتمام بالرسالة الفكرية التي يبثها الروائي من خلال النص، ولفت النظر إلى مواطن الخلل والخطل الفكري ومواطن الواقعيةوالعلمية والصدق في المتن الروائي، وعدم الأكتفاء بتوصيف الشكل وإهمال المضمون، فالرواية مدرسة وتجربة حياتية يمكن أن تؤثر على عقلية وسلوكيات ومواقف أجيال وليس جيل واحد من القراء.

يمتلك الروائي كفاءة كبيرة ومشهودة في سرد ممتع  مشبع بشعرية عالية، ولغة ثرية  انما تدل على امتلاك الكاتب لثروة لغوية غنية  واعتباره شاعرا أضاف للسرد متعة الشعر الجميل المعبر .

 

بقلم: الناقد حميد الحريزي

 

 

صالح الرزوقماذا يمكن أن تقدم لنا مجموعة قصص في عام 2021؟.

هذا أول سؤال واجهني وأنا أقرأ “نزلاء المنام” لأمان السيد. كانت القصص كلها تراوح بين قصيرة جدا وومضة، وهو شيء معروف منذ أيام الماركيز دو ساد (1740 - 1814) وروبرت لويس ستيفنسون (1850 - 1894). وكان يحمل اسم “Fragment” . ولكن تطور لاحقا على يد تشيخوف وكافكا، قبل أن يصل إلينا بالطريقة التي اشتهر بها يوسف إدريس ابتداء من عمله المبكر “أرخص ليالي/ 1954” وما بعد. وكان في كل الأحوال يصور موقفا من الحياة، وينتهي نهاية غامضة ومفتوحة، ويترك بقية المهمة لذكاء وفطنة القارئ. وقد حاولت أمان السيد أن تسير بهذا الاتجاه، لكن مع بعض الاجتهادات التي آتت أكلها.

أولا. حولت الموقف من الحياة إلى فكرة. بمعنى أنها تخلت عن مواجهة ذات الكاتب مع ذات المجتمع، وآخت بينهما، أو ساوت بين المتناقضات. وفي سبيل هذه الغاية حرمت الواقع من تفاصيله، وجردت الشخصيات من صورها. لقد كانت الشخصيات تتحمل أعباء واقعها بالاندماج معه ومشاركته في أسباب الشقاء والفرح كما لو أنهما وجهان لعملة واحدة. أو كما قال وديع سعادة في كلمة على الغلاف الأخير: “إنها تبحث عن قصة وراء كل قصة”. وأفهم من هذه العبارة أنها تكتب ما بين السطور، حيث لكل كلمة ظل، ولكل جملة معنى تسمع صوته ولكن لا تقرأه.

ثانيا. ألزمت شخصياتها بعزلة قسرية، فقد وضعت العراقيل أمام أبطال القصص ومحبة الحياة. وأصبحت حياتهم قاسية، إما لأنهم في الغربة (انظر قصة: سبورت كلاب - ص 24). أو بسبب القهر السياسي وربما الاجتماعي (قصة الجثة - ص15)، إن لم يكن بسبب قسوة الطبيعة وندرة الموارد. وأمام هذا الظرف توجب على كل شخصية أن تعتزل الاندماج مع الآخرين. وتوارت الوحدات السردية في مربعات محاصرة بجدران عازلة أو بزجاج شفاف. وهذا لم يسمح للشخصيات إلا بالمشاهدة أو المشاركة السلبية. ولذلك يجب أن لا تستغرب إذا اختارت موقف النأي بالنفس (إن أحسنت الظن بها) أو الممانعة والإنكار. والمثال على ذلك قصة “تعويذات”. وهي إدانة لسياسة المدينة التي يحكمها شخص “يشبه الإله” على حد تعبير إحدى البنات الصغيرات (ص23). أو قصة “اللجوء قبل الأخير” التي تحمل للقارئ رسالة غامضة تدين بها الواقع جملة وتفصيلا، وفي نفس الوقت تتغزل بكل ما تكره وترفض. مثلا تشبيه الحياة المشرقة والجميلة بالبالوعات (ص115). باعتبار أن كلاهما نافذة للخلاص (115)، وهكذا... 

1886 كتاب امانثالثا. استعملت تقنية الأصوات المعروفة بطريقة معدلة. فقد جزأت صوتها بنسب متفاوتة بين شخصيات متشابهة، أو بين العاقل وغير العاقل.  وهذا أسلوب جديد أضيفه لرصيد السردية المضادة، ومن أحدث أمثلته رواية سنان أنطون (فهرس)، حيث يكون الحوار بين المتضادات: مثلا جذع شجرة وحطاب. وبهذا الخصوص أعتقد أن ذاكرة ما بعد الحداثة لم تقفز من فوق جدار الزمن لتتنبأ بحالة سردية مستقبلية (على غرار استقراء أورويل للشموليات في روايته: 1984)، وإنما قفزت بها للوراء لتعيد النظر بدروس وعبر الماضي كما هي حالة فلاديمير سوروكين في عمل، أنسبه لجو الدايستوبيا، وهو روايته المعروفة: يوم من حياة أوبريشنيك - وموضوعها أيام إيفان الرهيب - القيصر الدموي وجزار موسكو. وبها استفاد من شمولية الماضي ليحذرنا من السقوط في شموليات ودكتاتوريات حديثة. وفي سبيل هذه الغاية عمد لتركيب جو قروسطي مظلم، غامض، غير معقول، تلعب به الظلال والأشباح دورا موازيا للإنسان. وأعتقد أن هذا هو خيار أمان السيد. وحتى لا نحمل قصصها البسيطة أكثر مما تحتمل، يمكن أن تقول إنها دمجت الإنسان وعالمه، وحولت الإحساس لحبكة، والأفعال لمجرد انطباعات عن عالم غائب عن أعيننا. لقد وضعت الإنسان في عالم شرير ومسحور، يتحول فيه البشر لحجارة أو لسفن مثل صرصار كافكا (قصة وصية الجسد - ص29). ولكن إذا انتقل الإنسان عند كافكا لصرصار فعلا، وانتهت القضية، كانت سفينة أمان السيد تتماهى مع بطلة قصتها، ولا تعرف من يحمل من، السفينة أم المرأة. فقد كانت بطلة القصة تجر جسدها الذي تحول إلى سفينة ضخمة (ص30). فقط لتضاعف من رحلتها مع الشقاء والمخاطر.

 بقيت نقطة أخيرة بغاية الأهمية. وهي مشكلة لها علاقة بالتجنيس أو الجندر. مثلما كانت النصوص طيفا عريضا من الكتابات دون أي انتماء لنوع شرعي له أصول وتقاليد مستقرة، كذلك هي الشخصيات، يصعب أن تحدد هوياتها. هل هي من الذكور أو الإناث. وهل هي أساسا شخصيات أم أفكار هيولية ؟؟!!.. وكذلك بالنسبة لقاموس أو مفردات التعبير. فهي من اللغة الفصحى الثقيلة أو من بين اللهجات العامية دون أن تدخل في مرحلة الكلام الثالث، ما اصطلحنا على تسميته العامية الفصيحة، وتخللها حمولة ملحوظة من المفردات الوجودية التي لا تعيدنا لسارتر ولا رفيقة دربه دوبوفوار، ولا لصديقه اللدود كامو، بل لنوع هو نسيج وحده، وأقصد الأمريكي هنري ميلر الذي لم يترك كلمة من لوائح التابو دون أن يستعملها: ابتداء من القيء والفرج والبصاق وحتى النفايات البشرية بكل أنواعها. وقد تغلبت هذه القصص، على هذا الجزء الأسود من المضمون، بالتعابير المجازية التي تستعمل المفاهيم وليس الإشارات. وكانت تقفز من فكرة إلى فكرة بلا أدوات تشبيه وبجمل طويلة ومتشعبة. وبهذه المناسبة لا بد من التنويه أن اللغة كانت مجازية فقط وليست شعرية. بمعنى أنها راوحت عند حدود شبكة من العلاقات غير الطبيعية. وأضفت نوعا من الغموض والتردد على ترتيب المفردات، دون أن تخرج من إطار معاناتها مع عاطفتها المضطربة. وإن كان لا بد من تصنيف لهذا الأسلوب: لا يسعني إلا أن أضعه في ما يمكن أن أسميه “الوسائط المتعددة”، وهو اسم مستعار من التكنولوجيا الحديثة. وفيه يخترق إطار كل قصة عدة أساليب لكل منها مستوياته وخصائصه، حتى تتحول القصة الواحدة لشجرة من الأفكار والحكايات.

 

د. صالح الرزوق

....................

*صدرت المجموعة عام 2019 عن دار جروس برس ناشرون (طرابلس لبنان/سيدني) في 120 ص. وبغلاف للفنانة التشكيلية عتاب حريب.

 

 

شهد الادب السردي تطوراً نوعياً في اشكال الادب المطروحة  على الساحة الثقافية والادبية . من خلال تطوره بالتقنيات الحديثة، التي تعمقت باساليبها واتجاهاتها في الفنجمعة عبد الله الروائي المعاصر، ودفعته الى نقلة نوعية، اخذت تزاحم مقولة (الشعر ديوان العرب) بما يحمل  الخطاب الروائي من مؤهلات المنافسة والتزاحم الابداعي. في الشكل والمضمون، في اشكاله وتوجهاته المتنوعة. بما يعطي التعبير اللغوي في بنية السرد الروائي الركن المهم داخل المعمارية الروائية، تعطيه  مساحات واسعة في التناول والطرح، فالتقنية  الاسلوب اللغوي واسلوب السرد وتقنياته المختلفة عامل مهم في الفن الروائي الحديث. ومدى تناوله قضايا حساسة   في الواقع الاجتماعي في مدى علاقته وارتباطه  في المفردات  الدالة في جملة ابعادها، في البعد المادي والمعنوي  والسايكولجي والايديولوجي،  والبعد في صياغة وخلق الحدث في المتن الروائي  بتنوعاته  وتحولاته وتناقلات في البنية الواقع  الاجتماعي، وما يصدر من  توجهات وسلوكيات  من  عقليتها الفكرية . والحركة النقدية ترصد منصات وعتبات عديدة في جوانب  النصوص ومن زوايا مختلفة، وينشغل الناقد  في اكتشافاتها لتسليط الضوء عليها . اضافة الى كشف البنية اللغوية والفكرية داخل النص الروائي . ووظيفة الناقد المبدع في مهنته النقدية، ان يكتشف دواخل النص ومكوناته الداخلية والخارجية . في التقييم الموضوعي في ذائقة التذوق والوضوح، في جوانب الحدث السردي بمظاهره المختلفة . ان ينشغل في عملية الكشف شكل الخطاب اللغوي  وتقنياته . في  المضامين البارزة  في داخل النص. أن الناقد في ممارساته النقدية، يضيء جوانب عديدة من الاكتشافات، في مدى قربها أو بعدها عن الابداع والفن الروائي، ومدى ارتباطها  أو بعدها عن الواقع، ومدى براعتها في توظيف اتجاهات التناص في جوانب  الحبكة السردية  . والناقد الدكتور (وليد العرفي) يملك مؤهلات معرفية واسعة في اشكال الادب، من خلال الممارسة والخبرة والكفاءة باعوامها  الطويلة في مجالات النقد واشكال الادب الاخرى،  في اهتمامه البارع في  دراساته وابحاثه النقدية . ويأتي هذا الكتاب النقدي (تقنية الخطاب اللغوي في القصة والرواية) هي حصيلة دراسات نقدية رصينة، سجلت اكتشافاتها  لمجموعات روائية وقصصية من  الادب السوري . يسلط الضوء على جوانب عديدة في تحليلاته  النقدية المتنوعة، منها في الشأن اللغوي ومعماريته وتقنياته داخل النص، وتقنيات الاحداث السردية وافعالها وحركتها، وسلوكية رؤيتها الفكرية في اتجاهاتها المختلفة  . ومدى تفاعل الشخصيات في الحدث الروائي، بأعتبار الشخصية هي العمود الفقري في البنية الروائية، في التحولات والتنقلات  . ان هذه الروايات والقصص المختارة  بمجهر نقدي يمتلك البراعة،في تسلط الضوء الكاشف  داخل النص . في التحليل والتشخيص والتفسير، في العمق اللغوي والدلالات الفكرية في المعنى والمضمون . وتعمقها وتطورها داخل الفضاء الروائي . تناولها بجهد موضوعي  وبالرصانة النقدية الهادفة . ومن خلالها يكتشف القارئ مدى  الجهد المبذول في تناول النصوص وتفكيك شفراتها الدالة، في براعة خبرة الناقد في اكتشاف المناطق الظاهرة والباطنة داخل النص . ويكتشف من خلالها  ايضاً أهمية النقد الجاد ووظيفته النقدية في تناول النصوص  الروائية والقصصية. ان تناولها  ليس بالعمل السهل، وانما يحتاج خبرة وممارسة وكفاءة ومعرفة في جوانب اشكال الادب  واتجاهاته، وكتاب الدكتور (وليد العرفي) يمثل حصيلة رائعة من الجهد والتوظيف والانشغال في الدراسات النقدية . لذلك الكتاب النقدي يستحق القراءة والمتابعة، بما يملك الناقد من ابداع في الخطاب النقدي برصانة هادفة .

 

 جمعة عبدالله

 

 

كثيرا ما يفاجئني الصديق الصحفي وصاحب (دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر) عبد النبي الشراط بدعمه لتوجهات غير منتظرة، وإطلاقه لبرامج ومشاريع أصيلة مخالفة للمألوف أو تسير بخلاف الاتجاه السائد؛ وقد يظن المرء أول وهلة أن عمله ذاك يخالف منطق الأشياء وصيرورتها، ولكنه يكتشف سريعا حس الرجل الصادق وقدرته على إمالة كفة غير المألوف، أو غير المتوقع، في اتجاه ما هو عين الصواب. فلربما اكتنف غيرَ السائد لحظة غبار النسيان أو التناسي أو ربما التعتيم تحت ضغوط التعود، أو ضغوط آليات التحكم في توجهات الرأي العام عن طريق المفروض أو الممنوع، غير أنه سيظهر حتما حينما يجد من ينتبه إليه. وقد فاجأني هذه المرة حين أهداني مجموعة من الكتب التي تطوع بطباعة بعضها ونشرها على نفقة (دار الوطن) التي يملكها ويديرها؛ وتدور ثلاثة من هذه الكتب حول القصيد العربي العمودي التقليدي مع العناية بقصيدة عروبية مطولة عنوانها (رائية العرب) موضوعها التأسي لآلام العراق الشقيق. ولكن هذه الكتب الثلاثة وإن كانت توحي بالدوران في فلك الشعر العتيق في زمننا الذي يبتعد تدريجيا عن الشعر، أو تدور في فلك المطولات الشعرية (371 بيتا) في زمن السرعة وشعر الهايكو، فإنها في الحقيقة لا تكتفي بذلك؛ فرغم دوران هذه الكتب الثلاثة في فلك هذا العالم التراثي العربي الكلاسيكي فإنها ليست بعيدة عن العالم المفضل لدى هذا الصحفي المثقف والناشر، أي عن الواقع الدولي الراهن وعن عالم السياسة الطافح بالتدافع والنزاعات والآلام.

2389 رائية العرب

إن عنوان (رائية العرب)، وعنوانها الثاني (قصيدة وطن)، تستمد جزءا من تسميتها من قاموس تراثي عربي يحيلنا على قصائد كان لها وقع وتاريخ وقيمة، وإلى شعراء كبار قدماء مثل (لامية العرب) للشنفرى الجاهلي، و(لامية العجم) للطغرائي و(لامية الحِكَم) لابن الوردي و(لامية القضاء والأحكام الشرعية) للزقاق و(لامية الأفعال) لابن مالك... بالإضافة إلى رائية عمر ابن أبي ربيعة وميمية البوصيري ودالية أبي العلاء المعري واللائحة الشعرية التراثية طويلة بأسماء هذه الروائع المشهورة التي شغلت الأجيال واكتُفيَ أحيانا للدلالة عليها بذكر حرف رويها. إن نسبة كل واحدة من هذه القصائد إلى حرف رويها هي بمثابة تعريف ما لا يحتاج إلى تعريف، أو فقط بمثابة إشارة إلى علامة بارزة في الشعر المنظوم على ذلك الروي في مختلف العصور... ولا بأس أن تنظم الأجيال الحاضرة علامة من العلامات الجديدة التي تضاف إلى ذاكرة ديوان العرب.

ولا تقتصر الأواصر بين (رائية العرب) وهذه القصائد على الجوانب الشكلية المشار أليها وحدها، ولكن في الإمكان تلمس علاقات أخرى نجمع بينها، لاسيما مع (لامية العرب) للشنفرى التي يمكن اعتبارها بطريقة ما قصيدة سياسية لاحتوائها على احتجاج شديد على نظام القبيلة الجاهلية وتمركزه في بعض الأيدي وقسوته على الآخرين، مما أسفر عن ظاهرة الخروج على القبيلة، وأدى إلى ظهور طائفة الصعاليك الرافضين لظلم بني أمّهم :

أَقِيمُـوا بَنِـي أُمِّـي صُـدُورَ مَطِيِّـكُمْ               فَإنِّـي إلى قَـوْمٍ سِـوَاكُمْ لَأَمْيَـلُ

فَقَدْ حُمَّتِ الحَاجَاتُ وَاللَّيْـلُ مُقْمِـرٌ                وَشُـدَّتْ لِطِيّـاتٍ مَطَايَـا وَأرْحُلُ

وفي الأَرْضِ مَنْـأَى لِلْكَرِيـمِ عَنِ الأَذَى                   وَفِيهَا لِمَنْ خَافَ القِلَـى مُتَعَـزَّلُ

لَعَمْـرُكَ مَا بِالأَرْضِ ضِيـقٌ على امْرِىءٍ                سَرَى رَاغِبَـاً أَوْ رَاهِبَـاً وَهْوَ يَعْقِـلُ

وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُـون: سِيـدٌ عَمَلَّـسٌ                وَأَرْقَطُ زُهْلُـولٌ وَعَرْفَـاءُ جَيْـأَلُ

هُـمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّـرِّ ذَائِـعٌ               لَدَيْهِمْ وَلاَ الجَانِي بِمَا جَرَّ يُخْـذَلُ

ولكن موضوع (رائية العرب) ليس الاحتجاج على القبيلة ولا هروبا منها أو دعوة إلى الاستئناس بوحوش الفلاة والطمأنينة إليها، ولكنها صرخة موضوعها حب الوطن وإعلان التشبث الشديد به، وهي أيضا صرخة ألم ممزقة على شفاه مائة شاعر وتسعة وثلاثين شاعرا (139) ينتمون إلى كل أقطار الوطن العربي من الماء إلى الماء، وبعضهم ينتمون إلى نفس الوطن، ولكن ظروف الشتات دفعت بهم إلى خارج المائين وبقيت قلوبهم أسيرة بلادهم. إن القصيدة بمعنى آخر صرخة من داخل القبيلة، على شفاه شعرائها الذين لا يُحصَون عددا، ناضحة بالألم على ما أصابها من شر، سواء من أبنائها العاقين أو من الغزاة الخارجيين الحاقدين. إنها مبادرة من شاعر مقيم في العراق (الدكتور صالح الطائي)، ودعوة وجهها إلى شعراء بلاده وإلى شعراء العالم العربي للمشاركة بأبيات من نظمهم في قصيدة واحدة فاستجابوا، وبادر لتلقي المشاركات وتنسيقها وتوحيد الرؤية فيها شاعر مهندس عراقي آخر مقيم في نيوزيلاندا (ضياء تريكو صكر)، ثم تلقفتها منهم (دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر) في المغرب وتكفلت بطباعتها وتوزيعها.

حين يتمعن القارئ الحصيف في كلمات (رائية العرب) يجد صدى ألفاظ كل واحد من الشعراء المشاركين ومعانيه منطلقة من أفواه كل الآخرين، وكأن قائلها شاعر واحد؛ كيف لا وكلهم متألم نفذ بين ضلوعه خنجر الغدر حتى بلغ شغاف القلب، كيف لا وكلهم متألم لما أصاب بلاد الرافدين من التقتيل والتدمير وبث الفتنة والتفرقة والتفقير والنهب... ولكنهم كلهم مفصح عن الأمل في ثورة الشعب المظلوم واكتساحه لمساحات القهر لإعادة التوازن إلى البلاد التي اختل فيها التوازن... وهي كلها مصائب تهدد كافة أقطار هذا الوطن الكبير المثخن من الماء إلى الماء. ألم يعبر أمير الشعراء أحمد شوقي، حين ضربت دمشق بقنابل الاستعمار الفرنسي (سنة 1926م)، عن نفس معنى وحدة هذا الوطن، ووحدة المآسي والألم فيه حين قال:

فُـتوق الـمُلك تَحدُث ثم تمضي     ...     ولا يـمـضـي لـمُـخـتلفين فَـتـقُ

نـصحت ونـحن مـختلفون دارا     ...     ولــكـن كـلـنا فــي الـهـم شــرق

إن موضوع (قصيدة وطن) هو بدون شك التعبير عن آلام يعانيها العراق عقب غزو التحالف الأمريكي وما خلفه من ويلات وإعاقات، ولكنها تترجم أيضا آلاما عانت وتعاني منها الأجيال المتعاقبة، كما عانى ويعاني منها المواطن في كل البلاد العربية... مما يمنحها عن حق صفة قصيدة العرب أو (رائية العرب) أجمعين مصداقا لعنوانها. إنها قصيدة احتجاج في وجه الظلم و جأر بآلام تنعش في الذاكرة آلام أجيال متلاحقة من هذا الشعب الطيب عبر عن مثيل لها شعراء عراقيون كبار سابقون، مثل محمد مهدي الجواهري الذي يقول في رائعة سياسية من روائعه يبث فيها همومه لنهر دجلة :

يا دجلةَ الخيرِ يا أطيـــافَ ساحرةٍ     يا خمرَ خابيةٍ في ظلِّ عُــــــرْجون

يا سكتةَ الموتِ يا إعصــارَ زوبعةٍ     يا خنجرَ الغدرِ، يا أغصان زيتون

أدري على ايِّ قيثارٍ قد انفـــجرت     اتغامُكِ السُمرُ عن أنَّـــــات محزون

تهزين من خصْبِ جنَّات مــنشَّرةٍ     على الضفاف ومن بؤس المـــــلايين

لعلَّ يوما عصوفا جارفـــا عرِما         آتٍ فتُرضيك عقبـــــــاه وترضيني

يغلب على قصيدة (رائية العرب)، منذ مطلعها الذي نظمه الشاعر (الدكتور صالح الطائي) صاحب مشروع القصيدة، شعور الغضب والرفض والنذير، ثم الأمل في الثورة المطهرة التي تعيد الأمل للبلاد كما تعيد البسمة لوجوه الناس:

حذار من الهدوء إذا تفشى      فعند الفجر قارعة تثور

وألف حذار من صبر التلظّي      هو البركان تحضنه الصخور

ففي النسمات إشعال اللّواظي     وإن الأمر يا هذا خطير

فبعد الليل تنتفض الحكايا      ويكشف وجه ملحمة سُـفور

وتورق كلّ أحلام الضحايا     ويبزغ رغم عمق الجرح نور

وهو معنى يتكرر في كل مفاصل النص من أوله إلى الآخر، أو يتكرر صداه بمائة لون عند الشعراء المائة والنيّف الذين شاركوا في إنتاج لحمة القصيدة وسداها :

نعم يا شعب إن الصبح آت    وليل الظلم مرتعه خطير

غدا نأتي بجيل بعد جيل    يفك القيد كي يحيا الأسير

غدا نبني عراقا يعرُبيّا     فقل يا ظالمي أين المصير ؟

ومع ذلك نجد في القصيدة أبياتا رقيقة مفعمة بحب هذا الوطن الجميل والتغني بخيراته وناسِه وتاريخه الحافل وأمجاده عبر العصور، لكن معظم هذه الأبيات المتغنية بالمحبة لا يخلو، هو بدوره، من التنديد بالظلم والحرمان الذي تعانيه الفئات البسيطة من الشعب الكادح :

ولدتَ مع الزمان فكنت ندا     له بملاحم أنت الجدير

رويت برافديك تراب أرض    فلانت من حضارتك الدهور

قضيت العمر أبحث عن ملاذ   عراق الخير في دمّي يمور

فأرضك جنة والنار فيها    ودجلة كوثر والنخل حور

وخيرك يغمر الآفاق منها     وشعبك جائع  فيها فقير

أيا وطنا بك التاريخ غنى     وصلّت بين نهريك الدهور

ويمكنك القول إجمالا إن قصيدة (رائية العرب) أنشودة رقيقة وحزينة ذات معان متكررة عبر عدد من الأجيال، يرن في أعماقها نفس إحساس الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب وهو يتغزل بجمال بلاده وتناقضاتها من وراء مياه الخليج، عندما يقول :

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر...

أو وعلى الخصوص حينما يقول مستشرفا غضبة الشعب ومندرا بها :

أَكَادُ أَسْمَعُ العِرَاقَ يذْخرُ الرعودْ

ويخزن البروق في السهولِ والجبالْ ،

حتى إذا ما فَضَّ عنها ختمَها الرِّجالْ

لم تترك الرياحُ من ثمودْ

في الوادِ من أثرْ .

ونعتقد في الختام أن القصيدة كانت موفقة تصورا وإنجازا، ولكننا نعتقد أن اشتراط ثلاثة أبيات لا غير على كل شاعر مشارك فيها، تفتح الباب بدون شك أمام أكبر عدد ممكن من الشعراء للمشاركة في هذا المشروع الأدبي والوطني المؤثر، ولكنه شرط كان يعوق الشعراء عن نظم المعاني المركبة التي تحتاج إلى الاستقصاء والتفصيل أو التحليل؛ لذلك تطغى على أبيات النص المعاني القصيرة والشعارات أحيانا، كما تطبعه بعض المعاني العمومية التي تتكرر باستمرار؛ وحبذا لو أتيح للشعراء المساهمة بأكثر من ثلاثة أبيات، إذن لطالت القصيدة أكثر على شاكلة عديد من المطولات والملاحم، ولتعددت وطالت وتكثفت فيها المعاني، ولتمكن الشعراء من الغوص في أحاسيسهم ومعانيهم بالتفصيل والوصف والحجاج.

 

الدكتور: رشيد بناني

باحث في الأدب والتراث، من المغرب فاس ـ المغرب

 

عبد الله الفيفيعن (ابن أبي الآفاق التراثي)، عن (ابن هشام الأنصاري، رحمه الله)، أنه قال في "شذور الذهب":

"ويجب حذف "كان" وحدها بعد "أمَّا" في نحو "أمَّا أنت ذا نفر" ويجوز حذفها مع اسمها بعد إنْ ولو الشَّرطيَّتين، وحذف نون مضارعها المجزوم، إلَّا قبل ساكن أو مضمر متَّصل."

ثمَّ قال (ابن هشام، نفسه، رحمه الله، أيضًا) في "شرح شذور الذهب":

"وأقول: هذه ثلاث مسائل مهمَّة تتعلق بكان بالنظر إلى الحذف: إحداها: (حذفها وجوبًا)، دون اسمها وخبرها، وذلك مشترط بخمسة أمور ؛ أحدها: أن تقع صلة لأن، والثاني: أن يدخل على أن حرف التعليل، الثالث: أن تتقدم العلة على المعلول، الرابع: أن يحذف الجار ، الخامس: أن يؤتى بما، كقولهم : "أمَّا أنت منطلقًا انطلقت"، وأصل هذا الكلام: انطلقت لأن كنت منطلقًا، أي: انطلقت لأجل انطلاقك، ثمَّ دخل هذا الكلام تغيير من وجوه؛ أحدها: تقديم العلة، وهي "لأن كنت منطلقًا"، على المعلول، وهي "انطلقت"، وفائدة ذلك الدلالة على الاختصاص، والثاني: حذف لام العلة، وفائدة ذلك الاختصار ، والثالث: حذف كان، وفائدته أيضًا الاختصار ، والرابع : انفصال الضمير ، وذلك لازم عن حذف كان، والخامس: وجوب زيادة "ما" وذلك لإرادة التعويض، والسادس: إدغام النون في الميم، وذلك لتقارب الحرفين مع سكون الأول وكونهما في كلمتين. ومن شواهد هذه المسألة قول العباس بن مرداس، رضي‌ الله‌ عنه:

أبا خراشة أمَّا أنت ذا نفرٍ                فإنَّ قومي لم تأكلهم الضَّبعُ." (1)

- هل فهمتم شيئًا؟

- لا!

- أحسنتم، وهذا هو المطلوب!  أذكرَني هذا بمدرِّسٍ للنحو، كان يغضب إنْ سألَنا: هل فهتم؟ فأجبنا: نعم!  كان يقول: "أولوا ما فهمتوش وخلاص!"

- لماذا يفعل هذا؟

- المطلوب عدم الفهم، وتلك سُنَّتهم منذ القِدَم؛ كي يستمر مسلسل الشروح والحواشي، والحاجة إليها وإليهم!  لكن ألا ترى أن المتن "شذور الذهب" كان أوضح من شرحه المفترض، مع أن المؤلِّف واحد؟!

- الحق أن المتن المشروح أوضح من شرحه!

- لأنه في المتن يصف الاستعمال، كما جاء عن العَرَب، على حين جعل يحاول في الشرح أن يُمنطق ذلك الاستعمال منطقةً عجيبةً، متكلَّفةً، ومتوهَّمة.  وكان بوسعه أن يقول إنَّ (كان) قد تُحذف بعد "إمَّا"، ويكتفي بذلك.  وأنا أتحدث هنا عن ابن هشام؛ لأنه موضع الشاهد، وإلَّا فهذا اللتُّ في كتب النحاة متوارث من قبله ومورَّث من بعده. وإنما هذا نموذج صارخ مما صنعوه باللغة العَرَبيَّة وبطلبتها؛ حين تَمنطقوا، فضاعوا وأضاعوا.

- ما الحكاية؟

- الحكاية حكاية طويلة عريضة.  ربما صدمهم (العباس بن مرداس، رضي‌ الله‌ عنه) بما لا يتفق مع قواعدهم، التي أقاموا الدنيا من أجلها ولم يُقْعِدوها، إذ قال: "أمَّا أنت ذا نفر".  فما الذي نصبَ "ذا" هذه؟ يا للهول!  لا بُدَّ من حل!

- ألهذه الدرجة كانوا واثقين أنه قال "ذا"، لا "ذو"؟  وكأنَّ الرواية جاءتهم مسجَّلة صوتيًّا!

- إنْ شاءوا، وثِقوا ووثَّقوا، وإذا بدا لهم بداءٌ، ضعَّفوا، وحكموا بالشذوذ، أو بالضرورة، ما وجدوا إليها سبيلًا.

- إنَّ صعوبة العَرَبيَّة، إذن، إنما صنعها لنا النحاة، من خلال تمنطقهم، وتنافسهم، وخلافهم، وصراعهم.  فأضحى جهدهم وبالًا على العَرَبيَّة، وإنْ كان في ظاهره لخدمتها.

- ثمَّ انظر، هنا، كيف أصرُّوا على أن حذف (كان) واجب؟  وكيف جعلوا "أمَّا" بدل "إمَّا"؟  وإنَّما العبارة، كما ينبغي لعَرَبي أن يقولها: "أبا خراشةَ، إمَّا أنتَ ذا نفرِ".  بل ربما كانت "أنتَ" في الأصل: "كُنتَ".  على أنه يجوز أن يقال: "إمَّا أنت ذا نفر"، و"إمَّا كنتَ ذا نفر".  لكنها حرفة النحوي حين لا يجد له حرفة!  ولقد صدق (عبَّاس حسن)(2) في نسبة هذه المسألة، التي استهلكت عقول النحويين، إلى محض التخيُّل؛ لأنَّ العَرَب، كما قال: "حين تكلموا بمثل هذا الأسلوب، لم يَدُر بخلدهم شيء من هذا الحذف، والتقدير، والتعليل، إنما نطقوا سليقةً وطبعًا، بغير اعتماد على تحويل وتأويل، أو مراعاة لقواعد المنطق، وغيره، مما لم يعرفوه في عصورهم السابقة على وضع القواعد النحوية."

- نعم، لم يَدُر...، لكن كلامه ينطوي على تسليم نظري بتعليل النحويين وتحليلهم.

- صدقتَ!  غير أن الأمر لم يكن يقتضي ذلك التخيُّل البعيد أصلًا.  ثمَّ ليت شِعري، أعندهم من الشواهد غير بيتهم اليتيم؟ وزعْم (سيبويه) أنَّ العَرَب تقول: "أمَّا أنت منطلقًا، انطلقتُ معك"، و"أمَّا زيدٌ ذاهبًا، ذهبتُ معه"؟(3) فإنْ صحَّ هذا، أمَّا كان يسعهم أن يَعدوها لهجة؛ فيريحوا ويستريحوا؟! ثمَّ كيف تُبنى قاعدة، تشغل حيِّزًا من كتب النحو على مَرِّ الدهور، ولا شاهد عليها، سِوَى بيتٍ روي شفويًّا، احتمالات الخطأ فيه والتصحيف واردة بلا حدود؟  ومن أين انتهت تلك الرواية إلى (سيبويه، -180هـ) وحده، فتأكَّد قطعًا من ذلك الحرف الفارق، وأن الشاعر قال "أَنتَ"، لا "كُنتَ"، وبينه والشاعر نحو قرن ونصف من السنين؟! أكاد أجزم أن الشاعر لم يقل البيت كما رووه، وإنما قال: "أبا خراشةَ، إمَّا كُنتَ ذا نفرٍ"، فجَعلَ جاعلٌ الهمزة فوق الألف بعد أن كانت تحته في "إمَّا"، وحوَّلَ "كُنتَ" إلى "أَنتَ"، واشتغلت عجلة النحاة على هذا الأساس أكثر من ألف عام. 

- ماذا عن ديوان الشاعر؟

- دعنا نذهب إلى ديوان (العباس بن مرداس السُّلَمي)!  الآن حصحص الحق! في ديوان الشاعر، بتحقيق (يحيى الجبوري)، تجد البيت كما توقَّعناه: "أبا خراشةَ، إمَّا كُنتَ ذا نفرٍ..."؛ فالبيت في الديوان لا شاهد فيه؛ لأن "كان" ثابتة، لم تُحذف. ولقد ذكر المحقق أن البيت واردٌ في اثنين وعشرين كتابًا من كتب التراث، في اللغة والنحو والأدب، منها ثمانية عشر كتابًا برواية "إمَّا كنتَ ذا نفرٍ"، أوَّلها معجم "العَين، (ضبع)"، لـ(الخليل، -173هـ)، أستاذ سيبويه، وهو راوية موثوق، وقد رواه بصورته الطبيعية: "إمَّا كنتَ".  ولم يرد برواية "أمَّا أنت ذا نفر" إلَّا في أربعة كتب، منها ثلاثة نحوية- طبعًا!- أوَّلها "الكتاب"، لـ(سيبويه)، والآخران متأخران- إنما نقلاه كما هو عن سيبويه، توارثًا للشواهد كزملائهم من النحاة- هما: كتاب (السيوطي)، "شرح شواهد المغني"، وكتاب (البغدادي)، "الخزانة". وأمَّا الرابع، فكتاب "المسلسل في غريب لغة العَرَب"، لـ(التميمي).(4)  وكذلك يفعلون؛ فلهم رواياتهم الغريبة، المنتقاة أو المصطنعة! 

- والله المستعان على ما ينتقون ويصطنعون!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفـَـيْـفي

...........................

(1) ابن هشام، (2004)، شرح شذور الذهب، عناية: محمد محيي الدين عبد الحميد، (القاهرة: دار الطلائع)، 215- 216.

(2) (1974)، النحو الوافي، (مصر: دار المعارف)، 1: 583. 

(3) انظر: (1988)، الكتاب، تحقيق وشرح: عبد السلام محمَّد هارون، (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 1: 293. 

(4) انظر: ابن مرداس، العبَّاس، (1991)، ديوان العباس بن مرداس السُّلَمي، تحقيق: يحيى الجبوري، (بيروت: مؤسسة الرسالة)، 106. 

 

محمد العباسيهل تصدقون أن الأطفال الصغار لا تشغلهم هموم المستقبل ولا تشغلهم هموم الحياة من مأكل ومشرب وتكاليف مادية ومتطلبات واحتياجات، رغم يقيننا أن كل تلك الهموم آتية لا محالة؟ بل يبدو من حيث المنطق والواقع أنهم يعيشون فترة أمان واستقرار نفسي ولا يشعرون بالحاجة للمنافسة ولا الغيرة من أقرانهم من الصغار، فهم جميعهم يعيشون في عالم الطفولة والبراءة والسكينة والرضى.. بل لا يعرف الطفل الفقير شيئاً عن الطفل الغني حتى يزوره في داره.. وقد يكتشف أن المنزل أكبر من داره وأكثر نظافة.. ويرى أن طفل العائلة المقتدرة يمتلك ألعاباً وحديقة وربما بركة سباحة.. ويرى زميله الصغير الأكثر حظاً لديه غرفة خاصة به وحده، وسرير وثير ودولاب ملابس يحوي الكثير من الخيارات.. ويسمع لأول مرة في حياته عن أنواع الطعام والأكلات السريعة التي قد يطلبها عبر اتصال هاتفي وكم المبالغ التي قد يصرفها هذا الزميل في عالم لم يكن ليحلم به الطفل الفقير في منزله.. وهنا فقط تحصل معجزة التحول من الرضى إلى نبذ الواقع.. ويتحول كل ما كان هذا الصغير الأقل حظاً يتمتع به من قبول وتقبل إلى عدم رضى وتذمر، بل وربما إلى كراهية أهله لعدم تمكنهم من توفير ما يحظى به الآخرين من متع الدنيا !

فالطفل الذي كان يستمتع بتغميس قطعة من الخبز في كأس من الشاي مع الحليب عند الإفطار أو للعشاء بات يعلم أن هنالك خيارات أخرى عديدة كانت خافية عنه.. والطفل الذي كان يأوي إلى فراش واحد مع بعض إخوته في غرفة مشتركة مع آخرين من أفراد أسرته بات يعلم بأن هنالك أطفال يمتلكون غرفهم الخاصة بهم.. والطالب الصغير الذي يضطر للسير إلى مدرسته البعيدة في الصيف والشتاء حاملاً حقيبته المدرسية الثقيلة قد اكتشف أن معه في المدرسة زملاء يتم توصيلهم إلى باب المدرسة بسيارات فارهة.. والمقارنات كثيرة ومتفرقة، وقليلون هم من تثير عندهم مثل هذه الفروق نزعات إيجابية نحو الجد والاجتهاد والتفكير في مستقبل منير للتعويض لاحقاً عما ينقصهم في الحياة.. لكن في الغالب قد تغلب أكثرهم مشاعر الدونية والغيرة والحسد وتدفع بهم نحو أمور سلبية تكبر معهم وتتحكم في مصائرهم وتقودهم إلى زوايا داكنة ومسالك نفسية غير سوية.

وقد نشرت هنا فيما سبق مقالاً بعنوان "المجرم الصغير" حول موضوع تأثير الفقر وسوء التربية والإهمال على التكوين النفسي للأطفال وتحولهم في سنوات المراهقة وما يليها إلى ممارسة سلوكيات سلبية تقودهم إلى العوالم السفلية من الانحراف واللصوصية والإجرام.. ولست هنا بصدد تكرار ذات القضية، بل أود أن أثير جوانب أخرى أكثر عملية لعلها تعزز بعض الإيجابية في النظرة المستقبلية للحياة لدى الصغار.

تقول الأستاذة "يسرى فيصل" في موقع (سيدتي) أن التفكير السلبي يعد من أهم عوامل الفشل الرئيسة عند الطفل كونه يتسبب في خفض التقدير الذاتي لديه، رغم أن كثير من الأمهات والآباء يكافحون من أجل تطبيق قواعد تربوية "سليمة" ليجعلوا من أبنائهم أطفالاً مثاليين يعتمدون على أنفسهم ويحسنون التصرف.. ولكن أحياناً يصبح نقص المعرفة أو ضغوط الحياة سبباً يخلق لنا شخصية سلبية لا تعرف التعامل مع المواقف.. فالنظرة الإيجابية تساعد الأطفال في التغلب على أي مشكلة تواجههم خاصة وأن النكسات الصغيرة قد تؤثر عليهم بشكل سلبي، ولكن يجب أن يفهموا أنها ليست نهاية كل شيء، فإذا كان الطفل منذ الصغر يفكر بإيجابية سيكون قادراً على حل المشكلات بسرعة ويتعلم أن ينظر إلى الجوانب المختلفة للحياة بإيجابية وانفتاح ووعي، فالإيجابية تعلم الأطفال المرونة والقدرة على التأقلم.

تبين الكثير من الدراسات أن من أهم الأسباب المؤثرة على اكتساب الصغار نظراتهم السلبية أو الإيجابية نحو الحياة هي في الأساس نابعة من الجو العائلي، ممن حولهم، من الآباء والأمهات، قبل انخراطهم في أجواء اللعب مع أقرانهم والتواجد في المدارس أو الحواري.. أي أن التربية تبدأ في البيت وتمتد لاحقاً في البيئة المحيطة.. فاللبنات الأولى يتم بنائها في حضن الأم وكنف الأب سواء كان بسبب الافراط في الدلال أو بسبب التعنيف والقسوة النابعة من الجهل في أساسيات التربية السليمة والناجعة.. وكثيرون هم ممن يتصورون بأن تربية الأطفال والأبناء يجب أن تكون بنفس الطريقة التي اتبعها معهم آباؤهم، أو في بعض الأحيان "بطريقة معاكسة" تماماً.. فإذا كانوا يكرهون الأسلوب الذي تربوا به، ألا ينبغي علينا جميعاً أن نكتشف بالضبط ما تقوله الدراسات والأبحاث ومن ثم نشرع في تربية أبنائنا بناءً عليها؟   كثيرة هي الأبحاث التي أُجريت على مدار الأعوام الخمسين الماضية التي تركز على مفهوم أن بعض طرق تربية الأطفال تأتي بنتائج أفضل من غيرها، من حيث إنها تؤدي إلى نمو علاقات أفضل بين الآباء والأبناء، وتُخرّج لنا أطفالًا سعداء وأصحاء وأكثر فاعلية.

ربما يعتقد البعض بأن الحب والعاطفة يؤديان بالضرورة إلى سعادة الأطفال والرضى الدائم رغماً عن نواقص الحياة أو جودتها المرجوة.. ويرى آخرون بأن التركيز على الجانب العاطفي قد يؤدي إلى الدلال المفرط والاعتماد التام على دور أولياء الأمور في حل المشاكل وتوفير أسباب الحماية مما قد يساهم في عدم اكتسابهم جل مفاهيم ومهارات التصرف السليم عند مواجهة التحديات.. ويذهب البعض إلى أن العلاقة الأسرية السليمة تشمل علاقة الأب مع الأم قبل علاقتهما بالأبناء.. فالعلاقة الإيجابية بين الآباء أنفسهم تنعكس على نظرة الأبناء للحياة، وتتكون لديهم مفاهيم الحياة الاجتماعية السليمة والمتكاملة بغض النظر عن وجود بعض المنغصات الأخرى.

كيف لنا في آخر الأمر من توفير البيئة الصحية والسوية أو المناسبة للصغار؟ ربما يكون الجانب المشرق في المسألة أن الآباء يمكن تدريبهم.. إذ تؤكد الدراسات الاجتماعية والنفسية بأن الآباء الذين حصلوا على دروس في التربية عادة يحرزون نتائج أفضل مع أبنائهم من الآباء الذين افتقروا لمثل هذا التدريب.. فيبدو أن المزيد من التدريب يؤدي إلى نتائج أفضل حيث يمكن لبرامج التدريب (مثل برنامج التربية الرشيدة المبنية على الأدلة، الذي قام بتطويره "دونالد أ. جوردون" من جامعة "أوهايو" الأمريكية) تحسين ممارسات التربية بالفعل.

وتقول الأستاذة "سماء عبيدات" في موقع (حياتك) أنه من الطبيعي أن الأطفال يتأثرون بسلوك آبائهم وأمهاتهم كثيراً، ويكتسبون العديد من المهارات والتصرفات منهم.. ومن خلال العديد من الأبحاث يفترض الباحثون أنه توجد روابط بين سلوك الآباء والأمهات وآثار هذه السلوكيات على الأطفال، وأنها تنتقل إلى سلوك البالغين، ولكن يمكن لبعض الأطفال الذين تربوا في بيئات مختلفة أن تتطور شخصياتهم لاحقاً لتصبح مشابهة لشخصيات آبائهم بشكل ملحوظ، وعلى العكس من ذلك أيضاً، فإن الأطفال الذين يشتركون في منزل واحد وتربوا في نفس البيئة، يمكن أن يكبروا ليكونوا شخصيات مختلفة للغاية كنتيجة حتمية طبيعية لروح المنافسة والفروق الفردية.

تبقى العائلة هي أول عالم اجتماعي يواجهه الطفل، والأسرة لها دور كبير في التنشئة الاجتماعية، ولكنها ليست الوحيدة في أداء هذا الدور.. فهنالك تأتي لاحقاً الحضانة والمدرسة ووسائل الإعلام والمؤسسات المختلفة التي تأخذ هذه الوظيفة من الأسرة؛ لذلك تعددت العوامل التي قد يكون لها دور كبير في التنشئة الاجتماعية سواء كانت عوامل داخلية أم خارجية.. هنالك عوامل اجتماعية أخرى كالثروة والحالة المادية وحتى مستوى التعليم مما تملك أقوى تأثير على أساليب تربية الأطفال وتستخدم من قبل والديهم حيث يكون الوعي أكثر نضوجاً نحو دورهم في التربية وكيف أنها من أهم المهام المنوطة بالوالدين وأخطرها.. مع كل ما فيها من صعوبات وتعقيدات ومشاكل وظروف متفاوتة.. إن مجموع العوامل الخارجية التي تحيط بالإنسان، والتي تؤثِر بشكل مباشر أو غير مباشر في تربية الصغار، تُسمى "المحيط".

وأهمّ هذه العوامل المحيطة التي تؤثر في الناشئة وكل من لهم التأثير على نمو المفاهيم لدى الصغار قد تشمل الدين ودور العبادة والأسرة والعلاقة الأسرية بين كافة الأفراد بشكل جماعي أو فردي، والمستوى الثقافي أو التعليمي ونوعية الصحبة من رفاق وأقران، والجو المدرسي بشكل عام، بل وحتى وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والوضع السياسي والاقتصادي والثقافي للمجتمع المحيط بالأطفال !

ولا شك أن هنالك عوامل أخرى قد تلعب دوراً في ترسيخ مفاهيم سلبية لدى الصغار بسبب إصرار بعض الآباء على ممارسة أساليب تربوية غير مناسبة.. إما بسبب ما تربوا هم عليها ويظنونها هي الأنسب أو لأنهم يعتقدون أنها لم تكن مناسبة ويحاولون القيام بعكسها تماماً.. فالحماية الزائدة والتدليل وتوفير كل متطلبات الحياة والحرية التامة قد تأتي بنتائج عكسية على المدى البعيد.. وكذلك بعض أساليب المعاقبة والحرمان والتسلط والتناقض في الأقوال والأفعال والتذبذب في المعاملة، فكلها تؤدي إلى نمو مشاعر غير واضحة المعالم وبالتالي تؤدي إلى تفاوت وتناقض ردود الأفعال.

ربما يكمن ملخص القول هنا أن كل طفل منذ نعومة أظفاره يكون معرضاً لشتى أشكال المؤثرات المحيطة به وكلها تترك عليه بصمات.. ومن البديهي أيضاً أن العملية ليست بهذه السهولة والوضوح لنضع أصابعنا بكل يقين على مواطن الخلل.. ويبقى الطفل بيننا يتحمل كل ما ندلقه نحوه من أفعال ومحاولات وأساليب تربوية كل حسب قدراته وعلمه وثقافته.

كيف لنا إذن أن نلعب دوراً فاعلاً في توفير البيئة السليمة لنمو أطفالنا وحمايتهم من منغصات الحياة التي ستواجههم بلا محالة في مستقبلهم القريب والبعيد؟  كم من الوقت والجهد يمكن استثماره في هذا المجال وكلنا نعلم مدى صعوبة توافر ذات البيئة والقدرات لدى الجميع وبنفس النتائج؟  فكم هي نسبة العائلات التي قد تعيش ظروفاً صعبة في الأساس وتفتقر للقدرات المادية والمعنوية للولوج في خضم توفير أساسيات التربية السليمة؟  كيف يمكن للمجتمعات والهيئات والجمعيات المعنية بالأسرة والطفولة، وحتى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، أن تلعب دوراً مسانداً للآباء والأمهات في حماية وتربية وتنشئة الأجيال القادمة قبل انفراط العقد وتبعثر الأحلام؟

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

عاطف الدرابسةلن أُحاولَ أن أُؤكدَ على الصِّلةِ بين الرَّسامِ والشَّاعرِ، كما لن أسعى إلى إثباتِ الصِّلةِ الحيويَّةِ بينهما، ربَّما ما زالت فكرةُ هوراس أنَّ الشِّعرَ هو التَّصوير تُشكِّلُ مُرتكَزاً حقيقيَّاً لكشفِ جوهرِ العلاقةِ بين الشِّعرِ والرَّسم، ولعلَّني هنا لا أبتعدُ كثيراً عن مقولاتِ النَّظريَّةِ النَّقديَّةِ: قديمُها وحديثُها؛ فالنُّقادُ ارتكزوا على كتابِ هوراس في محاولةِ تحديدِ ماهيَّةِ الشِّعرِ، ويبدو لي أنَّهم حين يُعرِّفون الشِّعرَ يلجأونَ إلى الرِّسمِ؛  فالجاحظُ مثلاً المُتوفَّى عام 255 هجرية، يُحدِّدُ ماهيَّةَ الشِّعرِ مُستعيناً بالرَّسمِ كما يظهرُ من مقولتِه: "فإنَّما الشِّعرُ صناعةٌ؛ وجنسٌ من التُّصوير"، ولعلَّ عبارةَ: (جنسٌ من التَّصويرِ)، هي أنضجُ عبارةٍ في النَّقدِ العربيِّ القديمِ، أقامت علاقةً بين الشِّعرِ والرَّسمِ .

بيدَ أنَّ السُّؤالَ المشروعَ هنا: ما هي طبيعةُ العلاقةِ بين مقولةِ: أنا أنظرُ، ومقولةِ: أنا أكتبُ؛ أو ما العلاقةُ بين عبارةِ: أنا أشعرُ، وعبارةِ: أنا أتصوَّرُ، وربَّما قد نُفجَأُ بسؤالٍ آخر حول العلاقةِ بين مفاهيمَ نقديَّةٍ من مثلِ: المجازِ، التَّخييلِ، والتَّصويرِ .

إنَّ مخرجاتِ الاستعارةِ اللَّفظيَّةِ، أو مخرجاتِ المجازِ في الأدبِ، وطرائقِ تشكُّلِ بنيةِ المجاز، هي التي تُسهمُ على نحوٍ ما في تشكيلٍ صورةٍ في ذهنِ المُتلقِّي، أي أنَّنا هنا نُشيرُ إلى الوجودِ الذِّهني للصُّورة، وعبارةُ: (أنا أنظرُ)، تقودُنا إلى مفهومِ الإنطباعاتِ البصريَّةِ، بمعنى أنَّ الرَّسمَ أو النَّحتَ أو الرَّسمَ بالخزفِ هو شيءٌ ماديٌّ، يُرى بالعينِ باعتباره وحدةً واحدةً، لا تخضعُ لشروطِ الزَّمانِ والمكانِ، وهو أمرٌ لا يتوافرُ في الشِّعرِ خصوصاً، وفي الأدبِ عموماً، فالشِّعرُ يستجيبُ لشروطِ المكانِ؛ وشروطِ الزَّمانِ، ولن نكونَ دقيقينَ إذا اعتبرنا أنَّ الشِّعرَ والاستعارةَ هما شيءٌ واحدٌ، أو أنَّ كلمةَ الشِّعرِ وما تنطوي عليه من التَّصويرِ قد تشملُ الأعمالَ الفنيَّةَ كاملةً .

يمكن أن أقبلَ أنَّ الاستعارةَ التي تخلقُ صورةً في الذِّهنِ، قد تتحوَّلُ إلى لوحةٍ فنيَّةٍ تُرى بالعينِ، أو منحوتةٍ، وبالتالي يُمكنُ أن تُحقِّقَ مبدأَ الانطباعِ البصريِّ، ويبدو لي أنَّ العلاقةَ بين الرَّسمِ والشِّعرِ ستأخذُنا إلى مفهومٍ أعمقَ لفكرةِ الشَّكلِ والمضمونِ .

ولعلَّ الفجوةَ بين ما هو شِعريٌّ لغويٌّ، وما هو بصريٌّ، يُمكنُ ردمُها إذا أعدنا فهمَ الاستعاراتِ اللَّفظيَّةِ بوصفِها بِنية موازية للاستعاراتِ البصريَّةِ في الفنونِ التَّصويريَّةِ والتَّشكيليَّةِ .

وكذلك يُمكننا ردمَ تلك الفجوةِ إذا أعدنا النَّظرَ في مفهومِ الشَّكلِ، أو من خلالِ تفعيلِ الطَّريقةِ الطبولوجيةِ لفهمِ هذه العلاقةِ، ولذلك فثمَّة تشابهٍ بين قوانينِ الشِّعرِ، وقوانينِ الرَّسمِ .

ومن جانبٍ آخر، فإنَّ الرَّسامَ عادةً ما يمتلئُ بالرُّوحِ التي تُحرِّكُ الحياةَ في الشِّعرِ، فالرَّسمُ يفعلُ بالعينِ ما يفعلهُ الشِّعرُ بالأُذن، وهناك إشارةٌ لبيكاسو تُفيدُ بأنَّ: الرَّسمَ هو الشِّعر، وهو دائماً يُكتبُ على شكلِ قصيدةٍ، ذات قافيةٍ تشكيليَّةٍ .

وقد أدركَ الشَّاعرُ الغنائيُّ الأوَّلُ (سيمونيدس) (٤٦٨- ٥٥٦ ق.م) الصِّلةَ الوثيقةَ بين الشِّعرِ والرَّسمَ بقوله: "إنَّ الرَّسمَ شعرٌ صامتٌ"، ولعلَّ الأمرَ اللافتَ للنَّظرِ أنَّ صدى تلك المقولةِ قد تردَّدَ في تعبيرٍ ليوناردو دافينشي في القرنِ الخامسِ عشر بقوله: "الرَّسمُ شعرٌ يُرى، ولا يُسمعُ، وأنَّ الشِّعر رسمٌ يُسمعُ ولا يُرى"، وفي القرن العشرين   تتردَّدُ الفكرةُ نفسها بقول إدوارد كامينجز حينما وصفَ نفسَه في مقدمة ديوانِه ومجموعته الفنيَّة (CIOPW)، بأنَّه: كاتبُ صورٍ، ورسَّامُ كلماتٍ، كما وصفَ عمليَّةَ الإبداعِ بأنَّها سماعُ لوحاتٍ، ومشاهدةُ قصائد .

وحميميَّةُ الصِّلةِ بين الشِّعر والرَّسمِ تظهرُ على نحوٍ مباشرٍ جداً في المفرداتِ المشتركةِ بين الفنَّين، فكلاهما يستخدمانِ الأساطيرَ والتاريخَ والحلمَ والخيالَ، ويستندانِ إلى قانونِ البِنيةِ بوصفِها نظامٌ من التحوُّلاتِ، فالنِّظامُ نفسه كما يُفعَّلُ في الشِّعرِ، يُفعَّلُ في اللَّوحةِ، فالتَّكوُّنُ التشكيلي في اللَّوحةِ يتكرَّرُ نتيجةً للتنظيمِ الذَّاتي، وهو نفسُه ما يحدثُ في الشَّكلِ الشِّعري، والتَّنظيمُ الذاتي لا ينفصلُ عن مبدأِ الشُّموليَّةِ، ومبدأِ التَّحوَّلِ .

 

د. عاطف الدرابسة - الأردن

 

حيدر عبدالرضاالمؤلف البديل بين فواصل الذروة ومفترض بدائل الاستبدال

توطئة: تسجل دلالات الواقعة الإبدالية والاستبدالية في وظائف ومحاور رواية (الجبان) للروائي والقاص الصديق ياسين شامل، ذلك المجرى الملح في دائرة إمكانية الأسباب والعوامل السببية في تنصيصات الإدماج والاندماج التداخلي الموظف ما بين أطراف محاور (السارد المشارك ـ المؤلف الضمني ـ المؤلف البديل ارتباطا إجرائيا مغموسا بمؤثرات دائرة تحقيق العلامة الشخوصية في طيات محامل وظائفها ومواقفها الزمنية والمكانية والظرفية المكتظة بصوت ومحورية أصداء السيرذاتية المستوعبة في مجال حساسيتها البؤروية المشغولة بنقل محكيات الذات المعزولة والمغمورة عبر وسائط رواية المؤلف الحقيقي . من الممكن لنا القول عن تجربة رواية (الجبان) للصديق ياسين شامل، إنها جملة علاقات نفسانية وعاطفية وموقفية مستلهمة بوظيفة ملازمة حيثيات مفردات الواقع البديل تخيلا عن المشخص من سيرة حياة المؤلف، ولكنها من جهة ما تستشف وتجترح لإحداثها ومسار أفعالها (منطق الاستبدال = الإبدال) بمعنى ما إنها توظف سلوكيات الواقع المشخص في مجرى واقعية إستبدالية محسوسة، ولكنها في ذات الوقت لا يمكننا التعرف عليها في حدود من استقامة الشواهد الأحوالية والتمفصلية من دليل الواقع المغاير .و على هذا الأساس سوف نتعامل مع أجواء دلالات الرواية، بما يتاح لنا من خطية شواهدها النصية الاعتبارية، مأخوذين بذلك باعتبار أن الراوية في ثوبها اللبوس غير خاضعة لحقائق المعنى، بل أنها خاضعة إلى مجال من تأويلات الناقد والقارىء فحسب . الرواية كانت تؤشر لأهم موضوعة تتعلق بحوادث الثورة الشبابية في البلاد، وانطلاقها في شوارع وتقاطعات المدن المخطوفة، وهذا الأمر ما جعل من مدلول الرواية بمثابة قيمة مشرئبة في التحول الجاذب نحو الاستجابة الآنوية من النص ـ اكتمالا ـ مع الأنا الجمعية في الوعي المرسوم لها في أحداث التوصيف الروائي .

ـ الفضاء الشخوصي وتمفصلات موضوعة الدال الانهزامي .

بدا لنا الواقع الشخوصي في محاور رواية (الجبان) مجالا وإلهاما نحو التفكر بماهية الأسباب القصوى التي جعلت من الروائي نفسه، أن يشرع في زرع ورسم المنزع الإنهزامي في نوازع شخصيته منصور، فيما راح في الوقت نفسه يشيع أكمل المظاهر التكاملية في نرجسية ووثوقية الشخصية المرمز إليها بـ (ك) والحال ما راح ينطبق عليه دون باقي شخوص الرواية حالا وموقفا ونعتا بشقيقة المسمى (ك) التي يرمز إليها أيضا بـ (ن) وتلوح لنا علاقات وأحوال الواقع الروائي، عن مشخصات حكاية غريبة، تتعلق بالسارد المشارك ـ منصورـ وكيفية خطواته في النص بحثا عن دلائل واستدلالات وصوله إلى من كان سببا في مقتل الشخصية سمر في الرواية: (عندما عدت من بغداد شعرت بارتياح، وجدت جنات في بيتنا، التي عملت في عدد من دول الخليج، واكتسبت صفاء لغتها، وقد أختار لها ـ ك ـ غرفة في الطبقة الأولى كي تكون قريبة من غرفة أمي، وترك الطبقة الثانية، ثم نصب منظومة كاميرات مراقبة، بأمر من ـ ك ـ وحين سألته أجاب: بأنه يريد لي السلامة في هذا الوضع المربك، فالاحتياط واجب بعد حادثة مقتل سمر . / ص7 الرواية) تتداعى في السياق النصي، حركة استباقية من شأنها استعادة وتأشير مرحلة زمنية متقدمة في السرد، اقترانا لها باستعادة الأحداث بصورة أولية نواتية في بداية النص، ولأنها هي المحور الأهم في بؤرة النص، بقيت مظاهر السرد في النص عارضة لأحداث تجرى من خلال مسرودية ضمير منصور كساردا مشاركا . وما يدفع هذه الشخصية الانهزامية تحديدا نحو إلتباسية عاطفتها الكليلة، أي في ذلك الشعور المتوفر لديها بالخجل والقلق الاكتئابي من مواقف أحاسيسها بالأشياء من حولها، كحال مواجهة المواقف والأشخاص من قبل ذات واهنة تخشى الخروج من وهن حجبها، إذا تطلب أمرها مقابلة أو مصارحة في حالة من مشاعر الحب إلى فتاة معينة، وهذا الأمر ما صدفنا في موقف الشخصية منصور من سفانة وسمر: (كلما نظرت إليها وهي جالسة، أجدها مختلفة عن الآخرين، كانت لملابسها لمسة فتاة / على الرغم مما كان لسمر من الجمال بما يكفي لجذب الشباب، فهي تصغرني بعشر سنين ..شعرت بأنها غريبة في تصرفاتها .. ولا تطلب من أحد أن يفهمها / لعل كل ما أراه في تصرفاتها ينطوي على سر عميق .. لا تريد البوح به لأحد .. أنا أعذرها .. فأنا أيضا لي أسراري . / ص23 الرواية) قد تكون أوجه التقارب والمغايرة ما بين (منصور = سمر)علاقة مجبولة على التلاقي في صفات حاضرة وغائبة معا، ومن أجل أن لا نفهم بأن الشخصية سمر كانت واقعة في عشق منصور يوما، علينا فقط أن نفهم بأن الشخصية منصور يشكل في سلوكه العاطفي الواهم، مجالا هشا في كل عشق لفتاة يلاحظها في مسار ما وقع عليه بصره، وهذا دليلا على أنه رجلا مهزوزا تداعب وتحرك حتى طنين الذبابة العابرة مشاعره العاطفية بجمرة ملامسة قلبه بواصلة حسية قد تكون مقصودة أو غير مقصودة من الفتاة التي يقابلها في حياته، هذا الأمر ما كان ينسحب بدوره على سفانة زميلته في أيام الدراسة الجامعية، فهذه الفتاة اللعوب بدورها وغوايتها القاهرة، ما كان يجعل منصورا أسيرا لها في وهب كل مصروفه الجامعي لها، المستوى الذي وصل إلى حدود انتشال علبة سكائره التي كان يمنحها إياها بسخاء المهزوم المستضعف . في الحقيقة هناك في الرواية مواقف مفتعلة إلى حد ما، فمثلا ما قيمة استعراض (ياسين شامل) لأسماء أصدقاءه في الواقع لتكون لها دورا في أحداث النص ؟هل هذه الأسماء الواردة لها علاقة عضوية وبنائية ودلالية جادة في ضرورة الخطاب الروائي مثلا ؟ فما الجدوى من ذكر أسماء المطاعم وأصحابها الأصل في مجرى الحبكة الروائية؟ ألا يعتقد الصديق الروائي بأنها محض نكتة مثلا أو مهزلة إعلانية في الإشهار بأسماء أهل الأوساط الأدبية في مدينة البصرة وباعة الصحف داخل أحداث روايته بشكلها المباشر ؟ كنت أتمنى من الروائي أن يكون موظفا لإحداثه الروائية بما فيها من ضرورة مؤشرات الأحوال البنائية والحبكوية الجادة في انتقاء شخوص الواقع الأصل دون حاجة ذكر مسمياتهم البديهية، ربما بهذا الحال أصبحت الممارسة الروائية لديه أسمى وأجدى مما دبجه في أحدى فصول روايته من إعلانيات لا ضرورة لها إطلاقا داخل حيز سياق السرد وحكاية الرواية ؟ صحيح أن هناك روايات وقصص تستثمر عناصر شخوصها من حيز واقع الكاتب، كالأسماء والمدن، ولكنها أسمى من أن توظف مثل هذه المقتطفات وبهذه الصورة من الأخوانيات الإعلانية المباشرة: أقول لو كان يرغب الصديق ياسين شامل في هذا المجال من ذكر الأسماء المباشرة وعلاقتها المباشرة به، فلربما كان ممكنا له أن يكتب مذكراته ويومياته قريبا من أصدقاءه في المحافل الأدبية وبعيدا عن مشاغل وهموم كتابة موضوعة الرواية وتوظيفاتها الضمنية والمضمرة غالبا في أفق من التلميح المرمز لا التصريح بعبارات واسعة من يومياته، أعود إلى نقل شاهدا من هذه المقتطفات من رواية الصديق: (تركت مكتبة الصحراء لصاحبها حمزة العبدلله / فدخلت مطعم أبي ستار / توقفت قرب كشك أبا علي بائع الصحف / ذهب الشاعر والناقد إلى مكتبة القبة لملاقات صاحبها كاظم اللايذ الشاعر الخلوق / تحولات الواقعية الشيئية للناقد خالد خضير / وكان صاحب المكتبة صفاء ذياب الذي كعادته لا يعجبه العجب . / ص36 . ص37 . ص38 . ص40 . ص41  الرواية) وغيرها من فقرات سردية مذكراتية هي من الإشهارية حصرا والإعلانية اللامبررة ضربا، إذ لا علاقة لها هذه الفقرات والوحدات في بناء الدلالة الروائية في سياق من نمو الأحداث والتبئير، كان بإمكان الروائي أن يوظف هذه الشخوص ضمن علامات واقعية متخيلة تستنشق أريجها الطلق عبر خلفيات ومحاور أشد إتماما في معادلة السرد الروائي، دون إفساد الرواية بكشف علاقات يومية تقريرية خاصة بذاكرة الكاتب بهذه الأسماء من الأدباء الأصدقاء له ولنا ولكن خارج الرواية.

ـ المؤلف البديل وأسرار مدونة الفصل الأخير

أكيد أن محاولات الشخصية الانهزامية الفاقدة إلى أبسط روح المواجهة والإرادة الكاملة، صعبا عليها تقديم روايتها وذاتها إلى مجتمع القارىء الجريء والمشاكس والرقيب، لذا وجدناه أي الشخصية الروائية في الرواية فارا من كتابة الفصل الأخير من روايته: (هكذا أنقضت رواية منصور ولأنني لم أعرف طريقا له،ولم أجده في أي مكان يلتقي فيه الأدباء والمثقفون / شعرت في أثناء الكتابة بأنه يرافقني ويبدي موافقته، لذلك قررت توزيعها لما فيها من جرأة . / ص168 الرواية) في الحقيقة أن أجمل ما في رواية (ياسين شامل) والتي لا أحبذ عنوانها أبدا من جهتي الخاصة، هو إمكانية العلاقة المغيبة للشخصية منصور صاحب الرواية (الجبان) ما راح ياسين شامل يحقق علاقة تكنيكية هي ليست بالجديدة في الأسلوب الروائي، ما بين حيز المؤلف المفترض ـ المؤلف البديل، اقترانا بإمكانية التوحد والتماهي في خطاب المؤلف الحقيقي، وهذا الأمر ما جعلنا ننبهر بالضربة المضمونية في نهاية الرواية، بعد اكتمال كتابة الفصل الأخير من قبل المؤلف البديل ـ المؤلف الضمني احتمالا: (في الحال تم اقتياد منصور إلى جهة مجهولة ـ في الساعة التاسعة في نشرة الأخبار من الفضائية الرسمية كانت المذيعة التي بالغت بوضع مكياجها تذيع الخبر: بعون الله وبهمة الأبطال تم إلقاء القبض على أحد أفراد الطرف الثالث، بحوزته سلاح الجريمة في قتل المتظاهرة الشهيدة سمر . / ص174 الفصل الأخير: الرواية) .

ـ تعليق القراءة:

نكتشف من خلال فصول الرواية ما قبل الأخيرة، بأن الشخصية سمر كانت ناشطة في التظاهرات الشعبية وقد تم تهديدها من قبل الطرف الثالث المتمثل بـ (ك) والطرف (ن) بعد أن جرى خطفها ثم مقتلها على أيدي مجهولة الهوية والعلاقة . ولكن من سوء حظ المسكين منصور أنه تسلم مسدسا من قبل الشخصية (ك) بعد أن أقنعه هذا الأخير بضرورة حمله تفاديا لحدوث أي مكروه له، وعلى هذا النحو فإن نهاية الرواية جاءتنا كرواية داخل رواية واصلة بفواصل من المحبوك الاستبدالي ما بين المؤلف الشخصية في الرواية وبين المؤلف البديل عن هذه الشخصية لإكمال روايتها . أقول مجددا أن رواية (الجبان) تجربة فاعلة من خلال وسائل حبكها الذروية جماليا، فيما تحتل وظائف شخوصها الداخلية والخارجية حيوات متحولة ومبررة في مسار العلاقة المحبوكة من الشد الموضوعي الموزع ما بين إجرائية الدال المنفذ والدليل الروائي المسجل لأهم تطورات الرواية .أما من ناحية فكرة الرواية، فهي صورة سير ذاتية للمؤلف الذي راح يقدم لذاته الكاتبة في زوايا وجهة نظر مختلفة، قد تفصح عنها مساحة بنية المدلول معادلا أحواليا محتملا في ضوء تجليات أكثر عمقا وتأشيرا في الخطاب الروائي المبثوث في فضاءات من نزيف استقصاءات الوحدة المضمونية المفترضة من جهات البدائل الدلالية، إي إننا في نهاية مداليل الرواية، لعلنا أمام عدة خيارات وبدائل مضمونية، أولا أن الخاتمة منقسمة إلى أكثر من حالة دلالية وموضوعية، ثانيا أن علاقة الخاتمة بالعنونة الروائية، قد لا تعكس سوى رؤية مرتبطة وحيثيات فكرة دال (الجبان)، لأن ما مر به الشخصية منصور ما هي إلا حالة انهزامية نفسية تحكمها دوافع ظرفية وموضوعية خاصة، وليس كما هو ظاهرا من وراء صفة الجبن عبر شرائطه المختلفة . ببساطة أن خصائص موضوعة الرواية فيها من الإسراف والمبالغة في تحجيم موقع الشخصية في ما ليس ممكنا أبدا في طبيعة التوظيف الشخوصي، كما أن عملية ابتداع هروب المؤلف للرواية، بالإضافة إلى مفارقة إتمام فصلها الأخير من قبل صاحب دار الطباعة، قد يبدو عمل غير مقبول فنيا، بل أنه يحمل أوجه كبيرة من المفارقة في مستوى الإقناع الموضوعي للرواية وسردها . لعل الصديق الروائي كان يطمح من وراء هذا المعنى إنتاج آليات تقنية حاذقة أو لعبة فنية خاصة في خصوصية مواقع المؤلف البديل في المسار الروائي . لاشك أيضا أن العتبة العنوانية في مدار متن النص، لا تعبر عن صياغة إيحائية دقيقة، بل أنها جاءت معبرة عن وحدة الانطباع للمؤلف في ملفوظ التسمية والتوظيف . حاولت في هذا المقال توضيح قراءتي في تعليق سياق القراءة عن رؤيتي للرواية تقويما لها وليس هدما إطلاقا، فهناك مستويات جيدة في الرواية بل هي أفضل من روايات سابقة للروائي ذاته، ولكننا ارتأينا معاينة بعض الملاحظات والاشارات حول المناطق الضعيفة في بناء الرواية بدءا من العنونة وانتهاء بالخاتمة التي تذكرنا بنهايات فن الأقصوصة حيث الضربة المفارقة المختزلة والزهد في لملمة أطروحة الختام . وعلى هذا الأساس أقول موضحا للصديق الروائي: أن معيارية النصوص الجيدة هي الأكثر قبولا للمعاينة والتفكيك النقدي ثم تأويلها وصولا بها إلى حصيلة استقرائية مميزة في التصور والرؤية النقدية التي لا تعد شرطا في إقرار مقرر المعنى المنصوص في النص الروائي، بقدر ما تقدم القراءة النقدية علاقة مؤولة في المعنى الآخر من الرؤية للناقد والنقد .

 

حيدر عبد الرضا

 

نجيب طلالربط الفجوة: مبدئيا ندرك جيدا؛ أن هنالك أيادي تتلصص تجاه ما ننشره؛ وتسعى لا ستتماره بأساليب مختلفة وفي مواقع متنوعة؛ وهذا تبث ما مرة؛ ولا داعي لإحْراجهم، لأنهم أصلا محرجين بضعف تفكيرهم؛ وبالتالي ففي سياق ما ورد سلفا؛ تبقى تلك خطوط عَريضة؛ لإعادة النقاش بصيغة الألفية (الثالثة) وبصيغة عَوالم (الرقمية) لمسار المسرح في المغرب؛ ونشدد على (في) باعتباره فن مستورد؛ ولا يمكن أن نغالط أنفسنا في هَذا المضمار؛ وما(تلك) المحاولات في البحث عن اشكال (ما قبل مسرحية) ماهي إلى لغم سياسي لترسيخ ما يسمى (المسرح الشعبي) وما هو بـ(شعبي) لأنه يقام في قاعة عَرض ذات طابع (غربي/ إيطالي) والمسرح في إطاره العام هو (البناية) مهما تفاقم الجدل. أما المسرح الشعبي حقيقة؛ لا يتم إلا في الساحة العامة، لأنه قرينها مثل (مهرجان أفينيون) . وبالتالي فمسألة (البساط) ليس شعبيا لأنه سليل البلاطات؛ و(سلطان الطلبة) بمثابة مقايضة سياسية بين الحاكم/ الطلبة و(الحلقة) نتاج تذويب وتخفيف من آلام تهجير ساكنة البوادي وتوطينهم في بوادي أخرى نموذج قبيلة (بني هلال) في عهد الموحدين، وأكبر الهجرات تمت في عهد مولاي اسماعيل وابنه مولاي عبدالله، دون أن نغفل عهد المرينيين. والغريب أننا لا نتوفر على دراسات أنتبرولوجية ولا سوسيولوجية نوعية . تكون سندا في الدرس المسرحي. فقط شذرات عَشوائية لا تستند للعلم والحفريات؛ والسبب يتعلق ببنية التعْقيد النسقي في هاته الظواهر. وبالتالي فالتنظيرات التي كانت تنزل في المشهد المسرحي؛ كأننا في (سوق الدلالة) ليتحول نبل المسرح وعمقة للمناورات والمساومات والصراعات؛ رغم أهميتها فلم تستتمَر لبناء فعل مسرحي قوي وفعال؛ فانهار كل شيء تحت غطاء التنظير المسرحي؛ لأن السياسي هو الذي كان يتحكم فيها؛ لتوجيه المسرحيين؛ لما يهدف إليه . ونركز هاهنا فالسياسي يشمل حتى الحزبي باعتباره فاعل سياسي جوانية السلطة السياسية ذات سيادة التحكم في البنية العامة؛ وكذلك كل المتدخلين باختلاف تعبيراتهم الفئوية والطبقية في إنتاج السلطة وتنفيذها.

وهنا نشير من أوحى بتمظهر (الملتقيات المسرحية) التي لم توثق (؟) ولم تنجز حولها بحوث (؟) لملامسة أسباب النزول والوضع الجيوسياسي الذي كان فاعلا أنذاك . فظاهريا بعض الجمعيات والاتحادات المسرحية هي التي كانت في الواجهة التنظيمية؛ لكن كانت هنالك أجندة سياسية مبطنة في [سنة الثقافة] في ذاك الوقت؛ فأوكلت للمجالس البلدية (آنذاك) ولبعْض الجهات دعمها؛ بحيث نلاحظ أن ولادتها كانت غير طبيعية وموتها طبيعي؛ للوصول إلى (الاحتراف) الذي هَرول إليه الكل تاركين إرثا ثقافيا / مسرحيا؛ رغم المعاناة والمضايقات والمناورات السياسية الملغمة تجاه الجمعيات وعروضها؛ فالكل نسي ذلك (تقريبا) ونسوا أنه (كانت) هنالك عُروضا تشارك في الإقصائيات المحلية / الجهوية/ لمهرجان مسرح الهواة. تعرض في قاعة فارغة من جمهورها (إلا) من اللجنة المشرفة على اختيار العُروض(!) نسي بعض من كان يُستدعَى ضمن اللجن؛ لتلك الضغوطات التي كانت تمارس عليه؛ وعلى غيره. من لدن الجهة المسؤولة لترشيح/ اجتياز (عرض) مسرحي(معين) ليخون نفسه وضميره ويضرب التعاقد المبدئي عرض الحائط وتلطيخ ممارسته المسرحية. ففي ظل ماكان يتبن أن السياسي أقوى من المسرحي.

فجْوة الفجَوات:

ولقد تبين هذا بالمكشوف؛ إبان الهجمة الشرسة لفيروس (كورونا) اللعين. الذي غير ملامح الحياة في رمشة عين؛ محْدثا بذلك دينامية الارتباك والفوضى وحالة الهلع من الموت؛ وإفشال نشاط وحيوية البشر وطقوسه اليومية؛ ليلج مرغما في متاهات القلق والخوف من المجهول والأفق المنتظر . بحكم أن [الوباء/ الفيروس] هَدد كل المجالات الاقتصادية والإجتماعية والثقافية؛ مساهما بشكل فظيع في إحْداث فجوة الفجوات (أي) تفاقم حدة الحاجة والفقر والاحتياج وبروز تفاوتات في الشريحة الإجتماعية والفئوية والجهوية والمجالية كذلك، فازداد الوضع اتساعا وانتشارا؛ وإن سعَت السلطة السياسية فرض نفسها للسيطرة عَلى (الوباء) من خلال تدابير احترازية؛عبر بلاغات الحجر الصحي وحظر التجوال والتباعد وعدم التجمعات وبقية التدابير الأخرى؛ وهنا فحال المسرح وفنون الفرجة بدورها أمست تعيش نفس الوضع؛ وخاضعة للشلل التام . مما تفاقمت العَطالة والإفلاس وانهيار الطموحات والمشاريع الإبداعية والفنية؛ مقابل هذا برزت نداءات - ثلة – من الفنانين، وظهر التهافت عن صندوق تدبير الجائحة؛ وإن خصص أساسا للفئات الأكثر هَشاشة وتهميشا وللحِرف غير مهيكلة. وبالتالي فها هَو (الفيروس) يتولد كسلالات؛ مما فرض على كاهلنا تحديات الاستجابة لمضامين التدابير الاحترازية؛ فرغم بعْض الهمسات والنداءات لفنانين مسرحيين والتي (كانت) باحتشام تطالب بفتح [قاعة المسارح] والبعْض يطالب بفتح [دور الشباب] وهي مخصصة أساسا للمواهب والشباب والمراهقين (لتعْديل سلوكياتهم) و(التكيف) مع المحيط سوسيو ثقافي/ الرياضي . وليس (للمحترفين) في المسرح ؟ وهَذا موضوع عريض جدا. فالوضع لازال كما هو(أي) الإغلاق الشامل لقاعة العروض ودور الثقافة والشباب؛ وازدادت حدة الحجر وحالة الطوارئ، بتمظهر المستجد من سلالة (كورونا) ولربما الوضع الإجتماعي والصحي سيزداد تعقيدا؛ وستزداد الفجوة فجوات؛ وبالتالي ما مصير المسرح والفنون الفرجوية؛ والتي تعَد إكسير وجرعة حياة الروح؛ بغض النظر عَلى أنها إتباع وليس إبداع صرف، ذو خصوصية متفردة في معْمعان الوضع [الكوروني] باعتبار أن تاريخ الأوبئة يمنحُنا رصدا منطقيا؛ بأن الحياة الطبيعية ما بعْد الجائحة لا تستقيم إلا بعْد (أربع أو خمس سنوات) بالتقريب. هَذا إذا حاولنا أن نناقش طبيا / صحيا: متى يمكن أن يتم تلقيح كل ساكنة المعمور؛ لتحقيق المناعة الكلية بين البشر والفيروسات؟ أسئلة وتساؤلات تتناسل وتتشعَب في الزمان والمكان . ولكن لنذهب لفكرة هنري برغسون؛ الذي يركز على أن الواقعي أكثر من الخيالي، حين مُعاينته عن قرب. وها نحن نعاين جائحة ومؤثراتها معايشة؛ وبالتالي فالوضع المسرحي الآن يتطلب تحديات والتي يطرحها الواقع [ الكوروني] بين الممكن والمحتمل والذي أحْدث تغييرا في البنى الإجتماعية والفكرية؛ وفي سلوكنا ونظام حياتنا؛ يفرض علينا خيارات ثلاث: إما الانقراض وهذا يقاومه كل كائن حيواني/ نباتي؛ ولا يمكن للمسرح أن ينقرض إلا بنهاية البشرية. وإما الهجرة إلى مجتمع آخر وهذا من باب الاستحالة الآن، وإما التأقلم والتكيف. مع الوضع؛ وبالتالي فقوة المسرح مهما كان توجهه؛ فإنه يتجدد بتجدد الأزمنة، ويتطور بتطور الظروف والأحداث والملابسات. لكي يحقق عمْق كینونتھ الحقيقية .

ردْم الفجْوة :

هُنا الإشكالية؛ بأن أغلبية المسرحيين لم يستطيعوا ردم الفجوة؛ليظل المسرح روحا متجسدة في المشهد الثقافي/ الفني؛ بحكم أنهم لم يستوعبوا شروط الظرفية. التي أمست واقعا لا مفر منه؛ بأن (كورونا) كشفت عن مدى ضعف الكثير من الدول في مواجهته . هكذا فارضا نفسه - كينونة - لامرئية في عالمنا الواقعي والمتخيل؛ وسعى بثقله وشبحيته اختراق عوالم الإبداع والسرديات والنسق الرمزي الذي يحركنا. مما يدفع بالكل عمليا الانخراط في الصراع المفروض حتميا؛ أما على مستوى المسرح والإبداع؛ فلا محيد من تغيير جوهر المعادلة لصالح المسرح . وذلك من خلال ابتداع أشكال فنية جادة تبرز تلك الأفكار الرافضة ضد الشلل والانقراض. الذي يهدف إليه الفيروس (كوفيد 19 وسلالته) علما أننا اليوم نعيش في عالم رقمي؛ ضاغط، يفرض علينا التكيف والتعامل معه بأي شكل من الأشكال؛ بناء على البحث عن نفسنا وطموحاتنا بأنفسنا؛ وإلا سنكون كائنات أثرية/ ميتة. وبالتالي فالمسرح لم يعُد يخضع للأساليب المتعارف عليها وللمنظور الأرسطي أوْ ما بعْد ... بل أمْسى انعِكاسا للتطور المجتمعي بشتى أشكاله، فالطروحات الحالية : ك[ ما بعد الحداثة / ما بعد الدرامية/ ....رغم ضبابية المفاهيم؛ نتيجة تداخل التصورات والرؤى والدراسات الفكرية والسوسيولوجية والإقتصادية والجمالية في المفهوم؛ وتفريع أعمال وتجارب كمسرح التشظي/ مسرح الهيستيريا الوجودي الذي أسسه ريتشارد فورمان(امريكا) لكن (الآن) ففيروس (كورونا) ساهم في خرق وردم كل الأسس والقواعد المسرحية المتعارف عليها. بما فيها الجمهور . الذي لا خلاف ولا نقاش بأنه هو العين الأساس لكل عَرض مسرحي؛ وأبعَد من هذا فالجماهير روحه الفعالة في ديناميته وتفاعلاته . هنا فمن الطبيعي أن يتفاعل المسرحيون مع الشبكة العنكبوتية ويستغلونها أيما استغلال وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي التي تتوفر على فاعلين و جماهير ومريدين؛ لأنها هي المستقبل وما بعد المسرح المباشر. فها هي : وزارة الثقافة والشباب والرياضة ابتدعت تصورا؛ انطلاقا من دعوتها لتقديم عروض مسرحية في قاعات فارغة؛ عروض بدون جمهور، يبدو أنها [دعْوة ]مجانبة لروح المسرح؛ ورغم ذلك لم يتم التعقيب أو الاحتجاج عليها؛ باستثناء تموقف المسرحي(ع المجيد فنيش) اعتبره قرارا عبثيا؟ لكن قبل هذا القرار؛ فالمقابلات الرياضية في بلادنا وفي العالم كله (لحد الآن) كلها تقام بدون جمهور؛ لكن البعْض منها يدرج للمشاهدة- تلفزيا- وعبر وسائط التواصل.

إذن؛ فلماذا لم يضع المسرحيون هاته الدعوة كأرضية للنقاش الجاد؛ كأفق عملي / تنظيري. لأنها هي المدخل لمابعد كورونا؛ لتفعيل وترسيخ [المسرح الافتراضي] شئنا أم أبينا؛ وبالتالي فلا مناص من الذين يتفلسفون ويتفقهون في المسرح اتباعا وابتداعا لمختبرات عالمية/ دولية؛أن ينزلوا لمعمعان الفعل الرقمي؛ ومحاولة البحث عن أفق لصيغ نظرية التنظيرية لمابعد – كورونا- لكي تكون ملائمة للتطور التكنولوجي وللجيل الرابع؛ وذلك لتجاوز الفشل الذريع الذي سيلحق المسرح في المغرب . لأن المسرح التفاعلي/ الرقمي/ الافتراضي/ فمثلا فجل أعمال شكسبير التي عرضت على الركح؛ في مرحلة السبعينات من (ق، م) تحولت إلى أشرطة سينمائية كماهي؛ وليتذكر من كانوا منخرطين في الأندية السينمائية؛ وأقرب من ذلك لدينا مرجعية في التمثيلية الإذاعية؛ وإن كانت تعتمد على الصوت؛ فتأكيدا مازال الصوت حاضرا لأنه هو (الإنسان) في حد ذاته؛ وبقوة يغري عشاقه ويستقطب المزيد منهم، والأجمل في التمثيليات الإذاعية؛ أنها تساهم في إطلاق العنان لمخيلة المستمع ليسبح في ملكوتها؛ بذلك ناسجا صورا تخييليه لأمكنة الأحداث؛ وفي وضعنا الحالي(الآن) بنقرة واحدة على جهاز الهاتف أو الكمبيوتر؛ نستمتع بفرجات إبداعية . من هنا فوسائل التواصل الإجتماعي،تكشف لنا أنها خادمة ومسخرة للإبداع، وليست وسيلة لردمه . بحيث يلتقي الصوت/ الصورة في تركيبات وتلوينات غريبة وخادعة وساحرة؛ والمسرح فن سحري؛ وفي زمن الرقمي؛ سيزداد سحْرا؛ أليس كذلك؟ هو كذلك؛ لكن هنا أي تنظير سيليق بمرحلة ما بعد جائحة كوفيد – 19 وسلالته؟

 

نجيب طلال

 

 

اسامة غانميستمد الروائي حامد فاضل في روايته "لقاء الجمعة"* عناصر روايته التكوينية الثلاث من الذاكرة / التجربة الوجودية الواقعية من شخصية خضير عباس الواقعة خارج النص تماماً، والخيال من الروائي، مما يعني " له السداة وللخيال اللحمة ولي الحياكة شكراً للأستاذ خضير عباس - ص5 الاهداء "، أي له السُدّاة لـ خضير عباس بمعنى مادة النسيج، فالسَدَاةُ = سَدَاةُ النسيج: ما مُدّ من خيوطه، السدى / اللحمة للخيال بمعنى الخيوط، لحمة الثوب = خُيُوطُهُ المُمتَدَةُ عَرْضاً يلحم بها السَدى / الحياكة لـ حامد فاضل - الروائي .

وفي العتبة، نقرأ مرة ثانية على لسان الراوي ما جاء على لسان الروائي: " تلك الذكريات التي شكلت سداة نسيج روايتي، والمذكرات التي كونت لحمتها .. الرواية التي نويت حياكتها عن نضال القوى الوطنية العراقية واخترته هو كمثال لذلك – ص 11 الرواية "، ففي هذا يقوم الراوي بدمج العناصر الثلاث والإستراتيجيات ألحكائية الخيالية ليدفع الى المقدمة بالاستفهامات التاريخية، وهذا ما تشتغل عليه الميتارواية التاريخية، وهو أحدى أشكال ما بعد الحداثة .

وفي رواية " لقاء الجمعة " تتحقق مقولة المؤلف المزدوج التي اشتغل عليها الناقد عبد الله الغذامي، في كتابه "النقد الثقافي"، لتأكيد أن هناك مؤلفاً آخر بإزاء المؤلف الاصلي، وذلك هي الثقافة ذاتها التي تعمل عمل مؤلف آخر يرافق المؤلف المعلن، وتشترك الثقافة بغرس أنساقها من تحت نظر المؤلف وهو في قمة تجليات ابداعه، غير اننا سنجد في مضمر النص نسقا كامنا وفاعلا ليس في وعي صاحب النص، ولكنه نسق له وجود حقيقي، وإن كان مضمرا، إننا نقول بمشاركة الثقافة كمؤلف فاعل ومؤثر، باعتبار أن من اساسيّات الأليات النقدية الثقافية التي تشكل النقد الثقافي هي المؤلف المزدوج .

تتكون الرواية من تسعة فصول، الفصل الاول باسم العتبة والفصل الأخير العتبة ايضا، وهما على لسان الراوي بضمير المتكلم، وسبعة فصول على لسان الشخصية الرئيسة سهيل نجم السماوي " فعليا هو يمثل الاستاذ خضير عباس الذي اهدى له المؤلف روايته "، وضعت تحت عنوان رئيسي موحد لكل الفصول مع عنوان فرعي مختلف لكل فصل: الجمعة الاولى / البرقية، الجمعة الثانية / الزهرة، الجمعة الثالثة / المظاهرة، الجمعة الرابعة / الخَنَاق، الجمعة الخامسة / الدخول، الجمعة السادسة / النفق، الجمعة السابعة / البيان .

تبدأ الرواية بجملة اخبارية، بفقدان (ضياع – اختفاء) الحاسوب المحمول للراوي، والذي يحتوي على جميع لقاءات الجمع مع سهيل السماوي بالإضافة الى مخطط الرواية الذي وضعه الراوي، " ربما هي المرة الألف، التي تُعيد فيها ذاكرتي شريط ذلك الصباح الشباطي المطير، الذي فقدت فيه حاسوبي المحمول .. ماذا أقول لسهيل السماوي؟ - ص 11 الرواية " .

ويستمر الراوي مؤنب ذاته يتسأل:

-تُرّى أين، كيف، متى ضاع الحاسوب؟

أضاع أم سُرقْ؟ ص 12 .

ولا يتبدد عماه الا حين يستلم رسالة عن طريق البريد الالكتروني من المسمى جابر عثرات الروائيين يخبره فيها بانه سوف يرسل: " ملف الرواية التي كتبتها اعتماداً على ما وجدته من معلومات في مخططك، أرجو أن تقرأها بدقة تضاهي الجهد الذي بذلته أنا في انجازها – ص 35 الرواية "، عندئذ تتوضح الامور للمتلقي وللراوي، ولكي يطلعا على ملف رواية لقاء الجمعة المرقوم من قبل جابر عثرات الروائيين، المدون فيه سيرة حياة سهيل السماوي، في حدود دلالية واضحة المعالم: إنه يفعل، ويعاني، ويفكر، ويعي ضمن حدود وجوده المتحقق أي في صورته الفنية المحددة بوصفها واقعا حقيقياً أنه عاجز عن التوقف عن كونه ما هو عليه بالفعل، أي عاجز عن الخروج من حدود شخصيته " 1، المرسومة بدقة من قبل الروائي بوعيه الذاتي، الوعي الذي يصور سهيل السماوي ويحدد ابعاده، ضمن خلفية تتكون في خارج الصورة، أي ضمن العالم الحقيقي . وذلك لأن " وعي المؤلف هو وعي الوعي، يعني الوعي المتطابق مع البطل وعالمه،الوعي المناسب والمكمل لهذا البطل " 2.

من حق المتلقي أن يتسأل، لماذا اختار الروائي " لقاء الجمعة " اسماً لروايته؟ واذا اختاره، هل اختاره بقصدية مضمرة وعلى المتلقي أن يبحث عن المعنى؟ وبالعودة الى قواميس اللغة العربية، لقاء لغة تعني: اجتماع / مقابلة، ملتقى: مقابلته واستقباله . اما الجمعة لغة تعني: الاجتماع / المجموعةُ / الالفْةُ، واشتقاقها من الجْمع،عليه يكون العنوان: الاجتماع . رغم أن هنالك تأويلات متعددة طرحت من قبل البعض على تفسيره كعنوان لا مكاني لا زماني والحقوه بالميثولوجية الاسلامية على انه يعني صلاة الجمعة، ويجب أن لا يغيب عن بالنا ان الذي حدد اللقاء يوم الجمعة هو: سهيل نجم السماوي " ص 26 "، وهو ذلك الرجل اليساري، الذي كان لاجئاً سياسياً شيوعياً في المانيا، وقبل ذلك من المؤسسين الاوائل لأول خلية شيوعية في مدينة السماوة، حاصل على ماجستير في القانون الدولي من جامعة كارلس في جيكوسلوفاكيا، نعم يعتبر الفكر الشيوعي فكرا امميا، أي لا تحده حدود ولا لغات ولا قوميات، لأن الايديولوجيات بالأساس هي لا مكانية ولا زمانية، فهل كان لقاء الراوي بــ سهيل السماوي لقاء صلاة جمعة أم لقاء استماع وتدوين الملاحظات للأعداد " لملف رواية لقاء الجمعة"؟

سهيل نجم السماوي، شخصية موزعة ما بين مدينة السماوة وبين صحراء البادية، شخصية حالمة، حتى وهو في المعتقلات والسجون يحلم، شخصية متمردة على وضعها السياسي – الاجتماعي، هذا كله جعل الروائي يتواجد على حافات العمل الذي يكتبه هو نفسه كمبدع فعّال له،لأن تدخله في هذا العمل يخّرب ثباته الجمالي . لذا كان الروائي " داخل العمل بالنسبة للقارىء هو مجمل المبادىء الإبداعية التي يجب أن تتحقق، وهو ايضاً وحدة الجوانب المكونة للرؤية التي تنسجم مع البطل وعالمه . أمّا فرديته كإنسان فهي فعل إبداعي آخر تماماَ بالنسبة للقارىء وللناقد ولرجل التاريخ"3 .

إن الذي اكسب رواية " لقاء الجمعة " زخماً شعرياً جمالياً مضافاً في سرديات النص، هو خوض الروائي حامد فاضل مغامرة سردية تجريبية في كتابة الرواية، عندما جعل النص يكتب من قبل الشخصيتين الرئيسة: الراوي " كتب العتبات " وسهيل السماوي " كتب اللقاءات السبع " في داخل النص الروائي: " في الهزيع الأخير من الليل . أنهيت مارثون رواية لقاء الجمعة .. حتى تعشقت فصول الرواية بأنفاسي، وسيطر أسلوب جابر العثرات على تفكيري .. كنت أتسأل من المنتصر، أنا الذي هيئت مخطط الرواية، أم ذلك الذي تقمص دور الروائي؟ – ص 214 "، تبقى التساؤلات قائمة ومتواصلة عند الراوي، في العتبة الاولى والثانية، ولكن في الاولى يكون التساؤل قريب من السؤال البوليسي " أين، كيف ، متى؟ أضاع أم سُرقْ؟ "، وحب معرفة الجاني كما يقول تودوروف يدفعنا إلى السؤال: ماذا حدث؟ فيما تجعلنا الإثارة نتساءل: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ وفي حال الحبكة التي تثير التشويق، فإننا نتساءل: ماذا حدث وماذا سيحدث؟ . أم في الثانية فيكون التساؤل اخلاقي – معرفي، حتى بعد معرفة هوية الذي ظهر عنده الحاسوب ! .

تميزت الرواية بأسلوب لغوي متميز وعميق، حيث اتسم بالمعنى المكثف والشعرية العالية، دلالة على عبارات الروائي الجزلة المنتقاة مع مفردات جميلة جدا مختارة بعناية فائقة، شكلت جمل رصينة ذات جمالية فائقة، مما جعل الكلمة الروائية حقا كلمة شعرية، كلمة حية، متفاعلة مع وسط خاص متميز، " فاذا فقد الروائي الأرضية اللغوية للأسلوب النثري، ولم يستطع الارتفاع إلى مستوى الوعي اللغوي النسبي، وأصم أذنيه عن الثنائية الصوتية العضوية للكلمة الحية المتكونة وعن حواريتها الداخلية، فانه لن يفهم أبداً امكانات الجنس الروائي الفعلية ومهامه ولن يحققها"4، ولكن كان حامد فاضل مستوعباً هاضماً لكل هذه الأشتغالات الأسلوبية السردية، وهذه اتت واضحة وخاصة في اشتغاله على الامكنة: مدينة السّماوة، وصحراء السّماوة، في تجليات تشكيله للصور اللغوية لهما، من حيث الاستعارة والانزياح والمجاز، وهنا تختلط البلاغة مع الدَلالة .

ليس ذلك فحسب، بل يقوم بالحفر والتنقيب في ذاكرة التاريخ، للبحث عن هويتهما الموشومة على كل طابوقة بنيت بها الزقورات، وبقايا كل حجارة قد اكلت منها الامطار والرياح، انها مدينة موغلة بـ الأنسان، والواحه الطينية النابضة بالأحرف المسمارية، القابع فيها انكيدو وعشبة جلجامش، فالأمكنة عند حامد فاضل تتحول الى أساطير مجنحة تبحث عن خيمة الله، في عوالم لامحدودة لا نهائية، مطلقة، لنقرأ كيف اشتغل على أسم مدينته، وكيف يتوحد معها من خلال الوصف الصوفي، ثم يبين للمتلقي لماذا هو يعشق هذه المدينة، لأنها اول مدينة خط الانسان فيها اول حرف، واول ملحمة كتبت فيها، واول قوانين سنت فيها، واول مدينة يحكمها الملوك الالهة:

السّماوة

السين من السماء

الميم من الماء

الألف من الفرات

الواو من الوركاء

التاء من التاريخ . ص 186 الرواية .

كنت وما أزال معجباً بمدينتي السّماوة، عروس البادية التي اغتسلت بماء الفرات، وتحنت بطين شواطئه، مولعاً بتاريخها منذ اول لوح طيني نقش بالخط المسماري وتلفع بالتراب السومري، السّماوة التي ولدت من رحم سومر، ارتبط اسمها بأوروك، وجلجامش، وابو الجون، وقطار الموت، وسجن السلمان – ص 24 الرواية " .

نستطيع صياغة مفاهيم العلاقات الممكنة القائمة بين: الأسطوري والتاريخي والتخييلي والعالم الواقعي، لكي نفهم المعنى المتحقق، لذا يجب علينا أن نفهم الوظيفة الدلالية للمعنى في الانزياح عند حامد فاضل، عندئذ نستطيع التمييز بين الصور السردية الظاهرة وتلك الأخرى المضمرة الواقعة خارج السرد المتكونة من خلال الكلمات المضللة، فعندما يتناول صور الغروب في آفق صحراء بصية في حالة الشفق الذي كأن السماء / الازرق تتطابق مع الأرض / الاصفر (نعثر فيها على المرجعيات الاربع متداخلة منسجمة) يتناولها كأنها عملية جماع ما بين المرأة والرجل: يلتحم الجسدان / يتعشقان ببعضهما / لحظة ذروتهما . وباستطاعة أي متلقي مهما كان استقباله للصور السردية استشراف ذلك:

" هناك .. هناك بعيدا هناك، حيث ضربت خيمة الله أطنابها في الآفاق، وبظلالها على بادية بصية .. هناك حيث تنحني السماء، وتنهض الأرض، يمد الآفق بساط العشق، فيلتف الثوب الأزرق بالثوب الاصفر، ويلتحم الجسدان الأعلى والأسفل، يتعشقان ببعضهما وفي لحظة ذروتهما، يصطبغان بلون الغسق، يعرقان فيهطل الغيث، يلحس بلسان الماء جلد الأرض الأغبر، يخلع عليها حلة الربيع،فسيستيقظ وادي بصية من سبات الشتاء، يغسل وجه بدلاء السماء، يمشط شيبة العشب ويصبغها باللون الاخضر، يلقي على كتفيه عباءة أزهار قوس قزح، ويخبىء في زوادته الكمء النابت من غير جذور – ص 59 الرواية " .

في الاقتباس التالي سيكون الاستشهاد على شكل تشبيه، سيكون اكثر وضوحاً وخاصة انه جاء على لسان الدليل البدوي لقافلة سجناء نقرة السلمان، عندما استخدم مفردات لغوية متداولة في صحراء السماوة والتي تعتبر عند سكان الصحراء مفردة اعتيادية، أما بالنسبة للأخرين الذين لا يسكنون الصحراء فهي غريبة، غير مألوفة، تدهش مستمعها:

-ها قد وصلنا إلى النهدين .

دهش السجناء من تشبيه الدليل للتلين، لكنهم اثنوا عليه حين مروا بحذائهما، فقد كان التلان مكورين متوّجين بقمتين بارزتين كحلمتين في صدر فتاة ناهد، ختمت مداعبة عيون السجناء للنهدين بالوصول الى الفّرْج وهو المفرق الذي يبعد 5كم عن الطريق الصحراوي المؤدي الى مرآة الرمل المقعرة المعروفة باسم نقرة السلمان – ص 181 الرواية " .

إن زمن العتبات، هو غير زمن اللقاءات، فزمن العتبات هو تاريخ ما بعد الاحتلال الامريكي للعراق، أي بعد عام 2003، والعتبات هي عبارة عن حكي الراوي غير المكتوب، وهو خارج المتن ولكنه داخل الرواية أما زمن اللقاءات هو التاريخ المحصور ما بين عام 1948- 1958، هو الزمن المكتوب على شكل مذكرات تعتمد اعتماداً كلياً على ذاكرة سهيل السماوي " الذاكرة مستودع الذكريات " في المتن، فالذاكرة هي الربط بين الماضي - الحاضر – المستقبل ‘ كيف يعي الانسان ذاته من دون ذاكرة؟ فالذاكرة هنا هي الهويّة، لذا فإن غيابها يغيَبّ الهويّة مما يعني أن الانسان الذي كنته بالماضي او الذي سأكونه في المستقبل، هو الهويّة . مما يعني أن ذاكرتنا تمنحنا الإحساس المتواصل بالفردية، والذات، والهوية . فالهويّة تعيش بالذاكرة . والدلالة على ذلك حتى في الموت نكون بحاجة إلى ذاكرة، شواهد القبور تمثّل هويّتنا وذاكرتنا، أن ثنائية الهويّة والذاكرة تحيل الى الحركية المرتبطة بالسؤال المسافر، دوماً، الذي يكتمل بالتوكيد القائم على الانفصال داخله، كذلك فإن ثنائية الهويّة والذاكرة، تنتمي الى الرؤية التي تقول بلا نهائية الكتابة 5 .

وبالنتيجة الحتمية تكون الذاكرة الشخصية او الجماعية جزء مهم من التاريخ العام، وفي هذا وفق الروائي في مزاوجة الواقعي / الوثائقي / التاريخي بالسرد الفني التخييلي، مما منحه هذا اعادة صياغة الاحداث وفق رؤية روائية فنية متخيلة بشفرات حكائية معرفية – ثقافية، جعل السيرة الشخصية النضالية لـ سهيل السماوي، منذ تعرفه بأمين مكتبة متوسطة السماوة منير الجميلي الرجل اليساري المثقف، واطلاعه على افكاره، الذي قام " اضفاء نصاعة ضوء من سراج فكره المضيء، الى جذوة قراءة سهيل السماوي – ص 69 الرواية " . وقيادته لمظاهرة شعبية لدعم انتفاضة تشرين الثاني عام 1952، ادت الى اعتقاله وسجنه في مركز الخَنَاق في مدينة السماوة هو وجماعة من زملائه الطلبة، ثم تسفيرهم الى معتقل ابو غريب، ثم نقلهم الى سجن بغداد المركزي لعدم تمكنهم من دفع العشرة دنانير، ليطلق سراحهم بعد أن جمع المبلغ من قبل اهل السماوة الميسورين، وهكذا بدت مسبحة الاعتقالات والسجون تكر على سهيل السماوي، ثم بعد حادث قطار الديوانية، يعتقل في مركز شرطة السكك لينقل بعدها الى التحقيقات الجنائية ثم الى سجن معسكر الرشيد ليستقر بعدها في سجن بعقوبة لحين حفر النفق المشارك فيه وهروب السجناء، على اثره ينقل الى نقرة السلمان في بادية صحراء السماوة، ليبقى فيها لحين قيام ثورة 14 تموز 1958، ليطلق سراحه بعدها بأيام، الرواية حوت للكثير من الوقائع التاريخية التي حصلت للسجناء، وخاصة في سجن بعقوبة، مع الكثير من الاسماء الحقيقية مثل: حسين مردان – محمد مهدي الجواهري – كامل الجادرجي، وللكثير من اسماء القيادات الحزبية للحزب الشيوعي العراقي: حميد عثمان – ارا خاجادور – طالب عبد الجبار و عزيز محمد من جماعة راية الشغيلة .

هذه السيرة الشخصية النضالية لسهيل السماوي كما نوهنا، حْولهّا الروائي بقدرة فنية عالية لتصبح هويَة وذاكرة نضالات الشعب العراقي، ولتصبح بالذات جزءاً من تاريخ نضال الحزب الشيوعي العراقي، رغم اننا " نعرف بالطبع أن ما نقرأه ليس هو ‘ الواقع‘، ولكننا نقوم بكبت معرفتنا حتى نزيد متعتنا . ونميل لقراءة المتخيل كما لو كان تاريخاً . وبمعاملة المتخيل بوصفة وثيقة تاريخية، يستخدم فاولز المواضعة ضد نفسها . ونتيجة لذلك، بدلاً من أن يعزز إحساسنا بالواقع المستمر، يمزقه لتعرية مستويات الوهم . إننا نضطر من ثم الى تذكر أن عالمنا ‘ الواقعي‘ لا يمكن أن يكون العالم ‘ الواقعي ‘ أبداً للرواية . ولذا، في الوقت الذي يبدو أن كسر الإطار يجسر الفجوة بين المتخيل والواقع، فإنه يعمل على تعريته في حقيقة الأمر " 6 .

لقد عمد الروائي في ‘ لقاء الجمعة ‘ الى خديعة الذات القارئة عندما جعلها لا تستطيع أن تميز بين الخطابين التاريخي والتخييلي الا بصعوبة بالغة رغم أن التخييل السردي يقدّم لمحات عن البنية العميقة للوعي التاريخي حيث يكون بمقدور الروائي أن ينسج " يصيغ، ينتج " خطاباً خيالياً قد لا يكون أقلّ حقيقية عن احداث واقعية لكونه خيالياً، وهذا ما دفع المتلقي أن يميز بكل سهولة بين الأيديولوجية التقدمية اليسارية وبين الرجعية القمعية، فالعبرة في جوهر الخطاب وليس محتواه، كما نوه الى ذلك بارت عندما قال " نستطيع أن نرى بمجرد النظر إلى بنية الخطاب التاريخي ومن دون الحاجة إلى استحضار مادة محتواه، فإنه في جوهره شكل من الصياغة الأيديولوجية، أو بدق أكثر صياغة خيالية " 7 .

وهذا ما نراه حاصل عندما يقدم لنا ذلك من خلال اسلوبية سوسيولوجية للحدث ظاهره الادانة وباطنه التعرية والكشف، من خلال حدثين، الاول بعد 2003 / الاحتلال الامريكي، والثاني في العهد الملكي / الاحتلال البريطاني، حيث يكون فيه الانفتاح على النص انفتاحاً على المُتخيّل الذي يحُرّره المَعنى:

قطة جميلة، تلطعُ الماء من بركة بحذاء الرصيف، حتى إذا ما ارتوتْ ولحستْ شعرها وتمطتْ، فأجاتها سيارة أوبل زرقاء غير مرقمة، وما بين مَدّ بصري وجزره، صرخت القطة، قفزت، وقعت، وبصحوةِ موتٍ باتجاه النخلة ركضت، ثم تحت طابور صور المرشحين خمدت، في اللحظة نفسها التي اطلق سائق الأوبل النار على رجل من السَابلة، فارداه في الحال، قيل انه كان ضابطاً في الجيش العراقي المُنْحلْ – ص 14 الرواية .

لمحة ذكية ذات دلالات ايحائية – رمزية، تحمل معاني متعددة " تحت طابور صور المرشحين خمدت "، كما خمت الشعب، وعندما تتطلع على القطعة السردية الثانية، تقرأها كأنها ملحقة أو تتمة للقطعة الاولى حيث يتحقق التطابق في الاختلاف:

رحب الخياط اسكندر اللبناني بسهيل السماوي، وفي انتظار الأستاذ عزيز الشيخ . طفقا يتحدثان وهما يحتسيان القهوة عن الوضع الاقتصادي المتردي وعن التبعية والمحسوبية والمنسوبية وتفشي الرشا والفساد الاداري والاجراءات التعسفية التي تمارسها الحكومة لقمع المظاهرات المطالبة بالتغير . 114 الرواية " .

نتسأل هل هنالك اختلاف ما بين العهد الملكي والحكومة الحالية في احداث قمع المظاهرات الشعبية؟ بل نرى الآن اضيفت اجراءات اكثر وحشية واكثر شراسة، مثل الاغتيالات والاختطاف . لنعود نتسأل مرة أخرى هل هنالك فرق بين الاثنين؟ وكيف؟ .

ويبقى التساؤل قائماً عن من هو جابر عثرات الروائيين؟ للراوي وللمتلقي، الذي ارسل ملف رواية لقاء الجمعة والمكتوب من قبله، الى الراوي " لم يطلق عليه الروائي الى نهاية الرواية اسماً ":

- ماذا عن حاسوبي الذي عندك .

- ستجده صباح غداً معلقاً على جذع النخلة الشامخة قدام مطعم فلسطين . والآن اتمنى لك ليلة سعيدة .

- لحظة اسمح لي ألم تنس شيئاً أخر؟

- لا لم أنس، دقيقة وسترى صورتي وتعرف اسمي .

- الله!

صرخت وفتحت عيني على سعتهما، وأنا احدق غير مصدق بصورة سهيل السماوي . – ص 216 الرواية " .

اخيراً، عندئذ نعرف من هو جابر عثرات الروائيين، حيث يكون هو ذاته بعد الاحالة الى ما وراء الرواية المتواجد في الاهداء: خضير عباس .

لتبقى الندوب على خرائط جسده مزروعة، منذ أن ابتدأت رحلته في سجن مدينة السّماوة، وانتهت في سجن نقرة السلمان الصحراوي المزروع في بادية السّماوة .

وليبقى حامد فاضل من القلة المعدودة من الكتّاب في مغامرة الكتابة السردية لأنه سندباد رحلات السرد المغامر .

 

أسامة غانم

..........................

الهوامش والاحالات:

* رواية " لقاء الجمعة " – دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر، بغداد، 2020 .

1- ميخائيل باختين – قضايا الفن الابداعي عند دوستويفسكي، ترجمة: د . جميل ناصيف التكريتي، مراجعة د . حياة شرارة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد / العراق ، 1986، ص 73 .

2- ميخائيل باختين – النَظرية الجمالية: المؤلف والبطل في الفعل الجمالي، ترجمة: عقبة زيدان، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق / سوريا، 2017، ص 67 .

3- م . ن . ص 286 .

4- ميخائيل باختين – الكلمة في الرواية، ترجمة: يوسف حلاق، منشورات وزارة الثقافة، دمشق / سوريا، 1988، ص 101 .

5- جوناثان كيه فوستر – الذاكرة، ترجمة: مروة عبد السلام، مراجعة: ايمان عبد الغني نجم، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة،2014، ص 90 .

6- باتريشيا وُوه – الميتافكشن: المتخيل السردي الواعي بذاته ‘ النظرية والممارسة ‘، ترجمة: السيد إمام، دار شهريار، البصرة / العراق، 2018، ص 45 .

7- هايدن وايت – محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي، ترجمة: د . نايف الياسين، مراجعة: فتحي المسكيني، هيئة البحرين للثقافة والاثار، المنامة / البحرين، 2017، ص 101 .

 

صباح الانباريفي مجموعة (باصات أبو غريب) للقاص بولص آدم

الشخصية المحورية: هي واحدة من الشخوص الرئيسة في العمل الإبداعي وتختلف عن الشخصية المركزية من حيث موقعها داخل النص، وأهميتها في التمحور حول محور الشخصية المركزية.

اعتبرها بعض النقاد شخصية ثانوية لأنها تدور في حركتها، وأفعالها، وسلوكها حول الشخصية المركزية (البطل) داعمة له ومتفضلة على القارئ بمنحه المزيد من المعلومات المهمة عنها، وعلى عكس هذا جاء في التعريف المبسط لقاموس (المعاني الجامع) هي شخصية رئيسية في الرواية تدور حولها الأحداث. والحقيقة أن الأحداث لا تدور حولها بل تدور حول الشخصية المركزية حسب، إنها تضفي الألق والهيمنة على الشخصية المركزية فضلاً عن جعلها تستأثر بمساحة شاسعة من النص فتبدو والحال هذه محورا لها، ولنا في (باصات أبو غريب) أمثلة كثيرة على ذلك.

باصات أبو غريب

عنونة تشير الى مجموعة حركات انتقالية بين مكانين: الأول معني بشؤون المجموعة كلّها (أبو غريب) والثاني المرتبط بها كـأداة ممولة لباصات (أبو غريب) وبمعنى آخر هي همزة الوصل الكبرى بين الداخل المغلق (السجن) والخارج المفتوح (المدينة). وهي عنونة لواحدة من قصص المجموعة نظراً لأهميتها، وتركيز القاص عليها، وقدرتها الإيحائية، وتحديدها المكاني المهيمن على مساحة المجموعة كلّها.

وانتقالاً للقصة الموسومة (باصات أبو غريب) سنجد أنها تأسست على شخصية مركزية هي السجّان، والفعل الذي بنيت عليه هو (ضرطة السجان) التي أضحكت السجناء وأثارت رغبتهم في التهكم من سجانهم الشبيه ببائع العرقسوس.

"قال أنويا ممازحا سمير الحلاوي (النصف مجنون) ما رأيك لو هبطت علينا من السماء باصات تنقلنا الى بغداد؟ نهض سمير وراح يحث الركاب على الصعود الى الباص ثم قاد الباص وهميا باتجاه عمود في ساحة السجن فارتطم وسقط على وجهه وراح دمه يسيح على وجنتيه" نهض واستدار ووقف أمام السجان الذي اكتفى بشتمه قائلا:

- اجلس يا حيوان

عند هذه الشتيمة الحيوانية المألوفة في السجون، والشائعة في معسكرات الجنود تنتهي القصة. وهي بكاملها تعد لقطة من السجن أو صورة منه. ولم أعرف على الرغم من إعادة البحث فيها عن مبرر اختيارها كعنونة تتصدر المجموعة كلّها كما لو أنها لا تمتلك البديل أو العلامة الدالة على فحوى المجموعة، ورب قائل يقول إن السبب في هذا هو تأكيدها على هوية المكان الذي تعرّف القاص على تفاصيل مساحته وشخوصه. فتماهى في هذه القصة وراء شخصية الراوي العارف بكل شيء فهو السجين المثالي الذي تحصن بثقافته ووعيه وقدرته على مواجهة الظروف المحيطة المؤثرة سلبا على نزلاء السجن. وهو القادر الوحيد على استرجاع الأفعال والأهوال في ذلك المكان المغلق. وإعادة تشكيلها على وفق رؤيته الخاصة المتجاوزة لمحدودية المكان، وان الباصات هي التي تقوم بحركة الانتقال بين العاصمة صاحبة القرار وبين سجن أبي غريب كمكان لتنفيذ القرار.

السجّان هنا يتمتع بقدرة فائقة على التعامل اليومي الروتيني مع السجناء ولا يهمه أن يطلق هذه الصفة أو تلك عليهم ما داموا نزلاء عنده في غرف لا يدفعون ثمن سكنهم فيها. هو كالراعي لهم، والقائد لقطيعهم وعليهم فقط طاعة أمره كما يطيع هو الأوامر الصادرة من سلسلة مراجعه العسكرية. ومع أن هذه الشخصية التقليدية لم تمنح من الصفات التعريفية ما يكفي (داخل النص) إلا أنه لم يفتْنا اختيار تلك الصفات مما عرفناه، وقرأناه، أو سمعناه عنها. لغة الأوامر تستهويها، والطاعة هي دلالتها الى أن أوامرها مطاعة بشكل يريحها ويشعرها بأهميتها الوظيفية كسجّان. وهو مميز بشتائمه التي يوجهها وقتما يشاء الى أي سجين يشاء، وهو المعرّف بسذاجته، ومحدودية فكره، وضيق أفقه، وتبعيته لسلسلة المراجع مثلما يتبع كلب الحراسة صاحبه أنى ذهب ووقتما شاء. ومع أن القصة أشارت الى بعض شخوصها مثل النصف مجنون سمير الحلاوي، وأنويا إلا أن السجّان ظلّ الشخصية المركزية المهيمنة عليها وانتهت عنده جملتها الأخيرة (اجلس يا حيوان). وإذا كان السجان هو شخصية القصة المركزية (بطلها) فان أنويا وسمير الحلاوي هما شخصيتاها المحوريتان الرئيستان.

جملة الأمر (اجلس يا حيوان) لم تغلق فضاء القصة على نفسها بل تركت المجال مفتوحاً على المزيد من الاحتمال، والـتأويل، والرصد للقادم من أحداثها المستقبلية.

في قصة (العُنقُرجي) وهي عنونة شعبية من مفردة واحدة منحت الرائي من على شرفتها إيحاءً دلالياً مفاده أن المجريات كلّها أو جزءاً كبيراً منها تدور حول شخصية شعبية مركزية هو (العنقرجي) الذي ستغطي شخصيته مساحة القصة كلّها أو جزءاً كبيراً منها، وهذا استنتاج استباقي مفترض حسب السياقات المعمول بها أسلوبيا، وان الحدث الأساسي، على قصره أو طوله، يصب في المنحى الذي اختير له بقصد أو من دون قصد. والعنقرجي مفردة جاءت من الفصيح (عُنقُر) وأضيف لها حرفي الجيم والياء لتدخل ضمن اللهجة الشعبية الدارجة، وتعني كما جاء في قواميس اللغة العربية أصل البردي (وقيل كل أصل نبات ابيض فهو عُنقُر)(1) ولم نعرف بعد ما إذا كانت الصفة تنطبق على الموصوف أو الشخصية التي نحن بصدد متابعة أحوالها وظرفها المعطى قصصياً.

تصنّف هذه القصة والقصص الأخرى ضمن أدب السجون لوقوع أحداثها في الأعم الأغلب ضمن مساحة صغيرة في سجن كبير رهيب هو سجن (أبو غريب) الذي أخذت تسميته من اسم المدينة التي تبعد 32 كلم عن بغداد العاصمة. ثم صار يعرف بعد الاحتلال الأمريكي (2003) باسم (سجن بغداد المركزي) وذاع صيته دولياً بعد الفضائح الرهيبة التي ارتكبها الجنود الأمريكان وقتذاك في دهاليزه.

السجن هنا يعني الحرمان شبه التام مما يرى السجين أو يسمع، وبمعنى آخر هو استلاب أكثر من حاسة بشرية يعقل الإنسان بها ظرفه المحيط، ولهذا فان مشاهدة كلب واحد لائذ بمزبلة السجن أمر يعكس مدى العطل الحاصل في رؤية أبسط ما تعودت عليه الرؤية اليومية المطبّعة في بلد قائم على الاضطهاد والاستلاب ليس للحواس البشرية حسب، بل لكل ما له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بذلك السجين. في المدينة وشوارعها تبدو أغلب الأشياء معتاد عليها ولكن حين يحرم السجين منها قسراً وظلما فأنه يفاجأ بمشاهدتها بعد انقطاع طويل ويسأل عن كيفية وصولها الى بؤرة الحرمان الوبائية (مزبلة السجن) وهذا ما حصل بالضبط في مطلع قصة (العنقرجي):

(مرت فترة طويلة لم نرَ فيها كلباً، الحيوان الوحيد هنا هو قمل الرأس الذي يعيش على دمنا)

فهل يؤدي انعدام حاسة الرؤية أو تعطلها الى تفعيل حاسة أخرى مثل الملامسة؟ استنتاج توصل إليه القاص بنباهة مفرطة. وهو ما ينطبق على فاقدي البصر فالأعمى وبسبب العطل في عينيه فان حواس أخرى تحاول التعويض عما فقد تحت أي ظرف كان. إن وجود القمل في رأس السجين الذي أزاح الحيوان (الكلب) هو البديل التعويضي، ليس عند السجين فقط بل عند السجناء جميعاً، وهو الحيوان الملامس الوحيد داخل زنازين السجن. ولم يكتفِ القاص بهذه الإشارة الدلالية إذ أضاف ما يشير الى طبيعة العلاقة بين السجين والسجان، وبهذا شكلت البداية نقطة تنوير شديدة الإضاءة لمجمل ما سنقرأه في متن القصة. ولعل طبيعة الحوار بين هذين الاثنين يكشف عن المزيد من مزايا تلك العلاقة:

- أستاذ جميل لا تهتم انه مجرد كلب

- اسكت لا تتدخل، والا حجرت عليك معه في المحجر يا حيوان!

إن لفظة (حيوان) التي استخدمها (جميل) عادة تغطي جانبا مظلما ودونياً في دخيلته يحاول إزاحتها بنقلها الى خارج ذاته المضطربة أو بالأحرى نقلها الى السجناء عن طريق الإصرار والتأكيد على إطلاقها عليهم، أو على من انعدم عنده ذلك الشعور بالتسامي عليها، وعلى شتائم غيرها.

في الصباح اكتشفوا غياب (العُنقُرجي) وهذه إشارة أولى الى بدء قصته المؤجلة والتي أثارت شكوك السجناء وتساؤلاتهم الكثيرة حتى يخبر أحدهم السجناء بعبارة موحية أن "الحسناء عند الوحش" ويظهر أن العُنقُرجي في مواجهة اضطرارية مع مسؤول كبير في السجن إنه شخصية غائبة لها حضورها الفاعل على ألسنة رفاق السجن، وعلى عنونة القصة التي تمرست خلف اسمه منذ البداية. ولم تمارس حضورها مادياً مثل بقية الشخوص. الراوي العارف بكل شيء وهو سجين جايل شخوص القصة وراح يروي عما حصل له ولهم داخل السجن ينتقل بروايته الى خارج السجن الى المدينة (المكان المفتوح) الذي حرم من مشاهدة تأثيرها على البشر وتأثير البشر عليها، وما (الصابونة) التي وجدها مع بقية أغراضه في الكيس إلا صلة الوصل بين مكانين متشابهين من حيث المعنى، ومختلفين من حيث المبني والصابونة بينهما تعني قذارة المكانين معاً وحاجتهما أو بالأحرى حاجة السجين الى تنظيفهما وهي صلة الوصل بينه وبين عائلته الموصلية وهي علامة مادية، ودلالة مكانية على (باب الطوب) وهو حي من أحياء الموصل القديمة.

وصل السجين الى شاطئ دجلة، أخرج من الكيس بعض حاجياته وخبزاً جافاً وضعه الى جانبه منتظراً النوارس لإطعامها ولكنه راح في إغفاءة طويلة انتهت القصة عندها ولم يكتمل سردها الذي تبقى منه الكثير. وهي بهذا تسير على منوال التي سبقتها في ترك نهايتها مفتوحة على احتمالات كثيرة وأحداث لم تقع بعد. ولكنها ستقع حتما داخل مخيال المتلقي الذي افترضت فاعليته.

العنقرجي إذن شخصية مركزية دار الحديث عنها بوجوده الفعلي أو حضوره الافتراضي وحتى الراوي ذكرها وهو يبتعد عن السجن والسجناء: "تذكرت العنقرجي ونباح الكلب" مما يؤكد مركزية هذه الشخصية الفريدة التي تدور الأحداث كلّها حول محورها وإن كانت غائبة.

في قصة (حدث ذات مرة في الممر) يحل السجين محل الراوي ليحكي لنا بشكل مباشر ما حدث داخل السجن وكـأني به يكتب حلقة ثانية أو فصلا من رواية من روايات أدب السجون. يعود بنا الى الزنزانة لنصغي وإياه الى صوت السجّان وهو يقرأ عددا من أسماء المسجونين المطلق سراحهم بشكل مفاجئ. لحظات ثقيلة وطويلة مرت على السجين وهو ينتظر ورقة، إطلاق سراحه، التي تنقله من غياهب السجن الى عالم النور. السجين حدق بكل الموجودات في الممر للمرة الأخيرة.

فما يراه في هذه اللحظة قد لا يراه ثانية. هكذا كان يفكر، وهكذا كانت لحظات المفارقة بين عالمين مختلفين ومتناقضين: الأول مطوق بالأغلال والقيود والثاني مطوق بالحرية والنور والسعادة المجتمعية المزعومة، مع أن الواقع الفعلي على غير هذا. وتفاصيله ما فتئت تحت هيمنة الفكرة المركزية التي تجلّت فيما حدث ذات مرة في ممر السجن الرهيب (سجن أبو غريب). شعرنا كما شعر السجين أن النهاية قادمة لا محال وسرعان ما تبين أن حلم السجين بالحرية لم يكن سوى وهم من أوهام السجناء. لم يكن في هذه القصة من يشارك السجين محنته ولهذا بدت وكأنها مونولوج حدث ذات حلم وهمي بطله السجين نفسه.

في (الطعنة الغامضة) يخبرنا العنوان أن ثمة طعنة غير مرئية (غامضة) لم يعرف بعد من قام بها. وهي تعني أيضا أن ثمة مطعون نعرف مدى طعنته من حالة سقوطه مضرجاً بدمه النازف بشدة. وهذه لقطة طالما شاهدناها في أفلام السجون كدلالة على عنف السجناء، وخلفيتهم التربوية القاسية، ورغبتهم الجامحة في الانتقام، وثمة طاعن شديد المكر قادر على إبعاد الشبهة عن شخصيته غير المكترثة بالحياة البشرية حيث يتساوى عنده الموت والحياة بعيداً عن حياته المستثناة طبعاً. ويمكن إجمال هذا كلّه تحت يافطة يحلو للقاص تسميتها (الواقعية الوحشية).

هذه الطعنة أدت في القصة الى معاقبة السجناء بتركهم في ساحة السجن تحت المطر المنهمر بغزارة لما يقرب الساعتين أو أكثر قليلاً تنتقل كاميرا الكاتب الى المستقبل لتصور لقطات قام بتوليفها ذهنياً ليرى أمه في المطبخ وهي تسلق الخضار. وشقيقته عائدة من عملها الى البيت وإخوته من الجنود وهم في أماكن مختلفة، مع أن هذه الأفعال (المستقبلية) كلّها تتماهي مع استرجاع الماضي وأفعاله أكثر مما هي رؤية مستقبلية لها. وفي النهاية يتركنا القاص مع آخر لقطة فنية يظهر فيها الفاعل في عملية الطعن متكئاً على جدار السجن أسفل برج المراقبة والحارس ينظر إليه وفي يده سماعة الهاتف. في هذه القصة تجدر الإشارة الى أن القاص باعتباره من المهتمين في السينما اهتم باللقطة السينمائية الموحية والمعبرة عن جوهر الحدث كبديل فني جنّب القصة من الحشو والرتابة المملة.

ويظل الفعل الأخير رهن ذهنية القارئ الذي يقوم بتأويل أو ابتداع نهايةِ ما بعد نهايةِ القاص ولكل قارئ تأويله على أية حال، وبعدد قراء هذا النص تتعدد النهايات المحتملة والمختلفة.

في القصة تنفلت من بين أيدينا الشخصية المركزية ربما بعد غياب الشخصية الرئيسة أو تخفيها داخل ساحة كرة القدم. وحتى بعد ظهورها تظل عصية عن التحديد، حالها حال المتحدث داخل القصة وهو أحد السجناء الذي ظل خارج الفعل الرئيس معلقاً على الأحداث غير مشارك فيها وجاءت النهاية كنهايات القاص المألوفة بانفتاحها على عالم من التأويل واجتراح المجريات القادمة.

في (علاكات تعبان) يبدو القاص مصراً على منح قصصه سمة شعبية خالصة فجاء عنوان القصة مستخلصا من المفردة الشعبية (علاگات) مضافة لشخصية القصة (تعبان) وهو اسم مذكر شائع على المستوى الشعبي واللهجة الشعبية ويدل على سلسلة الأتعاب التي جادت بها الحياة عليه بشكل دائم مع أن هذه الدلالة لا تتوافق مع حقيقة هذه الشخصية، ويخبرنا القاص إن هذا الاسم إنما هو اسم حركي لا غير. وهذا يعني انه مارس السياسة والانتماء لطرف ما في الحركة السياسية ولم يعد يأبه لكل ما وصف به من الأسماء والصفات اللاذعة بعد أن حكم عليه بالإعدام. الرجل عاش معارضاً، ذاق مرارة التعذيب الوحشي وإيهام الموت شنقاً، وصار لا يحلم إلا بشائعة العفو العام الذي لا يصرح به إلا سيادة الرئيس كمرحمة منه لأبنائه السجناء. وما التلفزيون الذي يشغله من أجل متعة السجناء إلا صلة الوصل بينه وبين سجناء (أبو غريب) يقول الكاتب: "تعبان كان من أغزر مساجين أبو غريب تداولا، نقلاً وتأليفاً لمختلف أنواع العلاكات (إشاعة العفو العام)" فالعلاكات هنا هي البديل الأمثل عند السجناء لأملهم بالعفو العام. شخصية إشكالية غريبة ترك الراوي لنفسه حرية الإخبار عنها وعن تفاصيل حياتها في الداخل والخارج عاشت على أمل صدور العفو العام عن السجناء وذاقت مرارة التعذيب الوحشي أيام التحقيق معها كشخصية معارضة للنظام. وسمحت لنفسها القيام على خدمة السجناء بتشغيل التلفاز كل يوم وكانت تكتفي من التلفاز فقط بمشاهد أفلام الرسوم المتحركة فهي وعلى الرغم مما مرت به من المعاناة والمرارات والأذى تنطوي على قدر كبير من براءة الأطفال. شخصية مركزية كانت الفاعل الكبير الذي غطى مساحة النص بأفعاله وأحواله الى يوم انقض عليه السرطان ونقل من السجن الى بغداد.

في قصة (حمامة أبو غريب) تضمنت عنونتها اسم السجن أو المكان الذي تتحرك عليه أفعال شخصيات المجموعة. والجديد فيه الآن هو (حمامة) ظهرت أمام القاص (السجين) في فناء بين ردهتين وهي تلتقط عيدان القش لبناء بيت شقي. استأثرت بمتابعة القاص لها فهي عنده كما هي عند العراقيين رمز للسلام والطمأنينة والمحبة وهي وجه المقارنة المضاد بينها وبين محمود الذهبي الذي قاطع القاص بطلب كتابة قصته أو جريمته وهو أكبر المتنمرين داخل السجن ويخشى بطشه الجميع بما فيهم السجانون. يقوم محمود الذهبي بواسطة نصف موس كان مخبأ تحت لسانه يشق صدر السجان وبطنه عدة مرات بينما انصرف القاص الى الحمامة يرقبها وهي تبني عشها الشقي.

في قصة (بانتظار الأبوذية) ثمة عقدة نفسية كبيرة كتب عنها الناقد الراحل حسين سرمك حسن تحليلاً سيكولوجيا مستفيضا سدَّ به علينا قابلية الاستزادة أو إضافة ما هو مهم في هذه القصة المتفردة. ويمكن الاستشهاد بها أو الرجوع إليها لغرض التعرف أكثر على أجوائها المشحونة بطاقة سلبية غير مستقرة يمكن الرجوع إليها في مقدمة المجموعة تحت عنوان (فأر الوجود) وهذه تسمية مأخوذة من جوهر القصة، كانت السبب في وقوع الكارثة الكبرى على رأس مطرب السجن (دعيّر) فأخرسته ولم تترك لصوته الشجي حرية الانطلاق، ولا بكاء السجناء كلما صدح صوت مطربهم داخل السجن. القصة مشحونة بطاقة درامية هائلة، وأفعال حركية قوية، وتضاد كبير بين المجموعة (السجناء) التي طالما أبكاها مطرب السجن الريفي وبين المطرب نفسه. والذي لم يذرف دمعة واحدة إثر موت ابنه الوحيد (حميّد).

جلّ ما أراده السجناء من دعيّر أن يبكي على ابنه، وان يفرّغ شحنة حزنه العميق بأبوذية نعي تخفف عنه آلام الثكل وهم العارفون أن احتباس الحزن وعدم البكاء يؤديان بالرجل الى الجنون. الكارثة عقدت لسان (دعيّر) فكف عن الغناء وأمام ملحة الجميع اكتفى بقوله: "قلب الأب يدمع وعين الأم تبكي"

في هذه القصة عدد من الشخصيات المحورية التي دعمت الشخصية المركزية بالقول والفعل، وكلّها عززت دور البكاء في معالجة نفس دعيّر وخلاصه مما يسبب له الجنون حسب زعمها.

تتسع رقعة النصوص عند بولص آدم وتكبر مساحاتها وفضاءاتها كما مر بنا في قصص سابقة، وهذه القصة أيضا فموضوعاتها وتشعباتها لم يكن ممكنا صبها على أساس ضيق المساحة في أرض صغيرة. وهذا يعني أننا لم نخض في هذه المساحات أو في استراتيجياتها حرصا على التكثيف والإيجاز في المقال لا التوسع في الدراسة كما فعل الأستاذ الراحل حسين سرمك حسن وهو يتناول هذه القصة المحدثة بدراسة معمقة شاملة.

في سائق القطار يسهل على القارئ تحديد هوية الشخصية المركزية من عنوانها الذي تأسس على اسم الشخصية أو وظيفتها (سائق القطار) وتكون الشخصيات الأخرى بمثابة شخصيات محورية حتى الراوي الذي يخبرنا عما يدور في قصة سائق القطار فهو موجود من اجل دعم الشخصية المركزية بالمزيد من المعلومات عنها وهذه هي وظيفته المحورية عادة. ومن ضمن المعلومات التي أوكل القاص بها الراوي هي إخبارنا بما حدث في قطار آخر أطلق عليه (قطار الموت) والتي تتلخص في إرسال الحكومة عدداً من السجناء السياسيين الى السماوة بمقطورات محكمة الغلق في صيف قائض لتجف السوائل في أجسادهم ويموتوا جميعاً في خاتمة المطاف.

إن جلَّ قصص المجموعة ارتكزت على شخصية مركزية محاطة بعدد من الشخصيات المحورية وهذه سمة تقليدية درج عليها أغلب كتاب القصة العراقية والعربية الى إن حان الوقت لتغيير ذلك في توزيع المركزية على مجموعة من الأشخاص وليس على شخص واحد حسب ولم تعد ثمة أهمية قصوى للشخوص المحوريين في الأدب الحديث الذي تجاوز هذه المعضلة الأسلوبية مبشرا بما استجد في الأسلوبية المحدثة. وخاصة في المونودراما المسرحية، والمونولوج الروائي.

 

صباح الأنباري

 

الحسين بوخرطةقراءة تأويلية للقصة القصيرة "الخوف" للدكتور علي القاسمي

لم يكن الحلم الذي استولى على عقول الجماهير والنخب داخل القطر الواحد في العالمين العربي والمغاربي، من المحيط إلى الخليج، سنوات المقاومة من أجل الاستقلال وبناء الأوطان في سياق سياسي دولي بقطبين قويين، إلا تشييد أسس وجسور أنظمة سياسية بمقومات نظرية فكرية وثقافية تعيد لحضارة المنطقة أمجادها، ويتم الارتكاز عليها لبناء وحدة ونهضة إقليمية بأبعاد جيواستراتيجية حكيمة. لم يدر في خلد الفاعلين، في زمن المقاومة والنضال، سوى فكرة واحدة، وهي تحويل الأوطان إلى فضاءات معرفية، تستوعب كل أبناءها، وتتقارع فيها بسلمية الأفكار والإيديولوجيات، وتتنافس بإيجابية قصوى على ابتكار المعارف والسبل القابلة للتفعيل، راسمة محطات بأهداف واضحة، تتراكم من خلالها مقومات حماية كرامة وحرية الشعوب وتحقيق رفاهيتها وسعادتها.

امتزج الفكر والسياسة، ووثق التاريخ مرورا عسيرا من مرحلة لأخرى. فضاء الوطن القطري الواحد لم يحتضن أغلبية أبنائه. تشبث الوطنيون بالفكرة، واستسلم الانتهازيون للمواقع والكراسي والغنائم، تم اصطناع، بكل الوسائل المتاحة، دوائر النفوذ المحيطة بالسلطة المركزية بطبعة عسكراتية. وعم التهافت ترابيا، في إطار منطق متصارع وعنيف، لتقوية الامتدادات المناصرة، ليضيع الوطن، ويحرم من مادته الرمادية وروحه الجماعية. تكلست العقول، وضعفت عضلات الأوطان وتماسكها، لينتشر ضوضاء وضجيج اصطدام الحديد بالحديد تارة، وبعضلات أو أطراف المعارضين تارة أخرى، لتنقبض النفوس، وتحاصر الإرادات، وتلتهب النيران حارقة الأماني والآمال. همشت "الفكرة الصافية" وأصحابها، واعتبرت تعنتا. تم ترديد الهمسات على الآذان تحت طائلة الوعيد والتهديد، بنفحات الابتزاز والتخويف، رافعة عتبة التفاوض، ومعلنة في نفس الوقت رسمية انفراج الأوضاع في عدد من الأقطار، وبرزت خصوصيات وسطية في أخرى. تجاوز الصراع بعد سقوط جدار برلين وحشية جز الألسن والإبادات والاختطافات والتغريب بدون محاكمات، ليمر إلى مرحلة وسطية أخرى تتخللها أوامر بالاعتقال المشروع ظاهريا ومؤسساتيا. لاح صوت من الأعلى مكررا ومبررا الحاجة إلى مزيد من الوقت لإعداد المقال للمقام، رافعا هنا وهناك، ومن مرحلة سياسية إلى أخرى، شعار "لكل زمن رجاله".

في سياق هذا التقديم، كل من يسترسل في قراءة القصة القصيرة "الخوف" من تأليف الدكتور علي القاسمي، لا يمكن أن يتممها وهو في حالة عادية. ستنتابه بلا شك الرعشة والخوف تارة، ويستسلم كيانه للارتجاف رعبا وهلعا وللحمى جراء فضاعة تسلط رواد الطمع وحب السلطة والمال. لقد أرخ من خلال فقراتها لمرحلة أساسية ومحورية في تاريخ المنطقة، مرحلة أجهض فيها الحلم العربي، وتحول إلى كوابيس قاتلة. تم الاستيلاء ووضع اليد بالحديد والنار على الأوطان واستباحتها في تواريخ متباينة لكن يجمعها منطق واحد، لتتناسل الاعتقالات والاغتيالات والاختطافات وجز الألسن والأيادي.. ضاق واختنق الأفق، واضطرت العقول النيرة بفعل تعسف الأوضاع السائدة للبحث عن منافذ لدخول عالم الاغتراب واللجوء السياسي ومعانات التهجير القسري ... إن البحث على توطيد نفوذ السيطرة لم يترك أي فرصة للتفكير في تقوية الأوطان بزرع بذور المعرفة والديمقراطية، لتصبح الأجهزة الحاكمة، حكومات عسكرية أو شبه عسكرية، متعصبة للذات ودوام سيطرتها.

إن عمليات الانقضاض على الحكم على إثر انقلابات فجائية، عسكرية أو شبه عسكرية، أو ثورات بدون زعامات شعبية حقيقية، سرعان ما انفكت شعاراتها وتحللت، ليتم اللجوء المفضوح إلى اللعب على الخوف وتغذيته باستمرار لخلق الهشاشة والقلق والتذمر في الروح الجماعية والفردية داخل البلد الواحد.

بهذه الانطلاقات غير المشرعنة نضاليا وشعبيا، التي عرفها عدد من الأقطار الإقليمية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات تكدرت الأوضاع، وتفسخت العلاقات الاجتماعية، وارتمى المواطن رغما عنه، بنفسية مخنوقة، في غياهم الهم والتيه والدوخة والدوران.

وللوقوف عن تجليات هذا الوضع الفوضوي المخيف والمرتبك (ضعف السلطة التدبيرية بسبب انشغالها بترويع وتطويع نفوس مواطنيها)، اختار له الدكتور القاسمي عبارات مذهلة ومعبرة صورت للقارئ بإبداع تركيبة نفسية رجل القصة (الراوي) بالدقة المتناهية:

- خلَّف صخبَ المدينة وأدرانَها وراءه وأتى ينشدُ رحابةَ البحر وصفاءَه (الهروب).

- أحس بصعوبةٍ في التنفُّس وبشيءٍ ما في صدره، يسبّب له أَلَماً مُمضّاً ينضاف إلى صداعه.

- تلفّت حوله، فلم يَرَ في الشارع إلا سيّارات تتلاحق مسرعةً، وهي تُطلِق أبواقها المدوِّية، وتنفث دخاناً أسود من مخلَّفات وقودها.

- ألفى نفسه، بعد برهة، خارجاً من المدينة، مارّاً بشوارعها الخلفيّة العارية من الأشجار، وأحيائها التعيسة ذات المواخير القذرة السريّة، والروائح الكريهة المنبعثة من أكوام القمامة وفضلات الكلاب الضالة والأليفة، وهو يسرع الخطى مهرولاً صوب البحر.

وصل الراوي إلى البحر، إلى الملاذ الذي يتيح تثبيت النظر في أفق الأمل لترتاح فيها العيون. عظمة البحر التي تقاوم جبروت الإنسان وتسلطه. ينحني احتراما وإجلالا للبواخر متقنة الصنع ولقادتها المهرة، ويجلب المتعة والسعادة لركابها. إنه هروب الراوي من كرب المعيش باحثا عن الطمأنينة المنبعثة من شساعة البحار والمحيطات. إنه الهروب الذي خص له القاسمي عبارات الفقرة الموالية التالية، ليلامس القارئ المعنى والمغزى منها: جلس على ربوةٍ عاليةٍ تتوسّط حقلاً من الحقول المُطلّة على البحر - راح ينقّل بصره من خضرة الوهاد المحيطة به، إلى زرقة ماء البحر المترامي حتّى الأفق - راح فكره يتأمّل أحوال المدينة، وتتردّد فيه حكايات والده وذكرياته عنها، عندما كانت، إبّان طفولته، امتداداً لتلك الحقول المُزهرة والبساتين النضرة، لا يُسمَع فيها إلا تغريد الطيور ومزامير الرعاة - لم يكُن ثمّة ما يعكّر صفو ذلك المساء، فالنسيم رائق، والبحر ساجٍ، وأمواجه تنساب برقَّةٍ.

إنه زمن القطبين، زمن الانقلابات والانقضاض على السلطة، وما يترتب عنها من أوضاع صعبة، تقلصت الفضاءات الآمنة أو انعدمت بشكل كلي، بحيث يتحرك جبابرة الخوف والتخويف في كل مكان. إن فترة ارتياح السارد من فظاعة أوضاع المدينة لم تدم طويلا. فالفضاء المتسع الخالي، الذي حال بينه وبين الألم والخوف، سرعان ما فاجأه بحدوث فاجعة مرهبة وشنيعة. سكون المساء لم يدم طويلا. فما إن انتابه إحساس غريب جعلنه يَفزُّ ويدير رأسه بتوجُّسٍ إلى الخلف، مثلما يفزع جوادُ ويصهل وهو على بُعد عشرات الأميال من هَزَّةٍ أرضيةٍ داهمة، حتى داهم المكان جبابرة جز الألسن ورواد القهر ونهب الخيرات (النص:" بيد أنّي أبصرتُ أربعةَ رجالٍ قادمين من المدينةِ يحثُّون السير في اتّجاه البحر... تبيَّنتُ (للراوي) أنَّ الرجل الذي يسير في المقدِّمة، يرتدي ملابس مدنيّة ويداه مقيَّدتان إلى الخلف، والثلاثة الآخرون يحيطون به وهم يلبسون زيّاً موحَّداً خاكي اللون...).

إنه رجل بصفات وملامح المناضلين أو تراب وطن يعشق شعبه (النص: جبهةٌ ناصعةٌ، وعينان تشعّان نوراً، وملامح لم ينَلْ من طلاوتها العَنَتُ، ولم يحجب روعتَها المصابُ. وجهٌ مشرقٌ محبوب) بين يدي الانقلابيين العسكر وبوليسيهم السياسي، المتجبرون الذين لا يرحمون، ويلاحقون المعارضين أو رواد الفكر الأحرار أنّى ذهبوا وحيثما حلّوا، ليجب بهم في دهاليز التعذيب، ويخضعون خيرات الوطن لنزواتهم ومصالح ذويهم وأتباعهم، لتنتفي معاني الوطن (النص: كانت وجوه هؤلاء حادّة التقاطيع، مُتسمّرة مُتصلِّبة إلى الأمام في اتِّجاه البحر. الحقد ينقدح من عيونهم الخُزْر). أما صفة زعامة وشهامة وتاريخ نضالية المعتقل المنغرسة في وجدان السارد)، فعبر عنها بمعرفته اليقينية له، وكونه من أبناء القرية، وكان مجسدا لشساعة تراب الوطن من الغرب إلى الشرق، ومن الشمال إلى الجنوب (النص: هذا وجهٌ أعرفه، هذا وجهٌ ألفتُه منذ طفولتي ... وجهه قريبٌ من قلبي، حبيبٌ إلى روحي، له طعم التمر، وعذوبة الماء الفرات، وطالما حدّثت أطفالي عنه، فأحبّوه كما أحببته. ولكنّي لا أذكر اسمه. أسعفيني يا ذاكرتي المرهقة! انجديني باسم الرجل الأسير!).

فعلا، لقد نجحوا في تقييد وتكبيل سواعد الوطن بشدة لا تترك له أي فرصة للتنصل أو التخلص من أيديهم والهروب إلى مصير آخر (النص: الرجل ذاته في محنةٍ اليوم. وظلّ سؤالٌ محيِّر يجلدني: لماذا يقيّدون يدَي هذا الرجل؟ وإلى أين يقتادونه، يا تُرى؟).

أما عن الأساليب القمعية المعتمدة لإسكات الأفواه وتكميمها، فعبر عنها الكاتب بالفقرة التالية: "وضعَ أحدهم يديه بعُنفٍ على فكَي الرجل، مُرغِما إياه على فتح فمه. وسحب الثاني شيئاً لم أتبينه من الفم الفاغر، واستلَّ الثالث خنجراً، فقطع ذلك الشيء ورمى به في الماء. ورأيتُ بعينيّ خيطاً أحمرَ يمتدُّ من بقعة الماء تلك حتّى الأفق، ليلتحم بأشلاء الشمس المبعثرة هناك، ويرتفع إلى عنان السماء كنافورةِ دم...).

أمّا الوطن الأغر، بصفاته التي تشمل كل الأوطان، فشيمته المقاومة وعدم الاستسلام وكتابة صفحات التاريخ تارة بالأمجاد وتارة أخرى بالدماء (النص: فقد كان يقاوم بصلابةٍ، رافعاً رأسه بين الفينة والفينة إلى السماء وإلى الخلف). الوطن، بتاريخه وكبريائه، عندما يشتد عليه الضيق والاختناق، ينتفض ويصرح، وإذا عم الصمت حوله، يتربص بالزمن باحثا بإصرار عن فرص الحرية (النص: في أثناء ذلك وقع نظره عليّ من بعيد، أو هكذا خُيّل إليّ.  خُيّل إليّ أنَّ عينَيْه تستنجدان بي، تحثّانني على أنْ أتحرَّك، أنْ أصرخ في وجوههم، أنْ أفعل شيئاً، أنْ أنادي على الفلاحين في الحقول القريبة، أن أستغيث بالعمال في مصانع المدينة...).

لم يتدخل الراوي لأن حدة التدافع والتضامن أضعفها الخوف. إنها حالة انتظارية بائسة مكفرة، تتلاطم في جوفها في نفس الآن مشاعر الحصرة والعجز والوهن والعنفوان التاريخي. إنها كذلك مشمئزة بسبب المحاولات القهرية لإفراغ العواطف من حمولة الاعتزاز بالانتماء، لكنها تتطلع لاستيقاظ الضمير الجماعي واستنهاض الهمم (النص: بَيدَ أنّي بقيتُ جامداً في مكاني. فقد أخذ الخوف يتسرَّب إلى مسام جلدي ويتخلَّلها... لقد شلَّني الرعب المنبعث من نصالِ خناجرهم المسلولة، وأقعدني الخوف كسيحاً بلا حراك.. بشيءٍ من المرارة والخجل، اعترفتُ في دخيلتي أنَّني لست قتاليّاً بطبعي.. ولكن ماذا سأروي لأبنائي بعد اليوم؟ ... حتّى إنْ أخفيتُ الحادث عنهم وغلَّفته بالصمت والكتمان، فهل يعني ذلك أنَّ ما وقع لم يقع؟.. سيلاحقني مشهدُ ذلك الرجل الأسير كظلّي، حيثما حللتُ وأنّى توجَّهتُ.. وقلتُ في نفسي يجب أن أتحرَّك الآن، قبل أن يبتروا أطرافه، ويقطّعوا أوصاله، ويقضوا عليه". ولكن بدلاً من أن أتقدَّم إلى الأمام، وجدتُني مرتجفاً أجرُّ رجليَّ الكسيحتيْن إلى الوراء مبتعداً...)

لقد سقط جدار برلين، وتم الإعلان على النظام العالمي الجديد، ولم تجد أنظمة عدة بلدان عربية لحمة شعب موحدة ومتراصة تدافع عنها وعن وطنها، بل تم استحلال تدخل الأجنبي عسكريا لإسقاطها. لقد تبين تاريخيا أن تدبير الحكم الميكيافيلي بإشاعة الخوف من البطش، والقمع من أجل الاستمرار والسيطرة، لا يضمن وطنا حرا لمدة طويلة.

برزت خصوصية وطن أو أوطان وأخرى في مخاض عسير، وارتقت نضالات سلمية كما وكيفا، ونوقش التعذيب السياسي. وغلب الإطناب والتكرار على النقاش في شأن ديمقراطية الصناديق، لترتفع المطالب بإقرار وقفة تأمل لبناء أوطان ديمقراطية وإقليم ينجب كل برهة أطنان الثمار. تشكلت نخب رجالات الدولة في الاقتصاد والسياسة والإدارة، وعفا الله عما سلف، وبرز صيت نخب الفكر المستقلة، وتكثف التواصل والنقاش من أجل تشكيل عقل جماعي يرسم معالم وطن بسمات العرب والمغاربيين التاريخية. غاب الحديث عن الاختطاف والتعذيب وجز الألسنة وتكميم الأفواه، لتصدر أحكام بالاعتقال هنا وهناك. لم يتم الاستسلام للصمت، بل ارتفعت الأصوات الحقوقية، وتعددت الإضرابات عن الطعام، وتمت تعداد عمليات العفو وإخلاء السبيل أو المتابعات في سراح.

إنه وضع جديد بإعلامه القوي، وضع تزايدت فيه حدة الخوف، لكن هذه المرة من السجارة، والمشروبات الكحولية، والسرعة في السياقة، واستهلالك الدجاج والديك الروميين،.. تم استحسان الخوف كمرادف لركوب قاطرة المغامرة والمخاطر والمجازفات في الاقتصاد والسياسة والثقافة. ألغيت الحدود بين الخوف واليقظة والحذر. تفرع كل وطن إلى وطنيين، الأول مكروب ومغموم بإكراهات ورهانات التكيف مع العولمة وخائف من الانحدار والتقهقر، والثاني منشغل ومهموم بحقبة ما بعد الحداثة والهلع من تحويل العولمة إلى أدغال موحشة لا ضوابط إنسانية لها. تم الخضوع لعبقرية أنماط الإنتاج بلا سواعد عضلية، وتم تمجيد الاستهلاك، لتتخذ نسبة البطالة منحا تصاعديا. تم تفييئ الشعوب إلى ملاكين وغير ملاكين واندثرت البروليتاريا، وكثرت الاحتجاجات بمطالب اجتماعية.

أما تكيف الأنظمة والشعوب العربية والمغاربية سيبقى ناقصا للغاية ما لم تبرز العزائم لتشييد وحدة اقتصادية جهوية بسيادات قطرية متضامنة من الخليج إلى المحيط. أما عن أوضاع الأقطار المستقبلية، فلن تعبر المؤشرات عن زخم مشجع من الأمل إلا بتتويج مساراتها الجديدة على المدى القريب باستحقاقات دستورية وسياسية وانتخابية شفافة وذات مصداقية.

 

الحسين بوخرطة

.............................

للاطلاع على قصة الخوف للدكتور علي القاسمي

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=938920&catid=324&Itemid=1235

 

 

مجاهد منعثر الخفاجيهذا الإنتاج الأدبي مضى عليه قرابة القرن ونصف من الزمن تأليف الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي.

تعدُ رواية الجريمة والعقاب من أشهر رواياته حيث نشرت على شكل سلسلة من الأجزاء في المجلة الأدبية الروسية في عام 1866م وذلك قبل نشرها في كتاب كامل تحت عنوان الجريمة والعقاب.

وكأن المؤلف في روايته هذه يتنبأ بما سيحدث خلال العقود القادمة في ظل الغزو الحداثي للعالم!

وما يتبين لي بأن الكاتب شخص بلغ من المعرفة النفسية مبلغًا كبيرًا وقطع شوطًا طويلًا في تصور مكامن النفوس البشرية، فلذلك هو يحسن تصوير نفسيات شخصياته وتبيانها.

أو أنه شخص مضطرب نفسيا بالأصل فاستطاع أن يُحاكي هذا الاضطراب بشكل دقيق في روايته هذه؛ إذ أن “غالبًا” الشخص السوّي يصعب عليه أن يصوّر أو يُحاكي المضطرب نفسيًا في الكثير أو في أدق التفاصيل.

السؤال الذي طرحته على نفسي بعد إكمال قراءة الرواية: يشعر القارئ نفسه نظيرا للبطل يفرح لفرحه ويحزن ويتألم لحزنهِ وألمه، لكن هل تصل درجة التقمص إلى انتقال العدوى من البطل إلى القارئ؟!

الجريمة والعقاب رواية عالمية، موضوعها سيكولوجي، ملحمة نفسية فلسفية، فمن الناحية الموضوعية أو العلمية فهي عالية الجودة.

أساس بنائها مبني على الصراع الداخلي عند الإنسان وخاصةً الرغبة في التعبير عن النفس وإثباتها في مواجهة الأخلاقيات والقوانين التي أوجدها البشر مما يجعلنا نحس بقلق مضن ونتساءل عن العدالة في هذا العالم وفي الوقت ذاته نتساءل عما إذا كان يحق لنا الاقتصاص لتحقيق العدالة؟

مؤلف الرواية جعل نفسه شريكاً لنا في تصرفاتنا وأفعالنا السيئة منها قبل الحسنة، فتمكن من الغوص إلى أعماق أعماقنا، تعرف على أفكارنا، التي كثيراً ما كنا نرغب ألا يتعرف أحد إليها، فجعلنا محرجين، ليس أمام الآخرين وحسب، بل، وحتى، أمام أنفسنا.

كتب دوستويفسكي الجريمة والعقاب مفكرًا في الراديكاليين الشباب في ذلك الوقت الذين أنكروا المبادئ الأخلاقية المسيحية التقليدية والذين كانوا يدافعون عن الإطاحة العنيفة بالنظام القيصري واستبداله بنظام اجتماعي وسياسي قائم على السبب (العقلانية) فقط. أراد هؤلاء المتطرفون الشباب فعل الخير من خلال العنف، كما أراد دوستويفسكي نفسه أن يفعل في شبابه قبل أن يُحكم عليه بالإعدام ثم يُعفى عنه ويُرسل إلى سنوات من العمل القسري في معسكر اعتقال في سيبيريا، فتعرف على السجناء الذين كانوا يقتلون الأطفال لمجرد التسلية والذين لم يشعروا بأي ندم.

هذه الرواية في حد ذاتها صورة تعكس حياة المجتمع الروسي حينها، وترفع من شأن الإنسان الأعلى عبر التطهير والعودة إلى الإيمان.

تمثل الرواية ست شخصيات تقريبا من بينها شخصية متناقضة و مزدوجة وهو البطل، روديون رومانوفتش راسكولينكوف، طالب بائس متشظي لعدم شعوره بالانتماء إلى الوسط الذي يعيش فيه، تتولد لديه الكثير من الأسئلة والهواجس والأفكار التي تتسم بالطابع الانشقاقي والعدائي للمجتمع، يرى نفسه أنه أعلى مكانةً من سواه، ومن حقه أن يرتكب جريمة ما لكي يصل إلى المكانة التي يستحق، ألا يفعل كبار السياسيين ذلك؟

ألا يرسل القادة جنودهم إلى الموت ليرتقوا في سلم المجد؟

ولذلك كان راسكولنيكوف بحاجة لقتل عجوز لا قيمة لها تملك مالاً لكي يشق طريقه ويحقق مراده، ولكن ما دفعه حقاً لذلك هو تحديه لنفسه، ورغبته في اكتشاف حدوده وقدراته، فهل أجرؤ على ذلك؟

هذا السؤال الذي قاد الناس لتسلق الجبال والقفز من الطائرة، ومغازلة فتاة جميلة بعيدة المنال، هل أنا قملة أم رجل عظيم؟

يتساءل الروائي في روايته: هل قتل الإنسان للإنسان جريمة؟

إذا كان الجواب: نعم، فلماذا لا نحاسب بعض الأشخاص كنابليون وهتلر وغيرهما الذين قتلوا المئات، بل الألاف من الناس الأبرياء، ومع ذلك يُنظر إليهم كأبطال أو كقادة كبار، ما الذي جعل هؤلاء بمرتبة عليا لا تمسهم يد القانون و العدالة؟

نجد الكاتب يهتم كثيراً في روايته بإبراز ظروف الواقع الاجتماعي، التي تحصل فيها الجريمة كثمرة من ثمرات (السكر والدعارة و الفقر)، وهذه الأمراض الاجتماعية هي التي يعانيها سكان مدينة بطرسبرج (مسرح احداث الرواية).

الحقيقة قارئ تلك الرواية يمسه قبس من تلك النار التي أضرمت في عقله، إنها الحمى التي عصفت بعقل البطل وجعلت عقابه الأليم هو التفكير الزائد عن الحد.

نتيجة سئمنا قوالب الروتين التي وضعتها متطلبات الحياة اليومية يدعو عقل القارئ إلى أن يتعاطف مع العقل الذي أعلن تمرده على صاحبه فأحال حياته جحيمًا

أما المشهد المؤثر في هذه الرواية: أنا لا أسجد أمامك أنتِ .. بل أمام معاناة البشرية كلها.

هكذا تحدث راسكولينكوف إلى صونيا تلك الفتاة البائسة التي باعت جسدها من أجل إطعام أخوة لها من أبيها الذي ترك وظيفته المرموقة بعد إدمانه الخمر، هؤلاء الأطفال وأمهم المريضة بالسل كان يترصدهم شبح الموت جوعاً، لكنها كانت ملاذهم الآمن.

عبارة دوستويفسكي تدغدغ المشاعر كعبارته: الجمال سينقذ العالم.

بالطبع لا يتحدث عن جمال وجهها فقط، بل الجمال الذي يقصده هو انسجام الشكل والمضمون، فجمالها يتجلى في عظم إنسانيتها التي دفعتها للتضحية بهذا الجسد من أجل إطعام الصغار.

أنهى الروائي روايته بإسقاط رائع ليصفع ضمير العالم حينها ليفيق من ذلك السبات العميق بقوله على لسان راسكولينكوف:

ليهرق كل الناس ما شاؤوا من الدم. إن ما سال منه وما سيسيل جزافًا على الأرض، يهرق كما تسفح الشامبانيا. ومن أجله يتوجون في الكابيتول، ويرفعون إلى مصاف المحسنين للإنسانية.

وأخيرا فإن الرواية تظهر كيف أن الدين لا يعد شأناً شخصياً وإنما يعدّ مكوناً من مكونات الهوية الجماعية والفردية، فالبطل فراسكولينكوف بعد تشوشه بفعل حداثة القتل لن يجد الخلاص إلا بالعودة لهويته الدينية عن طريق من شعر تجاهها بعاطفة جياشة جعلته بمصالحة مع القيم المسيحية و مع هويته القومية.

والنهاية تظهر نزعة المؤلف القومية ورفضه للقيم الليبرالية الأوروبية وعداءه الشديد لها.

 

بقلم / مجاهد منعثر منشد

 

 

الحسين بوخرطةولد علي بن الحاج محمد بن الحاج عيسى بن الحاج حسين القاسمي (المعروف بالدكتور علي القاسمي)، أشهر النقاد والقصاصين العرب، في بلدة الحمزة الشرقي في محافظة القادسية في العراق في 31/5/1942. اختار في ريعان شبابه، أي منذ سنة 1972، أن يقيم ويعيش في المملكة المغربية.

تعد قصته "الكومة" من روائعه الإبداعية نظرا لغناها اللغوي وما تحتمله من تأويلات جد إيجابية وبناءة. إنها قصة معبرة عن قدرة اللغة على الإيحاء، بدون نفي مفهوم القصدية وارتباط اللغة ذاتها بغرض قائلها. بطلها يتحدث بضمير الغائب، بتعبيرات لفظية تتفاعل معها الروح بنفسية متوترة، لا تتيح أي هامش للحياد. البطل رجل متعود على ممارسة رياضة الركض فجر كل يوم بطقوس قارة دالة على تنشئته على الانضباط وتدبير الوقت، والتركيز على الذات. إن عمله في القطاع الخاص، عكس السائد في القطاع العام، حوله إلى فاعل يتصارع مع الزمن، بمهام لا تسمح له بالتركيز على تفاصيل الأحداث من حوله، خاصة تلك الخارجة على نطاق ما رسمه له مدبري المعمل.

وهو متعود على هذا النمط في العيش، الذي ترسخ لديه بفعل الضوابط الاعتيادية، تعرض لحدث عارض، لاحقه لمدة ثلاثة أيام. إن التساكن الاضطراري لتعوداته النفسية التي تبعده عن التركيز على تفاصيل الأحداث الخارجة عن نطاق فضاء أنشطة ساعات يومه المهنية من السابعة صباحا إلى غروب الشمس مع خاصيات الحديقة العمومية التي يركض بها يوميا (المرفق العام بأوصاف المتشابهة نسبيا عربيا ومغاربيا)، خلق منه كائنا بشريا نمطيا ومبرمجا. لقد زج به مبكرا في عالم اللامبالاة وعدم استحضار أي فائدة أو حاجة للتركيز على التفاصيل، حتى لو كانت معاناة إنسانية. حرصه على التركيز على الماديات (جسم سليم ومتنافس مهنيا تحت إكراه الخوف من نقصان أو فقدان الطاقة الاستهلاكية) جعله لا يأبه بأي انشغال خارج عن نطاق مسارات تحقيق أهدافه المسطرة مسبقا. وهنا، في اعتقادي، يكون القاسمي قد أغنى رسائل وعبر القاص يوسف إدريس في موضوع التنشئة على الصمت أمام الخطأ والخطيئة، بإبراز سلوك جديد، سلوك الأنانية واللامبالاة اتجاه القضايا والأحداث الخارجة عن اهتمام ذات الفاعل. فالقطاع الخاص في القصة (المعمل)، كمقابل للقطاع العام (الحديقة العمومية)، يجسد منطق الليبرالية كنمط إنتاج وسلوك بشري جديد، تغلب عليه النمطية والحركات المكانيكية، التي تتحول مع فعل التكرار إلى روتين مبرمج. أما أوضاع القطاع العام بلوبياته المتحكمة والمستفيدة، فقد نالت قسطا كبيرا من تأويل عبارات النص القصصي. لقد جسدها الكاتب بتشبيهها بحالة الطقس السلبية السائدة في تلك الأيام حيث العَتَمة التي تلف الأشجار التي يُسقط عليها مشاعر الرجل القلقة فتتراءى له أشباحا أخطبوطية (كانت العَتمة تلفّ أشجار الحديقة العامّة ونباتاتها، فتُخيّل إليه كأشباح طويلة وقصيرة ذوات أذرع متعدّدة متحرّكة مثل أخطبوط هائل داكن). ولإبراز موقف أو تمثلات البطل في شأن طبيعة أوضاع المرفق العام، المشوب بالفوضى واللامبالاة وانعدام الضمير المهني والجمود والصراع من أجل الاغتنام،.... تطرق القاص للوصف المتساوق لحالة الرجل الجسديّة المكدودة (اصطكاكُ أسنانٍ وارتجافُ أوصال) وهو يؤدّي مرغما طقساً روتينيا محاولا التكيف مع مظاهر البيئة من صقيع وعصف ريح في الحديقة العامة (النص: كانت أمطار الليلة الماضية على الأرض قد تجمّدت، هنا وهناك، صقيعاً يتكسّر تحت وقع قدميه. وعصفتْ رياحٌ ثلجيّة تخترق القلنسوة التي يعتمرها، وتلسع أذنيه وشفتيه فتحيلها حمراء قانية كعُرف الديك. وأخذتْ أنفاسه اللاهثة المتلاحقة تتناغم مع اصطكاك أسنانه وارتجاف أوصاله).

إنه يحيلنا على واقع مفروض يتطلب تحمل مشاق التكيف باعتناق سلوكين لا ثالث لهما، الأول أساسه التشبث بموقف اللامبالاة والتركيز على الذات وقبول قانون اللعبة على رقعة الشطرنج المغشوشة (خيار سهل يدمج صاحبه بيسر وبدون معاناة أو جهد كبير في عالم المصالح)، والثاني، بطبيعته الصعبة، يرتكز على المروءة والنضال والتدافع باستحضار مصلحة الذات المشروعة في إطار سياق الرفع من مستوى المصلحة المجتمعية. فالمواطن في إطار دولة مؤسساتية يكون دائما مرغما للتوجه إلى المرفق العام كيف ما كانت جودة أوضاعه (مكان موحش). إنها أوضاع منظومة تعيش معاناة سكرات الموت بسبب الإهمال. الدلالة في النص واضحة. لمح الكاتب "كومة" قاتمة بسرعة أثناء جريه ولم يعرها أي اهتمام، وكأنه يعتبر ما رآه أمرا أو حدثا طبيعيا، مستحضرا في مخيلته في الآن نفسه أن الوضع سيكون متغيرا لو كان الأمر يتعلق بحديقة خاصة مثل المعمل (النص: وفيما هو يجري مُسرعاً مكدوداً، لاحت له كومةٌ قاتمة على جانب الممرّ. ولم يكن لديه متّسع من الوقت (سرعة إيقاع حياة نمط العيش الليبرالي)، ليُمعن النظر أو يطيله في تلك الكومة، فاكتفى بأن حسبها مجرّد كومة أحجار جُلِبَتْ لترميم سياج الحديقة العامّة، أو، ركام أغصان تجمّع من جرّاء تشذيب الأشجار . لا يهمّ.)

لقد أبرز الكاتب من خلال عبارات إبداعية حدة القلق التي تنتاب المثقف كلما استحضر فرضية موت المرفق العام بفعل الإهمال والتسيب. لقد وصف انعدام الوضوح والشفافية بالغلس (ظلمة آخر الليل إِذا اختلطت بضوء الصباح)، وهو وقت مُبكّر جدا (توقيت مرتبك) لممارسة رياضة الجري، وهو في نفس الوقت "العادةُ" المختومة بأحوال عاصفة غمرت فضاء الأحداث المتتالية بلحظات معاناة شبيهة بشدة سكرات الموت، كنهاية محتومة لحياة كائن بشري يترك مكانه لجيل جديد.

العام كفضاء يستوعب الجميع لا يمكن أن يترك أحدا محايدا. وبذلك أحدث الكاتب نقلة في "التأويل" بين اليومين. تغيرت تمثلاته من اليوم الأول الذي اعتبر فيه الكومة مجرد أحجار أو ركام أغصان، إلى اليوم الثاني الذي ندّت فيه حركة مُريبة مع افتراض كونها مجددا حركة صادرة من واحد من الكلاب أو القطط السائبة التي تتخذ من الحديقة ملجأً (وهنا طرح فرضية التنقيص من قيمة الفضاء العام بإثارة عبارات "التسيب" "السائب" "ضالة" وإبراز عدم حاجته للكفاءة). موقف البطل المعبر عن اللامبالاة رغم تكرار الإشارات المنبعثة من الكومة مرده (عدم تقرّبه من الكومة ليطلع على حالها) هو انعكاس لتوجسه من العام. لم يعط لنفسه أي فرصة لاحتمال شيء آخر، كأن تكون هذه الكومة المُهملة "إنساناً" مثلاً. هو الراكض الهارب من أي تفكير يقلق راحته. ما يهمه هو ذاته. غض الطرف جعله يضع أولوياته الترفيهية الشخصيّة فوق كلّ اعتبار، متناسياً كل ما يحيط به أو يصادفه من متغيرات تستحق الالتفات. الأنا بالنسبة له هو التركيز على الرياضة من أجل الصحة وسلامة جسده وكماله والتمتع بملذات الحياة. إنها أنانية مادية لا يمكن أن يتولد عنها إلا الفزع من الموت. فإثارة توقيت اللحاق بالعمل هو تعبير عن ارتباط البطل بالأجر والمردودية في القطاع الخاص، ارتباط جفّت من خلاله المشاعر الإنسانية، وتفاقمت حدة استعباد متطلّبات الحياة للأفراد والجماعات.

إن موت المرأة العجوز هو تنبيه مقلق ودق لناقوس الخطر زمن ما بعد الحداثة في مجتمعاتنا العربية والمغاربية. هو كذلك تحذير قبل فوات الأوان من وقوع خراب الحياة في مجتمعاتنا. ففي اليوم الثالث تراءى له ما يُشبه يد ممدودة من الكومة. ومع ذلك، بسبب حرصه على تجاهل التفاصيل، حتى ولو كانت مرتبطة بمركز كينونة الفرد ومجتمعه، سمح لنفسه بتجاوز ما رآه بخطوات، ثمّ تدارك الأمر وعاد أدراجه، فإذا بها امرأة عجوز متلفّعة بعباءة سوداء. فقرار العودة إلى الكومة هو إشارة لإمكانية حدوث علو للهمم (وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا)، وأمل في استيقاظ الضمير الذي يحمل مقومات ارتقاء القطاعين العام والخاص بمنطق حضاري جديد.

فبالرغم انقشاع هويّة "الكومة"، استمرت النزعة المادية في السيطرة على البطل، بحيث لم يفكر إلا في ارتباط مد اليد بالعوز والحاجة للمال. أخرج بعض النقود، ووضعها في اليد الممدودة في العراء، ولكنّها لم تقبض عليها، فسقطت على الأرض. لم يستوعب في حينه أنها كانت تحتاج للعطف والعناية قبل فوات الأوان، وأن ينظر لوجهها قبل يدها (النص: التقط النقود، وحطّها مرّة أخرى في يدها، ونبّهها بالمناداة، ولكنّها ظلّت صامتة، ولم تقبض النقود. لمسَ كفّها وحرّكها بلطف لعلّها كانت غافية وهي جالسة. ولكنّ برودة مريعة سرتْ من يدها إلى أصابعه. وأشاعت في جسده قشعريرة وتوجّساً. وقبل أن يُتاح له القليل من التفكير، مال جسم المرأة بأكمله مع تلك الحركة الخفيفة، لتسقط على الأرض جثّة هامدة). ماتت العجوز، وبرز مجددا في الضمائر أن الموت هو صاحب الفضل الأول والأكبر على الحياة وليس العكس.

لقد أبرز القاسمي انطلاقا من واقعنا وتراثنا مفهوم الموت وتطوره سواء تعلق الأمر بالإنسان أو الأشياء أو المنظمات، مستحضرا تفاعل مقوماتنا الوجودية مع التطورات الكونية بدقة علمية بعيدة عن أي تأثر إيديولوجي.

إن الجو الرصاصي البارد الذي حول كل شيء في الحديقة العمومية إلى جمود، وأشجارها تعيش كذلك فصل خريف، شكل صورة قاتمة جسد عبث الزمان بطبيعتها الزاهية الساحرة. لقد اقتحم الموت كل شيء بها جراء شدة الإهمال الذي يحول الكفاءات إلى مجرد أشباح مخنوقة. لغة المكان، الذي تكومت فيه العجوز (الزمان) بحلتها البالية الداكنة، شاع فيه الغموض والتيه والعشوائية واختلاط الأمور إلى درجة أصبح صدى صيحات معاناة الرعايا لا تنفذ إلى ضمير المسؤولين. إن حدة القشعريرة والتوجس اللذان أصابا جسم البطل هو بمثابة نداء بعد فوات الأوان للتلاحم الحميمي ودعوة لنفاذ معاناة الآخر إلى القلوب، وتقوية التواصل بين الإنسان وأخيه.

 

الحسين بوخرطة

........................

للاطلاع

علي القاسم / الكومة

 

جمعة عبد اللهيضعنا الاديب زيد الشهيد (الروائي والشاعر) أمام نص روائي لم يلتزم بالقواعد الكلاسيكية في الفن الروائي، فهو يحمل اسلوبية متفردة في المتن الروائي وتقنياته المتنوعة. في صياغة اللغة. في خلق الفكرة الروائية، في تجسيد الرؤية الفكرية في المعنى الدال من خلال الحدث الروائي. ففي اللغة ينتهج اسلوبية المزج بين السرد النثري والشعري، يمزجهما ويصبهما في وعاء واحد، ويسكبهما في المنظور الروائي، في غاية الفخامة والتشويق، في ان يمتلك السرد لغة صافية في رشاقتها في الثراء اللغوي، حتى تكون مغناطيس لجذب القارئ بالشد والاهتمام ومتابعة بشغف تبعيات سرديات الاحداث الجارية في النص، هذا يدل على القدرة المتمكنة بعلم اللغة في وتوظيفها في الحبكة الفنية بمهارة، أضافة الى براعته في توظيف تقنيات متعددة قد تكون غير مألوفة، منها مزج الاسترجاع الزمني (فلاش باك) وجعله في زمن واحد. اضافة الى فن الوصف والتصوير في المشهد السردي، والاهم هو خلق حدث داخل حدث في النص الروائي، وبالاحرى حدث يخلق حدثاً آخر من رحمه أو من صلبه، يربطهما في نسق هرموني واحد على عتبات النص، ليضع القارئ في حالة اندهاش ان يقرأ حدثين في حدث واحد. ففي الحدث السردي الاول يتطرق الى مرحلة مختلفة عن مرحلة الحدث الثاني، الفرق الزمني بينهما خمسة عشر عاماً، في الجانب السياسي وهو المحرك الاساسي للحدث السردي، بتناول الفترات السياسية المظلمة التي مرت على تاريخ العراق، قديماً وحديثاً، يجمعهما مشتركات واحدة، لا فرق بين الاثنين، في الظلم والحرمان والحيف، يجمعهما مشتركات واحدة وجوهر واحد، لكن بأساليب مختلفة، ففي زمن الطاغية ينتهج نهج الارهاب المنفلت في البطش والتنكيل، وفي عهد الاحتلال الامريكي وتسليم مقاليد الحكم الى الاحزاب الدينية، تمثلت بالامن المنفلت بالفوضى السلاح المنفلت. حتى في الكثير من الاحيان، يلعلع الرصاص بينهم على حصص المغانم والفرهود والسلطة والنفوذ. هذا التعامل مع الشعب واحد لكليهما، لكنهما يختلفان في القشور فقط، في عهد النظام الدكتاتوري، كانت النساء يتبرجن في الزي والملبس (كان جميع من الفتيات مراهقات يلبسن البنطلونات الجينز والقمصان المشجرة) ص11. وفي عهد حكم الاحزاب الدينية في فرض الحجاب والزي الاسود (توجهت نحو غرفتها، رمت العباءة على السرير الخشبي، وخلعت عن رأسها شالاً لم ترَّ حاجة له بل أجباراً على ارتدائه منذ تولت الاحزاب الدينية مقاليد تسيير البلد) ص20. نجد بين الحدثين، أن الليل هو الفاعل في بث لواعج القهر والحزن ومواساة الجراح الداخلية باللوعة في نارها المشتعلة في الصدور، بأن الليل خير مواسي للاحزان. وهذه الرواية هي الجزء الاول من رباعيات الليل (الليل في نعمائه. الليل في عليائه. الليل في بهائه. الليل في نقائه) حكايات الحزن العراق بالوجع والالم الجاثم بثقله على صدور العراقيين في اشجانه المستعرة بالنار الملتهبة، أو ان الرباعيات تمثل تراجيدية الحزن العراقي، قديماً وحديثاً. كما نجد ايضاً في الحدث السردي مشتركات بين ابطال الرواية أو الشخوص المحورية، ففي الحدث الاول يجمع بين (مريم) والشاعر (وليد) حب الادب والشعر والتشوق الطاغي اليه، كما ايضاً نفس المشترك بين (حمامة) والشاعر (حزين) في التشوق الى الادب والشعر. وياخذنا المتن الروائي (الليل في نعمائه) بكل شغف الى حكاية (حمامة) الفتاة الجميلة والشاعر (حزين) في مجيئها من مدينة البصرة الى مدينة (السماوة) لتنزل في نفس الزقاق ونفس البيت الذي سكنته (مريم) قبل خمسة عشر عاماً، واطلق أسم الزقاق بأسمها زقاق العمة، ولا أحد اعترض على التسمية (الزقاق الذي اطلقوا عليه قبل خمسة عشر عاماً (زقاق بيت العمة) وظل مقروناً بالاسم، لا أحد من المدينة تنكر له في أستبداله) ص9. لفت نظره الشاعر (حزين) لفتاة رشيقة القوام والجمال (حمامة) تتجه بخطواتها المتعثرة في مشيتها صوب البيت،كأن اصابتها وعكة صحية مفاجئة، تطلع الى جمالها وخفق قلبه بخفقات الشوق متصاعدة في اللهفة لهذا الوجه الفاتن، وقال وهو يدردم مع نفسه (أنها فتاة مموهة بالوان الطيف، فهي الالق وقال هي غيمة بيضاء تعوم في بهاء شذري ناصع، فهي بسمة من بسمات الله في لحظة رضائه) ص9. لكنه استغرب في اندهاش وحيرة، لماذا هي وحدها تركت مدينتها مدينة البصرة، وجاءت هنا الى مدينة (السماوة) وتسكن هذا الزقاق وفي البيت المنزوي القديم. وراح يتسأل بلهفة وهو في حالة بعثرة حواسه بالاضطراب لهذا الجسم الرشيق (حمامة)، ولكنه يعود ويقرض نفسه بالحزن بأن الشعراء يملكون قلوب حزينة وهذا دأبهم في ذلك (هكذا هم الشعراء، ألم في ألم، وجزع يليه جزع، وليست للسعادة رقعة في خارطة حياتهم) ص15،، وراح يلاحقها من بعيد وقريب يطلب العلاقة والتواصل معها، وعرف انها تهوى الشعر وتحضر ندواته الشعرية وتقرأ قصائده وتشتري دواوينه الشعرية من المكتبات، فتعلق بها اكثر. في معرفة سر قدومها، وسكنها وحدها في وحشة الليل، وفي بيت العمة (مريم) هذا البيت المنزوي في الزقاق، لابد وان هناك سبب وجيه للمجيء هنا ؟. ويعود الحدث السردي (فلاش باك) الى خمسة عشر عاماً الى الوراء، عندما جاءت (مريم) أمرأة ذات ثلاثين عاماً جاءت من البصرة الى هنا لتسكن هذا البيت المنزوي بصحبة مختار المحلة وهو يسلمها مفاتيح الدار ويطمئن هواجسها. بأن الناس في المحلة والزقاق يملكون الطيبة والتواضع والمحبة والشرف والشهامة والنخوة والتآلف الاجتماعي. ووجدت (مريم) عمل في معمل الخياطة النسوية، وحين تعود من عملها تكون محملة بالحلوى وتوزعها على أطفال الزقاق في فرح وابتهاج، حتى نالت احترام الناس ومحبتهم، واصبحت واحدة منهم. لذلك لم يتجرأ أحداً لمعرفة سبب مجيئها الى هنا، أو ما تحمل من مأساة في داخلها، وكذلك في رفضها الزواج من الذين تكاثروا في الرغبة بطلب يدها، لكن الحزن واللوعة لم تفارقها في شدها الى الماضي والى مدينتها. فكانت تحمل قصة حب وعشق مأساوية غارقة بالحزن والمعاناة، فقد أحبت الشاعر (وليد) هامت به بالعشقً والهيام، وهو بادلها نفس الشعور بالهوى والهيام حتى تكلل الحب بالزواج، ورأت السماء تفتح اسايرها لهذا العشق النقي والصافي، ولكن لم يمضِ على زواجهما شهرين فقط حتى اغتال النظام زوجها الشاعر (وليد) لانه كان مناوئ للنظام ورفضه الشديد لاشعال الحرب ضد ايران واستهجان ممارساته الارهابية ضد الناس، فكان عقابه بالاغتيال الوحشي والبشع (كان وليد مهشم الرأس، مقطوع الانفاس،جيء به متقطع الاوصال، متهتك الاعضاء..... وسيارته محطمة بشكل كلي و كأنها رميت من قمة جبل الى وادٍ سحيق) ص111. وبعدها شن النظام حملة اعتقالات ضد اصدقاء وليد واقاربه، وحتى شقيقه هرب من الاعتقال، وزوجته (مريم) هربت من بطش النظام خوفاً من سجنها وقتلها، لذلك جاءت الى السماوة هاربة من رعب وبطش النظام، وسكنت في هذا الزقاق الذي اطلق عليه اسمها، وفي هذا البيت المنزوي تداوي جراحها الحزينة في عتمة الليل. وحين اشتد عليها المرض وانهكها تماماً، حتى اصبح ليس في مقدورها ان تطعم نفسها، فتطوع الجيران في عنايتها واطعامها والرعاية بها، لكنها شعرت بأن أن اجلها المحتوم اقتربت ساعته، فصرحت للجيران برغبتها، بأنها تريد ان تموت في مدينتها وقرب قبر (وليد) وسكان المحلة لا يعرفون من هذا (وليد) الذي تعلقت به اشتياقاً وتردد اسمه على الدوام في غيبوبتها، ولم يسألها أحداً بما تحمل من قصة حزينة ومأساوية، فكانت تردد (أريد العودة الى وليد. وليد من يشفيني، ولم نكن نعرف من هو وليد، ولا هي افشت بسرها) ص92 و فحملوها الى كراج السيارات وهناك انطلقت بها السيارة الى البصرة. هذه التراجيدية المأساوية سببها النظام الطاغي بالبطش والارهاب. ومجيء (حمامة) الى هذا الزقاق والبيت، من اجل استخراج السر الدفين في احدى جدران البيت،وهو مذكراتها اليومية عن حبها المفجوع، سجلته على الاوراق واشرطة الكاسيت. وحين وجدت (حمامة) بأن الشاعر (حزين) لايكف عن ملاحقتها بالسؤال، وبما أنه يملك نوايا صادقة، وكان في كل مرة يردد بإصرار حين يراها (ردي حمامة..... ارجوكِ) ص60. فوقفت أمامه وقد رضخت له فقالت (أحقاً تريد الجواب.. يا حزين ؟ أمستعد لما ستكتشف؟

فقال لها (نعم.. بكل جوارحي

- بكل جوارحك ؟ أهذا عهد لا تراجع عنه ؟

- نعم : قالها باصرار)ص61.

عندها سمحت له بالدخول الى البيت والى غرفتها وطلبت منه الاطلاع على الاوراق وشريط المسجل، وذهبت هي تعد له القهوة. وانخرط في قرائتها والاطلاع عليها. واصابه الحزن والالم وهو يطلع على السر الدفين، بقصة حب حزينة جداً التي انتهت الى مأساة، قصة حب (مريم) واغتيال زوجها (وليد)، وخرج من بيت (حمامة) في حالة الذهول والحيرة والحزن (خرج حزين تاركاً بيت حمامة كالمسحور ذاهلاً، ومتذبدباً، ومشوشاً، خرج والصورة التي ألتقطتها عينه، قبل خروجه تستقر على المسجل والاوراق والمنضدة واكواب القهوة وحزن حمامة) ص92. واتفق مع (حمامة) بعد ذلك على طبع ونشر قصة الحب الحزينة ليطلع الناس عليها، وعلى بطش النظام الساقط بأن (وليد لم يمت. بل لن يموت. وليد يعيش في ذاكرة الاجيال. يعود الى جيل جديد يتخذ من كلماته هداية ليومهم ومسيرتهم، يرون فيه الرجل الذي لم يهادن على المبادئ، ولم يتخلَّ يوماً عن البصرة والعراق..... يستذكرون قوله : الاقدام صفة من صفات الشجعان، شرط أن يتحلوا برجاحة العقل، وإلا كانوا حمقى. كان وليد راجح العقل قوي الشكيمة) ص119. لهؤلاء الشجعان هم شهداء العراق ونجومه المضيئة، هم نوارس الحرية في ساحة التحرير. والحياة تؤكد بديهية ناصعة البياض وبيقين الحقيقة، أن البطش لن يدوم، والطغاة مصيرهم مزبلة التاريخ.

 

 جمعة عبدالله

 

 

كان التوق إلى الحرية مشروعا فلسفيا سياسيا والشغل الشاغل للفيلسوف والطبيب الإنجليزي جون لوك (1632 – 1704). فهو يعتبره الحق الطبيعي لكل فرد، لكي يستطيع تكوين شخصيته المتفردة؛ فالإنسان لن يكون مكتملا في انسانيته إلاّ إذا كان حرا مستقلا عن إرادة الآخر. فهذه الأفكار التي تنتمي إلى القرن السابع عشر، ما زلنا في صراع لتحقيقها في الواقع المعاش كما في مجال الإبداع.

هذا ما عايشناه مع الرواية السيرذاتية المعنونة  "سأعيش حياتي"، التي أثارت ضجة إعلامية، وباتت تتقدم لائحة الكتب الأكثر مبيعا، في هولندا، منذ الأسبوع الأخير من شهر آذار / مارس، بعد صدورها يوم 10 شباط / فبراير 2021. وهي الرواية الأولى لطالبة اللغة الهولندية، ذي الثالثة والعشرين ربيعا، لالا غول، الهولندية من أصول تركية.  فبعد موجة من الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي  ضدها، تبدو أنها ستستسلم  وتتوقف عن الكتابة. لقد اهتم الاعلام المرئي والمقروء برفضها للوسط الذي تعيش فيه وتمرّدها عليه أكثر من اهتمامه بتحليل أسلوب ومتن الرواية وأهمية النقد الاجتماعي ووضع المرأة في الوسط الذي تنتمي إليه الكاتبة.

تعيش الشخصية الرئيسة، بشرى، في عالمين متناقضين ثقافيا؛ وسط محافظ ومغلق داخل المجتمع الهولندي الأوروبي المنفتح على الآخر. تذهب كل نهاية الأسبوع  إلى مدرسة Milli Görüs  لكي تتعلم اللغة التركية، وتحفظ القرآن عن ظهر قلب دون فهم فحوى الآيات القرآنية.

بشرى كما الكاتبة، فتاة ترعرعت في وسط تركي - هولندي في منطقة كولنكيت، غرب أمستردام. تحكي تجربتها كشابة تتوق إلى الحرية، ولا تجد من يستمع إليها ويوجّهها. فوالديها  لازالا  يعيشان، بنفس العقلية كما كانا في قريتهما التركية النائية، في وسط تحكمه المعتقدات والعادات والتقاليد وتعاليم إسلامية يُمليها تيارٌ ديني متشدد، ممزوجة بأسلوب حياة مشبع بثقافات راسخة في القدم. كما أنهما غير متعلمين ولغتهما الهولندية ضعيفة. وهذا يجعل التواصل مع ابنتيهما صعبا.

تعتبرMilli Görüs  أكبر حركة إسلامية تركية في غرب أوروبا ولها نشاطات في عدة دول من بينها هولندا، بلجيكا، فرنسا وألمانيا. فاسم ميلي غوروش مأخوذ من كتاب صدر عام 1975، للزعيم الإسلامي القومي المحافظ "نجم الدين أربكان" (1926 – 2010) والذي يُترجم  كإيديولوجية "رؤية وطنية".

كان أربكان أول رئيس وزراء إسلامي (1997- 1998) وهو مؤسس لعدة أحزاب إسلامية وآخرها حزب الرفاه، منذ ستينيات القرن الماضي حتى عام وفاته 2010. ايديلوجية ميلي غوروش ترفض العلمانية وتدعو إلى اتباع القيم الإسلامية وتقوية العلاقات مع الدول الإسلامية.  وكان يُؤلمه الصعود السياسي لتلميذيه رجب طيب أردوغان  وعبد الله غول عام 2002 إثر فوز أردوغان وحزبه العدالة والتنمية  في الانتخابات بأغلبية ساحقة من خلال توليفة ذات مرجعية إسلامية تتبنى (علنيا وليس ضمنيا) الديمقراطية الليبرالية.

تضم مؤسسة ميلي غوروش حوالي خمسين منضمة موزعة في هولندا وثلاثين ألف  منخرط هولندي من أصول تركية وتحصل سنويا من الدولة الهولندية على دعم مادي يصل إلى عشرات الآلاف من اليورو. كانت قيادتها لفترة وجيزة تتسم بالليبرالية الدينية حيث أدانت خلال خطبة في مسجد "ميلي غوروش"  مقتل المخرج  ثيو فان خوخ من قبل محمد بوييري في 2 شباط / نونمبر عام 2004. لكن المركز الرئيسي رفض هذه الليبرالية وسحب الثقة من فرع هولندا. ثم نقل القيادة إلى مقر المؤسسة الأوروبي، المعروف بتشدده. في مدينة كولونيا بألمانيا.

كانت  البداية في برونشفايك، عام 1967، حين تجمع  بعض الطلاب الأتراك لتأسيس جمعية لتقديم خدمات دينية للعمال الوافدين إلى ألمانيا منذ 1961 وبناء مسجد للصلاة وفضاء لتجمع هؤلاء العمال فيه إلى أن أصبحت، منذ 1995، مؤسسة كبيرة بفروعها المنتشرة في أوروبا.

ففي روايتنا، الشخصية الرئيسة، بشرى كما لالا، مجبرة للذهاب إلى مدرسة نهاية الأسبوع، ميلي غوروش، محجبة، من السادسة إلى السابعة عشر من عمرها. وتتذكر أنها يوما طُردت من المدرسة لأن أظافرها كانت مصبوغة. فقوانين المدرسة صارمة جدا. كما أن الحجاب إجباري بالنسبة للفتيات القاصرات. تقول لالا أنها لم تخبر أمها، عامين كاملين، بدورتها الشهرية وذلك خوفا من أن يُفرض عليها ارتداء الحجاب.

ترفض بشرى القواعد الصارمة في البيت وكذلك في الوسط التركي المغلق الذي يعيشون فيه. النميمة والرقابة الاجتماعية تؤثرا كثيرا على الفتيات وتحدّا من تحركاتهن وكذلك من تنميتهن الذاتية. فتثور بشرى ولا تجد من يفْهمها ويتفهّم حاجياتها كشابة مراهقة. تتراكم أسئلتها وما من مجيب. الوالدان يقعان تحت ضغط لوائح العيب والحرام وليس لديهما تفسيرا لإقناع شابة تعيش في بلد متقدم ديموقراطي يحترم الحريات وبالأخص حرية التعبير التي يتلقّنها الأطفال منذ نعومة أظافرهم في البيت وفي المدرسة ابتداءً من الروض.

أَضف إلى لائحة الممنوعات؛ فالاستماع إلى الموسيقى ممنوع، العلاقات الإنسانية مع الجنس الآخر ممنوعة، تكوين صداقات مع شبان غير قانونية، ارتداء الملابس الجميلة والماكياج غير لائق والسهر خارج البيت غير مسموح،  كما الاحتفال بعيد الميلاد والسفرات المدرسية  وغيرها. تقول الكاتبة أن بشرى ليست لالا غول. لكن هذه الأخيرة عانت أيضا من كل هذا. فتقول: " لا أريد أن أكون مجرد نبتة في غرفة المعيشة"

زاد الضغط على لالا وعلى عائلتها. فوالدها بدأ يتجنب الذهاب إلى المسجد للصلاة. أما التلفون فلم يتوقف عن الرنين. حسب هذا الوسط، فهي تهين سمعة الجالية التركية وتوسخ سمعتها وللحفاظ على أمنها اضطرت أن تغادر بيت والديها لتعيش في مكان آمن وفرّته لها بلدية أمستردام ورئيستها فِمْكَ هِلسْما (حزب اليسار الأخضر). بالإضافة إلى الرسائل السلبية والتهديديات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فأهلها أيضا لم يسلموا من كلام البعيد والقريب. ويقال أن منظمة ميلي غوروش اتصلت بوالدها لتوبيخه. اهتز العالم من حولها داخل هولندا وأيضا في تركيا؛ حيث تًرجمت مقاطع من الرواية وأرسلت إلى الصحف التركية المحافظة. لا تحتوي الرواية على نقد المجتمع الإسلامي المتشدد وسيطرته الاجتماعية وأيضا السياسية على هذه المجموعات بل أيضا رفضا تاما للعيش بهذه المنظومة. وهذا لا يقبله بالطبع المحافظون الإسلاميون ويعتبرونه انتهاكا لشرف العائلة وارتدادا يجب معاقبته.

تعترف لالا أن روايتها تتضمن تفاصيل كثيرة من حياتها. تذهب لالا /بشرى لزيارة عائلة صديقها الهولندي السابق فريك (اسم مستعار)، دون علم أهلها، وتجد آذانا صاغية لها. فوالدة فريك تهتم برأيها في أشياء كثيرة. تريد معرفة ذوقها في الستائر وتناقشها عن السياسة وعن برامج تلفزيونية شاهدوها. أما والد فريك فيتحدث معها بصراحة عن انتخابه للحزب اليميني المتطرف، حزب الحرية PVV . كما أنها (بشرى / لالا) تشاركه الرأي في إيقاف هجرات المسلمين إلى أوروبا.

يبدو أن النظام الأوروبي عملة ذو وجهين؛ فلولا الديمقراطية وحرية التعبير وحرية الأديان، لما استقبلت أوروبا في ثمانينيات القرن الماضي الإسلاميين الهاربين من بطش الحكم العسكري التركي. هكذا لقوا ملجأ آمنا ليعيدوا تنظيماتهم ويوطدوا تواصلهم الأيديولوجي. ومن ثم عادوا، واسلاميين لاجئين آخرين، إلى بلدانهم لتطبيق خططهم الأيديولوجية؛ الإسلام السياسي. فالدروس التي تلقتها بشرى / لالا غول في مدرسة ميلي غوروش كانت تتناقض مع  النظام التعليمي الهولندي المبني على المساواة بين الجنسين وحرية التعبير. فهذا التناقص خلق لديها غضبا وبقيت أسئلتها بدون إجابة. فأدارت ظهرها للوسط التركي المحافظ والمتشدد. اختارت حياة جديدة، حريتها. فتوقها إلى الحرية آتى أكله بتسليطها الضوء على وضع المرأة في هذه الغيتوات التي تعيش على هامش المجتمع، وبالتأكيد جعلت فتيات أخريات يتجرأن لحماية أنفسهن في حالات مشابهة، في مجموعات عرقية أو دينية متشددة أخرى.

وختاما، فإن لالا غول حُكم على شخوص روايتها من قبل أفراد جاليتها، لكن شخوص الرواية المعنونة "لقيطة اسطنبول" لمواطنتها إليف شفق مثلوا أمام القاضي عام 2006، الذي برّأها وشخوصها لعدم توفر أدلة كافية.

 

نجاة تميم

 

علي جابر الفتلاوي(اهزوجة عشق خريفية) مجموعة شعرية جديدة، تأليف الشاعر (ثامر الحمداني) أصدرها بداية عام 2021، وصدر للشاعر قبل هذه المجموعة،مجموعتان شعريتان هما: على ضفاف الوجد، في انتظار خطاها.

عناوين المجموعات الشعرية الثلاث، نستوحي أن الغالب في شعر الشاعر ثامر الحمداني، هو الحب والعشق، وأفهم أنا كقارئ أن الحبّ في مختلف ألوانه له مصاديق كثيرة في حياتنا، فالأنسان يحب الله، يحب الحياة، يحب الخير، يحب الوطن، يحب الجنس الآخر، يحب العائلة، إلى غير ذلك من محفزات الحياة الكثيرة التي تدفع الانسان أن يحبّها، أحيانا يحب الانسان أحد هذه المصاديق أو غيرها بدرجة كبيرة حتى تظهر مظاهر هذا الحب في سلوكه، حينئذ يسمى عاشقا،  فالعشق أعلى درجة من الحب، وكثير من العشاق يضحّون بأنفسهم من أجل معشوقهم، وفي التاريخ العربي من اشتهر بعشق إمراة كمجنون ليلى وهو شاعر الغزل قيس بن الملوح، وجميل بثينة، وكثير عزّة، وغيرهم، ومن أهل الايمان والفكر من يعشق  الله سبحانه، وهؤلاء يسيرون في اتجاهين التصوف والعرفان، وسلوك المتصوف غير سلوك العارف. استوحي من العنوان أمورا:

الأمر الأول: وصف الشاعر ديوانه أنه أهزوجة، والأهزوجة تكون وليدة ساعتها وتعبّر عن حالة شعورية معينة يعيشها من يهزج، وفي نفس الوقت يعبّر عن مشاعر مجموعة من الناس عندما يهزج في وسطهم، نرى الناس الذين يُهزَج لهم يستقبلون صاحب الاهزوجة بالارتياح والرضا، إذ يتفاعلون مع الاهزوجة.

عرّفت الموسوعة الحرّة الاهزوجة أنها نوع من الأناشيد الشعبية الغنائية، لا يصاحبها أي نوع من الآلات الموسيقية تعتمد في القائها على المد الطويل للكلمات مع إصدار الصوت الواضح الدال على التمديد، وتسمى في العراق (الهوسة). وأهزوجة شاعرنا ميدانها الحب، فقد تصفحت الديوان فوجدت الغالب في قصائده الحب، وهذا مؤشر على قرب الشاعر من مشاعر المحبين، وأنّه مرهف الاحساس يعبّر بصدق عن مشاعرهم  وأحاسيسهم.

 الأمر الثاني: استوحي من كلمة (عشق) أنّ شاعرنا أما أنّه يمر بتجربة عشق حقيقية فترجمها إلى قصائد، أو أنه استوحى مشاعر العشّاق فترجمها إلى كلمات حارّة في قصائده، ومن خلال معرفتي للشاعر المتألق، اقول: أنّه مرهف الاحساس يتحسس مشاعر العشّاق فيترجمها إلى كلمات تشع منها حرارة تلذع بشكل خاص من يخوض تجربة حب، قد تكون هذه التجربة صامتة تظهر من خلال مؤشرات في سلوك المحبين، وقد تنتج تجربة الحب كلمات يعبّر بها المحب عن مشاعره وأحاسيسه تجاه محبوبه، وفي كلتا الحالتين أجاد الشاعر في قصائده، فهي قصائد معبّرة عن أحاسيس صادقة، ليس هذا فحسب بل أرى الشاعر يحمل هموم أهل الحب خاصة، بدليل أن اسم الديوان الأول، (على ضفاف الوجد) والثاني (في انتظار خطاها)، وكلا العنوانين يوحي بالحب، وهذا مؤشر أن شاعرنا مرهف الاحساس يعبّر بصدق عن مشاعر وأحاسيس المحبين.

الأمر الثالث: استوحي من كلمة (خريفية) في العنوان، أنه يشير إلى عمره، إذ يعدّ نفسه في خريف العمر، أي مابين مرحلة الشبابية والشيخوخة، وأقول للشاعر المبدع ثامر الحمداني، أن الروح لا تكبر أو تشيب إنما الجسد فقط هو الذي يهرم، لكن الروح تبقى متوثبة ومتحفزة للإبداع والعمل في اتجاهات عديدة.

تصفحت المجموعة الشعرية وجدت جميع القصائد موضوعها الحب، أفراحه آلامه محطاته، مع رسم للمشاعر بكلمات معبّرة، يبدو فيها الشاعر وكأنه يمرّ بتجربة حب عميقة، أرى أنّه يستوحي مشاعر وأحاسيس المحبين، فيترجمها إلى كلمات توحي وكأنه هو من يعيش هذه التجربة، وهذا دليل على شاعريته وإبداعه؛ بدأ مجموعته الشعرية بببت من الشعر اسماه (توطئة):

كنتُ الكتابَ لها فطارتْ أحرفي           تحكي الهوى  أهزوجة لخريفي

عندما يكون الحبيب كتابا لحبيبته، ثم هو من يخط أحرف الكتاب، هذا يعني أنه أسير حب يتجّه به حيث يريد، لدرجة أن كلمات الحبيب تحولت إلى اهزوجة للمحب وهو في خريف العمر، لم يكن عائق العمر عقبة، وهو في هذا العمر الخريفى اُسِر قلبه من غير إرادة منه، بعد التوطئة يأتي عنوان (تقديم) للأديبة الفلسطينية (خلود أحمد أبو ريدة)، عبّرت عن رأيها في المجموعة الشعرية، ولا تعليق عندي على التقديم.

نختار نماذج من مجموعته الشعرية، القصيدة الأولى (تطريز)، يقول:  

اهزوجة  نُسِجت  بخيط        وداد            تحكي  حكايا  العشق   للآباد

هي نبض من كانوا رموزا  للهوى            تروي  حكايا العبد   والأسياد

ودموع من عاشوا الهوى     دفاقة            تشكو عذاب العشق والأصفاد

جمر الهوى يكوي القلوب وميضه            أوّاه  من  جمر  لظاه     وقاد 

أرى القصيدة بأبياتها الخمسة عشر تحكي قصة حب يكتوي قلب الحبيب بلهيب نارها، إذ (يرنو الفؤاد متلهفا إلى وصال حبيبه ...مدى الآباد)، وصف الشاعر قصة حبّه أنها اهزوجة، أهزوجة الشاعر تختلف عن الأهزوجة المتعارف عليها كون أهزوجته نسجت بخيوط الود والحب، بل الحب ارتقى إلى العشق الذي يذوب فيه العاشق في هوى معشوقه إلى نهاية العمر (للآباد)، وهذا اعتراف من العاشق بسطوة نار الحب على قلبه لدرجة أنّه يعيش لظاها مدى العمر، وصف الشاعر الحبيبة أنّها نبض، وبتوقف النبض تقف الحياة، حكاية الحب التي عبّر عنها الشاعر أشبه بالعلاقة بين السيد والعبد، العبد أي العاشق يذوب في هوى معشوقه لدرجة أنه يتملكه ويصبح عبدا مطيعا له، دموع العاشق لا تتوقف فهي دفّاقة، وهذا مؤشر أن العاشق لا يقابل بنفس نار عشقه من محبوبه، عشق غير متعادل، هذه الدرجة من العشق تكون في ظروف معينة مؤلمة للعاشق، كون العاشق يكتوى بنار معشوقه دون ملل أو توقف، لا رحمة في العشق إن كان المعشوق لا يبالي بمشاعر العاشق إذ سيتحول قلبه إلى جمر لظاه لا ينطفئ، يستمر الشاعر في وصف مشاعر العاشق. للهوى جمر يكوي قلب العاشق وميضه، وقلب العاشق يبقى مكتويا لأنّ نار الحب تزداد اشتعالا، وهذه النار لا أحد يستطيع إطفاءها إلّا من كان سببا في إيقادها، وهو الحبيب الذي يعيش في قلب العاشق، أبيات القصيدة توحي أن المعشوق بعيد المنال هو أشبه بالسحاب في السماء، يصعب الوصول إليه. أخيرا يختتم قصيدته بقوله:

في  وصلكم  أنات  قلب  تنتهي            تترجل  الأحزان  بعد  سياد

يشدو  كما  الأطيار  لحن مودة            تتراقص النبضات في إسعاد

تدعو  إله  الكون  يبقي جمعهم            ما دام  صوت بالوداد ينادي

هنا يعلن الشاعر أن وجع القلب سينتهي بوصال الحبيب، والأحزان ستغادر بعد أن كانت متسيدة على القلب، سينبض قلب الحبيب بوصال حبيبه نبضات الفرح والسعادة، كالطائر الذي يغنّي لحبيبه في أوقات القرب والوصال، نبضات قلب الحبيب بعد الوصال تتحول دعوات إلى إله الكون، بأن يديم الجمع بين الحبيبين ما دام الوصال والوداد  موجودا ومستمرا، إنها مجرّد أمنية، وليس كل ما يتمنى المرء يدركه، نرى الشاعر يتحسس مشاعر القلب الدفينة الدافئة الحنونة، فيترجمها إلى كلمات ذات حرارة، وهذا مؤشر على الشاعرية والارهاف الحسّي.

أطول قصيدة في المجموعة الشعرية هي (فصول الهوى)، القصيدة أشبه بخطاب وعتاب من الحبيب إلى حبيبته، يظهر أن الحبيبة فاقدة للثقة بحبيبها، إذن الحب من طرف واحد رغم ما يبدي الحبيب من مشاعر الود والشوق، الحبيبة تسمع كلمات الحب لكنّها تتجاهلها، رغم توسّل الحبيب بأن تتفرس ظواهر حبه لها، يقول الشاعر:

(وهبوب نسائم شوقي .. اغتالتها حشرجات ظنونك .. فبان ما أخفاه بوحك .. 

قرأتك غاليتي ... لكنّي لم أجتز الامتحان.. صور الخوف من المجهول..

لم تغادر عينيك .. رغم تراتيلي باسمك..)

يستمر الشاعر في التوسل بحبيبته لتثق بحبه لها لكنّها تقابله بالجفاء والبعد والتجاهل، لدرجة انه استعان بالطير لارسال المراسيل:

(فبت أناجي الطيور.. لأرسل مراسيلي إليك .. ماذا دهاها الظنون ..؟)

اخيرا يستسلم الشاعر لقدره ويقرّ بالانكسار:

 (قدري هذا .. ليس لي خَيار.. هكذا العمر فناء لبقاء..)

 ثمّ يتوجّه إلى حبيبته وكأنها معه ليسألها: (قولي بربّك .. علّلي سبب الفرار..) لكن لا جواب، شوقه الطاغي يجعله يسأل فيجيب. أخيرا يناجي الشاعر حبيبته الحاضرة في قلبه الغائبة في وجودها، يقول: (تجلّي يارؤى روحي .. ظلامي يندب الفجر.. أناجيك معللتي.. أجيبيني بلا نكر) . القصيدة تعكس آلام من يحب من طرف واحد أجاد الشاعر في تصوير ظاهرة الحب هذه، التي هي موجودة في المجتمع.

أقصر قصيدتين في المجموعة الشعرية هما:(هل قرأتي عيوني) و (أنت بدر الأيام) يقول في القصيدة الأولى: (هل علمت ما تخفي .. أين أنت منّي .. يامن ملكتي كلّ شيء.. وهجرتني.. وتركتني أعاني الضياع.. أناجي الخذلان ..اكفكف كلام العيون ..آه من صراخ روحي.. ليتك سمعت ماذا يقول..)

 الغالب في القصائد الألم والحسرة التي يعاني منها الحبيب بسبب عدم اكتراث الحبيبة، في هذه القصيدة إيحاء أن الحبيبة كانت قريبة من حبيبها مستمتع ومسرور بحضورها، لكنّها هجرته على غفلة من دون أن يعرف السبب، فتركت حبيبها يعاني بسبب الإهمال، يكفكف الدموع التي سمّاها كلام العيون، بدأت روح الحبيب تصرخ ولا من مجيب، يتمنى الحبيب لو كانت حبيبته تسمع الصراخ.

في آخر قصيدة من المجموعة الشعرية واسمها (كنت) يقول الشاعر:

(هكذا كان وكان ماض صار .. وجاء آن نزفت مآقي .. ورئتاي لهاثا هل تدرين؟   وصكّت جدباء الروح لواعج هم .. جاب أنين) إلى أن يختم القصيدة بقوله:

(سألت دمعات تغلي .. فأجابت تهذي .. تعكز على حزنك يا مسكين)

وهكذا تتكشف الصورة، رغم لوعات ألم الحب والمعاناة للحبيب، كانت تقابل بالقساوة والتجاهل من الحبيبة، فبقي الحبيب حبيس حزنه وآلامه.

 أرى الشاعر أجاد في تصوير معاناة ومشاعر مَنْ يمرّ بتجربة حبّ، خاصة عندما يُقابل بالسهو والنسيان والتجاهل من قبل الحبيب، شعور صعب وحزين، هذا الشعور يشعر به إثنان: مَنْ مرّ بتجربة حب، أو شاعر يتحسس مشاعر المحبين فيترجمها إلى كلمات ناطقة تضجّ بحرارة الحب، الشاعر المبدع ثامر الحمداني من هذا النوع البارع الذي استطاع بحسه المرهف، رسم مشاعر المحبين وكأنّه يعيشها وهذه موهبة لا تتوفر عند كلّ شاعر، أدعو للشاعر الحمداني بالتوفيق، وإلى مزيد من التألق، ورسم مشاعر من يعاني لوعات الحب، أو أيّ مشاعر أخرى سارّة أو حزينة ومؤلمة في حياتنا وما أكثرها.

 

 علي جابر الفتلاوي

 

 

 

 

احمد عواد الخزاعيلغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد خارجي، يروي قصة مواطن عراقي مثقف يعيش ارهاصات الفوضى السياسية القائمة في العراق، في رواية (فقيه الطين) والصادرة عن دار الشؤون الثقافية 2019 اختار واثق الجلبي لنصه، شخصية محبطة قلقة حائرة لا منتمية ايدلوجيا او حزبيا (احاط حياته بجدار عازل غير راغب بدخول احد الفوضويين في حياته.. ولان المجتمع كان منفتحا على ثرثرة فانه اقفل مساحاته بالغموض .. لا يريد ان يغضب من احد عاش كسيكارته غارقا بالدخان غير الموجه الا اليه).. لكنها في نفس الوقت شخصية اشكالية ناقمة، تمتلك رؤية فاحصة واعية لما يدور حولها، هذه الشخصية التي غابت ملامحها المادية وتفاصيل حياتها الخاصة، حتى تحولت الى بؤرة أنطولوجية داخل النص، فقد وصف الكاتب لنا الحالة النفسية لبطله في عملية افصاح خارجية الهدف منها التعرف على الدوافع النفسية لسلوكه (تناول يومه الاول بعد بلايين الثواني المتأرجحة بين البكاء والقلق والقرف والجوع في عراق كلاب السياسة) .. افكار ورؤى تنهال متدفقة على شكل تداعيات حرة، يرويها السارد العليم مصوراً الحالة التي يمر بها بطله، حتى اننا لا نستطيع التمييز في كثير من محطات النص بين الروائي وبطله، وهنا يبرع واثق الجلبي في كيفية صياغة نص يستطيع الكاتب ان يتوارى خلفه بحرفية.. هذه الرؤية الناقمة لبطل النص عن محيطه الاجتماعي تولد لديه رغبة جامحة في البحث عن حروف اسم شخصية اسطورية، ربما تكون طوق النجاة لمجتمعه والانسانية جمعاء، استحضار لمفارقة ميثولوجيه ازلية تحاكي (البطل المنقذ) التي وردت في ادبيات جميع الاديان حتى الوضعية منها، هذا البحث المضني يتكلل بحصول البطل على الاحرف الثلاثة لاسم البطل المنقذ .. هذا ملخص موجز لنص معقد يحمل انزياحات فكرية وفلسفية كبيرة، يلامس الواقع المعاش للحظة، ثم يغرق في تداعيات تستمر لعشرات الصفحات، الهدف منها استخلاص تلك الاحرف التي تشكل اسم (فقيه الطين).

اهم خصائص النص:

اولاً- اللغة : تميز النتاج السردي لواثق الجلبي بتفرد اللغة، التي تشكل حجز الزاوية في نصوصه الروائية والقصصية، حتى انها تهيمن على الاحداث وحراك ابطاله في معظم هذه النصوص، هذه اللغة التي توسطت بين الشعر والنثر واتخذت لها بين ذلك سبيلا، تثير اسئلة مهمة حول موضوع (التجنيس) بالنسبة لهذه النصوص.. وهل يمكن ان نطلق على ما نقرأه لواثق الجلبي بأنه (رواية ، قصة)؟ ام ان هذا المنحى اللغوي الغريب يحيلنا الى جدلية ادبية نبحث من خلالها عن مسمى اخر لهذه النمطية الهجينة ؟

من يقرئ النصوص السردية لواثق الجلبي يلاحظ ان هناك استثمار للغة الشعرية في البناء السردي، مع المحافظة على تراتبية النص الأرسطي (بداية، ذروة، حل) بضبابية متعمدة تشوب التفاصيل الجزئية والثانوية للنص .. في رواية (فقيه الطين): غابت التفاصيل الضمنية المكملة للنص السردي مقابل هيمنة الانزياحات والانثيالات اللغوية، وغاب الوصف مقابل شاعرية اللغة،  وغاب التشيؤ مقابل الايحاءات اللغوية، وغاب عنصر الزمان مقابل الانتقالات اللغوية .. (تمتمات الاسى تضرب بجراتها عليه منتظرة عودة الزمن ليغتال نفسه او يبيدها سرابا لا يقترب اليه احد .. في تضمينه احداث وعوالم مختلفة كانت اشد فتكا من النعومة.. اشتعاله الدائم كان ترنيمة خلود لا تعرف السكينة.. عيناه تتخللهما عودة مرضية لشبق السلالم المتاخمة للفلسفة الطامحة) .. هذه البدائل التي طرحها واثق الجلبي ربما تؤسس لنمطية جديدة في السرد بدأت بواكيرها في اول مجموعة قصصية له (قشرة الملح).

2369 فقه الطيناحتوى النص على الكثير من المفردات الغريبة القليلة التداول مثل (اماليد)، اضافة الى ميل بعض الحوارات الى (الخطاب المسرحي) كما في هذا النص الذي يمثل حديث يوجهه البطل الى فقيه الطين (ايها الفقيه الذي احمل منه حرفا ناولني بقيتك..).. اضافة الى وجود مقاربات لفظية (تناص قرآني) كما في هذه الامثلة :

1- لاريب فيه .

2-  اربعين سنة مما يعدون.

3-  بلسان عراقي مبين.

4-  التقطه بعض السيارة.

وقد لجأ واثق الجلبي الى (التضاد اللغوي) للتعبير عن حجم المتناقضات التي يعيشها بطله، وانعكاساتها على احاسيسه ومشاعره ومواقفه اتجاه الاحداث المحيطة به:

1- اقام عزاء السعادة في سرادق الوهم.

2- دخل في ظلام الشمس.

3- الصوت يقتلع بالبرودة الساخنة .

4- في خضم الانتهاء من سكرات صحوته.

5- شادخا قلبه ومالئا توابيت صدره بالهناء.

ثانياً - السارد العليم: هيمنت ثقافة السارد العليم (الروائي) على النص وعلى بطله، ثقافة موسوعية سخرها واثق الجلبي لإثارة الكثير من الشكوك والتساؤلات عن (اصل المعرفة، الحكمة، التصوف) اضافة الى محاولته لإبداء آرائه الناضجة وتعليقاته على احداث ومسلمات تاريخية، او يعتقد الكثيرين انها كذلك، وتساؤلات في بؤرة العنونة تبين قصدية النص، كان البطل هنا مجرد اداة لاوجود مادي لها، غير كونه شماعة تُعلق عليه اراء وتصورات الروائي السياسية والثقافية، فقد عمد واثق الجلبي على احدث تعالق أنطولوجي بينه وبين بطله يصعب الفرز او التمييز بينهما، وكأنه شريك معه في هذا المأزق التاريخي..  وقد وضع الروائي لنصه معادل موضوعي يتلاءم مع طبيعته واهميته، من خلال زج البطل في عملية البحث عن (الحكمة، الكمال، العدل، القيم المطلقة) المتجسدة في فقيه الطين لذا كان (البطل = قيمة الحدث) من حيث حضوره المعرفي والثقافي وحجم التداعيات التي يمر بها ومستوى الاحداث السياسية المحيطة به (هناك دسائس توضع بالمصطلحات والاسماء لكن الحكمة التي يتبرا منها الجميع تقريبا كانت اشد ثباتا من التخلل الذي اطاح بأغلب الاسماء فالطبقية ليست عدالة عند البعض والحكمة تقضي ان يبقى الانسان باحثا على الاجوبة لو استغرقت ذلك لبعض الحيوات).. التعالق الفكري والمعرفي الذي اشرنا اليه، بين الروائي وبطله نجده عبر انتقالات مفاجئة في السرد، بين المفرد الغائب (هو) الى صيغة الجمع الحاضر (نحن).. واستعماله صيغة الجمع (نلجأ) بدلا من المفرد (يلجأ).. هذا الامر يتكرر في البناء السردي للنص بطريقة ملحوظة بالرغم من غرابته على هيكلية لغة النص.. عملية التعميم هذه تشير الى رمزية البطل، كونه يمثل ايقونة لكل مثقفي العراق (هل سنأكل الجثث؟ ميزانيات مصدرة الى خارج الافق ..ثعابين الجوع في كل مكان .. ماذا نكتب؟ ماذا نقرا؟ من يقرا؟ من يكتب؟ من يرضى ان نقتل جميعا؟ اين المال؟ وحشود الفقراء تلاحقنا.. ووزارات تقتل الاف العمال .. لا راس معي ؟؟ لا عنوان.. لا اشبه موتي ..لا اشبهني .. كيف نعيش؟ في هذه الدولة سنوت حتما .. سنقتل نحن واولادنا وستسبى نساؤنا .. هل هذا ما يريده السياسي؟).

ثالثا – فقيه الطين : لماذا اختار واثق الجلبي هذه الثيمة الغرائبية في تعاطيه مع الواقع المرير؟  شكل المُنقذ ركيزة مهمة في ادبيات الاديان، واصبح امل لكل الاثنيات الدينية والاقليات القومية المستضعفة عبر التاريخ، ومأمول مُعول عليه في انتصار الحق، ونشر الفضيلة في ارجاء المعمورة.. هذه الميثولوجيا الدينية التي تحولت مع الزمن الى حقيقة اجتماعية تتعايش معها الكثير من الامم والشعوب على مر التاريخ، كان لجوء الروائي لغرض استحضار القيم المطلقة التي تمثلها، والتي تلاشت في عصرنا واصبحت ازمة الانسان المعاصر، وربما تكون ذات تأثير اكبر في مجتمعنا العراقي الذي تعايش مع هذا المفهوم لقرون طويلة، لذا كانت الحاجة الى اسقاط هذه القيم السامية على واقعنا العراقي المعاش.. او قد يكون هذا الاستحضار ناتجاً عن يأس وعجز وغياب القدرة على تغيير الواقع، في عملية تناص مع (غودو) الحاضر في ذهنية المستضعفين (الغائب) عن ارض الواقع (الانسان ظل الله وظل الانسان هو الملك الذي يشبه مرآة السماء الانسان العراقي الذي بدا منه العالم والذي انقذ العالم بالعلم وبالسفينة هل استسلم الان ؟ حاول ان يقدم شيئا بعد معرفته لفقيه الطين فهو يحاول ان يجده لينقذ العالم بالمعرفة ولكن هل هناك وقت للإنقاذ ؟ ام انه سيؤسس  لشيء يستغله الاخرون ؟).

رابعا – عرقنة النص: هي ظاهرة ادبية عراقية برزت بعد الاحتلال الامريكي للعراق 2003 تميزت على المستوى السردي الروائي، حيث برز كتاب تناولوا العراق ماضيا وحاضرا كقيمة عليا، محاولين خلق ثقافة مضادة لكمية الفوضى والخراب اللذان حلا به، فهي تجربة ثقافية لإعادة الوجه المشرق للعراق وابراز دوره الريادي والحضاري والانساني على مستوى البشرية جمعاء، من خلال رؤية موضوعية مجردة تسعى الى ربط جميع وشائجه عبر التاريخ، وصولاً الى العصر الحديث.. رواية (فقيه الطين) بانوراما تاريخية بأسلوب حداثوي معاصر، تزخر بشواهد الاسطورة والدين والتراث، جعلت من فقيه الطين عراقيا صميمياً، متعكزة على الدور الريادي والحضاري للعراق عبر التاريخ، ولهذا لابد من ان يكون فقيه الطين عراقياً.. لذا نجد الرواية حافلة بكل ما هو عراقي عبر التاريخ:

1- نوح النبي العراقي الذي انقذ البشرية (يتحسس سنينه التي غادرت مع سفينة نوح العراقي).

2-  ابراهيم النبي العراقي، مؤسس ديانة التوحيد.. واب الديانات الابراهيمية.

3-  كلكامش واسطورة الخلود.

4- النخلة العراقية (نخلته النيسانية تستبد بحكمتها العراقية).

 

احمد عواد الخزاعي

 

انعام كمونةنص وعنوان فيه رمزية غائرة عن التفكر في كونية الخلق وكيان كل البشر منذ الخلق والنشوء حتى الممات والحيرة التي تدعمها المعرفة عن المجهول هي فطرة ربانية لكيمياء الفكر وفيزياء الذات والإتقاد السايكولوجي المستحدث والذي يبهر يقين وجوده ويستغرب زحزحة شكه، فيبحث عن الأسباب ملفقا فلسفته يدعمها بخياله الجامح أحيانا وبمنطق معقول احيانا أُخر، فما يتوارى خلف الحقيقة عمى الظن وما نراه في الخيال قناعة ارتواء تغنينا عن المستحيل، لذا كلمة ( لو) تأكيد ضعفنا ورسوخ قلة استطاعتنا، مهما بحثنا عن أسرار الكون وأيونات الوجود ..

سيميائية العنوان :صيغة وصفية فيها المعنى ومفهوم حال فيه المحمول والتبعية من الظاهر والباطن بدلالات صوفية واجتراحات نفسية ومؤثرات اجتماعية باختلافات عقدية، فيها التميز والعادي، التصريح والتعتيم، الوضوح والغموض، المستحب والمنبوذ، ورمز ثري بما يجيز لنا من إيحاء يتناغم القارئ معها لاستدراج مرجعياتها والتنقيب عن كنهها واستنطاق طاقاتها باسترسال باحث واستقراء مستغرب، لذا تعم المتعة بالتتابع ولا تنتهي ....

استشراف :أن الإمكانات المستحدثة للرؤى هي قيمة جمالية وفنية بناء وبراعة لغة، فحين يكون النص مختلف بلغته منحرف بأسلوبه متمرد بصوته يكون مغايرا لقداسة الأجناس الأدبية بمعايير مختلفة عن النصوص الكلاسيكية تستنفر القارئ/المتلقي فيجد في تأويلاته المتعددة باستدراج دلالاته بتعدد القراءات يكون نص ما بعد حداثي،لذا يحثنا لهدمه وبناء قوامه بفرض المتعة للقارئ والناقد فيخلق تناسق مشترك معهم بما يحدده مستوياتهم المعرفية فيتعاضد القارئ مع قاموس النص بخصوصية لسانية لبناء مقصده بتذليل عبارات وجمل وكلمات ورموز النص ضمن قواعد معينة ...

النص:

للنص أوجه عدة بزوايا رؤى متعددة، أراد منها الشاعر نقاش موضوعي، وجدلية فكرة بانفتاح مطلق، تستجد من زمن لآخر، ومن شخص لآخر بما يتوافق مع فكره وآفاق رؤاه، كما تختلف بمستوياته العقائدية والالتزام الاجتماعي وفلسفته النفسية، بما تجيز الممنوع وتمنع المجاز، في أنساقه التضارب الواعي والتضاد الاستعاري وبيان الفكرة وتقنية الأدوات،نستنطق منه عرفانية ناسك وانعتاق درويش وتساؤل وجودي والهام شاعر واستبصار كهنوت وفضول عابد عن لدن الغيب،لذا سيدركها القارئ بفهمه المؤول، ورصد تجربته الحياتية فيتقبلها على قدر حالته الذهنية بكل سرحان تحليل وامتداد تفسير مطلق ومقيد، فيمنحه الدلالة والتأويل، بتجاوب مع طاقات استيعابه للفكرة وما يستشرق من خلاصة مراد وقصدية الشاعر...

 النص رسالة لمرسل اليه، فيها الحنكة والمعلومة الغنية عن المؤمن كما نسميه والملحد كما نجيز اعتباره فبأي ميزان نزنه وبأي سلطة نصفه، مما يدعونا أن ندق ابواب النقاش بمحور افتراض ونستدعي مفتاح تخمين، بتأويل متنوع من حين لآخر ومن قارئ لآخر وتلك متعة عدم انغلاق النص ولا أقصد بانفتاح يضيع فيه الموضوع أو تتهاوى الفكرة بل يستجد به الافتراض التأويلي بشغف القارئ ....

فالأيمان حس وجداني وطمأنينة نفس وفلسفة روح من الباطن وليس الظاهر والا سيكون خلخلة حس واضطراب روح، وكذلك عقيدة الإيمان جوهرية إحساس تنبع من الخاص وليس العام والا ما فائدة قناعته أو رضاه ان تكون عقدة تطبع لا غير، ونرى بطبيعة الانتماء وعدمه يبحث الأنسان عن مجهولية الإله ليركن اليه ليشعر بعدم ضياعه، فيعمل ما يقربه باعتقاده ويفسر مردودها عليه بالقبول والرفض وطبيعة النكران للإله هو تساؤل ولربما استنتاج ملموس وغير ملموس فكثير من القبائل أو المجموعات تخلق لها انتماء روحي باي شكل من الأشكال بطقوس معينة لتتميز عن الآخرين، اذن هو تفكر ذاتي للرجوع لمفردة المحسوس والا محسوس، والملموس والا ملموس، فالجزم والتعيين هي حلقة نقاش لا تنتهي من خلال فكرة النص يثيرها كاتب النص، وموضوع العبادة حرية اختيار، وبحتية رأي وقد يكون انتماء اجتماعي، والا سيعمده احساسه بغائب وغير منظور وهو يبحث عن جدلية الخالق بمحيطه، لذا يلجأ الأنسان بفطرته الا ارادية دوما للاستكشاف، لماذا خلق ومن أين جاء وأين سيذهب وكيف سيكون ولماذا تكون هكذا نهايته وما ذا بعد الموت مما يجعله يفكر بالخلود طمعا بحياة اخرى فيختار أما طريق الانحراف والانحراف أو الالتزام بمقومات دينه وعقيدته واعتقاده والنص فيه دلالات توحي بالبحث عن الأسباب في الحياة والممات، برمزية عن جميع طبقات المجتمع وباختلاف الأديان ...

 خلاصة

 برؤياي المتواضعة للنص خلاصة فلسفة عن عموم وجود مما يراها الدكتور والشاعر والأديب استاذ ريكان عن تماس وهو المعالج والدواء فله الخبرة بإتقان الفكرة وانتقاء الموضوع بحكمة حكيم واستبصار من تنوع طيفي لمرضاه ومحيطه وتنوع استشعاره الرؤيوي بذكاء شاعر وأسلوبه المميز بتناوله مواضيع متميزة بحداثة الصور ...

 رؤياي بعموم النص: نص يشحذ طاقة الدلالات بانفتاح التأويل بلغة معرفية وأسلوب تحليلي، ونفسي كما معظم نصوص الشاعر غالبا

دمت بالق وبورك مداد الرؤى وغيث اللغة

 

اضاءة / إنعام كمونة

..................

للاطلاع

ريكان ابراهيم: المُلحِد