حيدر عبدالرضاللشاعر عبد الله حسين جلاب.. العلائق الشعرية بين جمالية التوظيف وأيقونة شعرية الأشياء

توطئة:

أن عملية الاستغراق الجمالي في معالجة مسموعات وبصريات حركة مشهد الأشياء، تولد في الذات الشعرية ثمة خلجات من العلاقة النوعية الخاصة المتصلة ما بين (اقتناص ـ رؤية ـ التعديل الموضوعي ـ المعادل المنفذ) في مدى قابلية وفاعلية زمن ومكان منطوق الأشياء المتصورة وصولا إلى دلالة حيزية محسوسة في لغتها وتجاوزاتها الأسلوبية في الشكل والبنية والإيقاع، إذ أن إيقاعات هذه الوظائف اللغوية بدت لنا في قراءتها وجودا مغايرا في لغة التبادل المؤسلب بين الوضع الأصل للمادة الموصوفة وشكلها النغمي المقارب في موضوعته إلى فلسفة الذوق والذائقة ومعاينة معادلة لغة أشياء عبر كاميرا مخصوصة من أتون الفاعل الشعري .

ـ معادل المعطى القصدي وإيحائية كينونة التوظيف .

أن أفعال الكتابة الشعرية في مجموعة إيقاعات قصائد (هديل نخلة الشط / قصيدة الإيقاع المدور ـ القصيدة الجملة) للشاعر الصديق عبد الله حسين جلاب، تحملنا نحو دائرة جمالية قل التعرف عليها في الانتاجات الشعرية المعاصرة، وذلك في اختيار الموضوعة وأسلوبية إداءها الخطابي ضمن مستحدثات عروضية خاصة في تعاملاتها النوعية متفردة، أي أن قصيدة الشاعر كونها هي المادة التكوينية الخاصة والمتكونة من نواة العلاقات الموظفة ما بين مسوغات شيئية الحالات الموضوعية ومخيلة استجابات الشاعر في بوح القصيدة . وعندما نقرأ قصيدة (شوارع تصفر) نعاين ذلك المحمول الدوالي المشخص من أسلوب أسلبة الأشياء في حدود مفترضة من كينونة الإداء الشعري:

هيكلٌ عظميٌّ

على شكلِ خرتيتٍ،

أعمى:

لمْ يستنشقْ بتكشيرتِهِ،

الكونَ . / ص23 قصيدة: شوارعُ تصفرُ

الشاعر في مسار دواله، يؤثر العلاقة الوصلية بين معادلة الخطاب وتواصلية المشخص في هوية الأشياء، لذا وجدنا متعلقات محاوره الشعرية تتقصد رسما مؤسلبا في تحول الصفات والأفعال والأسماء من عينية الشيء إلى روابط معادلة دلالية متكاملة في جهد حالاتها القولية: (هيكل ٌ عظميٌّ ـ على شكلِ خرتيتٍ ـ أعمى: لمْ يستنشقْ بتكشيرتِهِ ـ الكونَ) وهذه التراكيب المؤسلبة، هي تلميحات أحوالية في مبنى معادلة موضوعية مكونة لخصائص المعطى القصدي من المعنى المشار إليه شعرا، كذا الحال في قصيدة (وجهُ القنفذ)و مدى القراءة المتأنية للشاعر فيها، خلوصا منه إلى أسلوبية المؤسلب من محاور الدوال الشعرية:

سماءُ القلعةِ بدهاليزِها

وعفونةِ ممراتِها

و أغصانِ خرسائِها

و لعبِ الزهراتِ،

تُدوِّنُ على الفضاءاتِ،

أطيارَها:

النسرَ

الصقرَ

الشاهينَ . / ص26 قصيدة: (وجهُ القنفذ)

الأمر لدى الشاعر لا يتوقف غالبا في حدود توظيف المعادل الموضوعي من المعنى في حدود رسمية نمطية المحتوى، بل أنه يتجاوز حالات الوصف بما يقارب محور التشكيل المواز ما بين البناء الاستعاري ـ الانتقاء التوليدي ـ العلاقة الشكلية، وصولا بالنص إلى محمولات تتوسط بالمعنى إلى غاية جمالية في موضوعة المكون الدلالي: (تُدَوِّنُ على الفضاءاتِ، أطيارَها: النسرَ .. الصقرَ .. الشاهينَ) علينا من هنا أن نسارع إلى القول بأن الدوال التي قمنا بتصنيفها في محاور النص ما هي إلا علاقات ذات روابط تشكيلية متجانسة في عملية الإطار الاحتمالية من النص . فالشاعر جلاب وعبر كافة أعماله الشعرية السابقة والحاضرة تظهر لديه الأسباب والأحوال والمسميات ضمن رقعة أسلوبية من (أسلبة الأشياء) ومن خلال هذه النوعية الأسلوبية الشعرية، نعاين مدى تحقق ثيمات الدوال في علاقة (المشبه ـ المشبه به) غير أن ظواهر هذه الأسلبة لها من المحسوسية المتطورة في إتجاه الرمز ـ المرموز إليه، وأحيانا نجد المكون الشعري لديه عبارة عن حالة من حالات أسطرة الحدوث الدوالي نحو واقعة شيئية، من الممكن لها الاندراج في ديمومة الإمكان الإستقصائي لحسية الكتابة وهذا الأمر ما جعلنا نعاين مقتطفات قصيدة (موجةُ الضِّفْدِع):

قمرٌ يهبطُ منْ نخلةِ النهرِ،

على قنطرةٍ:

يرى حبَّةَ الأعذاقِ

وحبَّةَ العناقيدِ

على موجةِ الضِّفْدِعِ . / ص31 قصيدة: موجةُ الضِّفْدِع

لقد أفاد الشاعر في مستهل قصيدته، من مثيرات الحس المراوي في جملة الموصوف: (قمرٌ يهبدُ منْ نخلةِ النهرِ) نجد هنا مدى حالة الاستغراق التشكيلي في علاقة دال (قمر) ودال (نخلة) ودال (النهر) مما يشكل بدوره قابلية مراوية في تقبل الانطباع الواجد بأن ظلال القمر تتسلل عبر ثغرات فواصل النخلة نحو جسده المرسوم على وجه النهر، والأبعاد المحورية في هذه الجملة، هي ما راح يتشاكل وجملة (على قنطرة) وجملة (حبة الأعذاق) وجملة (وحبة العناقيد) وصولا إلى هوية الدال المركز (موجة الضفدع) ولا تقتصر إمكانية الأسلبة لدى الشاعر على حدود أداة الإيحاء بالقصد الدلالي، وإنما تتعدها إلى علامات ضمنية بوصفها دلالات مرمزة أو مضمرة في موضوعة القصيدة:

هيَ شجرةٌ تناطحُ بأغصانِها

مداراتِ الكواكبِ

والنُّجيماتِ ..

بينَ نملٍ مثقَّبٍ برمادٍ

لا يُحدُّ،

تطلُّ على نهرٍ . / ص42 قصيدة: سليلةُ العماليق

وبهذا يمكننا القول أن فاعلية أسلبة أحوال الأشياء لدى الشاعر، بوصفها وظيفة تشكيلية لا تتوقف أبدا عند حدود جملة توصيفية عابرة، بل أنها أخذت تؤسس لذاتها آفاق استلهامية وحلمية خاصة من مبنى التشكل والتمثيل في صيغة اللقطات الصورية من المشهد الشعري .

ـ الأبعاد الجمالية المتماهية في العلاقة مع الذات والآخر

أن فاعلية نصوص مجموعة (هديل نخلة الشط) ما هي إلا صورة لسيرة تبئيرات الأشياء المؤسلبة في لغة ومكونات عوالم الملفوظ القولي الملتحم في أتون علاقة متصلة ما بين (الذات ـ الآخر) فيما تبقى صياغة مسار هذه العلاقة في حدود محاور (المعادل النصي ـ اللغة الثانية ـ تأشيرات الأثر المؤسلب) وفي هذه العناصر تترأى لنا معطيات محدثة من تقديرات أصوات المحاور ووظائفها،كإمكانية متماثلة في الإفصاح عن مخابىء لغات وصفات وأفعال الأشياء:

ربيعُ العُشبةِ

أنتِ:

تترجرجُ بين زعانفَ

في المدّ!

ربيعُ الزهرةِ

أنتِ:

تحمرُّ وريقاتُ تُويجِها

في النار ! . / ص45 قصيدة: ربيعُ كائناتٍ أنتِ

قد تبدو لنا هذه المقاطع من القصيدة، ذات محمولات علاقة متكونة من (سياق: الذات ـ الآخر) وقد جاءت أبعادها المنظورة متسربلة في مكاشفات تخاطبية مضمنة في ملامح علاقة متحولة بين المستوى التعددي ومعادلة المقترح الشعري المنصوص عليه، إذ تعود سمات المخاطب على النحو الذي راح يجعل من (ربيع العشبة: أنتِ ـ ربيع الزهرةِ ـ أنتِ) فيما تبقى إحالة الموصوف إلى آلية مستعارة من سياق جملة (تترجرجُ بين زعانفَ في المد !) أو في جملة المعادل المستعار اللاحقة (تحمر وريقات تويجها في النار !) إذ تتجه حساسية الذات هنا بصورة الآخر فيما يخفى على العلاقة الدلالية للوهلة الأولى، إقترابا لها من علاقة مؤسلبة ومختزلة في منطقة التلاحق والتمركز الدلالي المتحاور مع ثنائيات (الذات ـ الموضوع / الغائب ـ الحاضر / الذات المراوية ـ الآخر المؤسلب) ولا شك أن تمظهرات فضاء العتبة العنوانية (هديل نخلة الشط) تدخل ضمن وحدة استعارية مكثفة، تقودها من جهة ما علامات مؤثرة من حيز انتاج العلائق الشعرية الواقعة بين أسلبة الأشياء وشعرية الأحوال الشيئية .

ـ تعليق القراءة:

أن ما عيناه في مجموعة (هديل نخلة الشط) ليس بالجديد والمستجد على عوالم شعر (عبد الله حسين جلاب) فهو شاعر لغة الحلم والأفعال الشيئية المعادلة في تصوير حالات مؤسلبة في لغة ووجدان القصيدة، مرورا بتلك الذاكرة الأحوالية الخصيبة من مرابع طفولة الشاعر مع الكائنات الطبيعية، ما راح يجعل قصيدته محفوفة بوظائف خاصة ومستجيبة لأهم وأسمى شعرية التكوين والتشكل للأشياء ذاتها في منظومة أصوات وأفعال إيقاع قصيدة أسلبة المحاور في شعرية الجملة القصدية المركبة في أبعادها التوصيفية المؤثرة .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

هشام بن الشاويفي مديح الترحال في الزمكان

يستهل الكاتب والروائي المصري عزت القمحاوي  كتابه الماتع: "غرفة المسافرين"، باستحضار شيوخ قريته، الذين اعتاد رؤيتهم ملازمين لنفس المكان؛ تقتصر حركتهم اليومية على بضع خطوات محفوظة، يمشيها المبصر والأعمى على حد سواء، بأمان وروية، يخرجون من دورهم ليجلسون أمام المسجد. ومع كل نداء للصلاة يدخلون لأداء الفرض، ثم يعودون إلى جلستهم صامتين معظم الوقت، ينتقلون مع الظل إلى أن يحين أذان الصلاة التالية، ولا يتغير روتين هذا الإيقاع اليومي إلا عندما يسحب منهم الموت أحدهم، فيمشون في جنازته دون أسى، ويعودون إلى جلستهم، التي سرعان ما ينضم إليها شخص جديد، اكتشف أنه صار مسنا، لأنه لم يعد قادرا على مواصلة العمل الزراعي الشاق.

ويشير القمحاوي إلى أنه قد يسافر أحدهم إلى المدينة القريبة، في مناسبات محدودة، لتسجيل قطعة أرض جديدة، أو مصاحبة مريض، ولأنهم أميّون، فهم لم يجربوا متعة السفر في كتاب.. ويفكر فيهم صاحب "السماء على نحو وشيك" بعطف، و يخشى أن يكون مصيره مثلهم، ويتساءل: "ما معنى الثمانين عاما التي يعيشها إنسان في مكان واحد، تمضي فيه وقائع أيامه بتطابق مطلق بين اليوم والذي يليه؟"، ويعتبر القمحاوي من لا يغير مكانه، لن يعرف في حياته إلا القليل الذي يمكن أن يدهشه مهما طالت، ولن تكون حياته مصدر دهشة لأحد إلا إذا قام بانقلاب جنوني، كأن يرتكب جريمة شنعاء أو أن يكون ضحية لجريمة.

ويؤكد صاحب "غرفة ترى النيل" أنه من الصعب على من لا يسافر أن يغير الصورة المرسومة له سلفا، "لذلك كان لابد لكل نبي من هجرة. البعيد منبع الحكمة وموطن الغرابة"، ومن يعجز عن السفر في المكان، يرتحل في الزمان.. إلى سالف العصر، كما في الحكايات الشعبية، أو إلى المستقبل كما في روايات الخيال العلمي، ويتساءل الكاتب بصوت عال: "ماذا يمكن أن يتبقى من "ألف ليلة وليلة" إذا حذفنا السفر من متنها؟".

2366 غرفة المسافرينويعتبر عزت القمحاوي شهريار محظوظا بامرأة ذكية، سافرت به في حكاياتها ليلة بعد ليلة؛ حيث استبدلت عذرية الأماكن بعذرية البنات، وبعد ثلاث سنوات من الترحال في الحكايات، كانت قد دجنته، وأنجبت منه ثلاثة أولاد، ولم يعد يستغني عنها، فقرر الزواج منها.

هكذا أنقذت شهرزاد بسفرها في الحكايات رجلين لا رجلا واحدا من شهوة الدم، حيث تنازل شاه زمان عن ملكه، مفضلا عليه البقاء مع عروسه لدى شقيقه... ويخلص عزت، بكل اطمئنان، إلى أن "ألف ليلة..." كتاب في السفر، من دون الرحلة يسقط العجائبي، العمود الفقري لليالي. لهذا انحاز السرد فيها إلى الارتحال الدائم .. وتيمنا بالليالي يظل السفر هو روح السرد في كل زمان، يمده بالدهشة، ويمتد للانطلاقات الكبرى في الحكاية، من "دون كيخوته" إلى "موبي ديك"،إلى "مدن لا مرئية "، لهذا يحب الروائيون السفر، باستثناءات نادرة كنجيب محفوظ، وأبطاله مثله لا يسافرون، وإذا سافروا، فإننا نعرف سفرهم أو عودتهم كخبر في جملة.

وعند حديثه عن لقائه بصديق طفولة يقيم في إيطاليا، يفرق القمحاوي بين الإقامة والعيش هناك؛ لأن الإقامة تختلف عن العيش تماما. لم يسافر ذلك الصديق القديم إلا للضرورة، بحثا عن الستر، الذي يجلبه العمل في الخارج، ولم يسافر بحثا عن المتعة، ولا عن مضاعفة العمر الذي يبتغيه الناس من السفر، ويذكر ذلك الصديق عزت بحلمه القديم بالعيش في الريف الإنجليزي، فيستحضر تلك الفرحة التي لن تتكرر، عند توصله بمجلة من إذاعة "البي بي سي"، فتنته الألوان المبهجة، وسلب خياله العشب الأخضر الزاهي، الممتد بين البيوت الأنيقة، وبدت له حياة الريف الإنجليزي ناعمة ومصقولة كورق تلك المجلة، ويعترف الكاتب بأنه من حسن حظه أنه لم يزره حتى الآن، ولا يسعى لزيارته لاحقا، حتى لا يجرح صورة تلك الجنة التي حلم بها طفل في قرية مصرية، حلم بمكان بعيد، بريف بعيد جدا، ولم يحلم بمدينة، وكأن المدينة شيء يتجاوز قدرة أحلامه، وربما كان العالم - بالنسبة إليه- مجرد ريف متعدد الأشكال.. ويعترف عزت القمحاوي بأن حلم العيش في الريف الإنجليزي قد لا يراود الكثير من الناس، لكن الشوق إلى لقاء المختلف والمدهش يتطابق وأحلام الملايين من البشر.

السفر اكتشاف لأنفسنا أكثر مما هو اكتشاف للمكان المختلف، حيث نصبح أكثر قدرة على التقدير الصحيح لمشاعرنا بعد الانتقال إلى عالم آخر. وعلى قدر السطحية التي تصبغ العلاقة بالناس والأشياء في السفر على قدر العمق الذي ينشأ بين الإنسان وذاته، يكتشف نفسه ويعرف ما عليه روحه حقيقة وليس ما تبدو عليه بين الآخرين. السفر يحررنا من الرقابة الاجتماعية، فنكتشف أن هذه الأدوار لم تكن لنا، وأن استمرارنا في أدائها محكوم بالنفاق والاستكانة إلى الصورة، التي رسمها لنا الآخرون.

وإذا كان الهروب من الموت مستحيلا؛ فالسفر - بنظرة بنظرة أخرى- محاولة لاستئناس ذلك العدو؛ الرحلة عرض لطيف نقوم فيه بأدوار الموتى، ثم نخرج منه سالمين، مثلما يغادر الممثل المسرح عائدا إلى بيته، بعد أن رأيناه يسقط مقتولا. هذا الموت الرمزي لا يعني أن خطر الموت الحقيقي غير قائم خلال الرحلة، ويؤكد الكاتب أن كل المسافرين تنتابهم قبل الشروع في الرحلة مخاوف الموت في حادث طائرة أو قطار... لكن رحلة الفرار من الموت الوحيدة، التي تكللت بالنجاح، هي رحلة النبي نوح عليه السلام، وقد صارت بمثابة خلق ثان للعالم، لكن القدر لم يكرر منح جائزته لهارب آخر، ويرى صاحب "بيت الديب" أن أسطورة أوديب الإغريقية، التي استلهمها كـتّاب المسرح، وتلقفها فرويد لتفسير ظاهرة تعلق الولد بالأم، تنطوي على ثلاث محاولات للهرب تفاديا للمصير دون نجاح.. وإذا كانت رحلة نوح قصة الهروب الوحيدة الناجحة، فإن الفرار غير المجدي لأوديب مثال للحبكة الأدبية المحكمة، التي تشي بأن الفرار من الموت سعي خائب، ومع ذلك لا نتخلى عن المحاولة.

ويرى القمحاوي أن جنون الحرب الخاسرة سلفا ضد العدم في كل فن عظيم، لكن لا أحد تيسرت له رؤية ذلك العدو مهما أطال التحديق.. إنه الزمن؛ عدونا الخفي، الذي نرى أثر عبوره فحسب، ونسافر على أمل الإمساك به، ويبدو المكان ظاهريا، هدف مطارداتنا، لكن في العمق نحن نطارد الزمن.

"يكتب عزت القمحاوي عن خفة الكائن خارج مكان عيشه الأصلي، عن السفر بوصفه موتا لذيذا، نعود منه لنتأكد أن من نضحي بحياتنا من أجلهم يستطيعون العيش من دوننا.. يكتب عن أشياء صغيرة وأحاسيس سبق أن عشناها، لكننا لم نفكر فيها من قبل.. في نص مفتوح على كل فنون الكتابة، مكتفيا بمتعة القراءة ومهنة العيش مع حس صوفي يسري داخل النص سريان عصارة الحياة في عروق شجرة مبتهجة".

غرفة المسافرين " من الكتب العصية على التصنيف، العابرة للنوع، على غرار كتب سابقة للكاتب، من قبيل "الايك في المباهج والأحزان "،"كتاب الغواية" و"العار من الضفتين"، حيث يصافح الحكي الانسيابي التأمل الفلسفي العميق، متوسلا بأسلوب شاعري تتشابك فيه الكثير من المعارف، الأشواق، القراءات، الخبرات والهواجس الانسانية، فالسفر سعي للعيش الكثيف طالما أن وقتنا على الأرض محدود، ومحاولة لتوسيع للمكان طالما ليس بمقدورنا تمديد الزمان، لكن علينا أن نحذر نظرة الجمال المرتدة المدمرة...

 طوبى للشغوفين بالتقاط الصور أثناء رحلاتهم!

 

هشام بن الشاوي

 

 

حيدر عبدالرضاوقفات مبحثية مع قصة (البئر والرقاص) نموذجا

هموم المكانية بين معادلة القص واللاتحديد الموقعي


توطئة:

قد يعني تلاحم مجسات أداة الحلم في دائرة الوظيفة السردية القصصية، بمثابة ذلك النزوع الحاسم والمباشر بين وصلات وطباع الأنا الكاتبة ومشروع أحلامها وكوابيسها المنضدة داخل هواجس من العلاقة الكتابية الخاصة، بل أنها قد تتعاطى من جهة هامة مع هويتها الشخصانية عبر وسائل حلمها الخاص بطريقة تكسبها أبعادا فنية وجمالية نادرة، وهناك من الكتاب من غدا يتعامل مع مؤثرات التقانة الحلمية والإيهامية والغرائبية والسوداوية ضمن وظيفة مركزة داخل حيثيات النص الأبداعي، تعضيدا لها وحدود رؤيا حالات الذات عبر مركبات خاصة من اللاشعورية أو اللايقينية، أو هي لربما مسلمات خيالية مرمزة في قوقعة حدود المكانية الضيقة وعلاماتها الألهامية الغارقة في قعر محمولات المعنى المنعكس على قابلية وهيئة المؤول الذاتي الشخوصي لها في بنيات القص.

ـ صياغة الترسيمة الذاتية وأسرار المكانية النصية:

تتكاثر في أبدالات وإحالات فضاء قصة (البئر والرقاص) جملة خاصة من الفواصل والتداخلات الإيهامية المؤسسة في ذاتها ما بين (تمفصلات مجاهيل المكان) ومجال استشعارات وتصورات الذات المحشورة في زوايا إشكالية (اللاتحديد الموقعي) ولهذه الأسباب وجدنا الشخصية العاملية في مذخرات الفعل الاستهلالي، تعتمد في ذاتها على محددات أبعادية ـ استعادية، من نسيج عوامل وعناصر الصوغ المتعدد في رؤية المحصول الذاكراتي حسب . وعلى هذا المستوى من النموذج الأفعالي في تشعبات النص، تستعرض لنا مشخصات السارد المشارك، من جهة ما كيفية  علاقة الشخصية النواتية إزاء موضعها داخل طيات من الظلمات المكانية وحالات من التساؤلات حول مسببات ودوافع زجه داخل هذه الزنزانة المعتمة: (كنت محطما، محطما حتى الموت من ذلك النزع الطويل، وحين أفلتوني أخيرا وسمح لي بالجلوس، شعرت أن حواسي جميعها تخذلني . كان حكم الموت ـ الحكم الرهيب بالموت ـ هو العبارة الأخيرة الواضحة التي ضربت أذني .. خيل ألي بعد ذلك، أن أصوات قضاة التفتيش تغرق في طنين حلم غير محدد . / ص18 النص).

1ـ مستوى الوظيفة الاستعادية وشيفرة بلاغة العلاقة الموضوعية:

لقد لاحظنا في جملة مقتطفات عتبتة الوحدة الاستهلالية في النص، بأن هناك مجموعة شواهد ملحة في الأثر المقابل من مستوى دلالة (الزنزانة ـ الرقيب ـ الاستجواب ـ الصراع مع المكان) وصولا منها إلى حقيقة التنبه إلى معنى ذلك الدليل في مسمى السجين المحكوم بطريقة تتخلى عنها مصادر وموارد الأسباب والمسببات، ودون حتى أدنى معرفة ما بحالات وقوع ظرفية جنح الاعتقال وهويته النوعية في الجرم المشهود من قبل الشخصية الجانحة، لذا وجدناها ـ إي الشخصية ـ عبارة عن حركية سريالية داخل لوحة الظلام والعتمة وحواجز من الحجر المتآكل مع غياهب ملامس منعطفات الجدران وفواصل أرضية المكان، وقد أتضحت لنا معالم الخارج النصي أكثر إيهاما أو أنها مجسات من بقايا ذكرى ممارسة حلمية من قبل الشخصية ذاتها، كان قد سلخها الشخصية عبر مكانية منامية ما أقرب إلى الغيبوبة، فيما تنبني ظاهرية علاقة المكان بالشخصية ودوافعها، اقترانا بذلك السلوك المحكوم بها بموجب ثنائية (المنظور ـ التلمس ـ إعادة الدوران) وهذه الوسائل الثلاثة هي ما تتأسس عليه بنية أفعال حبكة النص . أما حقيقة المكان فتبقى وتتبدى كرؤية غرائبية ـ موحشة، خصوصا وأنها تتعلق بدقة هندسية مرعبة من قبل محاولات الشخصية في عملية إحصاء خطواتها داخل ظلمات المكان، طلبا منها لمعرفة هوية الأشياء وجغرافيا ملامح هذا المكان: (فيبعث هذا الطنين في أعماقي فكرة الدوران ـ لعل ذلك يرجع إلى أنني كنت أقرنه في خيالي بدولاب الطاحون . لكن هذا لم يدم أكثر من فترة وجيزة، إذ سرعان ما توقف الدوي ولم أعد أسمع أي شيء . إنما كنت ما أزال أرى، لكن بأية مبالغة مريعة ! كنت ما أزال أرى شفاه القضاة في ردائهم الأسود، كانت تبدو لي بيضاء ـ أكثر بياضا من الورقة التي أخط عليها هذه الكلمات . / ص18: النص) .

2ـ الموقع الضمني للمؤلف وخطاطة السارد المشارك:

ربما أن حدود المواقع في نسق وفضاء زمن النص، تبدو كتوجهات مسافة متكونة من (موقع ظاهر ـ موقع ضمني) إذ أن حالات تسجيل السارد المشارك فوق قصاصة الورقة، أنما هي موقعية خارج أفق النص الحكائي، أي أنها تمفصلات خارج زمن النص قريبا من محكيات (الراوي ـ الشاهد) أما فيما يتعلق في هوية الموقع الشخوصي الموظف في دلالات الشخصية العاملة، فهي موقعية عرضية مسرودة كاسحة لحدود المسافة الواقعة ما بين تداخل المسرود وسارده . وتبعا لهذا نعاين بأن حكي السارد على لسان حال الشخصية، يأتنا ضمن موقع أكثر ضمنية ومستوى منطوق الدال الشخوصي . لنعود الآن إلى مجرى الحديث عن ذلك الأثر المترسب في ذهن وطابع حكاية الشخصية في النص فهذه الشخصية بدورها، قد نفترض لها أنها تعرضت لحوادث تحقيقية وخروقات اعتقالية خارج زمن النص المعلوم، فربما إنها على أقل تقدير قد تعرضت إلى أزمة نفسية أيضا من شأنها التوهم بأن غرفة المشفى، ما هي إلا معتقلا سياسيا أو حفرة في أخاديد كابوسية تابعة لإحدى إيهاماتها الحلمية مثلا . في الواقع أن مصادر وأوليات موضوعة النص، قد لا تحيلنا في الواقع النصي إلى إي جهة إجرائية نفسانية ما، من شأنها إخبارنا بأن الشخصية مصابة بنكسة توهمية أو عصابية ما، ولكننا أيضا لم نعثر في مجال النص على أية شواهد ما تخبرنا بأن الشخصية هي من أحدى العناصر المنصوص عليها بالجرم السابق تحديدا، سوى أنها تلازمها جملة أصوات قضاة التحقيق مع وصف أشكال ثيابهم وألوانها السوداء، وهذا الأمر ليس بالدليل القاطع بأنه معتقلا سياسيا أو لأي حالة من حالات الجرائم الجنائية الأخرى . بهذا الأمر فإن القارىء أمام واقعة مفصولة عن أسبابها التحفيزية نوعا ما، ولكننا عندما نعاين أيضا جهة دليل الموضوعة، نجدها تسعى إلى تشخيص العلاقة الفارقة ما بين زمن الموت وتحديات الشخصية له عبر ذلك الجهاز للمراقب المعلق على سقف الزنزانة، بالإضافة إلى وجود علامة حادة تهدد الشخصية بالموت بين لحظة وأخرى، ما يدلل بأن الشخصية محكومة بجزاء عقوبة الموت المعنوي والمادي: (كنت أرى أن القرارات التي ترسم مصيري ما تزال تطلع من هذه الشفاه .. رأيتها تتلوى في عبارة موت .. رأيتها تصور مقاطع أسمي، وارتعدت لأن الصوت لم يكن يتبع حركة رأيت أيضا خلال لحظات من الرعب الجنوني التموجات اللينة للستائر التي تكسو جدران القاعة .. إذاك وقع نظري على المصابيح السبعة الكبيرة التي كانت موضوعة على الطاولة . اكتست في البداية مظهر المحبة، وبدت لي كملائكة بيض يريدون إنقاذي / لكن سرعان ما داهم نفسي غثيان مميت، وشعرت أن كل عرق في كياني يختلج كما لو لمست شريطا كهربائيا، بينما كان الإشكال الملائكية تتحول إلى أشباح لا معنى لها . / ص18: النص القصصي) هكذا تتبدى أمامنا كما أشرنا سابقا، موقعية السارد الضمنية، كدلالة إيحائية مبطنة من جهات مدلولية تضمر المعنى لذاتها ـ قصدا متحولا ـ غير أنها في الآن نفسه تشيع موقعه دليلا تدبيريا ذا قسمات مرمزة بملامح الطابع النفسي للشخصية وللمكان ذاته، ربما أن الشخصية تحيا بين عالمين أو دارين أو حلمين، أو أنها ربما واجهة فعل الموت في دلالات زمن خارج القص والحكاية، فيما تمضي الآن أسوء حالاتها البرزخية المتصورة في ظلمات (الزنزانة = القبر) أو أنها محض محالمة مفجعة ما بين الذات وذاكرتها وهموم مكانية مظلمة من قرار مملكة الجدران الرطبة المكللة بهمس عشرات أرجل دبيب الفئران المتلمسة لطريقها بيسر إلى قعر إناء الطعام للشخصية السجينة .

ـ التأويل المعادل ومشاغل التأويل الدلالي

يبدو أن عملية التقويم إلى مستوى دلالات قصة (البئر والرقاص) تتطلب من دارسها، الخوض في مغامرة تأويلية إزاء مدى تواصلية المعنى الموزع عبر فواصل وواصلات فقراتها، خصوصا وأن حبكة القص تتضح فيها ضمن مخصوصيات خطية متغايرة في رسم دينامية الذروة القصصية الكاشفة، وعلى هذا فأننا بدءا من حالات غيبوبة الشخصية في الحكي، أي ومنذ الزج بها داخل الزنزانة لاحظنا ارتباطها بهالات معالم بيئة المكان الموحشة ومدى تخوفات وصعوبة الشخصية من التعرف على ملامح المكان: (كنت أتهيب بالنظرة الأولى للأشياء المحيطة، ليس لأنني أخشى النظر إلى الأشياء المرعبة بل لأنني كنت أخاف أن لا يكون هناك ما يرى . / ص20: النص القصصي) أن عملية الزمن المعادل في محتمالات رؤية الشخصية ذات انطلاقة مبنية على دليل مؤولاتها الانطباعية وفي تعاملها مع وحدات المكان والأصوات المستعادة للقضاة في قاعة المحكمة، لذا وجدنا تفاصيل ممارستها العضوية في النموذج المكاني، ذات سمات أكثر تجريدية وأكثر بحثا في غياهب موجودات وحالات الأشياء: (وحين كنت أتقدم بحذر ـ أخذت تتزاحم في ذاكرتي الآف الأصوات الغامضة المنبعثة من أهوال ـ توليدو ـ كانت تروي عن هذه السجون غرائب أعتبرتها دائما من الأساطير ـ لكنها مع ذلك من الغرابة والهول . / ص20: النص القصصي) .

1ـ غرائبية المكان وآليات المنتج الإظهاري:

تهيمن النماذج الوظيفية الغرائبية على تفاصيل دلالات أحداث النص، امتدادا لها نحو فرضيات تحتاج من قارئها الإلمام بفكرة ورؤية (الذات الداخلية) للنص، أي بمعنى ما، فهم مشخصات اللغة السردية على أنها حالات علامية مسخرة بفعل تمظهرات مضمرة من داخل المسرود، وعلى هذا نفهم من تحركات الشخصية في ظلمات المكان المتمثل ب (الزنزانة) على أنها قيم إظهارية من نوع آخر من مؤشرات الترميز القصصي، إي بوصفها نوعية خاصة من المقابل الآخر لصورة العالم الممكن، أو أنها الوظيفة المرمزة نحو محمولات وخاصيات فكرة بطش الحكومات والكولونيالية احتمالا، وتعزيزا لكل هذا تنكشف لنا دلالات كابوسية ذلك الرقيب الحكومي ـ تمثيلا لها في أحوال: (اكتشفت أنني سقطت على حافة بئر مستديرة .. لم تكن لدي في هذه اللحظة أية وسيلة لتقدير مساحتها .. استطعت وأنا أتلمس البناء فوق حلقة البئر تماما، أن أنزع منه شيئا صغيرا وأرميه في الهاوية . / ص21: النص القصصي) .

2ـ الواقع المغلق في محددات اللازمن الواقعي:

و تسعى قابلية القص في مشاهد النص إلى استفزاز منطقة القراءة، نحو كشوفية الشخصية ذاتها في التنقيب في ماهية واقعها الزنزاني المحفوف بمجاهيل العالم المغلق ومحددات اللازمن الواقع فيه . وما منح هذا النص دلالاته الكبرى هو حقيقة مؤثثات المكان الآسرة بسرانية المخبوء وغواية التأويل: (كان الرقاص ينوس عاموديا فوقي .. ولاحظت أن الهلال يتأهب كي يجتاز منطقة القلب .. كان سيمزق طرف ردائي ـ ثم يعود ويكرر عمليته، وعلى الرغم من البعد الرهيب للمنحنى الذي يسير فيه ـ حوالي ثلاثين قدما ـ وحركة سقوطه وهي تفسح والتي تكفي وحدها لشق الأسوار الحديدية، فإن كل ما كان بوسعه أن يقلعه ببضع دقائق هو أن يمزق ردائي . / ص25: النص القصصي) .

تعليق القراءة:

في الواقع أن مستوى رمزية العلامة التوظيفية في المدلول المركز في تفاصيل أحداث قصة (البئر والرقاص) تتركز في وسيلة الخلاص من أصفاد وآلية الموت المتمثلة بحركية نزولات آلية الرقاص القاتلة على الجسد الشخوصي، فيما تلعب دينامية العلاقة الذروية ما بين البئر والرقاص، بتلك الحافزية الخاصة نحو قمع الأداة الأنسانية الرازحة تحت ظلمات شرورها المميت: (وتراجعت جدران النار سريعا .. ذراع ممدودة تمسك بذراعي كما لو كنت أسقط في الهاوية غائر القوى .. كانت ذراع الجنرال لاسال فقد دخل الجيش الفرنسي توليدو وصار التفتيش في أيدي أعداء التفتيش . / ص28: النص القصصي) هكذا وجدنا صورة وشكل الخاتمة المضمونية في النص، وكأنها تتحدث عن العلاقة الرمزية والتأويلية الخاصة بمعادلات حقبة كولونيالية خاصة من تأريخ آليات هموم المكانية الواقعة ما بين انتصارات الشخصية الضمنية في مواقع زنزانتها الزمنية اللامحددة .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

تقديم: راسلني الدكتور الباحث الأديب صالح الطائي من العراق ملتمسا مني كتابة قراءة مختصرة لمشروعه الموسوم بـ "جرح وطن: عينية الوجع العربي" الذي بادر به وأشرف عليه شخصيا، فاستجبتُ للالتماس.

وهذا المشروع هو قصيدة عينية عمودية من الطوال، بحرها البسيط، جاءت في 425 بيت، موضوعها انفجار العاصمة العراقية بغداد في مطلع العام الجاري 2021 ، ساهم في نسجها عدد كبير من شعراء ينتمون إلى جنسيات عديدة ولا تواصل بينهم.. لذا برزت مشاكل كثيرة في النص الواحد حين تركيبه لكن الإشراف عمل ما بوسعه ليكون العمل نصا واحدا بلغ القصد في مبناه ومعناه.

وهذا ما حاولت مقاربته في قراءتي المختصرة ... وذلك في المقال التالي:

2357 جرح وطن

على هامش عينية الوجع العربي ...

شِعرُ التأزم في منظوري تعبيرٌ جمالي عن المشخص واللامشخص - في آن معاً - وفق إستراتيجيةٍ واجِهَتُها شعورية تتجلى في حيثيات الواقع بآليته الزمانية المكانية وخلفِيَتها لاشعورية متوارية في ارتكازات إبداعيتها الفنية ... وضمن ثنائية " التجلي / الخفاء " التي تجعل الواحد اثنين والاثنين واحدا ينبني المشخّص المقصود إشكالا قائما يخاله البصر قدرا مقدورا لا علاج له، وفي الوقت ذاته ينبني اللامشخّص في انعكاس البصيرة حلّاً ممكنا للإشكال القائم أو على الأقل بداية التفكير في حل منقذ مما أحدث الأزمة ونتج عنه شعر التأزم ...

هذا ما وقفت عليه وأنا أقرأ صامتا متأملا متألما وأعيد قراءة " جرح وطن " بعيدا عن نقد الخطأ والصواب وأطروحَتَي الاحتقار والانبهار بما فيهما من  قدح ومدح ضررُهما أكبر من نفعهما حتى لو لامسا بعض الصواب المسطح مثل الالتزام الصارم بالتقعيدات التي وضعها – تعليميا – العروضيون والنحاة والبلاغيون وغيرهم ممن نشطوا في حقول اللغة التي تبقى أكبر من التقعيد النهائي إذا انفلتت من سجن المعجمية ورحلت مبدعة منتجة للجمال الذي لم يخطر على بال منظر في ما تقدم من التقنين ...

المشخص المتجلي في واجهة النص

في المرحلة الأولى من القراءة وقفت على البعد المشخص الظاهر الانفعالي في عينية الوجع العربي التي تشكلت وجعا للعين العربية الدامعة بمرارة من جراء واقعها الذي تجاوز مفهوم المأساة مُنخرطاً في مجزرة الانتحار الذاتي الجماعي مُتّجهاً نحو مَضيق الخروج من حركة التاريخ بصفة تكاد أن تحيل على استحالة معالجة الوضع ... هكذا جاءت القصيدة الجماعية بكائية عامة نائحة نادبة حزينة حزنا قاتلا للصبر والأمل قابرا لروح الصمود والمقاومة منتظراً لِحتمية ماحقة للأخضر واليابس وكأن الشمس انفجرت والأرض اندثرت والقيامة قامت وفي الدنيا لم يبق معنى لمقدار ذرة من الأحلام والوئام والسلام ...

 كان العراق أول منتج لتاريخ الإنسان الفاعل السعيد وكانت بغداد أزهى حاضرة عربية إسلامية تربعت تاجا على رأس الحضارة الإنسانية الفاعلة السعيدة، وها هي العينية تنوح وتبوح قائلة:

- لقد انتهى ذلك كله في رمشة عين ...

وتبرير هذا المشخص شعرا لا نجده فقط في بعض ذاكرة الأقطار العربية ومدائنها المتعددة المختلفة وإنما نجده في الواقع العربي برمته خلال زمنه الأخير ... العراق يتلظى ويتشظى ويتآكل من الداخل كما يعمل – جهرا لا سرا - على أكله الآكلون من الخارج، وهذا ما حدث ويحدث حاليا وإن لم نجد المَخرج المنقذ سيحدث غدا بتمام التمام في الأقطار العربية كلها من دون استثناء يذكر ... وبغداد تنحدر وتنفجر وتحتضر في مشهدية بركانية زلزالية عاصفة بتخطيط خارجي عدواني وتنفيذ داخلي – رؤوسه خونة وأتباعهم لا يملكون أي وعي - تماما كما حدث ويحدث وسيحدث في المدائن العربية كلها، انطلاقا من بيروت في منتصف سبعينيات القرن الماضي ومرورا بالجزائر وعدن والقاهرة ودمشق وغيرها من مدائننا الكبرى وغير الكبرى - مشرقا ومغربا - ووصولا إلى الانفجار الأخير وليس الآخر في بغداد خلال مطلع العقد الثالث من الألفية الجديدة التي لا جديد فيها سوى الموت في الانفجارات المتتابعة وهيمنة جمع الأشلاء وثقافة النواح عليها في كل مكان يسمى عربيا.

وتأسيسا على هذا المشخص الظاهر في " جرح وطن " يمكن – بشيء من التسرع الانفعالي السطحي – إدراج هذه القصيدة المطولة الجماعية ضمن الرثاء العام مع زخات عابرة من التضامن الظرفي، ولكن بقليل من التأمل لا نجد في ثناياها رثاء ندبة ولا رثاء تعزية ولا رثاء تأبين ولا حتى رثاء مدن وحضارة كالذي حدث مع سقوط الأندلس ... وهذا ما دعاني إلى إعادة القراءة بشكل مغاير لما أشرت إليه باختصار أعلاه.

- اللامشخص المتواري في خلفية النص

في المرحلة الثانية من القراءة لخلفيات النص المركب ورمزياته وإحالاته وقفت بتمعن هادئ على اللامشخص، وهو أهم ما يوجد في نص يحتوي شيئا من الأدبية غير المألوفة غالبا حتي لو وجد له ألف ناقد وناقد من صيادي الهنات والزلات والعثرات أو من متخيليها ما ينفيه من دائرة أدبهم الوحيد الذي لا شريك معه ولا موازٍ له ولا بديل عنه.

وهذا اللامشخص يمكن تصنيفه كما يلي:

1 - إدراك أبعاد المأساة:

مأساة راهن هذا الزمن لها جذورها القديمة المتمثلة أساسا في التعصب القبلي العرقي والتطرف المذهبي الطائفي وما نجم عنهما لاحقا من طغيان سلطوي وجمود فكري أديا إلى انحطاط عام دام قرونا متتالية، كما لها جذورها الحديثة المتمثلة بدقة في الاستعمار الأجنبي المدمر والاستنهاض الوهمي المخدوع وما رافق ذلك من خيانة وتسلط وفساد ... والغريب حقا هو أن لا أحد من عرب الانحطاط أو الاستنهاض قد أدرك ذلك إدراكا شموليا واعيا ووجد السبيل إلى تفكيك عقد التأزم فيه والخروج منها بسلام معين.

وحين اكتمال المأساة بتزاوج القبلية والطائفية والاستعمار والاستنهاض المخدوع جاءت فكرة عينية الوجع العربي وما يضاهيها من مبادرات لتقترح على العرب كلهم إدراكا مغايرا لسابقه ... وهكذا كان النواح واحدا موحدا مشتركا لأن المصيبة واحدة موحدة مشتركة  ...ورغم كون النواح ليس حلا للإشكال إلا أن الإجماع عليه يعكس ما حدث من تغيير في الإدراك العربي العام للتهديد الوجودي الذي يحيط به من كل جانب.      

2 - البحث عن الجديد لعلاجها:

في المشارق والمغارب لم يكن العرب – كما يشاع عنهم زورا وبهتانا – من أهل اللهو واللغو والعبث والخلود إلى الراحة والنوم، بل كانوا وما يزالون من أهل الجد والجهد والكد والكمد خلال تاريخهم الطويل – والاستثناء الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه – والدليل على ذلك أنهم حاولوا قديما فأفلحوا لتوفر أسباب الفلاح وحاولوا حديثا ولم يفلحوا لعدم توفر الأسباب ... وبعد الفشل والانسداد والتأزم وتجلي الخطر المحدق بالأمة جمعاء والوطن كله ها هم يحاولون من جديد وبشكل جديد، بتجنب بعض الأمراض الداخلية كالقبلية والطائفية والقطرية الضيقة والمصلحة الآنية وبالتخلي تدريجيا عن الفكر المستورد الذي لم يجلب إلا الدمار وراء الدمار ... ومشروع عينية الوجع العربي يندرج ضمن البحث عن الجديد المناسب لخطر المرحلة ...  

3 - بناء الجديد من الأصيل:

جدّد قدامى العرب في بناء حضارتهم العربية الإسلامية العظيمة انطلاقا من ذاتهم وتأسيسا على خصوصيتهم واستفادة من محيطهم دون الذوبان في غيرهم فكان النجاح الخالد في التاريخ، وجدد العرب المحدثون في بناء استنهاضهم انطلاقا من ذات غيرهم وتأسيسا على خصوصية ليست لهم من غير استفادة كبيرة ولا صغيرة لأنهم استوردوا القشور التي لا تجدي نفعا ولم يصلوا إلى لب ما عند غيرهم فكان الفشل الفظيع في راهن تاريخهم ... ولما وصل التأزم إلى ذروته ها هم يبحثون في كل قطر وفي جميع قطاعات الحياة عن سبيل لإنقاذ وجودهم من خطر المحو الوجودي ... هنا ظهرت فكرة تجديد المسار الذي تجاوز محاولات الإصلاح الترقيعي المتعثر هنا وهناك تأسيسا على الفعلين السياسي والاقتصادي أكثر من غيرهما من الأفعال.. وهكذا التفتت الأنظار إلى الفعل الثقافي من باب عسى ولعل، وبما أن هذا الفعل الثقافي مر بدوره حين الاستنهاض الوهمي بتجديد مستورد لا وعي فيه يتمثل في وضع السرد الغربي والتمسرح المماثل له والشعر الحر وما يجري هذا المجرى قاطرةً لعربات الحياة ثم انتهى إلى حال يشبه الهامش وليس القلب كما هو ساري العمل به في ثقافات الأمم المتحضرة القوية؛ لقد انتبهت الرؤوس المفكرة إلى أن الشعر العمودي بكل ثقله كان ديوان العرب الذي حرك روح الحياة خلال أزمان وأزمان وعندما ضَعُف؛ ضعف العرب معه وعندما هُمِّش همِّشوا وإذا عاد متجددا فاعلا سيعودون ... وكان ظهور عينية الوجع وما قبلها وما يحيط بها وما سيترتب عليها إعلاناً واضحا على أن التراث الأصيل لم يمت وأنه يمكن استثماره بشكل جديد ليقوم بدوره الحضاري ... والجديد المقترح هو خروج الشعر العمودي من حالة الإطراب إلى حالة الفكر ومن الفعل الثانوي الفردي إلى الفعل الأساسي المشترك ... ولعل النواح المسيطر على العينية هو مجرد استحضار لـ "" قفا نبك "" في المقدمات الطللية بينما الموضوع الرئيس بكل أطروحته الحضارية الكاملة سيأتي لاحقا في الشعر والنثر وما سيجسد المبتغى العربي المستقبلي في أرض واقع الأمة متحدةً متراصّةً ...

4 - التركيز على الثقافي المتخصص:

العينية وما شابهها فعل ثقافي جديد منطلقه ديوان العرب والمبادرون به المشاركون فيه هم جمهرة من شعراء العرب ... وهنا يُطرح السؤال : لِمَ هذا الفعل الثقافي المتخصص ولمَ الشعراء دون غيرهم؟

جاء التركيز على الشعر العمودي لأنه المشَكِّل الرئيس للروح العربية منذ جذور تاريخها، والمفسر الوحيد لماهية دينها كما أنْزِل لا كما تم تأويله لاحقا بغير سند، والحافظ الدائم للسانها الذي به تكون ومن دونه لا تكون، والمعبر بإعجاز عن وسوستها حين الوسوسة وعن طموحها حين الطموح ... وجاء الاعتماد على الشعراء دون غيرهم لأن الشاعر الفحل العظيم في مخزون الروح العربية ليس هو الذي ينظم الشعر ولا مروءة فيه – وبالتالي هو مجرد شعرور أو شويعر لا غير – وإنما الشاعر الفحل العظيم هو قبل أي اعتبار مفكر عظيم، وهو القائد الفارس الإعلامي حين البأس، وهو حين السلم المرادف الدائم للعالم الفقيه أو الفيلسوف المتأمل أو الأستاذ الباحث أو الطبيب الماهر أو المهندس المقتدر أو أي مختص في اختصاص آخر له أهمية قصوى في صناعة الحياة وتسييرها ... وهكذا ينجلي سر الاعتماد على الشعراء الفنانين المفكرين الذين يدخلون ضمن استثناء ""إلَّا"" في آخر آية من سورتهم القرآنية القاطعة لقول كل خطيب.

5 - تسرب فلسفة الحكم إلى الفعل الثقافي الحر:

في أول وهلة يبدو هذا العنصر الفرعي نشازاً غريبا، وربما يجعل القارئ يقول : لا علاقة لفلسفة الحكم بنص إبداعي يتموضع في حيز الأدب الباكي، بمشاركة أقلام من بلدان عديدة أنظمتها مختلفة ولا يربطها رابط بمصدر المبادرة ولا بالمشاركين فيها والمتفاعلين معها. وهذا اعتراض مشروع ما لم تتضح الحقيقة بأدلتها ... وقبل التوضيح؛ أريد أن أنبه إلى أن هذه الأسطر الأخيرة هي مقاربة استنتاجية ولا علاقة لها بالشروح ثم أن الغاية منها ليست إثبات السلب أو الإيجاب وإنما الوقوف على الخلفيات اللاشعورية للعمل حتى يمكن أن نستفيد منه بشكل ما، لا في المبادرات المقبلة وحدها وإنما في محاورة قضايا العصر برمتها، بما لها وما عليها.

عينية الوجع العربي عمل منفصل في واجهته عن فلسفة الحكم دونما شك ولا ريب ولكن ما يحيط به وما جاء في بنيته الفنية يقولان غير ذلك.

فمحيط النص يعلن بوضوح أنه حدد شروطا دقيقة للمساهمة في النص وأقصى جملة من المساهمات في الفرز الأولي ثم أقصى غيرها في الفرز النهائي ثم انتخب من المسهمات المقبولة فقط ما يتلاءم مع البناء العام للنص. والبنية الفنية الختامية يظهر فيها عمل مشرط الجراح إذ البحر واحد والقافية واحدة والروي واحد والكلمة المفتاحية واحدة والبكاء واحد، ولم ينج من الجراحة إلا ما سأتناوله في العنصر اللاحق من هذا المقال. وهذه الفلسفة التي تم بها تشكيل النص وتركيبه هي نفسها فلسفة الحكم عند كل الأنظمة السياسة المهيمنة على المجتمعات العربية في مشارقهم ومغاربهم، إذ يصنع هذا النظام أو ذاك المبادرة التي يريدها ويقنن لها القوانين ويفتح مجال المشاركة لكل من يبتغيها ثم يقصي من يراهم غير مناسبين وفق مراحل لها أسبابها التبريرية ويصل ختاما إلى ما يريده ويراه جديدا معقولا مقبولا من غير أن يفكر كثيرا أو قليلا في من أقصاهم، والنتيجة هي واقعنا المأساوي الذي فجّر بغداد وغير بغداد.

وهذا الاستنتاج لا يلغي عينية الوجع العربي ولا يقلل من قيمتها ولا يشكك في نوايا أحد ممن لهم يد فيها وإنما يرفعها إلى مقام المبادرة التي قدمت دروسا مقصودة لجميع العرب حول وجعهم وأخرى غير مقصودة بالدعوة إلى جعل الفعل الثقافي فعلا حرّا بطبعه ديمقراطيا بممارسته لكي تحرر الأمة من الضغوط الواقعة عليها وتبني حياتها وفق اختياراتها في تعايش سلمي يجد الناس فيه مصالحهم العامة وراحتهم النفسية من غير إقصاء لأي كان، مع التزام نظام مرن لا يلغي حق أحد.

ومن باب التمثيل على النظام والمرونة معاً في حقل الشعر العمودي أشير مجرد إشارة عابرة إلى تجربتين كبيرتين في تاريخنا الأدبي، أولاهما قديمة تراثية وهي تجربة الألفيات التعليمية كأرجوزة عبدالواحد بن عاشر التي تغير الروي مع كل بيت من غير أن يحدث أدني خلل في بنيتها الصوتية ولا أدائها المعرفي، وثانيتهما حديثة الظهور وهي تجربة الملاحم الشعرية مثل إلياذة الجزائر لمفدي زكرياء الواقعة في ألف بيت وبيت، مقسمة إلى مائة مقطع ببحر واحد وروي متغير مع المقاطع المفصولة بلازمة متكررة من غير إن يؤثر ذلك على البنية الفنية للنص في شيء يذكر بل كان التنوع عاملا مساعدا على وصف تجليات الجمال وتاريخ الجلال في الأحقاب المتتالية للجزائر الواسعة.  

6 - انتفاضة الثقافة تلقائيا:

الفعل الثقافي الإبداعي عموما يجد لنفسه بدائل تلقائية خاصة ينتفض بها على التضييق الفني الذي يُفرِض عليه، وهذا ما حدث في عينيه الوجع العربي. وقبل أن أقف على بعض ذلك أشير إلى أن ظاهرة البدائل تجلت أدبياً بصورة عامة على مستوى الآداب العالمية في الكتابات الرمزية التي يقول ظاهرها شيئا بينما يقول باطنها شيئا آخر مسكوتا عنه بسبب تضييق ما، وتجلت أدبيا بصورة خاصة على مستوى الأدب العربي في الكتابات الصوفية التي تقول الشيء بغير لفظه تجاوزا للتضييق وارتقاء بالأدبية في حد ذاتها، كما تجلت ضمن الثقافة العربية الإسلامية بصورة أجمل وأوسع في فن الخطوط أو الكاليغرافيا التي دخلت المساجد لتزخرفها بجمالية لا غبار عليها مستخدمة آيات الذكر الحكيم ونصوص الحديث النبوي الشريف وهذا تعويضا عن الرسم والنحت الممنوعين، ومن دور العبادة وملحقاتها خرجت هذا الجمالية العربية الإسلامية المنمازة لتعبر عن حضارتها بأدواتها في كل مكان دونما أدنى إشكال يذكر.

وبخصوص عينية الوجع نجد أنها حاولت مقاومة التضييق الفني الذي وقع عليها والواقع المأساوي الغريب الذي كان مصدر وجودها بمظاهر متعددة منها ما يلي :

1 - حين الانطلاق كان الموضوع هو فاجعة بغداد لكن مع التقدم قليلا تحولت بغداد إلى مفتاح لكل الفواجع والمواجع التي أنتجتها ظروف العصر العربي الأخير، وهذا من باب إدماج المتلقي العربي المقهور في حيثياتها، أينما كان تواجده.

2 - أسس مُركِّبو النص بنيته المنتقاة على قصيدتين جاهليتين أولاهما رسالة لقيط بن يعمر الإيادي وهي التي كانت وراء اختيار البحر والقافية ظاهريا وفي الخفاء هي إحالة على الصراع العربي الفارسي الممتد في الزمان والمكان، وثانيتهما معلقة عنترة بن شداد العبسي المحيلة على البطولة التي نحتاج إليها وهي غير متوفرة، ثم تأتي قائمة طويلة من قدامى المشارقة فقط ... وذلك من أجل إثبات أن عينية الوجع تندرج في امتدادهم التاريخي ولها شرعية وجودها في هذا الامتداد.

3 - كان غرض العينية هو الرثاء لكنه فقد خصائصه ليصبح تداخلا نائحا يجمع بين الأغراض كلها ويتجاوزها إلى شيء آخر يسعى ليجمع بين النقيضَين ويفرق بين المتحدَين تماما كما حدث ويحدث في راهن الواقع العربي، متجاوزا بذلك إرادة مركبي الأبيات الذين حاولوا بناء نص متناسق.

4 - أسلوبيات الشعراء المساهمين تقول بوضوح إن النص متعدد ... فهذا يقرر، والآخر يسرد، والثالث يصور، والرابع يتداعى، والخامس يمسرح، والسادس يتناص، والسابع يستبطن، وهكذا يسير التعبير بتمايز أسلوبي كبير وتفاوت لغوي يتأرجح بين المستهلك الشبيه بالدارج والنادر الملامس للغريب ...وهذا يعكس رفض الأبيات لعملية التطويع في نص يعلن عن نفسه بأنه واحد.

ومن جملة ما ورد في النص من تناقضات  وتفاوتات نصل إلى أن فكرة النص الواحد المتكامل المتناسق قد غابت ولا يمكنها إلا أن تغيب وحلت محلها فكرة النص المركب تركيبا فيه بعض الضيق الفني كما فيه بعض التوفيق ... ولعل هذا ما تتطلبه مرحلتنا التاريخية المصطخبة المضطربة المتناقضة التي لم يتمكن أحد من أهلها بعد من إيجاد مَخارِج سليمة من أزماتها كلها أو بعضها ... ويبقى التجريب متواصلا إلى أن يبلغ القصد ويحقق المنى ...

ختاما؛ أقدم تحياتي وتقديري إلى صاحب المبادرة والمشاركين فيها إبداعا وتقديما ونشرا وتوزيعا، وإلى القراء في كل مكان، وإلى كل الذين يحاولون أن يجدوا مَخرجا سديدا رشيدا حميدا مما نحن فيه ............ والله سبحانه وراء القصد وهو ولي التوفيق.

 

بقلم: أ. د. بومدين جَلّالي

 

 

عبير خالد يحيىدراسة ذرائعية مستقطعة لرواية (موجيتوس) للأديب المصري منير عتيبة

إغناء:

الرواية التاريخية: هي عمل أدبي يعيد سرد الماضي بطريقة تخييلية، من خلال خلق شخصيات خيالية، بالإضافة إلى شخصيات حقيقية معروفة، وخلق توازن بينهما يتيح للقارئ إعادة رسم مشاهد التاريخ.

وليس بالضرورة أن يكون هذا التصوّر مطابقًا لما رسمه الكاتب، بل هو وفقًا لما سيرسمه القارئ كمتلقٍ لهذا العمل، وفق ما سينطبع في إدراكه ووعيه. لذلك قد نجد الكثير من الروايات التاريخية ذات طابع ملحمي، لأن كلتاهما (الرواية التاريخية والملحمة الشعرية) تشتركان معًا في امتلاك البعد التأسيسي في نطاق وعي المتلقي، يقول هيغل متحدّثًا عن (إنجيل الشعب): " إن الملحمة تمتلك بعدًا تأسيسيًّا قويًّا، وتحكي حلقة متصلة بالعالم الكامل لبلد أو لفترة من الزمن، فتكوِّن الأسس الحقيقية للوعي، ولهذا تدور أحداثها على أرض مفتوحة للمعارك بين جميع البلدان" . وقال جازمًا تلك العلاقة: "إن الرواية هي التعبير المكافئ للملحمة ، في العصر الحديث" [1]

يقول جورج لوكاش في كتابه (الرواية التاريخية)[2]:

نشأت الرواية التاريخية في مطلع القرن التاسع عشر، وذلك من زمن انهيار نابليون تقريبًا، (إذ ظهرت رواية سكوت "ويفرلي" عام 1814) وطبيعي أنه يمكن العثور على روايات ذات موضوعات تاريخية في القرنين السابع عشر والثامن عشر أيضًا، ويستطيع المرء، إذا ما أحس ميلًا في نفسه إلى ذلك، أن يعتبر الأعمال القروسطية المعدّة عن التاريخ الكلاسيكي أو الأساطير "أسلافًا" أو مقدمات للرواية التاريخية .... وليست روايات القرن السابع عشر المسماة بالتاريخية، هي بتاريخية إلا في ما يتعلق بالاختيار الخارجي الصرف للموضوع والأزياء....

وقول لوكاش مردود عليه ذرائعيًّا،بالبداية، قد نعتبر ما نُقل عنه أو ما تُرجم عنه هو خطأ ترجمي أو نقل خاطئ، وإن لم يكن، فعذره أن ما قاله كان مسنودًا على الظروف المعرفية التي كانت سائدة في عصره، بينما الظروف المعرفية في زمننا هذا أوسع وأكثر تقدّمًا، أتفق معه فيما قاله إن قصد الكلام عن البناء الفني للرواية كجنس أدبي ككل، وليس نوع الرواية (التاريخية)، فلم يكن بدء ظهور الرواية التاريخية في بداية القرن التاسع عشر كما قال، ولا حتى في القرون القليلة السابقة، بل قبل ذلك بكثير، وإلا كيف وصلت إلينا قصص القرون الأولى ؟ آدم وحواء، قابيل وهابيل، الطوفان وسفينة نوح .... إلخ؟! وكيف وصلت إلينا الأساطير وقصص الجن والفرسان ومسرحيات شيكسبير والملاحم الغربية الشهيرة الإلياذة والأدويسا وغيرها ؟!.

يفترض أن يكون كل قول مدعوم بذرائع، والذريعة تأخذنا باتجاه العلوم والحقائق،

فكل ما يتولّد من فكَر وأحداث، هي قليلة بالنسبة لسعة الحياة وامتدادها، فحين يلج الشاعر أو الكاتب عالم الأدب لابدّ وأن له تجارب مرّ فيها وهي تجارب مرّ فيها الناس من قبله، فالواقع الافتراضي هو عالم استنساخي للواقع الحقيقي وصورة مزينة له يزوّقها الكاتب لتكون محببة للمتلقي، فما يكتبه الأديب هو مأخوذ من تجربة ثلاثية تتكون من ثلاثة عناصر كما تراها الذرائعية، وتلك الثلاثية تتحكّم في قلم الكاتب وتوجّهه نحو خدمة المجتمع بالمنطلق الذرائعي – إن الأدب هو عراب للمجتمع- وهي:

أحداث الحياة الحقيقية

وتجارب الكاتب الشخصية

والتجارب والأحداث التي مرّ بها غيره وقد شاهدها أو قرأ عنها ونوضحها بالشكل[3]

وظروف الحياة متغيّرة بحساب الثواني، بالشكل والمضمون، والروايات تستمد مادتها من الحياة، ومعظم ما قيل خطّأه الزمن، ومن الممكن أن يكون قول لوكاش مسنودًا بالظروف المعرفية للرواية التي كانت سائدة في زمنه، لكن قوله في زمننا هذا خطأ، بذريعة التغيّر والتقدّم العلمي والأيديولوجي، وحسب المبدأ الذرائعي (الأدب عرّاب وساند للمجتمع) بجميع متغيراته العلمية والأيديولوجية ، وبما أن هذه التغيرات لا تقف عند حدّ فإن ما قيل بالأمس يصلح لمجتمع الأمس، لكنه نسبيًّا لا يصلح لمجتمع اليوم، حيث لم يبقَ شيء لم يُقل، أو حدث لم يحدث، والعلم والتقدّم التكنولوجي هو سيد الموقف،فذرائعيًّا يكون السرّ لدينا ثلاثي الأبعاد كما أشرنا، فلا نستطيع أن نثبّت شيئًا في الحدث الأدبي، لأن القولبة في الأدب رفض للتقدّم العلمي.

ومهما يكن من أمر، فالملاحم والمسرحيات والقصص الغربية القديمة تضاهي في الأدب العربي الأقاصيص التاريخية التي كان يرويها وهب بن منبه، وبالتالي فتلك المحاولات الأولية للقصة التاريخية في الأدب الغربي والعربي، لا تلقي أي أهمية لانعدام العناصر الفنية للفن القصصي أو الروائي[4].

"من أهم التغيرات التي مسّت الرواية التاريخية وتقاليدها، ما نادى به (ألفريد ديفني) سنة 1825 بروايته 5 مارس، بجعل الشخصيات التاريخية في المحل الأول، في حين جعلها (والتر سكوت) في المقام الثاني، والشخصيات الخيالية في المقام الأول، لكي لا يتقيّد بحقائق التاريخ"[5]، ورأي السكوت هو الأقرب لتحقيق المعنى الحقيقي للرواية كجنس أدبي، بذريعة أن الأدب خيال وليس حقائق، وأن الرواية التاريخية هي عمل أدبي تخييلي وليس تأريخًا لحقائق ووقائع حدثت فعلًا. لذلك كان والتر سكوت، كما يذكر غنيمي هلال، يتخيّر أبطاله من العصور الوسطى، ويمازجها بشخصيات خيالية مختلفة نابضة بالحياة، غير متعارضة مع العصر التاريخي الذي يصفه، وكان بارعًا في تصوير وتجسيد عادات وتقاليد وملابس ومقومات ذلك العصر متحايلًا على حقائق التاريخ[6].... وهذا ما فعله الأديب منير عتيبة في عمله الروائي(موجيتوس).

يجمع أغلب نقاد نظرية الأدب أن هذا الرواية كجنس أدبي فني يعتبر دخيلًا على الأدب العربي، منقولًا عن الأدب الأوروبي، رغم محاولة الروائي العربي تأصيله ببعث الماضي والتراث العربي.

وإذا كانت الرواية التاريخية العربية تعتبر محاولات للبحث عن الذات القومية القوية والمنتصرة، خلال فترة الانهزامات، كحلم بانتصار صعب المنال، فإن الروايات التاريخية العربية المعاصرة هي تجسيد للإنسان العربي بعالمية القضايا التي أخذت تعصف بحاضره، بإسقاط الماضي على هذا الحاضر لمحاولة تفسيره وفهمه واستنباط نتائجه، وإلى هذا النوع الأخير تنتمي هذا الرواية(موجيتوس)، رواية تاريخية ملحمية عربية معاصرة، مكتملة في بنائها الفني، ومميزة ببنائها الجمالي، و عالمية رسالتها الإنسانية.

والكاتب منير عتيبة هو كاتب مصري أصدر أكثر من ثلاثين كتابا في القصة والرواية والقصة القصيرة جدا والنقد والدراسات الأدبية وأدب الأطفال إضافة إلى كتابته لمسلسلات إذاعية وتقديمه لبرامج تليفزيونية، وهو مؤسس ومدير مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية رئيس تحرير سلسلة كتابات جديدة بالهيئة المصرية العامة للكتاب ونائب مقرر لجنة السرد القصصي والروائي بالمجلس الأعلى للثقافة. وقد حصل على العديد من الجوائز والتكريم من أهمها: جائزة الدولة التشجيعية في القصة القصيرة جدا 2015، جائزة اتحاد كتاب مصر في القصة القصيرة 2014 وفي الرواية عام 2020.

مستويات الدراسة الذرائعية

أولًا- المستوى الفكري والأخلاقي:

1- البؤرة الفكرية الثابتة:

تعدّ الرواية التاريخية من أكثر أنواع الرواية سموًّا ورقيًّا، تكتسب هذا السمو من موضوعاتها وأهدافها، في سعيها لبعث الماضي وإحيائه في سبيل قراءة الحاضر واستشراف المستقبل.

الكثير من الدارسين يعتبرون جورجي زيدان رائد الرواية التاريخية العربية، لأنه في أعماله الروائية جعل الفن في خدمة التاريخ، بغاية تثقيف النشء وتعليمه التاريخ كما فعل سليم البستاني، وإن كان غيرَ أمينٍ في ذلك، فالكثير من الدارسين يوجّهون له تهمة تشويه التاريخ الإسلامي وتحريف حوادثه وهدم رموزه، يقول عبد الجواد المحص عن تلك الروايات: " روايات خطيرة ، تبثّ لقرّائها السّم في العسل" [7]، ومنهم من أدرجها ضمن الرواية التعليمية التي لا تتوفّر فيها الأسس الفنية للبناء الروائي، وإنّما هي مجرد وسيلة لتحقيق غاية، وهذا ما صرّح به زيدان، إلا أنهم نسبوا إليه فضل تطوير هذا النوع الأدبي وإبراز الشعور القومي العربي، بينما لم يكن لنجيب محفوظ هدف محدّد يصبو إليه في مرويّاته السردية التاريخية، (عبث الأقدار- رادوبيس- وكفاح طيبة) بل كان منساقًا باتجاه العبثية.

الأديب منير عتيبة، تبرّأ من هذين الاتجاهين اللّذين لم يجد فيهما توافقًا مع أيديولوجياته الفكرية في نظرته إلى حياة الإنسان عبر التاريخ، على اعتبار الرواية التاريخية تروي الحياة وليس التاريخ، والحياة المعاصرة بحاضرها وواقعها ومتغيراتها وانفتاحها التكنولوجي والفكري على كل المجتمعات، جعلته يوسّع من أفق تفكيره اتجاه مواضيع كثيرة، منها مفهوم الجهاد والغزو، والحرية والعبودية، الوطن والوطن البديل، والاختلاف بمستوياته العرقية والدينية والطبقية الاجتماعية، لتكون له نظرة حرّة في العمق الإنساني بعيدًا عن الانتماءات، قصرية كانت أم اختيارية، ملخِّصًا عالمية وكونية الإنسان، عبر الزمان والمكان، بأحلام تراوده، ومغامرات يتوق إليها، يُحار فيها هل هي اختيار أم مصير قدري.

لقد انتهج الأديب منير عتيبة في هذا العمل نفس النهج الفكري الذي انتهجه عَلَمٌ هام من أعلام الرواية التاريخية، وهو الأديب السوري (معروف أرناؤوط) الذي كتب عن التاريخ الإسلامي، بمنظور السارد الذي يرى الوقائع والأحداث الحاضرة، ويحيل إلى قراءة الحاضر بالماضي، كما يضع في الماضي إشكالات الحاضر [8].

فالرواية (موجيتوس) عمل تاريخي ملحمي معاصر، بقلم مؤمن برسالة إنسانية خارج كل المحدّدات الوضعية، تغوص عميقًا في الوجدان الإنساني. وتكشف لنا حقيقة صادمة، وهي أن هناك دائمًا من يحاول أن يتجسّس على أحلامنا، ليقوم بتجنيدها تحت أمرة حلمه، منطلقًا من ذريعة منطقية، وهي: " لا سلطة للوعي على الحلم"، فالأحلام تستيقظ عندما ينام الوعي، لكن الإنسان محكوم بالسعي لتحقيق حلمه، أي أن وعيه يأخذه باتجاه الفعل الإجرائي لتحقيقه، لذلك فإن اليد التي تمتد له بالمساعدة ليست نبيلة بالمطلق، وإنما قد تكون يد مُقادة لتحقيق حلمٍ غول، يجيد ابتلاع أحلام الجميع، ويبقى الموت زعيم الغيلان". وكان الطماشكة الزناتي البربري هو صاحب الحلم الغول:

"لماذا كان كل ذلك؟"، " عينا يوسف فقط هما ما تطمئناني إلى أنهم لم يعرفوا أننا اتفقنا على غزو أوروبا، والاستقرار فيها، وليس مجرد رحلة خاطفة لسواحل صقلية، وساعدني الله بالعاصفة المهلكة لأحقق ما أريد دون أن يشكّ أحد، لم أخبرهم حتى لا يتخلّوا عني، لم أترك لهم خيارًا، لكنني منحتهم مجدًا لم يكونوا ببالغيه إن هم بقَوا في الأندلس"[9].

أدرس هذا العمل باستخدام آليات النظرية الذرائعية النقدية المنبثقة من المنهج الذرائعي العلمي.

2- الخلفية الأخلاقية:

رغم أن العمل يعرض لشخصيات مختلفة الديانات والقوميات، إلا أنه لم يتعرّض بالإساءة إلى أي من الديانات أو القوميات، حتى عندما عرض لشخصيات يهودية، لم يشِر بحال من الأحوال إلى عقيدتها، وإنما أشار إلى مهن معينة ومعروفة امتهنها اليهود في تلك الفترة، وعبر التاريخ، وهي الاتجار بالبشر:

" .... مئات الأطفال المخطوفين من بلاد الفرنجة، من حوض نهر الدانوب، ومن بلاد الروس و أطفال اشتراهم التجار اليهود من أهلهم الفقراء في إيطاليا، بنات وصبيان، بعضهم تم إخصاؤه في معمل فردان، بعضهم أخصى في شينا القديمة عاصمة إقليم ألبيرة، التي يسكنها اليهود". [10]

يتناص الأديب منير عتيبة من المنظور الأخلاقي مع الأديب اللبناني الفرنسي (أمين معلوف) الذي يشكّل علامة فارقة في الرواية التاريخية العربية والعالمية، حيث ترجمت رواياته (سمرقند- ليون الأفريقي- الحروب الصليبية كما رآها العرب- حدائق النور – موانئ الشرق ... وغيرها) إلى العديد من اللغات، ميّزته رؤيته الكوزموبوليتانية ودعوته للحوار بين الشرق والغرب والتسامح بين الشعوب.

يعتبر المستوى الأخلاقي مستوى ثابت ننطلق منه إلى مستويات ذرائعية متحركة:

ثانيًا – المستوى البصري واللساني الجمالي:

1- المدخل البصري:

الغلاف الأمامي:

الغلاف من تصميم الفنان التشكيلي السكندري المبدع ماهر جرجس، الذي له بصمته الفنية الخاصة في رسم ملامح الوجوه، لا تخطئها العين، مجرد رؤيتها تقول أن من قام برسمها هو ماهر جرجرس، يحرص على رسم الهالات حول العيون، وهي تحكي حياة كاملة، يستخدم الألوان الواضحة، معطيًا لكل لون حقّه من الكثافة والوضوح، إلا أنه في هذا الغلاف خالف ذلك، فنرى ألوانًا ضبابية مموهة، وكأنها خلفية باهتة للوحة تصويرية تحت عدسة مكبرة، وتحت العدسة تتوضّح اللوحة بألوانها المشبّعة الواضحة، اللوحة الضبابية لعدّة أشخاص ملتحين، غلاظ الشفاه، نظراتهم جامدة باتجاه سيف يحملهم واحد منهم يرتدي زي الفرسان، ويقبض على السيف بيمينه شاهرًا إياه نحو الأعلى ، سيف أصفر اللون بلون الحرب، ومقبض أحمر، الفارس بوضع جانبي خلفه وإلى الأعلى من رأسه امرأة حمراء الشعر، بملامح رقيقة. ضمن العدسة، يبدو السيف، ويد الفارس القابضة عليه، ووجه رجل، خلفه بناء يشبه القلعة. كل العيون في اللوحة تنظر إلى السيف، وكلها عيون متهدلة الأجفان، متعبة، أفواهها مغلقة . اللوحة مكوّن صُوَري بصري معبّر جدًّا عن مضمون العمل النصّي، وكأنّ الضبابية هي الزمن الغابر أو التاريخ، وكأن العدسة هي البؤرة الفكرية، أي المضمون المستقى من هذا التاريخ،(إنسان- يحارب بسيف - ويحتمي بمكان حصين - قلعة)، أما الضبابية فهي من نصيب الأشخاص الذين كانت أحلامهم مجيّشة لصالح حامل السيف الذي يلوّح لهم به مرغّبًا أو مهدّدًا، كما يهشّ الراعي بعصاه على غنمه، والمرأة هي الصاحب في الحرب والسلم.

الغلاف الخلفي: فقرة سردية ملخصة لأحداث الرواية، سأستعين بها في المستوى المتحرك.

العنوان: موجيتوس بخط كبير بالأحمر تحت جنس (رواية) بالأسود، وتحتها اسم الكاتب منير عتيبة بالأصفر.

لماذا موجيتوس؟ سندرس ذلك أيضًا بالمستوى الديناميكي.

العمل الروائي مفرود على بياض 270 صفحة من الحجم المألوف حاليًّا للرواية، مضافة إليها حوالي 7 صفحات فهرس وسيرة الأديب، العمل مقسّم على 23 فصل، منهما فصلان صغيران: بداية (حوالي 4 صفحات)، ونهاية (أقل من صفحة). وما بينهما فصول حملت العناوين التالية، وهي عناوين بأسماء الشخصيات التي تولّت السرد أو كان السرد عنها: (الرجل رقم عشرين- كريستينا- خلف الصقلبي- صفيّ. عليّ- عبد الرحمن بن سالم- عيسى بن أحمد- كريستينا- عبد الله البلوطي- سعيد الإشبيلي. موسى بن الحكم- كريستينا- حسان الغافقي- أمير البحار يوسف- كريستينا- هشام بن عبد المعين – إبراهيم بن عامر – كريستينا – الطماشكة الزناتي- مجاهد/ موجيتوس- ماريا) نلاحظ أن (كريستينا) يتكرر ظهورها 5 مرات والسادسة باسم (ماريا)، يعني الكاتب أتاح لها، كأنثى، مساحة واسعة للظهور والتعبير عن نفسها وآرائها ورؤيتها الحرّة اتجاه الأحداث والقضايا المثارة في الرواية، بينما نجد أن البطل الذي بدأت به ومعه الأحداث، واستمرت به ومعه إلا النهاية على مدى زمني استغرق حوالي 100عام، (وهذا يحيلنا بالتناص إلى رائعة ماركيز- مئة عام من العزلة- ولا يخفى على أحد تأثّر الأديب منير عتيبة بهذه الرواية، والتي جعل منها مسلسلًا إذاعيًّا على حلقات عديدة)، نقصد هنا مجاهد أو موجيتوس، ليس له إلّا فصل واحد يحمل اسمه بشكل مباشر، إن هذه العناوين تحيل بصريًّا إلى أن الرواية رواية متعدّدة الأصوات (بوليفونية)، لم يكتفِ الكاتب لتأكيد ذلك بصريًّا بالعناوين فقط، وإنما عمد إلى تقنية بصرية أخرى دالّة على ذلك، وهي كتابة اسم الشخصية باللون الغامق، ليشير إلى من يتولى مهمة السرد، بدلًا من استخدام فعل القول كتقنية سردية مألوفة، فلا نجده يشير إلى السارد بجملة يقول فلان أو قال، وإنما يتبدّل السارد من غير أن يشعر المتلقي بانقطاع السرد عند تحوّله من سارد إلى آخر، فكل سارد يسلّم السرد لمن يذكره، وكأن السرد كرة يتم قذفها من سارد إلى آخر ، نسوق المثال التالي عن ذلك والأمثلة كثيرة جدًّا وقد حفل بها الفصل الثاني تحديدًا:

" .... ،أرى في عيني عيسى بن أحمد بريق النعيم الذي يسري من قلبه الراضي إلى أنامله، فيبثّ في العود إحساسًا رهيفًا برفاهية لا حدود لها.

كنت كمصعب بن عمير في النصف الأول من حياته، وربما أتاحت لي الحياة من الوسائل ما لم يتح له، الجسد هو آلة الإنسان وسفينته........." [11]

كانت كرة السرد عند مجاهد، وعندما ذكر عيسى بن أحمد قذف الكرة باتجاهه ليتولى مهمة السرد، وهو بدوره سيقذفها باتجاه غيره. هذه التقنية السردية البصرية هي تقنية مبتكرة ومكتشفة عند الأديب منير عتيبة، قد نختلف على جدواها، حيث أنها مربكة للقارئ، ولكني أجدها حاذقة، تجعل المتلقي يستنفر وعيه وإدراكه حين يقرأ الرواية، ويعزف عن قراءتها كوجبة خفيفة قبل النوم، بل هي وجبة دسمة ينبغي أن يأخذ القارئ بنظر الاعتبار يتحضّر لها، كي يحسن مضغها وهضمها.

وهناك تقنية سردية بصرية أخرى لاحظتها في هذا العمل، وهي تعقيبات على السرد، وضعها الكاتب بين قوسين وكتبها بخط مائل كأنها ملاحظات مُستدرَكة يجب إضافتها إلى كتاب المذكرات الذي يخص البطل مجاهد:

" ..... كنا نطلب منه أن يعزف هذا اللحن كثيرًا فيما بعد (ولماذا نسيت أن أكتب أنه لم يكن يستجيب بسهولة، كانت ملامحه وهو يعزف في المرة الأولى غير سعيدة، وكان يبدو حزينًا عندما يضطر إلى عزف هذا اللحن بالذات، أتعرف يا مجاهد ، ليس هذا ما كنت أسمعه ونحن نكافح الأمواج ونوشك على الغرق)[12]

كما استخدم ذات التقنية عند سرد أفعال البطل (موجيتوس) أثناء قراءة المذكرات، وهذا ما أعطى السرد نوعًا من الحيوية والإيهام بواقعية الأحداث وطبيعيّة الشخوص:

"..... ربما (مسح موجيتوس دمعة قبل أن تسقط على الورقة التي يقرأها، لا لم يأتِ هذا المستقبل أبدًا يا مجاهد)[13]

لم أجد بالرواية أخطاء إملائية أو نحوية تُذكر، تم مراعاة علامات الترقيم بشكل جيد، كما أن التنسيق الطباعي جيد جدًا.

2- المدخل اللساني والجمالي:

ندرس فيه الألفاظ والتراكيب والصور الجمالية، ونتعقب من خلال الألفاظ:

ثقافة الأديب العامة: ومدى قدرته وتمكّنه من توظيفها بشكل جيد في عمله الروائي

والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا نكتفي بذكر بعضها:

استخدم مفردات مهنية تعود إلى ذلك العهد، في القرن العاشر الميلادي تقريبًا، مثل الألفاظ والمفردات المشار تحتها بخط:

" .....كان قد طلب من أحد الصنّاع أن يصنع له نموذجًا لمنبر جامع قرطبة، يستطيع أن يحمله أينما ذهب، كان النموذج يزن كيلو غرامًا، أو أكثر قليلًا، لكنه كان مطابقًا للأصل، بدرجاته التسع، وخشبه من الساج والأبنوس والبقم والعود القاقلي، وحشواته الست وثلاثين ألف المسمّرة والمرصّعة بمسامير من الذهب والفضة ..."[14]

كما ذكر بعض أنواع المحصولات النباتية وأساليب الزراعة وأوقاتها وأساليب الري، في ذلك العصر والمكان:

" .... تمسك أهدابي بصور النخيل الشامخ تداعبه الريح، رمان الرصافة، رمان السفري، النارنج، قطن إشبيلية، تفاح سيرانيفادا، والبطيخ السندي، قصب السكر المالقي، وأرز بلنسية، حقول القمح والشعير، حدائق الموالح والكروم والموز والخوخ والتين والبرتقال والليمون، غابات السنديان والصنوبر والبلوط، الأحواض الواسعة تستقبل المياه المتساقطة من القمم الجبلية، تحملها النواعير إلى الحقول ، محكمة المياه الأهلية التي تعقد بجوار المسجد كل أسبوع لتوزيع المياه على أراضي الفلاحين بالعدل، وتحكم في خلافاتهم المائية، التقويم القرطبي الذي يحدد مواعيد زراعة كل محصول، الثيران العفية تحرث الأرض وتقلّبها استعدادًا للبذر ، قصور قرطبة، دورها ، حدائق القصور والدور، الحدائق العامة ، النرجس والياسمين والبنفسج.....) [15]

الكاتب وظّف ثقافته الجغرافية والتاريخية: فذكر مدنًا وممالك تاريخية ومواقع جغرافية:

" .... كان أمراء أوروبا الكبار مشغولين بالصراع على تاج مملكة لمبارديا،.... كان تخريبنا لمدينتي مريجوس وطولون نذيرًا لسكان بروفانس الذين استصرخوا هيوج كونت بروفانس ليعود من إيطاليا حيث ذهب طمعًا في تاج لمبارديا ".[16]

" كان الأوروبيون يطلقون اسم أحد آلهتهم الوثنية على مضيق سان برنارد (جبل جوبتر) ، وكان هذا المضيق الواقع بين أوست وبلاد فالي يجعلنا نسيطر على طريق الاتصال بين بورجون وإيطاليا، .... فاجتحنا بلاد نيس حيث أقام الكثيرون منا في حي المسلمين ، وسواحل جنوة ومدينة جرونبل ...." [17]

" اكتشفت أن السارازين[18] بشر مثلنا "[19] ..." اكتشفت أنهم بشر مثلنا، كل الحكايات المرعبة عنهم تلاشت من رأسي، أخبرني أبي أن الناس يخلطون بينهم وبين الهنغاريين"[20]

وظف الكاتب ثقافة تراثية تتعلق بالأزياء ووصفها:

" أضع حول عنقه الببطير الكتاني ... ليحفظ ثيابه من الطعام واللعاب "[21]

" ... لم يبخل عليّ بالثياب الأندلسية البديعة غالية الثمن من الديباج والسقلاطون والعتابى وغيرها، وأتحفني بأنواع عديدة من عطور الزهور ". [22]

" أعشق الملابس الجميلة، أرتديها مثلما علَّم زرياب أهل الأندلس أن يفعلوا، ثياب قصيرة، ضيقة الأكمام، في الربيع خفيفة بلا بطانة، وفي الخريف خفيفة ملونة ذات بطانة، وخفيفة بيضاء في الصيف، أما الشتاء فله الملابس الثقيلة الداكنة، والفراء إذا اشتدّ البرد، ومثل زرياب قصّرت شعري من الجانبين وأرسلته وراء أذني، وأكثرت من استخدام العطور المستخلصة من الأزهار".[23]

وكذلك استخدم ثقافة تراثية خاصة بطهو الطعام ومستلزمات المائدة في ذلك العصر والمكان:

".... علمني كيف أطبخ " النقايا" بماء الكزبرة الرطبة المحلاة بالسنبوسق والكباب، وتقلية زرياب التي يطبخ فيها الدجاج والأرانب في ماء كثير الأفاوية والطيب،.. كان الأطفال يعشقون ما أقدمه لهم من حلوى زريابيا اللذيذة،.. نبدأ بالحساء، ثم باللحوم والطيور، ثم الفاكهة والحلوى من الفطائر المصنوعة بالجوز واللوز والعسل ، والعجائن المحشوة بالبندق والفستق، والمعقودة بالفواكه، حتى الماء كان البلوطي يجعلنا نقدمه في أكواب زجاجية شفافة، ولم ينسى غطاء المائدة الذي كان من الجلد الرقيق بدلًا من القطن أو الكتان حتى يسهل تنظيفه ويطول عمره" . [24]

استخدم معلومات من علم العقاقير النباتية، وطرق العلاج و التداوي بالنباتات:

" .... غابات الدردار ... لحاؤها الرمادي المائل للاخضرار، أزهارها التي تظهر في الربيع قبل الأوراق على رؤوس العروق كالعناقيد، الأوراق الريشية البيضاوية والشريطية مسننة الأطراف، الثمار الجناحية التي تتدلى من العروق خضراء اللون في البداية ثم بنية بعد ذلك"

" قليل من أزهارها المجففة في كوب صغير من الماء المغلي يمنحني محلولًا له مفعول السحر، عالجت به حالات الأمعاء غير المنتظمة لطرد الطفيليات منها، وخففت به حرارة بعض المرضى، وعالجت التهابات الكلى والمسالك البولية، خففت آلام الروماتيزم للعجائز، وآلام النقرس، وعالجت بأوراق شجرة الدردار الجراح المليئة بالصديد..." [25]

".... كنت أشعر أنني كتلة من نار، ... تناول هشام بن عبد المعين بصلة كبيرة بيضاء مقشرة،.... يقطع البصلة إلى حلقات، يضع حلقات البصل أسفل قدمي، يأخذ من مجاهد قطعة من القماش الأبيض يلف بها البصل حول قدمي بإحكام، ويطلب مني أن أنام..."[26]

البنية اللغوية: من مفردات ونظم وسياق، محققة للوقع السحري الذي تتميز به الجملة العربية الفعلية: فعل فاعل.

البنية الإيحائية الذرائعية:

العلاقة بين الدلالة والمدلولات، المعاني القاموسية والإيحائية الذرائعية المراوغة، والتي توقف الذرائعية مراوغتها عند حدود المفهوم: نأخذ مثالًا:

أم هي اللغة مرة أخرى تراوغ الذاكرة وتكتب نفسها لتبني ذاكرة أخرى تستمد من الكلمات قوتها وليس من تراب ودم الحياة؟

لقد جعل الكاتب (اللغة) أو ظاهرة تبحث عن معناها، قرنها بمدلولات عديدة أو صفات كل واحدة منها تصلح أن تكون معنى لها (مراوغة – ذاكرة – مكتوبة – كاتبة –كلمات – قوية – ليست ترابًا أو دمًا – حيّة) مرادفات كثيرة منها القاموسية ومنها الإيحائية، كل مفردة تستدعي الكثير من المعاني، توقفها الذرائعية عند حدود المفهوم الذي تتقاطع فيه كل تلك المعاني، وهو هنا (تدوين التاريخ).

البنية الجمالية:

هناك الكثير من الصور البلاغية، من استعارات وتشابيه، والصور الجمالية علم الجمال:

- كان زرياب يعلّمني كيف أسكب روحي عليه (العود) .

- علّمني كيف أفهم صوتي، وكيف أحب العود، وكيف أصنع من الفهم والحب ألحانًا تحمل سامعها إلى جنات النعيم .

- أشعر بهزة، كأن الكون ينتفض، وأمواج البحر التي كانت غافية تستيقظ فجأة مضطربة، النغمات تصدر عن العود مترددة ، حائرة، حادة .

- فراغ حاد بأنياب وحشية ينخر روحي.

- يبدو أن من يحصلون على اللذّات على سطحها هم السعداء حقًّا، يرون لمعة البرق على السطح الرقراق، ولا يشعرون بما تحت السطح من حجارة مدماة وحصى وحشى.

- لقد نزلت بروحي إلى ما تحت سطح اللذات بكثير، غصت في أعماق بعيدة، فتحطمت سفينتي على أسنان الصخور الوحشية.

- حتى جسدي ما زال يطلب شهوته، بل يطلبها بعنف وإلحاح أقوى، كطفل متمرد يعلم أنه سيحرم من الحلوى فيأكل منها أكثر من طاقته.

- كانت الدموع تقطر من بين أصابع عيسى بن أحمد فيرتعش العود الذي يضمه بحنو إلى صدره، طعم ملح الدموع على لساني.

- عقلي مغلق دون اللحظة، كأعمى لا يستطيع أن يرى أبعد من مشاعره الحالية.

- لم أصدق أنه يمكن أن تطلع شمس الصباح، لكنها طلعت، ولسعتني، فأيقظتني، أم أيقظني الجوع والعرق الذي يشبه دبابيس تنغز في جسدي.

- هزّتنا جميعًا تلك النغمات، كيف استطاع عيسى بن أحمد أن يصنع لنا أجنحة، وأن يلون أمواج البحر بعشرات الألوان الزاهية.

- من عينيه وملامح وجهه الغليظة يطل شبق ناري اللون، كيف عرفت لون الشبق في عينيه؟

- أم هي اللغة مرة أخرى تراوغ الذاكرة وتكتب نفسها لتبني ذاكرة أخرى تستمد من الكلمات قوتها وليس من تراب ودم الحياة؟

- الشمس تبدو من خلف السحاب كعجوز تحتضر

- ضباب خفيف بعيد يقبل نحونا من كل جانب كأشباح تتشكل بعشرات الأشكال ، كلها ناقصة ، وكلها مخيفة

- يتكاثف الضباب في اقترابه منا، لونه أبيض يحترق في الريح والموج، يصبح حائطًا من الرماد الصلب، ثم يسود، لا يرى أحدنا كف يده.

- نظرت إلى بقايانا التي تلعب بها رؤوس الأمواج، وبقايانا المتجمدة خوفًا في أجساد هشة.

- الجدول الصغير الذي يمر ببلدتنا يموت، إذ يسكب روحه في البحيرة البعيدة، كل شيء في الطبيعة يموت، لكن الإنسان فقط هو الذي يُقتل.

- لم يكن الحب هو ما يملأ حياة البلدة، كان النظام الصارم، الأدوار المرسومة لكل شخص منذ الأزل، من قبل ميلاده حتى بعد موته.

- علمت أنني أطعن بسيفي صفحة الماء طوال الوقت، لن ينكسر السيف، ولن تنزف المياه.

- كان نهر الحياة يتدفق من روح روجينا فيغرقني نشوة أهب لها فيها كل ما يمكنني من محبة

- أنا لم أعش من قبل ولا من بعد مثل هذه الدقائق التي امتدت بعرض العمر وعمقه.

- نجوم متباعدة في سماء حالكة، نجوم متدثرة بوحدتها، وبحر تتباعد أمواجه كل منها عن الأخرى و تهرب منها، فتضيع في الرمال، أمي بعينيها العسليتين تطلق سهام لوم مؤلمة على قلبي

- كان وجه أمي يزداد غضبًا، وكان عسل عينيها يتحول إلى حبال تندفع إلى السماء ، تلتف حول نجومها، وتسقطها واحدة بعد الأخرى عمق البحر، ثم تتحول الحبال إلى سياط تجلدنا بها أمي نصرخ ، نصرخ،

- نفكر في اختيار مصير النجوم لعلنا نرتاح هناك تحت الأمواج الثائرة، لكن السياط تحملنا، وتقذف بكل منا في حجرته، فوق سريره، وإذا كل منا يرى الآخر عبر الجدران ممددًا على السرير، فاتحًا عينيه ذهولًا، وحوله إخوته وأمه يرتلون القرآن.

- ذهبت أبحث عن أرض وجذور فلم أجد سوى سراب مزروع في رياح عاتية.

ثالثًا – المستوى المتحرك:

أتناول في هذا المستوى المضامين المتحركة والمؤجلة، عبر دراسة البنائين الفني والجمالي، وأبدأ ب

البناء الفني:

العنوان: أول لبنة في البناء الفني (موجيتوس)

متخذًا من أول حرف بهذا العنوان مسمارًا، علّق الكاتب خيط التشويق، ومضى يسحبه على امتداد المتن السردي حتى أحكم ربطه على مسمار آخر حرف في النهاية، وسؤال لم يطل بعد الاستهلال مباشرة:

هل هو مجاهد أم موجيتوس؟ كان قد نسي هذا السؤال منذ سنوات، فهل نسيه حقًّا؟ [27]

مجاهد وموجيتوس اسمان للشخصية البطلة، وكانت أول القضايا التي طرحها، هي لماذا تحوّل من مجاهد إلى موجيتوس؟ مجاهد هو ذلك الفتى والشاب العربي القرطبي المسلم، والذي أصبح موجيتوس حينما وهب المنتصر المسيحي (بوبون) مجاهدَ لماريا على أن يتحوّل إلى المسيحية ليستحق أن يستمر زوجًا لها، فأصبح موجيتوس!

لكن لماذا موجيتوس وليس مجاهد؟ موجيتوس: دلالة إيحائية وذرائعية تحيل إلى الواقع المهزوم الذي يرزح تحته العالم الإسلامي الحالي المتّهم بالإرهاب، ولاسيما في قضية الجهاد، حيث أصبح الجهاد مكافئًا للإرهاب، بيد من أساؤوا فهم جوهر الجهاد، وانتظموا في خلايا إرهابية، تحوّل مجاهد إلى (موجيت) ولحقت به اللاحقة الرومانية (وس) والتي نلحظها في العديد من الأسماء الرومانية، مثل (يوليوس- أنطونيوس.... ألخ)، سنجد أن العنوان هو إفراغ للمعنى الحقيقي للجهاد الإسلامي والعربي. هو حالة من الخذلان والإذلال الذي وصل إليه حال العرب والمسلمين، صاروا تابعين بعد أن كانوا ملوكًا متبوعين، ومازال الحال على ما وصل إليه، لذلك هو (موجيتوس).

الاستهلال:

جمل فعلية حسّية ومشهدية متلاحقة، محفزة لتساؤلات تحبُك الحبكة الأولى في بناء الحدث السردي، وهو التشويق:

"شعر بالفزع عندما اكتشف مرور أكثر من دقيقتين على استيقاظه وهو ما يزال جالسًا في سريره ولم يصلّب، ولم يشكر العذراء على نعمة يوم جديد يحياه".[28]

الزمكانية:

العنصر الثاني في بناء الحدث السردي، وهو العنصر الذي اكتسبت منه الرواية ثيمتها التاريخية.

زمن الأحداث: فترة حكم عبد الرحمن الناصر أمير قرطبة حوالي القرن العاشر الميلادي (316 ه- 929 م) وعلى مدى 100 عام، المكان: تنوّع المكان بين سفينة تحمل عشرين شخصًا قرروا غزو جزيرة صقلية، وبين مدن أندلسية (قرطبة) وأوروبية عديدة شملت جنوب فرنسا وجنوب إيطاليا وصولًا إلى سويسرا. وبين ضيَع عديدة و قلاع وحصون حمل معظمها اسم (حصن فراكينسستوم) نسبة لغابات الدردار.

الموضوع:

هي حكاية التوق الإنساني(على اختلاف معتقداته الدينية، مسلم أو مسيحي) للانفلات من قيد الخوف باتجاه المغامرة، ومن قيد العرف باتجاه الطموح والرغبة، في رحلة جهادية لمعرفة النفس أولًا، والغنيمة من الثروات ثانيًّا، مع الحرص على البقاء تحت خيمة محبة الرب، وعدم القفز بدون مظلة رضى الله، بحث عن يوتوبيا الروح، واستنهاضٌ لبطولة الذات الإنسانية، وهذه هي الفكرة المدهشة التي ساقها الكاتب، لأننا اعتدنا البحث عن البطولات خارج ذواتنا، وخارج زماننا، وخارج مكاننا، نبحث عنها في أنموذجات لم نعايشها، قبلناها كما قدّموها لنا أو كما قدّمت نفسها لنا، دون أن نتحقّق من حقيقتها، وهل هي حقًا رمز بطولي يوتوبي يستحق التمجيد، يقول الأديب منير عتيبة بفقرة سردية على الغلاف الخلفي للرواية:

" لقد كانت (الفكرة) نفسها مفاجئة ومدهشة، لكنها متّسقة مع روح العصر المشبعة بحب الغزو وفتح عوالم جديدة، هي روح لم تقتصر على المسلمين، بل شملت كل من يعيشون في هذا العصر، الكل يريد المغامرة والاقتحام والانتصار والفوز بالغنائم، ولا يريدون مع هذا أن يفقدوا محبة الله، فيسعون في كل هذا باسم الله أو الرب، باسم القرآن أو الإنجيل" . لقد كان الكاتب حذقًا جدًّا في إيصال هّذه الفكرة المدهشة، من غير أن يتكلّف، من دون أن يزوّقها بمبرّرات مفتعلة أو مقحمة، بل انسالت كالماء السلسبيل فوق صخرة الوعي، وأظنه صقل ما نتأ منها.

الحبكة:

أنقل بعضها كملخّص أورده الكاتب على الغلاف الخلفي:

يقرر عشرون رجلًا من أهل الأندلس بناء سفينة وغزو صقلية غزوة سريعة باسم الإسلام، ليعودوا بعدها محملين باغنائم والفخر ورضا الرحمن. لكن السفينة تجنح بهم تحت ضربات عاصفة مهلكة وتلقي بهم على شواطئ فرنسا، حيث يجدون أنفسهم في مكان لا يعرفونه، أمام أطلال قلعة رومانية قديمة تشرف على البحر وتتحكم في الطريق الرئسسية بين الجبال، ومن هذا المكان يمدّون نفوذهم لمائة عام على جنوب فرنسا وجنوب إيطاليا حتى يصل إلى سويسرا.

جوهر الموضوع ليس في الأحداث، فالأحداث مكرورة بتعاقب الحياة، وإنما في أثرها على أرواحهم الحائرة، وأحلامهم المتباينة، ومصائرهم التي كان فيه الموت رابحًا بالمحصلة عندما قبض على العدد الأكبر منهم، ولم تنتصر الحياة إلا بواحد منهم، مسلم مع زوجته المسيحية، هما من روَيا حصاد مئة عام من الانتصارات والهزائم والخيانة والحب والحرب، والشهوات واللذات، والعذابات الروحية والجسدية، ووضعا معًا نهاية مفتوحة عبر الزمان، لأحداث تتكرّر على مسرح الحياة الكبير ، الحدث الحاضر فيها هو الهزيمة الكبرى، التي تعقب الانتصارات الصغيرة.

العقدة: تضافر جهود الفرنجة تحت قيادة(جيوم) بجيوش عظيمة مصمّمة على القضاء على أي وجود للغزاة الأندلسيين المسلمين في أوروبا، وحصار الحصن الأول، وذبح كل من فيه من المسلمين والهنغار ، واقتياد الأسرى كرقيق وعبيد عند الأمراء والكنيسة، لم يبقَ من ال20 رجلًا إلا مجاهد، ورقبته تحت سيف بوبون.

الانفراج: تستوهب ماريا رقبة زوجها مجاهد من المسيحي بوبون، ذكّرته بنفسها، الطفلة التي أنقذها في الغابة وتركها في الدير، تستوهب منه رقبة مجاهد، تستحضر نفس المشهد من الماضي، حين استوهبها مجاهد من أمير البحار يوسف وأنقذها من نظراته الشرسة وهو يهمّ باغتصابها كجارية، " هو لي!" ، يهب بوبون مجاهدَ لماريا شرط أن يصبح مسيحيًّا ليستحق أن يستمر زوجًا لها، فأصبح موجيتوس.

النهاية:

اعتمد الكاتب في إنجازها على تقنية التدوير السردية، وهي العودة إلى مشهدية الاستهلال، لنكتشف أن الأحداث المسرودة على امتداد زمني يعادل حوالي المئة عام لم يستغرق ألا ساعات قليلة هي زمن قراءة الرواية، فما زال موجيتوس في الغرفة أمام الصندوق الذي وضع فيه الأوراق، ومازالت عيناه تنظران عبر النافذة إلى النخلة التي تقتلها العاصفة الثلجية، وما زالت ماريا نائمة في السرير.

".... دخل إلى سريره، نظر إلى زوجته، فتحت عينيها، ابتسمت له، بادلها الابتسام، أغمضا أعينهما بهدوء، بينما ملامحهما المجعدة تحكي عن سنوات ملتهبة ضلّت فيها الروح كثيرًا إلى سكينتها المفقودة"[29]

نهاية مفتوحة لأن الأرض لم تُطوى بعد طيّ السحاب، مازال الحال على ما هو عليه، ومازال في الحياة شقاء واغتراب.

الشخصيات:

نؤكد أولًا أن شخصيات الرواية هي شخصيات متخيّلة، حاول الكاتب أن يجعلها تقترن بشخصيات تاريخية معروفة، ليوهمنا بواقعيتها، ف(حسان الغافقي) جدّه (عبد الرحمن الغافقي)، (عيسى بن أحمد) أستاذه الذي علّمه الفن والموسيقى هو (زرياب)، وعبد الرحمن صديق الخليفة (عبد الرحمن الناصر)، الطماشكة الزناتي حفيد الكاهنة البربرية وجدّه الفاتح المشهور (طارق بن زياد)، صفيّ وعليّ منذوران للشهادة كالحسن والحسين، ابني الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

لم نجد في الرواية شخصية بطلة بالمطلق، كما لم نجد شخصيات معارضة، فكل الشخصيات متّفقة على هدف أولي معلن (غزو صقلية)، لمّا لم يتحقّق الغزو للمكان المقصود، اتفقوا على فكرة الغزو لكل الأماكن المتاحة، حتى أنهم في البداية لم يؤمِّروا عليهم أميرًا، بل جاء الأمر وكأن القدر يوزّع الأدوار على الرجال العشرين، ليكون (الطماشكة الزناتي) أمير الحصن الأول، وليحوز حسان الغافقي أمارة الحصن الثاني، حسمًا لخلاف كان من الممكن أن يتطوّر إلى صراع حقيقي، وهكذا، ومع توسع الغزو، بنوا المزيد من الحصون، استقلّ فيها من أراد من الرجال، وتولَّوا إمارتها بالاتفاق، ولكنهم بقَوا يدينون بالولاء للحصن الأول. الصراع الحقيقي كان بينهم وبين من ناوءهم وناوؤوهم من الفرنجة. كما أن الكاتب باعتماده الطريقة التمثيلية في عرض الشخصيات، جعل كل شخصية منها شخصية بطلة وهي تروي قصتها بصوتها.

تتشابه كل الشخصيات بماضيها المأزوم الذي يدفعها للخروج من بلدها، بعضها مأزوم بأسباب عاطفية، والآخر ى بسبب اضطهاد عرقي أو ديني، منهم من أخرجه الانتقام ومنهم من أخرجه حب المغامرة وشهوة السلطة والثروة، والغريب أن كل تلك الشخصيات اتفقت على الخروج تحت شعار معلن هو (الجهاد والدعوة إلى الإسلام) وجميعهم يدرك أنه لم يكن الهدف الأسمى، وإنما كان الستار الذي أشبعوا من ورائه ذواتهم المتعطشة للسلطة والإمارة والسبي والثروة، يقودهم (الطماشكة الزناتي) وهو بربري استغل رغباتهم الدفينة ليحقّق مجد قومه الذين كان يقينه بأنهم كانوا أحق من العرب في حكم الأندلس:

"... كان القائد العظيم مجرد بائع أقمشة في سوق قرطبة،.... كيف لك أيها الوحيد الفقير أن تحلم بأن تكون أميرًا؟ لكن صوت التحدّي لا يتوقّف، فعبد الرحمن الداخل لم يكن سوى شاب وحيد مطارد من العباسيين في الشرق، جاء إلى الأندلس ... وعاش في الأندلس أهوالًا أكبر ، ولكنه بنى لأبنائه وأحفاده ملكًا، وأنا حفيد الكاهنة وأحد فاتحي الأندلس جدير بأن أحقق لنفسي مجدًا عظيمًا...."[30]

بذرة شديدة الدهاء، لابدّ أن تدرس الدواخل النفسية والفكرية لشخصيات الخليّة التي تريد تكوينها لبلوغ الهدف:

" مددت حبل الصداقة بيني وبين يوسف، عرفت منه كل ما يعلمه عن أوروبا وشواطئها وناسها، أشعلت فيه نار حلم كل بحار بأن يصبح أميرًا للبحار، ونفخت فيها باستمرار، ثم أعلمته بما أفكر فيه....، لم أكن أختار الرجال الذين سأقودهم إلى تحقيق حلمي عشوائيًّا، ... لم أختر سوى هؤلاء، أردتهم من كل فئات الناس في الأندلس، لأنني سأكون ملكًا على الأندلس الجديدة"[31]

الشخصية الغريمة الوحيدة التي يمكن أن يصطدم بها الطماشكة هي (حسان الغافقي)، العربي الذي يريد أن يصلح خطأ جدّه، وكان عقبة أمكنه التخلّص منها بسهولة، أيضًا عن طريق دراسة الانفعال النفسي والسلوك:

" أتخلّص من حسان الغافقي الأهوج سريع الغضب بسهولة، لكنني أحافظ على علاقة ودّ بيني وبينه، فنحن في النهاية أخوة ضدّ أعدائنا المشتركين، أوافق على أن يكون بعض رجالنا قادة لحصون أخرى شرط أن يكون ولاؤها لي، لم أرفض أن يتزوّج رجالنا من النساء المحليات، كما لم أرفض أن يعيشوا في القرى ليكونوا من أهلها، فلن نبقى إلى الأبد في الحصون فقط"[32]

مجاهد - موجيتوس:

ولكنني أميل إلى اعتبار مجاهد أو موجيتوس شخصية بطلة تستحق لقب (الشخصية اليوتوبيا) في الرواية لأسباب عدّة:

ليس عبثًا أن يبدأ الأديب منير عتيبة روايته بشخصية (مجاهد)، وينهيها بشخصية (موجيتوس)، ومعروف أن الشخصية البطلة هي التي تبقى عندما تتلاشى الأحداث وتنحسر الشخصيات في مثلث الانفراج في التشابك السردي، لتضع النهاية، فهي شخصية بطلة، وقد يخالفني البعض الرأي، وعذرهم في ذلك أنها شخصية ضعيفة التأثير في سير الأحداث، بمعنى آخر أنها (شخصية متنحية)، لكن بنظرة متبصّرة نجد أنها شخصية مرنة، تتقبّل أفكار الغير دون أن تمارس سطوة المنتصر، فلم يجبر كريستينا التي اختارها بقلبه المحب الرحيم على اعتناق الإسلام حينما تزوّجها، بل احترمها كما هي، واحترم عقيدتها، لكنه لم يقبل بفعل أبيه عندما اغتصب (عجب) الجارية الطفلة التي أهداها له، بينما أرغمه المنتصر الآخر(بوبون)، تحت ذلّ الهزيمة، على التحوّل عن الإسلام واعتناق المسيحية، وصادر اسمه من (مجاهد) إلى (موجيتوس)، شخصية رومانسية متوازنة قبلت أن تكون صلة الوصل بين الشرق والغرب عن طيب خاطر، ومهما اعتنقت من أديان، ليس لها حلم سوى إرضاء الله والطمع بجنته، شخصية تمتلك القوة والجلد على تحمّل صعاب المغامرة التي هي بالحقيقة انتصار صغير لا يكافئ آلامًا كبيرة، انتصار يمكن الاستغناء عنه إن كان الألم ممكن الاحتمال، لكنه أمام مسؤولياته اتجاه عائلته يتابع خوض المغامرة بكل قساوتها، منتظرًا دوره بالموت، مصيره المحتوم، في رسالة مرسلة من خلف الصقلبي لمجاهد يقول له فيها:

" .... كانت قصتك صغيرة وألمها يمكن احتماله ومع الزمن يُنسى، فما الذي ألقى بك وسط قصصنا المربكة؟ ألم تزل لديك فرصة لكي تعود؟ إن كانت فانتهزها (ولمن أترك ماريا وابنها العجوز ، وماريا لن تترك هذه البلاد يا خلف؟)..."[33]

شخصية تعشق الزراعة، أي تعشق الحياة والسلام، وتزرع الحب والطيبة في كل تربة تطؤها القدم، وشخصية حملت على عاتقها مهمة كتابة تلك المغامرة، وتتبّع حياة ومسير كل شخوصها باتجاه الموت، فقبعت تراقب سلوكياتهم، وتتلقّف أخبار من غاب منهم مغادرًا الحصن، وتلك رسالة خفية وصادمة يوجّهها منير عتيبة، مفادها: يمكن للتارخ أن يكتبه المهزوم، خلافًا للمقولة السائدة (إن التاريخ يكتبه المنتصر)، والمهزوم يكتبه بصدق، وكونه محكوم بالندم، يقوم بتحليل واقعة الهزيمة، وتجذير أسبابها بدءًا من البذور، ثم الوقوف على نتائجها وقطوفها. و(مجاهد- موجيتوس) مزارع خبير. وكاتب حر، توسّم فيه(عبد الرحمن) ذلك، وهو الشاعر الخبير الذي يدرك قدْر رسالة القلم، قال له: " إذا أردت أن تكتب حكايتنا فلا تخبر أحدًا حتى يحتفظ قلمك بحريته"[34]

(مجاهد- موجيتوس) هو رمز للإنسان العربي الطيب والصالح الذي غُرّر به منذ صغره، فقد المثل الأعلى، ليلتحق بمغامرات ومؤامرات الكبار دون أن يكون له فيها لا ناقة ولا جمل، فقضى عمره مهزومًا، لا هو مات، ولا هو انتصر ، حتى عندما تزوّج من إفرنجية أنجب طفلًا مشوّهًا محكومًا بالموت المبكر ،كالشعوب العربية المهزومة في حاضرها، بعد أن سادت وملكت في ماضيها، لا تملك من حاضرها الآن سوى بضع وريقات كتبت عليها تاريخها، الكثير من الحروب والانتصارات الصغيرة وبعض الأمجاد الغابرة، والكثير من المؤامرات والخيانات التي قضت على الحاضر وضمنت التهام المستقبل، شعوب عندما انفتحت على الغرب واقترنت به بسماحتها أنجبت منه عالَم مشوّه الشكل، سريع الفهم وسليم العقل، لكنه محكوم بالموت فتيًّا، لتبقى الشعوب العربية مهزومة أرقة، والأجنبية ترفل بالنوم وابتسامات الرضى...

لأجل كل ما تقدّم أعتبر (موجيتوس) الشخصية الرمز الرئيسية البطلة فنيّا ودلاليًّا، تليه كريستينا التي تمثّل أوروبا العصور الوسطى المظلمة والفقيرة، المسيحية المغتصبة من قبل السادة من الإقطاع ورجال الكنيسة، التي يتاجر بها اليهود وقطاع الطرق من كل الأجناس، والموهومة بالأساطير والخرافات، لا تنام إلا لترى في أحلامها (الأخ مارك والأم العذراء).

الشخصيات الأخرى منساقة باتجاه أمانيها التي تتراوح بين شهوة السلطة والجاه، وبين البحث عن اليقين وسكينة الروح الحائرة، شخصيات من منابت عدّة، كلها مأزومة بماضيها وأصولها الحائرة بين الشرق والغرب، من العرب والفرنجة والصقالبة والبربر والمولّدين، تحقق (انتقامها) تحت مسمى(أحلامها) بغزوات في بلاد الفرنجة باسم الله وتحت شعار محبّته ورضاه، بعضها يرسم بعدًا موضوعيًّا عن أسباب هزيمة العرب في تلك الحقبة التاريخية، يتجلّى بالتراخي في حسم المعارك لصالح العرب، تتّخذ هذا البعد ركيزة أساسية في كل الغزوات والفتوحات التي قامت بها، فلم يكن عبد الرحمن الغافقي القائد العربي حاسمًا في معركته، لذلك لم ينتصر كما يجب، أخفق كقائد كما أخفق كفارس، ما جعل حفيده (حسان الغافقي ) يحمّل نفسه وزر جدّه. ويحاول أن يكون هو القائد، الأمير الفارس:

" لو كان عبد الرحمن الغافقي أكثر حسمًا لما اندحر المسلمون تحت ضربات شارل المطرقة ولتغيّر تاريخ العالم"[35]

هناك عنصران يكملان بناء الحدث السردي، من بعد التشويق أو الزمكانية، هما العاطفة والتعبير،

العاطفة: نجدها عند المرور عبر الشخصيات السردية التي عاشت تجربة الحب، بأشكاله ونهاياته المتباينة، هناك مثلًا:

مجاهد – عجب:

الفتى الذي عشق (عجب) الجارية التي اشتراها أبوه وأهداها له، ثم قام الأب باغتصابها أمام عينيه، لقد خبر الحب في بواكير اليفاعة ، حتى أنه حار في تفسير السبب الذي حرّك المشاعر في جسده:

" كانت عجب بالنسبة لي رفيقة سنوات التفتّح، الطفلة التي لهوتُ معها، ولعبنا في حديقة دارنا، مسحت دموعي بيدها، قبّلت وجهها احتضنتها تحت شجرة التين ، فتفتحت بجسدي مشاعر جديدة لم أعرف كنهها، لكن براكين شهوة الجسد لم تتفجّر إلا وأنا أراه عاريًا فوقها، فأراني أندفع بالخنجر لأقتله، فما الذي حرّكني حقًّا " [36]

عبد الرحمن بن سالم– صبح: الشاعر الذي لم يقل شعرًا إلّا بها، ولا يشتهي الولد إلا منها، وأرضها بور، لذلك يفرّ منها ملقيًا بنفسه في حرب إلى أخرى، العشق بينهما مقاس برائحة العنب، التي تفجّر فورة جسديهما للعشق:

".... فتتخلّل رائحة العنب الحلوة الحامضة مسامي، تصبح رائحتي الخاصة ورائحة صبح، هي الرائحة التي تعبر عن عشق كل منا للآخر، هي الرائحة التي يدعو جسد كل منا جسد الآخر بها، وهي مل يتبقى من رحيق العشق وفورة الجسد، إذ تسكر روحي بخمر الحب المتدفّق من عيني صبح "[37]

عبد الله البلوطي – أسماء: مسلم أسباني، يعشق أسماء بنت الفقيه إبراهيم العمري، يرفض الفقيه تزويجه منها لأنه من المولّدين، فيقررأن يحفظ عشرة آلاف حديث وموطأ الإمام مالك ليقبل الفقيه تزويجه ابنته.

خلف الصقلبي – روجينا

وأما الجنس:، فقد تناوله الكاتب بتصوير مشهدي، بتجرّد، بمعزل عن العاطفة، فقط كفعل غرائزي ليخدم الدور الذي أراده في حبكة العمل الروائي، وهو دور الجنس في السياسة والحكم، يسرد ابراهيم بن عامر ذلك من خلال علاقته بسارة:

" .... كنت اعتليها وتعتليني، وتجوب بي مسالك غير معبدة من اللذة التي لم أعرف أوضاعها من قبل، لم تكن بشرًا ، كانت قطعة من جحيم لا مفر من الركون إليها..... أصبحت بالتدريج تتدخّل في شؤون إدارتي للحصن...." [38]

أما التعبير: نجده في كل فصل سلّم فيه الكاتب السرد لشخصية من شخصيات الرواية، فنجد مثلًا كريستينا تذهب إلى أبعد مدى في التعبير عن ذاتها، شخصيتها، آرائها، معتقداتها:

" .... كنت أظن أن الدير هو بيت الرب والعذراء، فوجدته بيت الإنسان الذي لا يختلف كثيرًا عن الضيعة التي كنا نعيش فيها، الإنسان الذي يحقق كل رغباته الشريرة تحت المسميات النبيلة، رأيت كيف يمكن أن تتم السرقة باسم الرب، والاغتصاب باسم المحبة، والكذب باسم العذراء، الراهبة الأخت الكبرى لم تكن أقل قسوة من جدتي، ولم يكن الأخ فيكتور بأقل توحشًا من الشريف هرمان أو اللص الذي اختطفني، الأقسى أنني لم أجد العذراء نفسها في الدير.... كان السارازين، ومنهم مجاهد، حلقة أخرى من سلسلة الشر التي تطوّق حياتي وتكبّل روحي، استسلمت لها لأنني لا أستطيع أن أفعل شيئًا آخر ...."[39]

البناء الجمالي:

o السرد: على لسان الشخصية البطلة (مجاهد) كسارد عليم يقرأ من مذكرات، وعلى لسان الشخصيات المشاركة بضمير المتكلم .

طريقة عرض الأحداث السردية: فهي الطريقة الحديثة، حيث تبدأ من النهاية ثم الخطف خلفًا باتجاه البداية فالحبكة والعقدة والانفراج والنهاية ، وهذه الطريقة مستخدمة في الأفلام السينمائية، مترافقة بتقنيات سردية مثل المذكرات، والترجمة الذاتية، وتدفق تيار الوعي.

الأسلوب:

أدبي إنشائي، منزاح نحو اللغة الشاعرية الجمالية، أسلوب يتنوّع فيه إيقاع اللفظ، باختلاف لسان السارد، فتارة هو أندلسي، على ألسنة أهل السفينة، وتارة هو أوروبي، يذكرنا بالقصص الأوروبية المترجمة، على لسان كريستينا، كما يختلف باختلاف الدفقات الشعورية عند تلك الشخصيات، فنلمس بعض النفحات الصوفية، عند عيسى بن أحمد مثلًا:

" هذه هي المرة الثانية التي أشعر فيها أن نورًا ينقذف من أعلى عليّين إلى روحي فيضيء ما بين مشرقها ومغربها....كان جسدي فقط على الأرض معهم، ولكن روحي كانت ترى الآن ما لم تره من قبل، كان السوس يتجسد أمامي عملاقًا أسود اللون، يزحف على الأرض، يطير في الهواء، لكن حبلًا سريًّا يربطه بالبشر الذين خرج منهم، ويعود إليهم، ويتغذى على دمائهم وأهوائهم، حتى أنا رأيت سوسة تلتف حول جسدي كله، تعتصره ، وتمرح في روحي، تنهشها"[40]

تنوّع يستحق الإشادة به.

الحوارات:

الخارجية: قليلة نسبيًّا، وإن وجدت فهي عبارة عن جمل قصيرة، استفهامية أو طلبية.

الداخلية: طويلة، في جزء كبير منها تتولّى مهمة السرد، والتعبير عن دواخل الشخصية، اهتم الكاتب بها كثيرًا، أكثر من اهتمامه بالحوارات الخارجية. قد يكون السبب هو تعمّد الكاتب الإشارة إلى النيّات الكامنة التي ترفض الشخصيات الإفصاح عنها ديالوجيًّا، فأفصحت عنها منولوجيًّا، رغم أن الرواية بوليفونية بامتياز.

الغرائبية في رواية موجيتوس:

من يقرأ الرواية بدقة، سيسترعي انتباهه وجود العديد من الشخصيات الغرائبية، وهي شخصيات تستقي غرائبيتها من تمثّلها مع شخصيات تراثية، خرافية أو أسطورية، وأحداث ومشاهد عجائبية، مثل حادثة عيسى بن أحمد وعبد الرحمن بن سالم اللذان طارا من ضفة نهر إلى أخرى على قوس قزح، أثناء فرارهما من سجن روما:

" كنت أقود عبد الرحمن صعودًا على سلّم من ألوان قوس قزح، سلّم نصف دائري، وصلت إلى قمته، ثم بدأت أهبط حتى وصلنا إلى الضفة الأخرى للنهر، طلبت من عبد الرحمن أن يفتح عينيه، فتحهما، بذهول سألني:

- ماذا حدث ؟

- لا تسأل!

لم يسأل ، لكنه رفع يديه إلى الفرسان على الضفة الأخرى ليغيظهم ...." [41]

أيضًا حادثة اختفاء عيسى بن أحمد، التي تحيلنا إلى الواقعية السحرية عند ماركيز ، وصعود روح ريميدوس الجميلة إلى السماء، وجسدها الذي طار واختفى وهي تنشر الملاءات المغسولة، في مئة عام من العزلة:

" (كان باب حجرته مفتوحًا، لكنني لم أجده هناك، رأيت بقايا نور على حديد النافذة، ورأيت حشرة كبيرة ميتة ذات رائحة كريهة قاتلة، لم ير أحد غيري هذه الحشرة، ولم أفكر فيها بعد ذلك، فقط كنت أتذكر النور الملون على نافذة عيسى بن أحمد في لحظات الضيق فتشعر روحي باقتراب الفرج.......[42])

ثم يستأنف الكاتب ذات اللعبة،مستحضرًا قصّة شقّ صدر النبي محمد صلى الله عليه وسلّم من قِبل جبريل عليه السلام، وإخراج قلبه ونزع العلقة (حظ الشيطان منه) وغسله في طست من الذهب بماء زمزم، وتطهيره وإعادته إلى موضعه:

(.... كنا قد نسينا عيسى بن أحمد كما نسينا أشياء كثيرة على مر الزمن، في اللحظات الأخيرة للمعركة عندما كان رجال يموتون بالمئات بلا أمل، رأيته..... نزل من السماء على سلم من نور، كان بيده سيف قصير لامع، كان يفتح صدور الرجال،.... يفتح جميع الصدور بلا تفرقة بين رجالنا ورجال الفرنجة والرجال الهنغاريين، فتخرج من الصدر الذي يفتحه حشرة كبيرة متوحشة، يقطع رأسها بحدّة وبسرعة، ثم يبصق عليها فتحترق، حشرة تشبه التي رأيتها في حجرته منذ سنوات، يقتلها ويبكي صارخًا: آه لو كان قبل فوات الأوان[43])

التوأم صفي وعلي اللذان يريان ذات الحلم، في ذات الوقت، وحادثة تبادل روحيهما وحلولهما بجسديهما:

" كانت عيناي تحدّقان في ظهر عليّ وعقلي يفكر ما يفكر فيه، وروحي تخرج هي الأخرى من جسدي، كنت واقفًا على الأرض، فعاينت حركة روحينا في الهواء الشفيف، إذ تتبادل كل منهما جسد الآخر.... شعرت بسكينة لا نهائية وروح أخي تسكن جسدي، ودمعت عيناي مودعة روحي التي تفارقني لتسكن جسد عليّ"[44]

هناك شخصيات غرائبية مثل شخصية ابراهيم بن عامر وكيسه الذي يجمع فيه تراب دفنه، ليشهد له أمام الله على جهاده في سبيله:

"....أتضايق لأن كمّ التراب في جرابي لا يزيد، لكنه كاف لينثر على جسدي فيكون لي وقاءً من نار جهنم، إنه شاهدي أمام ربي على جهادي في سبيله."[45]

أمير البحار يوسف كأنه السندباد البحري، شخصيات كأنّها فرّت من حكايات الشرق التراثية،

خارج نطاق الشخصيات التي تنتمي لأهل السفينة، كان هناك شخصيات غرائبية تقترب من الشخصيات الخرافية الغربية،مثل شخصية جدّة كريستينا، تذكرنا بشخصية الساحرة العجوز الشريرة التي تطير على المقشّة، ويسوق لنا الكاتب أشكالًا وألوانًا من الخرافات التي تعشعش في عقلها المريض بالشك والكراهية، ومنها خرافة الفأر الذي اختبأ الشيطان في جسده ليتسلل إلى سفينة نوح الناجية:

" لولا الفأر لما كان في العالم مكان للشيطان بعد الطوفان الكبير"[46].

ثم تروي كريستينا حادثة المطاردة بين جدّتها والفأر الذي تواجد في حظيرة خنازير الجدة، كيف طاردته بعصاها، وهشّمت رأسه بها فانطلقت من فروه البراغيث التي لدغتها فماتت بمرض الطاعون، هنا يشير الكاتب إلى انتشار مرض الطاعون كوباء كبير اجتاح أوروبا في ذلك الوقت، الأجواء والحكايات الأسطورية التي تشبّعت بها كريستينا جعلتها تتهم جدّتها بنشر وباء الطاعون:

"... ربما تكون جدتي هي من نشرت الطاعون في الضيعة بسبب روح الكراهية التي تكمن بقلبها، أو أن الشيطان الذي أخرجته من الفأر سكن جسدها هي..."[47]

ابن ماريا أو ابن مجاهد، الذي لم يطلقا عليه اسمًا، ينادونه (ابن مجاهد أو ابن ماريا)، أو (ابن العذراء) الاسم الحقيقي للطفل المريض المشوّه الذي ولد بهيئة رجل عجوز، الذي أسمته ماريا وأخفته لاعتقادها أن العذراء ساعدتها في ولادتها بهذا الطفل، الطفل يذكرنا بفيلم (الحالة المحيرة لبنجامين بتن The Curious Case Of Benjamin Button) وهو فيلم بطولة براد بيت مأخوذ عن قصة قصيرة للأديب الأمريكي (فرانسيس سكوت كاي فيتز جيرالد) صدرت سنة 1921،

أيضًا (مارك) أخو كريستينا، تقدّمه لنا كريستينا بعد موته كشخصية أسطورية، تستطيع القيام بكل الأفعال الخارقة:

" كان مارك يقول لي أنه سعيد في عالمه الجديد، فهو يستطيع الآن أن يطير، وأن تسلق سحابة عابرة ، وأن يدخل إلى أي مكان ولو كان نفقًا شديد الظلمة أو غرفة أقوى النبلاء، أو أمواج هادرة في البحر الكبير، وكان يستطيع أن يسمع كل ما يفكر به أهل الضيعة كلهم، .... وهو يخبرني أنه يفتقد شعور الخوف الجميل الذي يحسّه وهو يقوم بأي من أفعاله الرعناء فيدفع الدماء في عروقه ساخنة ليكمل مغامرته...."[48]

رابعًا- المستوى النفسي:

1- المدخل السلوكي:

العديد من التساؤلات، تنوعت بين التساؤلات الوجودية الحائرة، عن القدرية والاختيار، بطريقة التقرير (لم أكن بالحقيقة مخيّرًا) ثم التشكيك (ظننت ذلك في البداية)وهل نحن مخيّرون أم مسيّرون، طريقة طرح التساؤلات على لسان بعض الشخصيات المشاركة هي بالحقيقة طرح من الكاتب على المتلقي لإشراكه في محاولة الإجابة عليها، وهي أيضًا حالة تقمّصية من الكاتب لكل شخصية من شخصياته بكل إرهاصاتها وانفعالاتها العقلية والنفسية الداخلية، وقد أعطى الكاتب الإجابات المباشرة أو السلوكية الإيحائية لبعض التساؤلات:

"... فيما بعد تيقّنت أنني كنت مساقًا إلى قدري، سيشغلني هذا الأمر كثيرًا فيما بعد، في كل ما حدث لي، لنا، للعشرين جميعًا، هل اخترنا أقدارنا أم سرنا إليها؟ لم أستطع الجزم أبدًا ..."[49]

وعن الرغبة والأمنيات، وعن اليقين والظن:

" .... خلعت ملابسي، القيت بنفسي في البحر، وكأنني سأخرج منه مخلوقًا جديدًا، كانت رغبة، أمنية، أم هو يقين بأن هذا سيحدث؟ لا يقين هناك لمثلي، تركت كل شيء لأجد اليقين، بدأت أرى ما لم أكن أظنّه موجودًا من قبل..." [50]

أسئلة فلسفية، عن العلاقة التاريخية بين اللغة والذاكرة، مَن بنى مَن؟ مَن الأصل ومن الفرع، تساؤلات متناسلة من استدراك، نجح الكاتب في تدريجها ضمن نظرية الاحتمالات والنفي، ليصل بنا إلى جواب بصيغة سؤال ينتظر الإجابة أيضًا:

(كيف عرفت لون الشبق في عينيه؟لقد كان يعطيني ظهره، لابد أن كريستينا هي التي أخبرتني فيما بعد، أم أنها غواية اللغة؟ .... أكانت ذاكرتي هي التي تكتب تلك الكلمات أم ذاكرة كريستينا؟ أم هي اللغة مرة أخرى تراوغ الذاكرة وتكتب نفسها لتبني ذاكرة أخرى تستمد من الكلمات قولها وليس من تراب ودم وحياة ؟)[51]

أيضًا تساؤل فلسفي عن ترتيب أحداث الحياة، التاريخ، هل ينبغي ترتيب أحداثه كما حدثت؟ وهذا تساؤل تشكيكي بصدق أحداث التاريخ، أيضًا باستخدام مبدأ الشك والنفي:

(.... من قال إنه يجب أن نرتب ما حدث كما حدث؟ من قال أنه حدث بالطريقة التي نظنه حدث بها؟ ..... سأرقم الصفحات، كيف فاتني هذا منذ البداية؟ كيف يمكن أن يُقرأ تاريخنا- هذا القدر من الحبر على هذا الكم من الورق- دون ترقيم؟ إنني أتوه فيه منذ الآن فكيف سأواصل، كيف يمكن أن يتتبعه أو يفهمه الآخرون؟)[52]

تساؤلات إنسانية اجتماعية طبقية وأحوال العالم الإنساني وتناقضاته، تساؤلات على لسان خلف الصقلبي:

" .... إن العبيد هم من يعاونون السيد المحارب، هم من يصنعون، وهم مع رقيق الأرض من يزرعون، فهل يمكن أن نتخيّل العالم بلا عبيد؟ هل يسمح لي الخلفاء والباطرة واللأمراء من جميع الأديان وممن ليس لهم دين أن أمحو كلمة عبد من عالمهم؟ كيف سيكونون سادة وأنصاف آلهة وآلهة إن لم يكن هناك عبيد؟ " [53]

تساؤل وجودي عن سر عدم اكتمال الإنسان، عن الحكمة من ذلك، تساؤل من العمق، لا يلفظه اللسان،ويبقى بلا جواب:

".....ألم يكن جديرًا أن يُخلق كائن أكثر نبلًا وأقل تعاسة ؟!"[54]

2- المدخل التقمّصي:

استطاع الكاتب كما قلنا سابقًا أن يتقمّص الأفعال المحفّزة والاستجابات السلوكية، ويوظّفها عند العديد من شخصيات العمل، كما استطاع أيضًا أن يتقمّص المواعظ التي خرجت كنتائج للتجارب الحياتية، فكان جواب الصقلبي هو جواب المنطق الذي يركن إليه توتّر السؤال، فالتقسيم الطبقي هو قدر الله في عباده، أن يكون عالمهم على طبقات، وتكون الحرية هدفهم السامي، إن شاؤوا أن يطلبوه:

"... إنك لن تغيِّر العالم، لكن أن تحرّر عبدًا واحدًا يكفيك، وأن تحرّر أكثر من عبد فهو المجد في الأرض والسماء،.... بعضهم أصبح عبدًا حتى النخاع، روحه عبدة؛ لا يفهم الحرية، ولا يستطيع أن يعيشها، فإن لم يستعبده أحد استعبد نفسه لأي إنسان...."[55]

في مفهوم الروح والسكينة، يربط بين الزهد والمدد الإلهي، بأسلوب صوفي، يقول عيسى بن أحمد:

".... ليالي طويلة أقضيها مع ربي ، أقرأ القرآن، وأصلي، وأبكي، وأدعو، وأبحث عن نغمتي المفقودة، فلا تعود الروح سوى بسكينة غير كاملة، أعلم أن سطحها هش لن يقاوم براكين قلقي العميقة. لكنني كنت أيضًا أعاين ما لا أستطيع أن أقصّه، فلو حكيته لانقطع مدده عني، كان شيخي يقول: إن رأيتم الرجل يفشي ما بينه وبين خفي الألطاف من أسرار ولطائف؛ فاتهموه!"[56]

هناك فقرة أكثر من رائعة وردت في الرواية، بين الوجودية والإيمان، حديث عن الحكمة وعن الأخلاق، بين عيسى بن أحمد الذي يمثّل تيارًا صوفيًّا، والذي يبحث عن الحكمة بالعزلة، وبين سعيد الإشبيلي الذي يبحث عن الأخلاق بمخالطة الناس والتعامل معهم:

- أنت تبحث عن الحكمة.

- وعما تبحث أنت؟

- عن الأخلاق.

- وهل وجدتها؟

- كان أحد شيوخي يقول إننا نجد الحكمة في العزلة، وستجد ما تبحث عنه يا عيسى، لأن العزلة في النهاية أمرها بيدك، تختارها، وترغم نفسك عليها، ثم تعتادها.

- وماذا كان شيخك يقول عن الأحلاق؟ كيف يمكن أن تجدها ؟

- في السوق بين الناس، وهذه هي معضلتي.

- وما المعضلة يا إشبيلي

- في معترك الحياة ينسى الناس الحكمة إلا ما يجعلهم يفوزون، وينسون الأخلاق إلا ما يكون في مصلحتهم، ولا سلطان لمثلي على هذه الفوضى الإنسانية

- ربما لربك حكمة في هذه الفوضى

- أكيد هو له حكمة، لأنه إذا لم تكن خلف كل هذا حكمة فلن يكون ثمة إله من الأصل، لكن المشكلة أن عقلي لا يستطيق أن يحيط بهذه الحكمة في سعيه لمعرفه كنه الأخلاق ، وكيفية التأثير فيها.

- ولماذا تريد أن تؤثّر في الأخلاق؟

- أنا يهمني التأثير لأنني أريد أن أغيّر العالم.

- أنا لو استطعت أن أغيّر نفسي لعددتني من السعداء

- هذا هو الخلاف الجوهري بين ما يطمح إليه كل منا، وهذا ما يجعلني أثق أنك ستصل بقدر ما أثق أنني لن أصل إلى شيء. [57]

3- المدخل العقلاني:

تناص الكاتب مع كل من كتب الروايات التاريخية المعاصرة التي تسقط الحاضر على الماضي، وتحاول قراءة الحاضر بالاعتماد على أسباب ومجريات الماضي، وتحاول استشراف المستقبل، آخذة بعين الاعتبار نتائج الوقائع التاريخية، أمثال أمين معلوف، ومعروف أرناؤوط، كما تناص تناصًا كبيرًا مع ماركيز جاريسيا في واقعيته السحرية، سيما في (مئة عام من العزلة)، ورواية منير عتيبة (موجيتوس) هي مئة عام من الغربة، اغتراب الروح التائهة عن السكينة والطمأنينة والاستقرار، في كل صراعاتها، انتصاراتها وهزائمها.

الخاتمة:

الحقيقة أن الرواية ثرية جدًّا مضمونًا وشكلًا، وإن كانت ثيمتها العامة تاريخية،إلا أنها شذية بعبق الرومانسية والروحانيات الشفيفة، رواية رغم أحداثها القاسية حيث يتربع الموت على ذروتها، إلا أنها رواية مادتها الإنسان الذي يمسرح قضاياه بكل نتائجها الخاسرة والرابحة على مسرح الحياة، ومازالت المسرحية مستمرة....

أعترف أنني لم أتناولها بالاستحقاق الذي هي جديرة به، وإن تمكّنت من تقديم إفادة في هذه الدراسة فالفضل لعلمية المنهج الذرائعي، والآلية التي مكنتني من ترتيب مستويات الدراسة، وإن التقصير مني والكمال لله.

كل التقدير والأمنيات الطيبة للأديب منير عتيبة بالمزيد من المنجزات الأدبية الإبداعية المبهرة.

 

بقلم الناقدة السورية:

د. عبير خالد يحيي – الإسكندرية

...........................

 

[1] - الملحمة في الإنسكلوبيديا الإنسانية – كذلك صلاح السروري، بعض قضايا الرواية ، الحوار المتمدن ، العدد 6310- 2019/8/4

[2] - جورج لوكاش – الرواية التاريخية - ترجمة د. صلاح جواد كاظم- وزارة الثقافة والإعلام- دار الشؤون الثقافية العامة – العراق بغداد – أعظمية – الطبعة الثانية 1986

[3] - الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي – تأليف / عبد الرزاق عودة الغالبي – تطبيق /د. عبير خالد- الطبعة الأولى 1440 هجري- 2019 م – دار النابغة للنشر والتوزيع – طنطا – الصفحة 160

[4] -الرواية التاريخية بين التأسيس والصيرورة – سليمة بالنور – الجزائر- مجلة عود الند الثقافية الفصلية العدد:93 2014/03

[5] - غنيمي هلال: الرومانتيكية – دار العودة – بيروت – ط6- 1981- ص 213

[6] -غنيمي هلال – نفس المصدر السابق

[7] - حلمي القاعود: الرواية التاريخية ، الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة – مصر – 2004 - ص 320

[8] -فيصل دراج: الرواية وتأويل التاريخ – ص 84

[9] - موجيتوس – ص 253

[10] - موجيتوس – ص 51

[11] - موجيتوس – ص 27

[12] - موجيتوس صفحة 65-66

[13] - موجيتوس –ص 72

[14] - موجيتوس – ص 55

[15] - موجيتوس ص 57

[16] - موجيتوس – ص250

[17] - موجيتوس – ص 252

[18] - السارازين: مصطلح استخدمه الرومان للإشارة إلى سكان الصحراء في إقليم البتراء الروماني، ثم أصبح يطلق على العرب - ويكيبيديا

[19] - موجيتوس – ص 164

[20] - موجيتوس – ص 185

[21] - موجيتوس – ص 266

[22] - موجيتوس – ص 188

[23] - موجيتوس – ص 28

[24] - موجيتوس – ص 187- 188

[25] - موجيتوس – ص 227

[26] - موجيتوس- 114

[27] - موجيتوس – ص 5

[28] - موجيتوس – ص 5

[29] - موجيتوس- ص 269

[30] -موجيتوس – ص 247

[31] - موجيتوس- ص 248

[32] - موجيتوس – ص 249

[33] - موجيتوس – ص 88

[34] - موجيتوس – ص 8

[35] - موجيتوس- ص25

[36] 0 موجيتوس – ص 16

[37] - موجيتوس- ص 17

[38] - موجيتوس – ص 238- 239

[39] - موجيتوس – ص 263- 264

[40] - موجيتوس – ص 151

[41] - موجيتوس – ص 150 - 151

[42] - موجيتوس- ص 153

[43] - موجيتوس – ص 153

[44] - موجيتوس- ص 113

[45] - موجيتوس – ص 235

[46] - موجيتوس- ص 204

[47] - موجيتوس- ص 205

[48] - موجيتوس- ص 156

[49] - موجيتوس – ص 32

[50] - موجيتوس- ص 32

[51] - موجيتوس – ص58

[52] - موجيتوس- ص 59

[53] - موجيتوس – ص 94

[54] - موجيتوس- ص 197

[55] - موجيتوس- ص 95

[56] - موجيتوس – ص 147

[57] - موجيتوس- ص 196- 197

 

 

جوتيار تمرللروائية د. وفاء عبدالرزاق

تنفتح عوالم الرواية منذ الوهلة الاولى على مسارات متشعبة، تحاكي الواقع بكل صلاته، فمن العنوان (عشر صلوات للجسد)، نلامس تلك اللمحة التي تجمع بين ال "صلوات "، والجسد، ويفرض علينا العنوان الانتباه لامر مهم، لكونه لايقدم لنا صلوات الجسد، التي قد تخلتف في طقوسها ومضامينها عن الصلوات التي تقدم للجسد، وهنا المفارقة، فالرواية من خلال عنوانها بلاغياً تقدم لنا نقلة مغايرة عن السائد الذي يمكن للكاتب او المتلقي ان يتعايش معه ذهنياً، وعلى ذلك الاساس نجد الروائية  وفاء عبدالرزاق، في تميزها ومغايرتها للسائد تحاول بناء رؤية لاتعتمد على الظاهر الملتقط من اتون الواقع سواء التاريخي "ميتاتاريخ" او الميثولوجي المسيطر على ذهنية الواقع الملتقط منه الحدث الرئيسي والذي منه تتفرع الاحداث لتتحول من خلال السرد او الميتار سرد الى التقاطات شمولية عبر الدخول في بؤر سردية تربط احداها بالاخرى، او تكمل احداها الاخرى.

بُنيت الرواية على اسسس جمعت بين الميتاتاريخ والميثولوجيا، فقد تعمدت الروائية ان تتوغل في ذلك العمق التاريخي، لتمسك باولى خيوط للحِراك النسائي – المرأة – حيث تبرز ملامح " إنهيدوانا "  الكاهنة المنغمسة في غياهب الحب والتسامح، والتي بروحانيتها وارتباطها الوثيق بالالهة "إنانا" استطاعت تغرس اولى بذور الحب في الارض التي تسعى الروائية من خلال نصوصها دائماً على تنقيتها من براثين الصراع والتفكك والدم المراق بغير حق، وهي بذلك تحاول انتاج رؤية تلاحمية حلولية ترابطية بين الان وبين الماضي السحيق، حيث اللغة هي الحب، والوجود يتمثل بالتسامح، والانسان انسان، مهما كانت جنسيته، ثقافته، ديانته، فالجامع الاول والاخير بينهم هو الارض، والرواية هنا لاتحاول فقط خلق واقع جديد، انما تؤكد على جذور ذلك الواقع، وانه ليس على الانسان سوى احياء معالم ذلك الواقع، وتأتي تلك الايحاءات الرامزة على لسان بطلات الرواية التي يمثلن مشاكل وجودهن الحاضر بعين الكاهنة، فالمرأة بين عنفوان الجسد والشهوة من جهة، وبين وجودها ككائن فعلي تشاركي في الوجود نفسه اشكالية تصدرت الكثير من الدراسات والقصص والقصائد والنصوص النثرية والروائية، ولكن في رواية " عشر صلوات للجسد " اختلفت الرؤية، وحتى اسلوبية الطرح اختلف، فالروائية وفاء عبدالرزاق لم تقحم المرأة في صراعات العصر من خلال مفاهيم الاستغلال الجسدي والجنسي وغير ذلك، انما جعلت نساءها يتخذن من اسلوب حياتهن طرحاً مغايراً للفكرة، والرؤية، حيث نلامس في حركية السرد لديها دوائر نسوية تحفر في جدران الواقع من خلال سلوكياتهن بجدليات لاتقف عند حدود واحدة بل تعددية واضحة في الطروحات " العشق، الخيال، الاختناق، الانبعاث، الحكمة، والجسد، والارض...."، والعديد من المجالات الاخرى التي يمكننا ان نستنبطها من سلوك نساء وبطلات الرواية، اللاتي يخرجن من تعددية انتمائية ووفق نمط اجتماعي مغاير، بحيث تضعنا الروائية امام ثقافات ومجتمعات متباينة " الهند في شخصية هينار، ومهيرة من باكستان، وبربارة من المغرب،  وخضرة يهودية الديانة، ودلكش ذات الاصول الايرانية، وقبس وفتنة.. وغيرها"، حيث جمعت بين الثقافات الشرقية والغربية والديانات الشرقية والغربية، فضلاً عن اقحامها لشخصيات تاريخية ذات ابعاد دينية ايضاً كزبيدة العباسية، وجان دراك القديسة، والكثير من الشخصيات اللاتي ان تمعنا النظر اليها وجدنها تغطي غالبية جغرافية العالم المعاصر، ليس من حيث الحدود الجغرافية فحسب، انما من حيث الدوائر الانتمائية الاصغر الى الاكبر الى الاكبر، تلك الدوائر التي تمنحنا كمتلقين مساحة تخييل واسعة بحيث عند محاولتنا لجمع الصور ببعضها نجدنا نعيش عمق الاشكالية الاجتماعية للمرأة في جميع تلك الدوائر، فمن ترسبات الحياة القبلية الى تراكميات الاعراف الاجتماعية، ومن ثم مثاليات التشريعات الدينية المنوعة الرسالاتية والسماوية والارضية، مع كماليات الحياة المعاصرة، كل تلك الصور المتداخلة تتجمع على لسان بطلات ونساء الرواية، لتجعلنا نقف على مضامين منوعة وذات ابعاد فكرية ووجدانية عميقة جداً.

ما يلفت النظر في الرواية ايضاً تلك الابعاد التي عملت الروائية عليها، بالاخص فيما يتعلق بالشخصيات التي وجدنا ظلالهم تقتحم بعض الاسطر والتي تحمل مدلولات تاريخية واخرى سياسية، فالعمق التاريخي الذي نلاحظه من الموروثات السومرية القديمة والاكدية ايضاً من خلال احد ملوكها سرجون الاكدي، نجد له بعد اخر في شخصيات اخرى كالخيزران  زوجة الخليفة العباسي المهدي، في حين نستحضر شخصيات ثقافية وادبية كديستوفسكي وجلال الدين الرومي تضعنا الروائية امام بولا الكولومبية، وزبيدة العباسية، وغيرها من  الشخصيات التي حين نحتكم الى فعالية وجودها نؤمن بفعالية وجودهن في المقابل، وكل ذلك من خلال البناء السردي الموفق على لسان الراوية الاساسية في الرواية " أزاهير " التي غالباً ما نسمع صدى صوتها من خلال المرايا التي تستشهد الراوية بها للتعبير عن المحاورات الجوانية لبطلات الرواية ونسائها، فالاصوات المسموعة احيانا تتعدى كونها صدى لتمتمات البطلات امام تلك المرايا، فماوراء الجدران حيث يكتظ اولئك الذين استطاعوا من خلال سطوتهم كبت انفاس المرأة، هم انفسهم الذين لايتركون المرأة حتى في احلامها ان تعيش بامان، وذلك ما فرض نوع من التضاد في شخصية الرجل بنظر المرأة وذلك التضاد الازدواجية غير مقتصرة على ثقافة معينة، او دين معين، او قوم معين، انما هي شبه طاغية على اغلب الثقافات تلك، ودائما الضحية هي المرأة، وبذلك استطاعت الروائية وفاء عبدالرزاق ان تقدم لنا انموذج روائي ميتاتاريخي وفق اسلوب ميتاسردي مميز ومتمكن.

 

جوتيار تمر / اقليم كوردستان

28-3-2021

 

 

عبد الله الفيفي(وللقائلين بتوقيفيَّة اللُّغة مآرب أخرى)

قال (ابن أبي الآفاق الترثي)، عفا الله عنه: تطرَّقنا في مساق سابق إلى ما أدلَى به أحد القمامصة المشلوحين من زعمٍ بأنَّ لغة "القرآن" هي لغة (محمَّدٍ)، لا "لغة ربُّنا!"، على حدِّ تعبيره! والخطأ في النحو- الذي زعمَه في "القرآن"- هو دليله على أن الكلام ليس بكلام "ربُّنا"، بل كلام عربيٍّ قرشيٍّ، لا يعرف لغته ولا لغة "ربُّنا"!

قلتُ: وبذا، فمن ذهبوا في تراثنا الإسلاميِّ إلى أنَّ اللغة توقيفيَّة، وأنها لغة (آدم)، بل لغة أهل الجنَّة، مصيبون، بحسب رأي القُمُّص الهُمام!

- هو لا يقصد ذلك، لكنها المغالطات. على أنَّ تلك من طوامِّ التراث، التي تفتح أبوابًا لا تُوصَد؛ بما تهرف به من الغيب تارةً، وتستند فيه تارةً إلى بعض مرجعيَّات القمامصة، الأموات منهم والأحياء! والواقع أنَّ "القرآن الكريم" نزل بلسانٍ عَرَبيٍّ مبين، وما "اللسان العربيُّ" هنا غير لغة العَرَب، من قبائل (قحطان) و(عدنان)، لا لغة السماء، ولا لغة غيرهم من خلق الله. وهي- من حيث هي- نتاجٌ اجتماعيٌّ بَشَري. ومَن قالوا بتوقيفيَّة اللُّغة يورِّطون أنفسهم، من حيث لا يشعرون، في مزالق شتَّى؛ لو فكَّروا فيها، أو لو علموها، بالأصح، لما قالوا بالتوقيفيَّة قط، ولا بأنَّ العَرَبيَّة لغة آدم، فضلًا عن القول: إنها لغة أهل الجنَّة، "وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ولَا هُدًى، ولَا كِتَابٍ مُنِيرٍ."

- كيف؟

- أتعلم، مثلًا، لِمَ كان اسم (الشمس) مؤنَّثًا في العَرَبيَّة واسم (القمر) مذكَّرًا، على حين هما مذكَّران معًا في لغاتٍ أخرى؟

- لا أعلم.

- وهنا المشكِل. وهذا المثال البسيط يكشف لك طبيعة اللغة، وأنها وليدة تجربةٍ ثقافيَّة، وحصيلة ظروفٍ تاريخيَّة لجماعةٍ بشريَّة، ولا يصحُّ هنا الزعم أنها لغةٌ أزليَّة، ولا أبديَّة. بل هي لغة قومٍ بائسين، عاشوا في حقبةٍ تاريخيَّةٍ محدَّدة، فجاءت لغتهم ملوَّثةً بعقائدهم وأساطيرهم، سواء تكلَّمنا عن العَرَبيَّة أو عن غيرها من ألسنة البَشَر المتعدِّدة.

- ماذا عن الشمس والقمر؟

- كان العَرَب يعتقدون أنَّ الشمسَ امرأةٌ، والقمرَ رجُلٌ، وأنهما زوجان، وقد أنجبا بنتًا، سمَّياها: (الزُّهرة). وانطلقت آلهتهم المختلفة، من اللَّات، والعُزى، ومناة، وود، وشهر، والمقة، وغيرها، من هذا المعتقد الشمسي والقمري والزُّهري. إنَّ العَرَبيَّة، إذن، صنيعة تلك الثقافة الأُسطوريَّة الوثنيَّة، التي كانت لدَى العَرَب في جزيرتهم، منها جاءت المفردات، ومنها تشكَّلت علاقاتها، من حيث التذكير والتأنيث، إلى غير ذلك، ممَّا يمثِّل ملامح الشخصيَّة العَرَبيَّة الثقافيَّة. تلك الشخصيَّة ذات التجربة الإنسانيَّة الخاصة، التي مرَّت في ثنايا التاريخ كما مرَّ سِواها. وليست العَرَبيَّة الفصحى بِدْعًا من اللغات في العالم، فهي حفيدة مخاضٍ طويل، لم يَصِل إلى استوائه الذي نعرفه اليوم إلَّا بعد ميلاد المسيح بقرون طوال. فأنَّى يزعم جاهلٌ أن هذه اللغة- المليئة بغبار الجزيرة وشموسها، وأساطيرها ومعتقداتها- هي لغة آدم؟ بل كيف يزعم آخَر أنها سوف تكون لغة أهل الجنَّة، وهي كما ألمحنا ما انفكَّت ملوَّثة، كغيرها من اللغات، بتاريخ البشر على الأرض، وبعقائدهم الباطلة، وأساطيرهم الوثنيَّة، وخرافاتهم الشَّعبيَّة؟ بل إنَّ بعض مفردات اللغة التي نستعملها تنطوي على جذورٍ ميثولوجيةٍ قديمة، وإنْ لم تَعُد مدرَكةً في ذاكرة العَرَبيَّة الممتدَّة والمغرِقة في القِدَم السحيق؟ أم كيف يُجاوز بعضٌ إلى القول إن لغة العَرَب هي (لغة الله سبحانه وتعالى)، التي خاطب بها آدم وغير آدم! إنْ هؤلاء إلَّا يظنون، من حيث لا يفقهون من اللغة أكثر من أنها أصواتٌ وكلمات، لا يعلمون تاريخ ولادتها، ولا طريق نشأتها، ولا مدارج تطوُّرها، ولا علاقاتها البيئيَّة والتاريخيَّة، ولا صِلاتها بغيرها من اللغات، بما اقترضت منها وما أقرضتها، فإذا هم يتوهَّمون أنها خُلِقت هكذا ابتداءً، خَلْقًا من عدم!

- لكنها لغة "القرآن".

- أجل، ولا تعارض بين هذا وذاك. أم كيف كان سيخاطب العَرَبَ بغير لسانهم؟! "ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ؛ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ، فَيُضِلُّ اللَّـهُ مَن يَشَاءُ ويَهْدِي مَن يَشَاءُ، وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ." لاحظ هنا: بـ"لسان قومه". ولو توقَّف القائلون بالتوقيف عن أباطيلهم لدَى هذه الآية، لما تقحَّموا القول الطفوليَّ بغيره، من الزعم أنَّ ما أُرسل به (محمَّد، عليه الصلاة والسلام)، هو بلسان آدم، لدَى بدء الخليقة، ثمَّ سوف يكون لغة أهل الجنَّة، بعد القيامة! منتهين في دعواهم الغيبيَّة العجيبيَّة إلى أنَّ لُغة بعض قبائل الجزيرة العربيَّة- التي إنَّما تبلورت لغةً أدبيَّةً، متداولةً بين العَرَب في أسواقها ومحافلها، بين عامَي 500م و600م- هي لغة بني آدم، منذ خُلِق أبوهم إلى البعث والنشور، وما بعد البعث والنشور، ويا له من غُرور!

- حلوة سجعتك السُّطَيحيَّة! لكن ماذا عن قول القُمُّص حول اختلاف نحو "القرآن" عن نحو (قحطان) و(عدنان)؟

- هو أهون من هذا! والحق أنْ ليس باختلاف نحو "القرآن" عن نحو (قحطان) و(عدنان)، بل اختلافه عن (نحو النحاة). وارجع إلى مناقشاتنا في مساقاتنا السابقة. وما كان "القرآن" ليأتي بنحوٍ جديد، ولا بلغةٍ جديدة، ولا بتصحيح للسان العَرَب، مهما كان، ذكَّر أو أنَّث، رفعَ أو نصبَ أو جر. ولسنا في حاجة هنا أيضًا إلى مثل رأي المعتزلة في خلق "القرآن"، ولا إلى أن نعالج هذا بمثل ما يراه (محمَّد أركون)، أو (جاكلين شابّي Jaqcueline Chabbi)، حول الفارق بين "قرآن اللوح المحفوظ" وتجلِّيه "التاريخويِّ" المصحَفي(1)؛ بل الخَطب أيسر من ذلك كلِّه. لأنَّ ما يثيره (القمُّص)- الذي أشغلتَنا بترَّهاته!- لا يعدو مسائل أثيرت قديمًا جدًّا، وأجيب عنها قديمًا جدًّا، في طروحٍ عِلميَّة حِواريَّة، تَذكُر الإشكال وتجيب عنه. ومن الواضح أن صاحبك يعود إلى كتابٍ محدَّد، لعلَّه "مشكل تأويل القرآن"، لـ(ابن قتيبة، 276هـ= 889م)، على وجه الخصوص، الذي عرضَ مطاعن القمُّص- التي هي نفسها مطاعن أجداده من معاصري ابن قتيبة- وبالتفصيل، تحت عنوان "مطاعن..."، وأجاب عنها قبل أكثر من ألف سنةٍ ومئة. ومَن شاء فليرجع إلى ذلك الكتاب ليُلِمَّ بمرجع حلقات "قُدس أبونا"- كما ينعتونه- في ما يتعلَّق بالنصِّ القرآني. ذلك أن قُدسه- لا حرمنا الله فكاهاته!- إنَّما يَظهر على الناس ليستعرض لهم تقميشاتٍ بالية، وكأنها من عبقريَّات اكتشافاته المعاصرة التي لا تنفد. يفعل هذا بلا أمانةٍ عِلميَّة، غير أنَّ عوامَّ المتلقِّين لا يُدرِكون هذا الاجترار الحديث للسَّلف الطاعن، فيروج عليهم على أنه إشكالاتٌ عويصةٌ وجديدة، من بنات أفكار المعاصرين، وسعة عِلمهم باللغة، وتبحُّرهم في البلاغة، والدرس الدقيق، ممَّا هو مفحِمٌ، ولا جواب عنه.(2) أمَّا تأليه الإنسان، فمعلومٌ أنَّه قد عُرِف بدَوره "قديمًا جدًّا جدًّا"، لدَى الإغريق، ولدَى البوذيِّين، ولدَى البراهمة، ولدَى الفراعنة، ولدَى البابليِّين، والآشوريِّين، والأكديِّين، وغيرهم. وقد فلسفه الفيلسوف الألماني (لودفيغ فيورباخ Ludwig Feuerbach، -1872) في طرحه المتعلِّق بمفهوم "الدِّين الإنساني"، ويعني الدِّين الذي يُؤلِّه الإنسان، ذاهبًا إلى أنَّ (الإله الإنسان) ليس بسِوَى صورةٍ مثاليَّة، أسقطها بعض البدائيِّين على نماذج منهم؛ ليُريحوا مطامح الغيب البعيدة بمراتع المشاهدة القريبة؛ "فيجعلوا سمنهم في دقيقهم"، كما يقال، وكفَى الله المؤمنين الخيال الموغِل بعيدًا في ما وراء الطبيعة! (3)

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

....................................

(1) انظر مثلًا: أركون، محمّد، القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدِّيني.

(2) وهناك من ينسب تلك الظواهر إلى أخطاء في الكتابة، ناسبين إلى بعض الصحابة التنبيهَ إليها، وأنها لحنٌ كتابيٌّ ستقيمه العرب بألسنتها، أيَّام كان يُحفَظ "القرآن" في الصدور، ولا يُعتمد فيه على السطور، إلَّا على سبيل التذكير. (انظر: ابن الخطيب، محمَّد محمَّد عبد اللطيف، (د.ت)، الفرقان، (بيروت: دار الكتب العلمية)، 90- 91). وتلك، على كل حال، دعوَى تحتاج إلى تحقيق، ليس هذا بمقامه.

(3) يُنظَر في هذا مثلًا كتاب: (فيورباخ، (1991)، أصل الدِّين، دراسة وترجمة: أحمد عبد الحليم عطية، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر). وإنْ جاءت ترجمةً حافلةً بالأخطاء العجيبة في اللغة العربيَّة، ما يثير التساؤل- في المقابل- عن مدَى دقَّتها في النقل عن اللغة الألمانيَّة؟!

 

 

اسامة غانمالحلم الشفاف يتداخل بالـواقع المرعب فـي المجموعة القصصية لــ أحمد محمد اميــن "طائر الليل" بشكل مذهـل ورائع، حيث لا يعطي للمتلقي اية فرصة أو مجال للتوقف من اجــل التفكير بفصلهما، او العثور علـى نقاط الالتحام بينهما، لأن التداخـل القصـــدي الغـــى جميــع الحدود فيما بينهما، وليصبـح قطعـة فنيـة متكاملة، يتسم بجمالية فائقـة، لا يســتطيع المتلقي اختراقها، لكنه يسـتطيع تأسيس جدليـة تأويلية عليها، وليشكل القاعدة السردية الاساسية لها، لأن السـرد يتألف من دلالات، والكلمات فيه ليست أشياء، بل دلالات أشياء، مـع دفـع المتلقي الـى العيـش فـي الداخل، ليندمج بالنـص، مما يجعـل مـن الحـلم والواقـع هما المـادة التي يبنى عليها الســرد ولا يمكن " أدراك خصوصية مـؤلف مـا، مـن خلال الملامح الأســلوبية النصـية، وانما مـن خلال تنظيم المادة الســردية "1، بمعنى اسـتيعاب المعنـى والقصـد المتواجدين فــي النص، واختراق الكلمات التي تربط المعنى بالشــفرات .

وتحدث في الســرد عمليتين متداخلتين فـي آن واحـد، هـي تفكيك النــص، وهــو فـــي طريـق التشـكيل والتـكامـل التام، رغم بقاء البنية التفكيكية محايدة فيه، مع الانتقال من سـيطرة البنية القديمة الى سـيطرة البنية الجديدة التي هـي " تحديداً ما يدعوه الفكـر الجدلـي الانتقال من الكم الى الكيف "2 .

ويعمل الوعي الطبقي - أي وعي المـؤلف الطبقي – علـى التقاء الـذات، وفهمـه لـــهذه الذات، وفهم العامـل المحـيط به فهماً شـاملاً، لا سـقاط الوعي المزيف، والابتعاد عـن ظــاهرة التـشـيؤ، وفضح الممارسات اللاعقـلانية فـي المجتمـع، التي تتســم بالوحـشـية والعنــف اثنـاء الصراع الحتمـي بين الاضـداد، والتركيـز علـى العلاقـــات المختلفــة داخــل كليـــة اقتصـاديــة موضـوعيـة التي هـي الوعي الطبقـي، والخروج مـن دائرة الخرافـة، وعدم رســم شــخصيات خـارقـة لأن " الانسـان الفردي المأخوذ كقياس لكـل الأشـياء يقود بالضرورة الـى تيـه الخرافـة هـذا " 3، وترسـيخ المفارقـة وتعميقها فـي بنيـة النص، لتعمل على تأسيس بنية جمالية، ومعه ينشــأ وعي مواز عنـد المتلقي بأن النص الذي يقرأه انما هـو ملك لفاعـل آخر، ولكنــه يشـــعر كأنه ملك له، هنـا يتحقق التواصـل عبر طريق الحرية، والمشــاركـة .

وتعتبر نصوص هذه المجموعة مغامرة رحلـة الـى حـافة الممكــن، مغــامـرة محـاولــة تجاوز النص ذاته، لخلق صلات حميمية مـع المجتمـع، وهذه المغامـرة ينتهي المطاف بها الى البحث عـن الانسـان الممكن، لخـلق توازن بين الحلم والواقع، اللذين يكونــا اســـاس الرؤيــة الطبقية في النص، وادانة صـامتة جذرية للوضع اللانسـاني، لأن هكــــذا نصــوص تمتلـك وظيفة نقدية حأدة .

ومعظم نصوص المجموعــة تشترك في وحدات معينة متسقة مع بعضها من خلال :

* وحدة المسـار الغرائبي .

* وحدة البيئة الاجتماعية للشـخصية .

* وحدة بنية الوعي الطبقي وتجذره .

* وحدة الحس الانساني تجاه العالم .

* وحدة النهايات المفتوحة .

أن وحدات هذة المجموعـة " طائر الليل " تجعل النصوص متمـاثلـة ومتقاطعـة ومتداخلـة، تنبثق مـن سيناريو الحلم وسيناريو الواقع .

وأن شـخصية الراوي هـي المهيمنة والمسـيطرة، بمواقفها وسلوكها وتفكيرها وافعالـها ورؤيتها للعـالـم، ويقـص الراوي عـن نفسـه بضمـير المتكلم فـي ســـتة عشـــر نـص، وبضمـير الغائب فـي نصين " خارج الدائرة – المعطف " .

وفـي نصـين يبرز فيهما التأثير الفوكنري (نسـبة الى وليم فوكنر) بـصـورة واضحـة " رجـل من اقصى المدينـة " و" مملكة السـراب " .

يبلغ احمد محمد اميـن فـي قصة " الموت الجميل " الذروة في تحقيـق وظيفـة الوعــي الفريدة الا وهـي الوحدة بين النظريـة والممارسـة، بين الحلم والواقع، ويكـون الموت والحياة، الفناء والخلود، ويبقى الـوهم والحقيقة هـو المعادل الموضوعي لها ويكون " الموت فـي نظـر القتلة هو النهاية ..وفي نظـر صاحـب القضية هو البدء – ص 102 "، في البدء كانت الكلمة، كـان الانسان . أن البدء هـو الحياة بالنسـبة للأنسـان المؤمن بقضية، وما بين الكلمة والانسان، الفعل الذي يرتعـب منـه القتلـة، ويعتقدون بان موت الأنسـان هو موت القضية، هكــذا ينســـج لــهم وعيهم الكاذب، فان الحقيقة مـع ذرات الشمـس الذهبية خالدة، والصور التي تتشـكل منها هــذه القصة تعبيرية، فهي تنتقل من المألوف الى اللأ مألوف، ولتجمع فـي آن بين النور والظلام .

يختلـف بطـل احمد محمد اميـن فـي (الموت الجميل) عــن بطــل كـافـكـــا فــي روايــة " القضيـة "، فــ جوزيف ك لا يعرف لماذا يعتقل ويحاكم ويعدم ؟! يفيق مـن نومـه ليواجــه اتــهامـاً لايعرفه مـن محكمـة مجهولـة تطالبه بالمثول بين يديـها والدفاع عـن نفسـه – امــــا بطـل امـــين فيعرف لماذا يعتقل ويحـاكـم ويعـدم ! ويســاق الى سـاحة الاعدام بمحض ارادته – لأنه اختار أن يكــون – ولـم " احفل بالموت ابداً، فعنـدمـا ما قررت تحمل المسـؤولية اعتبرته قدراً لابـد منـه، يأتي ايما لحظـة – ص 99 "، فهو يعرف ويرفض، وقضيته ادانــة قــوى الظــلام وهــد " بنيان الظلم- ص 103 " و "قلاع القتلـة – ص 103 "، وما موتـه الا " محـاولـة لا ضفـاء معنى للحياة " 4، معنـى يرتبط جـذرياً بالحريـة، وتحمـل مسـؤولية ذاتـه ومــسؤولية الأخريــن، انـه الاختيــار الانساني الصعب فـي الزمـن الصعب .

امــا جوزيف ك، فيسـاق قـسراً الى الاعدام، ولا يعرف ولا يرفض ولا يضيف شيئاً لأن الحياة والعالم عنـده " سـاحة انقاض لامعنى لها " 5، وعدم الثقة والريبة و " اليأس القاسـي من الانـسان " 6، فالعالم التاريخي عنده يبصـر مـن نقطة خارج التاريخ، لأن لديه شعور بانه ملقـى في العالم تحت سـيطرة قوة غيبية وتحت سـلطتها، انها قوة شـمولية مجهولة.

لكـن الاثنين يلتقيان فـي نقد " الحياة البرجوازية اولاً مـن حيث كونـها مطبوعـة بالتجريـد والانقسـام والتمزق " 7، مـع فضـح اسـتلاب الانسـان، وتصعيد التحدي والادانة - بطـل كـافكــا يتخذ الموقف السبي في المواجهة - .

والقصة شـفافة عميقة تمتلك مقـومـات البنية الجماليـة، الممتدة علـى سـاحة النص كلــه، وتتدفق جمالاً عندمـا يسـوقوه للموت، وهـو ينوء تحت ثقل اغلاله، وهـذا المشـهد سـيتكرر كل لحظة فـي العالم، وخاصـة في الدول النامية، مـادام يوجد ثمة قـوى ظلامية مســتبدة ومســيطرة باليأتهـا و " ومادام العالم المقلوب لايزال هو العالم الفعلي " 8، وتزدحم بالصور الشــعرية فــي الســرد، وتصل ذروتهـا قبل الاعـدام وبعده، وهـو متوحـد بالطبيعة، وجزء منها ومــن العــالم عـن طريق خمـسة ثقوب فـي جـسده، وساقتطف المقطع الذي يصور هذا، لكـي ابين مـدى عمق ايمانه " بانه " يجب أن نمتلك هـدف نموت من اجله اذا كان ذلك ضرورياً، واننا علـى اســتعداد دائم لســرقة النار الازلية مثل بروميثيوس ....لمنحها.. :

(كنت لحظئذ انظـر الـى الـشمـس التي ولدت تواً .. ودوي فـي الفضاء انفجار .. اخترم صفــاء الصباح . هـز اركـانه . انطلقت خمـس رصـاصـات من خمـس بنادق، فتحت في صدري خمــس زهرات حمرا، خمـسة ثقوب ارجوانية .. وأحسست بعدة وخزات تخترق صدري ... انـدفعــت بقوة الـى الوراء وســقطت ... لم أشـــعر بالآلم .. ربما جـــرح بســـيط أكــثر إيلامـاً مــن هـــذه الرصـاصـات القاتلة ... كنت لم أزل أرى كـل شـيء بوضوح .. وجوه القتلة، نظراتهم، فوهـات البنادق التي انهمرت منهـا الرصـاصـات . الأصـابع التي ضـغطــت علــى الزنــاد ... والســــماء الزرقـاء، قرص الشمـس الذي أصـبح اكثر سـطوعاَ .. الشـجرة الباســقة ..السور البعيد الوقـور. البوابة العالية .. والجبال النائية المرمية علـى حافـة الأفـق .. عندما هويــت اختلطــت الازهــار الخمــس ببعضهـا ..صـارت زهــرة واحـدة كبـيرة غطـت صـدري كلـه- ص 101/ 102) .

هـذا المقتطف يلزمني أن اتاملـه مجتمعة فـي مجالـه التعبيري، وتواتر التناغم الطاغي بين الانــا – المتحولة – والطبيعة، بين الذات والعالــم قبل الموت وبعـده، والقصـة وأن كانـت تعبـر عـــن رؤية خاصة تجاه العالــم، فأنهـا تصـوغ حدود هذه الرؤية والقيم الانسـانية التي ينبغي التضحيـة بها لأجل الدفاع عنها، للوصول من خلالها الى الحريـة، الى الحقيقة .

فـي قصـة مملكة السـراب يأخذ التجسيد الغريماسي مـــداه الــى الحــد الاســـطوري :

(فاسـترعى انتباهي مرأى بيكاسـو .. فتح عينيه، امطراني بوابل مـن نظراته الوادعة .. لم يكن مجرد صورة – ص 62)، مـع اضفاء لمـسات سـحرية (الا انني رأيت ثقباً فـي الســقف يسـقط فوق المكتبة خيـط مــن الضـوء يبدو كــسيف رفيع .. وترامـى الـــى صــوت ... صــوت اختـــها الافعواني حادا شـرسـا متعالياً:

-لقد خرجنا مـن الثقب ...حاول أن تتبعنا . ألم تكن تكن تتحداني باستمرار – ص 64) . كـل ذلـك لتشكيل صـور غرائبية هي في الحقيقة مـن صميـم الحيـاة الاجتماعيـة – السياسـية – التاريخية: (انت قــروي جيئتنا مـن عالـم بعيد أســــن – ص 68)، نظـرة طبقية كثيفـــة لا تحتــاج الـى التفســير والتحليـل، أنه مجتمـع طبقي، والاختلاف والتباين بين الطبقتين ظاهــر.

يقول جورج لوكاش " فان الصـراع الاجتماعـي ينعكـس فـي صراع ايديولوجي بالنسـبة للوعي لكــشف القناع أو لأخفاء طـابع المجتمـع الطبقي " 9، وامكانية هذا الصـراع تــبرز مــن خلال تناقضاته المحتدمة، مع عدم ظهور الصراع ظاهرياً احياناً .

انها قصة شـاب يطـارد حبيبته فـي ذهنـه عبر الحلم . وخارج حــدود الواقـع، ولكن الاخت تغلـق عليـه كـل المنافذ والمسـارب التي تـؤدي اليها، وتمنعه من الانتماء الى عالم غير عالمه، فأنهما فـي " عالمين متناقضين لا يلتقيان ابداً – ص 69 "، وتحرق سـفنه، وتسـرق بوصلته، ويتيـه بيــن امواج الوهم الواقع .

لا تموت مرسيدس فــي رواية " مائة عام من العزلة "، بل تطير الى السماء من بين الملاءات البيضــاء، اما فـي مملكة الســراب، فتقفز الاختان من اعالي البرج الـى الاسـفل بعباءتهما السوداوين، وتخلف الحبيبة الهاربة زهرة قرنفل حمراء مع الشيخ ليعطيها له للذكرى، فالتقاطع الاجتماعي عميق وتناقضاته مختفية، ولكنـه يشـكل صورة حقيقية وراء الصورة السـحرية .

لو درسـنا بناء قصة عالم مملكة السراب، فسنجد انفسنا ازاء عالم قصصي حديث، لن نجـد حدثاً قصصياً متطوراً، وانما نجد مجموعة كبيرة من المراحل المتوازية المتقابلــة، دون أن نبين النهايـة، اذ اننا لانعرف في النهايـة الـى اين ينتهي المطاف بالشـاب القروي، فكـل شــيء خاضع للاحتمال والتأويل ومسـتمد من الذاكرة المتداخلة مع حلم اليقظة .

وتشكل قصة " خارج الدائرة "، انعطافة كبيرة في المجموعة، في توظيف الحلم والخرافة، فـي مسـار السـرد القصصي لا سـتخلاص بنية دلالية، عاكسـة الصراع الاقتصادي- الاجتماعي – النفسـي فيها لكشـف القناع .

وعـند قراءتنا للاسـتهلال، قراءة تأويلية، تمنحنا دلالة مبطنة عــن عـالم محمــد الحمــال - الشـخصية الوحيدة والمحورية والمرـز الدلالي في القصة – " ليل اشبه بالكابوس، ظلمات فوق ظلمات . وسـماء تتكدس بالغيم .. وبرد يقطع العظام – ص 42 " . فوق الظلام المكثف، تضيف الســماء ظلامـاً مضافـاً، لأن الغيم يتكـدس فيها، فعالـم محمـد الحمـال ندخلـه مـــن خــلال هــذه الظلمات المتعددة لتكشف لنا بأنه " كان وحده في هذا الكون الفسيح – ص 44 "، وانه موشوم بالظــلام والوحــدة والفقـر، ثالوثه الذي يحمله كل يوم علـى جسـده المتعب، ليمارس طقوســه فـي عالمـه المتوحد معه، وزمنــه الذي صار " هامشاً سـخيفاً بلا معنــى – ص 47 "، من هذه الاشــياء يتكون عالـم محمـد الحمـال، بمعنى دائرته وخارجها بالنسـبة لــه تابـو، لا يســـتطيع الوصول اليه الا عـن طريق الحلـــــــــــــــم .

ولقد اعتاد محمـد الحـمال أن ينام قليلاً قبـل " القيام بتنظيف الارضيـة والاحواض وازالة الاوساخ والممرات الصغيرة – ص 43 "، وما بين النوم / الغفوة، والتنظيف، لحظات انزيـاح عن الواقع، واقعه الحقيقي، لحظــات تأسـيس نـص مـواز للنص الاصلي متداخـل معه فـي فضـاء واحــد، كفضاءات ألـف ليلـة وليلـة وعلى ضوء ذلك تكون الدائرة هـي النص الاصلي وخارجها النـص الموازي ومركزهما محمـد الحمـال .

ونعثر على دلالة رمـزية عميقة فـي النص، ترسخ الرؤية الطبقية لدي الراوي، ولدي البطـل، عند عثوره عند التنظيف على قشور الفواكة : " أن ارضية الحمام والممرات المائية كانت مليئة بالوغف وقشور البرتقال والموز – ص48 "، وياتي مشهد تبذير الماء من (قبلهم)، ويرمز المـاء الى الحياة، وقد ورد في الاساطير البابلية قصة التكوين، وكيفية ولادة الالهــة من امتزاج المياة (10)، وهذة اشـارة واضحـة الـى عـدم اهتمامهم بحيـاة الاخرين " يبذرونه كيفما يشاؤون – ص 46 "، وحتى وهو في خارج الدائرة (= التابو) لا يحق له أن يشاركهم في أي فعل، فقط الرؤية، رؤية الغرباء " انه ليس منا، ليس من عشيرتنا – 47 "، فالمقصود هنــا بالعشيرة، الطبقة .

وفـي الليلة الثانية، تخرج كائنات محمد الحمال الليلية، هـذه المرة نسـاء فقـط ويحـترق بنار الرؤية، وتقعي فحولته جانب الباب بالقرب منهن، وهي لا تثير انتبأهن والملفت للنظـر أن محمد الحمال لا يمتلك وعياً طبقياً، كما الذي يمتلكه الراوي، فلقد مسـخته الحياة الروتينية الى بومـة ليلية لا ترى الا الصـور الحلمية في الظلام رغم انه ينتمي الـى عالمه انتماءاً تامـا، وانه عامل اصيل. يكون السـرد فـي قصة " طائر الليل "، متواطيء مع الذاكرة الموغلة فـي عمــق الطفولـة ليتخذ طابع الحوارية الصامتة مع الطائر، ولبناء علاقة حميمية امتدت زهـاء اربعيــن عامــا معه، والقص كله عـن طائر " من انواع الغربان يسمونه : ططوة – ص 16 "، وتسـتـل القصـة تفاصيلها من جعبة الذاكرة المغمسة بالحلم .

لم تتغير صورته ابدا، وبقى نشيده لاجمل من احزان وتداعيات مالك بن الريب، معـه يخترق الازمنـة، يخترق جوهر الاشياء، معـه يــهاجر نحــو الاحــلام القصية، الاحــلام المســتحيلة، ومـعه يسـتوطن مدن بعيدة لم يسـمع عنها الا فـي الكتب، ثم يعود مـن المغــامرة – الحلـــم ليحط في واقعه ـ ليعيش مع هموم ومشاكل ناسه .

وعندما يقول " بدون الحـرية لا يبقى منه شيء – ص 15 "، هـذه اشــارة جلية انه عندمـا تســلب الحرية من الانسان يتحول الى اشلاء مقهورة، مقموعة، مستلبة، وتكون جميلة حين " تتمتع بالحرية – ص 15 "، وتملأ الوجود بوجودها، فـــ طـائر الليل رمـز تعبيري عن حريــة الانسان وعدم رميه " داخل قفص، سجيناً حتى الموت – ص 14 "، وهذه المقتطفات تبين مدى تعلق الرمـز بالحرية او قل هو الحرية .

وعند اعادة بناء صورة تمني الشخصية الرئيســة فـي القصـة، أن يشـــتركا هـو والطائر/ الحرية بفعل الحلـم " نحلـم حلما واحـداً- ص 7 "، يتحقق المعنـى فـي التكــامل لانبثـاق الصورة الحقيقية في النص الا وهي : انسان – حـرية – حلـم .

وعند قيامنا بترتيب هذه المفردات تتعمق الصورة اكـثر ونعثر على دلالة النـص الرمـزية : حلـــم الانسـان الحـريـة.

والمرأة عند القاص كائــن رائع، لا يصورها بأي سـوء، رومانـسية الى حـد الصـوفيـة انثى بالمعنـى الكـامـل، فهي : الشفافة، الرقيقة، الحبيبة الناعمة، النقية، فليســت فيــها صفـة ذميمة " خائنة – مومــس – شــريرة – شــبقة " واحيانا تجمع الصفتين انثــى ورمــز فــي آن لمنحها دلالة انسانية عميقة، انها المرأة – الحلم " امرأة تخطر في الحلم ولا تخرج من دائرته – ص 75 " .

والمرأة تعطـي قذارة العالـم وطبيعته، جمالية اسطورية : " من نهر تزدحم جوانبه بالبردي والعوسـج .. او مـن مسـتنقع ذي مياه ثقيـلة محـاطة بالاحراش خرجت عاريــة تمامــا .. امرأة ناضجة ذات بشرة نحاسية .. وشـعر فاحم – 74 "، العـري هنا متكون مـن موج النهـر، وضوء القمر، واريج الزنابق، وعلى انها غير مدنــسة، بلا خطيئة، لولاها لغرق العالــم بـــالقذارة، لكنها هي النقاء المولد منها، هي تعطي للأشياء وميضــها، هي تمنح العالــم نكهة خاصة، انها زنبقـة لا تمــوت .

وتثير فيه المشاعر المتوهجة المتدفقة لحافات الجنون " وقد اشعل هــذا الحيـوان فيـه حرائق الدنيــا – ص 20 "، وهـي تدخل في الية القهر الاجتماعي : " مطلقـة منـذ ثلاث ســنوات ... لم استطيع أن اجب له اولادا – ص 19 " .

وانها مخلوقة من " الارج وزبد البحر – ص 183 "، ويصل الحد بابطاله مواجهة الموت لملاقاة الحبيبة، من اجل رؤيتها فقط، علاقة حب عذري او رومانسية – جنسية " اقـسم بــالله اني لم امسها بسوء، ولا لوثت شـرف علاقتنا الطاهرة – ص 183 "، صورة من صور فرسان القرون الوسـطى .

وفي نافذة بعيدة تختزل نساء احمـد محمـد اميـن في وجه وجسد واحد، لامــرأة واحــدة في ناهدة : " امرأة ممتلئة ذات جســد بلون النحاس، ووجه مدور يحمـل عينين تومضــان بـالألق والسحر – ص 199 " .. تاتين في الغبش .. في رائحة السماء . مضمخة بلون النحاس .. بهيئة مثل عرائس البحر .. تعودين في الحلم او الحقيقة .. ايتها المقدسة .. المجبـولــة مـن عطــر طفولتي الفقيرة – ص 207 " .

وأن عالـم المرأة بما يحويه من دلالات لدي القاص، يشارك فـــي تكويـن النــص، وتفجير فضاءاته فــي اللامحدود واختراق البنية النصية الشــاملة لاسـتخراج معــاني مشــفرة ذات دلالة متضمنة للحالات الاجتماعية- الاقتصادية – السياسية – التاريخية، التـي يشـكل " اختلاطها وتداخلها الواقع التجريبي " 11 .

هنالك محورين اســاسيين في المجموعة يلخصان اســتراتيجية النصوص بدقة وتلقي الضوء على المنحى الفكري العام لها :

1 – حلمية الحلم .

2 – اغلبية ابطاله مثقفون .

المجموعة بشــكل عام تتسـم برؤى حلمية ضاجة، وبالرغم من وظيفة الحلـم فــــي تكوين بنية الصورة الحلمية الممتزجة في بنية الصورة الواقعية، فأن له وظيفة مستقلة ثانية أهم وأخطــر هـي تحقيق حلـم الحلـم " احلام داخل احلام – ص 29 "، وهي منتشرة في المجموعة ومبعثرة ولا تشـكل بنية متكاملة الا بعد تحليل النـص القرائي بتعمق ودقة لكي نكتشــف هـذه الوظيفة المستترة، أي أن نقوم باختراق الحلـم – الواقـع للوصول الى حلــم الحلــم الذي يكون في دور التشــكيل في ذات اللحظـة، وســأورد بعض الامثلة حتى نتبين عمقـها واتســاعها والتي يسميها القاص الاختراق عندما يقول : " استطيع اختراق الاشياء الى ما وراءها – ص 167 "، ليـأخذ طابع الاسطـورة ووظيفتها، وعندمـا يتمنى أن يحلم مع الطائر " حلما واحـداً- ص 7 "، رغم اســتحالة ذلك " واتبع طائري نحو الاحلام القصية والمستحيلة – ص 9 "، وفي بعض الاحيان يكون البديل عن الوهم : " كل الذي عشناه كان حلما .. اضغاثا من الوهم – ص 27 "، ولكنـه باقي مـع الانسـان ولا يفنى : " الاحلام لا تموت، انها تعود دائما تخطفنا من الواقع .. من الحقيقة، تأخذنا الى مرابعها السـرية وتضيئنا بآلاتها السـحرية – ص 63 "، وانه عالــم مـن الاسـرار والسـحر، وفـي قصة المشاكس تختلط الامور، تضيع، تتيه ما بين الحلم الواقع وبيـن حلـم الحلـم : " ظننت أن ما يجري داخل الشقة ليس سوى حلم – 89 " مع وجود اشارة واضحة صريحة انه يتشكل عبر الحلم – الواقع فـي قصة (رجل من اقصى المدينة) : " لقد حلمت ليلـة امس حلما غريبا .. بوســعك أن تحوله الى قصة .. كم اتمنى لو اخلده .. فــالاحـلام جميلـة .. اشبه بفقاعات الصابون – ص 33 "، فالفقاعة تتكون من الماء والصابون، هكــذا يتكون حلـم الحلـم من حلم وواقع، ليتلاشى في اللحظـة التي يتكون فيها، تشبيه فيه دلالة، فأن الفقاعة تتلاشى فعلياً، اما حلم الحلم فينجرف الى تخوم الاسـطورة .

امـا المحور الثاني، فيكون اغـلب ابطال قصصـه من فئة المثقـف / الموظـف كما فــي (طائر الليل – رجـل مـن اقصى المدينة – المعطف – مملكة الـسراب – المشاكس – بيــان للطــهر - السـوق) او المثقـف الثوري (الموت الجميل) او مثقف متجسد فــي صـورة دب، ليبين عدم اسـتطاعة المثقف التفاهم مع الاخرين، مـع ادانه المجتمع والمؤسسات، قصة (المشاكس) او مثقف يعود مـن الهنـد بشهادة الفلسـفة (الانتظار) ليتحد بالمطلق، تاركا العالم والحيــاة وراءه انهم من صميم الواقع، فمنهم من : يثور، يتمرد، يغيب في المطلق، يستسلم، ينهار، يبحـث عن الآمل، لكنهــم يشـتركون في انهم يتوسـدون الحلم .

أن احمد محمد اميـن من القصاصين العراقيين القلائل الذين يتميزون بفرادة خاصة، ولديه الجرأة والشجاعة ان يتبنى اليوتوبيا الحقيقية، من خلال قصص منـسوجة من الحلـم، يرتديــها الجـسد- الواقع، وهو من الذين تركوا – او حققوا – اثرا كبيرا بقصص قليلة .

 

أسامة غانم - ناقد

..............................

الهوامـش والاحالات:

1 – توماس ج بافل – القواعد السردية – ت . د ناصـر حلاوي، ص59 مجلة الثقافـة الاجنبية العدد 2 / 1992 .

2 – لوسيان غولدمان – المنهجية في علم الاجتماع الادبي – ت . مصطفى المـسناوي، ص 31 دار الحداثة بيروت 1981 .

3 – جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي – ت . د. حنا الشاعر، ص 169، دار الاندلــس ط2، بيروت 1982 .

4 – لوسيان غولدمان – المصدر السابق ص 36 .

5 - فيلهيلهم امريش – الفن القصصي في القرن العشرين – ت . ناجي نجيب، ص 38 مجلـة فكروفن العدد 23 / 1974 .

6 – المصدر السابق ص 43 .

7 – هنري لوفيفر – مـاالحداثة – ت . كاظم جهاد – ص 117، دار ابن رشد، بيروت 1983 . 8 – المصدر السابق ص 111 .

مقتطف من رسالة كان قد بعثها ماركس الى روج في مايس 1883 .

9 – جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي – ص 259 .

10 – د. فاضل عبد الواحد علي – عشتار وماساة تموز – ص 133، دار الشؤون الثقافية بغداد 1986 .

11 – لوسيان غولدمان – المصدر السابق ص 31 .

* احمد محمد اميـن – طائر الليل (قصص) – دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1996 .

* نشرت في مجلة عمان الثقافية – العدد 77 / تشرين الثاني / 2001 .

 

جمعة عبد اللهرسمت الاديبة بكل براعة لوحتها الاديبة في (السرد والشعر) ألوان اللوحة العراقية بسماتها الخاصة في التناول الوجع العراقي المسكون في الروح، اصبحت سيدة القهر وسيدة حكايا الحب. تكشف ببراعة في منتهى البساطة والعمق والدلالة، الحزن العراقي الذي يولد مع ولادة العراقي ويشرب حليبه، ويمشي معه ويتوغل في عروقه ودمه، حتى اصبح الحزن حالة أزلية ترافق المولود من المهد الى اللحد. تعجن لغتها الشفافة (سرداً او شعراً) بكل براءة ونقاء وصدق في المشاعر والاحساس الشفاف. وحتى اصبح الحزن من نبضات حياة العراقي، والمجموعة الشعرية بقصائدها 22 قصيدة، تركز على هذا المنطق البديهي، في القاموس العراقي الذي يحمل هوية عراقية خالصة، في افرازات الحزن، اينما رحل وتغرب يحمل في ضلوعه قارورة الحزن، في تراجيدية الزمان والمكان. والاديبة (ذكرى لعيبي) تميزت بهذه الاسلوبية، تصوغها بكل مكاشفة صريحة وبشفافة تثير العواطف والمشاعر، بما تحمل في بخوالجها وهمومها ومعاناتها في سلم درجات الحب الصعب، الذي اصبح صعب التسلق، وكذلك تزغرد لفرح الحب والعشق حين يبزغ قمره، بان يكون نقياً وحياً ينبض بالحياة والامل في زهرة الياسمين. ان المجموعة الشعرية تمثل قصائد الحزن العراقي وكذلك تمثل روح الصبورة، في الحب بالمواصلة والثبات بعدم فقدان الامل، انها تجسد حالة السايكولوجية في تعاطي مفردات الحياة العراقية الشعبية. تظل ترنو بكل جوانحها تهفو وتغفو للحب الياسمين، الحب الذي يستيقظ على الحلم والامل تورق ازهاره، لا تلتفت الى طعنات الغدر واللؤم، بل تهفو الى حب نقي يشرب ماء النقاوة والصفاء، يزرع بعطر الرياحين، لا يزرع الأشواك، تريده حب دائم النبض والبقاء والنقاء، لا حب غائب عن الحياة، لا حب مرمي على قارعة الانتظار. أن يكون قلبه روضة شاسعة بالخضرة والازهار والثمار، لا حب فيه جفاف وفراق وحزن، حب روحه معجونة بالتسامح والاعتذار. لا ان يكون الحب معاناة ومكابدة حياتية في القهر، ويجهض الاحلام والامنيات.، بهذا السفر في دروب الحب تسلط عليه المجموعة الشعرية (يمامة تتهجى النهار) هي سفرة سياحية في بطون التاريخ والاسطورة والحضارات القديمة، الحضارات العراقية والاغريقية، وكما تستشهد من الاسطورة الاغريقية (بينلوب) في انتظارها الطويل الى حبيبها (أوديسيوس) وكذلك توظف من الموروثات الشعبية، لكي تصوغ قلائدها الشعرية. انها تحيك خيوط الحب على ارض سومر وعشب الجنوب، ونرجس اهل الشمال، نجد ان الحب هو أملها في الحياة، لهذا تسعى بكل جوانحها ان تمسك خيوط هذا الحب، قبل أن يتيه في الضياع. وعربون هذا الحب هو الوفاء والمحبة.  لانها كالزهرة الياسمين في الحب وهو قدرها الابدي. حب بلا اقنعة وزيف ودراويش منافقين. تريد ان يكون للحب نسائم دائمة طرية تنعش الروح، لا فقاعات تتبخر في الريح وتذهب الى السراب. حب بلا غمامة ونكد. أنها يمامة تتجول في نهارات الحب وتتهجى أبجديته، تتجول في ربوع سومر من الجنوب الى الشمال. انها عشتار الحب السومرية تنتظر تموزها الغائب. هذا الطموح في الحب الصافي والنقي. والمجموعة الشعرية هي رحلة سياحية ممتعة بكل تشويق ومتعة، لنطوف في بعض محطات هذه السياحة في ياسمين الحب.

× الحب النقي يكون مسكوناً بالغد وما يحمل في جعبته، لذلك تتضور بالظمأ بالشوق ان يزف اليها الغد بما يصبو اليه القلب، لكي تقدم القرابين والنذور الى المعابد وأوصياء الله الصالحين، ان يبزغ النور من كرب النخيل ويطفئ الحزن والاسى، وان تغتسل روحها في الارتواء في الحب، ان يرفرف على الابواب. وتبهج عشتار بقدومه لتدخل في عرس سومري.

نحلق غب المغيب

ونفتح بوابة العشق

 لعشتار

ترعى سنين

وتموز ينهض من نومه

والصبايا ببابل يرقصن في عرسه

وندخل بوابة الغد

من حول أسوار سومر

ندعو النوارس

ونرجس أهل الشمال

 وبرحيَّ أهل الجنوب

وفي عنق الحب

طوقاً نعلق

من الياسمين

× لا ضياء للحرف إلا اذا ركب المركب الحب في صباحاته مشرقة بالشمس. في هالة ضياءه الشفاف في نور الحب، ليؤكد بأنه اقوى من الظلام، لا ابهى لوحة إلا لوحة الحب، ان يكون الحب ان يغسل الجراح، لتضيء القناديل نهارات الحكايات التي خرجت سليمة رغم عمق الجراح والالم. لا يمكن لليمامة ان تحلق للفرح إلا بغمرة نور الحب، والنواعير تداعب الفراتين. فباب العشق ينثر في عتبته الرياحين والازهار، ما اعذب هذا الهوى في الصفاء والنقاء، وما اطيب ثماره. وما اروع تغريدة البلابل له، وكل أملها ان ينتهي الغياب.

لا الضياء الاخير من الحرف مرَ على عجل

لا الصباح امتطى مركب الشمس

لا الاقنعة

أستوقفت أفق اللوحة النابض...

لا الجرح من دهشة الجرح كان التبس

مثلما صار هذا الفناء الفسيح

يطل على

عتبات اضاءت قناديلها

ورتاج أزاح قواقعه الواهنات

------------

ها أنا صرت استذكر العمر

نهارات سعد

حكايا رضا أو غياب !

ورياحين...

في لحظة الالق الصافية

جنان

وماء زلال عذب

ثمرها طيب

زيتونها

تين أناملها خمرة

ان سقتها البلابل لحظة شوق

بماء الرضاب

تدعى الغياب

× تريد حباً ينبض بالحياة، يضيء بماء الامنيات، مغسولاً بطعم الوفاء والصفاء، تريد حباً يعيش في الضياء ينعش الحياة بالوان العشق. تريد حباً حياً ينبض بالحياة،، حباً الياسمين مغسولاً بعرق الروح. تريد حبا يثمل بسكرة العشق حتى يلامس نبض الحياة. تريد حباً شاسعاً بلا سقف، حبا بين قلبين منه واليه واليها.

أريد حباً،،

يفقهه معنى الصمت

وامير الصوت الذاهب

في لجة ما قبل القول

القادم من غابات

نخيل النفس

المغسول بعرق

الروح..

-

أريد حباً،،

كتلاوة خوف القديس

اذ حط فوق

جدار الصفح

مرتجفًاً،

أريد حباً،،

متفرعاً كالزيزفون

في أنين الوقت

يتسلق أوردتي

نبض تختزله

سنوات ألالف

تيه

-

أريد حباً،،

لا يلمسه سقف

اللحظة

ولا سنابل فضول

الليل

-

أريد حباً لخطواتي،

 حباً

يأخذني مني إلي

ومنه إلي

ومني إليه

 × هذا الحزن الدفين في وشائج الحب، لكنها لا تستسلم بل ستظل تقاوم في المحافظة على رابطة الحب، وتستلهم من الاسطورة الاغريقية بالرمز الدال في عرى قوى الحب الذي جعل (بينلوب) تخيط سجادة الانتظار بخيوط الامل لحبيبها الغائب (أوديسيوس) رغم السنين، كانت كالغمامة.

كأنني،،

لم أنتظر سنين

أحيك في سجادة الامل،

لم أقطع الخيوط

ولست (بينلوب) ولا اليمامة

كنت كما الغمامة

ومثلما الاماني

أراك لا تراني

 صرت كما العلامة

× حكايات الحب زاخرة بالانتهاك ومعاناة الاغلال، فكانت سيدة القهر تقام بمعصميها الدامية من شدة الاغلال، لكن رغم هذا الشقاء تظل اميرة سومرية فوق النجم بحكايات ألفي عام.

لكن،،

مَدت بحكايا فرقدها ألفي ليله

وألفي عام

مذ بزغت كأميرة سومر فوق النجم

حتى أدمت معصمها الاغلال

صارت سيدة القهر

وسيدة الحكي

وعرابة هذي الاجيال

كشفت عورة جلاد الليل

وأنَّ (بنيه)

ليسوا من صلب هواه !

***

 جمعة عبدالله

 

استبرق العزاوييتأرجح بين المقاوم والوطني ويحلّق في فضاءت الغزل

صدر عن دار الامير للثقافة والعلوم ببيروت ديوان جديد للشاعر اللبناني ياسر سعد  المغترب في الولايات المتحدة – ميشيغن، ويحمل العنوان (خوابي الحنين) وتنوعت قصائد الديوان بين القصيدة العمودية وقصيدة الشعر الحر وعبّر الشاعر من خلال هذين النمطين الشعريين عن حالات وجدانية مختلفة، ولكنه فضل تبني كتابة القصيدة العمودية  في معظم قصائد الديوان التي تمظهرت على شكل منبر لخطاب حماسي ووطني يتغنى ببطولات المقاومة تارة وبحبه للوطن تارة أخرى  وبهذا قد تكون القصيدة العمودية بالنسبة  للشاعر ياسر سعد هو الوعاء المناسب لتلك الموضوعات المتعلقة بالقضايا الوطنية فالمعروف أن القصيدة العمودية التي تمتاز بتوفر عناصر كتوزين الشعر وإلتزامها بالقافية الموحدة والبحر الذي يمنح الابيات الشعرية اللحن والأثر الموسيقي أو ما يسمى القصائد المغناة وبالفعل إكتسبت الكثير من قصائد الشاعر الطابع الغنائي وهو يخاطب الوطن والام والاب والحبيبة . كما في قصيدة عصارة الروح ص 53.

ولَكم تثور ُ بمهجتي أحزانها       ما شع َ في أحشائها لُبنانها

والشمس من قلل الجبال كأنها       نارٌ تأججُ والغيوم دخانها

والأرض ُ ترفلُ بالطيوب تألقا      وتتيه ُ تيها ً ناطقا ألوانها.

ويبدو أن الشاعر سعد فضل كتابة معظم قصائد هذا الديوان وفق نمط القصيدة العمودية لإعتزازه بهذا اللون الشعري الاصيل الذي يعد أقدم الالوان الشعرية في تاريخ الشعر العربي والذي بدأ الكثير من الشعراء العرب يهجرونه حيث يفضلون كتابة قصيدة  الشعر الحر بنثرها وتفعيلتها، ومن المعلوم أننا بتنا  نشهد الكثير من التجارب الشعرية التي يتداخل فيها النسيج الشعري مستعيرا حلته الجديدة  من النثر الشعري والشعر العمودي وتفعيلاته بل أن تلك التمازجات الادبية باتت تقتحم مجال القصة والرواية في تراكيبها السردية ذات الشعرية العالية   ولكن شاعرنا ياسر سعد حاول التمسك بخياره بالميل لكتابة الشعر العمودي الذي يراه فضاءه الادبي الذي يعكس عنفوان روحه الجذلى المتأصلة بروح التراث العربي الشعري وفنونه على الرغم من كتابته لقصيدة الشعر الحر وهو الذي عرفتُه المنابر الشعرية هنا في مهجره الامريكي حيث شارك في العديد من الانشطة الشعرية التي ألقى خلالها عشرات القصائد كانت في معظمها قصائد عمودية.

ففي قصيدة (كتابات الدموع) يعبر عن شغفه وهو يخوض غمار الكتابة الشعرية حيث يقول : -

كتابات ٌ تحررها الدموع ُ    --- بها يتألق ُ الأدبُ الرفيع ُ

هي الوجدانُ ينساب ُ إنسيابا ً ---- على الأوراق ياقوتا ً يموع ُ

عذابات ُ أعالجُها بشعري ---- وأسكبها، بها سحر ٌ بديعُ

إذا ما لامست فكراً نظيفا  --- لظل َّ لمثلها أبداً يجوعُ.

2348 ياسر سعدوفي خضم الحديث عن القصيدة العمودية المعاصرة لابد من الإشارة الى أن ثمة من يطالب بتحديثها من حيث الوزن والتكثيف الايجاز وتطويع اللغة بقوالب أكثر سهولة من تلك المعقدة ولعل شاعرنا ياسر سعد الذي يعد من المخلصين للقصيدة العمودية يمضي في مسيرة التجريب الحداثي بوصفه ضرورة معاصرة لكل ما يتعلق بحياتنا على مستوى العلوم المحضة والعلوم الانسانية والفنون  والآداب والشعر أحد أبرز واحات الادب الغنّاء التي تمتثل لتلك الدعوات لذا نشهد زخما ً من التجارب الشعرية التي تحاول المزاوجة بين الاصالة والحداثة وبالتأكيد تلك المهمة تعتمد على كفاءة الشاعر وإستيعابه لمفهومي التراث والحداثة وقدرته على إجتراح آليات تحديث تعزز شكل القصيدة ومضمونها الذي يكمل بعضهما  البعض والمعروف أن القصيدة العمودية تجمع بين أساليب البديع وفنون اللغة من تشبيهات فنية وإستعارات بلاغية.

وفي قصيدة المنفي يوظف الشاعر ياسر سعد تلك الاستعارات القرآنية بطريقة معينة ليعبر عن تجربته في المنفى في سنواتها السبع من خلال تناص مع قصيدة النبي يوسف عليه السلام حيث يقول :

وسبع عجاف ٍ مررن َ بهجري ---- وما قبلهن عرفتُ هنا

فهل ثم َ عام ٌ يغاث ُ الفؤاد ُ ---- به أو يحقق ُ بعض المنى

وخلف َ المحيط ِ أب ٌ كاد َ يعمى ---- من الحُزنِ وهو شديد ُ الونى.

وفي معرض الحديث عن قصائد ديوان خوابي الحنين لابد من الاشارة بأن الديوان يحتوي على 67 قصيدة ومقدمتين إحداها جاءت بقلم الناشر محمد حسين بزي الذي قال عن الشاعر:

ياسر سعد أهداني أجمل الهدايا (أهداني الوله في كأس محبة، سكرتُ منه ساعة، وانتشيتُ معه ساعات).

كما تضمن الديوان مقدمة بقلم د. يحيى شامي أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية. الذي أثنى على تجربة الشاعر حيث جاء في مقدمته (ياسر سعد صاحب ديوان خوابي الحنين يامن ترنحتَ في شعرك ذات الشمال وذات اليمين مزاوجا بين عمودي الشعر وحره محاكيا السياب زعيم اللون الاخير من الشعر، في الحديث طورا  كما في قصيدة حبيبتي والليل، أو محاكيا ً عمر بن أبي ربيعة رعيم الغزل في القديم قصصا ً وحوارا. كما في قصيدة ليل وغرام وصقيع طورا ً آخر).

وعن قصيدة الشعر الحر في هذا الديوان فقد كتب الشاعر عدة قصائد تنتمي لقصيدة الشعر الحر وتميزت بجزالة معانيها وجمال بنائها وكانت فضاءا ً خضبا ً للحديث عن موضوعات متنوعة فما يلفت بهذ الديوان أن القصائد التي وردت فيه كتبها الشاعر في فترات زمنية متقطعة حيث كتب عددا ً منها حينما كان في وطنه الام لبنان في تسعينيات القرن المنصرم كما هو موثق في أسفل القصائد وكتب الجزء َ الآخر هنا في ميشيغن وما بين هنا وهناك تجلى إختلاف الموضوعات التي تناولها الشاعر حيث وثق هناك حياة الضيعة والطبيعة والعلاقات الانسانية والاحداث التي واجهها لبنان ومنها إنتزاعه لأرضه بنت جبيل  من الكيان الاسرائيلي المحتل الى جانب نصوصه الشعرية الغزلية وقصائد مهجرية عنونها هو ب (النيويوريكات) نسبة الى مدينة نيويورك التي أقامها فيها فترة من الزمن ويمكن القول أن الشاعر ياسر سعد صوت شعري مهجري عربي يحاول تجديد تجربته الشعرية عبر تنويع الموضوعات  وتحسين الشكل  الشعري وتفعيل عناصر  مزاوجة الانماط الكلاسيكية بالحديثة لكنه ينحاز في أغلب الاحيان للقصيدة العمودية التي قد يرى نفسه أحد فرسانها المعاصرين بعدما أصبحت لدى الكثير من الشعراء العرب نسياً منسيا.

يعبر الشاعر في نصه الشعري الذي ينتمي لقصيدة الشعر عن استيائه لما وصل اليه حال الشرق ويقصد بذلك الشرق الاوسط الذي يشكل العالم العربي منه الجزء الاكبر  حيث يقول:

ما عاد َ شرقيا بشرقي غير رقص الراقصات

فتراقصي آمال شعبي بين أقدام الغزاة

وتبادلي معهم نخوب الخمر أن الوعي عات

قد صار قصرُ الحكم ملهى بين نيلك والفرات.

بقي أن نذكر أن ديوان خوابي الحنين الذي يعد متوالية شعرية قاسمها المشترك مفهوم الحنين بمستويات تعبيرية مختلفة يقع في 150 صفحة من القطع المتوسط.

 

إستبرق عزاوي – ديترويت

 

 

إيناس العباديبعد أن تلقيتُ "لم تنكر خطيئتها" للدكتورة اسراء العكراوي ببالغ الفرح والسرور عكفت عليه أقرأ بإحساسٍ عالٍ وكأن كلَّ ما كُتِبَ فيه كُتِبَ لي؛ يبوح بما في صدري، ولا أعلم ما سرِّ هذا التوافق الفكري بيني وبين الشاعرة، وهو توافق قديم ألمسه كلَّما قرأتُ لها، وفي يوم ما سمعتُ زميلة عزيزة على قلبي تقول: كان الأجدى بالشاعرة أن تعنون ديوانها بـ"حواء لم تنكر خطيئتها"، فدار بيني وبين زميلتي حوارٌ أدبيٌ لذيذ حول عنوان الديوان؛ إذ بادرتُها بالقول: وأين الشعرية في العنوان الذي اقترحتِ عزيزتي؟! فضحكت من قولي وضحكت من قولها، وبعد سؤالٍ وجواب، وشدٍّ وجذب انتهى الحوار بيننا إلى ما تُحمَدُ عقباه لأنني أدركتُ أنها لن تقنعني برأيها وأنا بدوري لن أقنعها، فأنا أرى أن منشئ النص يعدُّ أباً شرعياً لنصّه ومن حقه أن يسميه بما يشاء من الأسماء، ولكن الحوار دوماً يأتي بأكُلِه ويثمرُ ثمراً جنيّاً، فقد أثار في ذهني قدحة هذه المقالة.

فالغموض من أبرز سمات الشعرية في النص إذا كان محسوباً، وهذا ما دفع أدونيس إلى شرعنته بقوله: (إني ضد الوضوح الذي يجعل من القصيدة سطحاً لا عمقاً)، وهذا الأمر أظهر وأهم في العنوان الذي يتوخى فيه صاحبُه الاقتضاب اللغوي والإغراء ؛ ليُشجع القارئ على قراءة الأثر الأدبي ويثير فضوله لافتراض التأويلات فيما بعد، فهو وسيلة المُرسِل لاقتناص لحظة من وقت القارئ والاستحواذ على مساحة من تفكيره، ولاريب أن يُعدُّ الغموض ظاهرة إيجابية في متن القصيدة، فضلاً عن عنوانها الذي يكون أول أعمال القارئ وآخر أعمال المؤلف، ونلاحظ هذا الغموض بأشكالٍ مختلفة في الديوان؛ فمرةً يكون العنوان نكرة، كما هو الحال في عنوان قصيدة (تَوق) فلا ندري إلى من أو إلى ماذا هذا التوق، وقد ألقى هذا العنوان بظلاله على عموم القصيدة ؛ فمعناه ينسجم مع دلالات القصيدة؛ توافقاً أو تضادّاً كـ(الصمت، الدمع، البوح بلا كلام، مضي السنين بهدوء، الصحراء = التِّيه ....)، فيبدو لي أن الشاعرة صمتت بعد أن ملّت الكلام وأدركت عدم جدواه وتمضي السنون دون أن يشعر بها أحد، وكأن هذا الصمت يأكل زهرة السنين، وهي تتوق إلى الخروج من تيه صحراء الصمت إلى شجاعة تكسّر القيود، تشبه شجاعة الأطفال الذين لا يخفون شيئاً لأنهم لا يخشَون شيئاً، تتوق إلى الغرام الذي يبوح فيه المُحب بكل شيء لمحبوبه، فهو سحرٌ خلّاب بدأ من العنوان وسرى إلى أوصال القصيدة.

أما التناص وهو سمة ثانية من سمات الشعرية، فقد أفادت من الشاعرة أيما إفادة ، فقد لاحَ للقارئ منذ أول وهلة في عنوان الديوان "لم تنكر خطيئتها"، فهي قصة قارة في الذهنية الإسلامية والعربية يتلقاها الكثيرون من وجهها السلبي، وهي أن حواء (ع) أغوت آدم (ع) وأنزلته من جنات الخلد إلى عذابات هذه الأرض، ولكن الشاعرة أرادت الوجه الإيجابي، لأن حواء التي أُلصقت بها هذه التهمة قد كانت على قدر المسؤولية عندما اقتسمت العذابات مناصفةً معه نتيجة خطئها العظيم كما يزعم الناس! فآزرت آدم بكل ما أوتيت من قوة، وهذا ينطبق تمام الانطباق على المرأة العراقية والعربية على حدٍّ سواء، فهي تفني زهرة شبابها من أجل تربية أبنائها لتقدمهم إلى محرقة الخلود! وتهجّرت من أرضها التي تهفو إليها القلوب؛ هذه الأرض التي تستقرُّ فيها اللعنة والرحمة، النقمة والنعمة، الترح والفرح في آنٍ واحد؛ إنها أرض العراق العجيبة!

وقد تعمد الشاعرة إلى المزاوجة بين تناصين في عنوان واحد، كما في قصيدة "آدم منا أهل العراق" التي وظّفت فيها قصة ابني آدم توظيفاً موفقاً، وكيف قتل أحدهما الآخر من دون سبب يُذكر، وقد كانت موفقة أيضا في وصف الأم العراقية إذ بقيت قوية صامدة في خضمِّ هذه الأحداث المتسارعة والمآسي المتلاحقة: تتقن العــــزف، وفنَّ الطهـــــو، والصــبرَ الجميل، وهي فوق كل هذا:

ترتقُ المعنى إذا ضاق ابتساماً

وصلاةً

وسمر

تبعثُ البهجةَ في قلب الحجر !

2381 غلاف كتاب اسراء

وهذه المزاوجة بين تناصّين قرآنيين في العنوان قابلتها مزاوجة بين قصتين قرآنيتين؛ قصة ابني آدم (ع) وقصة طوفان نوح (ع) في قولها: كيف فارت فكرة الموت بتنور دماك ؟!!، تومئُ إلى أن التناحر والتباغض والاقتتال بين الاخوة يُنذر بطوفانٍ عظيم يأتي على كلِّ شيء ولات حين مندم!.

أما الاستعارة فقد كان لها حضور لافت في عنوانات القصائد، زاوجت فيها الشاعرة بين المادي والمعنوي، بين الحسِّي المُشاهَد والمُدرَك  كـ (وشوشة الريح، أحلام النرجس الغافي، ما دارَ في خلَد المفازة، شوك الأسئلة، حروف التيه، عطشٌ لمطر القصيدة ...)، وقد ألقت هذه الاستعارات بظلالها على القصائد، كما في قصيدة (وشوشة الريح)، إذ نلاحظ أن القصيدة قد بُنِيَت على مجموعة من التناقضات التي تصف ما تحسُّه الشاعرة، فقد أفصحت عما تريد منذ أول وهلة بقولها: (رأسي ميدانٌ من عتمة) للدلالة على الحيرة النابعة من كثرة التساؤلات والتوق إلى الإجابات، ثم عززت هذا المعنى بقولها: (وسباقٌ لا وقع حوافر تقطعه)، فهذا الميدان المعتم يمتدُّ طويلاً بحيث لا تقطعه حوافر الخيول العدّاءة، ما يقطعُهُ الريح فقط وفقط، وفي ذلك دلالة على الفراغ، الصمت، الرتابة، الركود، تعاقب الليل والنهار على لاشيء!، فالعامل المسيطر هو الزمن الذي يمرًّ بنا ويًذيب أعمارنا بصمت مُطبِق وهدوءٍ مرير، وهذا ما تؤكده جميع أجزاء القصيدة عندما تعطيكَ الأمل ثم تسلبه منك فجأةً، كما في قولها:

تتحدث عن مجدٍ آتٍ

أو قد مات ...

أو هو محض سراب

لهثت هاجرُ أنفاسي أشواطاً نحوه

وكأنها من شدة شوقها وانتظارها جعلت أنفاسها تلهثُ أشواطاً نحو ما تريد، وفي ذلك استعارة مكنية أفادت المبالغة، ودلّت على عدم تحقق ما تريد لا الآن ولا غداً ربما سيتحقق بعد الغد!.

ثم تعود لتمنحَ القارئ الأمل بقولها: كانت أوراقي تحلم بالشمس، ثم تنسفُه بقولها: حتى أكلتها ! ، وتمضي الأبيات بين شدٍّ وجذب، وأخذٍ ورد، ضوء وظلام، وعيٍ ولا وعي، شكٍّ ويقين، بقاءٍ وفناء ... لتعود وتؤكّد في النهاية: على أن أوراقها قد أكلتها الشمس فما الجدوى من التفكير والضجيج الذي يُثقلُ الرأس دون طائل ؟! فعامل الزمن القاتل قد قال كلمته وانتهى الأمر.

ويلوح لنا التضاد في بعض عنوانات الديوان كـ(جمرٌ وسوسن، أصغر الجرح أكبره)، أو المناسبة البعيدة بين شيئين لا رابط يربطهما كما في (رغيف وكرة)، فما علاقة الرغيف بالكرة ؟ ، وخلاصة ما يتوصل إليه القارئ أن الساسة في كلِّ زمانٍ ومكان بلا رحمة، والفقراء في كل زمان ومكان هم المتضررون والمضطهدون، فهم كالكرة التي يركلها اللاعب لإحراز الهدف، يُراد لهم ومنهم أن يكونوا بلا أرواح بلا أحلام بلا أفواه!

 

بقلم د. إيناس محمد مهدي العبادي

معهد العلمين للدراسات العليا.

 

الجزء الثاني من ثلاثية قراءة "نسيان ما لم يحدث"

"وعوى الذئب فاستأنست بالذئب الذي عوى ..." الأحيمر السعدي


كنت قد كتبت في مفدمة مقالتي التي حملت عنوان "البحث عن الذئب الذي لم يأكل يوسف في متاهات نسيان ما لم يحدث" أنه من بين أصدق وأبلغ الأحكام النقدية في الأدب العربي ما صدر عن جرير حول الأخطل: "أدركت الأخطل وله ناب واحد ولو أدركت له نابين لأكلني." وأقرب أكثر في الزمان والمكان أجد من أجمل وأصدق الأحكام النقدية في الأدب السوداني ما سمعته من الأستاذ محمد علي عمارة، صادراً من زعيم وشاعر المرغوماب  الشيخ عبد الله ود حمد ود شوراني وهو يستدعي صولاته وجولاته مع أنداده من فحول شعراء البطانة الذين كانت له معهم مجادعات ومساجلات. فقد عرف أنه من حين إلى آخر يلتقي فرسان الفعل وسادة الكلم فيتباطنوا بسياط الفصاحة، إذ يبدأ أحدهم شاديا برباعية من الدوبيت ويصبح لزاماً على الآخرين مجاراته دون تمهل على ذات الوزن وكامل القافية وتمام الروي. وتعتبر النفس الرعوية المرهفة، التي تسمع قبل أن ترى، الذي يعجز عن المجاراة خاسراً، ولكنها لن تصرخ بذلك، بل ولن تصرح، وغاية ما تفعله هو التلميح لأنها تعي تماماً قواعد اللعبة التي من شأنها أن تجعل من مغلوب اليوم غالباً في الغد. ويحكي عمارة أنه سأل ود شوراني، وفي باله الصادق ود آمنة وأحمد عوض الكريم أبو سن: "أشعركم منو؟" ويضيف عمارة: أطرق ود شوراني قليلاً، ثم قال: "أنا، إن بديت!" ورغم مرور السنين لا زلت مأخوذاً ببلاغة الاختزال وهو يجزل، وبروعة الادعاء وهو يجمع في رسن واحد كلمات تعير عن قيم الفخر والصدق، والزهو والزهد، والمباهاة والتواضع. فمن جهة يمتلئ الرد بثقة الشيخ الشاعرفي نفسه، ومن جهة أخرى يعكس وعي الشاعر الشيخ بالمعطيات الموضوعية التي تمنح الأفضلية للذي يبتدر المجادعة، لأنه يكون بالضرورة قد أعد عدته لها، وتهيأ لها بتوخي القافية الحرون أو سهلة القياد، والفكرة المستعصية أوالطيعة، وما يحيط بكل ذلك من مفردات ومعان وقواف وجميع ما يعينه على أن يقول شيئاً يلامس ذرى المساديرالتي كان الحردلو يتغنى بها جاعلا النجوم تخر من شاهق وهي تطارد شياطين الشعر في مشارق البطانة ومغاربها.

(2)

من جهتي لم أستطع أن أسأل عيس الحلو يوماً ما سأله عمارة لود شوراني لعلمي أنه لن يكون بمقدوره أن يرد بما قاله ود شوراني، ليس لأنه أكثر تواضعاً أو اي شيئ آخر مقارنة بالشيخ الشاعر، ولكن لأن المجال الذي أصدر فيه ود شوراني حكمه لا يتيح نفسه في ساحات القصة والرواية والنقد. ومع هذا كلما استحضرت مسهامات عيسى الحلو الفذة أجدني استعيد كلمات ود شوراني في وصف جمله العنافي وقد حاز قصب السبق في أحد مضامير البطانة. كنت استرجع تلك الأبيات وكأني اقولها لعيسى الحلو:

يـا اللَّخَـدَرْ عَنانيِف الجَـري النُــــدَّارْ

وجَـنْ وراك دايــــــرات خلاس التارْ

وكتين جَرنْ مَيسْ العِـنـــــــادْ الحَـارْ

جِيتْ وشك خلا وضهرك وراهُ كُـتَّارْ

نعم في ساحة الأدب السوداني التي تزدحم بعنانيف القصة والرواية والنقد يأتي عيسى الحلو كل مرة "ووشه خلا وضهره وراه كتار."

(3)

كما كنت قد ذكرت في الجزء الأول من هذه الثلاثية التي أحاولها ساعياً لاستجلاء كنه بعض العلاقات المتداخلة بين السرد والخطاب في "نسيان ما لم يحدث" عدة أشياء مررت عليها مروراً عابراً، وأعود إليها هنا معتقداً أنني قد تجاوزت مرحلة "البحث عن الذئب الذي لم يأكل يوسف" ووصلت إلى مرحلة "العثور" عليه، والذي قلت أنه قد يكون أمراً ممكناً إذا أحكم المرء التأمل وأجاد الكتابة وأحسن الإصغاء. وأظنني قد حاولت، ولا أدعي أكثر من ذلك. كما كنت قد حاولت تبرئة ساحة عيسى الحلو مما أرى أنه آفة النقد السوداني وهو الابتسار الذي له أعراضه وظواهره وخباياه التي تتخفى مرات في سره وتتبدى مرات أخرى في علانيته. وعيسى الحلو ينسل كما تنسل السبيبة من بين عجين الابتسار المكون من طحين اللغو ممزوجاً بمرق الملق.

(4)

وعيسى الحلو يستخدم في مساهماته النقدية لغة على مستوى عالٍ من الجاذبية والتعاطف والبصيرة والحساسية. هذا على مستوى الإفصاح والتعبير. أما على مستوى التقنيات والأهداف والغايات فهو لا يلوك الاجترار، ولا يحرص على إعادة التدوير، ويتجنب تهنئة الذات. ولا يرتاح متكئاً على العمومية Generic التي تصطنع الخصوصية تمويهاً باعتماد حيلة اختيار مقتبسات نقدية يمكن أن تلصق بأي نص دون مسوغٍ أو مبرر لتطبق عليه "البروكرستية"، والتي هي القولبة الجبرية، وإيجاد التطابق المتعسف، وفرض الأحكام المبيتة التي قد تنطبق على نص بعينه كما يمكن أن تنطبق على سواه. ومدلول هذه الممارسة مأخوذ من اسم بروكرست الذي هو شخصية من الميثولوجيا الإغريقية حيث كان حداداً وقاطع طريق من أثيكا يهاجم الناس ويقوم بمط أجسادهم أو قطع أرجلهم لتتناسب أطوال أجسامهم مع سريره الحديدي. وكما يفر عيسى الحلو من االبروكسرتية كما يفر من الأسد، فإنه يفر أيضاً  من  الكرونولجية والتي هي ممارسة يستعيد فيها كامل تاريخ الرواية السودانية كلما تحدث عن عمل روائي، فيتحدث عن ملكة الدار محمد عبد الله، ويشير إلى عثمان محمد هاشم ويتوقف عند خليل عبد الله الحاج وغيره قبل أن يصل أخيراً ومتأخراً إلى النص الذي هو بصدد الحديث عنه.

(5)

هذا ما ظل يفعله عيسى الحلو مع الآخرين، ولكن هل هذا هو ما يفعله الآخرون معه؟  ودون طويل تفكير يمكن القول إن ما يفعله معه الآخرون لا يوازي ما يفعله هو مع الآخرين، ولكن ليست هنالك جدوى في الشكوى من ذلك. فالذي يأتي منهم خيول مُهداة. وكما تقول النصيحة الإنجليزية القديمة Don’t look a gift horse in the mouth أي لا تنظر إلى فم الحصان المُهدى إليك. ذلك أنها كانت عادة قديمة لهم فتح فم الحصان لمعاينة طول أسنانه لتقدير سنوات عمره قبل شرائه. فحسبما كانوا يرون تزداد أسنان الحصان طولاً مع تقدمه في السن. هذا مع أن أسنان الحصان لا تطول، ولكن لثته هي التي تتقلص مع مرور السنين لتبدو الأسنان وكأنها صارت أكثر طولاً. ومع وجود قليل النقد الذي يشفي الغليل يمكن الزعم أن كثيراً مما يأتي المبدع من النقاد إما بضاعة مُزجاة لا يليق ردها، وإما خيول مُهداة لا فائدة تُرجى من النظر إلى أسنانها. ولا أدل على ذلك أكثر من أن معظم الذين تناولوا الرواية قدموها على أنها "نسيان مالم يحدث"، دون أن يعبأوا بالفصل بين ما ولم. ومن بين الذين فعلوا ذلك من المنافذ الإعلامية وهم لا يخشون في الفتك باللغة لومة لائم: "الراكوبة" و"كليك برس" و"آفاق نيوز" و"الشاهد" و"البيان" و"إذاعة جمهورية السودان"، وسلمت من ذلك "السياسي و"وكالة سونا للأنباء"، وإن لم تسلما من تقديم الحلو على أنه "القاص والروائي المعروف". وفي هذا الإطارلا أتخيل للحظة أن الصحافة الإنجليزية ستتحدث عن صدور رواية "للروائي المعروف" سلمان رشدي، أو أن تتحدث الصحافة المصرية عن صدور رواية "أولاد حارتنا" "للقاص والروائي المعروف نجيب محفوظ". والتحية هنا لنشرة "مداميك" التي حاولت شيئاً مختلفاً عندما أضافت:

" يقول ناشر الرواية على غلافها الأخير: “هذه الرواية تشتغل في فضاء التجريب. في محاولة لتجاوز تقنيات وأشكال الكتابة الروائية التقليدية الراسخة، واكتشاف طرائق سردية جديدة عن طريق الاختراع والمغامرة في المجهول. وذلك لاكتشاف نص لديه قدرة أكبر في التعرف على الراهن والكشف عن الأزمنة القديمة والجديدة. كتابة تتجاوز تسجيل الواقع وتفض غلاف الممكن والمحتمل لتكشف الطريق السردي الذي يعبر عن عصرنا الراهن."

(6)

وفي الحديث عن عيسى الحلو الناقد اعترف أنني أجده يقول أحياناً أشياء لا أدرى تماماً ماذا أصنع بها. وأنا لا استنكر عليه ذلك، ولكني أنتظر أن أتحدث معه مرة عنها. ولكن إن استوعبت أو لم أستوعب، وإن قبلت أو رفضت، فالرأي عندي أنه يأخذ الأدب مذهب  الجد، والأدب ينبغي أن يؤخذ كذلك. فهو يدرك أن في قلب ذلك الكيان الهائل، وبين وجيب خافقه ووسط خلجات أنفاسه تكمن الرواية التي ولدت مع الإنسان  "في صبيحة يوم الخليقة" وفقاً لتعبير شينوا أشيبي، وإن لم تولد معه في تلك الصبيحة فقد ولدت، كما يقول غابرائيل غارسيا ماركيز "...  في ذلك اليوم الذي عاد فيه يونس إلى البيت وأخبر زوجته أنه تأخر لثلاثة أيام لأنه كان في بطن الحوت." وعلى صعيد مواز ليس هنالك دليل أكبر على أهمية كتابة الرواية وقراءتها من أن  جورج لوكاش نشر "نظرية الرواية" في 1915، أي في ذات الفترة التي شهدت صدور عدد من الكتابات الكبرى مثل "رسائل سبارتاكوس" لروزا لوكسمبورغ، و"الإمبريالية كأعلى مراحل الرأسمالية" للينين، و"سقوط الغرب" لإشبنغلر، و"روح الطوباوية" لإرنست بلوخ. وقد تفاعل لوكاش وهو يبحث "نظرية الرواية" مع المساهمات الرائعة لكبار المفكرين من أمثال كانط وهيغل ونوفاليس وماركس وكيركيغارد وشيمل وويبر وهوسرل. وخرج من ذلك التفاعل بمفهوم "الواقعية النقدية" كمساهمة فذة يرى الكثيرون أنها تضاهي في عمقها وتوازي في تأثيرها ما أحدثته تلك الأطروحات الكبرى من تأثير في ساحة الفكر والوعي والإدراك.

(7)

وعلى خُطى لوكاش وباختين ولورنس، وحتى إليوت، يمضى عيسى الحلو متابعاً مشواره النقدي في مثابرة وأناة وجلد. ومع كامل الإدراك والانتباه للإنجازات الروائية العالمية المتعددة التي تمثل إلهاماً وتجسد هاجساً يتقدم في مشروعه الإبداعي ليضع الرواية - وبخاصة في "نسيان ما لم يحدث" - على مرتبة تقف فيها جنباً إلى جنب مع الأنظمة الفكرية الأخرى بما في ذلك التاريخ، والأسطورة، والدين، والقانون، والعلوم. ذلك مع احتفاظه لها بما تتمتع به من خصائص كشكل رمزي متفرد له حساسيته وله جماله وجمالياته وانعتاقه وانفلاته. وكما يقول دي إتش لورنس "إذا حاولت تثبيت كل شيى في الرواية على الأرض بالمسامير، فإما أنك ستقتل الرواية، وإما أن تنهض الرواية وتمضي مبتعدة بما علق بها من مسامير." وأنت تقرأ "نسيان ما لم يحدث" لن تشعر للحظة واحدة أن عيسى الحلو دق عليها مسماراً واحداً لتثبيتها على أرض المألوف أو المتوقع.

(8)

وقد أقول أنا، وربما يقول غيري ما نستطيع قوله عن "نسيان ما لم يحدث"، وفي هذا قد نصيب وقد نخطئ. ولكن حتى إن أصبنا فلا أظن أن أحدنا سيصيب في وصفها كما أصاب في وصفها صاحبها. فالسرد يقول عنها أنها "تتأرجح بين الخيال والواقع وتتأرجح بين التجريد والتجسيد" (ص13). لذلك عندما يقول عيسى الحلو في الرواية ":

"هي جيوب الهزائم في التأريخ والذاكرة العربية التي كانت هي الخطوط الصادة لهجمات محاولات الفكر الكلونيالي في أوئل القرن. وهو مشروع إحتجاجي .. لكنه وحشي .. شابه التزييف والحقد والاستبداد والظلامية !! واندلعت هذه الحرب التي لم تستطع التمييز بين العدو والصليح! .. حرب غبية بلا وعي .. اشتعلت في كل مكان .. بدأت في أزمنة قديمة.. صليبية ذات وجه سافر .. استعمارية في شكل وثوب متجدد.." (ص 14).

يكون عندها الحلو في حوار جاد مع "التجريد" الذي يُعلي من شأن الرواية كخطاب فكري وجهد عقلي، والحلو يفعل ذلك كثيراً.

ولكنه عندما يعود ليقول:

"وهكذا بدأت روجينا مشوارها الشاق. والذي يعتمد على طاقة الروح وقدرتها على التحمل، وطاقة الجسد في الاضطراب بين الفوضى والتماسك. والتوازن الضروري بين التذكر والنسيان. فلم يتبق شيئاً لروجينا ليذكرها بذاتها أو بهويتها .. فأصبحت لحماً وعظماً من نبض العروق والنسيان. وكان النسيان يشمل البنت كلها من الرأس إلى القدم. وكانت تسأل نفسها .. روجينا من؟ من تكو ن؟ وكانت ترد على السؤال هامسة .. روجينا.. لا شيئ .. روجينا لا أحد!  وكان النسيان يسوف كل شيئ .. ما حدث .. وما لم يحدث." (ص 39).

فإنه يستنشق هنا رَوح "التجسيد". ويراود الحكاية عن نفسها، يغريها ويغري بها، ويستدرجها ليوقع بها، ثم يشبعها شماً وضماً ولثماً، فتنقاد له مسلمة له قيادها. وهذه الحيوية المضمخة بعبق الغواية لا   تترك لك كبير خيار عندما تحاول المفاضلة واختيار أي المنهجين قد آثر، وأي الجانبين قد آزر. فنظرة سريعة، حتى قبل بلوغك نهاية أطروحته الروائية، تريك أنه يضع ثقله إلى جانب "التجسيد"، إلى جانب ما يدعو إليه دي إتش لورنس واصفاً إياه بأنه "ديني العظيم (والذي) هو الإيمان بالدم، اللحم، لأنه أكثر حكمة من الفكر. يمكننا أن نخطئ في عقولنا ولكن ما نشعر به في دمنا وما نؤمن به ونقوله، هو الصحيح دائماً. فالعقل ليس أكثر من شكيمة ولجام."

(9)

ومع هذا، وربما بسببه، كلما جلست ورأيت أمامي "نسيان ما لم يحدث" ومددت يدي أتصفحها أتأرجح بين شعورين متناقضين. أولهما الفرح بأن الرواية قد خرجت في 132 صفحة وما يترواح بين 22 ألف كلمة و24 ألف كلمة. والثاني هو الأسى لأن الرواية خرجت في 132 صفحة وما يترواح بين 22 ألف كلمة و24 ألف كلمة. وذلك أولاً لأن كل عمل روائي يخرج في زمن الكورونا والتضخم هو إنجاز في حد ذاته. وثانياً أن الذي يتضمنه السرد من مكونات لم يبلغ بها المؤلف غاياتها القصوى والممكنة يورث النفس ذلك الأسى الذي أشرت إليه. ففي ظني واعتقادي كان من الممكن "لنسيان ما لم يحدث" أن تكون "البحث عن الزمن الضائع" الرواية العربية أو السودانية على الأقل. ذلك لو كان هنالك شخص واحد قادر على فعل ذلك فهو عيسى الحلو بما يملكه من خيال جامح وبراعة لغوية لا حدود لها. ولكن بدلاً عن ذلك اختار عيسى الحلو لروايته أن لا تكون كذلك. إن "البحث عن الزمن الضائع" هي الثامنة من حيث الطول بين روايات الأدب العالمي، ولكنها بصفحاتها التي تتجاوز الثلاثة آلاف صفحة تعتبر أشهر "المطولات" على ألإطلاق. كما أنها من أشهر النماذج "كلاسيكية" وفق تعريف مارك توين الساخر للكلاسيكي على أنه "العمل الذي يتمنى كل شخص لو أنه قد قرأه، ولكن لا أحد يريد قراءته." ولكن غايتي هنا ليست التركيز على التباين الواضح بين العملين من ناحية الحجم، وإنما التنويه إلى ما يكمن في لب العملين، وهو التذكر والنسيان. ولكن التذكر والنسيان في رائعة مارسيل بروست يأتيان وهما يسترجعان ما حدث. أما في "نسيان ما لم يحدث" فإنهما يراودان ويريدان الإيقاع بما لم يحدث. وليس هنالك ضرر في أن نذكر هنا أن أكثر ما يتذكره القراء ويسترجعونه من "البحث عن الزمن الضائع" هو حادثة تذوق قطعة الكيك مغموسة في الشاي وكيف تسبب ذلك الفعل البسيط في تدفق ذكريات الطفولة والتي نتج عنها واحداً من أعظم الأعمال الروائية في تاريخ الأدب.

(10)

وقد آن الأوان لكي أقف قليلاً هنا عن مغزى رجحون الذي يوجد ولا يوجد. إن رجحون الذي يعوي في متاهات "نسيان ما لم يحدث" هو الذاكرة، والتي تؤكد الرواية أنها هي ما نحن عليه. فنحن،وفقا لمنطق الرواية، تشكلنا ذاكراتنا التي تحدد كيف نتصرف وكيف نتفاعل وكيف نفكر. ولمصلحة الذين لم يقرأوا الجزء الأول من هذا التعاطي مع الرواية، أعيد ما أورده عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب "الحيوان" سارداً: "ًقال أبو علقمة كان اسم الذَّئب الذي أكل يوسف رجحون! فقيل له: فإنّ يوسف لم يأكُلْه الذّئب، وإنما كذبوا على الذِّئب، ولذلك قال اللّه عزَّ وجلّ: (وَجاؤُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كذبٍ)، فقال أبو علقمة: فهذا اسمٌ للذئب الذي لم يأكلْ يوسف." وفي متاهات "نسيان ما لم يحدث" يعوي رجحون مذكراً أن الذاكرات:

"تهب كما الهواء وتهبط فتسري كما يهبط الليل ويسرس. فعمل الذاكرة عفوي يتأتى فجأة وبلا تدبير.. وكلما حاول القصد أن يتحكم فيه كلما تكاد الذاكرة أن تتوقف عن العمل.. إن ديناميكية الذاكرة كامنة في طبيعتها التلقائية.. فكأنك تريد النسيان إن حاولت استدعاء تذكر الذاكرة.. هي تعمل وفق ميكانيكية الترابط أو التفكيك.." (ص 57)

(11)

ورجحون، الذي يذكر بالذاكرات، ليس هو فقط الذاكرة، وإنما أيضاً معها، ومع ما يستثيرها، وكذلك ما يترتب عنها. وفي متاهات الرواية لا يكف رجحون عن العواء مُتيحاً للسرد أن يستأنس به حاكياً ضمن ما يحكي: "تخربت الذاكرة! .. تتقدم إلى الأمام في بطء .. تنراجع للوراء .. وهي تسرع في تفكيك صلات الوصل .. لا شيئ يربط بين هذا وذاك! .. وأحاول أن أتذكر كلما كان قد حدث فلا أجد إلّا الفراغ .. هذه المساحة البيضاء .. هذا الورق الأبيض والذي يخلو من أي حرف مكتوب ..!!" (6 – 7). ونستأنس أيضاً بالذئب وهو يعوي :

"هذا التعارض قد يلهب الذاكرة ويدفعها لحماسة أكبر وأكثر دفعة للذات لأن تختار المعلومات الضرورية التي تشكل البناء الإدراكي التصوري والذي يكون الهيكل العام للخيال الذي يقوم برسم الصور للأفعال التي تصنع الموضوع المراد تحقيقه. أن الذات عبر هذا الإدراك الذي يقوم به الوعي تسعى لأن تتحقق كإرادة نابعة من الحرية التي تستشعرها هذه الذات لكي تكون هي هي متحققة بتمامها في الخارج (خارج قضبان الجسد).. وهي بالطبع تريد أن تتحقق بالكامل ولكنها هيهات .. إذ لا تستطيع أن تحصل إلا على البعض من ذاتها. الذات تنشد الكمال فلا تجد سوى النقصان .. وهكذا تحاول المرة تلو المرة! وما الحياة إلا هذا التكرار للأفعال في لعبة الحياة .. الكمال والنقصان!!" (ص 53)

(12)

ونستأنس بعواء رجحون مرة أخرى: "وتجيء كرري بكل ثقلها! وتضطرب الذاكرات .. من يستطيع أن بقول أن الذاكرة تعمل بسلاسة ودقة باستمرار، دون أن تتوقف. هل تستطيع الذاكرة أن تتوقف ولو للحظات قصار .. تتوقف وسط الفراغ!" (ص 40). ومرة أخرى نستأنس به: "أمواج سوداء .. ضخام تتقدم وتتراجع واحداث تجئ وتتراجع لتسكن في الذاكرة الجماعية بعد أن حذفتها الأحزان والشكوك والمخاوف ودفنتها الذاكرات الشفاهية شأنها شأن كل الثقافة الوطنية التي لم يشملها التدوين فسجلتها الذاكرة الجمعية بناء على طبيعة المشافهة تلك التي تحذف شيئاً أو تضيف شيئا..." (ص 41).

(13)

وتشتمل الرواية أيضاً، من منظور"صناعة الذاكرة" الفردية والجمعية والثقافية، بل والحضارية، الكثيرمما قد يُحظى بالقبول، ومما قد يثير حوله الجدل. وعيسى الحلو كروائي وكمفكر يدرك ذلك تماماً ولا يتهيبه:

"ما الذي يدور داخل هذه الفيلا .. داخل قصر المريا الذي يقع في الريف الجنوبي لمدينة أمدرمان,,, أحقائق هي أم أوهام وخيال؟ أهو زمان عام؟ أم زمان تاريخي خاص؟ .. وما هي الذاكرة التي تروي هذا التاريخ .. أهي ذاكرة فردية؟ أم هي ذاكرة جماعية .. لا تعبر عن خيال خاص .. بل هو خيال جماعي .. يتحول في وقائعه وفي معانيه عبر التاريخ والأزمنة .. الأفكار هي مخلوقات طبيعية تتحول وتتبدل ويعتريها التطور..." (ص 32)

(14)

من الممكن لقارئ "نسيان ما لم يحدث" أن يستخلص منها الكثير. ولا أريد هنا أن يُسقط استشهادي بشطر من بيتي الأحيمر السعدي (عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عوى وصوَتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ- يرى اللهُ إنـّي للأنيـسِ ِلكاره وتبغضهم لي مقلة ٌ وضميـرُ) ظلالاً غير مقصودة أو منشودة، وذلك لأن في الرواية ما يكفي من تبعات الفجيعة وأوجاع الهزيمة. إضافة إلى هذا يبدو أن الروايات التي تعنى بأمر الذاكرة، على عكس ما قد يتوقعه القارئ، روايات ترزح تحت وطأة سوداوية مُضنية. ومن الروايات التي عنيت بالذاكرة "1984" التي كتبها جورج أورويل في 1948عن الذاكرة الجماعية وفقدانها. فنجد فيها ونستون اسميث الموظف في وزارة الحقيقة، يفحص الصحف وغيرها من الوثائق وفقا لتوجيهات "الأخ الأكبر" والحزب، ويدمر النسخ القديمة بإسقاطها في "ثقب الذاكرة". وتقدم رؤية أورويل في شكل مرعب ولكنه مألوف بالنسبة لنا نحن الذين تذوقنا "رعب وحمى" الرقابات المتعسفة وأجهزة الأمن المتسلطة التي تُمارس السيطرة السياسية والفكرية من خلال التحكم في المعلومات، بما في ذلك التحكم في الذاكرة. وقد جاء أورويل فيها بالمقولة التي اكتسبت شهرة وذيوعا والتي تزعم أن "من يتحكم في الماضي، يتحكم في المستقبل. ومن يتحكم في الحاضر، يتحكم في الماضي."

(15)

ومن الأعمال التي تاثرت برواية أورويل عن الغلاقة بين القهر والذاكرة والذكريات، رائعة يوكو أوقاوا "شرطة الذاكرة" (1994) التي تنشغل فيها الشرطة بتدميرالذكريات عن الأشياء التي لا تروق النظام ويريد لها أن تختفي. ولو كتب أحدهم، وربما قد يكون من الأفضل إحداهن يوماً، عملا روائيا عن تجليات قانون النظام العام الذي طبقه الرجال الطواويس في سودان الإنقاذ لخرج بصورة سريالية سيقرأها الناس لسنين في شتى أنحاء العالم بمزيج من الرعب والدهشة.

(16)

وعندما يقول عيسى الحلو في المقابلة التي أجراها معه محمد نجيب محمد علي تحت عنوان "في الثمانين من عمره يكتب "نسيان ما لم يحدث": "هذه قد تكون آخر رواياتي السردية، سأشتغل على قضايا فكرية أخرت النظر فيها." يتوجب علينا أن ننر في جدية كاملة إلى احتمالات وإمكانات هذا المشروع المؤجل، وبخاصة عندما نقرأ له في الرواية:

"وفي أغلب الأحيان.. أو ربما هو دائماً يكون التذكر هو إحضار قسري للغياب ..فأنت تعيد إحضار الماضي من بئر النسيان .. تحضر الفعل المنسي أخضر .. طازجاً ونضراً .. كما لو كان قد صنع في التو! .. وهذا ما يفعله الأدب الروائي الجبد .. الرواية الأدبية تحضر بزهو فائق هذا الماضي كما لو انه يحدث في الحاضر والآن! .. هذه هي معجزة الأدب الروائي .. صناعة الماضي الضي ينهض بشكل باهر من موته الخاص ويدخل في دورلا الحياة من جديد ..الرواية بعث لهذا لهذا الجمال الخالد والذي لا يموت أبداً!! وتلك هي خدعة فن الرواية ومعجزتها الجمالية الفائقة .. وهذا ما يفعله الشعر العظيم .. إذ أصدق الشعر أكذبه. هذا ما قاله (أرسطو) في كتابه الشعر..." (ص

ومع اعتقادي أن "أصدق الشعر أكذبه" هذه قد وصلت عيسى الحلو من "مصدر غير موثوق به" لأن أرسطو يكاد أن يقدس الصدق، وأن أقرب ما قاله عن العلاقة بين الشعر والصدق والكذب، في حدود ما أعرف، هو"أن هوميروس، أكثر من غيره، هو الذي علم الشعراء الكذب بمهارة"، فأنا على يقين من أن عيسى الحلو، مع اهتمامه الواضح بالذاكرة والنسيان، لو كرّس وقتاً وجهداً في النظر إلى ذلك من منظور فلسفي لجاءنا بشيئ يشبه ما جاءنا به إرنست كاسيرار في بحثه عن الذاكرة الثقافية والأشكال الرمزية، ونيلسون قودمان في بحثه عن الذاكرة وصناعة العالم. وكاسيرار وقودمان فيلسوفان كبيران، وكذلك عيسى الحلو. وذلك ليس فقط على المستوى الذي يقصده البير كامو عندما يقول "الرواية  ليست شيئاً آخر غير فلسفة يتم التعبير عنها من خلال الصور"، وإنما على المستوى الأكثر عمقا واتساعا الذي يبحث في أساسيات المعرفة والواقع والحقيقة والوجود. وإذا حاولت المزواجة بين نوعي الفلسفة الذين أشرت إليهما، يمكنني القول إن الرواية، بشكل عام، كثيراً ما تفصح عن مكنوناتها من منظورصناعة الذاكرة الفردية والجمعية والثقافية، بل والحضارية. وعيسى الحلو كروائي وكمفكر لا يدرك ذلك فحسب، وإنما يتفاعل معه أخذاً ورداً في "نسيان ما لم يحدث."

(17)

أخيراً، "نسيان ما لم يحدث" عمل يلقي بأضواء كشاف متحرك على قضايا الذاكرة فيضيئ حيناً عتمة المسالك التي تمتد لتصل بين ما يتم تذكره وما يتم إدراكه والروابط بينهما، ويلقي أحيانا أخرى بالمزيد من الظلال على تلك المسالك فيزيدها تعتيماً. وفي الحالين يظل عملاً فذاً يصعب المرور عليه مروراً عابراً. ولهذا سأعود مرة أخرى "لمطاردة الذئب الذي لم يأكل يوسف في متاهات "نسيان ما لم يحدث." 

 

أحمد حسب الله الحاج

 

 

جواد وادييشي عنوان العمل الجديد للروائي والمخرج السينمائي كاظم الصبر الموسوم "السيف والشراع"، بسطوة العنوان وايحاءاته العديدة هذا أولا، وثانيا أن العنوان دون أدنى عناء يستحضر في ذاكرتك تناولا سرديا لأحداث تقع في البحر أو قريبة منه تحيلك لحقبة القراصنة وما تعج بها من احداث.

تقع الرواية في 250 صفحة من الحجم المتوسط، وتتوزع على 20 فصلا، إذا تسنى لنا تسمية ترقيم العناوين بالفصول، تحمل عناوين مختلفة تبدأ من العنوان الأول: "وكر اللصوص" وتنتهي بعنوان "الباشا الصغير". صدرت الرواية عن دار القلم للنشر والتوزيع في القنيطرة، المملكة المغربية، عام 2020.

تحتاج الرواية الى تفكير عميق ودربة واسعة من لدن المتلقي للدخول الى عوالمها المتشابكة من حيث تناولها لأحداث تاريخية تعج بالأمكنة والشخوص والتحولات ومحطات مهمة من تاريخ المنطقة التي تستهدفها الرواية بلغة سردية وحبكة ذكية في التناول تنم عن قدرة الكاتب كاظم الصبر في تمكنه من اللغة الروائية ودرايته الواسعة ببواطن المفردة التي اختارها من خلال عمقه الواضح باللغة العربية، دون أن تترك لغة السرد مللا يدب لدى القارئ، وهذا الأمر كثيرا ما تتسم به اعمال روائية عربية مشهود لكتّابها بالتمكن والقدرة الكبيرة في العمل الروائي، ولكنهم يغالون في السرد الذي يثير العياء لدى القارئ لمتابعة الأحداث، بخلاف الروائي كاظم الصبر الذي كان فاطنا لهذا النوع من الحكي الممل، فتحاشى الكثير من الاسفاف بالسرد الذي نجده لا موجب له في اعمال روائية عديدة، سيما في الرواية العربية.

إن العامل الأساسي في متعة القراءة لهذه الرواية، كون الكاتب أصلا هو مخرج سينمائي، فكان من التمكن أن يواشج بشكل ذكي وممتع بين الحكي في التناول بتكنيك سينمائي من خلال توظيفه للصورة التي أسقط عليها الكثير من الحركة بكثافة لغوية وسرد جمالي، ليحول الأحداث الى سلسلة من الصور السينمائية، تبعث على رغبة القراءة لدى المتلقي، وأنا منهم، ومواصلة القراءة حتى نهاية الحدث، تذكّرنا برواية الكاتبة مارغريت ميتشل الشهيرة "ذهب مع الريح". وهنا يمكننا كتأكيد لما ذهبنا اليه، ذكر شهادة السينمائي العراقي المعروف قاسم حول من خلال شهادته لهذا العمل الروائي، فيقول:

2346 كاظم الصبر"أهداني الكاتب والسينمائي كاظم الصبر روايته السيف والشراع، كي أقرأها بعين سينمائية، فوجدت فيها سيناريو سينمائي أدبي متكامل. وهذا هو الشكل من الرواية

السينمائية غير المعروفة في الأدب العربي"، وهذه شهادة موضوعية من مخرج سينمائي له رصيد كبير من الاعمال السينمائية والروائية.

من هنا تأتي أهمية رواية المبدع كاظم الصبر كونها عملا متفردا يندر وجود اعمال مماثلة لها، اذا ما قارنّا، تحرك الصورة السينمائية بانتقالات ذكية تعكس قدرة الكاتب من شد القارئ لتفاصيل الحدث بعين سينمائية دقيقة الاقتناص لما يدور من انتقالات، تشي بمتعة تثير الاعجاب، هنا ينبغي أن اذكر عملا قد يقترب من هذه الرواية الشيقة، تلك هي رواية النبطي للكاتب المبدع والمفكر يوسف زيدان، بعوالمها ولغتها وتناولها للأحداث التاريخية لمراحل مهمة من تاريخنا العربي، وللتأكيد على متعة القراءة التي تحققها هذه الرواية، نقتبس منها هذا المقطع:

"كانا يحلمان معا بعالمٍ أقل عسفا من العالم الذي رفعا فيه السيوف، أملا في كتابة صفحة جديدة ناصعة من صحائف التاريخ. لكن ذلك لم يكن بالأمر المستطاع حين أدركا أن تلك السيوف الصارمة التي رفعوها، والحمم التي تنفثها فوهات المدافع الملتهبة، التي كانت تقض مضاجع العدو. وتلك المغانم التي كانت تمدهم بسبل المواجهة وتعزز قوتهم وجبروت سيطرتهم على اعدائهم قد انتزعت من ايديهم نزعا ليتلقفها اللصوص.." - ص 15

تحكي الرواية عن حالة الحصار الذي فرضته قوى معادية من جيوش (النصارى) ببواخرهم الحربية، على مدينة بحرية أسماها الكاتب " وادي الرمان"، هو بلا شك، اسم غير معروف عند عامة الناس لمدينة سلا التي اكتسبت شهرة تاريخية كبيرة واعتبرت مدينة قراصنة بامتياز فيما الوقائع المؤكدة تشير الى ان القرصنة اتخذت من الرباط، العدوة المقابلة لمدينة سلا، مقرا لها، الكاتب يشير الى انه لم يلتزم بمكان وتاريخ محددين لكن شواطئ المحيط الاطلسي وبدايات القرن السابع عشر هما المكان والزمان المقدرين للرواية تزامنا مع الطرد المتعسف للموريسكيين من الاندلس وردّة الفعل التي اعقبت هذا الطرد بما اشتملت عليه من عمليات انتقامية شكّلت مدخلاً لما سُمي بالعمليات الجهادية التي تحولت مع الوقت الى قرصنة نشرت الرعب في الاساطيل التجارية للدول الاوربية دون تمييز وعلى امتداد السواحل الاطلسية.

حين نحت الكاتب كاظم الصبر في زوايا ومحطات تاريخية، قد تكون منسية لدى العديد من المتابعين، ليستثمرها ويبث فيها راهن الحدث، ليخرج لنا بتوليفة تجمع بين التاريخ، الواقع والمتخيل هذا، ليتثبت من احداث مضت وينزع الى قراءتها بمتعة فائقة.

تعجّ الرواية بالأسماء من كل المشارب والأطياف من ساكنة المدينة، بمواقف مختلفة ومغايرة بعضها للبعض الآخر، وتكون مواقف الشباب في مقدمة اتخاذ القرار للدفاع عن مدينتهم. إنها مجموعة دروس وعِبَرْ حدثت فيما مضى، لتحيينها على واقعنا الراهن، لتكون دروسا يسقطها الكاتب بطريقة تدعو الى التفكّر مليا في وقت يعاني منه الناس اليوم من أحداث قد تكون امضى من طبيعة احداث الرواية، وهكذا هي وظيفة المبدع السارد، بتحويل سلاحه الوحيد، الى وصايا من خلال إزاحة الغبار لماضٍ حريٍ بالدراسة والتأمل، سلاح معبأ بمدادٍ من التوظيف الفاطن، ليكون بديلا أو محايثا لأسلحة أخرى للعمل جنبا الى جنب، للخروج من المحن المعاشة، وهنا يأتي دور المثقف العضوي، كما تحدث عنه المفكر الإيطالي غرامشي، الدور الإيجابي في تحريك ماكنة التاريخ لصالح الراهن، ويزيح عن كاهله، الوظيفة الأساسية للمثقف الحامل لهموم الواقع المعاش.

أن من أصعب أنواع السرد، التناول التاريخي للأحداث، لأنها تتطلب أمانة تاريخية، ودربة وتمكّن، ليخرج لنا بثيمة تزاوج بين الابداع والسرد التاريخي، وهنا ينبغي أن نتذكّر الروائي الراحل، عبد الرحمن منيف من خلال منجزه الروائي الضخم، خماسيته "مدن الملح"، كتجربة متفردة في العمل الروائي العربي. هكذا اعمال روائية تتطلب توفر بوصلة بتحكم دقيق ومسؤول بمساربها، بحيث أن المبدع ينزع الى الابتعاد عن الاسفاف والسرد الممل من خلال تسلسل الأحداث بشخوصها المتعددة، كهذا العمل، وأمكنتها، ومفاجأتها، للامساك بتلابيب الحدث، واقعا كان أو متخيلاً، لتتحول الرواية الى مجموعة من المنمنمات والزخارف المنحوتة بدقة، وأحيانا الأحجيات، لتجعل من الحكي توليفة شديدة الاتقان من الإبداع الذي يستحوذ على اهتمام القاريْ الفطن والمتابع الجيد للأعمال الروائية الرصينة.

هنا يمكنني القول المؤكد، أنني أمام مؤرخ وراصد للأحداث التاريخية، بعين السينمائي اللاقط للحدث، لتحويلها الى فضاءٍ من الطراوة والبلل الفكري المنعش، وهذا التوصيف ينطبق تماما على المبدع كاظم الصبر، كونه بالدرجة الأولى سينمائي، يحتكم على تجارب متميزة، سيما في الأعمال الوثائقية، وهنا ينبغي أن نتذكّر جهده المشترك بإخراج أفلام وثائقية، قام هو بإخراجها وبالاشتراك مع الشاعر، طيب الذكر، الراحل مصطفى عبد الله، الذي وضع سيناريوهات تلك الأفلام. دون أن نغفل العمل المشترك مع المخرج المتميز قاسم حول في اعمال مشتركة أنجزاها في بغداد.

تقصّدنا ذكر هذه المحطات في مسيرة المبدع كاظم الصبر، ليتبين القاريْ، أننا أمام قامة إبداعية، لم تأت من فراغ، بل صديق حميم للسينما والإخراج، ولصيق أمين للكتابة الروائية.

بظني أن الكاتب، حين شرع بكتابة هذه الرواية، لم تغب عن وعيه ووجدانه، حالات الانكسار والاحساس الممض، لما يجري في بلده العراق، من أحداث تدمي القلب، وهذا ما لاحظناه جليا في متون هذا العمل، من خلال جمعه بين التاريخي والاجتماعي، بحضور الأمكنة والأزمنة واستحضار الأحداث في ماضي الأزمان، واسقاطها على الواقع الراهن، كإنعاش للذاكرة الجمعية التي تستهويها العودة لما جرى في الماضي، برؤية سردية وبكثافة توظيف معجمي متمكن، يمزج بين الحدث المجرد والعين السينمائية، وهذا الجهد لا يأتي من فراغ، بل من دربة وتمكّن ووعي في ارفع حالاته، من حيث اقتناص الحدث، بحزنه ومسراته،

ليكون شاخصا أمام قارئ، قد يغيّبه البحث في أحيان كثيرة، ويجعل من دوره ثانويا، ولكن الأمر يختلف تماما هنا، حين يجهد نفسه بمزج الواقع بالمتخيل، بحبكة سردية، لتحقيق المتعة والمعرفة، وتشخيص الأحداث بعين المتابع الذكي.

أن الأمانة التاريخية وسعي الكاتب للاقتراب من القارئ، وخلق حالة من المصالحة بينه وبين قارئه، لاحظناها بقوة في هذا العمل، من حيث استحكامات اللغة المعجمية، وسلاسة السرد، وجماليات المتخيل، كلها مميزات ممتعة رافقت القارئ.

إن مدينة مهددة بالغزو والاحتلال تتطلب توحيد الجهود، لإيجاد الحلول للأزمة المحدقة، لا التركيز على اسقاط التهم والمماحكات بين ساكنة المدينة ومتزعميها، لننقل هذا الحوار، لنتبين الأنانية وتغليب المصالح الشخصية على حساب خروج المدينة من محنتها:

ـ"يا قيرواني، أتريد أن أصدقك، وأنا أعرفك لصا وقرصانا عتيقا.

ـ أنا...! معاذ الله يا سيدي، لست سوى رجل طحنته الحياة، ولم أعد ذلك القرصان الذي شاركك المغامرات، واقتسم معك الغنائم لينفقها على ملذاته، ثم انتهى به المطاف في آخر أيامه، أجيرا يزرع شتلات البصل، لم أعد قادرا على حبك الدسائس، كما عهدتني، أنا في منتهى العجز يا سيدي الباشا... (ص39).

ما لاحظناه في هذه الرواية، حضور المرأة بشكل قوي وتحديها للرجال، إنها السيدة ليانة التي اقتحمت مجلس الباشا وهو يجتمع بالرجال لإيجاد مخرج للتخلص من محنة الحصار وتهديد المدينة من لدن الغزاة، وسعيها الحثيث لاستنهاض همم الرجال.

“ خيّم على الرؤوس صمت ثقيل، حتى بعد اندفاع تلك المرأة الفارعة الطول صوب الكرسي الذي تربع عليه الباشا ، وقد أزاحت خمارها عن وجهٍ ابيض جميل القسمات

همس بعضهم:

ـ "سيدة القلعة الشامخة". لقد هالهم غضبها، وتلك الملاحة التي أظهرها الغضب فوق قسمات وجهها الممتلئ ترفا ونضارة... " - ص28.

نلاحظ هنا وبشكل يبعث على المتعة، استحكامات اللغة الروائية وسلاسة التناول ومتعة السرد غير الممل، كما في اعمال عديدة، سيما التاريخية منها، ومما نلاحظه، لجوء المحاصرين الى الأدعية وطلب الرحمة من الله لتخليصهم من هذه المحنة، بأسلوب ينم عن السخرية كواقع حال في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، حين تحاصرها المحن، وبدلا من تكريس الحلول العقلانية والتركيز عليها، يلجؤون الى الغيبيات، دون تشخيص الخلل الحقيقي في واقع الحدث ومسبباته وإيجاد الحلول له.

إن سعي الروائي كاظم الصبر الغور في مجريات الأحداث والتفاعل معها، بخلق شخوص كثر وحوارات تتوزع بين العقلاني والساذج، وتعدد الأمكنة، واللجوء أحيانا الى الإرتجاعات، الفلاش باك، واسقاطه على واقع الأحداث، اضفى على السرد متعة كبيرة، وخلق رغبة متعاظمة لدى القارئ، لمتابعة الأحداث، بطريقة لا لبس فيها.

أن الكاتب الصبر وهو يبدع العمل، لا يغفل دربته في الإخراج السينمائي إنتاج صور متحركة، بتمكن يستحق التنويه.

ودون مغالاة يمكننا القول، أن الكاتب، فكّر مليا بتوظيف مفاهيم فلسفية، بتركيزه على أنساق فكرية في هذا العمل، مما جعل السرد يتصف بالتنوع من خلال النبش في الذاكرة الجمعية، لاستحضار ما مر من أحداث لإحياء فكرة الهوية، بأدوات إبداعية ومعرفية تطغى على امتداد مراحل القراءة، بتفكيك قصير الأمد وطويل النفَس.

يمكننا أن نقتطع هذا المقطع المعبر والذي يتوائم الى حد ما مع ما جرى في العراق، وكأن الأحداث تعيد نفسها شاخصة أما المتلقي.

“ ـ لكي تدعم سلطتك يا باشا، دون الاعتماد على سيفك ورجالك كثيرا، حاول أن تفتعل الكثير من الخلافات والمشاكل، وسينشغل الناس، ويختلفوا في كيفية حلها، ولن يتمكنوا. عندها ستقترح، أنت، حلولا لتلك الخلافات والمشاكل، وسيتنازل الجميع عن حقوقهم، وتتبخر اعتراضاتهم "ص199.

والسؤال هنا، اليست تلك المرحلة بتفاصيلها، هي ذات الأحداث التي جرت في العراق، إبان الاحتلال، ليستحوذ اللصوص على السلطة وإشاعة الفرقة، ليتحكموا بمصائر الناس، وما تلى ذلك من خراب أحرق الأخضر واليابس؟، فهل تقصّد الكاتب كاظم الصبر، ذات الحقبة المريرة التي ما زال العراقيون يعانونها حتى يومنا الراهن، أم أنها أتت من خلال سياق الأحداث في زمن أحداث الرواية؟

"عليه أن يستعد ليحبط كل الطموحات التي أخذت تحملها نفوس الحساد والمتأهبين الى قيادة المجلس، والاستحواذ على كل شيء... " ص243...

هل من شك في أن هذا التوصيف، ينطبق تماما على المعارك المحمومة للاستحواذ على الامتيازات في العراق، وإشاعة الفساد في كل مفاصل الدولة المفككة؟

بقصد أو دونه، وقع هذا التناص لما يجري في العراق، كون الكاتب يحمل بدواخله تفاصيل هموم وطنه الجريح.

أخيرا لا يسعنا إلا أن نحيي الروائي والفنان كاظم الصبر على هذا الجهد الإبداعي، والسعي الجاد لخلق إضافات للمنجز الروائي العراقي، بعد أن بهرنا حقا بتمكنه في اقتناص احداث، نادرا ما تناولها مبدعون آخرون، في المكان والزمن المحددين.

 

جواد وادي

 

 

عبد الستار نورعليلعنوان المُؤلَّفِ ـ كتاباً كانَ أم نصّاً ابداعياً ـ أهمية خاصة، فهو مدخلُ العمل، والنافذةُ المشرعةُ على دواخلِه، والمصباحُ الأولُ في إضاءةِ طريق المتلقي، والبوابةُ لولوجهِ واستكشافِه، وما تختزنُ النصوصُ من مضمونٍ ومعنىً أو حسٍّ وخيالٍ. فهو العتبة التي تمهّد الطريقَ أمامه، واليدُ التي تُقدّمُ مفاتيحَ المنتج الإبداعي. لذا حظيَ باهتمام الدارسين والباحثين والنقاد، ليستقلّ بمنهجه الخاصّ (السيمياء)؛ لأنّه  "النصّ مقابل النصّ"، كما يرى الباحثون والمتخصصون، إذ يشاركُ في إجلاء ظواهر وخبايا  النصّ الأساس، فبينهما علاقاتٌ إنعكاسية مثل الصورةِ في المرآة.

النظرةُ الأولى الى عنوان المجموعة الشعرية للشاعر العراقي يقظان الحسيني "شاهداً أردْتُ أنْ أكون" تُظهرُ لنا بجلاء هذه العلاقة الجدلية الإنعكاسية بين العنوان ومضمون المجموعة بما تحتويه من قصائد (50 قصيدة).

يهدفُ الشاعرُ باختيارهِ هذا العنوانَ الى أنْ يكشفَ لنا مع عتبةِ المجموعةِ ومدخلها: (أنّه شاهدٌ)، وليسَ بمفسّرٍ ومحلّلٍ وحاكمٍ ـ في قصائده ـ على ما رأى وشاهدَ، وعايشَ فعانى في حياته من أحداثٍ وقصصٍ وأحاسيسَ ومشاعرَ. فما هو إلا كاميرا مُلتقِطة ناقلة، تقدّمُ لنا مشاهداتِ المُصوِّر (الشاعر)، ويتركُ النظرَ الدقيقَ والمعايشة والحكمَ لنا نحن القرّاء، حتى نخرجَ بحصيلة ما رأى. وهو أيضاً بذلك يروم أنْ نعيشَ ونتفاعلَ معها. إنّه بالعتبةِ هذه (شاهداً...) يذكّرنا بمدخل ملحمة (جلجامش):

"هو الذي رأى كلَّ شيءٍ

فغنّي بذكره، يابلادي"

فهل سنغني بذكر (يقظان الحسيني) حين يُرينا ما (رأى)؟

اختار الشاعر عنوان مجموعته من إحدى قصائدها "شاهداً.." (ص 62):

لم أكنْ أريدُ

أنْ اكونَ شاعراً

شاهداً

أردْتُ أنْ أكون

هادئاً

أواكبُ النهرَ

أمشّطُ عشبَ الضفاف

لم يردْ الحسينيّ أنْ يكونَ شاعراً بل "شاهداَ"؛ فالشاعرُ هو الباحث عن الجمال فيما يرى، أو القبح النازف قيحاً، وينقلها بباذخات الألفاظ، وجزالة الأسلوب، وجمال التعبر والتصوير، والسباحة في موج الخيال، أو يكون ملتزماً فكرياً واجتماعياً ليعبّر عن الأحداث مُصوّراً وحاكماً ومُديناً وفق موقفه الأيديولوجي والاجتماعي المُسبَق. بينما الحسينيُّ يكتبُ ليكونَ الشاهدَ الناظرَ المُبصِرَ على ما رأى ويرى، وينقلها الينا على بساط الشعر السحريّ المؤثر، وبإحساسه المرهف، ومعايشته الشعورية للأحداث والوقائع التاريخية الوطنية، أو الذاتية، ليجد الطريق الى نفوس وعقول متلقيه من الجمهور. هو لا يريد أنْ يكونَ واعظاً ومرشداً وقاضياً، بل شاهداً بصيرا.

إنّ قصائدَ الشاعر تقول لنا بالفم الشعريّ المليان: هو شاعرٌ (شاهدٌ)، لم يخرجْ في شهادته عن أصول وقوانين وخصائص الشعر في أعلى مراتبها الفنية الجمالية والبلاغية، فقد زاوجَ بإتقان فنيّ وجماليّ بين المشاهدة والشعريةِ بعناصرها واشتراطاتها الفنيّة عاليةِ الأداء، مع اختياره قصيدةَ النثر شكلاً شعرياً في دربه الإبداعي بقدرةِ ومهارة وحذاقةِ الشاعر المقتدر.

خصيصة التقديم في جملة العنوان:

استخدم الشاعر في جملة العنوان خصيصةً من خصائص الجملة العربية، وهي "تقديم ما حقُّه التأخير"، عندما لجأ الى تقديم خبر الفعل الناقص (شاهداً) على فعله العامل فيه نصباً (أكونَ)، بينما حقُّه التأخير نحوياً بحسب ترتيب الجملة العربية، إذ يقع الخبرُ بعد اسم الفعل الناقص، الضمير المستتر (أنا) في الفعل (أكونَ)، لتكونَ الجملةُ لغوياً (أردْتُ أنْ أكونَ شاهداً.)، فتحوّلتْ عنده (شاهداً أردْتُ أنْ أكونَ.)  وهو بتقديمه هذا جعل (شاهداً) في صدارة الجملة، حتى قبل الفعل التام الأساس في الجملة (أردْتُ)، ليبيّن للقارئ مَطلعاً، ومن خلال عتبة العنوان، أهميةَ ودافعَ إرادته في كتابة القصائد وهي (الشهادة)، دون التدخل مفسّراً ومديناً وحاكماً لما تتضمنه من مشاهد مرّت به في حياته بحوادثها العظيمة ومعاناتهِ القاسية، ومشاعره وأحاسيسه المُرهفة، تاركاً الحُكمَ للمتلقي. فالتقديمُ هذا إشارةٌ الى عنايته واهتمامه وتخصصيه لهدف ابداعه لنصوص المجموعة، وهي من أسباب التقديم بلاغياً: "العناية والاهتمام"، إضافة الى "التخصيص والقصر".

تتجلّى أبرزُ شهاداته على الأحداث والوقائع التي مرّت به في حياته الحافلة بالمشاهدات والمعايشات، تتجلّى في قصيدة "مدارات" (ص 41)، التي يسردُ فيها شعرياً قصةَ زميلين له (زاهر وسلام) وقصته معهما أيامَ الدراسة في متوسطة الحلة في سبعينات القرن العشرين وما جرت من حوادثَ إبانها، مُعتمِداً على السرد الحِكائيّ في القصيدة:

زاهر من يسار القلب

لا تسكتُ ضحكتُه أبداً

ربما أحببْتُ فنونَ الكهرباء

منْ رزانة أبيه رزوقي الكهربائي

..........

نجلس في زاوية الشُعبة

سلام فاضل بجانبي

وزاهر أمامنا لا أتذكرُ من كان بجانبه

آخر مرة رأيت سلام  في طابور الباص حلة ـ بغداد

.......

تودعهُ أمُهُ العلوية خارجةً توّاً من نور

آخر ما قالت وهي تودعُهُ:

يستر عليك وعلى أمة محمد

يااااه...

الوجدانُ خلايا لا تنضب

ذهب مع الريح أخذه "الأمن" لا رجعة

......

وهكذا يستمر في الحكاية شعرياً ليمرّ على ما عاناه وهو التلميذ على مقاعد الدراسة المتوسطة من ضرب وكدمات بقبضات "عادل الأسود"؟ ثم يمرُّ بأسماء مدرسين وطنيين: مدرس العربية الشاعر "شريف الزميلي"، ومدرس الجغرافية "مجيد بيعي". هو لم يصدر حكمه على تلك الحقبة وما حملت من تجاوزات وظلم، لكنه بسرده الشعريّ قدّم لنا شهادته، وترك الحكمَ والإدانة للقارئ، رغم أنّ الشهادة بحدّ ذاتها إدانة، لكنّها غير مباشرة، حتى لا تفقد عنصرَ مشاركة المتلقي في النظر والحكم.

لقد ضمّن قصيدته هذه عنوان رواية "ذهبَ مع الريح" للكاتبة الأمريكية مارغريت ميتشل (1900 – 1949). ربما في إشارة الى الأحداث الكبيرة في الرواية (الحرب الأهلية الأمريكية) والأحداث المثيرة التي مرّت بالشخصيات الواردة أسماؤها في القصيدة:

(ذهب مع الريح أخذه "الأمن" لا رجعة)

هذه الشهادات تردُ في عددٍ من قصائد الديوان: "شُرُفات"، "سيراميك"، "مدارات"، "نبض"، بالأحداث وشخصياتها.

كما نحسُّ بها أيضاً في القصائد الوجدانية الذاتية التي يصوّرُ فيها معبّراً عن تأثيرات التجارب النابعة أيضاً من معاناة الحياة في الوطن، وما مرّ به من ظروف قاهرة دامية مثل قصيدة "يأس" التي يقول فيها (ص 14):

القشةُ التي تقعُ هنا

تصوّتُ

أستميحكَ لوناً أريدهُ

فوسادةُ البوحِ تتلوّنُ

على قارعةٍ وانعطافات

المياهُ الآسنةُ تُبقي القواربَ

بلا رعشةٍ للبدءِ

بأسىً

تتلوّى عصفورةُ الروحِ

ذبيحةُ الوجوهِ العابرة

لا مجاذيفَ لها

.........

التجربةُ الذاتيةُ والأسى والألم والحسّ الجريح واضحة في القصيدة، تقول: ها أنا (يقظان الحسيني) حاملُ تباريح جرحٍ غائرٍ في الروح، يُلقي مراسيهِ (الجرح) في مينائها المزدحم بالمشاهد الصاخبة العاصفة على سواحل بحر مائج لا قرارَ له؛ من عمق ما تحملُ النفسُ، مثلَ عصفورةٍ ذبيحةٍ تبحث عن زورق نجاة بلا مجاذيف، فاسم القصيدة "يأس" يختزل هذه الشواهد الحسّية لشاعرنا في مجموعته.

المنفى:

لتجربة (المنفى) عند الحسينيّ شواخصُها الحسّية، وشواهدُها على ما عاشه الشاعر خلال حياته من ضغوط نفسية عبر ما مرّ به شخصياً، وما عاناه غيرُهُ من الشباب، وما عاشه وطنُه خلال سبعينات وثمانينات القرن المنصرم ـ فترة عنفوان صباه وشبابه ـ نتيجة قناعاتهِ الفكرية ومواقفه، وعلى وقع ناقوس الخطر المُحدِق بهم حملوا أثقالهم على أكتافهم وطناً مثقلاً بالجراح والنزيف راحلين (اختياراً إجباريّاً) مُنهَكين بهمٍّ قاسٍ، وجرحٍ غائر، مشتتين في المنفى وفي (الوطن)، لنقرأُ ما يقولُ في قصيدة "شُرُفات" ص 38:

في المنافي البعيدةِ

والقريبةِ

المُختارَةِ بعناية

والمُجبَرون عليها عنوةً

وهل دون عينيكِ من منفىً قريبْ

المُترفّهون بها

والضائعون

والذين حملوا أوجاعهم

يظنون أنها ستهدأ

يجترّون عَدَّ أصابعهم

يستحضرون ما مضى

تماثيلَ مُنهَكةً

.......

وفي المنفى ظلّوا مع أوجاعهم بلا نهايةٍ، وهم الذين حملوها من بلادهم ليستقرّوا في المنافي البعيدة أملاً بأنْ تهدأ آلامُهم وهمومُهم، لكنَهم صُدموا بأنّها قدرٌ منحوتٌ بعمقٍ لا فكاكَ منها. هي إرثهم التاريخيُّ الوطنيّ غيرُ القابلِ للمسح والإندثار. فما هي إلا حسابُ أيامٍ تمضي بنصالها المنغرزة في القلب، وذكرىً مُجترَّةٌ وعضُّ أصابعَ، ليُمسوا كالتماثيل المُنهكة من الجمود في مكانها.

فهل من شهادةٍ واخزةٍ أكثرُ من تباريح شاعرٍ منفيٍّ رغمَ إرادته وحُلُمهِ أن يكونَ آمناً مطمئناً في بلادٍ تسيّدَها منْ هو غيرُ قادرٍ على أنْ يكونَ الحاديَ القائدَ العادلَ الحكيم!

هذه الشهاداتُ القاسيةُ قساوةَ المناظر التي شهدها الشاعرُ الشاهدُ بمِنظارهِ البَصَريّ الحادِّ والبَصيريّ النافذِ الدقيق، وعينهِ الشعرية، وأنامله الصائغة الماهرةِ، وصُوَرِه اللغويةِ البلاغيةِ الحاذقة، هذه الشهادات تنقل الينا ما رأى شاعرُنا لنغنيَ ألماً ذبيحاً على وقع موسيقاها الصادمةِ. هي إرادتهُ أن تكونَ شهادةَ مَنْ رأى وعايشَ، لنرى معه نحن أيضاً بأحاسيسنا ومعايشتنا، ثمّ أحكامنا.

هذه المشاهد بسنانِ رماح حوادثها ووقائعها الدراماتيكية الفاجعة أوقعت شاعرنا في مهاوي وجعٍ لا ينضب، وألمٍ لا يسكنُ، ويأسٍ يطردُ أحلامَ الأمل لشدّةِ ما رأى ونرى، وعظمةِ الصخرةِ على صدر الوطن، وكثرةِ السيوف الطاعنةِ. قصيدةُ "يأس" المذكورة شاهدة صريحة. وكذا قصيدة "جوّالون" ص 19 :

جوّالون من ألفِ عامٍ وعام

نزاولُ لعبةً خرسى

جوّالون فجّرنا الحياة

على وسائدِ الهمِّ والنطع

وأضغاثِ الكلام

سِيّانَ إنْ بدَتْ تجري

وتحملُنا الرياح

وإنْ قذفَتْ بنا على رملٍ

نسي أهلَهُ في لُجّةِ السأم

عامٌ يتبعُه عام

جوّالون لا نرقى إلى حُلمِنا

و لا يرنو إلينا

نِمنا ونام

في صحوةِ الألمِ النديم

......

الجوَالون في المهاجرِ والمنافي البعيدة نديمُهم الألم، وأعوامُهم تمضي وتمضي في هائجاتِ السأمِ، بلا حلمٍ رفيق. إنها شهادة وصرخة المنفى، ونازلةُ القهر والظلم، وشتاتُ وطنِ ضاعَ بين هذا وذاك.

أمّا قصيدة "سُبُل" (ص 15) فنجدُ فيها إشارة الى علّةٍ من عِلَلِ اليأس الماسك بخناقِ النفس، والزاحفِ في ثنايا شِعره شاهداً:

بالجنون

غمسْنا كلَّ شيءٍ

فآثرتْنا السُبُلُ باختياراتها

أفردتْنا في زنازينها

دون إيماءةٍ منّا

أو قرارٍ خجول

شرعَتْ تبتني صروحَ أوثانها

على سفوحِ أعمارٍ

أوثقَها العتاةُ بالرهن

تسيرُ القوافلُ

وترمي بفتاتِ أيامنا

خلف متاهةٍ ليسَ لها

رأسُ نملةٍ منْ نمالِ البلاد

وهو يأكلُ منْ أحيائنا

.........

الألم الجوّال في قلب شاعرنا هو البوابة المشرَعةُ على اليأس الذي تسرّبَ في نفسهِ عميقاً منْ هولِ الوقائع. يقول في قصيدة "طَرْقٌ أول" ص 17:

أسمِعْنا، أيُّها القَدَرُ، حفيفَ خُطاك

كي نعودَ الى بدايةٍ أخيرةٍ

الى وجهةٍ أُولى

نلبسُ جلوداً خشِنةً

لنرتعَ في ذاتِ الصراخِ

وذات الطَرْقِ

يا لهونِ الكلام

بين منْ فَقدوا حاسّتَهم له

منذ الولادةِ المُبكرةِ للجري

تأرَّقَ صوتُهُ

على حافات الألمِ المُتماسكة

الأمل:

بقول الشاعر مؤيد الدين الطُغُرائيّ:

أعلـِّـلُ الـنـفسَ بالآمـالِ أرقـبُـها

ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ

صدقَ الطغُرائيُّ: الأملُ قاربُ النجاةِ للنفس البشريةِ في خضمِ الموجِ المتلاطمِ للصعابِ والمشاقِّ والمعاناةِ والآلامِ المُسببةِ للقنوط والاكتئاب واليأس. لولاه لبقيَت النفسُ تتلوّى في كهوفِ الألم، بلا أفقٍ مشرقٍ. إنّه إكسيرُ الحياة، ونافذةُ القلبِ المُطلةُ على فضاءاتٍ عامرةٍ بالتفاؤل، ومُلهِمُ الشعراءِ والفنانين والمفكّرين، وعليه بُنيَتْ أعمدةُ النجاح والجمالِ والبهجةِ والحبِّ، والتقدّمِ والارتقاءِ للأمم والجماعاتِ والأفرادِ. إنّه خلّاقُ النصوصِ الفنية الراقية، والأسماء الكبيرة، وقادةِ الثوراتِ العظيمةِ على مدى التاريخ الإنسانيّ.

فهل يمخرُ شاعرُنا (يقظان الحسيني) عُبابَ الصعابِ والعواصفِ بزورقِ الأملِ الشعريّ بعد تلك القواصفِ والنوازلِ منَ الحزنِ واليأسِ وغياب الحُلُمِ خلف ضبابِ المشاهداتِ والمعايشاتِ؟

سؤالٌ تُجيبُ عنه بعضٌ من قصائدِ المجموعةِ، مثل "أشرعة" ص 11:

هي اسلحتي الساكنةُ

ورثـتُها على مهلٍ

لا فوهات لها

وخضْتُ حروبي

..........

أيصدأُ الخوف؟

أم يتمكنُ من اللحاقِ

بطيّاتِ الأجل

أنا الأبيُّ

نسجَتْ دودةُ القزِّ

حريرَ أشرعتي

يقولُ في قصيدته الذاتيّة أعلاه شاهداً لمعاناته الخاصة: أنّه هو الأبيُّ العصيُّ على الخضوعِ لنازلاتِ الألمِ الناشباتِ سنانَ رماحها في وجدانِهِ المرهفِ (حرير أشرعتي). إنّها أشرعةُ أحاسيسِهِ ومكامن نفسهِ التي خاضتْ غمارَ الهائجاتِ منَ الوقائعِ والأيام المليئةِ بما يُثقلُ كاهلَ النفسِ الحسّاسةِ في هذا العالمِ المضطربِ بالفوضى غيرِ الخلّاقةِ. هو ينتظرُ الفجرَ الجديد الحاني بأملهِ وإشراقه، وهو الذي يلتقط أوراقَه المتساقطةَ واحدةً..واحدةً.. لتلتحمَ في نفسه صَلابةً تصدُّ الرياحَ الهائجةَ. إنّه (الأملُ) مُطلّاً برأسهِ وسط الضبابِ المخيِّمِ في عالمٍ مُضطربٍ بلا أفُقٍ مرئيٍّ مضيء:

عصافيرُ مُكتظّةٌ تبوح

تنتظرُ مطلعَ فجرٍ يحنو

وأحنو ويحنو

الياسمينُ

(قصيدة "الياسمين") ص 37

ويقولُ أيضاً في قصيدة "أبنوس" ص 45 :

لا تنحني

تلتقطُ أوراقيَ المتساقطةَ

أنا أناولُكَ إيّاها

واحدةً واحدةً

لنصُدَّ رياحاً هائجةً

لقد عثرَ شاعرُنا على (الأمل) في ثوّار انتفاضة تشرين الأول 2019 في العراق، وثورتهم الكبرى في وجهِ الفسادِ، وضياع الوطن، ومعاناة شعبٍ عريقٍ، وحضارةٍ تمتدُّ في عمق التاريخ، فكانت أبرزُ قصائدهِ فيها وفي تخليدِ شهدائها: "هتاف"، "في عيد تشرينهم"، "نبض". لقد فجّر المنتفضون في نفسِه جمراتِ الحلم ليُشرقَ الأملُ الغافي في أعماقِه، فيرى النورَ في آخر النفق.

الرمـزيّة:

يتجهُ الشاعر (يقظان الحسيني) في فنّه الشعريّ إلى عنصر الرمز في الأسلوب والتعبير والتصوير. فالرمز من عناصر الشعر المُحدَث المتأثر بالمدارس الشعرية الغربية، وهو  يطغي على الكثير من النصوص الشعرية في هذه الأيام، وكأنّه مقياسُ الشاعرية عند البعض. بعضٌ من الشعراءِ يلجأ الى الرمزية حين يريدُ النأيَ عن التعبير بلغةٍ خطابية مباشرة أو سهلة في نصّه. وهذا اللونُ من الكتابة يستوجبُ قراءةً فاحصةً (مُماطِلة)، ونظراً دقيقاً، وحسّاً قادراً على التقاط المضمونِ الكامن خلفَ الشكل. فالشاعرُ الحاذقُ الماهرُ المتمكّنُ منْ أدواتهِ الشعرية يستخدمُ هذه التقنيةَ الفنيةَ بشكلٍ لا يُسقِطُ النصَّ في التعقيدِ والغموض المُستعصيّ، وكأنّ في هذا دليلاً على الشاعرية. كلُّ القصائد قديماً وحديثاً ـ التي تُصاغُ بشاعرية كبيرةٍ ـ فيها من الرمزِ الكثير. أليسَ المجازُ والكنايةُ والاستعارةُ والتوريةُ ـ مثلما تردُ في النقد العربي القديم (البلاغة) ـ طرُقاً في القول رمزاً؟ 

يقولُ القاضي الجرجاني:

"ليسَ في الأرض بيتٌ من أبياتِ المعاني لقديمٍ أو مُحْدَثٍ إلا ومعناه غامض".

ويقولُ ابنُ الأثير:

"أفخرُ الشعر ما غمُضَ فلم يُعطِكَ غرضَه إلا بعدَ مماطلةٍ منه".

الغموضُ (الرمزية) في قولِ القدماءِ لا يعني الانغلاقَ والاستعصاءَ على مداركِ القرّاءِ، وفهمِهم، بل الجهدَ (المُماطَلة) في فهم المعنى وإدراكِهِ من خلال معايشةِ النصّ، وحذاقةِ ودقّةِ النظر فيه، واستكشافِ ظواهرهِ ودواخلِه، وبلاغة أسلوبه وصورهِ المُتخيَّلة، بالاعتماد على الثقافة الأدبية والعامة العميقةِ، والعقلِ الواعي، والإحساسِ العالي، والإلمامِ باللغة نحوِها وصَرْفِها وبلاغتِها، والعلاقةِ بينَ اللفظِ والمعنى والصُوَر. بمعنى أنَّ على القارئ أنْ يُماطلَ (يتأنّى ويُطيلَ النظرَ) ويُصارعَ النصّ حتى يحوزَ على الغرض الكامن خلفَ إبداعهِ.

 

عبد الستار نورعلي

آذار/مارس 2021

 

 

علي المرهج"أنا ريشة، لا يحملني سواي"

"كل سبورة للمحو إلَا سبورة حُبك.

لهذا هي بيضاء وهي مُضيئة،

ولهذا الذي أكتبه فوقها يلتصق بها كريش يمامة".

يُدون وسام هاشم في مجموعته الشعرية "نصوص السبورات" نصوصاً شعرية تكشف عن حجم الألم والمعاناة التي عاشها هو وأبناء جيله، بل يكشف عن حجم الحُب الذي تحمله قلوبهم للحياة، حتى وهم يحملون البندقية ويموت صديق لهم في أرض المعركة.

"شطبتني المعركة وأعادتني جريدة

خذلني النفط وقبلتني السهول"

النفط ذلك الذي وجد في بلادي، فكانت نقمته أكبر من نعمته، فهو سلاح المعركة الذي كتب نهايات أعمار شباب العراق ولا زال.

النفط أو الذهب الأسود سود وجوه العراقيين والعراقيات، لذا نجد وسام هاشم يوظفه في نصوصه الشعرية.

أجد أن افظ "السبورة" إنما هي عود من الشاعر للحظات الطفولة والصبا في الكتابة ببراءة، والمحو بعد العتب الحبيبة.

بياض ونقاء يرسم وجه القصيدة رغم كل المرارات التي عاشها الشاعر، فطبشور أبيض:

2343 وسام هاشم"كان الحُب مُعلقاً على سبورة العائلة أبيض"

 يكتب سجل الحب والحرب:

"الحرب أتت يا أخي ونامت فوق السرير الذي تركته..

لم تخرج لكنها أخذت منا شمعتنا تذكاراً لليلها الطويل"

أما الحُب عنده فهو قرين الحرب، أو العيش في إوارها حالماً بحياة تشبه الحرب:

"شظية في العُنق ويلتفت

شظية في القلب ويُحبها

الحرب في دُرج الملابس،

فوق جدار الحديقة"

...

"الحرب في مترو تنتهي بعد ساعة وخارجها لا تنتهي أبداً".

أول حضارة تشكلت من الطين، هي حضارة سومر التي خرج منها وسام هاشم يعشق الطين، ويخافه، فهو تشكيل صورة البشر، وهو تشكيل لمساكن الحضارة الأولى في "أرض سومر"، فكل الحياة نشأت من الطين وعنصر الوجود الأول، الماء، ولك الأديان السماوية تؤكد أن أصل الخليقة تكون من طين "فاستفهم أهم أشد خلقاً أم خلقناهم من طين" (الصافات/ 11)، و"خلق الإنسان من صلصال كالفخار" (الرحمن/ 14)، "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" (المؤمنون/ 12)...إلخ.

"من يستطيع أن يززعني بلا طين"

الطين هو "الهيولى الأولى التي تشكل منها الوجود الأصيل، أو قُلّ الوجود البريء، ولا رسم لمعالم التشكيل لذواتنا من دون هذا الطين الذي كتب على ألواحه العراقي القديم قصة الخليقة، والبحث عن سرّ الخلود، والطين والماء علَة ومعلول:

"ومن قلب نهر اغتسلت.

وإلى قلب النهر أعود"

وكأنه يُعيد انتاج شذرات "هيرقليطس" في قوله "أنك لا تنزل النهر مرتين"، وفي كل نزول لك إنما هو رسم لحياة جديدة، فالعود للنهر يشبه فكرة "العود الأبدي" الذي يشي لنا بأن "التعميد" في الماء أو النهر تجديد للحياة مرة أخرى.

لم يتجاوز وسام هاشم الاستعارة من الموروث العراقي القديم الذي لا زال حاضراً، فقد كان الرافدي القديم يعتقد أن العين الحاسدة تبعث إشعاعاً يفقد قدرته على "الحسد" حينما يتشتت في منافذ التعويذة ذات السبع منافذ، أو "أم سبع يون":

"علقوا سبع عيون على راياتكم.

علقوا راياتكم ولا تُرفروا"

الحُب قصيدة الشاعر التي لا تنتهي، ولن يوقف نزيف المحبة في نصوصه سوى جفاف قلمه الذي لا زال يكتب "غلطته" كلما أبدع في انتاج نص للحب يتحدى فيه كل شرور المعرك التي خاضها وهو لا ناقة فيها ولاجمل..

لم يرغب وسام هاشم في استخدام" خطيئة العراقي" واستبدلها ب" غلطة العراقي" لأنه يظن أننا قادرون على تجاوزها، وهي ليست قدراً كما الخطيئة كتبها الله لعقاب آدم..

 

ا. د. علي المرهج

 

 

جمعة عبد اللهتتوسم هذه الرواية في اسلوبيتها المتميزة في براعة الاسلوب اللغوي، وصياغته بشكل فخم وببراعة مشوقة، بأساليب تقنيات متنوعة من اشكال التعبير الادبي. وتسهم اللغة السردية بشكل مهم في البناء الرؤائي ومنظوره الفكري ، في تناول الأحداث النص،  في وسائل لغوية وفنية متعددة في السرد وحبكته. في ابراز معالم الرؤيا والرؤى الفكرية بالطرح الصريح بالجرأة الثاقبة، في التناص بين الماضي والحاضر الواقع، في تناص الارث الحضاري في الطين السومري. براعة في الاستنطاق والاستنباط الموروثات الاسطورية والدينية، في محاججة بافعال الحاضرالقائمة ، بعمق الرؤية البليغة الدالة في الايحاء والرمز في شفراته، التي تملك عمق وقوة المحاججة والمناظرة بثيمات أو موضوعات الواقع التي انحرفت عن اصلها وهويتها واصبحت هجينة عن واقعال طين السومري، براعة في محاججة الذات للذات والى الذات في الصوت والصدى،، الحوار الداخلي والخارجي (ديالوج) براعة في استلهام الدراما بفعلها الصاعد، ليكشف عقدة الحوار، وعقدة الفعل في الايحاء الدال بالمعنى والرمز. بدون شك لقد وظف الروائي (واثق الجلبي) براعته في لبس قناع بطل الرواية او شخصيتها الاساسية لينطق بأسمه ويحركه بأفعاله، والتخفي وراء هذا القناع بكل اوجاع الصوت والصدى وهواجسه القلقة ، ومايخفي داخل الذات من ركام فكري هو انعكاس لعدسة الواقع المزرية والمخيبة. بداءً من عنوان الرواية (فقيه الطين) يدخلنا في دهاليز البحث في المعرفة اللغوية والفكرية وكذلك في رمزية العنوان الدال، الذي يفتح باب التأويل والتفكير والمحاججة في التحليل والتشخيص. هو يملك عمق  أو خلفية معرفية بالحضارة الطين السومرية ، وفقها القائم على التشريع، فمفردة (فقيه). يعني الجهة المخولة التي شرعت ناموس الحياة والحضارة، وقامت بالتنظيم المتناسق والمرتب، ليكون الوجه الحضاري المشع بالحكمة والتبصير. والشق الثاني (الطين) هو يرمز الى البلد أو بالاحرى (العراق) هو بلد الطين الذي كان بحضارته الشامخة كانت مصدر التشريع والناموس والقانون. والارث الحضاري لبلد الطين يؤكد على ذلك، في الخلفية الحضارية التي كانت مصدر النور والاشعاع الرقي للانسانية المتطورة والمتحضرة. من هذا المنطلق يحاجج الارث التاريخي في مدلولات بالمقارنة بأفعال الحاضر أو اليوم. هذه براعة المتن السردي، الذي جمع الارث الحضاري قاعدة للمحاججة، تنطلق من الذات والى الجمع، ثم يعود مردوداتها وانعكاساتها على الذات، في المحاكاة الجدلية بين الذات ومفردات الواقع، التي تعتمد على الجدل السقراطي (نسبة الى الفيلسوف سقراط في فلسفة الجدل) على ربوع بلد الطين وما يحمله من معنى، وما أنتهى اليه من الخراب والفوضى في عواصف الجهل (الطين الجامع لكل فضائل المعرفة، لا ينبغي له أن يستسلم أمام الجهل، حتى في ظلمة الطين، كانت بمسحة المعرفة، فالظلال ليست من الظلام في شيء.... فتح بوابة الطين على مصراعيها لتغمره نور المعرفة حتى تمدد الطين فأن ذلك لا يستغرق اكثر من مساحة ألم محدق بفكرة مرتوبة من النور الجاثم على فكره..... النور لا يستطيع حمل الماء لكن بأستطاعة الطين أن يحمل النور والماء والهواء ولهذا المخلوق تمت الكلمة وصار كائناً أبدياً) ويشعر شخصية الرواية المحورية (وخلفيته الروائي العليم المقنع وراء هذه الشخصية)، بأنه محاصر بالاختناق، ومحبط بالخيبة واليأس والانكسار من كل جانب في هذا الزمن الخائب بالاحباط ، الذي اطلق زوابع القلق والتوجس. يشعربثقل ثقوب الزمن المتصدع في شرخ التأزم والصراع. يخشى ويتجنب الوقوع في فخ لوثة الوشاية الطائشة من ان يصل كلامه الى وزير مخمور، أو زعيم ديني طائش،  وبالتالي سيهدرون دمه بكل بساطة وسهولة كشربة الماء، في هذا الزمن الرديء، يشعر في ثقل ظلمة الزمن، كأنه تحت وطئة الاعتقال الرسمي، وهو وسط مجموعة من الموظفين المنافقين الذين يعرفون كيف يتسلقون على اكتاف الآخرين. وهو موظف بسيط لم يتعلم فنون الوشاية والنفاق  (تم اعتقاله هنا في هذا الزمن وهو معتقل.... والاهم من ذلك هو المعتقل الرسمي في هذه الاضطرابات الزنزانية) ويشعر بأن افكاره ستجف في هذا الاعتقال الحياتي اذا لم ينطقها ويحاكيها ويكتبها، وانه إن لم يفعل ذلك سيصاب بالجفاف العقلي في الحيرة والفوضى والانفلات. في هذا الزمن الذي يدفع الانسان الى المهانة والنذالة والانتهاك. هذا الواقع الذي شطب وحذف حكمة الطين من قاموسه اليومي. وكانوا قديماً حكماء العالم يسترشدون بحكمة الطين (الحكمة الطينية العراقية التي أخذها العالم القديم والحديث وعزوها لأنفسهم، أحس بالضجر لأن العالم اليوم ليس كالامس، فهو ليس حكيماً وبطانته من الخونة والانتهازيين، ولا يوجد مشتار يحمل أمانة الامة.... حكمة العراق تسري في دمه فقد انقذ العراق العالم من الجهل) لماذا اصبح العراق مصاب بلوثة الجهل بهذا الشكل المريب، وهو يحمل حكمة فقيه الطين؟. لماذا وصل الطين الى هذا الحضيض والى المستنقع العفن. كأن هناك من نصب فخاً له للدمار والخراب ، وهذا ماحدث فعلاً بعد الاحتلال. والرواية تتحدث عن الفترة المظلمة ما بعد الاحتلال عام 2003.. وصار في اسفل حضيض الدول الفاسدة والمتخلفة، بينما كان ارثه الحضاري نبراساً للعالم (حكماء العراق سبقوا حكماء الصين والهند ومصر وفلاسفة اليونان) كان يملك الكبرياء والشموخ بما يملك من حكمة التسامح، بالعقل الناضج بالناموس والقانون والشريعة. اصبح العراقي جائعا الى الحرية لكي يتنفس من خلالها. يبحث عن متنفس للحرية، حتى لو رحل الى المريخ أو الى زحل، والى أي بقعة آخرى في العالم، فيها يتنفس قبس من نور الحرية. حكام اليوم دنسوا ارض الطين، مرغوها في الوحل، وأطفأوا الانوار، ليعيش العراق في الظلمة (أينك يا نور الطين وطين النور... خذهُ بلا رحمة الى ذلك العالم.. أغسله من جديد على شاطئ الفرات ليعود بأعين جديدة... أظمأه كثيراً ذلك الحرف فلقد طمح بالمزيد لتحترق روحه بالضياء غير المدنس بالخدع) لذلك يصبح الكلام لناطقه جريمة، والحرف ممنوع شرعاً عاقبته كاتم الصوت بلا جدال، بهذا الشكل يشعر شخصية الرواية أنه مطارد في جريمة قول الكلام والحرف، في ظل التأزم والصراع الحياتي في هذا الزمن المغلف بالانهزام والاحباط. أنهم لا يعرفون عن العراق سوى مغانمه من الذهب والدولار والسحت الحرام، كل شيء مستباح لهم، لانهم يتصورون أنفسهم أنهم ابناء الله، وابناء الشعب هم ابناء الشياطين، فالقصاص بحقهم عادل بالحرمان من حق العيش والحياة. ومن يخرق شريعتهم تصيبه زوابع الموت والاختطاف الى المجهول. أنه عهد الخوف، جمهورية الخوف بأسم الله والدين والطائفة، عراق القلق والفقر والجوع (في عراق كلاب السياسة، تناسلت الاحزاب البغية وعهرها السياسي، ليحكم العراق قوادون وحمير) ولهذا ينهش الخراب في كل مكان. وسدت الابواب والمنافذ في وجه العراقي. والى اين يرحل هل هناك حيلة تنقذه من هذا المأزق، فقد اصبح العراق عبارة عن زنزانة أو سجن كبير. وبهذا الشكل تصرخ الاسئلة في داخله بالغضب المدوي. بين الصوت والصدى.

(الصوت: لماذا بكيت عندما اتيت الى هذا العالم؟

هو: لم أكن أريده

الصوت: وهكذا ستبقى؟

هو: هل ستأتيني السكينة يوماً؟

الصوت: ربما

هو: سأظل أكتب كل شيء

الصوت: لا أعبأ بما ستكتب حتى وان كتبت حلمي

هو: هل تحلم؟

الصوت: أحلم بما تفكر فيه أنت...)

هذه عقدة الصراع المتازم داخل شخصية الرواية، بالمعاناة الجاثمة على صدره. ويشعر بالاختناق، وهو يعيش في واقع يرفس أنفاسه الاخيرة.

(الصوت: ألا تكف عن الاسئلة؟

هو: أنا أدونها الآن ربما أجد جواباً وحداً يغنيني.

الصوت: هل يوجد جواب لأسئلتك كلها؟

هو: يوجد يا صديق

الصوت: كيف؟

هو: أذا أرجعنا كل شيء الى شيء

الصوت: هذا كلام الحالمين

هو: لا يا صديقي... لابد من الاسئلة حتى شفير النهاية

الصوت: ستكون نهايتك قريبة.

بلد الطين فرش سجادة الحزن والمعاناة بغياب الحكمة والعقل. واصبح تابع لحكمة معابد الاوثان، التي جعلت العراقي يركض وراء فقاقيع الامل المتبخرة بالوهم والسراب، وهو متأرجخ بين الجحيم الموت. والمفاضلة تعوده له بأي شكل يتجرع السم القاتل، كما اصبحت الكلمة الشريفة مطاردة بالسم القاتل. لكن روح التحدي تبقى حية، برفع شعار الكلمة حتى النفس الاخير.

 

جمعة عبدالله

 

 

عبد العزيز قريشسيرا معا نحو المستقبل، استشرافا لقصة رحلة العمر نحو المجهول: (طريق إلى الجحيم)*، لكاتبها اليافع هشام فتحي

ما أجمل أن يقرأ المرء ليافع عن معاناة الآخرين في مسيرة حياتهم، لعله يتخذ منها صوى طريق مستفيدا من أحداثها وتفاصيلها في درب سنينهم الدنيوية، تلك التي قد تأخذ فيها الأحداث طابعا قهريا اجتماعيا، يخلقه الآخر للآخر، ويبدعه للسيطرة عليه والتسلط عليه وقهره تحت عناوين عدة ومسميات متنوعة التعابير والتراكيب ومفاهيم ركبت باسم المؤسسة، والمؤسسة هنا متعددة المضمون والأشكال، تنضبط مظهريا لقانون التشريع والتنظيم والهيكلة؛ بدء من الأسرة وانتهاء بالدولة ومجموع مؤسساتها الرسمية والمدنية. واستثمار العقائد والإيديولوجيات والثقافات والتقاليد والعادات والموروثات الإنسية في إضفاء المشروعية على قهر الأحداث، فتارة باسم بالسخرة، وأخرى باسم الصراع الاجتماعي، وثالثة باسم التدافع الحضاري، ورابعة باسم القناعة، وخامسة باسم القدر، وسادسة باسم التدبير السياسي، وسابعة باسم طبيعة المجتمع الإنساني وتركيبته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وعاداته وتقاليده وضرورياته ... فتتعدد الأسماء؛ وتظل النتيجة واحدة، المعاناة والقهر والإحباط واليأس والذل والهوان والخنوع والاستسلام لمشيئة الآخر المستبد في عالم الضعفاء والمقهورين والفقراء والبؤساء والمحبطين واليائسين. فأغلب المتاعب والمصائب والعذابات هي من صنع الاستبداد والقهر، الذي يعلو الإنسانية كلها في العالم. فلا يترك للأمل فسحة حضور أو وجود، فهو يرهب ويخيف كل ضعيف بائس يائس، ويدفعه إلى الهروب من حياته، بل من وجوده! مأساة إنسانية يعيشها القارئ مع أحداث الطريق إلى الجحيم، التي تشكل مجموعة من الأسئلة الحارقة والمحرجة مخترقة وعي الإنسان لمساءلته عما فعل ويفعل بنفسه أولا قبل الآخر. فهل هناك أشد وطء على الإنسان مما ينزع عنه إنسانيته ويحيله إلى كتلة لحمية وجودية تقتات على المعاناة لتعيش رغد الحياة أو ضنكها؟ كل فيها يتسابق على تملك الأشياء حتى التخمة والترهل وتبلد الإحساس! فيغدو طفلا يتمحور العالم حول ذاته لكثرة أنانيته؛ فكل شيء له دون منازع وإلا فالبكاء والحرب سبيلا لتحقيقه نوازع ذاته وأحلامه ومتطلباته؟! هو الفراغ الروحي والتكلس العقلي والتخلف النفسي، ومحدودية الرؤية وانحسار فضائها وضيق أفقها تقتل الوعي والعقل والقيم، وتحيي حنين الهجرة والهجر في نفوس المظلومين والمقهورين والبائسين فاقدي الأمل في العيش والتغيير، وتسافر بهم إلى المجهول مقامرة ربحا أو خسارة ... فتطوى أوراق وصفحات من التاريخ الإنساني، وتفتح أخرى في دفاتر الذكريات، وتدون سجلات الميلاد الجديد لأرواح تولد من جديد بعد عودتها من رحلة الموت، فتحكي ما جرى لها من محن وتجارب في سبيل الالتحاق بالآخر والعيش في كنفه منعما أو معدما؟ وهو لا يدري كيف يجيب عن علامة الاستفهام التي قطع المسافات الطوال من أجل رسمها على كل خطوة يخطوها إلى المجهول، فتحفرها في أسمال رحلته نحو الأمل المولود من رحم خيوط الفجر في بلاد المهجر. ذلك الذي طلع أخيرا في أحد صباحات أوروبا المشرقة على أسماء دونتها رحلة من دول الموز إلى دول الحرية والفرص وتحقيق الذات ...

هي المأساة التي عاشها ويعيشها المهاجرون السريون غير الشرعيين طلبا لحياة أفضل، تبني رؤية سيميولوجية تحمل نقدا للمجتمع ومؤسساته وأفراده، وتسائله عن جدوى وجوده على وجه البسيطة، وهو بائس يستجدي الآخر الكرامة والرفاهية، ويستقي منه وجوده الإنساني حتى صار مضرب كل مثال في حياتها! وقد كان من الممكن أن يكون له ذلك في موطنه الأصلي لو كان الوعي الإنساني يستوطن سماءه وأرضه ومياهه، وتستولي عليه القيم الإنسانية الواردة إليه من عالم السماء والأرض! لكن تصمت اللغة على شفاه نهاية الحكي؛ حين تحقق حلم المهاجر غير الشرعي بالالتحاق بعالم الآخر، العالم الذي سيظل يجذب إليه البؤساء واليائسين من الضفة الأخرى حتى يتحطم على فقر الوعي المحمول على قوارب الموت. فحينها سيعلم ما جنت يداه حين لم يمدها إلى الجنوب تنمية وتطويرا، وحصرها في النهب والاستغلال والقتل. فها هي تعود إليه ملفوفة بورق السلوفان وعلى الفطرة والبراءة، تحمل في جيبها عشبا وورقا وعود ثقاب، وفي عقلها عقما، وفي قلبها حقدا وغلا لما فعلته تلك اليد الأثيمة بالأسلاف ومازالت تفعله بالخلف!؟ فها هي دول من الشمال تنحدر إلى الجنوب، ويستوطنها ما يستوطن جمهوريات الموز؛ حيث الانحدار يعلو سلوكها مع المهاجرين، ولغتها متخلفة تخلف خطابها، وسياستها أخرق من سياسات تلك الجمهوريات التي تسمها هي بالتخلف. فقد تعرت في زمن " كورونا " من فساتينها الزاهية؛ لتبدو سوءتها المنحطة في أسوء مشهد إنسي! فهي في الواقع ليست أرقى منا، ولا أفضل منا، ولا أحسن سلوكا منها ... فمشاهد القتل والإجرام بحق مواطنيها قبل إجرامها بحق الشعوب الأخرى دليل على الانحطاط الإنساني والقيمي والخلقي والمسلكي. فهي تمتاز عنا فقط في فرص المعيش اليومي الذي لا يساوي جناح بعوضة عند الوعي والعقل العاقل ...

هي معاناة في الرحلة ما كان الحكي يقف عندها؛ وإنما كان عليه الاستمرار في السرد عن المعاناة الكبرى التي يواجهها المهاجر السري في تسوية وضعيته بالمهجر، واندماجه في مجتمعه، وما يتعرض إليه من الاستغلال الاقتصادي والنفسي والجسدي! بل؛ ما يتعرض له من عبودية جديدة في بلاد الحرية والفرص، وكيف يرمى به على قارعة الطريق مسكنا وملبسا ومأكلا ومشربا؟ وكيف تنظر إليه تلك الدول وهو يتوسل مساعدة؟ وكيف تتعامل ثقافيا معه ومعطياته الاجتماعية والثقافية والعقائدية والإيديولوجية؟ ... كيفيات تطرح مجموعة من علامات الاستفهام على المهاجر؛ كفيل واقعه المعيش المستور بورق التعالي منه أو التورع عن ملامة النفس أو النأي بالنفس عن فتح الجراحات والملفات المدفونة في اللاوعي تفاديا للألم والحسرة على زمن مضى ويمضي إلى كتابة تاريخ المعاناة في بلاد المهجر، الأمل المفقود لمهاجر سري قلما يفلح في تسوية وضعية إقامته بربوع مهجره! فالأمل المفقود يظل مطاردا من المهاجر الذي هو الآخر يظل مطاردا من الشرطة وأعين المجتمع ونظراته المشؤومة ... فالجوع عند الوعي العاقل في وطن الأصل والمولد ألذ من كسرة خبز ملوثة بالحقد والاحتقار والسخرية والعنف الرمزي إن لم يكن عنفا ماديا بألف درجة. لكن في ظل تغير القيم وتبدل الرؤية وفلسفة العيش أضحت الرفاهية الاقتصادية هدفا لذاته ولا وسيلة!؟ فترى من صنع كل ذلك بنا؟ أهي الحياة جحيم بطبيعتها أم هي بشريتها صانعة ذلك؟ ...

ففعلا؛ الحياة جحيم صنعته البشرية الغائبة عن فهم معنى الحياة، ووعي حقيقتها، حين سقطت في أتون الصراع عن ألوان طيفها، لتحصيل لوحاتها الفاتنة، الآخذة بلب عقولها، وبناصية رؤوسها إلى حتفها الأبدي، الذي تتكسر على صخوره البازلتية أحلام مفردات جمعها الكتلي، الذي يحلم بأساسيات الحياة متوفرة توفر الأوكسجين في غلاف كرتها الترابية؛ يمد كل كائن حي فيها بنبضات قلب تدخ في جسده الاستمرار في الأمل المحمول على شرفات المستقبل، المطل من إشراقة شمس كل يوم جديد. يتأمل منه الخلود لمخاطبة العقل والقلب، كي يفكر ويحب؛ يفكر في بعث كل يوم فكرا حرا مستقلا يغدق على الإنسانية عطاء ورفاهية، ووعيا وحضورا بكل تجلياته الإنسانية واختراعاته التكنولوجية. ويحب كل الإنسانية بكل العواطف والقيم النبيلة، التي تجسر القلوب والعقول، وتمحو كل الذنوب والخطايا، وتمسح عن الإنسانية عذابات وآلام الدروب والصروف، وما ارتكب الإنسان من حمق وزلل. لكن؛ ومع الأسف الشديد، مازال الإنسان في عالمنا العربي والعالم المتخلف، يحلم حتى الثمالة بغد مشرق من صباحات العالم المتقدم، أساسيات الحياة متوفرة، ومساحات التفكير واسعة وشاسعة وكبيرة، وفضاءات الحب جميلة فاتنة. وفرص الحياة الكريمة مضمونة؛ قليلة هي الاستثناءات والشوارد في شوارع حياة المجتمع، ونادرة هي الأحداث المؤلمة ... فالتقدم الإنساني يحصل عندما يرتفع العقل إلى العقلانية، ويرتفع الإنسان إلى الإنسانية. وعندما ترتفع الإنسانية إلى مقامات السمو النفسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والفكري والسياسي ... ترتفع قوارب الموت من على شواطئ الحياة القاسية، فيحيا الإنسان ويرتاح ضميره من عبثية الوجود، وما الوجود في عالم الأناسم إلا وجود إنسان الإنسانية، وما العدم في دبيب الحياة سوى انعدام إنسان الإنسانية ووجود حوافر وظلوف، وزد أذيال على قرون وقوائم. من تصنع قوارب الموت، وتعبد طريق القبور بإسفلت الجهل وموبقات الوجود، وبأمواج البحر وأحلام اليقظة، وبسجن اليأس وموت الضمير ... هكذا؛ يصنع الإنسان فاقد الإحساس، المتجلد والمتبلد، في عالم المتخلفين عربا وعجما حلما وأملا، ويضرب بعصاه البحر فينفلق بقوارب المجهول نصفين، فيكون كل فرق كالطود العظيم؛ فيغرق الحلم الأمل إلى الأبد أو تبدأ العذابات من حيث ينتهي الحلم، ويشرق الأمل، ويبقى البليد المتجلد متخلفا يصنع القهر واليأس، ويقتل الحياة في مهدها مبتسما فرحا بما فعل! ساديا مريضا لا يدري ما صنع أو يدري ذلك ويتصنع الجهل به؛ فيكون به جاهلا جهلا مركبا. بل؛ هو أحمق أكثر مما نتصور! يبدع أسباب الهجرة السرية والمعلنة معا، الأولى لليائسين والثانية للطامحين، يفرغ الوطن منهما معا؛ لكي يتربع هو فقط على كرسي مهترئ يظنه عرشا دائما مدى الدهر!؟

فالهجرة غير الشرعية في كنف فكر الحمقى والمعتوهين وأعمالهم سيميولوجيا استسلام لواقع جثم عليهم قبل أن يجثم على الإنسان المقهور، ونسف فيهم قوة إرادة مواجهة التاريخ، وقتل في مقهوريهم روح رفع الصوت في وجه الطغيان بكل أنواعه وأصنافه وضروبه. فالهجرة غير الشرعية هي انهزام في معركة التغيير الذاتي والمجتمعي، وزيادة معاناة وآلام وعذابات للمهزوم ورفع لأنانية القاهر والطاغي، وتشجيع له على التمادي في سحق الآخر ... !  فسيميولوجية هذا النص الروائي تفيد أننا أمام رحلة من الذات إلى الذات حيث التفكير في الهجرة يجب أن يراجع لما فيه من تفريغ الوطن من طاقاته، وحشد كل أعدائه الداخليين والخارجيين ضده باسم الواقع المر، الذي يتطلب رؤية مختلفة لما نعتبره سلبيات باتخاذها فرصا نحو التغيير. وهو ما يطرحه النص حين ينصح بعدم المغامرة والمخاطرة لما في ذلك من تأليم الذات والآخر؛ فتصوروا معي وقع خبر ارتقاء الروح إلى السماء على الوالدين والأهل والأولاد والأحباب والأصحاب! ولا تحصروا تصوركم في نجاح العبور والوصول إلى الضفة الأخرى؛ فهي ليست جنة بالطبيعة ولا بالضرورة، وإنما هي احتمال يحمل كل الوجوه المتناقضة. فهل من متعظ محمول على لوح وماء يقرأ جيدا واقع الحلم المأمول والأمل المنشود المفقود؟ فمن كان البارحة من المترفين أصبح اليوم من المفقرين؛ فأين المسير؟ وأي مصير؟ ... نداء قارئ لقارئ يشي بأن الرفاهية صنع بكد وجد وليست عطاء ومنحة! فالرفاهية في الإنسان لا في المظاهر والأشياء والحجر ...

 

عبد العزيز قريش

.......................

* قد تبدو هذه القراءة مبتورة من سياقها الواردة فيه؛ لكنها مقدمة لكل حكاية من حكايات الهجرة السرية والتخلف الإنساني والحضاري ...

تحمل في طياتها جان ومتجنى، لكل قارئ رؤيته الخاصة لكل منهما، وتبقى المأساة والمعاناة جارية بيننا مادام التخلف العقلي والإنساني وتوابعه يخطو إلينا وعبرنا في صمت منا ...

وهكذا يصنع الموت على ألواح طافية على الأمواج ...

 

 

مفيد خنسةأعبرُ سَمّ التوجس

حسن الزهراني

أنا الآن

بيني وبينك

أنضم حيناً إليَ وانضم حيناً إليك..

**

أنا الآن خيطٌ من النار

خيطٌ من النور

يقسمني (التوت) في شفتيك..

**

أنا الآن برقٌ

أرتقَ شعري بـ(شعرك)

ترسم عيناي عينيك في سقف قلبي

تضيئان للنبض درب الخلود

الذي شق رمل الصبابات صبحاً

على مشرقيك ..

**

أنا الآن أعبر (سمَ) التوجّس

بين جنوني وصبرك

غنيت حتى تشربت صوتك

واللحن

أضحى نخيلاَ من الشوق في راحتيك ..

**

أنا الآن

بابٌ يواربه المشتهى

وسط التّيه منتصباً

تشتريه العناكب من مارد الريب

تنسج من حوله سور وهمٍ سميك..

**

أيا امرأةً صنعت عرشها

من مرايا جنوني

وخطت على ماء روحي قصائد

لم تسبر الجن أغور إلهامها

ثم غنت فماست غصون الجوى في حبورٍ

على ضفتي نهرها ألعسجديّ المفاتن..

والغيم صفّ على فُرش الزيزفون الممرد

من تمتمات الضحى

في خشوع يصلي عليك ...)

........................

يعبر - سم – التوجس إلى فضاء اليقين

لأنه الشاعر، يأبى إلا أن يعلن مسؤوليته عما يجري من حوله، لأنه حين يعبر لا يمر عبر الأمكنة كما يعبر الآخرون، إنما يمر على قلبه بطيئا يتأمل كل شيء، يقرأ وجوه الأطفال الحالمين بالأمان والفرح، ويتألم حين لا يستطيع أن يرسم البسمة عليها، يشعر بأنين الورود العطشى، ويسمع نداءات الجداول البعيدة، ويعرف كيف تحمل النسائم عطور الجدائل الحالمة إلى السفوح التي يقصدها العشاق، ولأنه الشاعر! يأبى إلا أن يعلن مسؤوليته عن الألم والحرمان الذي يعاني منه المستضعف أينما كان، ولأنه الشاعر يبقى يحلم بالحرية والأمل، ولأنه الشاعر يأبى إلا أن يكون مدافعاً عن الحق، صادقاً حتى الشجاعة، خائفاً حتى التوجس، مستمراً حتى اليقين، ولأنه حسن الزهراني فقد قرر أن يعبر سم التوجس! من خلال قصيدته التي حملت مجموعته الشعرية التي عنوانها (أعبر – سم - التوجس) ولكن كيف؟! وإلى أين؟ سأحاول أن أجيب من خلال هذا التطبيق لمنهج النقد الاحتمالي .

 الفرع الأول:

يقول الشاعر:

(أنا الآن

بيني وبينك

أنضم حيناً إليَ وانضم حيناً إليك..

***

أنا الآن خيطٌ من النار

خيطٌ من النور

يقسمني (التوت) في شفتيك..)

هذا الفرع يبين صورة التوجس، وعقدته (أنا الآن) وشعابه الرئيسة هي: (بيني وبينك) و(أنضم حيناَ إلي) و(وانضم حيناً إليك..) أما شعابه الثانوية فهي: (أنا الآن خيطٌ من النار) و(خيط من النور) و(يقسمني (التوت) في شفتيك) .

في المعنى:

يفتتح الشاعر بالقول: (أنا الآن / بيني وبينك) فأي (أنا) يعني الشاعر؟ هل يعني أنا الشاعر؟ أم يعني أنا العاشق؟ أم يعني أناه العليا؟ أم يعني أناه الدنيا؟ وهنا سنجد أيا كان يعني بها فإن الشاعر يعلن بهذا الافتتاح أن الأنا لديه متعددة من حيث معناها وحضورها، وحين يقول: (بيني وبينك) يعني أن تقابلاً بينه وبينها وهذه الأنا هي الأنا التي تتوسط بينهما، أو هذه الأنا تقع في وجوده الآني بين طرفين أحدهما - هو أي الشاعر بذاته - وهي أي المحبوبة بذاتها، أما أناه (الأنا) فيه بين الطرفين، ويفيد التركيب بأن الطرفين قد يكونان متناقضين، أو قد يكونان متوافقين، أو يكونان معتدلين وما من شك أن (الآن هنا) تعني حالة الاعتدال، وحالة الاعتدال هذه هي ذلك (الآن) الذي يكونان فيه، هي وهو معتدلين، كما يفيد التركيب أن هذا الاعتدال آني ولحظي وليس اعتدالاً دائماً، وهذا ما يؤكده قول الشاعر: (أنضم حيناً اليّ) والحين هنا أكبر مدة من (الآن) وهو ينسجم مع حالة التناقض بينهما، ولذلك فهو ينكفئ وينضم إلى ذاته بعيداً عنها، وهذا أمر طبيعي أن يبتعد المحبّ عن المحبوبةِ عندما يكونان مختلفين ومتناقضين، وقوله: (وأنضم حينا إليك ..) وهذا الحين ينسجم مع حالة التوافق بينهما عندها تتغلب أنا الشاعر الدنيا على أناه العليا لينضم بعواطفه وأحاسيسه إلى المحبوبة في حالة العطاء والانسجام والحب، وهذا أمر طبيعي أيضاً أن ينضم المحبوب إلى من يحب في مثل هذه الحالة، وتبقى نقطة الارتكاز الأساسية في المعنى هي (الآن) التي تعني اللحظة الفاصلة، أو البرهة الحاسمة، وهي لحظة تجلي ذات الشاعر في (الأنا) القابلة للانضمام أو الانكفاء، إنها لحظة الشعور التي تتغلب فيها العاطفة في حالة انضمامه إليها، وهي لحظة الاحساس التي يتغلب فيها الكبرياء في حالة انضمامه إليه، وفي قوله: (أنا الآن خيط من النور) أي في لحظة الحب المقدس تتقد جذوة النور في أعماقه فيبدو متوحدا منكفئا إلى ذاته لا يقبل الانضمام إلى غيره ليبقى نور الحب فاصلا بينهما، وقوله:(خيط من النور) أي ثم يتحول إلى خيط من النار، حين يتحول هذا الحب المقدس إلى نداء للجسد، ويتحول إلى حب دنيوي، يتحول خيط النور إلى خيط من النار القابل إلى الانشطار والانضمام إلى غيره وهذا ينسجم مع لحظة التوافق والانسجام بينهما، وقوله: (يقسمني (التوت) في شفتيك) أي ينشطر في حبها إلى خيط نور علوي وخيط نار سفلي، حب مقدس وحب دنيوي، كانشطار ثغرها مع حبة التوت الواحدة إلى شفتين .

الصورة والبيان:

الأسلوب في هذا الفرع خبري، وقوله: (أنضم حينا إلي) استعارة، وقوله: (وأنضم حيناً إليك) استعارة، وقوله: (أنا الآن خيطٌ من النار) تمثيل، وقوله: (خيط من النار) تمثيل، وقوله: (يقسمني (التوت) في شفتيك..) استعارة .

الفرع الثاني:

يقول الشاعر:

(أنا الآن برقٌ

أرتقَ شعري ب(شعرك)

ترسم عيناي عينيك في سقف قلبي

تضيئان للنبض درب الخلود

الذي شق رمل الصبابات صبحاً

على مشرقيك ..

***

أنا الآن أعبر (سمَ) التوجّس

بين جنوني وصبرك

غنيت حتى تشربت صوتك

واللحن

أضحى نخيلاَ من الشوق في راحتيك ..)

يبين هذا الفرع صورة التحول للشاعر وعقدته (أنا الآن برق) وشعابه الرئيسة هي: (أرتق شعري ب-شعرك-) و(أنا الآن أعبر (سم) التوجس) و(غنيت حتى تشربت صوتك) أما شعابه الثانوية فهي: (ترسم عيناي عينيك في سقف قلبي) و(تضيئان للنبض درب الخلود) و(الذي شق رمل الصبابات صبحاً / على مشرقيك ..) و(بين جنوني وصبرك) و(واللحن /أضحى نخيلاَ من الشوق في راحتيك ..)

في المعنى:

الأسلوب في الفرع خبري كما هو واضح، وتفسير مثل هذا المقطع من الشعر قد يقتله ويظلم الشعر والشاعر معاً قبل أن يظلم المفسر نفسه، ومهما يكن من أمر فلا بد من مقاربة المعنى في الحدود الممكنة، فقوله: (أنا الآن برق) يعني أنه في هذه اللحظة الفاصلة يتحول إلى برق! ومن المعلوم أن البرق نور يلمع في السماء إلى أثر انفجار كهربائي في السحاب، وهنا قد تبدو الصورة متكاملة مع ما تقدم في الفرع الأول، فلمع البرق يحصل بفعل التيارات الهوائية المحملة بشحنات موجبة مع التيارات الهوائية المحملة بشحنات سالبة ونتيجة سرعة الهواء واحتكاك الشحنات بعضها ببعض يضيئ البرق ويصدر اللمعان في السماء، لعل ذات الشاعر تمثل الإيجابية في الانضمام إليها، وهي المستقبلة في حالة التوافق والانسجام فيكون لمعان الحب وضياء المسافة بينهما، وقوله: (أرتقَ شعري ب(شعرك)) أي يشبكهما معاً بترتيب وانتظام، وليس بعفوية أو بطريقة اعتباطية، وقوله: (ترسم عيناي عينيك في سقف قلبي) وفي تلك اللحظة الآنية من الانضمام إليها يتحول البصر لديه إلى بصيرة نافذة يمكنه من خلالها أن يثبت صورتها في أعلى بنيان القلب، في سقفه نظراً للمكانة المرموقة التي تتبوؤها فيه، عيناه ترسمان عينيها على سقف لوحة القلب لتبقيان شاهدتين ومبصرتين حبه الكبير لها، وقوله: (تضيئان للنبض درب الخلود)، أي ترسم عيناه عينيها على سقف القلب لتضيء إلى نبضه بالحب المقدس كي يسمو بهذا الحب ويرتقي على درجات البقاء والخلود، وقوله: (الذي شق رمل الصبابات / صبحاً على مشرقيك ..) أي على الطريق الطاهر العفيف الذي رسمه الشوق واللهفة والحنين فأضاء كالصبح على مشرقيها، لسانها وقلبها، وقوله: (أنا الآن أعبر (سم) التوجس) يعني التكرار هنا (أنا الآن) أنه في آن آخر جديد وهو آن العبور من الخوف، وهو في حالة الانضمام إليها وقوله: (بين جنوني وصبرك) يوضح ما تقدم، أي هو في حالة قصوى من الغضب والانفعال، وهي في حالة قصوى من الهدوء والتعقل، هو في حالة قصوى من الانجذاب والإقبال والتوق وهي على النقيض في حالة من الصبر والتمنع، وقوله: (غنيت حتى تشربت صوتك) أي كان في حالة من الفرح فغنى حتى بلغ صوتُه صوتَها فكادا أن يصبحا صوتاً واحداً، وقوله: (واللحن أضحى نخيلاَ من الشوق في راحتيك ..) أي وأصبحت الموسيقا تتسامى وتعلو كشجر النخيل المزدهر بالشوق بين يديها الحنونتين، لعله يعبر بين يديها سم الخوف إلى فضاء اليقين بالحب المقدس .

الصورة والبيان:

الفرع غني بالصور الشعرية، والشاعر يحاول أن يقدم صوراً مبتكرة جديدة، فقوله: (أنا الآن برقٌ) تشبيه وفيه كناية عن الحضور والوضوح والسرعة، وقوله: (أرتقَ شعري ب(شعرك)) استعارة، وقوله: (ترسم عيناي) استعارة، وقوله: (عينيك في سقف قلبي) استعارة، ويصبح التركيب (ترسم عيناي عينيك في سقف قلبي) صورة ثنائية البعد لأنها تتضمن استعارتين معاً، وقوله: (تضيئان للنبض درب الخلود) استعارة، وقوله: (الذي شق رمل الصبابات) استعارة، وقوله: (صبحاً / على مشرقيك ..) استعارة، ويصبح التركيب (تضيئان للنبض درب الخلود

الذي شق رمل الصبابات صبحاً / على مشرقيك ..) صورة حرة لأنها تتضمن أكثر من ثلاث استعارات في آن واحد، وهذا النوع من الصور الشعرية هي صور نادرة في الشعر العربي خصوصاً وفي الشعر عموماً، وقوله: (أنا الآن أعبر (سمَ) التوجّس) استعارة، وقوله: (غنيت حتى تشربت صوتك) استعارة، وقوله: (واللحن / أضحى نخيلاَ) تشبيه، وقوله (نخيلاً من الشوق) استعارة، وقوله: (من الشوق في راحتيك ..) استعارة، ويصبح التركيب (غنيت حتى تشربت صوتك / واللحن / أضحى نخيلاَ من الشوق في راحتيك ..) صورة ثلاثية الأبعاد، وهذا النمط من الصورة يدعى الصورة العميقة وفق المنهج والقصيدة التي تتسم صورها بهذا النمط تدعى قصيدة عميقة، أما القصيدة التي تغلب عليها الصورة الحرة فتدعى القصيدة الحرة، لأنها تمتلك أكثر من ثلاث درجات من الحرية.

الفرع الثالث:

يقول الشاعر:

(أنا الآن

بابٌ يواربه المشتهى

وسط التّيه منتصباً

تشتريه العناكب من مارد الريب

تنسج من حوله سور وهمٍ سميك..

***

أيا امرأةً صنعت عرشها

من مرايا جنوني

وخطت على ماء روحي قصائد

لم تسبر الجن أغوار إلهامها

ثم غنّت فماست غصونُ الجوى في حبورٍ

على ضفتي نهرها ألعسجديّ المفاتن..

والغيم صفّ على فُرش الزيزفون الممرد

من تمتمات الضحى

في خشوع يصلي عليك ...)

يبين هذا الفرع صورة الشاعر باباً للعبور وعقدته (أنا الآن بابٌ) وشعابه الرئيسة هي: (يواربه المشتهى) و(تشتريه العناكب من مارد الريب) و(تنسج من حوله سور وهمٍ سميك..) و(وخطت على ماء روحي قصائد) أما شعابه الثانوية فهي: (وسط التّيه منتصباً) و(أيا امرأةً صنعت عرشها) و(لم تسبر الجن أغوار إلهامها) و(ثم غنّت فماست غصونُ الجوى في حبورٍ) و(على ضفتي نهرها ألعسجديّ المفاتن..) و(والغيم صفّ على فُرش الزيزفون الممرد / من تمتمات الضحى) و(في خشوع يصلي عليك ...) .

في المعنى:

الأسلوب في هذا الفرع يجمع بين الخبري والإنشائي، حيث يتجلى المعنى من خلال البناء والرصف الشعري المتقن، فالشاعر الذي بدأ بإحداث المعاني في القصيدة بتقديم الأحوال الآنية المتعددة لأناه، ففي الفرع الأول بدا التعدد في تلك الأحوال بينه وبينها، حينا ينضم إليه وحينا ينضم إليها، ثم تتحول الأحوال لديه ليبدو كالبرق سريعاً واضحاً وهو يعبر سم التوجس، وفي هذا الفرع يتحول الشاعر إلى مكان للعبور، ولكن لعبور من؟ وكيف؟، في قوله: (أنا الآن) يعني حالاً جديداً، في برهة جديدة، وهذا التكرار الذي يقصده الشاعر ليبين لنا أنه معها في أطوار متعددة من الحالات المتبدلة تبدلاً سريعاً كالبرق قبل العبور ومعه، ولكن هنا بعد العبور واجتياز الحد الفاصل للخوف فقد وصل إلى غايته التي تمكنه من أن يكون بابا للعبور، وقوله: (بابٌ يواربه المشتهى) أي إنه كالباب فاتحا ذراعيه إليها للمجيء والدخول، غير أنها لا تصارحه بأنه هو الغاية والمشتهى، إنما تبقى مواربة في إيحائها، متمنعة عن كشف حقيقة مشاعرها، مخاتلة في أسلوب انجذابها والتعبير عن اشتهائها له، وقوله: (وسط التّيه منتصباً) أي وحيداً بعيدا في مكان يتيه الشخص فيه ولا يهتدي إلى مخرج، أو يعني وسط متاهة أي وسط سلسلة من الممرات بعضها مغلق وبعضها مفتوح تستخدم لقياس قدرة الخاضع للاختبار على الاستفادة منه، وهذا المعنى أضعف من دون شك، ويصبح معنى القول: (وسط التيه منتصباً) أي كأنه الباب المشرع لها مخرجاً أنى تشاء وكيف تشاء حين يصعب عليها أن تهدي إلى الممرات التي تقودها إلى مخرج آمن، ولا نغفل هنا أن (التيه) يعني فيما يعنيه (التكبر والصلف) والسياق في التركيب الشعري يستبعد هذا المعنى إذا لا يشير السياق إلى تكبر الشاعر بل على العكس فهو يبدو منضماً إليها وإن كانت الحالة اللحظية تشير إلى المسافة فيما بينهما هنا، كما يعني (التيه) أيضاً التيه العقلي، الاضطراب الذهني الذي يعوق عن بلوغ الهدف، وهو ضعيف في سياق التركيب الشعري في النص، وقوله: (تشتريه العناكب) يشير إلى أنه الباب الذي ترغب به العناكب ويروق لها أن يكون كي تبني شبكتها عليه، وقوله: (من مارد الريب) أي من الجبار العملاق الذي يستحضر الظن والشك والتهمه، وهذا المعنى التفسيري القريب، لكن المعنى المراد من التركيب الشعري (أنا الآن / بابٌ يواربه المشتهى / وسط التّيه منتصباً / تشتريه العناكب من مارد الريب)،إن الشاعر يبقى باب هدايتها إلى المخرج الآمن وإن كان الشك الذي يحلم به العذال والحاسدون ويدفعون من أجله ثمناً كبيراً قد راودها، وقوله: (تنسج من حوله سور وهمٍ سميك..) أي كما تنسج العناكب بيوتها وشبكاتها السميكة على مثل هذا الباب المنتصب في التيه، فإن الحاسدين له ولها، ينسجون لها بقصصهم ووشاياتهم سوراً من الوهم المتراكم الذي يجعلها أكثر شكاً به وبحبه فتزداد الفجوة بينهما . وقوله: (أيا امرأةً صنعت عرشها

/ من مرايا جنوني) أي مجدها بنته من حقيقة حبه ومشاعره التي عبرت عن حالة من الخروج عن المعقول في انجذابه إليها، وقوله: (وخطت على ماء روحي قصائد / لم تسبر الجن أغوار إلهامها) أي إنها كانت الملهمة التي استطاعت أن توقظ مخيلته وتحفز طاقاته الإبداعية المختزنة في الأعماق لكتابة القصائد التي لم تستطع شياطين الشعر من الجن أن تستحضر له ما استطاعت أن تستحضره هي له، وقوله: (ثم غنّت فماست غصونُ الجوى في حبورٍ/ على ضفتي نهرها ألعسجديّ المفاتن..) أي عندما غنت وأخذت غصون الشوق تتمايل اختيالاً وتبختراً بفرح وبهجة عارمة على سرير الجسد المتموج كالنهر وهي ترقص وتبدي خفايا مفاتن ضفافها الملهمات، وقوله: (والغيم صفّ على فُرش الزيزفون الممرد / من تمتمات الضحى / في خشوع يصلي عليك ...) أي كأن الجسد الأبيض الناعم المثير قد تغطى بغيم كثيف وأخذ يبدده الضحى عن تفاصيل جسدها الراقص فينكشف جماله، وفي حضرة البياض كأن الغيم قد أدهشته مفاتنها فبدا خاشعاً وكأنه يصلي عليها. أما (....) أي بهاء الصورة وروعة الحضور تستوجب الصمت لأن الكلام يصبح عاجزاً عن التعبير لاستحضار المعاني الدالة على موضوعها . وهنا يمكن أن نستدل أن الشاعر يكون بذلك قد عبر سم التوجس ووصل إلى فضاء اليقين.

تقاطع الأزمنة:

زمن القصيدة كما يقدمه الشاعر آني لحظي ويدل على ذلك أنه يفتتح معظم فروع القصيدة بقوله: (أنا الآن) ونلاحظ أن زمن الفعل تناغما وانسجاماً مع هذا الزمن الآني جاء في الفرع الأول مضارعاً (أنضم) و(يسمني)، وفي الفرع الثاني يفتتح الشاعر بقوله: (أنا الآن) ليشير إلى استمرار الزمن الآني على الرغم من الزمن في نهاية التركيب الشعري يشير إلى التحول لقوله: (أنا الآن خيط من النار) .. (خيط من النور) وقد استمر الفعل المضارع في الفرع الثاني انسجاما مع استمرارية الزمن الآني الذي يريده الشاعر بقوله: (أرتق) و(ترسم) و(تضيئان) أما استخدام الزمن الماضي في سياق الزمن الحاضر بقوله: (شق) و(غنيت) و(تشربت) و(أضحى) فذلك يشير إلى أن الزمن الماضي أصلاً مستمر في الحاضر، وإن محور الزمن يبقى أحادي الاتجاه، وهو اتجاه الموجب ولا يمكن للزمن أن يعود إلى الوراء، ويكرر الشاعر الافتتاح في الفرع الثالث بقوله: (أنا الآن) في إشارة منه إلى استمرار الزمن الآني، ففي التركيب الأول من الفرع الثالث تبقى الأفعال مضارعة لقوله: (يواربه) و(تشتريه) و(تنسج)، وإن كان قد استخدم الفعل الماضي في التركيب الثاني من الفرع الثالث لقوله: (صنعت) و(خطت) و(غنت) و(ماست) و(صف) فإن استخدامه للفعل المضارع في نهاية الفرع الثالث بقوله: (يصلي) فهذا يشير إلى أن زمن القصيدة هو تقاطع الأزمنة في الوقت الراهن الذي يعيشه الشاعر، والآن لدى الشاعر تمتد من الماضي إلى الحاضر نحو المستقبل، يضاف إلى هذا الزمن الغائب وهو زمن المرأة التي يعنيها الشاعر، إنها الشاعرة الغائبة كما غاب زمنها، إضافة إلى الزمن الذي استغرقه الشاعر في كتابة القصيدة، إضافة إلى أزمنة موسيقا الشعر على تفعيلات المتدارك (فعولن فعولن فعولن فعول) وزمن الكتابة وكل ما يتعلق بزمن القصيدة قبل إعلانها للعامة، ويبقى زمن القصيدة هو تقاطع أزمنة أفعالها وأزمنة مكوناتها الحاضرة منها والمستترة.

التوازن وتمثيل القصيدة:

إن مركز توازن القصيدة هو (أنا الآن أعبر سم التوجس) الذي يمثل نواتها المركزية ونقطة انبثاق أشعتها، وبالإضافة إلى عقد الفروع نجد أن الفروع الثلاثة تشترك ب(أنا الآن) فهي تشكل نقطة توازن في القصيدة، وإذا لاحظنا أن الفرع الأول والفرع الثالث يتقاطعان ب(جنوني)، فإن الجنون بالمعنى المجازي يشكل نقطة توازن أيضاً، وكذلك الفرع الثاني والثالث يتقاطعان ب(الغناء) فهو يمثل نقطة توازن في القصيدة. فإذا مثلنا مركز توازن القصيدة بدائرة مركزية ثم مثلنا العقد ونقاط التوازن على محيط دائرة واحدة، ومن ثم مثلنا فروع القصيدة بأشعة منطلقة من المركز، ثم مثلنا الشعاب الرئيسة والثانوية لكل فرع على محيط دائرة أيضاً نحصل على تمثيل دائري للقصيدة ومنه نتبين كيف أن القصيدة تميل في تكوينها إلى تحقيق التوازن .

التركيب الشعري والتركيب الاحتمالي:

هل هناك كلمة شعرية وكلمة ليست شعرية؟ وهل صفة الشعرية تكون للكلمة بحد ذاتها أم تكون للكلمة في سياق التركيب الشعري؟ لا أعتقد أن أحداً من العاملين في حقل النقد الشعري يقر بتصنيف الكلام بالشعري وغير الشعري، ولكن لا بد من أن يكون الكلام مرصوفاً في التركيب الواحد بحيث يحافظ على النسقية المناسبة تماما كحجارة الرصيف، وإن الشاعر هنا برصف المفردات في سياق الجملة الشعرية والتركيب الشعري كالبنّاء الذي يختار الحجارة المناسبة لتكون متناسقة في صف واحد من دون اختلاف في الارتفاع، وتراه يستخدم الخيط والبلبل والمسطرة الزئبقية كي يحافظ على التناسق والدقة، فإذا كان الأمر كذلك لدى البناء فكيف يكون الأمر لدى الشاعر؟!.

لست أدعي أنني أستطيع أن أنفذ بتطبيق هذا المنهج في النقد إلى آلية إحداث المعنى لدى الشاعر في لحظة الإبداع الشعرية، ولا ينبغي لي أن أدعي أيضاً أنني في منهج النقد الاحتمالي قادرُ على الوصول إلى الحدوس لدى الشاعر في توليد المعنى الشعري، ولكن المنهج يوفر إمكانية منطقية لفهم تلك الآلية في إحداث المعاني الشعرية وكيف تشكل حواس الشاعر الأسس الفعلية لها، وسأجري للمرة الأولى تطبيقاً في هذا الإطار على التركيب الشعري: (أنا الآن

بابٌ يواربه المشتهى

وسط التّيه منتصباً

تشتريه العناكب من مارد الريب

تنسج من حوله سور وهمٍ سميك..)

أما قوله: (أنا الآن) فقد سبق أن تحدثت عنه وقوله (باب) هو اسم نكرة ويعني كل باب حقيقي مهما كان نوعه أوصفته، وقد وضعت هذه الكلمة في القاموس لتعني معنى ما وضعت له الكلمة (باب) وبذلك تكون الكلمة قد فتحت شبكة من الأذرع التي لا تحصى لإحداث معنى من خلال اشتباك هذه الكلمة مع كلمة مجاورة في الجملة الشعرية، بالإضافة إلى أن الباب يمكن أن يأخذ معنى مجازياً وبذلك يكون احتمال إحداث المعاني أكبر، وهنا سنتحقق بالتطبيق العملي ماذا تعني الكلمة الشعرية، إن معيار الشعرية لهذه الكلمة مثلاً يرتبط بمقدار مؤالفتها مع قرينتها بالتجاور المكاني الذي ينسجم مع المعنى المراد في سياق التركيب الشعري، وهذا ما سيتوضح شيئاً فشيئا من خلال هذا التطبيق، فإذا لاحظنا أن الكلمة التالية المجاورة لها هي (يواربه) والأصل فيها (وارب، يوارب، مواربة، فهو موارِبٌ، والمفعول موارَبٌ) لوجدنا أنها تعني ((1) لجأ إلى طرق ملتوية فيها مخاتلة .. خادع .. راوغ.. داور كالقول: "وارب لبلوغ مآربه " (2) فتح نصف فتحة .. فتح قليلاً كالقول: " وارب باباً " (3) عدم الوضوح والمصارحة (4) وارب منافسه: أي تكلم بكلام يحتمل معنيين، كالقول: "تكلم من دون مواربة " أي بصراحة ووضوح، ثم تجاورها الكلمة (المشتهى) وهي اسم مفعول، أي ما يشتهيه الشاعر منها وهو متعدد ومتنوع، ويكون الأصل في الجملة (المشتهى يوارب الباب) وهنا يتوضح الرصف والتجانس في التجاور ليستقر المعنى الذي يحدثه الشاعر بالجملة الشعرية، أي المشتهى من المرأة التي يعنيها وهو إعلان حبها له ويقينها بذلك الحب يفتح الباب قليلاً ليسترق النظر عما في الداخل، وهو المعنى القريب للجملة التي توحي بالمعنى وهو الذي ذكر سابقاَ، والشاعر لم يأتِ بالتركيب على صيغة الأصل إنما قال: (باب يواربه المشتهى) والصدارة في هذه الجملة للباب الذي يستخدمه الشاعر معادلاً له لجهة المشتهى من المرأة، والمواربة تأتي في الدرجة الثانية من الأهمية ومن ثم المشهى، وهذه الجملة نفسها: (بابٌ يواربه المشتهى) يمكن أن تصاغ بأحد الأشكال، التي تشكل جملاً احتمالية، (1) بابٌ يواربه المشتهى، (2) باب المشتهى يواربه، (3) يوارب الباب المشتهى، (4) يوارب المشتهى الباب

(5) المشتهى يوارب الباب (6) المشتهى البابَ يوارب . وكل جملة لها معنى يختلف عن الآخر إنما الشاعر أراد الجملة التي تعني ما يريد، والمؤدى أنه إذا كانت كلمة (باب) يمكن أن تأخذ مثلا عشرة معان – وفي الحقيقة يمكن أن تأخذ معاني مضاعفة ولكن فقط للتوضيح- وكلمة (يواربه) كما تبين لها أربعة معانٍ وبافتراض أن كلمة (المشتهى) لها عشرة معان أيضاً - وكذلك لها معانٍ مضاعفة - فيمكن في هذه الحالة أن تولد الجملة (بابٌ يواربه المشتهى) أربعمئة معنى، وهو نتيجة جداء عشرة بأربعة بعشرة وفق المبدأ الأساسي في العد،ولنا أن نتخيل التعدد الاحتمالي للمعاني التي يمكن أن يولدها النص، لكن النقد يتوقف عند المعاني التي يمكن أن يولدها النص الفعلي في القصيدة وإن كانت المعاني الاحتمالية تبقى افتراضية من دون شك، وفي الجملة التالية من التركيب (وسط التيه منتصباً)، فكلمة (وسط) تعني: (1) متوسط بين طرفين، كالقول: "مركز وسط"،(2) معتدل، مقبول، بين بين، كالقول: "حل وسط " (3) ما هو متوسط بين اثنين، كالقول: "لون وسط بين لونين"، (4) عادي، متوسط، كالقول: " صنف عادي " (5) واقع في وسط المدينة، كالقول: " حي وسط "، (6) نقطة على مسافة متساوية من طرفي شيء، كالقول: " وسط الشارع " (7) حالة قائمة بين طرفين، كالقول: "بقي في الوسط أثناء مناقشة " (8) طور بين البداية والنهاية، كالقول: " وسط الحياة" (9) مركز، كالقول: "وسط صناعي" (10) مجموع أعضاء مجلس سياسي يجلسون في الوسط، كالقول: "نواب الوسط" (11) موضع الزنار من جسم الإنسان، كالقول: غمره الماء حتى وسطه، (12) محيط، دائرة إقامة الإنسان، مجال نشاطه الحياتي، كالقول: "وسط عائلي" (13) مجتمع يعيش فيه الإنسان ويتأثر به، محيط، بيئه، كالقول: "لم يشعر أنه في وسطه"(14) وفي الهندسة تعني: مركز الدائرة .

ونلاحظ في المعاني كلها أن الوسط لا يعني المنتصف إلا في المسافة بمعناها الحقيقي، وكلمة (وسط) على تعدد معانيها فإنها مؤهلة للتجاور عبر هذا الطيف من المعاني مع المجاورات التي تحدث معاني شتى، أما كلمة (التيه) المجاورة فتعني: (1) كِبر وصلف، كالقول: "يختال تيهاً " (2) ضلال وعدول عن الصواب، اضراب ذهني يعوق عن بلوغ الغاية، كالقول: تيه العقل (3) الأذن الباطنة، (4) مكان يتيه الشخص فيه ويضل ولا يهتدي إلى مخرج منه، مَضَلْ، كالقول: " تيه أزقة حيّ قديم " (5) سلسلة من الممرات بعضها مغلق وبعضها مفتوح تستخدم لقياس قدرة الإنسان أو الحيوان على الاستفادة من الاختبار. وبإضافة (وسط) إلى (التيه) تصبح الجملة (وسط التيه) حاملة لمعاني متعددة أما السياق فيشر إلى أن الشاعر يعني بها: مركز المتاهة، منتصباً أي: (واقفاً) أو (مهيّأً) أو (قائماً) ويصبح عدد المعاني الاحتمالية للجملة للجملة (وسط التيه منتصباً) في سياق التركيب هو ناتج جداء أربعة عشر بخمسة بثلاثة ويساوي مئتين وعشرة معاني، اما المعنى المرجح للجملة هو(واقفاً في مركز المتاهة). فإذا أضيف هذا الناتج إلى سابقه يصبح الناتج ستمئة وعشرة معاني، أي الجملتان معاً تنتجان هذا الرقم من المعاني الاحتمالية، وكلها ممكنة وكلها واقعية بالمعنى النظري، فهي إذن افتراضية، وفي النقد الكلاسيكي يتوقف عند حدود المعاني القريبة الضيقة أما المنهج الاحتمالي فإنه يحاكي بنية النص الاحتمالية ويمكننا من البحث عميقاً في المعاني الافتراضية، والهدف هنا ليس البحث في المعنى الافتراضي للنص بقدر ما نهتم بالبحث عن المحمول الدلالي للنص الفعلي وإن كانت المنهجية غدت واضحة إلى حد كبير، وسيكون ضربا من الترف المجاني أن نذكر بالتفصيل المعاني الافتراضية كلها، وهذا لا يمنع من فعل ذلك عندما يكون التركيب الشعري قصيراً كفاية لكي تتوضح الصورة أكثر فأكثر، وهكذا يمكن أن نتابع في تقصي عدد المعاني الاحتمالية الممكنة في تتمة التركيب الشعري، (تشتريه العناكب من مارد الريب / تنسج من حوله سور وهمٍ سميك..).وسنجد أن الرقم كبير جداً، فإذا كان الأمر هكذا في هذا التركيب المختار! لنا أن نتخيل كم يمكن أن يكون عدد المعاني الاحتمالية في القصيدة الواحدة، إنه رقم كبير جداً جداً .

النص الاحتمالي (الممكن) 

القصيدة تتألف من ثلاثة فروع كما رأينا، ويمكن إعادة ترتيب هذه الفروع بست طرق، أي هناك ست قصائد ناتجة عن إعادة ترتيب الفروع فقط، وإذا وجدنا أن الفرع الأول يتألف من ثلاث شعاب رئيسة وأربع شعاب ثانوية فإن عدد إمكانات ترتيبها هو(5020)، وكذلك الفرع الثاني يتألف من ثلاث شعاب رئيسة وخمس شعاب ثانوية فيكون عدد إمكانات إعادة ترتيبها هو(40320) أما الفرع الثالث يتألف من أربع شعاب رئيسة وثماني شعاب ثانوية فيكون عدد إمكانات إعادة ترتيبها في هذا الفرع هو (479001600) وتصبح عدد إمكانات إعادة الترتيب للشعاب في الفروع يزيد عن الخمسمئة مليون ونصف أي هناك ما يزيد عن هذا العدد من النصوص الاحتمالية الممكنة،ولا يمكن لعقل أن يحصي عدد المعاني الممكنة في القصيدة الشعرية الواحدة، وإنني إذ أقد هذا العدد الممكن للقصائد المتولدة عن النص الواحد فلكي أبين المبدأ من جهة، ولكي أبين أن كل نص ممكن هو نص احتمالي، فهو نص افتراضي وإن كان واقعياً، والشاعر لا يعترف إلاّ على نصه الشعري الذي أعلنه للناس. 

 

مفيد خنسه - شاعر وصحافي وناقد من سورية

(مؤسس منهج النقد الاحتمالي)

رئيس تحرير صحيفة الثورة السورية سابقاً

  

سونيا عبداللطيفسافرت عبر عدّة مواقع على الإنترنت في رحلة أبحث عن منشإ قصيدة الهايكو أو ما يسمّى هائيكو فعثرت على عدة دراسات .. بعض الأراء تتفق فيه جاعلة له شروطا مدروسة.. أخرى تتضارب وترفض رفضا قاطعا هذا الجنس الأدبي ولا تصنّفه شعرا، فئة ثالثة تتنازع إذا كان النص في حد ذاته تصحّ فيه تسمية هايكو أم لا... وذلك شأن  كلّ جنس أدبيّ جديد يظهر في السٍاحة الثّقافيّة فإنّه يلاقي الويل ويتعرّض للهجمات والانتقاد من كلّ الألوان كما حدث مع قصيدة النّثر التي مازالت تعاني إلى اليوم ..

إلاّ أنّ جلّ المنظّرين والنّقاد والدّارسين اتّفقوا على أنّ قصيدة الهايكو جنس من الشّعر منبعه اليابان وقد انحدر من قصيدة الرّنغا في القرن الثّامن والتّانكا التي كانت في بدايتها تتكون من 31 مقطعا تتوزّع على خمسة أسطر ( 5-7-5 7-7) وكانت تنظّم في شكل مقطوعات شعريّة تسمّى تانكات أصولها تعود إلى مباراة شعريّة تقام في الأوساط المثقّفة ومجالس النّبلاء وهي لعبة ارستقراطية شاعت في دوائر الإمبراطوريّة حينها، يقوم فيها شاعر ما بإلقاء بيت شعريّ يدعى "هوكو" ويتولّى الباقون بتكملته ببيت ثان وثالث.. وهكذا..

وفي أواخر القرن السّابع عشر شهد قصيد الهايكو تطوّرا وتجديدا وأصبح فنّا حقيقيّا متميّزا يُضفي جوّا من الطّرافة على مجالس أهل الأدب (هائيكائي نو "رنغا") أي شعر التّرفيه.. ولمّا انتشر بين أوساط طبقات المجتمع وصار عامّا فقد شيئا من قيمته الشعريّة فأسقطت منه الأبيات الثّانوية واختصر في بيت واحد أساسي هائيكائي نو هوكو وهايكو أو هائيكو اختصارا لتلك التسمية.. و"هاي" تعني التّرفيه والضّحك و "كو" تعني كلمة او مفردة... فهي كلمة المتعة والدّهشة...

معلّم ومؤسّس قصيدة الهايكو الأوّل هو الشّاعر الياباني مانسو باتشو (1644- 1694) ومعاصريه مثل الشّاعر والرّسّام  بوسا بوسون (1716- 1783)

والشّاعر ماسا أوكا شيكي (1867- 1902) وغيرهم.. فهم الذين وضعوا لها شروطها وخصائصها وحتى مضامينها فضبطوها في 17 مقطع باللّغة اليابانيّة توزّع على أسطر ثلاثة (5-7-5) ومفرداتها كونيّة تعبّر في المطلق لا تحتمل الانزياحات ولا الوصف ولا التّدبير منطلقها عقيدة وفلسفة الزّنّ التّأمليّة التي درسها باتشو على يد الكاهن البوذي بوتشو (1642- 1715) فهذا المذهب هو رحم وروح الهايكو بما تعنيه من استغراق في التأمل إلى حد بلوغ الاستنارة واليقظة.. ومفردات قصيدة الهايكو مختزلة مكثّفة تعتمد على الدقّة والإيجاز والاختصار والبلاغة بكلمات بسيطة وقليلة تعبر عن مشاعر جيّاشة وأحاسيس عميقةٍ غالبا تكون فيها الأسماء نكرة وأفعالها تكتب في المضارع لتشدّ المتلقّي فيعيش الهايكو كما لو أنّ الصّورة تحدث أمامه لحظة قراءته لها... بالتّالي كلّ حرف أو كلمة أو تعريف زائد يفقد قصيدة الهايكو وزنها وقيمتها ويثقلها فالأسطر يجب أن تنساب بنسق مميّز  والمفردات ترد في سلاسة..

ثم انتشر هذا الجنس من الشّعر في أواخر القرن التّاسع عشر والقرن العشرين وتخطّى حدود اليابان الجغرافيةِ بعد أن صار متداولا ومستهلكا بين كلّ شرائحِ مجتمعه وعامّة النّاس كما فقد شيئا من هيبته إذ كان يختصُّ به أهله ومقيمو البلاط ومجالسُ الأدب.. ومن ثمّ عمل الكثيرون على تطويره وتجديده حتى داخل اليابان نفسه.. فأصبح قصيد الهايكو لا يقتصر على مواضيع الطّبيعة والفصول والحبّ والشّوق والهجر والرّوح والإنسان كما وقع الاستغناء عن عدد مقاطعه 17 التي يمكن أن لا تتجانسَ الكتابة اليابانية ولا تتواءمَ مع اللغات والصّوتيات الأخرى في العالم... وتناولوا في قصيدة الهايكو كلٍ المواضيع وطرحوا فيها القضايا بشتّى أنواعها ( الوطنية والاجتماعية والسياسية والإنسانية..) لتعبّر عن حياة الشّاعر ومعاناته...

يقول النّاقد العراقي عذاب الركابي:

" لكل بيئة، الهايكو الذي يمثّلها مادامت الطّبيعة هي مادّته.."

ونجد مثلا الشاعر علي دبدوب في هايكو يقول معبّرا عن قلقه إزاء الحرب:

يحرس الأرض

يقلّم الزيتون

وأفكاري

أبي

وكتب الشاعر قاسم حبابة معبٍرا عن الفقر في المجتمع في هايكو له:

من رائحة الشّواء

يتناول الخبز

فقير

(هذه الهايكو الأخيرةَ يوجد ما يشبهها في قصص البخلاء الطّريفة التي تروي قصّة رجل فقير جعل قطعة خبز وجدها أو تسوّلها قبالة بخار الشواء في مطعم فطالبه صاحب المطعم بثمن الرائحة..)

بعد دخول قصيدة الهايكو أمريكا وبلدان الغرب وترجمتها ومحاكاتها قراءة وكتابة دخلت أيضا بلدان الدول العربيّة بترجمة نصوص الهايكو من اللغة الإنجليزية أو اليابانية... و غيرها إلى اللّغة العربيّة.

ويعتبر الشّاعر والأديب الفلسطيني عز الدين مناصرة أوّل من كتب قصيدة الهايكو وله ديوان من هذا الجنس كتبه سنة 1964 وقد عانى ما عانى من الانتقاد والسخرية من أدباء عصره وهو يعتبر أشهر من كتب هايكو " تانكا" إذ خرج عن إطار التّصوير الشّعري إلى توسيع الهايكو العربي إلى مستوى التّوقيعة الشّعرية التي تتنافى وقواعد الهايكو التّقليدي ويعرّف مناصرة الهايكو فيقول :

" الهايكو قصيدة قصيرة مكثّفة تتضمّن حالةَ مفارقةٍ شعريّة إدهاشيّة ولها ختام مدهش مفتوح أو قاطع أو حاسم وقد يكون قصيدة طويلة إلى حدّ معيّن وقد تكون قصيدة توقيعيّة إذا التزمت الكثافة والمفارقة والومضة والقفلة المتقنة المدهشة...

بمعنى أنها قصيدة تنزع إلى التّضاد والتّقابل"

ويقول عن مهاجمته له عند تجربته في كتابة قصيدة الهايكو وتطويرها :

" رجعت من المنفى في كفّي (خُفّي حُنين) حين وصلت إلى المنفى الثٍاني سرقوا منّي الخُفّين.. "

يقول مناصرة ان الهايكو هو فرع من فروع التّوقيع الشعريّ.. وبذلك صار للهايكو عدّة مسارات وجعلوا له مهرجانات ومجلاٍت وتقام له النّدوات...

ومن هايكاته:

* سلاما آه يا أبتاه إن تعبوا فلن أتعب

وإن ركضوا إلى أعدائهم طمعا

فلن أذهب

 

*انا امير

أنت أمير

فمن يا ترى يقود هذا

الفيلقَ الكبيرْ

 

* الأفعى لا تُخلي حَجَرا إلاّ بالفأس

الأفعى لا ترْحل بالموسيقا

الأفعى لا ترحل إلاّ إن قطع الرّأس

 

كما يعتبر  الأديب الدكتور عبد الكبير الخطيبي المغربي ( وهو مدرس في السّوربون وله عدّة دراسات أدبيّة كما يتقن عدّة لغات وهو مطّلع على ثقافات العالم ) أنّه من أوّل المؤسّسين لقصيدة الهايكو الذي شهد تألّقا على يده عند العرب

يقول في إحدى  هايكاته الشّهيرة :

مثل سيف ينغرز

في أحشاء طفل

إنّه الحزن

فقصيدة الهايكو تكون عفويٍة ومقتضبة تشبه الطّفل الصّغير حين يقول جملته التي تأتي على لسانه عفويّة وفي مقاطع متفرّدة..

يقول الشاعر سامح درويش يعرف الهايكو بهايكو له :

أن تكتب كطفل

بخبرة شيْخ

هو الهايكو

وفي المشرق لم تلقَ قصيدة الهايكو إقبالا وقبولا ولا صدى كبيرا إلاّ من فئة قليلة تناولوها وكتبوها ومن هؤلاء تضلّعت الشاعرة السورية إيناس أصفري في كتابته فتقول في هايكو إنساني نبيل:

أصابعه

ترى وجه حبيبته

الكفيف

قصيدة الهايكو عُرفت عند العرب  بعدّة تسميات مثل التّوقيع، الومضة المدهشة، الشذرة، إضاءة، ومية، تكثيف، برقة، لغة الحاسٍة السّادسة، قصيدة ناعمة، ايبغرام...

وهي قصيدة صنّفوها كونها لا تقبل التّأنق أو التّدبر أو التّفكير..فهي عفويّة وبسيطة تأتي في جمل متضادة كإشارات أو تلميحات.. كصورة خاطفة.. أو لقطة بارقة..

مثال لذلك كتب تشيكي في هايكو يقول:

وبل في الصّيف

المطر يهطل

على رؤوس أسماك السّيوط

 

ويقول ليوسون:

أصبع البنّاء

المجروح

وزهور الآزاليا الحمراء

 

إن كاتب قصيدة الهايكو انسان مُرهَف الأحاسيس، دقيق المشاعر، فطن منتبه للأشياء البسيطة والتّفاصيل الدّقيقة التي من حوله والتي لا يتفطّن لها الآخرون..

يعبّر أونيتسورا عن عمق إحساسه بما يخطف بصره يقول:

تغوص روحي في الماء

ثم تطفو

مع طائر الغاق

ويقول أستاذ الهايكو باشو:

صفصاف أخضر

تتقاطر أغصانه على الطّمي

أثناء الجزر

اختلطت المفاهيم حول كتابة الهايكو فمنهم المدافعين عن خصائصها التقليدية الرّافضين للتّجديد باعتباره جنس أدبي مرتبط بتاريخ معيّن... فئة ترى أنّه يمكن الانطلاق بالهايكو إلى كتابة نصّ شبيه متطوّر مستوحى منه في سياق جديد...

ولكن كيف سيتم الفصل بينهما وماذا ستصبح التّسمية للنّصّ المبتكر عن القديم؟

فئة ثالثة حسب قول الشّاعر عبده فايز الزبيدي وهو الآخر يُعتبر رائد شعر الهايكو في العربيّة وقد وضع لها قوانينها كما جاءت في أصلها التٍقليدي ويرى أنها نصّ شعريّ موزون سطريّ لا يلتزم بقافية.. وتمارس  في نص قصير تكون تسميته هايكو.. ويصرّ على شروط كتابته في 17 مقطع توزّع على ثلاثة أسطر (5-7-5) وقال أنّها قصائدُ إصغاء إلى الطّبيعة والكائنات، إصغاء إلى لغة الأشياء وما تقوله الحياة من كلمات على لسان الرّيح، المطر، البرق، الثّلوج،.. فهي لغة العناصر الموجودات السّاكنة والمتحرّكة، لغة الوردة، لغة النّبع، لغة الطّير. وعبّر عنها باتشو كونها لغةَ الزّاهدين وبالتالي فاللغة فيها تكون متقشّفة تنطوي على جمال سرّ الوجود وعلى فتنة الإدهاش في صورة شفافة رقيقة تعكس طبيعة حياة باطن قائلها وعمق إحساسه...

إنّ قصيدة الهايكو انتشرت واشتهرت عند العرب، خصوصا في المغرب فجعلوا لها مهرجانات خاصّة، قراءة ونقدا وتنظيرا.. ومن أهمّ روّادها المهتمّين بهذه التّجربة نور الدين ضرار الذي له انطولوجيا للهايكو وله إنتاج إبداعي في ذلك الجنس كما له كتاب جمع فيه أعمال عشرة شعراء لكل منهم تناول عشرة هايكوات، وله أيضا كتاب جمع فيه مختارات من الهايكو المغربي.

وفي هذا الصدد يقول ضرار :

" إذا كتبنا الهايكو كما ظهر في القرن 17 فهو استنساخ له ومن باب التّقليد الأعمى فالهايكو بدأ مع باشو بثباتِ بنيته الهندسيّة لكنّه يخضع للتطوّر عبر حساسيّات شعريّة متباينة وتصوّرات إبداعيّة متنوّعة وهو مثل كلّ الفنون قابل للتّهجير والتّصدير انطلاقا من أرخبيله الأصلي لجغرافيات أخرى متاخمة أو متباعدة بلغات مرادفة وجماليّات مغايرة.. "

ويقول الشاعر سامح درويش وهو اليوم علاّمة معروف في تجربة الهايكو كتابة وتنظيرا وتنظيما :

" كتابة الهايكو اليوم لا تعني الرّجوع إلى عهد باشو وإيسا وشيكي وغيرهم من الشّعراء اليابانيّين الذين أسّسوا لهذا النّوع الشعريّ كلّ حسب مرحلته.. الهايكو إذن شهد تطوّرا مستمرّا داخل اليابان نفسه.  إذ لم يعد شَرطا مرتبطا بالطّبيعة بل أصبح يعبّر عن مختلف المواقف الإنسانيّة والمجتمعيّة.. كما أنّ هناك نقاش مستمرّ حول حدود المجاز والكلمة الفصليّة والقواعد الصّوتية في الهايكو ممّا يعني أنّنا اليوم نكتب هايكو مناسبا للّحظة ويعبر عن قضاياها واختلاجاتها الإنسانية.. "

هذا ما عبّر عنه درويش بسبب اختلاف الأدباء في فكرة قبول الهايكو كشعر بين رفض وقبول وسخريّة وتنقيص من قيمته ولجهلهم بفنيّاته وعدم إدراكه واستيعابه خاصّة من قبل دعاة الحفاظ على جنس الشّعر العربي..

أمّا عن الهايكو في تونس.. كيف بدأ ومع من بدأ ومتى بدأ... فلا توجد دراسات كافية وشافية... فلقد تصفّحت عدّة مواقع إلكترونيةٍ فلم أعثر على دراسة حول جنس كتابة الهايكو سوى مقالة للشّاعر التونسي سوف عبيد بعنوان " مدخل إلى قصيد الومضة" فقد أتى على مفهوم كلمة الومضة لغة واصطلاحا عند العرب وتسمياتها المختلفة، مشيرا أن  قصيدة الومضة بدأت في أواخر القرن العشرين مع:

صالح القرمادي

محمد الحبيب الزناد

الطاهر الهمامي

عزوز الجملي

هؤلاء ساهموا في إظهار هذا الجنس الجديد من الكتابة في الشّعر التّونسي.. ويضيف في مقاله أنّ الدّائرة في كتابة الهايكو توسّعت من بعدهم فلحقهم الكثيرين، بعضهم يكتبونها للتّنويع في أعمالهم الأدبية.. وبعضهم تجربة يريدون خوضها..

آخرون اختاروها جنسا تخصّصوا وتعمّقوا في كتابته وعملوا على تطويره... مثل الشاعر سالم اللبان الملقب في تونس بالهكواتي والذي كان ومازال مخلصا لنمط كتابة الهيكات أو الهكوات اليابانية ووفيّا لمبدعها ومعلّمها الأول باشو..

ثم واصل العديد من الشّعراء كتابة الهايكو في القرن 21 فتعاملوا معه كلّ بطريقته معتمدين الإيجاز والتّكثيف والبلاغة والمباغتة والدّهشة في السّطر الأخير منه.. فكلّ شاعر تناولها من زاويته بحسب ارتباطه بمحيطه وعالمه وتأثيره عليه سواء فيما يتعلّق بالإنسان وقضاياه والبيئة التي ينتمي إليها أو المتعلّق بهموم الإنسان وحياته اليوم أو بالتعبير عن ذاته وأحزانه..

كما يمكن القول أن الهايكو أصبح موضة استحسنها البعض، كما نقدها البعض الآخر خاصّة شعراء العمودي.. قالوا أنها جنس أدبي يعود لتراث ليس تراثنا وأن ذلك يسيء إلى مدوّنة الشّعر العربي القديم .. كما يوجد من الشعراء من يقول ويدعي أن العرب قد ابتعدوا هذا الصّنف من الكتابة منذ العصر الجاهلي.. فكتب وقرئ في المجالس الأدبية في حضرة الملوك والسّلاطين في شكل بيت واحد وسميّ ب"البيت اليتيم".. ولهم في كتابته مقاصد وغايات وحكم وعبر...

كما أشار الشاعر سوف عبيد أن الشاعر التونسي الحبيب مرموش قد جرب كتابة الهايكو في مجموعة له أطلق عليها اسم "القصائد المهرّبة" ثم مجموعة أخرى أعطاها عنوان "قصائد البرقيات" .. وجعل لهذه البرقيات أو الومضات عناوين متنوعة معبّرة عن قضايا مختلفة جاءت في صيغة المفردة الواحدة وغير معرّفة.. مثل : حيرة، حلم، قبلة، حنين... وجاءت عناصرها في صيغة المصادر أي عمد إلى الأسماء المشقة وتفيد المطلق والتّجريد... ووزعها كما توزع مقاطع قصيدة الهايكو في أسطر ثلاثة بطريقته وأشار الشاعر سوف عبيد أن الحبيب مرموش حافظ على صفة أو خصوصية الثّلاثة فبعد أن كتب كلّ ومضة في ثلاثة أسطر جعل كلّ ثلاث ومضات مجمّعة في صفحة واحدة تشترك في الفكرة أو في العناصر وكأنه يريد أن يشكّل بها وحدة أو قصيدة طويلة تتكوّن من فقرات..

وقد أطلق بعض الشّعراء في تونس على هذه الومضات اسم نبضات وشذارات و برقيات.. في حين حافظ البعض على التّسمية الأولى لها وهي الهايكو... معتمدين دوما نفس الخصائص في توزيع السطور من ثلاثة إلى  خمسة... وتركوا عناصر الطبيعة فيها محور القصيد..

وفي سياق حديث للشاعر التونسي ناجي الحجلاوي قال للصحفي الذي حاوره أنّ محمد البدوي له عمل تحت عنوان "شعر الثورة" قد ضمّنه جزئين أعطى للجزء الأول اسم "وميض" وللجزء الثاني اسم "بريق"  وهي نصوص قصيرة تحاكي قصائد أحمد مطر إذ يقول أنّ العصر تغيّر وأوجب السّرعة لذلك لابدّ أن تختزل القصيدة في الومضة واللحظة الكاشفة... وأشار الناجي الحجلاوي ان تونس عرفت في العشرينات تجربة في الشّعر شبيهة بالومضة التي تكتب اليوم على يد الشاعر السّعيد أبي بكر (1899 - 1948) الذي أصدر مقطوعاته القصار سنة 1930 بعنوان "الزهرات" وله مجموعة أخرى عنوانها "السّعيديّات" ..

ويضيف الشاعر الحجلاوي أنّه يجوز للشعر ما لا يجوز لغيره فهو وحده مخوّل للهدم من أجل البناء (بناء الذات)، فكل شاعر حالم وحاكم منذ جمهورية أفلاطون والشّعر ملح الأرض والعالم صار غرفة ضيّقة بالتالي فالشّعر هو الذي يحدّد ماهيته وكذلك الأدب، فإذا تحقّق المحتوى الفنّي الإبداعي تحقّق فيه الخطاب وذلك دليل كاف على أن ماهية الأدب قائمة،  وأنّ رسالة الشّعر حركة نابعة من النّفس فهي لا تهدأ أبدا...

في الختام ..

- هل يمكن القول أن كلَّ من كتب هايكو مقلّدا له ومحافظا على خصائصه كما ظهر مع مؤسّسيه يعتبر مبدعا... ؟

- هل يقف المبدع عند إنجازات الآخرين؟

- هل يقتصر المنجز الشّعري على تقديم أعمال مماثلة للسّابقين والوقوف عندهم.. أم أنّ المنجز الحقيقيّ هو الذي يبحث عن التّطوير والتّجديد المبتكر والتّحليق بالنّص بعيدا من أجل الأفضل والأجمل والأسمى...

- وأن يسمّي الشاعر كاتبُ قصيدة الهايكو نفسه "هايكست" أليس دليل على أنّه يبحث عن المغاير والمخالفات، ودليل على التّطوير والتّوسّع والتّنويع وعدم الوقوف عند نقطة رسمها السّابقون..

- وبالتّالي هل سيعمل بيت الهايكو الذي وقع تأسيسه سنة 2020 في تونس العاصمة وجعلوا له نادي في فضاء ابن رشيق الثّقافي على تقديم إضافة للهايكو وتطويره في تونس أم أنّه سيختصر على التّقليد لهايكو باشو القديم والدّفاع عن تراث ياباني ليس لنا... ؟

- أخيرا، هل يمكن اعتبار تلك الحكم والأمثلة والألغاز والتّشنشينات.. المتواجدة في تراثنا وبلغتنا أنها هايكو تونسيّ يمثلنا ويشبهنا فيجب البحث والتّنقيب فيه بتوثيقه أولا ثم الانطلاق منه قصد العمل على إحيائه وتجديده، فالإبداع يجب أن ينطلق من أصولنا وجذورنا... مع الانفتاح بطبيعة الحال على إبداعات الدّول والحضارات والثقافات الأخرى لخلق نوع من الأدب التونسي الجديد اللاّفت للنظر... ويمكن اعتماده وتسجيله في مدوّنة الشعر التونسي..

 

سونيا عبد اللطيف

تونس 27 /03 /2021

 

 

علي القاسميالـكـومـة*

بقلم: علي القاسمي

كانت العَتَمة تلفُّ أشجار الحديقة العامَّة ونباتاتها، فـتُخـيَّل إليه كأشباحٍ سودٍ طويلةٍ وقصيرةٍ ذواتِ أذرعٍ متعدَّدة متحرِّكة مثل إخطبوط هائل داكن. وكانت أمطار الليلة الماضية على الأرض قد تجمّدت، هنا وهناك، صقيعًا يتكسَّر تحت وقع قدميْه. وعصفتْ رياحٌ ثلجيَّةٌ تخترق القلنسوة التي يعتمرها، وتلسع أُذنيْه وأنفه وشفتيه فتحيلها حمراءَ قانيةً كعرف الديك. وأخذتْ أنفاسه اللاهثة المتلاحقة تتناغم مع اصطكاك أسنانه وارتجاف أوصاله. وفيما هو يجري مسرعًا مكدودًا، لاحتْ له كومةٌ قاتمةٌ على جانب الممرّ. ولم يكُن لديه متَّسع من الوقت، ليمعن النظرَ أو يطيله في تلك الكومة؛ فاكتفى بأنْ حسبها مجرَّد كومةِ أحجارٍ جُلِبتْ لترميمِ سياج الحديقة العامَّة، أو ركام أغصان تجمَّع من جراء تشذيب الأشجار. لا يهمّ.

في فجر اليوم الثاني، انطلق كعادته كلَّ يوم يمارس رياضة العدو في الحديقة العامَّة المجاورة لمنزله. وفي الغَلَس، لمحَ الكومةَ ما تزال في مكانها على جانب الممرّ. وعندما اقترب منها هذه المرَّة ندَّت منها حركةٌ مريبةٌ. ولم يكُن لديه من الوقت الكافي ليدقّق النظر أو يطيل التأمُّل، إذ كان عليه أن يعود إلى المنزل مباشرة للاستحمام، وتناول طعام الفطور، والتوجُّه إلى مقرِّ عمله في المصنع قبل الساعة السابعة صباحًا؛ ولهذا اكتفى بافتراضِ أنَّ الحركة صادرةٌ من واحدٍ من الكلاب أو القطط السائبة التي تتّخذ من الحديقة ملجأً. لا يهمّ.

في اليوم الثالث، وفيما هو يركض مقتربًا من الكومة ذاتها في المكان نفسه على جانب الممرِّ، تراءى له ما يُشبه اليد ممدودةً منها. وبعد بضعِ خطواتٍ، توقَّف عن الجري ليعود القهقرى إليها، ويحدّق فيها؛ فإذا بها امرأةٌ عجوزٌ متلفِّعةٌ بعباءةٍ سوداءَ، تسند ظهرها إلى شجرةٍ كبيرةٍ من أشجار الحديقة. ظلَّ مطرقًا هنيهة، ثمَّ دسَّ يده في جيبه وأخرج بعض النقود، ووضعها في اليد الممدودة في العراء. ولكنَّها لم تقبض النقود، فسقطتْ على الأرض. التقط النقود، وحطّها مرَّة أُخرى في يدها، ونبهها بالمناداة، ولكنَّها ظلّت صامتةً، ولم تقبض النقود. لمسَ كفها وحرّكها بلطف لعلَّها كانت غافية وهي جالسة. ولكنَّ برودةً مريعةً سرتْ من يدها إلى أصابعه، وأشاعت في جسده قشعريرة وتوجّسًا. وقبل أن يتاح له القليل من التفكير، مال جسم المرأة بأكمله مع تلك الحركة الخفيفة، لتسقط على الأرض جثةً هامدة.

***

........................

* من مجموعة علي القاسمي القصصية، أوان الرحيل، الطبعة الخامسة. الدار البيضاء: دار الثقافة، 2019.

.........................

المقالة الأولى:

احتضار المرفق العام.. قراءة تأويلية للقصة القصيرة "الكومة" لعلي القاسمي

الحسين بوخرطة*

ولد علي بن الحاج محمد بن الحاج عيسى بن الحاج حسين القاسمي (المعروف بالدكتور علي القاسمي)، أشهر النقاد والقصاصين العرب، في بلدة الحمزة الشرقي في محافظة القادسية في العراق في 31/5/1942. اختار في ريعان شبابه، أي منذ سنة 1972، أن يقيم ويعيش في المملكة المغربية.

تعد قصته "الكومة" من روائعه الإبداعية نظرا لغناها اللغوي وما تحتمله من تأويلات جد إيجابية وبناءة. إنها قصة معبرة عن قدرة اللغة على الإيحاء، بدون نفي مفهوم القصدية وارتباط اللغة ذاتها بغرض قائلها. بطلها يتحدث بضمير الغائب، بتعبيرات لفظية تتفاعل معها الروح بنفسية متوترة، لا تتيح أي هامش للحياد. البطل رجل متعود على ممارسة رياضة الركض فجر كل يوم بطقوس قارة دالة على تنشئته على الانضباط وتدبير الوقت، والتركيز على الذات. إن عمله في القطاع الخاص، عكس السائد في القطاع العام، حوله إلى فاعل يتصارع مع الزمن، بمهام لا تسمح له بالتركيز على تفاصيل الأحداث من حوله، خاصة تلك الخارجة على نطاق ما رسمه له مدبري المعمل.

وهو متعود على هذا النمط في العيش، الذي ترسخ لديه بفعل الضوابط الاعتيادية، تعرض لحدث عارض، لاحقه لمدة ثلاثة أيام. إن التساكن الاضطراري لتعوداته النفسية التي تبعده عن التركيز على تفاصيل الأحداث الخارجة عن نطاق فضاء أنشطة ساعات يومه المهنية من السابعة صباحا إلى غروب الشمس مع خاصيات الحديقة العمومية التي يركض بها يوميا (المرفق العام بأوصاف المتشابهة نسبيا عربيا ومغاربيا)، خلق منه كائنا بشريا نمطيا ومبرمجا. لقد زج به مبكرا في عالم اللامبالاة وعدم استحضار أي فائدة أو حاجة للتركيز على التفاصيل، حتى لو كانت معاناة إنسانية. حرصه على التركيز على الماديات (جسم سليم ومتنافس مهنيا تحت إكراه الخوف من نقصان أو فقدان الطاقة الاستهلاكية) جعله لا يأبه بأي انشغال خارج عن نطاق مسارات تحقيق أهدافه المسطرة مسبقا. وهنا، في اعتقادي، يكون القاسمي قد أغنى رسائل وعبر القاص يوسف إدريس في موضوع التنشئة على الصمت أمام الخطأ والخطيئة، بإبراز سلوك جديد، سلوك الأنانية واللامبالاة اتجاه القضايا والأحداث الخارجة عن اهتمام ذات الفاعل. فالقطاع الخاص في القصة (المعمل)، كمقابل للقطاع العام (الحديقة العمومية)، يجسد منطق الليبرالية كنمط إنتاج وسلوك بشري جديد، تغلب عليه النمطية والحركات المكانيكية، التي تتحول مع فعل التكرار إلى روتين مبرمج. أما أوضاع القطاع العام بلوبياته المتحكمة والمستفيدة، فقد نالت قسطا كبيرا من تأويل عبارات النص القصصي. لقد جسدها الكاتب بتشبيهها بحالة الطقس السلبية السائدة في تلك الأيام حيث العَتَمة التي تلف الأشجار التي يُسقط عليها مشاعر الرجل القلقة فتتراءى له أشباحا أخطبوطية (كانت العَتمة تلفّ أشجار الحديقة العامّة ونباتاتها، فتُخيّل إليه كأشباح طويلة وقصيرة ذوات أذرع متعدّدة متحرّكة مثل أخطبوط هائل داكن). ولإبراز موقف أو تمثلات البطل في شأن طبيعة أوضاع المرفق العام، المشوب بالفوضى واللامبالاة وانعدام الضمير المهني والجمود والصراع من أجل الاغتنام،.... تطرق القاص للوصف المتساوق لحالة الرجل الجسديّة المكدودة (اصطكاكُ أسنانٍ وارتجافُ أوصال) وهو يؤدّي مرغما طقساً روتينيا محاولا التكيف مع مظاهر البيئة من صقيع وعصف ريح في الحديقة العامة (النص: كانت أمطار الليلة الماضية على الأرض قد تجمّدت، هنا وهناك، صقيعاً يتكسّر تحت وقع قدميه. وعصفتْ رياحٌ ثلجيّة تخترق القلنسوة التي يعتمرها، وتلسع أذنيه وشفتيه فتحيلها حمراء قانية كعُرف الديك. وأخذتْ أنفاسه اللاهثة المتلاحقة تتناغم مع اصطكاك أسنانه وارتجاف أوصاله).

إنه يحيلنا على واقع مفروض يتطلب تحمل مشاق التكيف باعتناق سلوكين لا ثالث لهما، الأول أساسه التشبث بموقف اللامبالاة والتركيز على الذات وقبول قانون اللعبة على رقعة الشطرنج المغشوشة (خيار سهل يدمج صاحبه بيسر وبدون معاناة أو جهد كبير في عالم المصالح)، والثاني، بطبيعته الصعبة، يرتكز على المروءة والنضال والتدافع باستحضار مصلحة الذات المشروعة في إطار سياق الرفع من مستوى المصلحة المجتمعية. فالمواطن في إطار دولة مؤسساتية يكون دائما مرغما للتوجه إلى المرفق العام كيف ما كانت جودة أوضاعه (مكان موحش). إنها أوضاع منظومة تعيش معاناة سكرات الموت بسبب الإهمال. الدلالة في النص واضحة. لمح الكاتب "كومة" قاتمة بسرعة أثناء جريه ولم يعرها أي اهتمام، وكأنه يعتبر ما رآه أمرا أو حدثا طبيعيا، مستحضرا في مخيلته في الآن نفسه أن الوضع سيكون متغيرا لو كان الأمر يتعلق بحديقة خاصة مثل المعمل (النص: وفيما هو يجري مُسرعاً مكدوداً، لاحت له كومةٌ قاتمة على جانب الممرّ. ولم يكن لديه متّسع من الوقت (سرعة إيقاع حياة نمط العيش الليبرالي)، ليُمعن النظر أو يطيله في تلك الكومة، فاكتفى بأن حسبها مجرّد كومة أحجار جُلِبَتْ لترميم سياج الحديقة العامّة، أو، ركام أغصان تجمّع من جرّاء تشذيب الأشجار . لا يهمّ.)

لقد أبرز الكاتب من خلال عبارات إبداعية حدة القلق التي تنتاب المثقف كلما استحضر فرضية موت المرفق العام بفعل الإهمال والتسيب. لقد وصف انعدام الوضوح والشفافية بالغلس (ظلمة آخر الليل إِذا اختلطت بضوء الصباح)، وهو وقت مُبكّر جدا (توقيت مرتبك) لممارسة رياضة الجري، وهو في نفس الوقت "العادةُ" المختومة بأحوال عاصفة غمرت فضاء الأحداث المتتالية بلحظات معاناة شبيهة بشدة سكرات الموت، كنهاية محتومة لحياة كائن بشري يترك مكانه لجيل جديد.

العام كفضاء يستوعب الجميع لا يمكن أن يترك أحدا محايدا. وبذلك أحدث الكاتب نقلة في "التأويل" بين اليومين. تغيرت تمثلاته من اليوم الأول الذي اعتبر فيه الكومة مجرد أحجار أو ركام أغصان، إلى اليوم الثاني الذي ندّت فيه حركة مُريبة مع افتراض كونها مجددا حركة صادرة من واحد من الكلاب أو القطط السائبة التي تتخذ من الحديقة ملجأً (وهنا طرح فرضية التنقيص من قيمة الفضاء العام بإثارة عبارات "التسيب" "السائب" "ضالة" وإبراز عدم حاجته للكفاءة). موقف البطل المعبر عن اللامبالاة رغم تكرار الإشارات المنبعثة من الكومة مرده (عدم تقرّبه من الكومة ليطلع على حالها) هو انعكاس لتوجسه من العام. لم يعط لنفسه أي فرصة لاحتمال شيء آخر، كأن تكون هذه الكومة المُهملة "إنساناً" مثلاً. هو الراكض الهارب من أي تفكير يقلق راحته. ما يهمه هو ذاته. غض الطرف جعله يضع أولوياته الترفيهية الشخصيّة فوق كلّ اعتبار، متناسياً كل ما يحيط به أو يصادفه من متغيرات تستحق الالتفات. الأنا بالنسبة له هو التركيز على الرياضة من أجل الصحة وسلامة جسده وكماله والتمتع بملذات الحياة. إنها أنانية مادية لا يمكن أن يتولد عنها إلا الفزع من الموت. فإثارة توقيت اللحاق بالعمل هو تعبير عن ارتباط البطل بالأجر والمردودية في القطاع الخاص، ارتباط جفّت من خلاله المشاعر الإنسانية، وتفاقمت حدة استعباد متطلّبات الحياة للأفراد والجماعات.

إن موت المرأة العجوز هو تنبيه مقلق ودق لناقوس الخطر زمن ما بعد الحداثة في مجتمعاتنا العربية والمغاربية. هو كذلك تحذير قبل فوات الأوان من وقوع خراب الحياة في مجتمعاتنا. ففي اليوم الثالث تراءى له ما يُشبه يد ممدودة من الكومة. ومع ذلك، بسبب حرصه على تجاهل التفاصيل، حتى ولو كانت مرتبطة بمركز كينونة الفرد ومجتمعه، سمح لنفسه بتجاوز ما رآه بخطوات، ثمّ تدارك الأمر وعاد أدراجه، فإذا بها امرأة عجوز متلفّعة بعباءة سوداء. فقرار العودة إلى الكومة هو إشارة لإمكانية حدوث علو للهمم (وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا)، وأمل في استيقاظ الضمير الذي يحمل مقومات ارتقاء القطاعين العام والخاص بمنطق حضاري جديد.

فبالرغم من انقشاع هويّة "الكومة"، استمرت النزعة المادية في السيطرة على البطل، بحيث لم يفكر إلا في ارتباط مد اليد بالعوز والحاجة للمال. أخرج بعض النقود، ووضعها في اليد الممدودة في العراء، ولكنّها لم تقبض عليها، فسقطت على الأرض. لم يستوعب في حينه أنها كانت تحتاج للعطف والعناية قبل فوات الأوان، وأن ينظر لوجهها قبل يدها (النص: التقط النقود، وحطّها مرّة أخرى في يدها، ونبّهها بالمناداة، ولكنّها ظلّت صامتة، ولم تقبض النقود. لمسَ كفّها وحرّكها بلطف لعلّها كانت غافية وهي جالسة. ولكنّ برودة مريعة سرتْ من يدها إلى أصابعه. وأشاعت في جسده قشعريرة وتوجّساً. وقبل أن يُتاح له القليل من التفكير، مال جسم المرأة بأكمله مع تلك الحركة الخفيفة، لتسقط على الأرض جثّة هامدة). ماتت العجوز، وبرز مجددا في الضمائر أن الموت هو صاحب الفضل الأول والأكبر على الحياة وليس العكس.

لقد أبرز القاسمي انطلاقا من واقعنا وتراثنا مفهوم الموت وتطوره سواء تعلق الأمر بالإنسان أو الأشياء أو المنظمات، مستحضرا تفاعل مقوماتنا الوجودية مع التطورات الكونية بدقة علمية بعيدة عن أي تأثر إيديولوجي.

إن الجو الرصاصي البارد الذي حول كل شيء في الحديقة العمومية إلى جمود، وأشجارها تعيش كذلك فصل خريف، شكل صورة قاتمة جسد عبث الزمان بطبيعتها الزاهية الساحرة. لقد اقتحم الموت كل شيء بها جراء شدة الإهمال الذي يحول الكفاءات إلى مجرد أشباح مخنوقة. لغة المكان، الذي تكومت فيه العجوز (الزمان) بحلتها البالية الداكنة، شاع فيه الغموض والتيه والعشوائية واختلاط الأمور إلى درجة أصبح صدى صيحات معاناة الرعايا لا تنفذ إلى ضمير المسؤولين. إن حدة القشعريرة والتوجس اللذان أصابا جسم البطل هو بمثابة نداء بعد فوات الأوان للتلاحم الحميمي ودعوة لنفاذ معاناة الآخر إلى القلوب، وتقوية التواصل بين الإنسان وأخيه.

 

الحسين بوخرطة كاتب سياسي، ناقد أدبي، مغربي.

..........................

المقالة الثانية:

تجليات الموت في "الكومة" للدكتور علي القاسمي

بقلم: البشير النظيفي*

عندما أقف مشدوها أمام الأعمال الفكرية، واللغوية، والنقدية، والإبداعية التي أغنى بها الدكتور علي القاسمي المكتبة العربية ..إضافة إلى ترجماته الفنية، التي شهد له بالجودة فيها بعض فطاحل المترجمين العرب من المشرق والمغرب ..فإني لا أرى مناصا من الإشادة بعبقرية صاحبها باعتباره " جزءا حياً نابضا " في تاريخنا الفكري والإبداعي المعاصر .

لذا فإن البحث الذي ضمه كتابه " مفاهيم العقل العربي "عن الموت، يُعدُّ بحثا قيما استطاع أن يبرز من خلاله مفهوم الموت، انطلاقا من تراثنا ومقومات وجودنا، بدقة علمية بعيدة عن أي تأثر بأحكام سابقة،استشراقية كانت أو إ يد يولوجية ...

ومما جعل البحث يستكمل جدته وقيمته، تمثُّل الدكتور القاسمي للتراث العربي الإسلامي، ودراساته اللغوية الوثيقة الاتصال بأصول اللغة العربية، وكذلك اطلاعه الواسع على البحوث اللغوية الحد يثة .

كل ذلك وغيره د فعه إلى أن يفرد معجما قيما في بابه اختار له اسم " معجم الاستشهادات الموسع " الذي يقول عنه، إنه "..ليس معجما لغويا، فمداخله ليست ألفاظ اللغة عامة، وإنما تمثل موضوعات معينة محدودة لاتتجاوز 1500 موضوع " ص 13 . ثم بعد ذلك يوضح العلاقة المتواجدة بين موضوعات المعجم فيقول: " والعلاقات بين الموضوعات إما علاقة لسانية كالترادف والتضاد وغيرهما، مثلا تحت موضوع [الموت] نجد الإحالة أنظر كذلك: الأجل، الردى، المنون، المنية، الهلا ك ..الخ. ص 15 .

إن العبارات السابقة ـ في نظري ـ لتدل دلالة واضحة، على الوضوح والفهم اللذان تتسم بهما مؤلفات الدكتور علي القاسمي الفكرية، واللغوية، والنقدية التي منها كتاب " من روائع الأ دب المغربي ..قراءات" الذي يحوي مقالة نقدية تحمل عنوان (مفهوم الموت في الثقافة العربية ..ورواية " وعاد الزوق إلى النبع) للأ ستاذ عبد الكريم غلاب .. ولعل المتابع لأعماله النقدية يلاحظ أن الأستاذ القاسمي يبدي فيها نظرات نقدية هادئة، لاتضر أصحابها، ولاتدمي عيونهم ..فهي رقيقة ناعمة، وود يعة في تناولها لمو ضوعا ت إبد اعا تهم ..

تلك كانت كلمة تمهيدية مختزلة عن علاقة المفكر واللغوي المبدع بالروح التي تغادر الجسد كتيمة آثر الدكتور القاسمي أن تحتويها هذه المجموعة، قصد الحفاظ على وحدتها الموضوعة، الشيء الذي يؤهلني إلى القول: بأ ن إحساسه بالموت، وتصوره لأوضاعه وحالاته ..ينطلق من ظروفه، ودوافعه الخاصة، لا من أفكار الآخرين عنه ..

ف"أوان الرحيل " هذه الجملة التي تطفح بالهزيمة، والعجز، والخضوع أمام ذلك المجهول المنتظر الذي تنقضي أمامه أحلامنا، ويدل قدومه إلينا، على انتهاء مرحلة الدار الأولى، وبداية الأخرى ..سبق وأن صدرت طبعتها الأولى عن دار " ميريت" بالقاهرة سنة 2007 فيما يقارب تسعة وعشرين وما ئة [129] صفحة من الحجم الصغير كانت تضم أربعة عشر قصة، إضافة إلى ما جاء في صدرها وعجزها ..وعبر هذا المنحى تجدر الإشارة، إلى أن هيكل المجموعة البنائي الحالي ارتأى المبدع تضمينه نصين قصصيين نشرهما بمجموعته الأولى، الحاملة لعنوان " رسالة إلى حبيبتي " الصادرة سنة 2003 بمقدمة للأستاذ عبد الكريم غلاب .

وعن أسباب ذلك كانت إجابته حول التركيز على تيمة معينة كـ [الطفولة ـ الحب ـ الحزن ـ الموت ..الخ] في لقاء أجراه معه الناقد الأخ ابراهيم أولحيان قائلا: " لم أشتغل على هذه الموضوعات وفق تخطيط مسبق، فقد ذكرت لك أنني لست كاتبا محترفا، وإنما أكتب في أوقات الفراغ، وأثناء استراحتي،عند ما أحس بالحاجة إلى الكتابة وأن لدي ما أقول . ولكن تجمَّع عندي عدد من القصص القصيرة حوالي خمسين قصة، قبل أن أقرر نشرها في كتاب، وعند ما قدمتها إلى الحاج القادري صاحب دار الثقافة للنشر والتوزيع في الدار البيضاء، اقترح علي أن أقسمها إلى مجموعات قصصية صغيرة، لكي يسهل تسويقها وبيعها، لأن قدرة القارئ العربي الشرائية محدودة، فهو لايشتري الكتاب إذ ا تجاوز ثمنه عشرين درهما [حوالي دولارين] . وعند ما واجهتني مشكلة تقسيم هذه القصص القصيرة رأيت أن اصنفها طبقا للموضوعة [التيمة] التي تتناولها القصة . نُشرت بعض المجموعات في الدار البيضاء، وبعضها الآخر في القاهرة، وكانت موضوعات المجموعات القصصية على الشكل التالي [1] " رسالة إلى حبيبتي " تتناول موضوعة الطفولة [2] " صمت البحر" تتناول موضوعات الحب [3] " دوائر الأحزان " موضوعة الحزن [4] أوان الرحيل " موضوعة الاحتضار والموت [5] " حياة سابقة " موضوعة علم النفس الموازي، أما مجموعتي القصصية السادسة، فمعظم قصصها تدور حول الوطن الجريح " ا نتهى [مجلة " عمان " ع 158 ص 30 ـ 31] .

والقصتان اللتان أعيد نشرهما في أوان الحيل، هما:

1 ـ " أصا بع جدي " التي أخذت عنوانا آخر في المجموعة هو: " ليلة وفاة جدي "

2 ـ " البندقية " التي أصبحت تحمل عنوان " الوصية "

والمتأمل لمضمون النصيْن المضافيْن إلى جانب إخوان لهما في المجموعة، يلاحظ أن هد فهما يتمثل في نسج خيوط تيمتهما بمجموعة " أوان الرحيل "، الذي يقودنا أسلوبها الفني بتلويناته الإبداعية، إلى معادلة تكاد تكون سليمة بين الموضوعة ومعناها، ليصل بنا إلى ما يريد ـ والله أعلم ـ المبدع بثه من أفكار تكون زادا لنا في المعرفة والشعور بما لنا وما علينا ..وإذا كان ما ظننته سليما، فخطاب المجموعة القصصية يحذرنا قائلا: " لملموا أنفسكم وخذوا العدة لغدكم " ..خاصة وأن تقنية قصص المجموعة في معالجتها لفكرة تطغى بأشكال مختلفة على مخيلة، تقوى تارة، وتضعف أخرى، لعجزها عن الإجابة " على أدق أسئلة الوجود وأحرجها " وأعني بذلك الموت طبعا، الذي حاول " خيتو مادو " الشاعر الياباني أن يتمرد عليه، لأنه " يفترس المخلوقات دونما اعتبار لتكوينها الرائع، أو شبابها المفتون "

عنصر الخيال في القصة: وبما أننا نعلم، أن الخيال عنصر هام في العمل الإ بداعي، يستطيع المبدع من خلاله، أن يكسب لعمله قيمة فنية، يبهر القارئ بسحره، ويمتعه بجماله ..كما يجعله قادرا على أن يوحي إليه بآ رائه وأفكاره المخلفة والمتباينة ضمنه ..يقول مثلا في وصف حالة الحديقة صباح ذاك اليوم الأول، ما يلي: " كانت العتمة تلف أشجار الحديقة العامة ونباتاتها، فتخيل إليه كأشباح سود طويلة وقصيرة ذوات أذرع متعددة متحركة، مثل أخطبوط هائل داكن " ص 37 .

إذا، كل شيء في الحديقة يعاني من برودة الجو الغائم، الذي سبق وأن سقط برذاذه من قبل على " الكومة " . فهذا الجو الرصاصي البارد الذي حول كل شيء في الحديقة إلى جمود ..يشير أيضا إلى أن أشجارها تعيش ـ كذلك ـ فصل خريف، بعد ما عبث الزمان بطبيعتها الزاهية الساحرة ..ولكون اللغة طيعة بين أصابع هذا اللغوي الذي تعددت مشاربه المعرفية ..باعتبارها وعاء يتلبس معان وأ فكارا، تساهم في تعميق رؤية المكان الذي قدم معالمه في بناء شعري ساحر تدل جمله على قفره وفقره، بعد ما اقتحم الموت كل شيء في الحديقة فتركها " كأ شباح سود طويلة وقصيرة، ذوات أذرع متعددة متحركة مثل أخطبوط هائل داكن . وكانت أمطار الليلة الماضية على الأرض قد تجمدت، هنا وهناك، صقيعا يتكسر تحت وقع قدميه ".

ولعل تشبيه الدكتور علي القاسمي أعواد الأشجار بالأ شباح، قد يقرر ـ في نظري ـ دلالة خارجية تتمثل في القمع أو الإهمال الذي يجعل من بعض الناس أشباحا، يبزغ الموت من ملامحهم . والعجوز كقيمة وصفية ذات حضور زمني دال على الماضي القديم، فإن لفظتها أيضا تلقي بصفة الحياة على الشيء الجامد، الذي هو " الكومة "، وبذلك فهي حاضرة " وبمقدار حضورها الحي، بمقدار ما توحي بالقدم والفناء .

كما أن وجه الشبه القائم بين الصفات التعبيرية للأ شجار التي فقدت أوراقها، والعجوز هو الموت ..وباستبعاد الحياة في علاقتهما يحل الموت ..هذا الموت الذي قال فيه المتنبي:

وما الموت إلا سارق دق جسمه ... يصول بلا كف، ويسعى بلا نعل

والدكتور علي القاسمي يفزع إلى الخيال في قصته هذه، ليوسع به تجربته، ويجملها ..ونلاحظ ذلك لديه عند ما يحل [بضم أوله وكسر ثانيه] الإنسان في الأشياء حتى تكاد الحدود تنطمس بينه وبينها ..ولعل هذا ما عناه الشاعر تميم بن مقبل، عند ما قال:

ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر ... تنبو الحوادث عنه وهو ملموم

فالتحسر الواضح في البيت، يسعى الشاعر من خلاله إلى مقاومة الزمن ..إذ أن رغبته في التحول إلى حجر ملتم على بعضه ـ شبيه بالكومة ـ تحد منه للزمن، وجعله غير قادر على اختراقه ..وبذلك تنبو حوادثه إذا ما أصابته ..

فالمكان إذا، الذي تكومت فيه المرأة الهرمة [الزمان] على نفسها، متلفعة بأسمالها البالية، الداكنة ..جعل رؤ يتها تتعذر على هذا الساري في الغلس، وهو يسرع في جريه، نتيجة اتساع المكان ورحابته، وفعله هذا إن دل على شئ، فإنما على تعلقه بالحياة، التي يرغب أن تسري في عروقه، انطلاقا من كون المكان، لايعدو أن يكون في نظره ـ والله أعلم ـ جسرا يمر عبره إلى آخر مغلق [المعمل] لتأدية مهامه الوظيفية ..

فسرعته وارتباطه بوقت عمله، لم يسعفاه على التحديق، والتأمل في الكومة، خاصة في اليوم التاني من عمله الرياضي، عند ما لمح حركة ندت عن الكومة، ولاختلاط الأمر عليه اعتبرها " صادرة من واحد من الكلاب، أو القطط السائبة، التي تتخذ من الحديقة ملجأ .." على حد قوله في ص 38 .

وبما أن الغيوم التي أرخت سدولها على فضاء الحديقة قد يكون لها دور في عدم الاهتمام بالكومة، ولا بإصاخة السمع لرنينها الواهن أمام صوت الموت الذي يدعوها إليه، بعد ما حرمها المجتمع من العيش في حياة عادلة كريمة، شأن شبيهة لها تمكنت من أن يصيخ الساهرون على مسؤولية رعاياهم السمع لندائها، والحدث ورد في سيرة الفاروق عمر بن الخطاب، مفاده أنه كان " يتعهد عجوزا كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل، فيسقي لها، ويقوم بأمرها، فكان إذا جاء وجد غيره قد سبقه إليها، فقام بما تحتاج إليه، فرصده فإذا بأبي بكر الصد يق الذي يأتيها، وهو يومئذ خليفة .." والحدث ـ في نظري ـ لا يحتاج إلى تعليق .

وبعد هذا الإستطراد أعود إلى الحركة التي بدت منها وهي تحتضر، فأقول: بأنها إن دلت على شيء، فإنما على أنها كانت تحاول النهوض إلى سماء المحبة ..لكن حدَّ من قوتها الوهن، فارتخت عجزا، ثم تكومت على نفسها .

وهي في حركة احتضارها تلك أيضا، تترجم، وتردد بشجاعة وصمت: هلموا وانتبهوا " سأموت بعد لحظات " ..إنه الموت، القوة الجبارة التي لن تستطيع أية قوة أخرى الوقوف أمامها ..فبصولتها ـ كما قال المتنبي ـ تنفذ ما اعتزمت عليه، وبأساليب مختلفة ..ألم يقل الشاعر: "..تعددت الأسباب والموت واحد؟" .

فالكومة إذا، بلُغتها الصامتة أفصحت ببيان نافذ، وتعبير عميق عن حالتها المزرية، المتمثلة في غربتها، ووحدتها، وتهميشها ..هكذا بقيت الجثة على وضعها ذاك، إلى أن لمست يد البطل كفها لتوقظها بلطف، لكن " برودة مريعة سرت من يدها إلى أصابعه، وأشاعت في جسده قشعريرة وتوجسا " ص 38 . فهذا التلاحم الحميمي النافذ إلى جسد البطل من برودة جسدها .. أراه أكثر نفاذا إلى القلوب، وإثارة للشفقة والرحمة فيها ..إضافة إلى تجسيده للوحدة بين الجسدين ـ بعد فوات الأوان طبعا ـ التي تثبت عدم الانفصال بين الإنسان وأخيه.

وإذا كانت يد العجوز الممدودة تدل على فقرها وبؤسها، وحاجتها للإعانة ممن تطلب نوالهم ..لد فع بعض الجوع، والمرض اللذان تعاني منهما في صمت، دون أن تشكو لأحد همها، بعد أن سمحت لنفسها بالنوح والأنين .. فهذه الصورة التي خاطبت بها اليد ـ ساخرة ـ نوال المارين بها، دفعني إلى القول: بأنها أكثر أصالة وجمالا من أي تأويل آخر .

أما سقوط الجثة، وحلولها بالأرض ـ بعد ما تكون الصحف قد جفت، والأقلام قد رفعت ـ فيعكس ـ في نظري ـ إلى جانب الإغتراب ـ توحدها بالأم وعودتها إلى الأصل ..وهو ما عناه أبوالعلاء في بيته المشهور:

خفف الوطء ما أظن أديم الأ ...  رض إلامن هذه الأجساد

فاليد التي د لتنا على هلاك الجثة، تذكِّر بموت نبينا سليمان عليه السلام، والتي أوردها الله سبحانه وتعالى في قوله: ( فلما قضينا عليه الموت ما د لهم على موته إلا دابة تأكل منساته، فلما خرَّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) سورة سبأ آية 14 .

والمنساة كما قيل:هي العصا بلغة الحبشة، التي أكلتها الأرضة، وليحددوا الفترة الزمنية التي قبضت فيها روح سيدنا سليمان، لجأوا إلى " وضع الأرضة على العصا، وبعد ما أكلت منها يوما وليلة، حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانوا يعملون بين يديه، وينظرون إليه، ويحسون أنه حي، ولا ينكرون احتباسه على الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك " .

فالمبدع من خلال قصته تلك، يتحدث معنا ـ لا إلينا ـ كي نحس ونشعر معه نفس شعور انفرادية الإنسان ووحدته، وانعزاله ..رغم انشغاله بمهام الحياة ..

كما أن الصورة الفنية التي وضعنا هذا المبدع الساحر بلغته الرومانسية المنسابة، وتشبيهاته البديعية الخلابة أمامها، لتطفح بالإنسانية التي تثير العطف على كل مشرد، قصم الإهمال ظهره ...

وانطلاقا مما سبق يحلو لي القول، بأن الإحالات التي أتيت على بعضها، قد تكمن في نسيج السرد القصصي للدكتور علي القاسمي، نظرا لثقافته الواسعة، التي تبرزها بشكل جلي مؤلفاته: الفكرية، واللغوية، والنقدية ...الخ

وما توخيته في قراءتي المتواضعة هذه، ليس تحليل القصة،أونقدها ..بل القيام برحلة عبر بعض أفكار هذا العمل الإبداعي، الغنية زواياه بخبا ياها.

 

البشير النظيفي، باحث صوفي مغربي.

...........................

المقالة الثالثة:

رمزية الواقع في قصص علي القاسمي.. قصة "الكومة" أنموذجا

بقلم: عبد السميع بنصابر*

على سبيل التقديم:

عندما تجالس مبدعا ما، فإنك لا بد أن تتلمس هوسه بالمجال الذي يبدع فيه. تستشف هذا من خلال حديثه أو حركاته.. وربما بِصمته أحيانا، أليس للصمت بلاغة أيضا؟! فالفنان التشكيلي قد لا يكبح جماح ذائقته عندما يصرح بها مبديا رأيه في لون هذا الشيء أو ذاك، والملحن يزن الأنغام بأذنه وينوه بجمال مقطع ويشير إلى نشاز آخر إن وجد، والقاص تحكي له القصة أو النكتة، وقبل أن تستجلي أثرها على ملامحه، فقد يفاجئك بتصويب أسلوبي منه، بل قد يدفع به الهوس الحكائي الذي يعشش داخله، إلى اقتراح تغييرات في أحداث حكايتك.. لأنه يرى في القصة قبل كل شيء هدفا أسمى هو الإمتاع...

ولكن، كيف إن كان جليسك متعدد المواهب والتخصصات؟ وأي لذة ستعادل لذة محادثته ومجالسته؟

عندما اطلعت على بعض مؤلفات الكاتب العراقي الدكتور علي القاسمي القصصية، أعجبت بها غاية الإعجاب، وذهلت بطرائقه في السرد الذي يحمل في سيله مضامين ومعان عميقة، محتفيا في ذلك بلغة أنيقة جذابة وسلسة. بذلك صرت أترصد أعماله في المكتبات، فإذا بي أجدني أمام قامة أدبية رفيعة تتسم بموسوعية الاطلاع وغزارة العطاء في الآن ذاته، فالاسم الذي كلل المجاميع القصصية، كلل أيضا روايات ودراسات في اللسانيات والتاريخ والترجمة... آنذاك وقفت على الأركان المتينة التي تقوم عليها أعمال الدكتور علي القاسمي القصصية، من لغة ومعارف ورموز ثقافية واجتماعية وحضارية، استوت وتقوت بكثرة أسفاره وتنقلاته أيضا.

في الورقة التالية نحاول رصد رمزية الواقع في قصص الدكتور علي القاسمي من خلال قصته الموسومة ب" الكومة" ضمن أضمومته القصصية " أوان الرحيل" الصادرة في طبعة ثانية ضمن منشورات دار الثقافة – 2010. (الطبعة الأولى: دار ميريت، القاهرة، 2007)

البعد السير- ذاتي في قصص علي القاسمي:

لا أذكر كيف تشعب بنا الحديث ذات يوم، حتى أخذ الدكتور علي القاسمي يحكي لي عن قصة فريدة حدثت له بمنزل الأديبة والفنانة التشكيلية زهرة زيراوي... وعندما أنهى الحكي بابتسامته الصافية، رأيته يسارع إلى سحب قلمه وتدوين شيء ما على ورقة ثم يعيدها إلى جيب قميصه بملامح سرور، توحي لك أن الرجل قبض على جوهرة نادرة كادت أن تضيع. ولأنه قرأ - بسهولة- علامات الدهشة على وجهي فقد بادر إلى شرح ذلك قائلا:

- أحيانا تفر مثل هذه الأحداث من ذاكرتي.. وأنسى الكتابة عنها!

وعجبت لهذا الالتزام الذي يتحلى به القاص علي القاسمي في حياته كما في نصوصه. ونحن نصافح أعماله فإننا نستشف هذه الخاصية من خلال مؤشرات عديدة، بين نصوص تفصح عن نفسها كقصص سيرية(1)، من نفس المجموعة مثلا: [الحمامة- الساعة- الظمأ- القارب...] وقصص أخرى تحتاج أكثر للتدليل عليها كالمكان والدقة في تحديده (العقاب-المجابهة...(2))، أو إحالته أحيانا إلى عناوين بعض أعماله: (رسالة إلى حبيبتي(3)) في قصة الآنسة راجية(4)، وهناك أيضا معالم أخرى محيلة إلى السمة السير- ذاتية في قصص علي القاسمي، قد تكون ذات طابع سوسيو- ثقافي (قصة: لقد سقاني القهوة (5))، أو فكري ( الغزالة(6))...

دلالة الواقع وعمق الترميز في قصة الكومة:

تبدأ الواقعية في قصة الكومة من خلال الوصف الدقيق الذي خص به الكاتب فضاءات القصة:

1- الفضاء الزمني: [العتمة- في فجر اليوم الثاني- قبل السابعة صباحا...]

2- الفضاء المكاني: [كانت العتمة تلف أشجار الحديقة...- سياج الحديقة العامة- على جانب الممر-...]

بعد الوصف الواقعي والدقيق للفضاء الزمكاني، يأتي وصف شخصيات القصة، ونرصد ذلك من خلال جانبين أساسيين:

1- الجانب العرَضي/الخارجي: [القلنسوة التي يعتمرها- عجوز متلفعة بعباءة سوداء- تحيلها (شفتيه) حمراء قانية كعرف الديك]

3- الجانب السيكولوجي/الداخلي: [حسبها مجرد كومة- اكتفى بافتراض أن...- أشاعت في جسده توجسا]

2- الجانب الحركي: [أنفاسه اللاهثة المتلاحقة- اصطكاك أسنانه- ارتجاف أوصاله- يجري مسرعا مكدودا- انطلق ... يمارس رياضة العدو- لمح - اقترب- ندت منها حركة مريبة- يركض مقتربا- توقف عن الجري- يعود القهقرى- يحدق فيها- دس يده في جيبه- أخرج بعض النقود- وضعها في اليد الممدودة- التقط النقود- حطها مرة أخرى- نبهها- لمس كفها- حركها- مال جسم المرأة- تسقط على الأرض جثة هامدة]

بفحصنا للمؤشرات التي ذكرناها فإننا نسجل ملاحظات هامة:

1 - الطابع الدرامي للفضائين الزماني: ( الظلام الذي يحجب الرؤية الصحيحة للأشياء)، والفضاء المكاني أيضا ( العتمة تلف أشجار الحديقة العامة ونباتاتها، فتخيل إليه كأشباح سود.. ذوات أذرع متعددة.. مثل أخطبوط هائل¬> الارتعاب وقلة الأمن النفسي أو انعدامه أحيانا- سياج الحديقة¬> إحالة على السجن بأنواعه والحواجز التي تطوق الأشجار/الطبيعة/ الإنسان/ الحرية... )

2 - غلبة ألفاظ وعبارات معجم الجانب الحركي في الشخصيات (البطل تحديدا) على ألفاظ معجم الجانبين الآخرين ونقصد هنا الجانب السيكولوجي تحديدا باعتبار التقابل العلمي والفلسفي للمفهومين: السلوكات أو ردود الأفعال / الوعي واللاشعور (علم النفس).

انطلاقا من ملاحظتنا الأخيرة، سنكون قد اقتربنا من امتلاك مفاتيح قصة الكومة، من خلال وضع اليد على أبعاد ودلالات الحدث أو الأحداث الواردة فالقصة، والتي تحكي عن شخص اعتاد أن يقوم قبل كل فجر بممارسة رياضة العدو في الحديقة العامة المجاورة لمنزله، فإذا بكومة قاتمة تلوح له على جانب الممر. ونظرا لقلة الوقت وتراكم المشاغل فقد كان البطل يكفتي بافتراض ماهيتها، تارة (كومة أحجار جلبت لترميم سياج الحديقة العامة أو ركام أغصان تجمع من جراء تشذيب الأشجار) وتارة يحسبها (عندما... ندت منها حركة مريبة) كلبا أو قطا سائبا اتخذ من الحديقة ملجأ. ولكنه عندما أبصر (في اليوم الثالث) يدا ممدودة من الكومة، (توقف عن الجري ليعود القهقرى إليها ويحدق فيها)، فيكتشف أخيرا أن الكومة ما هي إلا عجوز تلفعت بعباءة سوداء، وحينما دس في يدها الباردة بعض القطع النقدية؛ ظلت - هي – صامتة جامدة الحركة، ثم ما لبثت - بحركة طفيفة - أن.. سقطت على الأرض جثة هامدة.

وفيما يلي، يمكن أن نعطي لبعض الرموز دلالتها:

1- البطل: الإنسان في زمننا الحاضر وفي كل مكان، لأن قصص علي القاسمي تتناول الظاهر غالبا بشكل إنساني كوني، لا تضيقه أية حدود جغرافية أو ثقافية.

2- الحركة / رياضة العدو: غالبا ما يعمد ممارس هذه الرياضة إلى الركض في اتجاه دائري، ومن هنا نستخلص أن الأمر يتعلق بدورة الحياة، التي تبتلع الإنسان، دون أن يجد (متسعا من الوقت) لـ ( يدقق النظر أو يطيل التأمل)، ولأنه يجد نفسه تحت ضغط عدة مشاغل شخصية ( تناول طعام الفطور- التوجه إلى مقر العمل) ولأنه أيضا مطارد بهاجس الوقت ( قبل السابعة صباحا)، و هذا ما يجعلنا نفسر قلة ألفاظ المعجم النفسي/الداخلي، فلا تظهر سوى في عبارات التردد والافتراض [حسبها مجرد كومة- اكتفى بافتراض أن..] وأحيانا تعلن عن حالة الارتباك وعدم الاستقرار [أشاعت في جسده توجسا].

3- الكومة/العجوز: تختفي وراء ( عباءة السواد) مشاعر وأحاسيس لا نراها بوضوح، وسط عتمة الواقع وكثرة انشغالاتنا، لذلك فإننا لا نسعى إلى تفسير المظاهر وفق منظور إنساني، بل نكتفي بالافتراض [كومة أحجار- ركام أغصان]، وأحيانا نفسرها بشكل نمطي قاس وفج، فنقول إن الحركة [صادرة من واحد من الكلاب أو القطط السائبة التي تتخذ من الحديقة ملجأ]. وهكذا فيمكن أن نعطي للكومة دلالة ( الآخر)، الذي تنظر إليه الأنا بنظرة أنطولوجية سارترية صرفة، مفادها تشييء ذوات الآخرين، ويمكن أن تكون أيضا ديكارتية، حيث إن الأنا/الذات لا تعترف سوى بوجود نفسها، لأنها حققته بواسطة الشك [حَسِبَها...- بافتراض أن...] و التفكير ¬> "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، ومن تم لا يمكنها أن تؤكد وجود الآخر، لأن الوجود يتحدد بعملية فردية وذاتية هي التفكير.

4- البرودة/ الموت: ويشار إلى أن تيمة الموت/الفناء/ الرحيل... هي القاسم المشترك بين قصص المجموعة التي أخذت منها قصة "الكومة" [موت الإنسان / موت المشاعر / موت الطبيعة / موت الحضارة..]، وفي هذه القصة، نرصد برودة الأحاسيس وموتها من خلال توالي كلمة [لا يهم]، فالذات - كما أسلفنا- لا تعترف سوى بنفسها، ولا يهمها ما يحيط بها، فالكل منغمس في عالمه في صمت وجفاف، لتموت الأفعال الإنسانية مثل (التوقف - التأمل- التحديق...)

على سبيل الختم:

كثيرة هي القصص التي تتكئ على الواقع إما في طرائق سردها أو في مضامينها، لتبث رسائلها الإنسانية إلى القارئ، لكننا قلما نجد نصوصا برع أصحابها في ملاءمة الشكل للمضمون، وموازاة الأسلوب للفكرة، وهنا نقرأ نصا قصصيا التزم صاحبه - بشكل ينم عن تمرس وحرفية عاليين – برسم لوحة قصصية واقعية، بريشة اللغة المعبرة والجذابة، دون غبش أو نشاز في الألوان السردية التي استعملها. فقد سعى القاص الدكتور علي القاسمي إلى تبيان جفاف المشاعر الإنسانية، من خلال أسلوب لم تطغ عليه اللغة الشعرية الحالمة، بل كانت مقتضبة وسلسة وموحية.. وصادمة في الأخير. وقصة "الكومة"، تستحق أكثر من (وقفة، وتأمل) أيضا لأن "كومة" علي القاسمي تخفي أيضا مشاعر إنسانية لا حدود لها، والقارئ طبعا هو البطل، وما عليه إلا الاقتراب منها وتحسس ما تحمله من رسائل عميقة، بتنا لا نحفل بها في عصر السرعة والدوران الذي لا ننتهي منه حتى (نسقط) في يوم من الأيام (جثة هامدة).

 

* عبد السميع بنصابر، قاص روائي ناقد مغربي

....................

* هوامش:

1- إدريس الكريوي. جماليات القصة القصيرة- دار الثقافة- الدار البيضاء- الطبعة الأولى – 2010

2- علي القاسمي.حياة سابقة- دار الثقافة- الدار البيضاء- الطبعة الأولى

3- المرجع السابق

4-المرجع السابق

5-المرجع السابق

6- علي القاسمي. أوان الرحيل- قصص قصيرة- دار الثقافة- الطبعة الثالثة- 2010