الحسين بوخرطةمجريات أحداث قصة "الساعة" احتضنها بلا شك التراب المغربي برمزيته ودلالته التاريخية وخصوصيته الثقافية والسياسية في زمن اشتداد التفكير في بناء الدولة العصرية. فمن جوهر صداقة نبوغ جمعت السارد بسيدي محمد، أينع نموذج رجل عبقري، ناضل بكل جوارحه وفكره باحثا عن تأصيل معالم نمط حياة متميز كونيا لتدبير الوقت. تميز عمله بالإقدام الخالي من المخاطرة والمغامرة، ونجح في تقديم درس ثمين للعرب بصفة عامة وللمغاربة بصفة خاصة في مجال متطلبات الوجود الفردي والجماعي في بحر سيولة زمنية لا ترحم. لقد تحمل في يومياته، التي كانت استثنائية بكل المقاييس وخارجة عن المعتاد، عبء تناقضٍ قابلٙ تآلُف "الرضا/التوجس" في مواقف الأفراد والجماعات في تاريخ حضارة عريقة "الغرابة مجسدة في رجل ... كان مثل طير متميز اللون يحلق بعيدا عن السرب في أعالي السماء".

قد يقول قائل أن سيدي محمد دفع الثمن غاليا بأسلوبه الدقيق، وحرصه الشديد والمتواصل لتقديم أنموذج يقتدى به في التعاطي مع آفة سيولة زمن مسمومة أنهكت مصير أمة. كان يخدمه رجل أصم، ولم يسمح لنفسه تعذيب امرأة (زوجة) بطقوس حياة قاسية وقواعد أسلوب حياة صارمة بمنطقها الرياضي. إنه مشروع خاص/عام عبر عن عظمة شخصية مغربية، مدركة تمام الإدراك أن تحمل أصوات ساعاتها المختلفة والمتنوعة غاية في الصعوبة. فالأحداث كما رواها السارد لا يمكن أن يتحمل مشاقها المضنية بتجلد وصبر إلا عظماء النفوس. قدم تجربة صعبة للغاية، بل معقدة ومستعصية التخيل والفهم والإدراك. هي معركة رجل أكاديمي مثقف وينبوع إنسانية متدفقة، استحضر باستمرار الترابط القوي بين المطلب التاريخي لتدبير الوقت ومردودية نماء الشعوب العربية والمغاربية. لم يكل ولم يمل طوال عقود حياته من مصارعة دقات ساعاته التاريخية التي تكسو فضاءات وجدران دارته، ومن التسابق مع ثوانيها محدثا توازنا خارقا بين التفكير والتنفيذ والحصائل. حرصه الشديد والدائم على الالتصاق بأسلوبه، وما سببه له من معاناة نفسية وصحية، جعله يغادر إلى دار البقاء في سن العطاء والمردودية.

تطرقت القصة إلى موضوع هام جدا وحساس للغاية، يزرع التفاؤل في النفوس. تمحورت فقراتها حول معادلة معقدة، قابل الكاتب من خلالها عالم عربي إسلامي زاخر بالطاقات الوطنية ومنطق ديمقراطي سياسي بتمثيليات تعبث وتستخف بالوقت مبتعدة عن هموم وانشغالات الجماهير، لتصيبها العاهات المزمنة والتآكل والضعف في مكامن قوتها التاريخية. فقدت مع مرور الأيام القدرة على استغلال الثروات الطبيعية لأوطانها وتثمين كنوز رأسمالها اللامادي، وتسخير الروح الترابية وغناها لخدمة ونماء شعوب المنطقة من الخليج إلى المحيط.

أعطت هذه القصة للدكتور علي القاسمي صورة واضحة لولوجه مناخا حكائيا متميزا. استحضر أمجاد المشرق العربي، ونبه في نفس الوقت إلى الثراء المعرفي المغاربي، والمكانة التاريخية للفكر المغربي في مجال البحث عن مرتكزات النهضة الإقليمية والجهوية. فنموذج سيدي محمد ما هو إلا تجسيدا لخصوصية المغرب الأقصى في ماضيه وحاضره.

وعليه، خطاطته السردية خرجت عن المألوف. في وضعية البداية، ترك للقارئ تحديد دلالات المكان والزمان. تجاوز الأحداث العادية لوضعية البداية، وانتقل بسرعة بمتواليات القصة ومقاطعها إلى وضعية الوسط بعناصرها المخلة، ليختمها بدون العودة إلى السكون والهدوء. القارئ للقصة يجد نفسه أمام عتاب للنفس، يبحر في كدر وحزن عميقين، مجابها أسئلة أوضاع معقدة ومتشابكة تأبى أن تستسلم لعنصر الانفراج. تجاوز كذلك عنصر الاختزال المكاني والزماني مانحا العبرة النهائية ثراء في الإفادة، جاعلا منها رسالة أجيال، ومحولا إياها إلى إشكالية مصير شعوب منطقة برمتها. الخصائص الفنية لهذه القصة، كما هو الشأن بالنسبة لمجموعة من قصصه الأخرى، جعلت حبكاته السردية تتجاوز السمات النفسية والاجتماعية، لتترعرع مراميها السياسية ببلاغة راقية. قوة صداقته مع سيدي محمد أعطت لأسلوب سرده رؤية من خلف.

من الواضح أن القاسمي قد أسهب في كتاباته في وصف التعارضات والتناقضات الصارخة بين الحضارتين العربية والغربية أو الأمريكية. لكنه لم يقم بذلك انحيازا أو لزخرفة نصوصه بعبارات الإثارة النفسية. اعترف بالتفوق الحضاري للغرب (الحرية، الانعتاق، العلوم والتقنيات،...)، لكنه في نفس الوقت تفوق في الوقوف على مكامن ضعفه (التفكك الأسري والمجتمعي، والتحلل، وتفاقم مؤشرات الانحطاط، والإفراط في الثقافة الإستهلاكية،...). فالغرض من دعوته في القصة إلى الاقتداء بسيدي محمد، كأرقى تجربة لتعاطي إنسان عربي إسلامي بوطنية مغربية مع الوقت، لا يمكن أن يكون منفصلا عن انشغاله بتقديم مشروع نهضوي عربي ومغاربي جديد، يتأسس على سيادة أقطار قوية تنتصر لقيم التحرر والانعتاق والتماسك والتضامن وسيطرة منطق العلم ونظرياته، وتحتكم ثقافة شعوبها إلى الطب العصري والتكنولوجيات والأنماط التدبيرية الحديثة والإبداعات الأدبية والفلسفية. فالتدبير العقلاني للوقت هو السبيل الفريد للرفع من وثيرة تراكم المعارف وبالتالي تنوير العقليات وتهميش المحافظة والشعوذة والدجل والخرافات.

إنها قصة غنية بأسلوبها اللغوي وشروحاتها المستفيضة ومرادفاتها الجذابة وإثارتها لتطور معاني الألفاظ والمصطلحات زمنيا وجغرافيا، ومقاصدها المعبرة عن قضية أمة.

الطابع العلمي للقصة، دفع الكاتب إلى التقليل من استعمال الحواس، إلى درجة إهمال هذا الجانب. فباستثناء إثارة قليلة لحاسة البصر في مدخل النص، أفرغت باقي فقراته من ذلك. لبس السارد شخصية البطل، وغاص في صفحات التاريخ لإبراز القيمة الحضارية لتدبير الوقت. فالوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك. إنها الحكمة التي دفعت الكاتب إلى ربط التحكم في المورد الزمني بالأبعاد النفسية والتربوية والسياسية والثقافية، وبآفاق الاستقرار والنماء السياسي والاقتصادي والثقافي.

إن الدعوة إلى تحريم هدر الوقت أخلاقيا وقانونيا يجب أن تستهدف كأولوية رجال التربية والتعليم في مختلف أسلاكه ورجال الإدارة بمسؤولياتها الجسيمة، وكذا كافة المنشطين في مختلف مؤسسات التنشئة الموازية. فلا مناص من تحفيز هذه الطبقة المتنورة والمسؤولة على التحلي بالاتزان والحزم والوطنية وتقديم القدوة للمتعلمين والمتدربين والمرتفقين. إنها الوسيلة المثلى لمحاربة التردد والتذبذب والخوف وضعف التركيز والانحراف في نفسية شخصيات الأجيال المتعاقبة. فمقاومة الانحراف والإجرام داخل المجتمعات العربية (على غرار أحداث قصتي "المشاكسة" و"النجدة" لنفس الكاتب)، تتطلب ترسيخ علاقة وثيقة بين قيمة الزمن، كمورد نفيس ومحدود لا يقبل التخزين وإعادة الاستعمال، وقيمة المنتوج التربوي والتنموي كما وكيفا.

سيدي محمد، هو بطل القصة، وشخصية حقيقية من الرجال الوطنيين بالمغرب. إنه رجل أكاديمي جاد في عمله، وحريص على تدبير الوقت بنجاعة ومردودية تامتين. لقد اعتبر تفشي الاختلال في تدبير هذا المورد، الثمين والعجيب بخاصياته في نفس الوقت، الآفة الأكثر فتكا بحاضر المجتمعات العربية الإسلامية ومستقبلها. شديد الحرص على التفاصيل، تعوﱠد على استغلال ثواني دقائق حياته في العمل الجاد. رجل ملتزم في معاملاته ومهامه مجسدا في حياته القيمة القصوى لحركية عقارب ساعاته المختلفة والمتنوعة. كان قيد حياته حكيما، لا ينطق إلا بالكلام الوازن، ويحسن الاستماع للغير. معاشرته كانت بمثابة انخراط في مدرسة حياة فسيحة: "التقيتُ به بعد أن التحقتُ أستاذًا بكلِّيَّة الآداب. كانت عيناه تشعّان ذكاءً لا يُفصِح عنه فمُه، فقد كان قليل الكلام، كثير الصمت".

يعتبر سيدي محمد نموذٙج نخبة وطنية من العيار الثقيل، وأمثاله كثر، لتبقى إشكالية قابلية وقدرة المنظومات السياسية التمثيلية والإدارية على استيعاب وإدماج شخصيات المعارف والخبرات في مناصب المسؤولية القيادية وامتصاص كفاءتهم من أعقد الإشكاليات في العالم العربي الإسلامي. مصادر الشرعية السياسية لا زالت بها تتذبذب ما بين الولاء للسلطوية والقبيلة والغنيمة والعقيدة والزبونية وخدمة الريع، مهمشةً بذلك القدرة المعرفية والتخصصات العلمية المتنوعة والخبرات التدبيرية.

في هذا السياق، كشف السارد بجلاء كيف تقاوم المنظومات المجتمعية العربية، بثقافاتها المحافظة ذات الدوافع الواهية، وعاداتها المفبركة، وبمعطياتها التي تراكمت في صفحات التاريخ السياسي والثقافي المتلازمين، الصرامة والجدية والشفافية والعقلانية في الفعل والقول على المستويين العام والخاص. كما أفشى كيف يتم الانقضاض على الفوائد بهذا السلوك ظلما وعدوانا. فكلما ازدادت لدى المتلقين والمتفاعلين نسبة النضج والتراكم المعرفي، وارتفع عددهم، كلما تكاثفت جهود إحداث الانزلاق والتغرير والاستقطاب، وبالتالي وأد الإرادة الإصلاحية في أيام ولادتها الأولى. لقد ترسخ التطبيع ثقافيا مع المصلحة غير الشرعية، وشاع النظر بتلذذ وريبة إلى الغنيمة والمحرمات بدافع الأنانية والانحراف. في نفس الآن، اشتد الاحتراس من العناصر المسؤولة الجادة والكفأة، بحيث لا يتم تحويلها إلى قدوة إلا بعد غيابها أو تغييبها أو تهجيرها أو مغادرتها دار الفناء إلى دار البقاء: "لم أحتَجْ إلى طويلِ وقتٍ، لتلتقط أُذناي ما كان يتهامس به زملاؤه عنه. كانوا يقولون إنّه غريب الأطوار، غريب الأفكار، غريب الذوق والسلوك والهوايات، يصعب على طلابه أن يفهموه بسهولة. كلماته رموزٌ، وعباراته ألغازٌ بعيدةُ المرامي. يجمع المتناقضات في عقله، وتلتقي الأضداد في شخصه".

شدة إلمام سيدي محمد بالتاريخ العربي الإسلامي زمن الأنوار، وما راكمه من تراث ثقافي ثقيل تكلس بفعل تسلط منطق تحكمي طامح في ديمومة استمراره، جعلته يتحدى الواقع ومحبطاته بخبرته وثراء معارفه، مجابها بشجاعة وتميز التعودات التقليدية بخنوعها وكسلها وكسادها، آملا أن يكون وقع ذلك إيجابيا ونفعيا على طلبته وأصدقائه " يدرِّس الأدب الإنكليزيّ، ولكنّه خبير في التراث العربيّ القديم. كان مثل طيرٍ متميِّزِ اللون، يحلِّق بعيدًا عن السرب في أعالي السماء".

لم يتهاون قط سيدي محمد في التعبير عن ذلك بجلاء ووضوح تام ودائم في أقواله وأفعاله وسلوكياته. أعجب به السارد، ليقابله سيدي محمد باطمئنان وانفتاح، لتتحول علاقتهما إلى صداقة معرفية وأخلاقية، ترعرعت وأينعت وخلقت فضاء صداقة ونبوغ. لقد تيقن من أصول ومعدن السارد، ومن حرصه على احترام الوقت. ارتاح له، وفتح له دارته. فعكس ما كان يعتقده الحاكي، أتحفه بمعلومات قلﱠ من يتوفر عليها. لقد أفاده أن العرب القدامى كانوا سباقين إلى استيعاب معنى الوقت واختراع أدوات حسابه وتتبع تقسيماته ودوراته: "الساعة أروع ما اخترعه العقل البشريّ. ويعود الفضل لأجدادنا العرب القدماء. لا أقصد بالساعة الآلة أو الأداة، وإنّما الوحدة الزمنيّة. فالعرب البائدة من السومريِّين والبابليِّين والفراعنة هم الذين توصَّلوا إلى تقسيم الزمن إلى سنواتٍ وفصولٍ وشهورٍ وأسابيعَ وأيامٍ وساعات، عن طريق مراقبة الكواكب والنجوم، وتقسيم الزمن الذي تستغرقه في كلِّ دورةٍ من دوراتها ... إن كلمة "فنجان" (جوابا على إعجاب السارد بفنجان قهوته قائلا: هذا فنجان لطيف على شكل ساعة) كانت تُلفظ " بنكان". واستُعلمت كلمة "بنكان"، في التراث العربيّ، لتدلَّ على نوعٍ من الساعات ذات الآلات الميكانيكيّة. والفنجان الذي ترتشف القهوة منه الآن يقوم بالوظيفتَيْن. فعندما تنتهي من شرب قهوتك تستطيع أن تقرأ فيه الوقت الذي استغرقتَه في الشرب".

تشبع سيدي محمد بما دونته صفحات التاريخ في موضوع الأهمية القصوى التي كان يوليها العرب القدامى لقيمة الوقت، وتحول لديه هاجس ترسيخ ثقافة تدبيره في المجتمع أفرادا وجماعات إلى تحدٍ يرفعه أينما حل وارتحل. لقد تفاعل مع السارد معترضا بلطف على اعتقاده وتجرؤه على انتقاده بصورةٍ غير مباشرة متهما إياه بالهوس في تعاطيه مع تدبير الوقت، ضانا (الراوي) أنّ أجدادنا العرب القدامى لم يحفلوا بالوقت كما نحفل به اليوم، فبعيرهم في الصحراء لا يعبأ بالوقت، كما تتقيّد به طائراتنا اليوم: "على العكس تمامًا، كانت معرفتهم الدقيقة بالوقت تعوّض عن ضعف وسائل الاتصال والمواصلات عندهم. وكان من حرصهم على الوقت أنَّهم خصّصوا اسمًا لكلِّ ساعةٍ من ساعات الليل والنهار. فأسماء ساعات النهار الاثنتي عشرة، مثلاً، هي: الذرور، البزوغ، الضحى، الغزالة، الهاجرة، الزوال، الدُّلوك، العصر، الأصيل، الصبوب، الحُدُور، الغروب. سردَ تلك الأسماء بطلاقةٍ متناهيةٍ، حسدتُه على خفَّةِ لسانه فيها"

تعلق سيدي محمد بقيمة الوقت ودورها في بناء الشخصيات والحضارات عبر الأزمنة والعصور وفي مختلف المناطق الجغرافية. فضبط المواعيد والتركيز على الأهم في تبليغ الرسائل والعبر في لقاءاته وعروضه ومحاضراته جعله لا يقبل الأعذار في ضياعه. الوقت بالنسبة له ارتقى إلى درجة القداسة والسمو وجوهر الوجود الإنساني على سطح هذه البسيطة: "وصل أحد الطلاب الجُدد إلى قاعة الدرس متأخِّرًا عشر دقائق. ولمّا لم يكُن يعرف الأستاذ ولا الطلاب، فقد طَرقَ الباب وسألَ الأستاذَ: هل هذا هو قسم الأستاذ سيدي محمد؟ أجابه لا، فدرسه بدأَ الساعة الثامنة."هكذا أجاب الأستاذ بشكل طبيعي...انصرف الطالب الجديد خائبًا، ولم يُدرك معنى ضحك الطلاب الذي لاحقه، ولكنَّه علم، بعد ذلك، أنَّ الأستاذ سيدي محمد قد لقَّنه درسه الأوَّل بصورةٍ لا وفحواه: احترمْ المواعيد، تقيَّد بالوقت، فالوقتُ من ذهب ... لولا الوقتُ، لما صار الإنسان إنسانًا".

حوﱡل بطل القصة منزله إلى مدرسة وفضاء ثقافي في مجال تدبير الوقت بالدقة المتناهية، بحيث كان لا يسمح بالدخول إليه إلا لمن يستحق ثقته بعد تيقنه من احترامه لأثمن ثروة في تاريخ البشرية. من يلج هذا الفضاء يعتقد أنه أمام متحف للساعات التاريخية. كان مولعا بجمع الساعات للتعبير بصدق تام عن تشبثه باحترام الوقت، والحرص على تجسيد ذلك في ساعات يومياته. فهو يحمل دائما ثلاث ساعات في آنٍ واحد. وأحيانًا، يحمل بضع ساعات أُخرى في بقيَّة جيوب بذْلته "ولعلَّ سلوكه هذا هو الذي دعا زملاءَه إلى وصمه بتهمة الغرابة".

فضاءات وجدران بيته مزينة بالساعات التاريخية بدقاتها السمفونية، ولكل ساعة خاصياتها في الصنع والفائدة والحقبة الزمنية: "باحة المنزل غاصَّةً بحشدٍ غريبٍ عجيبٍ من الساعات القديمة والحديثة... في وسط المنزل كانت ساعةٌ مائيّةٌ تحتلّ مكان النافورة... وفي أعلى الحائط المقابل نُصِبتْ ساعةٌ شمسيّةٌ كبيرةٌ... عُلّق على الجدار إسْطُرْلابان كبيران، أحدهما نحاسيّ والآخر فضيّ ... لمحتُ على منضدةٍ في زاويةِ باحةِ الدار ساعةً رمليّةً مؤلَّفةً من قارورتَيْن زجاجيتَيْن كبيرتَيْن مُتَّصلتَيْن بعنقٍ صغيرٍ... كانت بقيّة الجدران مكتظَّةً بالساعاتِ الحائطيّةِ من مختلف الأنواع والأحجام والأشكال: ساعة حائطيّة ببندولٍ طويلٍ يتدلّى منها ويتراقص يمينًا وشمالًا، وساعة حائطيّة رقّاصها على شكل طير يزقزق الدقائق ويُطلق صيحات بعدد الساعة، وساعة حائطيّة تنفتح من وسطها بين ساعة وأُخرى فيخرج منها تمثالُ رجلٍ صغيرِ الحجم ليعلن الوقت بصوتٍ أجشَّ ثُمَّ تنغلق عليه. لوحةٍ خشبيّةٍ كبيرةٍ معلّقةٍ على الجدار، وهي تحمل اثنتي عشرة ساعةً جيبيّة. وكانت بقية الجدران مكسوَّةً بالساعات الحائطيّة المختلفة؛ والطاولات في الغرفة مليئةً بالساعاتِ المنضديّة المتنوِّعة. وكانت دقّاتها تختلط في سمفونيَّةٍ غريبةٍ من الأصوات، والأنغام، والإيقاعات. في المطبخ نصبت لوحةِ الساعات الجيبيّة المعلَّقة على الحائط. كانت تشتمل على اثنتي عشرة ساعة جيبيّة. كلُّ ساعة كُتب تحتها اسم مدينة من مدن العالم ابتداء من الشرق إلى الغرب، بحيث يكون الفرق ساعةً واحدةً بين كلِّ مدينة وأخرى: طوكيو ، كوالالمبور، بانكوك، إسلام آباد، دلهي، مكة، طرابلس، تونس، الجزائر، الدار البيضاء، إلخ".

العجيب أن موقع كل ساعة بغايته لم يكن اعتباطيا أو عشوائيا، بل كان له وظيفة دقيقة في حياة البطل. علاقة اختيار الأمكنة بوظيفة الساعة كانت وطيدة جدا. لتبيين ذلك بجلاء، كان جوابه عن سؤال السارد في شأن الغاية من سبع ساعات من نوع واحد مفصلا ومقنعا: "إنّها ليست من نوعٍ واحد. فالأولى تعمل باللولب، والثانية تعمل بالبطارية، والثالثة بحركة اليد، والرابعة بنبض المعصم، والسادسة بالطاقة الشمسية، والسابعة بحركة الهواء. أضف إلى ذلك، أنَّ كلَّ واحدةٍ منها تقوم بتنبيهي إلى أمرٍ مختلفٍ، بنغمةٍ مختلفة ... كانت الساعات المختلفة الجداريّة والمنضديّة والجيبيّة واليدويّة تقرع، بين آونة وأُخرى، أجراسًا وجلاجل متباينة الأنغام، متنوِّعة الإيقاعات".

وبمرور الزمن، اكتشف السارد أنّ حياة الأستاذ سيدي محمد البطل تتحكَّم فيها أجراسُ ساعات تضبط مهامه وانشغالاته ومواعيده بالدقة المتناهية: "جرسٌ يوقظه من نومه في الفجر لأداء صلاة الصبح، وجرسٌ آخر يقرع ليدخلَ المغطس في الحمام ويستلقي في مائه الدافئ المريح، وجرسٌ آخر يُخرجه من الحمام، وخامسٌ يُجلسه على مائدة الفطور، وسابعٌ ينبّهه إلى الخروج في اتّجاه الكُليّة. وجلجلةٌ خفيفةٌ من إحدى ساعتيْه اليدويَّتَين تسترعي انتباهه إلى التوجُّه إلى قاعة الدرس، وجلجلةٌ من الساعة اليدوية الأُخرى تذكّره بانتهاء الحصّة، وهكذا دواليك".

تشبث سيدي محمد بالوقت وولعه بالساعات جعله يختار حياة خاصة وغريبة في نفس الوقت ثائرا على واقع مستخفٍ بالزمن: "كان يعيش وحيدا بدون امرأة ترعاه، فليس هنالك امرأةٌ تستطيع أن تعيش وسط ذلك العدد الهائل من الساعات الدقّاقة ذات الوظائف الدقيقة. يخدمه رجل عجوز مصاب بالصمم لكونه تعلم واعتاد التواجد داخل بيت البطل بمجريات حياة منظمة، إلى درجة أصبح خبيرا في قراءة شفاه لمعرفة تعليماته ومراده."

نموذج البطل نادر للغاية، وصناعة نمط حياته الدقيق بتفاصيله، والغزير بمنتوجاته وأدائه ومردوديته وعبره، لا تتاح إلا لذوي النفوس القوية. حرص طوال حياته على أن يكون قدوة لمحيطه ومعارفه. أخضع ممارساته ومهامه وانشغالاته لأصوات ساعات مختلفة ومتنوعة. لقد نجح في خلق نموذجٙ حياةٍ تناغمت فيها الآلة بالسلوك وباحترام تقسيمات زمنية غاية في الدقة.

والحالة هاته، لا يمكن لمن حالفه الحظ بمعرفة سيدي محمد أن لا يفكر في ارتباطات تخلف البلدان العربية الإسلامية بسوء تدبيرها للوقت. فطموح المؤسسات الرسمية والمجتمعية في النماء، وعلى رأسها المؤسسة الأولى في التنشئة (الأسرة)، لا يمكن أن يتحقق إلا بتحويل كل فضاءات التربية والتعليم والتنشئة إلى مجالات لتدبيره الناجع.

قد نجد هاته المقاربات التدبيرية بأنماطها الجديدة مفعلة نسبيا في الدول المتقدمة شمالا، وتطبق بمستويات لن ترقى أبدا إلى قداسة ومكانة وأهمية الوقت في حياة بطل القصة. إنه قدوة في عالمٍ عربٍيٍ فسيح الذي لا زال ناسه بعيدين كل البعد عن هذا الانشغال الجوهري في تاريخ البشرية.

مرض الأستاذ سيدي محمد، وتوقفت أنشطته، وصمتت كل تلك الساعات. لقد توقّفتْ عن قرع أجراسها. طال مرضه، ودام صمتُ ساعاته شهورًا. فارق الحياة. وكانت جميع الساعات تقرع أجراسها بشكلٍ متواصلٍ، نواحا على فقدان رجل قدوة. ضاعت الساعات كآلات، واشتد القلق على الاستخفاف بالوقت كمورد ثمين، ومن الزيادة في سعة الهوة ما بين الشرق والغرب.

لقد جسد سيدي محمد الشخصية النموذجية كونيا في تدبير الوقت. اعتبره بدون انقطاع موردا ثمينا، وطبق في ساعات أيامه أساسيات تدبيره العقلاني. احتكم في قضاياه وانشغالاته اليومية إلى التحليل الدقيق، والتخطيط المتنور، والتنظيم المحكم، والمتابعة والتقييم الدائمين. كانت كل تحركاته تجسد حرصه الشديد على الاستغلال العقلاني لهذا المورد الناذر والمحدود، الذي كان وراء حصائلة القياسية ومردوديته المبهرة. لقد أبرز النص ببلاغة كبيرة كيف جسد سيدي محمد بتحد نموذج رجل يحتدى به بجدارة واستحقاق. تعلق بهوس شديد بالتفكير في طبيعة هذا المورد الطريف وهو يحدد أهدافه اليومية، ويرتب أولوياته، ويصارع أسباب تذليله (الزيارات المفاجئة العقيمة، المبالغة في الترفيه، التأجيل المستمر للأهم، التهرب من المسؤولية، العجلة، عدم الصبر، النسيان، والإهمال،....). من المؤكد أنه كان يعتبر دنيا الفرد والجماعة مجرد فضاء له بابين، بينهما زمن لا يرحم المستخفين به، يدخل الإنسان من الأول ويخرج من الثاني.

لقد جسد البطل في سلوكيات حياته بالملموس الحديث النبوي الشريف: "لن تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمر فيما أفناه، وعن شباب فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما نفقه، وعن علمه ماذا عمل به".

أما البعد الإنساني الإضافي في القصة فيتجلى في المشاعر والإحساسات الفياضة للقاسمي وارتباطه القوي مع أصدقائه الأوفياء. فكلما فقد صديقا، كان يحزن لفراقه بشدة، ولا يرتاح إلا بعدما يرثيه بنثر صادق، أو يؤبنه بقصة رائعة، مسجلا بذلك اسم الفقيد في تاريخ الإبداع والفن. فما أحوج نخب شعوبنا إلى الإقتداء بسلوك القاسمي وسيدي محمد.

 

بقلم الحسين بوخرطة

...........................

للاطلاع

الساعة / علي القاسمي

 

هدلا القصارمن الساحات التي لا تحتمل أقلام كهنة شعراء العالمين.. نذهب إلى الأديب والشاعر الايكولوجي، العراقي عبد القادر الجنابي

ننبش آبار  الأديب والشاعر المترجم.. المقيم في فرنسا عبد القادر الجنابي، المتمرد على الأفكار المجبصة، والحياة المتصنعة، والمجتمعات الموجهة والمخدرة، والسياسة المزخرفة، والوجوه متعددة الأقنعة..  ما  أرعد  أصابعه نغمات "سومرية"  تملأ كلماته ضوء  يفجر حدود المعرفة، بلغة تتحدى آلهته المنتظرة زمناً يمنحه وجوداً خارج خراب العالم، في أعمال قوامها مادة لغته وتفرده الأدبي المتنوع، وأسلوبه الساكن درجات الإبداع الراقي في قيمته الشاعرية الإنسانية..

 إذ أردنا أن نعرف ما هو الشعر؟ فلا بد أن نعرف ما يؤديه الشاعر في عروضه البلاغية التي أوصلتنا اليوم  إلى الأديب والشاعر العراقي عبد القادر الجنابي، هذا الكائن المستند على تفاصيل الواقع، وكيفية معالجة الموضوعات الإنسانية.. في الشكل الذي يتناسب مع مطالب تنادي بالحداثة وتطور الواقع..

للتخلص من التقاليد والقوانين المتجمدة والتعسفية.. ، في أعماله الأدبية، وأطروحاته التنبوئية لمستقبل قضايا عصره  دون استدعاء ما تحمله كلمات الشعر.. 

أنه أشبه بالعباءة الفضفاضة التي تخبئ حقيقة الجسد بكل ما يحمل من تفاصيل الواقع، أو أن قلبه يحمل أسرار غابات الأمازونية،  ليبدوا وكأنه  يقامر  على جمرات ثقافته الواسعة، وأطروحات مخيلته، المتمردة  على الموروثات، والفكر والتقاليد الغير منسجمين مع  الزمن الحديث، وارتباطهم بالوضع البشري المسربل  من أفكار الشاعر،  وصوته المتمرد على الكون بمجمله ،  وقلقه الكامن الذي يظهر في  تجربته، وتعاطيه مع مختلف العوامل الخارجية  والداخلية للإنسان، وهمومه.. ومعارضته  لبعض الأنظمة، من  خلال أقلامه العابقة بالحرية المفتقدة من العالم العربي، هذه هي  أقلام الجنابي الهارب من الأفكار المعلبة،  وأشكال عنف المجتمعات وفصوله المبرمجة .

ليثبت للمتلقي أن الشعر ليس تباهي بما لدي الشاعر من موهبة فقط وليس الشعر تخصص بحالة ما او انه ليس لجسد المرأة.. ، بل هو الحضور الأعمق في قلب وحياة الفرد، من خلال سعيه ليقظة المجتمع ووضعهم أمام المتلقي كنوع من الوعي وكيفية التعاطي.. من خلال أعماله الأدبية المتنوعة..  بما أن الشعر الحقيقي هو الذي  يعبر عن الواقع بمجمل قضاياه ومشكلاته، وهو من أكثر المشاهد الحيوية في حياتنا..، بغض النظر عن اختلاف نتاج الفكر الملهم لعناصر الإنسان، هكذا هي  تجربة الأديب والشاعر عبد القادر الجناب،   الذي يوجه أدبه إلى الجمهور العربي والعالمي  .

على خلاف العديد من الشعراء الذين اختصروا الطريق.. والتركيز على المجتمعات وأتجه بأدبهم إلى شعر الجسد واستباحته الغير مرغوب لدي الشاعر المرأة كما الشاعر الرجل.  لذا هربنا من هذا الاتجاه بعين النقد إلى أعمال وتجربة من عالجوا جميع امور الحياة بمجملها .

إذا هذا هو  الشاعر الحقيقي المعتدل في عقلانيته وانسجامه مع جميع الثقافات المرتبطة بالمثل الإنسان الحديث.. وما يخفي وراءه دوافع  شخصيته التي تدفعه إلى الإعلان عن ثقافة من نوع خاص، ليسقط منها على عالمنا المعاصر، ويصعق القارئ بصرخات نداءاته العالية وشفافية بكائه على الوطن ، والتعبير عن تشوهات المجتمعات عامة .

2720 عبد القادر الجنابيوهكذا يعتبر الأديب والشاعر والمترجم عبد القادر الجنابي، خارج من قيود الأزمنة والأمكنة..، يجمع من اللغة الشعرية المتوهجة إشراقات ودلالات فلسفية، وتاريخية ، بأساليبه الحديثة والواضحة في سرديات رحلاته الولبية، ومعرفته الوثيقة بأشكال الأدب الأوروبي، الذي يسال الجنابي، عن مستقبل الذات، في دعوة ملائمة لمصير ما يميز ثقافة الفكر في نتاج تعبيره، وتأمله القائم على تحويل مجتمع العالم العربي إلى عالم أكثر تفتحنا ووعيا ..، الذي يتسع للغات العالم وثقافاته، التي تسعى  لتطوير العالم  من خلال تجربته الشعرية العالية البناء.. لنجري وراء نحت قصائده الحاذقة، ذات الخصوصية الواضحة، وإشارته الكامنة في تجربته المتفاعلة مع المتلقي،  وتنوع ثرواته النثرية والسردية الفنية، والكتابية، والثقافية المجتمعية..، الجامعة تيارات الأدبية  بجذور شرقية .

 مما سهل علينا  اكتشاف مناطقه الحميمة، وأقواس حياته الباحثة عن  تراجيديا اللحظة المرتفعة لمستواه الفني . مستذكرين " فكرة مسائلة المسائل الموازنة بين العلم والفن، في فلسفة  الفنان سوفكليس"، ودانتي" وشكسبير"، ومكانة كل منهم في الحياة الأدبية الحديثة التي تمحورت  في "مسائلة العالم وفنونه"،  في أعماله الروحية والفكرية والإنسانية والعقلانية والسياسية والمجتمعية، في جميع تركيباته،  وانتقائه للكلمة المؤثرة..،  لتبدو  سيرته صاخبة بالأفكار والمبادئ والأطروحات..

ومن هذا المنطلق استطاع  الأديب والشاعر عبد القادر الجنابي، ان  يرسم لنفسه مسارا إبداعيا منفردا،  يحمل جميع أنواع  القراءات الفلسفية  التفكيكية، والتأملات الشعرية التي تقوم على الجدل بين  الواقع   والفرد، وهذا إذا دل يدل على مدى التزام الشاعر بالقضايا المعاصرة للإنسان الذي يعكس عصر مجتمعه ، لينبض مجتمعات تناسب العصر الحديث ليتمكن التعبير عنه في أشكال  متماهية، أي على شكل علامات سيمائية في تجربته المتعددة الأصوات والمناهج.. وتعبيره عن حال كل فرد في المجتمع، عبر الزمان والمكان، في مجمل آلياته الحرة، وموسيقاه اللفظية، ومفردات جمله المختارة بمهارة، ليكتسب بذلك فرادة خصوصية ومتنوعة في  إبداع العالم العربي والعالمي،  ليقيم شجناً بين ما يحدث، وبين التكوينات المتجددة ، من خلال  كتاباته  الأدبية المتنوعة، ووضعها  على قاعدة صلبة، يبني عليها  صرحه الأدبي المتنوع، الذي يشكل خروجاً عن المألوف، وقدرته على الغوص في أعماق خريطة النفس، هذه القدرة التي جعلته يطوف في كتابات  ترفض  مختلف القهر الذي يتعرض له الإنسان، بانجازات تستدعي عقل المتلقي للمساهمة ومعالجة الكثير من المنغصات.. بإدراك منفتح وروح مرحة، >

إذا هذه هي تجربته الناضجة، وثقافته الواسعة، والمتنوعة من فن /وترجمة / ونقدً/ وشعر..

فما علينا إلا أن نبحر بين مئات المواضيع الثقافية التي تعود على القارئ بالمتعة والفائدة، المكتسية من ثوب تجربته التي لا تبتعد عن ذات الإنسان.

 فالإبداع يسكن أعماق شخصيته التي امتزجت بتصوراته وتداعيات أفكاره.. مخترقة الواقع والمتخيل لاتصالة بعالم الغرب الذي دخل  عالمه الشرقي،في  الحياتية والثقافية والفكرية والفلسفية  و تجربته الهيجلية .

ليبدو عبد القادر الجنابي "كالوحدة الظلامية  كلما طردناها من أفكار أقلامنا ! تظهر في مكان آخر، حيث تطير الذات في مهب الصراعات لتعود وتستدرج ضوئها الداخلي المعتم إلى ضوء ولادات جديدة "

او كفارس قديم عاد بعد سنوات من التأمل.. ليدعو الإنسان إلى الرؤى الفكرية والأخلاقية لمواجهة العالم من خلال أوراق كتاباته الطوعية، وعمقه الفلسفي والدرامي، لنكشف الغطاء عن رؤيوية الشاعر النفعية المرتفعة إلى دراجات النبوءة، ليبدو  كإرث عراقة الأدب ، وامتداد نكهة حضوره  كما صرح  في قصيدة  " بيانات موزونة "

البيان الأول:تراثٌ يموت، كلامٌ يقوم:

ترابًا

لندفن

بُحورَ الخليل ِ:

فلا شعرُنا عادَ يَحدو

ولا نثرُنا عادَ يَروي

حقولَ الحكايهْ

لنَلحَدْ

فراهيدَهمْ

ثَـَمَّ إيقاعُ أنـّى

يكونُ الصُراخُ

مناطَ المصير

يكونُ القصيدُ كفـيّـًا بذاتِهْ.

2

.. فأمّا كـُسالى الغناءِ، فشعرهمُ

كالغبارِ يصمّ ُ

فلا بدرَ لليلِ لا للكلامِ حياة

قريضٌ تضيعُ القصائدُ فيهِ

ووحيُ السليقة ْ ndash;

خفيرُ الحواس ِ خؤونٌ

يؤولُ كطبلٍ

إلى راسبٍ في النفـَسْ..

إلى ضَـلـّةٍ لا تـُنيلُ

3

جُزافٌ، نظيرُ التوترْ،

وَجيزُ الكثافة ْ

هوَ الشعرُ في النثر ِ،

هَمسًا يُحاكي الغريبَ:

نعم، للشِفاهِ أُذ ُنْ

وللأذ ْنِ عينٌ

وللعينِ إيقاعُ حلمٍ

هو الصوتُ،

نِدّ ُ المدى والصّوامتْ.

وعنـْـقُ التفاعيلِ يـُلوى،

بسرْدِ الدلالة ْhellip;

تفاعيلُ عنها تريد الخروجَ

قصائدُ تمضي شمالاً كيومٍ جريءٍ

إلى كتلةِ النثـْر ِ حيثُ المعاني

براكينُ

ثـُمّ انسجامُ

تُسَاكِنُ سطرًا فسطرًا.

 

1

لكَ إيقاعٌ،

انثره يروم كما يهوى

ميزانُكَ بالكلماتِ كما تَنـزلْ

وَحْيًا أو تفكيرًا.

أنّى يوجدْ كلِمٌ

يوجدْ إيقاعٌ؛ شرْيانُ المعنى.

لكَ تاريخٌ: هوَ نصُّكَ لا شيءٌ آخرْ!

2

في موقفهِ

للشاعرِ ساعتُهُ

حُرَّ الرؤيا يتركْ

قلمهْ

يدنو ممّا يتصارع فيهِ

من أفكارٍ لم تُمسك بعْدُ

إذ يتركها تنمو عفو الخاطرْ..

وإذا يتوالى دفقٌ من صورٍ

لم يعهدْها قَبلُ،

تتكتّلُ شعرًا، أفكارًا،

تتراءى إيقاعًا

ضدّ الإيقاعات المعطاة، يشفُّ بشعرٍ

أيُّ محاولةٍ كي تَخضعهُ لسياقٍ وزنيّ، يُطفأ ْ

يَفـْسَدْ جوهرُهُ:

أمتخّ ُكياني شعرًا، تـَمسخُهُ التفعيلةُ قولاً

هَدهدهُ الرُقباءُ. وإنْ أختارُ التفعيلةْ

إيقاعًا، لنْ أشتفّ مياهَ مظانِي، لن!

ما موجود ٌ من شعرٍ

ليس سوى شبحٍ فوق الورقةْ.

3

لا بحرٌ للشّعرِ

ولا قانونٌ للحلمِ،

ولا منوالٌ يُتبَعْ..

والدّفقِ الآلي إيقاعهُ فقدان الرّابطْ.

للشعرِ مقاديرٌ، حلمٌ، قدرٌ، ذكرى، موتٌ

هو أنتَ: نظيرُكَ ما تكتبْ

مهما تفعلْ.

4

الوقعُ أمامَكَ،

لا في حافظةٍ،

يتموّجُ في نهرِ اليومي

اِرْكبهُ

كي من هوْل الصّوت السائبْ

وخِضَمّ تعاريج الساكنْ

بجديدٍ تأتي

5

الإيقاعُ الآخرْ

الطالعُ من صوت الآني،

والفكرُ يُفكُّ من الحُجُبِ،

فيكون الماضي تلميذَ الحاضر

والإيقاع الإنساني ها يشدو:

ما أزرقَهُ..

أَلليلُ كما لو

أنّ الدّنيا كأسٌ

قطرةُ حبرٍ

قد سقطتْ فيها!

***

د. هدلا القصار

 

صادق السامرائيهذه ليست قراءة تقليدية، نمطية متداولة الأسلوب وعادية الفحوى، بل غوص في قيعان النص، وتنقيب في جزره المرجانية، للفوز بجواهر أفكار ذات وهج خلاب.

ويبدو أن العنوان أبهرُ النص وعموده االذي  تدور حوله محاور التعبير عن الساعي فينا وبنا إلى حيث ولدنا لنصل.

وإنه السؤال المرير الذي أعيا جلجامش، والذين بعده وقبله من مخلوقات التراب الفانية!!

والقول بالموت المؤجل تعريف مطلق لمعنى الحياة!!

1

عندما تولد الرغبة ويتوارد الخاطر، تتوافد عناصر التنفيذ والتصوير، وتتكاثف غيوم الأبجديات، وكأن الرياح تعصف بها، وتطردها بعيدا عن سوح البوح والقول الصريح.

2

الهاجس البعيد المتوطن في أعماق الوعي ودياجير الإدراك، تَزَعْزَعَ بقوة الخواطر وجمرات الأبجدية، فأخذ يهز أشجار الوجود السرمد، ويحاول أن يجني المطر من سراب العمر ووعثاء المَفر؟!

3

إنها الرمضاء العاصفة في رحلة كينونتنا، فكأننا نستحضر الموت في نشاطاتنا، ونقدم وجودنا الحي على طبق من الغياب الأبيد.

وفي هذا نعبّر عن الحيرة الوجودية، ومطاردة دخان معنى الحياة، التي تؤكد بأننا ومضة قد لا تضيئ أبدا.

4

هل سأتحرر من قوة الجذب وأصفاد التراب، فأنا المرهون بما لا أدري، والمسوَّر بخنادق الوجيع، فصباحي بحاجة لمصباح، وليلي يأكل ظلامه القمر، وأبحث عن حبة ضوء في وطيس الدجى.

.......

وتتأكد معالم الرحلة ومحطاتها، فإلى أين المسير، وكيف سيكون المستقر، إنه السؤال الأزلي الذي لا زلنا نجهل جوابه، فما عاد آدمي من ذلك السفر.

5

ومن شدة الدهشة ودوّي الصرخة، فالجبال بما فيها أخف من ساقي، لأن التراب مهربي، وأقدامي إنغرست في بحر الغياب وضاع الظفر.

أصبحتُ تائها أسيرا، أعشق نور الحياة وعطر المكان، ومواطن الإبتداء تبكي رميم البشر.

الفضائل وعبق القيم وعطر الطيبة وصدق البصر والنظر،  كلها عندي، لكن إرادة الرحيل، تحتم الإنطلاق نحو ملاذات اللا عودة.

6

أسمو،  أتسامق فوق السماء، أطير أعلى من الأعلى، كأني قد ردمت هيكل التراب، وأطلقت ضوء الروح، فهام بأكواني السَحَر، وآهِ من هذه الحركة البندولية المتأرجحة، الفائقة التوازن والإمعان في مهرجان الكينونة والأمل.

7

هنا تنطلق شلالات النجوى وتنبثق نافورات الوعي، وتتهادى أمواج التماهي مع طاقة الأكوان، لكن  الرغبة السماوية تتحوّل إلى معجزة، وكينونة ذات إنتهاء لذيذ في بودقة اللامنتهى.

8

تحرر أيها الساعي للإبحار في ذاتك المُترشحة من سُلاّف الذات الكبرى، فعليك أن تحزم أمتعتك وتنغرس في فردوس التراب، فالحياة لذة غياب وعجب.

9

إنطلقت الطاقة الكامنة في وجداني، وطغت على مداركي إرادة البقاء، التي أطاردها وتنهرني، وغضبتْ وسَئِمتْ مني فأردتني، وإفترستني لأني غنيمتها وطعامها المنتظر.

10

أيتها الذات المرعوبة بأعاصير المسير في شِعاب المصير، خطواتي لا تدوس ترابا، إنها تقتل أحياءً، تسحق عشبا، أسمع صراخه.

11

وتتداعى أبعاد الزمن وتختلط في وعيِّ، ولا فرق بين الذي مضى وما أتى، فكوْني الذاتي بلا ذاتٍ، ولا إحساسٍ بعشق، فالزوال قانون، وتواشج الأبعاد سراب، وغطاءٌ إذا تمزقَ ....الرائي إحتضر.

12

إنها آسرتي ومعذبتي، وآخذتي إلى حيث لا أريد، فمضيت في غياهبها لا أدري، وأحسب أني أرى، وحالما أبصرت إنفجر الحجر!!

وختاما فأنها قراءة إمعانية تنقيبية في خفايا النص، ودلالاته المتصلة بأعماق الينبوع، الذي إنبثق منه وتهادى في ربوع النفس والروح، وتنطلق من زوايا متنوعة.

مع خالص الود والتقدير للأستاذ يحيى السماوي، ولتتواصل السطور تنهل من إبداعه الأثيل!!

 

د-صادق السامرائي

.....................

*هذا ما توارد أثناء قراءة النص "موت مؤجل"، وكأنها قدحة العنوان في خيالٍ متأهبٍ للنظر!!

للطلاع على قصيدة الشاعر يحيى السماوي موت مؤجل

https://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/957383

 

 

رجب الشيخالتواريخ لاتفارق مخيلة نصوص الشاعر العراقي يحيى السماوي.

الوفاء سمة المخلصين الذين لاتفارق أفكارهم تواريخ بيضاء، وها نحن نقرأ نصا رائعا للشاعر المغترب الحاضر بيننا الأستاذ يحيى السماوي، تلك الشخصية المتزنة في عملية التأسيس الحقيقي و السبيل الذي يسلكه في فنون الشعر والادب والاخلاق فتراه يبعث لنا قطعة شعرية راقية ومعبرة ومؤثرة جدا من خلال ماخطه قلمه الجميل وما أعطاه الله من جزالة اللفظ والمعنى فسخرهما للابداع والتميز الراقي وبعناوين تليق به من حيث الرؤية العميقة الفلسفية وصهر كل التواريخ الهامة في الأزمنة القديمة وتحريك الجانب الجمالي والتكتيكي لهذا الفيض الإبداعي والجهد المبذول في إرساء قواعد اللغة والبلاغة، معتمدا على اتساع قريحته النادرة من حيث الجمالية البحتة في وضع حدود النص ضمن دائرة التفعيلة المنمقة بأسلوبية متفردة بالجمال وإبراز دور الشعر لرسم الصورة الحقيقية لتواريخ العراق في عملية التنمية المستدامة في الفكر الوهاج الذي لايفارق مخيلته المتقدة من حيث الديمومة المتجذرة في نوازع الذات التي تتلبس فكره النقي ونقلها الى واقع ملموس، فكان يعتمد كثيرا على حيثيات المكان في النص ليبث من خلاله انزياحاته ودلالاته التي تشير الى معنىً مبطن، وبناء تلك الإيحائية و بناء الإلتقاطات والنزوح الى بوتقة ترتيب ضمن أولويتها في صدارة الدلائل والإنزياحات المكتنزة، وكذلك الاهتمام بهذا الجانب المهم في إيصال تلك التصورات النقية بصور مثيرة للجدل ويحمل مابين حقيقة الأشياء واللامعقول في تركيبة غرائبية تعتمد على الإدهاش في تكثيف المفاهيم الاستعارية في تهيئة المناخ الشعري الملائم، و التنوع الأسلوبي في الحوار بين الدال والمدلول للبحث عن القصدية داخل النص بشكل أكثر واقعية، معتمدا على القياس الذاتي للهيمنة على مجريات فتح قنواتٍ أخرى للإرتقاء بنوعية الجملة الشعرية المتناسقة من حيث اللقطة الحداثوية عند الشاعر ونقلها إلى حيز الإنجاز الكبير  .

على هذا الأساس استطاع الشاعر مواكبة التحليل اللغوي الذي يوازي عملية البناء الحقيقي في صياغة النص الشعري، وأكد على التركيبة الموضوعية الأسلوبية، حيث يؤكد للحفاظ على أسلوب اللغة بتركيبها اللفظي بين النص والمتلقي، ومواكبة مسيرة الحداثة والجمال معتمدا على متابعته الحثيثة والحداثوية مع النسق المتماشي مع التطور السريع في عملية التغيير التعبيري الرصين ،  حيث احدث الشاعر ضجة في إمكانية اتساع المفاهيم في المنظور الحقيقي للغة من خلال نتاجاته الفكرية المتمثلة بالنحو والصرف وكل ما يخص أدواته الحرفية الكتابية المميزة والتي يسعى بها الشاعر لتطوير القيم الفكرية متخطياً النمطية السائدة المستهلكة  .

جزء من نصه:

هـيّـأتُ قـصـدي لـلـقـصـيـدةِ

غـيـرَ أنَّ الأبـجـديـةَ غـادرتْ قـلـمـي ..

وهـيّـأتُ الـحـقـيـبـةَ لـلـسـفَـرْ

*

أوروكُ بـعـدَ ربـيـعِ " إيـنـانـا " خـريـفٌ

فـالـضـفـافُ الـى جـفـافٍ

والـغـيـومُ بـلا مَـطَـرْ

*

وأنـا الـظـمـيءُ الـسـومـريُّ الـصَّـبُّ ..

والـمـوتُ الـمـؤجَّـلُ ..

والـقـتـيـلُ الـمُـنـتَـظَـرْ

*

أمـضَـيـتُ نـصـفَ الـعـمـرِ مُـبـتَـدَءاً

أُفَـتِّـشُ فـي الـمـنـافـي عـن خَـبَـرْ

*

لِأُتِـمَّ مـعـنـى جُـمـلـتـي الـعـذراءِ

فـي بـحـثـي عـن الـفـردوسِ

والـخـوفِ الـمـوبَّـدِ مـن سَـقَـرْ

*

كـيـفَ الـهـروبُ ؟

يـدي مُـكَـبَّـلــةٌ ..

وإصْـبـاحـي بـلا شــمـسٍ

ولـيـلـيَ لا قـمَـرْ

*

والـدربُ وعـثـاءٌ

وســاقـيَ مـن حَـجَـرْ !

*

بـيـنـي وأوروكَ الـذي بـيـنَ الـفـراشـةِ والـزهـورِ

وبـيـنَ فـاخـتـةِ الـسـمـاوةِ والـشـجَـرْ

***

رجب الشيخ

عضو اتحاد الأدباء والكتاب ورئيس المركز العراقي للثقافة والاداب ورئيس مجلس ادارة مدارات الثقافية .

.................

للاطلاع

يحيى السماوي: موت مؤجّل

 

هدلا القصارنذهب الى سحر الأمكنة الأدبية، وانسكلوبيديا الشاعر التونسي  يوسف رزوقة، المقيم في فرنسا

لنذهب إلى الأديب والمترجم الشاعر يوسف رزوقة، وتجربته المتمثلة بعالم الأحياء المقارن، وأشكال ظهوره في قارات مختلفة، مع مراعاة الفوارق الجوهرية بين الظواهر الثقافية، والطبيعية الأدبية، التي لا يمكن أن نتجاهلها أو نتخلى عن برهنة وجود علاقاتها بالتأثيرات الأدبية المتنوعة، والبارزة في  تجربة الشاعر التونسي يوسف رزوقة، الذي عكس مسيرة الشاعر البلجيكي "هنري ميشو، الذي ربطت أعماله بحبه لعالم الشرق، بعد أن  زار العاصمة المغربية مراكش التي تركت بصماته الانطباعية على عطائه الأدبي".

لنتعرف على عوالمه، وخمائر ثوراته الأدبية، ومواكبته  الأحداث وقدرة على معالجة الحياة والأصوات، في نبرته البسيطة والدافئة، والمليئة بحرارة تشمل حواس المتلقي من إيقاعه الأدبي الأخضر .

أنه عبارة عن كتاب جامع عوالم الفكر والبلاغة الكونية، المتعددة المناهل والتجارب من خلال ترصده للهوية الثقافية العربية والعالمية، لقد قدم نفسه كانساناً، وقارئ، وطبيب، اكتسب  من مختلف المدارس الشعرية ومنابعها الشرقية والغربية، في تجربته التعبيرية التي تتحدث عن أدوات الشاعر الفذ، صاحب الإلهام والتوجيه الثقافي الجماعي، الذي مكنه من شهوة الإبداع الراقي في تقسيماته اللغوية، من خلال مخاطبة القارئ العربي وما تستلذ عليه جنسيات ومجتمعات مختلفة، مما أعطى الشاعر   رزوقة، شكلاً أدبياً حديثا في صوره الجامعة بين التاريخ والمجتمعات،  من خلال  سرد قصصي محمل بفكاهة ساخرة، كقصائد الشاعر الأمريكي اللاتيني "خوان زوريلادو"،  ومحاولته الكشف عن تصويره للواقع المقترن بتجربة رزوقة، وأوزانه  الفائضة في موضوعاته الإقليمية، التي ساعدتنا على فهم حركة نصوصه الاستكانة الرؤى، وتكنيك منهجه الحيوي، وتشكيل صور ه الانفعالية الحية، وارتباطه بمعمارية قصائده، وعلاقته بالحركة الشعرية العالمية المشبعة من وظائف الشاعر المتألق بأفكار خطاباته المتعددة الزوايا ، المنسجمة مع تشكيلات شاعريته المستقلة بذات الشاعر  وفرادة تحليله لاستنطاق النفس الإنسانية، وما يلعب على مصائر البشر في الأمكنة التي تحك جدران أقلامه، وما يملك من أسئلة، وشكوى، في وصفه المشجر من معراج قوله، وديباجيات عالمه التاريخي، ومرجعياته التي تعلو على الواقع الذي يمثل الخارج، في جميع تجاربه ، وخبرات التي منحته التوغل في الغيبيات وما وراء تشوهات الإنسان والطبيعة، وظروف المجتمع واضطراباته ....

فمثل هذا الأدب العربي العالمي الواسع، والمتمركز في فضاء الكاتب وما يتميز به من وظائف بصرية وجمالية، ستبقى علومه موجودة كنموذج ثقافي في حياتنا ومخزوننا المعرفي، والمرئي، والمقروء، لمنهجه الإنساني السيكولوجي، بوصفه يحمل أدوات مرتبطة  بالبيئة وحدود التاريخ...

 

ففي أطوار هذه الإبداعات الذاتية، حولت مؤسسة أعمال الشاعر رزوقة الأدبية المهجنة إلى ممارسة ومصطلحات موروثة من تاريخ أدب العالمي، الذي أكسبه صناعة تخضع لظروف البيئة وحاجات المجتمع... وما تحققه  ثقافته المكتسبة،  مما جعل من الأديب والشاعر رزوقة مؤلفا مونولوجا مخاطبا الحياة  والأسئلة الوجود القلق، وتأثيرهم على الفرد داخل أعماله الأدبية، التي لا تغادر دواخل ذات الشاعر، المحمل بمعاناة الهمس الشعري وما يحيله إلى جغرافية التآخي الخفي لثقافة الشعوب، وتاريخهم المضمر   في تجاربه،  ليعيد للمتلقي صياغة الواقع الذي يقوم على أدوات الشاعر المعرفية الجامعة مدلول الثقافة  المهجنة  في منهجه الأدبي والنحوية والبلاغي، في رؤيه شمولية، وجهوده اللغوية  المتكئة  على قاعدة فكرية علمية ثقافية... ، لنخرج معا من تجربته  الشعرية الإبداعية العربية المستحدثة .

انه لخطاب قدير وبلاغي عميق، أعطى للأدب شكلاً أدبياً حديثا في صوره الجامعة بين التاريخ والمجتمعات المتقدمة،  بطريقته اللاعبة على ضمير المتكلم والمخاطب في سردياته المحملة بفكاهة ساخرة، كقصائد الشاعر الأمريكي اللاتيني "خوان زوريلادو"،  ومحاولته الكشف عن تصويره للواقع بأوزانه الأدبية الفائضة في موضوعاته الإقليمية التي ساعدتنا على فهم حركة نصوصه الاستكانية الرؤى، وتشكيل صور ه الانفعالية الحية، المرتبطة بمعمارية قصائده المشبعة من وظائف الشاعر، وخياله المتألق بخطاباته المتعددة الزوايا، والمنسجمة مع تشكيلات شاعريته المستقلة بذات الشاعر  وفرادة تحليله، وتعمقه في النفس الإنسانية .

إذا يلعب الشاعر على تطوير المجتمع، حيث يتسرب كجنح الليل إلى كل الأمكنة، ليعتصر جميع قطاعات الحياة وأخطاء الفكر، والسياسة، والمجتمع من حوله، مما أضاف إلى نصوصه إبداعا نوعيا، وتقنيات عالية في شكل ومضمون كتاباته الشعرية والسردية والفكرية الأدبية التي قدم من خلالهم اشراقات متوهجة تجلي لنا برؤيته الجانحة لملحوظاته البصرية والحسية الملموسة من روح وأحلام وردية للإنسان في أرضه، لنجد أنفسنا نقف أمام تجربة شاعر ذات آفاق في مضامينه التي تصدر عن طاقة مخيلة  الإنسان ومشاعره المكبوتة .

لذا لا بد إلا أن نترجم تقسيمات واقع الأديب والشاعر، الإنساني وانعكاس ارثه " النوستولوجيا " المدرع بإبداعات وتعويذات أعمال تقودنا إلى الواقع الذي يعود للتاريخ المثيولوجي، المتمثل بعبارات فوليتر:

" أن الكاتب المتمكن هو الذي يعرف كيف يطوع لغته بفكره، ويجعلها عجينة لينة، ليصنع منها صوراً مختلفة، و تمكنه من صياغة موضوعاته، كما عليه أن يختار لغته رغم قيود النحو "،‏

أن هذه النظريات هي التي دعتنا الذهاب بنصوص الشاعر يوسف رزوقة، للاصطياد من ذهب تكوينه البيولوجي المعايش أفكار مجتمعات مختلفة، حيث يظهر للقارئ طريقته المتحدية المضمون والمعنى الذي يليق بمقاس مركبات الإنسان، في صدى نظريات تجربته البعيدة الأفق،  وإلى كل ما له علاقة بمسيرة المجتمع واضطرابات روحه بين الصوت وصداه، لمعرفة نسيج لغته ومناخها الرؤيوي ،المتواجد في ابتكار صوره المجتمعية الذاتية الحية، وسردياته المؤثرة على المتلقي والمتخيل، في تجليات الشاعر الشعرية الجديرة بالذكر،  كونها مقدمة من رؤيته المستعينة بالعصر الحديث، وعلاقاته بالغرب ومستواه الإبداعي والفني، المطوع من روائع ثقافات ممتعة لتنوير الأجيال القادمة، كما يدعونا إلى مراجعة القيم الفكرية والأدبية بلغة جميلة وأنيقة، ورؤية بصرية واضحة لمستقبل الجيل الرابع، ليكون نموذجاً للأدب المتعدد في مستوياته الإبداعية، وأساليب سيرته الذاتية التي أثبتت هويته القومية، وتناصه مع نصوص شعرية مهجنة، لتشكل لوحات فنية متداخلة مع فصوله المرتبطة بوقع المجتمع العربي، المقارن باللغة الغربية، مع الفارق بين أقواس شاعر وشاعر، وعباراته المشعة على نطاق العالم العربي والدولي كما عبر في بعض سردياته ك "

(في تشخيص ما يجري )

والآن، بعد سقوط أوطان بأكملها

أيعقل أن نظلّ بـها كما لو أنّنا أصحابها؟

لم يبق شيء في مكانته ولا حتّى الـمكان

خلا الـمكان العبقريّ من العباقرة، انتهوا من حيث لا ندري و/ أو ندري سماسرة يبيعون السّماء بأبخس الأثمان والتّاريخ والجغرافيا

لم يبق للنّاجين، هذا إن نجوا، شيء يطيل العمر أو يفضي ولو بمعجزة إلى برّ الأمان

ولا أمان هنا

وكلّ سفينة نوحيّة في البحر أغرقها القراصنة..

انتهى الإحساس بالـمعنى

انتهى الإنسان شيطانا، هنا والآن، انتهت أشياء كانت أجمل الأشياء

وانتهت الحقيقة حنظلا

لا شيء يصلح للحياة هنا ولا..

لا شيء يغري بارتكاب الحلم خير جريمة للحالـمين بشبه إنسانيّة حتّى.. تأكسد معدن الأشياء

واستولى على البشريّة الشّر الـمقيم

وقامت الدّنيا ولم تقم القيامة والبلاد، بطولها وبعرضها، استولى عليها، وهي تستجدي بنيها: أن كفى، استولى على غدها، الجراد

بأيّ وجه أيّها النّاجي من الطّوفان، هذا إن نجوت، ستدخل الـمضمار؟

أنت بحكم كونك مفرغا من جاهزيّة أن تكون مواطنا أو مفرغا من محتواك مرشّح للانسحاق

ككلّ إنسان، هنا والآن، لم ير وجهه قبل السّباق وبعده

من أنت، في دستوبيا  زمكانك الـموبوء؟ تسألك البلاد ولا جواب

فأنت، هذا إن أجبت على السّؤال، مجرّد من كلّ أسلحة الأنا الأعلى أو السّفلى ومن جينات من كانوا عباقرة

وتلك حكاية أخرى سيرويها سواي

14 ماي 2019

وصيّة حصريّة 4

اللّعبة انتهت، انتهى اللّعب، انتهى، من ثمّ، شوط لا تليه بداية

وعلى الـمؤرّخ أن يؤرّخ، كيفما اتّفق، الرّسالـــة، أن يؤرّخها كما شاء..

انتهينا نحن أبناء الخريطة

كيف، بالضّبط، انتهينا؟

مثلما، من قبلنا انتهت الحياة

وما انتهى، من بعدنا، اللّغط الوجوديّ، الرّتيب

وللمؤرّخ أن يؤرّخ ما رأى: عبثيّة الإنسان بين بداية ونـهاية

وعليه أن ينسى السّماء وهذه الأرض الشّحيحة

أن يلمّ هراءه في صرّة ليقول وهو مودّع: كنّا، هنا والآن، باللّونين: أبيض أسود، الشّطرنج رقعتنا الأثيرة، فوقها نحيا، نموت ولا حياة لكائن من كان في دنيا سياستها كما الشطرنج في أيدي الأبالسة الطّغاة

كأنّنا كنّا وما كنّا

وما هذا التّراث

تراثنا الـمدموغ باللّونين: أسود، أبيض

إلاّ دليل فساد مصدره

هنا والآن، للفئران أن تتلمّظ التّاريخ مهزلة فمهزلة

وللحكماء، إن وجدوا، هنا والآن، أن يتنزّهوا بين الحقيقة والمجاز

وأن يروا في الكائن الكينونة الخطأ، اليد الشّوهاء والوجه - القناع

كأنّنا كنّا وما كنّا

وما هذا الرّثاء رثاء مرحلــــة فقط نحيا مهازلها..

ففي تاريخنا الدّمويّ ما يدعو إلى ندب الخدود وما يثير شماتة الأعداء

كم كنّا وما زلنا معيزا

هكذا أستخلص المغزى من الـمعزاة في تاريخها ومن الضّباع تزيّن الـمرعى لها

أو هكذا كنّا ولم نكن..

التفتوا جميعا: لن تروا إلاّ الخراب حديقة وغراب پو

لا نار في الصّوّان

لا صوّان في الأيدي الّتي استولى على حمّى أصابعها الرّعاش

ولا كذا في أيّ شيء تشتهيه الأنفس الوحمى

الحقيقة حنظل

والنون في صحرائـها تثغو

بحرقة نعجة فرّت من المدعوّ دوللي

هكذا الأشياء تبدو

هكذا تبدو الحقيقة: أنّنا نمضي كما جئنا

فهل جئنا لنمضي هكذا

فقراء إلاّ من هراء القادرين على الهراء؟

زردة في 23 ماي 2019

***

بقلم: الناقدة والشاعرة د. هدلا القصار

 

عقيل هاشم"قص الاختزال قائم على جدلية الاتصال- الانفصال"

مفهوم..."جداً"

تجنيس النص يعتبر عتبة مهمة للولوج إلى المتن، انطلاقا من التسمية كصنف من أصناف، أو صيغة من صيغ القص. ياتي السؤال من الذي يمنح الهوية او النوع أهو الكاتب، المتلقي أم السمات المميزة للنوع؟

اذن نحن أمام وجود ينحى إلى اعتبار (الأعراف والمواضعات هي التي تحدد هذا الجنس .لكن يبقى هذا الجدل قائماً في أصل القصة شكل ونوع هذا القص، بين يراه نوعا سرديا متطورا عن القصة القصيرة لما تتوفر عليه من سرد، حكاية، أحداث،شخصيات، لحظة الاكتشاف، المفاجأة والخاتمة... وبين من يعتبره متطورة عن قصيدة النثر، لما تشتمل عليه من لغة شعرية، هيمنة الغنائية، واستعمال لغة مرسلة توظف أدوات الشعر من مجاز وانزياح وصورة فنية... ومن يرجعه إلى الشعر الحر لاعتماده نظام الأسطر والمقاطع، وحسن توظيف البياض مع الإفراط في توظيف البديع التوريات، الطباق والجناس والاعتناء بالجانب الصوتي... لكن يبدو هذا النقاش غير مجدي ما دام هذا النوع قد اختار تصنفه بالانحياز إلى القصة القصيرة واكتفى بإضافة "جدا" ليميز نفسه.

(المجموعة بوصفها ادانةً وجُرحاً..)

مقدمة..

"حين سال موظف الجمارك "اوسكار وايلد" في واحدة من رحلاته .ان كان يحمل امتعة ثمينة. لم يتردد في ان يجيب "عبقريتي"

المجموعة القصصية الموسومة جدا "بئر برهوت”، للقاص جابر محمد جابر، حيث تنطوي «العتبات» العنونة على بنية مركبة، مليئةً بالإشارات والرسائل الملغزة، ولا تخلو من مسحة صوفية تتراوح بين قساوة الحكي وشفافية البوح.

اقتباس

مسكينة تلك الحمامة .ترى من اصاب جناحها وعطلها عن الطيران .من كسر قلبها لتصبح هكذا ...عرجاء..!!! انا حزين لحزنها .اه لو تسمح لي .ان اعالج وجعها واداري روحها .الا انها فقدت الثقة بالانسانية.. كل ما أصابها

مصدره الانسان... الانسان الوضيع للاسف الشديد ص54

يؤكد الكاتب على أن التحولات في بنية القص كونها الهاجس المحرك لفكرة المجموعة القصصية ومخططها منذ بداية التوجه لكتابتها، اذن هي نصوص امتلكت رؤية إنسانية بالغة الحزن مادتها "الإنسان"، تتنوع بين اﻹطار الفانتازي واﻷسطوري والواقعي والفلسفي والملحمي مع كثير من الإنسانيات والتشريح المستفيض للنفس البشرية بكل صراعاتها الداخلية ولحظات تمردها بل ونجاحاتها التي تختلط أحيانا والإحباطات والكثير من الحيرة، والمبطنة بعُقد الخوف والنقص فيه، هذه النصوص تميزت بسلاستها المعهودة من حيث اللغة، كأنها مونولوجات قصيرة تثير الدهشة في نفس القارئ.

2714 جابر محمد جابر

اقتباس

انا رجل بعيد عن الشبهات .تتهمني هي: بالتفريط بجمالها او عنوستها او مفاتنها ..انا لم احافظ على نزاهتي في رسم خطواتها .هي تقول ذلك ص68

«هذه النصوص القصيرة جدا تحاول أن تكون مختلفة ومتميزة، في كتابة جديدة تخرج عن النمط السائد، ممتلكة جرأة في الموضوع والشكل».ايضا نجدها قائمة على جدلية الاتصال- الانفصال. فنجد أنّ ثمة روابط تقنية ورؤيوية بينها من جهة، وتمايزات متعددة من جهة ثانية،

عتبة العنوان..

" بئر برهوت.. في صحراء محافظة المهرة، في شرق اليمن، ويعتقد الناس أنها مسكونة من الجن..يسميها اليمنيون "قعر جهنم"

النصوص وعبر هذا القالب الفني الذي اختاره كاتبها . نكتشف الوجه المتمرد له .تبدو كهاجس ذهني اخترعه خياله، ومارس لعبة الكتابة طقوس “احتجاجية”،

ثيمة النصوص لا تزل قادرة على المنح والحرية ونشدان العدل بالرغم من التهكم والانتقاد والسخرية، مشغولة بحسّ إنساني خاص، متكئة على تنوع في صيغ الحكي المكثف، تتآزر وتتكامل كي تشكل لافتات ادانة..

اقتباس

مضت الدقائق بطيئة كسلحفاة ثم فجأة لاذت بأشجار الحزن لتحوّل جسدي إلى كتلة من الجمر المتقد (....) لمحتُ عصافير الزمن تكركر لوحدها، قلت في سري هذه تدعو للتفاؤل قادماً سيراً على الأقدام، أو بعربة بلا عجلات، المهم أن يزورنا! " قصة " عصافير الزمن ص11

النصوص القصيرة هنا لها خصوصية جمالية تؤسس لذائقة جديدة، تعصف بالأدوات والمعايير النقدية الراسية و المتداولة عن محاكمة النص وفقا لأعراف أجناسية ثابتة وضوابط نهائية، طالما أن النص استطاع أن يحقق الغاية المرجوة منه: أن يحفر في عمق الدهشة، كاسرا أفق انتظار القارئ .

اقتباس

قال لاتخشى الذئاب ثم استدرك وقبل ان اسال كيف؟

قال: عليك ان تحترس وانت تسير في طريق الذئاب .اقتنعت بكلامه وضاقت ...ذئبة ص75

صحيح ان الكاتب تعمد في مجموعته ان يبدأ التمييز بين نص وأخر، مادام كل نص اختلف شيئاً ما عن غيره، فنياً، شعورياً، قصصياً، جمالياً.. إلخ.فاللفظة عنده مشتركة في أغلب النصوص ودالة بمبناها على معناها، كما حافظ الكاتب وبقصدية واعية على هويتها اللهجية، ضمن السياق اللساني المؤطر للدلالة في المفهوم الجمعي فضلا عن عفويتها وحكائيتها، المستجيبة لمتطلبات السرد.. كما تنوّعت أساليب القص، وطرائق السرد، بكثير من التجريب الواعي، مع الالتزام الدائم بالبناء الفني لمعمار النص.

لكن كل نص هو من حيث المبدأ عمل مرتبط بشعورنا العميق بالخذلان والإدانة لمايجري، وبالتالي استمرار السؤال المحرّض، أو غير ذلك مما نعتبره شعوراً بالنقص متأصلاً في الكاتب/القارئ معا،

سرعان ما أن يكتشف الكاتب بحدسه العميق وخبرته التلقائية وذكائه الفنّي وصدقه الشعوري هذه الأواصر، فيوغل في قدح نصوصه في قلب ومشاعر المتلقي ويجعله يتفاعل معه ويساهم في كتابتها من خلال "الفراغات " التي تركها في جل النصوص.تتفاوت في الطول والقصر، بحسب الغرض،

اقتباس

من وراء شرفة الأمنيات، أطلت فتاة في غاية الموت، ترتشف كأس السعال، تصرخ بأنفها.. لا للحياة البائسة، لا لأحلام الفقراء، نعم للقدر الفعال (...) هيا نذهب نحطم صناديق الخوف، نسترجع ثمن الوطن قبل أن يهرب اللصوص..." ص 47

تحملنا شعرية القص ومفاجآتها اللغوية والجمالية المستمرة على البقاء متأهبين لقبول كل فكرة جديدة تتعلق بقراءة النص وتوصيفه وانفتاحه على الإمكانات المتعددة لتوليد نصوص تومض ولا تفضح. تجعل من القارئ جزءاً لا يتجزأ من عالمها الخاص ..

ما دونه الكاتب نجده يؤرخ لمفهوم العقل الجمعي المتحول على طريقته الخاصة من خلال رصد مصائر انسانية يغلفها الحزن والانكسار والخذلان .. وكانها دفاتر يومية استمدّت مفرداتها من اليومي .تسرد تفاصيل الهامش من كوابيس لا حدود لها. ويتم تحويلها الى لافتات سياسية تدين كل سلطة غاشمة من البيت والمجتمع والنظام ..

النصوص يغلب عليها التقشف، إلا أنها تمتلك جماليّة بصرية خاصة..

اقتباس

لم اعد اشعر بشيء .عدت من المقبرة منهكا استنزفت كل دموعي .فقدت الوعي .رقدت في المستشفى يومان او اكثر .لم تعد لدي رغبة في الكلام .او حتى الكتابة .شعرت ان القدر طعني من الخلف يوم اخذ اختي التي احب ام عمار ص77

مع ذلك الكاتب يلخص ويختصر تجارب إنسانية عميقة ومحفوفة بالألم حصلت بعد التحول السياسي والاجتماعي للبلد وما يتبعها بالضرورة من اغتراب نفسي ووجودي للمثقف وتخلخل على مستوى فنية الكتابة .

تحولات فاشلة ومحبطة تركت آثارها الخطيرة وأفرزت ظواهرها التي تتصدرها ظاهرة تنامي الفقر والقتل على الهوية وغياب الرؤيا ....الخ, وهذا ما صبغ النصوص ببعض تجليات هذه المظاهر التي عاصرها الكاتب كمراقب اولا ومشارك ثانيا واخترقت وعيه بحدة كونهُ أيضاً ضحية من ضحايا هذه الأوضاع القاسية والمؤلمة .في إدانة صارخة للقمع والقهر. هي أشد بُعداً عن لغة التباكي ..

اذن هذه النصوص القصيرة هي أصوات استغاثة أكثر من كونها أصوات سرد دؤوب لقصص الحياة.

 

قراءة عقيل هاشم

 

علاء حمدلا نستطيع أن نغيّب موضوع العتبات في الرواية الحديثة وخصوصا أن الكاتبة بلقيس حميد، التزمت المنظور الرمزي والذي كان مشبعا بالحركات الدلالية بداية من الأسماء التي رسمت معانيها، والتي اعتبرها العتبة الثانية بعد العنونة؛ فالرغبة التي نتلو بإيمانها هي العلاقة النصية بين منظورها الكتابي الداخلي، وصولا إلى الأبعاد النصية المتنوعة الأنساق، ورؤيتها الخارجية، وفي بداية كلّ عتبة نلاحظ أن التأويل الأيديولوجي لاحدود لأحكامه ومعاييره في النصّ الروائي، ومن خلال هذا المنظور يتقبل الباث الأول التأسيس، مثلما يتقبل القارئ ذلك، فالموجة الإضافية التي نعنيها، هي تلك الموجة من جانبين، الأولى عنصر التأسيس الكتابي، والثانية عنصر منظور القراءة، ونضيف إليهما القوة التأكيدية للمؤلف، فالقاعدة النصية تعتمد التركيب للمعاني المرافقة لكل مقطع من مقاطع الرواية (في حال التجزئة طبعا)؛ وباعتبار العتبة: مقاصد الكاتب من ناحية سياقها النصّي، أو الموازي الذي يقودنا إلى العناصر القصدية، وخصوصا أن الكاتبة لم تعتمد المنظور الواقعي المباشر في كتابتها لرواية (الأوان).

العنونة : الأوان.. إذا افترضنا وحسب التحليل الموضوعي للرواية ومايناسب العنونة بأن المعنى (سابق لزمنه) فنكون هنا قد نزلنا إلى عبقرية المعاني المتاخمة للأسماء التي سنأتي على تفكيكها حسب الرؤية الحديثة، فالعنوان من كلمة واحدة وهي خارج الضجيج، وعندما تحمل المعنى المباشر (حان الوقت)؛ ومن هنا نكون مع المباشرة وهذا مانستبعده في الرواية، حيث أنّ المعنى لايحمل المباشرة وله علاقة مع جسد الرواية التي رسمتها الكاتبة العراقية بلقيس حميد. لذلك فالحدث المعنون يحمل رسالة من المعنى كمرسلة مبعوثة إلى مرسل إليه؛ وفي هذه الحالة يكون العنوان قد حمل بعض الشيء من الجسد المكتوب؛ والعنوان يشكل نصّا اعتباريا خارج الجمل النصية التي يعتمدها الكاتب؛ لذلك فهو يحمل قيمته من خلال موقعه المستقل، ويكون ذات دلالة حركية ونعني بالدلالة الحركية، تلك المتعلقة بالذات العاملة والتي لاتنفك إلا وتنزل مرسومة بعلاقات أولية مع الجسد النصّي.

سنتجه نحو رواية الأوان بعدة عناوين وذلك لكي نستطيع الدخول من أبوابها الواسعة ونلتزم بما رسمته الكاتبة العراقية بلقيس حميد وهي تقودنا من حدث إلى آخر من خلال مارسمته من أسماء تفكيكية لها الصدارة في التحليل والمنظور الروائي السردي، فكلّ اسم لايتخلى عن الحدث الروائي وخصوصا أنها كتبت ملحوظة : شخصيات الرواية لاعلاقة لها بالواقع، وإن كان هناك أي تشابه باسم وحدث فهو صدفة.. انتهى سطرها الأول، فقد أرادت أن تخبرنا بأن العقلية الكتابية هي التي دفعتها نحو الكتابة، وليس التجربة الحياتية وما جابهته على أرض الواقع، أي أن الأحداث متواجدة ولكنها غير منقولة، فالتفكيك الجسدي الذي اعتمدته الكاتبة من خلال النسق التخييلي بعيدا عن الأشياء المنظورة أو الأشياء المرئية، ومن هنا نستطيع القول أن النسق السيميائي دخل في المنظور الجسدي للرواية.

2707 رواية الاوان بلقيس حميدخطاب التنبيهاب للأسماء

المنظور السردي.. النسق والمعنى

المنظور التخييلي للأحداث (الفلاش باك) والحاضر

الجمالية والحدث الآني

من خلال هذه العناوين التي تقودنا إلى المنظور الجمالي والأبعاد الدلالية للرمزية نستطيع الدخول إلى رواية الأوان للكاتبة العراقية بلقيس حميد، حيث أن العلاقات التي تواجدت من خلال البعد النصي، هي العلاقات بين شخصيات الرواية وما تحمله من أسماء رمزت إلى حدث معين، وكذلك علاقة الدلالات الرمزية مع البعد الخيالي الذي وجده الفعل التخييلي التزاما من انطلاقتها الأولى وهي تقودنا إلى مجموعة من الشيفرات المتتالية وما على القارئ إلا تفيكيها والاندماج مع تلك الأحداث الداعية إلى الحزن تارة وإلى التأويل تارة أخرى، ولكن وفي نفس الوقت لاتبتعد الكاتبة عن الحالات الفجائية التي تواجهنا في روايتها، فقد كان التوجيه المفاجئ على علاقة مع الفهم العام، وعلى علاقة مع فهم الفهم.

خطاب التنبيهاب للأسماء

مبدأ الـ (أنا) العاملة: تبدأ الكاتبة بسرد حالتها بداية من مبدأ الـ (أنا)؛ فالنسق السردي الذي اعتمدتها تارة كان تقطيعا مع حضور حالة الفلاش باك، وتارة أخرى استرجاعيا ضمن دائرة الخطايا التي اعتمدته الكاتبة : ((أزحت الإسمنت والحصى عني، دفعت بالزاوية بعيدا. لكن الدماء تسيل من مناطق عديدة في جسدي، أما روحي فذاهلة ولا أدري هل هي معي أم أنّها هائمة في عالم عتمة آخر غير ما أرى.

أتذكر أن الناس تحدثوا عن النهاية قبل هذا اليوم، قال بعضهم أنّ طوفانا كطوفان نوح سيغرق العالم، وقال آخرون أنّ الله سيقلب قطب الأرض وتشرق الشمس من المغرب... الخ- ص 9 – رواية الأوان)). ويقول جيرار جينيت في كتابه نظرية السرد : ((الأنا كمشارك: إنها حالة الرواية بضمير المتكلم، حيث يتساوى السارد والشخصية الرئيسية " مثال : ديكنز في رواية الآمال الكبيرة " – ص 14 – نظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير- جيار جينيت – ترجمة: ناجي مصطفى)).

بما أن الروائية تكتب النصّ الشعري، فاللغة الشعرية قد أثرت على الخطاب الروائي، وهي توظف فعل الإثارة، مما أعطت جاذبية عليا في اللغة التي وظفتها في النصّ الروائي، زائدا هناك المخاتلات الفنية التي اعتمدتها فأعطت نتائج وركائز كبرى في مرحلة البناء السردي وحالات القياس الموضوعي الذي اعتمد الانفعالات والسمات الكامنة في الذات العاملة؛ لذلك كانت لغة الـ (أنا) نافذة في الصفحات الأولى وهي تخبرنا عن بعض العلاقات غير المتوقعة، وواقعيتها خرجت لتحديد مواضع الأفراد.((ولعلّ السرد بضمير الأنا، أو كتابة السيرة الذاتية الروائية، هو، وكما أوضحت في هذا الكتاب، بمثابة التأكيد على هويّة المروي وبما هو، أي هذا المروي، ينتمي إلى زمان ومكان، أو إلى مجتمع له تاريخه. – ص 10 – الرواية العربية المتخيل وبنيته الفنية – د. يمنى العيد)).

إن الغفوة التي طالتها كأنها تناص من أهل الكهف الذين لم يعرفوا كم مكثوا، والحالة الاستدلالية التي رسمتها الكاتبة ليست شبيهة ولكنها مشتقة من قصة أهل الكهف بأسلوبها الخاص: ((لا أدري كم غبت عن الوعي، يوما، ساعة أو دهرا ؟ - كل ما أتذكره أنّ صوتا مرعبا صمّ أذني وارتميت كمن رفعني إلى الأعلى وضربني بالأرض، كم مرّ من الوقت ياترى ؟ - ص 10 – رواية الأوان)).

سالم باقي يحيى : لو قسمنا الاسم المركب إلى كلمات، فسوف نعطي لكل كلمة من خلال المعنى اللساني الدلالي معنى، وهنا نكون قد دخلنا إلى المفهوم الدلالي للمعنى من خلال الكلمة (الاسم) وهي عادة تصادفنا بشكل دقيق في الروايات النوعية، حيث أن الأسماء تشكل معاني دالة على الحدث والأحداث الروائية.. فكلمة سالم مثلا، نخرج عن كونها اسما من أسماء العلم، وندخل إليها من خلال المعنى ككلمة دالة على الحدث، فالشخصية تعني لنا أنه سالم من كلّ شيء، ويخرج سالما من كلّ مغامرة يدخلها، لذلك نكون قد أعطينا مستوى المعنى الدال على الحدث والمغامرات التي واجهت الشخصية (سالم).. ونعبر إلى الاسم الثاني ونتعامل معه على أنه كلمة أيضا، (باقي)، فهو باق على مجرى الحياة ولم تخدشه أو تنهيه حادثة ما، بل يخرج منها بصفة منتصرة، أما كلمة (يحيى)، فنقول أحيا الفلاح الأرض، أي جعلها خصبة، وأحيا الله فلانا أي جعله حيا، فهو الحي المتحرك أمامنا دون ملل أو تكاسل، فالحركة التي نعنيها حركة الدال بما تعني لنا كلمة (يحيى).

المجال الدلالي الرمزي: إن فلسفة الأشكال الرمزية تشمل الكلمات التي يُشار إليها أيضا، وبما أن الكاتبة العراقية بلقيس حميد قد أشارت إلى بعض الأسماء فقد كانت من وراء ذلك الرموز الخفية، وهي في حالة تفكيكها فهناك علاقات ديناميكية بين كلّ رمز من الرموز وأحداث الرواية، فمثلا أشارت إلى الشخصية الرئيسية (سالم باقي يحيى) الذي كان يحلم بأن يكون كاتبا كبيرا؛ ومبدأ الحلم وحده يحوي على الكثير من التمنيات والكثير من الأحداث غير المتطابفة أي أن الكاتبة قادتنا إلى التطابق والتمايز من خلال أحلام شخصيتها والتي راوغت بين الحضور والغياب Presence and Absence ، حسب مبدأ دريدا.

إن الشيء الذي يجعلنا ننتبه له، هو بين الأنا والآخر، أي ثقافة الأنا المفردة، وثقافة الآخر الجماعية، لذلك ومن خلال الحدث المنقول نلاحظ أن الشخصيات مختلفة كل الاختلاف من ناحية الثقافة الفردية والجماعية كأن المجتمع يرغب بإطاحة من يخرج بعاهة (الخرس حسب ماجاء بالرواية) والإساءة له وعدم تقريبه، لذلك رمزت من خلال الشخصية الرئيسية (الدال) بالتمرد على الآخرين ((يضحك على عاهتي عادل ابن جارنا، يحفز الأطفال على احتقاري وضربي بالحجارة أحيانا، لا أستطيع أن أرد عليهم لأني أخرس، ولكن عندما ترمى الكرة بعيدا، أركض كالسهم إليها، ألتقطها وأدخل بيتنا لأمزقها بسكين المطبخ، أرميها عليهم وهم ذاهلون فيكرهون اللعب معي مرة أخرى. – ص 13 – رواية الأوان)). ياترى من صنع هذه الشخصية الدونية والخباثة، بالأخير أن يكون متمردا على كلّ شيء حتى على أمه التي عملت المستحيل من أجل أن  ينطق؟!

البنية السردية.. النسق والمعنى

البنية السردية.. النسق والإحالة.. إن السيرة السردية التي تسلسلت من خلال الوحدات الحكائية والوحدات اللغوية قد عامت على منظور السيرة الحكائية المتمثل بالبطل والبطل الجمالي، لذلك فقد جاءت رواية الأوان بتطورات شخصية بين البطل الظاهري وبين الشخصيات التي ساندت البطل والكاتبة تسرد لنا الأحداث بين سيرة وأخرى، ولكن مركزية الحدث العائم كان بشخصية البطل (سالم باقي يحيى) لذلك عندما التزم القول وما آلت له تصرفاته الغريبة حدثت تطورات دلالية، وهنا تلتزم الكاتبة العراقية بلقيس حميد ببعض آليات الكتابة الداخلية وهي تبرئ البطل الحتمي من تصرفاته الغريبة، وقد ظهرت لنا بعض الالتزامات منها إمكانيات الاستقراء على وجه التمأمل، ومنها حدث المتعة الخطية التي اعتمدتها:

متعة الحواس في الإدراكيات التي توالت في الحدث اليومي من خلال الشخصيات المتواصلة، وهذه وحدها شكلت التواصل القولي من خلال التفكر والتذكر الذاتي، حيث أنّ الكاتبة بلقيس حميد استطاعت أن تجذب القارئ لمتعتة متخفية، وهي نفسها متعة اختفاء السرد، وظهوره شكل دعوة إلى التفكر العقلي، كأن الواحد منا فكر وقال، هذا المشهد كان أمامي، وهذا القول ينسبه إلى أحد المقربين له، فقد شكل المنظور الواقعي الشعبي أحداثا في غاية الأهمية وخصوصا عندما تأخذ الأم ولدها إلى الشيخ ((كانت أمي بين التعاطف معي والخوف عليّ، والجزع من بكائي، وكأيّ أم تريد أن يكون ابنها أحسن البشر، حاولت عمل أي شيء، لأكون مثل بقية الأطفال، فقالت للشيخ وهي في شك من كلامه :

شيخنا أقسم لك بالله العظيم بالأنبياء جميعا وبكلّ الأئمة، إذا نطق الولد سأغير اسمه على اسمك واسميه سالم – ص 19 – 20 – رواية الأوان)). هذه الحالات من الحالات المتداولة بين أفراد المجتمع العراقي، حيث كان للإيمان بالشيوخ والسادة لها الأهمية في التطبيب الشفوي، وقال قائل: (إنهم على نياتهم).

الولد لاينكر عاهته (الخرس) التي لازمته وسببت له الالآم والتفكر والخروج عن المعتاد مع الأطفال، ونظرا لمداهرة الأطفال له، فقد بنيت عنده عاهة جديدة وأخذت تنمو معه وهي حالات الانتقام من الآخرين والتفكر غير الطبيعي، أي أنه خرج من الحالة الطبيعية بصمت هائل، وشكل الصمت لغته القصوى، فهو لايجيد الكلام إلا بتفكر صامت بينه وبين نفسه. إنّ كلّ انفعال يحمل اسما، ولكن انفعالات الكاتبة التي منحتها لشخصياتها (ومنها الشخصية الرئيسية) حملت أكثر من اسم، فهو الصامت بانفعال وهو المهرج بانفعال وهو المنتقم بانفعال وهو المتمرد، إذن تعدد النتائج بسبب واحد، وهي عدم النطق، وماذا إذا نطق (الأخرس) فإنّه سيكون صاحب سلطة أكثر نفوذا، ومن خلال هذا المنظور بدأ الصراع الجديد مع الاسم الجديد؛ أي مابعد النطق والخروج من حالة الصمت. فالاسم الجديد الذي رافق (الولد) حمل رمزا جديدا وخيالا أكثر مساحة من ذي قبل، وقد أحالت الكاتبة أيضا هذه المسميات إلى زمنية جديدة.

النسق والمعنى:

هناك أنساق ترابطية فيماطرحته الكاتبة بين الأحداث فمنها النسق الفلاش باكي والنسق القضائي الذي تحكمه الجمل المركبة والتي رسمت على شكل مقاطع أو حوارات تفكرية استطاعت من خلالها أن تربط الأحداث ويكون مركز هذه الأحداث الدال المتمثل بشخصية الرواية الرئيسية فقد عبرت عن كلّ مقطع بأجزاء، وهي الأجزاء المركبة التي حملت المعاني:

الثبات على الشخصية المركزية الدالة؛ والخروج من المتغيرات الفردية، وقد تبقى في بعض الأحيان مع بعض الشخصيات وذلك بما تتطلبه العلاقة النسقية والمعنى في المنظور الروائي.

تنوع الأمكنة.. وقد تمكنت الكاتبة بلقيس حميد من الدخول إلى  تنوع الأمكنة وذلك بأن ترسم أنساقا جديدة، أما لغة الحوار الممكنة فقد كانت تابعة للأمكنة التي احتوتها الرواية، وقد امتازت دلالة المكان والإشارة إليه بخصوصية  وعلاقة مع الشخصيات المطروحة وذلك من خلال عدة وظائف يعتمدها السرد..

إنّ استخدام المكان مع دلالته الرامزة يحمل إشارة باتجاهين:

الاتجاه الأول: الحدث المكاني؛ يعد الحدث المكاني برمزيته دلالة ممكنة في تغيير الدلالات من جهة وتنوع الأحداث من جهة أخرى، وفي هذه الحالة يبحث القارئ عن التقاطعات المكانية، كأن يكون بتوجهات تاريخية أو كينونة خارج الإثبات، أو التقاطات خيالية تمر عبر المنظور الواقعي.

الاتجاه الثاني: لغة المعاني المرتبطة بالأمكنة وتحولاتها، فتركيب المعنى يكون على التركيب المكاني، لذلك نقول إنّ المكان يدل على مكانه، فيتقاطع المكان مع زمن النصّ المرسوم.

إنّ العلاقات الفردية التي احتوتها الرواية من الممكن أن تعطينا التأويل وهي حاملة لرموزها والتي تتماشى مع النسق الفردي، هذا من ناحية الرمزية والتأويل؛ أما من ناحية اللغة الطبيعية والتي رسمت الكاتبة بعض الأوصاف للشخصيات والأمكنة وطبيعة الحدث، ففي هذه الحالة تكون قد أدخلتنا للنسق المنطقي، ومن هنا نستطيع ان نميز بين المعقول واللامعقول، فالميزة الطبيعية التي اعتمدتها الكاتبة ناحية تركيب المقاطع والمعاني المحمولة ضمن النسق المنطقي وكذلك العناصر الجوهرية التي ترافقت مع طبيعة الرواية وأحداثها المتواصلة.

تميل الكاتبة إلى برهنة المعاني من خلال الاستدلال من جهة ومن خلال الاستبدال من جهة أخرى، وهذا مايدلنا على النسق التركيبي ومهمة عمله في الرواية المرصودة كأحداث غير متوقعة إلا من خلال بعض الرموز أما الفاصلة والنقطة وعلامة الاستفهام. وهي طبيعة كتابية لانستغرب تواجدها ضمن النسق الكتابي  الحديث في رواية الأوان.

تتوقف الجمل والمعاني والمعطيات الأساسية، تتوقف على المعاني والأنساق وتشابه العوالم الدائرة حول الذات العاملة، حيث أن مشكلة المعنى التي نتصوره ليس صائبا دائما، لذلك ربما تحتمل التصديق أو  عدمه؛ فالولوج بهذا المبنى في الرواية الحديثة من خلال العلاقات المنحدرة من الواقع الاجتماعي، لذلك عندما تتحمل المصداقية قصدية الكاتب، إما يكون الحدث قد مرّ به أو هناك أحداث متشابهة، حيث أنها تشكل مجاورات طبيعية في التنفس الروائي.

المنظور التخييلي للأحداث (الفلاش باك) والحاضر

يتحرك فعل التخييل ليفرش الخيال المتطابق بما يدور في ذهنية الباث، ومن هنا يصبح لنا فعلان، فعل التخييل الأساسي، الذي له الحركة التفاعلية مع النصّ الروائي من خلال الشرود الذهني ومطابقة الأفكار بصيغة خارجة عن مألوفها المباشر، وفعل الخيال الذي يتحرك ضمن خيالات الكاتبة وهي تجني محاصيلها مع الشخصيات المعتمدة في الرواية؛ فيكون ترجمة فعلية لفعل المتخيل الذي لايهدأ بزاوية معينة إلا وقد ترك أثره في الحوار مثلا أو الانتقالات المكانية والزمانية بين حدث وآخر، فمع كل زمن أو لحظة زمنية حوار جديد وحادثة غير مكررة، لذلك فالفعل الزمني له الأثر في التنقيب بين الفعل الآني كحالة حاضرة وبين الماضي والتفكر الفلاش باكي وبين المستقبلي من خلال التنبؤات في بعض الأحيان.

يندرج مفهوم المنظور التخييلي للأحداث بفضاء واسع، وتعداده يتطلب مساحة أكبر، وخصوصا أن رواية الأوان تحوي على عدة فضاءات متجانسة وهي تجرك من فضاء إلى آخر بانسجام ذاتي، وبالتالي يعوم فضاء الانسجام التصحيحي والذي له علاقة مع تفكيك القارئ وعلاقته مع أحداث الرواية.

المفهوم الفضائي

الفضاء الزمني

فضاء الفلاش باك والحاضر

إن موضوع الفضاء في فعل المتخيل، من المواضع الواسعة، وذلك يكون موازيا لفعله عنما نتطرق عن الفضاء السردي في الرواية الحديثة، فيشكل إعادة اعتبار في التشكيل الروائي وما ذهبت إليها النصية من امتيازات ومساحات واسعة ونحن نطرق باب التخييل والزمنية الحاضرة والتفكر الفلاش باكي.

المفهوم الفضائي.. من خلال المتعلقات الذاتية من شخصيات وأحداث قبيل الكتابة، تفرش الكاتبة العراقية بلقيس حميد، فضاء كتابيا مهيئا لاستيعاب هذا الكم ومساحته الواسعة، فهي شغوفة بأن تبدأ ولكنها لم تبدأ بدون مساحة من التخييل والتفكر بالمجال السردي، ومن خلال هذا المنظور تتجمع جميع العناصر ومجاوراتها في فضاء الرواية المعاصرة، والكاتبة العراقية بلقيس حميد، تعي جيدا بأن الفضاء هو الجامع بجميع الاتجاهات، فهو يمثل العلو والأسفل واليمين والشمال؛ لذلك منحت مساحة لابأس بها وهي تقودنا من خلال فضاء المكان وفضاء الزمان إلى عوالم دخلت بهذا الفضاء، ومع كل عالم ذات جديدة استطاعت أن توظفها في مجال الفضاء الروائي. ومن خلال المشهد السردي للرواية استطاعت أن تجعلنا نكون معها في حالات الحزن وحالات الابتسامة وحالات الفرح، فقد أولت على رسم ووصف بعض الاتجاهات الممكنة والعالقة في الذات العاملة خدمة للفضاء الروائي، فقد شكل الفضاء اتساعا أوسع من المكان، ويعتبر المكان جزءا من الفضاء أو زاوية ما من زوايا الفضاء. ((فالروائي شأنه شأن الرسام والمصور، يجتزئ في البداية، قطعة من الفضاء، ويؤطرها، ويقف على مسافة معينة منها – الفضاء الروائي – جيرار جينيت – ترجمة : عبد الرحيم حزل)). بما أن الفضاء الروائي يعتمد اللغة الروائية، فيعد الفضاء بنية من البنى الكبيرة، فهو يحمل بنيته الخاصة، والبنية غير الهدم، فهي تقوم بوظيفة الجمع، فنطلق عليها البنية الفضائية.

الفضاء الزمني.. يشكل الفضاء الزمني دلالة وله علاقة مع الفضاء المكاني، حيث أن الكاتب غاستون باشلار (1884 – 1964) أكد على تلازم الزمان والمكان في العمل الروائي. ولكن عندما تكون هناك تراكمات لحركة الأفعال المبنية على زمنيتها فالعلاقة تتبين أكثر وأكثر، فحركة الافعال الحركية والانتقالية لهما الأثر والفعالية في الفضاء الزمني للرواية : ((أما اغلبنا نحن الرجال، فعقولنا بين أفخاذنا، تستطيع أبسط امرأة أومراهقة أن تلعب بعقولنا وتغير أدمغتنا، وبهذا العقل خربنا الأرض وسمحنا للشر باستغلالنا، وللأسف رغم كلّ ماحصلنا عليه من التطور العلمي والحضاري، بقينا هشين تحت قدرة المرأة على غسيل أدمغتنا والانتصار على عقولنا بخبث.

هكذا كنت حقيرا، مغسول الدماغ، حين صدقت كلام زوجتي كله، ولم أشك به، وأقنعت نفسي أنها على صواب فلم أعط الضحية أمي أيّ مجال للدفاع عن النفس. – ص 42 – رواية الأوان)).

لقد منحت الكاتبة بلقيس حميد مساحة زمنية ضمن الفضاء الزمني في الرواية وهي تبني هذا الفضاء بين الشخصية الروائية والمكان والزمن التاريخي والذي تحدد بين الطفولة والشباب والبلوغ النوعي للشخصية (سالم باقي يحيى) والذي كان ضمن مركزية الشخصيات الروائية والتي بدأت من الـ (أنا)، وبقيت متماسكة الشخصيات وذلك لكي يكون النص الروائي أكثر تماسكا وذا انسجام كإطار عام في زمن الرواية؛ وهذا مايدفعنا للقول بأن الزمنية هي الأكثر التصاقا بالرواية الحديثة.

ماخصخته الكاتبة العراقية بلقيس حميد في البنية الزمنية هي تلك البنية الطبيعية التي توترت بها الظاهرية وقياسات العلة، وقد برهنت الأحداث ومجاوراتها هذا الخصوص.

فضاء الفلاش باك والحاضر.. إن عمليات التذكر والتفكر بعد تجاوز الأحداث الحاضرة، قد توازت مع أحداث الرواية، فالشخصية الرئيسية ترجعنا إلى محطات ماضية وهي ملامة نفسها على أعمال مشينة بقيت تلازمها إلى الكبر، ولكن في نفس الوقت طرحت الكاتبة العراقية بلقيس حميد، تلك الوقائع التذكرية في مجالات عديدة، ومنها مجال المعالجة والاستمرارية في اتخاذ القرارات، وهما الوسيلتان اللتان تقودنا إلى المعالجة النفسية ((ينبغي لنا منذ الآن،وحتى قبل تقديم براهيننا،الإحساس بأن التحليل النفسي لايخبر عن كل شيء حين تأكيده على الخاصية الشهوانية للتحليق الحالم. يحتاج هذا التحليق، مثل باقي الرموز النفسية، إلى تأويل متعدد :عاطفي، جمالي، عقلاني وموضوعي.- من بحث لـ - غاستون باشلار – ترجمة : سعيد بوخليط ، المغرب – مصدر النص : josi corti ;1943 .PP :27-35. et les songes l'air Gaston Bachelard)). فقد رافقت العوامل النفسية الحادة لشخصية الرواية حتى وصل به الحال إلى القتل والاغتصاب، فقد اغتصب إحدى البائعات وكانت خرساء؛ هذه الموازنة بين عاهته التي لازمته ةتخلص منها فيما بعد وبين نفس العاهة التي جابهته، ونتيجة الاغتصاب أدى بهذه المرأة إلى الانتحار.

تقودنا تقنية الفلاش باك إلى الرجوع خلفا مع تفسيرات توضيحية وهذا ماحدث في رواية (الأوان) من خلال ممارسة الأحداث والوقوف عندها وترجيعها من خلال التفكر الذهني؛ وهي المرجعية الأدبية التي توالت مع هذه التقنية من مواجهة الواقع الذي مرّ بهذه الشخصية أو تلك. هكذا ترجع الذاكرة خلفا حول تصفية الأخطاء التي تلازم المرء، والمفيد من منطقة الفلاش باك، أنها تخصّ الذهنية بعملية التفكر وطرد الأفكار السلبية لأنها إعادة جدلية للماضي والحاضر، الماضي الذي ارتكب اللاشعور، والحاضر عندما حضر الوعي بقياسات جديدة.

الجمالية والحدث الآني

عندما ندخل إلى العنصر الجمالي يرافقنا العنصر التخييلي، وفي رواية (الأوان)، نلاحظ أن التخييل يعوم في الكثير من النقاط والوقفات الملتفتة للمتلقي، حيث أنها شكلت لازمة جمالية في البنية السردية التي اعتمدتها الكاتبة العراقية بلقيس حميد.

من المنطلقات التي وزعتها الكاتبة بالرغم من رفضها أو قبولها هناك الحالات الجنسية التي كسرت من خلالها حاجز الصمت والكبت الجنسي في المجتمع العراقي، فالحدث الجنسي حضر في رواية الأوان وهي تخبرنا عن بعض الوقائع بعلاقات جمالية في الأسلوب والطرح، وكذلك العلاقة الإبستمولوجية والكشف عن الذات مقابل القدرة على توليد الحدث الجمالي.

تعتمد اللغة وجماليتها الرصيد الأول في التفكر الروائي، لذلك لايمكننا أن نأتي بمفردات أحادية وهي تحمل المعنى المباشر وزجها في الحدث الروائي دون تراكيب امتدادية وذلك لكي يستوي المعنى، إذن تعتبر اللغة ومنها اللغة السردية التي تحمل من ضمنها لغة التخييل كمستوى جمالي مناهض للعمل اللساني، أي أن اللغة في العمل الروائي تعتمد التوظيف، ومن هنا نستطيع أن نجني المنظور الجمالي من خلال الحدث المؤثر في العمل الروائي، فيتجانس الفعل التأثيري المنشط للإشارات المتخمة في الجمل الامتدادية بالمعاني لكي تكون عملية التأثير بالمتلقي أسرع وأكثر مساحة.

من الممكن جدا أن تتجانس الجمالية بأحضان المنشطات العلاماتية والإشارات والرمزية، وهي حوافز للفعل التأثيري لكي يكون ذا شأن في  العلامات، طالما أنّ العلامة ذات معطى اجتماعي وثقافي وحضاري أصله الوضع والعرف، فينهض العمل الروائي باعتباره حضورا خطيا تركيبيا؛ فالجملة المعتمدة مهما تكون جماليتها فهي على علاقة في المعنى والمعنى الجمالي مع الجمل الأخرى، ومن خلال هذه العلاقات الشاخصة نحصل على تطورات في التقنية الروائية مثلا عندما نكون في حديقة الوصف، فهي تقنية تساعدنا بشكلها الجمالي على تطوير الحدث داخل السرد.

 

علاء حمد - عراقي مقيم في الدنمارك

...............................

* رواية الأوان: للكاتبة والشاعرة العراقية بلقيس حميد.. عراقية مقيمة في هولندا، اصدار وتوزيع دار تأويل.. السويد – العراق

 

smartتبدأ الرواية بسرد حلم، حلم لا يخلو من شبقية érotisme، لنجد أنفسنا، ودون سابق إنذار، داخل زاوية، وصورة شيخها وهو يترنح في الفراش بعد أن قطع آذان الفجر عليه متعته ! هذه النقلة المفاجئة من عالم حلم مليء بإيحاءات جنسية ملتهبة إلى فناء فجر زاوية لابد لها وأن تزرع في قلب المتلقي من التساؤلات الكثير. أيعقل أن تسقط روح تجلت لها كل أسرار الخلق في حبال رغبات الجسد؟ أهي النفس الأمارة بالسوء وقد استولت على قلب ناسك، أم بقايا تلبيس إبليس لعين؟ لا هذا ولا ذاك، بل " هو ذا الإنسان" Ecce homo !  لكل شيء ظله، كما لكل ارتفاع عمقه. فكما يلازم الشيء ظله، أو الارتفاع عمقه، تلازم الإنسان أشباحه: ماضيه الدفين، بإحباطاته، مخاوفه، هواجسه، عقده ورغباته. هو ذا إذن شيخ الزاوية (الحاج الفلواتي) ! بيد أن ظهور "قمر" (الشخصية الرئيسية في الرواية) أحال الحلم واقعا، أو لنقل أخرج الرؤية (لارتباطها بلحظة ما قبل الفجر) من القوة إلى الفعل ...شكل حضورها في حياة شيخ الطريقة كشفا ومكاشفة: كشفا لحقيقة الشيخ أمام الاغيار (سقوط قناع الزهد، والورع والتقوى...) ومكاشفة لذات الشيخ أمام نفسها. فحبها الذي شغفه كان بذلك الداء والدواء، داء لأنه أيقظ أعين المحيطين، ودواء لأنه شكل لحظة صحوة ضمير. لقد مثلت "قمر" (بعنادها، وقوة شخصيتها، وثقافتها وجمالها الساحر) وسيطا ما بين ماضي الشيخ ونفسه، لقد احتلت موقعا مماثلا لذاك الذي يحتله المعالج النفسي  بين وعي المريض ولاوعيه. لقد جعله وجودها عاريا، ومجردا مما مثل إلى الآن مصدر سلطانه وتأثيره...أو ليس هو شيخ الطريقة ومنارة المريدين؟ !

هذه العلاقة المتوترة ما بين نداء الروح ونداء الرغبة، كما تعكسها صورة الحسناء (قمر) والشيخ، تخفي ضمن ثناياها ثنائيات رئيسية (على الأقل في اعتقادي كقارئ)، وهي ثنائية: المقدس والمدنس، التقليد والحداثة ثم الدين والسياسة.. وباستحضاره، الضمني والصريح، المعلن والخفي، لهذه الثنائيات يكون الكاتب "أمجد مجدوب رشيد" قد انخرط في "تحليل" لمسألة السلطة، والصراع على السلطة، لكن في قالب روائي لا يخلو من جمالية...و ما شدني أكثر وأنا أقرأ هذا العمل الإبداعي الكبير هي الطريقة التي جعلني بها الكاتب أحيا في نفس القالب تجربة عالمين مختلفين. لحظات عديدة قد يتخيل القارئ نفسه داخل ردهات وسراديب زوايا القرن 16 أو 17 عشر، لا يستفيق من حلمه ذاك إلا حين تسقط عيناه على ما يشير عليه بأنه قد ولج القرن 21 (هاتف نقال، سيارة فارهة، قنوات إعلامية، أجهزة تنصت، صحف...)، وكأن الكاتب يحقق حلم السفر عبر الزمن. هذا ما جعل من الإيقاع الزمني لرواية "قمر" إيقاعا منكسرا، يعكس في الواقع صراعا ما بين زمنيين: زمن التقليد وزمن الحداثة، وما هذا الصراع سوى تجلي لما سماه الانتروبولوجي المغربي "عبد الله حمودي" (في كتابه "الشيخ والمريد") باختراق خطاطة الشيخ والمريد لذهنيتنا، مما جعل حداثتنا دوما حداثة موءودة... إن الرواية في عمقها إعلان عن فشلنا: سياسيا واقتصاديا وثقافيا...وما يعكس ذلك هو هذا الترحال الذي يستشعره القارئ وهو يتابع خيوط الراوي ما بين ماض-حاضر، وحاضر-معتل. ما يعكس ذلك أيضا هو أن الرواية انتهت، نهاية سعيدة مؤسفة ! لكونها أبقت على الثنائيات حية، وفاعلة، وكأن "أمجد مجدوب رشيد" يقول لنا لازال الطريق شاقا وطويلا...لازالت خطاطة الشيخ والمريد، المقدس والمدنس هي ما يحدد أفاق الفعل، والتفكير والشعور... لذا لن أتردد في القول بأن "أمجد مجدوب رشيد" نجح روائيا في بيان أومن به، وهو أننا لا نعيش حداثة، بل نعيش مظاهر تحديث...

 

كمال الكوطي

خنيفرة بتاريخ 05-08-2021

 

 

حيدر عبدالرضامجموعة (على الطرقات أرقب المارة) أنموذجا

النص الشعري بين الماحول الزمكانية والفواعل الشعرية المتحولة

الفصل الأول ـ المبحث(1)


توطئة:

أن جاذبية القراءة والتلقي إلى أعمال الشاعر الكبير حسين عبد اللطيف، تتبين لنا من خلالها أسرار جمل سحرها بواسطة تلك البنى العميقة المتآتية من ملفوظات  الذات ـ المكان ـ الزمن، وإذا كانت الذات الشعرية ليست محصورة في اللوحة الأحادية من التشكيل نفسه، فذلك لأنها متصيرة في جملة مكونات اسلوبية شكلية وبنيوية وسيميائية ذات مجالات خصبة من حركية النص نحو خواصية متفردة من روابط وعلاقات ثنائية (فضاء البياض = الزمن الإطاري) وعلى هذا النحو نعاين الانماذج الشعرية في مجموعة (على الطرقات أرقب المارة)على أنها المستوى الأنموذجي من معطيات فضاءات الأسطر البياضية الخاصة من سيرورة وسائل الزمن المحذوف والأداة المحفوفة بالصور والإيحاءات المسكوت عنها بيانيا .

ـ الدال والسياق في رحلة زمن الأداة

وجدنا الدال الشعري في مؤشرات تجربة قصائد الشاعر الكبير حسين عبد اللطيف، في مكونات رحلة شاقة من الأداة السياقية والدلالية في النص، اكتمالا لنواة وصيغة المكونات الزمنية في الوحدات القولية من النص ذاته، إذ تتشكل اللحظة القصدية عبر جمل ومداليل تحكمها إيقاعية التفعيل الوظيفي للأصوات الدوالية ووظائفها، وصولا منها إلى حالة اشتغالية من الأداة المركبة في حياة الزمن البياضي:

لا وجهاً أملكهُ ...

لا أنتظرَ ...

منفيَ أتغرّبُ في المدنِ

أتوزّع مثل شظايا العبوة

فمتى تلتم المرآة المكسورة . / ص11  قصيدة : الفرارة

أن الكاميرا الشعرية هنا معنية بتفقد حالات متناقصة من زمن سياق الذات العاملة، إذ يوغل حس السؤال بآلية تفاعلية متداخلة ما بين الاستفهام المضمن والإجابة من الداخل الذواتي، مما يجعلها أي الدوال تقع في نقطة وقوف البياض تركيزا، بدلالة صفة التفقد والدوران في الماحول المشهدي:(لا وجها أملكه .. لا أنتظر) تحيل حركية هذه الجمل نحو المعادل النصي المتمحور حول هوية (الفرارة) التي تدور في مواقع زمنية عابرة ومتماهية من جدلية (الذات ـ الموضوع) لتنقل ذاتها الأحوالية في أفق من المماثلة الصورية المنقسمة ما بين (توليد الفعل =وجوب الفعل) وهذان المعطيان هما بمثابة الكر والفر دون توقف في مساحة دلالة ( لا أنتظر ...) وعلى هذا النحو تظل فاعلية الذات موزعة ما بين الخارج والداخل تحويلا بالتقاط الصور والمشاهد الجارية في فلك دوران الزمن (الفرارة) لتقدم لنا تمفصلاتها المكانية والزمنية متداخلة وحدود جملة النفي للذات نفسها (منفي أتغرب في المدن)، وذلك عبر جملة اللاحق من النص (أتوزع مثل شظايا العبوة) إذ أن الصورة الزمنية للحال القصدي، موزعا في مواقع من التلفظ الاغترابي الناتج من وراء زمن الدوران والفرار المكاني اللامستقر على أرضية ثابتة من الخصوصية المكانية المستقلة، وإنما الإثارة الحقيقية تكمن في دينامية الحركة الزمنية والمكانية الخاطفة لدال(الفرارة).

1ـ المنظومة الأحوالية بين بؤرة المعنى وجولة الدال:

تتبين لنا القابلية الأحوالية في الوظيفة الحركية لدال(الفرارة) تحقيقا معادلا عن صورة الذات اللاقطة لأهم محطات التوزع المكاني والزماني والسياقي في فواعل الأداة التابعة لمقترحات العنونة المركزية ودلالتها الذهنية المنفتحة نحو الماحول في أفق التصوير والمشاهدة:(فمتى تلتم المرآة المكسورة) تخضع تركيبة هذه الجملة إلى مصورات مراوية (ذاتية ـ موضوعية ـ ذاكراتية) تربطها علاقة خاصة من مقاربة الأنا نحو زمنها الموضوعي المكرس بأستنتاجات مراوية من فعل الذات إزاء ذاتها (فمتى ـ تلتم ـ المرآة ـ المكسورة) المعنى الإيحائي هنا علاقة شرطية تتعلق بتبعثر أحوال الذات عبر أزمنتها وأمكنتها وهويتها الدلالية، فعبر دليل الاستفسار(متى) نستنتج مدى فاصلية الدال الآنوي عن محور موقعه الفاعل، ولأجل إعادة إنتاج المصورات المتصلة بهوية الدوران في الفضاءات المكانية نعاين هذه الجمل الأتية:

.. وجهي

يتسكّع في الحارات

يتجوّل في الأسواق وفي الطرقات

في إعلان أو واجهة من متجر . / ص11 قصيدة : الفرارة

إذ تتمظهر أشكال وبنيات ومحاور ومكونات هذا الفاعل الذواتي، تقصدا زمنيا عبر عاملية تشبعات الأمكنة (الحارات ـ الطرقات ـ إعلان ـ واجهة ـ متجر) مما يحيل من مستوى عكس المصورات إلى حالات ذهنية من الداخل القصدي، إيذانا منه بالتواصل مع صفات وسياقات خارجية عن الفواصل التنقيطية في عين أحوال الاستعداد الدوراني في الزمن والمكان:

ينأى ...

بين الناس

طرقت أقدام غريب ، جواب ...

ضائع

أعتاب مدينتنا ...

فهرب . / ص11

ينتقل الخطاب الآنوي للذات متناسبا مع الأبعاد والأشكال إلى حد الأغتراب الكلي، إذ يوفر مستوى المعاينة والمشاهدة في النص ثمة تفاصيل متباينة ومتغايرة في الملمح والتصريح والمكاشفة (ينأى ... : تحقيق وجوب اللافعل / بين الناس:تماثل فاعل في غياب/طرقت أقدام غريب:جهة خارج إرادة توليد المرآة/ جواب ...: مرسل مضمر وفاعل مراوي = فاصل تنقيط ـ ضائع = متعدي في تحولات الفاعل المنفذ)هكذا تحقق أسلوبية محاور الترسيمة بنظر الاعتبار إلى وجود الخصيصة الدورانية في الزمن والمكان المصور، مما تأخذ هذه الخصيصة العلائقية على عاتقها كل الاشارات الواردة والشاردة من مكنز بنية التأويل.

2ـ الدال المنفذ وزهد مساحة التكوين الداخلي:

أن اللغة الشعرية في قصيدة (الفرارة) محاورة مع الزمن العدمي في أدق مفاصل ومفاوز الذات المزاحة عن كينونتها الهوياتية بدلالة الحال والواقعة والموضعة التلفظية في النص، لذا وجدنا قابلية جدل (الخارج والداخل/ الأنا والآخر) تتمظهران في إشكالية صيغة وصوت(الدال المنفذ) إقترانا به بذلك الزهد الخالص من مساحة التكوين المنغلق من دائرة لغة الداخل الشعري الذاتي:

دوري ...

رجل قد غامر مرّاتِ عدة

قلب امرأة : وطنُهْ

وعذابه

صفر عند الغبطة

يستفسرني :

من أين وأين ؟

أو تملك أرضاً

للسكنى؟ . / ص12  قصيدة : الفرارة

التوجه الدوالي هنا لافتا نحو الاحساس بالذات الشعرية وهي تدخل مراحلها الزمنية العسيرة في الحياة الإطارية ، إذ تلخص لنا لفظة (دوري ...) ثم تعقبها الأفقية التنقيطية نحو ذلك الملازم بالخارج الدوراني، والذي هو بمثابة جملة التحولات في أحوال الذات وما حولها من الأسباب والأشكال المرسلة في قرار المعادل النصي (رجل غامر مرات عدت) قد تفرض هذه الصياغة أنشغالاتها في مجرى عمق أعماق تجارب الذات في زمن الدوران وصولا مكرسا إلى المكاشفة الأحوالية مع مسار فرضية جملة (قلب امرأة:وطنه ـ وعذابه ؟) من الناحية التشكيلية تبقى سيميائية دوال:(قلب ـ امرأة ـ وطنه ـ عذابه) مظهرية خاصة تحددها بنية المشار إليه في صورة دلالة الذاكرة أو الاغتراب أو أفق المقيد إلا من مكونات عاطفية إنسانية مخذولة ، فيما تشتغل الثيمة المركزية (فرارة) بحسية موازاة ومسلمات تفاصيل الزمن الممكن من تشظيات الذات الواصفة.

ـ العلامة الشعرية وبلوغات واقع مواطن الإحالة

تشكل مؤثرات النصية في علاقات الروابط والعلامات المؤولة من شعرية الإحالة القصدية، مبعثا ذو نتيجة متدرجة في إزاحات الفاعل الشعري وملفوظة الأحوالي المتصل وهوية المشاهدة والترسيم لذاته عبر وسائط الدور المؤول من الملفوظ ذاته، وعلى هذا النحو تواجهنا حالات مونولوجية مؤكدة تلقي صعيدها المرمز في محاور (ميتاشعرية) تتلاقح من خلالها العلاقة الداخلية للذات مع وظائف مزاحة من المد الاستعاري المرسل:

شجراً تستثمره

تتمرأى في قاماته

أو تقضم تفاحاته؟

لحظات ...

وفررتُ بعيداً من نفسي ... خجلاً

ـ ثلج

... ثلجٌ يتساقط لن تبلغ منزلك الليل ..

فلتبق وحيدا

في الصمت القاحل والظلماء

تترصّد لو نجمة

لو جاء صديق

لو مرّ بدربي عابر . / ص12 . ص13 قصيدة : الفرارة

تتحول عين الكاميرا الشعرية لرصد حضور استثنائي في أبعاد واقعها الدوراني المبثوث في مراوغة المبذول من صور الحالات، فنحن ومنذ جملة (من أين وأين؟) الاستفهامية نستدرك الطابع الخاص من زمن مجردات الوجود العدمي، لذا يبقى السطر اللاحق(شجرا تستثمره) بمثابة الاستجابة من الأنا الشاعرة بمسلمات الآخر من الأنا ذاتها امتدادا نحو(تتمرأى في قاماته ـ أو تقضم تفاحاته؟) وبهذا الاعتبار تتجاوز الأنا دورانها الزمني ولوجا لها في مؤديات المقايسة في طبيعة جوهر الشكل واللون والنوع وبيان خصوصية فواعل الذات في مسار محيطها من الأشياء والصفات المستهلكة.وما نراه في الجمل اللاحقة من المتن(لحظات ... وفررت بعيدا من نفسي .. خجلا) ما يؤكد على أن الانعطافة الذواتية في الملفوظ، عادة تتوخى لذاتها زمنها المشخص في البعد والعزلة,بوجود ذلك الحائل المتعلق ب (ـ ثلج .. ثلج يتساقط لن تبلغ منزلك الليل)أن شيوع الحالات المجردة في قصيدة الشاعر، تمارس مزاجها المرمز عبر وظائف من الملمح ـ المرمز أيضا، تجاوزا لها نحو أدلة كفائية في الأسباب وأفق حركية عناصر المماثلة القصدية، كما الحال في تكرارية الدال المتني:(ثلج .. ثلج)للكشف عن مكونات الموقع الظرفي من الحال، وخبايا فاعلية الأداة المؤشرة(لن تبلغ منزلك الليل)الأداة الناهية هنا تأتينا كإضاءة بدرجة التمحور والتوظيف الموضعي من محددات المكان والظرف تتابعا(فلتبق وحيدا ـ في الصمت القاحل والظلماء)إن هذا النوع من إحالات الموصوف في الخطاب بمثابة المحتوى المشهدي المتكون ما بين ثنائية(الفقد ـ الأسى)وقد وضع الشاعر لفاعله المنفذ صياغة أجوبة مطروحة في الاختيار الأرسالي(تترصد نجمة ـ لو جاء صديق ـ لو مر بدربي عابر) فهذه الجمل من المحتملات الواردة في سكونية المفترض الأحوالي ، أخذت تكشف لنا بأن أماكن الذات الغائبة هي محض همهمات شاردة في أجواء زوايا(الزمن ـ المكان ـ الذات) لذا نجد المحصل الدلالي منها عبارة عن انتظارات مجهولة عبر فضاءات من البياض والمحذوف الوارد في الزمن المحتمل:

ما أقسى أن يبقى الإنسان وحيدْ

ما أقسى أن يبقى الأنسان بعيدْ

ما أق ...... /. ص13  قصيدة: الفرارة

وتنطوي الابعاد النفسية على مشارف المشغل الذواتي عمقا بالفراغ المكاني والزمني، لذا وجدنا جملة إحالات الصياغة الصورية في المقاطع بمثابة تكوين صورة البياض الذاتي والفضائي في جملة تشكلات الأمكنة والأزمنة بأسلوبية تنتمي إلى مساحة ذواتية وزمكانية، أخذت تشعرنا بالانكماش والانكفاء في آليات الحجب المجردة من سياق رؤية بياضية المسكوت عنه في المضمر النصي غالبا.

ـ تعليق القراءة:

أن تجربة عوالم مجموعة (على الطرقات أرقب المارة) منظومة زمنية ذات أهمية قصوى، خاصة وأن الجسد النصي لا تخلو منه تقانات البياض والمحذوف والتقطيع السطري، إذا التفتنا إلى دلالات قصيدة(الفرارة)موضع مبحث دراستنا فسوف نعاين حجم مؤشرات الدال الزمني في النص، خاصة وإنه منطوق في مساحة الذات المخصوصة بإحالات المعادل الموضوعي المشغول في دال العنونة المركزية (الفرارة) وتنتقل موجهات الدوران بحال الذات تحاورا وتحاملا وتجاوزا إلى أشد اللحظات استقرارا في حياة الفاعل الذاتي:

دوري يا فرّارة

يا أطفال الحارة

يا أزهار

عاد الجوّاب الضائع . / ص13

أن الصورة الزمنية المتمثلة بأداة (الفرارة) تشكل تأويلا في الأفضية (الزمكانية) والذوات المجهولة في الأسماء والعنوانات والهيئات والصور، ناهيك عن مسارات الحلم البياضي المحمل بعشرات الأسئلة والتابوهات المحظورة واللازمات المنتخبة عن واردات وشاردات الزمن حلما وصورا ومرموزا، كما وتبقى النواة في النص تشكل علاقات داخلية شعرية في مسار جوهر المهمش والمركزي من خطاب شعرية الفواعل المحولة في الماحول من حكاية المؤول الإطاري الواقع في مساحة شواغل النص الشعري ذاته.

 

حيدر عبد الرضا

  

حيدر عبدالرضاالحفيدة بين نرجسية المواطنة ومأزومية عقدة الهوية

توطئة: تسعى دراستنا في هذه القراءة التطبيقية إلى فرز وتحليل بطانة مستوى الكشف عن دلالات الأضمارات الخفية والخلفية الواقعة في بنية وفضاء وموضعة (المابين) ضمن تأسيسات وآليات المنهج النقدي الأسلوبي والتحليلي المتكرس في معاينة أهم التمحورات المهيمنة في موضوعة رواية (الحفيدة الأمريكية) لأنعام كجه جي، وما يترتب على مواقف شخوصها من محققات أختلافية ومختلفة في حدود مأزومية المواطنة وعقدة الهوية الوطنية، استنادا إجرائيا على ما أنتجته علامات ووظائف الشخوص المحورية من جملة أختبارات انعطافية في قرار ومسعى مصيرها المحفوف بالخذلان .

ـ الذاتانية بين حبكات المزدوج الاستباقي والانعطافة الشخوصية

قد أزعم لذاتي أن أول قراءتي إلى بنية العتبة الاستهلالية في رواية (الحفيدة الأمريكية) قد ساورني ذلك النوع من القراءة المحالة إلى جهات مأزومية بفحوى مؤشرات (الهوية ـ انفلات الجذور ـ تهكمية الذات) ورغم أن البنية العنوانية وما تحمله من الوعي الهوياتي المتصل بمجرد التأمل في مفردة (الحفيدة) أول دال (الأمريكية) تقودنا نحو معاينة الأسباب الأرشيفية والتصديرية في كذا قيمة عنوانية مختزلة دالا، حيث نستشف من وراءها جملة متراكبة من إحالات المعنى القصدي المبرمج في قنوات خاصة من الأمكانية الاستحواذية في دليل (الميتاهوية) المنصصة في مضمنات عتبة النص الأولى: (من يغازل امرأة تحمل مقبرة بين الضلوع ؟ .. بائسة أنا .. طاولة زينة مقلوبة، مشروخة المرآة .. أضحك من قشرة القلب بإيجاز وبلا كثير حضور .. ضحكة بلا دسم ـ دايت ـ، هل أضحك بالفعل أم أجاهد كي تطلع مني ايتسامة وجيزة . / ص9 الرواية) هذه الجمل الخاصة من عتبة الاستهلال تكشف لنا ما يعاكس حقيقة الذاتانية عبر موقعها الأصلي من رابط الشخصية المحورية ـ زينة ـ بل أنه النموذج المنصوص هنا في إطارية استباقية حكائية ناتجة من حصيلة وحدات فصولية مجتمعة الخيوط تكشف لنا بالتالي عن حجم الراهن المتكهم في قيم الشخصية الهوياتية الملخصة في واقع شخوصي أطرحته الظروف إلى العمل كمترجمة ومساعدة إلى جنب قوات الجيش الأمريكي في تحرير العراق . نعم بلا شك أنها حقيقة الوضع الايديولوجي المؤدلج في وعي الشخصية الذاتي، الذي هو بمثابة الفعل الادراكي المقيد بالنسبة إلى نوعية امرأة عراقية مهاجرة من بلادها بفعل ظروف سياسية قمعية خاصة ومتكظة بالويلات طويلا، فكيف يكون حدوث الأمر بعد حصولها على الإقامة في امريكا مع ذويها وحصولهم بعد سنوات على الجنسية الأمريكية ثم تتاح لها بعد ذلك فرصة العودة إلى بلادها المخلوعة منها اختيارا وقسرا، كمترجمة ومساعدة لقوات التحرير من عرش الطاغوت العراقي وحاشيته الرذيلة . من المؤكد جدا أن يكون وضعها الموضوعي والذاتي والهوياتي تابعا إلى جهة التوطين الأخيرة أخلاصا، خاصة بعد عيشها وأهلها في أحلك ظروف العراق وظلامه وجوعه وأصفاده المستديمة للفقراء والمساكين والثائرين .. أقول أنا شخصيا كاتب هذه السطور أن (إنعام كجه جي) أخذت في جوهر شخصيتها الذاتانية أقصى درجات الاعتزاز الحميمية لشرف حصولها إلى الانتماء لهذه المواطنة الامريكية .. ولكننا مع وجود ذلك الاحساس بالشرف لديها ندرك غزارة ودخيلة مأزومية هذا الانتماء بوجوه مختلفة وشاذة ومفبركة في بناء وحدات الشخوص الروائية مثلا: فما قيمة رؤى الشخصية المحور إزاء حياتها كمترجمة للقوات الأجنبية في العراق، ما دامت أساسا لا تشعر بذلك الحس الوطني لديها بأمتياز ؟ أهو حافز المال أم الثأر أم العلاقة المتعالية للحصول على الجنسية الأمريكية والأرتقاء بها أحساسا على موطىء جذورها العراقية ؟ . أن جميع وحدات ومؤهلات الرواية تنصب في معنى ثنائية الانتماء أو اللاانتماء، لا إلى مجرد مجندة جاءت لتنقل لنا حكاية عاداتها وسلوكها وطباعها وأفرنجيتها عرضا في جملة فبركات الشكل اللغوي كشخصية أو كاتبة للنص . هناك أسئلة ومآخذ وتعقيبات سوف تجد لها مكانا في عتبة (تعليق القراءة) عند خاتمة الدراسة من شأنها الكشف عن الهوة والفجوة في حكاية موضوعة وبناء الشخصية الروائية في الرواية .

1ـ شعرنة استباقية الزمن وسردنة المراجعة الأولية:

تظهر لنا في مستهل عتبة المدخل الروائي، ثمة محددات ومشخصات للأفعال المتحولة في مسار منظور النقل المسرود بضمير الشخصية المشاركة في النص، كوحدة عاملية من شأنها ترجيح الأفضية الخاصة بحيز الأسئلة والأجوبة في مسار من اطارية حكاية الشخصية في عودتها من حرب تحرير العراق،فهي تهم بنقل إعادة التعريف من خلال انطباعات حياتها بعد عودتها من خرائب الحرب وموت الجنود الامريكان: (اتستر على جوفي لئلا يفور ما فيه وينضح ويشي بالهزة التي حدثت لي منذ أن عدت من بغداد خرقة معصورة من خرق مسح البلاد . / ص10 الرواية) تتبين لنا في بنية الشخصية المشاركة ثمة تساؤلات واقعة في عاطفة (المابين) فهي امرأة جاءت إلى تحرير العراق من الطاغوت، ولكنها عادت امرأة مزدوجة في هويتها الامريكية مخذولة في ذاتها المنقسمة في المابين، أي بمعنى ما منقسمة بين نرجسية كونها المرأة الحاملة للجنسية الامريكية، وإلى كونها المرأة المخذولة في صفات مأزومة من أحقية كونها عراقية تعامل بالنقص الهوياتي والانتمائي الجاد لجذورها الأصل وما بين عشقها لأخيها بالرضاعة من الشخصية سلطانة، وهذا الأمر بدوره هو عين التناقض والمذمومية التي يعكسها موقفها كمواطنة عراقية شرقية صالحة، وقبولها من جهة كونها أمريكية منغرسة في عاداتها الغربية المنفتحة نحو المشاعية والإباحة في كل صورها الخارجة عن قيود التابو والمقدس والمحضور اجتماعيا . على هذا النحو وجدنا حجم الخذلان والتفارق في شخصية المحور زينة بعد عودتها إلى أمريكا عند نهاية عقدها مع الجيش الأمريكي،إذ تسكنها هيستيريا إعادة النظر في أحوال مرجحات القيم والعادات الأمريكية اللافاعلة في ذاتها كامرأة تقع في طرفي جدلية وإشكالية مأزومية المواطنة وأختلال هوية أصولها الشرقية العربية المحافظة قدما .

2 ـ ملفات الجذور الشخوصية:

في الواقع تتيح لنا وحدات الوظيفة الروائية في شخصية السارد المشارك عدة أوجه من أواصر الخصوصية الملخصة في حياة الشخصية زينة، وكأنها الإطلالة (المرجعية ـ النواتية ـ الاستعادية) من تفاصيل حياتها الشخصانية: (تهزني جدتي رحمة جيئة وذهابا بعد أن تجلسني بمواجهتها في حضنها الدافىء .. صدري الهش يقابل نهديها المترعين بالعافية .. يطفحان من صدريتها القطنية / أنظر مسحورة إلى وجهها الأبيض المشرب بالحمرة واتشبث بساعديها .. جدتي المتعلمة التي كانت تقرأ وتكتب وتطالع الصحف، بدت أعجوبة بين نساء جيلها . / ص12 الرواية) ما يتبين لنا من أحداث وحدات السرد المنقول من حال لسان السارد المشارك زينة، وهي تقص إلى القارىء والجنود في الرتل الأمريكي عن طريق المونولوج أو الكولاج استعادة لكل ذكريات طفولتها في مدينة الموصل وكيفية ذهابها وهي طفلة إلى قرى في أطراف الموصل: (أخذوني يوما إلى هناك وأنا صغيرة .. وكنا في عطلة عيد الفصح .. تشتعل سهول المدينة بصفرة أزهار البابونج .. سحرني ذلك الفضاء الأصفر المترامي ودوختني رائحة الطبيعة .. أحببت أقاربي الموصليين ذوي الشعور اللامعة الممشطة إلى الخلف / كيف كان لي أن لا أحب الموصل، وكل ما فيها يتحدث بلهجة جدتي ؟ . / ص13 الرواية) مهما نعاين محاولات الشخصية المحور في التأقلم وفي التحبب لذاتها إلى تلك الأجواء من مدينتها القديمة الموصل، يساورنا وجود ذلك الفاعل الذي يحيل هذا الحب إلى مجرد نزهة سياحية ذاكراتية مستعادة . أما هي اليوم فهي مجندة أمريكة جاءت على سطح مدرعة ناقلة للجنود المحتلين أو المحررين لا غبار على هاتان التسميتان طالما أن الهدف منهما يخدم محصلة قراءتنا النقدية، فهناك استحالة كبيرة في مشاعر الشخصية حقا تكمن أولا في هويتها كأمريكية معربة، وثانيا كونها تحمل في داخلها أثار لوعات وآهات أعتقال والدها بتهمة سياسية كما أظن، مما أدى إلى هجرتهم السببية إلى أمريكا وصولا، وثالثا كونها ترتدي الزي العسكري الذي هو بذاته أخذ يشكل عقبة عاطفية في شرطية كونها المواطنة العراقية افتراضا . ففي كل هذا لم يمنعها الأمر من البوح بعواطفها الحقيقية إزاء حاضرها كمواطنة مجندة: (وأن أحببتهم، فإنني لم أشعر بكثير من الألفة في ذلك البيت الكبير الرطب ذي الأدراج الصاعدة إلى أكثر من سطح .. والنازلة إلى عدة سراديب .. كانت درجات السلم أطول من ساقي الصغيرتين الرفيعتين .. وكوة النور الوحيدة العالية في آخره لا تبدد كل ظلمته . / ص14 الرواية) السرد ها هنا يخض بوصفه استعادة ذاكراتية إلى حجم استحالة حب الشخصية ومنذ بواكر طفولتها إلى ذلك البيت الكبير، الذي هو بمثابة الصورة المرمزة إلى الوطن والمواطنة على أرض البلاد . الروائية كجه جي حاولت توظيف المعادل النصي ترميزا، ذلك على عدم ملائمة المكان الذي هو بالنتيجة أصل واقع جذور عائلة الطفلة في هذه المدينة، إيذانا بواقع رفضها الجاد للهوية الانتمائية للوطن نفسه، فليس عجبا أن نعاين استيلاء حسها بالمواطنة إلى بلاد أخرى في كل وجدانها الذاتاني ومنذ واقع طفولتها مرورا إلى واقع مرحلة دخولها كمجندة إلى العراق ؟ ومع ذلك نعاين مستوى وصولها إلى إمتيازية المجندة الأمريكية التي جاءت للحرب مقابل مبلغ شهري من المال الأمريكي . أنا شخصيا لا أتواخى في قراءتي للرواية هنا أي مشاعر وطنية اطلاقا، كي تجعل مني في دراستي في موضع المنتقد والناقم على الرواية والروائية ومواقف شخصية الرواية المحورية، لا أبدا فأنا أسعى في قراءتي هذه إلى مناصفة موقع الحيادية والموضوعية والتقويم الأمين للرواية وموضوعتها فحسب والكل يعرف بهذا الأمر في الأوساط الثقافية والأدبية .

ـ مؤولات الوظائف السردية والإشكالية في الأنا والآخر

أن القارىء إلى أحداث رواية (الحفيدة الأمريكية) لربما يجدها فضاءات سردية تتوخى مظلومية الشعب العراقي والشخصية ذاتها في مواقفها الرحيمة من نقل وصياغة أحوال التجربة العراقية المأساوية، ومن جهة أخرى تعاطفها مع الناس في هوامش النص الجوانية في المتن، بدلالة التحرير وو تحطيم وثن الطاغوت وزحزحته في الشوارع ؟ ولكن هذا الأمر لا يمنع من أن الشخصية أو صاحبة الرواية هن ممن يحملن المواطنة والولاء إلى الآخر من جهة التوطين المندرج في المقام الأول للجهة الحاصلة فيها الإقامة تشريفا . بإختصار أقول أن الروائية كجه جي، تضمن في ذائقتها الروائية ازدواجية كبيرة، يوم قررت انشاء عوالم هذه الرواية، فهي لربما لم تتراجع قليلا عن كونها مؤلفة مخلوعة عن محل وطنها الأصل، بل بالعكس نجد مفردات شخوص روايتها متحذلقة ومتفرجنة بأجواء الذاتانية المتعالية على جنسية أصولها العراقية الأولى، أما حكاية عشقها من جهة أخرى للشخصية مهيمن، ما هي إلا عادات دقيقة تتجاوز حدود وأعراف التابو المقدس وعفاف الحرمات الدينية والاجتماعية، وذلك لكون مهيمن هو أخيها في الرضاعة حكما وتصديقا . وتتبدى وظائف متناقضة وأزدواجية في أحداث الرواية لأماكن عديدة في النص، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقة المفتعلة في عشقها لجدتها رحمة ومهيمن، ناهيك عن سلوكيات الشخصية زينة الأخرى التي تذكرنا كثيرا بالغواني وبائعات الهوى في الشوارع الأمريكية .

ـ تعليق القراءة:

في الحقيقة تشكل مؤهلات ومقومات الصنعة في أداة وأدوات رواية (الحفيدة الأمريكية) أجلى ما هو متوفر في مصوغات البناء الروائي الحاذق، من ناحية الممارسة اللغوية والأسلوبية والبنائية، أي أن النص الروائي لا غبار عليه من ناحية محققاته الأجناسية الروائية . أما من ناحية فكرة وموضوعة الرواية فهناك عليها إشكاليات كبيرة في وظائف الشخصية الروائية، فالشخصية زينة امرأة مأزومة في نرجسية المواطنة الأمريكية غواية وغرورا وإفتعالا، فهناك حالات متناقضة ما بين مشاعر الشخصية القادمة من أمريكا كمترجمة في حرب تحرير العراق وبين عاداتها وسلوكها كامرأة تحيا مشاهد الموت والحرب على بلادها الأصل بدوافع نفعية وغرضية ومنحرفة عن قيم الفكرة والحبكة الروائية التي تتطلب مسارات دلالية أكثر إصلاحا ونفعا . وبلا مؤاخذة منا على أدوات وموهبة الروائية إنعام كجه جي أكرر في قولي الأخير: أن رواية (الحفيدة الأمريكية) ناجحة في مؤثثات بناءها وأدواتها الروائية، ولكنها رواية غير ناجحة من ناحية ضبط وموازنة موضوعتها وشخصيتها الروائية في عاداتها وطباعها المفبركة، فلا يمكننا الوثوق بوطنية وروح المعالجة في حبكة الرواية وأهدافها الفنية، طالما أن شخصيتها المجندة العراقية تتحذلق في سلوكها ولغتها التهكمية في أشد مواقف الرواية مأساوية، وكأنها داخل فواصل إعلانية ناتجة من سيناريو فلم سينمائي لا تحسن بطلته البكاء في مشاهد الحزن إلا بعد فواصل هشة من الضحك والغواية والتهكم بعيدا عن حقيقة الأداء والدور الذي يتطلبه الموضوع في محمول المدلول الفلمي الجاد: هكذا وجدنا عبر هذا المثال منا نموذج الشخصية زينة في متن وفضاء الرواية للكاتبة إنعام كجه جي كحفيدة مدللة جاءتنا مأزومة بالصورية العنوانية لترسم وتجسد لنا دورها التحريري المختل في هوية أنتماءها القسري إلى جذورها المفتعلة في آفاق اللاوطن .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

عقيل هاشمالألوان والموسيقى والحياة التخييلية والانفعال كلها شعرية

يُخطئ المرء حين يَعتَقد أن المَكان مُحَايدٌ

(عبد الرحمان منيف)


 

في هذه الرباعية  ثمة أسئلة كثيرة تطرحُ نفسها، هل أراد الكاتب من عنونة الليل في عزلته النرجسية  وانشغاله في قراءة الكتب  أن يعطي  طقوس قراءة كتب المكتبة  قداسة  لصنع الابداع الخلاق

العتبة الاولى..

نحنُ أمام عمل سردي  ينبض بكل ما يخص المثقف/الكاتب  من عادات وتقاليد عارية تماماً من أي زيف أو رتوق، بل سعى إلى  كشف تلك القصص بقتامتها وبشاعتها، بفرحها وحزنها، دون أن يملي على قلمه النابض ما يزيف الواقع لتجميله، بل تركه على سجيته وبدائيته، وهذا ما أضفى على الرواية شكلاً مؤثرا من حيث الشكل والمضمون

السرود مقسمة إلى اربعة أجزاء، تعددت فيها الأصوات، فاستعمل الكاتب ضمير المخاطب والـ هو والأنا، وقد أضفى هذا التنوع الصوتي تجدداً والتحاماً في كل مرة مع الأحداث والشخصيات.

المكان كعادته السماوة فكان حاضراً، بل أنسنه على طريقته،فتمثل على هيئة امرأة جميلة مجلوة . هي الحاضرة دائما في ثنايا السرد فثمة روافد تؤطر مقصدية هذه السرود  على مستوى الحفر الدلالي، بالتجاور مع بيان العلاقة التي تنشأ بين الكاتب /المراة..التي ما زالت تكمن في وعي الذات الشرقية،

السماوة هو المكان المجازي، المكان اللفظي المتخيَّل، منه يخترق القارئ المتن السردي، انه الفضاء الروائي الافتراضي… أو هو أبواب الرواية كلها الواقعية منها والخيالية،

وهذا يحيلنا الكاتب الى جماليات المكان من خلال  وصف معمارية الازقة والنوافذ ..ويكشف التقنيات التشكيلية الفنية في رسم فضاء السرد .هكذا يستأثر المكان في هذه الرباعية السردية بنصيب وافر من الاشتغال عليها من حيث هي مكوّن فني مستقل بذاتها، ومن حيث هي مكوّن فني جزئي ينصهر مع باقي مكونات الكتابة الروائية،

هكذا المكان يتسم بلا حياديَّته على عكس ما نظنُّه والمسألة ليست حجارة صمّاء  بقدر ما هو طافح بالإحساس، بالدلالات والرموز… إن المكان يعلّمنا كيف نسكُن أرواحنا بالشكل الأمثل، بالشَّكل الذي يليق بنا كذوات بشرية

 النص ولا شيء غير النص، وهنا يبقى البحث حفر ونبش في تلك الأسئلة الممكنة التي تستفز النص وتجعله حيز تفجرات وملتقى مسارات، وتبقى حركية المعرفة تساؤلا وتجاوزا و كشفا…

اقول عندما يصطدم القارئ بالعتبة الأولى للرباعية، العنوان الليل يبدأ الشك يتسلّل إلى وعيه

وكانه مقبل على قراءة دواوين شعر وقد اقترن الليل بالحلم . فالكاتب سعى إلى إذابة أو تذويب الذات في تلافيف النسيج السردي،وهو ما أعطى هذه السرود  نفحة ذاتية متوهجة، يطرح فيها الكاتب قضايا معاصرة من خلال رؤية المثقف صاحب المكتبة العامرة والتي لاتفتح خزائنها الا في الليل المدلهم.

شخصية الكاتب الحقيقة في هذه السرود، ألبسها ثوبا دراميا لسرد سيرته الذاتية؛   لكشف ما يضمره تاريخه الادبي من ارهاصات بشكل مباشر، كشفها لنا بالترميز، أو التعريض، أما الشخوص الباقية كانت كلها ربما أسمائها أشكالها مختلفة من خياله أظهر ميولها وطمعها وجمالها وقبحها  وبواطنها وحيرتها، أعطاها وصفا وسلوكا واقعيا.

2696 زيد الشهيد

 لغة الكاتب الشعرية التي يتميز بها في سرده، كانت حاضرة وبقوة،  يغذيها بالجمل الموحية،  الذاكرة مرايا الحكاية اذا كان بالامكان اقتران الذاكرة بالمدن شعرية المكان فانك ستبحثُ عن ذاتكَ في مرايا المدن .السماوة شخصيةٍ روائيةٍ مضمرة تتحكَّمُ في مصيرها شخصيةٌ الكاتب .وهذا مافعلته اسبانيا في شخصية الكاتب كالوس زافون في رباعيته ..

وهنا حضرت المدينة  بصورة لافتة،و قوية، و عميقة في رباعيته السردية ،فبدا حضور المدينة  فعالا في ناحية التشكيل الفني فظهر عنصر المكان متفاعلا مع سائر العناصر من زمن و شخوص و أحداث، كما أـثر فضاء المدينة على الناحية الدلالية للنص الروائي، بحضور المدينة بدا لافتا من ناحية التشكيل الفني والدلالة الفكرية،و بذلك اقول المكان الروائي أدى وظيفة جمالية تشكيلية و دلالية فكرية في آن معا.

رباعية (مقبرة الكتب المنسية) للإسباني كارلوس رويث زافون، الرباعية منفصلة يمثل كل جزء منها كتاباً مستقلاً،ممكن ان يطلق عليها  الكتب اللذيذة تلك الكتب التي تشبه حلماً جميلاً، قصص متشابكة تدور في أجواء محببة، هذا ما صنعه لنا زافون، برشلونة ما بعد الحرب، شاب يدعى دانيال سيمبري يقوده والده إلى مكان غريب يدعى مقبرة الكتب المنسية حيث تحفظ الكتب التي تقترب من الاندثار، يختار صاحبنا الكتاب الذي سيتكفل بحفظه، رواية بعنوان (ظل الريح) لروائي برشلوني مجهول يدعى خوليان كاراكس، من هنا تنطلق القصة من هو الرجل الغامض الذي يفتش عن كتب خوليان ويحرقها،  قصص صغيرة تتكشف لنا، نلج متاهة لذيذة، نتعرف على شخصيات رائعة،

الاجزاء الاربعة كالاتي (سجين السماء ولعبة الملاك وظل الريح. متاهة الأرواح ..)

العتبة الثانية..

عن دار أمل الجديدة للنشر والتوزيع في دمشق صدرت للروائي العراقي زيد الشهيد رباعية الليل (الليل في نعمائه)، و(الليل في عليائه)، و(الليل في بهائه)، و(الليل في نقائه) ..

الليل في نُعمائه

الجزء الاول من رباعية الليل

تدور احداث الرواية في مدينة السماوة للشخصية القادمة هرباً من البصرة بعد اعتقال زوجها واعدامه، فتعيش في السماوة خمسة عشر عاماً متوارية في زقاق ... وبعد الخمسة عشر عاماً تأتي ابنة اخيها لتسكن البيت التي سكنته عمتها بغية كشف سر تركته العمة مخفياً في جدار قبل وفاتها (وهو عبارة عن شريط كاسيت تحدثت فيه عن معاناتها صوتيا)؛ ولتبدأ بنت الاخ تحويل الكلام الى كتابة لينتهي الى كتاب عملت على طبعه ونشره في المكتبات.

الليل في عليائه

 الجزء الثاني من رباعية الليل

حيث مدينة السماوة فضاء القص .. يشكل الليل ثيمة رئيسية في الاجزاء الاربعة ... تدور أحداث الرواية عن فتاة عندها موهبة حياكة الازر، يصادف ان يشاهد احد اعمالها طالب في كلية الفنون الجميلة فيعمل على اقتباس موهبتها ليوظف في رسوماته التي يعرضها في العاصمة وتسلط عليه الأضواء والبهرجة ويتغاضى عن ذكر مصدر إلهامه في اللقاءات التي تجرى معه في الصحف والمجلات، بل يتهرب من اللقاء بها بعد ان وقع في حبها .. فضل شهرته على حبه؛ غير ان ظهور رسام آخر طغى عليه فانكفأت عنه الأضواء وصار يعيش ندماً بعدما رحلت عنه من احبته واحبها.

 الليل في بهائه

 الجزء الثالث من رباعية الليل

 وتدور احداثها في مدينة السماوة، في الزقاق والبيت اللذين هما فضاءٌ مكاني في الاجزاء الاربع.. البيت تستأجره ثلاث نساء من مدينة بعيدة ويأتين اليه اياماً معدودة من أجل زيارة سجين لهن معتقل في سجن  نقرة السلمان  كل شهر او شهرين.. السجين سياسي نتيجة افكاره التي يبثها في كتبه ومنشوراته الصحفية.. في البيت تتجلى المعاناة ويعرض المؤلف صفحات من الألم الذي يعانين منه النسوة.. مستأجرات البيت في الاجزاء الاربعة هن نسوة وحيدات.

الليل في نقائه

الجزء الرابع من رباعية الليل

 الشخصيتان الرئيسيتان في الرواية هو الرجل الستيني الكاتب الذي يرعى فتاة تستأجر البيت في الزقاق الذي سكنته ... وكانت الفتاة من اللواتي يتابعن كتاباته ويحضرن محاضراته في الجامعة، وكانت تصاحبه يومياً في ساعات الليل يحكي لها فحوى صفحات من حياته، كأن شهريار هو الذي يتحدث لشهرزاد وليس العكس كما في الف ليلة وليلة، غير أن ظروفاً تتشكل انقلاباً في الرأي فتهجر الفتاة البيت ويبقى هو في محاولة استرجاعها.. ولا يتم ذلك الا بعد ان ايقنت الفتاة خطأها.

ومن خلال هذه المتون السردية نجد هناك جرأة لدى الروائي تغلف اختياراته لموضوعات رواياته حكي على لهب الشمعة، سرد  ممتع بفضاءاته التي تلمست فيها أبعادا معرفية تقاطعت مع شغفنا بالحكي المتلاحق  بالرغم من الخسارات  سردها حكاء ماهر   في متوالية تلظم موازين تلك الشخصيات المتنوعة .

العتبة الثالثة..

الشخصيات الأنثوية في العمل أغنت العمل وجمّلت السرد .لكن هذه الصورة والتي  اظهرهن الكاتب فيها من التردد والعجز  لم تناسب نساء تلك النصوص، ولكن رأين فيها بحثاً منهن ربما عن الامان  والحب العذري غير المصرح به. او متنفساً يشعرن بأنهن كيان ثانوي وتابع  هذا مارسم لهن القدر.

نرى ذلك من خلال  ماضي كلّ منهن عن طريقة تفكيرهن وأسلوب حديثهن والوصف التفصيلي لحياتهن وتداعيات ماجرى لهن . هذه الصور  شكلت حياة السرد، ومكنت الكاتب من البناء على متن شديد الإتقان يسمح بتحقق أقدار شخصياته  على مهل. وهي أقدار، رغم قصص العشق ومكابداته التي أوصلتهن لتلك المصائر، انتهت نهايات طبيعية حيث لا ينتصر فيها سوى الحب الذي بقي يُرخي بثقله على الرغم من أفوله.

الحب  في المتون السردية، يأتي أيضاً ليضيف على السرد ما يمكن تسميته بالتمرّد  الذي لا يمكن للقارئ تجاهله. كما ليس ممكناً الحديث هنا عن رواية ناجحة في شكلها الفني والتركيبي من دون أن تكون مسلة  من الواقع الفعلي ومن ضيق المكان والزمان، فهي هنا رازحة بفضل التخييل تحت وطأة هموم وجودية .

المراة في النصوص السردية وكانها تلك النسوة في لوحات الرسام فائق حسن وجوه نافرة فزعة مثل تلك الخيول التي يرسمها بالوان حادة . ولعلها الثيمة الرئيسية وهنا يكون الكاتب  قد عالجت الموضوع من جانبين؛ جانب ذاتي، وجانب يتخذ صفة العموم، تعنى به كل امرأة في هذا المجتمع المقهور بهذه السلطة وبهذا يكون المتن الحكائي عبر شخصية الرجل الحالم والمتزن معا. وبذلك تكتسب التجربة الذاتية صفة العموم، وهذا ما يطمح إليه السرد في التخييل الذاتي عبر مراوغته بين المرجعيات الواقعية والتخييل الروائي ذاته،

اخيرا.. الرباعية نصوص سردية انفلتت من دائرة التجنيس.الكاتب  يكتب بصدق وفنية وحرية تجعله غير مقيد .متحررا من كل شيء إلا من الكتابة ذاتها التي تفرض ظروفها وشكلها ولغتها فرضا متناغما مع ذات الكاتب وآفاقه الروحية والاجتماعية والثقافية لتكون علامة دالة على أسلوبه.

فلكل كاتب أسلوبه الخاص الذي يعرف به، وربما من أجل ذلك كانت مقولة الكاتب هو الأسلوب نفسه؛ بمعنى الأسلوب نابع من التكوين الشخصي المتعدد المصادر للكاتب،

استطاع الكاتب أن يرسّخ له أسلوبا مختلفا  هذه المرة من خلال سلسلة من الروايات .هذه السرود  تداخلت فيها تقنية الحكي الفني، الأسلوب ذاته المفتوح على ثقافة واسعة استقاها من عمله في الترجمة والقراءة المتنوعة مسرح وتشكيل ..الخوغيرها من الفنون وظفها في هذه السرود معززة بلغة عصرية وقد تفرد بشعرية سردية مبهرة لتون أسلوبه الخاص،

السرد فيها كان متناوبا يبحث في التفاصيل، وما وراء التفاصيل، يتفحص الكاتب كل شيء حتى الوجوه والأجسام والمكان والعلاقة الاجتماعية للأشخاص، إنه يمنح السرد لغة واصفة تستطيع أن تكون آلة تصوير تنقل المشاهد بتمامها.

 

قراءة عقيل هاشم

 

جبار ماجد البهادليإنَّ من يُجيل النظر ممعناً قصدية البحث والتأمُّل الفكري والتَّقصِّي المَنهجي في فضاءات رواية (خُطىً في الضَّبابِ)، للأديبة الشاعرة والقاصَّة العراقيَّة ذكرى لعيبي، والصادرة عن دار الدراويش للنشر والترجمة في بلغاريا عام (2020م) في (102) صفحةً من القطع المتوسِّط، سيرى ذلك الكم القصصي العددي الهائل، والكيف النوعي المُحتشد لتمظهرات إثبات النسق الذاتي السيري،وتمثُّلاته الأدبية التي شغلت مِساحاتٍ واسعةً متساويةً من وقائع أحداث الرواية المتنامية درامياً وفنيَّاً.

التَّمثُّلاتُ السِّيريَّةُ الذَّاتيَّةُ

وقد تمثَّلت مظاهر هذا السرد الأدبي الذاتي في سبعة وعشرين عنواناً فرعياً تُشكِّل في حضورها النسقي الحداثوي روافد صغيرةً، أو منابعَ ثقافيةً رئيسةً تصبُّ تغذيتها الفكرية ومرجعياتها المعنوية في دائرة مركز العمل الفنِّي، وفي رؤيته الفلسفية التي تُشكِّل نقطة الإضاءة المشعَّة،وبؤرته المهمَّة في تكامل الوحدة الموضوعية لعنوان الرواية، وعتبته النَّصيَّة الرئيسة الموازية لمتن النصِّ الأدبي (الرِّسالي) . فهذه السبعة والعشرون جدولاً عنوانياً التي احتواها العمل الروائي السردي يَتفرَّدُ منها تسعة عنواناتٍ فنيَّة مائزة برشاقة لغتها التركيبية الانزياحية، وبعدها الدلالي والجمالي العميق الذي يُضيء فضاءات النصِّ الموازي، ويعكس ظلال روحه الموضوعية والفنية أحداثاً، وشخوصاً، وبناءً ولغةً طيِّعة معبِّرةً عن معطيات الواقع الراهن المعاش بوحدتيه (لزمانية والمكانية)، وإسقاط تجلياته وأنساقه الخفية والمتجليَّة على ثيمة الرواية الموضوعية.

والحقيقة أنَّ كلَّ عنوان من هذه العنوانات الصغيرة المُكتَنَزة بصياغة كثافتها المعنوية ودلالاتها السرديَّة يكشف جانباً سيريَّاً إنسانياً قَصصيَّاً مهمَّاً من جوانب الرواية وعالمها، ويرتبط بها فنيَّاً وموضوعياً و(زمكانياً) . وقد تمكّنت الساردة ذكرى لعيبي من الإمساك بتلابيب خيوط هذه العنوانات الثرية بسلاسة لغتها وأحداثها الموضوعية، ونسجها وربطها بواقعة وحدة الحدث الموضوعية التي تشكِّل المُهيمن الأكبر للوحدة العضوية التي بُني عليها فضاء النصِّ السردي بناءً تكامالياً موحَّداً.

وقد تعود أسباب هذا النجاح الفنِّي في تعاضد عنوانات الرواية الفرعية وتعانقها مع عتبة موضوعها الرئيس النَّصِّي هو الغاية والمقصد في بلوغ الهدف السامي في جماليات الإبداع السردي إلى جملةٍ من الأسباب الممكنة، والمسوغات المتاحة في فنيَّة التعبير عن نفسها التي ميَّزت لغة الكاتبة ذكرى لعيبي في حداثة المنهج البنائي النسقي (الأسلوب والأسلوبية)، أي في جماليات لغة الأسلوب طريقاً، ومنهجاً خاصَّاً، وفي الأسلوبية النسقية درساً إبداعياً تطبيقياً بليغاً في تخليق وإعادة إنتاج الحدث الذاتي،وتوظيفه توظيفاً سردياً أدبيَّاً يتماهى بتوقعاته وانشغالاته البنائية النصيَّة مع معطيات ورؤى الواقعة الجمالية، مع مخرجاتها الفنية التي تعزِّزها لغة الكاتبة وأسلوبيتها التعبيرية الرَّصينة في قوَّة التماسك النصِّي وسيرورة السَّبك والحَبك اللُّغوي والدلالي. وقد يكون ذلك النهج الأسلوبي وفقاً لثأثيرات القول البوفوني الفرنسي الشهير من أنَّ (الأُسلوب هوَ الرَّجلُ) .

تَشعيرُ لُغةِ السَّردِ الرِّوَائِيِّ

2679 ذكرى لعيبيإذا كان جوس إدموند في كتابه الموسوم (الوالد والولد) خيرُ من ترَجم لنفسه، وكتب سيرته الأدبية في قالب روائي قصصي ماتع، فإنَّ ذكرى لعيبي قامت بذات النهج القَصصي، والطريقة البارعة، والأسلوب الفنَّي الجيِّد، وصدق العاطفة المكنونة،والقدرة على السخرية من الواقع المعيش في تحقيق الغاية التاريخية من السرد.ولم تغفل عناصر الفن السيري التي تجلب المتعة للقارئ كما يرى إحسان عباس. وذلك لأنَّ الكاتبة كانت صادقةً مع ذاتها في سيرتها ولو كان الصدق نسبياً.

ولعلَّ هذا المؤثِّر اللُّغوي الأسلوبي في (خُطىً في الضَّبابِ) قد جاءت تأثيراته السردية المباشرة على مناخ الرواية وأقانيمها الداخلية مُتجليةً من خلال ما تمتلكه الساردة لعيبي من رؤية فقهيةٍ لسانيةٍ واعدةٍ، وقدرة مساحية إثرائية في تطويع الحدث وتصنيعة جمالياً. فضلاً عن تلك السِّعة الفكريَّة، والاستعداد النفسي المعرفي المكتسب، والقدرة اللُّغوية المخيالية التي تتمتع بها في تولي وإنتاج صور قَصصية سردية انزياحية انحرافيةً ماتعة الإدهاش في كسر تَوقُّع المألوف السياقي، رغم قساوة الحدث وكمية الحزن وضبابية المجهول السَّردي القادم؛ كون الساردة أساساً هي شاعرة إبداعية محترفة في الشعر القَصصي الحكائي، وفي إنتاج تشعير لغة السرد، وتسريد لغة الشعر نثرياً، مما كان علامةً فارقةً في تميِّز بلاغة مستويات لغتها الشعرية والنثرية التي جاءت خالية من مشاهد سرديات الآيروتيك الجنسي المبتذل في الأحداث.

ولنتأمل في هذا السياق اللُّغوي الساردة كيف تتكلَّم على لسان حالها الذاتي في مخاطبة نظيرها السردي البطولي الحبيب المنتظر (أحمد) بلغةٍ مجازية مخيالية طلبية محبَّبة في إيقاع تأثيرها السردي على النفوس " كُنْ ليْ غيمةً تَمطرُني حُبَّاً لترويَ صحراء حياتي، وفجراً من خلاله تُشرِقُ أيامي القادمة"، (ص17) . ثُمَّ تمضي في تشعيرها النثري في الإجابة عن تلك الأماني والتطلُّعات المنشودة، فَتسرِد بلغة المستقبل الآتي بحرف فعل المشاركة السيني القريب (سأروي)، وعلى لسان بطلها أحمد "سأروي نبعكَ صفاءً وأرتوي منكَ كي أديمَ زهراتكَ. تُصبحين على خيرٍ، تُصبٍحُ على خيرٍ"، (ص17) .

فهذه اللُّغة الرومانسية النثرية العالية التشعير الانحرافي في البلاغة الجديدة تقودنا في إحالتها الأسلوبية إلى لغة الساردة بهذا العمل الفني،وكيف كانت تشيع في سيرها، أي بمعنى آخر كيف كانت تُحلِّقُ إبداعياً في صناعة بنية جملها التسريدية خاصةّ وأنَّها التجربة الأولى لها في القصَّ الحكائي، وإنَّما في عالم الرواية الفسيح الذي يقتضي منها نفساً رائيَّاً خاصَّاً ويوجب عليها حرفيةً عاليةً، ومهارةً فكريةً وفنيَّةً كبيرةً في خاصيتي الإبداع والابتداع، والتخليق والتحليق، والمناورة

والمداورة في استمالة قلب المتلقي العادي، والنموذجي الواعي لهذا العالم الكبير،والتأثير به سحريَّاً وجذبه دون انفكاكٍ منه.

لُغةُ الرَّائِي السَّرديَّةُ

فكلُّ هذه المؤشرات الأسلوبية والفنيَّة كانت ميزةً واضحةً، وعلامةً سيميولوجية مضيئةً وجَّهت الساردة لعيبي إلى الكتابة السردية وإتمام العمل الفنَّي بموازاة لغتين خطابيتين تعبيريتين تكشفان عن حالهما، أمَا بلغة المتكلِّم السارد على لسان حال (أميرة) الشخصية الرئيسة الأولى في الرواية وبطلة أحداثها، وهي بالحقيقة القناع أو الماسك الرمزي الذاتي السيري الذي تكمَّمت به الساردة ذكرى لعيبي بطلة الرواية الحقيقية وكاتبة هذا العمل الفنِّي كما تكشف عن ذلك تمظهرات لغة الخطاب السردي الدالة عليها (ضمائر المُتكلِّم) تاء الفاعلية الحدثية "شعرتُ بالتعبِ والمرضِ من هذه الحرب النفسيَّة المدمِّرة،فقررتُ إمَّا إنْ أعود بأولادي إلى العراق أو أبقى لأجلهم وتبدأ مرحلةٌ جديدةٌ من التحدِّي،اقترحتْ عَلَيَّ نوال أنْ أبقى. بقيتُ ...وليتني لم أفعل"، (ص33) . أو الغوص في أعماق الكتابة السرديَّة بلغة الراوي العليم، وفق النسق الفنِّي الاعتباري المألوف في كتابة السرد الإخباري المعبِّر عن الشخصية الروائية ذاتها، "أصاب المرض أميرة. بَدأَ التعبُ على ملامحها أو ربَّما تعب السنينَ الجائراتِ الموحشات ظهر الآنَ.لكنَّها لم تتوانَ عن إرسال صباحاتها ومساءاتها إلى أحمد"، (ص56) .

وأحياناً أُخر تتخذ لغة السرد طريقاً ثالثاً، فتمزج بين لغة المُتكلِّم السارد أو لغفة السَّارد الراوي العليم، ولغرض فنِّي أو موضوعي يُحتِّم ذلك الخلط الذي يُثري العمل رصانةً وحيويةً لابدَّ منها في البناء السردي بهذا التشاكل الروحي المنعش لها، "لا أدري ماذا أُسمِّي هذا العشق أو الوَلَهَ أو التَّعلُّق الجنوني، لكنَّ أميرة كانتً تعيشةً، وتتنفسه،رغم أنَّ واقعها مريرٌ وألمها كبيرٌ"، (ص54) .وتعليل ذلك الخلط التعبيري بين لغة الأسلوبين يأتي أمراً طبيعياً وتلقائياً غير مقصودٍ؛ لكنَّ الأهمَّية في ذلك المزج هو قصدية التماهي الشعوري الذاتي والنفسي بين شخصية أميرة بطلة العمل الروائي الافتراضية، وشخصية الكاتبة لعيبي صاحبة الذات االسيرية الحقيقية التي تقتفي أثر العمل السردي مُضمرةً شخصيتها بأنساق ذاتيةٍ موضوعيةٍ، وتمثُّلات أدبية إبداعيةٍ.وهذا ما أكسب العمل الفنِّي قيمةً إنسانيةً وموضوعيةً عُليا في التَّحليق بفضاء السَّرد وتخليقه جمالياً.

مُقارَبةُ السَّردِ لُغَةً بَينَ (الفُصحَى العَاميَّة)

فإذا كانت اللُّغة العربيَّة الفصيحة هي السائدة في لغة الرواية في تأثيث وبناء تراكيبها السردية السياقية، فهذا لا يعني أنَّ الساردة ذكرى لعيبي لم تنجح في استخدام مفردات علمية عملية، وتوظيف جملٍ تركيبية في اللَّهجة المحلية العراقيَّة أو العربيَّة الخليجية؛ وذلك؛ لأنًّ الكاتبة السيَّدة لعيبي تُقيمُ منذ زمنٍ بعيدٍ في مغتربها بأُمارة (الشارثة)، أي في الأُمارات العربيَّة المتَّحدة. وأنَّ الجدوى من ذلك التوظيف السردي بلغة العامِّية الدارجة هو الضرورة السرديّة التي تقتضيها واقعة الحدث الجمالية التي تستدعي فيها الكاتبة إلى الميل إلى هذا اللَّون من الانحراف اللُّغوي الماتع؛ وذلك لما تمنحه معطيات هذه التقنية الدخيلة من تأثيرات لغوية ونفسية ودلالية كبيرةً، ويكون الأسلوب كثيفاً وأكثر تأثيراً واستمالةً ووقعاً على النفس في التعبير مما تعطية مؤثِّرات اللُّغة الفصيحة التي تقعَّرت الكثير من مفرداتها، وتصحَّرت بعض كلماتها، وفقدت معانيها، وأصبحت رسوماً جافةً مَيِّتَةً لا نسغ لروح حياةٍ فيها، ولا أثر لرواء ماء يُنعشها أو يُحيها.

ولإنَّ هذا التقارب (الفُصحِي العَامي) يشي بأنَّ تأثير اللَّهجة العامية الدارجة يدخل مباشرةً إلى القلب دون استئذان؛ لكونها لغة الواقع الشعبي المألوف الذي لا يحتاج إلى تفسير أو تعليل أو تحليل معقَّد؛ لخفَّة تكثيفها الدلالي التعبيري، وسعة تأثيرها المعجمي في بناء العبارة السردية وتأثيها تأثيثاً لغوياً مُحكَمَاً ومعبِّراً. وكما استخدمها في الشعر العربي الحديث الشعراء الروَّاد كالسيَّاب والبياتي وغيرهم؛ لدلالتها التأثيرية ووقعها النفسي المأثور الذي دفع الساردة لعيبي إلى استثمارها سردياً في أكثر من عشرة مواضع فنيَّة استدعتها هوية الضرورة الزمكانية لجماليات الحوار القَصصية لعالمنا العربي. فمن نماذجها ما هو معبِّر عن واقع حال لسانها، "ما بي حَيل دَمعة بَعَد"، (ص14)، أي غير قادرة على ذرف الدموع للبكاء، وقولها ماجاء على حدِّ تعبير الحاج جاسم الذي اتَّصل بها هاتفياً متسائلاً عن ألوانها الحالية كيف هي تسير، "مرحباً أَمَّ خالدٍ شلونكم؟"، (ص56)،وقوله أيضاً ساخراً بكناية التعبير عن ذات شخصيتها القويَّة،"خَشم يَابِس"، (ص 57)، أي لها كبرياء جافٌ فارغٌ. وغيرها من الجمل والألفاظ التي تلامس شغاف القلب مما تستدعية حالية المقام السردي، ويَفرضه واقعاً آنياً مؤثِّراً، ولنا في ذلك التأثير النفسي ما تبُوح به أميرة، (ذِكرَى) في التعبير عن نفسها عما أصابها من وجع السنين، وآلامها الخفيَّة، وتكرار خيبات العمر المتوالية التي وصلت بها إلى حالات البكاء الشديدة، ومع ذلك حينما أصابها كلُّ ذلك الشرر راحت تبرِّر ذلك الشعور الضافي بالحنين قائلةً:"أنا بخيرٌ، لا تقلقْنَ (بَسْ شُويَهْ حَنيتْ لَهْلِي) " (ص57) .

ويبدو لي أنَّ هذا الاهتمام الذي تُبديه الكاتبة في تدوين حوارات نصيَّة ساخنة ومؤثِّرة في تأثيث بناء النصِّ السردي وتطعيمه أو تخليقه باللَّهجة المحلية العامية الدارجة كانت مبعث فخرٍ، ومحلَّ اعتزاز الساردة في الكشف عن جماليات هوية لهجتها العراقية الأُمِّ بهذا الإِخبار التوصيفي الذي تُصرِّحُ به لِمُتَلقِّيها قائلةُ: "لأوَّل مرَّةٍ أشعر بجمال لهجتي العراقية هنا[ في الأُمارات].لهجتُنا كانت ساحرةً بالنسبة للخليج، يعشقونَها كما يحترموننا، لأوَّل مرَّةٍ أكتشف أنَّ اللَّهجة العراقية هُويَة أُخرى.."، (ص 67) . أي مثلما أنَّ اللُّغة الفصيحة هُوية البلد، فإنَّ اللَّهجة العامية هُويَةٌ أُخرى تُضاف لإرث تاريخه.

أَرخنةُ المَكانيَّةِ والزَّمانيَّةِ

عندما يكون التداعي الشعوري بجماليات اللَّهجة العراقية العامية هُويَة مضافة أخرى تُضاف إلى سجل إنجازات السارد المبدع إنساناً مرتبطاً بوطنه الكبير، فإنَّ الشعور بالانتماء إلى الأرض التي عاشت فيها الكاتبة مكانياً وزمانياً، والمنبت الذي ترعرعت فيه وطناً (بيتاً صغيراً) يَفوق كلَّ الهُويات الوطنية الأخرى، ويُضفي عليها مُسحةً من جمال الانتماء التاريخي وصدق الأصالة والانتساب التي لا حدود لها. فالمدينة التي شكَّلت تاريخ حياتها الإنساني والاجتماعي والثقافي لا بُدَّ وأنْ يكون حضورها الجغرافي، واستدعاؤها الحضاري التاريخي واقعاً فكريَّاً في صفحات سردياتها أرخنةً وتدويناً، لتفاصيل ذاكرة هذه المدينة، وخلودها الحضاري (الزمكاني) الذي تتداخل فيه لبوس الحقيقة التاريخية بلبوس الخيال السردي لقصَّة لرواية.

فلا شكَّ أنَّ هذه المدينة هي (العُمَارَة) مركز محافظة مَيسان مسقط رأس المكانية، ومنبتها الأرضي الذي عاشت فيه الكاتبة وتنفَّست هواءه، وأرتوت بعذوبة مائه، فلا عجب من تسريد ذاكرتها الثقافية التي تنتمي إليها جذراً وتخليداً وأصالةً لسيرتها الذاتية، "يُقال أنَّها مدينة الحبِّ والجمال، ومدينة الكنوز التاريخية،من تلك المدن الجنوبية الغافية على دجلة بدلالٍ،المطلة على جرف الحياة بأبنيتها الطينية وصرائفها وبساتينها وحقولها المحروثة. من هذه المدينة انبثقت أميرة". (ص7)، أي من مدينة الجنوب (العُمَارَة) عاصمة أقليم مملكة مَيسان في الحضارة السومريَّة ظهرت ذكرى لعيبي إلى فضاء الوجود.فبهذا الانبثاق التاريخي العريق حَريٌّ بالساردة أنْ تَجْمُل أرخنة فن سيرتها الأدبية،وتتغنَّى برموز أمجادها التاريخية الكبيرة، وقد ذيَّلت هذا التدوين الوطني بإقرار صادق إلى هذه المدينة،حبَّاً ووفاءً وانتماءً إلى الأرض التي أنجبتها.

ومن الطبيعي اللافت أنَّ أرخنة هذا الجزء المكاني، لا بُدَّ أنْ يَسبقه أو يَلحقه في هندسة هذا التدوين المعماري السيري الذاتي أرخنةٌ للكلِّ، أعني للوطن الكبير (العراق)، وما شهد وضعه السياسي وواقعه التحوّلي الحديث من جملة أحداث تاريخية جِسَام مؤثِّرة. وقد حفَّز هذا المتغيِّر السياسي الكاتبة الساردة السيِّدة لعيبي واستفزَّ مِهمَازَ وعيها الفكري والثقافي في الخوض بتدوين تمظهرات الواقع السياسي المتهالك، وما جرى للعراق من أحداث وتحوّلات سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وثقافية عديدة أدَّت إلى متغيِّراتٍ جديدةٍ لم تكن مألوفةً من ذي قبل، فرضتها سياسة الغزو الأمريكي للعراق، والذي اهتمت بتدوينه في وقائع سردياتها اليومية لهذه المدينة، "بعدَ عام من زواجي الثاني، دخلَ العراق في مُنحنى سياسي خطر، كانت لأوضاع هناك قلقةً ومؤشِّرات على أنَّ البلد سيخل حرباً غير متوازنة"، (ص34) .

لم تكتفِ الرائية لعيبي بهذا التدوين التوثيقي الزماني لشهادتها على جريمة العصر فحسب، بل إنَّها تُعْرِبُ عن موقفها الآيديولوجي الفكري من ذلك الغزو العاتي، وما يحدث في العراق الجديد من مشاهد ومتغيِّرات ألحقت الضرر به وبمستقبله السياسي والاقتصادي. كما أكدت أنَّ "الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، أو معركة الحواسم، أو حرب الخليج الثالثة، مُسمياتٌ كثيرةٌ لمعنى واحدٍ، لتدمير روح العراق"، (ص34) . والكاتبة بقدر ما هي مُنهَمِكَةٌ بوضع همومها الذاتية وظروفها الصعبة ومحنتها على الصعيد الشخصي، فإنَّها لم تَخفِ قلقها البالغ وتشاؤمها عما يحدث لبلدها العراق. فقد كانت واعِيَةُ الوطنِ وحبُّهُ حَاضرةً في دواخل أعماقها،تسريداً وتنديداً، وتدويناً وأرخنة تتناسب مع قالب قصَّتها الموضوعية دون إقحام فجٍ يعيب الاقتصاد اللُّغوي في الترهل السَّردي، وهذا واضح في مدونتها التوثيقية عن مدينة دبي التي وطأت قدماها أول مرَّة أرضها المُبهرة، "لكنَّ دبي مدينةٌ فاتنة، مدينة لا تعرف أنْ تنام دون ترسمَ بناءَ عُمارةٍ أو شارعٍ أو مركزَ تسوّقٍ، لتصحوَ صباحاًعلى وجود مَعْلَمٍ جديدٍ، مدينةٌ تُشعرُكَ بالتَّرف والرفاهية، تُشعرُكَ بأنَّك مسؤول عن نفسك ومستقبلك"، (ص66) .

عتباتُ النَّصِّ السَّرديِّ

إنَّ من يقرأ رواية (خُطىً في الضَّبابِ) سيلفت نظره عنوانها الفنِّي وتركيبه الجُملي الاسمي المثير بدلالاته الإنسانية القريبة، وتوريته الانزياحية البعيدة؛ لكونه حَقلاً دلالياً لغوياً مائزاً يُعلِن بوضوح عن طبيعة النصِّ الموازي أو ما يُسمَّى أيضاً بالنصِّ المصاحب الذي يكشف عن نوع التلقِّي القرائي والجمالي لهذا النصِّ الرئيس. ومن ثَمَّ الولوج من خلال بوابته الكبرى الرئيسة إلى فضاء النصِّ السردي، والتمتع بعوالمه الموضوعية والفنية، ومعرفة اتجاهاته المتجلِّية والخفية الغامضة.

فالعنوان أو النصُّ الموازي أو (المَناص) كما يُسمِّيه بعض الكُتَّاب والنُّقاد هو إحدى عتبات النصَّ السردي، أو مفتاح من مفاتيحه الدلالية المهمَّة التي بواسطتها تتمكَّن من معرفة واقعة الحدث السردي (بؤرة الحدث)، أو كلٍّ ما يمتُّ بصلةٍ إلى النصِّ؛ كونه (ثُريا النصِّ) أو أيقونته السميائية الملغومة بالدلالات والإيحاءات العلاماتية البعيدة، أو بما يتعلَّق به رمزياً.

1- الشَّفرةُ العُنوانيةُ

فحين نذهب إلى تفكيك شفرات النصِّ اللُّغوية نفهم من ذلك أنَّ كلمة (خُطَىً)، هي جمع الجموع لمفردٍ من الكلمات، هو (خُطوةُ)، أي ما تتابع من الخُطواتِ في حالة المشي، وأنَّ (الضَّباب)، هو بخار الماء المتكاثف الذي يَحجُب الرؤية البصرية على سطح الأرض، فتنعدم به الرؤية الكليَّة للمحسوسات الأرضية. أمَّا التعبير الدلالي لهذه الجملة الاسمية المفخخة بالمعاني السيميولوجية، فيُشير بتجلٍّ إلى تلك الخُطى الذاتية السيرية لكاتبة النصِّ، وإلى رحلة التِّيْهِ والضياع الحالية التي خَطَتْهَا الساردة - في حياتها- نحوَ ذلك العالم الضبابي الذاهب إلى المجهول الغيبي اللامُتناهي الذي لا تُعرفُ له محطَّاتٌ واضحة المعالم يقف عند حدودها، سوى تلك العُتمَةِ التي تُغلِّفُ حياتها،والحزن الشديد الذي يَهصُر قلبها كامرأةٍ أُنثى ذاقت وقتذاك مرارة الاغتراب الروحي والجسدي، والحرمان الاجتماعي والثقافي في مرافئ رحلتها السندبادة العرجاء.

فـ (خُطىً في الضَّبابِ)،هي السير في دربٍ مجهول مُنعدِم الرؤية الشمولية، أيْ ضَياعٌ في متاهة من الضباب الواسع الذي لا آخر معلوم له. وليس له هدف أو غاية مقصودة تَعرف نهايته الحتمية،إنَّه طريق الاضطرار الذي تفرضه الأقدار مهما كانت النتائج. وبهذا المعنى اللُّغوي والدلالي يكون العنوان كعتبةٍ نصيَّة قد أدَّى وظائفه السردية الأربع المناطة باشتغالاته: (الإخبارية، والدلالية، والتأويلية، والثقافية) . تلك الوظائف التي ستتضح نتائج حركتها الصورية من خلال عتبات النصِّ الأخرى التي حدَّدها جيرار جنيت للنصِّ الأدبي تغذُّ به سيراً إلى آفاق ورؤىً تغور به إلى عالم سردي ممتد.

2- لَوحَةُ الغِلافِ الأُولَى

أو ما يعرَف بالوجه الأَّول للغلاف الذي تصدَّرت أعلاه عتبة العنوان االرئيسة للكتاب، أي (اسم المُؤَلَّف والمُؤَلِّف) . الذي يُمثِّلُ لوحةً فنيةً بصريةً بسيطةً لطريق سائر مستقيم تُحيط به سماء لونية زرقاء مُلبَّدةٌ بضباب شفيف يتخلَّله فنار ضوئي أصفر خافت ينثال بضوئه الضئيل على المدى وسط هذا الطريق المعتم الرؤية، والذي تشكَّل معالم رصيفه دالة صورية أنثوية سوداء تميل إلى الدكنة المُعبِّرة بدلالة رمزيتها الأيقونية الصورية عن صاحبة الخُطى الضبابية، وقد اختفت ملامحها الشخصية الفارقة كليَّاً، ولم يبقَ منها سوى شكلها الخارجي المُتشِح بلون السواد الدّال على كونها امرأةً تعاني الألم والحزن. فالغلاف على الرغم من كونه تمَّ تشكيله اللَّوني بلون إزرقاق تكثيف السماء إلَّا أنَّه يميل في خفاياه الداخلية إلى ظُلامية الضباب للدلالة على أنَّ الخطى الموضوعية تُشير إلى أنَّها مجهولة النهايات الزمانية والمكانية وغير محدَّدة.

ويُلاحظ على الوجه الداخلي الباطن من لوحة الغلاف الأولى نفسها تترآى لك صورة الرائية الساردة موشومةً باسمها الحقيقي الصريح (ذكرى لعيبي) يَعقبهُ نصٌّ نثري لها يكشف جانباً مهمَّاً من رؤية الكاتبة الشخصية والمسوغات التي دعتها إلى القَصص (السرد الروائي) السيري الذاتي، موضحةً التعبير حول مفهومها الفلسفي عن الذاكرة والقَصِّ الذي تبوح به مرددةً القول: إنَّ "الذاكرة نصُّ يَعبُرَ الأزمنةَ، والقَصُّ ذاكرة ثانية تبقى وتتمدَّد بلغته وأسلوبه. ذاكرة تحمي الكتابة من الموت، رؤىً في أزمنة التيهِ والشتات والركض وراء الحقِّ الغائب، البحث عن المكان - الوطن، عن المأمول - الحبيب- عن ابتكار فصول تتحدى البكائيات التي فتحنا أعيننا على لونها العدم )، (ص 0) .

هذا الهجس الشعوري الذاتي ما يخصُّ رؤيتها الفكرية في إنتاج هذه الرواية، أمَّا ثيمة الرواية الموضوعية وأرخنة فكرتها زمانياً، فقد جاء تعبيرها القَصَصِي الآتي موضِّحاً موقفها الإنساني من تداعيات هذا العمل السردي الروائي الصغير حجماً، والكبير كيفاً، فإنَّ أنساق "روايتي تدينُ الحرب إذ لا مجال للتمويه والتورية في الدمار، تُدين الرجال الذين شَوهوا المبادئ، لنيل مآربهم، تُدينُ الجانب الشَّرسَ من العالم الذي يغتصب عُذريةَ الكلامِ، وشغفَ الحبِّ وبراءةَ الأحلامِ. حكمةُ قَصٍّ أتيتُ بها من وطن الانتماء، إلى فضاء المعاناة. بدأتُ بكتابتها في زمن تنحَّى به عن المسرات،وأنجزتها في زمن جائحة كورنا". وفي الحالتين فإنَّ الزمن الذي تخطَّت به الضباب فاقد لشَّتى أشكال الفرح ومباهج المسرات. كما أنَّها في حكمتها القَصَصِية لمْ تأتِ بأنساقٍ أدبيَّة وتمظهراتٍ ذاتيةٍ سرديَّةٍ خارج وطن الانتماء العراقي إلَّا ما كان مُتَّصلاً بأحداثه.

3- لَوحَةُ الغِلافِ الثَّانيَةُ

أمَّا الوجه الخلفي للوحة غلاف الرواية الثاني الذي جاء حافلاً بلون أصفر جذاب، فقد تضمَّن محتوى عنوان الرواية

أيضاً، واسمَ كاتبتها (ذكرى لعيبي) ؛ ولكن الشيء المهمَّ في هذا الغلاف أنَّه تضمَّن علامتين بارزتين من أيقونات العمل الروائي، العلامة الأولى تضمَّنت جزءاً سردياً مقتطعاً من موضوع عنوانها الفرعي الفنِّي الثامن عشر الذي توسَّط صفحات الرواية باسم (في المنافي نُدركُ مَعنى البُكاءِ) . والذي هو من أهمِّ عنوانات الرواية الدالة على مدلولها الإنساني الواسع الكبير الذي اكتشفته الرائية في مغتربها المهجري خارج الوطن. والإدراك في هذه المحطَّة العنوانية يُشكِّل إدراكاً حقيقياً لمعاناتها الذاتية، ومأساتها الوجودية كأنثى تُجاه الوطن والإنسان والثقافات والتجارب المتعدِّدة التي مرَّت بها في حياتها.

أمَّا العلامة الثانية في هذا الغلاف، فقد كانت صرخةً مدويَّةً، ومكاشفةً علنيةً صريحةً من مكاشفات الذات الأنوية للآخر الذكوري، أي مقاربة الذات السويَّة الأنوية مع الذات العدوانية المتنمِّرة للحبِّ والسعادة والأهداف الإنسانية النبيلة التي يسعى إليها العاشق المُحبُّ، وينشدها حاضراً آنياً وغداً مستقبلياً "في المنافي نبكي بهدوء، نفرح بهدوء، ننكسر بهدوء، نموت بهدوء، الغياب حاضر، الحبُّ حاضر؛ لكنَّ الإنسانية وحدها محاصرةٌ، وحدها مقيَّدةٌ، والمسافات مفتوحة طويلةٌ، الحدود مغلقةٌ، والمنافذ قابلة لتأويل كهنة التعسف"، (ص60) . فلولا رسوخ صفة هذا الهدوء المتسامي تكرَّراً فيناً، والحضور لانكسرت الهمم العَلِيَة،وَكَثُرت الخيبات،وضيقُ الحالِّ والمواجع،انقطعت سُبُل الحبِّ وعوامل الرشاد وَفُسَحُ الأملِ.

ويكفي الكاتبة همَّاً وتوجُّعاً واغتراباً أنها عاشت تجربةً ذاتيةً كبيرةً ثَرةً في المنافي وهذا التعايش السلمي للحياة الجديدة جعلها تبوح به في تعبيرها السردي مبيِّنةً مُدركات مدخلاته الحسيَّة والتجريديَّة، وتأثير نتائج مخرجاته الحياتية عليها. فتؤكِّد بعفويةٍ وصدقٍ لقارئها أنَّ "في المنافي نُدرك معنى البكاء، عندما نُحبُّ شخصاً ولا نَستطيع الوصول إليه، ونُدركُ معنى الابتسامةِ عندما نَسمعُ صوتَ الأهلِ والأحبابِ عَبرَ أَسلاكٍ جَامدةٍ؛ لكنَّها تَنبضُ بهشم، ونُدرك معنى الاحتجاجَ لِيدٍ حَانيةٍ تأخذُ بَأيدينا وَقتَ العَوزِ، ونُدركُ أنَّ الآصرةَ نوَعٌ آخرُ من أنواعِ الحُريَّةَ، ونُدركُ مَعنى الرَّغبةِ في الحياةِ، ومَعنى كلمةِ (وطنٌ)، ونُدركُ معنى أنْ نكونَ لا شيءَ في رَفِّ أَفكارِ مَنْ تَركناهُم خلفَ الحُدودِ"، (60) .

إذن من خلال مُدركاتِ هذا الشعور الجمعي الاغترابي، وأعني المُدركاتِ غير البصرية في المنافي مثل، (البكاء، والابتسامة، والآصرة والرغبة)، وكلمة وطن السحريَّة، واللاوجود الكوني، تكون الساردة العليمة بهذا السمت من التوظيف والتجسيد الأدبي الفَّني لاقتفاء أثر السرد السيري، قد تخطَّت بشموليةٍ ووعيٍ حدود الذاتية الضيِّقة إلى مِساحةٍ أكبر من حدود مِساحاتِ السَّردية الإنسانية في تعويم لغة السَّرد إلى لغةٍ أدبيةٍ ماتعةٍ شائقةٍ في اشتغالاتٍ اشتشرافيةٍ رمزيةٍ تحاكي عقل المتلقِّي، وتماهي ضميره الإنساني الحيِّ عبر وسائط المشاركة الوجدانية، ومن خلال تعدُّد الفعل المستقبلي المضارع المبدوء بنون حروف (أنيتُ) الدالة على المشاركة الخطابية الجمعية، (نَبكي، ونَفرحُ، ونَنكسرُ، ونَموتُ) . وإنَّ تكرار ما بعده لفظة الجار والمجرور (بهدوء) ثلاث مرَّاتٍ يُدلِّلُ على أنَّ الساردة بحاجةٍ ماسةٍ إلى سعةٍ كبيرةٍ إلى عناصر مثل، (الهدوء، والاستقرار، والسكينة)، وهذا ما كشفت عنه شفرات الفعل الزمانية الحدثية الدالة على حقل (البكاء، والفرح، الانكسار، والموت) بمعناه المجازي التعبيري،لا الحقيقي، فضلاً عن أنَّها منحت الغياب لازمةَ حضورٍ يتكرَّر حدوس فعله التخليقي.

4- الإِهدَاءُ

وعند الولوج إلى صفحات الرواية يُطالعك (الإهداء) في أسمى تجلياته كعتبة من العتبات المُكمِّلة لِجماليات النصِّ الأدبي السَّردي. وما يلفت النظر أنَّ الإهداء كان قصيراً جدَّاً، ولكنَّه كان مُكثَّفاً ومُكتنزاً بعبارته التركيبية الدالة على ثيمته الموضوعية اللُّغوية ودلالية العميقة الرؤيا، والبعيدة المغزى في مقصديات الرواية حين يكون الإهداء موشوماً ببصمةٍ إبداعيةٍ عربضة تقول بنبرةٍ تحدٍ مستقبلية: ( إِلى الغَدِ اَّلذِي لَنْ يَأتِي) . فهذا التأكيد إلى المُهدَى إليهِ المنفي كائنٌ لم يأتِ بعد.وَبتجلٍّ يعني أنَّ الغد الذي تروم الوصول إليه الساردة،وتلُّوح به وصلاً لغايتها المبتغاة هو غدٌ مجهول كسراب في عالم ضبابي آخر لم تكن رؤيته البصرية أو رؤياه الحُلُمية معروفة الآخر. وهذا بحد ذاته يُعدُّ تعضيداً مجهولاً وإسناداً مضاعفاً إلى العتبة العنوانية الرئيسة. فلا خُطىً واضحة المعالم تَلوحُ في الأفق القريب، ولا غداً مستقبليَّاً موعوداً يأتي انتظاراً.

ويتناهى إلى ظنِّي كثيراً أنَّ علامات الحزن الشديد الدائم الألم، والوجع الكبير الغائر الجرح الذي تَستشعرُه سيميولوجياً الكاتبة، أو ما مرَّت به ذكرى لعيبي على المستوى الذاتي السيري في مراحل حياتها الإنسانية وفق سرديات هذه الرواية، ووفق عالمها القصصي الشعري الآخر قد انعكست آثاره (المازوشية)، وآفاقه النفسية الأليمة على شخصيتها الإنسانية المثابرة، وعلى كتاباتها الإبداعية شعراً ونثراً .وصار الحزن سِمَةً وظلاً ظليلاً لا يُفارق شكلَ لازمتها الفنيَّة والأسلوبية. وهذا الشعور المستديم يعدُّ ليس عَيباً أو مَثلبةً في أنَّ يكون طبع الإنسان المبدع حزيناً، فمن رَحم الحزن وواقع الفقر والمأساة يولد الإبداع الحقيقي الصادق؛ ولكنَّ العيبَ أنْ يُصبحَ الكاتب إنساناً اضطغانياً كثير الشكوى في حياته لا أمل له يُرتَجى.

5- التَّصدِيرُ والتَّأخيرُ (المَطلعُ والنَّهايَةُ)

منْ يقرأ الرواية بتوءدةٍ وإمعانٍ دقيقين، ويُطالعُ تسريد صفحاتها القصصية بتدبُّرِ المتأمِّلين، سيلفتُ نظرهُ الفكري هندسة البناء الفنِّي لمعمارية تصميم خريطة حُسن البداية، وجماليات خاتمة النهاية (الخروج)،أو ما يُسمَّى بِحُسنِ التَّخَلُّص في إيجاد مخرجٍ مناسبٍ لنهاية الموضوع.فعتبة التصدير الفرعية الأولى (الدِّلُ والدَّلالُ) ابتدأت بعبارة تَغليبية أو ظنيِّةٍ اعتقاديةٍ غير مؤكَّدة التسليم في ترجيح الخطأ الظنِّي على الثابت اليقيني المؤكَّد الصائب الممكن الحدوث. مُصححةً في الوقت ذاته مسار ذلك الانحراف الشكلي بما هو واقع معاش، فـ"غالباً ما نظنُّ أنَّنا لم نجد يوماً مكاناً يتَّسع لنا على هذه الأرض؛ لهذا أحياناً نحبُّ أنْ نتعامى لكي لا نفتحَ أعيُنَنَا على واقعٍ مَريرٍ، جَديبٍ، وأحياناً أُخرى نَنسَى إنَّنا نِساءٌ"، (ص 7) .

في حينً أنَّ منْ يتأمَّل خاتمة الرواية ويقف عند العتبة الفرعية الأخيرة (السابعة والعشرين) الموسومةبـ (أنوارُ السُّكونِ)، سيجد أنَّ المنتهى السردي لها قد خُتِمّ - رغم مرارة المأساة، وفداحة الأمر- بعبارةٍ إشراقيةٍ إنسانية يقينية تأكيدية دالة ٍعلى أُماراتِ الأمل والمحبة والابتهاج الذي تَبوح به السارة لعيبي لقارئها تاركةً وراءها كلّ الخسارات المادية والمعنوية، وَمُؤْثِرَةً في الوقت نفسه جماليات الربحَ في تعليلها الذاتي، "لهذا قررنا أنْ نترك السلام يُخيمُ على فلوبنا وأرواحنا، لنهبط بأنوار السكون إلى أقاصي أوردتنا، فيرويها لِنتفَتَّحَ في دروب العاشقينَ زهرة نيلوفر. (وَصَلَ العَريسُ وَصَلُ العَريسُ) " (102) .

والأجمل من ذلك كلِّه في هذا الختام (السلامي) التخلُّصي أنَّ ختام هذه العتبة السردية جاءَ موشوماً في جمال حُسن المطلع ببصمةٍ إبداعيةٍ أثيريةٍ دالة على رؤية الساردة وفلسفتها الإيمانية في الحياة من أنَّ الإدْبَارَ الضائع في طريقه، لا بُدَّ أنْ يَتبعهُ إقبالٌ عائِدٌ رائع. فحتَّى الخسارات المتوالية في قاموسها السردي ربحٌ إنساني سكوني الأنوار مشرقٍ الآفاق ساطع. والشيء الأخر الذي أمتعنا في القراءة رغم خاصيَّة التجربة الفردية، هو وعي الكاتبة وحسُّها المعرفي الثقافي المكتسب وقدرتها على الكتابة في التضمين التعبيري لنصّوص كُتًّابٍ ومثقفين ومشاهير صَدّرتْ بها مطلعَ بعض ِعتباتها للتماهي مع تكثيفها السردي الدلالي، أو الميل بذكر بعض الأعمال الروائية العربية على لسان أميرة للدلالة على أنها قارئة مُثقَّفة.

شَخصِيَّاتُ الرِّوايَّةِ

من يتتبع أحداث الرواية بتفحِّصٍ دقيق واعٍ، سيلحظ أنَّ هناك تقارباً نسبياً بسيطاً بين شخصياتها الذكورية والأنوثية من حيث الكم العددي، لا النوعي الكيفي لهذه الشخصيات، وعلى الرغم من تَفوّق الشَّخصيات الأنثوية بتسعِ شخصياتٍ، يُقابلهُ سبعُ شخصيات ذكوريةٍ، فإنَّ أحداث الرواية ووقائعها السردية بُنيِتْ موضوعياً وفنيَّاً على خطى شخصيتين أساسيتين رئيستين هُما: شخصية (أميرةٌ) التي ترمز بدلالاتها التكثيفية القَصصية السرديَّة البعيدة إلى شخصية الرائية الحقيقية مُبدعة العمل (ذكرى لعيبي)،والتي تتخفَّى بشخصيتها وراء أحداث الرواية عن بعد بتقَنُّعِ أنساق سيرتها الذاتية، وعن قُربٍ مشاركتها إنتاج سيرتها الأدبية، وبمختلف تمثُّلاتها الأدبيَّة والفنيَّة التي احتوها عتبات الرواية العنوانية (السابعة والعشرون) عتبةً. ومع تطوِّر الأحداث وتناميها فنيَّاً ودرامياً فإنَّ اللافت المفاجئ على شخصية بطلة الرواية (أميرة) هي نفسها تتحوَّل إلى شخصيةٍ ثنائيةٍ مركبة أخرى تُدعى (شامة)، والتي تظهر زوجةً لشهيدٍ قُتِلَ في الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن العشرين.

وهذا التحوِّل المفاجئ إلى شخصية شامة التي هي أميرة نفسها نجده ماثلاً في مرجعيات ثلاث عتبات، العتبة الثامنة عشرة التي ظهر فيها لأول مرَّةٍ اسمها الجديد ضمن أحداث السرد في معرض الحديث عن أسباب خطوبتها الفاشة من حبيبها وجارها وزميلها سامي الذي أحبته بصدقٍ، لكنَّ الظروف العائلية لها كانت أقوى من رغبتها له. والعتبة التاسعة عشرة الموسومةبـ (نَغمضُ أَعيننَا رَغمَ مَعرفتنَا بِالحقيقةِ)، والعتبة العشرون التي جاءت تحت عنوان (العودةُ) .

وقد اقتصر الحديث في هاتين العتبتين عن علاقة شامة الإنسانية العاطفية بحيب عمرها وعشيق الدراسة الثانوية سامي الذي ظهر مجدَّداً في حياتها من خلال اتصال هاتفي بعد غياب دام انقطاعه سبعةً وعشرين عاماً. والذي تصف فيه شامة هذا الغياب والظهور الذي طال أمده البعيدة مؤكِّدةً "إنَّها مفارقة غريبة. ظهور موجع في غير وقته،ظهور شتتَ تفكيري، وبعثر خططي"، (ص 69) . وفي ختام العتبة العشرين تُبَرِّرُ شامة مسوغات قصدية اتصال سامي بها في غربتها بمدينة دبي بأنَّه غفر فراقه وأخطاءه وأنساها ما أصابها من أحزانٍ ومآسٍ كارثية بسبه في غيابه "محو الماضي أمر ممكن، فهو لم يعد قضيةً كبرى، كلُّ ما تحتاجهُ النسيان؛لكنْ هل نستطيعُ أنْ نتجنبَ المستقبلَ المُبْهَمَ؟هذا الذي يؤرقنا.."، (ص72) .

أمَّا الشخصية الذكورية الثانية التي تُقابل شخصية بطلة الرواية الافتراضية (أميرة)، أو الراوي الحقيقي العليم لرمزية صاحبة العمل الرسالي الإبداعي الثر السيٍّدة لعيبي، تلكَ هي شخصية الدكتور أحمد ابن عمها فرحان التي ظهرت فجأةً على حين غرته في طيات العتة الفرعية الثانية المسماة (صباحٌ مُقدَّرٌ) . وشخصية أحمد كما تظن أميرة هو الحبيب الأزلي المنتظر للزواج بها؛ ولكن أيَّ زواج هذا الذي يجمع مثله رجلاً متزوِّجاً له أسرةٌ وزوجة وأبناء بامرأةٍ مطلَّقةٍ أرملةٍ مثل أميرة لها بالمثل أسرة وأولاد. والعجيب في الأمر أنَّ الزواج الذي يرومه أحمد ويبتغيه منها زواج كما يرى (تَحتَ غِطاءٍ شَرعيٍ)، أي زواج منقطع مؤقت، أو كما هو معروف في بـ (زواجِ المُّتْعَةِ) في المذهب الشيعي. هذا هو شعار الزواج الذي يسعى إليه أحمد، ويهفو قلبه ظمأً وشوقاً إليه، فتصفهُ مصرِّحةً القول: "لهفي يُطفئِه غطاءٌ شرعي، وخَلوةٌ تنفضُ فيها غبار السنين"، (ص17) . يا لوجع هذه العبارة التي توجسَّت منها أميرة كثيراً، وحسبت لها ألف حساب في كينونتها الذاتية.

أميرة لا ترى في هذا الزواج الطارئ عليها تعويضاً لخساراتها الشخصية الروحية المتوالية، ولا ترى فيه منجاةً حقيقيةً لها، أو تجد فيه ترميماً لسقف الزوجية المنثلم؛ كونه زواجاً غير متكافئ، زواجاً لا يمكن أنْ يكون إلَّا ظلاً لامرأة لا أكثر. فهي مازالت تعيش هِزَّةَ هولِ تلك الصدمة القاسية الأولى لانفصالها عن زواجها الشرعي العلني الأول من زوجها المدعو أبي خالدٍ الذي يَكبرُها بعقد من الزمان ونيِّف كما تذكر الساردة. وما زالت أميرة تعيش وجعاً مريراً من وقع تلك العبارة القاتلة التي كانت سبباً غير إنساني مقنع في انفصالها من زوجها أبي خالد. وذلك حين سألته، لماذال تريد الانفصال مني؟، فأجابها دون تردد قائلاً: "لأنَّي أراكِ نصفَ امرأةٍ"، (ص22) .

هذا هو وقع لسؤال الماحق الصاعق الذي أذهلها نفسياً بِهِزتهَ الشعورية الكبيرة وأفقدها توازنها العاطفي الإنساني والاجتماعي حتى راحت تُردِّد مع نفسها وتسألهاعلَّها تجد جواباً مقنعاً يُشفي ثورة غليلها الموارة من هذا الـ (نصفِ)، "كيفَ نصفُ امرأةٍ؟ألم أنجب له الأولادَ؟ ألستُ ضغيرةً وجميلةً؟ ألست بنتَ حسبٍ ونسبٍ؟"، (ص22)، فجاءت بالجواب المنصف العادل بوحاً،"نعم أنا كلُّ هذه الأشياء؛ لكنِّي عرفتُ تالياً المقصودَ بنصفَ اَمرأة! نَعم التفاصيل مؤلمةٌ ومملَّةٌ"، (ص22) .

إنَّ مثل هذا السياق الجُملي التسريدي الذاتي تُحيلُنا موضوعيته الإنسانية والاجتماعية إلى وقفةٍ تأمليةٍ من المكاشفة والمصارحة الذاتية التي خطتها الساردة لعيبي في الكشف عن الأنساق الخفية المكبوتة أو المسكوت عنها في صفحات سيرتها الزوجية كامرأةٍ أنثى، وإنسانة ساردة مبدعة معاً تنماز بهذه الشجاعة الفائقة من الجرأة الصادقة والصراحة المعلنة في كسر توقُّع تابو المألوف الحياتي للسياق الاعتباري الراهن. فإنَّ توظيف جملٍ ذات مؤثِّر دلالي تسريدي مهمازي كبير مثل، الزواج بغطاء شرعي، أو ما يسمَّى بزواج المتعة، يُعدُّ عند كثير من الناس أو بعضهم من أتباع المذهب نفسه الذي يُبيح هذا النوع من الزواج خطّاً أحمرَ لا يمكن قبوله أو تناوله بهذا الشكل العلني المكشوف، منعاً ومراعاةً لدواع لإحراج لمن يقبله على غيره، ولا يقبله على نفسه، أو ربَّما يتمُّ رفضه نهائياً.

إنَّ التصريح والتلميح بعباراتٍ السرد الذاتي التي تخصُّ المتزوجين من الناس على وجه التحديد، مثل عبارة من يُطلق على شريكة حياته (أراك نصفَ امرأةٍ)، أي تفتقدين إلى حرارة المعاشرة الزوجية الحميمية الجنسية التي أدركت مغزاها الزوجة أميرة متأخراً، وتركت الكاتبة الساردة ذكرى لعيبي تفسير دلالتها الإنسانية التأثيرية التكثيفية المباشرة بذكاء أسلوبي إبداعي بعيد،لا لعجزٍ تعبيري لغوي، أو لحياء ديني، أو اجتماعي يمنعها من البوح بالإخبار عن مقصديتها المعنوية إلى المتلقِّي الواعي ليشاركها متعة القراءة وجماليات التحليل والتأويل والتفكيك الدلالي لشفرات النص الساخنة بالمغازي.

فالكشف عن مثل هذه العبارات الآيروسية بين الأنا وهوية الآخر في نصٍّ سيري ذاتي مكشوف للقرَّاء والمتلقِّين بهذه الجرأة والصراحة المحمودة من والوضوح في مجتمع شرقي يُعدُّ أمراً مفضوحاً ليس هيناً؛ كونها تعدُّ تابوها محرَّماً من ممنوعاً من التابوهات، والعبارات الحميمية التي تخصُّ العلاقة الزوجية السرية بين الزوجين نفسهما. وأنَّ الآخرين غيرُ معنيينَ بهذه الخصوصية الثنائية، ولكنَّ البوح بها في الخطاب السردي الروائي يُحسبُ إلى كاتبة النصِّ السيري لوناً من ألوان الإمتاع في فنيَّة التعبير الأسلوبي الثقافي الحديث الذي يُماهي فيه عقل المتلقِّي وثير شغافه بالإضاءات الإشراقية.

ولو عدنا مرَّةً أخرى إلى سياق العبارات التركيبية السابقة ذات الوقع التأثيري الضوئي اللافت الذي كانت تردِّده (أميرة) مع نفسها في الرَّدِّ على عبارة طليقها الناريَّة، لرأينا أنَّ تساؤلها المرير، ألستُ أنا امرأة صغيرة وجميلة، وبنتُ حسبٍ ونسب وأصول كبيرة؟ وأنَّ كلَّ هذه (الأنويات)، والأشياء، والتداعيات النفسية، هي - حقَّاً- ذاتها مصادر مرجعياتها وأنساقها تنطبق حقيقتهاعلى السيرة الذاتية لكاتبة الرواية السيِّدة ذكرى، والتي جاء تسريداتها على لسان بطلتها الافتراضية (أميرة)، والتي انبثقت جذورها التاريخية وأصولها من مدينة الأهوار السومريَّة الجنوبية مدينة (العُمَارَةِ) التي مزجت فيها سيرتها الذاتية بتاريخ هذه المدينة الطويل العريق،وبلغة مخيالية ذاتَ تأثيرٍ بالغٍ مُؤثِّرٍ ومُحبَّبٍ في النفوس حلَّقت فيها عالياً بِتَشعيرِ السَّرد.

"من هذه المدينة انبثقت أميرة. ابنةٌ جميلةٌ مدلَّلةٌ لعائلةٍ وجيهٍةٍ ومُترَفَةٍ، تأخذ المرتبةَ الثانية بين الأبناء السبعة، تُقاربُ في حُسنها (بنتَ المُعَيْدِي) تلك المرأة التي يُقال عنها إنَّها ملكة جمال الأهوار،أو كما تسمَّى (موناليزا الشرق)، عُيونٌ وسيعةٌ بارقةٌ، وشعر أسود كأنَّه اللَّيل، ينسدل على كتفين مرصوصتينِ، بلون دم الغزال شفتاها، وجهٌ يُشبِهُ انفلاق القمرِ)، (ص7) . وتعضيداً لسيرتها الذاتية أنَّ الكاتبة فعلاً من الأسر الوجيهة والكبيرة الشهيرة في حسبها ونسبها وتاريخها بمدينة العمارة في جنوب العراق. فجدها الشيخ كاظم السدخان (رحمه الله) شيخ عشيرة البهادل العام الذي جمع بين الدين والمشيخة مشهود له بـالفراضة و(الحظِّ والبَخْتِ) على صعيد العراق، أي في البَتِّ بحلِّ المنازعات العشائرية والحكم فيها،وقضاء خوائج الناس. وأنَّ أباها الشيخ لعيبي السدخان - الذي أُغتيل لظروفٍ خاصةٍ- هو أيضاً شيخ عشيرة ومشهود له بذلك في وجاهته ومواقفه النبيلة وطيب كرمه. فكلُّ الذي وظَّفته الساردة لعيبي في فضاء روايتها، والذي جاء على شكل قَصَصٍ حكائي قصير يشكِّل موضوعاً ذاتياً كبيراً صادقاً من جزئيات سيرة حياتها، إلَّا القليل من لبوس المخيال الشعوري اللامرئي الذي يُماهي تفاصيل سيرة واقع حالها الراهن، ويضفي عليه شيئاً من الحبِّ والموضوعية التي تكشف جوانب مهمَّة من فواجع خاصيات المرأة العربية عامَّةً والعراقية على وجه التحديد.

هذه هي قصة حياة (أميرة) االساردة ذكرى التي بدأت بزواج اجتماعي غير متوازنٍ، أو متكافئ بكفَتي الميزان، فلم يُكتب له النجاح أو الاستمرار بعد في خطى الكاتبة الأولى، وانتهى بالانفصال السريع رغم وجود أبناء وبيت أُسري، لكنَّه تصدَّع كجدار بيضة الرَّخِ. ثُمَّ أعقبه زواجٌ ثانٍ آخر فاشل فرضته ظروفها الاجتماعية العصيبة، فجاء رداً سريعاً غير مخطَّط له؛ لردم الهُوة، وملء فراغ ما أحدثه طلاق زواجها الأوَّل الذي لم تُجْدِ خطاه نفعاً، سوى أَلمِ نقعِ غُبارِ الضباب المبهم الكثيف.

وتتوالى خيبات أميرة وخساراتها الروحية والنفسية في خطى مسيرتها الحياتية. فتمرُّ بمرحلةٍ جديدةٍ من صور العلاقات الإنسانية العاطفية، والتي يمكن أنْ تكون انعطافةً تاريخيةً تُجدِّدُ بوصلة مسيرة حياتها المتعرِّجة. فتلوحُ في الأفق القريب بعد ثلاثة عقود من الزمن الغابر، عَلاقة حبِّ قرابةٍ مع الدكتور أحمد ابن عمها فرحان وصديق طفولتها الذي يكنُّ لها حبَّاً عميقاً منذ نعومة أظفارهما حتَّى يوم الاتصال المرتقب بها، رغم كونه رجلاً متعلِّماً ومتزوِّجاً ومستقراً. ولكن هذه الخطوة الضبابية هي الأخرى جاءت متأخرةً عن بداية علاقتهما؛ لذلك فإنَّ آمالها وئدت في رحمها وانتهت مقتولةً بالفشل الذريع الذي يكشف عن نفسه بطلب زواج متعةٍ تحت غطاء شرعي مؤقت،أي تكون العلاقة الزوجية الجديدة علاقة نفعٍ تعويضاً له عن سنوات الحبِّ التي خلت دون تحقيق ارتباط بها. فكانت هذه الخطوة المفاجئة لأميرة المعشوقة آخر الفجائع الثلاث في ضياع خطواتها المستقبلية في دوامة ضباب كثيف يحجب الرئية عن الغد المستقبلي الذي لن يأتي بعد حصاد أوانه.

لم يبقَ من تلك الخطوات الوئيدة سوى أنوار السكون الروحية التي تُعلِّل النفس بالآمال والتطلُّعات والرغبات المستقبلية رغم ضراوة حروبها الزوجية القاسية الثلاثة، ورغم نفاد الصبر، وكثرة العذابات،واستبداد الألم في هذا الزمن العاتي القميء، "أنْ نُمارس العشق في زمنٍ تَنَحَّى عن المسرات، زمن يغتال الآمال ويُبارك الأغطية الشرعية المزيفة التي تُجمِّد الأوصال، وَيَعيبُ الأسقُفَ الأمنةَ التي تَقينا من بردٍ وجُوعٍ. ولا بُدَّ أنْ نتلقَّى صفعةً تُعيدُنا للأثير الأوَّل"، (ص102) الذي بدأت منه خُطى الرحلة الضبابية المعتمة.

وفي العودة إلى شخصيات الرواية الثانوية الأخرى، سواءٌ أكانت ذكوريةً أم أُنثويةً منها؟ والتي أسهمت حدثياً في فعلها الزمني المروري الأسلوبي في البناء التركيبي الفنِّي لتنامي درامية الحدث السيري الموضوعي الكبير في إنتاج الرواية لم نجد لها دوراً رئيساً فاعلاً في تجسيد أحداث الرواية وتخليقها فنيَّاً، وإنَّما كا دورها عرضياً ثانوياً هامشياً مكمِّلاً ومساعداً في توظيف سياقات النصِّ التسريدي الذي ارتقى بمثابرة شَخصيتَيْهِ الرَّئيستَيْنِ (أميرة وأحمد) وتعاضدهما في عقدة الحبكة الموضوعية وفكَّها عملياً. فهما على الرغم من فداحة الأمر والأخطاء الكارثية التي وقعت لهما وعاشا مرارتها، يُعدَّانِ من الشخصيات الإيجابية السويَّة المتعلِّمة الواعية ثقافياً وحضارياً بدلالة وقائع أحداث الرواية التي ختمت بنهايات مفتوحة تركتها بصمة الكاتبة؛ لتمنحَ القارئَ المبدعَ الناقد شيئاً من فاعلية متعة التلقِّي الفكري الإيجابي لأحداث الرواية، وَحَمْلهِ على المشاركة الفنيَّة في هرمنيوطيقيا التأويل القرائي واتباع آليات التدبُّر والتأمُّل وفكِّ التشفير اللُّغوي للنصوص السردية وفق جماليات التلقيِّ، ومن خلال ما يمتلكه من حاسة التذوُّق الأدبي.

 

بقلم: د. جبَّار مَاجد البَهادليُّ

 

 

هدلا القصارمن عناقيد الكلم، وخرزات اللغة، التقطنا نخبة قليلة من شعراء العرب البارزين في إبداعاتهم وأعمالهم الانتلجنسيا، المتجسدة في بلاغة التعبير.. وما تطلب شروط النهضة الأدبية في نتاجهم الأدبي المكمل لمسيرة أشهر شعراء الغرب، اللذين ما زلنا نستشعر وجودهم حتى يومنا هذا أمثال:

الأديب والشاعر التونسي يوسف رزوقة/ والعراقيين عبد القادر الجنابي، واسعد الجبوري/.. والشاعر البحراني قاسم حداد/ والشاعر العماني سيف الرحبي/ والشاعر الفلسطيني منير مزيد / والشاعرين اللبنانيين شربل بعيني، وروبير غانم/ والشاعر الجزائري ميلود حميدة .

وما زال في جعبتنا العديد من شعراء العرب المعاصرين، أبدعوا وأنتجوا لأممهم ثقافة ذات هوية مميزة، قادتهم إلى العالمية، نظرا لأعماق سلطة أقلامهم الأدبية، باختلاف أسمائهم وأعمارهم وجوهر إبداعات أفكارهم الأدبية.. المشتركين بإبهار الحاضر وملامسة الفضاء الإبداعي بأجناسه، الآتية من بؤرة مناطقهم المزكرشة بألوان مشهدهم الممتد من رهيف كلماتهم، وصنيع نهرهم العابر مساحات المحيط، ليرتوي القارئ من شلالات معجمهم، وتوراة ملامحهم المسيطرة على فضاء الجيل الثالث.. من خلال تجربتهم الشعرية الأدبية الإبداعية عامة ، بعبقرية أهدافهم المنسجمة مع تراث بيئتهم وهويتهم الشرقية والغربية والعالم الذي خصب جمال غنائهم.. ، لنستخرج منها دروساً إنسانية اجتماعية سياسية انسانية .. ذات قيمة عالية، ولينقلوا لنا إبداعاهم المهجنة إلى العالم المستمد شرعية استمرار يته من تاريخ وجغرافية العالم العربي ، الذي يقاسمنا ألم المسافة الفاصلة بين ضفتي المتوسط، الشرق والغرب، ليتوحد حلم الإنسان الواحد ككيان يطوف فوق الواقع بالتماهي بين الحلم الإنساني، وبين الواقع العميق، وما برحوا من استخراج أفكارهم وأطروحاتهم الإبداعية ضمن حدود تراثي أدبي برؤية " فيتو مينو لوجيا " مرتبطة بقضايا العالم وتفاعله مع الأواسط الثقافية العالمية، باعتبارهم من الفاعلين في الحركة الثقافية، من ناحية الجمهور والعالمين وتعدد مدارسهم واتجاهاتهم الفنية، وآثار بيئتهم الثقافية، مالئين العصر من إبداعاهم الذاخر منذ ما يزيد عن ثلاثين عاما، ليقدموا لنا ألوانا متنوعة من الشعر العربي الحديث، المتمثل بلوحات "بروتيريه" جميلة ليكونوا سفراء الشعر الجيل الثالث ، من خلال عروض تخريجات منهجهم الاستقرائي، لنرصد نماذجهم المتشابهة في ما يوائم طبيعة الموضوع الذي يقوم على الانتقائية التي تحقق القيمة النوعية المضافة لديباجية حروفهم المنهجية وتواصل رسائلهم الأدبية المتنوعة ، ليرتوي المتلقي من حليب ثقافتهم وأبجدياتهم حتى الجيل الرابع ,وسننفرد بكل منهم بوررقة منفردة .

منهم من اتبع الصور الشعرية الملموسة، ومنهم من اتبع الأسلوب الفني/ والطابع الشخصي، والتأمل بالنزعة الإنسانية، ومنهم من تميز ببراعة الوصف والتصوير الفوتوغرافي، ومنهم من صهل الألم الإنساني على أوراق مخيلته. ومنهم من اتبع عروض اللغة ... ، ففي كلا الحالات لا يمكننا أن ننكر تشابه عروض تجربتهم وطريقة تعبيرهم عن الذات الملتصقة بالآخر، وتناولهم أنواع إحداثيات الحياة، وأمور الوجود، ليبقوا كالمسرح المتحرك على أوراق إبداعاتهم، ولنرى جوانب العالم من خلال تصورهم، وحيرتهم، وتساؤلاتهم، وآملهم، وبكاءهم وأفراحهم، من جهات مختلفة، جامعين خصوصية الطابع الأستشراقي لإعادة صياغة العالم في مسوغاتهم الفنية الحديثة .

لقد قصدنا من هذه الرؤى أن نورد تجربة كل منهم بإيجاز عن طريقة معالجة معاناة الإنسان، والوطن، والعالم والروح، والشخوص، وأسلوب نقلهم إلى المتلقي، على مدى تغيرات و الزمن الواقع بين الماضي والحاضر في جميع أوراقهم التي سنضعها على طاولة المفاوضات الأدبية لنستخرج من إبداعاتهم أرواح من سبقهم من شعراء العالمين وفق رؤية حديثة .

نعتقد أن مثل هذه الثقافة الجامعة لا يمكن أن تتيسر إلا لأشخاص عانوا من المنافي، وشخصوا لنا مثل هذا الإيقاع الشعري العربي المهجن من ثقافات وسياقات جرمانية، آشورية، كنعانية، فينيقية، هيموغرافية، بيزنطية، إغريقية، سومرية كلاسيكية قديمة وحديثة .....

ومن عمالقة الشعراء الذين استلهموا كتابات المهجر المتعدد اللغات والانتماءات الأوروبية فيما مضى، وكان لهم صدى على الشعر العربي المعاصر الذي لم يخل من مسحة تجديدية للتراث الأدبي الشرقي، وتأثروا بشعراء الغرب هم :

الشاعر ميخائيل نعيمة/ إيليا أبو ماضي/ وديع باحوط / وليم بليك /أحمد شوقي / ورشيد أيوب وعبد المسيح حداد / حافظ إبراهيم / جبران خليل جبران/ ادونيس/ يوسف الخال/ فاروق شوشة /عبد الرازق عبد الواحد/ سعيد اليازجي /بدر شاكر السياب/ عبد المعطي حجازي/ أمين مشرق /مسعود سماحة/ سعيد عقل، امين الريحاني....، وهم بالأساس من بين المتنبئين بفكرة التحديث، ‏ وهم أيضاً من بين اللذين تأثروا بمدرسة الشاعر، ماثيو أرنولد لامارتين/ والفرد دوفينيي/ والشاعر ليرمنتوف /والفرد دي موسيه /وفيكتور هوجو / وشيلر/وهيلدرلين / وكولردج /ووردذورث / وشيلي / والشاعر إليوت .

وهناك العديد من شعراء العرب ما زلنا نشهد على أنهم أصحاب الفضل في إنارة الأدب العربي عامة .

علماً أنه ليس لنا الحق أن نضع مجازا للمقارنة بين هؤلاء الشعراء العظام، اللذين يمثلون رؤيا مختلفة في أغراضهم....، لكننا نحاول أن نستشبه إبداعاتهم افتراضياً، كمرجعاً ثقافياً لرؤيتهم النوعية، وزوايا رؤاهم وأفكارهم المجاورة حضارات غربية التي أثرت في تهجن تكنيكهم، وتطبعهم الذي شاغل نقاد روايات الشعر العربي وتصنيف أجناسه المعبرة عن تجربة جماعية شديدة الارتباط بالمجتمع، والسياسة، والأنا، والآخر ...، بغض النظر عن نرجسية بعض الشعراء المفرطة لاكتساب تعدد اللغات، لكن تبقى أعمالهم عبارة عن نشاط ثقافي علمي على صعيد الأسلوب الجمالي الأكثر تفرعا في تجاوزهم انجازات ومناهج ومفهوم أدباء وعلماء في الحركة الشعرية التي أجمعت على آدائهم وتفكيرهم ونبرة حياتهم ...

لذا نفتح دفاتر تجاربهم ليس إحصاءا لكمية نتاجهم الأدبي أو لمطبوعاتهم الورقية أو الالكترونية ...، وإنما لنوعية ذخائرهم وصيغتهم الأدبية، وفرادة إحساسهم البصري العميق وتفاعله بالشأن الخاص، وهذا ما قادنا الغوص في مستواهم المهجن وما خلفهم، من نبؤءة ممتدة من من سبقهم من أدباء وفلاسفة الأدب عامة، لنتعمق بأعمالهم الأدبية من جديد من خلال تفردنا بورقة بروفيل لكل منهم

يتبع

 

بقلم: الناقدة والشاعرة د. هدلا القصار

 

 

الحسين بوخرطةقراءة تأويلية للقصة القصيرة "جزيرة الرشاقة" للدكتور علي القاسمي

إن قراءة هذه القصة الشيقة بتمعن أبرزت لي مجددا نجومية الكاتب الدكتور العلامة علي القاسمي في تعاطيه التقدمي والحداثي مع المواضيع والإشكاليات التي عرفتها وتعرفها الإنسانية في العصر الحديث مستحضرا تطور مسارات تواريخ حضارات عريقة تصارعت وتنافست مع مرور العصور والأزمنة. بكل موضوعية، كلما زاد تعمق القارئ في تأمله وتفكيره في الثيمات التي يتناولها في كل قصة على حدة، يتضح له أن الكاتب سما بجدارة واستحقاق إلى مصاف الرواد عالميا في سماء الإبداع القصصي، ليحتل موقع نموذج عالم مناوئ للتسلط السياسي والثقافي الوائد لحرية الإبداع والتفكير التفوق الذاتي والوطني والحضاري. اختار بحرية تامة وطنا ثانيا، المغرب، ليتحول ترابه بالنسبة له، بكرم ضيافته وطيبوبة شعبه وخصوصيته السياسية والثقافية والفكرية، إلى فضاء للإنتاج الأدبي والفكري الزاخر بالرسائل والعبر.

الملتهم للقصة موضوع القراءة "جزيرة الرشاقة" لا يمكن أن لا تخالج ضالته الأدبية والحكائية والوجودية خصوصيتها الإبداعية وأبعادها التاريخية الحديثة التي تخص الماضي القريب والحاضر والمستقبل، وعمقها التربوي واللغوي والنفسي والفلسفي والتنموي، وجمالها الأسلوبي والتصويري والتوثيقي. لقد اختار الكاتب العراق كنموذج بلد عربي أو جنوبي مكانا لتوالي أحداث القصة، طامحا بلا شك وصف وتحليل وتوقع العلاقات ما بين الشمال والجنوب عبر الأزمنة الحديثة ومآلها المستقبلي. وهذا الأمر ليس بالجديد عن القاسمي. إبداعه الأدبي تجاوز عتبة الرقي في مسار إنتاج غزير، منح لانشغالاته اللغوية المجمعية والمعجمية، التي جعلت منه رائدا من رواد صناعة المعجم التاريخي العربي، مكانة بارزة إلى جانب نفر من المبدعين في الأدب والفكر والفلسفة التواقين لإتمام معالم مشروع نهضوي عربي بأبعاده النظرية والتطبيقية، وبمجالاته التربوية والتعليمية والثقافية والفكرية والاقتصادية والعلمية.

أبعاد القصة تنفض الغبار على موضوع شديد الحساسية يتعلق بضعف ثقافة حفظ التراث وعلوم الآثار عربيا، وما يرتبط بذلك من ثيمات كمقومات المواطنة والصراع ما بين الشرق والغرب، مركزا على حاستي البصر والذوق في التصوير والوصف. لقد مزجهما بإتقان لصناعة خليط من التصورات السردية واصفا حقيقة ماضي وحاضر ومستقبل علاقة الشرق والغرب بأسلوب ساخر، قدم من خلاله لوحة تعبيرية لتأخر الشعوب المشرقية من جهة، وأهداف الوافدين الجيواستراتيجية (الغرب) من جهة ثانية. لقد تعمد استعمال ضمير جمع المتكلمين للتعبير كون القضية حساسة وشائكة تتعلق بمصائر شعوب مختلفة حضاريا وتفاعلاتهم التاريخية وتباين مستويات نهضتهم وتنميتهم وتطورهم.

لقد محور قصته، حسب تأويلي، وجعل أحداثها تدور حول حقيقة لا يمكن لأحد نكرانها. لقد تخلت دول صانعة عصر الأنوار عن نعومة إيديولوجيته التي كان أساسها التحرر وضمان حقوق الإنسان الكونية، مفضلة خيار أو نزعة الغطرسة التي تجيد، تارة في الخفاء وأخرى في العلن، التعبير العنيف، وممارسة التطاول، والتحكم، والتسلط، وتيسير عمليات استغلال ثروات الشعوب العربية، ليتوج المسار برمته بحدوث هوة بين الشمال والجنوب، يتوسع مداها مع مرور الساعات والأيام والسنوات والعقود.

الوصول إلى مرحلة الإشباع غربا، التي توجت مسار تطبيق إيديولوجية الشمولية والعولمة، أحدثت انفجارا إعلاميا حول تفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية والسلوكية، الواحدة تلو الأخرى. تم فرض حرية حركية الرأسمال والسلع والخدمات بسلط مؤسساتية كونية (مجلس الأمن، المنظمة العالمية للتجارة،.....) مباشرة بعد نفاذ سنوات أربعة عقود من الاستقلال تقريبا بالنسبة للدول العربية ودول الجنوب، السنوات التي أعقبت فترة استنزاف استغلالي استمرت تحت غطرسة حركات امبريالية واستعمارية دامت تقريبا نفس معدل المدة.

توجت نهاية القرن العشرين بمستجدات سياسية جديدة فرضت الاستسلام لفترة توقف وتفكير في موضوع البحث عن مقومات حكامة دولية في سياق زمني استثنائي تمت تسميته بمرحلة ما بعد الحداثة. هاجرت منذ بداية القرن العشرين السيولة وقيمة الخيرات الترابية الطبيعية إلى الشمال، أي إلى جزيرة الرشاقة كما سماها القاسمي "كنّا نحن الأطفال نسمّيها "جزيرة الرشاقة". وكان بعضنا يتقعَّر في كلامه فينعتها بـ "جزيرة الرشاقة والأناقة". أمّا الكبار فكانوا يلقّبونها بالعالم الحديث".

تم بعد ذلك إلغاء الحواجز الجمركية، لتنهج الدول الأكثر تقدما في العالم سياسة تشجيع الطلب وتيسير منح القروض، ليترتب عن ذلك تكيفا للعرض مع التزايد الصاروخي للطلب، وتوسيعا للقدرة الإنتاجية للوحدات الصناعية المختلفة. أنهكت أجور الطبقة النشيطة كونيا بتفاقم القروض الاستهلاكية، وتحولت مستحقات البنوك والمؤسسات النقدية والمالية إلى قروض سامة. تقهقر الطلب إلى أدنى مستوياته، وعطل استخدام أنصاف عدد آلات الوحدات الإنتاجية، وسرح الألوف من العمال والعاملات، ليعم توالي حدوث الأزمات المالية. إنها الوضعية التي صور الكاتب تجليات أحداثها بوصف دقيق ساخر للتحولات المباغتة التي طرأت وتطرأ على سلوك وهيئة الإنسان الغربي: ضخامة الجسم والكسل والاكتفاء بمنح التغطيات الاجتماعية والصحية. بالطبع، الدول المتقدمة تكون دائما في بحث عن تعويض خسائرها بمختلف الوسائل، والحفاظ على ريادتها وترتيبها ضمن لائحة الدول القوية.

في بداية القصة أبرز الكاتب التفوق الحضاري المبكر لدول وشعوب الشمال الذي استفاد تاريخيا من ازدهار الحضارة العربية في كل المجالات إبان القرون العشر الأولى الهجرية. إنه التفوق الذي رفع من حدة الوعي الشعبي غربا بضرورة الحاجة إلى إعادة تصفح أحداث تاريخ الحضارات والبحث في التراث والمآثر لتحقيق ديمومة الارتقاء الحضاري كونيا.

الوافدون في القصة مرتبطين بعلم التراث والمآثر، أداموا استمرارية زيارتهم الاستشراقية للدول العربية، لترتفع وثيرة عمليات كشوفاتهم وبحوثهم العلمية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ازدهرت علومهم الإثنولوجية، والأنتروبولوجية، والنفسية بشقيها الفردي والاجتماعي، والتكنولوجية، وتلك الخاصة بالتراث والآثار.

لقد عزموا على السير قدما في هذا الاتجاه في زمن مسار مواز تميز بتفاقم ضعف أو إضعاف أو كساد الثقافة الشعبية والنخبوية لدى الشعوب العربية في كل المجالات تقريبا "كنا نسمّيها "جزيرة الرشاقة" لأنّ بناتها وأبناءها الذين راحوا يؤمّون بلدتنا الصغيرة، كانوا على قدرٍ مدهشٍ من رشاقة القوام، وأناقة الهندام، والنشاط، وخفّة الحركة. قاماتهم طويلة، ولمعظمهم شَعرٌ أشقر، وعيونٌ زرق أو خضر، وملامحُ وسيمة، ووجوهٌ مشرقة، وابتساماتهم أخّاذة".

أبرز السارد الصفة العلمية للزيارات المسترسلة من خلال تعجبه من وتيرة زيارة الوفود لبلدته بالرغم من افتقارها لأي خاصية سياحية جذابة، مبرزا في نفس الوقت بؤس الحياة الترابية المنغمسة في التقليدانية: "كانوا يفدون إلى بلدتنا سُيّاحًا من نوعٍ خاصّ، فلم يكُن فيها ما يسلّيهم. فليس ثمّة دور للهو، ولا مسارح، ولا قاعات للسينما، ولا دور للقمار، ولا منتجعات سياحيّة مزوَّدة بملاعب رياضيّة أو مسابح أولمبيّة، ولا أسواق عامرة بأصناف البضائع اليسيرة الأثمان. لم يكن في بلدتنا ما يغريهم بالقدوم إليها. فهي مجرَّد مجموعة من الدور البائسة ذات الطابق الواحد، المبنيَّة من الطين أو الآجر، المسقَّفة بالجَرِيّد (سعف النخيل)، يتوسّطها مسجدٌ صغيرٌ، وبنايتان متواضعتان لرجال السلطة. ومع ذلك كانوا يأتون إلينا باستمرار جماعاتٍ ووحدانًا ... يتملّون جنباتها، وهم يسترقون النظر إلى كُتب يحملونها بأيديهم، أو يستمعون إلى دليلٍ يرافقهم ويزوِّدهم بالشروح".

وهو يشير إلى مركز اهتمام الوافدين، تربص الفرصة وجلا حقيقة التخلف الذي كان يكتنف ويفتك واقع الشعوب العربية (العراق)، بحيث تم اعتبار آثار مدينة بابل مجرد أطلال وخرائب "كان مركز الجذب الوحيد لهم تلالٌ تقع بالقرب من بلدتنا، وتضمُّ مدينة بابليّة قديمة يعود تاريخها إلى أكثر من أربعة آلاف سنة، لم يبقَ منها إلا أطلالٌ وخرائب. إنّها بالأحرى آثار مدينة مندثرة. مجرَّد شوارعٍ مهجورة، وقاعاتٍ بلا سقوف، وأعمدةٍ رخاميّةٍ متصدِّعة، وجدرانٍ متهدِّمةٍ نُحتت عليها كائناتٌ غريبةُ الأشكال، بعضها برؤوسٍ حيوانيّةٍ وأجسامٍ آدميّة، وبعضها الآخر برؤوسٍ بشريّةٍ وأجسادٍ حيوانيّةٍ مُجنَّحة. وكانت ترتفع في أحد ميادين المدينة المُكفَّنة بالترابِ، مَسلَّةٌ حجريّةٌ، عليها كتاباتٌ مسماريّةٌ ونقوشٌ وزخارف. وكان في مدخل المدينة، تمثالٌ ضخمٌ من حجرٍ صلدٍ لأسدٍ مرعبِ المنظر، يربض على صدرِ امرأةٍ جميلةٍ مستلقيةٍ على ظهرها".

حالة الوافدين في البداية قبل اشتداد الطمع والاستنزاف والسطو، أي زمن الأنوار والإعلان الرسمي كونيا عن القيم الإنسانية ونعومة السياسات الوطنية والدولية، كانت تطغى عليها الرشاقة والجاذبية وجمالية في المشي والسلوك "كان بعض أولئك السيّاح ذوي الأجسام الرشيقة والوجوه المشرقة، يبتسمون لنا نحن الأطفال عندما نتجمّع حولهم ونحملق فيهم، ويقولون لنا كلامًا بِلغتهم لا نفهمه، فنحسبه تحيَّة مودَّة، خاصَّةً أن بعضهم كان يشفع ما يقول، بقطعة حلوى يعطينا إياها".

أنم الكاتب بطريقة غير مباشرة كيف ازداد تقدمهم الاقتصادي ورفاهية عيشهم تطورا إبان استعمار الدول العربية، واستمر بعد استقلالها بوتيرة أسرع (زمن الحداثة)، وتفاقمت الهوة التنموية بشكل متفاوت بين الدول الإقليمية، وبرزت الحاجة إلى استنهاض الهمم بحثا عن فرص النماء والنهضة عربيا. لقد حقق الغرب شروط المتعة في الأكل والجنس والترفيه، وبالغ في ذلك كثيرا "سمعنا أنّ بلادهم غنيّة عامرة بالمصانع المُنتِجة والمزارع المُثمِرة، وأنّ الناس هناك يمتلكون الدور الجميلة والسيّارات الفارهة التي تفتح بوابات المرائب بأضوائها، وأنّهم يأتون إلى بلادنا بالطائرات التي لم نرَها نحن إلا مُحلِّقة في السماء، أو بالبواخر الفخمة. وكلّ باخرةٍ تضمُّ مطاعمَ راقية، وملاعب، ومسابح، ومراقص ليليّة يُمضي فيها الركاب سهراتهم، راقصين على أنغام الموسيقى التي تعزفها فرق موسيقيّة، حتّى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، ثمَّ يأوون إلى مقصوراتهم المجهَّزة بأَسِرّةٍ مريحةٍ، وفرشٍ وثيرةٍ، وحماماتٍ نظيفة ... وأغرقت القصص، التي كنّا نسمعها عن جزيرة الرشاقة، في الخيال عندما أخذت تتناول أخبار المخترعات والمكتشفات المذهلة، مخترعات لم نسمع بها من قبل: تلفزيون يأتيك بصور الناس وأخبارهم من أماكنَ نائيةٍ، كما كان يفعل جنُّ سليمان، وإنسانٌ آليٌّ يحلُّ محلَ العمّال في المهمّات الشاقَّة، ومركباتٌ فضائيّةٌ تسبح في الكون كالكواكب قاصدة القمر والمريخ، وعقولٌ إلكترونيَّةٌ تأتي بالعَجب العُجاب ... وأعجب ما في جزيرة الرشاقة مطاعمها الفاخرة الكثيرة، المنتشرة انتشار الفُطْر في البادية أيام الربيع ... واتّبعت مطاعمٌ أُخرى طريقةً مختلفةً؛ فعندما تلجها، تجد مائدةً عامرةً بأصناف الطعام وألوان المآكل، فتختار منها ما تشاء وتملأ صحنك بنفسك".

عرج القاسمي كذلك، دائما على لسان السارد، على حقيقة تحول بلدانهم إلى أقطاب جاذبية لشباب العروبة والإسلام، رافضين أوضاعهم المعيشية، متحدين الضوابط الثقافية والدينية التي تقابل مفهومي العرب/العجم، وطامحين في غد معيشي أفضل "وعلمنا ذات يوم أنّ أحد أبناء البلدة سافر إلى جزيرة الرشاقة للدراسة في إحدى جامعاتها الراقية. وتهامس بعضنا باستنكار:" إنّه قرر الإقامة هناك ولن يعود!" وتساءل بعضنا الآخر: " وكيف يرضى أهله بذلك ؟!" وجاء الجواب: " إنّه يبعث إليهم بالمال والهدايا، وقد ظهرت عليهم أمارات الثراء." وقيل لنا إنّه ليس الوحيد الذي يهاجر إلى جزيرة الرشاقة، فهناك مثله الآلاف من جميع أنحاء العالم، ومنهم مَن يواتيه الحظّ، فيصبح من أصحاب الملايين".

البحث المتواصل على الرفع من مستوى المتعة في العيش، يقول الحاكي، جعل الغربيون يستثمرون بقوة في علوم الطبخ والموضة والعلوم النفسية والتربوية، مقارنا ذلك في نفس الآن مع الواقع العربي الميال للجمود، والمعاند بضعفه المعرفي للتكيف حتى مع التطورات الإيجابية ملتصقا التصاقا شديدا بتقاليده وعاداته، معتبرا إياها منافذ للحماية والانغلاق "الطهاة والندل والسقاة هناك يتخرَّجون في الجامعات ... ولكن أخبرني أخي الكبير بوجود كتب متخصِّصة بإعداد الأطباق المختلفة... حتّى ذلك الحين لم نكُن رأينا في بلدتنا من الكُتُب إلا كُتُب القراءة والحساب المدرسيّة".

لم يقف القاسمي عند هذا الحد، بل أدخل قصته منعطفا جديدا. إنها نقطة تحول في الوضع الغربي في اتجاه انحرافي، جعلت الشعوب المعنية تسلك طريقا في اتجاه الأزمات، التي أبعدتها وتبعدها بالتدريج عن القيم الإنسانية الحضارية، وانزلقت الحرية إلى خارج قيم النفعية المشروعة، لتشتد المبالغة في الاستغلال و البذخ "يبدو أن أهالي جزيرة الرشاقة اكتسبوا ولعًا خاصًّا بالأكل، لوفرته وجودته ومذاقه اللذيذ؛ فكثر الإقبال على المطاعم، حتّى صارت تفتح أبوابها أربعًا وعشرين ساعة يوميًّا، وهي تقدِّم لك ما تشتهي نفسك من وجبات دون التقيّد بأوقاتٍ معيَّنة. فتستطيع أن تطلب من النادل أن يأتيك بوجبة عشاءٍ غنيّة باللحم في أوّل الصباح، وتطلب وجبة الفطور في المساء، وتجمع بين وجبتين وقت الغداء، فأنتَ حرٌّ في اختياراتك. وجزيرة الرشاقة هي جزيرة الحرِّيَّة كذلك. وكلُّ واحدٍ حرٌّ في أن يأكل ما يشاء، ومتى ما يشاء، وحيثما يشاء، وكيفما يشاء. يتناول طعامه واقفًا، أو جالسًا، أو ماشيًا؛ في المطعم، أو المنزل، أو المدرسة أو المعمل".

الإضرار بالبيئة كان واضحا كذلك في القصة عندما أثار السارد ظاهرة المغالاة في الثقافة الاستهلاكية بوسائلها ذات الطابع المؤقت وبحجم نفاياتها الضارة التي تستلزم إعادة تدويرها وتصنيعها الكلي "المطاعم في جزيرة الرشاقة مجهَّزة بما يلزم لتلبية رغباتك. فقد ابتكروا صينيّات من الورق المقوّى يُحمَل فيها الطعام، وأواني وملاعق وشوكات بلاستيكيّة تُرمى بعد استعمالها مَرَّةً واحدةً، وأكوابًا مُغلقةً تخترق أغطيتها أنابيب ورقية تمتص بها دون أن يندلق السائل منها وأنت تشرب وتسوق سيّارتكَ في الوقت نفسه. وكان يصعب علينا تصوُّر جميع تلك الأدوات لأنّنا كنّا نأكل بأيدينا... فرُكِّبتْ أدواتٌ إضافيّةٌ في السيّارة أمام السائق، حواملُ معدنيّةٌ تُثبَّتْ فيها أكواب الشراب وصحون الطعام، وهكذا لا ينقطع صاحب السيّارة عن الأكل والشراب وهو يقود سيّارته".

فاقم البذخ والغنى من حدة كسل الشعوب الغربية، لتنبعث بين تارة وأخرى سلوكات انحرافية جديدة تساعدها محفزات واهية للتجدر في الممارسة اليومية للأفراد والجماعات بسهولة كبرى "أمّا الذين يفضّلون البقاء في منازلهم لمشاهدة برامج التلفزيون أو مزاولة ألعاب الحاسوب، ولا يرغبون في تكليف أنفسهم مشقَّة الذهاب إلى المطعم، فما عليهم إلا مهاتفة مطعمهم المفضَّل، فتصلهم أكلاتُهم إلى منازلهم خلال دقائق معدودات...سيوضع الطعام إلى جانبك لتتناوله، وأنت تستمتع بمشاهدة برنامجك التلفزيونيّ المفضَّل، ممدّدًا على كرسيّك الطويل المريح".

أحدث الحاكي وقفة في حبكته السردية بارزا حدوث منعطف في علاقة الشمال بالجنوب. موازاة مع هذا الانحراف الواضح، طفت إلى السطح مؤشرات ارتفاع الوعي الشعبي والنخبوي لدى الشعوب العربية، وعي مغمور بحرص الغرب الشديد على الحفاظ على تفوقه ودوام سيطرته الحضارية، مانعا انتقال العلوم والتكنولوجيا إلى الجنوب، ومن ثمة التنمية الذاتية لشعوبها "كنا نكبر بمرور السنوات، وتكبر معنا مداركنا. فصرنا نستوعب ما نسمع بصورة أفضل، ونحلِّل ما نرى من مظاهر وأحداث بصورةٍ أعمق، ونفهم. واستمرت الأخبار تصلنا عن وفرة الإنتاج وكثرة الطعام في جزيرة الرشاقة. سمعنا أنّ حكومتها تلقي سنويًّا بآلاف الأطنان من القمح والرز في البحر، وترمي آلاف القناطير من الزبدة والحليب في البحيرات، لتحافظ على ارتفاع الأسعار وأرباح المزارعين. وكان التصحُّر آنذاك يحاصر قريتنا، والجفاف يمتصّ النسغ من جذور نباتاتنا وأغصانها، فيحيلها هشيمًا تذروه الرياح. ويجوع الفقراء".

ارتقى الوعي العربي إلى درجة ملامسة الانزلاق في سلوك الإنسان الغربي، والوقوف على عمق المحددات الموضوعية لتطور العلاقات ما بين العالم المتقدم والآخر النامي أو الذي لا زالت بعض دوله ترزح تحت وطأة التخلف "أخذنا نشاهد أثر الرفاهيّة والترف على أهالي جزيرة الرشاقة الذين يفدون إلى بلدتنا. فقد أخذت أجسامهم تزداد طولاً وعرضًا وضخامةً وقوة. لا بُدَّ أنّهم يأكلون اللحم بكمياتٍ هائلةٍ، فتنمو عضلاتهم، وتمتلئ كروشهم، وتتضخّم أردافهم. وراحت حافلاتهم التي تقلّهم إلى بلدتنا توسِّع من مقاسات مقاعدها لتتَّسع لهم. وصرنا نراهم وقد أمسوا أقرب إلى الجاموس منهم إلى الأشخاص الطبيعيِّين، بسبب انتفاخ وجوههم وبطونهم، وترهُّل صدورهم، وتضخُّم أطرافهم. ولم نعد نسمّي جزيرتهم "جزيرة الرشاقة".

وبأسلوب ساخر كذلك، يمكن أن افتراض أن السارد قد فتح إمكانية حدوث انفراج إيجابي جديد في علاقات الشمال/الجنوب. فمستوى الإشباع القاتل الذي تم الحديث عنه أعلاه، وما آلت إليه أوضاع الإنسان الغربي، أبرز الحاجة الاضطرارية لدى شعوب المعسكرين إلى انبثاق منطق جديد في العلاقات الدولية على أساس مبدأ رابح/رابح "بتضخّم أحجام الناس طولاً وعرضًا وثخنًا، تغيَّرتْ مقاسات الأشياء في الجزيرة. فأصبحت شركات الأثاث تصنع أسِرّةً أكبر حجمًا وأصلب عودًا، ومقاعدَ أوسع وأقدر على الاحتمال. وبعد أن كانت في الجزيرة بضعة محلات متخصِّصة بالملابس الكبيرة الأحجام، أصبحت هذه المحلات هي المعتادة. وأخذ البناءون يوسِّعون الأبواب ومساحات الغرف والممرّات والأدراج في العمارات".

بنفس أسلوبه الساخر الذي ازداد تشاؤما فيما تبقى من القصة، يمكن تأويل عباراته كون السارد ليس متفائلا في شأن مستقبل الحكامة الدولية، تأويل مفاده أن العالم سيعبر إلى مرحلة جديدة، مرحلة ما بعد كورونا وظواهر طبيعية جديدة محتملة، ستعزز اللاتوازن، وستوسع الهوة التنموية والتبعية للشمال. إن التخلي شيئا فشيئا عن استغلال الثروات الطاقية التقليدية (النفط والغاز) وتطور التكنولوجيات والطاقات البديلة النقية بحدة ملفتة ومبهرة، سيخلق اقتصاديات قطرية وعالمية بأسس جديدة. لقد استنفذت مرحلة الاستغلال المباشر وغير المباشر لخيرات دول الجنوب شرعية وجودها، ولم تعد الحاجة إلى تدخلات عسكرية مباشرة. تجاوزت الحروب منطقها التقليدي، لتدخل مرحلة استخدام آليات وأدوات إلكترونية جد متطورة (الجند الروبوتي). ربما الرغد في العيش سيزداد حدة، لكن هذه المرة بافتراض أن ذلك لن يتطلب عملا قارا ودائما، وسيزداد تفاقما مستوى إدمان الغربيين على الأكل والراحة وميولاتهم للكسل والبذخ "تضاءل وصول السيّاح من الجزيرة إلى بلدتنا. وسمعنا أنهم صاروا أبطأ حركة، وأعسر تنقلاً، بسبب ثقل أجسامهم، وأنهم صاروا يفضِّلون البقاء في منازلهم وتناول أكلاتهم الشهيّة. ولعلّهم لا يجدون ما يكفيهم من الطعام إذا خرجوا من جزيرتهم. بل أكثر من ذلك، تناهى إلى أسماعنا أنّ كثيرًا من أبناء الجزيرة يفضِّلون عدم الذهاب إلى العمل من أجل البقاء في بيوتهم ومواصلة التهام الطعام، قانعين بما يحصلون عليه من راتب الضمان الاجتماعيّ الجيِّد المخصَّص للعاطلين عن العمل. لقد أدمنوا على تناول الطعام حتّى صارت عادة الأكل جزءًا من طبيعتهم".

بأسلوب أكثر سخرية، يضيف أنه يتوقع الأسوأ مستقبلا. فإيحاءاته في شأن استفحال الكسل في نفوس الغربيين، وعدم ميولهم أو قدرتهم على العمل وتفاقم لهفتهم للأكل والراحة والمتعة، ليست مجرد فرضية. إنه الواقع الملموس بمؤشرات تنم عن ذلك، الواقع الذي جعله يختم قصته بفقرتين بمضمون يثير الهلع. التطور الآلي والذكاء الصناعي المصحوب بعادات الإفراط في الأكل والراحة، سيترتب عنه إنسان غربي عاجز، سيستثمر كل ما لديه من إمكانيات الضغط للحفاظ على امتيازاته على حساب الإنسان العربي أو الجنوبي "وأخذنا نسمع أخبارًا يصعب تصديقها. سمعنا، مثلاً، أنّ الشرطة في الجزيرة تضطر بين آونة وأخرى إلى خلع باب إحدى الغرف وتوسيعه أو إزالة السقف، لمساعدة رجل تعذّر عليه الخروج من الباب بعد أن أمضى شهورًا في مسكنه وهو يأكل ويأكل. وتواترت الأخبار عن مثل هذه الحالات حتّى أصبح الأمر لا يثير أيّة غرابة في الجزيرة. ولم تتوقّف نجدة المحاصرين (وهو المصطلح الذي أُطلق على الذين لا يستطيعون الخروج من مساكنهم من فرط السمنة) إلا بعد أن تضاءل عدد أفراد الشرطة الذين يمكنهم الدخول من الأبواب ... تكاثر غياب العمّال عن مصانعهم، وازداد تغيُّب الموظفين عن مكاتبهم".

إنه الواقع المحتمل المخيف، الذي سيتطلب جهود مؤسساتية مضنية يجب أن تبذلها الدول الغربية للعودة إلى مقومات سر الوجود الإنساني حسب طبيعته الأزلية "لجأت الإدارات إلى تمديد فترة تناول وجبة الغداء إلى ساعتيْن وثلاث ساعات بدلاً من الساعة الوحيدة المقرَّرة سابقًا، ترغيبًا للناس في العمل. واتّخذت معظم الشركات إجراءات تشجيعيّة متنوِّعة مثل زيادة فترات تناول القهوة أثناء العمل، فكلّ ساعة عمل تعقبها ساعة استراحة لتناول القهوة. ولم تعُد كلمة القهوة في الجزيرة تعني ذلك السائل المعروف، وإنّما جميع ما يرافقه من حلويات ومعجَّنات ومكسّرات ومقليّات ومشويّات، إلخ".

 أما الخاتمة النهائية للقصة، التي ركزت في مضمونها على توقع التطورات المستقبلية غربا، بقدر الميول لاعتبارها مخيبة للآمال، بقدر ما يمكن اعتبارها دقات ناقوس خطر يلتمس من خلالها الكاتب من الدول الأكثر تقدما استباق الواقع لإنقاذ الحياة أرضا، بالتفكير في مقومات عدالة كونية جديدة، وتشجيع العمل والحركة الجسمانية والعقلية وربطها بوسائل العيش المادية، وتفادي تحويل حياة الأجيال القادمة إلى أطلال لأجناس بشرية أخرى لا يعلم صفاتها إلا الله "أصبح العمّال يأكلون ويأكلون ولا يعملون. وبالرغم من جميع تلك المُغريات انخفض الإقبال على العمل، واضطر كثير من المؤسَّسات والمصانع إلى تقليل الإنتاج، وبعضها أغلق عددًا من الأقسام أو أوقف طائفةً من الخدمات، وبعضها الآخر أوصد أبوابه. ولم تجِد المنازل، التي هي في حاجة إلى ترميم، مَن يرمَّمها، ولا الآلاتُ المعطوبة مَن يُصلِحها. وتوقَّفتْ آلاف السيّارات عن السير في الشوارع، لأنّ أبوابها الضيقة لا تسمح بدخول أبناء الجزيرة فيها. وسرى الخراب في جميع أنحاء الجزيرة كما يسري الجرب في البدن، حتّى تصوّرنا أنها ستمسي بمرور الزمن شبيهة بأطلال تلك المدينة البابليّة القابعة بالقرب من بلدتنا".

 

الحسين بوخرطة

 

عبد الرزاق اسطيطورواية "سنوات قبل الفجر" لرشيد الجلولي أنموذجا

تقديــم: إن النقد الثقافي في أبسط مفهوماته ليس بحثا  أو تنقيبا في الثقافة إنما هو بحث في أنساقها المضمرة، وفي مشكلاتها المركبة والمعقدة . ولأن رواية رشيد الجلولي "سنوات قبل الفجر"  تعكس مجموعة من السياقات الثقافية والتاريخية والاجتماعية والأخلاقية والإنسانية والقيم الحضارية  التي تجعل النص نسقا ثقافيا، يضمر أكثر مما يفصح. فقد حاولنا مقاربتها انطلاقا من آليات النقد الثقافي، ذلك لأن النقد الثقافي بوابة لفتح النص. أعني الخطاب وفهمه بحيث يصبح الخطاب وسيلة لكشف أنماط معينة ملتصقة به ومتحاورة معه.

I- قراءة في عنوان: "سنوات قبل الفجر"

يعد العنوان من أهم عناصر النص الموازي وملحقاته الداخلية، نظرا لكونه مدخلا في قراءة الإبداع الأدبي والتخييلي بصفة عامة والروائي بصفة خاصة، فالعنوان عتبة النص، وبدايته وإشارته الأولى، فهو في الحقيقة مرآة مصغرة لكل ذلك النسيج النصي بمعنى علامة فارغة ضمن علامات أوسع هي التي تشكل قوام العمل الفني باعتباره نظاما ونسقا يقتضي أن يعالج معالجة منهجية أساسها أن دلالة أية علامة مرتبطة ارتباطا بنائيا لا تراكميا بدلالات أخرى .

وعنوان رواية "سنوات قبل الفجر" يؤشر زمنيا على زمن أحداث الرواية التي هي سنوات قبل بزوغ فجر الحقيقة في ذهن "عيسى" بطل الرواية.

II- السياقات الثقافية والإنسانية والاجتماعية والأخلاقية التي جعلت من رواية "سنوات قبل الفجر" نسقا ثقافيا.

2676 رشيد الجلوليتعتبر رواية سنوات قبل الفجر للروائي رشيد الجلولي امتدادا لرواية الروائي الأولى "الخوف" إن لم نقل الجزء الثاني لهذه الرواية بعنوان مختلف، فالروايتان معا تشاركتا في نفس التيمات والشخصيات والفضاءات والهموم والمعاناة والقضايا والرؤى.

فالشخصية "البطلة" عيسى الذي تحول إلى كلب في نهاية رواية الخوف هو نفس الشخصية المحورية في رواية سنوات قبل الفجر.

كما أن الفضاء الذي تجرى فيه أحداث الرواية الأولى "عين الجسر" "أبيدوم نوفوم" مدينة القصر الكبير بأحيائها  وهو نفس الفضاء في الرواية الثانية "سنوات قبل الفجر"، ومثلما تقاطعت الروايتان في الفضاء تقاطعتا في باقي المكونات ومنها الأساليب وطريقة البناء، كاعتماد تقنية الاسترجاع، والهذيان، والترميز، والإيحاء، والسخرية، والمفارقة، وهي أساليب تعكس على أن الحياة نفسها مفارقة وغامضة وتحتاج إلى تأويل. فالأساليب الماكرة والمحتالة والخادعة هي ما تجعل من النص خطابا يحتاج إلى جهد معرفي ونقدي للقبض على دلالاته الثاوية بين الحروف والبياضات والعبارات. لأنها تبطن ما لم يقله الكاتب صراحة، وقاله تلميحا وترميزا وإيحاء وسخرية. وهي التي تسمح بالانتقال من الجملة الصريحة والجملة الأدبية إلى الجملة الثقافية المتولدة عن الفعل النسقي في المضمر الدلالي للوظيفة النسقية في اللغة .

فمسخ عيسى وتحوله إلى كلب مع بداية الرواية، يحيلنا مباشرة إلى المسخ عند كافكا كاحتمال ممكن أن يمس الكينونة والكائن، وإلى التراث العربي القديم ونوادر الجاحظ.

فعيسى الذي يرمز للطهر والنبوة، يرى بأن الحياة فيها نوع من المسخ، مسخ لإنسانية الإنسان، بل أكثر من ذلك تدمير لهذه الإنسانية بالحط من قيمتها، وهذا ما عكسته عربدة وتسكع وضياع عيسى باحثا عن الله وعن الحقيقة، والعدالة الاجتماعية، انطلاقا من الوعي الذي تشكل لديه من خلال ثقافته وتجربته في الحياة، وتبنيه للإيديولوجيا الاشتراكية، وهي الإيديولوجيا التي ولدت بالضرورة إيديولوجيات معارضة لها خاصة إيديولوجية الدولة التي من وسائل فرضها العنف والقوة، وهي الإيديولوجية التي سوف تحوله إلى كلب، باعتباره حيوان له رمزيته وعلامته المفارقة.

فبقدر ما يحيل مفهوم الكلب إلى الوفاء بقدر ما يحيل إلى التهميش والاحتقار، فالوفاء يحيل إلى وفاء عيسه لرسالته ولأفكاره ورؤاه  ولماضيه هذا الوفاء بالضرورة سيخلق له معاناة ومعارضين سيكون من نتائجه التهميش والعنف والتعذيب والسجن.

 فعيسى سوف  تتنازعه داخليا مواقفه وواقعه، والمحرك الأساسي لهذا الصراع هو الوعي الشقي باعتبار عيسى مثقفا عضويا يطمح للمكن ويرفض الكائن. يقول السارد: "لم تكن الليلة التي تحول فيها إلى كلب هي أول ليلة في حياته قضاها خارج البيت، فقد من قبل بالعديد من ليالي العربدة والتسكع في متاهة الظلمات على طول بلدة عين الجسر وعرضها" .

هذا الوعي سيدفعه إلى التمرد والثورة على كل أنواع الظلم والتسلط والقهر،  بدءا بظلم والده وانتهاء بظلم الواقع له، الذي حاول أكثر من مرة التعايش معه  لكن محاولاته انتهت دائما بالفشل ، وفي فشله غربة أخرى .وتشظ من نوع آخر. ويمكن تقسيم هذه الثورة عبر مسار أحداث الرواية إلى أشكال.

1)- ثورة بطل الرواية عيسى على الطرق التقليدية في التربية والعنف المصاحب لها:

 مثل هذا العنف أبو عيسى السي عبد الله الرجل الفقير الذي يقتات على ماتجود به عليه الطبيعة هذا العنف الذي كان يمتد إلى أفراد الأسرة كلها بما فيهم الأم، وقد ترك هذا العنف جروحا على جسد وروح ، وذاكرة الطفل عيسى .حيث دفعه تارة إلى التمردن وتارة إلى التسليم وتارة  أخرى إلى الهروب منه عبر العربدة والسكر ومحاولة النسيان "هاربا من حزام والده الجلدي، هاربا من عيني والدي الجاحظتين" .

2)- الثورة على القيم والعادات والجهل والتخلف:

وهي مرحلة تجسدها تحول عيسى من طفل فقير معنف من طرف والده السي عبد الله إلى زعيم للاحتجاجات والثورة، والعربدة والتسكع. ليجد نفسه  في النهاية مترددا على السجون والزنازين السرية.

وسوف تعمل الرواية عبر السارد إلى تقسيم حياة البطل  إلى مراحل زمنية، وأحداث واقعية مترابطة فيما بينها، ومتداخلة باعتماد تقنية الاسترجاع وأسلوب السخرية .وهذه المراحل يمكن ربطها في نفس الوقت بأنواع الثورات والتقلبات والمعاناة التي عاشها البطل ورسمت مسار حياته في علاقته بذاته وبالواقع وبالآخر، يقول السارد مبررا محاولة نسيان عيسى لواقعه وتمرده عليه "في الواقع كان يشرب ليكذب على نفسه ويداري أحاسيسه أنه دون الآخرين مكانة وقيمة" .

ولم يكن الخمر وحده وسيلة للنسيان وشكل من أشكال التمرد على القيم، والانتقام منها، ورد الاعتبار للذات  المسلوبة والمقهورة ،وإنما كان هناك  إضاف إلى ذلك العشق والحب حيث أحب عيسى  ليلى بنت الجيران منذ الطفولة ، فليلى في الثقافة الشعرية العربية ترمز للحب العذري، وفي ذلك مفارقة  أخرى . فعيسى البطل الذي يحمل رسالة الأنبياء، وثورتهم من أجل الفقراء، والعدالة هو عيسى نفسه الذي يعشق، ويسرق ،ويكذب ويمارس كل أنواع الرذائل وفي ذلك ثورة على نظم القيم العربية بأكملها، فعيسى من الداخل يعتبر نفسه ملعون ومطرود من رحمة الإله والناس. وأن النحس، والشؤم رفيق دربه، جعلا منه نبيا عاجزاعن حمل الرسالة وإصلاح الكون " يا عيسى أنت إذن رجل ملعون ... هكذا كان يصارح نفسه، أينما حللت يحل النحس والشؤم"8.

3)- الثورة على السلطة والساسة:

ينتقد عيسى من خلال وعيه كمثقف عضوي جشع وكذب الساسة ونفقهم وظلم الدولة واستبدادها مما دفعه إلى الاحتجاج والثورة خاصة في المرحلة الجامعية، وما بعدها.

حيث عانى من العطالة ومرارة الواقع .هذه المواجهة بينه وبين الواقع ،والسلطة كانت تنتهي به تارة إلى التشرد والضياع والعزلة وتارة أخرى إلى السجن بسبب الثورة على السلطة .وتقف الرواية طويلا على الفترات المظلمة التي ذاق فيها عيسى مرارة التعذيب في السجن وخلفت نذوبا وجروحا لا يمكن للزمن أو النسيان رتقها وعلاجها، يقول السارد واصفا هذه المعاناة: "دفعه الحارس أمامه، واضعا يده بين كتفيه في اتجاه غرفة يطلقون عليها مخدع العرسان، فيها يتم افتضاض بكرة الهمة والاباء لدى الوافدين الجدد "9،

ومعاناة عيسى تذكرنا بما قاساه رجب بطل رواية "شرق المتوسط" لعبدالرحمن منيف.

4)- الثورة على الرموز الثقافية والفكرية والسياسية التي آمن بها ودافع عنها:

بعد صراع مرير مع الذات والسلطة استسلم عيسى للواقع بعد أن قام بإحراق كل الكتب كشكل من أشكال الاحتجاج عليها وعلى الواقع محاولا رسم حياة أخرى، لكنه سرعان ما عاد إليها، وعاد إلى طبيعته  ووعيه الشقي عندما رأى الطفل الفلسطيني يقتل بدم بارد على شاشة التلفاز مما حرك مشاعره ووعيه من جديد يقول السارد كاشفا عن الهزة العاطفية التي أثرت في نفسية عيسى: "وقد نجم في الحقيقة عن هزة عاطفية لا تطاق، سببها الطفل الذي شاهده على الشاشة يموت رصاصة رصاصة في حضن والده"10.

III- لغة رواية "سنوات قبل الفجر" وأسلوبها وعلاقتهما بخطاب الرواية:

إن الانتقال باللغة والحدث من مستوى واقعي إلى مستوى غرائبي "متخيل" هو انتقال من الكائن إلى الممكن، بانتقال أحداث الرواية بفضاءاتها وشخوصها من حدود العقل والتصور إلى "الغرائبي" بأحداثه وفضاءاته وشخوصه باستثمار الأسطوري "أسطورة الفنيق" و"المسخ" واعتماد تقنية المحاكاة الساخرة بقلب الحقائق، والأحداث والفضاءات والملفوظات، حيث يتم في ظلها إفراغ اللغة من حمولتها الدلالية المتداولة، وملئها بحمولة لغة اللامنطق واللامعقول، لغة الهذيان، ولغة الكوابيس والوهم والجنون وفي ذلك دلالة على عنف الواقع والآخر خاصة السلطة.

 والرواية عبر السارد وعبر الشخصية الرئيسة عيسى تدين هذا العنف المزدوج عنف الواقع بمظاهره المختلفة، والمتخلفة "التهميش، الفقر، البطالة، التخلف،  النظم التقليدية في التربية..." وعنف السلطة" البطالة السجن، التعذيب، الحرب..." وذلك بوعي عيسى كمثقف بالأسباب الخفية التي تؤدي إلى هذا العنف، وبرفضه وإدانته لها.

خاتمـــة:

تعكس رواية "سنوات قبل الفجر" نوع من الصراع الداخلي ما بين الكائن والممكن ما بين الواقع المرعب، والحلم أو الرغبة في تغيير هذا الواقع وهدمه وبنائه من جديد، واقع أفضل تسوده العدالة الاجتماعية والديموقراطية انطلاقا من القيم التي تشربها عيسى من الكتب وشكلت وعيه النقدي الثائر ورؤيته للذات وللآخر وللعالم.

 

عبدالرزاق اسطيطو

...........................

الهوامش

1- النقد الثقافي، د. سمير خليل، ص 7 – ص 15، دار الجواهري الطبعة الأولى.

2 - د. شعيب حليفي: النص الموازي للرواية – العدد 46، السنة 1992، ص 84-85

3-  رواية "الخوف" رشيد الجلولي.

4- النقد الثقافي، د. سمير خليل، ص 31، دار الجواهري الطبعة الأولى.

5- سنوات قبل الفجر، "رشيد الجلولي"، ص 7، منشورات دار التوحيدي الطبعة الأولى: أبريل 2019.

6- نفس الروابة، ص 13

7-  نفس الرواية، ص13

8- نفس الرواية ص17

9- نفس الرواية ص160

10-  نفس الرواية ص318

 

 

 

 

2669 شمس تبريز احمد الشطريفي تجربة رواية (شمس تبريز) الصادرة عن دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع للكاتب الشاعر "احمد الشطري" كانت هناك افتراضات لرؤى صوفية عامة في بناءات السرد من جهة ومولداتها الحوارية بمعناها العرفاني النسبي المنفتح من جهة اخرى، والتي اشتغل عليها الكاتب بما يهيء ويقدم الثيمة المسرودة للملائمة والقبول الأكثر لرؤاها الفكرية المتأثرة برؤى الرمزين الصوفين جلال الدين الرومي ومعلمه شمس التبريزي في ضمارِ الارتقاء بروح الإنسان.

وفي متن الرواية وجودات مفصلية مرحلة ومتنقلة بدءاً بكاتب الرواية الشاعر الكاتب، احمد الشطري. وشخصية الشاب "محمد" في العراق، وشخص المولا جلال الدين التبريزي المصاغ من علاقة جلال الرومي مع شمس الدين التبريزي بتكوينه وظهوره في مدينة تبريز الايرانية. ومن بدء بطل الرواية " محمد " في دخوله بصحبة ابيه للمكتبة العامة في مدينته الشطرة و لمح قرائته البيت الشعري لابن الفارض (ما بين معترك الاحداق والمهجِ ... انا القتيل بلا اثم ولا حرج) الذي صار فتح له ليندفع بلهاف و متعة كبيرين لقراءة هذا النوع من صافي الشعر وصدقه.

فمن " محمد " وهو الشاب الرومانسي والعاشق البريء للمراة والجمال، ومن تأثره بتجربة هذيين الشاعرين الرمزين الصوفين الكبيرين، حد لهفته للتقرب لهم، قرر زيارة مدينتهم " تبريز " و تخيل بمتابعته منهم ودعوتهم له لهذهِ الزيارة وهم بهيئة الرجل ذو الوجه الابيض المشرب بالحمرة ولحيته البيضاء المنسربة كما وصفته الرواية، و ولادة رغبة لديه لزيارة مدينة ولادتهم ونشوئهم ولقائهم " تبريز " وبعدها اضرحتهم في مدينة – قونية - وهو يهمس في اذن "محمد" – إيه يا قونية...ما ابعد الطريق وايسر السفر) وقونية مدينة لضريح شمس التبريزي و مولانا جلال الدين الرومي، حيث يجتمع الناس من مختلف الأعراق والأديان في المدينة كل عام وكأنهم يلبون دعوة "مولانا" التي قال فيها "تعالَ .. تعالَ، لا يهم من أنتَ، ولا إلى أي طريقِ تنتهي، تعالَ .. لا يهم من تكون". (عن الجزيرة).

ولعل أبرز ما يميز الفكر الصوفي، ويفعل الروائيين ويدفعهم للتوجه لتوظيفه روائياً كما في هذه تجربة الكاتب "احمد الشطري " هذهِ، هو البحث عن الصفاء الروحي في زمنهم المليء بالضوضاء المنغصة للروح، و منه توظيف هذا النهج في كتابة بعض من الرواية الحديثة، لما يجعل منها نصًا خفيًفا مريحاً يدفع القارئَ للركون الاصفى والتأمل الأصدق لروحه واراحتها من التصدعات في اتزان واثق بوقوفه امام التصديات المراهنة لتمزقه.

 وكما نعرف ان لقاء شمس التبريزي مع جلال الدين الرومي، تحول الرومي من رجل دين عادي إلى شاعر يفيض بعاطفة الحب الإلهي، وبنوعٍ من التلاؤمِ بين روحيهما ليصيرالرومي صوفي ملتزم، وداعية إلى الحب الإلهي كطريقة ومنهج في التقرب لله . لتبدء حكاية الرواية من سفر "محمد" الى مدينة "تبريز" وتعرضه لاصطدام ادخله المشفى وهو فاقدٌ للذاكرة، وما فيه غير الهجس والنطق بأسم المولا " جلال الدين" ليكون اسمه الجديد الذي سجله المشفى له، وصدمته الثانية بموت زوجته الحبيبة له "شيرين" وبعدها اصطدامة في مدينة قم ليستفيق من فقدان الذاكرة بوعي وهو يقرأ سجل كتاباته التي دون بها يومياته.

ومال الكاتب "احمد الشطري" في هذه الرواية وهي الاولى له للكشف عن رؤاه المتعلقة بسيرته الخاصة والمتأثرة بالرمزين الصوفين المذكورين، وهو شاعر معروف بعطائه وحضوره الثري الفاعل، وقد كان محكي الرواية وحواراتها، خاصة اقوال بطل الرواية تحمل الكثير من رؤى وفلسفة الكاتب الروائي " احمد الشطري " المستمدة والمتأثرة في ميله للعرفانية المجانبة لحب المرأة باندفاع طبيعي منضبط بعيد عن الخدش الاخلاقي.

ومن خيال الكاتب "احمد الشطري" وافتراضيات السرد الحكائي وصناعتة للاحداث والوقائع والحوارات وبما ينضج سردية الروي وحكايته، لتشهد الرواية تنضيجاً وتطورًا ملحوظًا في بناءات ومكونات وشخوص الرواية وبما يدفع لشد القاريء كثيرا لما في الرواية من بعث للمتعة لمتابعته لاغوار ومخفي الاحداث. ومن ملخص رؤاه على لسان مسمية الاخر " جلال الدين التبريزي " والمتأتي من اسم جلال الدين ومعلمه التبريزي، ومنه تسمية عمله الروائي هذا باسمه " شمس تبريز".

 وبعد الاطلاع الكثير "للمولا الرومي " وتكون ونضج رؤاه الفكرية بدأ بالكتابة والاصدار وظهور منتجه الكتابي والشعري بإنطباع عرفاني متصوف ومختلف ايروتيكي نزقي اثار المعجب به والمخالف له كما ذكر في قوله (لم اعر كل ذلك اهتماما بل كنت مصرا على طرح افكاري، بغض النظر عما يمكن ان تخلفه من آثار على علاقاتي .و وسط تلك العتمة اصدرت مجموعتي العربية الاولى والتي ربما رأي فيها الكثير نقيضا لطروحاتي الفكرية والعرفانية، فهي عبارة قصائد لاتخلو من الصور الايروتيكية التي راى فيها البعض ترويجا للاباحية. والحقيقة ان هذا التناقض كان واقعيا في كتاباتي دون ان يظهر له اثر في حياتي الفعلية سوى الجانب العبثي والنزقي او الجانب العرفاني . فانا وان كنت ملتزما دينياً لكني لست من المتبتلين او الذين يجاهدون انفسهم بكثرة العبادة والتفرغ لها..)ص76.

ومنه تعرضه لحادث الضرب من البعض كما في قوله (لم يدر في ذهني ان تلك الاطروحات الفكرية او القصائد الشعرية ممكن ان تعرضني الى الخطر وتهديد حياتي، غير اني فوجئت بعد اصداري لمجموعتي الشعرية الثانية وكانت بعنوان، حفريات في جسد امرأة، وكتابي الرابع، مقتل النبي الاخير،، واثناء عودتي من عملي الى البيت مساء فوجئت بمجموعة من الشباب الملثمين وقد انهالوا علي ضربا بالعصى الغليضة ....)ص76.

وكانت للمولا جلال الدين " في مفصل مابعد فقدانه المؤثر لزوجته . ممارسات في الرقص الصوفي والمسمى بالدروشة، وهذا ما يؤكد اندماجه الروحي مع طقوس وشرائع المتصوفة العرافانين، وهي ممارسات من الذكر يقومون بها تابعي الطريقة، و المسمات بـ المولوية، ويكون بالدوران حول النفس والتأمل لكبح النفس كما يرون في ذلك ورغباتهم بالدوران حول النفس، ويرون انها منبعثة من مفهوم دوران الكواكب حول الشمس.

 ومن سير محكي الرواية حيث الشاب " محمد " البريء المراهقة و إستئناسه بمشاهدة جمال المرأة والتقرب منها، كما في واقعة لقاءه ببنت الجيران المندفعه له وما كان منه إلا ان يلتصق مقبلا لها بحرارة قوية، و كما يذكر ايضاً انه يعيش مفتون بجميلات الفنانات مثل (بوسي وميرفت امين وو) وهذا ما يكشفه عن روحه الطبيعية التواقة لعشق الجمال المتجسد لدى المرأة .لكن ما حصل في تحوله لشخصية " جلال التبريزي " وهو الاسم المعروف بدلالته العرفانية القريبة لروح جمال الانثى لا لجسدها . ليفاجئنا بغرابة اندفاعه الشديد حين مضاجعته لزوجته الحبيبة " شيرين " وهو في اول دخول عليها بنهم واندفاع شهواني متسرع حد مزقَ ملابسها الداخلية . وهذا طيش مراهق يتناقض ويتعارض مع سيروة ثيمة الرواية المصيرة للورع والهدوء ومن عرفانية وروح الرمزين الرومي والتبريزي، ليضعنا ازاء تساؤلات غرائبية مختلفة لتوقع المتلقي وقبوله، لفهمنا المتكون ببعد شخصية ورؤى وعرفانية شخصية "المولا الرومي " في الرواية ببعده النسبي المتزن عن جسد المرأة مع عدم انتفائه لجمال المرأة كانثى . وهو فهم لشهوة جنسية متروية بعيدة عن الحمُقَ . ولا بد ان يضعنا الكاتب امام سلوك جنسي اخر مشبوب بالاثارة والمداعبة الايروتيكية .

 و من ميزة كتابات الفكرَ الصوفي لغتها الروحية المنفتحه والمنطلقة بصدق طبيعة الذات الصوفية ومن التصورات لعمق واغوار غرائيبة الرؤى و عجيبها، ما يجعل كتابة الروايةَ أكثر إثارةً ومتعة.وهذا غريب وعجيب الكتبة، يتقارب احيانا مفهوم المختلف والمتناقض الذي يكشفه و يوضحه " المولا جلال الدين "، وكما ذكرناه سابقاً بقوله له (... والحقيقة ان هذا التناقض كان واقعيا في كتاباتي دون ان يظهر له اثر في حياتي الفعلية سوى الجانب العبثي والنزقي او الجانب العرفاني . فانا وان كنت ملتزما دينياً لكني لست من المتبتلين او الذين يجاهدون انفسهم بكثرة العبادة والتفرغ)ص76 . وهنا مايؤكده وصف شدة شبقه ورغبته الجنسية لاول دخول مع زوجته "شيرين" (...وصلنا الى الفندق في منتصف النهار منهمكين وبعد اداء صلاتنا تناولنا وجبة الغداء وصعدنا الى غرفتنا وسط اجواء متشابكة بين الحياء والشوق والرغبة العارمة تبادلنا اول القبلات، كان الشبق قد بلغ بي مبلغه فلم اتماسك نفسي ريثما تنهي خلع ملابسها فاعتصرتها بكل مابي من شوق ومزقت ملابسها الداخلية وسط دهشتها وضحكتها المغلفة بالحياء، بيد انها مالبثت ان بادلتني ....بعد ان اثارت يدي مكامن الشهوة المختبئة وهي تتحسس مفاتن جسدها الغض...) ص80، وهو بوصف كأنه في مغامرة جنسية عابرة يريد ملؤوها قبل فوات اوانها ووقتها الا يكرر بعد . ويمكن لهذا يذكرنا في رؤية ابن الفارض للنشوة واللذة كجزءًا من الذات الإلهية الكلية، وجدت قبل خلق جسده كما في قوله الشعري (وهمت بها في عالم الأمر حيث لا ظهور وكانت نشوتي قبل نشأتي)...لكن هناك من التيارات الصوفية ترى في العلاقة الجنسية عائقًا عن القُرب من الله، ومن أشهر أقطاب هذا التيار " رابعة العدوية " التي رفضت الزواج من المعلم " الحسن البصري" عكس ما ذهب ابن عربي و والمتصوفة الاخرين . وهنا نجد المبررات الصوفيا تاريخية لذهاب الكاتب " احمد الشطري " في توصيف بعض من اندفاعات السلوك الجنسي الشديد والحوار الشهواني في الروي وبمداخلات نفهمها تناقض في رؤاى الكاتب الصوفي وهذا للذات الصوفية المتناقضة عند كبار مفكريها، الصوفية الفكر الذي محور به روايته. ونذكره هنا لعاقته بالمختلف والمتناقض في محي الرواية والذي يتضح انها تناقضات عند السطح وعلى المتلقي الغور في جوانيتها.

 ومن تسلسل احداث الرواية و من انقطاع " محمد" الذي صار بعد الصدمة بشخص " جلال الدين التبريزي" راح للبحث عن العمل ليعتاش به، وبعدها لقاءه في محل عمله من " شيرين " وهي امرأة ارملة ايرانية تبريزية ذات حسن فاتن وشخصية مؤثرة، وقد امتلأ حسه وعاطفته بحبها وباعلى درجات الهيام بها، والتي قابلته هي بنفس الاحساس والحب ليوصفها باعلى حالات جمال الانثى والتي اثارت فيه الكثير من الرغبة بالقبل والعناق اثناء الزواج منها.

" شيرين " التي بقت حاضرة بطيفها في احلامه بعد وفاتها اثناء الولادة لتزوره بحنين متبادل في نومه، ففي دفنها رفض زوجها "المولا" مغادرة قبرها رغم اصرار الحاضرين من اهل الزوجة " شيرين" والاخرين من مقربيه، ليبقى ايام وليالي ينام ويفيق وبما يبرز مدى حبه لزوجته التي كانت بمثل حلم جميل تحقق له ومن الصعب فراقه، ليمضي بعدها في تياه وهو سائرا في البراري والرياض.

 وفي الختم الإشاري المختصر، أن صناعات الكاتب الحكائية وترتيبها وتحميلها للسرد مثيرة باحداثها و وقائعها وشخوصها وافتراضاتها الزمكانية، ومن صدمة وفقدان ذاكرة " محمد " و صناعة شخص " جلال الدين التبريزي" او بتسميته الاخرى "المولا جلال الدين" وما عانه وعاشه، وكذلك ظهور المرأة " شيرين" وزواجه منها و هيامه بها، كما في وصف معاناته في وقت حملها الصعب و وفاتها المريع المفجع له اثناء الولادة، واصطدامه الاخير في مدينة قم وعود ذاكرته ليفكر في ولده من زوجته المتوفيه " شيرين " وكذلك تفكره للعودة لبلده وعائلته العراقية وما يفاجئه من لقاءات غريبة مع عائلته العراقية من طبيعة الاحداث التي حصلت له.

لقد حرص الكاتب " احمد الشطري " في تجربته الروائية الخاصة هذهِ، على الكثير من حالات التنوع الصوفي والتصانيف المشخصنة والمختلفة تاريخياً، كإنضاج لمحاولات يتماهى عندها الخطابان السردي والصوفي لتحقيق ما يمكن من صعب الاقتراب التقديري للخطابين وبطريقة مرضية للتلقي. لكونية الصوفية حالة فكرية تثير الكثير من الاضطراب والتوتر في اخضاعها للقبولين السردي و الفكري وبلوغ النجاح السردي في (صوفنة) الطقس الروائي لإخراج السرد من اللبس وبعض الارتياب الذي يصدم به المتلقي بميولات التصوف الغريبة والبعيدة عن المألوف. ولما لخطاب موضوع الصوفية من غموض واغراق في الرمزية ومن لغته الإشارية والروحية البعيدة الايحاء..

 

خليل مزهر الغالبي

 

 

عبد الجبار العبيديبالعقل والمنطق جاء الاسلام.. من نبي واحد آمن بوحي الرسالة الآلهية دون خوف او تحريف فأراد لها التطبيق في العالمين من بعده دون تغيير، وبنظرة جديدة للوجود والمعرفة والتاريخ .. فقد سبقته ديانات لم تكتمل بالقانون والوجود فأراد له مكتملا نظرية وتطبيقا كما جاءت من الله العلي القديروفقاً للآية الكريمة"ان الدين عند الله الاسلام" . لوضع منهج جديد في اصول التشريع قائم على حرية التعبير والاختيار والحقوق والمساواة .. ثابت الأركان تديره مؤسسة تؤمن به دون تغيير. كما في قوله (ص): "هذا دينكم وانتم به أعرف".

هذا التوجه مع الاسف أنتهى بوفاة صاحب الدعوة في 11 للهجرة حين تحولت المبادىء التي اراد لها ان تُشرع وتنشربين الناس الى سلطة وحكم فردي بعيدا عن الشورى في اختيار الحاكم .. ولم يعد صالحا لكل زمان ومكان فالزمن يلعب دورا في التغيير.. كما أخبرنا القرآن الكريم: "قل سيروا في الأرض فأنظروا كيف بدأ الخلق".. استمرت المسيرة الخاطئة بدين اخر سموه دين الفقهاء والمفسرين أضاعوا فيه الدين الأساس في التطبيق.. حتى نكبت الامة به ولا زالت، وكما نراها اليوم اصبحت امة ذليلة بين الامم تستجدي من الأخرين القوة والمَنعة وليس كما أخبرنا القرآن بأنها "خير امة اخرجت للناس".. فهل سيظهرمن يتصدى لهذا الأنحراف الفقهي المتعمد من فقهاء السلطة لتصحيح المسار حتى ولو أعتبر خارجا عن الدين؟ .. أمر في غاية الأهمية ولكن كيف .. والسلطة والقوة والمال والتبعية بأيدي الحاكمين..؟

تمثل الأنحراف بما لم يأتِ به صاحب الدعوة ولم يرضاه القرآن الكريم، حين أبتدعوا المذهبية والأراء الفقهية المتناحرة والفرقة الناجية المفرقة للصفوف والتفسير المخالف للنص الذي حمل لنا التعقيدات الفكرية والفقهية والسياسية.. فمن أين يبدأ الاصلاح..؟ اعتقد علينا ان نعود للتآويل بموجب الآية "7" من سورة آل عمران: وما يعلمُ تأويله الا الله والرسخون في العلم" لنؤول القرأن بما يتطابق مع العقل والمنطق بعيدا عن الميول الشخصية والعاطفية، ولكن من يسمح لنا وسط هذا الضجيج من الفوضى الخلاقة لسلطة لا تعرف من حقوق الله الا النرجسية والكراهية والعصبية القبلية للأخرين.. وكأننا نعيش عصر الجاهلية الأولى في التاريخ..، او نرحل لدين اخر يُسعفنا من الأنهيار والسقوط.. أو نعيش بلادين كما في اليابان والصين.. فهل الدين جاء من اجل التعصب وهضم الحقوق وتحكم مؤسسة الدين فينا وهي غير المعترف بها من القرآن ولا مخولة بحق الفتوى علينا.. أم من اجل الحق والعدل وحفظ كرامة الأنسان.

واليوم نناقش واحدة من هفوات المفسرين الذين غلفوا كل باطل بغلاف الدين الا وهو الناسخ والمنسوخ وكأن الله كان غائب الوعي حين كان يوحي لنبيه بالتصديق..

ونتيجةً لجدل عقيم وقع بحضوري بين اثنين من الاخوة المسلمين حول الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، ايهما أقرب للحقيقة من الاخر، كتبت هذا الموضوع ارجو نشره للحقيقة والتاريخ.

لم يكن الكتاب الذي ألفه الكاتب الهندي سلمان رشدي "الآيات الشيطانية"مستمداً من بنات افكاره، بل كان مستمدا مما كتبه مؤرخونا وكتابنا القدماء وما فكروا ان يوما ما سيأتي على ما يكتبون، من اشخاص يقرؤون ويفلسفون الكلمة ومنه يصنعون القصص والاباطيل ضد النص الديني الذي به يؤمنون.. وما نحن فيه مختلفون، وكان سليما ن رشدي الهندي الأصل والبريطاني الجنسية واحدا منهم.

لقد كتب الطبري في تاريخه الرسل والملوك ج2 ص337 وما بعدهاعن سورة النجم يقول الحق: (والنجم اذا هوى، ماضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى)، فلما انتهى الى قوله تعالى (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى - النجم 1-20) القى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه، ويتمنى ان يأتي به قومه مكملا الاية كما كانوا يتصورون فقال: (تلك الغرانيق العُلا، وان شفاعتهن لترتجى به).. والغرانيق هي الأصنام.

فلما سمعت بذلك قريش فرحت وسرت واعجبت بما قاله الرسول (ص)، حين ذكر آلهتهم بخير، لدرجة ان بعض المسلمين صدقوا ما سمعوا فلم يبقَ في المسجد من مسلم ولا مشرك الا وسجد للاسلام، الا الوليد بن المغيرة الذي كان كهلا لا يقوى على الوقوف والسجود . بعدها تفرق الناس من المسجد وقد خرجت قريش وسرها ما سمعت لمدح محمد آلهتهم وذكرها بخير وقيل في وقتها اسلمت قريش.

لكن مُبلغ الوحي جبريل (ع) لم يُمهل الرسول (ص) طويلا حين هبط عليه وقال له: "يا محمد ما صنعت، لقد تلوت على الناس مالم آآتك به عن الله عزوجل، وقلت مالم يقل الله، فحزن الرسول حزنا شديد اوخاف من الله خوفا كبيرا، فنزلت الاية الكريمة: (وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي اذا تمنى القى الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله اياته والله عليم حكيم، الحج 52).

وهنا ذهب الحزن عن رسول الله وعمه الفرح والسرور، لكن المشكلة وكل ما فيها ان ما قاله الرسول على لسانه تصور وليس حقيقة، وهذا ما لم يدركه الفقهاء الأوائل، فبنوا على هذه الاية مسألة الناسخ والمنسوخ واتخذوا منه ذريعة لقلب احداث كثيرة واستبدالها بغيرها بحجة النسخ لبعض الايات القرآنية الشريفة كما في حجة الوداع. واخذ سلمان رشدي وغيره من ضعاف العقول والحاقدين على الاسلام هذه الذريعة ليبنوا عليها قصورا من الرمل بخرافاتهم واكاذيبهم وليهاجموا الرسول والقرآن فكتبوا الكتب وجيشوا الجيوش واقاموا الدنيا واقعدوها على الوهم والضلال.

علماً بأن لا آية نزلت ولا رسول قال، لكنه كان وهماً تردد على لسانه لا غير، لذا فأن الله لم ينسخ آية لانها لم تكن قد نزلت اصلاً بدلالة ان جبرائيل قد قال للرسول: (اني لم آاتك بها، وقلت مالم يقل الله به، انظر السيرةلابن هشام).

لكن الذي حدث ان هذه القضية وغيرها من القضايا الاخرى التي وقفت من الاسلام موقف التعارض لم تعالج من قبل كتابنا وفقهائنا معالجة عقلية فكرية هادئه، بل معالجة عاطفية اثارت رجال الغرب واعداء الاسلام تطرفا لا يقبل الفكر الحر، كما في معارضة السيد الخميني لسلمان رشدي حين اصدر فتواه بقتله اينما وجد، وقامت الدنيا من قبل القاعدة والمتطرفين الباكستانيين ليخلقوا من هذا الصعلوك الذي اسمه سليمان رشدي مثالا للفكر والحرية في اوربا والعالم الاخر.. كون ان العالم يؤمن بفلسفة الرأي والرأي الاخر دون تعنيف..

المهم لولا الطبري وغيره من مؤرخينا لما وجد اعداء الاسلام ذلك السبيل الذي به نالوا منا ومن الرسول والقرآن، كما كان في موقف السيد الخميني وغيره الذين زادوا من اهمية هذا الكاتب واعطوه بعدا اكبر مما يستحق.، وحتى نقف ويقف القارىء الكريم على حقيقة ما جرى لا بد لنا من ان نعرج على موضوع الناسخ والمنسوخ وحقيقته في القرأن فنقول:

الناسخ والمنسوخ، حكاية وهم لا حقيقة.. .

وبانتصار مدرسة الترادف اللغوي التي ابتدعها الفقهاء نتيجة تفسيرهم الفقهي الناقص للقرأن بعد القرن الثاني للهجرة معتمدين على التفسير اللغوي لا التأويل العلمي ظهر الناسخ والمنسوخ لانهما ليس من علوم القرآن، أنما هو علم تاريخي دخيل، فالناسخ والمنسوخ يأتيان على محور الزمن المستغرق للتحول من نوح الى محمد"أنا اوحينا اليك كما اوحينا الى نوح والنبيين من بعده.. . النساء 163". ثم تلتها حالة التحول من حالة الى حالة والتي يمثلها علم الجدل والتناقض، ثم اخضعوا النسخ لعلم الكينونة بموجب الاية الكريمة"ما ننسخ من آية اوننسها نأتِ بخيرٍمنها اومثلها .. البقرة 106".

ان مثل هذا النسخ لا يأتي في آيات التنزيل بل يأتي في الرسالات لانه يقع في سلم التطور الزمني التاريخي للمجتمعات الانسانية، فرسالة عيسى نسخت رسالة موسى ورسالة محمد نسخت الرسالتين، لان تراكم المعلومات والرقي الحضاري يؤدي الى تطور التشريع.. كما هو في القوانين التي تبدل عبر الزمن نتيجة تحول الصيرورة الزمنية في القبول.

لذا فان الناسخ والمنسوخ بحاجة الى مراجعة ودراسة علمية متأنية لكونه جاء مشوها عند الفقهاء، وحتى الفقهاء لم يستوعبوا أن الزمن يعلب دورا في عملية التغيير التاريخي، فحسبوا ان تفسيرهم للقران لامرد له ولا معارض لان عصرهم عصر ديني بحت وعقليتهم مقولبة بقالب التفسير الديني الثابت الذي لا يخضع للتغير او الاجتهاد.. وهذه علتنا اليوم.

ويبدو ان المؤرخين اساؤا الينا بدون قصد، لان المنهجية في الكتابة لم تكن واضحة بعد في اذهانهم وما كانوا يتصورون انه سياتي يوما يظهر فيه اعداء لدودون للاسلام والمسلمين ليضعوا من التصوروالوهم حكاية اشبه بالحقيقة.. والحقيقة ان المؤرخين والفقهاء هم أول من اساء للاسلام والمسلمين وأدخلوا الفُرقة بينهم ولا زالت.

واذا كان الله جلت قدرته قد وقف من الرسول(ص) الذي سمح للاعراب بالاختيار بين الالتحاق بجيش المسلمين من عدمه لدرء خطر الروم شمال جزيرة العرب موقف التعنيف والرد القاسي، بآيتين صريحتين في سورة التوبة أية 120، 43، فكيف يسوغ لنفسه جلت قدرته، ان ينزل على رسوله الكريم مثل هذه الايات وهو المعصوم من اي خطأ يرتكب. هنا يتداخل التفسير والتأويل الواحد بالاخرعند الفقهاء فولد لنا من الاخطاء الكثير والتي بنيت عليها مواقف شوهت من الاسلام والمسلمين، هذا الدين القيم الذي لايدخله الباطل والتحريف .. فأستطاعوا تحويله الى مذاهب وفِرق .. قسمت المسلمين ونزعت من الناس وحدتهم في الدين .. وكما ترون اليوم..

لذا علينا توقي الدقة المتناهية في ايات النسخ في النجم والجهاد والعصمة والتوصية بالخلافة .. ومواقف اخرى فسرت تفسيراً متناقضا في القراءة والتفسير حتى لانقع في خطأ التقدير المستقبلي. وان نرفع من رؤوسنا بأن المقدس لا يناقش، فبعض آيات القرآن الكريم بحاجة الى مراجعة اليوم كآيات ملك اليمين ومعرفة الجنين في بطن امه والكثير التي جاءت في قوانين الحضارات القديمة وذكرها القرآن على سبيل العضة والأعتبار: أما في أية: "السن بالسن والعين بالعين والجروح قصاص حين ذكرت في قانون حمورابي البابلي القديم بالنص.

هذا كان مذهب الاقدمين والقرآن يقر بعملية التطور العلمي: "قل سيروا في الأرض فأنظروا كيف بدأ الخلق"، واليوم قد تطور الفكر وزادت العلوم، ومن يستطيع ان يثبت وجوده الفكري هو الذي يناقش ويجادل بلغة العلم لا بلغة العاطفة والتقديس ليصل الى معرفة الحقيقة. والحكماء قالوا" العقل هو الحجة. "

فهل سيفيق علماؤنا من خطأ التفسير ويعودوا لتأويل القرآن لا تفسيره. ليضعونا مع الشعوب المتقدمة والتطور التاريخي الحديث؟ فالوحي لا يناقض العقل، ولا يناقض الحقيقة، فلماذا نحمل النص فوق طاقته لفظاً ومعنىً..

وها ترون اليوم الى اين اوصلتنا مرجعيات الدين الراقدة على الحصيرة والصامتة صمت القبورلا رأي لها حتى في احداث الساعة.. الا فيما يخص المال والسلطة وفتاوى الوهم بعد ان اعتقدنا انها جزء من الدين.. وبأعتقادي ان أديان الأرض كلها لا تصنع عدلا في ظل مؤسسات دينية متفرقة ومتقاتلة دون ثبت يقين.

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

نبيل عودةمن أبرز اشكال المقاومة للرواية الصهيونية الاستيطانية في أدبنا الفلسطيني داخل إسرائيل، خاصة قبل التوسع الاحتلالي بعد عام 1967، ان الانجاز الشعري تسامى في مواجهة الواقع بعد النكبة، وبرز بتحديه للرواية الصهيونية، ولسياسة الاضطهاد القومي، وتحول الى خطاب سياسي ثوري مقاوم قل مثيله في الآداب الشعرية لشعوب تواجه مغتصبي اوطانهم ومصادري حرياتهم.

بنفس الوقت نرى محدودية الجانر الروائي في إبداعنا المحلي، واعني داخل مناطق 1948، لا اعني بتعبير محدودية عدم وجود أعمال روائية أو غياب الجانر ألروائي إنما ما أعنيه ان الرواية في أدبنا الفلسطيني داخل إسرائيل لم تأخذ مكانها كلون أدبي له وزنه ومكانته، كما هي الحال في القصة القصيرة عامة والشعر على وجه التحديد، وخاصة في التصدي للرواية الصهيونية، وفي دور الرواية الفلسطينية التعبوي كسلاح ثقافي بمواجهة الرواية الصهيونية الاستيطانية والعنصرية.

يمكن الإشارة إلى عدد قليل جدا من الابداعات الروائية الجيدة في إبداعنا المحلي.. مع ذلك يبقى الفن الروائي بعيدا عن أن يشكل تيارا ثقافيا يمكن الإشارة إليه، وأعتقد ان غياب الرواية لا يعني أننا نفتقد لنصوص روائية، إنما أعني ان روايتنا لم تدخل بعد في المواجهة للرواية الصهيونية، من ناحية الكم والمضامين.

عالج الناقد الدكتور حبيب بولس ( 1948 – 2012 ) موضوع الجانر الروائي في ثقافتنا داخل إسرائيل، بمٌقالين متتابعين أولهما "لماذا لا نملك جانرا روائيا؟" والثاني "عود على قضية الكتابة الروائية". تناول المفهوم الأونيفرسالي للرواية، وهو مفهوم هام للغاية، جاء في مقال د. حبيب بولس “في رأيي أن الأسباب الرئيسية التي تقف عائقا أمام تطور هذا الجانر تنقسم إلى فئتين: أسباب عامّة، أعني بها الأسباب الخارجة عن إرادة المبدع وأخرى خاصّة نابعة عن المبدع نفسه. من الأسباب العامّة سببان هامّان هما طبيعة الظروف التي نعيشها أولا وقلّة المرجعية لهذا الجانر محليّا وفلسطينيا ثانيّا. أمّا السبب الرئيس الخاص فيعود إلى عدم قدرة المبدعين لدينا لغاية الآن الموازنة بين الخطابين: التاريخي/ الأيديولوجي/ الواقعي والخطاب الإبداعي/ الروائي/ التخيلي." او باختصار الخطابين التاريخي والفني!!

حقا وبصدق حدد الدكتور حبيب بولس الإشكالية الأساسية في إطار الخطابين التاريخي- الواقعي والأدبي – الإبداعي (الفني).

الخطابان (التاريخي والفني) ليسا وقفا على الجانر الروائي، إنما هما قاعدة ابداعية شرطية لكل إبداع أدبي قصصي أو شعري أو فني آخر.

السؤال هنا: هل التوازن بين الخطابين، التاريخي والفني هو قاعدة مطلقة؟ وكيف نتعامل مع الخطابين؟ وما هي الشروط اللغوية لتطوير جانر روائي يمكن ان يطور هذا الفن في أدبنا داخل إسرائيل؟

من البديهيات ان الخطاب الأدبي (الفني، طبعا بما في ذلك اللغة الروائية)، أو الحدث التاريخي (الأيديولوجي) يشكلان جوهر الإبداع، كشرط عبر استيعاب المبدع لهذه ألمعادلة، ما يبرز في أدبنا الروائي يؤكد عدم فهم العديد من الأدباء العلاقة التفاعلية بين الخطابين، في معظم الحالات نجد ان الإحساس الذاتي للمبدع هو المنهج السائد، أي يفتقد للمعرفة الجوهرية للصياغة القصصية او الروائية أو الشعرية كذلك.

ان التوازن أو التعادل بين الخطابين في صياغة النص الأدبي ليست مطلقة، كما قد يفهم مما ورد في مقالة الناقد بولس.. أو ما سبق وورد في مداخلتي.

في حديث لي مع د. حبيب بولس قبل وفاته وافقني ان العلاقة بين الخطابين هي علاقة نسبية، تتعلق إلى حد بعيد بقدرة المبدع نفسه في فهم نسبية هذه العلاقة، وإدراك متى يعلى خطابا على حساب خطاب آخر، وما هي محدودية كل خطاب. بمعنى آخر أ تبقى عملية الكتابة الروائية أو الإبداعية، مسألة ترتبط بالقدرات الذاتية والتجربة الذاتية والحس الذاتي والرؤية الابداعية للكاتب.

ملاحظات للتفكير أراها هامة جدا، الملاحظة الأولى ان القارئ العربي لا يتفاعل مع النص السردي كما يتفاعل مع النص الشعري. الملاحظة الثانية هل عقلنا متحرر لنعيد تشكيل اللغة وتحريرها من ظاهرة الاستهلاك التي تفتقد للتفاعل؟ الملاحظة الثالثة، كثيرا ما يستعمل نقدنا صفة الحداثة في وصف نصوص أدبية، وأنا أرى ان هذا التوصيف ينبع عن جهل تام بمفهوم الحداثة التي هي بامتياز ظاهرة ثقافية فكرية واجتماعية غربية لم تنشأ بعد القاعدة الفكرية والمادية لتتطور في مجتمعنا، ليس بالأدب فقط إنما بالفكر الاجتماعي، السياسي، الاقتصادي واللغوي. ان الحداثة هي بالتعريف الأوسع فكر فلسفي معرفي، أي ليست مجرد وسيلة تعبير لغوية او أدبية او صياغية كما يتعامل معها بعض نقاد ادبنا بجهل كامل لمضمون الحداثة. الملاحظة الرابعة ثقافتنا العربية عامة ما زالت بعيدة عن خلق فكر يتفاعل بعمق أكبر مع الثقافة والإبداع الأدبي. الملاحظة الخامسة لا أرى أننا خرجنا من حلقة الذاتية إلى الفضاء الأوسع إلا بحالات منفردة. بل ويمكن القول إننا في حالة تراجع ومن الضروري الدمج بين الذاتي والموضوعي في ثقافتنا.

ما لم يطرح بما يستحقه من اهتمام، هو إنتاج رواية فلسطينية داخل إسرائيل كرواية مضادة للفكر الصهيوني. وهو فكر تطور وارتقي بظل التطور في الدولة الرأسمالية الاوروبية والفلسفة الأوروبية. وأين نحن منذ لك؟

 حتى على مستوى العالم العربي، الذي يتعرض أيضا للذراع الإسرائيلية الطويلة، لم أجد، وآمل إني على خطأ... ان للرواية المضادة المساحة أو الاهتمام الذي يستحقها موضوع الرواية المضادة بمواجهة العدوان الاسرائيلي.

إذن يمكن القول أننا أمام حالة ابستمولوجية سلبية (الأبستمولوجيا هي فرع من علم المعرفة في الفلسفة متخصص بدراسة طبيعة ألمعرفة مداها وحدودها) والحقيقة المرة انه لا إبداع أدبي أو فني أو فكري خارج المعرفة بمفهومها الفلسفي الواسع، وليس بشكلها كحالة من التطور الطبيعي للإنسان.

أي إننا نواجه معضلة فكرية وليس روائية فنية فقط. مشكلتنا في التشتت الفكري، في فكر الانتقائية، في السطحية الفكرية، وفي النهج السائد بإغفال ابداعات لا ينتمي اصحابها للتيار السياسي الأقوى في الوسط الفلسطيني داخل إسرائيل، واعني الحزب الشيوعي واعلامه، حيث تحول الكثير من النقد الى مدائح مضمونها سياسي وليس ادبي فكري لدرجة اني وصفت نقدنا بانه يتشكل من تيارات عدة، التيار السياسي، تيار القرابة العائلية وتيار العلاقات الشخصية. وبالتلخيص هذا النقد هو عملية تهريج!!

اذن النقد كان مجندا لأهداف ذاتية لا تنتمي بجوهرها للفكر الثقافي، رغم ان بعض النصوص لها قيمة ابداعية، ولكنها لم تكن وراء الحرك النقدي. وجرى تجاهل ابداعات هامة عديدة لأن الكتابة عن اصحابها لا تعلي أسهم الناقد.

توجد رواية عربية  فنية راقية، لكننا في مربع الصراع الحضاري، الذي نواجهه بظل التفوق الإسرائيلي الشامل، نفتقد للسلاح الروائي بصفته سلاحا مضادا للرواية الصهيونية.

قرأت في الفترة الأخيرة أعمالا روائية للدكتور أفنان القاسم، وجدت فيها عناصر روائية لم أجدها في روايتنا الفلسطينية بساحة المواجهة الفكرية والروائية. كالعادة النقد ليس حاضرا لتناولها، والنشر ليس جاهزا لنشرها وهو امر يلحق الضرر بالصراع الثقافي بمواجهة الرواية الصهيونية.

صحيح القول ان الخطاب ألتاريخي الأيديولوجي، أي الحدث أو الفكرة، والخطاب ألأدبي الفني، أي القدرات اللغوية والدرامية، هما القاعدة لأي إبداع أدبي روائي، قصصي، شعري أو مسرحي أو فني ولكنه موضوع مركب أكثر إذا تناولناه من زاوية المعرفة، المعرفة تعني القدرة على التوازن النسبي وليس المطلق وتطوير قدرات المبدع في فهم هذه العلاقة ونسبيتها. بكلمات أوضح: أين يجب ان يعطي المبدع مساحة أكبر لأحد الخطابين وما هي حدود هذه المساحة حتى لا تصبح سلبية وقاتلة للجانر الروائي أو غيرة من أشكال الإبداعات الأدبية والفنية… ومدى الإدراك الذاتي للواقع التاريخي، الاجتماعي، السياسي، الأخلاقي والثقافي.

قال الفيلسوف الألماني هيغل: “ان ما هو معقول هو ما يمتلك إمكانية دخول الحياة”- من هنا رؤيتي ان الرواية المعقولة، لا يمكن في واقعنا الفلسطيني ان تكون إلا الرواية المضادة .

ان اللغة في النص تشكل مرتكزا هاما، والموضوع ليس معرفة التعامل مع اللغة فقط، معرفة التعامل مع اللغة (بحالة الكتابة الروائية والقصصية) هامة جدا، والأهم تطوير القدرة على إنتاج لغة مناسبة للجانر الأدبي الروائي أو القصصي أو الشعري.

وهنا نسأل: هل اللغة الروائية مجرد إنشاء سردي؟ وأضيف ان اللغة بدون فكر هي ثرثرة فارغة !!

ان معرفة صياغة الخطاب التاريخي قد يقود إلى كتابة ريبورتاجية صحفية بغياب الخطاب اللغوي الروائي (اللغة  الفنية -الدرامية)، معرفة الخطاب الأدبي (الفني) قد يقود إلى كتابة نص مليء بالفذلكة اللغوية والنحت الصياغي وصولا إلى تركيبة جمالية لا تقول شيئا للقارئ، إلا ان الكاتب يعرف النقش باللغة، إذن ما ينقص الخطابين، هو خطاب ثالث: “الخطاب ألتخيلي” القدرة على مقاربة الواقع بالنص ألروائي وخطاب رابع: “الخطاب ألدرامي” أي القدرة على بناء الأحداث المتخيلة التي تعبر عن الخطاب التاريخي ليس بشكله في الواقع اليومي، وتغذي اللغة النص بأبعاد درامية جمالية وليس مجرد النقش اللغوي الأقرب للرسم بالريشة. اللغة الدرامية بحد ذاتها تشد القارئ تماما كما تشده صياغة ألحدث ولكن دورها ان تعمق الناحية الدرامية للحدث الروائي.

في المراجعات النقدية لنقدنا المحلي، للإبداع الأدبي بالداخل لا تسرد كل الحقائق حول التركيبة الإبداعية، لأسباب مختلفة، أهمها الجهل الذي يميز بعض ممارسي النقد، وإعطاء دفعة وتفاؤلا للناثر أو الناظم لعل التجربة القادمة تكون أكثر اكتمالا. لكن الملاحظ ان التقييم بلا حدود اضحى نهجا لا يحدم الا العلاقات الشخصية للناقد. هذا لا يمكن فصله عن مستويات الإبداع العامة للأدباء.. ومقياسنا لا يمكن ان يكون حسب الإبداعات العربية أو العالمية. حلمنا ان نصل، لكن الحلم يحتاج إلى الكثير من العناية الغائبة من أجندة مؤسساتنا الرسمية والشعبية. وهناك غياب فكري غير قادر على خلق الرد على الرواية الصهيونية.

بعض ممارسي النقد بلا مضمون فكري لدور النقد، يرتكبون جريمة بحق المبدعين حين يوهمونهم برعونة تفتقد لأوليات الفكر النقدي والمعرفي أنهم بلغوا القمة من اول نصوص اصدروها … ولكنه موضوع آخر!!

النظرية والتحليل النقدي النظري جيد لتحليل العمل، تقييمه ونقده، ان عملية الإبداع مركبة ومتداخلة بعناصر إنسانية وعقلية ومعرفية (ابستمولوجية) وتجريبية واجتماعية واقتصادية وتاريخية أكثر اتساعا من مجرد فكرة تصلح لنص روائي أو قصصي أو شعري.

اعتقد ان مشكلة الجانر الروائي ترتبط بتطوير ألمعرفة وتطوير الفهم لجوهر النقد، بعدم جعله ترويجا يخدم كاتبة اكثر مما يخدم صاحب العمل، وهذا ما يسود بكثافة مسيرة نقدنا المحلي.

اني أدعي ان معظم الروايات التي ظهرت في أدبنا العربي داخل إسرائيل، تفتقد أكثريتها لعناصر روائية أساسية، تكاد تكون خطابا تاريخيا مجردا من القدرة على القص والدهشة وجعل اللغة طيعة متدفقة مثيرة ومتفجرة. طبعا لدينا نصوص روائية جيدة لكنها من القلة بحيث لا تشكل تيارا أدبيا روائيا.

الإبداع الحقيقي، نثرا أو شعرا، لا يعني نقل حدث تاريخي أو انطباعي بلغة سليمة. أو بديباجة مليئة بالفذلكة والألعاب الصياغية. الموضوع ليس إنشاء  لغويا بسيطا أو فخما جدا. هناك لغة للقص تختلف بتركيبتها عن لغة المقالة. تختلف بتركيبتها عن لغة الريبورتاج، تختلف بتركيبتها عن لغة الشعر. لغة تفرض نفسها على كل قوانين اللغة وقيودها، ويبدو لي ان نشوء لغة عربية حديثة يخضع في معظمه لتطور الأدب القصصي والشعري الحديث، ويمكن رصد البدايات الثورية لهذه اللغة الحديثة في الأدب العربي الذي طوره أدباء المهجر. اليوم تلعب الصحافة ولغتها ومفرداتها دورا هاما في تطوير لغة عربية سهلة ممتعة سريعة الاندماج مع المناخ الثقافي وفرضها على اللسان العربي، وانا اسميها لغة الصحافة!!

يجب ان لا ننسى ان الرواية هي وليدة عصر تحرير إرادة الإنسان. الإنسان ولد ليكون حرا، هذا ما أثبتته حركتنا الشعرية الفلسطينية داخل إسرائيل التي ولدت في ظروف تسلط قمعي وإرهابي وحصار ثقافي.

رغم الانفتاح الواسع على الثقافة العربية والعالمية وما أنجزته من أعمال روائية راقية جدا إلا ان روايتنا لم تحدث تلك العاصفة التي أحدثها شعرنا.

بالطبع أرى أهمية ما طرحه الناقد الدكتور حبيب بولس.. حيث كتب: ”في مجتمع كمجتمعنا وفي ظروف كظروفنا نجد أن الرواية دائما تخاتل طموح كتابة التاريخ الفني للمخاض ألسياسي الاجتماعي في فلسطين إبان النكبة، قبلها، في خضمها، بعدها ومحليا أيضا، وهذا أمر من الممكن أن يشكّل منزلقا للكتابة الروائية في ظروفها الاجتماعية المعيشة . فعلى ألكاتب – أي كاتب – أن يحذر التاريخ، وأن يعرف كيف يقيم توازنا بينه وبين الإبداع، إذا أراد فعلا كتابة رواية فنية. وكم كان محقا ذلك الكاتب المفكر ألمغربي عبد الكبير ألخطايي حين قال: “التاريخ هو الوحش المفترس للكاتب".

الناقد بولس استمر في تحليل “الواقع الموضوعي، إذا صح هذا التعبير.. الحائل بتحول الإبداع الروائي إلى جانر مركزي في ثقافتنا. انا ككاتب قصصي وروائي أيضا، ( أصدرت ثلاث روايات ومسرحية عدا المجموعات القصصية القصيرة والنقد الأدبي) أواجه مشاكل مستعصية لا تبقي في نفسي الرغبة لتجربة روائية جديدة، بل فقط للكتابة الثقافية العامة، كتابة المقال الفكري والسياسي والمراجعات الثقافية (النقد كما تسمى مجازا) وكتابة القصة القصيرة، أي لا أجهد نفسي لأكتب رواية رغم توارد عشرات الأفكار الروائية الجيدة . دور النشر غائبة أو تستغل الكاتب لتحلبه. لا مؤسسات ترعى المبدعين. هناك تسيب ثقافي، الكثير من النصوص إنشائي يفتقد للغة الإبداع الأدبي، وبعض نقادنا سيجعلوا من كل نص إبداعا لا مثيل له في الأدب رغم ان الكثير منه لا يستحق القراءة.

القراءة تكاد تتحول الى كماليات، مؤسساتنا غائبة عن الفعل الثقافي. ثقافتنا (الشعرية بالأساس) بنيت بظروف عصيبة من التحدي البطولي، ومن معارك الحفاظ على لغتنا وثقافتنا وانتمائنا القومي، ضد سياسة القمع والحكم العسكري البغيض.

الرواية كانت تاريخيا، معيارا لتطور المجتمعات الرأسمالية، وكما كتب المفكر الفلسطيني الكبير ادوارد سعيد في كتابه الهام والمثير”الثقافة والامبريالية” بأن التطور المبكر للروايتين الفرنسية والانكليزية يتعلق بكون فرنسا وانكلترا شكلتا الدولتين الاستعمارين الأساسيتين، وأن تطور الرواية الأمريكية تأخرت حتى بداية القرن العشرين مع بدء انطلاق الامبريالية الأمريكية إلى السيطرة على العالم .

يُفهم من طرح الدكتور ادوارد سعيد أيضا، ان الرواية شكلت أداة إعلامية لظاهرة الاستعمار لتبريره أخلاقيا (رواية ” روبنسون كروسو” مثلا، حيث يصل الأبيض إلى جزيرة مجهولة ويجد شخصا أسود ويبدأ بتثقيفه وإعادة تربيته وجعله أنسانا راقيا – أي نقل له الحضارة باستعماره لأرضه وتحويله إلى خادم له، وهي تشبه الواقع الفلسطيني مع مغتصبي وطننا) لكن الرواية، هذا الفن الراقي والرائع، الذي أنتجه الاستعمار المتوحش والجشع، خلق الرواية المضادة، أو ألأدب المقاوم بمفهوم آخر، وهذا ما نفتقده لأسباب تحتاج إلى بحث واسع، أشرت إليه تلميحا فقط.

المفكر الماركسي التنويري الكبير لوكاتش، يقول بأن الرواية (الأدب القصصي) ليست إلا ملحمة البرجوازية التي ظهرت على مسرح التاريخ في أعقاب النهضة ألأوروبية وبالتحديد بعد الثورة الصناعية التي جعلت منها الطبقة السائدة في المجتمعات ألأوروبية، يمكن ان نستخلص هنا ان التطور الاجتماعي وتطور الطبقة البرجوازية، بكل ما يشكله ويشمله هذا التطور من مضامين هو من ضروريات انطلاقة الرواية وهي حالة لم تقف أمام تطور الشعر مثلا .. وتاريخيا لم يكن الشعر بحاجة لها.

إذن ظهور الرواية الفلسطينية داخل إسرائيل بدأ عمليا مع تطور المجتمع العربي وبدأ اندماجه بالمجتمع الصناعي عملا وفكرا … لذلك نجد ان الرواية المضادة للرواية الصهيونية كان لها السبق (نسبيا رواية “المتشائل” لإميل حبيبي مثلا)، لكن الرواية بمفهومها الاجتماعي، الفكري والسياسي الشامل، ما زالت تتعثر أمام الرواية الصهيونية الاحتلالية العنصرية، وبالتالي لم ننجح بعد بإنتاج رواية مضادة، والقصد رواية فلسطينية داخل إسرائيل بمواجهة الرواية الصهيونية !!

 

نبيل عودة

...................

ملاحظة: الفت انتباه القارئ لروايتي "حازم يعود هذا المساء" وهي رد على الرواية الصهيونية. رابط الرواية:

 http://www.syrianstory.com/amis-3-26.htmvhf

 

محمد يونس محمدالعتبة الموجه للنص - اثار خطاب الجاحظ لدي اهمية كبيرة، حيث هو اول من اشار الى وضع العنونة الحساس لذا اطلق تحذيره المهم في لحظتنا الحاضرة، بعدما تطورت الافكار ونضجت كثيرا ازاء موقع العنونة العلوي وجدليته، فموقعيا المتن النصي ادنى عضويا من العنونة او العتبة، وذلك في التفكير الفلسفة يتيح للعنونة أن تكون ذلك النص الموازي المتعالي على بنية المتن النصي، واعتقد أن منطقة من تفكير الجاحظ تراسل وجان جانيت تدعو الى أن تكون العنونة اقرب الى نص العلية، وميزة النص الموازي في تعاليه العضوي تجعله محلقا، وهذا يعني تقل نسب تعالقه الا اذا كان هناك ترابط ويثق وعلائق تلازم بين العنونة والمتن، لكن لابد أن نقر بان ذلك التعالي يزيد من هيبة العنونة اكثر، وعلى وجه الخصوص في جانبها الاشهاري والصفة الاعلامية الكبرى، وتشكل العنونة التي ليست على وجه غلاف بل على صدر نص كما في نص فلاح الشابندر، نعم موقعا للعلية واستشرافا شاقوليا على كيان متن شاقولي، ورغم طروحات جان جانيت عن التوازي بين العتبة والمتن او التعالق التام او الجزئي وربما التجاور، لكن التشابك بين الفلسفة والشعر يعطي للفكرة معنى اخر، ويقربنا من الجدل بدلا من التفكير في الاطر العامة للعتبة الفوقية، والتي عادة ما تعطينا صفة فيثاغورسية، فالتسلسل الرياضي على شكل خط مستقيم منحدر من نقطة العتبة الى أن يصل في مساره الى نقطة النهاية، وتشكل العتبة النقطة الاشهارية المتصل بالفضاء الخارجي للنص، وهي الدليل النوعي على عضوية ومضمون المتن النصي .

دهشة تجلي لحظة المنصوصات – الشعر قرين الفلسفة اي هنا هو يضعنا امام سؤال الدهشة الشعرية ولحظة التجلي، فالدهشة ولحظة التجلي يندمجان في منصوصة متوافقة موسيقيا هارمونيا، والدهشة نحيلها الى البعد الفلسفي في الشعر، فالفلسفة الشعرية ليست التعبيرات التي تعنى بتكوين الصورة الشعرية، بل معنى داخل المعنى، وذلك المعنى لا يدرك في السياق العام بل ربما هناك تأويل يبلغه، او في التفسير اللساني للشعر يمكن عبره عزل ذلك المعنى عن المعنى الشعري والذي يمكن أن يكون مقابلا له، والتقابل بين معنى يسعى للتمثيل بسيماء تعين شكلا ولا تعين مضمونا، وهذا لمسناه في بنية النص الشعري لفلاح الشابندر، ورغم اختلاف ايقاعات الجمل بل ايقاع مفردة تحول من بعد الى اخر، من مثل مفردة .

تدنو

تدنو

تدنو

تلتقط

فنجد اختلاف طبيعي بين المفردة الاخيرة – تلتقط – لكن ما سبقها هي مفردة – تدنو – وقد تكررت ثلاث مرات، وهنا يتدخل التفسير اللساني، ويفرق بين مفردة واخرى ليس فقط ايقاعيا، بل لكل مفردة موقعها في النص الشعري، وجدارة انعكاس موسيقى كل مفردة تجعل تعبير يختلف عن اخر، وكما أن بعد الزمن الشعري ايضا يكون متعددا، حيث كل مفردة بوحدة زمن مختلف عن الاخرى، ما دام موقع كل مفردة يختلف عن موقع اخرى، واذا افردنا كل موقع على جهة فتخرج كل مفردة عن تشابهها اللفظي مع اخرى، والشعر من طبيعته الفنية لا يهتم للاستعادات المتكررة من خلال التشابه .

يشكل الفن الشعري اثارة لسيماء المفردات الشعرية، وهذا ما يتيح للمعنى الشعري توسع مداره، وتوسع المدار يحول البعد الافقي الى بعد عامودي او شاقولي، وهذا يتيح حرية اوسع للجمل الشعرية، وتلك الاتاحة مرتبطة بذات الوعي وليس بذات شخصية الشاعر، والا تمرير الافكار الشعرية المجردة خصوصا ستفقد قيمتها، والذات الشخصية افق اجتماعي يصعب عبيه جدا تقبل هذا المعنى الشعري الذي ليس في افق الذات الشخصية وبالكاد تتناسب معه الذات الواعية، وتفسير الشعر موضوعيا يختلف كثيرا عن تفسيره العام، فقد تطور المفهوم الشعري كثيرا ولا مس معاني ما بعد الحداثة، يعني صار لا يلتزم بالقوانين الشعرية القديمة رغم اهميتها، وصار يتوافق مع المنطق الميتافيزيقي التي تتقارب مع روح التطورات .

في اطار المعنى - اختلاف الشعر عن الكلام يوضحه بعد تعدي اللغة شكلها الاجتماعي، فالتعدي الذي تحدثه اللغة الشعرية يحولها من كائن اجتماعي الى كائن ايقوني اي تدخل اللغة في دائرة الفن، وهذا يعني أن لغة الشعر ستمر بتحول من افق واقعي الى افق مضموني اقناعه ليس عاما، والمعنى لا يكون في تطار حقيقته العامة بل في حقيقته الفنية، وبدلا من الادراك يكون هناك تصور شعري، والتصور كما في هذا المقطع الشعري رغم البعد الاشاري لا يمكن حصره كصورة بلا سيماء، وتلامس الواقغ بدلا من ملامسة المعنى النوعي الذي تسعى اليه .

الغارق في كرسيه الهزاز

حين يطقطق

بعكازه على البلاط

يستفز القط الغافي

توجد افعال في هذا المقطع لكن لا يعني هذا أننا خسرنا اللغة الشعرية وخسرنا المعنى ايضا، فذلك يحال الى نسق بناء اللغة، فاللغة مبنية وفق افق عامودي تراتبي، وهذا ما يجعلها مختلف النسق تماما بين المعني والمعنى، واللغة ليست الا صورا وصفية وليست بيانية تماما، والشعر يستحق أن يوصف كما يشاء بحريته ونشاط معناه الدلالي، والمعنى بنشاطه الدلالي في الشعر ليس يحدد ابدا فالشعري دلالته ليست مباشرة وهذا ميا يجعل المعنى يتغير من جملة الى اخرى، فالذي هو غارق بكرسيه الهزاز ليس من يتقصد ايقاظ القط، فهو مفترض والقط النائم ايضا، لكنهما كل منهما يتملك حقيقته التوصيفية، وقد شكلت بنية النص الشعري الاجمالية تحولات للمعنى من افق الى اخر، وذلك من المسلمات الشعرية الفاعلة في بنى النصوص الشعرية، ونص فلاح الشابندر هو بحد ذاته بمرونة كافية للإتاحة للمعنى التحول من مستوى الى اخر، وهذا ما يجعل سيماء النص بحضور مستمر، وكما جوهر النص السيمائي يكون كما لوحة تجريدية في وصفه .

فى صباح الحديقة

فرطة عصافير

تدنو

تدنو

تدنو

تلتقط

مساقط حلواه .....

يصفعها صفعة بسيف الريح

تتقافزُ .....

تتطايرُ ....

يتطايح ضحكات... طفل الحديقة

تتلوها ضحكات... تعدم سابقتها

النسيان البارد الغارق فى كرسيه الهزاز

وحين يطقطق

بعكازه على البلاط

يستفز القط الغافى

القط غافٍ منذ اْن هتف اليبس فى البرية الخضراء

على ضفة الظل

جميل اْن ننسى

والاجمل اْن لا تعرف

ما القادم الاتى

***

محمد يونس

 

علاء حمدمن خلال البنى المحرّضة في النصّ الشعري الحديث هناك خارطة لاتنتهي ونحن ندخل إلى النظريات الشعرية والأساليب والمناهج وكذلك الاتجاهات النصية والتي نعتبرها من أفضل التوجهات للبنى المحرّضة من خلال الذات الحقيقية في النصّ الشعري؛ وتعتبر هذه الميزة من الميزات الحركية حيث أنّنا نحصل على حركة نصية ورسالة موجهة إلى مرسل إليه. هذه الخاصية متواجدة في معظم النصوص من خلال العتبات أولا ومن خلال اتجاهات النصّ الشعري الحديث ثانيا، ولكن المكامن في الذات العاملة تحتاج إلى محرضات لخروجها إلى النصّ الشعري، حيث تستدعي الخصوصية وهي من خصوصيات الشاعر، باعتبار أن الذوات غير متشابهة، ومن الممكن أن نكون في منطقة الحس المشترك، وفي طبيعة الحال هناك المتعلقات حيث تشكل العنونة أهم عتبة نصية تتصدر النصّ الشعري؛ والسؤال الذي يطرأ على المتلقي، هل هناك من إعاقات في الخلق الشعري طالما هناك كوامن في الذات العاملة ويرغب الشاعر بإعادتها وهدمها وبنائها من جديد؟.. نعم هناك بعض الإعاقات واللوازم التي تعيق الكتابة بشكلها النوعي، وأهمها؛ اللغة ونوعيتها وكيفية توظيفها، حيث أن الفكرة التي يلتقطها الشاعر من خلال لحظته الشعرية، تحمل اللغة الطبيعية، وهي الفكرة المقروءة، أو النصّ التنظيري قبيل الكتابة.

تتحول الذات إلى ذات قارئة، ونفس الذات تتحول إلى ذات ناقدة، وبين القراءة والنقد، نلاحظ ظهور بعض المكامن، كأن تظهر أمام الشاعر حالة الهدم والبناء، أو حالة التفكيك والتشييد؛ وهما خاصتان شديتا الأولية في إعادة النصّ الشعري وبرمجته بشكل كلي في الذات الحقيقية التي تحولت إلى ذات خالقة لنصّ من طراز مختلف، ومن الطبيعي أن تكون اللغة المختلفة الخاصة الأولى للمفكرة الذاتية وكيفية الالتفات على مخاتلات النصّ الشعري الفنية.

(1)

القصائد

مصابيح إلهية

لم يغادرها النعاس

ولا تلبس فوق رأسها شَعراً مستعاراً

لذا.... معي

حمّالو الحقائب في الفنادق

وأفندية المدينة

والعاملات اللواتي ينظفّنَ طاولات المقاهي

ومَنْ هربن من مزاد السبي

(2)

كيف أقنع آخرين!

أنّ قصائدي

ليست عجوزا تحمل صرّة ثيابها على عصا

من قصيدة: الكتابة سرّا – ص 7 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

من أهم البنى التحريضة التي افتتح بها غلافه الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد، هي العنونة التي جاورتها بعض الألوان الحارة والباردة، حيث أنّه رسم خصوصية المرآة عندما أطلقها بـ: مرآة ونصف وجه.. نلاحظ أن اللونين الأحمر(الحار) والأخضر (البارد)، شكلا واجهة في الغلاف، لذلك انشغلت مساحة الغلاف من خلال دلالة الألوان ودلالة العنوان؛ فقد اعتمد الشاعر على جملة اسمية في رصد عنوانه؛ فالعنوان الذي اختاره شكل عنصرا في تأويل النصوص الشعرية التي اعتمدها في مجموعته الشعرية. إذ تصبح دلالة النصّ الشعري، ذات علاقة بالعنونة المرسومة.

نتخذ من العنونة، حالة موضوعاتية، وهي الحالة التركيبية من جهة والتي تعتمد تعيين العنونة، وتأويلية تشير إلى النصوص التي تقترب من المتلقي من جهة ثانية.

افتتح الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد مجموعته الشعرية بقصيدة (الكتابة سرّا)، الحقيقة التي التجأ الشاعر إليها، حقيقة المعاني التي تتبناها القصيدة، لذلك من المستعين أن ندرك الأشياء، فالقصيدة مدركة قبل أن تكون ذات معاني عفوية، وقد أكد برتلاند راسل على عملية الإدراك بواسطة المحسوس؛ حيث أن الحقيقة تشكل هنا حقيقة شيئية خارج الوهم والخيال، وبما أن المعاني من متعلقات الخيال أيضا، فقد التجأ الشاعر إلى علاقة النصّ الشعري مع المجموعة الشعرية التي رسمها للقارئ.

(1) = القصائد + مصابيح إلهية + لم يغادرها النعاس + ولا تلبس فوق رأسها شَعراً مستعاراً + لذا.... معي + حمّالو الحقائب في الفنادق + وأفندية المدينة + والعاملات اللواتي ينظفّنَ طاولات المقاهي + ومَنْ هربن من مزاد السبي

(2) = كيف أقنع آخرين! + أنّ قصائدي + ليست عجوزا تحمل صرّة ثيابها على عصا

إنّ وحدة المتغيرات التي أطلقها الشاعر، هي المكتوب وجوبا، أي أنه عاين من خلال النصّية ومحتوى النصّ الشعري الحقيقي، لذلك قد لايتزامن نظام المدلول مع نظام الدال (كما أكد دريدا)؛ ولكن الذي يعنينا هنا مبدأ الكتابة الأحادية، باعتبار أنّ الشاعر شكل عنصرا من عناصر النصّ الشعري وهو الدال على القول والقول الشعري، فقد جعل انتماءه إلى النصّ خارج الاستعارة الخفيفة:

ولا تلبس فوق رأسها شَعراً مستعاراً = القصيدة.. نلاحظ من خلال المقاطع المنقولة بأن هناك مقاطع للظهور، وقد احتوت المعاني القصدية وترتيبات إحالة النصّ المفتتح إلى المتن.

نقسم عملنا إلى قسمين من خلال البنى التحريضة في مجموعة الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد.. الأولى البنية اللغوية والثانية البنية الدلالية وفعل الإثارة ومحتوياته ومدى تاثيره على المتلقي، كحالة من المحتوى الإشاري التي يشير إليها الشاعر، للأشياء أولا ومن ثم للحالة الداخلية الدالة ثانيا.

البنية اللغوية..

من أوسع البنى التحريضية، عامل اللغة ومساحتها وما تحمل من تمظهرات لغوية وتعيينات للألفاظ من جهة، وما تفرضه من وظائف في النصّ الشعري الحديث؛ وإذا تطرقنا بشكل أوسع فهناك الكثير من المحرضات النصية تؤدي وظائفها وتماسكها النصّي، ومنها حالة الانسجام، وحالة الحدث التأثيري، والأبعاد الفلسفية الحاملة لأفعال الإثارة التي تقسم نفسها بأقسام عديدة، حسب حركة الأفعال الانتقالية والحركية وأبعادها في النصّ الشعري.

إنّ الخروج من النظام اللغوي العام ضرورة من ضرورات المراوغة اللغوية في الشعرية، لذلك فإنّ عامل الفعل التأثيري يأخذ نصيبه الأكبر من ناحية المؤثرات واللجوء إلى انزياح اللغة عن مسيرتها النظامية، حيث أن الشعرية تتطلب هذا الانزياح من جهة، وتتطلب أيضا اللغة المختلفة من جهة أخرى. تتقبل نصوص الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد الاتجاهات التأويلية، وهي القيمة الفعالة للغة الفلسفية التي أكد عليها النقاد والمنظرون بوجوب الدخول إلى مفهوم اللغة ومناهجها العالقة (التيار التأويلي، مثله مثل التيار التحليلي، أعطى اللغة مركز الصدارة في اهتماماته الفلسفية، واعتبر مؤسس التأويلية الفلسفية غدامر أنّ الكائن أو الوجود الوحيد الذي يكمن فهمه هو الوجود اللغوي، وأنّ اللغة والفهم يحددان علاقات الإنسان بالعالم – ص 203 – الاتجاه التأويلي – من كتاب الفلسفة واللغة – د. الزواوي بغورة).

مبكراً

دوار البحر

سبّب لنا هذياناً

وتخيّلنا شرطة حراسة السماء

يُنظمون السيرَ

حتى حين يمرّ سرب من اللقالق

***    

قال: صبيّ المقهى

إن كنت متوهّماً

ارجموني

فمنذ ولدتّ

وأنا.. سمكةٌ

سُحب من تحتها الماء

من قصيدة:هناك – ص 11 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

تتراوح اللغة في النصّ الشعري بين القناعة والتأثير؛ فالقناعة تحتاج إلى براهين لغوية كي تكون مؤهلة للمتلقي، بينما التأثير يحتاج إلى عناصر تؤدي إلى دهشة اللغة وميزتها البركانية في النصّ؛ لذلك فإنّ لحركة المتخيل العالية والقصوى، ومدى مايصمت أمامه النصّ الشعري؛ قيمة للبناء النصي؛ والمتخيل قوام على المشاكلة والاختلاف، لذلك فعلاقات الأبنية النصية يتموضع حولها النسق النصّي.

نلاحظ أن الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد، كان مع وظائف لغوية، وأهمها وظيفة البنية الأسلوبية والتي أراد منها وبواسطة اللغة أن يبني نظاما لغويا خصخصه في نصوصه الشعرية..

مبكراً + دوار البحر + سبّب لنا هذياناً + وتخيّلنا شرطة حراسة السماء + يُنظمون السيرَ + حتى حين يمرّ سرب من اللقالق

قال: صبيّ المقهى + إن كنت متوهّماً + ارجموني + فمنذ ولدتّ + وأنا.. سمكةٌ + سُحب من تحتها الماء

في المقطع الأول استخدم الشاعر نظام الإشارات وهو يقودنا من خلال بعض أفعال الحركة الداخلية إلى تأويل واضح، فقد أراد من المقطع أن يكون إحالة إلى المعاني الكامنة، لذلك راح يوظف بعض الرموز ويخرج من أفعال الحركة الانتقالية، ففي المقطع الأول ثلاثة أفعال نسبها مابين الحركة والتموضع، فالفعل تخيل، من الأفعال الانتقالية، حيث يعطي نتائج مغايرة بعد التخييل، لذلك عندما انتمى الشاعر إلى وظيفته الخيالية استطاع أن يستخدم بعض الرموز ومنها.. شرطة حراسة السماء، واللقالق؛ بحيث اعتبر الفضاء الذي أمامه من الرموز غير المنتهية، وبالفعل مساحة الفضاء تجعلنا ننظر إلى الفراغات أيضا لنصطدم بزراق السماء وهو اللون المناسب. بينما ينتقل في المقطع الثاني وهي الإحالة المقطعية والتي تسبب مع كلّ مقطع معنى، فقد تحول إلى صبي غير معرف، ومنحه صفة المجهول؛ فقد استنطق الشاعر الغائب، وجعل اللغة السريالية تستنطق سلطة المقطع، ومن هنا استطاع أن يركز الشاعر على سياق معرفي، وهو الروابط النصية من خلال بنية اللغة التي قوّلها لتصبح ضمن القول الشعري.

هذا الشخص أعرفه

أو... لست متأكداً

قد أكون أنا.... أو أحداً آخر

يشبهني

أين أجد روحي التائهة؟

والأيام ملأت رأسي بالأكاذيب

***   

نام الحظّ

في الظلمة

متى يستيقظ ويشعل المصباح

من قصيدة: تنويعات لونية هاربة  – ص 18 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

إنّ العلاقات التي رسمها الشاعر، علاقات ضمنية، توضعت بين علاقة الألفاظ وعلاقة العلامات، وكذلك علاقة الأفعال وعلاقة الإشارات التي أشار إليها ضمن لغته الشعرية والتي مفادها بعض الرموز الموازية للمعنى والتأويل، وتشكل حالات من تحريض المتلقي وخصوصا تلك الجمل التي يبهرنا بها، فتحمل العجائبية والاختلاف اللغوي.

هذا الشخص أعرفه + أو... لست متأكداً + قد أكون أنا.... أو أحداً آخر + يشبهني + أين أجد روحي التائهة؟ + والأيام ملأت رأسي بالأكاذيب

نام الحظّ + في الظلمة + متى يستيقظ ويشعل المصباح

المنطوق، مالم يقله الشاعر بشكله التوضيحي، فالمعاني مختبئة خلف الكلمات المركبة، لذلك لاتتشابع المعاني عند التأويل، وكلّ نصّ له مضمونه التأويلي الكلي، وله التفسيري الجزئي، لذلك فالعلاقات التركيبية بين الجمل، تصبح امتدادية لكي نحصل على المضمون الكلي، وهو بينة النصّ الشعري، ومدى ثقله في الشاعرية، ومن هنا تتمكن الرموز من احتلال بعض النصوص، ومنها التوضيحية ومنها الغامضة؛ نلاحظ أن الشاعر قاسم محمد مجيد لجأ إلى المعاني الكامنة، فقد أراد أن يقول، وعندما قال لم يكتف بهذا القول، فالقول الشعري مساحته واسعة ولا يستطيع شاعر أن يختصره بنصّ شعري، بل تكون التوزيعية بين النصوص وما يشير إليه الشاعر تؤديان إلى علاقات متجانسة.

يوضح الشاعر من خلال الجمل شكوكه بين الشخص المتواجد وبين حالة الأنا، لذلك فقد أدغم المعنى، وجعل المتلقي بحيرة، كما احتار هو نفسه بين الشكّ النفسي وبين مايواجهه ليختم مقطعه بحركة الأكاذيب التي تواجهه أو تواجه غيره، فقد اعتبر الشخص الأول (الذي ربما يعرفه) علامة للآخرين، أي أنه ناب عن الجماعة، بينما يقودنا في المقطع الثاني إلى الفعل المجهول (الحظ) كما يتداوله العامة بشكل يومي، لذلك فقد نقل الشاعر الحياة اليومية بواسطة اللغة التحليلية من الواقع المعاش إلى لغة الشعر التي تبناها كعمل وهدف لتكون سلطة لناطقها.

ملك الموت اللامرئي

بانتظار...

الضغط على زرّ اللحظة الأخيرة!!

*** 

الليلةَ، ناموا مبكراً

أغلق باب المقبرة

حين.....

 ألغي وقت الاستراحة للتعارف بين الموتى

من قصيدة: نصف وقت.. نصف موت– ص 25 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

عندما ترتبط البنية اللغوية بفاعلها (الشاعر) فهي تعكس العلاقات اليومية أو علاقة الشاعر ببيئته، وهي الأقرب إليه عندما يرغب بطرح المعنى الملائم من الناحية الاجتماعية، لذلك نلاحظ أنّ معظم الشعراء، يميلون إلى الذات العاملة التي تختلط مع عالم البيئة المؤثرة بتفاصيلها أو قيمتها المتعارضة مع أفكار الشاعر.

ملك الموت اللامرئي + بانتظار... + الضغط على زرّ اللحظة الأخيرة!!

الليلةَ، ناموا مبكراً + أغلق باب المقبرة + حين..... +  ألغي وقت الاستراحة للتعارف بين الموتى

الموت يعني اختفاء الأثر الحركي للجسد، ويعني أيضا اختفاء الوجود من خلال حتمية يمارسها الإنسان على مستوى العالم، وعندما تطرق الشاعر إلى الموت وأشار إلى ملك الموت، الذي تتداوله بيئته حسب المعتقد، فقد عكس في ذاته التفكرية على نهاية كلّ شخص، ونهاية الأشياء؛ موتها، بل تفقد حركتها الديناميكية؛ لذلك خلق الشاعر بنية توليدية من الواقع الذي يجابهه، لينتقل فيما بعد إلى معنى مقطعي آخر، أي استطاع أن يحيل المعاني من خلال المنظور التخييلي بواسطة التقطيع النصّي، وهي حالة تنشيطية للنص عندما يعتمد الشاعر الأسلوب التوزيعي.

تشكل البنية اللغوية سلطة من سلطات النصّ الشعرية، لذلك فقد تم تقسيم اللغات التي تنتاب النصّ الشعري حسب الحاجة ونوعية العمل المتداخل بين عناصر النصّ، فنقول اللغة الرمزية واللغة السريالية وكذلك حال بقية الأنواع والتي تنتمي إلى التموضع اللغوي في النصّ الشعري.

البنية الدلالية

إن مساحة المؤثرات الدلالية واسعة إذا ما أبحرنا بهذا العلم الذي له الأثر في بناء وحركة النصّ الشعري، لذلك فمسألة الدال والمدلول وثقافتهما في علم الدلالة أصبحت من اللوازم التي نبحث عنها في الشعرية الحديثة، وذلك إن كان الدال لفظا أو غير لفظ، ولكن اللغة التي تحدثنا عنها ماهي إلا علاقات تربط  بين الدال والمدلول.

إن النصّ الشعري من النماذج المصغرة في الثقافة، وقابل للحوار والتفاعل، أي يحوي على مفاهيم بنيوية ديناميكية وحركية، وتكون أفعال الحركة والأفعال الانتقالية من خصوصيات العمل الديناميكي، حيث أن هذه الأفعال تساعدنا على الحركة الزمنية والتبدلات التركيبية للجمل الشعرية المقصودة، وفي نفس الوقت، لا نستغني عن البنية الصغيرة والبنية الكبيرة اللتين تلازمان النصّ الشعري وتكونان من مكوناته ومتعلقاته في الخلق النصّي.

أيها الإله اللامبالي

لماذا

رسائل استغاثاتنا

مرصوفة على الرفوف

ومختومة بالشمع الأحمر؟؟

من قصيدة: سائق عربة البيرة سابقاً- ص 31 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

ننتمي إلى صيغة النصّ الفنّي، حيث نشتق البنية الفنية من صيغة (تفكّر) والمأخوذة من الفعل فكّر، ونعتبر هذه الصيغة ملكة، وذلك لعلاقتها بالخيال وفعل المتخيل، ومن هنا نذهب إلى حركة الدال في النصّ الشعري؛ فالتوازي الذي أطلقه الشاعر بين الصيغة الدلالية واسم الجلالة المشار إليه، هو المفهوم المركزي الذي رسمه الشاعر في النصّ الشعري.

أيها الإله اللامبالي + لماذا + رسائل استغاثاتنا + مرصوفة على الرفوف + ومختومة بالشمع الأحمر؟؟

المفهوم الدلالي المعني = الرسالة... بينما المفهوم الإشاري:

الإله = الإشارة إلى (لفظ الجلالة)؛ ومن هنا تبينت الدلالة المركزية التي أشار إليها الشاعر وهو يوجه عتبا على نداءات الاستغاثة التي يطلقها الناس وذلك لتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلد (العراق)، وتشمل هذه الاستغاثة حالة عامة متواجدة في بلدان العالم.

لكن

لايهمّني إن عدّه بعضنا بدعة

أريد إلهً !

أحمله في حقيبتي

تارةً...

وتارة أضعه في جيب البنطال

وقبل أن أنام أرشّ

رحيق الأزهار على وجهه..

من قصيدة: سائق عربة البيرة سابقاً- ص 31 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

تغيير المعنى: في اللحظة الإدراكية نلاحظ أن الاسم الذي أطلقه الشاعر لم يكن كافيا، ومن هذا الاعتبار يميل إلى تغيير المعنى بواسطة اللغة الإدراكية (يعتبر تغيير المعنى أحد طرق التسمية الإدراكية. فنحن نعطي لشيء اسما كان فيما مضى اسما لشيء آخر ونشركه معه: مشترك تماثلي للأشياء في التشبيه، ومشترك تجاوري في المجاز المرسل والكناية – ص 100 – علم الدلالة – بيير جيرو – ترجمها عن الفرنسية الدكتور منذر عياشي).

لكن + لايهمّني إن عدّه بعضنا بدعة + أريد إلهً ! + أحمله في حقيبتي + تارةً... + وتارة أضعه في جيب البنطال + وقبل أن أنام أرشّ + رحيق الأزهار على وجهه..

البحث عن إله آخر، فقد أسند التشبيه الإدراكي الشاعر قاسم محمد مجيد إلى عنصر آخر يستطيع الاقتراب منه، وهنا نستطيع أن نقول أن هذا التشبيه من مجاورات النصّ الأول (الأصلي)، إذا أردنا أن نكون مع المقطعية الشعرية، ليكون امتدادا للمقطع الأول، وقد اعتمد الشاعر على أدوات فعلية ومنها الفعل (أريد) الذي يفيد الطلب، ويعتبر من الأفعال التموضعية حيث يعني لنا الرغبة، وقد تكون الرغبة ذات تنفيذ تغييري وقد لاتكون، المهم في الأمر أنه نقل التسمية الإدراكية إلى حيز الفعل وحالته الموضوعية.

إن الوظيفة التي بناها الشاعر، هي العلاقات والعلاقات المجاورة، فتبديل المعنى، اعتمده من خلال بدائل لها أكثر تأثيرا من الأولى، وهي تميز القول عن قول شعري آخر.

هل سجّلتَ مثلاً

عدد عواء صفارات الإنذار

كم استراحت البنادق ثم دوّت

هل تعرف

كم حاولت غيوم الصباح، صدّ الدمع فوق المقبرة

أو أحصيت رقما قياسياً جديداً

لتغريدة، رئيس حزبٍ في جمهرةٍ ميتة؟؟

من قصيدة: عدّ في لعبةٍ خاسرة - ص 43 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

إن جميع التحولات والتشبيهات والاستعارات عبارة عن تحويلات في المعنى، ومن هنا نحصل على إحالة المعنى إلى معنى جديد، ويحافظ الشاعر في الامتداد النصي لكي تكون حالة التأويل في الفهم العام للنص، ومن خلال الجزء نستطيع أن نذهب بالجزء الخاص للنصّ.

هل سجّلتَ مثلاً + عدد عواء صفارات الإنذار + كم استراحت البنادق ثم دوّت + هل تعرف + كم حاولت غيوم الصباح، صدّ الدمع فوق المقبرة + أو أحصيت رقما قياسياً جديداً + لتغريدة، رئيس حزبٍ في جمهرةٍ ميتة؟؟

أحال الشاعر قاسم محمد مجيد المعنى  بواسطة التشبيه، من الصفير إلى عواء، فكانت حالة التشبيه بالكلاب، وهي المسميات التشبيهية الجديدة والتي أعلنها كتسمية إدراكية، وهكذا عندما يوظف فعل الإشارة فإنه يجذب الدلالات الغائبة لكي يوطنها في النصّ الشعري؛ ومن خلال هذه العلاقات نستنتج أن العلاقات التي مرت بنا، هي علاقات مرجعية الذات وماتعلق بها من أحداث يومية؛ وكذلك عملية التسمية التركيبية للجمل الاستعارية كانت من التحولات القصدية التي اعتمدها الشاعر العراقي قاسم محمد مجيد.

أأحصيتَ... رقم جلوسك

على كتف النهر تصطاد الملل

الليل برائحة الظلام..

والأيام التي نامت في ثلاجة الموتى

*** 

بئس الظنّ

أنّكَ لاتعرف قط

لمَ استبدلُ...... رأسكَ القديم

بمؤخرة نعامة.

من قصيدة: عدّ في لعبةٍ خاسرة - ص 43 - مرآة ونصف وجه – قاسم محمد مجيد

ندخل إلى دلالة التمكين، ماهي دلالة التمكين التي رسم بعضها الشاعر ورسم من تشبيهاتها في النصّ الشعري المكتوب؛ نحن أمام التحدي بالكلمات، وأمام التعجيز أيضا، ومع النصوص التي تمرّ بنا نلاحظ أن نقد الحالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في ذروة المفاهيم التي يرسمها الشاعر؛ إذن ليس من الغريب أن ينساق الشاعر قاسم محمد مجيد إلى دلالة التمكين في رسم الأفعال التحويلية من المباشرة إلى اللامباشرة، فإذا تصدر فعل الأمر في الجملة الشعرية، فهنا نحن أمام دلالة الوجوب، وهي ضمن دلالة التمكين.

أأحصيتَ... رقم جلوسك + على كتف النهر تصطاد الملل + الليل برائحة الظلام.. + والأيام التي نامت في ثلاجة الموتى

بئس الظنّ + أنّكَ لاتعرف قط + لمَ استبدلُ...... رأسكَ القديم + بمؤخرة نعامة.

نلاحظ أنّ الشاعر يثير عددا من الأسئلة دون أن يرسم علامات للاستفهام، إذن كانت الجمل الشعرية تنحو نحو الدلالات المستلزمة والمغايرة للدلالة المركزية، فقد قادنا الشاعر إلى حقيقة المستفهم نفسه وهو يعيش بشكل يومي بين الأحداث البيئية التي تجاوره. فقد اعتمد الشاعر على أدلة النفي والتقرير والاستبعاد. النفي: وهو الدلالة الأولى وتفيدنا عندما ينتمي الشاعر إلى المجهول حيث أنّ الطلب لم يكن على أرض الواقع.

دلالة التقرير:  والثانية هي دلالة التقرير؛ وتكون عندما يكون  الحدث مستقرّا في نفسية الباث، لذلك ذكر مفردة الموت، وهي بعض التصفيات التي حدثت وتحدث في أرض وادي الرافدين.

والثالثة دلالة الاستبعاد: وهو الخروج عن القصدية، لذلك يكون التأويل ذا مصدرية دلالية عندما تنزاح اللغة نحو الثقل الشعري، وهي جزء من المؤثرات التي ينحتها الشاعر عادة في نصّه الحديث.

 

كتابة: علاء حمد - العراق

.....................

* الصورة للكاتب: علاء حمد