لطيفة حمانوإن الخطاب السياسي شكل من أشكال الخطاب المتعددة، ويستخدم من قبل فرد أو جماعة من أجل الحصول على سلطة معينة عند حدوث أي صراع أو خلاف سياسي وهو ممارسة اجتماعية تسمح للأفكار والآراء أن تنتشر بين فئات المجتمع.

إن الخطاب السياسي ظل حاضرا في الأجناس الأدبية يعبر عن وجهة نظر الكاتب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ويظهر بجلاء في الرواية التي تعكس صراع الذات مع الموضوع، والصراع الطبقي والسياسي، والتفاوت الاجتماعي، وتناحر العادات والإيديولوجيات. في هذا الصدد يرى عبد الرحمن منيف أن الرواية هي المسلك الوحيد للتعبير عن تجربة المنفى وغياب المناخ الديموقراطي والتنديد بالاستبداد والتسلط العربي والسخرية من هزائم العرب المتوالية.

لقد عبرت كاتبات مغربيات عن قضايا سياسية واجتماعية في رواياتهن مثل الكاتبة خناثة بنونة، الزهرة الرميج، سعاد الناصر في روايتها كأنها ظلة والكاتبة حليمة الإسماعيلي في روايتها الأولى أغنية لذاكرة متعبة، وكذلك في روايتها الثانية رجال العتمة التي سنقف على القضايا السياسية التي تضمنتها.

تحكي رواية رجال العتمة قصة إيمان أستاذة الرسم المنحدرة من مدينة جرادة والتي تعيش مع والدتها وشقيقتها بمدينة مراكش بعد وفاة والدها الذي كان عاملا بمناجم الفحم الحجري، تلتقي في حفل موسيقي بالفنان التشكيلي الفلسطيني زياد الحاصل على دكتوراه في علم النفس فترتبط معه في علاقة حب جارف.

تقدم حليمة الإسماعيلي في هذه الرواية أربع رجال كانت حياتهم على موعد مع العتمة، ومع ذلك فإنهم يحاولون التغلب عليها كل بطريقته الخاصة باستثناء والد البطلة إيمان الذي قضى حياته في عتمة المنجم إلى حين وفاته.

أما نجيب ابن الجارة فاطمة صاحبة البيت فهو مكفوف يكمل دراسته في مصر ويتحدى عتمته بالتحصيل العلمي وكتابة الشعر، بدوره أحمد الصديق القديم للبطلة إيمان الذي كان معتقلا سياسيا عانى ظلام الزنزانة.

الرجل الذي عاش أيضا في العتمة هو الفلسطيني زياد الذي اعتقل ومر بعتمة السجون.

تنتهي الرواية بفشل العلاقة العاطفية التي تربط إيمان بزياد بعد أن قرر هذا الأخير البقاء في غزة ومواصلة زواجه الفاشل والاعتناء بأبناء شقيقه بعد أن استشهد الأخ في قصف إسرائيلي استهدف مدنيي غزة. إن فشل العلاقة العاطفية مع زياد سيسبب الألم والأسى للبطلة إيمان ووسط حزنها تفاجأ بأحمد صديقها القديم يخبرها أنه في مطار باريس قادما إلى مراكش.

من خلال قراءتنا لرواية رجال العتمة للكاتبة حليمة الإسماعيلي نجد مجموعة من القضايا السياسية حاضرة بقوة من بداية الرواية إلى نهايتها، هذا الحضور نابع من انشغال الروائية بالهموم السياسية والقومية والإنسانية.

قبل البدء في إبراز تجليات الخطاب السياسي في هذه الرواية لا بد من الإشارة إلى أن هذه القضايا يتقاطع فيها ما هو نقابي واجتماعي بما هو ديني وما هو سياسي وذلك راجع لتعقد الظاهرة الإنسانية. من القضايا التي تطرقت إليها الرواية:

قضية فلسطين: أهدت الكاتبة روايتها إلى فلسطين وتعتبرها وطنا نصب لقلبها كمائن الحب والوجع، فلا غرو أن نجدها قد أفردت للقضية الفلسطينية حيزا كبيرا لتفضح فيه الممارسات اللاإنسانية التي يرتكبها الكيان الصهيوني في حق الفلسطينيين. كما يتجلى اهتمام الكاتبة بالقضية الفلسطينية من خلال اختيار بطل روايتها زياد فنانا تشكيليا فلسطينيا مقيما بالمغرب وهي دلالة أيضا لدعم المغرب الدائم للقضية الفلسطينية.

تحدثت الرواية عن الحرب في غزة [1] :"الطائرات الإسرائيلية تستهدف مبنى جمعية فلسطينية للمعاقين شمال القطاع، مما أدى إلى مقتل فتاتين ".إن البطل كشخصية فلسطينية من غزة جعل الساردة تفصل في الحديث عما يتعرض له المدنيون ،فبعد أن سافر زياد إلى غزة لزيارة والدته التي كانت في غيبوبة بعد إجراء عملية فاشلة ،وتزامن سفره مع الحرب على غزة جعلتنا الرواية نتابع ما يحدث في غزة كما كانت  تتابع البطلة إيمان ما يحدث في فلسطين على القنوات الفضائية[2]:"صباح الوجع يا بلادا لا ينام فيها حتى الشهداء ،صباح الوجع يا بحرا لم يكتف بالمياه فتخضب بدماء أطفال خمسة ذنبهم أنهم كانوا يلعبون على الشاطئ ".

إضافة لما يرتكبه الإسرائيليون في حق الفلسطينيين تطرقت الروائية حليمة الإسماعيلي للصراع الداخلي بين فتح وحماس [3]:"هذا الاقتتال البغيض بين فتح وحماس يوقظ في روحي دم الوطن وعاره ".

بالحديث عن القضية الفلسطينية، ستشير الرواية لقضية اللاجئين الفلسطينيين فالبطل زياد عاش في مخيم للاجئين الفلسطينيين تذكر الروائية هذه القضية على لسان زياد [4]:"لأكتشف بعدها أنني لاجئ وأن كل هذا الفضاء الأزرق الذي يلفني من دفاتر واقلام وحتى وجبات الأكل خلال الفسحة كان هبة أوعلى الأصح صدقة من الأنروا ".

قضية الربيع العربي: في رسالة موجهة من إيمان لصديقها أحمد تقول [5]:"أولا أعترف لك أني فقدت شهية الجلوس للأنترنيت، كما فقدت أنت شهية متابعة الفضائيات منذ اندلاع هذا الموسم الأسود الذي أطلقوا عليه الربيع العربي ..." فالربيع العربي كان حدثا استثنائيا في البلدان العربية أطاح بعدد من الرؤساء العرب وأدخل المنطقة العربية في تناحر داخلي، نتج عنه تعميق تخلف هذه البلدان كما هو الحال في ليبيا وسوريا والعراق [6]" ومجازر تتناسل بسوريا والعراق.

قضية الاعتقال السياسي: لقد تطرقت الروائية حليمة الإسماعيلي لقضية الاعتقال السياسي بكل ما يكتنفها من ظلم وتعذيب وتلفيق للتهم بغية إخراس الأصوات التي تندد بالفساد والتهميش وتتطلع لحياة تستجيب لمتطلبات العيش الكريم ،فأحمد الصديق القديم للبطلة إيمان  ابن مدينة جرادة قد  مر بتجربة السجن وفي كل مرة  يتحدث عن تجربته الأليمة ،وما قاساه من ظلم وتعنيف [7] :"صرخت أنني خرجت في مظاهرة لإنصاف عمال المناجم قاموا بشتمي والتنكيل بجسدي ".سيقضي أحمد خمس سنوات في عتمة السجن بتهمة ثقيلة [8] :"بقيت لعدة  أشهر دون تحقيق وحين حققوا معي أفزعني كل ما لفق بملفي :التحريض على المساس بالأمن العام ".يتذكر أحمد أيضا يوم اعتقاله من بيت أسرته وما سببه ذلك من خوف وهلع داخل أسرته [9]:"غفوت قليلا لأستفيق على طرقات متتالية أفزعت من في البيت ،داهموا غرفتي كعادتهم لكنهم هذه المرة أخرجوني عنوة تحت نظرات أهلي ورعب أمي المسكينة التي حاولت الاستجداء بدموعها ".

اضطر أحمد بعد خروجه من السجن للهجرة إلى فرنسا، والزواج بقريبته للحصول على أوراق الإقامة، لينفصل عنها بعد أن أنجب طفله الوحيد حيث بقي هناك يعاني من الغربة ويحمل ذاكرة متعبة بالحزن والخيبة من تحقق الأمنيات.

قضية عمال منجم جرادة: تعتبر مدينة جرادة مسقط رأس الروائية حليمة الإسماعيلي، ومدينة جرادة مدينة صغيرة توجد شرق المغرب، بعيدا عن العاصمة، تعاني من التهميش خاصة بعد نضوب احتياطها من الفحم الحجري مما عمق معاناة ساكنتها من الفقر والإقصاء.

في رواية رجال العتمة تختلق الروائية شخصية والد إيمان عاملا في مناجم الفحم الحجري، حيث يقضي كل وقته في عتمة المنجم من أجل كسب لقمة العيش بكل ما يكتنف هذا العمل من تعب وقسوة وشروط لا إنسانية، وسيقضي نحبه داخل هذا المنجم مما سيسبب صدمة لعائلته خاصة البطلة إيمان التي ستدخل في حالة اكتئاب، اضطرت فيها للعلاج عند طبيب نفساني. كما أن والد صديقها القديم المقيم في فرنسا كان أيضا من ضحايا المنجم اللعين فقد طرد من العمل بعد أن أصيب بمرض ناتج عن استنشاقه للغازات داخل المنجم.

في رسائل أحمد مع إيمان دائما نجده يتحدث دائما عن والده[10]:"على ضفاف نهر السين، انتحبت طويلا بكيت والدي الذي تمزقت رئته بمرض السيليكوز من أجل أن يشبع بطوننا، لعين ذاك المنجم الذي قتل نصف رواده ". كما يتحسر أحمد دائما في رسائله على مدينة جرادة وما الت إليه أوضاع أبنائها[11]:"يقول لي أخي محمد أن الكثير من الشباب نزلوا للعمل بالحواسي وأغلبهم مجازون في مختلف التخصصات، اضطروا بعد حصولهم على الشهادات الجامعية واصطدامهم بواقع البطالة المتفشي إلى اللجوء إلى باطن الأرض لاستخراج الفحم الحجري.[12]

تظل مدينة جرادة ومعاناة سكانها حاضرة في الرواية، سواء في الرسائل المتبادلة بين إيمان وأحمد، أو من خلا ل السرد الاسترجاعي الذي تقوم به الساردة، أو من خلال الحوار الذي دار بين إيمان وعمتها التي جاءت لزيارتهم من مدينة جرادة حيث تقول العمة واصفة المدينة [13]:"السكون هو العنوان الأبرز في المكان، الزمن يبدو كأنه متوقف منذ عشرات السنين ".

كما تتحدث العمة عن المقاهي المكتظة بالعاطلين وعن المحطة الحرارية التي تلوث هواء المدينة[14] :"في الأفق البعيد تنفث المحطة الحرارية سمومها في الهواء دونما اكتراث بمصير العباد، ناهيك عن انتشار ابار الفحم في كل مكان والتي انطفأت فيها أرواح كثيرة ".

قضية الإرهاب: في معرض حديث البطلة إيمان مع صديقتها سعاد تذكر هذه الأخيرة أنها كانت ستتزوج شابا فرنسيا أحبته لكن الزواج لم يتم وعندما سألتها إيمان عن السبب أجابتها بأنه قتل في حادث إرهابي [15]:"قضى في حادث مأساوي في انفجار إرهابي ". لقد أثارت الروائية   قضية الإرهاب التي تؤرق المجتمع الدولي عامة والمغربي خاصة بعد تفجيرات 16ماي سنة ألفان وثلاثة ويرتبط الإرهاب بالتطرف الديني، وبالفقر فمنفذي تفجيرات الدار البيضاء ينتمون لكريان سيدي مومن الحي الصفيحي الأكثر فقرا بالمدينة، فكثير من التنظيمات الإرهابية تستقطب الفئات التي تنتمي لأوساط فقيرة لتجنيدها قصد تنفيذ عمليات إرهابية تودي بحياة الأبرياء. لعل حديث الساردة عن الإرهاب داخل الرواية بعد حديثها عن الفقر والتهميش الذي تعاني منه مدينة جرادة تريد أن تحذر من العواقب الوخيمة التي قد تنتج عن استمرار هذا الوضع.

بعد الوقوف على القضايا السياسية التي تطرقت لها الروائية في روايتها المتميزة رجال العتمة يمكن القول إن الكاتبة حليمة الإسماعيلي قد استمدت أحداث الرواية من الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تنتمي إليه، وقد عبرت عن هذا الواقع أحسن تعبير ،فتحدثت عما يعانيه أبناء مدينتها جرادة من فقر وتهميش ،وما يعانيه  المعتقلون السياسيون من قهر وظلم ،كما أشارت  إلى قضية الإرهاب .بينما تسرد على طول صفحات الرواية حكاية الفلسطيني زياد كاهتمام من الكاتبة بالقضية الفلسطينية التي تعتبر قضية كل العرب وهي بهذا  تدفع القارئ دفعا للاطلاع على ما يحدث من أحداث  على الساحة السياسية والاجتماعية .

بقلم: لطيفة حمانو

........................

[1] حليمة الإسماعيلي رجال العتمة مطبعة مراكش 2017 ص 194

[2] حليمة الإسماعيلي رجال العتمة مطبعة مراكش 2017  ص 154

[3] نفس المرجع ص 154

[4] نفس المرجع ص160

[5] المرجع نفسه ص 79

[6] المرجع نفسه ص 202

[7] نفس المرجع ص 32

[8] حليمة الإسماعيلي رجال العتمة مطبعة مراكش 2017 ص 130

[9] نفس المرجع ص 79

[10] نفس المرجع ص 181

[11] حليمة الإسماعيلي رجال العتمة مطبعة مراكش 2017ص 182

[12]  نفس المرجع ص 31

[13] نفس المرجع ص 31

[14] نفس المرجع ص 31

[15] نفس المرجع ص 130

 

عقيل هاشمخطاب اللاوعي المتأزم - نكاية بلذّة السّرد

"نهج الرواية الحداثية على مستوى تعدد الأصوات فكل شخصية تعبر عن قناعتها ورؤيتها الخاصة ووجهات نظرها، وقد برز هذا من خلال المنظورات السردية والرؤى السردية المختلفة .."

قد يكون التورط في فعل الكتابة السردية أمرا مستساغا حين نتغلب على الظواهر النفسية والحياتية، ونفضي بالذات إلى محكيات ذات بعد شخصي؛ يدرج في السيرة أو التخيل أو التمثل أو غيرها..

العنوان وظيفة تأثيرية على المتلقي، الإدهاش والإغراء وطرح السؤال المقلق حين تكون دلالته ظنية، أو تكون عباراته تحمل خرقا دلاليا.ونحن أمام عنوان “تختبئ في عينيها الملائكة ” يتبين لنا أنه عنوان صعب القبض على دلالته الصريحة دون العودة إليه بعد قراءة النص خاصة أن علاقة العنوان بالنص علاقة تفاعلية وجدلية.

يكشف عنوان الرّواية على جدل البحث عن الذّات، عنوان يعرّف ذاتا “متشظية”، ويصبح دالا على الذّات ومفسّرا لعدد من جوانبها الغامضة، التشظي في الرّواية ليس علامة ثابثة بقدر ما هو حالة انبثاقية تشمل تفاعل الشّخصية الرّئيسة مع معطيات الحدث المنبثقة أصلا من التحوّل واللاثبات،

"مازن" الشخصية هي من تعبر عن ذاتها وميولاتها وثقافتها ، وسلطة الراوي تتراجع أمام تعبير السارد عن ذاته واختياراته .ومن الملاحظ أن هذه الشخصيات منذ البداية تعيش ما يُشبه الفقد، (حين رأتني أمها على الباب قالت فوراً وبصوت حنين جداً: “صديقتك ماتت”. “إذن لم يكن ورمها كرتزون، بل كان كانسر!” قلت لنفسي) ص26

البطل من خلال السرد يكشف عالمه اللاواعي. إنه الفضاء الذي يكمن فيه "ظلال الحقيقة"وتتشكل فيه صوره وآلياته ومساره وعناصره وعلاقة هذه بعضها ببعض، كما الصفات التي تتسم بها وفي طليعتها الخارق والعبث واللامنطق واللامعقول وسيادة الرمز وانكسار الأزمنة والأمكنة أو دمج متناقضاتها بطريقة سريالية عصيّة على العقل الواعي ومرفوضة من أحكام المنطق. كلها معطيات نعثر عليها في المتن الحكائي..

وقد أجاد المؤلف في رسم الشخصيات إما عن طريق الوصف أو الحوار او المناجاة والتأمل او عن طريق مواقفها من احداث الرواية، فتجسدت أمامنا شخصيات حقيقية من لحم ودم.

اقتباس

(اسمي مازن أيها القاضي، ولدت في المندى بين كتب أبي أحجاره الكريمة، وجنيّاته، يمكنني أن أقول لك ولدتُ بالجامع، علماً انني فعلاً كنت كلما تصاعد نبيذ السخط في رأسي أقولها، وهو على العموم يعني الشيء نفسه. لكن لا، لا أيها القاضي، لا يعني الشيء نفسه، لأني منذ أن قلتها لسوسن ارتبك الوضع، لم يربك سوسن فقط، إنما أربك الممثل والشاعر، أربك الأصدقاء، أربك الناس جميعاً) ...ص7.

تظهر الرواية على أنها ذات طابع مأساوي، لدرجة أنها تبدو سوداوية في بعض فصولها أو تتجه نحو ما يشبه العبثية واللاجدوى، ومن بين القرائن التي تدعم هذا، وجع مدمر لا يؤدي إلا إلى رغبة كاسحة في تدمير الذات، وإتلاف كل معايير الحياة الشخصية وقيمها الخاصة، وجع يجرك إلى عبثية قاتلة وألم عميق.

تتوطد الشّعرية في الرّواية من خلال ما يتلقاه القارئ من إشارات سردية دالة على تحوّلية في مسار الحدث وتطوّره، لحظة القراءة هي لحظة لبروز مستويات النص التركيبية والدّلالية، التي تكشف عن تمازج أحداث سمتها التغيير والتي تهيمن على مفاصل النص بل تندرج ضمن تفجير بؤرة التفاعل بين معطيات الحدث، وبذلك تتأسّس كمحمول جمالي يمنح حركة ما لتيمة النص الإطاري.

أسلوب السرد هو الحكيْ والقصْ البسيط غير المـُتكلّف، فالقارئ يشعر ان الكاتب يحكي له ويقص عليه حكايات ببساطة وعفوية أما الوصف فيُكثر منه المؤلف سواءً كان وصفاً للشخصيات او الأماكن، الأمر الذي مكنّ الكاتب من رسم أماكن وشخصيات الرواية بكل وضوح، وفي أحيان كثيرة بأدق التفاصيل معتمداً تقنية التصوير السينمائي. أما الحوار فيتم بين شخصيتين تتقاطع مع مفردات اللهجة العامية ، ويهدف الحوار الى مساندة السرد في بناء الرواية ورسم الشخصيات وتوضيح أفكارها وقناعاتها وهمومها وتوتراتها، خاصة عندما تظهر لنا الشخصية وهي تناجي نفسها.

اقتباس

(عجزت عن صياغة حكاية متماسكة عما جرى لي أو لسوسن، كل ما أعرفه أنني وضعت السّم في قنينة البيرة، وهي على العموم جرعة قليلة جداً، وضعتها من أجل فرحنا القادم، أنا وسوسن) ....ص 99.

موضوع الرواية غزيرة بالأحداث ومقتضبة الشرح والتعليق، تقف عند التكثيف والتهكم دون أن يتدخل الكاتب في إعطاء وجهة نظر واضحة،متشعب بين عدة شخصيات فيها يختزله وقائع وأحداث تعيشها الشخصيات ويسيرها بطل الرواية ذو النفسية الخاصة، الذي يرى بنظرته الثاقبة التي أوصلته إلى حالة الذهان مما جعل الكاتب أن يترك نهايتها مفتوحة،

السارد –في أغلب الأحيان- يكتفي بلعب دور الملاحظ بتسجيل ما يقع حتى يُقلق القارئ أو يكاد ! وفي إقلاق القارئ، ثمة مساحة لطرح الافتراضات وإنتاج تصورات خاصة قد تصح في النهاية على حسب نباهة القارئ، أو قد تنكسر وتضمحل حين يبلغ القارئ حد اكتمال النص الروائي وتمامه وينتهي بذلك دور السارد كي يبدأ دور القارئ، أي في زمن ما بعد النص الروائي والذي غالبا هو ما يتركه النص في عمق المتلقي من أثر.. “بمعنى أن الرواية محكومة في شكلها الملفوظ وحجمها الملحوظ بعدد معين من الصفحات لكن لها امتدادات زمنية في نفسية القارئ؛ لما تشكل لديه من رؤية ارتدادية في أعماق الذات لتجسيد انفعالاتها

توسل الكاتب بتقنية السخرية جاعلا منها أداة حاضرة ملازمة لأغلب المقاطع السردية، لأن الكتابة مساحة يؤسس عليها الكاتب نقده الاجتماعي والأخلاقي.. فهي “نوع من التأليف الأدبي لواقع يقوم على متناقضات… ومفارقات وتضادات.. كما أنها خطاب ثقافي يقوم على أساس انتقاد الرذائل والحماقات والنقائض الإنسانية.

اقتباس

(“أي تآمر هذا؟” بكت الشاعرة. “ماذا عن قطرتي السّم. قلت”. “أي سم؟ أي عذاب هذا، سوسن لم تمت يا مازن، سوسن بتونس مع طفلها، ألا تراه يسافر ويعود منذ التغيير لغاية الآن؟”) ...ص 112.

يعتمد المؤلف على النهاية المفتوحة في نهاية الرواية لمعظم الشخصيات، فلا يخبرنا عن مصائرها بل يُبقيها لحدس القارئ وتوقعاته بل ورغباته، ربما ليفسح له مجالاً للمشاركة في التأليف. ، ربما أراد من ذلك ابراز قوة الحدث وما يتركه من أثر في وجدان القارئ، وكذلك لتوظيف الإيحاء من خلال الحدث ورمزيته التي تقود القارئ الى ما وراء الحدث نفسه وما يحمله من معنى واستنتاج.

"الكاتب/مازن" ضاق بعالم الواقع فأطلق العنان لجياد أحلامه تسرح في اللاوعي وجحيم يتوغل في العالم الخارق الأخرق الذي لا مثيل لصدقه وأمانته وقدرته على الاصطدام بالواقع واستشفاف المستقبل.

الحكايات المؤلمة نكتبها رغم المها لكن لا نأمل بعودتها. أوَليس الحكاية "الرواية" علماً واستشراف رؤية تنتظر كاتبا مثقفا يحولها إلى مشاهد يصعب عليك أن قراءتها نسيانها؟

وختاما... اقول انها رواية تستحق القراءة بجدارة جريئة مفعمة بالمواقف والعواطف الإنسانية النبيلة منها والمتوحشة حول معاناة المرأة في المجتمع الذكوري خاصة بعد استفحال التطرف الديني في السنوات الأخيرة ما بعد 2003 والذي سلبها ما تبقى لها من بعض الحرية وقد رمز لها الكاتب ب "العوق" . الرواية ترصد التغيرات الفكرية والسلوكية التي حدثت في المجتمع العراقي وتداعيات ذلك على الفرد .لغة الرواية وأسلوبها من السهل الممتنع، وهذا ما ييسّر نقل الرسالة التي تحملها للقارئ المتلقّي. إضافة إلى التلقائية والعفوية في السرد والحوار.. ولا يجيد ذلك إلا من عايش الحدث.. وحتّى ليس كلّ من عايشه قادراً على أن يحكيه.

والظاهر أن الكاتب يولي عناية كافية لغته الباذخة والرشيقة التي ترتقي بنفسها لتواكب الحداثة وبهذا فالكاتب يبتكر أسلوبا لغويا وسطا يخدم لعبة الكتابة وينشر البهاء ويحفر في الدلالات يخلق متعة الإبهار والإمتاع والتشويق في نفس القارئ الذي بدوره يبحث عن هذه العناصر بين ثنايا اللغة كما يبحث عن فكرة جديدة وعميقة بين ثنايا الحكي والسرد.

 

قراءة عقيل هاشم

 

حسيب شحادةلا ريبَ في أنّ الكثيرين من القرّاء قد طالعوا بعض ما دبّجه قلم الكاتب المصريّ القصصيّ الشهير، محمود أحمد تيمور باشا ١٨٩٤-١٩٧٣. تمحورت كتابات محمود تيمور حول الفن القصصيّ، قصص قصيرة، قصص مطوّلة، قصص تمثيليّة، ومنها على سبيل المثال: كلّ عام وأنتم بخير، إحسان لله، انتصار الحياة، أبو الشوارب، تمر حنا عجب؛ كيلوباترا في خان الخليلي، سلوى في مهب الريح، شمروخ، معبود من طين؛ صقر قريش، المنقذة وحفلة شاي، المخبأ رقم ١٣، فداء، اليوم خمر، حواء الخالدة، طارق الأندلس. كما ألّف تيمور في مجالي: صور وخواطر من ناحية وفي الرحلات من الناحية الأُخرى مثل: ملامح وغضون، النبيّ الإنسان، عطر ودخان؛ أبو الهول يطير، شمس وليل، جزيرة الجيب. وأخيرًا ثمة شطر من  الدراسات في اللغة والأدب بقلم تيمور أيضًا، وقلّما يتفطّنها المثقّف العربيّ العاديّ، ومن تلك الدراسات نذكر: مشكلات اللغة العربية، معجم الحضارة وهو قاموس، دراسات في القصّة والمسرح، طلائع المسرح العربيّ.

في ما يلي أتطرّق لما في الكتاب التالي من أفكار وآراء لغوية: محمود تيمور، مشكلات اللغة العربية. القاهرة: مكتبة الآداب ومطبعتها بالجماميز، المطبعة النموذجية، ١٩٥٦، ٢٠٦ ص.  الكتاب مُتاح بالمجّان على الشابكة. يتكوّن هذا الكتاب من سبعة فصول وهي: قضية اللغة العربية؛ لغة المجتمع؛ ضبط الكتابة العربية؛ سلطان اللغة العربية؛ كلمات الحياة العامة؛ مواليد جديدة … في لغة الحياة العامة؛ العامية … الفصحى.  أُسارع في الأمر وأقول بإيجاز: الكاتب محمود تيمور جريء جدًّا في غالبية أفكاره اللغوية حتّى بالنسبة لأيّامنا هذه، بعد ستّة عقود ونيّف من تدوينها، وليس من الصواب طرح الكتب القديمة جانبًا لقِدمها والتهافت على الإصدارات الحديثة لحداثتها فقط . ففي المؤلّفات القديمة قد تكون ومضات وآراء على جانب كبير من الأهمية أيضًا. إنّ العمق والموضوعية والشمولية في التفكير، التحليل والتفكيك ليست حكرًا على عصرنا الراهن فحسب؛ العملية التراكمية التاريخية جدّ ضرورية ونافعة.  كان محمود تيمور عضوًا في مجمع اللغة العربية المعروف بمجمع الخالدين في القاهرة منذ العام ١٩٤٩؛ دافع عن العربية والعروبة؛ حاول إنجاد العربية الفصيحة من الجمود؛ دافع عن العربية المحكية في مصر. كلّ هذا، والحقّ ينبغي أن يُقال، إنّ تيمور لم يدرس موضوع اللسانيات أو علم اللغات (linguistics) في أيّة مؤسّسة علمية. التعليم المنتظم وحيازة الشهادات الجامعية لا تكسب الشخص بالضرورة، لا ثقافة عامّة ولا أخلاقًا حميدة.

* العربية غير اللاتينية:

في الفصل الأوّل يذكر تيمور ظاهرة تحوّل الجرمانية القديمة إلى لهجات فلغات كالألمانية والإنچليزية والهولندية وكذلك بخصوص اللغة الأوروبية الكلاسيكية - اللاتينية التي نبثقت منها لغات كالفرنسية والإيطالية والإسبانية، ويعقّب على ذلك بقوله إنّ حال العربية الفصيحة مخالف للجرمانية القديمة وللاتينية، وذلك لأنّها لغة دين سماوي وهو سبب جمود العربية (ص. ٦). كنت في مناسبة أُخرى (إطلالة على ظاهرة انقراض اللغات ومستقبل العربية) قد تطرّقت لهذه النقطة وصفوة القول: مجرّد وجود كتاب سماوي لا يحفظ بالضرورة لغة ما من الاندثار. ولا يخفى على الكثيرين أنّ منظّمة اليونيسكو قد أكّدت أن العربية المكتوبة ستكون ضمن اللغات المرشَّحة للانقراض في غضون القرن الحالي. تاريخيًا أمامَنا مثَل جليّ لموت أو سبات لغة طوال سبعةَ عشرَ قرنًا من الزمان تقريبًا، بالرغم من وجود كتاب ديني سماوي مقدّس لدى أصحاب تلك اللغة. هذه اللغة فريدة في نوعها في تاريخ اللغات، إذ أنّها أُعيدت للحياة قبل قُرابة  قرن ونصف من الزمان، منذ بداية ثمانينات القرن التاسع عشر في فلسطين، نتيجة تضافر عدّة ظروف ومجهودات مؤاتية ضرورية، وغدت لغة محكيّة حيّة تدرّس فيها كلُّ المواضيع حتّى الطبّ في الجامعات الإسرائيلية، إنّها العبرية الحديثة التي انبثقت عن عبرية العهد القديم (Biblical Hebrew) التي يرجع تاريخها الأقدم إلى أكثرَ من ثلاثة آلاف عام، ومن لغة التوراة الشفوية، المشناة والتلمود ومن عبريةالقرون الوسطى. ويذهب محمود تيمور إلى أنّ لا خير في إحياء العامّية وجعلها لغة كتابة، بدون تعليل ذلك، ولكنّه ينادي بدراسة قواعد العامّية وأصولها على أمل إمداد قواعد الفصحى وتوسيع أقيستها. ففي العامّية اليسر والقدرة على التعبير عن حاجات المجتمع الحالي وتمتاز بالمرونة والطواعية لتغدو في نهاية المطاف لغة المخاطبة والحديث، كما هي لغة الكتابة والتدوين (ص. ١٧٨-١٧٩). سيلاحظ القارىء أنّ ثمّة بعض التناقض في أقوال تيمور حول العامية، ألها قواعد ونظام أم لا.

* إيجاد المصطلحات المناسبة:

يسخر محمود تيمور من المجمع الذي دأب على تعريب المصطلحات الأوروبية نحو التمبيل بدلًا من الأوتومبيل، الخيالة بدلا من السينما، القطار بدلا من البابور، المنامة بدلا من البيجاما، المغنى بدلا من الفيلا، الشطيرة بدلا من الساندوتش. ويأتي بقوائم مبوّبة لكلمات عامّية أو أجنبية ومقابلها البديل الفصيح، ويرى المتابع المختصّ بأنّ عددًا كبيرًا من البدائل الفصيحة لم تدخل حيّز الاستعمال. المشجب بدلا من الشماعة والمعطف بدلا من البالطو، والإرزيز للتليفون، ومتكأ بدلا من كنبة ومهفة بدلا من ريشة، الزَمْزمية أو الزجاجة العازلة أو الكظيمة بدلا من الترموس؛ المِهَزّ بدل سرير الطفل، المنضدة  أو النضَد مكان الترابيزة، رِزمة أو لفيفة بدل باكتة، الزَّهرية بدل الفازة للزهر، موقِد بدل وابور، المِنْزعة بدل الفتّاحة، القدَح أو الفنجانة مكان الفنجان، الشافهة بدلا من الشفّاطة، السِّروال بدل الكلسون، اللِّفاع بدل الكوفية، المنهدة بدلا من السوتيان أو حامل النهود، الغلام أو النادل بدلا من الجارسون، المقْرونة أو الإطريَّة بدلا من المكرونة، المسحوق أو الذَّرُور بدل البودره، السَّنُون مكان معجون الأسنان، المَطْهَرة بدلا من دورة المياه، الحظيرة أو حظيرة السيارات بدلا من الجراج، المَسْلاة بدلا من الكوميديا، التخَفّي أو التشكل بدلا من الماكياج، الزلّاجة بدلا من سكي، كُرة المضْرب أي التنس، رُقعة الحساب بدلا من الفاتورة، دائرة معارف أو مَعْلمة بدلا من الأنسكلوبيديا، مُضَخّم الصوت بدلا من الميكروفون، السلطان بدلا من الامبراطورية، الهَيْضة بدلا من الكوليرا، المدّاد بدلا من قلم الحبر  إلخ.، أنظر ص. ٩٨-١٣٢، ١٤٧-١٥٦، معجم الحضارة.

* العربية الفصيحة:

أوّلًا تجدُر الإشارة إلى أنّ محمود تيمور قد تطرّق إلى بعض المبادىء والأفكار اللغوية العامّة التي لا تتعارض بجوهرها مع ما توصّل إليه لغويّون معاصرون كثيرون. هذه أهمّ الأفكار والمبادىء في نظري (أضفت نقطتي الياء المتطرّفة الساقطتين عند تيمور كغيره في مصر):

ما زالت لغة القرون الماضية مسيطرة على العصر الحديث (ص. ٥)؛  وإنما اللغة من خلق أنفسنا، (ص. ٢٨)؛ … لا خلاف على أن قراءة الكلام غير المضبوط قراءةً صحيحة أمرٌ يتعذر على المثقَّفين عامة. بل إن المختصّين في اللغة، الواقفين حياتهم على دراستها، لا يستطيعون ذلك إلا باطِّرادِ اليقظة، ومتابعة الملاحظة، وإن أحدًا منهم إذا حَرَص على ألا يخطىء، لا يتسنّى له ذلك إلا بمزيد من التأني، وإرهاف الذاكرة، وإجهاد الأعصاب؛ (ص. ٤١)؛  أكبر ما يعوق اللغة فيما يقولون أنها لغة كتابة لا لغة كلام، (ص. ٩)؛ وفي معتقدي أنه لا سبيل لنا إلى التخلي عن النحو، وأكاد أجزم بأن النحو سيظل أساس لغة الكتابة (ص. ١٦)؛

والصواب في اللغة مناطه الشيوع، خطأ مشهور خير من صواب مهجور (ص. ٢٥، ٢٧)؛ اللغة المشكولة مكتملة، واللغة المختزلة غير المشكولة ناقصة. نفهم أولًا لكي نقرأ قراءة صحيحة، على عكس المقصود بالكتابة، (ص. ١٨)؛

 السماع حجة للغة قائمة لمنع الجمود والقياس يجب أن يكون مفتوحًا على مصراعيه لاستقبال أقيسة حديثة (ص.٢٨-٢٩)؛ فساد اللغة وضعفها هو تحجرها، (ص. ٣٠)؛ اللغات الأدبية عامة هي لغات كلام وكتابة معا، (ص. ٤٢)؛ الكتابة العربية غير المضبوطة هي ناقصة، (ص. ٤٣)؛ اللغة العربية اليوم في محنة واختبار، (ص. ٧٨)؛ الفصحى صعبة المرتقى، عصيّة المنال. وأنها ليست طيعة كل الطواعية، ولا مرنة كل المرونة، لملائمة حاجات الحياة في تطورها الدؤوب. (ص. ٨٠)؛ اللسان غير مطبوع على الفصحى، (ص. ٩٢)؛ الفصحى هي القالب المختار لمختلف اللهجات (ص. ١٥٨)؛ قال ابن جني: إن الناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطىء وإن كان غير ما جاء به خيرا منه، (ص. ١٧٦)؛ وقال أبو حيّان: كل ما كان لغة لقبيلةٍ قيسَ عليه، ص. (١٧٦). 

إزاء هذه الجملة من الآراء الهامّة من منظور أيّامنا هذه أيضًا، أقول بكل تواضع إنّ جوهر المشكلة/العائق الأساس في سبيل التمكّن من اللغة العربية المعيارية MSA ناجم عن الحقيقة الخفيّة حتّى اليوم، أو قل غير المعترف بها ألا وهي: العربية الفصحى ليست لغة أمّ أيّ عربي على هذه البسيطة، لغة أمّ كل عربيّ هي لهجة عربية معيّنة. ومن الجدير جدًّا ذكره، أنّ أفضل السنوات وأنجعَها لاكتساب قواعد اللغة بالفطرة، أيّة لغة، هي سنوات الطفل الأولى، قرابة الستّ - السبع، وهي مستغلّة في اكتساب اللهجة المحلية فحسب. إنّ حيويّة أيّة لغة بشرية مستمدّة من كونها لغة حديث عادي في كلّ مجالات الحياة، وهذا غير حاصل بالنسبة للغة العربية المعيارية. إنّها لغة كتابة وقراءة في المقام الأوّل لمن يمارسهما وعدد ممارسيهما ضئيل جدًا نسبيا، وحيّز التحدّث بها جدّ محدود، إنّها مسموعة في حالات ومناسبات معروفة مثل قراءة نشرة الأخبار وبعض البرامج التراثية في التلفزيون والراديو. من البدهي أنّ الناطق بلغة ما كلغة أُم لا يحتاج لتعلّم قواعدها، فهو يعرفها بالسليقة وكثيرًا ما يتعذّر عليه شرح تلك القواعد إذ أنه ليس بحاجة لها. لا نحيد عن جادّة الصواب كثيرًا إذا قلنا إنّ القراءة الصحيحة المضبوطة ما زالت مهمّة صعبة بالنسبة لمعظم المثقّفين العرب اليوم أيضًا، ومن المحتمل القريب جدًا أن يكون الوضع اليوم أسوأ ممّا كان عليه أيام محمود تيمور. أرى، كما نوّه الأديب تيمور، بأنّ إضافةَ بعض الحركات على الكتابة العربية المعاصرة في مواضعَ معيّنة لمنع اللبس وتسهيلًا على القارىء لا بدّ منها، والأمر تقنيًا يسير راهنا. كُتب الكثير عن الحاجة لتيسير قواعد اللغة العربية والتركيز على الجوانب الأساسية العملية في النحو والصرف أي انتهاج القواعد الوظيفية، وتجنّب الكثير من المواضيع التفصيلية والخلافية وفق مدارس النحو، البصرة، الكوفة، بغداد، الأندلس.  ومع هذا، لم يطرأ بعد على العربية ما طرأ على لغات كثيرة من تبسيط وتسهيل وتعديل لسبب معروف للجميع. وأخيرًا وليس آخرًا، ثمّة ضرورة لتوضيح القول المأثور التالي وتعريفه تعريفًا جامعًا مانعا: خطأ مشهور خير من صواب مهجور.

* العربية العامّيّة:

تحت هذا العُنوان وردت آراء صائبة كثيرة في الكتاب وفي بعض الأحيان أطلق المؤلّف نعوتًا عن العامية لا تستند إلى الأبحاث العلمية والمنطق السليم.

من المعروف أنّ للعامية أنصارًا وخصومًا، يكتب الأنصار بالفصحى ويتكلّم الخصوم بالعامية؛ الفصحى هي القالب المختار لمختلف اللهجات (ص. ١٥٨)؛ العامية أقدم من الفصحى (ص. ١٥٨، ١٦٨)؛ العامية عريقة في نسب العروبة، وهي من صنع مجتمع عربي اللسان صميم، ولكنّنا نأبى منها أنها تناتيش لغات تهشّمت، وأحافير لهجات تهدّمت، (ص. ١٧٧). أصاب تيمور هنا كبد الحقيقة بقوله غير الشائع في الأوساط العربية: العامية أقدم

من الفصحى. نعم من المعروف أن المنطوق أقدم من المدوّن المكتوب. يبدو أنّ عمر أقدم لغة مدوّنة هو ستّة آلاف عام في حين أنّ عمر الإنسان يزيد عن المليون سنة.

من الأقوال التي حادت عن جادّة الصواب من حيث علم اللغة الحديث ما يلي: العامّية لا ضابط لها ولا نظام، فإنّها لهمجية غير مهذبة، وليس لها من أصول مستقرة قط، ولا طاقة لها بالتعبير الراقي عن جلائل الأشياء في ميادين الاجتماع (ص. ٩، ٢٩)؛ يذكر تيمور أن بعض علماء اللغة ونقّادها يرون العامية فسادًا للغة الأصيلة وانحلالا، وآخرون يرونها تطورًا واستحالة … وبهذين التقديرين يتميز خصماء العامية وأنصارها (ص. ٨٢)؛ العامية قرينة الأمية - العامية مفتقرة إلى تقعيد وتأصيل (ص. ١٥٨).

 إنّ صدور مثل هذه الأحكام والنعوت عن محمود تيمور لا تتماشى مع ما ورد في مواضعَ مركزية أخرى في الكتاب. أولا في علم اللغة الحديث لا وجود للغة همجية أو مهذّبة أو راقية إلخ. إذ أنّه في مُكنة كلّ لغة بشرية طبيعية القدرة على التعبير عن الأشياء والأفكار والعواطف بطريقتها الخاصّة. ثم كيف يستقيم القول بأنّ العامية لا ضابط ولا نظام لها ويستعملها بلهجاتها الكثيرة والمتباينة بيسر وطبيعية كلغة أمّ  أكثر من أربعمائة مليون عربي. بدون نظام و قواعد لغوية معروفة ثابتة لا يمكن أن يتمّ أيّ تواصل طبيعي بين الناطقين باللهجة ذاتها. ويرى محمود تيمور بأنّ البون بين العربية الفصيحة والعامية ليس ببعيد (ص. ١٦٨) وأنّ الانتقال من العامية للفصحى سهل (ص. ١٧٩). صحيح أنّ العامية غير قادرة في الوقت الحاضر على التعبير الدقيق والشامل عن مجالات العلم والمعرفة في العصر الحديث، لأنّها لا تتعاطى بهذه الموادّ ولم تدخله بعد. الأمّ اللاتينية التي كانت لغة العلوم والكنيسة والنخبة باتت لغة في بطون الكتب، في حين أنّ بناتها كالفرنسية والإيطالية والإسبانية، التي بدأت لهجات محلية مختلفة ما برحت بمرّ الزمن إلى أن غدت لغات علم ومعرفة في أيّامنا هذه.

بالطبع أرى لزامًا على الباحث عامّة، تجنّب إطلاق مثل هذه التعميمات في ظلّ غياب توفرّ إحصائيات تقوم على مسح علمي مدروس. أعتقد جازمًا بأنّ الفجوة أو البون أو الهوّة بين العربية المعيارية واللهجات ككلّ ما زال عميقًا وواسعًا اليوم من حيث القواعد- علم اللفظ/الأصوات والصرف والنحو-  والمعجم. أقول هذا بالرغم من بعض الانحسار في ذلك البون نتيجة للهبوط في نسبة الأميّة في العالم العربي وزيادة إشاعة التعليم ورفع المستوى. لا أتردّد ولو للحظة واحدة بأنّ القول: الانتقال من العامّية إلى الفصيحة سهل، ليس صائبًا حتّى بالنسبة لمعظم المثقّفين إن لم يكونوا جميعهم تقريبا. شتّان بين لغة الأمّ واللغة القومية، بين اللغة الأولى الطبيعية العفوية واللغة الثانية المكتسبة المبنية على القواعد، بين لغة الحياة وبين لغة الكتابة. يقول محمود تيمور: من الخير أن نؤكد لأنفسنا هذه القربى بين العامية والفصحى، ففي هذا التأكيد ما يهبنا الطمأنينة والثقة حين نمسك بالقلم لنعالج الكتابة بلغة غير لغة الحديث، فلا نتوهم أننا ننتقل من لغة إلى لغة، وبينهما بون بعيد، بل نعرف أن قُصارى عملنا في الانتقال من لهجة الحديث إلى لغة الكتابة، إنما هو مجرد صقل للكلمة وتقويم للنطق، وتعديل للجملة، ورعْي لمقتضيات الفصحى في مقام التعبير، فنقارب بين أسلوب الكتابة وأسلوب التخاطب  ما أمكن التقارب، لنيسر للقارىء أيًا كان شأنه سبيل التبيُّن والفهم، ونيسر للكاتب أيةً كانت قدرته سبيل الإبانةِ والإفهام (ص. ١٧٩). ما يقوله تيمور هنا قد ينطبق كلّه أو بمجمله عليه وعلى أمثاله وهم قلّة وفق كلّ المقاييس ثم أنّ المقصود بالنسبة لنصوص سهلة وقصيرة. أضف إلى ذلك أن هناك تسطيحًا وتبسيطًا للواقع.

يُنهي تيمور كتابه بالنداء لإزالة الستار الموهوم بين العامية والفصحى فالعُزلة الموحشة بينهما ليست لصالح الفصحى. يقتبس العرب ويترجمون ألفاظًا وتعبيراتٍ من اللغات الأجنبية فلم لا يفتحون الباب على مصراعيه لولوج الكلمات العاميّة - العامية الفصحى -  ميادين الكتابة والتدوين وفي هذا المزيد من الدقّة والوضوح، المرونة واستجابة للحياة المتجدّدة (ص. ٢٠٦). هذا رأي جدير بالاهتمام الجادّ ولا أظنّ أنّ المجامع اللغوية العربية وما أكثرها قد تصدّت كما ينبغي لهذا العمل. الكلمة الأخيرة هي لما يعتمده معظم أهل اللغة، شيوع الكلمة هو المقياس.

ماذا سيكون مصير العربية المعيارية، اللغة القومية، من جهة واللهجات العامية، لغة الأمّ،  في البلدان العربية بعد قرن من الزمان أو أكثر؟ من سنّة الحياة وجود نمطي لغة أساسيين: اللغة المعيارية، لغة الكتابة والعلوم واللغة الدارجة المحكية في الحياة اليومية العامّة، ولكل مقام مقال. البون بينهما ما زال عميقًا وواسعًا، وهو يتقّلص بمرور الزمن ولكن لغة الأمّ ستبقى على ما يبدو، وبجانبها اللغة القومية وهي نصف حيّة.  اللسان مطبوع على اللهجة وليس على الفصحى. الخوف على اللغة القومية متربص لها من الداخل ومن الخارج!.

 

أ. د. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

 

حيدر عبدالرضاقصة (مخطوطة في قنينة) أنموذجا

علامات النص بين استدلالية الرمز ورحلة السفينة البرزخية


 توطئة:

تتجاذب وتتصادى المحاور الدلالية في صيغة وصوت السارد الكلي المشارك في قصة (مخطوطة في قنينة) بما يوفر إلى مساحة الفضاء التشكيلي ثمة مستحدثات حلولية حبكوية خاصة في مستوى عتبة الاستهلال في ذلك النوع المتمم في التنوع والأمتزاج والتداخل في صيغة أشد اللحظات تفارقا وتباعدا عن ظرفيات الخلفية الذاكراتية المبثوثة عن حال حاصل مفعول الفاعل السارد المشارك في مؤشرات النص القصصي.

ـ التفاعل النصي وسردنة بنية الاستهلال السيرذاتية.

أن التذكير ببعض أوليات صوت السارد المشارك في وظائف أقاصيص عوالم إدغار ألن بو،ما هي إلا جملة من الدلالات العاملة بوظيفة تقديم معنى حكاية النص، كمقدمة دلائلية يقف من خلالها القارىء على مشهودية نقطة انطلاقة النص، بدءا من سيرة الشخصية الساردة وحتى مرحلة التوسط في توليد الأشكال والوظائف المعنية في إجرائية خطية الموضوعة والفكرة القصصية المطروحة في الأحوال السردية.

1ـ إغراء المتلقي وتشويق غواية المعنى:

تتوسل العتبة الاستهلالية في قصة (مخطوطة في قنينة) بذلك التأسيس الدلالي المنخرط في التنوع والتشكيل، مما جعلنا نتعامل وهوية العتبة العنوانية كدلالة محفزة نحو إعادة جل المسافات السرانية الخاصة بوظيفة إغراء القراءة لنصوص ألن بو إجمالا، وعلى هذا النحو الخاص وجدنا عتبة العلاقة النصية الأولى، وكأنها محاولة في استدراج وظيفة (غواية المعنى) دخولا منها نحو خطية آفاق أفقية من جملة اللاتوقعات في هوية المقروء وكيفياته المتحولة في الواصلة الظاهرية والباطنية من التنصيص الحكائي. وتبدو من جهة أخرى العتبة الاستهلالية في هذا النص، كفاعلية مشروطة في علاقة السارد المشارك إزاء تعريف عقبات حياته التي قد مربها إجمالا على عدة مراحل زمنية ومكانية وعاطفية ونفسانية، حتى توصل على حين غرة نحو ذلك الشكل البيني من سرد تجلياته بلسان حالة الظرفي قدما: (ليس لدي ما أقوله حول بلادي وأسرتي، لأن التصرفات السيئة وكر الأيام أبعدتني عن الأولى وتركتني غريبا عن الثانية. وقد اتاحت لي الثروة التي ورثتها ثقافة غير عادية، كما أن نزعة تأملية في تفكيري مكنتني من تنسيق القصص التي تجمعت لدي من دراساتي المجدة الأولى.. وأجتذبتني مؤلفات الاخلاقيين الألمان بشكل خاص، ليس بداعي اعجابي الاحمق بجنونهم النافذ بل للسهولة التي تمكنت بها من اكتشاف نفاقهم / بفضل عادات تفكيري الصارم، قد غيرت بجدب عبقريتي وعجز مخيلتي. أما أرائي المتشككة بكل شيء فقد تركت لي شهرة سيئة. / ص29 النص) عند قراءتنا لعتبة هذا المستهل من لسان حال (الكاتب / السارد الكلي) يمكننا ترجيح طبيعة هذا النوع من الوحدات الاستهلالية إلى من يسعى إلى الوصول إلى غائية مذابة بمحاليل خلطات كيميائية غريبة، وقد أحصاها السارد الكلي من ناحية عدم مؤاخذة هذه القصة بأسباب الأجناس الخرافية أو الطوطمية احتمالا.. من عادات كتابة (إدغار ألن بو) المخاتلة في بنية الاستهلال ثم بالتالي الاشتغال بالنص كتوليدة خاصة من الصوغ الذاتي المضمن على هيئة خلفية مموهة من طبيعة سيرذاتية تابعة إقرارا مباشرا إلى صاحب النص أو تلك الشخصية المراوية الموظفة في محمولات النص ذاته الشخصانية، وقد نلاحظ بأن عناصر العتبات الاستهلالية في نصوص ألن بو، ليس دائما كعلاقة تكميلية صائبة في بنية استدلالات المتن الوحداتي، بل هي عادة ما نجدها عبارة عن جملة تفارقية لخطية المشروع الاشتغالي في فضاء وأحوال دلالات زمن الحكاية ذاتها. فالنص كحال (مخطوطة في قنينة) لربما أحصاه ألن بو ضمن منظومة المزج بين مرجعية السيرة الشخصانية للشخصية الحكائية وبما ينطوي عليه من تراتبية مذكرات الشخصية ذاتها، ثم بالتالي الدخول نحو مفاصل المتن الذروي المترتبة في مشاغل أحوال الحبكة القصصية،و هذا الأمر ليس منافرا ما دامت أدوات القص في هذه المرحلة النصية أخذت تعتمد على إيراد جملة المقدمة السير ذاتية قبل الدخول إلى حبكة النص، وهذا الأمر ما وجدناه لدى أشهر كتاب القصة القصيرة في هذه الحقبة من حياة ألن بو:(بعد سنوات عديدة قضيتها في الاسفار أبحرت عام ـ 18 ـ من مرفأ باتافيا في جزيرة جاوا الغنية المزدحمة بالسكان، في رحلة إلى جزر الأرخبيل، ذهبت كسائح، إذ لم يكن هناك ما يدفعني للسفر سوى نوع من القلق العصبي يسكنني كأنه مس من الجن.. ركبنا سفية جميلة تزن حوالي أربعمئة طن مغلفة بالنحاس تم بناؤها في بومباي من خشب الساج المجلوب من مالابار.. كانت محملة بالقطن والزيت من جزيرة لاشايف، وألياف جوز الهند وسكر البلح، والزيت النباتي،و بضع صناديق من الأفيون.. ولم تكن هذه الحمولة متسقة بعناية مما جعل ألواح السفينة تلتوي.. أقلعنا، تدفعنا ريح لينة،وسرنا أيام عديدة بمحاذاة شاطىء جاوا الشرقي، دون أن يقطع رتابة سيرنا شيء. / ص30 النص)

2ـ مسافة الوصف توليد زمني تقاطعي بوظيفة التوقع:

من حيث الشكل المكاني تتخذ قابلية الوصف شعريتها التفاصلية والترشيحية نحو فضاءات متدفقة من الصوغ الذواتي خارج وداخل النص.و من أجل الوصول بالموصوف إلى نقطة المعاينة،لاحظنا بأن جهات الموضوعة القصصية، عبارة عن إعادة إنتاج سوسيولوجية وصفية دقيقة في منظور أحوال سلطة المكان والزمن ومحكيات الفاعل النصي: (بضع صناديق من الأفيون ـ سفينة جميلة تزن أربعمائة طن ـ القلق العصبي يسكنني كأنه مس من الجن ـ ألواح السفينة تلتوي) فما حقيقة هذه المظاهر الدالة من واقع الوصف؟ أهي محل فجوات عاثرة للرحلة؟أم أنها سياقية أخذت تؤمن الوحدة الكلية لطبيعة المسافة الوصفية لأجواء الوحدات الزمكانية؟ هناك ما يلوح بحدوث أبعاد مصيرية ترتادها أحادية المكان ووحشة جمود الزمن في مستويات سرانية من الوعد والوعيد الفنتازي. إذ ينخرط الواصف بالموصوف سلبا أو أيجابا في آنية المعقول أواللامعقول، أو الفاعل والموضوع الحاصل من خزين الحالات والتحولات السيكولوجية من مستوى الحامل والمحمول في المشخص النصي (القلق العصبي يسكنني،و كأنه مس من الجن. / ص29 النص) يبدو أن حالات الفاعل الذاتي تحيلنا بالمعنى السردي إلى جملة تتعلق بالملفوظ النفساني الخاص بفكرة تحولات النص وأحواله المعروضة والمسرودة، وحتى حلول ثنائية (الحال والتحول) الزمكانية والميتانفسانية،و على هذا النحو نعاين عاملية تقلبات أوضاع مزاجية ونفسانية الشخصية عبر خلفية ملفوظ العلاقة القائمة ما بين الخارج والداخل المنعكسة من حقيقة شواهد الأشياء: (وذات مساء حين كنت مستندا إلى حاجز السفينة جذبت انتباهي غيمة وحيدة معزولة في الجهة الشمالية الغربية.. كانت تلفت النظر للونها الغريب، ولكونها الغيمة الأولى التي تطالعنا منذ أقلعنا من باتافيا، راقبتها باهتمام حتى الغروب، حيث انتشرت فجأة باتجاه الشرق والغرب وطوقت الأفق بحزام بخاري رفيع بدأ كأنه شاطىء رملي / كان البحر يتغير بسرعة، وبدت المياه أكثر شفافية من المعتاد.. ومع أنني كنت أقدر أن أرى قعر البحر بوضوح، فقد أكتشفت بعد إلقاء مقياس العمق، أن السفينة على أرتفاع خمس عشرة قامة.. أصبح الهواء حارا إلى درجة لا تطاق، مثقلا بأبخرة شبيهة بما يتصاعد من الحديد المحمي. / ص30 النص) بهذه الحجم من الوحدات والأوصاف الصورية تتقدم المقاربة القرائية منا، إلى مراجعة بسيطة في مستوى وحدة كلية الوصف ومسافته المشبعة بأوسع اشتغالية الفاعل الذاتي بحجم تلك الاستعدادات والخيارات في مواجهة الاعصار البحري، ولكن ما طبيعة هذا التحول في شواهد مدلولية الرحلة؟ فما المسبب سرديا في كل هذا التحول؟أهي طبيعة الطقس البحري أم هواجس عصابية قادة الفاعل الذاتي وهما إلى العمل بها بمحددات متتابعة من سوداوية المكون الذاتي الشخصاني وحده؟

ـ المحكي بين الفواعل الممكنة وصدامية دليل الميتاواقعية.

لقد بدأ النص بمحمولات واقعية شكوكية واضحة، فيما أقترن المجال الاسلوبي في القص، ضمن مستحدثات خاصة من تحول الفاعل الذاتي وتبدلات الهيئة المكانية والزمنية، بالإضافة إلى حيوات الوقوع تحت سلطان الواقع طريقا مفترضا في مجال الشك والتساؤل والاستفهام الظني،ولا شك أنه ليس الواقع المحايث لوجود الأشياء في أرض الواقع، بل إنها جملة فواعل ناتجة عن المخيلة المموهة التي أخذت تتوهم وتتعدى تماثلات الواقع المرئي في عين موضوعيته الواقعة، إلى هذا الحد من الأمر تعرض الواقع في حادثة غرق السفينة إلى معادلة عسيرة من الذات المتشككة في موضوع التحول من السفينة الغاطسة إلى سفينة أخرى، بملامح فنتازية غابت عنها حقيقة الزمن والوجود، عبر مظاهره (الميتا ـ واقعية) ولمثل هذا الواقع الغريب والمصادقة عليه من طرف الإيهام والتوهم الشخصاني، لا يمكننا سوى متابعة هذه الوحدات من النص: (مع كل عقدة تجتازها السفينة.. كنا في بعض الأحيان نشهق بشدة،و نجد صعوبة في التنفس، وأحيانا أخرى كنا نصاب بالدوار ونحن نهبط بسرعة جنونية جحيما بحرية حيث يصبح الهواء راكدا خانقا ولا صوت تعليق غفوة الحيوانات الخرافية / كنا في قاع أحدى الوهاد حين أنفجرت من رفيقي صيحة فجائية هزت الليل، وصرخ في أذني: ـ أنظر ! أنظر.. يا إلهي القادر ! أنظر! أنظر..حين بدأ يتكلم، رأيت ضوءا أحمر ينعكس كامدا كئيبا وينسكب على جوانب الهوة التي كنا مدفونين فيها ويلقي على سفينتنا ضوءا رجراجا.. وعندما رفعت نظري صفعني مشهد جمد دوران دمي. / ص32 النص).

1ـ الأفعال النوعية وبرزخ زمن الواصلة الحلمية:

و تخضع الأفعال الصورية في مجريات الرؤية الطوفانية ضمن ملازمة ظهور المنقذ البحري، كما لاحظنا في وحدات السرد، المستعرضة قاب قوسين، تاركا الأعصار للفاعل الذاتي مجالا واسعا لخلق كيفيات غرائبية رابطة بين (الحدس ـ التوهم ـ عشوائية مصادرـ واقعية اللاأتفاق المعقول) ومجموعة هذه العناصر في زمن العلاقة الطوفانية والتسلق إلى سطح تلك السفينة العملاقة: (كان هيكلها الهائل بلون أسود غامق لا يزينه شيء من النقوش التي نراها عادة على السفن.. كان صف من المدافع يمتد من الكوى المفتوحة، وعلى سطوحها الصقيلة تنعكس أضواء العديد من قناديل المعارك التي كانت تتأرجح حول حبالها.. لكن ما بدا لنا مذهلا شديد الغرابة هو أن السفينة كانت تنشر كامل أشرعتها، رغم حالة البحر الخارقة والزوابع التي لا تقاوم. ص32 النص) غير أن ما يشكل موضع الأهمية في مسار وحدات النص، ذلك الاختلاف في معمارية السفينة وشروع أشرعتها بأنعدام التأثير إزاء ماهية الطبيعة الأعصارية الهائجة في تلاطم قمم أمواج البحر.

2ـ موازاة الفضاء المحسوس ومغايرة الزمن النمطي:

يسهم حضور السارد الكلي العليم في قصة (مخطوطة في قنينة) ضمن الملامح المشخصة في تقاويم الزمن المضارع الخطي، وهي القيمة المتبقية من تفاصيل وضوح محددات الزمن الفاعلي في بناء موضوعة النص.و لكننا عندما نتعرف بواسطة الشخصية الساردة في النص على محتويات تلك السفينة القادمة من (اللازمن) تتبين لنا مستويات خروج زمن الحكي عن نمطية الزمن المسجل له في مدارات الزمن النصي الانطباعي المجسد في النص، وذلك رغم تقارب فضاء المحسوس لدى الشخصية بما كان عليه البحارة في هذا المركب، إذ هم ممن يقال عنهم هيئات وكينونات خارج الزمن النمطي للوجود الحاضر لمستوى فاعل الزمن الشخوصي: (سمعت وقع أقدام، مما أضطرني إلى الأختباء منه فورا.. مر بالقرب من ملجأي رجل بمشية خائرة مترنحة.. لم أتمكن من رؤية وجهه، لكني استطعت أن ألاحظ هيئته العامة.. كان يبدو عليه الهرم والضعف بشكل جلي.. ركبتاه ترتجفان تحت وطأة العبء نفسه، وبصوت ضعيف ولهجة مكسرة غمغم لنفسه بضع كلمات لم أستطع فهمها.. خليطا غريبا من بلاهة الخرف ومهابة الالهة.. أخيرا ذهب إلى السطح ولم أره بعد ذلك. / ص33 النص القصصي) ولعل مضاعفة الحس الفنتازي في محسوسية الشخصية الساردة،ها هنا غدا يؤشر لذاته حكاية جديدة وجملة احاسيس مغايرة إزاء واقع وفضاء وموضع هذا الرجل العجوز، الذي بدت عليه ملامح غير مألوفة في رقعة زمن وحيوات الهيئة المنتمية إلى عالمنا أو عالم الشخصية الزمانية والمكانية ظرفا. وبمثل هذا الأختلاف تبدأ وظائف (الخارج الزمني ـ اللامعقول ـ المرموز الدلالي ـ المعادل التحولي) كما تتبع المضاعفة الغرائبية المؤرخة منذ أشرعة السفينة،و حتى مظهر نقوشها اللامألوفة وخروجها المتصدي بشراسة إلى هدير أمواج البحر المتوحشة،مرورا بمحتوى طاقمها المتكون من هذا الرجل العجوز بادئا، فيما تتأطر حكاية هذه السفينة في خصوصية علائقية ملغزة ما بين تتابعية مدار الشخصية إلى مجريات الأحداث في أسرارهذا المكان وظهورها المموه بين ثنائية (الموت ـ الحياة ـ تحولات المظهر الدلالي) وتتيح مأزومية الأحداث الشخصية إلى الدوران في أرجاء غرف السفينة: (لقد مررت لتوي أمام عيني وكيل القبطان، ومنذ مدة قصيرة غامرت بأقتحام الغرفة الخاصة بالقبطان نفسه..و أخذت منها الأدوات التي أكتب بها، والتي كتبت بها.. سوف أتابع هذه اليوميات من وقت إلى آخر، صحيح أنني قد لا أجد الفرصة لنقلها إلى العالم، لكنني لن أعجز عن إيجاد وسيلة ما.. في اللحظة الأخيرة سوف أضع هذه المخطوطة في قنينة وألقي بها في البحر. / ص33 النص القصصي) وتبعا لهذا النحو تدركنا فكرة النظرفي دلالة العنونة المركزية في النص (مخطوطة في قنينة) ضمن مؤشرات منظورية دليل الشخصية ومذكراتها المسرودة في المخطوطة، ولكن يبقى السؤال المطروح هنا هو كيفية وصول هذه المخطوطة، ما دام سكان السفينة هم من خارج حدود الزمن المتاح بوضعه المضارع والذي يصل بالشخصية إلى حد عدم التعرف على لغتهم وهيئاتهم الغرائبية والشبحية، كما ينص عليها الدليل النصي بالاشارة على أنهم كانوا لا يملكون قدرة رؤية الشخصية في حال اقتاربه من جوارهم؟ إذا كان الأمر هكذا أي أننا متفقون على أن شخوص السفينة مع حضور زمنهم البرزخي سرا، فقد يمكننا أيضا عد الشخصية المحورية ضمن غياهب المخطوطة المبثوثة في فاصلة اللازمن الحقيقي في النص؟ ولربما تبقى من جهة هامة الحقيقة الوحيدة متعلقة بكاتب النصأولا وأخيرا، لأنه يبقى الشاهد الوحيد بوظيفة كتابة ونقل الحكاية من مدارية منظور البرزخ اللازمني، اعتمادا منه بكونه الدليل الوحيد في بنية زمن الحكاية المتعينة شهودا: (تفحصت كذلك ألواح السفينة، ورأيت أنها مبنية من مادة أجهلها.. لأخشابها صفات خاصة أدهشتني لأني رأيتها غير صالحة للغرض الذي استعملت من أجله، ذلك أنها مملوءة بالمسام، وهو ما عزوته إلى فعل الديدان الذي هو نتيجة الملاحة في هذه البحار.. / وأتتني الشجاعة منذ ساعة وأندسست بين جماعة من البحارة.. لم يبد عليهم أنهم انتبهوا إلى وجودي، ومع أنهم يحيطون بي فقد بدوا غير شاعرين بوجودي إطلاقا.. كانوا جميعهم كالذي رأيته من قبل يرتدون شارات أزمنة غابرة.. كانت ركبهم ترتجف من الضعف، وأكتافهم متقوسة من الهرم.. جلدهم المتغضن يتجعد من الهواء.. وأصواتهم خافتة مرتعدة مكسرة، عيونهم تلتمع بدموع الشيخوخة وشعرهم الأشيب بتطاير في الريح.. وقد تناثرت حولهم الأدوات الهندسية القديمة التي بطل استعمالها نهائيا. / ص34 النص القصصي).

ـ إشكالية الموت النوعي ومرحلية الشيخوخة المطلقة.

يتبين لنا في المحصلة الأخيرة من وظائف وحدات الذروة الحبكوية في النص، بأن (إدغار ألن بو) كان يسعى من وراء دلالات قصته تمويه الزمن الصوغي لشخصية السائح على ظهر السفينة البرزخية الغارقة في حقيقتها منذ الآف السنين، فيما كانوا بحارتها في حقيقة أوضاعهم هم من الذكرى أمواتا في أجساد برزخية مفترضة ومتخيلة من قبل مأزومية الشخصية المتصورة. أن حكاية المخطوطة في قنينة هي الصورة الخاصة من تواريخ قصة البحارة الأموات , ولكنها وظفت بوعي تمويهي مزدوج يتعدى توقعات القارىء والقراءة المدونة في مخطوطة ثيماتية بالغة الدقة والحنكة والسبك التوظيفي في تقنية المضاعفة الغرائبية التي تلاقينا موسومة بأعلى مستويات الوظيفة السردية القصصية المخصوصة في حياة النصوص الابداعية الخالدة.. فالقاص الرائد (إدغار ألن بو) في قصته موضع دراستنا، أخذ يشعر القارىء بادىء ذي بدء بتضمينات الحلم للشخصية السائحة،ثم بالتالي راح يوظف الفضاءات الغرائبية في شواهد الأعصار وفي شخوص أو أشباح بحارة السفينة القادمة من اللازمن المقيد. فالسرد القصصي هنا يبدأ في حدود بناء الحبكة ثم العقدة وصولا إلى الذروة في سياق من اللعبة التكتيكية الجامعة لثنائية ـ الفنتازيا ـ الغرائبي ـ التمويه : (البحارة يتنزهون على ظهر السفينة بخطوات مرتجفة وقلقة، لكن ملامحهم تومض بتعبير أشبه بوهج الأمل منه بفتور اليأس.. الريح وراءنا دائما، والسفينة لكثرة أشرعتها المنشورة، تقفز أحيانا بكاملها خارج البحر.. آه رعب على رعب ! الجليد ينشق بغتة إلى اليمين وإلى اليسار، وندور دائخين في حلقات هائلة ذات مركز واحد / الحلقات تضيق بسرعة.. تغوص بجنون في شدق الدوامة.. وعبر هدير الأوقيانوس والعاصفة وأنفجارهما ـ تتأرجح السفينة ـ يا الله ! تختفي... تغوص. / ص 35 خاتمة النص القصصي).

ـ تعليق القراءة:

مما لا شك فيه فنيا أن (إدغار ألن بو) كان يلوح إلى الخروج بالسفينة المرمزة بحياة العالم الآخر من قيامة الموت البرزخي. إذ أن الشخصية وصديقها الرجل السويدي، قد ماتوا منذ غطس أولى أجزاء سفينتهم في أعماق البحر، أي عند أول علامات ظهور هذه السفينة الغريبة التي هي بمثابة المعادل الانتقالي لحمل الروح من عالمنا الدنيوي إلى موضعها في عوالم البرزخ، لذا وجدنا روح السائح ختاما مع ثلة أرواح البحارة العجائز. وهي تنقل آخر خطوات رحلتهم عميقا في قرار مواطن إبحارهم على ظهر سفينة الموت البرزخي.

 

حيدر عبد الرضا

 

 

المصطفى سلاممن خلال عنوان المجموعة القصصية "جبة بورخيس"[1]، يتبين للقارئ الحصيف موقع بورخيس ومكانته في الابداع القصصي العالمي. إنه يمثل نموذجـا في الكتابة القصصية القصيرة، وذلــك لريادتـه وأسلوبه فــي الكتابة والخلق الفني. فمـاذا يمثل الكاتب العالمي لويس بورخيس عند الكاتب المغربي حسن البقالي؟

يمكن الإجابة عــن هذا السؤال مـن خلال رصد مـا يوحي بـه العنوان مـن خلال بعض أهــم مكوناته " الجبة " في مرحلة أولى ثم من خلال نصين: الأول هو "بحال بوزفور"[2] والثاني هو" جبة بورخيس "[3]

تنتسب الجبة لغويا إلـى المادة اللغوية " ج ب ب "[4] أو جب بتضعيف الباء. وهــي توحي بمعاني القطــع مثل: جـب الإسلام مـا قبله. والمحو والاستئصال مثـل: جب الخصية استأصلها ثـم التلقيح مـثل جــب النحلة لقحها....و مثل هذه الدلالات تحضر في مجال الإبداع حيث هناك القطيعة والمحو والتلاقح أو التفاعل أو ما يصطلح عليه بالتناص.

و من معاني هذه المادة أيضا العمق: الجــب أي البئر العميقة. وهذا يبين أن الإبــداع يتسم بالعمق والغور، بمعنى أن سطح النص الأدبي غير عمقه، وحياة النص الفني في عمقه لا في سطحيته أي في إيحائيته لا في تقريريته. وعمق النصوص الأدبية والفنية من عمق التخييل فيها.

كما تأخذ الجبة معنى آخر، يتعلق الأمر بنسق اللباس أو الزي باعتباره نظاما ثقافيا أو سيميولوجيا حافلا بالمعاني والدلالات. إن الجبة عــــلامة وتعبير ثقافي يفيد الانتمـــاء والانتساب والتبعية. ففي نظـام التصوف تمثل الجبـة علامـة لأهل الله والدروشـة. إنها علامة ارتباط وتعالــق بين الشيخ والمريد...

هكـذا تتضح التبعية والتعالق بين كتـاب القصة القصيرة، بين الشيوخ والأتبــاع، فبورخيس من هذا المنظور شيخ له طريقته ومنهجيته في الكتابة القصصية سواء من حيث آليات التخييل القصصي أم الموضوعات التي ينتظم حولها الإبداع القصصي مثل الحلم والمرأة والمتاهة والشبيه والنظير[5]...

و يدرك القارئ لهذه المجموعة القصصية أن المنحى الذي تمثله الكتابة القصصية عند حسن البقالي هو الطريقة البورخيسية، أي أن هناك تماثلا وتمثلا لتجربة بورخيس الإبداعية، ولهذا الاختيار طبعا أسبابه الذاتية والموضوعية.

بعد رصد ما يوحي به العنوان من دلالات تكشف عن نوعية العلاقة الكامنة بين رواد القصة القصيرة وبين الآخذين عنهم والتابعين لهم: أسلوبا وطريقة وبناء. ننتقل إلى النظر في نصين قصصيين تضمنتهما المجموعة القصصية " جبة بورخيس " يستحضر فيهما الكاتب حسن البقالي نموذجين في الكتابة القصصية، فكيف كان تمثيله لهما؟

أولا: نص " بحال بوزفور "

يمثل هذا النص، ومن خلال عنوانه، نصا يوحي بموقف الكاتب من النموذج البوزفوري، أو ما يمكن أن، نصطلح عليه بأفق بوزفور في الكتابة القصصية. إن تجربة الكاتب المغربي أحمد بوزفور في مجال القصة القصيرة تجربة غنية وثرية: ممارسة وإبداعا، نقدا وتنظيرا، متابعة وتأطيرا، إنها إطار نموذجي يصعب تجاوزه أو تكسيره بسهولة. هو نموذج ينزع الاعتراف من القاصي قبل الداني، غير أنه ليس الوحيد عالميا وعربيا. بل هناك نماذج في الكتابة القصصية، غير أنها لم تنل شهرة وسمعة الكاتب أحمد بوزفور، إذ تشهد اللقاءات الإبداعية في ميدان القصة القصيرة حضورا قويا وملفتا لهذه الأيقونة الإبداعية المغربية.

من بين أهم العلامات اللغوية الدالة على مركزية هذا الأفق البوزفوري ومكانته في الإبداع القصصي:

أ- " بحال " من حيث مدلوله في الدارجة المغربية هو أداة تشبيه تعني مثل أو شبه. وهو اسم يربط بين طرفي التشبيه. وبلاغيا أن الأصل والعمدة على المشبه به أي الكاتب المغربي أحمد بوزفور، فإليه يرجع المشبه " السارد في القصة " أو النص القصة من حيث بنيتها وأحداثها وموضوعتها...

بالمشبه به " بوزفور " تتضح معالم المشبه وتكتمل صورته. وبدونه يظل السارد في القصة أو نصه مسخا لا معالم له.

هكذا يصبح بوزفور أصل وعمدة يستند إليه كاتب القصة. بوزفور أب وسلف والسارد تبع وخلف. لا تكتمل هوية التابع وتتبلور تجربته بدون اتباع الأصل. بمعنى مطابقة الأصل ومحاكاته لا مفارقته والخروج عنه.

ب- تنبني قصة " بحال بوزفور " سرديا على تركيب سردي مزدوج، يجمع بين قصتين، قصة كتبها السارد وقصة كتبها أحمد بوزفور. حيث يتذكر السارد حدثين عاشهما رفقة القاص المغربي أحمد بوزفور: لقاءان حول القصة القصيرة شاركا فيهما معا وقرءا قصتيهما. ويحكي السارد ظروف كتابته لقصته قبل اللقاء والإلقاء إذ عثر السارد على قلم رصاص بين عدة الكتابة وشرع في الكتابة غير أنه عند متابعة الكتابة عثر على تغيير وتحوير في قصته / نصه. جاء في النص على لسان السارد:

" كل هذا التحول الذي اعترى أوصال النص ؟ هل كنت مسرنما حين جنحت إلى تدبيج الصيغة الثانية ثم عدت إلى النوم كأن شيئا لم يكن أو أن الامر لا يعدو هلوسة بصرية انتهت إلى إنتاج نص مواز لخلق البلبلة ؟ " [6]

لقد رافق ذلك دهشة وحيرة. وعندما اكتشف أن قلم الرصاص هو من يجري التغيير في بناء القصة ويجعلها شبيهة قصة أحمد بوزفور سلم بالأمر واعتبره "بحال بوزفور ". جاء على لسان السارد:

و حين أتى دوري، كنت ما أزال تحت طائلة دهشة عظيمة لما سمعت.. دهشة ما لبثت أن انتقلت إلى الحاضرين حين بدأت قراءة آخر قصة كتبت......ابتسمت في وجه تساؤلاتهم وقلت: بحال بوزفور. " [7]

بهذه الصورة شخص الكاتب سلطة أحمد بوزفور في الهيمنة على مشاريع كتابة القصة القصيرة عند الكتاب الآخرين من خلال تأسيس نموذج وإطار يصعب تجاوزه أو تكسيره أو لنقل: لقد أسس بوزفور تقليدا في الكتابة القصصية يجب المحافظة عليه واتباع ألفبائياته. فما الذي يؤكد هذه السلطة في النص ؟

يمكن أن نقف عند بعض العلامات النصية الدالة على سيطرة وهيمنة النموذج البوزفوري:

القلم: يحمل القلم دلالات مختلفة تؤثث حقله الدلالي مثل القطع والتشذيب والإضعاف: نقول فلان مقلم الأظافر: أي ضعيف وذليل. ثم القضاء والإبرام، فجف القلم أي قضي الأمر...فما هي المعاني التي يوحي بها توظيف القلم في القصة ؟

- دلالة السلطة: إن القلم أداة الكتابة ورمز العلم والمعرفة ثم كذلك السلطة. وحضور القلم في النص يمثل عاملا مؤثرا في مسار القصة حيث كان عاملا معاكسا للسارد ويعيق بناء قصته بالصورة التي يريد. وتتجلى سلطته في كون السارد وقف عاجزا امام التغيير الذي احدثه في معمارية القصة. وكأن منطوق القصة يفيد: لا قلم يعلو فوق قلم أحمد بوزفور.

- دلالة الإضعاف: لم يكن السارد واعيا بالإضعاف الذي سيحدثه القلم عندما اعتمده وسيلة للكتابة. ولم يكن واعيا بأن رتبته ستكون التالية أو الثانية بينما الأولى فلصاحب القلم أو الأمر. فهذا القلم لا يعترف إلا بما كتبه أحمد بوزفور أو بما كان على شاكلته وتابعا له. إن الإضعاف يأتي من جهة التشذيب والتغيير والمحو والتحوير.على أساس أن النص البوزفوري هو الأصل والسنة والشريعة ولا اجتهاد مع وجود النص كما يقول الفقهاء.

- دلالة الرقابة: إن القلم رقيب على ما يبدع خارج النص البوزفوري، فما وافقه كان مقبولا وما خالفه كان مرفوضا. كما أن هذه الرقابة تأتي من المكانة الاعتبارية لصاحب القلم في المشهد الثقافي المغربي والعربي وفي الأسبقية والأولوية التي حازها عند المؤسسة النقدية والثقافية والأكاديمية المغربية. فلا تأخذ النصوص القصصية الجديدة ولا الحساسيات المغايرة في الإبداع القصصي اعترافا وإقرارا إلا إذا أجازها القلم البوزفوري ومنحها صك البراءة والاختراع.

ثانيا: نص " جبة بورخيس "

تنبني هذه القصة من حيث الحدث على مبدأ التماثل وإعادة حكي سيرة الكاتب الأرجنتيني لويس بورخيس من خلال استحضار مجموعة من الأفكار والوقائع التي وسمت حياة هذا الكاتب مثل اعتماده آلية الحلم وحلم اليقظة والمتاهة والمرآة والنظير أو الشبيه....و هذه الموضوعات حاضرة في الخريطة السردية لنصوص المجموعة ككل.و إذا كان السارد في العرف النقدي هو صوت الكاتب يحمل موقفه ويمرر رؤياه فيما يحكي أو كيف يحكي...فالسارد في هذه القصة يحكي تماثله وقربه من بورخيس أو لنقل توحده معه من خلال مجموعة من المؤشرات التي تكشف عن ذلك مثل:

- الاشتراك في الاسم: بورخيس – بورخيس (السيد بورخيس...السيد بورخيس) ص34.

- الاشتراك في الصفة: أعمى – أعمى (غير المهتمين بشؤون الادب يلقبونني بأعمى الطابق الثالث بعمارة الحبوس)ص 35.

- الاشتراك في امتلاك قطة: كداما – قداما

- الاشتراك في الكتابة: السارد كاتب يقيم بالبيضاء وبورخيس كاتب أيضا...

يكشف هذا التماهي بين السارد في القصة والكاتب العالمي بورخيس عن طبيعة العلاقة بينهما وخصوصية الرؤية الإبداعية وحجم المسافة بين النموذج أو المثال والنسخة. بين السالف والخلف. والذي يؤكد هذا التماهي بين السارد في القصة والكاتب العالمي بورخيس هو الجبة باعتبارها علامة أو رمزا ثقافيا يخص بورخيس من حيث الزي وأو اللباس، فقد انتقلت إلى السارد وغذت لباسا له دون أن تكون أكبر منه أو أصغر، أوسع او أضيق. بل هي أنسب وأوفق. إنها تحمل سر بورخيس الروحي في الكتابة القصصية وقد أدعه عند السارد أو تلقاه عنه اقتباسا واستلهاما. أي أنه استلهم رؤية بورخيس وطريقته في الكتابة وأسلوبه في التعبير.

من الفصل البوزفوري إلى الوصل البورخيسي:

قد يفيد الاشتراك بين بوزفور وبورخيس في الجزء الأول من التسمية: بوز/ بور تقاطعا وتشابها، أو لنقل تقاربا، لكن الاختلاف في الجزء الثاني من التسمية فور / خيس يظهر جليا وواضحا. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل كونهما نموذجين في الكتابة القصصية مختلفين أو لنقل متباعدين من حيث الكتابة والتعبير والرؤية... وهذا يؤكد أيضا حجم المسافة بين بوزفور وبورخيس. وهذا ما نستوضحه في هذه الفقرة على سبيل المقارنة:

1 – بحال بوزفور:

- وجود مسافة بين السارد والكاتب أحمد بوزفور من خلال المسافة التي تؤكدها أداة التشبيه " بحال " بلاغيا ودلاليا.

- القلم: أداة للكتابة والتصحيح والتقويم والإبداع، ومن يملك القلم يملك سلطة التقرير والإجازة ,

- صاحب القلم له شرعية الإقرار والاعتراف بمن حاول الكتابة أو الإبداع وتسميته مبدعا أو تصنيفه قاصا تابعا.

- إرث بوزفور لم يحن الوقت بعد للانتفاع به، حيث لم يتنازل عنه بعد ولم يهبه قط، بل لازال صاحب الامر فيه، فلا يسمح لغيره بأن يستغله أو يستحوذ عليه.

2 – جبة بورخيس:

- غياب مسافة بين السارد والكاتب العالمي لويس بورخيس من خلال آلية المنح أو الاشتراك في مجموعة من الصفات والخصائص.

- الجبة: علامة انتماء وانتساب تكشف عن آلية من آليات التربية والتنشئة الوجدانية والإبداعية: بورخيس شيخ والسارد تلميذ وتابع.

- صاحب الجبة لا سلطة له على طريقته، ومنهجيته في الكتابة والتعبير الفني، بل هي مشاع بين التابعين ومن استهوتهم الطريقة البورخيسية في الكتابة القصصية. منح سره لهم كما يمنح رجل الطريقة الصوفية سره لمريديه.

- إرث بورخيس ليس حكرا على أحد دون أحد، أو تفضيلا لذات دون أخرى. بل هو مشاع بين من استهوتهم طريقته في الكتابة والتعبير دون سلطة او رقابة.

في مجال الإبداع، يمكن أن نتحدث عن أشكال من التبعية لنماذج وطرائق في الكتابة والإبداع، تخييلا وبناء، تصويرا وأسلبة، أو نتحدث عن تجليات التجاوز والتكسير وإبداع طرائق جديدة وخلق حساسيات فنية مغايرة، في مختلف مجالات الإبداع الفني: الشعر، القصة أ المسرح، الرواية...ففي الكتابة القصصية هناك رواد أسسوا تقاليد في الكتابة القصصية أصبحت نموذجا وإطار يحتذى. وهناك كتابات جديدة وأقلام واعدة نهلت من الرواد كما بصمت تجربتها بخصوصيات وسمات فنية ودلالية ورؤيوية. وتجربة الأستاذ حسن البقالي في مجال القصة القصيرة تجربة متحت من التجربة البورخيسية أكثر ما نهلت من غيرها.

 

الدكتور المصطفى سلام

......................

[1] - حسن البقالي: جبة بورخيس. قصص قصيرة. ط1. 2015.

[2] - نفسه: ص 11.

[3] - نفسه: ص 33.

[4] - لسان العرب: مادة ج ب ب.

[5] - محمد العمراني: جسور الحلم في القصة القصيرة بين الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس والقاص المغربي حسن البقالي. بيان اليوم 03-12- 2020.

[6] - جبة بورخيس: مرجع مذكور، ص 15.

[7] - نفسه: ص 17.

 

 

خالد جودة احمدالكلمة الصادقة البسيطة تستولى علي القلوب المحبة للجمال الأدبي، وإذا كان الناقد الكبير "علي أدهم" قد تحدث في توضيح مهمة اللغة أنها الإيضاح فإن قصائد الشاعرة "شافية معروف" في ديوانها المعنون "صرخات هامسة"، يجمع بين أمرين: بساطة اللغة الشاعرية الغنائية المحببة، وكونه فى الأساس شعر عامي يطرق قلوب البسطاء النبهاء من أبناء شعبنا.

إن البعض للأسف يتخيل أن الثقافة هى التعقيد وقصف المتلقي بوابل من صخور الكلمات وجهم المعانى، والحقيقة أن الأدب الفاعل يحقق غايته بالتواصل الجمالي مع القارئ والتأثير البناء للقيم الإيجابية فرديًا واجتماعيًا.

وحول الديوان ملاحظات شكلية مهمة، أولها ان عنوان الديوان "همسات صارخة"، الذي لم تحمل إحدى قصائده هذا العنوان وإن جاءت القصائد معبرة عنها من وجهة أخرى، والعنوان مؤشر مهم للتناول النقدى بعامة للكتب الإبداعية، بداية لأنه علامة كلية شاملة من قلب النصوص تكون هادية وكاشفة لأفق الكتاب الإبداعي وقصديته، والعنوان يتماس أكثر مع عنوان قصيدة "اقرا السكات" إذ يحمل حدين متضادين الحد الأول الشاعرية الهامسة، والحد الآخر آلام الذات الشاعرة الموجعة الصارخة. وثانيها اتصال العنوان ببنية النصوص ذاتها وترتيبها داخل الكتاب، وهنا تأتي الملاحظة الشكلية الثانية، بوجوب بذل الجهد في الترتيب للنصوص بحيث تأتي النصوص التي تتناول الشأن المجتمعي العام مجمعة بجوار بعضها البعض بل وترتيبها طبقاً للتسلسل التاريخي، فقصيدة "تعبنا كتير" ورقم الترتيب لها قبل الأخيرة، تبشر بتفاؤل أول الثورة المصرية في خوضها جولاتها المتتابعة، بينما قصيدة "الحقيقة أنتو انكشفتوا" تأتي في منتصف الديوان وهي في مرحلة زمنية ثورية تالية عن تجاذبات حصلت ودورها الأسيف كما ترى الشاعرة، بينما أتت مجموعة قصائد اجتماعية مترابطة عضويًا متفرقة في أنحاء الديوان ويمكن أيضاً ترتيبها مرحليًا.

وأرى أن الناحية الشكلية هنا مثلت تنوع قصائد الديوان وتداخل تيمات الشأن الاجتماعي مع الموضوع السياسي، بل كانت القصائد ذاتها منوعة من حيث الشكل الفني فكانت الرباعية الأخيرة "بسمة شهيد"، وأتت مطولة بقصيدة "عشان خاطرك"، وأتت المقطوعة القصيرة التي تحمل لغة إشارية متميزة فنًا ومعنى "اقرا السكات"، وأتت قصائد أخرى في أطوال منوعة، كما كان التنوع شاملًا قصائد ذات معاني وأداء تقليدي شيئاً ما، وأخرى مبتكرة طريفة، حتي عناوين القصائد تنوعت بين حرف النداء "يا ..." في أكثر من قصيدة، وهى لفتة شاعرية عن المناجاة المحببة في وجدان الشعراء، وعناوين أخرى مباشرة تكشف مرمى القصيدة في وعى القارئ بيسر شديد، وأخرى محدثة لا تسلم ذاتها بيسر هكذا للقارئ، مثال قصيدة "عولمة" التى عبرت عن موضوع القصيدة لكن لا يدرك القارئ قصدية الذات الشاعرة سوى بمطالعة متن القصيدة ذاتها.

وفي القصائد مجموعة قصائد اجتماعية لطيفة تعد من وجهة نظرى أجمل مجموعة القصائد، لترابطها والروح الساكنة في رحابها، ولملمح الأمومة العذب المؤدي عنه ببساطة تعبيرية آسرة تسر الناظرين، وكان مفتتح تلك القصائد -طبقاً لترتيبى الخاص- قصيدة "يا وحشانى"، والتي تبدأ بدفقات شعورية عذبة: "يا وحشاني / يا شايلة الدنيا ف عنيكي / وساكنة جوّه أحلامي / بناجيكي.. واناديكي / وطيفك هوّه إلهامي / وبسمع ضحكة مكسوفة / ودقة قلب ملهوفة / تنادي عليكي: وحشاني / وقبل عنيه متشوفك / بحس ان انتي سكناني / واحس انك في وجداني / وقلبي قال لي عن اسمك.. / وعن رسمك / ولون الحنة في إديكي.. وورَّاني"، والهدف التربوي رغم رومانسية القصيدة ظاهر للعيان، تقول الشاعرة –ضمنًا- إن أساس الأسرة الناجحة هو أساس الاختيار الصحيح في الزواج، وتأتي قصيدة "عروسة جمالها رباني" وفي متنها جميعه نرى روح التراث الكريم حيث الذات الشاعرة كأنها المرأة العربية الحكيمة توصي ابنتها قبل ليلة بدء حياتها الزوجية بمدخل حسن حيث مدحت جمالها، وصكت ضربات فلب الأمومة السعيد كلمات راقصة علي السطور، في وسط هذه البهجة أتت النصائح "يا بنتى زوجك الجنة"، ثم جاءت القصيدة الطريفة "حوار مع جنين" أو بشكل أدق مطالعة الذات الشاعرة لخواطر جنين يحيا في بحر من الحنان برحم الأمومة الرحيب، وتأتي المحنة والامتحان لدي خروج الجنين ليختبر الحياة ويؤدي رسالة المبادئ الرفيعة كما أرادت الأمومة الشاعرة، وتأتي المقطوعة الاجتماعية اللطيفة الأخرى "أنا مسامح" ترياق إنساني للحياة الأسرية الرغدة: "أنا آسف.. أنا غلطان / تعالي من جديد نبدأ / تعالي نجرب الغفران / تعالي للأسى ننسى / ونتعلم بقى النسيان / تعالي يا زوجتى نتصالح / عشان العشرة دي باقية / عشان راقية / حيطان البيت ضحكتنا / عشان بيتنا"

والحس القيمي واضح في أداء القصائد سواء بالمنهجية والأفكار النبيلة الراقية في تيمات الكتاب الإبداعي الموضوعية، أو في التفاعل مع القصص القرآني خاصة قصة سيدنا موسي (عليه السلام) في بعض مواضعها خاصة موضع السحرة ودورهم في المجتمعات، وظهر هذا التوجه النبيل أيضاً في الأمومة الشاعرة حيث الذات الشاعرة تقدم طموح الذات النسائية المؤمنة في لقاء أمهات المؤمنين وسيدات أهل الجنة: (إدعيلي يا طير أشوف سيدي النبي العدنان / ويقول لي أهلًا تعالي.. دخّلها يا رضوان / مدي الإيدين سلمي على أمهات الجنان / ياخدوني في حضنهم واحس منهم بالحنان / فاطمة وأسية وخديجة.. مريم معاهم كمان).

ويشرق الحس القيمي في فهم أن حقيقة الدين هو تفعيل النصوص الشريفة ونقلها من عالم المثال لتكون واقعاً حياً، وأن درب العبادات يبتدئ وينتهي بالمعاملات النابهة الحسنة لعبادات سليمة القصد، وتقدم القصائد الإدانة لأصحاب الأفهام السقيمة والتطبيق المعوج، فانتصار الخادمة المشنوقة علي جدران القسوة واللارحمة يحمل وزر موتها من أفقروا البلاد والعباد وسعوا في الأرض بالفساد، وأيضاً علي المتدينين الذين لا يرتقي إيمانهم حتي يصلح الحياة: "آه يا انتصار / موتك يا حلوة دا انكسار / موتك يا بنتي ألف عار / على اللي حاكمين البلاد / حاميين وحارسين الفساد / وعلى اللي فاكرين التدين / إنه جلسة مقرأة"، وجاءت إشارات أخرى مبطنة في قصائد أخرى بالديوان حول هذا المعني العميق.

ويأتي الهم السياسي بجوار الناحية الاجتماعية، وتطغي أيضاً عليها الأمومة، حيث أمومة الوطن، والوطن الأمومة، فقصيدة "صرخة ولد" تتحدث فيها مصر الأمومة وهي تجتاز مرحلة المخاض العسير بربيعها المعذب بأحلام الحرية، وفي قصيدة "في عز الخوف" أم الشهيد تتحدث، ويبدو حديث الثورة شائع في عدد من قصائد الديوان، وتأتي في إطار رعاية الذات الشاعرة للهامش وجعله متناً إبدعياً –كما يقول النقد الأدبي- ففي قصيدة "شوارعنا" لقطات فوتوغرافية لعين الذات الشاعرة الطوافة، ورغم طبيعية القصيدة هنا لكن حشد التفاضيل جعلت منها قصيدة جيدة ترصد السلبيات وتقول فناً عن بواعث الفوضي وسر الداء "كتيره ليه كوارثنا في شوارعنا"، وفي القصيدة التعاطف مع الباعة الجائلين تلك الفئة الاجتماعية التي تسكن مناطق حدية بين الفوضى ومحاولة كسب العيش الحلال فلا قدم لها المجتمع هذا العيش الإنساني المستحق ولا ترك لها تحاول كسب لقيمات، وفي قصيدة أخرى نجد الانحياز للهامش "انتصار" هذا العلم الذي يحمل الاسم ذاته ملمح السخرية الداكنة  والإدانة فأي انتصار والمجتمع جميعه مهزوم ومصلوب علي مذبح الفقر والفاقة.

ونأتي لقصيدة "اقرا السكات" وهى ومضة شعرية تبعث حس القارئ للتأويل: "اقرا السكات / على شفتين ملوا الغنا / وخلصوا حكايات / وشوف عنين اشتكت / واقرا رسايلهم / من دمعتين ساكنين / وغلبت احايلهم / لاهما نزلوا وريحوا عيوني / ولا هما نشفوا / وسامحوا في اللي فات / اقرا السكات / وشوف سراب حلم اتنسى / ووسعت المسافات / واسمع لصوت موج السكوت / على شط بحر الأمل)، فللصمت معاني وحديث وموج متدفق، تعبر عن أثقال الحزن تموج في الذات الشاعرة فتعمد للبوح، وتشير للقارئ أن يؤول ويقرأ ما بين السطور، ويجتني كنوز الصمت.

وتبقي أن نؤكد القول بكون البساطة التعبيرية المنطوية في أمومة شاعرة تجعل لهذه الديوان مذاق الأدب القيمى حلو المذاق.

 

خالد جودة أحمد

 

عدنان حسين احمديتمحور فيلم "أمي" للمخرج التركي مصطفى كوتان على ثنائية الريف والمدينة، ويعالج الصراع الطبقي بين الفقراء والأغنياء، ويفحص العلاقة الروحية العميقة بين الأم وابنتها في مجتمع ذكوري يتسلط فيه الأب على الأسرة برمتها. كما يدور الفيلم على قصة الحُب العميقة التي تنشأ بين الطالبة الجامعية نازلي عثمان، ومارت الذي يعمل في شركة والده المهندس جاويد. أما ثيمة الفيلم الرئيسية فتأتي على لسان عائشة التي تقول:"إذا لم تحمل ابنتي نازلي نعشي فسأموت من الحسرة" فكيف إذا كان الأمر بالمقلوب وأنّ الأم هي التي ستحمل نعش ابنتها؟ أمّا الثيمة الفرعية فترد على لسان نهال، والدة مارت التي تختصر حكاية الخُطبة بلؤم كبير وتقول:" الفتاة المسكينة تجعل الشاب الغني يقع في حبها". وما بين الثيمتين يتأسس النص البصري الذي يلامس شغاف القلوب، ويهزّ المشاعر الإنسانية المُرهفة للمتلقين. وبما أنّ السينما في جانب كبير منها هي فن الواقع بامتياز فإن قصة هذا الفيلم واقعية ولابد من تتبعها وتقديم زبدتها للقارئ الكريم. لا شك في أنّ القصة السينمائية والحوارات التي تتخلها مكتوبة بحرفية عالية ويمكننا أن نتتبّع النسق السردي الذي يكشف لنا حياة الطفلة نازلي التي أنجبتها الوالدة عائشة في قرية نائية تبعد عن إستانبول كثيرًا. أمّا أسرتها فهي تتألف من الأب عثمان الذي يعمل سائقًا لشاحنة كبيرة لكنه يحتسي الخمر على الدوام، ولا يجد حرجًا في تعنيف زوجته بين آونة وأخرى. والأم عائشة التي تربّي بعض الأغنام في منزلها وتساعد زوجها في تكاليف الحياة اليومية، وتدخر سرًا بعض النقود لوقت الحاجة، وتصرّ على تعليم ابنتها الوحيدة رغم معارضة الوالد الذي يشكو دائمًا من ضيق ذات اليد. تذهب نازلي إلى المدرسة وتتفوق على أترابها وتُقبَل في إحدى الجامعات بإستانبول، "المدينة الكبيرة التي تكتظ بالمتسكعين والسيئين والمشؤومين" كما تذهب إحدى جارات عائشة. ومن حُسن الحظ أنّ لديهم صديقة تُدعى نسرين، تعيش وتدير مطعمًا صغيرًا في إستانبول، غادرت القرية ذاتها منذ سنوات. وسوف تتبنى نسرين أمر إسكان نازلي وتشغيلها في المطعم بعد عودتها من الجامعة. وخلال الأيام الأولى تلتقي بمارت الذي يرمم إحدى الشقق السكنية ويسبب لها إزعاجًا جرّاء العمل لكنه يقع في حبها، وتتطور العلاقة العاطفية إلى رغبة في الزواج، ورغم الاحتكاك الذي يحصل بين العائلتين لأسباب طبقية إلاّ أنّ الزيجة تتم، وتنجب نازلي، التي أصبحت معلّمة، طفلها الأول الذي يفارق الحياة قبل أن تحمله بين يديها. تقرّر نازلي زيارة والدتها في القرية وتمكث معها مدة من الزمن حتى تتصور الأم أن هناك مشكلة ما بين الزوجين الشابين. يموت عثمان على حين غرة من دون أن يعاني من مرض ما فتحزن عليه الابنة كثيرًا لأنه لم يكن يُظهر لها حُبه في يوم من الأيام. ثمة أشياء كثيرة تحدث في أثناء هذه الزيارة حيث تلتقي بصديقة الدراسة مريم التي تزوجت من حبيبها جمال وأنجبت طفلة جميلة أسمتها زينب. أما الأم عائشة فقد دوّنت مُذكراتها بخط اليد لتمنح الفيلم بُعدًا ميتاسرديًا جميلاً يعيد قراءة الأحداث من خلال عين الأم التي ضحت بكل شيء من أجل ابنتها ولكن المفاجأة كانت كبيرة حينما ردّت الأم على اتصال مارت الذي أحاطها علمًا بخبر صادم مفاده أن نازلي مُصابة بسرطان البنكرياس وأنّ موتها أمر لا مفرّ منه كما أخبره الأطباء في غيابها، فيطلب من الأم التكتّم على هذا الخبر المروع لكن الأم لا تستطيع السكوت إلى الأبد وتقرر إرسالها إلى إستانبول لغرض العلاج وهي تشعر في داخلها بأنها ستتماثل للشفاء من هذا المرض الخطير. وعلى الرغم من النهاية المفتوحة للفيلم إلاّ أنّ أغنية "أمي" التي ختمت الفيلم تشبه مرثية للفتاة المهددة بموت وشيك لا تريد أن تصدقه، وهي تنتظر حدوث معجزة في زمن خالٍ من المعجزات.

2650 بوستر فلم أمي

كثيرة هي الأفلام الدرامية في الشرق لكن فيلم "أمي" على وجه التحديد يخلو من الافتعال، واستدرار الدموع، ويجعلنا نصدّق أن ما يحدث أمامنا حقيقة وليس تمثيلاً، وهذا هو أحد عناصر نجاح هذا الفيلم على الصعيدين الأدائي والإخراجي اللذين حقّق بهما المخرج التركي مصطفى كوتان رؤيته الإخراجية المتفردة.

 

عدنان حسين أحمد

 

مفيد خنسةالحب في شرع إينانا ربة الجمال والحب والغواية والجنس والحرب عند السومريين له مواثيق وعهود، ولا عشق مقبول لديها من غير الالتزام بها والوفاء بشروطها، إنها أشبه بالتعاليم التي أوصى بها الأنبياء والمرسلون بأمر إلهي عظيم، والشاعر السماوي يستحضر هذه الوصايا ويصوغها في إطار شعري حمل عنوان (وصايا إينانا) . وهي إحدى قصائد مجموعته الشعرية (نهر بثلاث ضفاف) التي سأحاول أن أجري عليها دراسة تطبيقية لمنهج النقد الاحتمالي .

الفرع الأول:

يقول الشاعر:

(قبل أن تدخلني فردوسها الأرضي إينانا

وترضى بي ناطوراً إذا عسعس ليل الخدر

والفلاح في بستان واديها

إذا الصبح ائتلق

قالت العشق مواثيق

فلا عشق إذا لم تحفظ الميثاق

ما أشرقت الشمس

وما آذن بالنجم الغسق

لي تعاليمي التي أوصى بها

رب الفلقْ

لا تكن

ذئبا على الظبية والظبي

ولا سبعا على الشاة

ولا إن شبت النار

ورقْ

ومُبيعاً

ذهب العشق إذا جعت

بصحن من شبقْ

لست من مملكتي

إن كنت تخشى متعة الإبحار

خوفا من غرقْ

وتغض الطرف عن شوك يقي وردك من مبتذل إن "ظفر" الود

فسقْ

لا تمد اليد للآفك والمنبوذ والكامل نقصا وسفيه ذي مجون

وحمقْ

ولئيم الجذر والغصن ..

فإن الغصن نسل الجذر

هل يثمر غصن فاسد الجذر كروماً وحبقْ ؟!)

يبين هذا الفرع صورة الشاعر العاشق قبيل دخوله فردوس إينانا الأرضي، وعقدته (قبل أن تدخلني فردوسها)، وشعابه الرئيسة هي: (وترضى بي ناطورا إذا عسعس ليل الخدر) و(الفلاح في بستان واديها) و(قالت العشق مواثيق) و(لي تعاليمي التي أوصى بها رب الفلق) و(لا تكن ذئبا على الظبية والظبي) و(ولا سبعاً على الشاة) و(ولا إن شبت النار ورقْ) و(لا تمد اليد للآفك والمنبوذ والكامل نقصاً / وسفيه ذي مجون وحمقْ) أما فروعه الثانوية فهي: (فلا عشق إذا لم تحفظ الميثاق / ما أشرقت الشمس / وما آذن بالنجم الغسقْ) و(مبيعا ذهب العشق إذا جعت / بصحن من شبقْ) و(لست من مملكتي / إن كنت تخشى متعة الإبحار خوفا من غرقْ) و(وتغض الطرف عن شوك يقي وردك / من مبتذل إن " ظفر" الود / فسقْ) و(ولئيم الجذر والغصن ..) و(فإن الغصن نسل الجذر / هل يثمر غصن / فاسد الجذر كروماً وحبقْ) .

في المعنى:

الأسلوب في هذا الفرع إنشائي وفيه يقرر الشاعر كما أن هناك فردوسا سماوياً لإينانا فإن لها فردوسها الأرضي أيضاً، وهو الفردوس الذي ينشئه الشاعر بالحب في الشعر، وفي هذا الفردوس يفترض الشاعر أن لربة الحب والجمال شروطاً للدخول إلى هذا الفردوس، كما أن هناك شروطا للدخول إلى الفردوس الأعلى الذي وعد الله المؤمنين به، جنات عدن، فإذا كان عرضها السموات والأرض فلنا أن نتخيل كم سيكون طولها، وفي سياق هذا المعنى فإن الشاعر يحاول أن يعبر عما يريد أن يقوله من خلال الحب وناموسه، من خلال الحب وأصوله ومستلزماته، من خلال الحب وخصال المحب العاشق الصادق، من خلال الحب السامي في القلوب النقية الطاهرة الزكية، من خلال الحب الذي يتمتع حاملوه بمكارم الأخلاق، إنه ينص بالشعر على المبادئ والقيم التي يجب أن يتحلى بها العاشق حتى يفوز بنعمة الفردوس لدى إينانا، فقوله: (قبل أن تدخلني فردوسها الأرضي إينانا) أي بعد أن وصل إلى فردوس إينانا الأرضي، لأن الدخول لا بد أن يسبقه الوصول الذي يشير إليه المعنى ضمنا، والوصول درجة عالية لا يصل إليها في عرف العاشقين المتصوفين إلا أصحاب التجارب الكبيرة في التضحية والصبر والتفاني في العشق المقدس، وقوله: (وترضى بي ناطوراً إذا عسعس ليل الخدر/ والفلاح في بستان واديها / إذا الصبح ائتلق) يشير إلى إنشاء معان تعتمد في مكوناتها اللغوية على مفردات ذات دلالات دنيوية سفلية حقيقية، كما تعتمد على مفردات ذات دلالات علوية مجازية، وهكذا تبقى التراكيب محافظة على المشهد الشعري الذي ينسجم مع المعنى العام الذي أراده الشاعر وهو الفردوس الأرضي وهذا مصطلح شعري يحتاج إلى شجاعة في التفكير وثبات في اليقين، وهنا لا بد من التوضيح لما تقدم، فقوله: (ترضى بي ناطوراً) يشير إلى المعنى السفلي الذي تشير إليه مفردة (ناطور)، وقوله: (إذا عسعس ليل) يشير إلى معنى علوي، ويذكرنا بقول الله تعالى وقسمه بالليل إذا عسعس (والليل إذا عسعس .. سورة التكوير الآية 17) أي إذا أظلم، والإضافة إلى الخدر بقوله: (إذا عسعس ليل الخدر) للإشارة إلى المعنى الأرضي، فالخدر كما يشير إلى خباء البنت فهو يعني هنا خباء إينانا الأرضي أيضا، وهذا التقابل بين الأرضي والسماوي، بين الواقع والواقعي، بين الحياة الفانية على الأرض ونعيم الفردوس الأبدي مقصود ومدروس بعناية كما تشير المعاني وتوحي الدلالات، وقوله: (والفلاح في بستان واديها) يشير إلى المعنى الدنيوي، بما تعنيه المفردات المستخدمة (فلاح، بستان، وادي) كلها تشير إلى الأرضي من ذلك الفردوس الذي وصل إليه،وعطف (الفلاح) الذي هو اسم معرف على (ناطوراً) والذي هو نكرة فهو أسلوب خاص بالشاعر ليعرف النكرة بالعطف ! وما دام على باب الفردوس فيحق له، وقوله: (إذا الصبح ائتلق) يشير إلى المعنى العلوي

وهو يذكر بالبيان الإلهي العظيم بقوله تعالى وقسمه بالصبح إذا تنفس (والصبح إذا تنفس .. سورة التكوير الآية 18)، وقصد الشاعر بقوله: (والصبح إذا ائتلق) أي إذا لمع وأضاء، وسنلاحظ في هذا التركيب الشعري التقابل بين المتضادات، (ليل، صبح)، (عسعس، ائتلق)، كما سنلاحظ التقابل بين المتوافقات (بستان، فردوس)، (وادي، أرضي)، والتقابل بين المكونات (الفلاح، الناطور، إينانا)، ومجمل القول إن هذا التمهيد المكثف الذي يسبق الدخول إلى الفردوس من جهته، ويسبق قولها له من جهتها، يبين أهمية اللحظات والوقت الثقيل الذي يمر بطيئاً قبل الدخول إلى فردوسها، وقوله: (قالت العشق مواثيق / فلا عشق إذا لم تحفظ الميثاق / ما أشرقت الشمس / وما آذن بالنجم الغسق) يشير إلى أن هذا الميثاق في العشق لدى إينانا له صفة الديمومة الأبدية فلا عشق لديها ما لم يحفظ العاشق الميثاق على الدوام، ما دامت الشمس والنجم وما دام الليل والنهار، وقولها: (لي تعاليمي التي أوصى بها / رب الفلقْ) أي لها شروطها المقدسة كما أمر الرب العظيم، وقوله: (لا تكن / ذئبا على الظبية والظبي / ولا سيفا على الشاة ولا إن هبت النار / ورقْ) يشير إلى أن الميثاق قد جاء على شكل وصايا بالأمر والنهي، فهي تأمره ألا يكون متجبراً على المستضعفين، وألا يكون ضعيفاً أمام المتجبرين، وقوله: (ومبيعاً / ذهب العشق بصحن من شبق) أي ألا يبيع كنوز الآخرة الثمينة بشهوات وملذات الدنيا الرخيصة، وقوله: (لست من مملكتي / إن كنت تخشى متعة الإبحار / خوفا من غرقْ) أي لا يدخل فردوسها من يحرمه من متعة الإبحار الخوفُ من الغرق، في إشارة إلى أن من يدخل فردوسها يجب أن يكون شجاعاً لا يخاف من الغرق إذا جاب بحار الحب الواسعة والعميقة، وقوله: (وتغض الطرف عن شوك بغى وردك من مبتذل إن "ظفر" الود فسق) أي يجب أن يكون فطنا نبيها في الحفاظ على الحدود في العلاقات من دون أن يتغافل عن أذى امرئ رخيص إذا وثق به وبادله الاحترام سارع إلى الغدر والخروج عن الحد والحق، وهذا شرط أخلاقي في السلوك الخاص للعاشق في مملكة الحب لدى إينانا، وقوله: (لا تمد اليد للآفك والمنبوذ والكامل نقصا / وسفيه ذي مجون /وحمق) أي تنهاه على صيغة الشرط قبل الدخول إلى الفردوس عن مواصلة أربعة من الرجال، الكاذب والمنبوذ والناقص والسفيه الأحمق قليل الحياء وقوله: (ولئيم الجذر والغصن .. / فإن الغصن نسل الجذر / هل يثمر غصن / فاسد الجذر كروما وحبقْ) يشير إلى تخصيص الرجل الخامس الذي تنهاه عن أن يمد يد العون له، أو أن يقيم معه ادنى مستوى من العلاقة وهو الرجل اللئيم الأصل والمنبت، فهذا لا أمل فيه ولا خيرمنه لأن الغصن فرع من أصل، والغصن الذي يكون جذره فاسداً لا يمكن أن يثمر ثمراً مفيداً ولا يمكن أن ينبت ريحاناً فينشر رائحة زكية حميدة .

الصورة والبيان:

هذا الفرع جاء على شكل وصايا مباشرة فالصورة البيانية كادت تغيب فيه، فقوله: (إذا عسعس ليل الخدر) استعارة، وقوله: (لا تكن ذئباً على الظبية والظبي) تمثيل.

الفرع الثاني:

يقول الشاعر:

(كن على الجاحد

سوطا ..

وندى للورة العطشى

وإن أظلم درب

كن ألقْ

وكن العكاز للمكفوف ..

والدمية للطفل

وعشا للعصافير ..

وللصحراء إن أعطشها القيظ

ودقْ

واحذر

المرخص ماء الوجه من أجل بريق

زائف اللمع

ووغد يحسب الحيلة واللؤم حذقْ

إن ثوبا من حرير الذل

أبهى منه في العز رداء من خرقْ

ورغيف التبن

أشهى لأبيّ النفس من

خبز الملقْ)

يبين هذا الفرع الصورة التي تريده أن يكون عليها، وعقدته (كن على الجاحد سوطاً) وشعاب الرئيسة هي: (وندى للورة العطشى) و(وإن أظلم درب كن ألقْ) و(وكن العكاز للمكفوف ..) و(والدمية للطفل / وعشا للعصافير ..) و(وللصحراء إن أعطشها القيظ / ودقْ) وشعابه الثانوية هي: (واحذر / المرخص ماء الوجه من أجل بريق / زائف اللمع) و(ووغد يحسب الحيلة واللؤم حذقْ) و(إن ثوبا من حرير الذل / أبهى منه في العز رداء من خرقْ) و(ورغيف التبن / أشهى لأبيّ النفس من / خبز الملقْ) .

في المعنى:

هي الوصايا من غير عد، فقوله: (كن على الجاحد / سوطاً ..) كي يقيم عليه الحد فيما ارتكب من آثام وخطايا، وقوله: (وندى للوردة العطشى) فيسقيها ويروي ظمأها فيحييها ويحميها من الذبول والموت، وقوله: (وإن أظلم درب / كن ألقْ) لينير الدروب المظلمة بمصابيح الحب المضيئة ، وقوله: (وكن العكاز للمكفوف) وهذه مروءة، وقوله: (والدمية للطفل) وهذا تواضع، وقوله: (وعشاً للعصافير ...) أي كن أمنا وأماناً، وقوله: (وللصحراء إن أعطشها القيظ / ودقْ) أي كن مطرا على الصحراء التي أعطشها الحر الشديد فتطفئ نارها وتسقي ديارها، وقوله: (واحذر المرخص ماء الوجه من أجل / بريق زائف اللمع / ووغد يحسب الحيلة واللؤم / حدقْ) أي كن حذرا من المتطلبين وإن أظهروا لك وداً زائفا وكن على حذر من منافق وغد يحسب المكر والدهاء والأبلسة ضرباً من الذكاء وحسن التدبير، وقوله: (إن ثوباً من حرير الذل / أبهى منه في العز رداء من خرق) أي الثوب الخرق أبهى وأجمل في حياة عزيزة من ثوب الحرير في حياة ذليلة، وقوله: (ورغيف التبن / أشهى لأبي النفس من خبز الملقْ) أي رغيف التبن البسيطة على العفة أشهى في عرف إينانا من الخبز الذي يمكن أن يحصل عليه المرء من كثرة التودد والتملق باللسان وقلة الحياء في كثرة الطلب والترخيص بماء الوجه .

الفرع الثالث:

يقول الشاعر:

(أنا يا مولاتي الربة _ إينانا _ كما الرند

ينث العطر

إن كر عليه الجمر يوما

فاحترقْ

وربيب الطين

لا أمنح للجذر إذا شذ عن النبض

علقْ

وأنا السهم إذا من شرفة القوس

إلى خاصرة الشيء انطلق ..

فابعثيني بتعاليمك في العشق رسولا ..

ليس عشقا حين لا يفتح بابا مستحيلا

فامطري صمتي هديلا ..)

في هذا الفرع يبين صورة العاشق النجيب المستجيب وعقدته (أنا يا مولاتي الربة _ إينانا _ كما الرند) وشعابه الرئيسة هي: (وأنا السهم إذا من شرفة القوس / إلى خاصرة الشيء انطلق ..) و(فابعثيني بتعاليمك في العشق رسولا) و(فامطري صمتي هديلا ..) وشعابه الثانوية هي: (ينث العطر / إن كر عليه الجمر يوماً / فاحترقْ) و(ليس عشقا حين لا يفتح بابا مستحيلا) .

في المعنى:

نلاحظ أن الشاعر هنا يؤسس إلى إنشاء قصة حب أسطورية، عنصرها الأساسي ربة الجمال والحب السومرية إينانا ومن ثم يعطي الأسطورة أبعادها الحاضرة والمستقبلية، الواقعية والمتخيلة، القريبة والبعيدة وهو الطرف الآخر من الأسطورة، هو العاشق الوفي الحنون، هو المدنف الولوع الشغوف، وإن كان قد انتهى من صياغة وصايا إينانا فإنه يتابع مجيباً من جهته أنه يحقق شروطها أصلاً، فقوله: (أنا يا مولاتي الربة _ إينانا - كما الرند) أي سمعته عطره، وذكره طيب كعود الغار الذي ينشر رائحته الزكية، وقوله: (ينثُّ العطر / إن كر عليه الجمر يوماً فاحترق) أي كعود الغار الذي إذا وضع على الجمر واحترق فإنه ينشر رائحته العطرة الجميلة، والمعنى أنه مهما احترق بنار الحب واكتوى بلظاها سيبقى وفياً لحبه مضحياً من أجل هذا الحب الكبير، ولن يصدر عنه مهما قست الظروف إلا كل ما هو جميل وبهي، وقوله: (وربيب الطين / لا أمنح للجذر إذا شذ عن النبض علقْ) أي إن أصله من الطين، وجبلته منه وهو بحكم تكوينه وأصالته لا يمنح الجذر آلة الامتصاص وهي الأوبار الماصة التي تكون بالنسبة للجذر بمثابة العلقة للامتصاص، إذا كان هذا الجذر شاذا عن الأصل، لأنه أصيل ويحافظ على الأصول، والعلق دويدة تمتص الدم وتعيش في الماء الآسن، والعلقة تمثل طوراً من أطوار نمو الجنين وهذا الطور يلي النطفة المنوية، وهكذا يصبح المعنى واضحاً، وقوله: (وأنا السهم إذا من شرفة القوس إلى خاصرة الشيء انطلقْ) أي هو كالسهم الذي ينقض إلى حيث يكون الهدف في خاصرة الشيء، لا يخذل راميه ولا يخيب أمله، وهو في كل ذلك يطمئنها أنها المناسب لتلك الوصايا وأنه المؤهل بجدارة للفوز والدخول إلى فردوسها الأرضي، وقوله: (فابعثيني بتعاليمك في العشق رسولا) أي سيكون محققا لهدفها بدقة كالسهم الذي يوجهه الرامي إلى خاصر الشيء فيحقق الهدف، وقوله (ليس عشقاً حين لا يفتح بابا مستحيلا) أي في عرفه فإن العشق يمنح العاشق قدرة تجعله قادرا على أن يفعل ما كان يعتبر تحقيقه من دون الحب أمرا صعباً للغاية، وقوله: (فامطري صمتي هديلا ...) أي إنه العشق الذي يفعل المستحيل فيحول صمته وكتمانه لهذا الحب العظيم إلى إعلان كبير كالمطر حين يهطل في كل مكان .

الصورة والبيان:

يتراوح الأسلوب في هذا الفرع بين الأسلوب الخبري والأسلوب الإنشائي وفي الأسلوبين تتجلى الصورة الشعرية فقوله: (أنا يا مولاتي الربة _ إينانا _ كما الرند) تمثيل، وقوله: (إن كر عليه الجمر يوماً فاحترق) استعارة، وقوله (وربيب الطين /لا أمنح للجذر إذا شذ عن النبض /علقْ) كناية عن الأصالة . وقوله) شرفة القوس) استعارة، وقوله (خاصرة الشيء) استعارة، ويصبح التركيب (وأنا السهم إذا من شرفة القوس / إلى خاصرة الشيء انطلقْ) صورة شعرية ثنائية البعد، وقوله (فامطري صمتي هديلا) استعارة .

الفرع الرابع:

يقول الشاعر:

(رب حين يعدل الدهر الطويلا ..

وطويل الدهر يغدو برهة لا تسترقْ

أرضعتني لبن الإنصاف أمي

وأبي علمني أن ألذّ الخبز

ما يعجنه من جبهة الكد عرقْ

فإذا زغت عن العهد

أكون الابن بالأم وبالوالد عقْ

فاقبليني سندباداً سومرياً

يسأل الله إذا أبحر في بحرك أن يرزقه

نعمى الغرقْ)

يبين هذا الفرع نسبية الزمن بالنسبة للشاعر العاشق، وعقدته (رب حين يعدل الدهر الطويلا) وشعبته الرئيسة هي: (وطويل الدهر يغدو برهة لا تسترقْ) أما شعابه الثانوية فهي: (أرضعتني لبن الإنصاف أمي) و(وأبي علمني أن ألذ الخبز/ ما يعجنه من جبهة الكد عرقْ) و(فإذا زغت عن العهد أكون الابن بالأم وبالوالد عقْ) و(فاقبليني سندبادا سومرياً / يسأل الله إذا أبحر في بحرك أن يرزقه نعم الغرقْ).

في المعنى:

يبين الشاعر المعنى النسبي للزمن، فقوله: (رب حين يعدل الدهر الطويلا ..) أي قد يمر على الإنسان وقت قصير من الزمن يعادل زمنا طويلا، ولا بد من أن نتساءل كيف يكون ذلك ؟ إن الشاعر يشير في هذا المعنى إلى الزمن النفسي، أوالزمن الروحي وليس الزمن المكاني المادي، فالزمن النفسي يمتد إذا كان زمن انتظار ولهفة وشوق وترقب، وهو زمن انتظار الشاعر قبل الدخول إلى فردوس إينانا الأرضي،ولعله يشير إلى زمن الوصايا والوقت المنتظر لوضع العهد والميثاق !، وأيا كان هذا الزمن بالنسبة للشاعر فهو زمن قليل يعادل دهراً طويلاً، وقوله: (وطويل الدهر يغدو برهة لا تسترقْ) أي وبالمقابل ومن المنظور نفسه فإن زمنا طويلا قد يمر على طوله كما تمر البرهة القصيرة، وذلك قياسا بالزمن النفسي الذي يمر به الشاعر العاشق الذي يمر سريعا وهو في حضرة المحبوبة وفي نعيم عطائها الذي يجعله لا يحس بانقضاء الوقت من شدة السعادة والفرح بالحب العظيم،ومختصر القول في هذا المعنى، إن الزمن يتعلق بالبعد الروحي للإنسان فيطول حين يكون زمن انتظار وترقب ولهفة، ويقصر إن كان راحة وطمأنينة وفرحاً، وقوله: (أرضعتني لبن الإنصاف أمي) يشير إلى أنه ما من داع إلى كل هذه الوصايا وكل هذه الشروط وكل هذا المواثيق، فالوقت يمر عليه بطيئا وكأنه دهر طويل، ليؤكد لها أن الإنصاف والحرص على العدل في ميزان الحق الذي توصيه به كان قد رضعه من تعاليم أمه من نعومة أظفاره، وهو تحصيل حاصل لديه، وقوله:(وأبي علمني أن ألذّ الخبز/ ما يعجنه من جبهة الكد عرقْ) يعني المعنى ذاته أي إن أباه قد علمه الحرص على يكون رغيف الخبز الذي يأكله من تعبه وعرق جبينه لأنه سيجده أكثر الأرغفة لذة وفائدة، ليؤكد أن هذه التعاليم والوصايا والمواثيق هي مجبولة بتكوينه، ويريد أن يطمئنها لكي تزداد يقيناً بما هو عليه من الكفاءة والاستحقاق، وقوله:(فإذا زغت عن العهد أكون الابن بالأم وبالوالد عقْ) أي إذا أخل بالعهد والوعد والميثاق لا يكون قد خالفها وحسب بل يكون قد خالف الوالدين وأصبح ولداً عاقا أيضاً، وقوله: (فاقبليني سندباداً سومرياً / يسأل الله إذا أبحر في بحرك أن يرزقه / نعمى الغرقْ) يعني أنه لا يخشى الغرق في بحر الحب، لا بل ويسأل الله أن ينعم عليه بنعمة الغرق، فالغرق في الحب يعني دوام الحياة السعيدة كما يعني دوام الطمأنينة وراحة البال، ولتكن على ثقة منه لأنه كالسندباد السومري البحري الذي له تاريخ أسطوري في المغامرات والإبحار عبر المحيطات البعيدة ويواجه مخاطر الغرق ثم ينجو بعناية ولطف القدر.

تقاطع الأزمنة:

إن زمن القصيدة هنا هو أشبه بزمن المقابلة السريعة في امتحان لإعلان القبول والنجاح أو الرفض والإخفاق، ويختار الشاعر هذا الوقت قبيل دخوله فردوس إينانا، إنه زمن إملاء الشروط والوصايا، وفيه يعمد الشاعر إلى التكثيف الزمني وإن بدت العظات والوصايا كثيرة، ولا يفوت الشاعر أن يأخذ بعين الاعتبار النسبية لمرور الزمن، فالزمن قائم في نفس الشاعر كما هو قائم بالمكان الذي يحيط بالشاعر نفسه .

النص الممكن:

القصيدة مؤلفة كما لاحظنا مؤلفة من أربعة مقاطع، فإذا أردنا أن نعيد ترتيب المقاطع فيمكن أن نعيد ترتيبها ب(!4 = 24) طريقة، أي يمكن أن نحصل على أربع وعشرين قصيدة ناتجة فقط من إعادة ترتيب الفروع في القصيدة، وإذا لاحظنا أن الفرع الأول يتألف من ثماني شعاب رئيسة وسبع شعاب ثانوية فإننا يمكن أن نعيد ترتيب الشعاب الرئيسة ب(!8= 40320) طريقة، ويمكن إعادة ترتيب الشعاب الثانوية ب(!7=5040) طريقة ولنا أن نتخيل الرقم الكبير الناتج عن جداء الأعداد (40320، 5040، 24) وهو 4877107200 وهذا الرقم يمثل عدد طرق إعادة ترتيب الشعاب في الفرع الأول مع عدد طرق إعادة ترتيب الفروع في القصيدة، وسنرى أن الرقم سيكون كبيرا جداً جداً إذا أجرينا الحساب على عدد إمكانات إعادة ترتيب الشعاب في الفروع الأخرى . وكل حاله من الحلات تمثل قصيدة ممكنة وتشكل نصاً ويمكن لنا أن نصفه بالواقعي، ولكن ليس من حقنا أبدا النظر إليه إلا من وجهة النظر المعرفية، والشاعر سيكون في حل من اي نص آخر غير الذي بين أيدينا لأنه يمثل النص الواقع، وعلينا أن نقبله كنص حقيقي ما دام الشاعر قد أعلنه على هذه الصيغة للعامة .

 

مفيد حنسه

 

 

 

 

الكبير الداديسيمن "زمن الشاوية" حتى "لا تنس ما تقول" [1]

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا من الود ما لا تتسع له الصدور.. نشعر ببعض الغبن عندما يطب منا الإيجاز في ما يستوجب الإطناب، ويفرض علينا تقديم أكلة سريعة خفيفة لضيوف استأنسوا المأدبات الثقافية الدسمة، لذلك نعتذر منذ البداية عن أي تقصير في تقديم قراءة سريعة حول مشروع ثقافي متكامل لمفكر مثقف نقابي كاتب يجمع بين الإبداع والنقد.. ولج عالم الكتابة الروائية مطلع تسعينيات القرن الماضي بمساء الشوق 1992 لتتوالى تدفقه السردي عبر: زمن الشاوية 1994، وروايات أنا أيضا: تخمينات مهملة"، و"رائحة الجنة"، و"لا أحد يستطيع القفز فوق ظله" "مجازفات البزنطي" "أسفار لا تخشى الخيال" "تراب الوتد" "سطات" و"لا تنس ما تقول" ليكون من القلة القليلة في الرواية المغربية الذين استطاعوا خلق تراكم روائي يستحق أن يكون موضوع دراسة ، ويفرض أسئلة عن الثوابت والمتغيرات في مشروع شعيب حليفي؟ الموضوع الروائي؟ اللغة الروائية عند حليفي؟ الوعي والشخصيات؟ البناء الزمني؟ البناء الروائي؟ أساليب الحكي؟ الغاية من تورط حليفي في الكتابة الروائية؟ وخصوصيات الكتابة الروائية عند حليفي؟

صعب جدا الإحاطة بتفاصيل هذا المشروع في جلسة واحدة مهما خصص لها من الوقت، لذا كان التركيز على روايتين أولاهما تعد من اللبنات الأولى لهذا المشروع (زمن الشاوية 1994) والثانية رواية "لا تنس ما تقول" الحائزة على جائزة المغرب سنة2020).. الروايتان كتبتا في ظروف مختلفة، ولكل رواية ما يفردها وما تنماز به عن الأخرى على مستوى الشخصيات والأحداث والزمان طريقة الحكي.. لكنهما تتشابهان في ملامستهما لقضايا كثيرة.. لعل أهمها الانتصار للهوية الثقافية المحلية واختيار نفس الفضاء المكاني لمسرحة الأحداث وتحريك الشخصيات، والاستلهام من التاريخ والتراث الوطني والمحلي، كما تتشابه الروايتان وهذا هو الأهم في نفس البناء: الانطلاق من الشاوية إلى مدينة كبيرة مجاورة (هي في زمن الشاوية الدار البيضاء، وفي "لا تنس ما تقول" القلعة الكبرى والعاصمة) مع انفتاح الشخصية الرئيسة على الخارج (سفر علي الشاوي وابنه في "زمن الشاوية" إلى باريس بفرنسا، وسفر شمس الدين الغنامي في رواية "لا تنس ما تقول" إلى طليطلة بإسبانيا) والعودة إلى الشاوية بهدف تغيير الواقع مع الإيمان بصعوبة هذا التغيير أمام مادية العصر واستفحال الفقر، الجهل، الشعوذة وصعوبة مواجهة المخزن المتحكم في كل صغيرة وكبيرة لتبقى الكتابة متنفسا تستدرج كل شخصية لكتابة روايتها الخاصة، وإظهار من يتقن العزف على الحروف كمن يملك المفتاح السحري لهذا الواقع الملتبس.. الروايتان تلتقيان في ال "هنا" (الشاوية) الممتدة جغرافيا من نهر أبي رقراق شمالا إلى نهر أم الربيع جنوبا.. وهما قطبا رحى المشروع الروائي لشعيب حليفي..

ونظرا لتعدد الجوانب التي يمكن من خلالها مقاربة العملين سنستلهم أول جملة (عنوان) افتتح به حليفي روايته الأولى "زمن الشاوية" ( الرحلة: عشر نقط لفهم ما جرى) لنأخذكم في رحلة مكثفة عبر عشر نقط في شكل ثنائيات تختزل أسئلة الرواية في مشروع حليفي:

1 - سؤال التجريب والبحث عن الشكل المناسب:

- قارئ الروايتين يدرك اعتماد شعيب حليفي على التجريب في الكتابة الروائية كرؤية فنية جديدة للأشياء وللعالم، من خلال البحث عن الشكل المناسب، لقناعة الروائي أن إشكالية الرواية المعاصرة اليوم هي إشكالية شكل أكثر مما هي إشكالية محتوى، وأن الإشكالية الكبرى لا تكمن في ماذا نسرد؟ وإنما كيف نسرد وبأي لغة وبأي طريقة؟ ما دامت "المعاني مطروحة في الطريق" لذلك تلتقي "زمن الشاوية" و"لا تنس ما تقول" في تجريب طريقة جديدة في بناء الرواية تخلق لدى المتلقي شعورا بالارتباك، تجعل القارئ البسيط المتعود على الكتابة الكلاسيكية يجد صعوبة في تتبع الخيط الناظم (fil conducteur) بين مكونات المحكي..

- وهذه الطريقة الجديدة تبعد الرواية عن مجرد سرد أحداث تخييلية من الذاكرة، إلى إجبار الروائي على البحث المضني عن الشكل المناسب والمحتوى المقنع المشوق، من خلال النبش في التاريخ والفكر، الجغرافيا الأنتروبولوجيا.. وهو ما يحيل الروائي إلى ما يشبه المفكر المؤرخ السياسي والمصلح.. وتستدرج القارئ هو الآخر للبحث، فلا يمكن لقارئ (لا تنس ما تقول) مثلا أن تحيط بموضوع الرواية ما لم يكلف نفسه عناء البحث عمن يكون بويا صالح هذا؟ والغوص في المعرفة التاريخية لفهم عقيدة البورغواطيين والربط بين هوية البطل (شمس الغنامي) و(صالح بن طريف) البرغواطي..

2 – الاستلهام من التاريخ وأسطرة الزمن:

- الروايتان تستلهمان من التاريخ وتعملان على تحيين التاريخ وتغليفه بعديد القضايا الآنية، وترميان بالقارئ في أتون أزمنة ماضية من تاريخ المغرب: فإذا كانت "زمن الشاوية" تعود بالقارئ إلى النصف الثاني من القرن 18 وبالضبط مرحلة حكم السلطان محمد بن عبد الله، وبداية ما يعرف في تاريخ المغرب بالسيبة مع الانفتاح على الثورة الفرنسية.. فإن رواية "لا تنس ما تقول" تتوغل في التاريخ أكثر لتُلقي بالمتلقي في العصر الوسيط زمن البورغواطيين وشخصية صالح بن طريف (بويا صالح) الروايتان وإن كانتا تستلهمان من التاريخ فهما لا تندرجان في الرواية التاريخية بمعناها المدرسي وإن كانتا تغترفان من التاريخ، ولا تروم إعادة كتابة التاريخ، وإنما تستحضر التاريخ وتنبش في ثناياه مستحضرة شخصيات، رموزا، تجارب انتصارات وانكسارات أحداث وقضايا لم ينصفها التاريخ والمؤرخون، أمام هيمنة قراءة رسمية همهما طمس جوانب من الهوية الثقافية لهذا الحيز الجغرافي/الوطن، وهذا الوجدان المشترك/الأمة ..

- لم تكتف الروايتان بالنبش في الزمن التاريخي والعودة لمحطات من زمن الشاوية، بل حضر فيهما مفهوم الزمن بقوة، وجعلتاه قوة فاعلة محركة للأحداث وتجاوزتا أنسنة الزمن وإسناد أفعال إنسانية إليه، إلى أسطرة هذا الزمن وجعله قادرا على فعل ما عجزت باقي القوى الفاعلة في الروايتين فعله.. بل جعلتا الزمن شكلا يتسع لكل المعاني السالبة والموجبة والمطلقة التي يستحيل الإحاطة بها كلها في مقال قصير ومنها ويكفي تأمل هذه الأمثلة القليلة ليستوعب القارئ هلامية ومطاطية الزمن:

(زمن الشاوية هو زمن الموت والقتل والفوضى)[2]

(زمن الشاوية الملتهب الحارق العلقم بمرارة الشيح والشندكورة والمريوت... زمن

الشاوية هو زمن العزلة والمنافي المربوطة بسلاسل الضيم والمفاجأة[3]

زمن الشاوية يلتهب وقفاطينه تحترق ص 150

زمن الشاوية مثل حطبها القطاطعية يتصيدون في الماء العكر. ص28

زمن الشاوية المتقلب بطواحينه المفضوحة والمستترة..

زمن قد يضيق على صاحبه وقد يمتد به لكل مالا تستطيع أن تلملمه الذاكرة من حكايات، فيصبح (من حق كل شاوي أن يحلم في زمن الشاوية بما يشاء)32 كما قد يصبح خصوصيا حميميا (زمن الشاوية جزء من حسابات الكاشوش التي يحتفظ بها كل واحد لنفسه في ساعات العبت)، وفي نفس الوقت يعدو عاما مطلقا.. ورغم تقلبات وزئبقية زمن الشاوية فإنه يبقى هو هو مهما حاول الماكرون (كما الشيح الهبطي) البحث (عن سبل للالتفاف على زمن الشاوية)ص48.. يأتي الأولياء كسيدي حجاج وابن حمد ويغادرون (دون أن يغيروا شيئا من زمن الشاوية) ص 60 كرمه بدون حدود وذنوبه لا تغتفر فلا يملك سارد الرواية سوى أن يصيح: (سامحني يا ربي فإني لن أسامح زمن الشاوية ) ص 90 أنه زمن يجمع كل المتناقضات، معشوق ومكروه قد يختزل كل الناس، كما قد يُختزل في شخص واحد، قال الشاعر الهداوي في القايد علي:

تقدم أيها الشاوي واضرب ++++ بزمنك الزمن يكن زمن الشاوية

لذلك لا غرابة إن صار أقصى ما يتمناه السارد حرق هذا الزمن لإيقافه عند لحظة تختزل كل الأزمة: (تمنيت لو أني عشت حطابا، حتى أجمع ما أحرق به هذه الشاوية فانهي التاريخ عند مقتل الشهيد القايد علي الشاوي) وهو المقتنع أن الناس يعيشون ويقتاتون على (حكايات زمن الشاوية)53

3 – تشظي الحكاية وتشتيت المحكي:

- قارئ الروايتين يدرك الجهد الكبير الذي بذله المؤلف في حياكة وتطريز حواف حكايته ليجعل الرواية وحدة دالة لها وظيفة معينة، لكن سرعان ما يخيب أفق انتظاره أمام تعدد وسرعة الانتقالات بين الأمكنة والأزمة، تشظي الحكاية وتفتيت وتشتيت المحكي عن قصد، والرهان على ذكاء القارئ في إعادة هيكلة معمارية الحكاية وترتيب وقائعها، تنويع الحكايات وطريقة الحكي، باعتماد التضمين (حكاية وسط حكاية) وإتقان لعبتي التصريح والتلميح في إعلان الكاتب/ السارد لموقف من عديد القضايا الراهنة والموروثة كاختيار سردي ينشد تشييد عوالم سردية مختلفة، ليخرج حليفي في هاتين الروايتين بهذه الفوضى الخلاقة همها صناعة تاريخ من خلال السرد، دون الادعاء النيابة عن المؤرخ في كتابة التاريخ..

- ومن مظاهر هذا التشظي تبويب الروايتين في عناوين فرعية، فهما تنطلقان معا من رغبة في تغيير الأجواء فكان أول عنوان في "زمن الشاوية" هو (الرحلة أو عشر نقط لفهم ما جرى) وكان أول عنوان في رواية "لا تنس ما تقول" هو (يصعد الموج إلى السماء) وأن هذا التفتيت المقصود نما وتطور بتطور مشروع حليفي وإذا كانت الرواية الأولى متضمنة لخمسة فصول في كل فصل عدد من المشاهد تختلف بين الترقيم والعنونة، فإن رواية زمن الشاوية ... وفي الروايتين يكاد يفتح كل عنوان متاهة سردية أمام القارئ يعتقد أنها سنتفرد بشخصية أو بمكان أو حكاية فرعية فإذا به يتيه في سراديب ذلك التبويب ليجد نفسه متورطا في إعادة حياكة الحكاية والتعامل معها كوحدة وتلك هي الغاية التي يرنو إليها الكاتب في توريط القارئ في إعادة البناء السردي..

5 - تعدد الأصوات ومغربة الرواية

- بالإضافة إلى تشتيت المحكي وانتقال السرد من حكاية لأخرى، ومن شخصية لأخرى ومن مكان لآخر ومن زمان لآخر، فإن الروايتين كتبتا بطريقة اجتهد فيها شعيب حليفي لتكون تجريبية تعمد فيها السرد التناوبي، فكان السرد في "لا تنس ما تقول" بين سعيد، شمس الدين، صلاح وجعفر وأصدقاءهم ناهيك عن السارد الأكبر الذي يتحكم في كل خيوط اللعبة السردية يبعد من يشاء ويقتل من يشاء.. متجاوزة التقسيم النمطي للرؤية السردية، وعلاقة السارد بالشخصيات، صحيح أن السارد يمنح الحرية للشخصيات كي تعبر عن مواقفها ورؤيتها.. لكنه في ذات الوقت متحكم في كل كبيرة صغيرة يصف ويسرد كل ما تفعله الشخصيات وما تفكر فيه في خلوتها ونومها وحلمها.. يعرف ماضيها ومستقبلها، يحركها كالدمى، لتقف الرواية في مشروع شعيب حليفي عصية على كل الضوابط التي ينظر لها شعيب حليفي الناقد، وهو ما يجعل صوت شعيب الناقد غيره صوت شعيب المبدع..

- إن تعدد الأصوات صاحبه تعدد في ضروب الوعي وتعدد الثقافات، والمبالغة في توظيف المحلي الذي قد لا يفهمه إلا المغاربة وأحيانا إلا أهل الشاوية، وظف السارد كل ذلك لتوهيم القارئ بواقعية الأحداث، وقد تعمد إيراد مقاطع سردية باللغة العامية وتعريبها أحيانا، وفق مقصدية السارد الأكبر مما يجعل من الروايتين كتابة مغربية بامتياز، وكأن هدف حليفي مغربة اللغة العربية، من خلال تعريب الدراجة المغربية، وتدريج العربية الفصحى، فيأخذ مثلا أمثال عربية مثل (عادت حليمة إلى عادتها القديم) ليمغربها ويصبح المثل (عادت ريمة لعادتها الديمة) مغربيا له حكاية مرتبطة بالشاوية وأهلها .. كما تحكي رواية حليفي حكايات شعبية من المغرب العميق مشحونة بدلات شعبية كحكاية الغولة التي ترمي بثدييها المرتخيين على كتفيها ص29. أو بدلالات دينية مثل كرامات بعض الأولياء كقدرة بعضهم على جمع لحم الذبيحة وإعادتها للحياة بعد توزيع لحمها.. وكرامة ذلك لولي القادر على جعل الرحى تدور وتطحن الزرع، ووضع القدور ملأى بالطعام على النار، وإشعال النار بنفس الأيادي اللا مرئية .. وولي آخر بإمكانه تفجير العيون والمنابع..) وتبقى المغربة أكثر وضوحا في الجانب اللغوي بتوظيف معجم مغربي من قبيل: الرزاز، الزميتة، السيبة، القطاطعية، العزارا، الزطاطة، التزطيط، السبسي.. بعض الأماكن ناهيك عن بعض العادات، التقاليد، الأمكنة والألبسة المغربية يقول في وصف حصّاد: (يلبس الصباعات القصبية ويلبس التبندا ..) 33 وهي أوصاف لن يفهمها إلا من عاش في البادية المغربية وعرف عن قرب طقوس الحصاد والدرس..

6- التمرد على النمط الكلاسيكي والانتصار للتصور الحداثي في البناء،

إذا كانت الرواية الكلاسيكية كأدب نخبوي (كلاسيكية من essalc وتعني طبقة أو نحبة) تقوم على مخاطبة النخبة المثقفة من خلال العناية بالأسلوب. الحرص على فصاحة، متانة اللغة، وأناقة العبارة. التعبير عن العواطف الإنسانيّة العامة. توظيف الأدب لخدمة الأغراض التعليميّة، واحترام التقاليد الاجتماعيّة. وقيام الرواية على مفهوم البطولة، فتجعل الأحداث تتمركز حول شخصية رئيسة تسعى لتحقيق هدفها، تربطها علاقات سالبة أو موجبة مع شخصيات أخرى لا تتحرك إلا في دور ثانوي خدمة لفكرة أو معارضة فكرة البطل... فإن مشروع شعيب حليفي في روايتيه (زمن الشاوية، ولا تنسى ما تقول) يركز على تقريب الرواية من الهم اليومي، وربط ال هذا اليومي بالتاريخ، معلنا مقتل مفهوم البطل باختيار شخصيات كثيرة تتناوب على السرد، بطريقة تجريبية تسعى إلى فهم كيفية عمل الوعي الإنساني اليومي ومنه فهو لا يقدم نفسه كحامل معرفة، وإنما مجرد صاحب رؤية للعالم، مقتنعا حتى الثمالة بكون الكتابة مجرد مغامرة لاكتشاف هذا العالم، وتورط في محاولة فهم الذات أولا قبل فهم العالم، ومتمردا على الثوابت المتعارف عليها في السرد وفي بناء الرواية، ككاتب حداثي من حقه مساءلة السائد، والتساؤل عن الممكن.

7 - الانتصار للتاريخ المهمل

إذا كان الحاضر هو ما يحدد الموقف من الماضي، فإن شعيب حليفي كمثقف ملتزم، ونقابي وسياسي قادم من منطقة يراها ضحية التهميش .. فمن الطبعي أن ينتصر مشروع شعيب حليفي الروائي للتاريخ المهمل، وتاريخ الهامش، مقابل التاريخ الرسمي وتاريخ المركز الذي يرعاه التحالف الطبقي المسيطر ويسخر له مؤسسات تشرعنه، لذلك ركزت الروايتان على التاريخ الشعبي، والتأريخ من خلال الرواية لمنطقة الشاوية التي ظل للأسف تاريخها شفويا، فجاءت رواية "زمن الشاوية" و" لاتنس ما تقول" لفتح هذه الكوة في مشروع تنويري، يستهدف عولمة القضايا البسيطة، وجعل التاريخ المحلي قضية إنسانية، وحليفي في كل ذلك مؤمن بأن كتابة الروائية لا يمكن أن تعوض وظيفة المؤرخ، وإن كان الروائي يتجاوز المؤرخ بتجاوز الاقتصار عما صار، إلى الحديث عن المحتمل وكما يجب أن يصير.. لأن المؤرخ الرسمي يبني مشروعه على الانتقائية وتتحكم في اختياراته اختيار زاوية معينة للتأريخ تتناسب والتوجه الرسمي.. في حين استحالت الرواية كاميرا تجوب الشوارع وتلتقط ذبذبات الناس في عفويتهم وإن كان الروائي هو الآخر ينظر من زاوية معينة وتتحكم فيه الثقافة التي أنتجته والإيديولوجية التي تأثر بها خاصة عندما يكون الروائي نقابي ويحسب على توجه سياسي معين له مواقف مررها عبر شحوص الرواية من المخزن وهياكله من المقدم ، الشيخ، القايد ..) ونظال أهل الشاوية ضد ضغيان وجبروت المخزن

8 - المزج بين الفصحى والعامية في توق للمغايرة

وبحث عن لغة ثالثة تظيف للمعجم لمسة خاصة وتشيكلا جديدا قادرا على نقل الأحاسيس بعفوية، فيكون التأثير والوقع قويا على القارئ الذي يفهم معاني تلك الوحدات المعجمية، رغم ما قد تطرحه من صعوبة الفهم لدى القارئ العربي الذي قد يجد صعوبة في فهم بعص كلمات المعجم الدارج المتعلق ببعض المواسم أو الحرف (التباندا)

تجنب استعمال لغة الآخر فرغم أن بطل زمن الشاوي زار فرنسا وبطل (لانس ما تقول) زار اسبانيا طبقات راقية واشتغل مترجما لعدة لغات ... لم تنفلت إلى النصين أي كلمة من هاتين اللغتين..

ماذا أكتب ولمن أكتب في الرواية؟ في رواية أنا أيضا .. تخمينات مهملة) (وسأكشف أنك لم تكتب عني وإنما عن نفسك.) يجيبه (اكتب عنك لأهرب من ذاتي ومن السأم والضجر)

تنويع طرائق التعبير وتعدد الرواة

اشراك القارئ وإيهامه أنه جزء من هذه الهوية الثقافية المراد بناؤها والتي تدعو الرواية إلى بعثها والحفاظ عليها

9 - توظيف التراث واستغلال الموروث:

بطريقة تبرز استيعاب حليفي للتراث المغربي وتراث الشاوية خاصة، بطريقة لا تقوم على اجترار واستنساخ المتداول من الموروث، بل ليضع الحاضر من خلاله موضع مساءلة، واستثمار وما تتيحه نصوصه من إمكانات لتوليد أشكال جديدة ، وقضايا نابضة لها علاقة بالواقع الحافل بالتطورات والمتغيرات حتى يستجيب لروح العصر، وذلك من خلال استحضار النص التراثي السردي الشفهي وآليات تناصه في قوالب فنية جديدة تربط الماضي بالحاضر، لتؤسس لنفسها تجربة متفردة تنبني على التأصيل والتجريب

10- الرمزية والعجائبية:

تميزت روايتا "زمن الشاوية" و"لا تنس ما تقول" باعتماد الرمز طريقة في التشكيل وفي بناء المعنى عبر استدعاء أعلام أماكن أو قصص للتعبير عن موقف ذلتي أو جماعي، في سعي للفكاك من المباشرة والتقريرية، وخلق توتر فني للقارئ من خلال حالة لفهم علاقة الإنسان بذاته، بتاريخه، بوطنه ووجوده.. والتفوق على المؤرخ في نقل ما يجري بخلق عالم متخيل متعدد الأبعاد يغدو فيه الرمز قناعا وسيرة درامية، مما يجعل من الرواية وليدة نصوص قديمة لكنها منفصلة عنها، بفعل تشذيب الروائي للرمز ، هكذا مثلا أضحى بويا صالح رمزا في رواية (لا تنس ما تقول)

أما العجائبية فتتجلى في الكثير من الحكايات الشعبية (حكاية ريمة) ومن خلال كرامات الأولياء فنجد علي الشاوي السارح يتجنه المطر والطوفان، ومولاي علي بوعزة قادر على إحياء الموتى وجمع لحم الذبيحة لتغدو ماشية كما لو أنها لم تذبح، ويكفي أن تصيح فاطمة منادية على أحد الأولياء فينكم أالشراف حتى بدأت الرحى تدور وتطحن الزرع، والقدور الينية على نار أشعلتها نفس الأيدي اللامرئية.. ويفيض نبع العين..) والروايتان مليئتان بمثل هذه الأحداث التي لا يصدقها عقل، وتحوم بالقارئ في عوالم غرائبية وما فوق الطبيعي، بطريقة يمتزج فيها الواقع بتخوم الخيال،

ما يشبه التركيب:

يستنتج إذن من خلال الروايتين أن مشروع شعيب حليفي يقوم على وحدة المكان والموضوع والمنظور، وإذا كانت العادة أن يسكن الإنسان مكانا أو أمكنة، فمن خلال الروايتين يبدو حليفي هو المسكون بالمكان، إذا جعل كل مظاهر التجريب في خدمة مشروعه الروائي، واتخاذ التجريب لتجليات وتمظهرات تمتح من التراث المحلي لتقدم للقارئ كتابة سردية تخييلية حافلة بالحركة والحوار والسخرية والنقد دون أن تتنصل رواياته من معانقة اليومي، أو تتملص من التشخيص الوصفي لواقع يزداد زئبقية منفتحة على ما هو حداثي، وهي تستهدف خلخلة بعض الثوابت في الرواية العربية التقليدية، وتحاول الانفلات من أي ضوابط قد تكبلها، وتقزم دورها وحركيتها، عسى تفرض نفسها في دائرة التلقي الأدبي بخصوصيتها وشكلها الجديد، وصياغة أسئلتها وإشكالاتها الخاصة بها بعيدا عن كل استنساخ واجترار. جاعلة من الزمن موضوعا روائيا ووسيلة للحكي من خلال العزف على تقنيات الزمن السردي من استرجاع، وقف، مشهد قطع .. بطريقة تؤسطر الزمن وتجعله قوة فاعلة في الرواية.. وجعل الرواية ملتقى كل الفنون شعر، أغنية شعبية، مسرح، حكاية، تاريخ ، جغرافيا أنتروبجيا.. ذلك أن (عقل صاحب التجريب يجب أن يكون فعالا أعني انه ينبغي أن يستوجب الطبيعة ويوجه إليها الأسئلة في كل اتجاه) كلود بيرنار، وبذلك يكون حليفي قد تجاوز مرحلة التجريب بحثا عن الشكل المناسب إلى اعتماد التجريب تقنية جديدة في الكتابة الروائية، جاعلا من رواياته كما قال باختين (مغامرة دائمة تبحث فيها الكتابة وقد تحررت من قواعد الشكل ومن قيود المضمون عن عوالم جديدة وأشكال جديدة.) . كل همه إصلاح حال الشاوية / الصالحية بالنهل من الحكايات الشعبية واستلهام التاريخ، والاستنجاد بالمتخيل دون أن يتخلص من السيري الذاتي الذي يبقى حاضرا بقوة، فيشم القارئ الكثير من شعيب حليفي مبطنا في الروايتين ويتم تمريره عبر شخصيات معينة..

ما يميز كتابات حليفي كونها تترك أثر لها في المتلقي ــــ ولا تمر من كما تمر السفينة تُحْدِث رجة في مياه البحر وينمحي أثرها سريعا بمجرد مروهاــــــ لأنها تحمل القارئ إلى عوالم وفضاءات لم يسبق للرواية أن ولجتها، تعتمد الحلم والعجائبي والتراث، وتنفتح على آفاق تجريبية أوسع وأرحب لفهم الواقع والحياة اليومية بتناقضاتها.. ولإدراك الذات من جهة أخرى متجاوزة اجترار وتكرار النموذج الكلاسيكي مبنى ومحتوى..

 

الكبير الداديسي

..............

[1] ألقيت الخطوط العريضة لهذه الدراسة، في الندوة التي احتضنتها كلية آسفي مساء الخميس 20 ماي 2021 تحت موضوع: شعيب حليفي وأسئلة الإبداع والنقد في الرواية المغربية المعاصرة.

[2] زمن الشاوية ص 74

[3] زمن الشاوية ص 81

 

محمد كريم الساعديمسرحية الجزيرة الخرساء وهي من تأليف وأخراج (ابو القاسم الزهيري) وتمثيل (علي العذاري / فلاح حسن / نور آل عطية / أمير حيدر) وتقديم رابطة عيون الفن الثقافية، هذه المسرحية التي أفتتح بها عروض مهرجان المسرح الشبابي والتي أقامته الرابطة ذاتها بدعم من نقابة الفنانين في العراق وكلية الفنون الجميلة جامعة بابل، وقدمت العروض على خشبة قسم التربية الفنية في كلية التربية المختلطة جامعة الكوفة وباشتراك أكثر من (12) عرضاً مسرحياً من فرق مسرحية من عدد من المحافظات العراقية .

تعد هذه المسرحية تمثيل لمجتمع تعود السكوت في زمن التجاوز على الحقوق والأرض والانسان وكرامته، فتحول سكان الوطن الى صامتين ساكتين عن أهدار الكرامة وهذا ما حمله النص في خطابه الموجه من خلال العرض المسرحي الى الجمهور، ليذكر باللحظة المعاصرة التي يمر بها الانسان في هذه الأرض .

أشتغل الفضاء المشهدي في العرض ومفرداته الديكورية التشكيل اللعبة المسرحية من انطلاقة العرض في مسرحية الجزيرة الخرساء بصوت ضربات الطبول والألوان الحمراء والزرقاء المتداخلة والتي غطت فضاء المسرح وصولاً الى أشتغال ورقات الفحص الطبي التي تحولت باستخدامات متعددة في ايدي الشخصيات الأربعة الجالسة في حركة افقية ممتدة من يمين المسرح الى يساره في جلوس على اربعة من الصناديق التي تتحول في اللعبة المسرحية الى استخدامات عدة منها مقاعد جلوس واخرى منصات وقوف للخطابات واخرى تدل على الطبول وغيرها من الاستخدامات مع خلفية زخرفية تبين مستطيلات متداخلة من المستطيل الأكبر الذي يحتوي بداخله مجموعة من المستطيلات المتداخلة لتمثل بعد بؤري في هذه الخلفية والتي تعطي مع الأضاءة بعداً جمالياً أو بعداً تأويلاً ذات دلالات معينة كأنها توابيت،أو اطارات صور للأحداث، أو فقط جانب جمالي للعرض لا أكثر قد يؤولها المتلقي في أثناء التقاء حركة ما في العرض، لأن الشخصيات لا تؤدي أي فعل مباشر مع هذه الخلفية، ولعبها أكثر مع الصناديق الصغيرة الأربعة فقط، هذا اهم ما حفل به فضاء العرض من ديكور يشكل مشهدية العرض المسرحية .

وبالعودة الى صوت الطبول التي ترافقها أصوات ضرب الاقدام على الارض من قبل الممثلين مع تصاعد الايقاع حتى يصل المشهد الى الذروة الصوتية يقطعها لحظة صمت يدخل بعدها صوت المذياع الذي يشغله الممثل في الطرف الايسر من المجموعة وبصوت مطرب عراقي قديم وبكلمات تدلل على الحزن من خلال اغنية (يكليبي سل وذوب سل وتفطر) دلالة على الحزن في داخل المجتمع (الجزيرة الخرساء)، وبعدها تداخل الممثلة قاطعة لهذه الاغنية ذات الطابع التراثي والايقاع البطيء، بإيقاع غربي سريع مع رقصة تحمل معها الراديو الذي تلقيه على الارض ليتكسر وتنهي أغنية النوح والبكاء، وتعطي انطباع بأن هذا المذياع يعني الخضوع للحزن الذي يسيطر على اهل هذه الجزيرة الخرساء، فهل هذا الكسر هو دلالة للخلاص من الماضي؟ أم من الحزن والبكاء؟ أم من كل ما هو معرقل لحركة التطور والتجديد ؟ وهذا الكسر هو اشارة الاحتجاج الأولى التي تظهر من المجموعة ضد ما يواجهون من صمت وخضوع وخنوع في هذه الجزيرة التي يتحول المشهد في العرض الى الدخول اليها بعد ان يتشكل العرض ويتحول المشهد الى مشهد الحافلة الداخلة الى هذا الصمت، وبكلمة (طبينه) التي يكررها كل ممثل بطبقة صوتية تدلل على الدهشة من القادم .

اشتغل المخرج على رباعية الجسد وتوظيف هذه الاجساد الاربعة في بناء تشكيلات الهدف منها هو اظهار الاحتجاج المتكرر والرفض ضد أوضاع السكوت على ما يتعرض له اهل الجزيرة ومن ضمنهم الشخصيات الاربعة، إذ يبتدأ المخرج تشكيلاته بخطوط افقيه للأجساد كسد منيع بين لحظتين الاولى الخضوع والثانية المقاومة مروراً بلحظات الاقتحام من خلال ضربات الاقدام وصولا الى توزيع الاجساد في فضاء العرض مع حركات تدلل على التعذيب بسبب المقاومة التي تفرضها الشخصيات ضد سلطة الجزيرة وصولا الى وضع الصناديق على الرؤوس في طريقة اعتقال وغير ذلك وصولاً الى التشكيل الجسدي المتدرج من الاسفل الى الاعلى وتنوع الاهداف حسب نوع الحوارات بين المبتهل الى السماء والمتهكم من أوضاع الخضوع دون أي موقف محرك للأحداث في الجزيرة .

إنَّ العرض أظهر تنوع الشخصيات المقدمة من الممثلين فكل ممثل جسد أكثر من شخصية وقد تنوعت الشخصيات بناءً لتغير الأهداف والمواقف، ومن هذا الشخصيات التي بلغ عددها أكثر من عشرة شخصيات مؤداة، منها شخصية الثائر وشخصية المتهكم وشخصية المعذب وشخصية المحكوم عليه بالإعدام وشخصية الخاضع وشخصية المؤمن المبتهل، وشخصية المناضل المعترض وشخصية الصامت الخائف وغيرها  وكل هذه الشخصيات صاغت حبكة العرض المسرحي .

إنَّ دلالة العرض المسرحي ومحاكاته التي أظهرت الاحتجاج في بعض أوقات العرض بصورة مباشرة وأخرى غير مباشرة، فالأولى كانت مباشرة في عرض أحداث تشرين في العراق من خلال ذكر بعض الدلالات التي تقدم صورة هذه الأحداث والمطالبة بوطن من خلال خروج التظاهرات في هذا الوقت واستشهاد بعض من ابناء هذا الوطن على ايدي حراس النظام،أو من ينتمي الى السلطة، وفي الصورة الثانية غير المباشرة كان نقد ظاهرة السكوت من قبل ابناء هذه الجزيرة على الظلم الذي تعرضوا له دون أن يحركوا ساكن،أو يجابهوا الظلم . لذلك ظهر الاحتجاج في هذا العرض في اكثر من مستوى:

1- الاحتجاج ضد السلطة على الجزيرة الخرساء وما أوصلت اليه الحياة في هذه الجزيرة .

2- الاحتجاج ضد ابناء الجزيرة وصمتهم على كل انواع الظلم وما يتعرضون له في هذه الجزيرة .

3- الاحتجاج على طرق الموت وفقدان الاحبة الذي ما زال مستمر في هذه الجزيرة .

4- الاحتجاج على ضياع الحقوق والتي في أولها الوطن ومن ثم الحقوق الأخرى التي فقدوها في هذه الجزيرة .

5- الاحتجاج على نسيان من ضحى لأجل الارض وقد خرج من أجل حقوق أهل الجزيرة الخرساء .

العرض المسرحي (الجزيرة الخرساء) هو لحظة احتجاج ضد السكوت واثارة التساؤلات عن الوضع القائم في هذه الجزيرة والذي استمر النصف ساعة حفلت أيضاً ببعض الهفوات ومنها وقوع العرض في التكرار في بعض الاحداث، والاخطاء اللغوية لدى بعض الممثلين، وكذلك بعض الاخطاء في البناء المشهدي في العرض اي أن لحظات الهدم والبناء في بعض المشاهد كانت غير منضبطة وخاصة في الموسيقى التي تقطع في بعض الاحيان بشكل مفاجئ، أو في حركات الممثلين يكون هناك بعض الارباك في بناء المشهد الجديد . لكن عموماً كان عمل الشباب في العرض جيد قياساً مع الإمكانيات المتوفرة، وكون بعضهم لم يرتقي خشبة المسرح في السابق، وكذلك ان بعض التمارين الخاصة بالعرض لم تكن كافية من أجل انضاج المسرحية بشكل متكامل.

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

 

 

جمعة عبد اللههذه الرواية هي الجزء الثاني ورباعية الليل على ضفاف ليالي مدينة السماوة، ولكن أو ما يلفت الانتباه، بأن لوحات عناوين هذه الرباعية (الليل في نعمائه. الليل في عليائه. الليل في بهائه. الليل في نقائه) هي عناوين استفزازية، بهدف شحن عقل القارئ وتركيز تفكيره وذهنه الى صياغة الحدث السردي، وكذلك في شحن الاغراء في هذه العناوين المبهرة، بلا شك هناك اختلاف متناقض بين محتوى المتن الروائي وهذه العناوين الساحرة في الليل في أقمارها الساطعة. بينما نجدها هذه الليالي مليئة بالحزن والاسى والإحباط المخيب بأثقاله، انها حكايات الحزن العراقي المدورة من حكاية الى الآخرى. ترسم بواعث الحزن ومرارته، نلمس الحب المقموع رغم عذريته وشغافه الشفافة في الروح والوجدان في نقاوة قلب النسوة، يحملن الطيبة الريفية والقروية الى حد السذاجة المتواضعة، يحملن قلوب كبيرة. في هذه الرواية في حكاياتها الحزينة والمريرة، لكنها تشدد على الرؤية الفكرية ومضاربها الدالة بالمغزى العميق. الذي يحرث بأن القوة الجبروتية الطاغية والمتسلطة في تسلطها في نهج الإرهاب الفكري، غير قادرة على قمع الثقافة الإنسانية والإبداع الادبي، قادرة على خنق القلوب بالحزن، ولكن غير قادرة على موتها وقتلها . مهما بالغت في تشديد طوق الحصار . وعندما يتوقف الارهاب الفكري، يتوقف والاضطهاد والقوانين الارهابية، تنهض الثقافة والفكر من رماده متوهجاً أكثر من السابق.وتعوض سنوات الخنق والحصار. لذلك يطرح الاديب (زيد الشهيد) رؤية فكرية خلاقة في الابتكار في المغزى الفكري الدال على هذه الثيمة وموضوعها الأساسي الثقافة والإرهاب. في الصياغة الفكرية التي تعتمد على الابتكار والتناص واستلهام والمقارنة المدهشة، بين حزن الشاعرة الروسية (أنا أخماتوفا) وهي من أشهر شعراء الروس، انبثقت موهبتها الشعرية وهي صغيرة السن (بعمر 12 عاماً) بشكل مرموق ودأبت في صعود نجمها الشعري في السنوات اللاحقة الى الشهرة العالية والواسعة، لكنها توقفت عندما وقفت بقوة في وجه الإرهاب الفكري الستاليني المتسلط. نتيجة لموقفها الإنساني والوطني، عاقبها ستالين. في إعدام زوجها، بسجن ابنها الوحيد في منافي سيبيريا. وكانت تقف مع الطوابير لساعات وساعات طويلة تحت الصقيع القارص، وفي الاذلال في المعاملة الخشنة من حراس السجن، من أجل زيارة ابنها السجين، ولم يكتف ستالين بهذا القدر من القسوة، وانما ايضاً أمر بسجنها ومنعها من الشعر، وطردت من اتحاد الكتاب والادباء الروس، بل سجنت في بيتها. هي محاولة سلبها من حق الحياة والموهبة الشعرية. أن تكون تحت طائلة الحزن والتعذيب النفسي. وهذه بعض المقاطع من ديوان (قداس جنائزي) كتبته في سنوات العجاف والحصار. وافرج عنه بعد عشرين عاماً من الحجر الابداعي:

لقد جلبت لنفسي هلاكاً محبباً...

بلايا واحدة تلو أخرى

فيا لمصيبتي

إن هذه القبور

هي نبوءة لكلماتي

**

 الى...... الموت

ما دمت ستأتي، فلمَ ليسَ الآن ؟

أنني أنتظرك..... أنني متعبة

لقد أطفأت النور..... وفتحت لك الأبواب....

**

لا تبكي عليَ يا أمي

أنا هنا في القبر

**

يدخل القمر بقبعة مائلة

ويرى ظلاماً

هذه امرأة وحيدة،

الزوج في القبر والابن في السجن

صلوا لأجلي أذاً

 هذه محنة الشاعرة (أنا أخماتوفا) مع ارهاب ستالين وكل على شاكلة ستالين من الطغاة ، ضد دعاة الثقافة الانسانية الحرة والابداع الاصيل، لان غطرسة الطغاة المتعالية، يريدون كل الادب والابداع لوحدهم فقط لا لغيرهم، في التمجيد والتعظيم لشخصياتهم المجنونة والمتهورة بحماقات لا تغتفر. يضع الاديب (زيد الشهيد) هذه حكاية الحزن مع حكاية (نبيلة) القروية طيبة القلب التي هجرت قريتها وجاءت الى مدينة السماوة، وهي تحمل في خيالها موهبة فطرية في الابداع الفني بشكل ملهم، اذا كانت الشاعرة (اخماتوفا) في موهبة الابداع الشعري ووجدت الثعبان ستالين امامها يطاردها بالقمع والارهاب الفكري. فأن (نبيلة) في موهبتها الفنية الملهمة في حياكة الازر والنقش عليها برسوم بخيال ملهم، لكنها وجدت أمامها ثعبان ستالين ولكن بشكل آخر. في استغلال طيبتها وحبها في سرقة جهدها الفني، هكذا استغل الرسام (جلال) فكان يستنسخ الرسوم الموجود على الازر التي تحيكها، وتحويلها الى لوحات رسمية يدعي بأنها من إلهامه ومن خياله الفني. هذه الرسوم لروعة خيالها الملهم، نالت الشهرة والاضواء والمال، فأصبح فنان عصره في الابداع التشكيلي، بهذا شكل صعد على قمة الشهرة والمجد والاضواء بواسطة سلم (نبيلة) في حبه المخادع. لهذه الفتاة الطيبة التي تعيش من جهدها وكدحها في حياكة الازر، وكانت تحيك كل سنة ازاراً مدهشاً في رسوم الغزلان، حتى حاكت الازر بعدد سنوات عمرها. وكانت طيبة المعشر عند سكان الحي وحظيت بحبهم واحترامهم ومحبتهم. ولكنها أمنت بصدق بهذا الحب المقموع والمخادع. رغم أن حبها عذري غير مدنس. وكل قلبها يطير فرحاً بهذا العشق الصادق من ناحيتها، ولكن بما تملك من موهبة فنية ملهمة، أصبحت من حصة الآخر وحرمت منها، بينما الرسام المخادع صعد على سلم الأضواء والشهرة والمال. بسلب موهبتها الفنية، مثلما سلب ستالين موهبة (أخماتوفا) الشعرية. وجعلهما تعاني فداحة معاناة الحزن ومرارته. هكذا القدر يسلب المواهب بطرق اللاشرعية ويقمعها بكل أشكال القمع، فمن يستطيع أن يعيد مسار الامل الذي غرق بالحزن (صدى روحها يردد. لا حد للصحراء يا صغيرتي، أن الصحراء كانت عصياً، لا أحد يتنبأ برأفتها فيعيد لقلب الفتاة مسار الامل) ص 16.. فكانت أمرأة مقموعة بالحب رغم جوانحها الصادقة، وكانت تعتقد أن حبها سينقذها من العتمة والوحشة، لكنها كانت على  وهم كبير. فقد تحول حبها الى سكاكين تنهش احشاء قلبها. وكان صديق الرسام (نديم) يلعب دور الوسيط والتواصل بين الجانبين، في إصلاح البين والخلل، لكنه وجد المفارقة كبيرة في التناقض بين طيبة في حبها، والآخر مخادع في الحب. وكان (نديم) ينجرف بشوق ولهفة الى الديوان الشعري (قداس جنائزي) للشاعرة (أخماتوفا) ولا يفارقه ولا يمل من قراءته. ويدرك أن أحلام (نبيلة) بالحب الاخضر ماهو إلا حب أسود معتم. لانه يستغل العاطفة المتوهجة في روح (نبيلة) ليكون سلماً صعوده على سلم نشوة الاضواء والشهرة. في عقلية مخادعة بالغرور والتعالي، رغم ظاهره في البهرجة المزيفة من جانب الرسام (قالت له: أسمي نبيلة، فرد في سره، بل أسمك ِ غزالة. وقال لها : أسمي جلال فهتفت في قلبها. بل أسمك بستان) ص55. وتصاعدت ضغوط الاهل أن ترجع الى قريتها من أجل الزواج. وهذه يعني عليها ان تودع الحب المقموع الى القبر، بعدما انقطع عنها الرسام بحجج واعذار واهية  وغاب كلياً عنها، لانه اخذته الشهرة والاضواء بعيداً عنها. شعرت ان حياتها وصلت الى هاوية الجحيم. كأنها سقطت من مرتفعٍ عالٍ. لذلك فكرت برمي نفسها في النهر، لانها جزعت من المعاناة والحزن ولم تعد تتحملها (يا الله. ما هذا العذاب) ص90. ولكنها اكتشفت خداع الرسام المزور في الحب والموهبة، حين وجدت المجلات تنشر رسوما على أغلفتها، وهي رسومها من بنات أفكار موهبتها الفنية (أيكون حضوره لبيتي قصد جمع أحجار فني ليعرضها على أنها من بنات أفكاره وتوهج موهبته؟.. أتراه يتجنب وجودي معه، وما يبعث من كلام ترج واعتذار إنما من باب جبر الخواطر) ص100. لذلك تيقنت بأن حبه لها طواه النسيان وكان بهدف سرقة جهدها الفني، وينسبه الى نفسه، انها سقطت في فخ الخداع والغدر. مما سبب جرحاً عميقاً غائراً في الحزن، وتمنت الموت، مثل (اخماتوفا) تمنت الموت والقبر. بأنها أصبحت تعيش في غمرة الحزن الذي سلبها أعز الاشياء. زوجها انعدم ابنها الوحيد سجين، هي محاصرة في بيتها ممنوع عليها كتابة الشعر. انها في بلوى مجروحة. قال صديق الرسام (نديم) ينصح (نبيله) ان تهجر حبها لانه مقموع وعقيم ولا فائدة ترجى منه، ان تتركه افضل لها (ما هكذا يكون الحب يا نبيلة، ولا هكذا تكون الثقة به.... لقد غاب عنكِ ونسيكِ، فواجب عليكِ نسيانه) ص100. لكن بالمقابل مصابح الشهرة واضواء المجد بدأت تخفت وتنطفي انوارها. وبدأ كالملك العاري من الثياب،  بأنه لا يملك الابداع والموهبة فهجرته الأوساط الفنية والثقافية، وشحت العطاءات المالية. ووجد نفسه بدون هوس الأضواء والشهرة. فقد ذهب كل شيء عنه وسقط في الوحل. كما سقط ستالين وارهابه في الوحل، وهذه نهاية الطغاة في انطفأ بريق مجدهم وشهرتهم، ويسقطون الى قاع الحضيض. فقد انتظرت الشاعرة هذه اللحظة التاريخية. واعادت نفسها الى الحياة مجدداً المقارنة من رماد الحزن، ونشرت ديوانها الشعري (قداس جنائزي). الذي كتبته في زمن الحصار والحزن ، كذلك (نبيلة) فقد جاءها الفرج من (حزين / عشيق حمامة في الجزء الأول من الرباعية) ومد طوق الإنقاذ لينتشلها من الحزن. لكي تعود مجدداً للحياة، لتنتهي حكاية عذاب الليل في مدينة السماوة.

 

جمعة عبدالله

 

 

سعد الساعديإنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، وما هو موجود فعلاً تجديدياً لما تنتجه الثقافة خاصة، وبقية الفعاليات الحياتية الأخرى، لاسيما حين يكون الشعر شاهداً تاريخياً لم يعرف الزور، ولا يرضخ لإغراءات الدولار، والشاعر في عمق الألم يغوص.

في قراءة موجزة لقصيدة الشاعر جبار الكواز "أمير الكون علي" نحاول الوقوف عند مفترقات نراها تجديدية، كون الشاعر –مع أنه من المخضرمين- من كتاب القصيدة الحداثوية التجديدية المتميزين وفق ما ندعو إليه من مدرسة نقدية حديثة تتناول النص أو أي عمل إبداعي آخر تحليلاً نقدياً، من أجل فكّ التشفيرات الملازمة إن وجدت، وإيضاح ما بُني عليها العمل للارتقاء به إن كان يستحق حسب نظرية "التحليل والارتقاء" لنشر الإبداع وعدم قتله مهما كان مُنشؤه.

بأقل خطوات البحث والتحليل نرصد ما جاء في القصيدة من العنوان كمدخل الى ما تنتهي به الكلمات بموضوعية المنهجية النقدية، ومحاولة عدم التكهن باللاحق، أو تفسير معاني كلماتها لغوياً، بقدر ما نسعى لتفسير الرمزية المتشابكة في بعضها، المتناسقة بدلالاتها الفوقية، بلا اضمار أو تورية صارخة، وما بها من صور هي التي تضع لها المكان الحقيقي كقصائد تجديدية عبر سيرة تاريخية.

كإشارة استهلالية أولية لابد من القول أنَّ أغلب الدراسات النقدية لا تتناول تحليل المضمون في الكتابات السردية (النثرية) والشعرية لسببين مهمين يتصورهما الناقد أنه وصل اليهما أو تطرق لهما، وهذا ما نعيد تأكيده وتكراره كثيراً لأجل تعميق التذكير:

أولاً اعتقاد الناقد أن بؤرة النص ووصوله إليها بحرفية تقنية منضبطة هي المجال الذي يسير فيه لتحليل مضمون النص، والثاني استناد الكثير من النقاد الى منهج نقدي متعارف عليه، أو المدرسة التي ينتمي إليها الناقد في اشتغالاته النقدية.

في الحقيقة ليس الأمر كذلك؛ لأن تحليل المضمون يختلف بشكل جذري عما هو عليه هذا الاعتقاد. إنَّ تحليل المضمون غالباً يستخدم في الدراسات الاعلامية والعلاقات العامة وبعض الدراسات التاريخية التي لا يطالها ويصلها الكثير من النقاد، أو بالأحرى تكون مهمشة لديهم لسببين: منهم من لا يعرف تحديداً ما هي الأساليب الاعلامية التي ينتهجها علم الاتصال عند تحليل الرسائل الاعلامية. فكل نص (شعري أو نثري، أو فني وغيره) هو رسالة اتصالية، والاعلام يختلف عن الاتصال، والسبب الآخر هو تصور الناقد المبني على شرح كلمات النص بمعانيها المعجمية اللغوية (الكلمة ومعناها) وليس النقدية، وهذا الأسلوب بات من الماضي الذي ينبغي عدم الاعتماد عليه تحليلياً حسب ما ترى نظرية التحليل والارتقاء النقدية. من هنا سنقف عند النص ثم نتابع بقية المجريات:

النص: أميرُ الكونِ (عليّ)

(هم يحسدونكَ في عُلاكَ وإنّما

متسافلُ الدرجاتِ يحسدُ مَن علا)

 (1)

"تلك الجمرةُ التي

اغترفتْها كفُّ (عقيل)

اختصرتْ جهنماتِ التاريخ

وكانت (صفين) هناك

و(دومة الجندل)

والفرات الظامئ

كان قطيع الرأس في أكياس أمراء المالِ

وكنّازي الذهبِ والفضةِ

وحين صرخَ (عقيل) صرختَه

تهاوتْ أممٌ،

واسودّتْ وجوهٌ،

وفار تنورُ الثأرِ

غِلّاً..

وجهلاً..

وظلماً،

وطفا فوق وجه الماء

قتلى بغداد المغدورة

بسيف الله..

(2)

أسَمَعَ روّادُ (وول ستريت)

قصّةَ خصفِ نعلِ الأمير؟!

أرَأَوا  الترابَ يسفّ على قمر في  العراق؟!

أسَمَعَ أمراءُ (روتشيلد)

حكايتَكَ مع اليهودي؟!

كان مرابياً

فصار ظلّاً في (النهروان)

أكان (ذو الفقار) يبكي بين يديّ السماء

يستجير طالباً أفقاً بكراً

ليقطع الربعَ الخالي

بالأنين؟!

فأين (البنوك)..

وأين الجنودُ..

من عهد (سومر)..؟!

وكيف السيوفُ الباترات

سافرتْ الى ثكنات الجند (الانكشاريين)

الى جنود (بصرى)

الى صبايا (الشام)

الى ( عسقلان)؟!

باحثة عن قتلة (كربلاء)

والى الصحراء منقّبةً عن دولارات الأتربة

وعن نزيف أغرق (كوفان) بالظلام

وهم قلقون

 وسيوفهم...

وأنت مستغرقٌ في جوهر الوجود

شتّان أذن بين بياضِك وسوادِهم

إلاّ بالقتلِ صبراً

أو بالطعنِ شهيداً.

أو بأحلامهم (أندلس) جديد

أغرقه بطرُ ملوك الطوائف.

(3)

لم يكن(ميثم التمّار)

سوى بائعٍ للتمر.

لكنه تعلم (فُزتُ وربِّ الكعبة)

كدار دور..

كدعاء الافتتاح..

كديمة (كُميل) في الرواق المهجور من فجر الصوم

وما كان (سعيد الهجري)

إلاّ وفياً لمبادئه

فذهب  مغدوراً

وذهبتْ أسواقُ مال الكوفة

الى بستان (قريش)

والى بنوك (لبنان)

و(فينّا)

وما زال (التمّار)

يؤذِّن فجر الموت

(حيّ على خير العراق)

ومازال ( الهجريّ) هاتفاً لملكوتك

بلا ساقين،

ولا يدين،

ولا لسان..

هكذا صار تمرُ (التمّار) في رمضان

مائدةً من سماء الله

لأولنا،

وآخرنا،

وهتاف (الهجري)

رزنامة دمٍ

لمّا يجفّْ للآن.

(4)

وحين بايعك القومُ

كانت عيونُهم

على أرض السواد

تقدحُ شرراً،

وأكفهم سيوف مسمومات

من غيظٍ وثأر،

وهنّ عاريات إلاّ من

دفاعٍ عن عجلهم الذهبيّ،

ورِباهم

في بنوك اليتامى والمغدورين".

النص بمقاطعه الأربعة فسّرَ الكثير، وجاء بمعطيات شتى لا يمكن حصرها جميعاً بصفحة أو صفحتين بقدر ما هو تفسير للعنوان الأول كبؤرة مركزية مميزة، تسلسلت بعدها بؤر فرعية كثيرة منها مثلاً: الحسد بعد بيعة للخليفة تقاتلت عليها الجماهير الغفيرة، العدالة المنشودة التي حورب من أجلها (أسماء المعارك)، اخلاص صحابة الأمام علي له، اشارة لمن نكث البيعة، ثم تسير سلسلة التاريخ الى أن تصل ليومنا هذا وما فعله الفاسدون كأنهم ورثوا فساد القوم وظلمهم؛ لا همَّ لهم إلاّ التسلط والغنائم والمغانم، واختيار البنوك لخزن وحفظ كنوزهم.

 جملة (أمير الكون عليّ) التي تتوج بها النص كعنوان مثير ومحرك للذاكرة الانسانية؛ لا شخص يستحق الإمارة المطلقة غير واحد هو علي بن أبي طالب سيف الاسلام، وسلطة الحق. سحب الشاعر صفحات التاريخ ونشرها علانية وهو متأثر بها كونه ابن بيئة عراقية ممتدة الجذور في عمقها التاريخي، رغم تداخل كثير من الأشياء بسوادها وبياضها، حتى اللغات ألقت بظلالها طالما هناك من تتالى على احتلال بلده العراق طيلة حقب من سنين طويلة. لكن لماذا اُختير هذا العنوان بالذات؟

حاول الشاعر ابانة الحق من الباطل بهذه القصيدة النثرية المشبعة بالألم والمرارة والحزن؛ من هنا يكون المدخل لماهيّة الحقائق الدفينة المضمرة بالنص، والمعلنة صراحة بدلالاتها، وما سعى إليه الشاعر فيها، لذا يمكن تحليل تلك الدلالات بما يلي:

أولاً: الدلالة القصدية في عموم النص

إنَّ أي أديب هو كاتب شعبي قبل أن يكون كاتباً عالمياً اذا ما سنحت له فرصة العالمية، ومن بين طيات وثنايا الأدب الشعبي الحقيقي يرتقي الى إثارةٍ وإنارةٍ في انعطافة تنويرية معرفية شديدة بعيداً عن الحكام والملوك وكيل المديح لهم، وإن فعل ذلك فهذا لا يُعدّ أدباً بل نفاقاً، لأنه بأدبه راصد صادق لرحلة شعب طويلة، أحد المساهمين فيها هو، وهذا ما سار عليه الكواز هنا، وفي قصائد كثيرة أخرى. اشتغل كما يشتغل الناقد البصير في مختبر رصْدِه قبل شعريته كشاعر، عبر ثقافة بمستوى من الرقي المعرفي، وليس وقفات بطيئة على الاشتغال. فجاء استهلال النص بذلك العنوان بدلالات توحي من هم القوم، وماذا يريدون عندما نقف على حقيقتهم الفعلية عديمة الفلسفة الحياتية الناصعة، وليس الى ما نسب زوراً وبهتاناً خلال مسيرة غابرة من التاريخ، ويمكن لنا القول أن البؤرة الحقيقة للنص جاءت من هنا، متبوعة بتشكيلات نابعة من الذات بموضوعية.

بمعنى أنَّ الفلسفة التي انطلق منها الشاعر هي حقيقة جوهر وجودي انساني؛ لم تكن ايديولوجية أفرزها الفكر الانساني روحياً وعقدياً فحسب لأنها خارجة عن العرف والقانون، بل "أمير الكون" هو من مثل القانون وطبقه بحذافيره حتى في ساعة احتضاره حين اصدر قراره بعد ضربة السيف القاتلة؛ إن عاش فهو المتصرف بالأمر، وإم مات فالقصاص العادل؛ وصيته من أجل حياة حرة كريمة يتساوى بها البشر. وبمقارنة خارج سياق هذا السرب بين من حمل وأدّعى وتبنى ايديولوجية سياسية نجد دلالات تنبثق من النص، كأنما يشير بها الشاعر لزمن الصعاليك الذي لم ينتهِ حتى هذه اللحظة، وليس فقط كان جاهليَّ البناء، عربيّ التكوين والنشأة، ما دمنا في صدد الواقع العربي عموماً، مع وجود مشابهات أخرى.

ثانياً: محاور الاشتغال الشعري

هناك ثلاث عوامل مهمة هي المرتكزات الأساسية التي يستند عليها الناص أو المُنتِج في عمله كتشخيص حالة يُراد لها الاهتمام والمتابعة والتلقي، ومن ثمَّ التحليل. هذه الحالة هي الانتاج الأدبي بشكله العام كي يفسح للناقد و للمتلقي الآخر المجال في فهم فلسفة النص أولاً بعد كشفها، أو تحديدها بشكل أكثر وضوحاً، وفلسفة النص هنا تسعى للعدالة والحرية، ومعرفة الحقيقة بعرضها ناصعة، وما جاءنا مع التاريخ بكل ملابساته.

أهم المرتكزات التي لابد للناقد عدم اغفالها هي اللغة والمعنى والجمال التي تغلف العمل، مع اثارة التساؤلات لدى المتلقي، وفي (أمير الكون عليّ) استطاع الشاعر الإمساك بشدّة بهذه المرتكزات محركاً الذهن المتصوِر بطرح تساؤلاته، من أجل اشراكه في مجمل عملية الاتصال وأنماطها ومستوياتها، فأنتج لنا نصاً فيه الكثير من الصور والألوان، كشاعر متمرّس له باع طويل في هذا المجال، نراه يختلف عن كل ما كتب بنكهته الابداعية الخاصة، ولونه المتفرد؛ تتعالق كل الصور الجمالية لغةً ومعنى في وشائج مبهرة مع حزنها، وتقول أن المخادعين مازالوا في كل مكان؛ حتى بدأت الجماهير تتناقل مصطلحاً جديداً عن أولئك المخادعين أسموه: (56) دليل النصب والاحتيال.  ونقصد هنا بنكهة الابداع، العمل الابداعي كتجديد، وليس كمحاكاة وتقليد، ليطمئن به الناقد كقارئ قبل كل شيء، والمتلقي (المُرسَل إليه) كمستمتع، وليس العشوائية في انتقاء عابر سبيل.

وكتفريق معرفي وأثر سيكولوجي؛ انطلق الشاعر من هاجس واحد دافع، متفرعاً لهواجس متعددة غزيرة متدفقة الى هدف منشود، أو رسالة اتصالية، مبتدئاً بما أعدّه مسبقاً كشاعر ناقد للواقع، أو ارتجال نفسيّ ككاتب نص شعري، مضيفاً أثراً نفسياً في عمليات التأثر السيكولوجي المسبق التي لا تبنى أصلاً على تصفية الحسابات أو المراوحة بين الذم والمدح في مبتغياته.

إنَّ شخصية الشاعر بما لها من ارتباطات بمجمل نوعية العلاقات، ومدى التأثر بالمجتمع والحياة العامة، وكيف أن سمة المجتمع المتخلخلة كانت محركاً دافعاً، دعته للعودة بالتغنّي ووصف شخصيات تاريخية وأسطورية تأثيرية معروفة تركت وراءها أو معها ابداعاً روحياً وفكرياً واضحة دلالاته: (عقيل، ميثم التمار، رشيد الهجري "وليس سعيد الهجري"، كميل بن زياد). حتى المكان اتسعت سمته الخاصة في هذا النص: كوفان (الكوفة)، كربلاء، عسقلان، الاندلس، لبنان، والعراق، ليعطي الدلالات التي خطط الشاعر أن تكون هكذا بلا مزاجية أو انحياز، بإشارة منه لتطوُّر المجتمع وتخلّفه، وضَحَت صورته عبر النص ومدى تأثيرها على الشخصية والنفسية بصورة عامة، وبالتالي كل تلك انعكاسات نفسية أثّرت عليه؛ أفرز بها نفثاته الشعرية في (أمير الكون عليّ).

ثالثاً: ماذا يريد قوله الشاعر؟

لغرض عدم الإطالة أكثر والاختصار، وترك الكثير للقارئ - اذا صادف هذا النص - من اكتشافات نقف عند نقطة أخيرة لمعرفة غاية الشاعر منفرداً أو أسوة بغيره.

هناك أسلوبان يجب على الناقد العمل بهما للوصول الى حقيقة المعنى الوارد في النص، ولابد من وجود معنى وفكرة يقينية حدّدها الكاتب (لا يمكن شرح ذلك الآن بالتفصيل) إلاّ اذا كان العمل عبثاً مزاجياً ظاهره جميل، ولا باطن له، وهذا لم نجده مع الكواز، فليس أصلاً هناك حاجة (مع العبثية) للوقوف عند مثل هكذا نصوص؛ أما اذا اختار تناولها الناقد فعليه ايضاح الحقيقة كاملة؛ حيث المطلوب هو تحليل النص الغامض بلا فكرة واضحة استناداً لما يلي:

أولاً: معرفة الناقد القبْلية (السابقة) بنتاجات الكاتب، وطريقة عرضه للأشياء، وكيفية أسلوبيته الكتابية، وبالنسبة لشاعرنا فهو غني عن التعريف بما يملك من ملكة لغوية قيّمة، ولغة شعرية عالية من مميزات المرحلة التجديدية التي نحن بصددها الآن في قصائده ودواوينه الكثيرة.

ثانياً: لو كان النص هو الأول لكاتب جديد غير معروف، فينبغي على الناقد التأكد بشل تام أن هناك هدف ما لهذا النص، وفي حال تعذر فهم المقصود الواقعي للنص ولا هدف واضح؛ هنا يحدد الناقد حسب وجهة نظره المنطقية الموضوعية ما وجده ويذكره للعلن لسببين أيضاً هما:

عدم وقوع المتلقي بمطبات لا يرغبها وتنبيهه لما في النص، والسبب الآخر تنبيه الكاتب أن ما كتبه لا يجدي نفعاً طالما لا يتعرض له قرّاء كثيرون اليوم ومستقبلاً كي يعدّل من رسالته الاعلامية فيما سيأتي لاحقاً، لكننا مع هذا وجدنا في قصيدة (أمير الكون) طريقة اشتغالية مختلفة عما سبق للشاعر أنْ أدار بها توظيفاته الشعرية السابقة. ومما يلفت الانتباه هنا أن الشاعر ابتعد كثيراً عن وظيفة شعرية صارت مملة ومكررة بكثرة، وهي التوصيفات الغزلية ليهتم بهمومه وهموم قومه منتظراً ساعة اليسر لعلها تأتي قريباً، وهذا مما يحسب له ومن على شاكلته في النظم والأداء.

من ذلك كله ماذا يمكن أن نستنتج؟

ربما يريد الشاعر إثارة إحساس دفين لدى متلقيه، أو يجعله يسبح مع خياله في وصفٍ متعدد الصور، أو تعميق ثقافة معينة بينهما من خلال تلك الرسالة (القصيدة) . يقول الدكتور علي حداد في مقال له منشور على صفحات مجلة الموقف الأدبي/العدد 70 لسنة 2002 ما نصَّه:

" إن التجربة الشعرية لرواد الشعر الحر، والاجيال التي تبنت تجربتهم وسارت بها في مجالات من التطور والاجتهاد الفني، أخرجت العنونة الى مساحة من الابتكار والبراعة والطموح في صنع العنوان على نحو يثير فضول المتلقي، ويكسر رتابة التعالق بين العنوان ونصّه " انتهى.

وهذا مُلاحظ على قصيدة النثر الحديثة (القصيدة التجديدية) التي كتبت في عصر ما بعد الحداثة كونها تعبيرية منذ الوهلة الأولى بسرد ليس قصصي بقدر ما هو فكري ووجداني متعمق بأفكار ضخمة مختزَلة فيها أحياناً الكثير من الرموز، تنطلق الى السطح من عنوانها الأول الذي هو أحياناً نص متكامل المعنى اذا اتسعت جملته لكلمات أكثر.

كإشارة تحليلية أخيرة يمكن القول بوجود سرد درامي  مقصود في هذا النص، صفات قابلة لتأويل مشترك، ومشاركة تداولية للمعنى، بين القارئ والكاتب والنص، في خلق الابداع الذي يرسمه المكان والزمان، وفق ما يمكن تسميته بالجمال الحقيقي والتلقي المقبول، حين يُعرض النص على بساط التخيُّل والنقد والتحليل، بدأ انطلاقاً من العنونة المقصودة دافعاً بلا عنف نحو الادراك والتصور، مع أن القارئ ليس مبدعاً لنص شعري، لكن ذائقته الجمالية فيما يقرأه تساهم بشكل فاعل في مزيد من انتاج أبداعٍ متواصلٍ، كما في الرسائل الاعلامية المفهومة بلا تشويش من المتلقي، ما يعني أنها أدّت غرضها بنجاح، وبلا أية صعوبات وخلل، وأثّرت فعلياً بما جاءت به من أغراض نتيجة (التغذية المرتدة) كما يعرّفها علم الاتصال الجماهيري، كمقبولية يستشعرها الكاتب (الشاعر) حين يعرف رأي المتلقي عن طريقها، لأنه جزء من عملية اتصالية جماهيرية اعلامية واسعة النطاق، وليست محدودة.

 

سعد الساعدي

 

عمرون علي عندما يُحَوِّلُ الْاِسْتِبْدَادُ الْاِسْتِعْبَادَ الى طَبِيعَةَ ثَانِيَةٍ

"الثورة لا تنتمي أبدا لمن يفجر شرارتها وإنما دائما لآخر من يأتي

ويسحبها إليه كالغنيمة"

ستيفان زويغ ـ كاتب نمساوي (1881ـ 1942)


مدخل عام

العدل فضيلة أخلاقية ومطلب اجتماعي، فضيلة لا تتحقق من منظور افلاطون الا بارتقاء النفس الى مراتب العفة والشجاعة والحكمة،فالعدل محصلة لتوازن النفس وهو فضيلة الروح تماما كالظلم الذي هو اخلال بتوازن النفس وهو رذيلة الروح، ومن ثنائية الحق والواجب الى فكرتي المساواة والتفاوت الى العدل كإنصاف، كانت الثورات ولازالت فعلا تراكميا و جسرا للعبور الى مملكة الحرية ولذلك يمكن القول مع كوندورسيه "إن كلمة ثورة لا تنطبق إلا على الثورات التي يكون هدفها الحرية"  والتي يجب التأسيس لها، ولذلك نجاح أي ثورة هو مشروط بوجود فكر خصب مبدع،فكر فلسفي  يؤسس للعدل و يرسم طريق الحرية،فكر تنويري ثوري تقوده النخبة وتتبناه الجماهير في لحظة تاريخية يرتفع فيها منسوب الوعي وتتحول فيها إرادة الشعوب الى إرادة فاعلة وحاسمة،ينطبق هذا على كل الثورات الكبرى  ومنها الثورة البلشفية 1917 والتي حملت شعار (الأرض،الخبز،السلام) وكان مطلبها الأول " المساواة الاجتماعية الكاملة " مبدأ نص عليه بيان الحزب الشيوعي السوفياتي،لكن دائما هناك مسافة وفجوة بين التنظير والتطبيق . "فعندما مات لينين في 21 جانفي من عام 1924، بدأ ستالين يتطلع إلى الاستئثار بالسلطة دون شريك، ووجد في البوليس السري الروسي خير مساعد للتخلص من المعارضين، والتجسس على غيرهم.. وبدأت بعد ذلك حملته على تروتسكي فاتهمه بأنه يعمل على إثارة الحرب الأهلية في روسيا ....وأنه  شديد التعلق بوسائل الذعر والإرهاب وأساليبها، ابعده إلى القسطنطينية في عام 1927، بعد طرده من الحزب الشيوعي في نفس العام، و قُتِل في مكسيكو بتحريض ستالين في يوم 20 أوت من عام 1940 " [1]

الثورة البلشفية بكل ما حملته من إنجازات وما عرفته من نكسات كانت محور جدال في الفلسفة والادب بين مؤيد ومعارض وفي هذا السياق الجدلي ظهرت رواية مزرعة الحيوان لمؤلفها جورج أورويل *والتي تبدو في منطلقها الأول محاكمة للشيوعية، ولكنها في العمق ادانة للاستبداد وللأنظمة البوليسية، هي رواية كتبت بأسلوب رمزي. عن مجموعة من حيوانات المزرعة أطاحت بمزارعها وسيدها المستبد، في محاولة لبناء وطن أفضل و نظام أعدل ولبناء حياة خيرة وسعيدة لأنفسهم، ثورة كانت مجرد حلم، استقر في ذاكرة الميجور، وهو خنزير عجوز، حلم ببناء مجتمع عادل فيه تمتلك جميع حيوانات إنجلترا مزرعتها الخاصة في ظل المساواة الكاملة." في الواقع أن دلالات رواية (مزرعة الحيوان) أخذت لذاتها تلك الدلالات السياسية و النفسية و الحسية و البؤروية الهامة، و هو ما يجعلها من أشهر الروايات في تأريخ الأدب الغربي القديم و الحديث، بالطبع تظل دوما علامة تهكمية نادرة إزاء مكابرة الأهواء و الطغيان لدى ساسة و زعماء الشعوب، ولعل أبرز ما تمتاز به أدوات الرواية، هو أسلوبها التمثيلي البارع في تجسيد عوالم من الطبقات المسحوقة من الشعوب الخانعة تحت سياط إرادة الطاغوت من أبناء جلدتها ذاتها"  [2]

الثورة فعل تراكمي

حقارة حياة العبودية والمعاناة التي هي فوق طاقة البشر، وامتهان كرامة الانسان  والشعور بتفاهة الحياة مبررات تدفع  في البداية اغلب الناس الى التعايش مع حالة البؤس والاستسلام الى حياة العبودية وتحت الضربات المتتالية لسياط الاستبداد يصبح البحث عن الخبز الهدف الوحيد لهؤلاء التعساء، ولكن قد تولد الثورة من رحم الاستبداد والمعاناة، على اعتبار انه لكل فعل رد فعل ومع ذلك لا يمكن التنبؤ بزمن حدوث الثورة،  كما لا يمكن الإمساك بتعريف واحد لها فهل هناك تحديد علمي لمفهوم الثورة؟ يجيب الدكتور عزمي بشارة عن هذا التساؤل قائلا :"   كل ما يمكن قوله ان هناك محاولات يصعب ان ترتقي الى مفهوم علمي فالكلمة دارجة في الاستخدام اليومي للغة، وحتى في الكتابة التاريخية اطلقت كتسمية على عدد كبير من الظواهر المختلفة في شدتها والتي تمتد من أي تحرك مسلح – او حتى غير مسلح – ضد نظام ما،الى التحركات التي تطرح اسقاط النظام واستبداله الامر الذي يصعب عملية تدقيق المصطلح "  ومما يزيد في صعوبة تحديد مفهوم علمي للثورة هو التباسها وتداخلها مع الفاظ قريبة منها مثل الانقلاب والإصلاح والتمرد والعصيان والانتفاضة . [3] 

هكذا لا أحد يعلم متى ستنطلق شرارة الثورة التي تنبأ بها ميجر، ولم يكن ثمة ما يحمل على الاعتقاد أنها ستتحقق خلال حياة الحيوانات التي اجتمعت واستمعت للعجوز وهو يدعوها إلى حمل وصيته وتبليغها إلى الأجيال القادمة، لكن على الرغم من ذلك، كانت الحيوانات مؤمنة أن من واجبها التحضير والإعداد للثورة" أيها الأصدقاء أنا لست عرّافا ولا أضرب الودع، وليس بوسعي استشراف المستقبل. لا أعرف في الحقيقة متى ستبدأ الثورة وكيف سيكون شكلها؟! هل ستبدأ بعد أسبوع أم في غضون شهر أو سنة؟!  لا أدري، ولكني على يقين تام، كرؤيتي لهذه القشة أمامي، أن الفرج آت لا محالة وأن النصر، طال الزمن أم قصر، سيكون لنا "

من الطبيعي ان تولد الثورة عندما يصل العنف الى اعلى درجاته، فحينما تعجز السلطة القائمة على تقديم حلول ملموسة لمعاناة ومشاكل الناس، و عندما تتسع الهوة بين طبقات المجتمع تتغير منظومة القيم ويصبح الحق مقرونا بالقوة وملازما لها، ومع انعدام كفاءة التخطيط يفقد الخطاب السياسي قدرته على الاقناع،وتزداد الأوضاع تأزما وهكذا مع اتساع دائرة الفقر والجهل يحدث التمرد كما حدث داخل مزرعة الحيوان « دخل الليل على الحيوانات من دون طعام؛ فنفدت مقاومتها، ولم تستطع على الجوع صبرا. وكان لابدّ مما ليس منه بدّ، فحطمت إحدى البقرات بقرونها باب مخزن المؤنة وتبعتها بقية الحيوانات إلى داخل المخزن وأكل كل حيوان ما استطاع أكله. وعلى أصوات الصخب الذي أثارته الحيوانات الجائعة استيقظ السيد جونز واستدعى رجاله على وجه السرعة، وخلال دقائق دخل مع أربعة منهم المخزن وأوسعوا الحيوانات ضربا بسياطهم وركلا بأحذيتهم الثقيلة كيفما اتفق. وكان ذلك أكثر مما تستطيع الحيوانات الجائعة تحمله. وبالإجماع، ومن دون تخطيط مسبق، صبت الحيوانات جام غضبها على مستعبديها، ووجد السيد جونز ورجاله فجأة أنفسهم وسط حيوانات هائجة تنطحهم وترفسهم وتعضهم من كل صوب وجانب، وخرج الوضع عن نطاق سيطرتهم. فقد أصابهم التمرد المفاجئ لحيوانات اعتادوا ضربها واثارة هلعها كلما حلا لهم، بالذعر والخوف، وسركان ما كفوا الدفاع عن أنفسهم وولوا الأدبار مطلقين سيقانهم للريح على الطريق المؤدية إلى البوابة الرئيسية، والحيوانات تجري خلفهم حتى أخرجتهم إلى الطريق العام وأوصدت البوابة خلفهم. وحينئذ ـ فقط ـ أدركت الحيوانات ما حدث: لقد قامت الثورة وكُللت بالنجاح، وطرد جونز وزوجته وأصبحت المزرعة ملكا لها.

تحدث الثورة في عالم البشر عندما تتوافر شروطها، في لحظة تكون فيها إرادة الحياة اقوى من الرغبة في الاستسلام للموت، تحدث عندما يقرر الشعب تحديد مصيره بنفسه « الثورة، هي تلك اللحظة التاريخية التي تتحدى فيها إرادة الشعب الحرة نظام الهيمنة والسلطة، وأدوات السيطرة والتسلط، تلك اللحظة التي لا يبقى فيها الشعب مجازًا على ألسنة المثقفين، ورمزًا في أذهان نقاد الأنظمة، بل يصبح واقعًا فعليًا عينيًا» [4]

الوصايا السبع

أوهام الثورة وكنزها المفقود

نجاح الثورة مرهون بترسيخ مبادئها وتحويلها الى واقع ملموس من هنا وضعت الحيوانات دستورها الجديد والذي نص على ما يلي :

1 ـ كل من يمشي على قدمين فهو عدو.

2 ـ كل من يمشي على أربع أقدام أو له أجنحه هو صديق.

3 ـ يحظر على الحيوان ارتداء الملابس.

4 ـ يحظر على الحيوان النوم على سرير.

5 ـ يحظر على الحيوان تعاطي الخمر.

6 ـ لا يجوز لحيوان قتل حيوان آخر.

7 ـ كل الحيوانات متساوية في الحقوق والواجبات.

من الطبيعي جدا مع انتصار الثورة ان يشعر الناس بحالة الابتهاج بعد تحررهم من الخوف والاستعباد، وبانتصار الثورة تظهر شعارات جديدة و أيضا رجال يحتكرون السلطة لقد  " كان من الطبيعي أن تضطلع الخنازير بمهمة توعية وتدريس بقية الحيوانات وتنظيمها. فهي، وباعتراف الجميع، أكثرها ذكاءً. وكان من بينها خنزيران يافعان لهما شأن كبير: الأول يدعى سنوبول (تروتسكي) والآخر اسمه نابولين (ستالين). كان نابولين ضخم الجثة وقبيح الطلعة.. لا يجيد الكلام، ولكنه يشتهر بطريقته "الميكيافلية" في الوصول لما يريد، فالغاية عنده دائما تبرر الوسيلة. أما سنوبول فكان خنزيرا مفعما بالحيوية وأكثر نشاطا عن نابولين، وكان طليق اللسان وسريع البديهة، وله قدرة على الابتكار، ولكن شخصيته كانت أقل عمقا من نابولين.

ومن بين الخنازير التي كانت تنتظر ذبحها واحد اسمه سكويلر... سمين الجسد وذو وجه مدور وعينين لامعتين، وكان رشيق الحركة وحاد الصوت. كان سكويلر متحدثا بارعا له قدرة رهيبة على الحوار والإقناع.. مما حدا بالحيوانات الأخرى الى القول أن باستطاعة " سكويلر" تحويل الأسود إلى ابيض!

ومع ظهور الطبقة الحاكمة الجديدة يتم التخطيط   لسرقة ميراث الثورة، وعلى الرغم من أن القرارات كانت تطرح للنقاش العام خلال جلسة الأحد، إلا أن الخنازير أعطت لنفسها الحق في اتخاذ ما تراه مناسبا من القرارات بعد سماع وجهات نظر الحيوانات الأخرى. وكان سنوبول ونابولين أكثر المجتمعين حضورا في تناول المسائل المطروحة وفي ابداء ووجهات نظرهما، لكن الملاحظ أنه قلما يوافق أحدهما على اقتراح يطرحه الآخر. وكعادتها في كل لقاء، تنهي الحيوانات اجتماعها بإنشاد "حيوانات إنجلترا"

في اغلب الأحيان يتم الاستلاء على الثورة  والعودة الى الحالة الأولى، من هنا ارتبط استعمال كلمة ثورة في الفكر اللاتيني بالدوران في حلقة دائرية متكررة ، حيث كان العالم الفلكي بوليبيوس هو أول من وضع هذا المصطلح (revolution) وقد اكتسب هذا المصطلح أهميته المتزايدة  عندما استخدمه العالم نيكولاس كوبرنيكوس وأطلقه علي الحركة الاعتيادية الدائرية للنجوم حول الشمس .والواقع ان الاستيلاء على ميراث الثورة يتم في الغالب من خلال : 

01- التأسيس لمجتمع مدني وهمي: لقد شغل سنوبول نفسه بتنظيم الحيوانات الأخرى في مجموعات أطلق عليها "اللجان الحيوانية"، فقد شَكَّلَ لجنة إنتاج البيض للدواجن، وجمعية الذيول النظيفة للأبقار، وجمعية تعليم الحيوانات البرية، وجمعيات أخرى مختلفة الأنشطة إلى جانب إدارة مدرسة لتعليم القراءة والكتابة.

02- السيطرة على الجهاز الإداري والعسكري ومعظم المؤسسات الحيوية  فقد اتخذت الخنازير من غرفة العدة مقراً للقيادة، وأخذت تتدرب مساءً على حرف مثل الحدادة والنجارة وبعض المهارات الأخرى الضرورية.. مستعينة بكتب عثرت عليه في بيت المزرعة.

03- الدعاية الإعلامية الزائفة :  فقد اشتهر سنوبول بخطبه الرائعة في الاجتماعات، وكانت تلك وسيلته للحصول على الأصوات، في حين عُرف عن نابولين قوة شخصيته لكسب أصوات المقترعين، وكان يحظى بشعبية واسعة بين الخراف، التي أخذت مؤخرا تهتف بـ"الخير في ذوات السيقان الأربعة والشر في ذوات الساقين.

04- استخدام العنف وتخوين المعارضة: مع اتساع دائرة  الخلاف بين  سنوبول ونابولين وعندما تأكد نابولين أن الهزيمة ستكون من نصيبه، وقف وعيناه يتطاير منهما الشرر وأطلق صيحة عالية لم يسمع لها مثيل من قبل.. ارتفع على إثرها خارج الحظيرة نباح مخيف، واقتحمت الحظيرة تسعة كلاب ضخمة تطوق أعناقها ياقات نحاسية، واندفعت مباشرة نحو سنوبول الذي تفادى قبضة أسنانها في الوقت المناسب. وتدافعت الحيوانات الخائفة الى البوابة لمشاهدة المطاردة: كان سنوبول يركض عبر المرعى المرتفع الطويل المؤدي إلى الطريق العام بأقصى سرعة ممكنة لخنزير في مثل سنه، وكانت الكلاب تجري خلفه، وفجأة انزلقت قدمه فسقط، وتأكد للحيوانات التي كانت تتابع المطاردة بعيون ملؤها الدهشة أن الكلاب انقضت عليه، لكنه سرعان ما نهض ليواصل الهرب، وبذل في اللحظة الأخيرة جهدا مضاعفا لإبعاد الكلاب عن ذيله. وحين سنحت له الفرصة لم يدخر جهدا في الانسلال داخل حفرة تحت سياج المزرعة. اختفى سنوبول ولم يشاهد له أثر منذ ذلك الوقت. اعتلى نابولين المنصة ووقفت خلفه الكلاب التسعة، وأعلن أنه لا يرى مبرراً لمواصلة عقد اجتماعات يوم الأحد، وقال إنها مجرد مضيعة للوقت. أما المسائل المتعلقة بعمل المزرعة فستبت في أمرها لجنة مختصة من الخنازير وسيضطلع هو شخصيا برئاستها ولكن من دون مناقشتها مع الحيوانات الأخرى، وستستمر مراسيم رفع العلم وإنشاد "حيوانات إنجلترا"، وستُعطى التعليمات بشأن العمل كالعادة.

لم يتعرَّف أحد في البداية على هذه المخلوقات الغريبة الشرسة التي كادت تقضي على سنوبول، ولكن سرعان ما تضح الأمر، فبعد أن هدأَ روعها تذكرت الحيوانات الجِرَاء التي أخذها نابولين من أحضان أمهاتها وتولى رعايتها بعيدا عن الأنظار! وعلى الرغم من أن نموها لم يكتمل، إلا أن أجسامها كانت ضخمة وأشكالها متوحشة كالذئاب، ولوحظ أنها كانت تهز ذيولها لنابولين مثلما كانت الكلاب الأخرى تفعل مع جونز.

05- سياسة التخويف والترهيب: على الرغم من شدة الصدمة التي خلفها طرد سنوبول في نفوس الحيوانات، إلا أن إلغاء اجتماع أيام الأحد أصاب الحيوانات بالهلع، وعندما أراد بعضها الاعتراض على القرار، لم تجد الحجة المناسبة، حتى بوكسر أبدى تذمره، وحاول جاهدا حشد أفكاره غير أن عقله لم يسعفه، ولم يستطع في النهاية التعبير عن وجهة نظره، فلاذ بالصمت.

المثقف الانتهازي وفزاعة الإرهاب

كلاب حراسة الاستبداد

تزيف الوعي يعتمد في الغالب على خلق أوهام ومغالطات تسمح بالتلاعب بعقول الجماهير ومنها خلق قضايا ومشكلات فرعية وغرس روح اليأس وتعطيل إرادة الافراد والتخويف من العودة الى حالة الفوضى او الإرهاب وانه ليس في الامكان أحسن مما كان ومقارنة الحالة التي يعيشها المجتمع بحالات أخرى من باب اننا نعيش أفضل من غيرنا.

لقد أثار تشومسكي هذه النقطة ؛ حين أصدر كتابه “صناعة الرضا الجماهيري: الاقتصادي السياسي للإعلام”، عام 1988، وفيه يقول: إنّه “بدءاً من الثقافة الجماهيرية، ووصولاً إلى منظومة البروباغندا الإعلامية، هنالك ضغط مستمر على المواطنين، يشعرهم بأنّهم لا حول لهم ولا قوة، وليس بمقدورهم فعل شيء سوى التصديق والموافقة على القرارات التي تمّ اتخاذها من قبل  السلطة ويرى تشومسكي ان الاعلام أداة المثقفين  المعاصرين، الذين يخدمون السلطة، وأنّ أغلبية النخب الثقافية ينحصر دورها في تبرير

مواقف حكومات بلادها . في مزرعة الحيوان ا ستمد الاعلام الفاسد مرجعيته من الولاء المطلق للسلطة (حالة الخنزير سكويلر) ومن الجمعيات والجماعات التي يسهل ترويضها واغراؤها (حالة الخراف) الى توظيف الخطاب الديني (الغراب موسيس)

لقد لاحظت بعض الحيوانات، خلال الصيف، اختفاء حليب البقر من دون أسباب واضحة. لم يبدِ أحد اهتماما بالأمر، لكن اتضح لاحقا أن الحليب كان يخلط مع طعام الخنازير. وعندما بدأ موسم قطف التفاح، افترضت الحيوانات أنه سوف يُقَسم بينها بالتساوي، بيد أن الأوامر صدرت بجمع التفاح وتخزينه في غرفة العدة بعد أن استأثرت به الخنازير لنفسها. وعلى الرغم من تذمر الحيوانات الاخرى من ذلك، إلا أن الخنازير لم تعرْ ذلك اهتماما.. لاسيما أنها وَحَّدت موقفها في تلك القضية، حتى أن سنوبول ونابولين ـ اللذين قلما اتفقا ـ لم يختلفا بشأن ذلك الإجراء، وأبديا موقفا موحدا منه، وأُرسل سكويلر لإبداء الإيضاحات الضرورية وإزالة اللبس!

ـ أيها رفاق.

صرخ سكويلر، وهو يقفز من مكان لآخر. وقال:

ـ آمل ألا يظن أحدكم أن ما قمنا به كان بدافع حب الذات والترفع! فالحقيقة أن من بيننا نحن معشر الخنازير من يكره التفاح والحليب، وأنا شخصيا أحد هؤلاء. ولكن غايتنا الوحيدة هي الحفاظ على صحتنا، فقد أثبت العلماء أن التفاح والحليب يحتويان على مواد ضرورية للغاية لحياة الخنازير.

وأضاف قائلا:

ـ إن الخنازير، كما تعلمون، تضطلع بالمهام العقلية في المزرعة، فإدارة العمل وتنظيمه يعتمدان علينا.. نحن نسهر الليالي ولا ندخر جهدا من أجل راحتكم، لذلك السبب يا رفاق  نشرب الحليب ونأكل التفاح.

وسأل بصوت هادئ، بعد ان تَفَحصَّ وجوه الحيوانات أمامه.. يبحث بعينيه اللامعتين عن مدى تأثير حديثه عليها:

ـ هل تعلمون، يا رفاق، ماذا سيحل بنا إن نحن تقاعسنا عن أداء مهامنا؟

وترك السؤال معلقا لبرهة قبل ان يجيب بصوت أعلى واكثر قوة:

ـ سيعود جونز.. أجل سيعود جونز.

ثم استدرك بصوت رخيم أراد به تجسيد حجم الكارثة التي ستحل بهم لو عجزت الخنازير عن القيام بواجبات القيادة:

ـ وطبعا لا أحد منكم يريد عودة جونز.. أليس كذلك؟!

في منتصف الصيف، ظهر في المزرعة فجأة الغراب موسيس بعد غياب طال بضع سنوات. لم يتغير حال الغراب تماماً، فهو لا يزال كسولا، ويتحدث بنفس الحماس السابق عن جبل حلوى السكر. كان يجثم فوق غطن شجرة فاردا جناحيه الأسودين ويتحدث لكل أذن تسمع: "هناك يا رفاق". يقول ذلك بصوت جهوري، وهو يشير إلى السماء بمنقاره الكبير:

ـ هناك على الجانب الآخر من تلك السحب السوداء التي يمكنكم رؤيتها يقع جبل حلوى السكر. في تلك البلاد السعيدة ينبغي لنا نحن الحيوانات المعذبة أن ننشد الخلود السرمدي من معاناة العمل! 

وأدعى الغراب أنه ذهب الى هناك وراء بينما كان محلقا في العلى قطع السكر التي تنمو على أسياج الحقول الخضراء. "أفليس من الحق والعدل وجود حياة أخرى أفضل في مكان ما من هذا العالم؟" هكذا كانت بعض الحيوانات تتساءل وهي تصغي اليه وتصدق حديثه، وتبرر اقتناعها بصواب أفكاره. فحياتها الآن ليست سوى سلسلة من الجوع والشقاء.

بيد أن مجموعة من الخنازير كانت أكثر وضوحا في التعبير عن انزعاجها، حين استهجنت أربعة منها يافعة القرار، فتقدمت نحو المنصة وأعلنت بصوت عال معارضتها لإلغاء الاجتماع، ولكن الكلاب المحيطة بنابولين أطلقت فجأة زمجرة توعد أرغمت الخنازير المناوئة على السكوت والعودة ذليلة إلى أماكنها. وبعد ذلك ارتفعت أصوات الخراف تهتف "الخير في ذوات السيقان الأربعة والشر في ذوات الساقين" لمدة ربع ساعة حتى انفض الاجتماع.

من "مزرعة الحيوان" الى "ضيعة الخنازير"

"كل الحيوانات سواسية لكن بعض الحيوانات أكثر سواسية من غيرها"

عندما تفشل الثورة يعود المجتمع الى حالة الاستبداد ويتم تعظيم القائد الجديد واليه تنسب جميع الإنجازات حتى ولو كانت على الورق  ويعود المجتمع من جديد الى حالته الحميرية، لقد أصبح مألوفاً أن تعزى الإنجازات كافة وكل ضربة حظ إلى نابولين. فقد تسمع دجاجة تتحدث لدجاجة أخرى قائلة: "لقد وضعت بفضل إرشادات قائدنا الرفيق نابولين خمس بيضات في ستة أيام" أو بقرتين تتبادلان الحديث وهما تشربان من البركة فتقول إحداهما للأخرى:" شكرا للرفيق نابولين ما أعذب هذا الماء".

نابولين صار الآن خنزيراً ناضجاً ومكتمل المدارك يزن حوالي 335 رطلاً، واكتنز سكويلر شحما ولحما وغاصت عيناه في وجهه المنتفخ ولم يعد يستطيع الرؤية بهما إلا بصعوبة! وحده بنجامين الحمار لم يتغير كثيراً غير أن الشيبُ لَوَّح شعر منخاريه، وأصبح  أكثر ميلا إلى الصمت منذ أن توفى صديقه بوكسر.

بدت المزرعة أكثر غِنَى غير أن الرخاء وترف العيش لم يصب حياة الحيوانات باستثناء الخنازير والكلاب. ولعل ذلك يعود جزئياً إلى كثرة عددها وليس لأن هذه المخلوقات لا تعمل على غرار غيرها من الحيوانات. فهناك من أعمال إدارة المزرعة والإشراف عليها وتنظيمها ما لا نهاية له، حسب توضيحات سكويلر المتكررة، وأكثرها ذات طبيعة يتعذر على الحيوانات فهمها.

وبالنسبة للحيوانات الأخرى، لم يطرأ على حياتها تتغير، حسب علمها، عما كانت عليه دائماً. ثم أنها ما تزال تعاني الجوع وتنام على القش وتشرب من البركة وتقاسي البرد شتاءا وأذى الذباب صيفاً.

أما من تبقى على قيد الحياة من الحيوانات، التي شاركت في الثورة، فكانت حاجتها لاستعادة صور الأيام الأولى للثورة َتَشحَذُ ذاكرتها الضعيفة، وكانت تحاول قدر ما تتيح لها قدرتها الذهنية معرفة ما إذا كانت حياتها السابقة أفضل أو أسْوَأ عما هي عليه الآن. لكنها لا تستطيع تذكر شيء، فليس لديها ما تقارن به مستوى معيشتها الحالية سوى قائمة أرقام سكويلر التي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن حياتها تتحسن شيئا فشيئا على الصُعُد كافة، وهي الآن أفضل كثيرا عنما كانت عليه!

وحده بنجامين العجوز يدعي أنه يتذكر كل صغيرة وكبيرة في حياته الطويلة، وهو لا سواه يعلم أن الحياة لم تكن قط ولن تغدو أبدا أفضل أو أسوأ: إنها سلسلة من الجوع والقسوة وخيبات الأمل، بحسب قوله: إنه قانون الحياة السرمـدي.

ومع ذلك فإن الحيوانات، سواء كبيرة السن.. تلك التي شاركت في الثورة أم صغارها أو تلك التي قدمت من مزارع تبعد عشرة أو عشرين ميلا، لم تفقد الأمل الذي طالما حلمت به. والمهم أنها لم تتخلْ قط، ولو للحظة، عن إحساسها بالفخر لانتسابها لمزرعة الحيوان: المزرعة الوحيدة في البلاد كلها.. في كامل تراب إنجلترا التي تملكها الحيوانات وتدير شؤونها.

وفي أمسية بهية من أمسيات الريف الانجليزي، وفي أعقاب عودة الحيوانات من العمل إلى مباني المزرعة، سمعت الحيوانات صهيل فرس خائفة؛ فتوقفت عن المسير، والتفت تبحث عن مصدر الصوت الذي ازدادت حدته، فانطلقت عائدة إلى الساحة حيث كانت تقف كلوفر وقد أخذها الذهول وتملكها رعب شديد، وشاهدت الحيوانات ما أثار الهلع في نفس كلوفر: خنزيراً يمشي على قائمتيه الخلفيتين. أجل: إنه سكويلر.. كان يمشي على نحو أخرق، ولكن بتوازن تام على الرغم من أنه لم يعتد الوقوف بجسده الضخم على ذلك الوضع.

وبعد ذلك بقليل خرج من بيت المزرعة رتل طويل من الخنازير تمشي جميعا على أرجلها الخلفية.. بعضها أتقن المشي أفضل من بعضها الآخر، واستطاعت كلها أن تكمل دورة واحدة حول الساحة بنجاح. وعلى نباح الكلاب الهادر وصوت الديك المطري الحاد، ظهر نابولين بنفسه: منتصب القامة.. وقد رفع فنطيسه عاليا.. يمشي الهوينى بِتُؤَدة ورفق ويمسك سوطاً بين أصابع حافريه الأمامية، ويرمي الحيوانات المحتارة بنظرات متعجرفة، وكلابه تسير من حوله.

خيم صمت مميت على المكان، وتدافعت الحيوانات بعضها الى جنب البعض الآخر خوفا ودهشة، وأخذت تراقب رتل الخنازير الطويل يسير سيرا بطيئا حول الساحة، وقد بدا لها وكأن العالم برمته انقلب رأسا على عقب!

وحين خفت الدهشة، وتلاشى وقع ما رأته، وحانت اللحظة التي آن للحيوانات أن تبدي فيها بعض عبارات الرفض والاعتراض، على الرغم من الفزع الذي كانت تثيره زمجرة الكلاب المحيطة بنابولين، والاستكانة التي تأصلت في نفوسها طوال السنوات: فلا تذمر ولا انتقاد مهما حدث، في تلك اللحظة تماماً، ارتفع ثُغَاءُ الخراف مدويا في سماء المزرعة: "أربع أقدام جيدة، قدمان أفضل!". استمرت الخراف تغثوا خمس دقائق بلا توقف، وعندما هدأت، كانت فرصة التعبير عن الرفض قد فاتت، بعد أن غدت الخنازير داخل بيت المزرعة.

الخاتمة

رواية مزرعة الحيوان تظهر لنا الجانب المؤلم لحياة الحيوانات البائسة، في ظل العبودية روتين يومي واستعباد لا ينتهي، استعباد يتغذى من الخوف و يستمد مشروعيته من الأكاذيب والخداع والغباء، ويبدو  اليوم في مجتمعاتنا العربية أن نعيش نفس المأساة. حياتنا تبدو بلا قيمة والخوف يسكننا ليس فقط من الاخر المستبد بل وأيضا من التحرر منه، تنطبق هذه الرواية على الأنظمة الشيوعية كما تنطبق على معظم الدول الرأسمالية،  والاستبداد نلمسه اليوم  في المجتمعات الدينية المتطرفة، كما يظهر في المجتمعات العلمانية.  وأيضا في الدول التي تحكم باسم المؤسسة العسكرية. ان هذه الرواية كما قال احد الكتاب  تعليقً على البشرية وأنانيتنا وحكومتنا المستبدة، رواية تدفعنا الى التساؤل باستمرار. هل سأكون غبيًا مثل الخروف، هل سأمتلك حكمة الحمار بنجامين: وهو أكبر حيوانات المزرعة سناً.ً وأكثرها عصبية.. عابس الوجه.. لا يضحك إلا فيما ندر. وإذا سئل: لماذا؟  كان يرد دائما بنفس الجواب أم الولاء الذي لا يتزعزع لخيول العمل؟ آمل ألا أكون خنزيرًا مستبدا أبدًا!

 

عمرون علي أستاذ الفلسفة

المسيلة – الجزائر-

...........................

الهوامش

[1] حيدر عبد الرضا. قراءة جديدة في رواية (مزرعة الحيوان) للكاتب جورج أورويل.

[2] ستالين. فرج جبران. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. 2015.ص 53.52

[3] عزمي بشارة . في الثورة والقابلية للثورة .ص 13

[4] نفس المرجع

* ولد جورج أورويل في الهند عام 1903، انتقلت أسرته إلى إنجلترا عام 1907 والتحق بكلية إيتون عام 1917. غادر بريطانيا عام 1921 لينضم إلى سلك الشرطة الإمبراطورية الهندية في بورما، لكن سرعان ما إستقال امتعاضا من سياسة ممثلي حكومته في الشرق. عاد إلى بريطانيا بعد ذلك حيث عاش سنوات عدة فقيرا بين الصعاليك والمتشردين وسجل مشاهداته عن تلك التجربة في روايته "صعاليك في باريس ولندن".

وفي نهاية عام 1936 ذهب إلى أسبانيا للقتال إلى جانب الجمهوريين ضد قوات الدكتاتور فرانكو فأصيب بجراح. أصيب بمرض السل وتوفي عام 1950 عن عمر يناهز السادسة والأربعين وهو في أوج عطائه.

صدر له كتب عدة، ولكن شهرته ذاعت بعد نشر رواية "مزرعة الحيوان" التي رفضت بعض دور النشر إصدارها في البداية، ونفد منها، خلال الأسابيع الأولى من توزيعها، مليون نسخة.

 

 

موج يوسفالمتابعُ لحركةِ الأدب العربيّ والشّعر خاصة يلحظُ أن الشاعرَ صارَ يرسمُ ألفاظاً من دون أن يكتب فتبدو القصيدة في حالة عسيرة من الركود، فهل هذا يعني أنها أصيبت بالشيخوخة؟ وماذا نعني بهذه الأخيرة؟ إنَّ إرتماء الشاعر في أحضان الماضي والحاضر حرم نفسه من لذة إثارة التساؤل في القصيدة، فاقتصرت نشوتها على لحظة معينة وهي لحظة ولادتها ثم تصاب بشيخوخة وترهم ؛ لذلك أغلب شعر اليوم هو غير صالح للمستقبل البعيد وقد يصلح للدراسات البحثية لا لتأملات الحياة . وهذا لا يشمل الكلّ فالشاعر جاسم الصحيح جعل لشعره بُعْداً تخطى حدود الحاضر، والقصيدة الأكثر بُعداً هي الأكثر قرباً . وقبل رحلة البحث عن الذات قام الشاعرُ بخلع عباءة الماضي عنه، والثورة عليه، وقتل الأصل فيقول في قصيدة بعنوان (ماوراء حنجرة المغني):

 مضى أبي وتبقّت لي وصيّته:     كن كامرئ القيس واخلد في معلقته

كن صورة (السيّاب) منطفئاً      كالليل يبكي على (عمياء مومسة)

لا تشقني يا أبي.. لا تُعطيني شفة   أشدو بها لا تلدني عبر أغنيتي

لا تستعد لي مشاويراً وأرصفة    إنّي ابتكرتُ مشاويري وأرصفتي

الشاعرُ يضعنا في قلب الرؤية الفرويدية التي ترى أن الابن لا يستطيع أن يكتسب حريته ويحقق شخصيته الّا إذا قتل أباه. وتبدو الأبيات السابقة هي ثورة على الأب، لكن أي أب هل نأخذه بمعناه الحقيقي؟ الأبيات ذات نسق مضمر يمرر الشاعر عبره ثورته وقتل الماضي المتمثل بصورة الأدب ؛ لكي يشكل صورة الابن وفق ما يريد وبهذه الحالة يخلقُ أفكاراً جديدة وقصيدة تساؤولية تضمن الخلود. الرفض والثورة شكلت كلّ شيء حتى الحقائق المطلقة فيقول : في خارجي ألف حربٍ قادها بشرٌ  وداخلي ألفُ حربٍ بين آلهة

صراع الوجود والعدم أثار الشاعر وجعله يسأل : كيف أميّز بين حياتي، وكينونتي (وجودي)، وهل أن وجودي سرٌ ملغز بالنسبة لي؟ تبدو هذه التساؤلات ميتافزقيا وهذا ما جعله يكتشف نفسه ويتجاوز مستوى الذات والموضوع ويتمتع بواقعية ميتافزيقية .

ففي قصيدة بعنوان (حصانة) يقول:

   إذا ما نمتُ نام معي سُعالي   ولكن لا ينامُ معي سؤالي

  لماذا جئت من نبعٍ خفيّ     لماذا سلت في عصب الليالي

 وأي مشيئة خبزت مصيري   بكفّ الغيب في فرن الأعالي

البحث عن ما قبل الحياة وما بعد فناءها سؤال تردد عند الشاعر، بل نلحظُ انفتاح الذات على عوالم أخرى، فالشعرُ هو الأكثر عمقاً والأكثر وجوداً وهذا ما أشار إليه نيشه بإن إرداة الفن هي الأكثر ميتافيزقيا من إرادة الحقيقة والواقع والوجود، والغرض الأساس من الفن والشعر هو خلق كمال الحياة وامتلائها بالجمال وتمجيد وتأكيد الوجود . والأنا الواعية والمفكرة ترى أن الروح هي العدو الأكبر للحياة ايضاً وهذا الصراع هو محنة الإنسان في البحث عن ذاته، وعن التطهير من ذنوب الشر، والشاعر جاسم يقول في ذلك :

  نحتاج ( بوذا) من جديد

 كي يدلّك ما تشنج من عناصرنا بحكمته

ويوقف رحلة الأرواح في التيه الملّون ها هنا .

استعان الشاعر بفلسفة بوذا التي لها نهج خاص في الكون، والشاعر يحاول الخلاص من آلامه الوجودية، والمعاناة من الحياة التي صارت عدوة لروحه لجأ إلى بوذا الحكيم الذي ذكر في انجيله قائلاً (تلك أيها الرهبان هي الحقيقة السامية عن الألم : الولادة مؤلمة والمرض مؤلم والشيخوخة مؤلمة والحزن والبكاء والخيبة كلها مؤلمة) الروح تخلق من الألم والحياة تزيد من فعاليته، والشاعر يريد التطهر من الآلام التي لاحقت ذاته ولا يتمّ الا عبر الحكمة وترويض الحزن والعذاب وفق ما تشتهيه الذات . قصيدة الشاعر الصحيح تزاحمت فيها التساؤلات فصار شعره امتداداً لتمرّده، وثورته، وصراعه، وقلقه وبهذا ينفتح على اللانهاية . الشعر او الفن السؤول يعلمنا نعيش الحياة بشكلها الأعمق، والأخلاقية الجمالية هي التي توجهنا كيف نمارس هذه الحياة، والمجتمع الذي يستمر برسم الإبداع هو مجتمع لا يعرف الشيخوخة . الشاعر جاسم الصيحيح نقل حاضره إلى المستقبل ودخل في كل منطقة مظلمة من الغيب والحياة، ونلحظ أن القصيدة انفتحت على كلّ العوالم فحتى الوزن لم يقيدها في مواصلة الإبحار في الهم الوجودي والمعرفي .

 

موج يوسف

 

 

طارق الكنانييتمحور العمل الادبي في الغالب حول نقطة اساسية ينطلق منها الاديب في نقل مكامن الابداع الذي يعتريه وهو المكان، لا بد من ان حدثا معينا ترسخ في ذاكرة الأديب ويكمن في ضميره كضوء ينبعث في ذاكرته بين الحين والآخر حتى يترجمه على الورق كمحور اساسي لروايته،او قصة قصيرة، او قصيدة،فهو يبرز كمنجم للحدث الابداعي في لحظة معينة يستذكر فيها الاديب ما يطفو على الذاكرة من احداث مؤثرة وضعت له اسس الابداع الفني، فهي غالبا ما تكون مؤثرة في الذات سلبا او ايجابا على حد سواء، ففي الشعر على سبيل المثال لا الحصر نجد في  معلقة امرؤ القيس المكان حاضرا وكذلك بقية المعلقات،وينسحب هذا الشيء على الادب القصصي والروائي عند كل الادباء بغض النظر عن انتماءهم العرقي والديني فالمكان ((يكتسب في الرواية أهمية كبيرة، لا لأنه أحد عناصرها الفنية، أو لأنه المكان الذى تجرى فيه الحوادث، وتتحرك خلاله الشخصيات فحسب، بل لأنه يتحول في بعض الأعمال المتميزة إلى فضاء يحتوى كل العناصر الروائية، بما فيها من حوادث وشخصيات، وما بينها من علاقات، ويمنحها المناخ الذى تفعل فيه، وتعبّر عن وجهة نظرها، ويكون هو نفسه المساعد على تطوير بناء الرواية، والحامل لرؤية البطل، والممثل لمنظور المؤلف، وبهذه الحالة لا يكون المكان كقطعة القماش بالنسبة إلى اللوحة، بل يكون الفضاء الذى تصنعه اللوحة.))(1)  ففي روايات نجيب محفوظ اكتسب المكان اهمية كبرى من خلال المناطق التي دارت بها احداث رواياته كما في ثلاثيته الشهيرة (قصر الشوق وبين القصرين والسكرية) فالعناوين كما نراها هي اسماء لأمكنة في القاهرة القديمة تدور احداث الرواية فيها .

اهمية المكان في سرديات علي لفتة سعيد:

ربما جاءت متأخرة بعض الشيء الا ان الادراك الحسي للروائي علي لفته سعيد وما نتج عنه من استحضار للمكان الراسخ في الذاكرة النمطية للطفل جعله يعود وبشكل قوي ومؤثر في روايته (السقشخي) الى حيث الانتماء المكاني، ففي هذه الرواية كان المكان هو فضاء اللوحة التي رسمها الروائي علي لفتة سعيد ولونها  بالأحداث والشخوص الذين اتخذوا من هذا الفضاء مسرحا للعمل الدرامي الذي استحضره الكاتب . ففي تجربة (السقشخي)  لم يكن المكان مجرد خلفية تتحرك امامها الشخصيات او تقع فيها الحوادث،انما كان معبرا عن نفسية الشخصيات ومنسجما مع رؤيتها للكون والحياة وحاملا لأفكار جديدة . (وفى هذه الحالة" يبدو المكان كما لو كان خزاناً حقيقياً للأفكار والمشاعر والحدس، حيث تنشأ بين الإنسان والمكان علاقة متبادلة يؤثر فيها كل طرف على الآخر " ( 2)

لم يتوقف علي لفتة سعيد عن استحضار القيمة المكانية للحدث الدرامي فهو في ثنائيته حب عتيق وقلق عتيق قد اعاد التجربة مرة اخرى حيث شكل المكان البنية الفوقية وغدا فيها كفضاء اسهم في بناء الرواية واتسع ليشمل العلاقات بين الامكنة والشخصيات والحوادث  فأصبح نوعا من الايقاع المنظم لها .

"إن الوضع المكاني في الروايتين (حب عتيق وقلق عتيق ) اصبح محدداً أساسياً للمادة الحكائية ولتلاحق الأحداث والحوافز، أي إنه تحول في النهاية إلى مكوّن روائي جوهري وأحدث قطيعة مع مفهومه كديكور" .

ان عملية استكشاف البعد المكاني لروايته (السقشخي) قد شجعت علي لفتة سعيد في الانطلاق نحو اعمال روائية عالية الجودة كما في (حب  عتيق ) والتي فازت بجائزة عربية مرموقة اعتمد فيها على جغرافية مكانية مهمة وفضاء رحب لحركة شخوص رواياته  ((وإذن "يمكننا النظر إلى المكان بوصفه شبكة من العلاقات والرؤى  ووجهات النظر التي تتضامن مع بعضها لتشييد الفضاء الروائي، فالمكان يكون منظماً بنفس الدقة التي نظمت فيها العناصر الأخرى في الرواية، لذلك فهو يؤثر في بعضها، ويقوّى من نفوذها، كما يعبر عن مقاصد المؤلف" (3).*

وهكذا،فقد حقق علي لفتة سعيد الفضاء الروائي "فالفضاء الروائي أكثر شمولاً واتساعاً من المكان"  فهو أمكنة الرواية كلها، إضافة إلى علاقاتها بالحوادث ومنظورات الشخصيات .وهو ينشأ من خلال وجهات نظر متعددة، لأنه يعاش على عدة مستويات، من طرف الراوي، بوصفه كائناً مشخصاً، وتخيلياً، أساساً.

وهكذا يتجاوز المكان وظيفته الأولية المحددة، بوصفه مكاناً لوقوع الأحداث، إلى فضاء يتسع لبنية الرواية، ويؤثر فيها، من خلال زاوية أساسية، هي زاوية الإنسان الذى ينظر إليه.

لقد عمد الروائي (علي لفتة  سعيد ) إلى إسقاط مجموعة من الصفات الطوبوغرافية على الفضاء أو المكان الروائي، "والتي هي عبارة عن »المعاني الوصفية التي تدخل في تركيب صورة المكان والقيم الرمزية المنبثقة عنها« (4)، إنما فعل ذلك بغية البرهنة على العلاقة بين المكان والشخصية في رواية السقشخي وكذلك حب عتيق وقلق عتيق . كما أن اختلاف هذه الصفات وتنوعها من مكان إلى آخر في الفضاء الروائي، قد عكس  لنا الفروق الاجتماعية والنفسية والأيديولوجية لدى شخوص الروايات. هذا فضلا  عن أن الدلالات النابعة من هذه الفروق قد كونت تعبيرا  عن رؤية شخوص الرواية للعالم وموقفهم منه، كما كشفت عن الوضع النفسي للشخوص وحياتهم اللاشعورية، بحيث صار للمكان بعد  نفسي يسبر أغوار النفس البشرية، عاكسا  ما ((يثيره المكان من انفعال سلبي أو إيجابي في نفـس الحال فيه)).(5)

العلاقة البينية بين المكان والشخوص:

في روايتيّه حب عتيق وقلق عتيق  سلط  (علي لفتة سعيد) الضوء على تسميات الأمكنة ودلالاتها التاريخية في اصل تسميتها ففي منطقة مثل النجادة نسبها الى النجديين الذين جاؤا مع الحكم الملكي في العراق من نجد واكتسبت المنطقة هذه التسمية نسبة لهم كما هو الحال في كثير من الاماكن في العراق ففي بغداد نجد هذه التسميات بكثرة وبهذا اتضحت العلاقة الجدلية بين الانسان والمكان في الادب الروائي،وقد يكتسب المكان اسمه من اصل المهن التي يتداولها الاشخاص في تلك المنطقة،وفي احيان كثيرة تجد بعض المناطق  تكتسب اسم شخص معين وهذا ما حاول علي لفتة سعيد ترسيخه في الذاكرة الجمعية للقرّاء،فمثلا منطقة النواشي التي ورد ذكرها في روايتيّ حب عتيق وقلق عتيق ركز الكاتب على ابراز هذه العلاقة من خلال نبذة تاريخية او احداث  معينة انصهرت مع واقع المنطقة لتغدو علامة بارزة لها في الحدث الدرامي للرواية .

لقد كتب علي لفتة سعيد ثلاثية (الصورة الثالثة ) وكذلك مثلث الموت ففي مثلث الموت كانت التسمية متخيلة تماما كما ارادها الكاتب فهي لم تكن تُعرف بهذه التسمية من قبل، ولكن الحدث الدرامي الذي جرى في هذه المنطقة اكسبها تسمية جديدة مختلفة عن تسميتها القديمة .اما في الصورة الثالثة فقد كان الحدث الدرامي يدور خارج منطقة ذاكرة اللاوعي للكاتب لذا نجد حالة قطعة القماش التي رسم عليها اللوحة بقيت مجرد خلفية تتحرك امامها شخوص الرواية فهي لم تكن سوى ديكور،وهذا ينبع من مخزون الذاكرة للكاتب ففي منطقة سوق الشيوخ حيث ولد وترعرع وشهد الكثير من احداثها،وبرغم الفترة الزمنية التي فارق فيها الكاتب تلك المنطقة إلا ان المكان بقي ثابتا في مخيلته لهذا نجد حالة التماهي مع المكان قد تجسدت في هاتين الروايتين،وكما هو معروف ان الزمان والمكان عنصران متلازمان في الرواية الا ان الزمان هو عنصر متحرك والمكان عنصر ثابت وهو يمثل حالة البوح الذي يمتلكها علي لفتة سعيد في سردياته .

فوجود الكاتب في المكان أدى إلى تعضيد العلاقة بينهما، تلك العلاقة التي أخذت في التنامي (حتى أصبح المكان واحدا  من القضايا التي يخترقها الكاتب بالبحث بغية  التعمق في هذا المحسوس وتمام إدراكه).(6)

 

طارق الكناني

...................

1- احمد  زياد محبك :جماليات المكان في الرواية ..موقع ديوان العرب .

2- حسن بحراوي. بنية الشكل الروائي: الفضاء – الزمن – الشخصية، ط1، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1990م، ص32. ( 31 )

3- حسن بحراوي (33)

4- حسن بحراوي (32)

5- سمر روحي الفيصل. بناء المكان، مجلة الموقف الأدبي، دمشق، ع306، 1996م، ص13.256

6- يوسف كرم. تاريخ الفلسفة الحديثة، ط5، القاهرة، دار المعارف، 1986م، ص222.

 

 

عقيل هاشم(ان الحب لايموت وان كان القلق عتيقا)

الاهداء"اليها مرة اخرى يتجه الكلام "سوق الشيوخ"

رواية "قلق عتيق "للقاص والروائي علي لفتة سعيد، انّ العنوان الرئيسي للتص الروائي هو البوابة الأولى و الواسعة التي من خلالها ندخل الى حرم وقدسيّة هذا التص السردي، ومن خلاله سنتعرّف على ما يريد الكاتب قوله وتوصيله الينا، اي أنّ العنوان الرئيسي هو النواة الأولى التي ستنشطر فيما بعد الى وحدات أصغر وهذه بدروها ستكشف لنا عن مقدرة هذا الكاتب الأبداعية، ومن خلال ذلك سنتعرف ايضاً على شخصية الكاتب وقيمة النصّ والأجواء النفسيّة التي كُتبتْ هذه الرواية تحت تأثيرها والبيئة التي إنبثقتْ منها وإهتمامات الكاتب وثقافته وجمالية العمل ورساليته، اذا العنونة هي من الأسباب التي تجعل هذا العمل يمتلك خصوصية هذا الكاتب ومن مبتكراته وخلقه.

أخذنا الكاتب الى عوالم مليئة بالتشويق وبالإثارة، نص روائي سبر غور الزمن الماضوي. ومن الجدير ذكره أن التكنيك الذي لجأ اليه الكاتب بالحصول على سيرة تاريخية من تاريخ العراق السياسي، تعود بنا من خلالها إلى حقبة تكشف النقاب أمام القارئ.

كشف عن حقبات وصراعات ماضوية الاحزاب السياسية وعبر قراءاته لواقع مغرق بالوعي و الثقافة لمدينته "سوق الشيوخ"وما يشكله ذلك من التفاعليه في المشهد السياسي العراقي .وهنا تضغتا الرواية أمام حالة تثويرية تسعى لنفض غبار التاريخ عن حقبة سياسية صارت قطب الرحى في البنية المجتمعية والفكرية للعراق .الرواية تتحدث عن أحداث تموز 1958 حتى أحداث عام 1963 أو ما يعرف بانقلاب شباط.

رواية نجد فيها رائحة السيرة عن بعض الشخصيات الحقيقة والفاعلة، حيث أن الأحداث تم بشكل متسلسل لتشكف طبقات المجتمع وتسليط الضوء عاى "الهامش" وعلاقاتها الثقافية كذلك تسرد الرواية حياة تلك الطبقة بتفاصيلها وطبيعة تفكيرهم الناتجة من صلف العيش والكفاح من أجل توفير أبسط مستلزمات الحياة،، حيوات تحكي يومياتها، الراوي عبر امكانية السرد المتقن، اختار أن يسرد أحداثها ويكشف دقائق الامور من حوادث جانبية، وقدغلّب الزّمن الماضي ما بدا متناسبا جدّا مع النّسق السّردي الّذي اعتمده.

نقول ان هذا الشّعب عاطفيّ بامتياز.فبقدر ما يحقد على الطّغاة، بقدر ما يكون مستعدّا ليغفر لهم عن طيب خاطر في وقت شديد الحساسيّة، وفي ظروف لا يعلمها إلّا الله، قد تخطئ.وأحيانا يستدعي الخطأ أخطاء أخرى تتناسل باطّراد، لتجد نفسك في الأخير أمام حصيلة معتبرة من الأفعال والجرائم الّتي تدينك، فلا تعرف كيف تدفع بها عنك. ومع ذلك لا يلبث هذا الشّعور أن يسقط عندما لا يصل بصاحبه إلى أقصى درجات النّدم.

وهنا يتجلّى للقارئ من خلال النّص بأنّ الكاتب يقرأ الاحداث بعيون ثاقبة، كاتب مجيد يدرك جيّدا عمّا يتحدّث ولمن يكتب ولأجل ماذا يكتب.التزامه بقضايا عصره ووطنه أيضا، تبدا الرواية بسقوط مدوي للملكية وتبدا مرحلة التكالب على السلطة ويتحوّل أحد العتّالين الى مطرب الثورة في الاذاعة ببغداد و”الشيخ نعيم”، يعود الى رشده وينتمي الى أحد الأحزاب، وتستمر الرواية بسردها المتناوب من خلال لغة منمقة اتخذت أسلوب السهل الممتنع لتنعش ذائقتنا التي استلبتها الكآبة بمعادل "الغناء" حيث يبدأ الأبطال الثلاثة بالغناء على ضفة نهر الفرات، للتعبير عن مأساتهم، وحياتهم، وحبهم الفاشل الذي يتوزع بعده الى حبّ العلاقات الاجتماعية وحب الوطن، وما يحصل فيه من أوجاع العلاقات بين الريف والمدينة، وتقسيمات المجتمع المدنية والعشائرية والدينية، لتضاف لها الحزبية التي بدأت حركاتها في الظهور في تلك الفترة. لذا فالغناء جزء من التركيبة الاجتماعية أو هو جزء من تركيبة الإنسان العراقي، خاصة الجنوبي الذي يعبر عن كل شئ من خلال الغناء الذي يبدأ أساسا بالشعر المعبر عن اشتعال الشجن.

الرواية هي الجزء الثاني من رواية “حب عتيق”، وتستكمل أحداث تلك الرواية التي ناقشت الواقع السياسي في العراق منذ العام 1900 الى العام 1958، وهذه الرواية في الجزء الثاني تناقش الواقع العراقي من العام 1958 الى العام 1963 من خلال تطورات الأحداث الاجتماعية والسياسية في مدينة سوق الشيوخ جنوبي محافظة ذي قار.. والرواية تسلط الضوء على الصراع الذي عاصرته المدينة إبان الأحداث التي شهدها العراق بعد انتهاء الحكم الملكي الى صراع بين الأحزاب وخاصة الحزب الشيوعي وحزب البعث والتأثير الاجتماعي الذي كان بداية لقلق الفرد العراقي وتأثير هذه الأحزاب على عدم الاستقرار واستمراره وانعكاس ذلك على مدينة سوق الشيوخ التي شهدت الكثير من الحركات السياسية على أرضه

حيث تنتقل الرواية في متابعة الواقع السياسي والصراع الذي بدأ بين حزبي البعث والشيوعي حيث يمثلّهم في الجانب الشيوعي نعمان وسعد ومحمود، وحزب البعث حيث يمثلهم نديم الحداد وجعفر العايد والشيخ نعيم الذي كان متسوّلا بسبب فعل الحب الذي حوله الى تلك الحالة حين طلبت منه بدرية الحكيمة ابنة شيخ عشيرة أن يتسوّل مهرها للقبول به زوجا لكونه شاب نزق ومتهوّر لكنه يتركها ولا يترك التسوّل إلا قبل ليلة من أحداث عام 1963 حيث انتهاء زمن الرواية ويعود الى وضعه الطبيعي ويعود الى مشيخته منتميًا الى حزب البعث ليكون أحد عناصره..

في المقابل يكون زوج بدرية (رسول) وهو شيخ عشيرة ايضا من أعضاء الحزب الشيوعي

الرواية تستوقف القارئ ليتفكر فيما يطرح الكاتب في نصه، كما أن الصيغة الأدبية التي جاءت بها السيرة التاريخية لاحداث مهمة تستحق أن تقرأ، فالمتعة حاضرة أثناء قراءتها، رغم الوجع والقسوة التي فيها، وهذا يُحسب للكاتب الذي أحسن الصياغة واتقن الكتابة. في هذه الرواية سنجد صوت الأنسان المغلوب أمام طغيان الواقع وقسوته ودكتاتوريته الفظيعة، والذي يحاول التمرّد على واقع قبيح، عالم مظلم بشع ما فتىء يرميه بعد ذلك بكلّ هذه الخيبات وتذهب الأمال والأحلام العريضة لخذلان الانسان رغم كلّ شيء .

تدور الأحداث بدءا من ليلة 14 تموز حيث يتوزّع أعضاء الحزبين على مفاصل المدينة لحمايته من المندسين الذي لا يريدون للثورة أن تنجح، وتبيّن الرواية الصراع الذي يدور في دهاليز السلطة حيث يتصوّر كلّ حزب من خلال أفعال أعضائه على أنهم أصحاب الثورة ومع تطوّر الأحداث يكون الشعب في حالة صراع، بل يصل الى الاقتتال حتى داخل البيت الواحد حيث هناك أخ شيوعي وآخر بعثي والأم تبحث عن مخلّص من بين الناس الخيرين.

وهنا اشير الى ان الرواية هي الجزء الثاني من رواية (حب عتيق)

وفيها التغيرات التي حصلت بين شخصيات تلك الرواية وهي تمشي بخطوطٍ متوازيةٍ بين مكونات المدنية حيث يهرب جاجو اليهودي ويبيع أملاكه ويدفن المخطوطات والكتب والأرشيف اليهودي في المعبد اليهودي في المدينة في ليلة تفجّر الثورة، فيما يواصل جورج المسيحي البقاء في المدينة التي لا يريد مفارقتها وكذلك محمود الصابئي الشيوعي الصغير الذي أسلم لأنه يحب فتاة مسلمة.

اننا امام كاتب يمتلك موهبة الكتابة ويجيد الفنّ الرّوائيّ، بلغة قوية وعبارات محاكة بصور بلاغية ومعانٍ قيمة، ولها قدرات لافتة في خلق الأحداث التي تخدم النّصّ الرّوائيّ، كشفت بواطن الحالة الاجتماعية والسيلسية للمجتمع العراقي بصورته الصغيرة "سوق الشيوخ"

سردها لنا بلغة تفيض مرارة، وألما بينما راح ينعى الكاتب الزمن الماضوي الذي يعاني من الأزمات الطاحنة، والفرقة،، وسط هذه العتمة تنهي فصول الرواية بمشهد درامي مفعم بالامل، على امل ان يكون ضوء في نهاية النفق لكي تستمر الحياة، فتخضر بذور الأمل في غد مشرق، وسيطلع حتما، ليعيد حاضر الحياة الى هذا الانسان بالرغم من ثقل، واخيرا أن المتعة الكامنة في الرواية ناتجة عن وجود الحوار باللهجة المحكية،

وهنا يرسم النص السردي لوحة تراجيدية لواقع يختلط فيه الجوع، بالمواجع، والضياع المطلق، ثم تنتهي بالامال،.

 

قراءة عقيل هاشم

...............................

* صدرت عن دار الدراويش في بلغاريا الرواية التاسعة للأديب والصحفي علي لفتة سعيد التي تحمل عنوان “قلق عتيق”، وتقع بنحو 256 صفحة من الحجم المتوسط.

* الرواية هي الجزء الثاني من رواية “حب عتيق”، الفائزة بجائزة مسابقة “توفيق بكار” التونسية

* ويذكر أن سعيد سبق له أن أصدر ثماني روايات بينها ثلاثية الصورة الثالثة ومزامير المدينة وفضاء صيق وكذلك وشم ناصع البياض ومواسم الاسطرلاب ومثلث الموت وأيضا السقشخي وحب عتيق، مثلما أصدر خمسة مجاميع قصصية وأربعة مجاميع شعرية وأربعة كتب نقدية ومسرحية

czo3MDoiaHR0cDovL3d3dy5zZXlhc3NhaC5jb20vd3AtY29udGVudC91cGxvYWRzLzIwMjEvMDUvMDEtMDYtMjEtNTE2NjkxLmpwZyI7.jpeg

figuur-i-296.jpg217547338_4270403626336661_4884491039584347885_n.jpg

 

رياض الدليميإضاءة لقصيدة هبوط إينانا

هـبـوط إيـنـانـا

للشاعر يحيى السماوي 


 شـقّـتْ ظـلامَ الـلـيـلِ " إيـنـانـا " (1)

فـأيـقـظـتِ الـمـرايـا . .

ألـبَـسَـتْـنـي بُـردةَ الـفَـرَحِ الـمـؤجَّـلِ مـنـذ

عـامِ الـهـجـرةِ الأولـى عـن الــمـاءِ الـفـراتِ

وســيِّـدِ الــشَّـجَـرِ الـنـخـيـلْ

*

وعـن الـسَّـمـاوةِ

والـظِـبـاءِ الـفـاتـنـاتِ إذا نـظـرنَ الـى الـغـزالِ:

أسَــرْنَـهُ بـمـصائِـدِ الـطَّـرْفِ الـكـحـيـلْ

*

وحـدي " وقـاسـمُ " كـنـتُ فـي " قـصـر الـغـديـرِ " (2)

مُـهَـرْوِلَـيـنِ وراءَ قـافـيـةٍ

ونُـطـنِـبُ فـي الـحـديـثِ عـن الـبـلاغـةِ والـبـيـانٍ

وسِــرِّ عَـجْـزِ الــنـهــرِ

عـن إرواءِ مـتـبـولٍ تـأبَّـدَهُ الـغـلـيـلْ

*

قـبـلَ انـتـصـافِ الـلـيـلِ:

آذنَ بـالـذهـابِ الـى جـنـائـنِ بـيـتِـهِ الـضَّـوئيِّ " قـاسـمُ "

فـاقـتـرَحْـتُ عـلـيَّ أنْ أبـقـى مـعـي

لأُعِـيـدَ تـرتـيـبَ الـهـمـومِ

عـسـايَ أطـفـئُ مـن حـرائـقِـهـا الـقـلـيـلْ

........

.............

...............

قـبـلَ الـنـداءِ الـى صَـلاةِ الـفـجـرِ:

فَـزَّ الـقـلـبُ ..

صـوتٌ كـالأذانِ أتـى .. أصَـخـتُ الـنـبـضَ ..

مَـنْ ؟

فـأجـابـنـي صـمـتـي:

هــو الــمَــطــرُ الـوبــيــلْ

*

فـانـثـرْ بـذورَكَ

آنَ لـلـصـحـراءِ أنْ تـتـفـيَّـأَ  الأيْـكَ الـظـلـيـلْ

*

وتـفـيـضَ غـدرانٌ بـأعـذبِ سـلـسـبـيـلْ

*

ألـقـى عـلـيَّ تـحـيَّـةّ الـعـشـقِ الـخـرافـةِ هـدهـدُ الـبـشـرى

وقـال:

يُـخـصُّـكَ الـزمـنُ الـجـديـدُ بـجـنَّـةٍ

مـن فـوقـهـا تـجـري مـن الأفـراحِ أقـمـارٌ

ويـجـري تـحـتـهـا نـهـرٌ مـن الـقُـبُـلاتِ والأزهـارِ والأطـيـارِ

والـشـجَـرِ الـبَـتـيـلْ (3)

*

فـاحْـزمْ فـؤادَكَ

واخْـلـعِ الأمـسَ الـمُـقـرَّحَ مـن كـتـابِ الـيـومِ

وادخـلْ آمِـنـاً غـدَكِ الـجـمـيـلْ

*

الـيـومَ قـد أكـمَـلـتُ عـشـقَـكَ ـ قـالَ " عـشـقـائـيـلُ " بـاسـمِ الـسـومـريَّـةِ ـ

وارتـضـيـتُـكَ أن تـكـونَ لـيَ الـرَّسـيـلْ (4)

.........

............

مـيـلادُ " إيـنـانـا " الـبـعـيـدةِ بُـعـدَ قـلـبـي عـن يـدي:

مـيـلاديَ الـمـكـتـوبُ فـي الـلـوحِ الـمُـقـرَّرِ قـبـلَ يـومِ ولادتـي

وغـوايـتـي فـي نـشـرِ أشـرعـةِ الـرَّحـيـلْ

*

إصـعَـدْ إلـيـهـا ـ قـال هُـدهُـدُهـا ـ لِـتُـبْـعَـثَ مـن جـديـدٍ:

عـاشـقـاً .. طـفـلاً رضـيـعَ الـلـثـمِ .. مـشـبـوبـاً فـتـىً ..

فـاهـنـأ بـمـيـلادِ الـمـلاكِ الـسـومـريَّـةِ أيـهـا الـشـيـخُ الـجـلـيـلْ

*

كـيـف الـصـعـودُ ـ أجَـبْـتُ ـ مـولايَ الـبـشـيـرَ

الـى جـنـائـنِ ربَّـةِ الـمـطـرِ / الـجـمـالِ / الـحـبِّ " إيـنـانـا " ؟

أنـا الـحَـيُّ الـقـتـيـلْ

*

ســتـقـولُ: كُـنْ فـتـكـونُ ـ قـالَ ـ فـتــصـطـفـيـكَ

لِــمـا أعـدَّ الـلـهُ لـلـمُـتـضـرِّعـيـنَ مـن الـقـطـوفِ

ومـن شــرابِ الـزَّنـجـبـيــلْ (5)

***

هَـبَـطـتْ إلـيَّ إلـهـةُ الـعـشّـاقِ " إيـنـانـا "

فـأشــمَــسَــتِ الـطــريــقَ الـى مـضـاربِ " عــروة بـن الـوردِ "

وابْـتـكـرَتْ لإسـرائـي " بُـراقـاً " فـالـسـمـاءُ قـريـبـةٌ مـنـي ..

وكـنـتُ أُقـيـمُ فـي " قـصـرِ الـغـديـرِ " أمـام جُـرفِ الــنـهــر

في أرضِ الـسـمـاوةِ

يـومَ حَـطَّ عـلـى سـريـري هـدهـدُ الـبـشـرى بـأوَّلِ زخَّـةٍ عـذراءَ

مـن مـطـرِ الـهـديـلْ

*

فـثـمِـلـتُ مـن خـدَرٍ

فـمـا أدري أكـان الـوقـتُ صُـبـحـاً أمْ أصـيـلْ ؟

*

كـلُّ الـذي أدريـهِ أنـي صـرتُ غـيـري:

لـم يَـعُــدُ حَـجَـراً جَـنـاحِـيْ ..

والـسـمـاءُ قـريـبـةٌ مـنـي ..

ولـم أعُــدِ الـيـتـيـمَ ولا الـغـريـبَ عـلـى الـهـوى

وابـنَ الـســبــيــلْ

*

لـلـهِ مـا لـلـهِ

لـكـنْ

مـا لــقــيـصـرَ مـن عــروشٍ لـيْ ..

ولـلـعـشـقِ الـولايـةُ ..

نِـعـمَ دِيـنـاً عـشـقُ " إيـنـانـا "

وأكـرِمْ بـالـخـلـيـلـةِ والـخـلـيـلْ

*

خـلـعَـتْ خـريـفـي

فـارتـديـتُ مـن الـفـصـولِ ربـيـعَ " إيـنـانـا " الـمُــسَــيَّـجَ

بـالـفـصـيـلْ (6)

*

فـإذا بـبـاديـةِ الـسـمـاوةِ واحـةٌ ..

والـنـهـرُ طُـرِّزَ بـالـزوارقٍ ..

والـضـفـافِ تـفـيـضُ بـالــنَّـسَــمِ الـعـلـيـلْ

*

ولـديَّ مـنـذ هـبـوطِـهـا:

مـفـتـاحُ بـابِ الـمـسـتـحـيـلْ

*

تـحـتـالُ " إيـنـانـا " عـلـى قـلـقـي

فـتُـشْـغِـلـنـي بـرشـفِ نـدى زهـورِ الـلـوزِ

والـسـفـرِ الـطـويـلْ:

*

مـا بـيـن فِـضَّـةِ قُـبَّـتـيـنِ وتِـبْـرِ مـهـبـطِ قـرطِـهــا

وقــرنـفــلِ الـشــفــتــيــنِ

والـدفءِ الـمُـشِـعِّ لـذاذةً مـن مُـقـلـةِ الـخـصـرِ الـنـحـيـلْ

*

نـغــفــو فــيــوقِــظــنــا حـريـقٌ نـاعـمُ الـنـيـرانِ ..

نـبـتـكـرُ الـخـصـامَ عـلـى قـطـوفِ الـمَـنِّ والـنـعـمـى

فـيـشـتـبـكُ الـهـديـلُ مـع الـصـهـيـلْ

*

فـانـا بـشُـغـلٍ عـن هـمـومِ الأمـسِ

أقـطـفُ مـا أشـاءُ مـن الـقـطـوفِ الـدّانـيـاتِ

فـحـيـثُ مِـلـتُ:

إلـى يَـديَّ قـطـوفُ " إيـنـانـا " تَـمِـيـلْ

***

 ............................

(1) إينانا: إلهة السماء والمطر والحب في الأساطير السومرية .

(2) قاسم: هو صديقي الحميم الشاعر المعروف قاسم والي .. " قصر الغدير " فندق ومطعم ودار استراحة باذخة الأناقة والهدوء اعتدت ارتيادها في السماوة تقع على نهر الفرات بداية شارع النهر الذي يحمل اسم " شارع الشاعر يحيى السماوي " .. المتبول: المرء إذا غلبه العشق وتهيّمه .

(3) البتيل: الفسيلة إذا استغنت عن أمها النخلة وبدأت تصبح نخلة مستقلة.

(4) الرسيل: الفحلُ من الإبل والخيول، ومن معانيه: الرسالة .. ومن معانيه أيضا: المُراسل .. ومن معانيه: شبيه المرء في الأخلاق والصبابة والنضال وما شابه ذلك من صفات إيجابية ـ وهو المعنى المراد في القصيدة .

(5) شراب الزنجبيل: إشارة الى قول الله تعالى عن الجنة: (ويُسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا) .

(6) الفصيل: هو ابن الناقة إذا فُصِل عنها، وهو الفسيلة إذا فُصِلت عن أمها، ومن معانيه: السور أو الحائط المنيع ـ والمعنيان الأخيران هما المرادان في القصيدة .

.......................

الإضاءة

يعد نص الشاعر(يحيى  السماوي) (هبوط اينانا) توليفة شعرية يتداخل فيها الأسطوري والواقعي وإيهام المعاني وتورياته ، انها فذلكة شاعر محترف يحيل القوافي نثرا ويحيل النثر عمودا مقفى .

انها لعبة شكلية في الدلالتين المبنى والمعنى والدال والمدلول .

الشاعر يصب خبرته واحترافه في هذا النص والذي يعد حالة عشق ونفحات روحية تسطر لوحات ذاكراتية للمكان والناس .

لقد وظف الشاعر (السماوي) نصوصا دينية وحكايات أسطورية عدة منها: (النص الديني وقصص الخلق السومرية والبابلية) ، لم يلتزم الشاعر بشكل شعري محدد فلا يمكن لهذا النص أن تقاربه شكلا كقصيدة عمودية أو شعر حر أو نص نثري ، القارئ يكتشف هناك بحورا شعرية تناثرت بين اشطر القصيدة وقواف تعددت .

لقد هبط الحب والجمال والعشق في عمق روحه ، هذا الحب السماوي للسماوة وناسها:

(فـإذا بـبـاديـةِ الـسـمـاوةِ واحـةٌ ..

والـنـهـرُ طُـرِّزَ بـالـزوارقٍ ..

والـضـفـافِ تـفـيـضُ بـالــنَّـسَــمِ الـعـلـيـلْ )

انها ليست لحظات اكتشاف فليس المراد منها الهبوط لتسجيل حالة ما بقدر ما هو تعبير عن الاحتفاء والامتنان لناسه فيفصح خطابا مفاده / إن المدن الأصيلة في فيافيها ونخيلها وفراتها لن تنسى عشاقها ، فاعتلى قلوبهم عرشا أبديا دلالة على الحب لهم وحبهم  له:

(لـلـهِ مـا لـلـهِ

لـكـنْ

مـا لــقــيـصـرَ مـن عــروشٍ  لـيْ ..

ولـلـعـشـقِ الـولايـةُ ..

نِـعـمَ دِيـنـاً عـشـقُ ” إيـنـانـا ”

وأكـرِمْ بـالـخـلـيـلـةِ والـخـلـيـلْ)

السماوي اِصطحب رفيقه (قاسم) كي يكون رفيقا له في بحثه عن سرّ جمال مدينته ، ليكون أنيسا له وأنكيدو آخر ليشاطره عشقه لناسها وأمكنتها ولعذب فراتها .

قاسم هو الشاهد والرفيق في رحلة الهبوط ورحلة الخلود في ذاكرة محبي (يحيى  السماوي):

(وحـدي ” وقـاسـمُ ” كـنـتُ فـي ” قـصـرِ الـغـديـرِ ”

مُـهَـرْوِلَـيـنِ وراءَ قـافـيـةٍ

ونُـطـنِـبُ فـي الـحـديـثِ عـن الـبـلاغـةِ والـبـيـانٍ

وسِــرِّ عَـجْـزِ الــنـهــرِ

عـن إرواءِ مـتـبـولٍ تـأبَّـدَهُ الـغـلـيـلْ)

الشارع الذي كني باِسم الشاعر يعبر عن اِعلان حالة الحب الأزلي من المدينة لمبدعيها الخلص من شعراء وأدباء وعلماء ، شارع بات مقدسا ويكتسب قدسيته لمجاورته الفرات هذا النهر المخلد في كل النصوص الدينية وهو من أنهار الله الخالدة:

(هَـبَـطـتْ إلـيَّ إلـهـةُ الـعـشّـاقِ ” إيـنـانـا ”

فـأشــمَــسَــتِ الـطــريــقَ الـى مـضـاربِ ” عــروة بـن الـوردِ ”

وابْـتـكـرَتْ لإسـرائـي ” بُـراقـاً ” فـالـسـمـاءُ قـريـبـةٌ مـنـي ..

وكـنـتُ أُقـيـمُ فـي ” قـصـرِ الـغـديـرِ ” أمـام جُـرفِ الــنـهــر

في أرضِ الـسـمـاوةِ

يـومَ حَـطَّ عـلـى سـريـري هـدهـدُ الـبـشـرى بـأوَّلِ زخَّـةٍ عـذراءَ

مـن مـطـرِ الـهـديـلْ) .

ما بين رحلة (السماوي) وهبوطة ثمة قصة إسراء ثانية . هذا  الاسراء كونت جنات بساتين السماوة وأصلاتها وسفرها الخالد لأنها اتسقت تاريخيا كوليدة أول حضارة على أرضنا المعمورة (مدينة اوروك) وملكها (أور نمو) ومبعث الحضارة السومرية وهنا في هذه المملكة خُط أول حرف عرفه البشر ورُسم بأصابع مرواح فلاح سماوي سومري وختم بشفاه (إينانا) .

هذا النص في معانيه وخطبه يجسد أغنية عشق مغايرة للمألوف الشعري المعتاد والسائد لكونه يبتعد عن الغنائية .

ربما هو يقترب من جنس عرفه السومريون والبابليون والعراقيون القدامى ، جنس أدبي يوظف لكتابة السيّر والأسفار يخط عادة على رقم وألواح طينية ، تشي حروف هذا النص وكأنها عطر عنبر وريح غرين ، وتأخذك نشوة العنبر وكأنك جالس في قصر الاِلهة (اينانا) لتستمع بعزف القيثارة السومرية وولدان سومريين وآمورين وفينيقيين يسقونك من نبيذه وخمرة الرطب بكؤوس الفضة المهداة من (بلقيس ملكة سبأ) فثمل الشاعر ونسى فجره وأصيله فلعن الهدهد الذي توسد دوارق النبيذ:

(فـثـمِـلـتُ مـن خـدَرٍ

فـمـا أدري أكـان الـوقـتُ صُـبـحـاً أمْ أصـيـلْ ؟)

هام الشاعر في تيهه وعشقه فتاه المتلقي معه بين كأس خمر وخصر (اينانا) وبريق أقراطها وحليّها ، وأختلط الأمر علينا بين (السماوة) مدينة عشقه و بين فيض نصه بجماليات رمزية وأيقونات حب ووله:

(تـحـتـالُ ” إيـنـانـا ” عـلـى قـلـقـي

فـتُـشْـغِـلـنـي بـرشـفِ نـدى زهـورِ الـلـوزِ

والـسـفـرِ الـطـويـلْ

 

مـا بـيـن فِـضَّـةِ قُـبَّـتـيـنِ وتِـبْـرِ مـهـبـطِ قـرطِـهــا

وقــرنـفــلِ الـشــفــتــيــنِ

والـدفءِ الـمُـشِـعِّ لـذاذةً مـن مُـقـلـةِ الـخـصـرِ الـنـحـيـلْ) .

***

 

د . رياض الدليمي

 

عقيل هاشممجموعة شعرية للشاعر "عبد الأمير خليل مراد"

 يحمل الشاعر في "مكابدات الحافي" بعضاً من هواجسه مستعيناً بقلم يعي لحظة الكتابة، و يصور سرديات الوجود بدقة في حالة من النضج الفني المتوهج، ففي قصائده ما يصف حالة الخذلان الشعورية الذي يعصف الوجود .

إن اختيار الشاعر لشخصية "بشر الحافي" مناسب للطبيعة الشعرية للنص - وظيفة تعبيرية – لترتقي النصوص الى الطابع الدرامي وهذا ما تحقق من بوح الذات المتشظية - الشخصية/ الشاعر- المتحاورة..

 هذا ما جعل الصورة الشعرية تتجاوز النص لتخترق النصوص كلها،ولم يعد التصوير في استدعاء هذه الشخصية الكونية "الحافي" عودة يراهن الشاعر على بناء الصورة الشعرية عبر عناصر منفصلة،بل راهن على إطار مركب يقوم على رمز "الحافي" من بداية النص الى اخره.

أَنَا بِشْرُ الحَافِي

فِي السُّوْقِ أَقُوْمُ وَأَقْعُدْ

وَدِثَارِيْ أَوْزَارٌ بَالِيَةٌ

" ومن نافلة القول..نقول ان الشعر حقيقة مؤلمة،لكن علينا أن نغامر في هذا العالم ونتذكر أن ألم هذه الحقيقة لاينتهي،يشد الإنسان دائماً إلى روحانيته، إلى ذاته،ليعيشَ الحياةَ كما يحب ويشتهي، رغم قسوة الواقع وظلمه وانحطاطه..

فلكل مجتمع موروثه الكامن من معتقدات وطقوس باطنية خفية، تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في السلوك و تدبير شؤون الحياة و مستوى التفكير،

فالشعراء يستمدون قصائدهم من الرموز التي تستمد روحها من بواكير هذا الموروث وهذه الترجمة من التفسير الإنساني لوجودهم، وهذا التلاقح الفكري بين الماضين والمعاصرين قد يزعزع القناعات و يدعو إلى إعادة النظر في الكثير من الثوابت و المعتقدات.وليس غريبا في هذا السياق ان تصبح حياة "بشر الحافي "ملهمة حقيقية للكثير من الادباء والشعراء بعد ان اصبح فكره مفتاح الولوج إلى ما استغلق من أسرار الحقيقة وأحجياتها. ونور يتم في ضوئه الكشف الصوفي . ليس نور الخارج المتصل بحاسة البصر، بل نور الإشراق الحدسي

2631 عبد الامير خليل مراد

للشاعر وهو يرسم لنا صوراً لخطى مسيرة حياته على وفق رؤيته الإنسانية لشخصية "بشر الحافي" والتي احالها خطى شعرية جديرةً بالقراءة والتأمل...

لا مَالٌ فِي كَفِّي يَنْصُرُنِي

لا غُرَرٌ فِي رَأْسِي وَوَصَايَا

تَلْقُفُنِي مِنْ بِئْرِ ظُنُوْنِي

وَتُدَحْرِجُنِي كَمَسِيْحٍ فِي حَوْمَاتِ

قِطَافِ

الشاعر منذ نشأته لم يستطيع حتى الآن لم ينفصلَ عن ذاته،والتي تعكس حقيقة الشخصية الشاعرة،تلك الشخصية المفعمة بالحس، والمتناغمة مع الطبيعة الشاعرية وحساسيتها والتي تعاني لواعج الألم والحسرة،وتعتصر ذات الشاعر ..

فلا تتعامل مع الألم كمجرد انفعال باطني ووجود افتراضي بل هي ترجمة حقيقية عن مازقه الاجتماعي المازوم..

وهنا يطالعنا الشاعر بقصائد هي ترجمة من الإكراهات الحياتية وهو بوجه نقده الى تداعي هذا العالم وسلبيته،كضرب من الانشطار الذاتي ولون من النبش في الكينونة..

وإنّ الذي يكتبه الشاعر هي قدرته على خرق المألوف ونسج العلاقات بين المفردات والمتتاليات من داخل النصّ نفسه، فتبدو القصيدة وكأنّها فصل من فصول أسطورة ضاربة في عمق التّاريخ، تحكي عن صراع الإنسان: الشاعر/ الصوفيّ/ مع “المعنى” للظّهور في صور شعرية مؤثرة ...

الإهداء مرفوعا إلى:

عالمي المتخم بالمواجع والاحزان

الى امنياتي التي تتبدد بين اليقين والاحجية الرمادية

الى فلذاتي التي انطفات بين حوافر الايام ومعاول القدر المنحوس

الى بشر الحافي الذي قذف مدرعته وهام في الشوارع وهو يصرخ ....انا الحافي.

العناوين الفرعيّة

وفي العناوين الفرعيّة مجال آخر للقراءة واستنباط الدّلالات العميقة، ومن تلك العناوين نقتطف هذه كلّها عناوين حزينة موجعة، رغم أنّ بعضها مباشر لا يعتمد الإيحاء لكنّه يدلّ على الحقيقة المريرة ببشاعتها ..

 " تهجدات في حضرة الذبيح/ مكابدات الحافي/ انبؤوني يابناة العالم/ مراة السندس/ كتاب العبور/ من احوال الحافي وامانيه/ ابوة/ من تجليات الشابي/وجد/ التراب/ طرفة يغادر دائرة الاحتمال /مرثية "

إنّ توظيف شخصية “الحافي ” – بالدّلالة التي رجّحناها أعلاه- ينسجم تمام الانسجام مع الحمولة الثقافية للمضمر الديني؛ للتدليل على جسامة الموقف، وكشف الحجاب عن الظلمة التي تملأ النفس امام هذا العالم المتوحش..

 فإنّ الذي يقوّي هذه الدّلالة، الفارق بين ثنائية المقدس والمدنس والعارض والزائل، وبين “الرّوح” التي تحيل إلى الجوهر الذي لا تدركه الحواس. هذا الجمع يمكن أن يُؤوّل بما أُلصِق بروح مخاطَبِ الشاعر (الحافي) لتأكيد هذا المعنى الذي تشير إليه ..

الشّاعر في قصائده كان أكثر ميلا إلى البعد عن المباشرة في التعبير، وذلك باستخدام لغة مكثّفة مُغرِقة في الشجن . مما ادى الى تفجير مفردات هذه اللغة، بحثا عن العلاقات النفسية والخلفيات المعرفية التي ولدتها وأنتجتها؛

وبشيءٍ من التأمّل في العلاقة المشار إليها أعلاه، نجد أنّ الجهر بالحقيقة كان سببا في العذاب الذي لحق بكلّ من – بشر الحافي/ الشاعر؛ قدَّم الأوّلُ “توبته" ثمناً لمحاولته التعبير عن اضطربات وجودية كان يكابدها في دنياه الفانية، وقدّم الشاعر حياته التي كانت تسكن برجا عاجيا ثمنا للوطن المستلب ...

لم أسأل عن هذا القلب المجروح

عن سبط يمشي مذبوحا

في يده كون أبيض وحمامة

بوح وسلام

تتبرج في هذا العالم

وهي تضوي رايات العشق

وأخرى تتويجا لبنى الإنسان

 من التعبير النصي السلس،و الذي يجنح الشّاعر من خلاله إلى النأي عن جعل المعاني مباشرة وانما تحدث تناصا مع قضية مركزية مثل واقعة الطف ...الخ .إنّ هذه التناصات هي سمة من سمات النصّ الشعري دلاليا، إذ لا قيام للشعر من دونها وإِلاَّ تحوّل إلى حديث تقريري ..

هذي أيام حبلى بالاسرار الممهورة

بالخوف

وشقشقة الغرفات السرية

هذي أجيال تتأود بين شأبيب الكوثر

ومضامير الهيجاء الازلية

 نصوص بالغة الإيجاز، شديدة التّوهّج، بديعة الجمال بصورها البيانيّة الرّائعة، تحملنا على جناح الحرف فنُسري إلى سماوات الرّوح وفردوسها، حين يتحقق المعى..

ليهنك أنني في ساحة

التحرير

امرغ وجهي المقدود بالحناء

والرجوى

واقرأ في بقايا عمرنا

المأسور:

موطني…موطني .

نصوص شبيهة بالابتهالات تجسدت شكلاً وروحاً، وأظهرت لطف روح الشاعر وإنسانيته، بلغة بسيطة سهلة اختار كلمات ليست معقدة لائمت الفكرة ..

فِيْ الحَيِّ اللَاتِيْنِيِّ يُهَدْهِدُنِيْ

وَعَلَى نَخْلَاتِ البَصْرَةِ

أَوْ كُوْفَانْ

وَعَنَاقِيْدِيْ مِنْ فِضَّةِ بَابِلَ

مَبْذُوْلَاتٌ فِيْ سِكَكِ

العَشَّارِيْنَ

وَمَقْصُوْرَاتِ السُّلْطَان.

 وظف الشاعر اساليب شتى،منها "الدراما الشعرية " والتي تشيع هنا مما اضفت حيوية، ورشاقة. ناجمة عن "مسرحة النص"، والتعبير بالصور الفنية الموحية . توليفة من نسيج تركيبي في ترسيخ هذا الخيط الوجداني الناظم. بلغ حد التماهي في التاثير .

انا رجل يسعى من اقصى

 المعمورة

 .,والجودي يجاهد كي تكتمل الصورة

 وحمامة نوح تحفر باسم الله سمو

 الاطيان

بشر وجياد وخلائق شتى

والبلم الكوني حياة وموات بين المشعر

 والجدران

وأخيرا ...اقول ان القصائد تستمرئ الشّقاء بالخلاص من الاثام . فهي بحقّ إبداع يُقدّر للشاعر، من حيث المعنى والمبنى اللغويّ "الدلاليّ والتركيبيّ"...

قصائد عميقة المعنى وموحية وقد احدثت تناصا مع الموروث - اشخاصا وامكنة وايضا مع النصوص المقدسة والأسطورة - كما أن الشاعر استدعى شخصية "الحافي" ليشّكل بؤرة مركزية في مشغله الشعري,, هذه الشخصية تفيض مشاعر إنسانية لكل من سمع حكايته وموعظته، ومما يلاحظ ايضا ان الشاعر قد ضمن قصائده - صيغة النداء “يا ” والتي يعني وجودها اسلوبيا ما تحمله من رمزية – الاستصراخ -، ومدلول الاستمرارية والديمومة، وهذا ما يجعل نداء الشاعر مستمراً ودائماً.

 

قراءة عقيل هاشم

 

 

عبد الكريم قاسمقراءة سسيولوجية في ديوان (الليل وكربله والناس) للشاعر عودة ضاحي التميمي

إن السوسيولوجيا تعيد إلى الأذهان بأن الأدب لا يختزل أبدا إلى أعمال كالتي يهتم بها المؤرخون، النقاد ويعالجونها، لأنها لا تمثل سوى فرع من مجال واسع، متنوع. تحليل المضمون يفضل ما كان أدبا شعبيا لأنه يصلح أفضل من غيره من الآداب لمثل هذه البحوث. فالنتاجات الشعبية التي تمت صياغتها بفردية أو بمشاركة تستدعي بوجه من الأوجه التحليل النوعي والكمي بالفعل. لما كانت هذه النتاجات مرهونة مباشرة بالحوافز الجمعية، فإنها تمتلك بعدا اجتماعيا قويا، تعكس الأنماط الحياتية، العادات، التقاليد.. حتى الادلجة.

يسعى النقد السوسيولوجي إلى تحطيم بعض الحواجز، توسيع الحقل الأدبي، يهتم بالكتابات التي تعد أعمالا شعبية، التي تنتمي إلى شرائح واسعة من السكان. كذلك يجعل من حكايات الأطفال، الأغنية الشعبية، الشعر العامي.. مواضيع أساسية في الدراسة. أنه ينفتح للأجناس الأدبية، ذلك من أجل البرهنة على أنه بين هذه الإرساليات، المواضيع التقليدية للنقد، ليس هناك في أغلب الأحيان سوى فروق في درجات التحليل والاستعمالات.

يشدنا أدب الطبقات الشعبية إليه بمظهره حتى الحكي الخرافي باعتباره أدب الشعب، ذلك كوعاء لنزوات، مخاوف، تعصبات، أحلام الضمير الجمعي. لكن: هل هذا الأدب (يخرف) أو (يخادع) أم (حقيقي)؟. قد نرتاب في وظيفته إذا كان يلجأ إلى تدجين الشعب، إن الأخير يسقط ضحية الإغراء الاجتماعي. النموذج السوسيولوجي، ينطلق من العمل الأدبي، يعود إليه، هو قراءة وتفسير داخلي.

الكلمات ليست إلا آنية لخبرات تفيض من آنيتها، كما الشراب من الكؤوس. ترمز للتجربة لكنها ليست هي، لذلك تظل قاصرة عن التعبير عن كل التجارب. في اللحظة التي يعبر عن التجربة بالفكرة والكلمة تكون قد انتهت، جفت، أصبحت مجرد فكرة.. من ثم حالة الكينونة يستحيل وصفها بالكلمات. لا تصل لإنسان آخر إلا إذا شاركني. في نمط التملك الحكم للكلمة، أما في نمط الكينونة فإن التجربة الحية التي لا يمكن التعبير عنها هي التي لها السيادة.

لقد ظهرت تيارات في دراسة الأسطورة والانثروبولوجيا، تأثرت بعلم النفس، الفلسفة، علم اللسانيات، ثم أثرت في العلوم الإنسانية عموما والنقد الأدبي بشكل خاص. من أهم هذه التيارات، مدرسة الانثروبولوجيا التي تزعمها مؤسس (مركز البحث حول المخيال) جيلبير دوران gilbert duran .

أهم ما جاء به، تصنيف صور المخيال الأسطوري، بناء على تتابع الزمن المعاش، أي الليل والنهار. يرى أن الصورة الأسطورية، كما الشعرية، في المخيال، تقوم على التناقض بين الليل والنهار. إذا كان النهار لا يوجد إلا بوجود الليل، فهو ضده ومبدد عتمته، فإن العكس غير صحيح. هكذا يكون الشاعر أو الأسطورة، شاعر النور أو الظلمة. تبنى الصور في قصائده على التتابع الزمني أو التناقض الآني بين نظام النهار المضيء ونظام الليل المعتم. ثنائية التتابع بين النظامين، نجدها عند الشعراء المتجولين في القرون الوسطى، الشعراء المتصوفين، شعراء الحب والهيام، شعراء العامية. عادة ما يكون المضيء، نظام العفة، الصفاء، الانتظام، في حين يعبر الليلي عن الألم، الحزن، الفوضى.

عند قراءة ديوان الشاعر العراقي المبدع عودة ضاحي التميمي (الليل اوكربله والناس) كربلاء/2005 تبدو التجربة تدور داخل شخص يعي نفسه من الأعماق للمنتج الإبداعي، لا يقف عند مجرد إلقاء النظر عليها، أو يقرأ قصيدة علينا فتتحرك فينا المشاعر التي عبر عنها بالكلمات، على الرغم من أنه يحدث فينا (إنتاج) لشيء ما. إنهم يخلقون ملكاتهم، يبعثون الحياة في غيرهم من الأشخاص، الأشياء. فما هو الشيء المبعوث الرسالي أو الإشاري في تلك المجموعة الشعرية؟ الليل؛ تحول إلى رمزية أسطورية مكثفة !.

تتوزع القصائد على العمر الزمني أحيانا الشخصي، ترسل من جغرافيتها نحو بقعة هي ظرف المكان، الزمان، عبر تأريخ التجربة مع وحدة (الليل) التي يبث فيها خلجاته. 28 قصيدة من الشعر العامي، يتوشح مفتتح جسد القصائد ذكر عدد مرات الليل، بين التذكير والتأنيث، مع العنوان،أعتقد نفس عدد سنوات عمر الشاعر:

الحسين/1، الخيبة/1، العيد والحرب/1، الفاتحة/1، الفارس/1، فتى النخيل/1، البخت/1، هلي والشوك والديرة/2، غربه/2، باب المراد/2 ، التوحد/2، طقوس خاصة/3، المنتحر/3، شلل/3 ، الحطب/4، الناي الحزين/4، صلاة الغائب/5، غفوة ضمير/5، عرس الدم/7، الليل وكربلا.. والناس/12.

مرادفات الليل في القصائد الآخريات ممكن تشكيل نص جديد منها، (عيد الدرب) ابيضاض واسوداد، تقابلات تضج بعنفوان العاطفة الجياشة بين أليل ليل في نهار قصيدة (العيد والحرب)، يقول:

عيد والديره بعيده أو درب المبشرين اظلم

عيد وعيون اليتامى ابحيره تطشر أو تلتم

عيد بس كل ساعة منه تشبه العشرة محرم

وبين أشرق ليل، في ليل قصيدة (الشهادة):

درب واحد سبگنه البي سبگ بالشمس خطواته

درب مو للمشه جناز يتعثر بدمعاته

درب للشال گلبه وعبر حد السيف

وجه بوجه لاگه الموت مو لايذ ابچلماته

درب لو ندفن الذل بيه لو تدفنه شماته

لكل ليل معنى ومبنى يختزل الكل في الجزء، انتقال التشاؤم الى قمة التفاؤل، تدحرج التفاؤل إلى وادي التشاؤم، خلجات، نوبات نفسية يستصرخ الشاعر أوجاع الإنسانية وآلامها دفقة واحدة بعد احراق سفن العودة، تلك الكينونة والتملك. مدينة الشاعر قلب، قلب الشاعر مدينة، الدعوة عامة للجميع، أنها حاضنة، اللقاء فيها ولها، الموت والحياة. الليل فيها له أسماء، صفات، أفعال، ظروف حيثما تغرب أو تشرق.. انها قدره.

أضخم القصائد أصغرها، حملت اسم وسنم المجموعة (الليل وكربلا والناس) . 12 ليل يتقابل فيها مع 12 من أضداده وردفائه، بمعنى 12ساعة نهار و12 ساعة ليل، لتشكل 24 ساعة يوم كربلاء، يبدأ وينتهي في الليل مشغل الشاعر! في القصيدة، الأنموذجات تحمل البنى الخيالية التي تتعدى تطور الكائن الفردنة لتهتم بمجمل الجنس البشري المحيط. إن اجتماع الضدين في الألوان وتكاملهما يبدوان مع مقابلة الأبيض والأسود، الضوء والظل، النهار والليل. مثلا، في الجيتاgita الهندوكية يمثل الأبيض (أرجوانا) arjuna ويمثل (الأنا) ، و (كريسنا) krisna يمثل الأسود و (الهو) .الأسود هو ظلام البدايات، الحالة الرئيسية لعدم الظهور، لكنه كذلك في القطب الآخر لون الظلمات الخارجية. إنه يرمز إلى الموت، السلبية، الحداد. الأسود لون الإلاهات الجهنميات، لون حجر الكعبة. لقد ألف جلال الدين الرومي مراحل الصعود والارتقاء الداخلية للصوفيين على سلم اللونيات بدا من الأبيض إلى الأسود الهرمسي. العودة إلى السديم المتميز في القصيدة التراتبي، لون ثابت (الليل) زائدا اسم ثابت (كربلاء) تساوي المتغيرات في لوحة وجدانية صاخبة، لعلها في الموروث تقابل (هوسات أو ردات) :

الليل وكربلا = الناس

الليل بكربله = ضويات

الليل ابكربله = خيمه

الليل بكربله = بستان

الليل بكربله = عاشك

الليل بكربله = دنيه

الليل بكربله = محبوب

الليل بكربله = عريس

الليل بكربله = شاعر

الليل بكربله = امعزب

الليل بكربله = عاشور

الليل بكربله = دنيا ابتناقضه

ما هذا الليل، الرمز والاسطورة، الذي احتل الناص ونصوصه؟ مابين ليل القوم، وليل الشاعر، هل يريد أن يخدعنا، يقنعنا، يوقظنا كما الآخر: ألا يا أيها الليل الطويل الا انجلي؟ أم لهذا الليل (عله سچة هلي هلالين) ص5.

أول ما يستوقفنا هنا انقلاب القيم الظلامية المعطاة لليل من قبل النظام النهاري للصورة. عند شعوب كثيرة منها اليونانيين، يلطف الليل بصفة (الإلهي) . الإغريق يصبح (الهادئ) ، (الساكن) ، (المقدس) ليل الراحة الكبرى. المصريين تعكس السماء الليلية، المدمجة بالسماء السفلى، عملية انقلاب المعاني: العالم الليلي ما هو إلا صورة معكوسة، كأنها في مرآة، لعالمنا. هناك يمشي الناس ورؤوسهم الى الأسفل وأرجلهم الى الأعلى. هذا الانقلاب يظهر بوضوح أكثر عند شعوب السيبيريين اللذين يعتبران الليل نهار يلد الأموات، لكون كل شيء ينعكس في تلك المملكة الليلية. أن عالم الأموات، نقيض عالم الأحياء، فما يلغى على الأرض يعود الى الظهور في عالم الأموات.. لكن قيمة الأشياء تنعكس فيه: فما هو قديم، متلف، فقير، ميت على الأرض، يصبح فيه جديدا، صلبا، غنيا، حيا.

في النظام الليلي للتصورات رمز التكاثر المستمر الذي يمثل الانعكاس تنوع وتعدد ألوانه، صورة ملابس الآلهة الأم الفاخرة قديمة، نجدها على بعض الأختام البابلية حيث يرمز المعطف إلى قدرة الإخصاب عند الآلهة التي ترمز بدورها إلى الطبيعة والنبات.

سلسلة التشابهات متواصلة، تبدأ بإعادة تقييم الليل لتنتهي بإعادة تقييم مملكة الموت. هذا ما يظهر كيف يتوجه الخيال البشري نحو تلطيف الليل، عله يجد في ذلك نوعا من التعويض الزمني عن الأخطاء والقيم على السواء.

النهار مقدمة لليل، الليل فائق الوصف، غامض، لأنه منبع الذكريات المحبوبة والمحبوسة، علماء التحليل النفسي المعاصرين يرون أن الليل رمز اللاوعي، يتيح للذكريات البعيدة أن تتحرر تصعد الى القلب مثل ضباب المساء. الدور الذي يلعبه الليل في الانتصار على وجوه الزمن. إن زمن النور يقاس، لكن سلطان الليل لا يعترف بالزمان ولا بالمكان.

نرى إذن، سواء في الثقافات التي يسود فيها تمجيد الأموات، أو عند المتصوفين أو الشعراء، يحصل انسجام بين الليل وكوكبة الرموز الليلية بكاملها. بينما كان الجو العام للأنساق الارتقائية هو النور، فإن أنساق الهبوط الحميمي عند التميمي تصطبغ بعتمة الليل.

بينما تنحصر الألوان في النظام النهاري للصورة الشعرية في البياض المطعم باللازورد لأن ذلك النظام بفضل الجدلية الواضحة للفاتح والغامق على نزوات شيطان القصيدة، يصبح اللون عبارة عن ليل مذاب. الفكر الشمسي يكتفي بالتسمية، لكن النغم الليلي يدخل ويحلل.. رمزية الألحان، مثل رمزية الألوان، تعبر عن ارتداد نحو التطلعات الأكثر بدائية للنفس، لكنها تشكل أيضا وسيلة للتخلص من الحتمية الزمنية ومحاولة للتعايش مع الزمن من خلال تبهيجه؛ (يا ليل الربيع) 41. (همومي وبگايه الليل) ، (آنه و.. والليل.. نتجاسم كراسي الميز) 44. (أفز وأغنيه بشفافي.. طرب ياعين.. ياليلي) 45. (أنه يا ليل.. ياما الك غنيت) 46. (النجمات اتغازل ليلك) 51.

منهج ماري دوجلاس في دراسة الثقافة من نظرتها الى الحياة اليومية. معظم كتاباتها تدور حول بعض الأمور الدنيوية كالقذارة، الطعام، الأجساد، النكات، أساليب الكلام واللهجات. اهتمت أيضا بأنساق التصنيف، بالأنماط أو الأبنية الثقافية، التي تعطي للرموز الملموسة معناها، كما يؤكد وجودها من خلال الشعائر والمشاعر والشعر.. نظرا لانعكاسها وتأثيرها على الأنساق الاجتماعية، حيث تفترض أن العنصر الأساسي هو وجود (الرموز) التي تعين حدود أو خطوط التجمعات البشرية بعضها عن بعض الخطوط الخارجية. كما تتمايز بالمثل داخل هذه التجمعات الفردية أو الأفراد الخطوط الداخلية.

لنلاحظ انموذجات الصورة المكثفة الليل الرمز:

1ـ التقديس؛ الحسين (يالشايل اجروحك ديم ومسافر ابوحشة ليل) 7 . (الوفه بينه نبي او تضوي ابميلاده الليالي اشموع) 9. (تظل اخيام زينب عتب فوگ الليل) 10. (جانت مهره ابليل المحيه) 57. (يا فرحة الزهرة وليلة المحية) ، (لو اتنطر المهدي يفجر ليل سردابه) 69. (اوالفت ليل الطفوف) 75. (او كبل فرض الليل) 80.

2ـ كربلاء؛ (جانت ليل) 57. (وصارت كمره اتطشر حزن الليل الفات) 56. (بالموضع والليل امهودر) 62. (وبليلي اشوفچ ֡گمر سهران الي بسمه) 63.

3 ـ هواجس ذاتانية؛ (مستاحش.. آنه والليل.. وهمومي الغريبة وهندس الديره) 5. (ي چف الليل بعيوني ليمته تظل اتذري ارماد) 13. (ليل او حاير ابنادم) 30. (يمر ليلي طويل) ، (وعلى بالليل يلتمن فرد لمه) 40. (الدنيه ضباب وليلها اطلابه) 70.

4ـ للحب؛ (عشگنه ابليل وامشينه) 15. (غرفت الليل بعيوني) ، (ابليله الروح) 16. (ليله بين اعيونها الحلوه ايتلامض.. عشگ جمر المنقله) 36.

5ـ الصحبة والتقلبات؛ (يليل اهلي) 5. (يا گلبي.. هج ابليل لا تركن الجار) 13. (لا السكته اتزرر اجروح الليالي) ، (حته عكبتنه الليالي) 48. (شلن اجدامه الليالي) 50.

6ـ العادات المجتمعية؛ (طبعنه ما يبدله الليل ما ناكل جثث موتانه من انجوع) 9. (وتطش نزف اجروحنه ليل وخريف) 10. (ركضنه عالشموع انثير نخوتها.. اعله جيش الليل) 22. (عنده الليل سالوفه) 33. (والمضيف ادلاله گمره وتغازل ويه ليل السابله) 36.

7ـ الوطنية؛ (الوطن لمن گبلت اعليه لگيته ليل موحش.. ) 64. (ولا خاوه ظلام الليل يوم او نام بهدابه) 68. (يا وطني اعذرني.. او ما ادري ياهو المن عدنه المعذور.. او ما ادري الصوچ من الحايف.. لو صوچ اعيون الناطور) 52. (من كربله الكردمند) 63. (چم ابن ازياد ابلا غيره.. ومطره اللي شاخت بالديره) 61.

8ـ ذاكرات؛ (ابليل الكوفه حاير) 11. (وألف فدعه ابليل موحش) 23. (وبكل ليلة جمعه اتبدل) 55.

9ـ تيار العمر،النهر،الشعر؛ (گاموا ايسمونه نهر العلقمي) 73. (ولك دصحه.. العمر عبر اثلاثينه. الهجرها الكيف.. چا عاشور يترنم بغانينه) 16. (زتن الخمسين وجناتي الطريه) 29. (الفرات او ملخ اجروفه) 34. (الشاعر بطبعه.. مثل المهدي بالغيبه تظل الوادم اتانيه ابكل جمعه) 39. (انه يا ليل.. يا ما الك لوليت.. اعلگتلك سبعه وثلاثين شمعه.. وثاري يا كل اسنيني) 46. (آنه بنص الدرب ظليت.. لاني ويه جيل الراح.. ولاني الماشي وي جيلي) 47. (دنيتي الطوفان وانه.. لا شبيه الخضر بيها او لاني نوح) 49.

إذن، ليس التخيل نزوة لا طائل منها، انه فعل تلطيفي يحول العالم حسب ما يريد إنسان الرغبة:

إنما الشعر ربان

أورفيوس يرافق جازون

لا يبدو عقيما أن ينكب الشاعر من جديد، مثل كاهن الإغريق القديم، على الإلهام الخيالي بجهد اخوي، أن يهتم قليلا بعمل آلهات الشعر، الليل مثلا، ماذا كان سيحل بالمغامر لولا قيثارة أورفيوس؟ من كان سيعطي الإيقاع للمجذفين؟ هل كنا سنسمع يوما بالجرة الذهبية؟ أو (الليل وكربله والناس)؟.

 

عبد الكريم قاسم

 

موج يوسفالطفولةُ تستفزُ ذكريات الزمان، وتكون في الأدب مصدراً يغذي النصّ بروح البراءة، فهي كالخيمةِ يستظّلُ بها الأديب عند تقلبات الدهر بفعل الواقع الملوث بروح الشر. وما نلفت نظر القارئ إليه وهو أن هناك أعمالاً عالمية كانت ثمرتها الطفولة، فأطفالُ ديكنز (اوليفر تويست) وديفيد كوبر فيلد، وبطل رواية البؤساء لفيكتور هيجو، وفي هذا الصدد يقول دستوفسكي " أقوى الذكريات وأشهرها تكاد أن تكون دوماً ذكريات الطفولة". فهل هي ــ الطفولة ـــ تمدُّ الشّاعرُ بالإلهام؟ أم لحظة هروب من الزمن الحاضر؟ أم الحرمان منها في مرحلة تكوين الذات يستفزُ الشاعرَ لإعادة إحيائها ؟ تساؤلات متعددة يمكن نجد إجابتها في ديوان (شياطين طفل الستين) للشاعر عبدالرزاق الربيعي الصادر حديثاً عن الجمعية العُمانية للكتّاب والأدباء. عنوان الديوان هو العتبة الأولى التي يضعنا الشاعر عندها؛ لما تحمله من ثنائيات متضادة في معناها (شياطين طفل الستين) فنجد ثيمة (الشر والخير) (الخطئية والبراءة) (الماضي والحاضر) تلقبات الزمن، وهذا الأخير هو العامل المستفز لذاكرة الشاعرة التي جنحت إلى بخيال مستعينة بأحداث لها وقع في ذات الشاعر، والشياطين هي الخطيئة التي تلاحقُ الإنسان الذي خُلقَ على أرضٍ بُنيت من رماد الذنوب وصارت تشتعل كلّما تكاثر البشر فيها. فقصيدة عطش، يتحرر الشاعر فيها من خطاياه فيقول : روحي إذا ما عطشت

تشرب من كفّي

وإن طويتُ قامتي

يسندني كتفي

حقيبتي رفيقتي

ومؤنسي حيفي

ويختم القصيدة : صليّت أدعو خالقي

وقبلتي خلفي

الوقت شن حربه

وزمجرتْ طفّي

شبعتُ من نصاله

ربِّ أما يكفي؟

بين عذاب الذّات ووحشتها، ولوعة اغترابها وغربتها تتطهر روح الشاعر بما تقاسيه من ألم وعذابات في محاولة للتخلص من خطايا الشياطين وتعود بثياب النقاء. والشاعر تخلى عن الصحبة واختار العزلة وتنقالاتها فتظهر في النصّ حركة المكان، واللااستقرار (حقيبتي رفيقتي ومؤنسي) فهي تدلل على عدم ثبوت، وتكشف عن القلق الذي تعيشه الذات. وفي محاولة لإستعادة الطفولة يكتب قصيدة (كرّاسة رسم) فيقول:

على جبل من بياض

رأيت جناح الظهيرة

يسقط من سلّم الريح

يغرق

في موجةٍ من بياض

فيشرق في صفحة الماء

عنوان القصيدة عتبة أخرى للدخول في عالم الشاعر فكرّاسة الرسم من مقتنيات الطفولة والمدرسة، حين يخربش الطفل ويلّون صفحات مستقبله، فالشاعر يلعب على أوتار الزمن منذ بداية القصيدة يضعنا في لحظة الحاضر (على جبل من بياض) فما هو الا جملة استعارية عن اجتياح الشيب وتقدم العمر، فيبدأ بإعادة الزمن إلى الماضي (جناح الظهيرة) وهي استعارة عن الشباب، وقوته ونشوته التي لم تلبث إلا وانتهت عند موجة البياض. ومن المفارقات أن الكبيرة هي قصيدة (طفل الستين) العنوان أيضاً عتبة نصية فهو يحمل ثنائية متضادة في المعنى فالطفل يعني (صغر العمر) والستين تعني (الكهولة)، فعبّر عن العمر بالطفل، وعن الكهولة بلفظ الستين والرقم هنا كأنَّه يرى أن هذي الستون المضت ما هي أرقام في صفحات الحياة، والحياة بالمعنى الحقيقي عنده تكمنُ في الطفولة. وفي القصيدة جعل صوت الأنثى محفزاً للبوح الذاتي، فيقول : عادتْ تسألني عنّي

وفصيلة جرحي

عن سنّي

فأجبتْ : برغم الأخطاء البيض

المنثورة في الفودين

ورغم الستين

أظل برحم الأرض جنين

النصّ يشير إلى محطة جديدة من رحلة الشاعر، ومعانته مع الزمن فوصل إلى الستين، وهذه الأخيرة هي من أحيّت فيه وعي الطفولة فرأى نفسه مازال جنيناً، وهذه الرؤية تعود بنا إلى ما قاله نتيشه " ففي كل رجل حقيقي يتحجب طفل يتوق إلى اللعب". النفسُ الإنسانية الرغم من شرورها، لكنّها ميالة دوماً إلى اعتناق العفاف ويتمثل في استعادة الطفولة، وهذا يظهر ممهما تكاثرت خصال الشر نجد فيها بعض الخير. الشاعر الربيعي في قصائده وضعنا أمام تساؤلات هل الطفولة في القصيدة تأتي بسبب حنين الشاعر إليها ؟ أم مصدر للإلهام ؟ أم مرحلة الوعي الكبرى التي تدخل من باب عبقرية الشاعر كما قال بودلير " العبقرية هي الطفولة المستعادة قصداً" في رأينا أن وحي الطفولة يمدُّ الشّاعرَ بنور الإلهام، لأنّها أهمّ محطات الحياة، وهي التي تبقى عالقة في الذاكرة. شياطين طفل الستين ديوانٌ يزهر بكل تجليات الزمان، وتنقلات المكان التي يخرجها الشاعر من وحي الذاكرة ويطلقها في رحاب المستقبل، لتظل القصيدة خالدة لأنّها عبرت حدود المرحلة.

 

موج يوسف