صفاء الصالحيأحب القراءة منذ طفولته، فنهل من شتى علوم الأدب حتى احترف القصة القصيرة جداً، وبات أيقونة بارزة من أيقونات تطور القصة القصيرة بالعراق، أتسمت أعماله بالإبداع والجمال، فتميز بجاذبيَّة الأسلوب، وجمال التَّعبير، جمال نوري صوت قصصي عراقي له حضوره المميز في الساحة الأدبية، تماهى مع بروتوكولات السرد ما بعد الحداثوي وتجاوز المدرسة الكلاسيكية في نتاجاته الادبية، وحسب التصنيف الزمني ينتمي الى جيل كتاب القصة القصيرة الذي ظهر إنتاجه في الثمانينات الميلادية، الجيل الذي سرق الحرب منصته، فامتهن الكتابة في الخنادق، وبعد تنامي ظاهرة الاغتراب عن الذات أو عن المجتمع، نتيجة لجحيم الحرب وقسوتها والحصار الاقتصادي المقيت، الذي راكم المشكلات، وخصوصاً في الأساسيات الحياتية الاقتصادية، كان القاص محققاً للعلاقة التفاعليّة بين الأديب والمجتمع وكان أكثر من غيره التحاما بقضايا مجتمعه بكل متناقضاته وتداعياته ليكون مرآة لكل ما يدور في المجتمع والضوء المسلط على تلك المعاناة عبر اختياره لشخصيات تنتمي الى الطبقة الفقيرة والوسطى او كما يسميها هو مهزومة ومنكسرة تحاول في لجة هذا الخراب أن تجد لها نافذة صغيرة تطل من خلالها على الحياة ومعطياته، وهذا مكمن نبرة الحزن والانين والالم في تفاصيل كلماته.

كما اهتم القاص في مجموعته القصصية الأخيرة " الباب الرابع " بهموم الناس من جراء الحصار مثل قصة (ابتسامة ناقصة، وعظام) . ويعد القاص جمال نوري ابرز أدباء القصة القصيرة المتتبعين لقضية الاغتراب الذاتي والاجتماعي والفكري والزمكاني . وبحسب التصنيف الأدبي ينتمي القاص الى جيل الكتابة الما بعد الحداثية، فكان بارع حد الاتقان في تطوير تجربته القصصية من خلال طرحه لموضوعات قصصية جدية بوسائل وتقنيات مبتكرة في البنيوية والسيميائية واللسانية، رغم محافظته على الاصالة، ولقد حملت منجزاته الإبداعية الاخيرة سمة التجديد في شكلها الفني تكتيكاً ولغة وأسلوباً،لا سيما في المولود الأدبي الجديد والحداثي " القصة القصيرة جداً " فأبدع بأشكال فنية بلغة شعرية مكثفة موحية وفكرة مركزة، يمكن ان نقف عند البارز منها مجموعته " غورنيكا عراقية " في قصة (صور، دموع، غورنيكا عراقية         ) لقد ابدع في تلاقح الفن القصصي مع الفن الفوتغرافي، الذي يقوم في الأساس على الإلتقاط التصويري في بناء نصه . القاص جمال نوري احمد قادر الصالحي من مواليد عام 1958 في “ديالى- خانقين”، وفي الربع الثاني من سبعينات القرن المنصرم في مدينة جلولاء تطورت اهتماماته وميوله الثقافية والأدبية مع مجايليه أمثال المؤلف والمخرج المسرحي الدكتور محمد صبري الصالحي، قبل ان تلقى موهبته الإبداعية الرعاية والتوجيه من عراب الثقافة في المدينة الاستاذ والأديب جلال زنگابادي، وبعد الانتقال مع أفراد أسرته للعيش في مدينة تكريت في محافظة صلاح دخلت حياته الادبية مرحلة جديدة بلقائه بالقاص فرج ياسين، تخرج القاص من جامعة الموصل كلية الآداب – قسم الترجمة 1980، وعمل مدرساً لمادة اللغة الانكليزية في ثانوية تكريت للمتميزين، وعرف القاص في التزامه ومثابرته في خدمة الثقافة وانتخب رئيساً لاتحاد الأدباء والكتاب في صلاح الدين . اشترك مع القاص بذكريات يذكيها المكان الذي ننتمي له "جلولاء "، وينازعني الحنين اليه بعد تواردنا الحوار الافتراضي العنكبوتي، راجياً بلقاء وحوار واقعي، حتى حانت الفرصة الرائعة ان نكون أمامه وجها لوجه في مسقط رأسه خانقين وتحديداً في مقهى عبد المجيد لطفي الثقافي والفضل يعود الى الناقد الدكتور سامان جليل ابراهيم طبعا الشكر الموصول له، لعل اللقاء اضاءة في محراب هذا الجنس الادبي، وما هو غامض وجديد عن حياة القاص وتجربته القصصية .

الحوار:

1477 صفاء الصاحلي

س: مع ميلاد المنجز الاول تولد مشاعر الحماسة والتسرع، والفرح الممزوج بالخوف من الإقدام على التجربة، كيف اطاح جمال نوري بالقلق السابق على الكتابة مع ميلاد المنجز الاول؟

ج: تحدثت قبل فترة قصيرة في مقال عن نشوة النشر واثرها في استعجال الكتاب الشباب ودعوتهم الى التريث والتلبث قليلا ليس لشيء الا للكي تكون منجزاتهم اكثر تماسكا ونضجا ونبذ الاستعجال في النشر اما عن ميلاد مجموعتي الاولى المشتركة مع القاصة لمياء الآلوسي وما صاحب ذلك من نشوة وفرح وغبطة فهو بلا شك احساس طبيعي ولكن ماكتبه الناقد باسم عبد الحميد حمودي عن هذه المجموعة جعلني اتريث طويلا فقد كتب مقاله الموسوم (جسد مليء بالثقوب) وشخص مواطن الضعف عبر مقاربة نقدية تحليلية موضوعية واثنى في الوقت نفسه على قصتي.. القطار ..وعدها انطلاقة حقيقية لقاص سيتمكن بعد سنين ان يبتكر صوته الخاص، لهذا وذاك اصبحت أكثر تأنيا في الاقدام على النشر وتفاقم القلق خوفا من انجاز عمل قصصي يفتقر الى عناصر الابداع .

س: (الجدران) مجموعة قصصية هي خلاصة شراكة  القاصة “لمياء الألوسي” 1985،هل لك أن تحدثنا عن هذه التجربة؟

ج: عنونة الجدران مستلة من واحدة من قصصي والتي بسببها رفضت وزارة التربية شراء الكتاب كونه يبث افكارا سوداوية وكنا حينها نخوض حربا ضروسا وقصص كهذه تحتشد بالابطال المتازمين والذين يعانون من استلابات عديدة لا تتفق مع مسار الحكم الشمولي الذي يدعو الى الحروب والحقد والثأر ..اتفقنا انا والقاصة لمياء الالوسي على طبع مجموعة مشتركة لضعف امكانياتنا المادية ووجدنا في فكرة المجموعة المشتركة مشاركة في دفع مبلغ النشر والطبع وهكذا كان الامر .

 

س: الكتابة في كل الأجناس الادبية هاجس الكثيرين من الأدباء في بداية مشوارهم، كيف تغلب جمال نوري على هذا الهاجس قبل احترافه القصة القصيرة، ولماذا هذا الجنس الأدبي بالتحديد؟ وھل آن أوان الھجرة نحو الرواية؟

ج: لا شك ان التجريب حالة ترافق الكاتب منذ بدايات وعيه ومنذ بدايات انطلاقته للكتابة وقد يجد نفسه في هذا الجنس الادبي او ذاك وقد يسمع رأي الاخرين ممن هم اكثر خبرة ومعرفة والماما في الأدب والعطاء الثقافي ولعلك تعرف استاذي الاول في هذا المضمار وهو الكبير جلال زنكابادي وكان له الفضل في رعاية مو هبتي الادبية وتوجيهها الوجهة الصحيحة حيث كنا نسكن في محلة الجماهير في مدينة جلولاء وكان المبدع زنكابادي عراب الثقافة آنئذ في جلولا ء وقدم عطاء خرافيا وشمل المبدعين الشباب باهتمامه ومتابعته ولعله هو اول من وجهني الى كتابة القصة حيث اكتشف عندي هذه المقدرة منذ بداياتي في المرحلة المتوسطة .. وحين سالني الدكتور حاتم الصكر وهو يقدمني الى جمهور مدينة ديترويت لماذا لا تكتب الرواية اجبته قائلا، سابقى مخلصا للقصة القصة ولن اجازف مثل غيري لاجترار مالفظه الروس والغرب من روايات عالمية معروفة .

س: ليست ثمة مصدر واحد من مصادر استيحاء القاص مواضيعه، من أين يستوحي جمال نوري مواضيعه؟

ج: أثار العديد من الاصدقاء هذا السؤال مع انهم يدركون بان الواقعية تهيمن على الكثير من قصصي ولكنها واقعية مجبولة بمعطيات المخيال والفانتازي والعجائبي وقد تبدو بعض قصصي وكانها توثق لواقعة قصصية بعدسة جامدة او متحركة، كل شيء في الحياة هو مصدر ومنهل ثر لتجاربي السردية،قد يكون الحدث واقعيا كسقوط رجل على الطريق او رائحة ما تأخذني الى زمن بعيد يرتبط باحداث اخرى او لون ما يستفز في داخلي شتى المشاعر والأحاسيس وقد تكون مجالسة الاخرين مصدرا مهما بالنسبة لي هذا اذا ما نحينا تجاربي الشخصية في الحياة وقد تحمل الموسيقى اكثر من علاقة وايحاء لاستشراف احداث مؤثثة بالخيال، كل الموجودات التي تحيط بي تمنحني الافكار والومضات البارقة لكي انتهي الى نص سردي يتفاعل مع الحياة ويقرأ مفارقاتها ومعانيها وتشظياتها .

س: شرح شفرات بعض النصوص السردية للمتلقي من اجل ان يجني ثمرة الدلالة، هل توقع الكاتب في فخ الاطالة على حساب تقنية الإيجاز والتكثيف؟

ج: اذكر انني في العام الماضي اضطررت لشرح بعض قصصي استجابة لطلبات بعض القراء ليس لكي اسهل لهم امر فهم القصة وتبسيطها ولكن لكي اعلمهم كيفية قراءة النص الجديد والتفاعل معه واذكر انني شرحت بعض القصص وفسرت شفرات النص واحالاته .. ربما كان ذلك دافعا لهم لكي يفهموا وكما تعرف هنالك مستويات مختلفة لقراءة النص والقراء يختلفون فمنهم القارئ العادي والجيد super reader اي القارئ الخارق الذي قد يصل الى مرتبة الناقد، كل نصوصي السردية تحتشد بالرموز والشفرات مع انها تبدو بسيطة وسلسة ومتدفقة، دعني احدثك عن صديق كان قد بدا مشواره في كتابة الشعر وطلب مني ان أعيره بعض الكتب فأعرته مجموعة شعرية للشاعر ناظم حكمت وبعد ايام اعاد لي الكتاب وقال لي هذا شعر سهل انا اكتب احسن منه فضحكت وقلت له عليك ان تدخل السجن لاكثر من عشرين عاما كي تكتب مثل ناظم وهنا بودي ان اقول ليس من الضرورة أن نكتب بغموض لكي تبدو تجربتنا الكتابية اكثر ثراء وعمقا ..ثمة عمق عجيب في قصاىد ناظم حكمت رغم بساطته وكذلك الامر مع نزار قباني ..في النهاية انا لست ملزما بشرح ما اود ان اقوله وتلك مهمة القارئ لاشك .

س: متى يكتب جمال نوري وماهي طقوسه عند الكتابة؟

 

ج: اكتب في اي وقت اذا ما توفر الدافع لذلك او اذا أزف الوقت لاختمار الفكرة ولا شك لايكتمل ذلك الا بصحبة الشاي، صديقي الخرافي وتجد ذلك واضحا في كل السفرات مع اصدقائي الى نهر دجلة وللموسيقى ايضا حضورها في اوقات الكتابة .

س: الخيال الأدبي يختلف اختلاف جوهري عن الخيال التصويري، في غورنيكا عراقية كنت مبدعاً في تلاقح الفن القصصي مع الفن التصويري، الا حدثتنا عن هذه التجريب الإبداعي؟

ج: الخيال او المخيال الابداعي يشتغل عبر تفاعله مع أي حدث تنشغل به والخيال التصويري او التاويلي يتخذ ابعادا مهمة في بناء النص وابتكار هارمونيته وانا امتلك عين كامراتية خاصة ارصد بها تفاصيل المكان وحركة الاشياء وهذه العين وليدة خيال ثر ينفتح على افاق مختلفة ..لولا الخيال سيصبح المنجز السردي وثيقة او تقرير صحفي واقعي جدا .. لهذا وذاك يعد الخيال مصدرا خطيرا لاخراج العمل الادبي الى حيز الابداع .

س: قفلة الكاتب او ما يسمى متلازمة الصفحة الفارغة متى يصاب بها جمال نوري، وكيف يتجاوز جمال نوري هذه المتلازمة ويعيد أدوات قوته؟

ج: يتوقف الكاتب احيانا عن الكتابة وقد تطول الفترة او تقصر وقد توقفت عن الكتابة لسنوات عندما انشغلت بكارثة الحصار وماتركه من آثار سلبية روعت المجتمع العراقي ودفعتني انا شخصيا للعمل كحارس ليلي في احدى المجمعات السكنية الخاص بالعمال الذين كانوا يشيدون القصور الرئاسية وجامع صدام الكبير مع ثلة من كبار السن ومع انني لم اكن وقتها كبيرا في السن الا انني كنت اكافح ليل نهار لأطعام عائلتي بما يسد الرمق، كانت الظروف قاهرة جدا ولهذا وجدتني انقطع نهائيا عدا محاولات بسيطه هنا وهناك واذكر انني ارسلت للصديق جواد الحطاب قصة الرائحة ونشرها مع عدة نصوص اخرى في صفحة واحدة وتصدى لها في يوم أخر الناقد باسم عبد الحميد حمودي وأثنى على القصة أيما ثناء ..وقتها عندما رأيت الجريدة اخبرتني زوجتي بنفاد الرز والخبز في بيتنا مما اضطرني ان احمل الحصة التموينية المتواضعة من سكر وشاي لابيعها على اصحاب المقاهي ولم انجح في مهمتي تلك بعدها توقفت لست سنوات كاملة اذ انصرفت بكليتي لتوفير الزاد لعائلتي، وقد انقطع عن الكتابة احيانا لعدم وجود حافز حقيقي يجعلني اندفع للكتابة .. لا اعرف بالضبط ما الذي يحرضني على الكتابة ربما انثيال المطر او عندما اشم رائحة ما او اذ اجتمعت مع ثلة من اصدقائي الادباء وربما حين انصت لأغنية احبها او مقطوعة موسيقية محددة .. بينما اجد نفسي احيانا مندفعا برغبة عارمة للكتابة لا يمنعني شيء ولكنني على أية حال لست كالروائي تحسين كرمياني الذي يتدفق بالكتابة بطريقة لافة جدا .

س: بين الأدب والنقد ثمة جسور تجعل العلاقة بينهما علاقة وثيقة وجدلية في الوقت نفسه. كيف تقيم هذه العلاقة وما هي قراءتك لمستقبلها؟

ج: بالتاكيد ثمة علاقة جدلية بين الادب والنقد وكلما ازدهر الادب ازدهر النقد وتفاعل وانتج منجزا مهما معولا في ذلك على معطيات العملية الابداعية وعلى كل كاتب ان يدرك ويفهم آليات النقد ووسائله لكي يعزز قدراته الابداعية .وانا ككاتب قصة قصيرة لم اكرس وقتي لمتابعة السرد حسب بل اخذني الولع الى قراءة المناهج النقدية وتقاناتها في التصدي للنصوص الادبية واستكناه مواطن الابداع فيها ..المسيرة النقدية عندنا لاتواكب المنجز الابداعي وهي للاسف تخضع الى معايير العلاقات الشخصية والمجاملات المحسوبة لاغراض يعرفها بعض النقاد .

 

س: القراءة هي وقود الكتابة، لمن يقرء القاص جمال نوري؟ وما اهم كتاب قرأته في حياتك؟ وما هوعنوان الكتاب المطروح على طاولة القراءة حالياً؟

ج: الكتاب الذي اقرأه الان هي رواية الكاتب المبدع تحسين كرمياني ..ليلة سقوط جلولاء..وانا شخصيا لم اتوقف يوما عن القراءة ولا اريد ان استعرض اسماء الكتاب الذين قرأت لهم فانا مثلي مثل اي كاتب قرا ونهل من مشارب الادب وعيونه وتأثرت كثيرا بالروائي الامريكي ارنست همنكواي ومن الروايات المهمة التي شغلتني هي رواية (الدون الهادئ) للروائي الروسي شولوخوف.

س: مكتبتك المنزلية كيف تشكلت وكيف تبدو في منزلك؟ ولماذا أوصيت بحرقها بعد موتك؟

ج: المكتبة المنزلية في بيت كل أديب تعد المكان الذي ينطلق منه ليتواصل مع العالم ..الكتب التي توضع على الرفوف تشغل حيزا معرفيا وينبغي ان اكون ضمن هذا الحيز لانتج ادبا .. بدايات مكتبتي كانت في جلولاء وكنت اقتني الكتب من مكتبة جلولاء الوحيدة التي كانت تعد الرافد الوحيد لمكتبات الادباء ورغم شحة الكتب آنئذ الا ان الشاعر والمترجم الموسوعي جلال زنكابادي لم يبخل علي بكتب ثرة أغنت مكتبتي وبعد الانتقال الى تكريت بدأت المكتبة تتسع بفضل مكتبات الموصل حيث كنت قد التحقت بجامعة الموصل لاكمال الدراسة فضلا على مكتبة الثقافة في تكريت للحاج المرحوم شاكر الويس ناهيك عن مكتبات بغداد التي كانت تعد الرافد الحقيقي لهذه المكتبة وتشغل مكتبتي غرفة خاصة في بيتي اما عن وصيتي باحراقها فهي احتجاج على الامية والجهل والتخلف الثقافي فما جدوى وجودها وانت لا تجد قراء لا في بيتك ولا في محيطك وان اوصيت باهداء مكتبتك الى الجامعة مثلا او اية مؤسسة ثقافية اخرى فانها ستلاقي اهمالا وتبقى مركونة في علبها كما لاقت مكتبات غيري من الادباء ولهذا من الاولى ان تحرق في ليلة شتائية باردة لعلي بذلك الفت نظر الناس الى اهمية القراءة والثقافة التي نبذوها.

س: الترجمة الادبية تقتضي ابداعاً خاصاً من لدن المترجم الادبي حتى يتسنى له نقل النص المترجم، بدلالاته الثقافية وسماته الجمالية، جمال نوري مبدعاً في الأصل ومترجم، ماهي معوقات نقل سيرة الآلام والمعاناة العراقية المنبثقة من كلماتك الى عالم اوسع عبر ترجماتها الى الإنكليزية ونشرها إلكترونياً؟

ج: من العربية الى الانكليزية وانما العكس وكنت اذا ما قرأت نصا قصصيا او مقالة او قصيدة بالانكليزية ووجدتها تتوافر على عناصر الابداع هرعت الى ترجمتها الى العربية وكما تعرف ان الترجمة من العربية الى الانكليزية هي أصعب بكثير من الترجمة من الانكليزية الى العربية ومهما يكن فان الترجمة كما يقال خيانة او أشبه بقبلة من خلف الزجاج .

س: الرمز في القصة القصيرة يشكل نزعة أسلوبية ووسيلة حداثوية وقد قدمت قصصك (وجوه، قسورة، سيرة عصا) في مجموعة الباب الرابع مشحونة بالرمز والإيحاء على شيء متواري ينبغي أستجلاؤه، كيف يبني جمال نوري رمزه ويوظفه؟

ج: الرمز والاختباء خلفه او توظيفه وسيلة الكاتب لكي يتخلص من أدران المباشرة والتقريرية ولهذا حسب أفخخ نصوصي بالشفرات والاحالات الرمزية وغالبا ما اشتغل على تفعيل المعادل الموضوعي الرمزي كمعطى دلالي يشير الى القصدية التي انطوت عليها النصوص السردية . ومع ذلك لم تتخلص العديد من قصصي من مقص الرقيب الامني الذي بترها ولاسيما عندما كنت ارسل النص الى الصحيفة او أضمنها مجموعة قصصية . واذكر هنا صديقي الشاعر المبدع منذر عبد الحر عندما كان يتولى ادارة الصفحة الثقافية في جريدة القادسية وتردد كثيرا في نشر قصتي الوقائع المتخيلة لمصرع امرىء القيس واخبرني ان نشرها سيعرض كلينا للمسائلة وقلت له الامر يعود لك وبعد ستة اشهر نشرها في الجريدة وبقيت بعدها لفترة متازما ومرتبكا خوفا من عسس الثقافة الذين كانوا يتعقبون الرموز التي نوظفها في نصوصنا.

س: تشكل عتبة العنوان عنصراً فاعلاً من عناصر النص الادبي، ولصغر حجم الفضاء الكتابي في القصة القصيرة تمثل عتبة العنوان علامة كتابية ادق وأعمق من بقية الفنون الادبية، وتضع القاص امام مسؤولية بالغة الصعوبة ماهي معاييرك الفنية في الصياغة النهائية للعنوان القصة ولعناوين المجاميع القصصية؟

ج: يقال ان العنوان ثريا النص ويقال انه المفتاح الذي يلج ابواب ومغاليق النص ولد شك ان الدراسات النقدية الحديثة قد اولت هذه العتبة أهمية بالغة فضلا على بقية العتبات كعتبة الاستهلال والغلاف والاهداء والعنوان وعند انجاز اي قصة اقف محتارا في اختيار العنوان وان شق علي الامر في بعض الاحيان فقد استنجد بالدكتور القاص فرج ياسين اما بالنسبة لعنونة المجاميع القصصية فانني بالتاكيد اختارعنوان أفضل قصة في المجموعة وقد يكون بامكاني ان الجأ الى العنونة الخارجية التي تشتبك مع كل النصوص بخيط خفي ولكنني بالتاكيد آثرت اختيار عنوان قصة من قصص المجموعة لكي تصبح عنوانا للكتاب .

س: أعلنت في وقت سابق النية في انتاج فلم سينمائي قصير جداً بالتعاون مع المخرج رياض الجابر وفكرة الفلم مستوحاة من احدى قصصك القصيرة، أي قصة من قصصك التي ستنتج فلماً،هل لك ان تخص حورانا بالسبق، وتعرج الى غيرها من المشاريع التي حولت نصوصك الى اعمال درامية مرئية؟

ج: اتفقنا انا والمخرج رياض الجابر على اخراج فلم قصير جدا يتناول احداث قصتي القصيرة جدا (ثوب أبيض للزفاف) وقد اتفقنا على صياغة السيناريو معا وقد تم اختيار الممثلين لأداء ادوارهم الا ان جائحة الكورونا أوقفت المشروع مؤقتا .كما طلبت مني المخرجة سيسبان عدنان من مدينة البصرة كلية الفنون، قسم المسرح اخراج مسرحيتي أحلام مؤجلة والتي تتحدث عن الحرب وقدمتها عام 2018 في كلية الفنون في البصرة .

النتاجات الأدبية :

١- (الجدران) مجموعة قصصية مشتركة مع القاصة “لمياء الألوسي” – 1985.

2- (ظلال نائية)-1995 .

3- (البئر) – 2000 .

٤- (أفق آخر) – قصص قصيرة جداً 2002 .

5- (شمس خلف الغيوم) - 2010 .

6- (غورنيكا عراقية)-2016 .

٧- (الباب الرابع)- الطبعة الثانية في طريقها للنشر .

8- (نثيث الدفء) -مجموعة قصصية تحت الطبع .

9- (قطار الساعة التاسعة، أحزان مضحكة، أحلام مؤجلة، الاعتراف الاخير لموحان مراد) نصوص مسرحية .

١٠- (شخابيط) ومضات وشذرات من معطيات الحياة اليومية على صفحات التواصل لاجتماعي .

بلإضافة الى مجموعتين شعريتين:

١- قصائد بحجم القلب .

٢-من مجمرة الغياب .

نقد ودراسات

١- جماليات الوصف قصص جمال نوري عن دار الإبداع  (رسالة ماجستير جامعة تكريت – كليةالتربية الاساسية للطالب علي حسين صالح العزاوي) .

٢- جماليات البناء السردي في قصص جمال نوري عن دار الابداع (رسالة ماجستير جامعة الموصل كلية التربية الاساسية للطالب محمود حريد الجبوري) .

٣- أنماط الشخصية في قصص جمال نوري عن دار غيداء (رسالة ماجستير للطالب خالد جعفر سليم في احدى الجامعات التركية) .

٤- بلاغة القص (مستويات التشكيل السردي في قصص جمال نوري) عن دار الحوراء للطباعة والنشر والتوزيع في سوريا، لنخبة من النقاد ومن اعداد وتقديم ومشاركة الدكتور محمد صابر عبيد .

٥- ا لزمن في قصص جمال نوري القصيرة (المؤلفون المشاركون محمود حيدر خلف، محمد صلاح رشيد) مجلة أبحاث كلية التربية الاساسية .

٦- فاعلية الحوار في قصص جمال نوري -دراسة تحليلية: م.م ندى حسن محمد- مجلة مركز دراسات الكوفة- مجلة فصلية محكمة .

٧- بالاضافة الى العديد من الدراسات والمقالات النقدية التي تناولت سرديات جمال نوري في المنتديات الثقافية او ما نشرت في الدوريات والصحف المحلية والعربية .

وللقاص كتاب نقدي (مقاربات نقدية) يضم العديد من العروض والمقاربات المنشورة في الصحف والمجلات، فضلاً الى ترجمة كتاب سومرست موم (The kite and otherstories)، والقاص فائز بجوائز عديدة: مسابقة مجلة جامعة الموصل عام ١٩٧٨، جريدة الجمهورية ١٩٩٥،دار الحكمة العراقية ٢٠٠٨، اخرها في القاهرة جائزة نجلاء محمود محرم، بالاضافة الى العديد من الشهادات والدروع التقديرية، وكرم في العديد من المناسبات الادبية .

 

حاوره صفاء الصالحي

.......................

* الصورة الأولى للاستاذ صفاء الصالحي

 

 

 

علي رسول الربيعيهذا حوار يجريه الأستاذ الدكتور بوعلي نابي أستاذ الفلسفة (في جامعة معسكر في الجزائر) مع علي رسول الربيعي حول قضايا تواجه الإسلام اليوم.

إن الهدف من هذا الحوار الذي نجريه ليس تمجيد الماضي التراثي الإسلامي، بل تذكره، واستعادة التفكر في تفسيره، وإمكانات إعادة بنائه، والنظر في كيف يمكن أن يكون وثيق الصلة بالحاضر. يمكننا من خلال تذكر الماضي بموضوعية فقط أن نكتسب منظوراً أكثر وضوحًا وانتقادًا لحاضرنا. آمل أن يتمكن استرجاع الماضي التراثي التفسيري لوضعه في نسبيته التاريخية الدنيوية من تمكين المسلمين من مقاومة الألفاظ السياسية المتعصبة بشكل متزايد، والعنيفة بشكل جوهري.

س: د. نابي: ماهي المهام المطروحة  ذات الراهنية على الباحث والمفكر في الإسلام ؟

ج: أرى أن أحد المهام الأساس، هي التحقيق في المفاهيم الأخلاقية الدينية ذات الصلة بالاهتمامات المعاصرة، ولاسيما ما يتعلق منها  بالتعددية الدينية واستقلال الفرد فيما ورد منها في الأدب التفسيري الإسلامي السابقة. آمل أن يتم أستخلاص سردًا واضحًا لبنية ومضمون هذه المفاهيم في الإسلام. وأرى من ناحية منهجية سيتضمن التحقيق في هذا الأدب، الذي أنتجته مختلف المدارس اللاهوتية والأخلاقية، تحليلًا للمصطلحات التي تستعملها كل جماعة  للتعبير عن معتقداتها وافتراضاتها فيما يتعلق بلالتزام الصادق في الإسلام. آمل أن يفسر هذا التحقيق والتحليل الصراع في العالم الإسلامي اليوم بين روح التعددية المتسامحة من ناحية والتعصب من ناحية أخرى.

بالإضافة إلى العمل على تحديد المفاهيم الإجتماعية الأكثر أهمية في الإسلام التي تقدم علاقات إنسانية أفضل سواء داخل الأمم أو فيما بينها. والكشف عن الجوانب المعيارية للتركيبات الدينية الإسلامية وتحديد تطبيقها في ثقافات متنوعة للإشارة إلى أهميتها الأساسية للنظام العالمي التعددي في القرن الحادي والعشرين. أن سؤالكم يجعلني أتساءل بدوري عن عدم وجود تحليل جاد لمفهوم حق التعددية الدينية بين الجماعات الإسلامية ذات التوجه الديني. لأن تكمن أهمية هذا التحليل في أنها تمكنهم من اتخاذ موقف مبدئي من المراجع التاريخية والتحليلات التفسيرية والأحكام  الفقهية لكل من حرية الدين والمشاركة السياسية في الإسلام. لقد ساعد عدم الاهتمام بالتعددية الدينية وارتباطها الجوهري بالحكم الديمقراطي على الحيلولة دون الاستعادة الصحية للعلاقات الشخصية والطائفية في العالم الإسلامي.

أريد اشير سريعا الى أحد الأسباب المعرفية - لغياب التعددية رغم وجود التعدد تاريخيا ونتائج غياب هذه التعددية على حالة ووضعيات التعصب والنزاعات العنيفة. أنها تتعلق بالعقلية الأحادية التي تجزم بأمتلاك المعنى الواحد للنص القرآني مما يعني تمتلك حقيقته وبالتالي تصبح هي يمتلك الحق، تقف هذه العقلية عائقا أبستيمولوجيا أمام التعددية الأعترافية، لذا أحد أهم الشروط لتأسيس التعددية على الأرضية الفكرية والأجتماعية الأسلامية هي نقد هذا العقلية وتفكيك مقولاتها. لأنها تُلغي كُلِ إمكانيةً لقبولِ واقعِ ومبدأ التعدديةِ

س: د. نابي: ماهي شروط التفسير ومقوماته، هل يعني أن يقوم المسلمون المعاصرون بتركيب المفاهيم الحداثية على النظرة ما قبل الحديثة للقرآن؟

ج: كان هناك مسعى عند علماء المسلمين لوضع أسس منهجية لفهم أحكام الشريعة اولاً وعموم نص القرآن ثانيا ويمكن تحديدها بما يلي:

1- تحليل الجوانب الأدبية واللغوية للوحي.

2- تحديد السياق التاريخي للوحي.

3- توضيح المعاني من خلال الإشارة داخل النص.

4- شرح الايات باستعمال الأحاديث التي نسبت إلى النبي. ولو أن التفسيرات المستندة إلى الحديث كانت الأكثر عرضة للنزاع نتيجة للموقف العقائدي المسبق ولأختلاف الاتجاهات السياسية اللاهوتية. وأن قبول  أحاديث معينة ورفض أخرى  تتعلق بسلطة بعض الرواة الذين يُعتبرون موثوقين من قبل جماعة من المسلمين وليس كذلك من قبل اخرى.

نشأت مقاربة إبداعية وتفسيرية لمعاني النص القرآني بسبب الاهتمام المتزايد بالمسائل اللاهوتية المتعلقة بالإرادة الحرة والقدر، والالتزامات الدينية والأخلاقية، والإحسان الإلهي. قدمت مدارس إسلامية مختلفة، مثل المعتزلة والأشاعرة والشيعة، التي ادعت  كل منها صحة صلاحية مواقعها العقائدية المتوقفة على الاقتباس من القرآن الكريم ، طرقًا قيًمة لتفسير الأيات القرآنية.

دخلت الثقافات الهلنستية والهندية الفارسية في الفكر الإسلامي من خلال الترجمات العربية خلال القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. وشهدت الحضارة الإسلامية آفاقًا جديدة للإبداع، مدفوعة بزيادة الاهتمام بالفلسفة والتفسيرالذي لايقف عند الحدود البيانية وفقه اللغة أو مدلول واحد لمعنى النص القرآني. وبالتالي، لم يستجيب المفسرون المسلمون فقط لمصالحهم وأهدافهم المذهبية في البحث عن بُعد تفسير إضافي للقرآن. فقد كشف تعليقاتهم بكل وضوح عن التأثيرات الثقافية والفلسفية والمنهجية والتأهيلية للعصر الذي أنتجوا فيه فهماً إبداعياً للوحي الإلهي. لذلك  أرى من الناحية المنهجية من المهم ابتداءً:

أولاً، البحث في المادة التفسيرية القرآنية من أجل اكتشاف تعاليم التوجهات القديمة في الكتاب الإسلامي حول القضايا ذات الاهتمام الحديث.

ثانياً، تحليل هذه المواد في ضوء النقاشات الحديثة بين المسلمين من مدارس فكرية مختلفة واستكشاف آثارها على التعددية الدينية وحرية الضمير والوضع القانوني للأقليات الدينية في الوحي الإسلامي.

ثالثاً، يمكن  في هذا المجال التفسيري أن يتعرف الباحث الثاقب على الذرائع التفسيرية  للممفسرين السابقين والتي أدت إلى السياقات التي أدت الى التشويه  الموجود في الإسلام. بالإضافة إلى ذلك، فمن خلال التحقيق في مثل هذه التفسيرات المشوهة، فإن المفسر المسلم قادر على إعادة صياغة فهم جديد للقرآن الكريم. وقد قدمت اسهامات مهمة  في هذا الشأن من قبل مفكرين  مسلمين.

لا يدعم القرآن بطبيعته إرشادات لاهوتية مفصلة، وبالتالي لا يقدم مواقف واضحة بشأن الأسئلة التي نطرحها عن القضايا المعاصرة وتتبع تطور هذه الأفكار من خلال دراسة الطرق التي فسر بها علماء اللاهوت المسلمون. ثم نستشكف المفهوم القرآني لها  من مواقع  تتصل بروح العصر ومتطلباته، وتقييم مدى توافقه مع فكرة الخلاص القرآنية ايضاً. على المرء أن يلتمس التوجيه الروحي والأخلاقي من التفسيرات القرآنية في الأدب اللاهوتي ابتداءً ثم بعد ذلك يمكن أن يقدم تفسيرا يقبل معايير وقيم معاصرة .

س: د. نابي: إن أحد الأسئلة الملحة للفكر العلماني هي العلاقة بين الدين والسياسة، ما ذا يبقى من الالتزام والضمير الديني إذا تم حرمان الدين من التعامل مع القضايا المتعلقة بالعدالة والسلام؟

ج: نعم تستند الشكوك حول دور الدين في المجال العام إلى الاعتقاد بأنه لا ينبغي خلط الدين والسياسة وأن الدين يجب أن يكون محايدًا في القضايا الاجتماعية والسياسية. لكن أحد الحقائق الجديدة في الشؤون الاجتماعية – السياسية في الغرب بعد أن جرب الفصل لقرون، أخذ ينظر الى هذا الفصل بأنه يعني حرمان الدين من أعباءه واهتماماته الأساسية بالمسائل الأخلاقية. وارى أن يمكن أن نفسرالإسلام من مواقع وأهتمامات معاصرة ويمكن ان يكون له دور توجيهي وموقف قيمي أزاء التفـقير الروحي الذي يمارس باسمه وأزاء الفقر، والأزمات، والسلام، أيً يمكن لإسلام أخر غير قروسطي أن يقوم بهذا الدور ويمارس هذه المهمة.

نعم يمكن أن يؤدي الحياد في الشؤون الاجتماعية والسياسية إلى زوال الدور الحاسم الذييمكن أن  يلعبه الدين فيما يحمل من منظومة قيمية روحية وانسانية تدخل الى الجوانح  فتهذبها من الداخل ولاتقف عن طقوس الجوارح فتمارس دورا حيوياً في تشكيل الضمير الأخلاقي للنظام العام؛ لطالما كان الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، على الأقل في التقاليد الإبراهيمية، دافعًا رئيسيًا  للدعوات لإمكانية وجود نظام اجتماعي عادل.

يتركز النقاش غالباً حول الافتراضات المتناقضة عن الدور الذي يجب أن يلعبه الدين في السياسة. تميل الثقافة العلمانية "الكلاسيكية" "السميكة" "القاطعة" إلى التوصيف السلبي لأي شيء ديني بمجرد عبوره الحدود من المجال الخاص إلى المجال العام. على النقيض من ذلك، ترى الثقافة الدينية أن القيم الدينية تشكل مصدراً قيماً في مكافحة الظلم الاجتماعي والسياسي.

كانت النظرية السياسية التقليدية، التي تفترض مسبقاً استصواب الفصل بين الديني والسياسي، بطيئة في الاعتراف تحولات تاريخية بحدوث نقلة نوعية أخذ فيها التدين مساحة واساعة او دروا متعاظما في المجال العام بقوة الواقع. كان هناك إصرار نظري من قبل منظري ما يمكنني اسميه " العلمانية التقليدية، وهي العلمانية التي نُظر لها في القرن 19 ومورست بشكل فعلي بعد الثورة الفرنسية والأمريكية" على الانفصال الذي يقضي بخصخصة الدين وابعاده من الساحة العامة العلمانية وما يجري حدثيا وفعليا في أوضاع تاريخية مشخصة من حضور للدين في المجال العام، أيً الخلط بين اللمكن نظريا والحاصل فعليا،وهناك كما هو معروف مسـافة بينهما دائما، عقبة رئيسة في فهم  تشكيلات وحركية السياسات في المجتمعات التي يكون فيها الالتزام الديني عنصراً أساسياً في إدارة المشكلات الاجتماعية والحفاظ على الإحساس بالانتماء للجماعة في السياقات والأطر التقليدية. إن النظرة العلمانية المتفتحة أو الشفافة أو ما اسميه العلمانية الوظيفية  التي تنقلنا من الفكرة الضيقة المتمثلة في أنه لا ينبغي للدولة أن تنحاز إلى دين معين الى  الفكرة الأوسع المتمثلة في أن لا ينبغي لدولة أن تنحاز إلى دين ضد وجهات النظر غير الدينية ايضاً، يكون أن يكون دورها ايضاً  في منع  هيمنة أحد الديانات على الآخرين، بينما تقوم  العلمانوية الأيديولوجية السميكة بتهميش الجماعات ومن ثم دفعها نحو التشدد والعدوان والانفصالية، وقد اثبت التجربة التاريخية مطابقة هذا التحليل وأنه صحيح بقوة الواقع.

س: د. نابي: هل كان من الممكن معرفيًا أو وجوديًا تحفيز مقاربة بين الثقافات والشعوب المختلفة حول القيم والطموحات الإنسانية العالمية دون السعي إلى اكتشاف الأصول  الدينية والفلسفية والميتافيزيقية وإضفاء الشرعية على مصادر هذه القيم؟ بمعنى آخر، سواء كان ذلك في سياق الديمقراطية الدستورية أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هل من الممكن المضي قدمًا دون دراسة الأسس الأخلاقية أو الميتافيزيقية لهذه القيم العالمية؟

ج: إذا كانت الشعوب المختلفة لا تفكر مثل بعضها البعض، فكيف يمكن للمرء أن يفترض أخلاقا عالمية خالية من التقاليد ولا أسس لها تكون مقبولة لدى شعوب العالم ذات العقلية الدينية دون أي محادثة لتهدئة مخاوفهم والشكوك؟ رغم أنني مؤيد قوي للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتطبيقه من خلال الديمقراطية الدستورية في العالم الإسلامي، لكن كان من المستحيل صياغة افتراضات حول ما يسمى بالمفاهيم العالمية الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان دون الأخذ بعين الاعتبار التفسيرات السياقية والمجتمعية المفروضة على اللغة الجامعة للنصوص العلمانية والنصوص الدينية. هذا هو جوهر المشكلة في التطور السياسي للمجتمعات الإسلامية. ففي اللحظة التي يعترف فيها المرء بالنسبية الثقافية في تطبيق القيم الأخلاقية العالمية، يواجه وجها لوجه مسألة الاستهانة بكل تلك المخاوف التي لدينا بشأن انتهاك حقوق الإنسان للأفراد، وعلى الأخص الأنظمة السياسية الأكثر الاستبداد وتسلطية التي تغمر المشهد السياسي للعالم الإسلامي (ناهيك في مناطق أخرى من العالم).

س: د. نابي: رغم أنه لا توجد مناقشات حول الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي في اللاهوت ااسلمي الكلاسيكي أو الفلسفة الإسلامية  يمكن أن تكون بمثابة نقطة انطلاق للاتفاقيات الدولية حول المعايير الأخلاقية المشتركة للجنس البشري بأسره، إلا أن الأساس العلماني للإعلان يعتبر غير كافي من الناحية النظرية المعرفية اشتقاق حقوق الإنسان المتأصلة بالطبيعة البشرية وغير القابلة للتصرف. ربما تكون النقطة المؤلمة في الخطاب العلماني لحقوق الإنسان، بالنسبة الى المنظرين المسلمين في لغة الحقوق، هي الإقالة الكاملة أو طرد أيً شيء ديني كعائق أمام التطور الحديث لنظام حقوق الإنسان.

ج: نعم، إن لغة حقوق الإنسان حديثة وذات جذور راسخة في الليبرالية العلمانية التي تحمي وتعزز حقوق المواطنين والتي تتطلب خصخصة الدين من المجال العام للسماح بتطويرسياسة مستقلة عن الدين. وأن هذه العلمنة في المجال العام غائبة في الفقه الإسلامي والأنثروبولوجيا  اللاهوتية الإسلامية. نعم أتفهم أن العلمانية التي يرتكز عليها الإعلان لا تترجم إلى تعبير إسلامي دون إثارة أسئلة جدية حول علاقة الدين بالسياسة والدولة. والأهم من ذلك، أن التركيز الغالب على استقلالية الفرد بمعايير أخلاقية مستقلة تتجاوز الاختلافات الدينية والثقافية للمطالبة بالحقوق دون النظر إلى روابط المعاملة بالمثل يتعارض مع تأكيد التقاليد الإسلامية القروسطية السائدة.

أؤكد دعمي الفكري الثابت للإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أساس أصالة الكرامة الإنسانية والقدرة الأخلاقية على التفاوض حول مصيرها الروحي دون تدخل الدولة. ويمكنني التأكيد دون أي تحفظات على أن الخطر الوشيك على نظام حقوق الإنسان يأتي من كل من الحجج النسبية الأخلاقية والمذاهب اللاهوتية الإقصائية. إن الحجج التي تدعيها وتقدمها النسبية الأخلاقية  بوصفها "دفاع عن النفس"، لكن في اللحظة التي تدخل فيها النسبية الثقافية خطاب حقوق الإنسان، فإنها تؤيد عن غير قصد انتهاكات هذه الحقوق و"مبرر" قبولها  في سياق تقييمها الثقافي الخاص لكرامة الإنسان.

سيكون من الخطأ الاعتقاد أن كافة المفكرين المسلمين التقليديين يعارضون الحاجة إلى حقوق الإنسان العالمية لحماية كرامة الإنسان والشخصية الإنسانية في سياق الدولة القومية اليوم. نعم هناك  من يرفض من بين المسلمين فكرة حقوق الإنسان باعتبارها غير مقبولة من الناحية "الفلسفية". ومع ذلك، فإن حتى أشد المعارضين لوثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذين يعتبرون الوثيقة إمبريالية أخلاقية وعرقية ثقافية، يقرون بحقيقة أن البشر لديهم حقوق تعود إليهم كبشر.

وهنا اريد أن اشير الى مثال حيث يقدم الفقيه التقليدي البارز في مصر الشيخ محمد الغزالي في كتابه (حقوق الإنسان: بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة) الدعم المؤهل للوثيقة الدولية لأحترامها من قبل المسلمين لكن ليس لأنها تعبر عن قيًم ذات صلاحية كونية على المسلمين قبولها ولكن لأن بعض "أسسها" مذكورة في القرآن. فبالنسبة للغزالي، مثله مثل العلماء التقليديين في العالم الإسلامي، يرى أن الإسلام يوفر القواعد الشرعية والتي يمكن تطبيقها داخل العالم الإسلامي. ويتم ،على هذا النحو، إلحاق إعلان بديل لحقوق الإنسان الإسلامية بترجمة ومناقشة الوثيقة الدولية. لكن أرى أن هذا التوجه يقوض في معرفة حقوق الإنسان شرعية الإعلان العالمي في عيون المسلمين. وأرى ايضاً أن أفضل الطرق لتقليل التأثير السلبي لهذا الاتجاه هي إشراك العلماء التقليديين في استكشاف الأسس الميتافيزيقية لإعلان حقوق الإنسان وإظهار الأساس الأخلاقي المشترك الذي تتقاسمه أديان العالم في دعم المعايير التي تقوم عليها الوثيقة الدولية. إن الأصرار على التوجه  الذي ينظر لإعلان حقوق الإنسان بوصف فقط علماني  يحرمه من أي أسس معيارية.

على الرغم من هذه المخاوف، يتم الالتفات إلى النداء العالمي لحماية الكائنات البشرية من سوء المعاملة والاضطهاد حتى في مناطق العالم الإسلامي التي تحدث فيها انتهاكات حقوق الإنسان بشكل متكرر أكثر. بالنسبة للعلماء المسلمين، لا يمكن أن تكون فكرة حقوق الإنسان جديدة فحماية البشر من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة قد تم تسجيلها في التقاليد الدينية وغير الدينية الرئيسية عبر التاريخ. إن المادة الأولى من الوثيقة الدولية بأن "جميع البشر يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق" يجسد التوصيف الأساسي للحكمة الإنسانية.

س: د. نابي: وحكم الردة وتغيير العقيدة ؟

ج: يتعرض الى معاملة قاسية في الشريعة الإسلامية من يحكم عليهم بـ " الردة". لكن بما أن عقوبة الإعدام تُستند إلى التقاليد بدلاً من نص القرآن، وأن رفض المرء للعقيدة الإسلامية بعد قبوله خطيئة ضد الله، فقد حكم بعض  الفقهاء المسلمين أنها تقع خارج اختصاص الدولة الإسلامية.

شكك عدد من الفقهاء السنة والشيعة في مدى إمكانية تطبيق أحكام او عقوبة الإعدام، على من يُنظر اليه " مرتدا" وذلك لأن القرآن يتعامل أساسًا مع الأمر بشكل صارم بين الله والبشر، وبالتالي، خارج نطاق اختصاص المحاكم "الإسلامية". لا أعارض عقوبة الإعدام على هذا النحو فقط  ولكني أتساءلت أيضًا عن صلاحية وشرعية وأهلية تطبيق المفهوم  ضمن مجموعة  أحكام الشريعة  الإسلامية بسبب عدم وجود مؤسسة على شاكلة كنسية يمكنها تحديد مدى خطورة الجريمة.

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن المشكلة تتمثل في الافتقار إلى الدقة في تصنيف الجريمة على أنها دينية، لأن السابقة التي وفرت نموذجًا للأحكام اللاحقة للعقوبة العاصمة في التاريخ الإسلامي المبكر كانت بالتأكيد مسألة تمرد ضد النظام السياسي للمسلمين وليس ضد دين الاسلام. أيد آية الله منتظري، على سبيل المثال، وكان من بين فقهاء القانون البارزين في إيران، الحق في حرية الدين وتغيير الولاء الديني، وانتقد الحكومة الإيرانية لتجاهلها أحد المواد الأساسية للإعلان حول حرية الدين ، ويتسق مع هذا الراي العلامة جمال البنا ايضاً. ومع ذلك، فإن غالبية الفقهاء في العالم الإسلامي يواصلون تأكيد الأحكام التقليدية في هذا الأمر، وعلى الأقل نظريًا، يحافظون على صحة الصيغ الكلاسيكية المتعلقة بالردة. فبينما يؤكد الفقيه البارز الشيخ يوسف القرضاوي في مقالته عن حقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، حقوق الأقليات في حرية الدين، لكنه يتجاهل تمامًا حق المسلم في التحول من الإسلام إلى دين آخر معترف به الدين مثل المسيحية أو اليهودية.

 

...................

* الصورة للدكتور علي رسول الربيعي

 

 

1471 رتا بربارة- كم سيكون جميلاً أن نغير عالمنا للأفضل والأجمل.

- سورية – رغم الجرح – ستبقي وستعود أقوي من جديد.

- المصداقية وصدق التعبير هما الأساس المتين لنجاح كل مبدع

- والدتي الروائية المبدعة (فادية شماس) جعلتني شغوفة بالقراءة منذ الصغر.


- من عمق التجربة القاسية يولد الإبداع ،عاشت تحلم بأطواق الياسمين ،تزين أعناق الوطن ،في مدينتها السورية الأنيقة ،لم تكن تدري بأن الزمن سيأتي بعواصفه الهوجاء ،لتثرا غبارا مذريا علي هذا الوجه الجميل للوطن ،أمسكت قلمها ودفترها لتعلم أبناء وطنها ، لتخط الحرف الأول في ذاكرة جيل كانت تريد ان تتعمق جذوره في تراب الوطن ،عايشت صرخات آلامها ودمعاتهم علي فراق الأحبة في ليلات المدينة الحزينة ، انها الكاتبة السورية "ريتا بربارة " ومن هنا كانت بداية الحوار معها حيث سألتها :-

س: لكل كاتب قضية يحاول الوصول بها الي وجدان وعقل القاريء فما هي قضيتك الأولى؟

-  عودة القيم الانسانية هي قضيتي الأولي والأخيرة، فعودة تلك القيم ستغير واقع المجتمعات وستجمل وجه العالم، وبغرس هذه القيم وبعثها من جديد سيسود السلام العالم، فالإنسان هو أساس كل تغيير، وكم سيكون جميلاً أن نغير عالمنا للأفضل والأجمل.  .

س: من هو كاتبك المفضل علي المستوي العربي والعالمي ولماذا؟

- حين تنشأ في بيت كاتبة بحجم فاديا شماس فلابد أن تكون كاتبك الأول والمفضل ليس لكونها أمي فقط – بل لأن كتاباتها المتميزة هي ما جعلني شغوفة بالقراءة منذ الصغر، فعشت وكبرت مع عوالم صنعتها برواياتها المتميزة، وتعودت أن اقرأ للكل، وإن كان هذا لا يمنع أنني أميل لكتابات دوستويفسكي، ومون باسون، وأنطون تشيخوف، وجبران خليل جبران، ويوسف إدريس، وكوليت خوري، وغادة السمان، وغيرهم الكثير فنافذة فكري منفتحة على كل ما هو مبدع وجميل لأنني أعشق التنوع، وأومن أن هذا التنوع يثري المخزون الثقافي لدي كل كاتب ويجعله قادراً على صنع عالم مختلف بقلمه حين يكتب.

س: الكاتب دائما وليد التجربة الحياتية التي يمر بها كيف رصدتي تجربة الحرب في وطنك الام سوريا؟

رصدت من خلال مجموعتي القصصية " جرح الفينيق " الحرب السورية وويلاتها وتأثيراتها الاجتماعية وبخاصة تأثيراتها على المشاعر الإنسانية للمواطن السوري داخل وخارج سورية، كما ترصد المجموعة بعض مظاهر الفساد التي تنتشر بالمجتمع، وأملي التعامل مع هذه الممارسات السلبية بشكل حاسم لتختفي من مجتمعنا لتبقي سورية وطن نفخر به يسوده الأمن والأمان، وكان اختياري لعنوان المجموعة للتعبير عن جرح سورية النازف وللتأكيد على أن سورية – رغم الجرح – ستبقي وستعود أقوي من جديد.

س: لكل كاتب مقومات نجاح في كل زمان ومكان فما هي المقومات التي تساعد علي نجاح المبدع والكاتب في ظل هيمنة وسائل التواصل علي حياة الجميع؟

- المصداقية وصدق التعبير هما الأساس المتين لنجاح كل مبدع، لأن النافع هو ما يبقي أما ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة فسرعان ما يختفي برغم الضجة التي قد تصاحب الكثير منه وقت النشر، لأن ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي يواجه سرعة نسيانه لكثرة ما ينشر، ويفتقد التوثيق لأن الكثير مما ينشر يكون مجهلاً ومجرد رأي شحصي لمن ينشر، كما زاد استخدام النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي المشهد سوءًا حيث أصبح من السهل النقل والاقتباس وانتشرت السرقات الأدبية لافتقاد هذه الوسائل الرقابة والتوثيق اللذان يحفظان لكل كاتب حقوق ملكيته الفكرية، وعلينا معالجة هذا المشهد الثقافي الملتبس، بتوحيد الجهود والقيام بعمل مؤسسي يعيد للمشهد الثقافي العربي رونقه وتميزه، نعيد به صياغة مشهد ثقافي جديد يفخر به الكاتب قبل القارئ.

وبرغم ما تمر به بلدي الحبيب سورية من ظروف، فإنني أري أن أمام الأدباء السوريين فرصة ذهبية ليخرجوا من رحم هذه المعاناة والحرب الكونية التي تدار ضد سوريةـ بإبداع يؤسس لمشروع ثقافي سوري نهضوي يعيد للرواية السورية مكانتها وتميزها، شريطة ألا يعتبروا الكتابة ترفاً يخرجوا به من واقع متقلب عاشوه طوال السنوات الماضية فالكتابة رسالة وقضية يجب أن يؤمن بها من يمارسها ليسهم في تشكيل وعي نسعي جميعاً أن يكون وعياً يعين على الإصلاح وإعادة بناء وطن أثخنته الجراح..

س: تراجع الدولة عن دورها الثقافي ساعد علي تنامي الافكار الدينية المتطرفة ما رأيك في ذلك؟

- حتى لا نظلم الدولة بأجهزتها المعنية ونلقي عليها العبء الكامل في نشر مثل هذه الأفكار الدينية المتطرفة التي تعتنقها الجماعات التي تقف في مواجهة الوطن، فإنني أري أن العبء لا يقع بكامله على الدولة بل ساهم الواقع العالمي الجديد وصراع القوي الكبري على مناطق الثروة والنفوذ وبخاصة في منطقتنا العربية في نشر وتنامي هذه الأفكار المتطرفة، وكانت وسيلتهم الأسهل استخدام وسائل الاتصال وبخاصة وسائل التواصل الاجتماعي – كواحدة من وسائل حروب الجيل الرابع – في نشر هذه الأفكار وكان حجم الاستهداف يفوق امكانيات أي دولة فوصلنا لهذا الواقع المرير الذي دمر اقتصادياتنا وعاد بنا سنوات كثيرة للوراء.

س: ما هي رسالتك للشباب الكتاب في الوطن العربي؟

- الشباب طاقة وقوة لوطننا العربي، واتمني أن يكون شباب الوطن العربي قوة بناء لا معول هدم، وعليهم أن يعيدوا بتفوقهم وجهودهم المخلصة هذا الوطن لسابق عهده مهد للحضارة ووطن للعلم والعلماء.

س: الكاتب جزء لا يتجزأ من قضايا امتة العربية كيف رصدتي مايحدث في البلدان العربية المختلفة؟

- يقولون " كلنا في الهم عرب " وأرى أن تناولي للشأن السوري هو رصد للواقع العربي حيث أن ما يحدث في سورية يتكرر في كثير من البلدان العربية لتشابه الطبيعة والطباع.

س: ما هي رسالتك الي الشعب السوري عامة والمرأة السورية خاصة؟

-برغم الجرح ستبقي سورية وطن العزة وستعود لسابق عهدها وبجهدنا جميعاً وتكاتفنا سنجعلها أجمل، ويقع عبء كبير في هذه المرحلة على المرأة السورية الأم والأخت، وعليها يقع العبء الأكبر لتوفير الجو النفسي الذي يعين على تضميد الجراح وتجفيف مآقي الدمع التي انهمرت حزناً على شهداء أبرار ضحوا لأجل أن يبقي الوطن، واتمني كما كانت رمزاً للصمود والتحدي وقت الحرب، أن تكون عوناً للزوج تسانده وتعينه على مواجهة أعباء الحياة، وكما ربوا شهداء عليهم أن يقفوا بكل قوة وحب بجوار أبناء شهداء الوطن لينشئوا خير تنشئة، وبحبها وإخلاصها ستعيد المرأة السورية للوطن السوري روحه الحلوة، ولأبنائنا البسمة وبراءة طفولة سلبتها سنوات الحرب القاسية.

س: لكل كاتب ايديولوجية خاصة تهيمن علي كل ابداعاته فما هي ايديولوجية الكاتبة ريتا بربارة؟

-قد تسيطر على الأديب ايديولوجية يسايرها طول العمر، يوافقها أحياناً، ويبتعد عنها أحياناً أخرى تاركاً الحرية لذاته الابداعية لتقول ما تريد، وتخرج من دائرة التأطير، لأن الأدب فكر والفكر لا تحده مقولة ولا يسيطر عليه انتماء، يسير في ردهات شتى ويملأ كل فراغات النفس ويخترق كل الأسوار ليقول ما يريد، وحين يبدأ الكاتب في الكتابة عليه أن يتحرر من قناعاته وايدولوجياته ويطلق لطاقته الإبداعية العنان ليكون التعبير صادقاً وواقعياً مجرداً غير موجه.

لذا دعني أقول أنني حين أكتب اتحرر من أية ايديولوجية، وتحكمني فقط رؤية عامة أنطلق من خلالها بإبداعي، ورؤيتي هي : الحياة بكل ما فيها بخيرها وشرها، بحسناتها وآثامها، والانسانية بكل آمالها وآلامها، بكل حروبها وسلامها، بكل بنائها وهدمها وعلمها وجهلها.

ويشغلني الوطن المتخم بالأطماع التي لا تنتهي، وأسرتي التي تكونت وعرفت معنى الحياة وقدرة الكلمة على التأثير. فأنا أغني قضايا الانسان غير المؤدلج بقلم غير مؤدلج. قلم يستمد نوره من أفراح العاشقين ودموع الثكالي لأنني أرى الانسانية أكثر اتساعا وأوسع عطاء وأرحب مدى، فإن رأى المهتمون غير ذلك في كتاباتي، يكون من خلال تنامي الوعي وتداعي التفكير بالحرية التي من خلالها يسير قلمي على أوراقي ومن خلال الرغبة في المشاركة في الحسّ البنائي الانساني بشكل عام لا من خلال المنظور الإيديولوجي الضيق الذي أظنه يحدّ من حريّة الأديب على الابداع والأديب لا يقدم آثارا أدبية جميلة إلا إذا تمتع بجوّ من الحرية المطلقة فما أطرّتُ ذاتي أو أدبي بنظرية مؤدلجة مهما عظمت وكثر روادها، وكل ما قدمته يكون من أثر ثقافتي لدي ومعرفتي لا أكثر.

س: ما هي المؤثرات الثقافية الفكرية التي ساهمت في تشكيل وجدانك الإبداعي؟

- المؤثرات الثقافية، بدأت ألحظها بذات نفسي ممّثلة بذاك الكلام الجميل المؤثر الذي ينداح في وجودي كالطوفان منطلقا من بين شفاه والدتي الروائية المبدعة (فادية شماس) التي كانت تستخدم الكلام النقي الجميل أمامي في كل حين، بعدما تلمست - بحدسها الأدبي -ميولي الأدبية المبكرة منذ نعومة أظافري، كما تأثرت كثيراً بمجتمعي الحلبي وثرائها الثقافي المتنوع والمتميز، والكل يعلم أن حلب مدينة ثقافة بامتياز، وقد منحتني أفقا فكريا ثقافيا من خلال الأقوال والمواقف والأراء. وكل ما سبق ترك أثره العميق في ذاتي وظهر أثر له على لساني وقلمي. أما المؤثرات الفكرية، كأطر عامة أنظر من خلالها إلى عالمي البنائي الذاتي. وإلى العالم المحيط بي فأخذتها من خلال دراستي من ينابيع العلم والمعرفة وكنت انهل من المناهل الفكرية وأتعلم كيف أتعامل بفكر منفتح وتقبل للاختلاف والتعاطي مع كل جديد.

 

حوار السيد الزرقاني

 

 

1467 لوك فان ميدلاروحديث عن الاتحاد الأوروبي وأزمة كورونا:

ترجمة: بشار حاتم

الصحفي دانييل شتاينفورت: السيد فان ميدلار، بعد الأزمة المالية في عام 2008 وأزمة الهجرة عام 2015، تعد أزمة كورونا هي الثالثة وربما الأكثر خطورة في تاريخ الاتحاد الأوروبي. هل يمكنها تمزيق المجتمع الدولي؟

لوك فان ميدلار: أعتقد أنه من السابق لأوانه الحديث عن أزمة وجود  للاتحاد الأوروبي في هذه المرحلة. نحن نتعامل مع أزمة صحة عامة، التي هي بالأحرى أزمة وطنية كبيرة تشمل جميع البلدان الأوروبية. الرؤساء ورؤساء وزراء الحكومات والملوك يتحدثون إلى مواطنيهم وكذلك إلى أعضاء المجتمعات الوطنية للمصير المشترك. هذه الحكومات الوطنية في طليعة مكافحة الفيروس لأنها مسؤولة عن السياسة الصحية. بالنسبة لي هذا هو الفارق الكبير بالنسبة للأزمة المالية، حيث كان اليورو أحد أهم إنجازات التكامل الأوروبي. واجهت العُملة المُشتركة خطر الانهيار ثلاث مرات. كان يُمكن أن يشكل هذا الأمر صدمة للاتحاد الأوروبي.

الصحفي دانييل شتاينفورت: الا تعتقد أن نزاعات الماضي التي لم تُحل ستتداخل مع الأزمة الحالية في الإتحاد الأوروبي؟

لوك فان ميدلار: بالطبع، ستكون هناك عواقب اقتصادية كارثية جراء التوقف بسبب كورونا. هناك أزمة جديدة تلوح في الأفق. لحسن الحظ، بذلت دول الاتحاد الأوروبي بعض الجهود لتخفيف أسوأ الآثار. صحيح أن صراعات العقد الماضي قد لحقت بنا عندما يتعلق الأمر بالإحباط المكبوت والجروح التي لم تلتئم بعد. وهذا أمر لافت للنظر بشكل خاص في الجدل الحالي حول التضامن المالي: لقد شعرت إيطاليا سلفًا أن شُركائها في الاتحاد الأوروبي قد تخلوا عنها بخصوص سياسة الهجرة. لذلك يُحاجج البعض في أن سندات اليورو ستكون العرض الحاسم إذا لم يفز ماتيو سالفيني في الانتخابات المقبلة.

الصحفي دانييل شتاينفورت: هل هذه حجة مفهومة بالنسبة لك؟

لوك فان ميدلار: نحتاج أيضًا إلى مُراقبة الجانب الشمالي من المعادلة. وهؤلاء هم المتشككون باليورو بشكل أساسي في ألمانيا وهولندا،الذين ينتظرون فقط للاستفادة من كل خطوة تتخذها حكوماتهم تجاه تعميم الديون بشكل دائم. أن نقاش سندات كورونا هو حقل ألغام سياسي مُنتشر في كل مكان.

الصحفي دانييل شتاينفورت: عندما يتحدث الإيطاليون عن التضامن، فإنهم لا يقصدون فقط سندات كورونا المالية.

لوك فان ميدلار: بلا شك تم التخلي عن إيطاليا في المراحل الأولى من الأزمة. لم تحصل على المساعدة التي احتاجتها. وبدلاً من ذلك، فرضت ألمانيا وفرنسا قيودًا على تصدير الملابس الواقية الطبية، وهذا ما لا يُمكن تبريره. كان على الفيروس أولاً عبور جبال الألب بشكل مأساوي  لإقناع الأوروبيين الآخرين بأنه خطير.

الصحفي دانييل شتاينفورت: السؤال : ما مقدار الأنانية والمعارضة التي يمكن للاتحاد الأوروبي تحملها؟ ابن بلدكم، نائب رئيس المفوضية، فرانس تيمرمانس، حذر قبل أيام من أن اتحاد الدول كما نعرفه لا يُمكنه النجاة من هذه الأزمة.

لوك فان ميدلار: أريد الإجابة على ذلك من منظور تاريخي. كم مرة تم توقع نهاية الاتحاد الأوروبي ونهاية اتفاقية الشنغن أو نهاية السوق المُشتركة في العقود الماضية؟ حتى أن بعض الاقتصاديين الأنجلو ساكسونيين حددوا قبل عشر سنوات إلى حد كبير اليوم الذي سيندثر فيه اليورو. ومع ذلك، لا يزال موجود حتى اليوم. أعتقد أن الاتحاد الأوروبي أكثر مرونة مما يعتقد المرء. عندما تكون الوحدة على المحك حقًا، فهناك دائمًا نوع من التلاحُم اللامرئي الذي يُحافظ على صلابتها. أعني بذلك ليس فقط السعي وراء المصالح الاقتصادية،ولكن أيضًا الوعي الثقافي والتاريخي الأعمق لكونها جزءًا من أوروبا.

الصحفي دانييل شتاينفورت: هل الأزمات هي ببساطة جزء من الاتحاد الأوروبي؟

لوك فان ميدلار: أجل في بعض الأحيان، يتعين على رؤساء الدول والحكومات التباحث حول الأزمة واتخاذ قرارات سريعة مُمكنة. يُمكن القول أن الذعر جزء من إدارة الأزمات في الاتحاد الأوروبي. يحتاج النظام إلى شعور بالبقاء ليُصبح نشطًا. أعتقد أن هذا كان أيضًا السبب وراء إدلاء فرانس تيمرمانس بهذها التصريح المُثير.

الصحفي دانييل شتاينفورت: وصف الكاتب الألماني هانز ماغنوس إنتسنسبيرغر الاتحاد الأوروبي بأنه " وحش بروكسل اللطيف" عندما يتعلق الأمر بقوة البيروقراطيين والعجز السياسي للمواطنين. كم من هذا الوحش لا يزال موجودًا في مؤسسات بروكسل اليوم؟

لوك فان ميدلار: في الواقع، تجاوزت أحداث السنوات العشر الماضي حكياةة إنتسنسبيرغر. بالطبع، لا تزال السوق المُشتركة جزءًا مركزيًا من الاتحاد الأوروبي. لكن المُناقشات العامة اليوم لم تعد حول درجة انحناء الخيار أو الكليشيهات البيروقراطية الأخرى، وإنما حول الأمور التي تؤثر على الناس بشكل مباشر: أمور تتعلق بالحدود، والعملة،وعلاقاتنا مع روسيا، مع الصين، ومع الولايات المتحدة . أصبح الاتحاد الأوروبي أقل أهتمامًا بالتفاصيل التكنوقراطية مقارنة بالأحداث غير المتوقعة. أسمي هذه سياسة الأحداث التي بدورها حلت محل السياسة الاعتيادية. كان على الاتحاد الأوروبي أن يُعيد اكتشاف نفسه كنظام قائم على القواعد وغير جاهز للتعامل مع الصدمات والأزمات.

الصحفي دانييل شتاينفورت: كيف تبرز سياسة الأحداث نفسها في أزمة كورونا؟

لوك فان ميدلار: تجسد أزمة كورونا كيف يتعين على السياسيين قبول العيش مع انعدام الامان. أدركت المُستشارة الألمانية ميركل ذلك عندما وصفت الأزمة بأنها "خطيرة ومفتوحة على جميع الاحتمالات". وقال الرئيس ماكرون، الذي لم يعترف قط بعدم معرفة شيء ما في الأوقات العادية، في خطابه الأخير إلى الفرنسيين أنه يريد أبلاغهم: "ce que nous savons et ce que nous ne savons pas" (ما نعرفه وما لا نعرفه)  إن الغموض بشأن ما يفعله الفيروس لمُجتمعاتنا يجعل أي نهج بيروقراطي صعبًا - وبطريقة أكثر جوهرية من الأزمات السابقة.

الصحفي دانييل شتاينفورت: وماذا تعتقد، هل كافحت مفوضية الاتحاد الأوروبي باعتبارها قلب بيروقراطية بروكسل في الأزمة؟

لوك فان ميدلار: خففت المفوضية قواعد ميزانية الاتحاد الأوروبي وقواعد مساعدة الدولة في مرحلة مبكرة للغاية. وهذا أعطى الحكومات مجالا للعمل، على سبيل المثال لإنقاذ الشركات من الإفلاس. وأدركت أن الدول الأعضاء في طليعة الكفاح من أجل الحياة والوظائف. خاب أملي بخصوص تنظيم برنامج شراء المعدات الطبية. كان هناك حديث عن مُهل تمتد لشهور في المناقصات العامة، على الرغم من أن إيطاليا كانت بحاجة إلى المُساعدة في غضون 24 ساعة. هنا لم تدرك الهيئة أننا لم نعد نعيش في أوقات اقتصادية عادية. على الأقل فيما يتعلق بسوق السلع الطبية، كان ينبغي أن يبدأ اقتصاد حرب، كما فعل الرئيس الأمريكي.

الصحفي دانييل شتاينفورت: هل المفوضية قادرة على القيام بذلك على الإطلاق؟

لوك فان ميدلار: نعم، فذلك موجود حتى في حامضها النووي DNA. كان جان مونيه، أحد الآباء المؤسسين للمفوضية الأوروبية، وقد نظم هذا الرجل الطلب على السلع والخدمات اللوجستية للحلفاء في حربين عالميتين. بالطبع، هناك دائمًا حجج جيدة بشأن الإجراءات البيروقراطية: فهي تهتم بالعدالة والقُدرة على التنبؤ، ويتم التعامل مع الجميع نظريًا بنفس الطريقة، وتمنع الفساد، وما إلى ذلك. ولكن في أوقات استثنائية، يجب اتخاذ قرارات مرنة، لأن الأمر بتعلق أكثر بالقدرة على اتخاذ القرار السريع وقوة القيادة.

الصحفي دانييل شتاينفورت: بالعودة إلى "التلاحُم اللامرئي" الذي حسب رأيك، يُلاحم اتحاد الأوروبيين: وفقًا لاستطلاعات الرأي في إيطاليا، فإن أقلية فقط من المواطنين تُجاهر الآن بالتزاماتها مع الاتحاد الأوروبي. الا يقلقك هذا الأمر؟

لوك فان ميدلار: بلى. وقد رأينا في حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أن الدعم غير الكافي يمكن أن يؤدي إلى إنهاء العضوية. ومع ذلك، لم يكن البريطانيون أبدًا أعضاء من صميم القلب، ولم يكن لديهم أبدًا شعور حقيقي بالهوية مثل الإيطاليين. خيبة أمل الإيطاليين حقيقية للغاية، في الوقت الحالي يميل البعض أكثر نحو الروس والصينيين من الألمان والفرنسيين. لكني أعتقد أنه لا يزال هناك وعي واسع بأن فوائد البقاء في الاتحاد الأوروبي تفوق فوائد الانفصال عنه. ولا يمكنني أن أتخيل أن التعاطف مع روسيا والصين مُستدام من الناحية السياسية.

الصحفي دانييل شتاينفورت: ماذا عن الوضع في بلدك؟ وما هو حجم التأييد على المشروع الأوروبي في هولندا؟

لوك فان ميدلار: وفقا لاستطلاعات الرأي، فإن الغالبية العُظمى من الهولنديين سيصوتون للبقاء في الاتحاد الأوروبي. من غير المُحتمل حاليًا وجود "Nexit انسحاب هولندا من الاتحاد الأوروبي". هناك الكثير من نقاط الاحتكاك مع بروكسل التي تعطي أيضًا الريح الخلفية للمتشككين بالاتحاد الأوروبي. لكن الهولنديين براغماتيين. إنهم يعرفون المزايا التي يُمكنهم الحصول عليها من السوق المُشتركة.

الصحفي دانييل شتاينفورت: جعلت هولندا في الآونة الأخيرة نفسها لا تحظى بشعبية كبيرة في النزاع حول مساعدات كورونا. أراد وزير المالية Wobke Hoekstra أن يعرف لماذا لا تمتلك بعض البلدان القدرة المالية الكافية لكبح آثار الوباء.

لوك فان ميدلار: كان ذلك نوعًا ما حماقة ولم يكن لحظة دبلوماسية حاسمة. الموقف الهولندي قابل للمُقارنة تمامًا مع الموقف في ألمانيا، حيث يتم تقاسم نفس التحفظات حول سندات اليورو. تكمن المُشكلة في أن البلدين يتعرضان حاليًا لضغوط معنوية كبيرة. في الوقت الذي ينطوي الأمر فيه حول الحياة والموت، فإن حجة التعامل بمبدأ هي أكثر أهمية مما كانت عليه في وقت كان يُمكن فيه للمرء أن يتهم بلد لأسباب تجارية سيئة.

الصحفي دانييل شتاينفورت: أين ترى سويسرا في هذه الأزمة؟ تقليديًا هناك مستوى عالٍ من الشك في الاتحاد الأوروبي من قبل سويسرا، وقد يشعر الكثيرون بأنهم على صواب عندما يتطلعون إلى الخلافات الحالية. في الوقت نفسه، يشعر الجميع أننا في قارب واحد وأنه لا يُمكننا النجاة من دون تعاون.

لوك فان ميدلار: من المهم أن سويسرا بصفتها دولة خارج الاتحاد الأوروبي، ليست أقل تعرضًا لأزمة الصحة العامة والأزمة الاقتصادية القادمة من جيرانها. في هذه الحالة، كما هو الحال في جميع البلدان الأوروبية، هناك روايتان سائدتان في الخطاب العام: واحدة تؤكد ما هو مشترك والأخرى تؤكد ما يفرق أوروبا. يجب أن يذكرنا هذا أيضًا بأنه لا ينبغي فهم أي بلد على أنه كتلة مُتجانسة وأن هناك وجهات نظر وتعارضات مُختلفة ليس فقط بين الدول ولكن أيضًا داخلها.

 

...........................

معلومات عن ضيف الحوار:

لوك فان ميدلار، المولود عام 1973، هو أستاذ قانون في الاتحاد الأوروبي والدراسات الأوروبية بجامعة لايدن ومحلل سياسي لـ «إن آر سي هاندلسبلاد» و «دي ستاندارد». من عام 2010 إلى عام 2014، عمل المؤرخ والفيلسوف السياسي ككاتب خطب ومستشار موثوق لرئيس مجلس الاتحاد الأوروبي هيرمان فان رومبوي. اشتهر الهولندي بكتابه "من القارة إلى الاتحاد - الحاضر وتاريخ أوروبا المتحدة"، الذي نُشر في عام 2016 .

عن صحيفة NZZ  السويسرية

 

 

1464 ريتشارد ديفيد بريشتوحديث عن أزمة كورونا والعودة إلى الحياة الطبيعية وخيبة أمله في حزب الخضر:

ترجمة : بشار حاتم

الصحفي يواخيم فرانك:

السيد بريشت، بعد شهر من الحظر المؤقت، أعلن وزير الصحة ينس سبان الآن أن جائحة كورونا "قابلة للسيطرة". هل تجعلك مثل هذه المصطلحات  متشككا؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

هذه المفردات لها تأثير مُهدئ. إنها تريد القول: "لا داعي للقلق بشأن قضايا نهاية العالم". لهذا لا أجد مشكلة في كلمة مثل " قابلة للسيطرة behrrschbar". وفي المقابل،فإن الخُطب التي ما زالا ترامب وماكرون يُلقيانها مُخيفة. إذا كان هناك شيء لا يصح في الأزمة،فهو استعارات الحرب. أن محاربتنا للفيروس كــ"خصم"  كما لو أننا في معركة بطولية ,تبدوا فكرة حمقاء! فنحن لا نتواجه مع بعض هنا، بل على العكس: نحن ننسحب ونحاول تجنب هذا (الخصم) قدر الإمكان. وهذا هو عكس قواعد فنون الحرب.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت ماذا عن مصطلحات من قبيل "طفيليات وكائنات ضارة " وأيضا استعراض القوة.

ريتشارد ديفيد بريشت:

استخدام الكلمات العرفية ليس دليل على القوة. هذا الخطاب له أيضًا قصة سيئة. تم استخدامه في نهاية القرن التاسع عشر عند ظهور الأوبئة، ولكن تم تطبيقه على البشر بعد أقل من جيلين في وقت لاحق: طفيليات وكائنات ضارة- هذه اللغة التصويرية الوحشية هي نموذج سابق.

الصحفي يواخيم فرانك:

هل أنت من الذين يبحثون باستمرار عن فرص في الأزمات؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

تجربة الحياة تجعلني نوعا ما متشككا. فكر في أزمة السوق المالية لعام ٢٠٠٨/ ٢٠٠٩ التي أثارتها المضاربات المفتعلة. هل اختفت آثارها منذ ذلك الحين؟ لا، إن النظام الفاسد كله في حالة دهور. و لماذا؟ لأن الناس صرخوا في الأزمة: " هناك حريق، هناك حريق! علينا الآن أن نطفئه ولكن لا يمكننا التفكير في كيفية بناء النظام من جديد ". بعد الأزمة، سرعان ما تلاشى حماس إعادة بناء النظام. إذا قلت في الأزمة " هذا الأمر سابق لأوانه الآن"، فهذا يعني قد فات الأوان.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت: " هذا الأمر سابق لأوانه الآن "

وهذا  ما يحصل بالضبط اليوم؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

على كل حال هذا هو تخوفي. لكنني لا أريد أن أتخلى تمامًا عن الاعتقاد بأن شيئًا ما قد يكون ممكنًا.

الصحفي يواخيم فرانك:

لماذا ينبغي للوضع أن يكون هكذا؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

لأن الكثير من الناس يقومون بتجارب في هذه الأزمة والتي بدورها ترسخ قوتهم. تهتهة "أسرع، أعلى، واصل، أكثر"، قطعت وتيرة -كل شيء -فورا، وتولد شعور في الواقع بأننا ننجو بدون ذلك. فجأة لم تعد الفكرة القائلة بأننا نتحرك ببطء أكثر هنا وهناك، أو أن بعض الثوابت ستبقى كما هي، هذه الفكرة أصبحت فجأة غير قابلة للتخيل. المثال الأول: هل نحتاج حقًا إلى حركة جوية داخلية حيث لا تحقق لوفتهانزا أي أرباح بكل الأحوال؟ المثال الثانيى بخصوص طاقم العناية والرعاية: يعلم الجميع أن التحفيز الودي والمكافآت الرمزية لا تغير النظام على المدى الطويل. وأعتقد أنني لست الشخص الوحيد الذي يفضل العيش في بلد يتلقى فيه طاقم الرعاية رواتب لائقة.

الصحفي يواخيم فرانك

الفيلسوف ريتشارد ديفيد بريشت: عن مشكلة القرن الحادي والعشرين وبالعودة لمثالك الأول: وظائف لا حصر لها تعتمد على حركة المجتمع، بما في ذلك السياحة .

ريتشارد ديفيد بريشت:

هذه ببساطة مسألة الشر الأصغر والأكبر. لدينا مشكلة آخذها على محمل الجد. إنها مشكلة القرن الحادي والعشرين: إذا تخلينا عن تنظيم النمو، فإننا سننتج أشخاصًا عاطلين عن العمل مع كل العواقب الاجتماعية والسياسية. ولكن إذا لم نخرج من هذا القيد الاقتصادي، فسوف ندمر الموارد الطبيعية لهذا الكوكب.

الصحفي يواخيم فرانك:

انها معضلة ...

ريتشارد ديفيد بريشت:

... لا يمكننا أن نخرج منها في نهاية المطاف إلا من خلال تحول الاقتصاد الاجتماعي إلى اقتصاد السوق المستدام. من المسلم به أن هذه عملية صعبة ومعقدة. لكن لدينا الآن فرصة لإحداث تغييرات يراها مثلا باحثو المناخ، على أنها ضرورية للبقاء.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت بخصوص كورونا: طريق التغيير

هل تعتبر أزمة كورونا عامل مساعد على التغيير؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

نعم من الناحية النفسية، ولكن ليس من الناحية الاقتصادية، ثمة شعور على الأقل بأن حياتنا قبل الأزمة لم تكن بدون بديل. اما عن أي تدابير سياسية الاقتصادية يجب اتخاذها, فهذه مسألة مختلفة تمامًا. أعتقد فقط أن رغبة الناس في اتباع طريق التغيير قد أخذت بالنمو.

الصحفي يواخيم فرانك:

حتى لو تطرقنا لمثالك الثاني،فقد أصبح نظام الرعاية الصحية أكثر تكلفة؟ لأنه في مكان ما يجب أن يأتي المال من أجل دفع أجور أفضل لموظفي الرعاية.

ريتشارد ديفيد بريشت:

أنت تتطرق لمشكلة كبيرة. في الأساس، إذا لم يكن هناك عجز في المجتمعات الغربية، فهذا يعني وجود المال. مجتمعاتنا أكثر ثراء من أي وقت مضى. بالطبع، يمكننا تجهيز النظام الصحي بشكل أفضل. على المرء فقط أن يجرؤ على الحصول على المال من المصادر المتروكة حاليًا.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت: من أين تأتي الأموال؟

أي مصادر تقصد؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

يجب أن يكون السؤال الأساسي: من أي مصادر نأخذ المال؟ ممن نحصل عليها؟ من الجميع؟ أم فقط من الذين لديهم الكثير من المال؟ هل يمكننا ربما إعادة تخصيص الضريبة التضامنية أو ما تبقى منها؟ أم لا يمكننا أن نصل إلى ضريبة التعاملات المالية؟

الصحفي يواخيم فرانك:

هذه واحدة من افكارك المفضلة

ريتشارد ديفيد بريشت:

نعم، لأنه بناءً على الأحجام المحتملة، أعتقد أن الدولة يجب أن تحصل مستقبلا على ضرائبها بشكل أقل من دخل عمل الناس، وبشكل أكثر من الأموال التي يتم الدفع بها بين الحين والآخر في الأسواق المالية واسواق الرأسمال. جزء كبير من هذه الشركات التي سيتم فرض ضرائب عليها ليست سوى  شركات مقامرة. يتكون رأس المال الاقتصادي الذي يتم تداوله في البورصة من قبل الألمان والبنوك الألمانية من مبلغ مرتفع جدًا يصل إلى تريليون دولار سنويًا. فرض الحد الأدنى من ضريبة المعاملات  بنسبة 0.1 في المائة فقط على هذه الأموال، كما تم حساب مؤخرًا، سيجلب لوزير المالية الألماني تقريبًا 43 مليار يورو. هذا كفيل بجمع الكثير المال.

الصحفي يواخيم فرانك:

الفيلسوف ريتشارد ديفيد بريشت: هل كورونا هي لشبونة القرن الحادي والعشرين؟

عندما هز زلزال كبير مدينة لشبونة عام 1755، أصبحت وجهات النظر العالمية على المحك. هل من وجهة نظر الفيلسوف، أن مدينة وهان مركز بؤرة كورونا، هي لشبونة القرن الحادي والعشرين؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

هذه لعبة عقل مثيرة! مع زلزال لشبونة، انهارت الفكرة الفلسفية واللاهوتية للإله الصالح الذي خلق أفضل العوالم. لأنه في أفضل العوالم، ليس من المنطقي أن تحدث الكوارث الطبيعية على الناس وتكلف الكثير من الأرواح. إذا أردت أن أجد نقطة للمقارنة مع الحاضر، فقد يقودنا فيروس كورونا إلى التفكير في إنسانيتنا من جديد. لقد نسينا إلى حد كبير في الحياة اليومية أننا كائنات بيولوجية.  لدي انطباع دائم بأن الشباب يعتقدون أنهم أكثر ارتباطا بهواتفهم الذكية من الحيوانات والنباتات. الآن ندرك: بأننا كجنس بشري، حساسون وضعفاء للغاية، ونعتمد بشكل كبير على بيئتنا البيولوجية. سيكون أمرًا جيدًا حقًا إذا نظرنا مجددًا إلى أنفسنا على أننا جزء من الطبيعة، عدا ذلك فإننا سنستغلها ببساطة من دون أي عائق. ولكن من منظور اليوم، لا يمكنني صياغة ذلك إلا بالأمنيات المؤجلة.

الصحفي يواخيم فرانك:

نُثبت جميعًا كأفراد ومجتمع في هذه الأزمة أننا أنظمة متعلمة: هل توفر الكمامات الحماية أم لا؟ هل يجب أن نستخدم تطبيقات التتبع لمقاطعة طرق الإصابة أم لا؟ ماذا تعلمت منذ شهر آذار؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

في البدء، فهم أفضل لوظيفة الفيروس، والتي ما زلنا لا نعرف الكثير عنها. عندما يتعلق الأمر بالمراقبة الإلكترونية، ما زلت أشارك نفس الرأي  الذي قلته قبل أربعة أسابيع: أعتقد لا يوجد دليل على وجود علاقة بين استخدام هذه التطبيقات ومعدلات الإصابة المنخفضة. كما أنني لا ألاحظ أي عالم يرغب بشكل جدي إثبات هذه العلاقة. أفهم من ذلك أن وزير الصحة سبان يريد القول إنه يجب علينا استنفاد جميع الاحتمالات. وهذا منعكس طبيعي.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت: اتصال من خلال الاتصال

هل هذا الأمر غير مفهوم بالنسبة لك؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

هذا رد فعل وليس استنتاج. ألقيت محاضرة في 10 آذار وتواصلت مع ما يقدر بنحو 100 شخص في ذلك المساء. كانوا على اتصال بآخرين والآخرين كانوا على اتصال أيضًا مع آخرين. فكيف يُفترض أن يعمل برنامج التتبع؟ وكيف يجب أن تتم إجراءات الحجر الصحي العملية؟ نتوقع أشياء عجيبة مع هذه الإجراءات التي لا يمكنهم تحقيقها. وإذا لم يتمكنوا من انجازها فلا ينبغي لنا القيام بذلك. وإلا سنعبر حدودًا مهمة جدًا دون الحاجة لذلك. لا يزال هناك حديث عن التطوع. ولكن هل سيبقى هذا الأمر على هذا النحو في المرة القادمة؟

الصحفي يواخيم فرانك:

انتهاكات أخرى للحدود- تقييد الحريات وحظر الاتصال – هل هذه الإجراءات صحيحة؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

نعم، لأنها مناسبة لحالة الطوارئ ولأننا يمكن أن نثق في ديمقراطيتنا الليبرالية القائمة على سيادة القانون أننا سنستعيد هذه الحريات بالكامل. في هنغاريا لم يكن لدي تلك الثقة.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت بخصوص موضوع كورونا: و"العودة إلى الحياة الطبيعية"

الجملة السحرية تسمى اليوم "العودة إلى الحياة الطبيعية". وهذا يشير أيضًا إلى أنه بعد الأزمة، سيكون كل شيء كما كان من قبل.  بفضل مزحة التغيير!

ريتشارد ديفيد بريشت:

سيكون ذلك مسألة ضغط. يجس السياسيون بعناية فائقة نبض المواطنين. إذا أصبحت الدعوة للتغيير أكثر صخبا، فستكون هناك أيضًا استجابة في السياسة. وفي ضوء ذلك، يجب أن أذكر خيبة أملي بحزب الخضر!

الصحفي يواخيم فرانك:

لماذا؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

لأنهم يتناولون فقط الموضوع الذي ذكرته للتو "العودة إلى الحياة الطبيعية". قدم زعيم حزب الخضر روبرت هابيك الآن اقتراحًا لطيفًا بشأن نوادي النقاش وجلسات العصف الذهني، والتي يجب أن نتبادل فيها تجربتنا للأزمات ونطور الأفكار. يذكرني ذلك بــ "لجان العدالة" التي ظهرت في جميع أنحاء الشرق الألماني أثناء وقت التحول. كان لديهم نفس الوظيفة. كان يوما ما يتوجب على مواطني جمهورية ألمانيا الديمقراطية التفكير بمسألة: ما الذي يعجبنا حقًا في جمهورية ألمانيا الاتحادية؟ ماذا نريد أن نتلقى وبماذا نحتفظ في ألمانيا الديمقراطية؟ وأي شيء آخر نتمناه؟ بالطبع، لم يؤخذ هذا على محمل الجد في جميع الأوقات! وبنفس الوسائل يريد أعضاء حزب الخضر التخلص من مسؤولياتهم اليوم، على وجه التحديد فيما يخص التحول الكبير والمزيد من الاستدامة.

الصحفي يواخيم فرانك:

فيلسوف (روبرت هابيك) يتحدث عن أزمة كورونا: هل هو اهتمام بمنحنى الشعبية ... اتعتبر هذا جُبن؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

أظن ذلك: إذا ركزنا كثيرا على طرح الموضوع للنقاش، فسوف نكون غير متضامنين في الأزمة. وبهذا لن يكون تأثيرنا مثل رجال الإطفاء،وإنما مثل المتفرجين على الحريق بجانبهم ويقدمون لهم نصائح ذكية. ولذا فمن الواضح أنهم أعطوا شعار "التحفظ". في اللحظة الخاطئة، تهتم قيادة الحزب في المقام الأول بقيمتها في منحنى الشعبية. لا يسعني إلا أن أكرر ما قاله فرانتس جوزيف شتراوس ذات مرة: حبيب الجميع هو مُغفل الجميع.

الصحفي يواخيم فرانك:

إذن أنت لا ترى الدعوة إلى "الحياة الطبيعية" على أنها نداء استغاثة من كل أولئك الذين يخافون على وظائفهم، وأرباحهم وعليهم أن يراقبوا بعد الإغلاق كيف يمكنهم تعويض الخسائر المالية لأن  خلاف ذلك  سينتهي أمرهم؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

ربما أنت تفكر في رجال الأعمال الصغار.

الصحفي يواخيم فرانك:

على سبيل المثال.

ريتشارد ديفيد بريشت:

بالطبع أفهم أنهم قلقون بشأن أعمالهم! ومن واجب الدولة مساعدتهم. يحتاج الصغار إلى مساعدة أكثر بكثير من الكبار، على الرغم من أنه من المعروف أن لديهم لوبي مؤثر.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت: "الإجراءات المضادة أصبحت الآن أكثر أهمية"

وأن قوة الدولة لن تنفد.

ريتشارد ديفيد بريشت:

يمكن فرض ضريبة على تجار الإنترنت الكبار لدعم البيع بالتجزئة. موقع أمازون وعمالقة التجارة الآخرين عبر الإنترنت هم الرابحون الأكبر في أزمة كورونا. إذا تم فرض ضريبة على مبيعاتهم بنسبة 25 في المائة، فهذا كفيل بإنشاء صندوقًا ماليًا ضخمًا، حيث يمكن من خلاله دعم تجارة التجزئة المستقرة المؤهلة ومساعدة أصحاب المطاعم. قبل أزمة كورونا، كنت أؤيد مثل هذه الضريبة من أجل الحفاظ على التنوع البيولوجي للسوق ومنع التصحر الكامل لمدننا الصغيرة والمتوسطة الحجم. إن مسقط رأسي سولينغن هو مثال بارز على التصحر الكبير. في السبعينيات  كان لا يزال هناك تجارة تجزئة مزدهرة عن طريق المحلات التجارية التي يديرها أصحابها. عمليا لم يبق منها شيء. لذا فإن الإجراءات المضادة ستكون أكثر أهمية الآن حتى لا تنهار المخزونات المتبقية أيضًا. كما أن المجال الحضري النابض بالحياة هو أرض خصبة للثقافة والتعايش الاجتماعي والديمقراطية الحية. وهذا ما يجب الحفاظ عليه.

الصحفي يواخيم فرانك:

خلاصتك عن أزمة كورونا في شهر نيسان 2020؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

في سياق التنمية، اعتقدت أن القرارات السياسية كانت صحيحة. وأعتقد أيضًا أن التسهيلات التي تم تحديدها الآن صحيحة. حتى الآن، لم يكن هناك سبب يدعو إلى لوم الحكومة. سيكون من المهم الآن كيف نقوم بتدبير الحياة الطبيعية الجديدة من دون إعادة ارتكاب  الأخطاء السابقة.

الصحفي يواخيم فرانك:

ريتشارد ديفيد بريشت: "يضع المُجتمع نفسه الآن تحت الاختبار "

وفي الوقت نفسه، هناك الكثير من الجدل حول مدى وحجم التسهيلات. يشعر الكثير ممن لا يستفيدون من هذه التسهيلات أنهم عوملوا بشكل غير عادل.

ريتشارد ديفيد بريشت:

هذا طبيعي. هذا جزء من الموضوع. لكن لا أعتقد أن هذا سيء للغاية. سننسى ذلك  في غضون سنة. والأهم من ذلك، يضع المجتمع نفسه الآن تحت الاختبار. ويقترب بعض الشيء من ذاته ولديه الفرصة للتفكير في أشياء يفترض أنها تفتقر إلى الوقت أو الطاقة أو المال.

الصحفي يواخيم فرانك:

ومالذي لن ننساه  خلال سنة؟

ريتشارد ديفيد بريشت:

بالتأكيد بعض الصور المرعبة، مثل تلك من شمال إيطاليا. والخوف الكبير على الأقارب أو على الوظيفة. ولكن ربما سيكون أيضًا هذا الإيقاع المختلف للحياة جيد بالنسبة لنا. يمكن مثلا مُناقشة بعض الأشياء في الاجتماعات المرئية دون الحاجة إلى ركوب السيارة أو حتى السفر بالطائرة. نأمل ألا ننسى الإحجام عن ركوب سفينة سياحية على اعتبارها مخبأ فيروسي. ونأمل أن نتذكر مدى أهمية الأصدقاء والأقارب لنا. هذا أيضًا من السهل نسيانه في حياتنا السريعة.

.................

* معلومات عن الضيف:

ريتشارد ديفيد بريشت هو فيلسوف وكاتب ألماني مولود في مدينة سولينغن عام 1964. يعمل الآن كأستاذ محاضر في جامعة لونبورغ. حاز على شهرة عالية بعد أصداره كتاب "من أنا - وإذا كان الأمر كذلك، فكم ؟".

.............................

عن صحيفة: Frankfurter Rundschau

 

 

نبيل ياسينكثيرون ممن كتبوا عن الشاعر نبيل ياسين يؤكدون إنه لم يخرج من معطف شاعر سبقه، فهو صوت متميز خاص، يمزج الوعي بالأسطورة والزمان بالمكان والتاريخ بالرمز، والحب بالحزن.

لم يأبه بالتسويق ولا الشهرة ولا الجوائز. عرف عنه التمرد والرفض مطلقا من حنجرته صوته الخاص والذي غالبا ما يتسم بالاحتجاج والفردية. وقد كلفه ذلك كثيرا جدا دون أن يتراجع اويستسلم

جنى بسبب ذلك كثيرا من المتاعب وسوء الفهم. نلتقيه هنا بعد صدور أعماله الشعرية مؤخرا.

* أنا من المتابعين لشعرك منذ زمن طويل، ولكن كانت هناك صعوبة في الحصول على مجموعاتك الشعرية بسبب نفادها والزمن الذي مر على صدورها. واعتقد ان صدور الاعمال الشعرية  كان حدثا مهما لمتابعيك. ماذا تضم المجموعة؟

** تحتوي الاعمال الشعرية على جميع الدواوين الصادرة والتي لم تصدر. أولها مجموعتي الاولى (البكاء على مسلة الاحزان) الذي صدر مطلع عام ١٩٧٠ وديوان (الشعراء يهجون الملوك) عن الذي صدر عن سلسلة ديوان الشعر العربي الحديث في بغداد عام ١٩٧٨ بعد منعه لمدة اربع سنوات. كما تحتوي على (قصيدتان) التي صدرت في بيروت عام ١٩٨١. و(احلام شاقة) التي صدرت في دمشق وقبرص عام ١٩٨٧ وكذلك (الاخوة ياسين) التي صدرت في لندن عام ١٩٩٤ و(صهيل في غرفة)  التي صدرت عن الهيئة العامة للكتاب في مصر عام ٢٠٠٢ اضافة الي قصيدة بلاد الرافدين التي صدرت في ديوان صغير في لندن عام ١٩٩٦

* هذا ما كان صادرا فما الدواوين التي ضمتها الاعمال الشعرية ولم تكن قد صدرت من قبل؟

** كانت هناك دواوين معدة للطبع ولكن سوء حظي مع الناشرين حال دون صدورها منها (طقوس الى الأبد) و(وردٌ ورمل) و(دعوني أعبر هذا العالم) و(حدث بين النهرين)(وبغداد -نيويورك) وأخيرا (العشاء العباسي) ومعظم قصائد هذه المجموعات نشرت من قبل متفرقة في عدد من المجلات والصحف مثل الحياة والقدس والكرمل.

* وكيف كانت استجابة النقاد لصدور اعمالك الشعرية؟

** لم تكن الاستجابة بحجم الاعمال الشعرية رغم تواضعي. وهذا امر واقعي وطبيعي اليوم. فآنا لا اجيد تسويق نفسي ولا احب ذلك لأنه ليس مهمتي. كما ان علاقاتي ليست واسعة وتقوم على رؤية نقدية خارج المجاميع السياسية والأيديولوجية.  انا اكتب شعرا. هذه هي وظيفتي الابداعية . اما من يكتب او لا يكتب فهذا يتعلق بالنقاد انفسهم. ان حركة النشر نفسها، بشكل عام،لم تعد طبيعية في عالمنا العربي. فالنشر العربي يعيش الكاتب الذي يطلب منه ان يدفع لقاء نشر كتابه، كما يعتمد على الترجمة اولا، وهو يعيش على الكتاب الديني ثانيا، ثم الكتاب السياسي، ثم الرواية. ومع هذا تواجه حركة النشر سوء التوزيع والوصول الطبيعي للكتاب الى القارئ. وضعف مستوى النقد واعتماده على مجموعات ضيقة متضامنة نفعيا.

حركة تسويق الكتاب تعتمد على معارض الكتب السنوية في بعض العواصم العربية، ومعنى ذلك ان الكتاب العربي كتاب موسمي يصيب القارئ بالحيرة، اذ يقدم له خيارات معقدة ومتعددة في وقت واحد.

- إضافة إلى ذلك لم تعد الحركة الشعرية موحدة على مستوى الألم العربي كما كانت حتى نهاية القرن الماضي، وقد تراجعت الصحف والمجلات ومنابر النشر العربية عن ان تكون ممثلة للثقافة العربية في جميع البلدان العربية، وانما أصبحت معزولة داخل كل بلد وفي داخل كل بلد معزولة في اطار مجموعات محددة .ليس لدينا حركة نقدية كما انه ليس لدينا حركة شعرية، فما لدينا هو غياب للمرجعيات اللازمة لكل حركة. ولذلك لا يمكن القول ان لدينا حركة نقدية او حركة شعرية بعد ان تشظت هذه المرجعيات وحلت محلها افتراضات اعتباطية لكل فريق.

- ان الأجيال الجديدة من المبدعين العرب تتصرف وفق فكرة (قتل الأب).

- تصور ان شاعرا انجليزيا يحتقر شكسبير ولا يقرأه فيكتب شعرا، وإن رساما فرنسيا يحتقر ديلاكروا ولا يرى رسومه ثم يرسم، وان مسرحيا أمريكيا يحتقر تنيسي وليامز ويكتب مسرحية. لدينا شعراء يحتقرون المتنبي واحمد شوقي والرصافي وامرئ القيس والسياب ولايقرأونهم ويكتبون شعرا .

- كان للحركة الشعرية مرجعيات ممثلة بوجود حركة شعرية لها تقاليدها. وكانت لهذه الحركة مرجعيات معروفة، (الآداب) ووراءها سهيل إدريس و(شعر) ووراءها يوسف الخال وجماعته ومواقف ووراءها أدونيس و(الكرمل) ووراءها محمود درويش وجماعة ابوللو في مصر والبرنامج الثاني في إذاعة القاهرة وغيرها  الكثير جدا ولم تكن محتكرة لجماعة وانما منفتحة على كل إسم وكل تجربة. اليوم لم يعد لدينا شيء من هذا وانما مجاميع مثل الكثبان الرملية تتحرك وتحمل جوائزها الملفقة وتقييماتها الزائفة معها من مكان الى آخر.

- أقول دون تردد، من خلال تجربتي المتواضعة ولكن الطويلة، ان دولا  غربية أصبحت تتدخل في من يكون الشاعر ومن يكون الروائي ومن يكون المفكر للعرب.

* دون شك انا وغيري ممن قرأوا شعرك منذ سنوات طويلة نتعامل معك باعتبارك شاعرا متميزا، وهناك شعراء عديدون، عراقيين وعربا،  يتعاملون معك وفق هذا الاعتبار، كما إن شعرك يتميز بغنى ايقاعي بارز فماذا يعني لك الإيقاع شعريا؟

** الإيقاع هو فن القول. لا شعر بدون إيقاع سواء كان وزنا أو نثرا. الشعر غناء فكيف تغني دون آلات موسيقية. الشعر جملة كما في الموسيقى، وعلى الشاعر أن يجيد عزفها كاملة. وفي القصيدة، حتى في قصيدة النثر، لابد من إيقاع سواء إيقاع المفردة أو إيقاع العلاقة بن المفردات، أي الجملة الشعرية. كل فن له شروطه وقواعده التي تتطور من داخل شروط الفن نفسه.

لايمكن ان أتصور الشعر جملة جافة.، سواء كان عموديا او حرا او نثرا. لابد من نظام يجعلني اتعرف على النوع. فلكل نوع نظامه.

* الواقع الشعري العربي حاليا، كيف  تقيمه؟ أعرف إنه سؤال تقليدي، ولكن هل تعتقد اننا نفقد الشعر إلى الأبد؟

** ربما، رغم هذا الكم الهائل من الشعر المكتوب حتى يبدو وكأنه قصيدة واحدة، نمطية، مكررة، تجريدية، وتعبير عن إنعدام الإلهام الذي ارتبط بالشعر منذ ارسطو رغم ان لا احد يستطيع ان يقول كيف نكتب الشعر.

سأقول لك شيئا من تجربتي في مهرجانات الشعر العالمية التي شاركت في عدد منها  مثل مهرجان (هي اون ذي وي) في بريطانيا ومهرجان (بن) في نيويورك في (بيت الشعراء)  ومهرجان (هارلنغتين) في بريطانيا . وهناك قراءات قدمتها في المتحف البريطاني وساوث بنك: هناك جمهور محدد ولكنه واسع قياسا لجمهورنا. واكثر من ذلك كنت أفاجأ لامتلاء القاعات وكان قسم منها يأوي ستمائة مستمع وكان الحضور لسماع الشعر يتم عن شراء تذكرة بقيمة لا تقل عن عشرين جنيها استرلينيا او عشرين دولارا. الشعر تراجع حضوره في العالم قياسا الى أنماط إبداعية أخرى، ولكنه ما .يزال يعيش

الشعر هوية لوجدان الإنسان وكينونته على الأرض، ويمكن لهذا الوجدان ولهذه الكينونة ان يكتبا بأية طريقة ولكن مبدعة بحيث تجد رضا وقبول. مثل الدولة في عرف الفيلسوفين روسو وهيغل فهي تحتاج لتكون دولة لأن تحظى بقبول الناس ورضاهم عنها.

 * سؤال تقليدي آخر، هل حصلت على جوائز؟

- ** (يضحك) لا ولله الحمد.. لم أحصل على جائزة . وسأرفض أية جائزة اذا ما رشحت لها، فمعايير الجوائز تشبه مايقال انه اصلها اللغوي كما ورد في الجمهرة لإبن دريد حيث يقال ان قائدا وقف امام عدوه وبينهما نهر فقال من يجتاز هذا النهر فله جائزة من المال فكان من يجتاز يأخذ جائزة اجتيازه. أنا ما أزال اسبح في نهر الشعر ولا أريد جائزة.

 * أنت درست الفلسفة ومنذ زمن طويل كانت انشغالاتك بالتنظير في قضايا فكرية عديدة في إطار الدولة والمواطنة والعلمانية  والأخلاق، والدين، والعدالة وحقوق الإنسان والدستور والديمقراطية، فهل تعتقد ان هناك تفاعل بين الشعر وبين الفلسفة؟

** حين لم يكن العرب منشغلين في الفلسفة كان شعرهم يتضمن مواضيع الفلسفة من الحكمة والطبيعة وما بعد الطبيعة. واعتقد ان دراستي للفلسفة وانشغالي بها أضاف كثيرا من الرؤى والأفكار الى شعري . واعتقد أيضا ان الشعر تعبير عن فلسفة الشاعر، إنها ترقى بالشعر الى أن يكون كما عرفه الجاحظ إلتقاط الساقط وتحويله الى ذهب).           

الشعر فن والفلسفة معرفة وقد استفدت أيضا من الفلسفة لكي تكون هناك معرفة للعالم والحياة والأنسان والمجهول والميتافزيقي والوجود.

 * في (أوجاع الوردة .. سيرة قصيدة.. سيرة رأي) التي صدرت في القاهرة قبل عدة أشهر،  قدمت سيرة جديدة لا تعتمد على السرد الحياتي وانما على السرد الذي يقود الى التعرف على المرجعيات والأصول الشعرية لقصائدك وفكرك من خلال وقائع حياتك . كيف قدمت هذ الرؤية؟

** أوجاع الوردة (التي نشرت منها أربعة فصول لأول مرة في جريدة القدس عام ١٩٩٦) سيرة معقدة للوصول الى مصادر ومرجعيات شعري وأفكاري، في العائلة، في بغداد، في الام، في النهر، في ليل بغداد، في الاساطير الرافدينية، في الطقوس، في الألم، في المنفى، في الطفولة، في المخيلة التي تختزن اساطير وقصص وخرافات البلاد، في التحولات التي عانى منها شعب يخرج من التاريخ ليدخل فيه من جديد، يخرج من الدمار والخراب والنكبات ليدخل فيها من جديد. إنه نص في عشرة فصول سعيت فيه لأعرف من أنا ومم تكونت وكيف عشت وكيف كتبت وأين؟.

*على جانب آخر انت مهتم، من خلال دراساتك الأكاديمية والفكرية في الفلسفة وعلم الاجتماع السياسي، كيف يمكن تحليل المجتمعات العربية سياسيا وإجتماعيا؟

** هناك تقدم في دراسة المجتمعات العربية على الصعيد الاجتماعي والسياسي، ولكن المشكلة هي عدم تحديد أي العلوم الأكثر قدرة  في هذه الدراسة.

خذ المجتمع العراقي مثلا،خذ دراسات عالم الاجتماع والمؤرخ الاجتماعي علي الوردي. لقد أنجز كثيرا في شأن دراسة طبيعة الشخصية العراقية والمجتمع العراقي. ولكن في تقديري، ومن خلال كتابي الذي  أشتغل عليه منذ خمس سنوات لدراسة  طبيعة المجتمع العراقي بعد علي الوردي، وهذا هو عنوان الكتاب، ان علم الاجتماع لا يكفي وحده لدراسة العوامل المؤثرة في الشخصية العراقية، وأنا اعتقد ان علم الاجتماع السياسي هو العلم الأصلح لدراسة مجتمع مثل المجتمع العراقي. فالشخصية العراقية تفتقر الى الفردية وتعيش في جماعات، سياسية على الأغلب. واذا تراجعت الأحزاب، لجأ الفرد العراقي الى العشيرة او المذهب او المنطقة، او الفخذ المتفرع من العشيرة.

ان ما شهده العالم العربي هو انهيار البنية الثقافية للحضارات التاريخية. كما ان انهيارات مماثلة للدولة كمنظومة حامية وضامنة لوحدة المجتمع ضمن تعددياته الدينية والاثنية والمذهبية التاريخية قد حدثت لتعم ما اسمته الولايات المتحدة بعد إسقاط صدام حسين، الفوضى الخلاقة التي اثمرت العنف والاحتراب الوطني في دول عديدة.

هذه الفوضى لم تحدث إلا لإعادة توزيع جديد للمنطقة بإنهاء ما أعلنته الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بعد سقوط الموصل بإلغاء سايكس بيكو، ليس كهدف قومي كما كانت الحركة القومية العربية ومن ضمنها حزب البعث وشعاراته(إمة عربية واحدة) تنادي به وإنا كهدف ديني لإعادة الخلافة. المفارقة ان اتفاقية سايكس بيكو اعترفت بدول تاريخية -جغرافية كانت معروفة، ولكن الدولة الإسلامية تريد الغاء هذه الدول.

* عرفت مؤخرا انك مشغول بتأليف كتاب جديد بعنوان (الدين والعلمانية) وضمن ذلك دراسة حركة الإصلاح الدين للأفغاني وجماعته، كيف بحثت علاقة الحركة الإصلاحية في هذا الإطار؟

** نعم. مشغول بهذا الكتاب وهو بحث فلسفي حول الدين، والدين والعدالة، والدين والأخلاق، والعلمانية بإعتبارها فلسفة حقوقية سياسية ليبرالية للنظام الديمقراطي المعاصر.

لقد واجهت حركة الإصلاح الديني مفهوم فصل الدين عن الدولة، وهو رافعة الحداثة العلمانية، وهناك مستويات مختلفة في حركة الإصلاح بين خير الدين التونسي والافغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ثم رشيد رضا، كما إن هناك، محاولات عميقة لآية الله الشيخ حسين النائيني وهو مرجع ديني مرموق في العراق في الثلث الأول من القرن العشرين وألف كتابا هو (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) وقد صدر عام ١٩٠٩ خلال المعركة الكبرى بين المشروطة والمستبدة، يعد، في تقديري، مقدمة لكتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) الذي صدر عام ١٩٢٥. فهو كتاب يفكك العلاقة بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، وهو يقفو خطى الكواكبي في (طبائع الاستبداد) ولكنه يتجاوزه إلى البحث في شكل نظام الحكم بشكل واضح.

الفصل الخاص بحركة الإصلاح يبحث أيضا في خطاب الإصلاحيين ولغتهم وهم يبحثون كيفية التعايش مع الحداثة الغربية التي تتطلب التعامل مع مفردات جديدة مثل الدستور والحرية والبرلمان والانتخابات والتعددية وسيادة القانون وفصل الدين عن الدولة والعقد الاجتماعي والمواطنة وحرية العقيدة  والعدالة وفلسفات عميقة لفلاسفة الفكر السياسي الليبرالي، وهو ما أوقع الخطاب الإصلاحي في ورطة للبحث عن (أصول) دينية لهذه المبادئ  فعادوا الى مفاهيم فقهية متوقفة ومفرغة من محتواها العملي مثل البيعة واهل الحل والعقد والبيعة والشريعة ولكن مأساة الحركة انها انتهت عند محمد رشيد رضا بالعودة الى مفهوم الخلافة

* وهل يمكن عودة هذه الحركة بعد قرن ونصف على انطلاقها؟

** لا. لا يمكن دون توفر شروط الديمقراطية. أعني ان حركة الإصلاح في الأصل هي حركة سعت لأن تكون  ديمقراطية. والديمقراطية تحتاج الى فلسفة هوبز وعقد اجتماعي لكل من لوك وروسو وإلى ليبرالية جون ستيورات ميل. وإلى نقض الأدلة العقلية ولكنها غير العقلانية عن الدين التي نقضها ايمانويل كانت ليصبح مؤمنا، وتحتاج الى محاججة إيمانويل كانت ومحاججة  دوركهايم وهي هل ان المنظومة الأخلاقية نتاج الدين أم لا، وهل ان التنظيم الاجتماعي  خرج من التنظيم الديني أم لا ؟  كما تحتاج الى هايدغر الذي يعتبر ان كل رجل له دين ذ حتى الشيوعيين يعتبرهم مؤمنين بالعلم ايمانا مطلقا والايمان هو دين. وهابرماس الذي قدم الدين في المجال العام. أي فتح النقاش بشكل غير تكفيري . القضية لا تتعلق بالإيمان والكفر كما يعتقد بعض السطحيين وإنما تتعلق بإرتباط الدين بالعدالة وفق نظرية جون رولز عن نظرية العدالة والعدالة كإنصاف. وتتعلق بنظريات روسو عن العقد الاجتماعي ووظيفة الدولة في توفير السعادة للمواطنين عند ديدرو وآخرين غيرهم. والتخلي عن التجربة التاريخية للدولة في الإسلام باعتبارها مصدر الحاضر.

- هل لدينا في تراثنا شيء من هذا؟

- نعم. هناك فلاسفة مهمون عالجوا مثلا في  الاخلاق: هل هي طبيعية ام مكتسبة وهي تقترب من نظرية الحقوق الطبيعية التي قامت عليها شرعة حقوق الإنسان ولدينا فلاسفة مهمون في هذا السجال مثل مسكويه والكندي والغزالي والفارابي وإبن حزم وإبن صاعد ويحي بن عدي التكريتي وغيرهم

- وماذا بعد ذلك؟

** أن نقترب اكثر من الحداثة عبر طرح المشكلات في المجال العام

- بعد ذلك نحتاج إلى الوضوح. فنحن نفتقر إلى الوضوح

 

أجرى المقابلة: مهدي السعيد

...................................

الصورة للدكتور نبيل ياسين

 

عصمت نصارأجرى هذا الحوار معي الأستاذ صابر رمضان فرأينا من الفائدة أن نطلع قارئ "المثقف" عليه: فقال:

الدكتور عصمت حسين نصار أستاذ الفلسفة الإسلامية والفكر العربى الحديث بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة فرع الخرطوم، أحد المفكرين القلائل الذين أثروا الحياة الثقافية والإسلامية بكتاباتهم العلمية والبحثية، وهو عضو الجمعية الفلسفية المصرية والجمعية التاريخية المصرية والمجلس الأعلى للثقافة، وهو محكم أكاديمي فى العديد من الدوريات واللجان العلمية للمجلس الأعلى للجامعات، أيضاً حرر الموسوعة الفلسفية وموسوعة الأخلاق بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وهو عضو الجمعية الدولية للمكفوفين الأكاديميين بإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية وعضو لجنة مشروع إعادة إصدار كتب التراث فى الفكر الإسلامي الحديث بمكتبة الإسكندرية، من مؤلفاته «الأبعاد التنويرية للفلسفة الرشدية فى الفكر العربى الحديث»، و«اتجاهات فلسفية فى بنية الثقافة الإسلامية».

قام بدراسة وتحقيق الأعمال الكاملة للشيخ مصطفى عبدالرازق، كما قام بتأليف «إمام المستنيرين الشيخ حسن العطار وبواعث النهضة المصرية فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر»، و«ثقافتنا العربية بين الإيمان والإلحاد» و«حقيقة الأصولية الإسلامية فى فكر الشيخ عبد المتعال الصعيدي» و«الخطاب الديني والمشروع العلماني وجهان لعملة زائفة» و «الروحيّة الحديثة فى الثقافتين الشرقية والغربية» و«الصراع الثقافي والحوار الحضارى فى فلسفة محمد إقبال» و«رحلة العودة إلى الأمام» و« من التقليد إلى التبديد .. رهانات العقل العربي» بالإضافة إلى مئات المقالات والأبحاث العلمية فى الصحف والمجلات المصرية والعربية، بالإضافة إلى أبحاثه فى الدوريات الأجنبية، «الوفد» التقت به فكان هذا الحوار.

- بداية لماذا ترهلت الأمة الإسلامية وتخلفت عن دورها الحضارى بالرغم من أن القرآن والسنة بين يديها؟

- لأنه لم يعد هناك حسن قراءة وفهم للقرآن وصحيح السنة، هذا الدستور موجود ولكن ليست هناك عقول تطبق وأذهان تعي ودعاة ينشرون الدعوة، كما كانت على سذاجتها الأولى أو كما أوحى بها إلى المصطفى.

- بالتأكيد الخطاب الفلسفى يلعب دوراً رائداً فى مواجهة الفكر المتشدد والمغلوط حول المفاهيم الإسلامية الرصينة .. نود إلقاء الضوء على هذا الدور؟

- التفكير الفلسفى هو حامٍل للاستقامة فى كل المفاهيم وكل الأفكار، وهو مقوم جيد لكل ما يعلق بالذهن عن طريق المناهج، فبالمنهج التحليلي والنقدي والمنهج المقارن يمكننا أن نزن الأفكار ونحللها ثم نعيد ترتيبها، ثم نراجعها، حتى نصل إلى ما نطلق عليه الإقناع بالحقيقة، والاقتناع بالحقيقة، فالفلسفة على مر تاريخها هى الصديق الذى لا يضل الفكر وإنْ قيل أن الفلسفة أحياناً تبدو على أنها سبيل للجنوح أو للجموح، هذا إذا ما فهمت الفلسفة خطأ، شأنها شأن معظم المفاهيم.

- لماذا - فى رأيك - أغلب نظريات الوعى تأتى من الفلسفة والأديان؟

- لأن الفيلسوف هو عصارة إبداعات الجنس البشرى، والدين هو صوت الله، صوت الحقيقة، فإذا ما قلنا أن الفيلسوف هو أكثر من لديه القدرة على استلهام الحقائق الإلهية أو الحقائق الربانية أو الحقائق المطلقة، فإن الأنبياء كذلك والفرق بين الفيلسوف والنبي أن الفيلسوف يمكنه أن يصل إلى الحقيقة عن طريق التأمل الذهني، والنبي يصل إلى الحقيقة عن طريق الوحى.

- هل نحن فى حاجة إلى تجديد الخطاب الديني بالمعنى الاصطلاحي أم أننا بحاجة إلى خطابات جديدة تنطلق من الأفكار وعلاقتها بالواقع لا من الماضي؟

- لدينا خطاب ديني موجود بالفعل ولكنه يحتاج إلى تطهير أو إحياء أو تقويم، الخطاب الديني كما قدمه لنا معظم المصلحين المسلمين بداية من حسن العطار إلى عبد المتعال الصعيدي، كل أولئك قدموا الخطاب الديني تقديما يليق بالمفهوم الصحيح للإسلام، ولكن ما حدث، أهمل هذا الخطاب أو شوه أو طمس أو ذهبت قوة متعمدة على محوه، أو تضليل أصحابه عن ذلك الخطاب الذى هو جدير باتباعه.

- ما تقييمك لجهود الأزهر الشريف فى تجديد الخطاب الديني؟

- الأزهر الشريف هو الذى أنجب معظم المصلحين أو المفكرين الإصلاحيين فى العالم العربى والإسلامي، لكن الموجودين الآن ضعفاء لا يستطيعون حمل الرسالة أو لا يستطيعون التعبير عن حقيقة الاجتهاد وحقيقة الجهاد الإسلامي بالمعنى الصحيح، وهو مواجهة الواقع ومشكلاته برؤية تجمع بين المنقول والمعقول، فنحن نجد داخل الأزهر سلفيين وإخوان مسلمين وتقليديين جامدين، والقليل هم الذين يمكن أن نقول عليهم بقايا الفرق الإصلاحية أو بقايا الأصوات الإصلاحية وأولئك صوتهم مطموس، أو لا نكاد نسمعه.

- هناك ظاهرتان راسختان فى أوروبا .. تطرف إسلامي وتطرف ضد الإسلام .. الأصولية والإسلاموفوبيا .. كيف ترى هذا الثنائي الخطير؟

- كتبت كتاباً عن «حقيقة الأصولية» وقلت إن الأصولية الإسلامية بعيدة نهائيا عن مصطلحين هما الراديكالية والفانتمنتليزم، الراديكالية هى الإيضاحية، والفانتمنتليزم، هى الجمود والتخلف والتشدد والعنف تجاه الآخر وإنكار الأغيار تماما، لكن الإسلام منذ ظهوره على يد المصطفى عليه الصلاة والسلام، أبعد ما يكون عن ذلك، كان متسامحا إلى أقصى درجة، كان متعاونا مع الأغيار حتى وإن خالفوه، كان يبر من يختلف عنه فى العقيدة، إذ لم يكن هناك اعتداء من جانبه لم يبدأ بالإساءة أبدا، كان يستفيد من علوم الأغيار، باختلاف الجنس واللون والعصبية والدين، وكل هذه الصفات أبعد ما تكون عن مصطلح الأصولية الذى يفسرونه الآن، أو يستخدمونه الآن، أما الإسلام فهو بعيد كل البعد عن الجمود الأنانية أو العنف أو غيره.

- إذا أردت تعريفا للتطرف الديني وأهم أسبابه ودوافعه من جهة نظرك؟

- لا أستطيع أن أقول إن التطرف له سبب واحد، ولكن من الممكن القول بأسباب داخلية بداية من ضعف الرأى العام التابع وإهمال الرأى العام القائد، وجنوح بعض الشباب، وجموح بعضهم، الأسباب الخارجية أن المسلمين هجروا العلم وتمسكوا بالظاهر دون البواطن، وأهملوا القيم الحقيقية للمقاصد الشرعية، وراحوا يتحدثون حول لغو النص، فهناك قضايا يجب التركيز عليها مثل الإسلام فى باكستان أو إندونيسيا شرق آسيا بدأوا بالفعل يفعلون كل الطاقات من أجل العلم والعمل، وهذا هو الإسلام الحقيقي العمل بإخلاص والعلم النافع والأخلاقيات التى يجب أن تكون نقطة الانطلاق لكل شئ.

- هل تؤمن بنظرية المؤامرة من العالم الغربي ضد العالم الإسلامي وما حجتك فى ذلك، وكيف ترصد موقف أمريكا من العالم الإسلامي؟

- أؤمن بنظرية التآمر، ولكن ليس ك «كيد النساء» بمعنى أن الغرب لا ينتظر أنك تفعل فعلا ثم يجعلك تفعل عكسه، الغرب يريدك رجلا مريضا، لا معدوما أو يقضى عليك تماما أو يمنحك القدرة على النهوض، فنحن بالنسبة للغرب مورد فى كل شئ، مورد فى الخامات الطبيعية، مورد فى القوة البشرية التى من الممكن أن تتاجر معها، تستهلك، مورد فى المواقع الاستراتيجية، فهذه الثروة لا يمكن أن يفرط فيها، فإذا ما تقدم العالم الإسلامي، أين الحرب، أين السوق، أين الموارد، ومن هنا يريد الغرب أن يحاصرك فى هذه الدائرة، دائرة الضعف، فما من أزمات حدثت فى العالم العربى أو إخفاقات إلا وراءها القوى الاستعمارية المعروفة، بداية من ضعف الدولة العثمانية، فسنجد أن أسباب انهيارها جزء منه سياسة الدولة العثمانية الخاطئة والجزء الأكبر تآمر إنجلترا وفرنسا وروسيا على تلك الدولة المتماسكة أو الإمبراطورية أو السلطنة المترامية الأطراف، فبدأوا يخططون ويفكرون ما السبب فى اجتماع أو علة تآلف البلدان الإسلامية فوجدوا أنه الدين، فبدأ العالم الغربى فيما يطلق عليه «الاستشراق الديني» أو الاستشراق العقدي.

- وكيف اعتمد الغرب «الاستشراق الديني أو العقدي» منهجاً له؟

- بدأ يشكك فى العقيدة ويسفه من تاريخ الخلفاء وينعت الصحابة، ومن قبلهم المصطفى صلى الله عليه وسلم بصفات لا تليق، مرورا بأنه يهون من دور المسلمين فى الحضارة الإنسانية، ثم بعد ذلك يبدأ يخترع أو ما نطلق عليه يبتدع أدياناً وضعية تكاد تكون هادمة للإسلام مثل البابية، البهائية، القاديانية، الدروز، وحالياً الإخوان وما يطلقون على أنفسهم «السلفية الجهادية» كل هذه الجهات بالفعل هى هادمة للإسلام، فالإسلام ليس به مذاهب، الإسلام ليس به جماعات، فالفُرقة تكاد تكون هى المعول الأول لهدم المسلمين، الرؤى المتباينة فى الفقه كانت لصالح الإسلام وليس عكسه، فلم نجد أبدا صراعًا بين الشافعية والحنابلة كما كان الصراع بين البروتستانت والكاثوليك، أو عداوة الكاثوليك للأرثوذكس، فليس لدينا هذا، فالفقه مرن، والفقهاء الأربعة من الممكن أن تقول عليهم تجاوزا كانوا فى جيلٍ واحدٍ، فالفارق بينهم لم يكن مئات السنين، فبعضهم كان معاصرا للآخر مثل الشافعية والحنابلة، والحنفية والمالكية، فلم نسمع أو نقرأ أن أيا منهم كفَر أخاه، أو نعته بأنه جاهل، بل نجد الشافعي يقول: «كلامي صواب يحتمل الخطأ وكلام غيرى خطأ يحتمل الصواب»،

وأبو حنيفة نجده عندما ذهب مسجد مالك صلى بالهيئة التى يرضاها مالك فى الصلاة، وهو من أيد: «لا يُفتى ومالك فى المدينة»، ومالك قال عن أبى حنيفة: «إنه من أدق المجتهدين أو من أبرأ المجتهدين فى زمانه» ذلك هو الإسلام ولم يكن أبدا مجالا للإقصاء أو منبرا للشتم، أو للتلفظ بألفاظ يأباها الأقزام الأسافل، نجد ذلك فى النقد، فالإسلام لم يعتد النقد القبيح أو الفاحش، الإسلام لم يكن عنيفًا حتى وهو قلة، فالنبي كان فى مقدوره أن يصنع سرايا أو خلايا، تغتال أبو جهل أو أبو لهب وهما أكثر أعدائه، فقد كان لديه الكثير من الفدائيين، لأنه لا يتصور أن تكون العقيدة الإسلامية مبنية على الاغتيالات والغدر لكن الآن نجد أن منطق الاغتيالات والتصفية هو السائد بين الفرق المتناحرة حول الإسلام، انظر إلى سوريا وما نطلق عليه سوريا الديمقراطية، والسوريين أنصار السنة، والإخوان السوريين نجد مهازل، مذابح، استحلالا، إهدارا للمال والعرض، سلوك لا يمكن أن يفعله إلا أصحاب منطق التتاريين فى بداية صدامهم بالحضارة الإسلامية، فالغرب زرع فى الفكر الإسلامي هاتيك الفرق والديانات المزورة، فماذا حدث من المسلمين هل تأنوا هل تفهموا؟ لا، بل ساروا سير القطيع وآمنوا بما لا يجب التسليم بصحته إلا بعد فحص.

والنقطة الثانية من الغرب أراد أن يستقطب كل العقول المستنيرة فى الشرق الإسلامي، إما أن يستقطبها عن طريق الإغراء بالمال أو الاضطهاد أو التصفية الجسدية؛ ليتخلص من الزعامات التى يمكن أن تعيد المسلمين إلى سابق عهدهم، فمعظم مؤسسات الدولة فى الأقطار العربية تجد فيها من استباح أن يفسد، ولن نقول إن هذا الفساد ممنهج حتى أقول إن الغرب له أساس، والغرب يبارك هذا الفساد أو يشجعه، ولا يقمع إلا من يخالفه، عن طريق الحملات الادعائية عليه مثل دعوى الحريات وحقوق الإنسان، الديكتاتورية، ويبدأ المستعمر يغازل التيارات المعادية والمخالفة لكى يحدث هناك عدم استقرار فى هذه الدولة وخير مثال على ذلك حروب الجيل الثالث والرابع والخامس، فهى حرب ادعائية وهذه الحرب بالفعل أثبتت أنها أقوى بكثير من حرب الجيوش، فما يفعله الادعاء أو الإعلام الغربى تجاه العالم الإسلامي أكثر من حرب داعش.

- كثير من الخبراء والاستراتيجيين يعتبرون أن «داعش» أخطبوط استخباراتي دولي بتمويل صهيوني لتفكيك العالم العربى والإسلامي للقضاء عليه فما رأيك؟

- مثلما قلت العالم الغربى لا يتحرك بين ليلة وضحاها، تضليل العالم الإسلامي أو اصطناع عنف فيه كان منذ العصر العباسي، ثم القرامطة، ثم الحشاشين الذين أرادوا اغتيال صلاح الدين الأيوبي أثناء الدولة الأيوبية، ثم نجد بعد ذلك السلفية المحدثة التى نطلق عليها «الدعوة الوهابية» ثم نجد «المهدية» المنحرفة التى كانت توجد فى اليمن ثم الإخوان ثم السلفية الجهادية، كل هذه الفرق ـ كما قلت ـ وليدة هذا الاستعمار، فكان من اليسير جدا أن يجمع كل المتطرفين فى العالم ويتم تجييشهم، فقد جيشوا «القاعدة»، فمن الذى كان يمد القاعدة؟ ومن كان الذى يمد الوهابيين قبلهم، الإنجليز، فهم الذين صنعوا الوهابيين، ومن الذى مدّ الإخوان بالمال والاستراتيجيات والأفكار، الإنجليز والماسونية والأمريكان والمخابرات الألمانية، ومن الذى كان يمد الجهاديين الإخوان؟ وهذا هو الاتجاه العنيف «المسلح» إذن أبحث عمن يدعم هذه الفرق تعلم أن وراءها الغرب، الغرب لا يكيد للإسلام بعين واحدة أو بذراع واحدة، بل يكيد له بأكثر من ذراع، من الذى يفسد الشباب مثل «عبدة الشيطان» ومن الذى يبدع فيهم هذه الأفكار، «الإيموز» و«الشذوذ» الموجود فى كثير من الأقطار الإسلامية، نجد مثلا فى منطقة الهند وباكستان والشيشان إلى آخره، نجد عصبيات ما أنزل الله بها من سلطان، وانحرافات، من الذى يشجع هذه الانحرافات مثل حركة طالبان، فى البداية كانت أمريكا حتى تطرد الروس الموجودين هناك، وبعد ذلك تبدأ أمريكا فى تأسيس القاعدة، وبعد أن انتهت القاعدة من الحرب الروسية، بدأت أمريكا تقضى على القاعدة لتستنسخ منها فريقا آخر ألا وهو داعش، وهكذا كانت الدائرة تدور، من الذى يمنح جوائز التفوق العلمي والأدبي وجوائز نوبل ومن الذى ابتكر ما نطلق عليه «صناعة النجوم» المخابرات الإنجليزية والأمريكية، الذين يسبون النبى ويقدحون فى القرآن ويشككون فى جدوى التمسك بالعقيدة، داخل هذا البلد، فمن الذى آوى سلمان رشدي صاحب كتاب «آيات شيطانية» وقال عنه مفكر إلى آخره، هى انجلترا، نكاية فى الإسلام، فالغرب لا يعادينا ولا يتآمر علينا من أجل إضعافنا فقط بل من أجل أن يسيّر مصالحه، فهو يريد أن يكون العالم العربى والإسلامي مستهلكا فقط.

- هناك من المفكرين من يراهن على أن العالم العربى والإسلامي سيشهد رغم كل هذا التشدد والعنف والتخلف آجلا أم عاجلا ولادة عصر التنوير مثلما شهدته أوروبا قبل ثلاثة قرون هل أنت مع هذا الطرح التفاؤلي؟

- البذرة موجودة, ففي العالم العربى الإسلامي عقول تستطيع أن تكون، ولديك موارد, وعزائم ولديك الباعث الذى يمكن أن ترتكن عليه لتصل إلى ما تريد, فليس لديك خصومات حقيقية, مثلما يوجد فى الغرب, رغم ذلك فأنت عاجز تماما عن الوحدة أو أن يكون فى كيان واحد, مثل الاتحاد الأوروبي مثلاً, لأنهم زرعوا فينا ما نطلق عليه «الارتياب» و«الأنانية» فالعالم الإسلامي أو الفكر الإسلامي الصحيح ضد هذين العنصرين, فالله عز وجل يقول «واعتصموا بحبل الله جميعا», فنحن لدينا بذور الوحدة وما يمكنه أن تضع أسسا لدولة أو إمبراطورية عظيمة موجودة, وحقق بالفعل, ففي العصر العباسي كنا سادة العالم، وهذا يعنى

أن النموذج الإسلامي المرجو له تجربة قبل ذلك، فإذا لخصنا كل المشروعات الإسلامية للنهوض, أولا فتح باب الإجهاد, الرجوع بالإسلام إلى سذاجته الأولى، والسذاجة هنا تعنى البساطة، فهناك حرية فى الثقافة العامة، بالإضافة إلى الاجتهاد الذى يستطيع أن يحل لك المشكلات اليومية, العلم، ثم العلم والعمل، ثم الإتقان، الإخلاص, فكل القيم التى ينادى بها الإسلام أخلاقية فى الأصل وعملية فى المرتبة الثانية، فلو اتخذنا من القاعدتين قاعدة القيم الأخلاقية والعلم سبيل لنهوضك سوف يكون.

- هناك من يرى أن الحضارة الغربية تحمل فى أحشائها عوامل فنائها بسبب المادية المفرطة بها أو خوائها الروحي هل ترى أن هذا القول يتأسس وفق موضوعية أم أنه يندرج تحت الأمنيات؟

- من قال هذا الكلام هو أبو الحسن الندوي وغيره من المفكرين اللاحقين، وهذا الكلام صحيح ولكن من حين لآخر يحاول المجتمع الغربى أن ينذر الدويلات أو الكيانات الغربية بأن هناك خطرا، فعندما يطلقون هذه المقولة مع الحظر الكل يتجمع ويتناسى المشكلات الداخلية، لكن الغرب ملئ بالمشكلات الداخلية ولكنه حريص كل الحرص على عدم الفناء وعلى التوحد أمام العدو، بعد أن قالوا أن العدو لهم هو روسيا وبدأوا يجيِّشون العالم الغربى ضد روسيا بعد ذلك أصبحت الصين، ثم وجدوا أن الإسلام دخل أوروبا فبدأوا يقولون نحن لسنا ضد جنس ولكن ضد كيان اسمه الإسلام وهو المارد الأخضر وهو الذى سيفنى كل الحضارات وتذكروا الفتوحات الإسلامية التى وصلت إلى فتح القسطنطينية وقضت على الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، ولذلك تخوفوا من الإسلام.

- نعلم مدى اهتمامك بدراسة فترات النهضة المصرية على مدار القرن السابق فما سمات هذه الفترة؟ ولماذا انحسرت مشاريع النهضة فى رأيك؟

- النهضة المصرية كانت تسير بخطوات قوية جدا حتى عام 1940 ثم جاءت الحرب العالمية عطلت مرحلة النهوض ثم جاءت ثورة يوليو، غيرت الفكر الليبرالي إلى الفكر الاشتراكي فعطل ذلك عجلة النهوض، بعد ذلك حدثت نكسة 67، التى أماتت «الطبقة الوسطى» لأن الطبقة الوسطى فى مصر هى التى كانت تحرك العقل الجمعى المصرى فحتى الآن لم نفق من نكسة 67 فما زالت الطبقة الوسطى متهلهلة، وبالعكس أصبحت عالة على مصر، ولو نظرنا إلى معظم المؤسسات التى يتغلغل فيها الفساد لوجدنا أن ذلك يعود إلى أمرين ضعف الأخلاق وضعف الولاء، وهما مركب نتيجة انعدام الوعى واليأس والإحساس بالدونية، فهذا الاضمحلال الأخلاقى والعلمي فى الطبقة الوسطى هو الذى أهلكها وقضى عليها، فإذا ما أردنا لمصر نهضة الآن يجب تمديد قيم الطبقة الوسطى، ويجب أن تكون نقية وفاعلة وعاملة، بالإضافة إلى غرس روح التفاؤل والعمل فى نفوس الشباب، أيضاً الطبقة الارستقراطية يشوبها بعض الفساد، لأنها مقلدة إما مقلدة لأيديولوجيات غريبة عنها وعندها جحود للمجتمع المصرى ويتنكر لواقعه ومشكلاته أو الانتماء للرأسمالية المتوحشة.

- الإسلام وحده من بين الديانات توجه له سهام الغرب متهمة إياه بالإرهاب فلماذا فى رأيك؟

- السبب الأساسي أننا أهملنا حقيقة الدين من الداخل، أما من الخارج فهم الذين اصطنعوا فينا الإرهاب، أضف إلى هذا وذاك أن هناك بعض السمات الذاتية فى الأصول العربية الإسلامية، الصراعات على الحكم، سنجدها من بعد الخلافة الثانية منذ عثمان بن عفان «عصر الفتنة الكبرى»، أى خلافات كانت تحدث يجردون إليها السيوف، وعندما جاء على بن أبى طالب للخلافة حملوه دم عثمان، وابتدأ المسلمون ينشقون إلى قسمين.. إلخ، هذا الانشقاق المسلح ولم يعتد الفكر العربى القديم فن التفاوض، فى حين أن النبي صلى الله عليه وسلم تفاوض وقام بعقد معاهدة ودستور للمدينة، فلم يقدم الحرب ولكن بطبيعة العرب القبلية التى لا تعرف إلا النذال لفض المنازعات كانت ضمن السمات التى دفعت الغرب أن يتهم الإسلام بذلك ولكنها هى عادة عربية، أو خصلة قبلية حاربها الإسلام نفسه، فالإسلام حارب العنف ولكن ألصق به، لأن العرب هم الذين نشروا الإسلام.

- إذن هل ترى أن العالم الإسلامي مطالب بتحسين صورته فى المجتمع الغربى أم أنه بحاجة إلى إيصال صورته الحقيقية التى أطرها القرآن والسنة النبوية؟

- الخطاب الدعوى فى أزمة، لأن الغرب لم ير من الإسلام إلا من يحمل سيفًا أو بندقية أو من يحمل متفجرات تجاه الأغيار، إما تجاه الأغيار فى العرق والحضارة، أو الأغيار فى الملة، بالرغم من هذه الحوادث كانت قليلة بالنسبة لعنف المجتمع الغربى أو الحروب التى خاضها العالم الغربى مع بعضهم البعض، فحروبهم كانت أكثر شراسة من العالم الإسلامي، لكن التاريخ الحديث يثبت أن الخطاب الإسلامي فى أزمة بسبب المتطرفين والجانحين، فهناك تنظيم قاعدة، داعش، إخوان مسلمون، جماعات إسلامية، وتخلف.

- ماذا عن تصوركم لشكل الخطاب الإسلامي المعاصر الذى يجمع بين مقاصد الشريعة ويحقق مصالح العباد؟

- نفس الغينة «الشجرة» «الملتفة» ما نطلق عليه الإسلام السياسي، والسياسة الحقيقية الشرعية، فالسياسة الحقيقية الشرعية هى مدنية، وأنا مسئول عن هذا الكلام تماما، من ربط بين الشريعة وبين السياسة مخطئ، لكن من ربط بين المقاصد الشرعية والسياسة محق، فلو فصلنا بين الاثنين إن شاء الله ستكون خطوة لعودة الخطاب الإسلامي إلى سماحته، الخطوة الثانية: عودة المواطن المسلم إلى ما نطلق عليه التسامح والرحمة والألفة والمحبة والتآخي، كل القيم التى افتقدناها من عصر النبوة يجب أن تعود، إذا ما عادت عاد الخطاب الإسلامي إلى سابق عهده.

- هل تعتقد أن الحرص على التراث وتقديس السلف هو السبب وراء ما نراه من تناقضات بين المسلمين حتى إنه فى الوقت الذى يتهافتون فيه على منتجات العقل الغربى المادية نراهم يعرضون عن تقبل المنتج الفكري لهذا العقل؟

- أعارض تماما تقديس السلف لكنني أحترم السلف وأعرض ما خلّفه على مائدة النقد ومائدة الانتقاء، هم اجتهدوا وفهموا النص ولنا أن نفهم النص ونجتهد، تبعا لكل عصر، فالأصولية هى التى تحترم الزمان والمكان والتغيرات وتحترم احتياجات الواقع وفى الوقت نفسه تؤمن بالوسطية، وهذه هى الثلاثة التى تقوم عليها الأصولية الإسلامية أو الفكر الإسلامي، وفهم الإسلام على طبيعته «سجيته» فنحن الآن نتكلف إلى حد أن البيت الإسلامي فسد، فعلينا أن نعيد المجتمع الإسلامي إلى سابق عهده.

- كيف ترى أطروحة عالم السياسة الأمريكي صمويل هنتجتون حول صدام الحضارات؟

- عندما وضع «هنتنجتون» أطروحته كان يريد أن يضع الإسلام فى دائرة الاتهام، ولكن أقول له لمَ لا نفكر فى حوار الثقافات، لماذا تقدمون الصدام ولا تقدمون الحوار، فالغرب يكره دائما وأبدًا أن يحاور من هو دونه، فهو يعتبر أن العالم الإسلامي عالم غير جدير بالتطور بل يجب أن يؤمر، فهو يتخيل أن العالم الإسلامي سوف يثور يوما ما على هذه السلطة الظالمة، ويتصادم معها ويحدث أن الغرب سوف يقضى عليه تماما، ماذا فعل الغرب لتركيا التى دخلت على شعب آمن لتقتله وتحتله، فهو الذى يخطط له ثم يشجب، فالغرب هو الذى خلق صدام الحضارات، فهو الذى يدفع العالم الإسلامي للتصادم معه، فلم يكن الإسلام يريد الصدام مع أى حضارة بدليل أنه فى عصر الاضطهاد الغربى كان المضطهدون يلجأون إلى العالم الإسلامي للاحتماء بهم، فى حين أن الشعوب الإسلامية ذاقت الأمرين من دخول العالم الغربى لها، فلم يشعر أى بلدٍ دخله الإسلام بالاضطهاد إلا فى العصر التركى، لأن الأتراك بطبيعتهم أنانيون ويميلون إلى العنف ولديهم أنفة حتى مع المسلمين الآخرين، فالجنس التوراتى متعالٍ بطبعه ولا يرى أن المصريين أو السوريين أو المغاربة لهم الحق فى العيش جنبا إلى جنب، إذن الإسلام برئ من الادعاءات التى يلصقها الغرب به.

- كيف ترى خطورة أطماع المشروع الفارسي فى المنطقة العربية السنية؟

- خطر، لأنه مشروع مسيس وليس مشروعا عقديا، بمعنى أن الجنس الفارسي أو العرق الفارسي هو الذى يحرك أو يدفع الإيرانيين لاحتلال أو القضاء على العرب، وهذا فن قديم الأزل، من بداية الحروب أو الهيمنة والسيطرة على الجزيرة، فالفرس لم ينسوا أبدا أن العرب هم الذين قضوا على مملكتهم، فهم يريدون استرداد سلطانهم على هذه البقعة أو هذا الإقليم، ينظرون إلى العرب على أنهم أجلاف، أغبياء، لا ينتجون، أما العقلية الفارسية فلها حضارة وتكثر الأقاويل أن الحضارة الإسلامية لم تبن على أكتاف الحضارة الفارسية، وبعض بلدان الشرق الأدنى ولكن العرب لم ينتجوا شيئا ولم يصنعوا شيئا فى الحضارة، وبالتالي مطالبة إيران بحقها فى الهيمنة حق مشروع - من وجهة نظرهم - أما الشيعة فهى أكذوبة، أن «على» هو الذى كان يجب أن يخلف سيدنا محمد، وعند الغلاة يقولون إنه أحق بالرسالة، وأن ولايته أعلى كعبا من كعب النبوة، كل هذه الآراء مغالية وآراء بها شطط، أضف إلى ذلك لعن أبى بكر وعمرو وسب الصحابة ومعاداة السنة، كل هذه من ابتداعات أو بدع الخصومات بين الجنس الفارسي والجنس العربى.

- أخيراً .. ماذا عن مشروعكم الفكري الذى تود تحقيقه مستقبلا؟

- إحياء خطاب الإمام محمد عبده لأنه الأفضل وهو يتكون من خمسة شروط أساسية تحرير الفكر من قيد التقليد، فتح باب الاجتهاد، التواصل مع الأغيار للاستفادة من خبراتهم، تنقية أو إعادة الطبقة الوسطى إلى سابق عهدها، العمل ثم العمل ثم العمل من أجل الولاء والانتماء والانضواء للمجتمع الإسلامي الإنساني الحر.

 

د. عصمت نصار

 

 

 

1424 هابرماس"في هذه الأزمة، يجب علينا أن نشتغل في المعرفة الصريحة على اللاّمعرفة الخاصة بنا"

في مقابلة مع لوموند، يحلل الفيلسوف الألماني القوى الأخلاقية والسياسية وراء أزمة الصحة العالمية التي سببها وباء كوفيد-19 ويحث الاتحاد الأوروبي على مساعدة الدول الأعضاء الأكثر تأثرًا.

لقد أجرى المقابلة نيكولاس ترونج يوم 10 أفريل 2020 على الساعة السادسة:

"ولد في عام 1929، ويعتبر يورغن هابرماس أحد أهم الفلاسفة في عصرنا. يمثل الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت، وقد نشر للتو في ألمانيا تاريخًا كبيرًا من الفلسفة في مجلدين (سيتم نشره بواسطة غاليمار في عام 2022).  أوروبي مقنع، ومؤلف بشكل خاص دستور أوروبا (غاليمار، 2012) ومستقبل الطبيعة البشرية.، نحو تحسين النسل الليبرالي؟ (غاليمار 2015)، يشرح لماذا يجب على أوروبا مساعدة البلدان الأعضاء المثقلة بالديون والضعف الهيكلي التي تتأثر بشكل خاص، مثل إيطاليا وإسبانيا، بجائحة كوفيد-19.

السؤال الأول: ما رأيك يكشف من وجهة نظر أخلاقية وفلسفية وسياسية لهذه الأزمة الصحية العالمية؟

جواب هابرماس: من وجهة نظر فلسفية، ألاحظ أن الوباء يفرض اليوم، في نفس الوقت وعلى الإطلاق، دفعة انعكاسية كانت، حتى الآن، من اختصاص الخبراء: يجب علينا أن نشتغل في المعرفة الصريحة على اللامعرفة الخاصة بنا. اليوم، يتعلم جميع المواطنين كيف يجب على حكوماتهم اتخاذ قرارات بوعي واضح بحدود معرفة علماء الفيروسات الذين يقدمون لهم المشورة. نادرا ما أضاء المشهد الذي ينغمس فيه العمل السياسي في حالة عدم اليقين. ولعل هذه التجربة غير العادية على أقل تقدير ستترك بصمتها على الضمير العام.

السؤال الثاني:

ولكن ما هي التحديات الأخلاقية التي تواجهنا في هذه الأزمة الصحية؟

جواب هابرماس: قبل كل شيء، أرى حالتين من المحتمل أن تؤثر على عدم المساس بالكرامة الإنسانية، هذا الملموس الذي يضمنه القانون الأساسي الألماني في مادته 1 والذي يوضحه في مادته 2: "لكل شخص الحق في الحياة و السلامة الجسدية ". تتعلق الحالة الأولى بما يسمى "الفرز" ؛ والثاني في اختيار الوقت المناسب لرفع الاحتواء.

إن الخطر الذي يشكله تشبع وحدات العناية المركزة في مستشفياتنا - وهو خطر تخشى دولنا وقد أصبح بالفعل حقيقة واقعة في إيطاليا - يثير سيناريوهات طب الكوارث، التي تحدث فقط خلال الحروب. عندما يتم قبول المرضى بأعداد كبيرة للغاية بحيث لا يمكن علاجهم كما ينبغي، يضطر الطبيب حتمًا إلى اتخاذ قرار مأساوي لأنه في جميع الحالات غير أخلاقي. هذه هي الطريقة التي يولد بها إغراء انتهاك مبدأ المساواة الصارمة في المعاملة دون النظر إلى الوضع الاجتماعي أو الأصل أو العمر، وما إلى ذلك، والإغراء لصالح، على سبيل المثال، الأصغر تكاليف كبار السن. وحتى لو وافق المسنون على إيماءة الإعجاب الأخلاقي من النسيان الذاتي، فما الذي يستطيع الطبيب تحمله "لمقارنة" قيمة "حياة الإنسان بـ" قيمة " الآخر وبالتالي يثبت نفسه كجسد له الحق في الحياة والموت؟

القسم الأول من الحوار الذي نشرته صحيفة العالم الفرنسية

الرابط:

https://www.lemonde.fr/idees/article/2020/04/10/jurgen-habermas-dans-cette-crise-il-nous-faut-agir-dans-le-savoir-explicite-de-notre-non-savoir_6036178_3232.html

 

ترجمة: د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

1441  لعمى عبد الرحيم- سبب شهرة الدعاة الجدد في أوساط الشباب هو قدرتهم الكبيرة على معايشة همومهم.

- بداية: كيف يقدم لنا الدكتور عبد الرحيم نفسه؟ وخلاصة ما عاشه من تجارب وتنقلات فكرية للقراء والمتابعين؟

لعمى عبد الرحيم من مواليد السواني وهي بلدية حدودية مع الجارة الغربية المملكة المغربية، زاولت تعليمي الابتدائي بمسقط راسي ثم المتوسطة والثانوية بالغزوات ليطل بي الرحال بوهران لدراسة علم النفس التربوي وتخرجت عام 1990.

بدأت مهنة التعليم بالثانوية كمدرس للفلسفة ثم المتوسط لمادة الادب العربي وحاليا أستاذ بجامعة المدية بعد تحصلي على دكتوراه ثقافة شعبية، ومن حيث الإنتاج العلمي فلله الحمد والمنة شاكرت في كثير من الملتقيات الوطنية والدولية ولي مجموعة من المقالات المنشورة بلبنان والبحرين والجزائر وكتاب تحت النشر.

 

- للحركات الاجتماعية دور كبير في الفعل الحضاري والتغيير ... تحدثت عن الحركات الاجتماعية وعلاقاتها بالاحتجاجات والثورات العربية الأخيرة وتأثيرها على الشباب العربي وقضاياه، كيف تقرؤون المشهد؟

- أولا لابد ان نؤكد ان أي تغيير تنشده المجتمعات العربية سببه السلطات الحاكمة التي لم تعر اهتماما لما يصبواليه الشباب خاصة فرصالعمل والعدالة الاجتماعية، وكل التدابير التي قامت بها الحكومات ترقيعيه بل انها أصبحت حلولا قديمة لمشكلات حديثة، فكانت الثورات هنا وهناك وحراك اجتماعي وهو حالة صحية والمطلوب من السلطات الاصغاء للمطالب كونها تحمل الام وامال الشعب.

 

- يحذر المفكر صمويل هنغتون الغرب من تبعات اتحاد الحضارة الكنفوشيوسية مع الحضارة الإسلامية كباحث عما ينم هذا الخوف الغربي من هذا الاتحاد وما قراءتكم المستقبلية لتبعات هذا الاتحاد وآثاره على العالم بعد بعد انتهاء أزمة كورونا؟.

- الولايات المتحدة الامريكية دولة لا تبني مواقفها السياسة والاقتصادية والاستراتيجية على الدجل السياسي مثل الحكومات العربية بل وفق منظرين ومنهم صمويل هنغتون وبرنارد لويس وفرنسيس فوكو ياما وغيرهم الفكرة بني مند عهد الرئيس جيمي كارتر وقبلها على فكرة مؤداه ان الاختلاف الديني والعرقي والاجتماعي يودي الى صراع الحضارات حتى نهاية العالم لكن الواقعاليوم يفرض وجودا اخر وتصور جديد بين الصين القوة الاقتصادية الصاعدة بشكل هائل وتواجدها بكل القارات مع عدم التدخل في الدول ،واشير هنا ان مبادئ كونفوشيوس التي تدرس بمدارس الصين ذات ابعاد إنسانية وهي تقرب الى جوهر الديانات السماوية كنبذ الاضطهاد وتقديس الاسرة.

 

- دعوات تجديد الخطاب الديني مطلب العديد من الدول الغربية ..إذا كنا فعلا بحاجة لذلك فلماذا الاقتصار على الخطاب الديني الإسلامي فقط دون المسيحي أو غيره في منطقتنا العربية ؟

- الإسلام دين سماوي وهو منهاج حياة صالح للبشرية وربما ان الخطاب الديني لم يساير التغيرات التي حدثت بالعالم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا او ما يصطلح على تسميته بالنوازل الفقهية، اماعن التجديد الذي تريده دول الغرب لدي بدا بنوع دروسالجهاد من المقررات الدراسية فهو رد باعتبار ان عقيدة الولاء والبراء مكفولة شرعا بالقران والسنة وعطفا عن الديانة المسيحية الحالية فرغم  ما عليها فلم يطالب الباباوات او القساوسة بتغيير الخطاب فهو ادن الكيل بمكيالين.

 

- انتشار ما يعرف بالشيخ الكوول وتوافد الشباب العربي على إتباع هذا النوع من الدعاة كعمرو خالد و مصطفى حسني إلى أي مدى ترون هذا النوع من الدعاة أسهموا في تفعيل الحركة الإصلاحية والدعوية بالوطن العربي؟

- خلافا للصورة النمطية للوعاظ وشيوخ يجلسون على الكراسي العلمية وبالمساجد استطاع دعاة ممن ذكرت ان يصلوا الى قلوب الشباب وباستعمال التكنولوجيا من وسائل الاتصال من خلال تقديم برامج على شاشات التلفاز واليوتيوب والفيس وغيرهم وارى انهم استطاعوا الوصول الى قلوب الشباب لعجة اعتبارات:

أولها انهم شباب استطاعوا الإحساس بمعاناة الشباب ومن خلالها وضفوا علمهم وبالتالي تقديم عظات من خلال المنطلقات السابقة.

توظيف طرق التنمية البشرية وتأثير الصورة على المتلقي في تغيير ذهنيات الشباب العربي وتوفير خطاب ديني معتدل لا افراط ولا تفريط بعيدا عن التكفير والتجريم.

 

- ينتشر في عصرنا اليوم ما يعرف بالفن الصوفي خاصة في تركيا ما قراءتكم لذلك وما علاقته بالتحولات الاجتماعية التي يشهدها المجتمع التركي وتأثيرات ذلك عمى التطور الحضاري للدولة التركية في علاقتنا بالحضارة الإسلامية والغربية باعتبارها موطنا لتلاقي مختلف الحضارات؟.

ممكن قراءتي للفن الصوفي خاصة التركي ا- و لنقل العثماني مخالف نوعا لأني انطلق باعتبار ان الفن هو الاتقان وان الفنون منها المكانية كالرسومات او التصوير الجداري او غيرها من المسرح والرقص ووو تحمل في طياتها حمولة حضارية واجتماعية بيدان الموسيقى فهي فن زماني عابر للزمن لا يعترف بالمعوقات الفكرية او اللغوية فيمكن ان يصل القلب دون ترحمان، فالفن الصوفي بما يحمله من موسيقى تصل القلب وتجعل الانسان يسبح في ملكوت الله مرتبط أساسا بالطرق المولوية المبنية على ان الانسان هو محور الكون الدي خلق لأجله ،اما عن تركيا ارد وغان فقد شهدت طفرة في ميادين مختلفة لعل استقطاب السواح وطريقة المعاملة الجيدة للإنسان التركي تجعلها قبلة لكل الأعراق والاثنيات والديانات بحكم التسامح الديني والرقعة الجغرافية لتركيا .

 

- تنتهج العديد من الدول العربية سياسة جذب الاستثمارات الأجنبية بدل تشجيع الشركات الوطنية البسيطة ما قراءتك لذلك؟، وما هي الآثار المستقبلية لتزايد وتيرة هذا النوع من التوجه على اقتصاديات الدول العربية خاصة في عالم ما بعد كورونا؟.

- اذا كان جذب الاستثمارات الأجنبية للشركات الأجنبية مع نقل التكنولوجيا وتأهيل اليد العاملة الوطنية فلا ضير فيه فائدة ولكن مع حق الشفعة او بقاعدة 49/51، اماان تكون الاستثمارات تحويل للعملة الصعبة للخارج باعتبار البلد سوقا لبيعالسلع فهذا لا طائلمنه.

الجزء الثاني من السؤال يرشدنا الى تساؤلين اشكاليين هل مؤسساتنا الوطنية لها من الرصيد العلمي والتكنولوجي والمالي لأجل مواجهة فتح الأضرفة وأيضا اكمال المشاريع في وقتها والتساؤلالثاني هو المعوقات الإدارية والبنكية للاستثمار الداخلي.

 

- تشير التوجهات المستقبلية المتعلقة بالتنمية البشرية إلى أن التعلم الذاتي والالكتروني بشكل خاص سوف يفرض نفسه بقوة في عالم ما بعد كورونا بحيث ستصبح المدرسة هي مصدر التعلم وليست مكانا له وهو ما بدأ يطبق في كثير من الدول الغربية ما تعليقكم على ذلك باعتبارك خبير؟.

- مرت المدرسة العالمية والعربية باعتبارها مدرسة استهلاكية للمناهج والطرق من الطرق الكلاسيكية الة مدرسة التدريس بالأهداف والتعليم المبرمج واخيرا التعليم بالكفايات ـانتقل التعليم من كون المدرس هو محور العملية التربوية وان المتعلم ما هو الا وعاء يملأ بالمعلومات انتقلت التربية الى العملية التعليمية التعلمية وان المتعلم هو محور العملية التربوية ،لكن نتساءل في هل يمكن توفير الارضيات والمنصات للتدريس عن بعد وعن تدفق الانترنت وعن نسبة الاستيعاب وعن إمكانية التعلم الذاتي كلها اعتبارها معوقات بالنسبة للمدرسة العربية لأنها تتناسب طرديا مع الكثافة السكانية وعدد افراد الاسرة وأيضا الدخل الفردي الوطني.

 

- الشباب العربي لم يعد بعد ثورات الربيع العربي وبعد أزمة كورونا العالمية يرضى بالخيارات الهزيلة التي كانت تقدمها الحكومات العربية في المجالات السياسيةٌ والاقتصاديةٌ والاجتماعية، كخبير كيف يمكن للشاب العربي اليوم أن يصنع فرصة التغيير بنفسه؟

- تعتبر ثورات الربيع العربي والحراك الاجتماعي ظواهر صحية لأنها تطالب بالتغيير لماهوا احسن في ظل تدني  كافة المستويات، فماهو المطلوب من الشباب ففي اعتقادي تشكيل جمعيات سياسية جديدة  لأجل تأطير الأفكار وبلورتها وتوظيفها في قوالب اجتماعية لأجلالتغيير لان التغيير كما قال رئيس سنغافورة السابق يبدا من الأعلى، وأيضا تشكيل مؤسسات صناعية واقتصادية لان المال جزء مهم من الحياة السياسية والاجتماعية.

الازمة الاقتصادية في عالمنا العربي سببها في اعتقادي عدة أسباب:

اعتماد الاقتصاد على الريع البترولي

انعدام التخطيط  والاستشراف المستقبلي

عدم الاهتمام بالعنصر البشري

طريقة الإقلاع الاقتصادي والعلمي مرتبط بالاهتمام بالأفكار والاعتماد على قراءة كل التجارب الدولية لأخذ الدروس والاهتمام بالعنصر البشري من خلال التكوين التربوي العلمي الرصين. 

عالمنا العربي لا مناص له الا بالعودة الى الاهتمام بموروثه الفكري والنهل من الثقافات الأخرى والتكثيف من اخذ العلوم ،مع المصارحة والمصالحة مع الذات العربية .

 

- أخيرا كلمة أخيرة تقدمها للمتتبعين من الأكاديميين والشباب ومختلف أصناف المجتمع بالوطن العربي؟

- أخيرا اشكركم على الالتفاتة الطيبة عليكم بناصية العلم فتعلموا العلم فان كنتم عبيدا سدتم وان كنتم سادة فقتم.

وفقكم الله.

 

حاورته الصحفية والباحثة الأكاديمية: خولة خمري

 

 

الإيجاز في تعريف وطرق الوقاية من فايروس التاج ..

يواجه العالم اليوم من أقصاه الى أقصاه وبمزيد من القلق والترقب جائحة وبائية خطيرة للغاية هي الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية تماما كما وصفتها ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية، عقب إدخال نجلها وولي عهدها الأمير تشارلز الى المحجر الصحي ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وللمرة الثانية الى المستشفى ومن ثم الى العناية المركزة من جراء الإصابة بكورونا المستجد (كوفيد - 19) ووفاة والدة المدير الفني لنادي مانشستر سيتي الانجليزي، جوسيب غوارديولا بالوباء، علاوة على إصابة عشرات الساسة ورجال الاعمال والمشاهير في مختلف المجالات بالداء، هذا الوباء الاشتراكي الذي وعلى ما يبدو بأنه لا يستثني أحدا قط، وبات يتنقل بين القصور العامرة والعشوائيات القذرة، ما أن يترك أميرا حتى يصيب فقيرا، ولا يغادر كبيرا حتى يدهم صغيرا مصيبا بذلك الفقراء والأغنياء على حد سواء لايفرق بين طائفة ولا عرق ولا لون، الا أن الملاحظ ومنذ بداية الأزمة هو ذلك الخلط العجيب لدى عموم الناس بين الفايروسات والطفيليات والبكتيريا، إضافة الى كم الهرج بشأن طرق وأساليب العلاج والوقاية من الفايروس، وبعيدا عن تفسير أسباب ظهور الوباء وإنتشاره في بقاع العالم، وبعيدا عن نظرية المؤامرة وعن المتسبب في ظهوره وإنتشاره، أميركا أم الصين، ولوضع النقاط على الحروف، وتفصيل بعض المجمل، توضيح جانب من المشكل، ولإماطة اللثام عن وجه هذا الكائن غير المرئي القبيح الذي أطاح بدول عظمى تتصدرها ايطاليا، فرنسا، اسبانيا، المانيا، اميركا، بريطانيا بظرف أسابيع قليلة مهددا بتغييرالنظم والقوانين وإعادة صياغة الدساتير وكما وصفه ثعلب السياسة الاميركية هنري كيسنجر، في مقال بصحيفة "وول ستريت جورنال" قائلا، بأن "جائحة كورونا ستغير النظام العالمي للأبد وأن الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي أطلقها قد تستمر لأجيال عديدة" ولسبر أغوار الفايروس، التقينا الدكتور احمد رعد رشيد، المتخصص في علم الأحياء المجهرية البيطرية، ليضيء لنا بعض الجوانب التي عتمت وأشكلت على الناس وبادرناه بالسؤال الأول :

* ماهو الفرق بين الفايروسات والطفيليات والبكتيريا، وهل كلها داخلة ضمن ما يعرف بالمايكروبات وحبذا لو تذكر لنا نماذج معروفة عن كل منها؟

- الفرق بين البكتريا والفايروسات أنها تختلف من الناحية البايولوجية، فالفايروسات لايمكن القضاء عليها من خلال المضادات الحيوية على النقيض من البكتريا التي يمكن علاجها بواسطة المضادات الحيوية، أما مع الفايروسات فنستخدم اللقاحات للوقاية منها على سبيل المثال اللقاح ضد شلل الاطفال ولقاح الانفلونزا، وبإختصار فإن الطفيليات هي كائنات تتخذ من كائنات حية أخرى موطناً لها وتتطفل عليها كالديدان المستديرة، والديدان الدبوسية، والشريطية، والبورتوزوا، وأمثالها، أما البكتيريا فهي كائنات حية دقيقة تتكون من خلية واحدة ومن أخطر الأمراض التي تسببها السيلان، التهاب السحايا، الالتهاب الرئوي، التسمم الغذائي وغيرها .

* كيف تتطور الفايروسات كل 10 سنين كما يشاع، وكيف تحولت الكثير من الطفيليات والبكتيريا الى مقاومة لأشد المضادات الحيوية فتكا؟.

- الفايروس عادة ما يغير من هويته، وهذه الفايروسات تُقسم إلى عدة أنواع بالإعتماد على أسس مختلفة تتضمن شكلها ونوع الكائن المضيف ونوع الحمض النووي الذي تحمله، فأما أن يكون (DNA) أو (RNA)، ونشير هنا الى أن الانفلونزا تتطور وتوجد فيها عدة عتر، ومنها مايصيب الانسان والحيوان ومنها مايكون شديد الإمراضية مثلا العترة ( H5N1) التي تصيب الدواجن، ومنها قليلة الإمراضية مثل ( H9N2) والتي أكملت دراستي للماجستير عليها، فعندما أجريت اختبارات حول إصابة الحمام البري والحمام الداجن لعترة محلية معزولة وجدت أن الحمام عامل يقوم بنقل هذه العترة ويصاب بها وقد ظهرت الأعراض السريرية على الحمام الا انه لم يتسبب بأية هلاكات وتم تشخيصها بالفحوصات المصلية والنسيجية !

الباحثون عموما يعتمدون على دراسة التركيبة الوراثية والجينية للفايروس بما فيها كورونا، حيث يتم أخذ عينات من المرضى ممن تم إصابتهم بـ كوفيد -19، ويشير العلماء الى أن إكتشاف لقاح ضد الكورونا يتطلب من 12 - 16 شهرا وذلك لإيجاد اللقاح المناسب والفعال ضد الفيروس وتؤكد التقارير أن الدراسات على السلسلة الجينية للفيروس مازالت مستمرة وقائمة على قدم وساق .

* لقد أعلن مؤخرا عن إصابة النمرة نادية، وهي أنثى نمر في حديقة حيوان برونكس في نيويورك، بما يمثل أول إصابة لحيوان يتم رصدها بفيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) فما مدى إنتقال الوباء من الإنسان الى الحيوان والعكس بالعكس؟.

- بخصوص أنثى النمر وإنتقال الوباء من الإنسان الى الحيوان فبحسب التقرير الذي نشر لا يوجد دليل حتى الآن على إصابة أي شخص بكوفيد 19 فى الولايات المتحدة عن طريق الحيوانات بما فى ذلك الكلاب الأليفة والقطط، وهذه هي وجهة نظر المنظمة العالمية لصحة الحيوان ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، وقد أكدتا بأنه لا يوجد دليل على أن الكلاب أو القطط الأليفة يمكن أن تنقل الفيروس .

والمثير للاهتمام بأن النمرة أظهرت علامات سريرية تتوافق مع Covid-19 الذي يصيب البشر حيث ظهرت عليها أعراض السعال الجاف برغم عدم وجود دليل علمي على ذلك وهذه هي المرة الأولى التي ينقل فيها شخص مصاب المرض الى الحيوان . ولكن عموما فمن غيرالمعروف حتى الآن كيف سيتطور الفيروس في الحيوانات مستقبلا .

* هل الفايروس كوفيد - 19 برأيك قد انتقل من الحيوانات -الخفافيش أو الأفاعي - الى الانسان كما أشيع بداية، أم أنه تصنيع مخبري صيني أو أمريكي داخل ضمن الحرب البايولوجية، ولماذا برأيكم و ماهي أبرز أعراض الإصابة بالوباء؟.

- يُعتقد أن الفايروس قد نشأ في الحياة البرية وإنتقل إلى البشر عبر سوق الحيوانات الحية في مدينة ووهان الصينية ولكن وبحسب تحليل مختلف جينومات الفايروس فإن العلماء يعتقدون بأن منشأه هو الخفافيش بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية، أما عن أبرز أعراضه فتتمثل بإرتفاع درجات الحرارة والسعال الجاف وضيق التنفس، التعب، سيلان الانف، التهابات الحلق، وفقدان حاستي الشم والذوق ومدة حضانته 14 يوما .

* أوجز لنا أهم وسائل وطرق الوقاية من الوباء القاتل، والوقاية كما يعلم الجميع هي خير من العلاج وكما قال أجدادنا قديما "درهم وقاية خير من قنطار علاج " .

- الوقاية من الفايروس تتمثل بالمكوث في المنزل وعدم الخروج منه الا للضرورة القصوى وإرتداء الكفوف والكمامات والإبتعاد عن التجمعات البشرية قدر الإمكان والحرص على جعل مسافة آمنة بينك وبين الآخرين، إضافة الى غسل اليدين المتكرر وبصورة منتظمة بالماء والصابون، فضلا على الإبتعاد عن بعض السلوكيات المجتمعية كالمصافحة والمعانقة والتقبيل، على الأقل حاليا لحين زوال الوباء، ولايفوتنا التذكير بآداب العطاس والسعال وضرورة وضع المناديل على الفم والانف خلالها ورميها في سلة المهملات بعيد إستعمالها .

 

* منذ انتشار الوباء ومواقع التواصل تضج بوصفات علاجية شعبية بعضها أسطورية وبعضها تتحدث عن دور البصل والثوم والجرجير والعسل والعدس والحبة السوداء ونحوها، فما صحة ذلك برأيكم؟.

- البصل والثوم والعدس والبرتقال والخضار والفواكه عموما لها فوائد في تقوية الجهاز المناعي فهي تعمل على رفع مستوى المناعة وتقوية الجهاز المناعي لدى الانسان ولعل هذا ما يدفع الناس للحديث عن فوائدها بإستمرار .

* نصيحة أخيرة للجميع وقاية من كورونا وسائر الجائحات الوبائية.

- قطعا إن الالتزام بالحجر المنزلي هو أسلم طريقة للوقاية من فايروس كورونا كونه فايروس مستجد وفي طي الدراسة والبحث العلمي الدقيق داخل المراكز والمختبرات البحثية العالمية، وأشدد هنا على ضرورة إتباع التعليمات والارشادات الصحية الصادرة من الدوائر والمؤسسات الصحية حفاظا على السلامة الشخصية والعامة وأتمنى للجميع موفورالصحة ودوام السلامة .

تأبطت أوراقي شاكرا للدكتور أحمد رعد، المتخصص في علم الأحياء المجهرية البيطرية جهده على ما أفاض به علينا من معلومات طبية قيمة عن وباء كورونا المستجد وأشباهه ونظائره والحديث عن الطفيليات والبكتيريا، وفيما كنت أستنشق الهواء الذي بدا أكثر نقاء من سابقه بغياب الملوثات الصناعية نتيجة الحظر الشامل للتجوال واذا بملوثات فكرية تخبث مزاجي الرائق ساعتها حين تنامى الى سمعي وبرغم تأكيد منظمة الصحة العالمية على عدم وجود علاج ناجع لكورونا حتى الان، مفاده، أن " أستاذ علم الميكروبولوجي نائب رئيس جامعة حلوان، الدكتورة ابتسام حماد، زعمت بأن " المش والجعضيض والجرجير" هي سلاح فتاك ضد كورونا، واصفة إياها بأنها "غذاء الفقراء "، فقلت في نفسي"أخشى أن يزاحم رجال الأعمال والأغنياء والساسة وبعد ترك المشوي والمحشي هذه المرة، الفقراء على طعامهم كما زاحموهم قبلا على - بناطيلهم الممزقة والمرقعة - فصار البنطال الممزق أغلى من سواه، ليتحفنا بعدها رئيس وحدة التثقيف الغذائي بالمعهد القومي المصري للتغذية، الدكتور مجدي نزيه، في لقاء متلفز بوصفة علاجية أخرى سبق أن إستعملها الفراعنة قبل الآف السنين على حد وصفه متمثلة بوجبة "الشلولو" وهي عبارة عن ملوخية جافة بالثوم والليمون لمواجهة كورونا وتقوية جهاز المناعة، ولاريب أن رواد مواقع التواصل قد أساؤوا فهم المختصين وحولوا كلامهما الى موضع للنقد اللاذع والسخرية ما دفعهما لتوضيح اللبس في لقاءات جديدة، مشددين على، أن الحديث كان يدور حول تقوية جهاز المناعة عموما وهي أساس الوقاية من الأمراض والأوبئة ولم يكن الحديث منصبا على إكتشاف لقاح جديد غير مكتشف من قبل لإتقاء شر كورونا !

 

حاوره : أحمد الحاج

 

 

 

احمد فاضل- لم يتقدم لي حتى الآن روائي أو قاص بتقديمه لي عملاً

- لا أمارس الترجمة كهواية، وإنما أعتبرها جسراً

- أختار ما يروقني، وليس ما يُطلب مني

- ترجمة الروايات العالمية تحتاج إلى تفرغ ووقت طويل لإنجازها

- الشليلية النقدية والأخوانية مرض خطير تعاني منه المدرسة النقدية


رؤية خارجية ..

احمد فاضل.. يتنقل بين الازاهير كفراشة ملونة حالمة لكن ليس بطريقة الفراشة التي ينحسر جل عملها في اكمال جمالية المنظر الربيعي ازاهير وفراشات ملونة واعتدال مناخ واعتلال نسيم وانما يشابه النحلة التي لا تكتفي بالطيران بين زهرة واخرى او الوقوف على طرف منها وانما تأخذ منها مادتها الخام لتصنع منها شهدا لذة للشاربين وقد لايتعدى عمل النحلة صناعة العسل عبر طريقة واحدة هي امتصاص الرحيق من الازهار على عكس احمد فاضل الذي يمتشق سيف الناقد وجلباب الفيلسوف ومخيال الشاعر وخيال القاص ولغة المترجم وتذوق الفنان ومع جمعه كل هذه الشخصيات في وعاء اسمه (احمد فاضل) الا انك لا تستطيع وصمه بـ(الازدواجية) ان اقتربت منه كثيرا حيث تجد ان لكل شخصية فيه استقلاليتها الكاملة عن الاخرى وامانته الحرفية في الترجمة وانصافه في النقد وتذوقه للشعر وبراعته في القصة وتفلسفه في القراءة لا تتداخل ببعضها ويظهر ابداع كل شخصية في مجال ابداعها بوضوح لالبس فيه . لكنني اليوم سأشاكسه واضع الجميع في (طاوة) واحدة في حوار مختلف قد يقصر او يطول من خلال براعته في الدفاع عن شخوصه التي عاش فيها واحبها واتمنى ان يكون حوارا جميلا يرضي النخبة والقراء ويظهر احمد فاضل المتعدد المواهب بصورة رائعة:

 

- تعرف ذاتك أكثر من الآخرين، فهلا عرفتني بك بطريقة مختلفة من أنت ..؟

ج – لا أبالغ إذا قلت أن كل من تعّرف عليَّ من خلال صداقتي له، أو من خلال ما قرأه لي، بات يعرف أحمد فاضل أكثر مما أعرفه، لأنه ببساطة يكتشف بي ذاتي التي أطمع تقديمها بذات الشفافية التي أعيشها أو أكثر .

- هل تمارس الترجمة كهواية أو حرفة تدر عليك مالاً أو حباً بالاطلاع؟

ج – لا أمارس الترجمة كهواية، وإنما أعتبرها جسراً، أمده نحو الآخر للتعريف به لدى جمهرة عريضة من قراء العربية الذين لا يستطيعون فك شفرة اللغة الأجنبية، وتقديمها مجاناً له في سلة منوعة من الأدب والثقافة والفن، وقد يكون حباً بالإطلاع لأنه يصب في مصلحة الجميع .

- أنت متهم بأنك تترجم ما يروق لك أو ما يطلب منك وليس لإثراء الساحة الأدبية .. ماردك على هذا؟ أو كيف تختار المادة التي تقوم بترجمتها؟

ج – نعم أختار ما يروقني، وليس ما يُطلب مني، لأنني أعرف ما يثري الساحة الأدبية بحكم ذائقتي كقارئ أولاً قبل أن أكون مترجم .

- ترجمت في الشعر والمسرح والسينما، لماذا أحجمت عن القيام بترجمة إحدى الروايات العالمية؟

ج – ترجمة الروايات العالمية تحتاج إلى تفرغ ووقت طويل لإنجازها، أنا أختصر تلك المسافة بتقديم عشرات الترجمات القصيرة لقصص ودراسات عن كبار الكُتاب هناك، وهذا ما أنشره تباعاً في العديد من الصحف والمجلات المحلية والعربية، وقد يسعفني الوقت بالتفرغ لترجمة رواية أجنبية في المستقبل، ليس هذا وعداً، بل تمني ..

- يدعي البعض أن حبك لممثلين محددين من الأجيال السابقة كـ (كلارك كيبل وكيرك دوكلاس)، تفضل أفلامهم على غيرهم وتفرضها على الآخرين من خلال الترجمة، ما تبريرك؟

ج – الذي يدعي ذلك، ليذهب ويقرأ كتابي " هوليوود في بغداد " الذي أصدرته عام 2016، الذي احتوى على أفلام وحكايات عديدة لنجمات ونجوم هوليوود، لم أقتصر فيها على النجمين اللذان ذكرتهما، وما يدعم قولي هذا أيضاً كتابي " هوليوود التي لا تنام " الذي سيصدر قريباً إن شاء الله .

- مر على عملك قرابة عقدين في الترجمة وسجلك يخلوا من ترجمة رواية عراقية أو مجموعة قصصية أو حتى رواية .. هل ترى أن النتاج العراقي لايصلح للعالمية؟ أو انك لم تجد نصاً يستحق الترجمة؟

ج – لم يتقدم لي حتى الآن روائي أو قاص بتقديمه لي عملاً من أعماله لغرض ترجمته، رواية كانت أم مجموعة قصص قصيرة، حتى نجلس معاً للإتفاق حولها والظرف المناسب لي كما أسلفت قبل قليل . الأعمال العراقية رائعة وفيها الكثير مما يستحق ترجمتها، وقد تكون الكرة الآن في ملعب الروائي والقاص والمترجم على السواء .

- ماذا اضافت لك الترجمة في نتاجك الادبي وكيف انعكست عليك شعراً وقصة؟

ج – أضافت لي الكثير، حيث تعرفت من خلالها على تجارب عديدة لا تحصى لكاتبات وكُتاب أجانب، نفتقر هنا حقيقة على الطريقة التي يواكبون بها عصر الكتابة وهي تتنقل من الحداثة إلى ما بعد الحداثة .

- أنت درست الادارة والمحاسبة والأرقام، مالذي جرفك إلى شواطئ الادب عموماً والنقد خصوصاً؟

ج – الكثير من الأدباء والكتاب يحملون تخصصاً معين غير الذي يمارسونه، فهناك أطباء يعرفهم القارئ على أنهم رواة وكُتاب قصة كيوسف أدريس مثلاً، محبة الأدب جذبتني أكثر وتعززت بالحصول على الدبلوم العالي في اللغة الإنكليزية في مجال الكتابة الإبداعية التي عرفتني على أساليب النقد الحديث، مع أني لا أقول أني ناقد بل صاحب رؤية نقدية .

- يصف العرب الشعر بالأريحية، لكنك تختار نصوص ذا منحى فلسفي أي لا أريحية فيها وتمارس عليها نقداً، فهل هو حب الفلسفة أو كره السهل الممتنع؟

ج – كلا سيدي، أنا لا أتفق مع هذا القول بدليل عديد ما كتبته من رؤى نقدية لعشرات الشاعرات والشعراء اللذين لا تجد في نصوصهم أية فلسفة، إلا النزر اليسير منهم .

- أنت متهم باختيار نصوص بسيطة لا تسجل علامة فارقة في النتاج الشعري، وتمارس عليها النقد، نصوص فلاح الشابندر انموذجا؟

ج – أعذرني سيدي، هذا تجني على شاعر قدير كفلاح الشابندر الذي أصدر 3 دواوين شعرية من أروع ما تكون بشهادة كتابه الصادر حديثاً " كتب متأخراً ... مات مبكراً "، والذي احتوى على عديد قراءات النقد حول نصوصه كقراءة د . إنعام الهاشمي، إسماعيل إبراهيم عبد، د . سعد ياسين يوسف، صباح محسن جاسم، فائز الحداد، عمر مصلح، قاسم محمد مجيد، أ . د . بشرى البستاني، وآخرون، ومنهم أنا، أفلا يكفي هذا كي تكون إنطباعاتنا النقدية تسير في الطريق السليم .

- أصدرتَ كتابين في النقد، لكنهما لم يسجلا إضافة في النقد ولم تشر اليهما الدراسات النقدية كمصادر مثلما يحصل مثل الكتاب النقدي: (الأسطورة في شعر السياب)، ما هية النظرية التي تنتمي لها؟ ما هي مشاريعك القادمة وأين تضع نفسك بين النقاد المعاصرين؟.

ج – لا يمكن مقارنتنا بأستاذي الدكتور عبد الرضا علي الذي نتعلم منه في كل يوم، لأنه أستاذ النقد المقارن فلا عجب أن يحصد كتابه كل ذلك الإعجاب، لكن هناك الكثير من النقاد المهمين لم تشر إليهم الدراسات النقدية لسبب أنت تعرفه سيدي، الشليلية النقدية والأخوانية مرض خطير تعاني منه المدرسة النقدية، أنا لا أقول أني ناقد بقدر ما أقول صاحب رؤية نقدية والفرق واضح، مع أني أتعلم في كل يوم شيئاً مهما من المدرسة الغربية بحكم إطلاعي على لغتهم، أما مشاريعي المستقبلية في هذا الجانب فهو متروك لحجم تفاعلي مع ما يكتب في الساحة الثقافية وما يرضي ذائقتي وأراه يفيد المتلقي .

- في ختام حواري معه اشهد ان الرجل كان دمث الخلق وهاديء الطباع واعترف ان في اسئلتي له كانت هناك بعض القسوة لكنه تعامل مع قسوتي برحابة صدر واجاب على كل الاسئلة بأريحية اشهد بها له .

 

حاوره / راضي المترفي

..............

* الصورة للاستاذ احمد فاضل

 

 

1435 تشومسكيتشومسكي، مقابلة لموقع truthout.org

ترجمة: د. احمد مغير


سؤال: ومع ذلك، وحتى الآن، ومع وجود البلاد في خضم حالة طوارئ صحية عامة على عكس أي شيء رأيناه منذ فترة طويلة جداً، لا يزال الرأي العام الأميركي يُقال له إن الرعاية الصحية الشاملة ليست واقعية. هل الليبرالية الجديدة وحدها مسؤولة عن هذا المنظور الأميركي الفريد بشكل غريب بشأن الرعاية الصحية؟

- إنها قصة معقدة بادئ ذي بدء ، لفترة طويلة ، أظهرت استطلاعات الرأي مواقف مواتية تجاه الرعاية الصحية الشاملة ، وأحيانا دعم قوي جدا. في أواخر سنوات ريغان كان حوالي 70 في المئة من السكان يعتقدون بأن الرعاية الصحية المضمونة يجب أن تكون في الدستور، و40 في المئة يعتقدون أنها في الدستور الذي اتخذ ليكون مستودعا ً لكل ما هو صحيح بشكل واضح. وكانت هناك استفتاءات تظهر تأييدا عاليا للرعاية الصحية الشاملة ، إلى أن يبدأ الهجوم الدعائي للأعمال التجارية، محذرا من العبيء الضريبي الثقيل إن لم يكن الفلكي، حسب ما شهدناه مؤخرا ثم يتلاشى الدعم الشعبي.

وكالعادة، هناك عنصر من عناصر الحقيقة في الدعاية وسوف ترتفع الضرائب، ولكن من المتوقع أن ينخفض إجمالي النفقات انخفاضاً حاداً، كما يظهر سجل البلدان المماثلة. كم؟ هناك بعض التقديرات الإيحائية. وقد نشرت إحدى المجلات الطبية الرائدة في العالم، مجلة "ذي لانسيت" (المملكة المتحدة)، مؤخراً دراسة تقدر أن الرعاية الصحية الشاملة في الولايات المتحدة "من المرجح أن تؤدي إلى تحقيق وفورات بنسبة 13% في الإنفاق الوطني على الرعاية الصحية، أي ما يعادل أكثر من 450 مليار دولار أمريكي سنوياً (استناداً إلى قيمة دولار أمريكي في عام 2017)." وتستمر الدراسة في القول: يمكن تمويل النظام بأكمله بنفقات مالية أقل مما يتكبده أرباب العمل والأسر التي تدفع أقساط الرعاية الصحية إلى جانب المخصصات الحكومية القائمة، ومن شأن هذا التحول في الرعاية الصحية لدافع واحد أن يوفر أكبر قدر من الإغاثة للأسر ذات الدخل المنخفض. وعلاوة على ذلك، فإننا نقدر أن ضمان حصول جميع الأميركيين على الرعاية الصحية من شأنه أن ينقذ حياة أكثر من 68,000 شخص و1.73 مليون (سنة/حياة)كل عام مقارنة بالوضع الراهن. لكنه سيرفع الضرائب ويبدو أن العديد من الأميركيين يفضلون إنفاق المزيد من المال طالما أنها لا تذهب إلى الضرائب (مما يؤدي إلى قتل عشرات الآلاف من الناس سنوياً). وهذا مؤشر واضح على حالة الديمقراطية الأميركية، كما يختبرها الناس؛ ومن منظور آخر، لقوة النظام الفقهي الذي صاغته قوة الأعمال وخدامها الاذكياء. وقد أدى الهجوم الليبرالي الجديد إلى تكثيف هذا العنصر المرضي في الثقافة الوطنية، ولكن الجذور أعمق بكثير وموضحة بطرق عديدة، وهو موضوع يستحق المتابعة إلى حد كبير.

سؤال: في حين أن أداء بعض البلدان الأوروبية أفضل من غيرها في إدارة انتشار وباء الكورونا، فإن البلدان التي يبدو أنها حققت نجاحاً أكبر في هذه المهمة تقع في المقام الأول خارج الكون الغربي (الليبرالي الجديد). وهي سنغافورة وكوريا الجنوبية وروسيا والصين نفسها. هل تخبرنا هذه الحقيقة شيئاً عن الأنظمة الرأسمالية الغربية؟

- كانت هناك ردود فعل مختلفة على انتشار الفيروس. ويبدو أن الصين نفسها سيطرت عليها، على الأقل في الوقت الراهن. ويصدق نفس الشيء على البلدان الواقعة على أطراف الصين حيث تم الوفاء بالتحذيرات المبكرة، بما في ذلك الديمقراطيات التي لا تقل حيوية عن الديمقراطيات في الغرب. أوروبا في الغالب واجهت مشكلة ، ولكن بعض البلدان الأوروبية تصرفت. ويبدو أن ألمانيا تحتفظ بالرقم القياسي العالمي في انخفاض معدلات الوفيات، وذلك بفضل المرافق الصحية الاحتياطية والقدرة التشخيصية، والاستجابة السريعة، ويبدو أن الشيء نفسه ينطبق على النرويج. كان رد فعل بوريس جونسون في المملكة المتحدة مخزياً،اما الولايات المتحدة فكانت في الخلف.

بيد أن التماس ألمانيا للسكان لم يتجاوز حدودها،وقد أثبت الاتحاد الأوروبي أنه يمكن أن يكون أي شيء سوى ذلك. ومع ذلك، يمكن للمجتمعات الأوروبية المريضة أن تصل عبر المحيط الأطلسي من أجل المساعدة. وكانت القوة (العظمى) الكوبية مستعدة مرة أخرى للمساعدة في الأطباء والمعدات. وفي الوقت نفسه، كانت جارتها الأميركية تخفض المساعدات الصحية لليمن،حيث ساعدت في خلق أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وتستغل فرصة الأزمة الصحية المدمرة لتشديد عقوباتها القاسية لضمان أقصى قدر من المعاناة بين أعدائها المختارين. كوبا هي ضحية لامد طويل من الزمن، وبالعودة إلى أيام حروب كينيدي الإرهابية والخنق الاقتصادي، والتي نجت منها بأعجوبة. ومن قبيل المصادفة، ينبغي أن يكون من المزعج للغاية للأميركيين مقارنة السيرك في واشنطن بتقرير أنجيلا ميركل الرصين والمدروس والواقعي إلى الألمان حول كيفية التعامل مع الفاشية.

ويبدو أن السمة المميزة في الاستجابات ليست الديمقراطيات مقابل الأنظمة الاستبدادية، بل المجتمعات العاملة مقابل المجتمعات غير العاملة - ما يطلق عليه في الخطاب الترامبي بلدان "حفرة القذارة"، وهو ما يعمل جاهداً على صياغته في ظل حكمه.

سؤال: ما رأيك في خطة الإنقاذ الاقتصادي للفيروس التاجي التي تبلغ قيمتها 2 تريليون دولار؟ هل يكفي درء ركود كبير محتمل آخر ومساعدة الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع الأميركي؟

 - خطة الإنقاذ أفضل من لا شيء لانها توفر إغاثة محدودة لبعض أولئك الذين هم في أمس الحاجة إليها، ويحتوي على صندوق لمساعدة الضعفاء حقا: الشركات البائسة وهم يتدفقون على الدولة الحنونة، والقبعة في اليد، مع إخفاء نسخهم من عين راند وهم يتوسلون مرة أخرى للإنقاذ من قبل الجمهور بعد أن أمضوا سنوات المجد في جمع أرباح ضخمة وتكبيرها في إعادة شراء الأسهم. ولكن لا داعي للقلق سيقوم ترامب ووزير الخزانة بمراقبة صندوق الدعم ، و يمكن الوثوق في أنهما عادلان ونزيهان. وإذا قررا تجاهل مطالب المفتش العام الجديد والكونغرس، فمن سيفعل أي شيء حيال ذلك؟ وزارة العدل ؟ الاقاله؟

كان يمكن أن تكون هناك طرق لتوجيه المساعدات إلى أولئك الذين يحتاجون إليها، إلى الأسر المحتاجة، بما يتجاوز مبلغ زهيد يشمل البعض. ويشمل ذلك الأشخاص العاملين الذين كانت لديهم وظائف أصيلة و الذين كانوا يعملون  في العمالة المؤقتة وغير النظامية، ولكن أيضا الآخرين: أولئك الذين سرحوا، ومئات الآلاف من ضحايا "وفيات اليأس" ،المشردون، والسجناء، والكثيرون الذين يعانون من مساكن غير ملائمة بحيث أن العزل وتخزين الأغذية ليست خيارا ممكنا لهم، والكثير من الآخرين الذين ليس من الصعب تحديد هويتهم. وقد وضع الاقتصاديان السياسيان توماس فيرغسون وروب جونسون المسألة بوضوح: ففي حين أن الرعاية الطبية الشاملة التي هي معيار في دول أخرى تعتبر أكثر مما ينبغي توقعه في الولايات المتحدة،"لا يوجد سبب يدعو إلى أنه ينبغي أن يكون هناك تأمين واحد من دافع واحد للشركات." يلجئون إلى مراجعة طرق بسيطة للتغلب على هذا الشكل من سرقة الشركات.

على أقل تقدير، يجب أن تتطلب الاجراءات العادية بخصوص الإنقاذ الحكومي لقطاع الشركات فرض حظر صارم على إعادة شراء الأسهم، ومشاركة العمال الهادفة في الإدارة، ووضع حد لتدابير الحماية الفاضحة التي وصفت خطأ على أنها (الاتفاقات التجارية الحرة) التي تضمن أرباحا ضخمة لشركات الادوية العملاقة مع قيامها برفع أسعار الأدوية إلى ما هو أبعد بكثير مما ستكون عليه في إطار ترتيبات عقلانية. (انتهت المقابلة).

 

 

زينب سعيداجرى الحوار: جوزيبينا فيوريتي

 ترجمة: زينب سعيد


نشرت دار فضاءات للنشر والتوزيع مؤخرا بالأردن كتاب السوسيولوجيين الايطاليين بيترو باسو وفابيو بيروكو: "ضد الاسلاموفوبيا، العنصرية ضد المسلمين في أوروبا واثارها الاجتماعية" ترجمه عن الإيطالية زينب سعيد وربيع ونيش. ارتأينا التعمق في بعض الجوانب المتعلقة بهذا الكتاب الذي يحلل بشكل جلي أسباب العنصرية المستفحلة في إيطاليا وأوروبا، والأساليب التي يتم الاشتغال بها ونتائجها الاجتماعية. يستطيع القارئ العربي ان يجد فيه معلومات تساعده على فهم الاليات الكامنة وراء العديد من المواقف العدائية اتجاه عالمه واتجاه حضوره في أوروبا وفي إيطاليا، وخاصة انه سيكون سعيدا حينما يكتشف أن الاسلاموفوبيين لا يشكلون الأغلبية لا في إيطاليا ولا في أوروبا. نجري مقابله مع احد مؤلفي هذا العمل، الاستاذ بيترو باسو،  الذي كان أستاذ السوسيولوجيا بمعهد الدراسات الشرقية بنابولي وبعدها بجامعة كافوسكري، حيث أسس منذ عقدين من الزمن أول ماستر عن الهجرة النازحة في إيطاليا. وقد ترجمت مؤلفاته وابحاثه عن العمل، وتاريخ الحركة العمالية والعنصرية، والهجرة الدولية، لعدة لغات. 

كيف نشأت فكرة كتاب للقارئ العربي؟

1437 اسلام فوبيا- نشأت كرد فعل ضد العربوفوبيا والاسلاموفوبيا اللذين اثارا، منذ عقدين من الزمن تقريبا، حالة جنون في إيطاليا وأوروبا. يتعلق الأمر بصناعة جادة وحقيقية التي تنتج بوتيرة متواصلة، في الجامعات والمدارس والجرائد والمحطات التلفزية و مواقع التواصل الاجتماعي، تمثلات وصور زائفة، جهنمية، شيطانية للعالم العربي والتقاليد الإسلامية الحاليين، بهدف محدد هو: خلق قطيعة مطلقة وعداء قاتم بين الشعوب الإيطالية/ الأوروبية والشعوب النازحة إلى إيطاليا وأوروبا القادمة من البلدان العربية ومعظمها ذات تقاليد إسلامية. اسلط الضوء، من خلال النقد اللاذع لهذه الصناعة، على التقنيات التي تعمل بها والمواضيع التي تشتغل عليها بهدف طمس وإزالة كل ما يمكن ان يقرب و يوحد بين هذه الشعوب، وخاصة شغالي هذين "العالمي". واربط انتشار فيروس العربوفوبيا والاسلاموفوبيا بحرب حقيقية في حق المهاجرين الوافدين والمهاجرين النازحين المشنة من طرف الاتحاد الأوروبي (منذ معاهدة  شينغن إلى اليوم) واحياء اكبر عدوان استعماري جديد في حق بلدان جنوب العالم الذي بدأ منذ حرب الخليج ويستمر الى اليوم. 

كيف تمت هيكلة الكتاب؟

- تم تقسيم الكتاب إلى قسمين. القسم الأول كتبته أنا، يحاول اظهار كيف أن واقع العالم العربي "الإسلامي" اليوم ليس هو ذلك العالم المتحجر الجامد منذ 1400 سنة، الذي تكلمت عنه باسهاب وجهل كبيرين الكاتبة الإيطالية اوريانا فلاتشي. واجهت وفككت الأسطورة القائمة على اعتبار العالم العربي والإسلامي عالم كله دين وكله تعصب، عكست اسطورة الإسلام المعاصر المستعمر لأوروبا من خلال نقدي للاستعمار(الحقيقي) الإيطالي والاوروبي، وناقشت وضعية المرأة العربية مدحضا الادعاء الغربي القائل بأنه محررها. القسم الثاني، كتبه فابيو بيروكو، تم التركيز فيه على النتائج الاجتماعية المستفحلة التي خلفها الاسلاموفوبيا على عاتق المهاجرين النازحين وذوو  تقاليد وأعراف ثقافية إسلامية، في أوروبا،  من حيث التميز العنصري، والتهميش والاقصاء الذي طالهم. يحدد الكاتب في دراسته الجهات الرئيسية الفاعلة في حملة الإسلاموفوبيا ويحلل منتقدا السياسات والممارسات والخطابات المؤسساتية ضد المهاجرين المسلمين النازحين المقيمين في أوروبا وإيطاليا. تُشرِّح دراسته حتى المواضيع والطرق التي تتم بها شرعنة وتطبيع حالة عدم المساواة الهيكلية الناتجة عن جملة هذه العمليات المادية والثقافية.    

عنوان الكتاب مهم وذوو دلالات، ماهي الأشياء التي ستثير القارئ العربي حسب رأيك؟

- ااوه، وكيف لي أن أعرف!  آمل ذلك حقا، نعم آمله، أتمنى أن يعرف القارئ العربي بأن الصليبيين والاسلاموفوبيين ليسوا زعماء الميدان المطلقين هنا في إيطاليا وأوروبا. صحيح أن الأجواء هنا قاتمة، تعيد إلى الأذهان سنوات الثلاثينات الرهيبة؛ لكن لم يحسم شيء بعد، طريق النضال مفتوح. وأتمنى أن يحسوا بدفء قربنا منهم. 

 

.......................

الحوار الأصلي على هذا الرابط:

https://www.arabook.it/2020/03/16/contro-l-islamofobia-in-arabo-intervista-a-pietro-basso/?fbclid=IwAR0XNqJ6GA8a0RLwF-8bbmCL0JQ4MO5FVRF3sELw0XzsSn-qYZ1rgYKr8Lc

 

 

1435 تشومسكيمقابلة لموقع truthout.org

ترجمة: د.احمد مغير

 الكوفيد-19 او وباء الكورونا اخذ العالم بسرعة كالعاصفة، فمئات الآلاف مصابون (ربما أكثر من الحالات المؤكدة بأضعاف)، وقائمة القتلى تنمو بشكل كبير لفترة قد تطول، والاقتصاديات الرأسمالية وصلت إلى طريق مسدود، مع ركود عالمي يكاد يكون حتمياً.كان قد تم التنبؤ بهذا الوباء قبل وقت طويل من ظهوره، ولكن تم منع الإجراءات اللازمة للتحضير لمثل هذه الأزمة بسبب الضرورات القاسية للنظام الاقتصادي الذي "لا يوجد فيه أي ربح في منع كارثة في المستقبل"، قال نعوم تشومسكي في هذه المقابلة الحصرية لTruthout. تشومسكي هو أستاذ فخري في اللغويات في MITمعهد ماساشوتس للتكنولوجيا وأستاذ حائز على جائزة في جامعة أريزونا، ومؤلف أكثر من 120 كتابًا وآلاف المقالات والمقابلات. وفي المقابلة التالية، يناقش كيف أن الرأسمالية الليبرالية الجديدة نفسها تقف وراء الاستجابة الفاشلة للولايات المتحدة للوباء.

سي جي بوليكرونيو: نعوم، انتشر تفشي لمرض الفيروس التاجي الجديد او كورونا في معظم أنحاء العالم، حيث توجد في الولايات المتحدة الآن حالات إصابة أكثر من أي بلد آخر، بما في ذلك الصين، حيث نشأ الفيروس. هل هذه التطورات مفاجئة؟

نعوم تشومسكي: حجم الوباء مدهش، في الواقع صادم ، شكلا ومضمونا أن الولايات المتحدة لديها أسوأ سجل في الاستجابة للأزمات.وقد حذر العلماء من حدوث وباء منذ سنوات، وبإصرار منذ وباء السارس في عام 2003، الناجم أيضا عن فيروس كورونا، حيث تم تطوير لقاحات له ولكنها لم تتجاوز المستوى قبل السريري. هذا هو الوقت المناسب للبدء في وضع نظم للاستجابة السريعة استعدادا ً لتفشي المرض وتخصيص القدرة الاحتياطية اللازمة. وكان من الممكن أيضاً اتخاذ مبادرات لتطوير دفاعات وطرق علاج لاحتمال تكرارها مع فيروس مشابه. ولكن الفهم العلمي لا يكفي، يجب أن يكون هناك شخص ما لالتقاط الكرة واللعب بها. كانت إشارات السوق واضحة: لا يوجد أي ارباح في منع وقوع كارثة في المستقبل. كان يمكن للحكومة أن تتدخل، ولكن هذا ممنوع  في العقيدة السائدة: "الحكومة هي المشكلة"، قال لنا ريغان بابتسامته المشرقة، مما يعني أن صنع القرار يجب أن يتم تسليمه بشكل كامل إلى عالم الأعمال، الذي يكرس للربح الخاص ويكون خاليا من تأثير أولئك الذين يهتمون بالصالح العام. وقد ضخت السنوات التي تلت ذلك جرعة من الوحشية الليبرالية الجديدة في النظام الرأسمالي غير المقيد وفي الشكل الملتوي من الأسواق التي يبنيها.

إن عمق المشكلة يكشف عنه بوضوح أحد أكثر الإخفاقات مأساوية وفتكاً: الافتقار إلى أجهزة التنفس الصناعي التي هي أحد التحديات الرئيسية في مواجهة الوباء. وتنبأت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية بالمشكلة، وتعاقدت مع شركة صغيرة لإنتاج أجهزة تنفس جيدة غير مكلفة وسهلة الاستخدام، ولكن بعد ذلك تدخل المنطق الرأسمالي، فتم شراء الشركة من قبل شركة كبرى، كوفيديان، التي أبعدت المشروع، و في عام 2014، ومع عدم تسليم أجهزة التنفس الصناعي إلى الحكومة، قال المديرون التنفيذيون في كوفيديان للمسؤولين في وكالة الأبحاث الطبية الحيوية [الفيدرالية] إنهم يريدون الخروج من العقد، وفقا لثلاثة مسؤولين فيدراليين سابقين. واشتكى المديرون التنفيذيون من أنها لم تكن صفقة رابحة بما فيه الكفاية للشركة."

 ثم تدخل المنطق الليبرالي الجديد، الذي يملي أن الحكومة لم تستطع العمل على التغلب على الفشل الذريع في السوق، والذي يسبب الفوضى الآن. وكما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز بلطف، "إن الجهود المخصصة لإنشاء خزين جديد من أجهزة التتنفس الرخيصة وسهلة الاستخدام تسلط الضوء على مخاطر الاستعانة بالشركات الخاصة في مشاريع ذات آثار حاسمة على الصحة العامة ؛ وتركيزهم على تعظيم الأرباح لا يتسق دائما مع هدف الحكومة المتمثل في الاستعداد لأزمة مستقبلية".

وإذا وضعنا جانباً شعارات الحكومة الحميدة وأهدافها الجديرة بالثناء، فإن التعليق صحيح بما فيه الكفاية. قد نضيف أن التركيز على تعظيم الأرباح هو أيضا "لا يتفق دائما" مع الأمل في "بقاء البشرية"، لاستعارة عبارة (مسربة) من جي بي مورغان تشيس، [أكبر بنك في الولايات المتحدة]، محذرا من أن "بقاء البشرية" في خطر أن بقيناعلى مسارنا الحالي ، بما في ذلك استثمارات البنك نفسه في الوقود الأحفوري. وهكذا، ألغت شيفرون مشروعا مربحًا للطاقة المستدامة لأن هناك المزيد من الأرباح التي يمكن تحقيقها في تدمير الحياة على الأرض. امتنعت إكسون موبيل عن القيام بذلك، لأنها لم تفتح مثل هذا المشروع في المقام الأول، بعد أن أجرت حسابات أكثر عقلانية للربحية.

وعن حق، وفقا ً للعقيدة الليبرالية الجديدة وكما أمرنا ميلتون فريدمان وغيره من شخصيات الليبرالية الجديدة البارزة، فإن مهمة مديري الشركات هي تحقيق أقصى قدر من الأرباح، وأي انحراف عن هذا الالتزام الأخلاقي من شأنه أن يحطم أسس "الحياة المتحضرة". سيكون هناك انتعاش بعد أزمة وباء الكورونا، بتكلفة باهظة وربما مروعة، لا سيما بالنسبة للفقراء والأكثر تعرضا. ولكن لن يكون هناك انتعاش بعد ذوبان الصفائح الجليدية القطبية والعواقب المدمرة الأخرى للاحترار العالمي، وهنا أيضا، تنجم الكارثة عن فشل السوق - في هذه الحالة، ذات أبعاد تهز الأرض حقا.

وكانت الإدارة الحالية قد تلقت تحذيرا واضحا من احتمال حدوث جائحة، حيث تم اجراء محاكاة رفيعة المستوى للكارثة في تشرين اول/أكتوبر الماضي. كان رد فعل ترامب خلال السنوات التي قضاها في منصبه بالطريقة التي تعودنا عليها: من خلال وقف التمويل وتفكيك كل جزء ذي صلة من الحكومة والتنفيذ الدؤوب لتعليمات أسياده في الشركات بإلغاء اللوائح التي تعوق الأرباح بينما تنقذ الأرواح (وتقود السباق إلى هاوية الكارثة البيئية، وإلى حد كبير أكبر جريمة له )و في الواقع هي أكبر جريمة في التاريخ عندما ننظر في العواقب.

وبحلول أوائل كانون الثاني/يناير، لم يكن هناك شك في ما يحدث، وفي 31 كانون الأول/ديسمبر، أبلغت الصين منظمة الصحة العالمية بانتشار أعراض شبيهة بذات الرئة وبمسببات غير معروفة. وفي 7 يناير/كانون الثاني، أبلغت الصين منظمة الصحة العالمية بأن العلماء حددوا المصدر على أنه فيروس تاجي وقاموا بوضع تسلسل الجينوم الذي أتاحوه للعالم العلمي. خلال كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير، كانت الاستخبارات الأمريكية تحاول جاهدة ايصال صوتها إلى أذن ترامب،لكنها فشلت. وأبلغ المسؤولون الصحافة أنهم "لم يتمكنوا من حمله على فعل أي شيء حيال ذلك. كان النظام يرمش بالضوء الأحمر". ومع ذلك، لم يكن ترامب صامتاً وأصدر سلسلة من التصريحات الواثقة التي أبلغت الجمهور بأنها مجرد سعال؛ وأن كل شيء تحت السيطرة. وأنه حصل على 10 من 10 في معالجته للأزمة؛ انها ازمة خطيرة جدا لكنه كان يعرف بأنه وباء وقبل أي شخص آخر وبقية الأداء المؤسف معروف. هذه التقنية مصممة جيدا ، من خلال سيل من الأكاذيب السريعة بحيث يختفي مفهوم الحقيقة. ومهما حدث، فمن المؤكد أن ترامب سيُبرّر ذلك لأتباعه المخلصين .عند إطلاق بعض السهام عشوائياً، من المرجح أن يصيب بعضها الهدف.ولتتويج هذا السجل المثير للإعجاب، في 10 شباط/فبراير، عندما كان الفيروس يجتاح البلاد، أصدر البيت الأبيض مشروع ميزانيته السنوية، الذي شمل المزيد من التخفيضات الحادة في جميع الأجزاء الرئيسية المتعلقة بالصحة في الحكومة (في الواقع ،أي شيء تقريباً قد يساعد الناس) مع زيادة التمويل لما هو مهم حقا: الجيش والجدار.

 أحد الآثار المترتبة على ذلك هو تأخر ومحدودية اختبار فحص الكورونا بشكل صادم، و أقل بكثير من بلدان اخرى، مما يجعل من المستحيل اجراء الاختبار والتتبع الناجح للاستراتيجيات التي حالت دون خروج الوباء عن نطاق السيطرة في المجتمعات الفاعلة. حتى أفضل المستشفيات تفتقر إلى المعدات الأساسية، الولايات المتحدة هي الآن المركز العالمي للأزمة.هذا يبزّر فقط سطح الحقد الترامبي، لكن لا يوجد مساحة للمزيد هنا.ومن المغري إلقاء اللوم على ترامب بسبب الاستجابة الكارثية للأزمة، ولكن إذا كنا نأمل في تجنب الكوارث في المستقبل، يجب أن ننظر إلى ما بعده. جاء ترامب إلى منصبه في مجتمع مريض، يعاني من 40 عاماً من الليبرالية الجديدة، مع جذور لا تزال أعمق.

كانت النسخة الليبرالية الجديدة للرأسمالية سارية المفعول منذ ريغان ومارغريت تاتشر، وبدأت قبل ذلك بوقت قصير. وينبغي ألا تكون هناك حاجة إلى تفصيل عواقب ذلك القاتمة. إن سخاء ريغان تجاه كبارالأغنياء له أهمية مباشرة اليوم مع حدوث عملية إنقاذ أخرى. رفع ريغان سريعا الحظر المفروض على الملاذات الضريبية وغيرها من الوسائل بغرض تحويل العبيء الضريبي إلى الجمهور، كما أذن بإعادة شراء الأسهم - وهو أداة لتضخيم قيم الأسهم وإثراء إدارة الشركات والأثرياء جداً (الذين يملكون معظم الأسهم) مع تقويض القدرة الإنتاجية للمؤسسة.

ولهذه التغييرات في السياسات عواقب هائلة، بعشرات تريليونات الدولارات. وعموماً، صُممت السياسة لتفيد أقلية صغيرة بينما تتخبط البقية. هذه الطريقة اوصلتنا إلى مجتمع حيث 0.1 في المئة من السكان لديهم 20 في المئة من الثروة والنصف السفلي لديهم صافي القيمة السلبية والعيش من راتب إلى راتب. وفي حين ازدهرت الأرباح وارتفعت رواتب الرؤساء التنفيذيين ارتفاعاً هائلاً، فقد ركدت الأجور الحقيقية. وكما يظهر الاقتصاديان إيمانويل سايز وغابرييل زوكمان في كتابهما " انتصار الظلم"، فإن الضرائب ثابتة في الأساس في جميع فئات الدخل، باستثناء القمة، حيث تتراجع.

 لطالما كان نظام الرعاية الصحية الهادف للربح في الولايات المتحدة يشكل فضيحة دولية، حيث بلغت النفقات على الفرد في هذا النظام ضعفها في المجتمعات المتقدمة الأخرى مع الحصول على بعض أسوأ النتائج. وضرب المذهب الليبرالي الجديد ضربة أخرى، حيث أدخل تدابير تجارية للكفاءة: الخدمة في الوقت المحدد دون وجود مصدات في النظام، أي تعطيل سينهار النظام. وينطبق الشيء نفسه إلى حد كبير على النظام الاقتصادي العالمي الهش الذي صيغ على مبادئ الليبرالية الجديدة. هذا هو العالم الذي ورثه ترامب، وهو هدف كبش الضرب. وبالنسبة للمعنيين بإعادة بناء مجتمع قابل للحياة من بين الحطام الذي ستتركه الأزمة الحالية، فمن الأفضل أن نعود إلى نداء فيجاي برشاد: "لن نعود إلى الوضع الاعتيادي، لأن الوضع الاعتيادي كان هو المشكلة ".

 

.........................

انتهى الجزء الاول من الترجمة عن موقع truthout.org 

 

1433 السماوي والمترفي- امي.. باعت "حِجلها الفضة" ومصوغاتها القليلة كي اطبع ديواني البكر

- انا.. ابن أم قروية وأب بقّال كان يبيع الخضروات على أرصف المدينة

- نحن ـ العراقيين ـ تبدأ شيخوختنا في سن العشرين

- أحب العراق لأن السماوة تقع فيه

- سرق ديوان مخطوط لي شخص لايفرق بين الشعر والشعير

- ما زلت طفلا يحبو على رصيف الشعر

- أنا لست عذريا ـ لكنني في نفس الوقت لست ماجنا

- في العشق أعقد الألفة بين الروح والجسد

- التي ستقتلني ليست شاعرة، ولا غزالة أنثوية، إنما: صخرة سيزيف

- العراق الان ليس دولة واحدة، إنه أرخبيل دويلات هشة


كلما حاولت السير باتجاه يحيى السماوي تشط بي السبل حتى الضياع ولم اتمكن من قص اثره بالطريقة التي ترضي غروري، لكنه في كل حال يثير غوايتي ويدفعني للوصول اليه.. وبين حلم الشعر وواقعية الثائر تيه بعيد لكنه يتسربل بكليهما بوضوح.. وبين قنوط الفقراء واحلامهم حرب ضروس لكنه تصالح معهما بعجائبية تلفت النظر، وبين مدينته السماوة وغربته في استراليا حنين لا ينضب لكنه كان يقطعه بتمرد بين حين وحين.. وبين العشق والكتمان قطيعة لم يحتملها جميل فباح باسم (بثينته) ولم يعرف احد من هي بثينة السماوي؟ وبين الدمع والعض على النواجذ تصابر صعب ربما خسره يحيى فسال دمعه مدرارا.. وبين الصبر والشكوى جبل شجاعة ارتقاه بعناد وعل.. ومع كل هذه الموانع قررت القفز فوقها ومكاشفة يحيى عما يدور بداخلي علّي احظى منه على ما يبدد ما في داخلي من ضباب..

- هل بإمكانك رسم صورة قلمية ليحيى كما تراه انت وليس كما تطمح؟

ج: أنا كما أعرفني: ابن أم قروية وأب بقّال كان يبيع الخضروات على أرصف المدينة قبل أن ينجح باستئجار حانوت صغير في سوق المدينة، حتى إذا مرّت عقود على فقره الثريّ بالقناعة، أصاب مالاً وفيراً حلالا، فلم نعد ننتقل بين بيوت الإيجار الضيّقة، فابتنى لنا بيوتا رحبة... كان أبا رائعا،، وأمّا الأم فلم تكن أقلّ روعة ، حتى أنها باعت " حِجلها الفضة " ومصوغاتها القليلة كي تساعد أبي في جمع خمسين دينارا لأطبع مجموعتي البكر " عيناك دنيا " وأنا وقتذاك طالب في مرحلة الدراسة الثانوية .

- بين لغة الشعر ولغة السيف حلم ودم.. عرفناك حالما فهلا عرفتنا كيف تعاملت مع الدم؟

ج: أنا بطبيعتي إنسان حالم، كثيرا ما أشيد في خيالاتي مدناً وبساتين وأشقّ أنهارا أقودها نحو الصحارى، وأجوب آفاقا بعيدة حتى وأنا منغرس في غرفتي كبقايا شجرة... لازلت أتذكر موقفا طريفا: كنت موقوفاُ في معاونية أمن السماوة، موقوفا لبضع ليالٍ داخل مرحاض مهجور تسفُّ فيه الفئران والقمل، وتفوح منه رائحة عفنة ـ ومع ذلك فقد كنت أفتح في خيالي نافذة أطلّ منها على أفقٍ رحب، بل وكتبت في ذاكرتي قصيدة غزل .. نحن ـ العراقيين ـ تبدأ شيخوختنا في سن العشرين، أمّا بسبب الفقر، وأما بسبب القمع الديكتاتوري لذا فالشعراء منا يكتبون قصائدهم بالدمع أو الدم ياصديقي .

- لك مجلس بين الفقراء وامتطاء لصهوات الشعر فما صحة وقوفك في طوابير (الرفحاوين) لقبض المكاسب؟

ج: إذا كان مبررا للذين حملوا السلاح ضد النظام الديكتاتوري معرّضين حياتهم للموت، أن ينالوا حقوقا ومكاسب، فإنه ليس مبررا أن يتقاضى أطفالهم رواتب..

أنا شاركت في الإنتفاضة مقاتلا وخطيبا وكُدت أقتل في إحدى المواجهات مع قوات النظام الديكتاتوري، ونجوت من الموت أكثر من مرة في تلك المواجهات، وحين هربت من العراق بعد فشل الإنتفاضة، والتحقت بي عائلتي، ودخلنا معسكر رفحاء، فإنني بعد سقوط النظام لم أقدم طلبا بحقوقي، واستمر عدم تقديمي طلبا سنوات عديدة، حتى حثّني صديق حميم ـ هو أ . فاضل هاني طاهر ـ على تقديم طلب كمفصول سياسي، ولم أقدم طلبا باسم بناتي وابني مع أنهم يحملون هوية الأمم المتحدة كلاجئين في معسكر رفحاء، مما تسببتُ في حرمانهم من مبالغ بمئات ملايين الدنانير !

أنا مع تخصيص رواتب للذين حملوا السلاح وقاتلوا ـ ومثل هذا الحق تمتع به كل مقاتلي حركات التحرر ورفاق السلاح ولنا في رفاق كاسترو ولينين أمثلة... أما منح الأطفال رواتب، فلا أراه منصفا .

- يقول سماوي اخر هو ناظم: (ودعت السماوه بليل.. اسافر لا صديج وياي.. بس جدمي نكل حسره) انت كيف ولماذا ودعت السماوة؟ وهل كان الوداع بليل او نهار ووداع الليل يعني هروب؟

ج: دائما أقول: إذا كان العراق أبي، فإن السماوة أمي !

وأكرر مع نفسي : السماوة هي جنتي وجحيمي ... هي جنتي لأنها حقا أجمل عندي من كل مدن الدنيا.. أحيانا يصل بي عشقي السماوة للدرجة التي أشعر فيها أنني أحب العراق لأن السماوة تقع فيه، فلو كانت السماوة تقع في بلد آخر لأحببت ذلك البلد أكثر من حبي للعراق..

أما لماذا هي جحيمي، فذلك لأنني استودعت شخصا من أهل السماوة ـ ظننته صديقا ملاكاً ـ بستاني وبيت أحلامي ومكتبتي، فخان الأمانة عندما تأكد له أن عودتي الى العراق ستفضي الى إعدامي، وكان يعتقد أن نظام صدام لن يزول فخان الصداقة والرجولة والشرف كاشفا عن كونه شيطاناً وليس ملاكا كما ظننت، فإذا بي لم أحصل من بستاني ولو على سعفة واحدة، ولا من بيتي ولو على طابوقة واحدة، ولا من مكتبتي التي تجاوز عديدها الثلاثة آلاف كتاب ولو على غلاف كتاب واحد !(الأنكى من ذلك أن ابنه وجد بين كتب مكتبتي ديوانا مخطوطا كنت ضممت فيه بعض قصائدي فانتحلها وراح يقرأ بعضها على شعراء السماوة مثيرا دهشتهم وذهولهم على أنها من شعره ـ وهو الذي لا يعرف الفرق بين الشعر والشعير ولا بين ميزان الشعر وميزان عليوي العطار ـ قبل افتضاح أمره فأضحى مثار تندّر بين شعراء السماوة) .

- امتاز معاصروك.. الجواهري بالجزالة وعبد الواحد بالإطناب وتميزت بالرقة.. من منكم ستحتفظ له كتب الادب بذكر على مدى ابعد؟ اتمنى الحقيقة في الجواب وليس التواضع او نكران الذات

ج: أقول صادقا والله: أنا مجرد كلمة، أحاول أن أكون جملة مفيدة في كتاب الشعر... والله ياصديقي القاص المبدع والإعلامي القدير أبا محمد، ليس تواضعا بقدر أنها الحقيقة: مازلت طفلا يحبو على رصيف الشعر رغم أنني أمضيت حتى الان أكثر من خمسين سنة في رحلتي مع الشعر .

- لك قرب من جميل واعجاب بأبن ذريح وشطحات مثل مجنون بني عامر وعفة مثل (كثير) وصمت مثل نصيب واعجاب بصاحب بنت المستكفي فهل تعد نفسك من الشعراء العذريين؟ ومن هي ليلاك؟

ج: حسنا يا صديقي: أنا لست عذريا ـ لكنني في نفس الوقت لست ماجنا... لست صوفيا، وأيضا لست حسيّا.. في شعري الغزلي أحاول أسطرة العشق، بمعنى أن أجعل من العشق الواقعي أسطورة، ومن العشق الأسطوري حقيقة واقعية على الأرض، فإينانا التي هي إلهة الجمال والحب والمطر والجنس في الأسطورة السومرية، تحولت في مجموعاتي الأخيرة ـ وخاصة في مجموعتي " نهر بثلاث ضفاف " الى معشوقة تعيش على الأرض وليست في خيال الأساطير.. في العشق أعقد الألفة بين الروح والجسد.. بين هدى الروح ولذة الجسد.. وبشكل أدق: أهبط بالروح من سماواتها، وأصعد بالجسد من أرضه، فيلتقي الإثنان في اللامكان واللازمان ليقيما مملكة العشق الممتدة من أقصى الحلم الى أدنى اليقظة، محاولا قدر استطاعتي نشر ثقافة العشق والمحبة والألفة والسلام كبديل لثقافة العنت والكراهية والحرب..

- مضمار الشعر واسع لكن جياده تتزاحم فمن يزاحمك؟ ومن يتقدمك؟ومن يجري خلفك؟

ج: صدّقني ياصديقي، ما أؤمن به هو: إنّ الشعراء جميعا بمثابة سلسلة لا متناهية الطول، كلّ حلقة تُكمِل ما قبلها وتَكتمِل بما بعدها.. فالوردة الواحدة لا تكون بمفردها حديقة، والعشبة لا تكون بمفردها حقلا.. في الشعر ـ كما في كل حياتي: لي طبع النهر، حين أسير الى لا ألتفت الى الوراء، فالأنهار لا تلتفت الى الوراء، وما من سهم يلتفت الى القوس حين ينطلق منه..

- الوطن ليس قطعة ارض هكذا يقول البعض ويعرفون الوطن على انه مجموعة علاقات، وانت عشت في السماوة ردحا وفي بغداد حينا وقطنت استراليا عمرا..فهلا اخبرتني لمن حنينك عندما تتواجد في السماوة وكذلك عندما تتواجد في استراليا او بغداد؟

ج: صدقاً: حين أكون في أستراليا، أحن الى العراق لأن فيه السماوة... وحين أكون في السماوة، أحنّ الى أستراليا لأن فيها أديلايد " حيث عائلتي وسِبطي " حيدر "..

أما بغداد فلا أحنّ اليها بسبب كونها قد أصبحت مقرّاً لحيتان الفساد المالي والسياسي ولـ " مافيا " نادي المحاصصة.. ها أنا قد مرّ على وجودي في السماوة أكثر من ثلاثة شهور، ولم أزر بغداد إلآ نصف نهار وليل ياصديقي...

- يوما قال الراحل (عبد الامير الحصيري) منوها لشاعرة عراقية معروفة: (قتلتني كما قتلت السياب من قبلي).. من هي التي ستقتلك؟

ج: التي ستقتلني ليست شاعرة، ولا غزالة أنثوية، إنما: صخرة سيزيف ياسيدي ـ أقصد: عدم تحقق أملي وحلمي ومطمحي بولادة عراق جديد يصبح فيه رغيف الفقراء أكبر من الصحن، والصحن أكبر من المائدة،والمائدة على سعة الوطن، لا فرق فيه بين معتمر عقالٍ ومعتمر عمامة ، ولا بين مرتدي دشداشة ومرتدي بدلٍ باريسية ـ ولا بين " سين " و " شين " أو بين " أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة " وبين " المومى اليه من عامة الشعب ".. العراق الان ليس دولة واحدة، إنه أرخبيل دويلات هشة، كل حزب من أحزاب السلطة هو دويلة، وكل وزارة إمارة ، وكل ابن مسؤول كبير هو " وليّ عهد " ..

- لمن كتبت اجمل قصائدك السرية؟

ج: كتبتها ضد نظام صدام حسين قبل سقوطه، وللحزب الشيوعي بالدرجة الأولى حين كانت الكتابة عنه تقود الى أقرب مركز شرطة أمن وتفضي الى حبل مشنقة أو ساحة إعدام بالرصاص .

- ما لذي يجذبك للسماوة بهذه القوة؟ الماضي او الحاضر وكيف؟

ج: لي صديق ـ ملاك أرضي ـ اسمه عباس حويجي، قال قبل أكثر من نصف قرن: الجنة تبدأ من وطني.. أما أنا فأقول: الجنة تبدأ من السماوة.. حقا السماوة مدينة ملائكة.. كل أهلها ملائكة ـ باستثناء شيطان واحد ـ وما يؤاسيني في وجود هذا الشيطان هو أن قطرة قيح واحدة في نهر كبير لن تؤدي الى إفساد نميره العذب . السماوة من شجرتي هي: هي الجذور والجذع والأغصان، فهي الماضي والحاضر والمستقبل أيضا، رغم أنني كتبت في وصيتي أن أدفن في النجف الأشرف وليس في السماوة .

- كانت لك رغبات عند نساء وردن من دون مسميات في شعرك وكانت اخر رغبة لك هي طلبك منها ان تتيمم برمادك.. ماهي مواصفاتها؟ وهل هي التي يكفي قليلها؟ ومن الذي سيحرقك ويسلمها رمادك؟

ج: كل النساء اللواتي وردن في شعري، هنّ امرأة واحدة ـ بمعنى أنّ حبّة القمح في السنبلة تحمل صفات بقية حبوب السنبلة . أعتقد أن كل عاشق حقيقي في الدنيا، يرى أن القليل من معشوقته، أحبّ إليه من كثير الأخريات ـ فأنا في مجموعتي " قليلك لا كثيرهن " تحدثت عن جميع العشاق، فالخاص هو عام على صعيد العشق في أسمى تجلّياته.

أما مَنْ سيحرقني، فهو أنا ياصديقي، ففي الأساطير، يوجد طائر خرافي، ميزته أنه يأكل نفسه كلما يجوع..

- السؤال الاخير تسأله انت وتجيب عليه ما رايك؟

: سؤالي هو: كن صريحا وأجبني: كم واحد كسرت ضلوعه بمقالبك أخويا أبو محمد؟ أذكر لي أسماء تسعة أشخاص فقط .

ما أعذبك !

دمت قاصا مبدعا، وإعلاميا قديرا، وصوت حق في زمن الباطل هذا.

- بعد انتظار مضني وصبرا على مزاج شاعر وملل من سلحفاة بطيئة اسمها (الانترنيت) رجعت وفي شبكتي صيد كثير لكنه لم يرضي غروري اذ لم افلح في جر الشاعر الى مناطق بوحها اكثر خطورة كونه كان حذرا ويقظا ولم يبتلع الا القليل من (الطعم) لكن مع كل ذلك كنت فرحا مسرورا بوصولي الى مناطق في حياة الشاعر لم يكشف عنها في حوارات سابقة واملا على ان احاصره في قادم الايام في حوار اجبره على البوح عن خفايا كثيرة .

 

حاوره: راضي المترفي

 

1432 صابر مولاي احمد- النظرة التشييئية للإنسان لها أثرها البليغ على القيم والأخلاق-"

- آن الأوان لينظر الإنسان إلى ذاته في الوجود من زاوية بعده ألا متناهي المتجاوز لوجوده البيولوجي

- الثقافي ينمو ويتسع ويتنوع إلى جانب ما هو إلهي؛ ومع مرور الزمن تتشكل طبقات متعددة مما هو ثقافي في فهم ما هو إلهي


س. أورنيلا سكر: بداية الدكتور صابر مولاي أحمد نريد منك أن تقرب القارئ من سيرتك العلمية بشكل مختصر؟

ج. صابر مولاي أحمد: شكرا للسيدة أورنيلا سكر؛ على هذه المقابلة؛ معك صابر مولاي أحمد  كاتب وباحث مغربي حاصل على شهادة الدكتوراه؛ مختص في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر والدراسات القرآنية؛ صدر له عن دار مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع سنة 2017 كتاب: "منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم: سورة البقرة نموذجا" وصدر له عن نفس الدار 2019 كتاب " الوحي دراسة تحليلية للمفردة القرآنية " وصدر له عن دار الزمن المغربية كتاب " التداول اللغوي للمفردة بين الشعر والقرآن"، وسيصدر له كتاب: "القرآن ومطلب القراءة الداخلية سورة التوبة نموذجا". شارك في العديد من الندوات المحلية والدولية التي تعنى بسؤال التجديد في الفكر الإسلامي، ونشرت له مجموعة من المقالات والدراسات التي تعنى بقضايا الفكر والمعرفة في مجلات ودوريات "محكمة"؛ اشتغل ولازال إطارا علميا في مؤسسات دولية ذات الشأن الثقافي والعلمي داخل المغرب وخارجه.

س. أورنيلا سكر: كيف يمكن الاستفادة من كتبك التي أشرت إليها من قبل في زمننا هذا القرن 21؟

ج. صابر مولاي أحمد: الكتب التي أصدرت في مجملها تنتمي إلى حقل الدراسات القرآنية المعاصرة، وهو حقل معرفي يشمل الكثير من الجوانب المعرفية، من أهمها؛ الجانب الذي يبحث في سؤال المنهج لفهم النص القرآني باعتماد آليات ومناهج المعرفة المعاصرة في علم اللغة والفلسفة ومختلف العلوم الإنسانية.. بدل الوقوف عند آليات وعلوم القرآن التي اعتمدها المتقدمون في فهمهم للقرآن الكريم؛ مثل اعتمادهم على آلية المحكم والمتشابه، أو الناسخ والمنسوخ، أو المكي والمدني، أو أسباب النزول.. وغيرها؛ فآليات علوم القرآن هذه التي قال بها المتقدمون، تم وضعها في استجابة لوضع ثقافي واجتماعي ومعرفي لم يعد له وجود في زمننا الراهن؛ فزمننا ليس هو زمن الشافعي (-204ه) وما تلاه، وليس هو زمن عبد القاهر الجرجاني (-471ه) وليس هو زمن الشاطبي (-790ه)؛ فمن الجهل والحمق والجنون إن انحصر منهجنا وآليات الفهم لدينا عند ما قال به الأقدمون، دون أن تكون لدينا القدرة على فهم مناهج وآليات المعرفة لديهم؛ وهذا لا يعني أننا نقول لا بالتخلي عن كل ما هو قديم وموروث؛ بل على العكس من ذلك؛ فالأمر دعوة إلى التعاطي مع مدونات التفسير وغيرها بنظرة نقدية وتحليلية تكشف عن انسجام تلك المدونات مع خصوصيات الزمن الذي ظهرت فيه؛ وفي الوقت ذاته الوقوف عند النقاط المضيئة في تلك المدونات، والتي تشكل قيمة حداثية في زمانها؛ فالمسألة هنا ليست مسألة تنقيص على الإطلاق، من قيمة تلك المدونات التفسيرية، ومن قيمة ومكانة أصحابها كما يظن البعض؛ فالمسألة مسألة علم ونظر وتحرير وتحرر وعقل وعقلانية؛ وهذه من القيم التي تشكل روح القرآن وجوهره قال تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)"(البقرة) صيغة "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ" صيغة لا تنفك عن السنن الكامنة في الوجود الذي تتجدد قراءته واكتشافه تبعا لتجدد تجارب الإنسان عبر الزمن؛ فالقرآن دعوة إلى النظر العقلاني في الوجود، وروح هذه الدعوة تنبني على قاعدة التخلي عمّا هو لا عقلاني، سواء ارتبط بالحاضر أو ارتبط بالماضي وما كان عليه الآباء والأجداد. مع الأسف، الكثير من الناس اليوم وخاصة ممن يحسبون على المؤسسة الدينية وغيرهم ممن يحسبون على الإسلام السياسي، يقرؤون النص القرآني بمعزل عن قراءة الوجود؛ فكل النصوص الفلسفية والأدبية والدينية ينبغي قراءتها قراءة متجددة؛ وإلا ما الفائدة من إرث الإنسانية في مختلف الفنون والآداب... إن لم نقرأها قراءة تحليلية نقدية، تمكننا من الوقوف عند الدلالات والعبر التي تحيي في جميع الناس بأنهم يعودون إلى أصل واحد، وبأنهم في بيت واحد (الأرض) ففساد هذا البيت ودماره يعد كارثة على الجميع.

فمن هنا تأتي أهمية مساهمتي المتواضعة في حقل الدراسات القرآنية؛ قصد تحرير فهم القرآن الكريم من التاريخ، وفي الوقت ذاته تحرير الكثير من الناس من الفهم المنقول بشكل حرفي لا يتوافق مع الزمن الحاضر. والحقيقة أن هناك قراءتين قد هيمنتا على فهم القرآن: القراءة الأولى، ربطت فهم القرآن بالرجوع إلى أقوال محمد ابن جرير الطبري(-310ه) ومن تلاه من المتقدمين، وقد حصرت نفسها في التاريخ ولا يمكنها أن تضيف أي شيء، وتتعدد هذه القراءة بتعدد الطوائف والمذاهب؛ فكل مذهب أو طائفة لها مرجعيات تاريخية في الفهم. والقراءة الثانية، ارتأت أن تجعل همّها في فهم القرآن الذي يدور في دائرة البحث عن تاريخه وتدوينه، والطموح في ترتيبه على حسب تواريخ نزوله، وتجميع ما جاء حوله في الثقافة الإسلامية... فالقراءة الأولى والثانية، بالرغم من اختلافهما من حيث المناهج المعتمدة والمقدمات التي تنطلق منها كل قراءة تؤديان إلى نتيجة واحدة، وهي أن فهم القرآن لديهما مرتبط بما ورد في التاريخ. أما قراءته وفهمه ومحاورته تبعا لروح العصر باستثمار آليات المعرفة الحديثة، فأمر مغيب ومستبعد لدى الطرفين، باختصار كلا الطرفين يقرآن القرآن من خلال ما كتب حوله بدل قراءته بشكل مباشر.

اليوم نحن في حاجة إلى قراءة ثالثة، تستثمر ما عليه القراءة الأولى والقراءة الثانية، وتقرأ القرآن قراءة كلية معرفية، وتقترب أكثر من تصوراته وفلسفته للوجود والإنسان والكون. القرآن لا يمكن اختزاله في ما هو تشريعي كما فعل البعض، وهو ليس كتاب مواعظ وطقوس ليقرأ على قبور الأموات، وهو كتاب ليس ملكا لأحد دون آخر. إنه كتاب لكل الناس، ببساطة القرآن كتاب يتضمن فلسفة أخلاقية لعالم الطبيعة والإنسان والوجود بأكمله؛ فالنصوص التي كتب لها الخلود عبر الزمن، تأخذ مقدار وقيمة خلودها من هذه الزاوية؛ زاوية الأخلاق، إلا أن ورثة تلك النصوص يجعلونها في ملكهم دون غيرهم، ومع مرور الزمن يعرضون بقصد أو بدونه عن جانب القيم والأخلاق الذي جاءت من أجله، وتتحول معهم إلى نصوص بدون غاية ولا هدف، ومن بين المشاريع التي استحضرت البعد المعرفي في قراءة القرآن؛ نذكر مشروع الراحل المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد (-204ه)

س. أورنيلا سكر: من أين يبدأ برأيك التجديد في الحضارة العربية-الإسلامية من الدين أم من الثقافة والتراث؟

ج. صابر مولاي أحمد: التجديد بالمعنى الذي يفيد التنوير وتجاوز القديم إلى ما هو جديد ومعاصر، ينبغي أن يبدأ من الدين والثقافة والتراث؛ فنحن هنا أمام مركب ثلاثي الأبعاد كل يؤثر في الآخر، فيصعب الحديث عن الدين –أي دين- بمعزل عن الثقافة والتراث؛ القرآن لم ينزل في فراغ فمن البديهي أنه نزل في فضاء الجزيرة العربية؛ أي الثقافة العربية؛ وهذا لا يعني أن القرآن ملتصق بشكل كامل بثقافة العرب في الجزيرة العربية؛ أي إنه نتاج تاريخي بشكل محض، بل على العكس من ذلك، فهو متصل ومنفصل في الوقت ذاته عن الثقافة التي نزل فيها؛ فالجانب المتصل منه بثقافة العرب، يعد جانبا تطبيقيا في القرن 7 الميلادي في جزيرة العرب للأخلاق التي يضمها القرآن. أما الجانب المنفصل والمتجاوز للثقافة العربية، فهو جانب القيم والأخلاق التي جاء القرآن من أجلها؛ ولمعرفة التطبيقات التاريخية في القرآن تبعا للمحيط التاريخي الذي نزل فيه القرآن ومعرفة الجانب القيم والأخلاق في القرآن تبعا لنظرته للكثير من المواضيع؛ فالأمر يقتضي استحضار علم الاجتماع الديني، وعلم الأنثروبولوجيا، وعلم الميثولوجيا، وعلم الآثار وعلم الأنثروبولوجيا اللغوية[1] وغيرها من العلوم الإنسانية، لفهم الكثير من المواضيع المعروفة في الثقافات والحضارات الأخرى قبل الإسلام؛ من قبيل موضوع الحج والصلاة والزكاة[2] والبيت والأضحية... فلا ينبغي الاكتفاء بما هو وارد في المدونة التفسيرية، وما قالت به كتب السير وغيرها، في فهمها لهذه المواضيع وغيرها، وفي تصورها العام عن المحيط الذي نزل فيه القرآن؛ فنحن اليوم في حاجة لنفهم علميا طبيعة تلك النقلة النوعية والدور الذي قام به القرآن المتمثل في إتمام مكارم الأخلاق؛ وذلك بالحط أو الرفع من شأن الكثير من أوجه الثقافة المحلية في جزيرة العرب حينها، أو ما يحيط بها من ثقافات أخرى. فالقرآن مثلا ينقل لنا بشكل عام بأن صلاة العرب عند البيت، كانت مكاء وتصدية؛ قال تعالى: "وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ...(35) "(الأنفال) فنحن اليوم في حاجة إلى فهم طبيعة الصلاة عند العرب التي وصفها القرآن بهذه الأوصاف، حتى يستبعد ذلك النموذج؛ وفي الوقت ذاته نفهم موضوع الصلاة كما تحدث عنه القرآن، وقد تركه يدور في مدار قيمة أخلاقية كبرى، وهي النهي عن الفحشاء والمنكر؛ فالجانب الذي يرتبط فيه بالشكل والطقوس لم يعطه القرآن أهمية أكثر قال تعالى: " اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)"(العنكبوت)، وهذا يعني أن الصلاة كما يريدها القرآن؛ ترتبط بدرجة أولى بقيمة عملية تتجسد في الواقع المعيش.

كما أنه يصعب الحديث عن الثقافة بمعزل عن الدين؛ كل الثقافات الكبرى تشكلت وتطورت إلى جانب نص ديني؛ فالثقافي ينمو ويتسع ويتنوع إلى جانب ما هو إلهي؛ ومع مرور الزمن تتشكل طبقات متعددة مما هو ثقافي في فهم ما هو إلهي. ويصعب كذلك الحديث عن التراث بمعزل عن الدين والثقافة؛ فالتراث الإنساني الكبير تشكل إلى جانب فهم معين للدين، ومن خلال سياقات ثقافية متعددة؛ فالجانب الديني يعكس البعد اللامتناهي في الإنسان. أما الجانب الثقافي، فيعكس لنا تجارب الإنسان المتعددة والمتنوعة في الوجود؛ وجانب التراث يعكس لنا شوق الإنسان وحنينه إلى الماضي؛ فالإنسان بشكل عام كائن ديني وثقافي وتراثي.

هذا الثلاثي المركب -الدين والثقافة والتراث- في حالة كانت أطرافه الثلاثة محكومة بقاعدة العلم والمعرفة والنظر... فتلك حالة من حالات التحرير والتحرر والخلق والإبداع الثقافي؛ فالدين في هذه الحالة يقوّي فينا بعدنا الروحي والأخلاقي. أما الثقافة والتراث، فقد نؤثر فيها بدل أن تؤثر فينا هي بدون وعي منا. أما إن كانت أطراف هذا الثلاثي محكومة بقاعدة التقليد والاتباع والجهل... فتلك حالة من الانحطاط الثقافي والتخلف الاجتماعي...وقد ينتج عن ذلك بين الحين والآخر، حالة من حالات التشدد والتطرف الديني وما شابه ذلك.

س. أورنيلا سكر: هل المعاصرة نقيضٌ لكلِّ ما هو موروث، أم على العكس من ذلك؟

صابر مولاي أحمد: على الإطلاق ليس كل ما هو معاصر نقيض لما هو تراثي، فهذه ثنائية مغلوطة. الإنسان هو من يضفي المعاني والتصورات على الأشياء والوقائع... المعاصرة والحداثة ليست شيئا مكتملا، فهي في حاجة إلى نقد وتقويم ومراجعة وترشيد؛ فالكل يعرف بأن المركزية الغربية تحمي الصهيونية العالمية التي سادت في أرض فلسطين فسادا وإلى غير ذلك من مشكلة التلوث البيئي ومشكلة أسلحة الدمار الشامل، ومشكلة التحيز في كل شيء للإنسان الغربي على حساب غيره من بني الإنسان؛ فمقولات حقوق الإنسان شعار يخدم مصالح الإنسان الغربي... فوباء مرض "كورونا" الذي غزا العالم؛ يكشف لنا حقيقة العالم في هذا الشأن كتب محمد العاني قوله: " [النظام العالمي] غير مؤهّل لمحاربة عدوٍّ يستهدف الإنسان؛ لأنه مصمم للدفاع عن الأشياء، حتى لو تمّ سحق الإنسان. لذلك، كانت الإجراءات، التي اتُّخِذت، تدور في فلك الدفاع عن الأشياء وليس الإنسان".[3] أما وضع الدول المحسوبة على العالم الإسلامي وغيرها، فهي تتطلع من بعيد ومن قريب وتنتظر من يصنع اللقاح، لتكون أول من يشتريه. فعموم المسلمين اليوم، لا يملكون علما ولا مختبرات بمقاس عالمي... لا شيء بين أيديهم إلا صيحات الأدعية والأذكار من أعلى شرفات المنازل في حالة الضعف هذه؛ وقد سبق للكاتب مصطفى محمود أن وصف هذه الحالة بقوله: "لو انتشر فيروس قاتل في العالم وأغلقت الدول حدودها، وانعزلت خوفا من الموت المتنقل ستنقسم الأمم في الغالب إلى فئتين فئة تمتلك أدوات المعرفة تعمل ليلا ونهارا، لاكتشاف العلاج، والفئة الأخرى تنتظر مصيرها المحتوم، وقتها ستفهم المجتمعات أن العلم ليس أداه للترفيه، بل وسيلة للنجاة".[4]

التراث شيء غير مكتمل؛ فهو في حاجة إلى نقد وتقويم ومراجعة...تمكننا من تجاوزه إلى غيره، ومن هنا تأتي أهمية المشاريع الفكرية التي أشرنا إليها من قبل وغيرها. الإنسان باستطاعته تحويل ما هو معاصر إلى ثمرة خير يشترك فيها عموم الناس، وهذا أمر وارد ومتداول... والأمر نفسه في التعاطي مع التراث، إما أن نستثمره ونجعله سببا من أسباب النهوض، وإما عكس ذلك؛ الأمر يعود إلى الإنسان أولا وأخيرا.

س. أورنيلا سكر: كيف تفسِّرون الفصل المنهجي القائم بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية في مختلف الجامعات في الوطن العربي؟

صابر مولاي أحمد: هذه مسألة في غاية الأهمية؛ مع الأسف هذا الفصل منه ما يستمد وجوده من الثقافة المعاصرة التي فصلت بين العلوم الحقة والعلوم الإنسانية والقانونية، وهذه مشكلة تتصل بسؤال تكامل العلوم، ومنه ما يستمد جذوره من ثقافتنا التي تخلّت لظروف سياسية وثقافية...عن علوم الفلسفة وعن علم الكلام، وفيما بعد عن العلوم التي تعنى بالطب وتعنى بدراسة المادة والكون... فالحضارة الإسلامية لها زاد ودور كبير جدا في مختلف العلوم؛ وتبعا لتلك الظروف السياسية والثقافية وغيرها؛ قسمت العلوم إلى علوم شرعية وعلوم عقلية؛ بنفس يفهم منه أن ما هو عقلي يتعارض مع ما هو شرعي، ومن يقرأ أمهات الكتب في الثقافة الإسلامية سيجد الكثير من الفقرات والأقوال... التي تتطرق لإشكالية العقل والنقل... إلى درجة أن فقه أمر الدين سار يدور في فلك ما هو شرعي فقط، واستدل البعض بالأثر الذي مفاده "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"[5] والغريب كيف لأمر الدين أن يستقيم دون الإحاطة بمختلف العلوم الأخرى!

بعد القرن الثامن الهجري، لم يتبقّ بشكل عام في العالم الإسلامي إلا صوت ما تمت تسميته بالعلوم الشرعية؛ وبالنظر إلى الواقع في الزمن الراهن، صار مفهوم العالم في أذهان عموم الناس المسلمين، مرتبطا بمن يحفظ متون ومدونات الفقه والحديث...حتى ولو كان ذلك بدون فهم. أما من هو متخصص في علوم الطب والجغرافيا والرياضيات والفلسفة... فهو في نظرهم ليس بعالم؛ وحقيقة الأمر أن العالم هو من يعلم تخصصا من التخصصات المتصلة بعلوم الكون والإنسان؛ فمدار مفردة "العلماء" في القرآن لا يتوقف عند أولئك الذين كرسوا كل وقتهم لحفظ متون وأقوال ثلة من السابقين الذين خلد التاريخ ذكرهم؛ بمعزل عن سياقاتها من حيث الزمان والمكان والثقافة؛ وبدون وعي ولا فهم ولا تحليل؛ ويرون في أنفسهم أنهم علماء، وهم بوعي أو بدونه، أوصياء على أمر الدين والناس والمجتمع؛ وحقيقة الأمر أن العلم في الدين وقضاياه؛ لا يتأتى بمعزل عن علوم المجتمع وعلوم الطبيعة؛ وفوق كل ذي علم عليم؛ والله هو السميع العليم. فقد وصف القرآن الكريم العلماء في مختلف العلوم التي تتصل بدراسة وفهم الطبيعة وقوانينها والمجتمع والإنسان (الكون) بكونهم يخشون الله قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)﴾ (فاطر). فالعلماء هنا هم من اتصل علمهم بموضوع البحث في الماء والثمرات واختلاف الألوان والدواب والأنعام... وإلى غير ذلك من الأشياء والموجودات في الوجود والظواهر الكونية.

س. أورنيلا سكر: ألا تعتقد أن مشكلة الفكر العربي تكمن في جزء منها في تأويل التراث، نريد منك أن تشرح لنا هذا الأمر؟

صابر مولاي أحمد: ظهرت في النصف الأخير من القرن العشرين مجموعة مشاريع فكرية، اعتنت بقراءة التراث الإسلامي العربي، متوسلة بمناهج وآليات وخلفيات معرفية متعددة، وليس بالضرورة أن نذكر أصحابها بالاسم، حتى لا نتحيز لبعض منهم على حساب الآخر، وهم جميعا بحق رجال فكر ومعرفة وتنوير؛ منهم من غادر الحياة، ومنهم من هو حي يرزق. الوجه الإيجابي لهذه المشاريع، يكمن في أنها خلقت حالة من النقاش الثقافي المثمر، وحالة من أهمية الوعي بالذات والوعي بالآخر، وحالة من أهمية الوعي بغربلة التراث وقراءته قراءة نقدية... والحقيقة أن الكثير من الشباب مدينون كثيرا لهذه المشاريع الفكرية التي ينبغي التعاطي معها بروح نقدية قصد تجاوزها إلى ما هو أفضل. أما الوجه السلبي لهذه المشاريع، فهو الفهم الانتقائي لقضايا التراث؛ فالبعض منهم توهموا أنهم يمتلكون حلولا نهائية لمشكلات الوطن العربي والإسلامي تبعا لانتماءاتهم الأيديولوجية، ما جعل بعضا منهم يغلق باب الحوار مع البعض الآخر، وفي الغالب تجد مصدر الاختلاف فيما بين بعضهم يعود إلى التراث، مثلا في الوقت الذي يتحيز بعضهم إلى ابن رشد تجد الآخر تحيز إلى الغزالي...المشكلة اليوم هي التعاطي مع هذه المشاريع الفكرية بنفس أيديولوجي باسم القومية أو التقدمية أو الإسلام السياسي. الفكر العربي الإسلامي اليوم، في حاجة ماسة أكثر لأن يعلي من قيمة القراءات العلمية الموضوعية للتراث وللواقع.

س. أورنيلا سكر: بصفتك أحد أبرز المشتغلين والمتخصصين في الفكر الإسلامي، ما هي متطلبات العالم الإسلامي ليكون في مستوى الزمن الحالي الذي تطبعه روح الفلسفة والعقل والعقلانية وكل ما له صلة بالحداثة؛ ألا يقتضي هذا بناء فكر ديني جديد ينسجم مع خصوصيات الزمن المعاصر يتجاوز التقسيمات الطائفية سنة وشيعة و.. ؟

صابر مولاي أحمد: طبعا، الزمن الذي نحياه اليوم؛ زمن العلم والمعرفة والعقل والثورات التكنولوجيا... وقد دخل العالم زمن التقنية الذكية، إذ صارت المعدّات التقنية -الإنسان الآلي- تشارك الإنسان في صفة الذكاء؛ وهناك من يتحدث بأن التقنية ستتجاوز الإنسان، بالرغم من أنها تكون مبرمجة... أمام هذه التحولات العلمية، من البديهي أننا في حاجة إلى فكر ديني جديد، والحاجة هنا ليست حاجة المسلمين وحدهم، بقدر ما هي حاجة الإنسان. فالمسألة هنا ليست مسألة تخلٍّ وإعراض عن الغيب؛ بقدر ما هي ارتقاء وصعود نحوه من خلال حبال العلوم الحديثة؛ بعد تجربة قطع حبال التواصل معه بمنشار العلم؛ كما ادعى الفكر المادي مع ماركس وغيره؛ العلم اليوم يخبرنا بأن المادة غير مكتفية بذاتها؛ فهناك ما قبلها وما بعدها؛ قال تعالى: " يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)" (الأنعام / 95)؛ فموضوع الآية هنا ليس موضوع إعجاز علمي كما يقول البعض؛ فليس هناك إعجاز علمي في القرآن؛ فهو لم يأت ليعجز أحد، كما أنه ليس موضوع موعظة وخواطر...إنه موضوع سؤال المعرفة المتجاوزة لعالم المادة، وتبعا لهذا التطور، ستتجدد رؤية الإنسان للدين بشكل عام.

وستواجه الديانات الكبرى عبر العالم الكثير من الأسئلة، كما شاهدتها من قبل مع فكر الأنوار وما تلاه، والحقيقة أن تاريخ الديانات الكبرى تاريخ أسئلة وتحولات، القرآن دشن هذا الاتجاه؛ فقد ناقش الديانات والكتب الدينية التي سبقته، وربط أمر فهم الدين بفهم الإنسان للكون –الطبيعة- قال تعالى: " سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)"(فصلت) فالآيات نكشفها في الوجود.

نحن اليوم، في حاجة أكثر من أي وقت مضى، لنخرج من الضيق إلى المتسع؛ الإسلام بطابعة الكوني لا علاقة له بأدبيات الشيعة والسنة والمعتزلة... فهو أرحب وأوسع من هذه الانتماءات الضيقة؛ الشباب عليهم أن يعوا هذه القاعدة جيّدا، وعليهم أن يدركوا بأننا في حاجة إلى معرفية دينية معاصرة.

س. أورنيلا سكر: هل لا زال الدين يملك ما يقدمه للبشرية وللإنسانية؟

صابر مولاي أحمد: في جميع الأحوال، كما يقول فراس السواح: “ الإنسان كائن متدين”. وبالتالي، فموضوع الدين ملازم للإنسان، فروح الدين وجوهره -أخذا بمبدأ كل الأديان- دعوة إلى الفضيلة وإلى مكارم الأخلاق... بكونه يخاطب البعد الروحي في الإنسان. فجزء كبير من مشكلات الإنسان في الوجود، يعود إلى استسلام الإنسان أمام نزعاته الغريزية... واستسلامه أمام تضخم أنانيته ومصلحته الذاتية التي لا تراعي مصلحة الآخرين... تبعا لهذا الوضع الذي تهيمن فيه الغريزة والأنانية الزائدة، يظهر تجار الدين ليبرّروا كل شيء ويلبسونه ثوبا دينيا. وهذه مشكلة كل الديانات عبر التاريخ بشكل عام.

 

حاورته: أورنيلا سكر

صحافية لبنانية

...........................

[1] تطرقنا في كتابنا: الوحي دراسة تحليلية للمفردة القرآنية؛ منشورات مؤسسة مؤمنون بلا حدود 2019م؛ موضوع اللغة في القرآن؛ الفصل الرابع من الكتاب.

[2] انظر على سبيل المثال؛ كتاب: من الميسر الجاهلي إلى الزكاة الإسلاميّة: قراءة إناسيّة في نشأة الدولة الإسلاميّة الأولى؛ محمد الحاج سالم؛ دار المدار الإسلامي؛ 2014م.

[3] محمد العاني؛ كورونا وآلهة العصر؛ مقال؛ منشور بموقع مؤمنون بلا حدود؛ 20/3/2020   https://www.mominoun.com/

[4] موقع جريدة اليوم السابع / الإثنين، 16 مارس 2020 /  https://www.youm7.com/

[5] رواه البخاري ومسلم

 

 

1424 هابرماس

وحديث عن كتابه الجديد: تاريخ الفلسفة

أدار الحوار: هينينج كلينغن

 ترجمة: بشار حاتم


 

الصحفي: سيد هابرماس، تُقدم كتابك الجديد هذه الأيام تحت عنوان "تاريخ الفلسفة ". يلقي الكتاب نظرة شاملة غنية حول ظهور التفكير الأوروبي ما بعد الميتافيزيقي. أنه عمل ضخم من مجلدين، يقع في حوالي 1700 صفحة...

هابرماس: . . . وهنا يرغب الإنسان بصفته مؤلف أن يعرف من القارئ ما يمكنه القيام به في مثل هذه الرحلة عبر تاريخ الفلسفة الغربية، التي عملت عليها لمدة عشر سنوات. وبناءٍ على ذلك، كانت موافقتي على هذه المقابلة مُتحفظة إلى حد ما.

الصحفي: ومع ذلك، لا غرابة في أن يتساءل القارئ عما دفعك إلى القيام به في العقد التاسع من حياتك للتعامل مع مسألة كيفية تطور التفكير ما بعد الميتافيزيقي.

هابرماس: العلم يفتح لنا أبواب المعرفة عن العالم بسرعة هائلة. في الفترة القصيرة من القرن العشرين، رأينا نجاحات في الفيزياء الميكروية والعلم الجيني الحيوي والعلوم العصبية - وبذات السرعة تقريبًا كانت النتائج التكنولوجية الثورية لهذه المعارف. نحن لا نستعلم فقط الكثير عن الطبيعة التي تحيطنا، وإنما أيضًا عن طبيعتنا الخاصة. في هذه الأثناء، يمكن للتكنولوجيا الحيوية المضي قدما في لبنات الحياة وليس فقط في البحث عن أغراض علاجية. تحريات العقل، التي لم يكن من الممكن الوصول إليها في السابق إلا من خلال العقل نفسه، أضحت اليوم على هيئة أجهزة ألكترونية.

الصحفي: نحن نعيش في عصر العلوم الطبيعية والتكنولوجيا....

هابرماس: وفي ضوء النجاح الهائل لهذه الأنظمة، تشعر العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى حد ما بأنها "مُعطلة". يجب على الفلسفة أن تسأل عما إذا كان يجب أن تسمح لنفسها بالانجذاب إلى العلوم الطبيعية الموضوعية أم أنها يجب أن تصر على ارتباطها. في "فلسفة العقل"، على سبيل المثال، بدأ التعاون المثمر مع العلوم المعرفية. ولكن لا ينبغي للفلسفة أن تنسى أن مهمتها الحقيقية ليست المساهمة مباشرة في تحسين معرفتنا عن العالم - بل يجب أن تعكس ما يعنيه لنا هذا التقدم في المعرفة.

الصحفي: ماذا يعني ذلك بالتحديد؟

هابرماس: تذكر سردياتي أن الفلسفة يُمكن أن تقدم مساهمة عقلانية لتوضيح فهمنا للعالم ولأنفسنا. الفلسفة هي بالتأكيد طريقة تفكير علمية، لكنها تحاول شرح كيف يُمكننا اليوم فهم أنفسنا كبشر، كأشخاص وأفراد، وحتى كمعاصرين. ولا ننسى  أن هذا الأمر يتعلق بتوجيه نظري، وليس عن العلاقة بين الفلسفة والرأي العام.

الصحفي: بعبارة أخرى: الجدال الفلسفي الباطني هو الذي مثل لك تحدٍ في المقام الأول؟

هابرماس: يتعلق الأمر في الحقيقة بخلفية جدال حول مدى امتداد العقل البشري. هل تمتد معرفتنا الخاطئة إلى حدود كل ما هنالك ؟ يمكننا أيضًا التعامل مع أسباب النزاعات الأخلاقية والقانونية، حول الأعمال الفنية والتجارب الحسية، حتى حول توجهات القيم المجسدة في أشكال الحياة أو تصاميم الحياة الفردية. من الواضح أن مجموعة من الأسباب المهمة تمتد إلى ما وراء مجال المعرفة التجريبية والنظرية. ولكن إذا كانت هذه الحجج "محسوبة" أيضًا، فإن القوة المقنعة للعقل العملي في فاعليتها، والتي لا تؤدي إلى عقلانية نظرية تًستخدم لأغراض عملية. ثم يمكننا أيضًا أن نتطلع لعمليات تعلم لا تنعكس في زيادة القوى المنتجة، بل تتجسد في مؤسسات الحرية والعدالة. الظروف التاريخية تتحدانا في عمليات التعلم المعيارية الحرجة في كثير من الأحيان. إذا كان كل شيء يسير على ما يرام، فإننا نتعلم كيفية توطين الآخرين المحرومين في أساليب حياتنا أو التعرف على الأجانب الذين يعانون من التمييز على أنهم آخرون يتمتعون بحقوق متساوية في أسلوب حياة موسع بشكل مشترك.

الصحفي: هذا يعني أنك مهتم بإظهار "أكثر من كل ما هنالك" وإبقاء الفلسفة مكشوفة دون الوقوع في ممر الميتافيزيقيا التقليدية؟

هابرماس: عندما نتحدث عن "الميتافيزيقيا" من منظور تاريخي، فإننا نعني وجهات نظر عالمية قوية لا يزال فيها مفهوم الوجود متشابكًا مع مفاهيم المثالية والجمال والخير والعدل. بهذه الطريقة، تم تصميم دستور العالم أو تاريخ العالم بشكل ملائم لوضعنا. تم تصميم العالم كما لو أنه منزل صالح للسكن. ليس فقط التعاليم الدينية، ولكن أيضا التعاليم الميتافيزيقية تبشر بهدف ذو معنى وتتضمن وعد "مُنقذ" للعدالة. في المقابل، يميز التفكير ما بعد الميتافيزيقي السببية من الضرورة، والجمال من الخير، والخير من العدل. تمكنت الميتافيزيقيا من الإجابة على جميع الأسئلة الكبيرة حول ما يمكننا إدراكه، وما يجب علينا القيام به، وما يمكن أن نأمله وما هو الإنسان على الإطلاق. ولكن منذ القرن السابع عشر، تفككت وجهات النظر الميتافيزيقية للعالم لأسباب إيجابية. يجب على المجتمعات الحديثة أن تخلق جميع التوجهات المعيارية من مواردها الخاصة. من المفترض أن يبحث كتابي ما إذا كان بإمكاننا الاستمرار في التمسك بهذه الأسئلة الأساسية الرئيسية التي صاغها كانط في ذلك الوقت، حتى في ظل هذه الظروف من التفكير ما بعد المادي.

الصحفي: انت تشير إلى أسئلة: "ماذا يمكنني أن أعرف؟"، "ماذا علي أن أفعل؟"، "ما الذي آمله؟" و "ما هو الإنسان؟". كيف تدافع عن حججك في هذا الصدد؟

هابرماس: فيما يتعلق بسؤال "ماذا نفعل؟" أنا أدافع عن العقل العملي أكثر من مجرد القرارات الذكية المبنية على التفضيلات أو القيم أو المشاعر. من خلال فهم الهياكل الهشة لتعايشنا، يمكننا أن نكتسب أسبابًا جيدة لفكرة العدالة الكانطية والتوجهات المعيارية الملزمة للعمل بشكل عام.

الصحفي: كان هدفك هو إظهار، كيف بزغ التفكير ما بعد الميتافيزيقي تاريخيًا وتحرر من محاولات التشبث بالدين. كانت فلسفة كانط واحدة من المعالم البارزة، فسلفة كانط من جهة وديفيد هيوم من جهة أخرى، ترى الفلسفة عند مفترق طرق. ماهو القرار الذي واجهته الفلسفة؟

هابرماس: منذ الإمبراطورية الرومانية، كان الخطاب حول العقيدة والمعرفة حاسماً لكوكبة العقل الغربي. أتابع كيف اكتسبت الفلسفة بعض الدوافع والخبرات والحساسيات من التقاليد الدينية في بوتقة "العقل الطبيعي". عن طريق أعمال الترجمة المستمرة هذه، اُشتُقت مُصطلحات أساسية هامة مثل "شخص" و "فرد" و "إرادة حرة" و "استقلالية" أو "الضرورة" للمعايير الإلزامية من سياقاتها الدينية. في حين أن هيوم قام بعد ذلك بتفكيك هذا الإرث مُصطلح مُصطلح عبر تحليلات مفصلة، كان هدف كانط هو إعادة بناء جوهر الأخلاق للدين والقانون الطبيعي القائم عليه في حدود العقل الخالص.

الصحفي: لطالما كنت مُثقفًا عامًا قلقًا بشأن "الحداثة المُعطلة". ينعكس هذا أيضًا في كتابك الجديد. كيف يقترن هذا القلق مع مساعيك لإعادة بناء عقل يحاول أن ينصف إرث التقاليد الدينية؟

هابرماس: يمكن مُلاحظة ذلك في الحساسيات التي يطور بها هيجل المفهوم الديالكتيكي للـ "الأخلاق". إذ يُميز بين تفصيلات الأشخاص الفردية، العمومية المجردة للضوابط الأخلاقية والقانونية واتصالها الاجتماعي والتشكل التاريخي لأنماط الحياة الملموسة، والتي يجب على الفرد والعامة أن يتحدان فيها مع الضرورات الوظيفية للمجتمع الرأسمالي. إذا أعطينا هيجل قراءة ديموقراطية، فإن الاندماج الاجتماعي لا يمكن أن ينجح إلا بالقدر الذي نشكل فيه المجتمع سياسياً من حيث علاقة متوازنة بين الالتزامات الاجتماعية الموزعة بشكل عادل والهامش الفردي للتنمية.

الصحفي: أين يكمن التراث الديني هنا؟

هابرماس: في مثل هذا المفهوم للاندماج الاجتماعي، لا يزال بإمكان المرء التعرف على صدى بعيد للتجارب التواصلية للمجتمع الثقافي. في ذلك تتشابك العلاقة العمودية للفرد المؤمن بالله بشبكة العلاقات الاجتماعية الأفقية للفرد مع جميع أعضاء جماعة محلية أخرى، والتي هي بحد ذاتها جزء من جماعة شاملة. المُذنب، الذي يبغي خلاصه يقوم بتجارب في علاقات التواصل مع الله والجماعة بتوظيف شخص ثانٍ وهذه لم تكن موجودة عند الفلاسفة اليونانيون في الرؤية الكونية من حيث المضمون فحسب، بل أيضًا غريبة تمامًا  في طريقة عملهم؛ ولكن من خلال أوغسطين وجدوا طريقهم إلى الفلسفة.

الصحفي: تشير إلى أن التجربة الدينية هي "ركيزة في جسد الحداثة"، على الأقل طالما أنها تتعلق بممارسة دينية حية – وتُبقي عندئذ " السؤال مفتوحاً للعقل العلماني " حول ما إذا كانت هناك مضامين دلالية ما زالت تنتظر الترجمة إلى اللغة الدنيوية (الدنيوي المُدنس). . .

هابرماس: لقد ألهمت عبارة أدورنو الشهيرة بأن كل المضامين اللاهوتية لا بد لها أن "تنتقل إلى الدنيوي المُدنس " وقد اتبعت عمليات الترجمة هذه في كتاب تاريخ الفلسفة. من غير المؤكد ما إذا كانت هذه يمكن أن تستمر اليوم. ولكن بالنظر إلى النوع الجديد تمامًا من المشكلات الأخلاقية التي نواجهها، على سبيل المثال، نهاية النمو الطبيعي للجنس البشري والتدخلات غير المنضبطة في خط الجنس البشري، فإن المحاولة تبدوا ليست عبثية. لأسباب وجيهة، لم يعد التفكير ما بعد الميتافيزيقي يشير إلى قوة متعالية. ولكن حتى الدافع البسيط بعدم تحمل ما يصعب تحمله في العالم يجعلنا نفرض بشكل متبادل حكماً مستقلاً وأفعالاً تتجاوز العالم ككل من الداخل.

 

جواد بشارةقال أندريه جيد، ذات مرة:" أيتها العوائل كم أمقتك"، ويقول وودي ألن :" أيتها العوائل كم أحبك، وهذا ليس أمراً سهلاً، إذ أنك، أيتها العوائل، لست قبيحة أو بلهاء أو مضحكة". هذه هي لهجة وودي ألن الجادة ورؤيته الساخرة في آن، والتي نجدها في أفلامه، لا سيما في فيلمه " حنة وأخواتها" الذي شارك فيه في مهرجان كان السينمائي الدولي في دورته التاسعة والثلاثين خارج المسابقة.

وكان وودي ألن قد انتهى من عرض فيلمه "أيلول سبتمبر" وكنا قد شاهدنا له فيلماً آخر جميل، وهو كوميديا موسيقية خفيفة عنوانه" أيام الراديو" وهو كعادته يعمل بسرية تامة.

- واليوم وفي بداية سنة 2020 يستعد الفنان المبدع المخرج السينمائي الكوميدي الأمريكي الشهير وودي آلن لنشر سيرة حياته وهذه المرة بقلمه كما كتبها هو وليس كما كتبها كتاب آخرون ليكشف فيها الستار والحقائق عن التهم والاتهامات التي كيلت عليه باغتصابه لابنة طليقته ميافارو بالتبني، وما أكثر الكتب التي صدرت متحدثة عن سيرة حياته وأفلامه وعالمه السينمائي ورددت هذه التهم لتشويه سمعته. أتم وودي ألن عامه الخامس والثمانين فهو من مواليد الأول من ديسمبر سنة 1935 في حي برونكس وترعرع في بروكلين في ولاية نيويورك من عائلة يهودية هي عائلة كونيكيسبيرغ وهي عائلة مهاجرة من أصل روسي – نمساوي تتحدث  اللغة اليديشية وهي مختلفة عن العبرية  وهو ممثل ومخرج وكاتب مسرحي ومؤلف لقصص قصيرة وروائي وراوي نكات محترف وكاتب سكيتشات هزلية للتلفزيون وللمشاهير وعازف على آلة الكلارينيت  ويعشق موسيقى الجاز. أول أفلامه كمخرج عرض سنة 1966 بعنوان "ليلي المتنمرة " ومن أفلامه الأخرى خذ الأموال وأهرب (1969)، الموز أو باناناس 1970، كل ما تريد دائمًا معرفته عن الجنس دون أن تجرؤ على طرحه (كل ما تريد دائمًا معرفته عن الجنس (ولكنك كنت خائفًا في طرحه)، وودي والروبوتات (النائم)، وكذلك الحرب والحب أو(الحب والموت). ومن ثم حدثت انعطافة في عالمه الإخراجي ولغته الإخراجية في فيلم آني هال 1977 الذي حاز على أربع جوائز أوسكار – (وهي أوسكار لأفضل فيلم، وأوسكار أفضل مخرج، وأوسكار أفضل ممثلة لديان كيتون وأوسكار أفضل سيناريو) -، وهو يمثل نقطة تحول رئيسية في عمل وودي ألين.، وواصل ارتقائه في أفلام كمنهاتن 1979، حنة وأخواتها 1986، جرائم وجنح1989، ماتش بوينت  2005،  باريس في منتصف الليل 2011، الياسمينة الزرقاء 2013، وردة القاهرة الأرجوانية The Purple Rose of Cairo  وهو واحد من أفضل مائة فيلم في كل العصور وفقًا لمجلة تايمز Times وواحد من أفضل ثلاثة أفلام لوودي آلن حصب تصريحه.  وهو يخرج فيلماً في كل سنة كمعدل وسطي تقريباً حيث بدأ في بداية السبعينات بعد وصولي إلى باريس بقليل وكان يعرف بصاحب الكوميديات الأخلاقية الممزوجة بخلفية سيكولوجية وببعض من التحليل النفسي وقد لعب أغلب الأدوار الرئيسية في أفلامه إلى جانب الإخراج مجسداً شخصيات هي الأقرب إلى شخصيته الحقيقية في الواقع مع صبغة كاريكاتورية للمثقف اليهودي النيويوركي الذي دائماً ما يكون ضحية لـسخرية المجتمع و يعاني من آلام مأساوية – كوميدية، وخاصة الجنسية، والوجودية و/ أو الميتافيزيقية. ولقد حصل أربع مرات على جائزة الأوسكار كأفضل مخرج وأفضل سيناريو أصلي غير معد عن حكاية أو رواية أو كتاب .

- في سنة 1988 وبمناسبة تواجد وودي ألن في باريس لتسويق فيلمه "حنه وأخواتها" كان لنا معه لقاء نشر في مجلة البديل التي كانت تصدرها آنذاك رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديموقراطيين العراقيين المعارضين للنظام السابق في المنفى في العدد 12 لسنة 1988 تحت عنوان " وودي ألن: عندما يولد الضحك من اليأس. وفي تلك المناسبة كان لنا معه هذا اللقاء:

1385  وودي ألنحوار مع المخرج السينمائي وودي ألن

س: لقد لاقى فيلمك " حنة وأخواتها" نجاحاً تجارياً حقيقياً في الولايات المتحدة الأمريكية، هل أنت سعيد بذلك؟

ج: كان رد فعلي الأولي هو أني قلت لنفسي " لقد فعلت شيئاً ما كان يجب علي أن أفعله، ففي كل مرة يحظى فيلم من أفلامي بشعبية كبيرة تنتابني الريبة. فالأفلام الجيدة، عادة، والتي أحبها، كأفلام لوي بونويل وإنغمار بيرغمان وفردريكو فلليني، لا تجد هذا النوع من الجمهور الواسع.

س: وشخصيتك في الفيلم؟

ج: شخصيتي؟ إنها شخصية تفكر، وهذا يمثل دائماً خطورة ما، ففي الرواية، على سبيل المثال، يمكن أن تكون للشخصية أفكار داخلية على مدى عشر صفحات، ولكن ماذا يمكن أن تفعل في السينما؟ وماذا ستعرض؟ هل تعرض شخصاً يفكر أو يسير في الشارع خلال عشر دقائق؟ شخصيتي أني أعمل في التلفزيون، أترك عملي وأمشي في الشارع؟ أبحث عن الله وعن معنى الحياة؟ أدخل وأخرج من مكتبة؟

س: كلا بل من مستشفى – ضحك –

ج: أبحث عن دافع أو حافز درامي بطريقة تجعل أفكار هذا الرجل الطيب ممتعة ومثيرة للانتباه. ولم انتبه إلى أن للكثير من الناس الصفات المشتركة ذاتها مع ذلك الرجل. حتى طبيبي قال لي إن عندي " شيء"، وهو يقصد، بالطبع، (ربما مرضاً)، وأنا واثق بأنني أعاني من مرض السرطان، وهذا ما نفكر به دائماً في مثل هذه الحالات.

س: ولماذا وودي ألن شخصية موسوسه؟

ج: الشخص الذي تمتلكه الوساوس لا يفكر ولا يعتقد أنه كذلك فهو متأكد من أنه مريض فقط...

س: موضوعات – ثيمات – فيلم " حنه وأخواتها " معروفة وقريبة من النفس، كالحب، والموت، والجنس، والله، والدين، ومعنى الحياة، الخ ... وودي ألن ينبش ويبحث في كل محل، في عصابية العالم – بل وحتى داخل عصابيته الشخصية – هل أنت متفق معي في ذلك؟ ويقال أن من الأفضل، والحالة هذه، الضحك، ومع أن الضحك لا يأتي من كلمات المؤلف و لا من جمل أو إجابات نصية، بل إنه يأتي من الشخصية نفسها، من حضورها عندما تنحدر أو تغوص في حالات يائسة، أكثر فأكثر، على الصعيد العاطفي؟

ج: إن هذا متعمد تماماً. والضحك المتولد من اليأس هو الذي يهمني أكثر فأكثر. فلو أمثل دوراً في فيلم " حنه وأخواتها" لكان، لهذا الفيلم، اسلوب ولهجة أكثر جدية وصرامة، وليس بوسعي أن أفعل عكس هذا الشعور، المتولد لدى الآخرين، بمجرد رؤيتي. صدقني لا أستطيع شيئاً بهذا الخصوص، ولا أتدخل بذلك، فحضوري الفيزيائي يعلن، دائماً، عن ملاحظة فكاهية، ووجودي نفسه، بحد ذاته، يقوم بذلك، حتى وإن لم أفعل شيئاً.

س: ولكن هناك شيئاً مهماً قد تغير في مملكة وودي ألن، فلم يعد هو الشخصية المركزية أو الرئيسية، البوهيمية، النيويوركية. فللمرة الأولى يبدو وودي ألن واحداً ضمن آخرين في هذا الفيلم الذي يعتبر مقطوعة موسيقية صغيرة. أو كما يقال، صورة " بورتريه" لمجموعة. هل لهذا الإحساس أساس من الصحة؟ وهل للفيلم أصل أدبي؟

ج: بخصوص الشطر الأول من السؤال أعتقد بأن الشخصيات كلها مهمة، بما فيها شخصيتي في الفيلم. أما بالنسبة للشطر الثاني فالجواب، نعم، ولكن ليس بالضبط. كنت أقرأ " آنا كارنينا" وبدا لي أنه من الممتع عمل فيلم بالبنية نفسها، أي يمر من قصة إلى أخرى إلى ثالثة، ومن ثم يعود إلى الحكاية الأولى. أي فيلم ذي بنية روائية.

س: الإطار الذي اخترته، إذن، هو العائلة – سمفونية بثلاث وجبات طعام وحول ثلاث دجاجات أو ديك رومية تجتمع العائلة أمام وجبة طعام لا تقاوم – وجبة تقليدية في يوم راحة بلا عمل.

ج: أنا لا أحب الصيف. لذا فأنا لست من أنصار الاحتفالات الوطنية أو حفل العمل. فالجلسة العائلية شيء مريح وممتع بلا إشارات أو تفصيلات دينية أو وطنية، ولا هدايا أحزمها. إنها مناسبة طيبة للاجتماع معاً والحضور والالتقاء حيث هناك، دائماً دائماً، مباراة كرة قدم جيدة على شاشة التلفزيون وتطلب مني لماذا يعرض التلفزيون في كل عام وفي مثل هذا الوقت فيلم " كينغ كونك" ؟ وهو فيلم أحبه كثيراً... وهناك دائماً نار هادئة تشتعل في المدفأة والديك الرومي يشوي في الفرن أو على النار وقطع الخبز المحمية والكعك، أي ليس إلا الأشياء التي أحبها في مثل هذه الأجواء.

س: ووسط هذا الجو الاحتفالي العائلي توجد(حنه – ميافارو – الزوجة النموذجية والأم المثالية والبنت والأخت المثالية كذلك إنها مثال للتوازن وعين الزوبعة، وكلما حدثت مشكلة في العائلة يلجأ الجميع إلى حنه، وبالتأكيد هي تحمل إسماً ذي سمة دينية أو سمو ديني أليس كذلك؟

ج: حنه، ذو سمة دينية أو مسحة إنجيلية؟ ليس بالنسبة لي على الإطلاق. إن هذا الاسم يذكرني ببساطة بالمغنيات الزنجيات في فرق أوركسترا الجاز (هارو وهيد وحنه)..

س: كن ثلاث شقيقات في فيلم " الداخل" وثلاث شقيقات كذلك في فيلم " حنه وأخواتها" وكما يبدو إن العلاقات بين الشقيقات، بالنسبة لك، أعقد بكثير من العلاقات بين الأشقاء، فهل كنت قد تربيت وترعرعت في بيئة نسوية وعالم نسوي أو أنثوي؟

ج: نعم عندي شقيقة واحدة، ولكن كان لأمي سبع شقيقات، وجميع خالاتي متزوجات ولديهن بنات فقط. كان هناك بعض الرجال لكنهم ليسوا من المقربين، بل ينتمون إلى أطراف العائلة، من بعيد، وكانوا في العادة يدخلون الغرفة المجاورة ويبدؤون بلعب الورق والبريدج من أجل المال.. وتقوم النساء بكافة الشؤون الأخرى – الثرثرة والأكل والقراءة الخ – ونحن الأطفال كنا دائماً نقحم أنفسنا بين أرجلهن. الأطفال... سواء أكان هناك أطفال أم لا، هذه هي النقطة المضحكة حد الألم لدى ميكي في الفيلم وهي همه الكبير، وتثير فيه الألم، وبما أنه غير قادر على عمل طفل مع حنه وجب عليه أن يطلب مساعدة أفضل أصدقائه ( توني روبرتس).

س: ولكن في الحياة الخاصة ليس لدى وودي ألن أطفال؟

ج: والسؤال الذي لا أتجرأ على طرحه هو هل أنا قادر على إنجاب طفل؟ نعم يا سيدي ولكن لم يكن لدي أبداً أطفال ولم يهمني هذا الأمر كثيراً بصفة خاصة أبداً أبداً .. لقد فكرت دائماً بأني لو عشت متزوجاً أم لا، مع امرأة تريد أن تعمل طفلاً فليكن، لا مانع عندي أن أعمل معها طفلاً أو عشرة أطفال. فعندما كنت أعيش مع ديان كيتون، أو عندما كنت متزوجاً من لويز لاسر، لم يكن موضوع عمل طفل يقع ضمن اهتماماتهن ولم يشغلهن هذا الموضوع على الإطلاق، وعندما التقيت بميا فارو كان لديها، أصلاً من قبل، سبعة أطفال بعضهم ولد من زواجها الأول مع أندريه بريفان، أما البقية فينحدرون من جنسيات وأصول عرقية مختلفة وأضعهم تحت لافتة (كواليس قوس قزح) فأطفال حنه في الفيلم هم أطفال ميا فارو في الواقع.

س: ومن أين لها كل هؤلاء الأطفال؟

ج: ميا فارو تحب الأطفال كثيراً وتتبناهم ولهذا تجدها، وحدها، هي التي تتكفل بكل ما يحتاجونه وما يتعلق بهم وتوفر لهم الرعاية والحنان. فلدي منزلي الخاص ولها منزلها الخاص، على الجانب الآخر من سنترال بارك. فأنا ألعب وأمزح مع الأطفال وأتمتع بصحبتهم ثم أرجع لبيتي، أما هي فتأخذهم للمدرسة وتجلبهم منها، وتطبخ لهم وتغسل لهم ملابسهم وتقوم على تربيتهم بصورة تدعو للإعجاب والتقدير... ميا فارو، حنه، جميلة وطيبة وتشعر بالمسؤولية، وليس هناك أصعب من تجسيد هذه الشخصية سوى الوصول إلى درجة الاتقان القصوى التي بلغتها ميا فارو في هذا الفيلم... لقد نجحت في إحباط " اللعنة" التي عادة ما تحوم حول هذا النوع من الأدوار.

س هل حاولت تمثيل دور زوج حنه الذي مثله أخيراً بدلاً منك مايكل كن؟

ج: كلا. لم أحاول، لكني فكرت في ذلك وببساطة لأني لم أجد الشخص القادر على تجسيد هذا الدور، أول الأمر، غيري. لقد بحثنا كثيراً وضيعنا وقتاً كثيراً دون أن نجد من يلائم هذه الشخصية إذ لا يوجد في السينما الأمريكية، في الوقت الحاضر، من يمكنه تمثيل شخصية الرجل العادي البسيط والساذج، فلدينا " ابطال " متميزون كجاك نيكلسون وآل باتشينو وروبيرت دونيرو، لكني كنت أبحث عن رجل عادي طبيعي، رجل أعمال، خبير محاسبة، والممثل الوحيد القريب من هذا النوع من الأدوار كان داستن هوفمان لكنه كان منشغلاً بأعمال أخرى لذا قررت أن أجسد الدور بنفسي، ولكن برزت معضلة أخرى وهي من الذي سيؤدي ويجسد دوري الذي أديته أنا الآن في الفيلم وهذا ما كان مستحيلاً عملياً على أحد غيري تأديته، فأنا متطابق جداً مع شخصيتي  هذه إلى درجة التقمص القصوى، وهي شخصية الإنسان الذي لا يكف عن الصراخ والامتعاض والاحتجاج حول المسائل الكونية والعالمية.

س: إضافة إلى أن الناس لا يميزون، في العادة، بين ممثل أو ما يدور على الشاشة، وما يحدث في الحياة الحقيقية.

ج: صحيح أن هناك عناصر من الحياة (الخاصة – الشخصية، تدخل في صميم العمل المهني ولكن على شكل ومضات أو دفعات ولمسات خفيفة هنا وهناك لا أكثر). فالجميع مقتنع أن – آني هول – هو وصف دقيق ونقل أمين (أدبي) لعلاقتي بديان كيتون، في حين أنه فيلم روائي محض ومن نسيج الخيال، تماماً، كتبته بالاشتراك مع مارشال برغمان، ونصف الأشياء التي تدور على الشاشة كانت أشياء حصلت لي شخصياً، ولا علاقة لها بحياتي الخاصة. فلو كنت قد جسدت الشخصية التي مثلها مايكل كن في فيلم حنه وأخواتها، لاستنتج الآخرون بأن لي علاقة مع شقيقة ميا فارو.

س: وقد خيبت بذلك، إذن، ظن بعض المتفرجين؟

ج: لا أعتقد، ولكن مع ذلك، مثلت ميافارو الدور الرئيسي في الفيلم وصورت بعض المشاهد في بيتها نفسه ومع أطفالها الحقيقيين، ولعبت شقيقتها دوراً صغيراً ولكن ليست إحدى شقيقاتها الثلاث في الفيلم. وكذلك والدتها الممثلة مورين أوسيلفان الخالدة في ذاكرة الأجيال لأنها نطقت الجملة الشهيرة مع طرزان (جوني ويسميلر) " أنت طرزان وأنا جان".

س: وهل كان صعباً إقناعها مرة أخرى بالتمثيل؟

ج: لم تقل نعم على الفور عندما اقترحت عليها الدور، فهي لم ترتم عليه كالملهوفة، إن ابنتها ميافارو هي التي اقتلعت منها الموافقة عنوة، فهي التي حثتها على الموافقة واقنعتها بعد جهد، إذ كانت مورين أوسيلفان قد أجابتها" لكني عجوز جداً لدرجة لا أصلح أن ألعب فيها دور والدتك  فأجابتها ميا فارو " لكنك والدتي"..

س: من المعروف عنك حبك وتفضيلك للعمل في جو عائلي مع عائلة من الممثلين والتقنيين. مجموعة صغيرة من الوجوه المألوفة لديك حيث التبادل بينها بسيط وسريع ومن الصعب الاندماج فيها وداخلها؟

ج: أنا أميل لكي أكون مباشراً جداً وصريحاً جداً أثناء العمل. لست شريراً ولا صلفاً. وكل من حوالي يفعل الشيء نفسه، مثلي. ولا يزعجني أن تأتي إلي سكرتيرة في أستوديو أو غيرها من الأشخاص ويقولون لي أن ما يشاهدونه " شيء سيء جداً أو حتى مخجل من الرداءة" وهذا ما فعلته بديان كيتون فعندما كنت ألاحظ شيئاً ما لا يعجبني فيها اقول لها على الفور أنت رديئة، وإن ما تقومين به غير جيد على الإطلاق وسيء جداً، حتى إني أتصور بأنك تمثلين في مسلسل تلفزيوني رديء جداً لم اشاهد أسوء منه في حياتي. وأستخدم القسوة ذاتها بحق نفسي وأقول أمام الجميع وأسمح لهم بقول الشيء نفسه ' آه كم أنا رديء، نعم أنا أهل للرثاء). فداخل الاستوديو يقول الناس الموجودون ما يفكرون به ويعتقدونه ولا أحد يشعر بأنه مهدد أو مغبون أو مهان، والمبدأ الذي له أولوية عندنا هو شعورنا بأننا نحب بعضنا وإن مواهبنا ليست عرضة للاتهام أو التجريح أو الطعن. ويمكن أن نتحدث بصراحة ونعبر عن آرائنا دون تردد او إحراج او خوف.

س: هناك وجهان جديدان يدخلان في عائلة ممثليك هما مايكل كن وماكس فون سيدو.

ج: بالنسبة لمايكل كن فهو قد فهمني بسرعة وفهم ما أطلبه منه بالضبط، فالتففت إلي وقال:" باختصار، وفي نهاية الأمر، أت أسندت إلى الدور وتريد أن يكون بين يديك وودي ألن آخر طوله متر وثمانون سنتيمترا أليس كذلك؟".

س: أما ماكس فون سيدو، فهو ممثل معروف في أفلام بيرغمان فهل تريد، عن طريق العمل معه، أن تنتهي وإلى الأبد، من مرحلة بيرغمان الملتصقة بك والتي كرست لها فيلما بيرغمانياً هو فيلم " الداخل" الوحيد الذي لم تمثل فيه واكتفيت بإخراجه؟

ج: يربطني الناس ويقارنوني دائماً بسينمائيين آخرين وذلك منذ إثني عشر عاماً، منذ ان بدأت أصنع أفلاماً. ففي فيلم " سبتمبر" قيل عني أني متأثر بباستر كيتون وفي فيلم " باناناس" قيل أنه يشبه أفلام الأخوة ماركس، وكتب عني في أماكن أخرى إني أتبع خطوات فلليني وأعيش تحت تأثيره، والشيء نفسه فيما يتعلق ببيرغمان وبريستون ستورجيس. وهذا يعني أنه إذا كانت هناك حاجة لدى الناس أن يروا الأمور من زاوية التحليل المقارن، أو إذا كان ذلك أكثر سهولة لهم فليكن، فلا فرق عندي ولا يهمني هذا الأمر إطلاقاً، فمن الأفضل أن أقرب وأقارن بهؤلاء السينمائيين بدلاً من .......

س: كيف يعمل وودي ألن وحده في بيته؟

ج: أنطلق دائماً من فكرة ومن ثم يتبعها الشكل أو الأسلوب. وبرأيي إن أي فيلم يستند إلى ما يريد قوله، وينجح أو يفشل تبعاً لما يريد إيصاله للآخرين، فالفيلم الذي ليس لديه ما يقوله، حتى وإن عبر عن ذلك بطريقة جميلة، لا يستطيع الصمود. والخطوة الأولى هي الكتابة، وغالباً ما تكون بالقلم لأن العلاقة مع الكلمة تصبح أكثر حميمية. وأول عائق أواجهه هو الورقة البيضاء. فيجب أولاً إيجاد فكرة، وهنا تكمن الصعوبة أليس كذلك؟ ولكن عندي دائماً أفكار وفي كل وقت ادونها على الورق وأضعها جانباً لكن هناك صعوبة أخرى تكمن في اختياري الفكرة المناسبة التي يمكن تطويرها إلى فيلم وهذا عمل مؤلم ومثير للأعصاب.

س: في أفلامك، لدى الشخصيات دائماً مشكلة غير قابلة للحل. وفي هذه الحالة يذهبون للسينما عند افتقادهم للحل وهناك يجدون الحل أي في السينما من خلال الفيلم الذي يشاهدونه كما فعلت ميا فارو في فيلم وردة القاهرة الأرجوانية حيث نجد ميكي – وودي ألن وميا فارو يذهبون لمشاهدة فيلم للأخوة ماركس.

ج: إنه حل خاص بهم في الواقع. ففي اللحظة التي يتساءل فيها ميكي بأنه لا يعرف أبداً إذا كان للحياة معنى أم لا وإذا كان الجواب هو 50% نعم و50% لا فإن هذه الحياة تستحق أن تعاش أو يجرب المرء أن يخوضها ويعيشها. فلحظات الفرح الأكثر قوة التي عشتها، في حياتي، وفرتها لي السينما عبر أفلام فترة مراهقتي. فمن الصعب مشاهدة فريد استير دون أن نتساءل فيما إذا لم يكن هناك شيء ما يحدث في العوالم الدنيا والمحطات الخلفية حيث ليس كل شيء قبيحاً لأن هناك فريد استير موجود فيه وكذلك الأخوة ماركس، وأعتقد أن هناك، دائماً، وقتاً كافياً للانتحار في الغد فلنغتنم سعادة اليوم وللغد حديث آخر...

وفيما تلا من عقود على تلك المقابلة واصل وودي ألن إبداعه وإخراجه لأفلام متميزة لغاية سنة 2020.  ففيلم آني هال، على سبيل المثال، يمثل نقطة تحول رئيسية في عمل وودي ألين. حيث التفت إلى فكاهة أكثر تطورا وتناول مواضيع أقل خفة في الكوميديا الدرامية. وقد ذهب بعض النقاد إلى حد القول بأنه ربما يكون قد أعاد اختراع هذا النوع من الكوميديا أو، على الأقل، أنه وضع قواعد حديثة للنوع الكوميدي في السينما. لكن إلى جانب ذلك، يدير وودي آلن في الغالب طاقمه بطريقة شخصية بغية العثور على أسلوبه، ولمساته الشخصية. مع فيلم آني هول، تمكن المخرج من فصل نفسه عن تأثير أصنامه ومرجعياته السينمائية الشهيرة التي كان يعبدها  لفرض شخصيته، وأرفق ذلك  بعالم كامل من الأسئلة الوجودية الهوسية المستوحاة من مراجعه الثقافية التي لا تعد و لا تُحصى  والتي يتظاهر بحلها بسخرية . إنه يخلق كونًا يكون من الطبيعي فيه الاقتراب من شخص غريب، غالباً ما تكون امرأة، من خلال التحدث إليها حول سارتر واللقاء بعد ساعة للدردشة معها حول كيركيغارد في نادي الجاز حيث يمكنهما أن يكتشفا نفسيهما في أعمال كول بورتر. باختصار، يخلق عالمًا غريبًا حيث تكون جميع الشخصيات أجزاء من وودي آلن.

سوف يكون فيلم "مانهاتن" بمثابة عمل تأكيد لجمالية المخرج الخاصة وربما يمثل ذروة "نمط وودي ألين". الفيلم يعتبر على أية حال من قبل العديد من النقاد أفضل أعماله. تم تصويره بالأبيض والأسود، وهو تكريم للمدينة - مدينته - في نيويورك، التي هي "الشخصية" المركزية الحقيقية للفيلم. مرة أخرى، تمثل الأدوار الرئيسية، المثقفين المتعلمين من الطبقات الاجتماعية العليا. ومع ذلك، فإن النظرة الموضوعة أو الملقاة على هذه الفئة متناقضة للغاية، ومهمة بقدر ما هي مجزية. هذا الكراهية المحبة لمثقفي نيويورك (بشكل أساسي) هي سمة مهمة لمعظم أفلامه. مانهاتن هو تعاونه الخامس مع الممثلة ديان كيتون. كما يشجع ظهور الفنانة الممثلة المبدعة الشابة ميريل ستريب لأول مرة في فيلم لوودي ألن حيث لعبت دورا ثانويا، ولكنه مثير للغاية، في الفيلم. 

بين آني هول Annie Hall ومنهاتن Manhattan، يكتب وودي ألن ويدير التصميم الداخلي الكئيب بأسلوب المخرج السويدي Ingmar Bergman. يبشر هذا الفيلم بفترة من أعمال وودي ألين خلال الثمانينيات، التي تميزت بشكل رئيسي بتأثير المخرجين الأوروبيين مثل فلليني عليه. سيتم تميز جميع أفلامه في ذلك الوقت، بما في ذلك الأفلام الكوميدية، بلمسة مظلمة وفلسفية، مثل "سبتمبر"، و"ستاردست ميموريز" Stardust Memories".

يقول وودي ألن:" كنت دائماً أميل إلى الدراما، لكن الكوميديا كانت نقطتي القوية. فقط، عندما تفعل كوميديا، هناك وحش على كتفك، يضايقك: "كن مضحكًا! لا تزعجهم! الجدية أكثر استرخاء ".  بدا وودي ألن كأنه محكوم بعمل الأفلام الكوميدية ففي الأعوام بين 1981-1997: كانت هناك كوميديات جنسية من ليلة صيفية إلى هاري بجميع أحواله.. واتسمت فترة الثمانينات بالاجتماع مع ميا فارو، مومسه الجديدة. التي ظهرت في جميع أفلامه الروائية منذ عام 1982 مع الكوميديات الإروتيكية  Erotic Comedy من ليلة صيفية Summer Night 1992 إلى أزواج وزوجات Maris and Femmes.

كانت التسعينات عقدًا من التجارب أو المحاولات دون أي مسار حقيقي للعمل. وهكذا، مع فيلم الظلال والضباب Shadows and Fog (1991)، أشاد بالتعبويين الألمان. وفي العام التالي، جمع بين التشويق والكوميديا السوداء لصنع لغز القتل في مانهاتن. يعتبر القتل والاستعدادات بالنسبة له موضوعًا مثيرًا للاهتمام نسبيًا لتصوير الجوانب المختلفة لشخصياته، عندما علق على النحو التالي: «القتل هو موضوع رائع لأنه يتيح لنا استكشاف الضعف البشري والشعور بالذنب " على حد تعبيره.

في عام 1994، عاد إلى موضوعات أقل ظلمة مع الرصاص فوق برودواي Bullets Over Broadway، والذي حصل عليه ترشيحاً جديداً لجائزة الأوسكار لأفضل مخرج. بعد ذلك بعامين، بدا أن فيلماً كوميديا موسيقياً Tout le monde dit I Love You (الجميع يقول أنا أحبك) أصبح في متناول الجميع وحقق نجاحًا كبيرًا مع الجمهور. مرة أخرى، يجد ووي ألن نفسه مدرجاً في الترشح لجوائز Golden Globe و سيزار الفرنسية Césars. بين هذين الفيلمين الأخيرين، أدرك وودي ألن أيضًا المفاجأة، من خلال بنائه لفيلم أفروديت الملعونة، Maudite Aphrodite (Mighty Aphrodite) حيث يعبر مفكروه الأزليون في نيويورك عن طريق شخصيات أكثر بساطة (ممثلة إباحية سابقة وملاكمة منخفضة مغمورة) وكذلك أبطال المآسي اليونانية.

في عام 1997 ظهر هاري في جميع حالاته أو(تفكيك هاري)، بلا شك أكثر "تغرباً" من جميع أفلامه. هذا الفيلم الروائي يغمرنا في تاريخ معقد. يقدم ألن سيناريو تتخلله الرسومات التي تشارك في التاريخ العالمي ليؤدي إلى اجتماع مختارات من شخصيات مختلفة والذين، مجتمعين، يشكلون هاري واحد فقط. نجد هناك جميع الموضوعات الرئيسية لعمل وودي ألن. انه يوقع هنا محاكاة ساخرة لوجوده وصعوباته الخاصة مع الأصالة والفكاهة.

يأتي انفصال وودي آلن وميا فارو على خلفية من الفضيحة، بعد أن اكتشفت الممثلة أنه كان لديه صور لابنتها بالتبني سون يي بريفين عارية تمامًا. وكان قد تزوج من ميافارو في عام 1997. وفي نفس العام، طردته شركة ميراماكس بعد الإخفاقات المالية المتتالية لأفلامه ليالي الصين Nuits de Chine وأفروديت الملعونة Maudite Aphrodite والجميع يقول أحبك Tout le monde dit I Love You. يبزغ وودي ألن من جديد على الفور من خلال فيلم غرامة خط الميزات  Fine Line Features، الذي سيحقق معه سلسلة من النجاحات، لا سيما الاتفاقات والخلافات، مع المخادعين ولكن ليس كثيرًا، ونهاية هوليوود Hollywood Ending.

1998-2004: من المشاهير إلى ميليندا وميليندا:

في عام 1998 في فيلم " الشهرة Celebrity يعهد وودي ألن شخصيته إلى ممثل آخر، وهو كينيث براناغ. تم تصوير الأحداث جزئياً بالأبيض والأسود، مع ممثلين غير عاديين (ليوناردو دي كابريو، وميلاني جريفيث وغيرهم)، ترتبط الأحداث بسرعة مذهلة في قصة معقدة للغاية مرة أخرى، وتضم مجموعة من الشخصيات. فعدم قدرتهم على التواصل يمنعهم أن يبقوا في موقف المتفرجين في حياتهم. يحافظ وودي ألن في هذا الفيلم، على أسلوب "تغريبي" للغاية، قد يبدو، في بعض النواحي، مفاجئًا في أعمال الفنان.

في السنة التالية، مع فيلم حلو ومنحط أو دنيء Sweet and Lowdown، أشاد مرة أخرى بأحد عواطفه:  عشقه لموسيقى الجاز. صُمم هذا الفيلم، مثله مثل أي فيلم وثائقي عن السيرة الذاتية، لعازف الجيتار الوهمي في عالم موسيقي حقيقي للغاية، حيث نعبر ونعبر مساراتنا مع الغجري الأكثر شهرة: دانغو رينهاردت.

بين عامي 2000 و 2003، عاد وودي ألن إلى الكوميديا الخالصة كما في بداياته. وينجز فيلم (فيلم المحتالون الصغار)، و فيلم لعنة عقرب الجاد (Le Sortilège du scorpion de jade)، و فيلم هوليوود النهاية و فيلم الحياة وكل شيء آخر (Anything Else).  لم يتبعه جمهوره  كما كان يأمل، والنقاد هاجموه بعض الأحيان بطريقة شرسة. ولكن حتى فيلمه الأصيل Melinda and Melinda ميليندا وميليندا لم يفلح في أن  يعيده إلى دائرة الضوء. ويُزعم خصومه ومناوئيه ب أن أفضل سنواته باتت وراءه

2005-2013 من نقطة تلاقي  Match Point إلى الياسمينة الزرقاء Blue Jasmine :

تميز هذا العقد بتوغلات وودي آلن خارج الولايات المتحدة لتصوير أفلامه.ففي عام 2005، غادر المخرج نيويورك ليصور فيلم نقطة تلاقي  Match Point في لندن مع جوناثان ريس مايرز وسكارليت جوهانسون. كان النقد إيجابي بشكل عام، والجمهور كثير. استحق الفيلم العديد من ترشيحات أوسكار وغولدن غلوب وسيزار. سيقول وودي آلن في مقابلة مع مجلة Première أن هذا هو أفضل فيلم له. استُلهم سيناريو الفيلم من نص من تأليف جورج ستيفنز سنة 1951 بعنوان مكان تحت الشمس  A Place in the Sun، وكانت بعض المشاهد متطابقة تقريبًا.

في عام 2006 قام وودي آلن بتصوير فيلم جديد مع سكارليت جوهانسون. وهو فيلم  سكوب  Scoop، وهو فيلمه الثاني في لندن، ولقي آراء نقدية  مختلطة. ثم يخرج عملاً سينمائياً ثالثاً في لندن  سنة 2007، وهو (حلم كاساندرا)، مع كولين فاريل وإيوان ماكغريغور.

يواصل وودي آلن رحلته الأوروبية وينضم إلى إسبانيا خلال الصيف ليصور فيلم  فيكي كريستينا برشلونة Vicky Cristina Barcelona  مع سكارليت جوهانسون، وبينيلوبي كروز، وخافيير بارديم، وريبيكا هول. تم تقديم الفيلم في مهرجان كان لعام 2008 ثم تم إطلاقه تدريجياً في جميع أنحاء العالم في صيف العام نفسه.

 

شهد عام 2009 عودة وودي آلن إلى نيويورك مع فيلم أي شيء يعمل Whatever Works مع لاري ديفيد وإيفان راشيل وود كنجوم. يعود تاريخ سيناريو الفيلم إلى سبعينيات القرن العشرين، وقد كُتِب خصيصًا لـ Zero Mostel، الذي توفي في العام الذي تم فيه عرض فيلم Annie Hall. وبمناسبة عرض فيلم أي شيء يعمل Whatever Works، صرح وودي ألين خلال مقابلة أنه يعتق بأنه لم يحقق فيلماً كبيراً أو "فيلمًا رائعًا" .

كانت العودة إلى الأراضي الأمريكية قصيرة حيث قام بتصوير فيلمه التالي في لندن You Will Meet a Tall Dark Stranger" (سوف تقابل شخصاً طويل القامة غريباً أو غامقًا)، وقد تم عرضه مرة أخرى في مهرجان كان ضمن المسابقة. تم تصوير الفيلم التالي، Minuit à Paris منتصف الليل في باريس، في صيف 2010 في باريس، مع ماريون كوتيارد، وراشيل ماك آدامز، ومايكل شين، وأوين ويلسون، ولايا سيدوكس، وكاثي بيتس تم تقديم الفيلم في افتتاح مهرجان كان السينمائي عام 2011، و عرض Minuit à Paris منتصف الليل في باريس في جميع أنحاء فرنسا وفي باريس وحضره الرئيس الفرنسي الأسبق وزوجته التي أدت دوراً صغيراً في الفيلم.

. وفي عام 2012، حصل فيلم منتصف الليل في باريس على جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي. ويعد أهم نجاح في شباك التذاكر على مستوى العالم في مسيرة مخرجه. فوودي آلن يتحدث في هذا الفيلم عن باريس في مختلف الحقب والأزمان، وعن باريس الثقافية والفنية والفكرية على وجه التحديد من خلال حكاية كاتب أمريكي يأتي إلى باريس لكتابة رواية مع خطيبته الثرية وأهلها. فالعائلة الغنية تبحث في باريس عن الموضة  وآخر الصرعات والتحف الفنية القديمة والمجوهرات والعطور وآخر الصرعات  وتسكن في أفخم الفنادق الباريسية أما هو فيبحث عن باريس الثقافة والفكر والفن والحرية والإبداع، باريس سلفادور دالي وبيكاسو وارنست همنغواي ولويس بونيول والسريالية والانطباعية وأوغست رينوار، باريس السهرات الليلية والجمال والجنس والحرية، أي باريس التي عاشت في مخيلة المثقفين في العالم كله، وذلك عبر حكاية متخيلة حيث تأتي عربة قديمة تأخذ الكاتب من مكان محدد في باريس في الزمن المعاصر وتنقله إلى باريس في حقبة زمنية في الماضي حيث يتعرف فعلياً على الرسامين والكتاب والروائيين الذين كانوا يعيشون في باريس آنذاك ويجتمع به ويتناقش معهم، وفي نهاية السهرة تعيده العربة القديمة إلى الزمن الحاضر حيث يقيم مع خطيبته في الفندق الفخم وفي جولته عبر الزمن الباريسي المتغير يتعرف على امرأة فرنسية جميلة، أدت الدور الممثلة الفرنسية العالمية المبدعة والجميلة ماريون كوتيارد، والتي يقع في حبها ويأخذها معه في تنقلاته عبر الزمن لأنها تعشق الماضي ورجالاته وأجوائه وكانت عشيقة لأغلب شخصيات الإبداع في باريس والتي ستكتب في مذكراتها عن قصة الحب هذه مع الكاتب الأمريكي. تجدر الإشارة إلى أن وودي آلن أسند دوراً صغيراً كدليل سياحي لزوجة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي للمجاملة ليس إلا لأنها لم تكن جيدة في تجسيدها للدور.

فيلم إلى روما مع حبي Rome with Love، تم تصويره في روما في صيف عام 2011 وللمرة الأولى منذ عام 2006، كان  وودي ألن أيضًا بصفته ممثلًا إلى جانب كونه المخرج. تم تصوير الياسمينة الزرقاء Blue Jasmine في صيف عام 2012 في سان فرانسيسكو ونيويورك. وفي قائمة الممثلين نلحظ،  كيت بلانشيت، سالي هوكينز، وأليك بالدوين. في خريف عام 2012، شارك وودي ألن كممثل في فيلم لجون تيورتيورو Turturro في فيلم القواد أو العاهر المتدرب Apprenti Gigolo، بينما كان يساعد على تحسين نص السيناريو.

2014-2019: من السحر في ضوء القمر إلى يوم ممطر في نيويورك:

تم تصوير فيلم سحر  في ضوء القمر Magic in the Moonlight في صيف عام 2013 في جنوب فرنسا، وكانت إيما ستون وكولين فيرث هما الممثلتان الرئيسيتان. تم تصوير فيلم الرجل اللاعقلاني The Irrational Man في صيف عام 2014 في رود آيلاند، مع إيما ستون وجواكين فينيكس. تم عرض الفيلم خارج المسابقة في مهرجان كان 2015 قبل خروجه لدور السينما الأمريكية في صيف عام 2015. أما بالنسبة لفيلم جمعية المقهى Café Society أو مقهى المجتمع، فهو فيلم تدور أحداثه في ثلاثينيات القرن العشرين، وضم الممثلون باركر بوسي، بليك ليفلي، جيني برلين، جريج بينكلي، جيسي إيسنبرغ، كريستين ستيوارت، ستيف كاريل (الذي حل محل بروس ويليس، الذي يترك الفيلم بعد أن بدأ التصوير بالفعل) وكوري ستول (الذين لعب دور إرنست همنغواي في فيلم منتصف الليل في باريس) . يتم تقديم الفيلم في مهرجان كان 2016 خارج المنافسة.

في 13 يناير 2015، أعلنت أمازون أنها قد طلبت من وودي ألن موسماً كاملاً من مسلسل تلفزيوني، يتكون من ست حلقات مدة كل منها 25 دقيقة؛  ولكن بداهة لم تكن هناك متابعة. ولا تعليقعلى المشروع الذي طلبته منه آمازن فقط قال وودي ألن: "أنا لا أعرف كيف وضعت في هذا المشروع وكيف حصلت عليه. ليس لدي أي فكرة ولا أعرف من أين أبدأ. وأضاف وودي ألن معقباً:" أعتقد أن روي برايس [نائب رئيس استوديوهات أمازون] سوف يندم عليه. تدور أحداث هذه الكوميديا بعنوان "الأزمة في ستة مشاهد" في ستينيات القرن الماضي وبطلته هي مايلي سايروس. فيما تلعب أيضًا إيلين ماي وودي ألن أدورا في المسلسل وتم تحديد موعد بث المسلسل في 30 سبتمبر 2016.

في صيف عام 2016، قام وودي آلن بتصوير فيلمه الطويل الثامن والأربعين، ووندر ويل أو العجلة العجيبة Wonder Wheel، حيث تدور الأحداث في الخمسينيات في نيويورك، مع كيت وينسلت وجوستين تيمبرليك في الأدوار الرئيسية. تم عرض الفيلم في ديسمبر 2017 وكان أحد أكبر إخفاقاته التجارية. وعندما اشتعلت قضية المنتج  وينشتاين واغتصابه للممثلات، تعين على وودي ألن أن يقرر. ولكن فقط من خلال اتخاذه قرار بدعم المنتج الذي أصبح منبوذا في هوليوود، جذب وودي آلن غضب حركات MeToo و Time's up. وفي نفس العام، كررت ابنة ميافارو بالتبني، ديلان فارو، اتهاماتها، التي يرجع تاريخها إلى عام 1997، بأنها تعرضت للاغتصاب من قبله. سرعان ما أشعل الاتهام شبكات التواصل الاجتماعي وأعلن العديد من الفنانين أنهم لم يعودوا يريدون العمل معه. من بينهم جريتا جيرفيغ، ماريون كوتيارد، تيموثي تشالاميت، ناتالي بورتمان، أوين ويلسون، ستيف كاريل وجوستين تيمبرليك، من بين آخرين. ومع ذلك، فهو يحظى بدعم الممثلين بنيلوب كروز وخافيير بارديم Penélope Cruz و Javier Bardem.

تم تصوير الفيلم التالي في نيويورك في سبتمبر-أكتوبر 2017، مع تيموثي تشالاميت، سيلينا جوميز، ريبيكا هول وإيلي فانينج. تم الكشف عن العنوان في وقت مبكر جدًا (وهو أمر نادر جدًا في وودي آلن): يوم ممطر في نيويورك. في نهاية آب (أغسطس) 2018، أعلنت أمازون أنه لا يوجد حتى الآن تاريخ عرض مبرمج مخطط للمسلسل (سواء في الصالات أو القنوات التلفزيونية . وكان صيف 2018 هو الأول من نوعه منذ أكثر من ثلاثين عامًا، إذ لم يكن  لدى وودي ألن أي خطط أو تصوير مستقبلاً، حتى لو أعلن أنه على الرغم من هذه النكسة، فهو سوف يستمر في الكتابة. بعد تسعة أشهر من توقف عرض آخر أفلامه على آمازون وإدراجه في قائمة أحدث أفلامها، أعلنت استوديوهات Mars Films أنها قد تولت مسؤولية توزيع الفيلم في أوروبا.

2019: "المنفى" في أوروبا وتصوير مهرجان ريفكين

بعد الرفض والاستهجان الذي تعرض له وودي ألن في الولايات المتحدة نظرًا لاستهدافه بالاتهامات بالإيذاء والاعتداء الجنسي، لجأ وودي آلن إلى أوروبا، حيث قدم له العديد من الفنانين دعمهم، ولا سيما خافيير بارديم و وكاثرين دينوف  وليا سيدوكس  وإيزابيل هوبيرت  وفريديريك بيغبيدر  مع استمرار دعم بعض الفنانين الأمريكيين له، مثل لوكا غوادانينو Guadagnino، أليك بالدوين، ديان كيتون، جود لو.

في فبراير 2019، أُعلن أنه على وشك تصوير فيلم روائي جديد في هولندا وإسبانيا، تحت لافتة MediaPro25. سيتكون طاقم الممثلين من كريستوف والتز، جينا غيرشون، سيرجي لوبيز، والاس شون، والفرنسي لويس غاريل، وهو أحد المعجبين به بشدة. بدأ التصوير في 10 يوليو 2019 في سان سيباستيان.

 

د. جواد بشارة

........................

* فيما عدا المقدمة والمقابلة التي أجريتها بنفسي مع وودي ألن في الثمانينات  فإن أغلب المعلومات عن الفيلموغرافيا  ومحطات عمل وإبداع وودي ألن مأخوذة من ويكبيديا الفرنسية بتصرف

 

 

1376 دانيال شمعونتمكن الرهبان المسيحيون وعبر التاريخ من ترك بصمات واضحة في ثقافات شعوب الشرق. وبذلك خدموا الادب والثقافة العربية في المنطقة. الأب الخوري دانيال يجمعني معه الكثير فمعرفتي به تعود الى ما يقارب ثلاث عقود خلت. معرفة وصداقة هذا الإنسان الكريم والقس الطيب المحب للأدب والمعرفة. يجمعنا الكثير ابتداء من محبة وطننا الصغير كركوك ونلتقي في إنسانيتنا ومحبتنا للحياة والبشر ومن دعاة السلام.على كوكبنا الأرضي. سكنًا في نفس الحي وزرته في صومعته في الكنيسة الصغيرة وسط المدينة حيث كان راعيا لها. تحاورنا في أمور الدنيا ومعنى الحياة ومجريات الأمور في اوطاننا. وجدته موسوعيا كما عودنا الرهبان المسيحيون كالأب انستاس الكرملي، السروجي، الأنطاكي، الرهاوي، عبد المسيح الكندي والآخرون وحبه بل ولعه بالتاريخ والتراث وطبعا اللغة. هذا الشغف الذي دفعه الى الابحار في اللغة الارامية ليعلم الأجيال القادمة هذه اللغة التاريخية القديمة. التقيته على ضفاف بحيرة الرهبان وسط مدينة يونشوبنك المكنى بـأورشليم السويد لنتحاور فسألته:

هناك من يدعى بان لهجة أهل العراق من المسيحين، الآرامية شرقية وهي احدى أقرب اللهجات الى اللغة التي كان يتحدث بها نبينا المسيح عليه الصلاة والسلام.فما رايك بهذا الادعاء؟. يجيبني مبتسما:

- هذا صحيح لان اليهود بعد عودتهم من الاسر البابلي عام 539 قبل الميلاد الذي استمر سبعون سنة كانوا يتكلمون لغة بابل التي كانت آنئذ خليط من السومرية الاكدية والاشورية والتي سميت فيما بعد بالارامية الشرقية لكونها استخدمت من قبل سكان بلاد الرافدين الساكنين في الجانب الشرقي من نهر الفرات لفرزها عن الآرامية الغربية التي كانت تستخدم من قبل الناس الساكنين على الجانب الغربي من نهر الفرات والفرق بين اللغتين هو في لفظ الكلمات فقط. وقد سميت اللغة بالسريانية بعد الفتح العربي الاسلامي لتلك البلاد. الكلمة السريانية تعريب لكلمة سورايا المشتقة بدورها من كلمة سيروس وسيريا اليونانية والتي كان اليونان يطلقونها على الامبراطورية الاشورية.

 

اللغة العربية الحديثة والقديمة تحتوي على العديد من الكلمات من الآرامية القديمة وهذا طبيعي لان اللغات حية وتتطور وتتأثر باللغات المجاورة والقريبة هل تعتقد يمكن للمرء اليوم وبسهولة اعادة تلك الكمات الى اصولها وجذورها؟.

- نعم، نعم هناك الكثير من الكلمات الآرامية دخلت الى اللغة العربية لا بل قد يذهب البعض الى القول بان اللغة العربية هي احدى بنات اللغة الآرامية كاللغة التجرينية التي تتكلم بها بعض القبائل في الصومال واثيوبيا وغيرها. والجدير بالذكر ان كلمة "عربي" مشتقة من الكلمة الارامية "عارابا" والتي تعني الصحراء وكلمة "عارابايا" هي صفة النسبة في اللغة الارامية ومعناها العربي وبالتالي تعني الصحراوي. هذا من جهة، ومن الجهة الثانية يمكننا اعادة الكثير من الكلمات العربية الى اصولها الارامية فعلى سبيل المثال لا الحصر كلمة "سورة" متأتية من كلمة سِفْرا والتي تعني "كتاب" وكلمة "صلوة" متأتية من كلمة "صلوتا" والتي تعني الصلاة. وكلمة "خبصة" المستخدمة من قبل عرب العراق هي "حْباصا" في اللغة الارامية وجذر الفعل المشتقة منه هو  "خْباصْ" ويعني "زاحمَ".

 

اعتمدت معظم الديانات على النص المقدس وتحولت اللغة الى عامل مهم في نشر المبادئ الأساسية للأديان كالعبرية والعربية والإعجاز اللغوي القرآني دليل على ذلك .

لماذا لم تتطور اللغة الدينية السريانية الى لغة دينية عالمية بل بقت محلية وأخذت اللاتينية محلها كلغة عبادة؟.

- كانت اللغة وما زالت الوسيلة التي بها يقوم الناس بنقل افكارهم وعلومهم وآدابهم ومشاعرهم لبعضهم البعض والافكار الدينية وتعليماتها لا تشذ عن هذه القاعدة. انا لا اعتقد بوجود لغة دينية لكن الانسان عبر عن فكره الديني بنفس مستوى اللغة التي وصل اليها في الزمان والمكان المحددين وكلما تطورت اللغة وتوسعت وجب ان يتطور التعبير الديني ايضاً. لان الدين ليس عبارة عن اوامر ونواهي جامدة ومتحجرة بل مفاهيم عميقة هدفها تقديم الاجوبة على التساؤلات الاساسية حول الوجود والحياة  في حاضرها ومستقبلها من جهة وارساء قواعد السلوك الجيد والاخلاق الحميدة في التعامل مع الاخرين ومع الله الخالق من الجهة الاخرى.

اما لماذا لم تتطور اللغة السريانية مثل اللغة اللاتينية فالسبب يعود الى ان اللغة السريانية فقدت حاضنتها السياسية المتمثلة بالدولة والحكم نتيجة الفتح العربي الاسلامي لبلاد الرافدين والشام وفرض اللغة العربية وجعلها لغة الحكم. اما اللاتينية فقد ظلت لغة الدولة الرومانية التي تزاوجت مع الكنيسة في اوربا وحكمت الكثير من البلدان الاوربية الى وقت قريب عندما بدأت اللغات المحلية مثل الايطالية والفرنسية والاسبانية وغيرها تأخذ مكانها نتيجة استقلال تلك البلدان عن الامبراطورية الرومانية.

هل نتمكن من الادعاء بوجود لغة مشتركة لمسيحي الشرق بطوائفها المتعددة أم ان الانتماء الطائفي أعطى زخما لتبني اللهجات دون الأخذ باللغة الأساسية؟.

- نعم ما زالت اللغة الآرامية بفرعيها الشرقي والغربي مستعمل في طقوس ومراسيم الكثير من الكنائس الشرقية. وما زال الكثير من المسيحيين الشرقيين يتكلمون بلهجات متعددة منها.

 

تعليمك ودراستك الدينية وممارستك للمهام الدينية أخذك الى بلاد عديدة اعتقد ان دراستك الدينية كانت في إيطاليا حدثنا عن سفر حياتكم هذا؟.

- لقد ولدت وترعرت في عائلة مسيحية غير ممارسة للدين حيث الشعور القومي الاشوري العلماني كان يطغو على الشعور الديني فيها ولكن عند بلوغي السن الثانية عشر شعرت بالميل الى الامور الدينية والحياة الروحية لذا بدأت بالتردد الى الكنيسة وحضور الصلوات والقداديس. ونمت عندي الرغبة في ان اصبح رجل دين ولكن واجهت رفضاً شديداً من قبل الوالد وافراد العائلة لعدة سنوات لكن بعد انهائي المدرسة المتوسطة وانتقالي الى المرحلة الاعدادية منحني والدي موافقته في التردد على دروس الخاصة بإعداد رجال الدين اولاً في مدينتي كركوك وبعد انهائي الدراسة الاعدادية اكملت دراستي الدينية في احدى الجامعات في مدينة روما في ايطاليا حيث تخرجت في عام 1973 وعدت الى العراق وعينت قسيسساً ومدرساً للفلسفة والمنطق في معهد اعداد القسس في بغداد وبعدها رجعت الى كركوك وعملت فيها الى عام 1981 حيث انتقلت الى دهوك وقدمت هناك خدمتي الدينية الى عام 1992 حيث ارسلت الى الولايات المتحدة وبقيت في كاليفورنيا لما يقارب السنتين بعدها انتقلت الى السويد وخدمت في مدينة يونشوبنك ولنشوبنك ونورشوبينك وفي عام 2016 تقاعدت من الخدمة لبلوغي السن القانونية للتقاعد وعدم مقدرتي مواصلة الخدمة الاضافية لأسباب صحية.

وقد اكتسبت خبرة كبيرة طيلة تلك السنين نتيجة احتكاكي بشعوب وثقافات مختلفة وصار عندي ولع في تعلم اللغات المختلفة مثل اللاتينية والايطالية والانكليزية والفرنسية والالمانية اضافة الى لغتي الام والعربية والتركية واخيرا السويدية. حيث اقمت الطقوس الدينية باللغة الآرامية والعربية والفرنسية والانكليزية والايطالية.

 

للكنائس دور اجتماعي مهم خاصة في دول المهجر وقد تجمع حولكم ابناء الجالية المهاجرة خلال سنين طويلة الدول المستقبلة للمهاجرين يشكون دوما من عدم تكامل المهاجر مع المجتمعات الجديدة مما يودي الى ما يسمى صدمة ثقافية حدثنا عن تجربتك في هذا المضمار.

- صحيح ان للكنيسة دور اجتماعي وروحي وتشكل احدى نقاط التجمع للمهاجرين في دول المهجر كما في الوطن الام. وانا شخصياً حاولت دائماً عدم الانغلاق في المحيط الضيق للكنيسة والطائفة بل الانفتاح على المجتمع الجديد في دولة المهجر لذا اقمت علاقات جيدة جداً مع الكنائس والمؤسسات الثقافية في السويد وشجعت ابناء الرعية على القيام بذلك والتأقلم مع المجتمع الذي يعيشون فيه والتمتع بقدر كبير من المرونة تاركين جانباً التمسك الاعمى بالعادات والتقاليد القديمة والانفتاح على تقاليد البلد الذي يعيشون فيه لكن دون الانصهار فيه والانسلاخ عن الهوية الاصلية.

 

لو تسنى لك تقديم نصيحة للجيل الجديد كيف تكون تلك النصيحة؟.

نصيحتي هي الانفتاح على الثقافات الاخرى مع عدم ترك الهوية الاصلية. 

بهذه الكلمات نودع الاب الصالح دانيال متمنين له الصحة ودوام الابداع حيث يقوم بتدريس اللغة السريانية طوعياعلى اليو توب.

 

اجرى اللقاء: توفيق التونجي

 

صالح الطائي- قاربت السبعين من العمر ولم أجد في نفسي قدرة المشاركة بالتظاهرات التي تطالب بالإصلاح وحينما يتعرض الوطن إلى أذى من غريب أو قريب يكون لزاما على هذا الحب أن يعلن عن نفسه

- اعتبر نفسه خارجا على قانون الموروث وتقليدية المناهج.

- من طبيعة جمال صنع الله للقلب الإنساني أنه أوقفه على حب واحد.

صالح الطائي عاشق عَبَرَ شذا عشقه الحدود، تزاحم في صدر هذا العاشق حبه لله وعشقه للعراق، بحث في هذا الحب عن الله في زوايا كثيرة، والف كتبا زادت عن الخمسين، ولم يخف لومة لائم، ولم يعرقل سيره نحو حبيبه عائق، وكثيرا ما ختم اذان الفجر مناجاته مع حبيبه على امل المواصلة بعد الانتهاء من اداء الفرض، وقد فتح عينه هذا الحب على ما خلق حبيبه من جمال، فتألم من قبح بعض المخلوقين، لكن قبحهم لا يقارن بجمال الخالق الحبيب، فتسربت الطمأنينة الى قلب صالح بعد هذه المقارنة، واقتنع تماما ان القبح وصانعه زائل، والجمال وخالقه دائم، من هنا، انطلق صالح في رحلة عمر يبحث فيها عن الجمال ليحارب به القبح، فافلح الى حد كبير وفي لحظة صفاء اكتشف هذا العاشق جمال وطن اسمه العراق، وبما ان حب الجمالِ جمالٌ، تمنى صالح على كل محبيه ان يشاركونه في صنع قلادة من درر الكلم يزين بها هذا الوطن الجميل فوجه نداءً جميلا للجميع بالمشاركة ..

- يعرفك بعض ويجهلك اخرون فهلا عرفت الجميع بك بصورة افضل؟

ج/ صالح الطائي مواطن عراقي بسيط إلى حد السذاجة، معقد إلى حد الإعجاز، وبينهما، بين المتناقضين مجرد إنسان عرف دربه بعد عناء طويل واهتدى إلى نبراس نور الحقيقة من خلال البحث والمتابعة والتدقيق والتنقير، لا من خلال التقليد والتشبيه والنقل الحرفي. اعتمد منهج التفكيك دون أن يخضع لمعادلات الكيمياء وتفاعلات الفيزياء بعد أن أدرك في وقت مبكر أن كل ما في الوجود ليس أكثر من لحظة صفاء لتنزاح الستر وتفتح مغاليق الأبواب فتشرق الحقيقة دونما حجاب. وهو بهذا اعتبر نفسه خارجا على قانون الموروث وتقليدية المناهج، فأسس لنفسه منهجا تفكيكيا تحليليا، نجح من خلاله في رصد كواكب الدين دون حاجة إلى منظار وكواكب الوطن دون حاجة إلى انتماء وتبعية، ولذا عرض نفسه لاضطهاد القوى المختلفة منذ أن أدرك عمق المأساة ووجوب وقوفه بجانب المحتاجين، لا المحتاجين للمال فهؤلاء لديهم مسارب كثيرة يمكنهم من خلالها تحصيل ما يسد الرمق، وإنما محتاجي الفهم الذين لا يمكن اقناعهم إلا بالدليل غير المردود والقول المسنود، ولأجل ذلك أعتقل في زمن النظام السابق ثلاث مرات بمدد مختلفة كادت أن تودي به إلى القبر، ومن ثم اختطف بعد التغيير وبقي نائما على دكة الذباح لمدة ثلاثة عشر يوما، ولكنه وهذه مفارقة غريبة نجح في تجاوز كل تلك الأزمات التي لا يحمل من ذكراها الآن سوى طيف حزن وبعض الآثار المطبوعة على الجسد وعين كادوا ان يختطفوا نورها فتصدى لهم حكماء بارعون أعادوا لها شعاع أمل. وهو مع كل ما مر به لا زال يكتب ويبحث وينجز حتى تجاوز عدد مؤلفاته الخمسين كتابا ورقيا وعدة كتب الكترونية ومئات المقالات والدراسات والبحوث، وبعضا من فيض الأدب بكتابة الشعر والنثر المركز والإسهام في بعض المشاريع البنائية.

- كيف اجتمع حبان في قلبك وهل يتقدم احدهم على الاخر ام انهما في مصاف حب واحد؟

ج/ من طبيعة جمال صنع الله للقلب الإنساني أنه أوقفه على حب واحد؛ هو حبه، فالقلب مهما كان كبيرا لا يسع سوى حبا واحدا، أما ما يبدو وكأنه أكثر من حب تجتمع سوية، فذاك من وهم العارفين لأن كل أنواع الحب التي تحدثوا عنها، والتي تظهر للعيان أو يفضحها البيان إنما هي جزئيات صغيرة من الحب الأوحد الأعظم، فمن يحب الوطن مثلا لا يشركه مع حبه لله، بل هو جزئية من حب الله تعالى لأن (حب الوطن من الإيمان) والإيمان هو حب الله تعالى يقينا، فهذا من ذاك فرع من أصل، ومن يحب والديه لا يشرك حبهما مع حبه لله لأن حبه لله هو الذي أمره ان يحبهما، جاء في الحديث الشريف أن عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثمّ أي؟ قال: ثمّ برّ الوالدين، قلت: ثمّ أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. وهذا حب جزئي من الحب الأعظم، وبالتالي تتوحد كل أنواع الحب في حب الله تعالى وحده. أما من يحب ما هو زائل كالدنيا والمال والولد فذلك ليس من معاني الحب الأعظم وإنما هو للفتنة أقرب، وهو ينتهي في النهاية عند حدود الدنيا التي تمثل الحب الكبير المقابل لحب الله والذي لا يمكن أن يجتمع معه في قلب واحد، بدليل قوله تعالى في سورة الكهف: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}، ولذا قالت رابعة العدوية:

أحِبُكَ حُبَيْنِ حُبَ الهَـوىٰ وحُبْــاً لأنَكَ أهْـل لـِذَاك

- ماذا اهديت حبيبك الاول (الله) الذي اهداك كل شيء ومنها الحياة؟

ج/ يبدو هذا السؤال طبيعيا وفق رؤى العرفانيين والصوفيين ولكنه يتعرض للمماحكة من قبل المتدينين طالما أنهم يوقنون أننا نحتاج إلى الله وهو لا يحتاج إلينا، قال تعالى في سورة الفرقان: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا}

وبرأيي المتواضع أن الأصلُ بالإنسان أنه يسعى عادة وراء معرفة الإجابات عن الأسئلة المشاكسة لأن الإجابة عنها بحد ذاتها لابد وأن تترك أثرا كبيرا في مجمل مسار حياته، والجواب على السؤال المشاكس لا يخالف المنطق بالمرة.

من هنا أرى أن الإنسان يحتاج لله تعالى في كل جزئية من جزئيات حياته مهما تناهت في الصغر، والله سبحانه يحتاج إلى عبده لا وفق مادية الحاجة والرغبة والإشباع وإنما من حيث الرضا بكل ما فيه من عمق دلالي. الله يحتاج الإنسان أن يكون بمستوى إنسانيته ويقدر درجة الاستخلاف التي وضعه فيها، وهنا ـ إذا ما صح التشبيه ـ تكون حاجة الله للعبد مثل حاجة الأب الذين تجاوز المائة من العمر إلى نجاح ابنه وتسنمه مناصب عالية وتحقيق ثراء فاحش والحصول على درجات علمية عليا.

أنا كنت ولا زلت ـ في كل خطوة أخطوها ـ أحتاج إلى الله، وأعمل جاهدا على أن أرضيه لا أكثر، وأحافظ على المكاسب التي ترضيه، ولطالما تمثلت بقول علي بن أبي طالب (عليه السلام): "اللهم ما عبدتك خوفاً من نارك، وما عبدتك طمعاً في جنتك، وإنما وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك".

- ما سبب انشغالك وطلبك من الاخرين المشاركة والمساعدة في مشروع كتابة (قصيدة وطن) وكيف جاءتك الفكرة؟

ج/ لما كان حب الوطن من الإيمان، وهو جزء من كلية الحب الإلهي فمن الطبيعي أن يكون قلب الإنسان عامرا بحب الوطن، والتعبير عن هذا الحب يأتي عادة بصيغ وصور متعددة، تبدأ بالإخلاص ولا تنتهي عند التضحية بالنفس، وبينهما على طول المسافة الفاصلة هناك منهج سلوك وتفاعل وتعامل يتساوق مع قدسية هذا الحب. وحينما يتعرض الوطن إلى أذى من غريب أو قريب يكون لزاما على هذا الحب أن يعلن عن نفسه بالأسلوب الذي يراه مناسبا، كما على الإنسان أن يسعى إلى صد ومحاربة والوقوف بوجه من يسعى إلى تخريب أو تغريب المحبوب.

ولأني قد قاربت السبعين من العمر لم أجد في نفسي قدرة المشاركة بالتظاهرات التي تطالب بالإصلاح فذلك دور الشباب، أما من هو مثلي فعليه أن يبحث عن سبل أخرى يؤكد من خلالها مشاركته في السعي للإصلاح. فضلا عن ذلك أرى أنه لكي يكون الإنسان كامل الإيمان عليه أن يحب الوطن الأكبر (الوطن العربي) مثلما يحب الوطن الأصغر (العراق) والمدينة والمحلة والبيت والغرفة التي يعيش فيها، ويحرص على كل جزء كما يحرص على الكل. وأنا لم أجد وسيلة للتعبير عن هذا الحب، حب العراق، وحب الأمة أفضل من أن أنشئ مشروعا لكتابة قصيدة لنصرة الوطن بقلم شعراء الأمة، ولذا توجهت بنداء إلى الأدباء العرب للمشاركة في صنع قصيدة من وزن الوافر، وضعت مطلعها بنفسي، وقلت فيه:

حذار من الهدوء إذا تشظى فعند الفجر قارعة تثور

وعشت بعد ذلك مرحلة صراع نفسي مرير بين الخوف والأمل، سببه روح التحدي الموجودة في الدعوة، لأن وطننا الأكبر اليوم ليس مثلما كان بالأمس، وبلدانه تبدو ظاهرا متشظية متعادية متنافرة متباغضة متباعدة متقوقعة على نفسها محبة لذاتها غير آبهة لسواها، مع إيماني العميق ان هذا الظاهر لا يمثل مكنون أنفس أهلها وما يختلج في صدورهم، ولكن روح الأمل انتصرت على روح الخوف مع وصول أولى المشاركات؛ التي تلتها مشاركات أخرى من جميع أرجاء وطننا الكبير فتجاوز عدد أبيات القصيدة المائتين وخمسين بيتا.

والأهم والأكبر من ذلك أن الكثير من العرب الأدباء والشعراء وأصحاب المواقع الالكترونية والمشرفين على المنتديات الأديبة وحتى المواقع الالكترونية انتخوا ليعتبروا نصرة العراق نصرة لقضاياهم فأصبحوا يروجون للقصيدة ويدعون الشعراء العرب للإسهام في كتابتها، فانتشرت الدعوة وزاد عدد المشاركين.

- كيف ستكون هذه القصيدة من حيث الوزن والبناء؟

ج/ مثلما أسلفت أن القصيدة من بحر الوافر وبقافية الراء المضمومة، ومع ذلك وردتنا مشاركات يحتاج بعضها إلى التقييم والتقويم والتصحيح، فضلا عن مشكلة تكرار القافية فقافية (تدور) على سبيل المثال تكررت بحدود خمس وعشرين مرة وهو تكرار يعيب القصيدة ويضعفها، واختلاف مستويات الشعراء وأشياء بنائية أخرى تحتاج كلها إلى الجمع بينها والربط بين معانيها. وبناء عليه أوكلت هذه المهمة العصية الكبيرة إلى أحد فطاحل وفحول الشعر العربي هو الأديب العراقي المغترب ضياء تريكو صكر، وهو الآن مشغول في إعادة بناء القصيدة لتصبح أول مشروع شعري مشترك بهذا الحجم في العالم كله، وهو أهل لهذه المهمة التي أوقف لها جهده.

- هل هناك شروط للمشاركة في كتابة القصيدة؟

ج/ حينما أعلنت عن مشروع قصيدة وطن، ووجهت الدعوات، لم أضع شروطا محددة باستثناء الالتزام بالوزن والقافية والموضوع؛ وهو نصرة العراق

- اظن انك تفكر بطباعتها فهل توفر لك متبرع؟

ج/ بعد ازدياد عدد المشاركات أعلنت اتني سأحول القصيدة وملحقاتها إلى كتاب أطبعه على نفقتي الخاصة، لكن حدود النخوة العربية لم تقف عن المشاركة بالشعر بل تعدته إلى المشاركة بالمال إذ أعلن الأستاذ الصحفي عبد النبي الشراط صاحب ومدير دار الوطن للطباعة والنشر في المملكة المغربية عن تبنيه المشروع والتبرع بطباعة ونشر الكتاب على نفقته الخاصة وهذا يبين حجم المشاعر الوحدوية التي يحملها العرب وحبهم للعراق وأهله رغم المظاهر الخداعة. وانتهز هذه المناسبة لأوجه الشكر الجزيل للأستاذ الشراط الذي كتب لي: "إن فضل العراق علينا لا ينسى وعلينا أن نقف مع العراق".

- هل في النية تسجيلها على شريط مرئي؟ وهل ترى ان الفنان جواد الشكرجي اصلح لقرائتها من غيره؟

ج/ أنا منذ مراحل وعيي الأولى راهنت على طيبة ووطنية وكرم العرب، وفي كل مرة كان رهاني ينجح ويحقق الأمنية، واليوم مع أني لا أعرف أحد في الوسط الفني، أراهن على الروح الوثابة للعراقيين، وكلي أمل أن هناك من سيتطوع لمساعدتنا على تسجيل القصيدة على شريط مرئي، واتفق معك أن الفنان الكبير جواد الشكرجي هو من أكبر المؤهلين لتبني مهمة قراءتها بصوته الشجي. ولأن القصيدة فريدة في جميع مواصفاتها بما فيها فكرتها ونظمها وموضوعها، اتمنى لو تطوع أحد المغنين الكبار مثل كاظم الساهر وكبار المغنين العراقيين باختيار مجموعة من أبياتها لأدائها كنشيد وطني.

- واخيرا هل القصيدة هي الحلم؟ ام ان الحلم في تجسيدها على ارض الواقع؟

ج/ الحلم كبير، أكبر حتى من توقعاتنا، والقصيدة إن كانت في بدايتها حلما فإنها تحولت اليوم إلى حقيقة بارزة للعيان بعد ان تجسدت على أرض الواقع، كأنموذج فريد للتعاون العربي، لتتحول إلى حقيقة يجب أن تعيشها جماهير الأمة في كل الوطن العربي، وهذا ما نتمناه من الإعلام المحايد والمحطات الفضائية والصحف والمجلات، فنحن لا زلنا ننتظر أن يؤدي الإعلام العربي دوره ويتبنى التعريف بالمشروع ومتابعة خطواته والترويج له. وقد تكون أخي الأستاذ راضي المترفي أول المتطوعين والمبادرين للحديث عن (قصيدة وطن) التي هي لكل الوطن، وارجو أن تسهم خطوتك هذه في فتح باب الترويج للمشروع والتعريف به، وأنا أتقدم إليك بالشكر الجزيل.

طرحت عليه اسئلتي وجلست انتظر اجاباته، فهالني ما كان يبدو عليه من حب وحماس ولهفة لإنجاز (قصيدة وطن) تليق بالعراق، وكنت ارى في عينيه اشعاعات أمل واطياف محبة واستعجال في طي الزمن ليرى قلادة دعا لها هو وشاركه في صياغتها الكثير من المحبين والعشاق.

 

حوار / راضي المترفي

..........................

* الصورة للدكتور صالح الطائي