3176 عدنان عويد ومراد غريبيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية من مرايا فكرية مع الباحث الأكاديمي الأستاذ الدكتور عدنان عويّد، ضمن مرايا فكرية، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول قضايا الفكر والهوية واللغة والنهضة في العالم العربي، فأهلا وسهلا بهما:

المحور الثاني: الدين والإنسان والحياة:

س13: أ. مراد غريبي: بحكم تخصصكم الأكاديمي لديكم اشتغال بقضايا علم الاجتماع، وهو علم واسع يشمل العديد من الحقول المعرفية، من بينها حقل الدين، فماذا عن مفهوم الدين سوسيولوجيا وموقعه ضمن التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافية التي شهدتها المجتمعات العربية المعاصرة؟

ج13: د. عدنان عويد: لا شك عندنا، بأن البعد السوسيولوجيّ (الاجتماعيّ) للدين يتحدد بالواقع المعيش، على اعتبار أن الدين شكل من أشكال الوعي. فهو يتصل اتصالاً مباشراً ووثيقاً بالواقع. والواقع هو الذي يحدد طبيعة نصوصه المقدسة، أي هو الذي فرض ويفرض على النص المقدس أن يتعامل مع هذا الواقع بأبعاده الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة والقيمّة، وما يترتب على هذه الأبعاد من مهام ووظائف عبر الممارسة من جهة، والواقع ذاته هو من يفرض أيضاً على من يشتغل بهذا الخطاب الدينيّ أن يعمل على تفسير وتأويل نصوصه المقدسة بما يتفق ومصالح الفرد والمجتمع وفقاً للمرحلة التاريخيّة المعيشة من جهة ثانية. والواقع أخيراً في حركته وتطوره وتبدله هو من فرض الناسخ والمنسوخ على هذا النص المقدس، وبالتالي التأكيد على أن الأحكام تتغير بتغير الأحوال من جهة ثالثة.

فهذا الشيخ الإمام "محمد عبده" يتعامل مع الفكر عموماً ومنه الفكر الدينيّ خصوصاً، بكل جرأة وعقلانيّة وفقاً لهذه الرؤية السوسيولوجيّة بقوله: (نعم إن الإنسان إنسان بكل فكره وعقائده، إلا أن ما ينعكس إلى مزايا عقله من مشاهد نظره ومدركات حواسه يؤثر فيه أشد التأثير، فكل شهود يحدث فكراً، وكل فكر له أثر في داعية، وعن كل داعية ينشأ عمل، ثم يعود من العمل إلى الفكر ولا ينقطع الفعل والانفعال بين الأفكار والأعمال ما دامت الأرواح في الأجساد، وكل قبيل هو للآخر عماد) . (الأعمال الكاملة – محمد عبده- ج3- ص 286 وما بعد).

إذن إن للدين موقفاً وظيفيّا تفرضه كما قلنا أعلاه طبيعة المرحلة التاريخيّة المعيشة بالنسبة لحالات التطور والتقدم التي تصيب المجتمع والدولة تاريخيّاً أولاً، وبالنسبة لقوة حضور هذا الدين ودرجة فاعليته في حياة هذه الدولة والمجتمع بشكل عام ثانياً. ولكن يظل في المحصلة للدين دور وظيفيّ في شقيّه الإيجابيّ والسلبيّ في حياة الشعوب ودولها أدتها حوامله الاجتماعيّة في الماضي (مشايخ ورجال دين)، ولم تزل تؤديها في تاريخنا المعاصر.

فالدين من الناحية الايجابيّة: يقوم بربط الفرد بالمجموعة، ويقدم له العون المعنويّ عند الضياع والخيبة والاحتجاج، أو عند القناعة والرضى والرضوخ، كما يقدم له العون الماديّ أحياناً من قبل أصحاب هذا الدين أو ذاك أو تفريعاته الطائفيّة والمذهبيّة.

إن من وظائف الدين الايجابيّة ضبط وتعديل جملة التوازنات الممكنة بين الفرد وذاته، وبين الفرد والمجموع، كما أن آليات الضبط هذه تشتغل على وظيفة الفرد الاجتماعيّة والإداريّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، أي وظيفته كإنسان في نهاية المطاف. ومن وظائفه الايجابيّة أيضاً، يشكل الدين في مفاهيم عدالته وموقفه من الظلم والاستعباد والاستغلال أحد الوسائل الأساس التي يتكئ عليها المحتجون أو المعارضون من الفقراء والمحرومين والمهمشين والمقصيين من الأنظمة السياسيّة المستبدة القائمة.

أما بالنسبة للمواقف السلبيّة التي يحققها الدين وخاصة في مواقف حوامله الاجتماعيين الاحتجاجيّة: فهي أن الدين يُعَمَمُ هنا على مجمل مستويات قوى الاحتجاج، أي يغيب البعد الطبقي عند القوى المحتجة إلى حد بعيد، طالما أن العدو واحد في مرحلة تاريخيّة محددة. ولكون الدين في رؤيته لمفاهيم العدالة بكل مستوياتها أو تفريعاتها تقوم على رؤى ثابته (معياريّة) غير قابلة عند الكثير من مشايخ الدين للنقد أو المراجعة أو التعديل، لذلك نجد الدين يَحُولُ دون تطور ونضوج قوى الاحتجاج وإيصالها إلى قوى تغييريّة شاملة قادرة على تحقيق ثورة حقيقيّة قد تكون أساسيّة وضروريّة في مرحلة تاريخيّة محددة من تاريخ الدول والمجتمعات التي تعيش حالات من القهر والظلم والاستبداد. فمكانة الدين كـ (أفيون للشعوب)، لا تستثمر الدين عقلانيّا وبما يتفق وروح العصر. ومن ناحية أخرى يظل لوظيفة الدين سلبياتها على حياة المجتمعات ودولها انطلاقاً من الوظيفة الانتمائيّة للدين، هذه الوظيفة التي تتناقض مع تكوين الهويات الأخرى غير الدينيّة التي تقتضيها الوضعيات المعاصرة للأمم والشعوب، كالانتماءات الكبيرة مثل الانتماء للوطن أو للقوميّة، أو الانتماءات الصغرى مثل الحزب أو النقابة أو المنظمة... الخ.

إن الدين في وضعيته الانتمائيّة القائمة على العقيدة، يصبح هنا عامل تقسيم وتشرذم خصوصاً داخل المجتمعات المتعددة الديانات والطوائف والمذاهب، حيث تؤدي هذه الانتماءات الدينيّة الضيقة إلى صراعات دينيّة وأهليّة تهدد وحدة المجتمع ككيان حضاريّ وثقافيّ وسياسيّ.

تظل أخيراً هناك وظيفة سلبيّة للدين على درجة عالية من الأهميّة وهي، تحول الدين إلى أيديولوجيا بيد السلطات الحاكمة التي لا تعبر عن مصالح شعوبها، ففي تاريخناً الماضي والحاضر اتكأت السلطات الحاكمة المستبدة والشموليّة على الدين ووظفته تفسيراً وتأويلاً بما يحافظ على وجودها وبالتالي مصالحها. بل إن الدين ظل يحكم طبيعة السلطة ذاتها من حيث الانتماء الصلبيّ إلى البيت القرشي، أي الانتساب للرسول بالنسبة للدين الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر. وهذا التوجه القبليّ/العرقيّ ظل قائما في عالنا الإسلاميّ حتى سقوط الخلافة العباسيّة. والملفت للنظر أن من ينتمي لآل البيت من مشايخ الدين له حظوة اجتماعيّة كبيرة لدى المجتمعات الإسلاميّة إن كان من السنة أو من الشيعة.. كما أن من الآليات المهمة التي يعمل الدين عليها في توجهاته السلبيّة، هو التواطؤ الذي يقوم بين الطبقات الحاكمة والكثير من علماء الدين نتيجة مصالح مشتركة بينهما، وذلك عن طريق بعض المؤسسات الدينيّة وعلمائها، هؤلاء العلماء الذين كانوا بغالبيتهم وفي مختلف عصور الإسلام على سبيل المثال لا الحصر، خاضعين سياسيّاً واقتصاديّا للقوى الحاكمة. وهم من يقوم بعملية تفسير وتأويل النص الديني وإصدار الفتاوى لمصلحة هذه القوى السياسيّة الحاكمة أو تلك. أما الخطر في هذا التحالف المشبوه بين رجال الدين والسلطة، فيتجسد في تشجيع الفكر السلفيّ الغيبيّ الامتثاليّ وخاصة الأشعريّ والصوفيّ منه على وجه التحديد كونهما يعملان على محاربة العقل والإرادة الإنسانيّة من جهة، ومحاربة الفكر التنويريّ التقدميّ وحوامله الاجتماعيين، ونعتهم وأفكارهم بأنها أفكار زندقة وكفر من جهة ثانية.

س14: أ. مراد غريبي: مقاربة الظاهرة الدينية في المجال العربي تثير اسئلة جوهرية ذات علاقة بمباحث من قبيل: ماهية الإنسان، العلمانية، الاجتماع المدني، القيم الإنسانية، الدولة، التطرف، التسامح، الاختلاف وما هنالك من قضايا كان لكم السبق في تناولها، هل التدين عربيا لايزال بعيدا عن وعي هذه المباحث وكيف الإصلاح بنظركم دكتور عدنان؟

ج14: د. عدنان عويد: منذ أن أصدر الخليفة العباسيّ المتوكل عام (232) للهجرة، أوامره لرجال الدين بترك العقل والتوجه نحو النقل، مع فرض العقوبات الصارمة من قبل محاكم التفتيش التي شكلت لمن يخالف هذه الأوامر، لم يعد هناك مجال تحت مظلة الخلافة الإسلاميّة في المشرق العربيّ لأي نشاط فكريّ عقلانيّ خارج فهم النص الدينيّ المقدس للقوى السلفيّة التي فسرت وأولت هذا النص وفقاً لرؤيتها، وبما يخدم مصالحها ومصالح أسيادها من القوى الحاكمة. فعلى أساس هذا الموقف الفكري الجموديّ توقف الاجتهاد العقلانيّ من جهة، وتوقف الاشتغال فكريّاً على العلوم الأخرى (الوضعيّة) التي تناولها فلاسفة ما قبل مرسوم الخليفة المتوكل، واقتصر العمل بشكل عام على علوم الدين من حديث وفقه وعلم كلام وتصوف وعبادات وغير ذلك. واعتبر أي خروج فكريّ عن هذه العلوم بدعة وضلالة، إن كان من حيث الاشتغال على الفكر الوضعيّ، أو الخروج فكريّاً عن رؤية علماء الدين السلفيين في تفسير وتأويل النص الدينيّ المقدس، أو ما أصل له الشافعي في الفقه وأصوله. هذا مع تأكيدنا هنا بأن هناك اتجاهات فكرّية عقلانيّة راحت تتعامل مع النص الدينيّ وفهم الواقع إن كان في المغرب العربيّ، أو في الأندلس كابن حزم وابن رشد وابن خلدون وغيرهم، كون هؤلاء كانوا خارج توجهات سلطة القوى السلفيّة وداعميها بالمشرق العربيّ، بالرغم من أن بعض هؤلاء المفكرين الفلاسفة لم يسلموا من الحسبة على ما طرحوه من أفكار عقلانيّة كان للبعد السياسيّ دور فيها، كما جرى لابن رشد وابن خلدون على سبيل المثال لا الحصر.

إذن نستطيع القول: من تاريخ المتوكل حتى سقوط الدولة العثمانيّة كان هناك حصار قد فرض على التفكير العقلانيّ بشقيه الدينيّ والوضعيّ. ولا نستغرب أن علماء الأزهر وغيرهم في مصر قد اختلفوا في تاريخنا الحديث على النظر في مسألة السماح باستخدام (حنفيّة الماء) في الحياة العامة، فمنهم من رفضها باسم الدين ومنهم من قبلها باسم الدين أيضاً، كدعاة الفقه الحنفيّ، ومن هنا جاء اسم (الحنفيّة) نسبة إلى المذهب الحنفيّ. ولا نستغرب أيضاً أن مشايخ الدين السلفيّ قد أفتوا بعدم صحة التعلم بالمداس الحكوميّة زمن محمد علي باشا عندما أسس الطهطاوي هذه المداس بأمر حكوميّ، الأمر الذي كان يدفع أولياء الطلاب بتوجه من مشايخ السلفيّة المتزمتة والجاهلة إلى ممارسات لا إنسانيّة بحق أعضاء أولادهم الجسديّة حتى لا يلتحقوا بهذه المدارس اللادينية. كقطع اليد أو الرجل أو فقع العين... الخ

على العموم مع بداية القرن التاسع عشر راحت تظهر توجهات عقلانيّة نحو العلم الحديث وخاصة في مصر محمد علىّ باشا، وفي تونس خير الدين التونسيّ، دون أن ننكر تلك الارهاصات الأوليّة لهذا التحديث في المشرق العربيّ، كتجربتي فخر الدين المعنيّ في سورية، وطاهر باشا في العراق، إلا أن كلا التجربتين قد أجهضتا، وبقي لتجربتي محمد على باشا وخير الدين التونسي تأثيرها على تاريخنا الحديث والمعاصر. وراحت نتائجهما تظهر بوضوح مع الطهطاوي وتلامذته من جهة، ثم مع مدرسة جمال الدين الأفغانيّ ومحمد عبده من جهة ثانية. فهذه المدرسة التنويريّة الإسلاميّة راحت تتعامل مع مفردات أفكار الثورة الفرنسيّة، كالديمقراطيّة والحريّة والعلمانيّة وماهية الإنسان، والاجتماع المدنيّ، والمرأة، والقيم الإنسانيّة، والدولة، والتطرف، والتسامح وغير ذلك من مفردات وضعيّة، محاولين أسلمتها من خلال البحث عن نصوص دينيّة أو مواقف ذهنيّة لهذا الخليفة أو ذاك أو لهذا الفقيه أو ذاك تتوافق مع مضمونها. فالديمقراطيّة وجدوا مرادفة لها الشورى. والعدل والمساوة وجدوا له أحاديث وأيات وموقف ذهنيّة كموقف عمر بن الخطاب من قضية ابن عمر بن العاص.. والعلمانيّة وجدوا لها حديث للرسول وهو تأبير النخل.. وللمرأة وحريتها كان موقف عمر ابن الخطاب من المرأة التي حاججته وأخذ برأيها.. وهكذا دارت أمور التحديث. وبالرغم من أن هذا التوجه التنويريّ راح يتسع فيما بعد مع بناء الدولة الحديثة وتوسع التعليم المدنيّ في كل مراحله، ودخول الاختصاص الفلسفيّ في الجامعات. إلا أن شهوة السلطة في الأنظمة العربيّة التي تحولت إلى أنظمة شموليّة حاصرت أصحاب التوجهات الفكريّة التنويريّة وفسحت في المجال واسعاَ للتيار السلفيّ كي يمارس دوره في الوقوف بوجه التيار العلمانيّ التنويريّ، والتصدي لرجالاته ومحاصرتهم وتكفيرهم والتشهير بهم كونهم مارقين عن الدين، ولم يتوانوا أحيانا في التعدي على بعضهم أو تصفيته جسديّا.

أما بالنسبة للشق الثاني من سؤالكم حول الحل أو الاصلاح في عالمنا العربي للخروج من مأزقه، فالإجابة على مثل هذا السؤال الإشكاليّ ليست وصفة طبية لمعالجة مرض فيزيائيّ يصفها طبيب لمرض شائع، وإنما المرض الذي نعاني منه هو مرض اجتماعيّ واقتصاديّ وسياسيّ وثقافيّ. فإذا كان المرض الاجتماعيّ يتجسد في البنية الاجتماعيّة المفوتة حضارياً، أي التي لم تزل مسكونة بمرجعيات تقليديّة سيطرت عليها روح وعلاقات القبيلة والعشيرة والطائفة والمذهب، والكثير من القيم الأخلاقيّة التقليديّة المحكومة أيضاً بالعرف والتقليد والعادة، و هي قيم معياريّة تعود إلى مئات السنين أشبعت بقيم الدين التي لا يأتيها الباطل من تحتها أو بين يديها، مع تأكيدنا على انتشار الجهل والفقر والتخلف. فإن المرض الاقتصاديّ محكوم بدوره بقوى وعلاقات إنتاجية متخلفة وهجينة أو متعددة الأنماط يسيطر عليها اقتصاد السوق البسيط او الصغير على مستوى الداخل، والاقتصاد الريعيّ والاستهلاكيّ على مستوى التعامل مع الخارج، وإن وجد هناك اسواق صناعيّة في بعض الدول العربيّة، فهي أسواق صناعيّة تجمعيّة أو ذات اللمسات الأخيرة، ومعظم مكونات هذه الصناعة مستوردة من الخارج. وهذا الواقع الاقتصاديّ المزري سينتج عنه بالضرورة اقتصاد متخلف غير قادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي من جهة، ثم خلق أسواق قادرة على المنافسة مع الخارج من جهة ثانية، وأخيراً غير قادر على إنتاج طبقة صناعيّة وطنيّة قادرة على وعي نفسها ودورها التاريخيّ وبالتالي التخلص من سماتها وخصائها الكومبرادوريّة، وتحقيق إمكانيات قيادتها للدولة والمجتمع من جهة ثانية. أما على المستوى السياسيّ فغياب المجتمع المدنيّ واقتصاد السوق المستقلة، سيؤديان بالضرورة إلى غياب البنية السياسيّة العقلانيّة بحواملها الاجتماعيين المؤمنين بتداول السلطة والمشاركة السياسيّة ودولة القانون والمواطنة.. الخ. وبناءً على ذلك ظلت البنية السياسيّة مرتبطة بحوامل اجتماعيّة تقليديّة يسيطر عليها شيخ العشيرة والقبيلة والطائفة، تحت أسماء متعددة ولكن جوهرها واحد، كالأمير والملك والزعيم والقائد الملهم وغير ذلك، والملفت للنظر أن عدوى هذا المكونات السياسيّة التقليديّة انتقلت إلى الأحزاب التي تدعي التقدميّة والعلمانيّة وراح قادتها يعملون على التوريث مما زاد في الطين بلة بالنسبة لأزمة الخطاب السياسيّ في هذه الدول التي راحت تسير في خطابها السياسيّ كـسيران (بول البعير)، أي الرجوع إلى الوراء. الأمر الذي كان وراء ما سيمّي بثورات الربيع العربيّ التي كشفت عورات هذه الأنظمة وبينت مساوئها ومساوئ القوى المعارضة لها على السواء. أما بالنسبة للمسألة أو البنية الثقافيّة فقد أشرنا إلى تخلفها وهجانتها وسكونيتها ووثوقيتها وشفويتها واستسلام حواملها الاجتماعيين لما هي عليه، كما بينا دور القوى السياسيّة المتخلفة التي تدفع باتجاه تكريس هذا الثقافة المفوّتة حضاريّاً خدمة لمصالحها يساعدها في ذلك مشايخ السلطان ومؤسساته الدينيّة والعديد من المثقفين والاعلاميين من المطلبين  والمزمرين الذي يعملون ليل نهار على تكريس التخلف وتغييب الفكر العقلانيّ التنويريّ، ومحاربة حوامله الاجتماعيين، إما عن طريق سجنهم كأصحاب رأي أو دفعهم للهجرة خارج الوطن، أو تحريض مشايخ السلطان عليهم للتشهير بهم، تحت ذريعة الكفر والالحاد من جهة، أو الفسح في المجال للقوى الأصوليّة الجهاديّة على قتلهم والتنكيل بهم من جهة ثانية.

س15: أ. مراد غريبي: الإنسان العربي يرنو لمجتمع حداثي بكل عناوينه المدنية والمواطنة والعدالة وما هنالك، لكن يا ترى هل التحليل السوسيو ثقافي للظاهرة العربيّة المعاصرة يوحي بأفق حضاري منسجم مع ما هو حداثي وتقليدي بالنظر لمركزيّة الدينيّ والسياسيّ في الوعي الجمعيّ العربيّ؟

ج15: د. عدنان عويد: الناس على دين ملوكها أو حكامها كما يقال، فإذا كان الحاكم تنويريّاً يهمه مصلحة شعبه، فهو يسعى جاهداً لتكريس قيم الحداثة، من علمانيّة وديمقراطيّة وحريّة للرأي، وتكريس لفكرة المواطنة، ودولة المؤسسات، واحترام المرأة ودورها ومكانتها في المجتمع، ونشر التربية والتعليم، والثقافة التنويرية العقلانيّة والعمل على تطوير البنيّة الاقتصاديّة والسياسيّة في دولته ومجتمعه. والعكس صحيح أيضاً، فعندما يكون الحاكم مستبداً وتملكه شهوة السلطة، فهو يسعى جاهدا إلى نشر الجهل والتخلف بكل أشكالهما بين صفوف شعبه، كما يمارس التسلط على رقاب أبناء هذا الشعب، من خلال تحكمه بالسلطة والتفرد بها، ومحاربة الرأي والرأي الآخر، وتغييب فكرة المواطنة على حساب تسييد سلطة العشيرة والقبيلة والطائفة، مثلما يعمل على نشر الفكر الدينيّ الغيبيّ الامتثاليّ الاستسلاميّ الوثوقيّ ورجالاته. فلو أخذنا مثالاً واحدا من أجل تأكيد هذه الفكرة في عالمنا العربيّ، مع تأكيدنا على نسبيّة القيم التي يتبناها هذا الزعيم أو ذاك ومدى قدرته على تطبيقها في الواقع. ففي مصر على سبيل المثال لا الحصر، نجد أن ما أسس له "جمال عبد الناصر" في فترة حكمه من قيم ذات توجه علمانيّ حداثي طال الكثير من بنية الدولة والمجتمع، يختلف كثيراً عما اشتغل عليه أنور السادات بعد استلامه دفة الحكم، حيث تصدى للقوى التنويريّة، وفسح في المجال واسعا لنشاط القوى الإسلاميّة الأصوليّة السلفيّة التي لم ترضيها سياسات السادات نفسه، فراحت تطالبه بأسلمة الدولة نهائيّاً.

إذن، تأتي مقولة عثمان بن عفان ("إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".). صادقة تماماً في تطبيق قيم الدين وشريعته، أو تطبيق قيم الدولة العلمانيّة الحداثيّة ومؤسساتها أيضاً.

عموماً إن الحداثة بكل مفرداتها تفرض نفسها شيئاً فشيئاً حتى على الأنظمة الأكثر قهراً وحصاراً لشعوبها، والحداثة في سيرانها أو جريانها برأيي تشبه جريان الماء تحت أساسات البناء، ربما لا تظهر نتائجها بشكل مباشر لسنوات طويلة، ولكنها تظهر فجأة وبمساحة واسعة في حياة الشعوب عندما تصل في درجة تحولاتها إلى حالة التحولات النوعيّة. والانفجار هنا هو تلك التحولات النوعيّة العميقة في حياة الشعوب، التي قد تأتيّ لأسباب سياسيّة أو اقتصاديّة أو فكريّة. فهذه المملكة العربية السعوديّة تقدم لنا مثالاً حيّاً عن تلك التحولات التي فرضتها الطبيعة السياسيّة في بنية الدولة مع مجيء وليّ العهد "محمد بن سلمان بن سعود"، الذي استطاع بقرارات سياسيّة شخصيّة لها طابع سلطويّ أن تُظهر كل المستور من قيم الحداثة لدى الشعب السعوديّ فجأة بعد أن كان هذا الشعب مكبوتاً في حريته وإرادته ورغباته والتعبير عن شخصيته، فها هو اليوم يمارس الحداثة وخاصة الاجتماعيّة منها بحريّة بغض النظر عن مدى توافقها مع قيم الحداثة في جوهرها, وهذا دليل على أن الشعوب كما جاء في سؤالك هي تعشق الحداثة والتغيير، وهي قادرة على ممارستها عندما تسنح لها الفرصة. ولكن الأنظمة الشموليّة المستبدة هي برأيي من يعرقل تطبيقها وتقدمها في حياة الكثير من مجتمعات دولنا العربيّة، التي تحاصر الحداثة أمام فسح المجال واسعاً للقوى الأصوليّة وفكرها الظلاميّ كي ينشطا بحريّة.

س16: أ. مراد غريبي: ننتقل لمسألة الخطاب الديني خاصة التقليدي، ماذا عن نشأته وتجذره في البناء المجتمعي العربي وكيف يمكن تجاوز المأزق الذي يشكله كتيار مهدد لكل صور المجتمع المدني ودولة الإنسان ومجتمع المعرفة والحقيقة البديهية كما يعبر تشومسكي؟

ج16: د. عدنان عويد: نقول هنا إذا كان الشافعي (أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ 150-204هـ / 767-820م) هو ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وهو أيضاً إمام في علم التفسير وعلم الحديث، قد أسس في القرن الثاني للهجرة أصول الفقه السلفيّ، في كتابه الرسالة، حيث حدد مصادر التشريع بالقرآن والحديث والاجماع والقياس، وبناءً على هذا التأصيل، حوصر العقل والمنطق وحرية الإرادة الإنسانيّة لدى الفقيه ذاته فيما بعد أمام فتح باب الاجتهاد، من جهة، ثم الوقوف وبحزم بوجه كل من حاول أن يستخدم عقله في قراءة النص الدينيّ المقدس من خارج هذه المدرسة السلفيّة من جهة ثانية، وبالتالي اعتبرت أعمال فقهاء هذه المدرسة فيما بعد نصوصاً مقدسة أيضا، الأمر الذي ساهم في تجذير مدرسة النقل المعروفة في تراثنا الإسلاميّ، حتى أصبحت تفاسير أتباعها وخاصة الحنابلة منهم نصوصاً مقدسة لا يأتيها الباطل من تحتها أو بين يديها. وأصبح عندهم كل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

نعم إذا كان "الشافعي" قد أصل فقهيا، لما جئنا عليه هنا مع بن حنبل، فإن "الخليفة المتوكل" قد أصل سياسيا لهذه المدرسة عندما وصل إلى الخلافة عام 232 للهجرة، وأصدر فرمانه السيئ الصيت القاضي بمنع استخدام العقل نهائيا والعودة إلى النقل بعد أن أخذ العقل المعتزليّ مجده في زمن المأمون والمعتصم والواثق. ومنذ ذلك التاريخ وصولا إلى زمن أبي موسى الأشعري الذي أصل بدوره لهذه المدرسة فلسفيّاً من خلال علم الكلام الذي اشتغل عليه، وجعل من العقل ذاته وسيلة لتثبيت النقل والتأكيد عليه، مما أعطى الفكر السلفيّ السنيّ دوره ومكانته في الحياة السياسيّة والفقهيّة (التشريعية)، حتى عصرنا الحديث، هذا إذا ما أشرنا أيضاً إلى المدرسة الفقهيّة الشيعيّة وخاصة الجعفريّة منها التي انطلقت منذ جعفر الصادق، وراح يتواجد لها فقهاؤها الأصوليون. فكان من أبرز سمات هذه الأصوليّة الشيعيّة الجعفريّة هو اعتمادها على المراجع التقليديّة في المسائل الفقهيّة، وهي مصادر التشريع عند الأصوليين السنة، عدا القياس: الذي استبدلوه بالعقل، ولكن أغلب اعتمادهم في التشريع جاء علی القرآن والروايات والأحاديث الواردة في الكتب الأربعة، وقلّما يثبت عندهم حكم بالدليل العقلي، أو الإجماع. ومن أبرز الفقهاء الشيعة في العصر الوسيط يأتي:

1- الشيخ المفيد (413هـ-1022م). ففي رسالته (الأصوليّة) قام بإعادة تأسيس المعارف الإماميّة، وتأصيل أصول التفريع الفقهي، وذلك بعد أقل من قرن كامل على الغيبة الكبرى. ويعدّ كتابه أوّل كتاب مسقل يتناول علم أصول الفقه عند الإماميّة.

2- ثم يأتي السيد المرتضى (440هـ-1048م) الذي حدد وفصل في كتابه «الذريعة إلى أصول الشريعة» المباحث الأصوليّة التي عرّفها الشيخ مفيد، وذلك للتشويش الذي ظهر في عصره. وذكر في مقدمته أن هذا الكتاب منقطع النظير في إحاطته بالاتجاهات الاصوليّة.

3- ثم قام الشيخ الطوسي (460هـ-1068م) بتطوير المدرسة الاجتهاديّة وبدأ بممارسة الكتابة، فكتب كتاب «عدّة الاصول» وميّز فيه البحوث الأصوليّة عن الفقهية. حيث جعل مصادر الاستنباط وأدلّة الفقه أربعة: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل.

4- وفي القرن العاشر دخل الاجتهاد عند مدرسة الاصوليّة الشيعيّة مرحلة جديدة على يد المحقق الأردبيلي (993هـ-1585م)، حيث يظهر الاتجاه العقليّ بصورة واضحة في مجال الفقه الاجتهاديّ، ويتم تأكيد عمليّة تربيع مصادر الأحكام في المدرسة الأصولية. (1) الويكيبيديا.

إذن ما نريد التأكيد عليه هنا هو، إن الفكر الأصوليّ الفقهي بتياراته انعكس بالضرورة على علم الكلام والفلسفة ماضياً وحاضراً، وظل هو الفكر الأكثر حضوراً وقوة وتأثيرا على الحياة الفكريّة العامة والخاصة، لا سيما وأن كلا التيارين السنيّ والشيعيّ وجدا من يدعمهما وبقوة من قبل الحكومات القائمة وخاصة السنيّة منها التي وجدت في الفكر الأصوليّ الأشعريّ سنداً وعوناً لها في تغطية وتبرير ظلمها ومفاسدها، على اعتبار أن أصحاب هذا التيار يبررون للحاكم فساده وظلمه للرعيّة، وإن كان لدى بعضهم احتجاجاً على هذا الظلم فهم يبررون ذلك بقولهم إن مجيئ هذا الحاكم الفاسد الظالم، هو انتقام من الله للرعيّة الذين حادوا عن اتباع الدين الحنيف وفقاً لرويتهم هم له. وبالنسبة لتيار الشيعة فقد لعبت إيران دوراً كبيراً في دعم هذا التيار بعد قيام الثورة الخمينيّة، والعمل على نشر الفكر الجعفريّ في المحيط العربيّ والإسلاميّ.

أما كيفيّة تجاوز هذا الفكر المتغول في عقول ونفوس المسلمين من جهة، ووجود من يدعمه سياسيّاً من جهة ثانية.

نقول: إذا كانت إجابتنا على الشق الثاني من السؤال الثاني المتعلق في كيفيّة الإصلاح وبناء المجتمع المدنيّ والدولة المدنيّة، أو بناء الحداثة وترسيخها بشكل عام في واقعنا العربيّ المترديّ، فإن إجابتنا هنا ستقتصر بالضرورة على إشكاليّة الفكر المتخلف السائد في الساحة الفكريّة لوطننا العربيّ، ويأتي في مقدمته الفكر الأصوليّ التكفيريّ الامتثاليّ الاستسلاميّ اللاعقلانيّ.

إن من يتابع الواقع الثقافيّ السائد في الساحة الثقافيّة العربيّة بشكل عام، ويتعرف على أبرز سماتها وخصائصها، سيجد أن هذه الثقافة السائدة هي الثقافة الشفويّة.

فالثقافة الشفويّة في سياقها العام، هي مجموعة الآراء والأفكار والمبادئ والرؤى والقصص والحكايا والأمثال الشعبيّة، دينيّة كانت أم وضعيّة. التي يتداولها الناس في أي مجتمع من المجتمعات بشكل يوميّ، وبكل ما تتضمنه هذه الثقافة من مواقف سلبية أو إيجابية تجاه علاقة الإنسان بنفسه أو بالمجتمع والطبيعة معاً. يضاف إلى ذلك أنها ثقافة أُنتج معظمها في الزمن الماضي، وأصبحت متوارثة، ولم تزل تُجتر ويتداولها الناس فيما بينهم للتعبير عن قضياهم الحياتيّة اليوميّة المباشرة في الفكر والممارسة، على اعتبارها أصبحت تشكل قيماً (معياريّة) ناجزة اختزلت التجربة الإنسانيّة وراحت تضبط وتوجه في عصر إنتاجها حياة الفرد والمجتمع، مثلما هي قادرة عند حملتها الاجتماعيين اليوم على تحقيق هذا الضبط والتوجيه حاضراً ولاحقاً، كونها جزءاً من الفردوس المفقود اولاً، وأن معطيات الواقع المتخلف تساعد كثيراً على إعادة إنتاجها ثانياً.

إذن بتعبير آخر نقول: إن الثقافة الشفويّة الأصوليّة اللاعقلانيّة في معظم حمولتها الفكريّة، تظل في جذورها وأصولها وامتداداتها، ثقافة الأجداد (الأسلاف) الذين لم يتركوا شيئاً للأخلاف إلا وقالوا به، وحددوا الحلال فيه والحرام، أو الصح والخطأ، ومارسوا جرحهم وتعديلهم على نمط شخصياتهم السلبيّة منها والايجابيّة فكراً وممارسة، ليس لعصرهم فحسب، بل ولكل العصور اللاحقة حتى زمننا المعيش، أي اعتبار ما قالوا به ومارسوه هو المنطلق الوجوديّ والمعرفيّ لكل ما هو تال.

إن أي متابع لجذور هذه الثقافة، سيجدها تمتد في عمق تاريخنا، وأن فروعها وأغصانها ظلت تمتد عبر السنين اللاحقة، وخاصة بعد ظهور الدعوة الإسلاميّة التي شكلت عقيدتها وقيمها الأخلاقيّة المعياريّة المساحة الأكبر في وعيّ المواطن العربيّ بشكل خاص والإسلاميّ بشكل عام. حيث استطاعت هذه الثقافة الشفويّة ممثلة هنا في قسمها الأكبر بالوعيّ الدينيّ (الفقهيّ) أن تعرش على وعيّ أبناء هذه الأمّة حتى اليوم. علماً أن الدعوة الإسلاميّة جاء في صلب ما جاءت من أجله، هو إنهاء هذه الثقافة الشفويّة وتحويلها (من ثقافة الفم إلى ثقافة القلم) مع أول آية نزلت على الرسول وهي: (اقرأ)، من جهة أولى، ووضع حدً لتمسك الناس بأفعال آبائهم بِعُجْرِهَا وبُجْرِهَا من جهة ثانية. إلا أن قوة الماضي ممثلة بما كان يفكر ويفعل آباؤنا ظلت مسيطرة وفاعلة تحت شريعة (هكذا وجدنا آباءنا يفعلون). مع تأكيدنا هنا على الدور الذي مارسته السلطات الحاكمة في تاريخ الدولة العربيّة السياسيّ في تسييد هذا النمط من الثقافة الماضويّة التقديسيّة، بهدف تجهيل الناس والحجر على عقولهم، حيث وجدت القوى الحاكمة المستبدة في سياسة التجهيل، سر بقائها واستمراريتها في السلطة. الأمر الذي دفع هذه السلطة عبر تاريخها الطويل إلى محاربة الثقافات الإبداعيّة التي وجدت فيها خطراً يهدد مصالحها، إن كان أثناء قيام الدعوة الإسلاميّة من قبل كبار كفار مكة، أو من قبل الكثير من الخلفاء ومشايخ السلطان عبر تاريخ الدولة العربيّة الإسلاميّة التي تتخذ من الدين مرجعيّة دستوريّة وتشريعيّة لها حتى تاريخ دولنا المعاصرة.

نقول: من خلال عرضنا أعلاه، نستطيع تحديد أهم سمات وخصائص هذه الثقافة:

1- هي ثقافة ماضويّة، أنتج معظمها في الزمن الماضي، وغالباً ما يطغى عليها الطابع الدينيّ (الفقهيّ) في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة، كون الدين كان ولم يزل هو المصدر الأهم للمعرفة، وحتى الثقافات الوضعيّة التي أنتجت في ذلك الوقت وخاصة الفلسفيّة منها إضافة إلى علوم الطب والكيمياء والتنجيم وغيرها، ظلت محكومة بالدين أيضاً، على اعتباره هو من يحلل ويحرم التعامل مع هذه الظاهرة العلميّة أو الاجتماعيّة أو تلك.

2 - هي ثقافة جماهيريّة، أو بتعبير آخر، هي ثقافة ظل يعاد إنتاجها واستهلاكها من قبل الجماهير الواسعة، فغالباً ما تجد الناس في كافة مفردات حياتهم اليوميّة يستشهدون بمقولاتها وقصصها وحكاياها وأمثالها الشعبيّة ونصها المقدس، خدمة لمصالحهم اليوميّة المباشرة، أو لإعطاء الفكرة التي يقولون بها أو العمل الذي يمارسونه المصداقيّة والشرعيّة، في المنزل والسوق والجامع والدائرة وغير ذلك من أماكن تواجدهم.

3-هي ثقافة تعتمد كثيراً على إيراد نص قرآني أو حديث أو رأي صحابيّ أو فقيه، إضافة إلى إيراد قصص وحكاية الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، كونها الأكثر قدرة على غرس المعلومة المراد توصيلها للمستمع، لذلك لا نستغرب أن نجد أحد مشايخ الدين يقول: إن القصص والحكاية جنود مجندة سخرها الله لنا كي نعلم بها الناس الدين والفضيلة.

4- هي ثقافة تركز كثيراً عند حملتها ودعاتها على القيم الأخلاقيّة، وخاصة قيم السلف الصالح، الذين أسسوا بناء الدولة الإسلاميّة وحضارتها. وبالتالي هذه القيم تشكل عند دعاتها الفردوس المفقود بعد أن راحت تتخلى عنها الأجيال اللاحقة، أو تجاوزها الزمن. وإذا أرادت هذه الأمّة أن تعود لمجدها وعزتها، فهي لن تعود إلا إذا عادت إلى القيم الأخلاقيّة تلك، (ولن يُصلح حال هذه الأمة بعد أن فسد أمرها إلا بما صلح به أولها.).

5- حازت هذه الثقافة على صفة التقديس، كون معظم مكوناتها مرتبط بالدين، وأكثر من أسس لها هم رجال الدين الذين ضبطوا علم الجرح والتعديل الذي وضعوه لتحديد الغث والسمين في هذه الثقافة، وبالتالي فكل خروج عن سمين هذه الثقافة هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

6- هي ثقافة تقوم على التراسل (العنعنة)، كون أصلها شفهيّ، وخاصة ما يتعلق منها في الحديث النبويّ وأقوال الصحابة والتابعين.

7-هي ثقافة تحاصر الإبداع والمبدعين، الذين يريدون التجديد في علوم الدين والدنيا، وبالتالي يعتبر هؤلاء المجددون بنظر دعاة هذه الثقافة منحرفين إذا ما حاولوا طرح أفكار لا تتفق مع ما هو ثابت ووثوقيّ في هذه الثقافة، إن كان لدى المذاهب أو الفرق الدينيّة، أو لدى الأحزاب ذات الأيديولوجيات الوضعيّة.

8- هي ثقافة تعالج تناقضات المجتمع وصراعاته الطبقيّة القائمة على الاستغلال، من منظور أخلاقيّ، يقوم على مناجاة الضمير والوجدان لدى هذا الفرد أو الجماعة، عندما يمارس أو يمارسون عملاً صالحاً، والعكس صحيح. فهم يطالبون الأفراد والمجتمع بضرورة التمسك بأخلاق التضحيّة ونكران الذات والإثار والمحبة والتسامح، كما مارسها السلف الصالح الذين حققوا بها العدالة والمساواة بين الناس كما يدعون، وغالباً ما يتخذون من بعض الرموز الدينيّة قدوة للحاكم والرعيّة أيضاً في نشر العدل بين الناس، دون أن يضعوا في حساباتهم خصوصيات كل مرحلة تاريخيّة من حيث ظروفها الموضوعيّة والذاتيّة ومكوناتها الاجتماعيّة وحدودها الجغرافيّة، ودرجة تطور المجتمع فيها أو تخلفه.

9- هي ثقافة تدعو إلى التسليم والامتثال لكل ما أنتج من معارف أقرها السلف في القرون الهجريّة الثلاث الأولى، أو ما حدده فقه (الحاكم) في الأنظمة السياسيّة الحديثة، وخاصة في الدولة الشمولّيّة، وبالتالي هي تعمل على محاربة الحريّة الفرديّة والإرادة الإنسانيّة والرأي الآخر.

10- هي ثقافة ذات توجهات أيديولوجيّة مغلقة، تعتبر الحقيقة قد أعطيت مرة واحدة وإلى الأبد، وعلينا أن نعمل دائماً على إعادة إنتاجها، وليّ عنق الواقع كي ينسجم معها. أي هي ثقافة ضد النسبيّة والحركة والتطور والتبدل.

على عموماً ما نريد قوله في هذا الاتجاه بالنسبة للثقافة الشفويّة: إنها ثقافة فرضت عبر تلك السنين الطويلة من سيادتها، العقل الإيمانيّ والتسليميّ على المواطن العربيّ، بحيث لم يزل النص المقدس وأقوال الأئمة والفقهاء وكبار مشايخ السلفيّة والقادة السياسيين، يشكل المرجع المعرفيّ والسلوكيّ للفرد والمجتمع مع غياب فاضح للضبط المنهجيّ وللرأي الآخر. أي هي من يشكل الحكم أو المعيار على أقوال الناس وسلوكياتهم وبالتالي استغلاله والاحتماء به دوماً. هذا إضافة لاستغلال وتوظيف ثقافة الخوارق والخرافة والأسطورة، وتطبيق الخاص على العام، أو الجزء على الكل في التعاطي مع أحداث التاريخ والواقع، وكذلك الانخراط بالموروث والمحافظة على الشكليات فيه، كالدعوة إلى التمسك بالرحمة والتسامح، وعند الضرورة لا بد من التمسك بالجهاد أيضاً انطلاقا من التكليف بمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا ما ساهم في خلق حالات من الفوضى والتناقض في هذه الثقافة الشفويّة وبخاصة الجانب الفقهيّ فيها على سبيل المثال لا الحصر، كون هذا الجانب يتعامل مع مسائل الوجوب والإباحة والمحرم، والعقل والنقل وطريقة الحصول على المعرفة.

من خلال عرضنا هذا لطبيعة الثقافة السائدة في عقولنا وتجذرها، لا بد لنا من ثورة ثقافيّة حقيقة لكشف أبعاد هذه الثقافة ومكوناتها وآليّة عملها والقوى التي تشتغل عليها وتساعد على استمراريتها وتعميقها وإعادة إنتاجها في عقول الموطنين بغية تحقيق أهداف يوجد وراءها قوى اجتماعيّة لها مصالحها الأنانيّة الضيقة. بيد أن هذه الثورة الثقافيّة التي نقول فيها، هي ليست ثورة مجرة من مكوناتها الاقتصاديّة والاجتماعية والسياسيّة، بل هي ثورة مركّبة من كل هذه المكونات.

س17: أ. مراد غريبي: لديكم مقاربات للإنسان بلحاظ التاريخ والتربية والثقافة والمواطنة، هل الأوهام التي ناقشتموها شكلت سياجاً دوغمائياً في صياغة الإنسان العربي المتخلف باسم الحاكمية؟

ج17: د. عدنان عويد: إن ما جئنا عليه قبل قليل بالنسبة لواقعنا المأزوم بثقافة شفويّة وبنى اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة متخلّفة، يشير وبكل وضح هنا إلى أن هذه التخلف البنيويّ محكوم ليس بحاكميّة أصوليّة دينيّة فحسب، بل هو محكوم بحاكميّة أنظمة وضعيّة شموليّة أيضاً، يضاف إليها حاكميّة التخلف المعيش بكل مفرداته، إن كان على مستوى العرف والعادة والتقليد، أم حاكميّة الكثير من القوانين الوضعيّة المطبقة على واقعنا الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ .

أقول: إن معظم ما قمت بطرحه من قضايا فكريّة وفلسفيّة وأدبيّة تتعلق بالحداثة ومفرداتها، إن كان على مستوى الوطن والمواطنة والانتماء والقوميّة والديمقراطيّة والعقلانيّة والعلمانيّة والاستبداد والدولة الشموليّة والليبراليّة وقيمها وما بعد الحداثة وطبيعة المجتمع الاستهلاكيّ ورأسماليّة الدولة الاحتكاريّة والثقافة والمثقف والمثقف العضويّ وغير ذلك ن قضايا تتعلق بتخلفنا ونهضتنا. فكلها تشير في الحقيقة إلى قضيّة أساسيّة هي: إن هناك واقعاً عربيّاً متخلفاً ومأزوما حضارياً، وقد تقدمت عليه الكثير من دول العالم وحتى المتخلفة منها، ونحن للأسف لم نزل كـ (بول البعير) نرجع إلى الوراء، وبطريقة يندى لها الجبين، فواقعنا أكثر ما يقال عنه، أنه يعيش تحت مظلة أنظمة استبدادية فاشيّة، ذات توجهات مرجعيّة طائفيّة أو قبليّة أو عشائريّة مأزومة، جوعت بعض هذه الأنظمة شعوبها وافقرتها، ودفعت الملايين منها إلى الهجرة وترك الأوطان، ليبقى فيها السفلة والمجرمون وتجار الوطن والدم والفقراء المعدمين الذين ليس لهم قدرة على ترك الوطن أو الدفاع عنه.

من هنا تأتي أهمية العمل على تغيير طبيعة الأنظمة السياسيّة القائمة، وبالتالي اصبحنا هنا بحاجة ملحة لثورة سياسيّة بعيدة عن العنف والعنف المضاد، فثورات الربيع العربيّ اثبت فشلها الذريع بسبب غياب الوعيّ الثوريّ لدى حملتها الاجتماعيين، وخاصة عندما استخدمت العنف ضد هذه الأنظمة المشبّعة بمعرفة كل أشكال العنف الناعم منه والقاسي، فمثل هذه الأنظمة بحاجة لحراك اجتماعيّ واعي لطبيعة النشاط السلميّ وبأن الحل يكمن في هذا النشاط، كي لا يترك مجالاً لقادة هذه الأنظمة أن يجعلوا من حراك المعارضة قوى إرهابيّة. إن رفع شعارات الديمقراطيّة والعلمانيّة والحداثة بوجه هذه الأنظمة سيجعلها ترضخ بالضرورة كونها مطالب حق، ولن تستطيع هذه الأنظمة اتهام دعاتها بالإرهاب أو الخروج عن القانون.3176 عدنان عويد ومراد غريبي

س18: أ. مراد غريبي: في مقاربتكم لفلسفة الحداثة وما بعد الحداثة أين الفخ وأي أمن ثقافي من شأنه توليد حداثة عربية منسجمة مع سلطة الدين في حياتنا؟

ج18: د. عدنان عويد: دعنا نعيد تعريف الحداثة وما بعدها هنا قبل الإجابة عن هذا السؤال الهام في مضمونة ودلالاته.

إذا كانت الحداثة في سياقها العام، هي كل جديد في حياة الإنسان أغرزته بالضروة طبيعة العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة أثناء تطورها وتبدلها، إن كان هذا التطور والتبدل قد جاء بفعل داخليّ أو خارجيّ، وبالتالي سيجد هذا الجديد مجالاً حيويّاًّ له، وتقبّلا عند أبناء هذا المجتمع أو ذاك بسلبه وإيجابه. فإن ما بعد الحداثة هي نمط حياة تمثله الدول والمجتمعات الغربيّة بشكل عام وأمريكا بشكل خاص. فبعد انتهاء الحربين العالميتين وما تركته من دمار ماديّ وقيميّ على حياة الفرد والمجتمع الأوربيين، راحت تتجذر بشكل أكثر فاعليّة مسألة الضياع الإنسانيّ بعد أن ساد النظام العالميّ الجديد بقيادة الطبقة الرأسماليّة الاحتكاريّة - وما تمثله من قيم السوق (الربح) على كافة مستويات الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، حيث راح الإنسان ذاته يُسلع في هذا النظام، ومع تسليعه وتشيئه واستلابه وتغريبه روحيّا وجسديّا، أدخلوه بالضرورة في عالم اللامعقول، فالحياة تحت مظلة هذا النظام التي أخذ يعبر عنها فلاسفة ما بعد الحداثة، لم يعد لها معنى أو حيويّة، حيث تبين أن كل قيم الحداثة الداعيّة إلى الحريّة والعدالة والمساواة والمواطنة ودولة القانون وغيرها قد تلاشت ولم تعد صالحة أو أثبتت فشلها، وبذلك تحولت الحياة كلها إلى عبث، وراحوا يؤكدون على موت القيم والدين والفن والأدب والكتل الاجتماعيّة، ليسود عالم من التذرير الاجتماعيّ، وليظل الفرد وحده سيد هذا الوجود، فكانت الوجوديّة بشقيها الماديّ والمثاليّ، وسادت العدميّة والعبثيّة دون أي ضابط أخلاقيّ. ومع سيادة هذه القيم راح يتذرر الإنسان ويتنمذج وفق ما يريده أصحاب الرأسمال المتوحش الذين يديرون سياسات العالم، بحيث لم يعد لهذا الفرد المنمذج (أي لون أو رائحة أو طعم، إلا لون ورائحة وطعم ما يريده إعلام وسياسة وثقافة وفن وأدب كباتنة الرأسمال المتوحش المتحكمين بالنظام العالميّ.

على العموم نستطيع القول: إن الحداثة قد انطلقت برأيي من أساسين اثنين هما: أساس طبيعيّ فرضته طبيعة حياة الإنسان الذي يبحث دائما عن حريته وتأمين حاجاته الماديّة والروحيّة، وهذا ما جعله يسعى في مناكبها كي يكتشف أسرارها ويسخر ما يستطيع تسخيره في هذا الحياة بشقيها الطبيعيّ والاجتماعيّ لمصلحته، وقد استطاع فعلاً أن ينجز الكثير في هذا المجال على المستويين الماديّ والفكريّ. فمن اختراعه للفأس الحجريّة وصولاً إلى اختراعاته بمستوياتها العليا في مجال التكنولوجيا، ومن اكتشافه للحرف وصولاً إلى مستويات عليا أيضا في التفكير واستخدامه في مجالات الفلسفة والفن وادلأب وكل مجالات العلم. هذه هي الحداثة والتجديد - على اعتبار أن كلاهما وجهان لقضيّة واحدة في نسقها الأول.

أما الحداثة في نسقها الثاني: فهي الحداثة التي شكلت نظام حياة، وقد تجسد عبرها جملة من التحولات الماديّة والفكريّة بقيادة طبقة جديدة هي الطبقة التجاريّة في بدايتها، التي شكلت بدورها مع بداية القرن الخامس عشر الحركة الأنسيّة في الحداثة في مدن إيطاليا التجارية (فلورنسا والبندقيّة)، ثم ظهرت الطبقة الرأسماليّة الصناعيّة التي تحولت تاريخيّاً من طبقة تقدميّة كانت وراء عصر التنوير في القرن الثامن عشر، إلى طبقة استغلاليّة مارست وتمارس القهر على شعوبها وشعوب العالم الضعيفة والمتخلفة ومنها وطننا العربيّ منذ ظهور المرحلة الإمبرياليّة وصولاً إلى المرحلة الرأسماليّة الاحتكاريّة ونظامها العالميّ الجديد.

نقول: إذا كانت الحداثة هكذا هي في سياقها التاريخيّ، فالسؤال المشروع الذي يطرح نفسه علينا هنا هو: أين نحن من الحداثة وما بعدها؟.

لا أحد ينكر أن العرب عبر امتدادهم التاريخي قد أوجدوا حضارات كبيرة لها عمقها التاريخيّ وتجلياتها الماديّة والروحيّة في بلاد الشام وبين النهرين وإفريقيا ومصر. ولكن هناك قطع تاريخيّ كبير قد حدث في مسيرة هذه الحضارات، حيث تحولت معالمها اليوم إلى مناطق سياحيّة يجوبها عشاق السياحة في العالم، أما الذي ساهم في تحقيق هذا القطع، فهي الحروب التي كانت تدور بين دولها قبل التاريخ من جهة، ثم سيطرة الرومان واليونان والفرس عليها وطبعها بميسمها من جهة ثانيّة، وأخيراً وهذا هو المؤسف حقاً، هو ظهور الإسلام بعظمته وسيطرة قوى اجتماعيّة ذات عقليّة بدويّة على مقاليد أموره وبالتالي إدخاله في عالم القبيلة والغنيمة أولاً، ثم ممارسة الاستبداد على الشعوب التي خضعت له روحيّاً وجسديّاً في المناطق التي انتشر فيها من قبل طبقة سياسيّة ذات عقليّة بدويّة فقدت منذ البداية قدرتها على فهم هذا الدين العظيم ومقاصده ثانياً، كما فقدت بالتالي سيطرتها على أمور قيادة الدولة والمجتمع والخضوع لقوى غريبة هم من أدخلوها السلطة، وراحوا فيما بعد بسبب صراعاتهم على هذه السلطة أن يتحكموا بهم وإيصال حلفائهم من الخلفاء إلى ببغاوات ينفذون ما يأمرهم به البويهيّ والبرمكيّ والسلجوقيّ وغيرهم.

إذن نحن قي عالمنا العربيّ فقدما زمام مقومات الحداثة في نسقها الطبيعيّ الذي أشرنا إليّه أعلاه، وإن بقي لدينا بعض من مقومتها فقد هُجرت بالقوة إلى سمرقند واستانبول وغيرها من عواصم الدول الغازيّة التي حكمتنا مئات السنين باسم الإسلام. الأمر الذي جعل الباحث الجبرتي يذكر في كتابه (تاريخ الجبرتي) عن مفردات بعض الحضارة الغربيّة التي دخلت مصر مع حملة بونابرت:( ولهم فيها أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا تسعها عقول أمثالنا). أو كما يقول الطهطاوي بعد عودته من فرنسا: ( بأن هناك خمسة عشر علما تقوم عليها الحضارة في الغرب نحن نفتقد إليها في مصر، وسماها بالعلوم البرانيّة، أذكر منها: علوم التربيّة التي يدخل فيها الحساب والهندسة والجغرافية والرسم، وعلم تدبير العلوم كالحقوق الطبيعيّة والحقوق البشريّة والحقوق الوضعيّة، وعلم الاقتصاد كالمصارف وتدبير المعاملات والمحاسبات وحفظ بيت المال، وهناك العلوم العسكرية والبحريّة، وعلم السفارات، وفن المياه، وعلم الميكانيك وهندسة العمارة، وفن الرمي بالمدفع، وفن سبك المعادن، وعلم الكيمياء وصناعة الورق، وعلم الغلافة، وعلم الطبيعيات، وعلم الطباعة وفن الترجمة). هذا في مصر ذات الحضارة الفرعونيّة، فماذا عن حضارات المشرق العربيّ كالآراميّة والفينيقيّة والبابليّة والسومرية والأكديّة.؟. فهذا الكاتب النهضويّ "أحمد فتحي زغلول" يوصف حالة المشرق العربيّ المزريّة عام 1899 فيقول: (نحن ضعفاء في كل شيء تقوم به حياة الأمم، متأخرون في كل شيء عليه مدار السعادة .. ضعفاء في الزراعة.. ضعفاء في الصناعة.. وليس منا إلا الفعلة والعتالون ومنفذوا إرادة الأجنبي ليبقى هو ونموت نحن، هذه المعامل الفسيحة والمصانع العظيمة التي أقيمت بين بيوتنا كلها للأجنبيّ. ثم يتابع قوله: نحن ضعفاء في التجارة والعلم، اللهم إلا علم مداره جهل حقائق الأشياء في الوجود، أما المفيد منه فقد اقتصرنا منه على ما يختص بعلاقة الأنسان مع ربه، والباقي حكمنا عليه بالإعدام.).

هذا ويجب أن نشير هنا إلى دور التقسيم الدوليّ للعمل وتأثيره على دول المتروبول ومنها وطننا العربيّ. حيث كان لهذا التقسيم آثاراً سلبية انعكست على حياتنا حيث وصفها أحد الأوربيين المقيمين في لبنان في نهاية القرن التاسع عشر بقوله: (إن مخازن هذه المدينة مليئة بالسلع من مصانع أوربا وأمريكا، ويكاد السائح يجد في كل شارع من شوارعها سلعاً وبضائع من جزر الهند الغربية... أقمشة قطنية من انكلترا... وأجواخ من مانشستر... أقمشة اسكوتلىنديّة.. حرائر فرنسيّة.. ومناديل سويسريّة.. والذين يعرفون كيف كانت بيروت من سنة 1835 – إلى 1855. فهي أشبه بالفرق بين منتصف الليل ومنتصف النهار.). وهذا الوضع الاقتصاديّ تحت مظلة التقسيم الدوليّ للعمل دفع المفكر النهضويّ "نسيب شبلي" يكتب عام 1886عن الوضع الاقتصاديّ في البلاد العربية ومنافسة الاقتصاد الغربيّ له قائلاً: (يكاد المال أن يفرغ من يد أبناء البلاد، وما ذلك إلا لقاء سلع الأجانب علينا، ولا نرى ندحة من اقتنائها. ثم يتساءل: أين محصولاتنا؟. أين صناعاتنا؟. أين المواشي؟. أين المعامل؟. أين المصانع؟. أين الزراعة؟. أين كل أساليب التمدن؟. هذه كلها أسئلة يخجل المتكلم عن الجواب عليها.).

أمام هذا التردي العربيّ حضاريا مقارنة بالحضارة الغربيّة الغازيّة، تأتي دعوة المهندس الفرنسي "جومار" الذي وقف أمام البعثة الدراسيّة المصريّة التي أوفدها "محمد على باشا" إلى فرنسا خطيباً أثناء تخرجهم قائلاً: (أمامكم مناهل العرفان فاغترفوا منها بكلتا يديكم، اقتبسوا من فرنسا نور العقل الذي رفع أوربا على أجزاء الدنيا. وبذلك تردون لبلدكم منافع الشرائع والفنون التي ازدان بها عدة قرون في الأزمان الماضيّة، فمصر التي تنوبون عنها ستسترد بكم خواصها الأصيلة).

نعم إن دعوة "جومار" هذه، كانت دعوة لتبني الحداثة الغربيّة كنظام حياة وقد تبناها الكثير من الكتاب والمفكرين العرب من الطهطاوي مروراً بشبلي شميل وفرح انطون وأديب اسحق ومحمد عبده وسلامة موسى وطه حسين وكل المفكرين التنويريين اللاحقين من الجابري والعروي والتيزيني وجلال صادق العظم ومحمود أمين العالم وزكي نجيب محمود وحسن حنقي وغيرهم الكثير، ممن حمل لواء الحداثة على المستوى الفكريّ والعمليّ، بيد أن طبيعة الأنظمة الاستبداديّة التي تسيطر على حياة البلاد والعباد حالت دون تحقيق النهضة الحداثيّة، وحاصرت الفكر التنويريّ العقلانيّ، لتفسح في المجال واسعاً أمام الفكر الظلاميّ الأصوليّ الذي يعمل على تجهيل الشعب وإبعاده عن التفكير العقلانيّ بواقعه المعيش، وربط تفكره بالله واليوم الاخرة وعذاب القبر وناكر ونكير والجنة والنار وحور العين وأنهار الخمر والعسل وأرائك الاستبرق.

إذا كان هذا هو واقع الحداثة في علمنا العربي فما هو واقع ما بعد الحداثة.

إن من يتابع الحركة الفكريّة الفلسفيّة منها، والفنيّة والأدبيّة بشكل عام على الساحة الثقافيّة العربيّة، يجد الكثير من المفكرين والفنانين والأدباء قد انساق وراء تيار الحداثة وما بعد الحداثة، محاولين بشكل مباشر أو غير مباشر الاستفادة من هذه النظريات أو الأفكار، بأساليب ومفاهيم فكريّة جديدة تنتمي لهذه المدارس الفكريّة وامناهجها ، وخاصة الما بعد حداثويّة، أملا في تجاوز أزمة الواقع العربيّ المتردي في معطياته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة. حيث أعطوا الأهميّة الكبرى لمضمون النص المقتبس من الغرب، أدبيّاً كان أو فنيّاً أو فلسفياً، بعد عزله عن محيطه، وجملة ملابساته السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة، على اعتبار أن هذا النص له عالمه الخاص به، وحركته وسياقاته التي تتم من داخله فقط، ولا تأثير عليه من المحيط الذي ينوجد فيه، أو ما يساهم في إنتاجه بالأصل.

إن هذا التوجه المنهجي التفكيكيّ أو البنيويّ، جاء برأي، عند هؤلاء المتبنين لمناهج ما بعد الحداثة، إما هرباً من عقاب السلطات الحاكمة المستبدة والشموليّة لكل من يحاول توصيف وتحليل أزمة الواقع  المعيش عقلانيّا، وبالتالي إظهار أسباب أزمته وتخلفه، أو جاء نتيجة غياب للرؤية العقلانيّة النقديّة لديهم، وسيادة نزعة التقليد والتجريب، دون وعي أو إدراك للأسباب التي أدت إلى ظهور هذه المناهج في أوربا.

نقول: إن معظم محاولة التجديد التي تأتي من الحداثة أو ما بعدها مهما كانت طبيعتها، ولا تقوم على المستلزمات الأساسيّة لتطور المجتمع والدولة معاً، والسير بهما نحو التحرر والتقدم وفقاً للحاجات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة التي تتطلب بالضرورة تحطيم أو إقصاء ما أصبح تقليديّا ومترهلاً ومتخلفاً منها، والفسح في المجال لبناء بنى جديدة أكثر ملاءمة وحيويّة لخصوصيات العصر، إنما هي في الحقيقة محاولات تجديد مفتعلة أو منفصلة عن سياقها التاريخيّ مهما كانت نيات حواملها الاجتماعيين،

أي هي حداثة دائرة في فراغ، ومفضيّة إلى فراغ، وبانتظارها فراغ جديد. وبالتالي هي اتجاه حداثيّ مغترب، لا يلامس الحالة الوطنيّة، ولا يقارب الواقع الموضوعيّ الملموس، أو المعيش. وهذا ما يجعلها ثقافة نموذجيّة للعقليّة الثقافيّة الزائفة التي تحاول بوعي أو بدونه، تخليد حالات الانفصال بين المثقف العربيّ والحاجات الضروريّة الملموسة لشعبه. الأمر الذي يجعل هذه الثقافة تعمل على تكريس وضعيّة اجتماعيّة معينة تخدم قوى اجتماعيّة وسياسيّة أو طبقيّة معينة ذات مصالح أنانيّة ضيقة في الغالب.

إذن، من هنا علينا أن نبين عمليّة الخلط ما بين الحداثة وما بعدها... ما بين الحداثة كتوجه عقلانيّ نقدي تفرضه الضرورة التاريخيّة لمسيرة المجتمعات نحو تقدمها ونهضتها، وهي فعل إيجابيّ يراعي خصوصيات الواقع دون الخضوع المطلق لهذه الخصوصيات بطبيعة الحال، وبين الما بعد حداثة، كتوجه حداثيّ سلبيّ يقفز فوق الواقع وخصوصياته، بغية تحقيق مصالح معينة تقوم على دوافع ذاتيّة إرادويّة بعلم حاملها الاجتماعيّ لخطورة هذا التوجه أو بدون علمه. لذلك أن الموقف المنهجيّ العقلانيّ النقديّ والأخلاقيّ معاً، يتطلب منا أن نكشف الأبعاد الحقيّقة لهذا النمط من الخلط المنهجيّ بين الحداثة وما بعدها وتحطيمه. فما قيمة الأدب والفن والفكر عموماً، إذا لم يعبر عن قضايا وهموم الفرد والمجتمع، أو ما قيمة أدب وفن وفكر يبحت عن وجود الإنسان في عالم الميتافيزيقا أو الغيبيات، أو عالم البنى الثقافيّة التقليديّة، أو تحت مظلة التخيل والتأمل السلبيّ، ملغيّاً الحاضر تحت ذريعة البحث عن المستقبل.. أي عن زمن غير زمننا ولا يلامس قضايانا ومشاكلنا، ووضع الحلول لها، في الوقت الذي تعاني منه مجتمعاتنا الجوع والقهر والظلم والتشيىء والاستلاب والضياع والغربة.

إن البحث عن واقعنا في تلك العوالم الفكريّة والأدبيّة والفنيّة المفارقة للواقع المعيش، هو ليس أكثر من البحث عن حداثة أو ما بعد حداثة الاغتراب الماديّ والقيميّ معاً، وبالتالى هذا ما يجعلنا نعيش فقط في سحر الكلمات وتراكيبها، وصورها الفنيّة وألوانها، وعالم أوهام شعر وأدب خالٍ من أي مضامين إنسانيّة سوى مضامين الدهشة التي تنتهي بانتهاء قراءتنا أو مشاهدتنا لتجلياتها. أي عالم الفن من أجل لفن وليس من أجل المجتمع.

س19: أ. مراد غريبي: الحياة العربية على ضوء دور الدين فيها تثير موضوعا جدليا في قبال الديمقراطية، أقصد الشورى، ماذا عن المواطنة في ظل مقتضيات أو شروط الشورى؟

ج19: د. عدنان عويد: دعنا بداية نتعرف على الديمقراطيّة والشورى.

الديمقراطيّة:

هي المشاركة الشعبيّة في قيادة الدولة والمجتمع، واحترام الرأي والرأي الاخر، وهي الاقرار بالمساوة بين الجنسين، وهي التعدديّة وتداول السلطة، وهي في المحصلة إلغاء كل حالات التمايز السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة من أجل سيادة المواطنة. والديمقراطيّة من جهة أخرى ليست شكلاً فحسب تتجسد في صناديق الاقتراع.. الديمقراطية جوهر.. وجوهرها تنمية الإنسان والعودة به إلى مرجعيته الإنسانيّة التي استلبت منه تاريخيّاً بفعل ضياعه في منتجاته داخل علاقاته الاجتماعيّة الاستغلاليّة من جهة، وبفعل القوى التي مارست عليه الاستبداد والاستغلال والتجهيل والضياع من جهة ثانية.. فالديمقراطيّة إذن هي مشروع إنسانيّ هدفه الإنسان، ووسائل تطبيقه في المحصلة هو الإنسان نفسه، ونقصد بالإنسان هنا، من يبحث عن إنسانيته الضائعة والمستلبة والمشيئة والمغتربة عبر الديمقراطيّة. هذا وللديمقراطيّة أساليب إدارتها ولها قيمها أيضاً.. فأساليب عملها هي المؤسسات التي تديرها إدارات محليّة ومجالس نيابيّة ودساتير، ومؤسسات إداريّة، وتمثيل شعبيّ، وصناديق اقتراع ...الخ. أما قيمها فهي السمات والخصائص الأخلاقيّة والقيميّة التي يتمتع بها مجتمع من المجتمعات أو أمّة من الأمم وبالتالي على المشروع الديمقراطيّ أن يراعي هذه الخصوصيات القيميّة عند كل مجتمع من المجتمعات، ولا نقوم بنقل تجارب ديمقراطيّة لأمّة ما إلى أمّة أخرى، ولكن علينا أن نستفيد من تجارب تلك الشعوب او الأمم إذا كانت تتوافق وواقعنا المعيش وقيمنا.

من هنا نقول: إن الديمقراطّيّة صيغ وليست صيغة واحدة صالحة لكل زمان ومكان.

أما الشورى:

فهي مشروع لتداول الرأي في قضايا تهم الفرد والمجتمع، أمر بها النص القرآنيّ بآيتين هما (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (- آل عمران159). (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38- آل عمران).

وهي في المصطلح، الوجه الآخر للديمقراطيّة، إلا أنها ظلت محكومة في فهم وتفسير القرون الوسطى لها، وبالتالي لم تحدد لها آليّة عمل أو وسائل تطبيق كما هو الحال في الديمقراطيّة، مع تأكيدنا بأن هناك رؤى إسلاميّة راحت تعمل على إعادة قراءة الشورى بفهم معاصر من حيث ألّيّة عملها ودور ومكانة الإنسان في تقرير مصيره عبرها كما هو الحال في الفهم الإخواني المعاصر لها، او فهم الثورة الإسلاميّة لها. ولكن ظلت آلية عمل الشورى محكومة بالنص المقدس وتشريعاته، وبالتالي هذا ما يحد من فتح آليّة عملها من قبل الإنسان كسيد نفسه ومن حقه أن يحقق مصيره وحياته وسبل عيشه وفقاً لرغباته لا وفقاً لما يريده النص المقدس.

أما بالنسبة لقضية المواطنة، فالديمقراطيّة تركز على مسألة الوطن والمواطنة، واعتبارهما هما المنطلق لتحقيق العدالة والمساوة والأمن والاستقرار ودولة القانون والمؤسسات الخاصة بشعب محدد أو أمّة محددة.

أما بالنسبة لموقع المواطنة في الخطاب الإسلاميّ بشكل عام والشورى من ضمن آليّة عمل هذا الخطاب، فهي تتجاوز بنية الوطن وبالتالي المواطنة، ففي الشورى هناك مسلم وليس سوريّاً أو مصريّاً أو عراقياً أو عربيّاً... الخ. لذلك هي تعتبر غير المسلم في الدولة الواحدة ذميّاً له حقوقه وعليه واجباته التي تختلف إلى حد كبير عن حقوق وواجبات المسلم، هذا من جهة. في الوقت الذي تعتبر فيه أرض الإسلام هي أرض كل مسلم ولا تمتلك هذه الأرض حق التخصيص لهذا الشعب أو ذاك أو لهذه الأمّة أو تلك غير الأمة الإسلاميّة، وعلى هذا الأساس فهناك داران في الخطاب الإسلامي، دار كفر ودار إيمان. من هذا المنطلق يفقد الوطن جذوره الجغرافيّة والسياسيّة، مثلما تفقد المواطنة سماتها وخصائص الوطنيّة أو القوميّة. وهذا ما اشتغل عليه الإخوان والقوى السلفيّة الجهاديّة ومشروع الثورة الخمينيّة في إيران ومن يواليها في العالمين العربيّ والإسلاميّ.

س20: أ. مراد غريبي: كيف تقرأون تمثلات الإسلام السياسي عربيا في الخمسين سنة الأخيرة وماذا عن حركة التاريخ في ذلك كله؟

ج20: د. عدنان عويد: إن من يتابع الحراك الفكريّ والسياسيّ في الخمسين السنة الماضية، يلمس وبكل وضح ذاك التوجه المحموم نحو شعار أو مقولة (الإسلام هو الحل)، وارتباط هذا الشعار بفكرة الحاكميّة التي بينا دلالاتها في موقع سابق من إجاباتنا، فمنذ سبعينيات القرن الماضي بدأت تظهر على الساحة العربيّة نشاطات دينيّة تدعوا إلى ضرورة العودة إلى الإسلام بعد أن فشل الحكام العرب في تحقيق انتصارات حاسمة، إن كان على مستوى القضية الفلسطينيّة، أو على مستوى مشاريعهم الوطنيّة أو القوميّة باسم الاشتراكيّة أو القوميّة، على حياة الدولة والمجتمع، فهناك زيادة في نسبة الفقر والهجرة ورفض تداول السلطة ومحاربة الرأي والرأي الآخر، واختزل الديمقراطيّة والعلمانيّة بشعارات على مقاس القوى الحاكمة، وتكريس المرجعيات التقليديّة في السلطة وحتى داخل الأحزاب التي تدعي العلمانيّة. فمن هذه الوضعيّة المتردّية جاء التوجه الإسلاميّ المحموم الذي ساعد على تنشيطه قيام الثورة الإسلاميّة في إيران، وبدء تحرك الإخوان المسلمون من جديد تساندهم الثورة الخمينيّة، مثلما راحت بعض الأنظمة العربيّة تتناغم مع التيار الإسلاميّ عبر مؤسساتها الدينيّة محاولة الالتفاف على هذا التيار كما جرى في العراق وسورية ومصر وليبيا، ولكن من اعتمدت عليهم مشايخ ورجال دين كانوا أذكى من هذه الحكومات، ففي مصر قتلوا السادات، وفي العراق انهوا نظام صدام وكذلك الحال في ليبيا، وفي سوريّة ظهرت العشرات من فصائلهم المسلحة التي حملت السلاح بوجه الدولة.

لاشك أن دعاة التيار الإسلاميّ قد فشلوا حتى اليوم في مشروعهم الذي قاتلوا من أجل إقامته، والذي تجلى واضحاً في ما سمي بثورات الربيع العربيّ، وقد صفيّ جسديّاً الكثير منهم، وكان لتوجاتهم السياسيّة غير العقلانيّة التي لم تراع خصوصيات الواقع ولا التطور الزمني الذي حدث في بنيتي الدولة والمجتمع العربيين، ثم لعدم معرفتهم الحقيقيّة بطبيعة الأنظمة الحاكمة وآليّة عملها، فكل ذلك انعكس سلباً على دعاة هذا التيار، وعلى الدول والمجتمعات التي تحركوا فيها، ودفع الجميع الثمن باهضاً, وأرجاع البلاد والعباد مئات السنين إلى الوراء.

س21: أ. مراد غريبي: كيف يمكن لاهتمامك بالمجتمع المدني أن يفيدك في فهم ما يصلح للإنسان العربي وحياته المستقبلية؟

ج21: د.عدنان عويد: دعنا نتعرف على مفهوم المجتمع المدنيّ أولا، فالمجتمع المدنيّ في سياقه العام، هو المجتمع الذي تجاوز في علاقاته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، مجتمع العشيرة والقبيلة والطائفة، وهو المجتمع الذي راح يُحكم بالقانون ودولة المؤسسات، ولم يعد يحكم بالعرف والعادة والتقليد. وهو المجتمع الذي أصبحت فيه المواطنة جوهر العلاقة بين الفرد والمجتمع من جهة، وبين الفرد والمجتمع والدولة من جهة ثانية، وهنا تلغى التراتبيّة في تحديد طبيعة هذه العلاقة من الناحيّة الاجتماعيّة والسلطويّة والاقتصاديّة، داخل المجتمع المدني، كما تسود في هذا المجتمع الثقافة العقلانيّة التنويريّة التي تركز على القيم الإنسانيّة واعتبار الإنسان سيد قدره ومصيره، لا ثقافة النقل والمطلق وتقديس الأفكار والأشخاص والثبات والسكون والتحجر والشكلانيّة. أو بتعبير آخر إقصاء ثقافة الأموات والهروب من الدنيا والتفكير بعذاب القبر والبحث عن حور العين وأنهار السمن والخمر والعسر وحور العين, أي تكريس ثقافة الأموات.

أمام هذه المعطيات المتعلقة بمفهوم المجتمع المدنيّ، يطرح السؤال التالي نفسه علينا وهو: أين واقعنا العربيّ بكل مستوياته أو مكوناته من هذا المجتمع؟.

لا شك أن الاجابة ستكون، بأننا بعيدون كثيراً عن عالم هذا المجتمع، ونحن لم نصل إلية في علاقاتنا السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، لا على مستوى حياة الفرد أو المجتمع أو الدولة. نحن لم نزل نعيش حياة المجتمعات التقليديّة المشبعة مرجعياتها التقليديّة، وسياستها القائمة على عقليّة البطل الملهم إن كان داخل بنية العشيرة أو القبيلة أو الطائفة أو الطريقة الصوفيّة أو الحزب أو قيادة الدولة. أما دولنا فهي دول ما قبل الدول، دول تمثلت في الشكل مهمة الدولة الحديثة، من حيث مؤسساتها وعلمها ودساتيرها وحتى صناديق انتخاباتها، ولكنها في الجوهر بعيدة كل البعد عن جوهر الدولة المدنيّة. فالدساتير في مضامينها النظريّة عند الكثير من دولنا العربيّة مليئة بمفاهيم الحريّة والعدالة والمساواة ودولة القانون والمواطنة، ولكنها في التطبيق بعيدة كل البعد عن هذه المضامين، حيث تتجلى في الممارسة سياسات القهر والظلم والاقصاء والاستبداد والتحكم بالسلطة ومحاربة المختلف، وعلى مستوى البرلمانات، تجري بطريقة تسويقيّة محددة نتائجها سلفاً, إما عن طريق التعيين من قبل الحاكم بأمر الله، أو تجري بطريقة ديمقراطيّة صوريّة مدروسة وموجهة لخدمة الحاكم بأمر الله أيضاً. أما على مستوى الاقتصاد فهناك أنماط متعددة للإنتاج يغيب فيها وضوح الخط الاقتصاديّ، فلا هو اقتصاد سوق رأسماليّ، ولا هو اقتصاد سوق اشتراكيّ، بل هو اقتصاد سوق هجين يعمل على خدمة القوى البرجوازيّة البيروقراطيّة التي تتحكم بالمواقع السياسيّة والإداريّة الهامة في الدولة ومن يدخل في نطاقها وخدمة لها من البرجوازيّة الطفيليّة في المجتمع. هذا عدا عن كونها لم تزل محكومة سياسيّاً وفكريّاً بأيديولوجيات أثبت الزمن فشلها وعدم قدرتها على مجاراة حركة الواقع، لذلك نجد أن حواملها الاجتماعيين من رجال دين أو رجال سياسية وضعيين عملوا وبشكل قسريّ على ليّ عنق الواقع كي ينسجم مع أيديولوجياتهم المفوته حضاريّاً.

هذا غيض من فيض التردي والتخلف في واقع دولنا ومجتمعاتنا، لذلك لا بد لنا من طرح رؤى وافكار واتخاذ سلوكيات تجاري الواقع من جهة، وتعمل على تغييره دائما لمصلحة الفرد والمجتمع من جهة ثانية. فنحن بحاجة لفكر عقلانيّ بعيد عن الفكر الأيديولوجيّ الجامد والمتحجر... نحن بحاجة لرؤى فكريّة سياسيّة واقتصاديّة وقانونيّة وإداريّة ومجتمعيّة تطابق واقعنا وتراعي خصوصياته، وهذا لن يتحقق إلا من خلال حوامل اجتماعيّة مؤمنة بوطنها وشعبها ومصالحهما، وهي تستطيع من خلال وصولها إلى السلطة عن طريق الشعب، وبوسائل انتخابيّة نزيهة، على إدارة شؤون البلاد والعباد لإخراجهم من مازق التخلف البنيويّ الذي هم فيه، وبالتالي محاسبة من يفشل في تحقيق هذه المهمة وإقصائه. وهذا الأمر لن يأتي بالنوايا الحسنة ولا بالدعاء وكثرة السجود، فلا بد من حراك شعبيّ غير حراك ما سمي بثورات الربيع العربيّ التي مارست حوامله كل موبقات الثورات، فكانت النتيجة كره الشعب للثورة وللديمقراطيّة وللحريّة، لتعود بعض الدول العربيّة كمصر وتونس والجزائر إلى حكم العسكر من جديد بعد ان أسقطت هذه الثورات أنظمتها الشموليّة.. نحن بحاجة لثورات شعبيّة معقلنة لا تستخدم السلاح والعنف السلبيّ، نحن بحاجة لثورات سلميّة تحاصر القوى المستبدة المتمسكة بالسلطة حتى ترضخ لمطالب الشعب العقلانيّة.

 

حاوره: الأستاذ مراد غريبي - صحيفة المثقف

14 – 1 – 2022

 

3175 عدنان عويد ومراد غريبيخاص: المثقف: تستضيف المثقف الباحث الأكاديمي الأستاذ الدكتور عدنان عويّد، ضمن مرايا فكرية، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول قضايا الفكر والهوية واللغة والنهضة في العالم العربي، فأهلا وسهلا بهما:


 المحور الأول: قضايا الفكر والهوية والتراث

س1: ا. مراد غريبي: بادئ ذي بدء، ماذا عن سيرتكم الذاتيّة ومنجزاتكم العلميّة والفكريّة والنقديّة التجديديّة؟

ج1: د. عدنان عويد: باحث وكاتب عربي سوري، يكتب في قضايا النهضة والتنوير.

ولد في دير الزور عام 1950.

دكتوره بالعلوم السياسيّة

أستاذ محاضر في جامعة الفرات – كليّة الآداب - قسم علم الاجتماع

إصداراته:

1- الديمقراطيّة بين الفكر والممارسة. إصدار دار العلم، ودار والتكوين. دمشق. 1994-2006

2- إشكاليّة النهضة في الوطن العربي من التوابل إلى النفط. إصدار دار المدى – ودار التكوين. دمشق. 1997- 2006

3- التبشير بين الأصوليّة المسيحيّة وسلطة التغريب. إصدار دار المدى – ودار التكوين. دمشق. 2000- و2007

4- معوقات حركة التحرر العربيّة في القرن العشرين. إصدار دار المدى. دمشق. 2002

5- الأيديولوجيا والوعي المطابق. إصدار دار التكوين. دمشق. 2006

6- رأسماليّة الدولة الاحتكاريّة. إصدار دار التكوين. دمشق. 2008

7- قضايا التنوير. (ترجمة عن اللغة الانكليزية). إصدار دار التكوين. دمشق. 2011

ينشر في العديد من المجلات والجرائد والمواقع الالكترونية في الوطن العربي.

س2: ا. مراد غريبي: نستهل بحسب مناهج البحوث الأكاديميّة، قراءة في مفاهيم هذا المحور الأساسيّة: العقل، العقلانيّة، الهويّة، التراث، العلمانيّة، التثاقف، الحداثة، الايديولوجيا، الدين..؟؟

ج2: د. عدنان عويد: لا شك أن هذه المفاهيم المطروحة هنا... العقل، العقلانيّة، الهويّة، التراث، العلمانيّة، التثاقف، الحداثة، الايديولوجيا، الدين. تشكل في وضعنا الثقافيّ العربيّ الحديث والمعاصر، إشكاليّة قائمة بذاتها، لاعتبارات عديدة يمكننا الاشارة إلى أهمها:

1- أن معظم هذه المفاهيم في صيغها المتعارف عليها اليوم، قد طُرحت في الغرب مع بداية عصر النهضة الأوربيّة، مروراً بعصر التنوير في القرن الثامن عشر، وفلاسفة قرنيّ التاسع عشر والعشرين. وإن هذه المفاهيم راحت تتسرب إلى خطابنا الثقافيّ مع بداية القرن التاسع عشر، بفعل عوامل كثيرة منها:

1- تَأَثُر الطلاب العرب الذين ارسلوا إلى أوربا للدراسة هناك، وخاصة البعثات التعليميّة التي اشتغل عليها "محمد علي باشا" في مصر "وخير الدين التونسي" في تونس، أو بفعل حملات التبشير الأوربيّة في المشرق العربيّ التي فتحت المدارس الخاصة بها في هذه المنطقة، إضافة لما حققته البعثات أو المنح الدراسيّة إلى اوربا، التي خصصتها الإرساليات التبشيريّة للطلبة المتفوقين من خريجيّ هذه المدارس. الأمر الذي أوجد العديد من المثقفين والمفكرين ممن تأثر بالفكر الغربيّ ومناهجه كأديب اسحق، وشبلي شميل، وفرح انطون، والبستاني، واليازجي وغيرهم الكثير.

2- بفعل الطلبة العرب الذين درسوا في أوربا منذ بداية القرن العشرين حتى اليوم، وهم كثر في الحقيقة، حيث تأثر الكثير منهم بالفكر الغربيّ ومناهجه، وراح العديد منهم يشتغل بعد إنهاء دراساته في الغرب على مشاريع فكريّة تأثرت كثيرا بالمناهج الغربيّة، كالعروي الذي تاثر بالمنهج التاريخانيّ، وحسن حنفي بالمنهج الظاهري، والتيزيني بالمنهج الماديّ التاريخيّ، والجابري بالمنهج الابستمولوجي (المعرفي)... الخ.

بيد أن التاريخ العربيّ في العصر الوسيط لم يعدم المفكرين والفلاسفة الذين اشتغلوا على العقل بشكل خاص، كابن رشد والفارابي والكندي وغيرهم، بالرغم من أن مفهوم العقل ظل عند الكثير من الفلاسفة والمفكرين الإسلاميين ينوس بين الدماغ والقلب، وقليلون هم الذين عرفوا العقل بالمخزون الثقافيّ الذي تكون أثناء إنتاج الإنسان لخيراته الماديّة والروحيّة تاريخيّاً، كابن رشد وابن خلدون والكندي، وبالتالي فصلوه عن الدماغ ككتلة عضويّة في الجسد البشري لها دورها الوظيفيّ في تخزين المعرفة ومعالجتها وفقاً لما يريد صانع هذه المعرفة وحاملها الاجتماعيّ،. علماً أن الذين قالوا بهذا الرأي عن العقل من فلاسفة العصور الوسطى العرب والمسلمين، تأثروا أيضاً بالفكر الفلسفيّ اليونانيّ بعد أن قاموا بترجمة كتب الفلاسفة الماديين اليونان.

في تاريخنا المعاصر، درس الكثير من الكتاب والمفكرين العرب الفكر الفلسفيّ العقلانيّ في العصور الوسطى، وسلطوا الضوء على الفلسفة الماديّة منها، كحسين مروة في كتابه (النزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة) على سبيل المثال لا الحصر.

عموماً نستطيع القول هنا: إن كل تلك المفاهيم الحداثيّة التي جاءت في سؤالكم: العقل، العقلانيّة، الهويّة، التراث، العلمانيّة، التثاقف، الحداثة، الايديولوجيا، الدين. يظل العقل النقدي يشكل العمود الفقري لها، إذا لا يمكن لأي مفهوم من هذه المفاهيم أن يحوز على حقيقته أو مصداقيته التي طرح من أجلها إلا من خلال ارتباطه بالعقل. فالديمقراطيّة بدون عقلانيّة تتحول إلى فوضى.. والهويّة بدون عقلانيّة قد تعود لمرجعياتها التقليديّة من عشيرة وقبيلة وطائفة.. والتراث من غير إدخال العقل فيه وتحليله وإعادة قراءته كتاريخ شعوب تحركه تناقضات وصراعات مصالح الناس، سيظل تاريخ ملوك وأمراء وأيديولوجيا دينيّة، الأمر الذي سيدفعنا إلى التعامل معه بعواطفنا أكثر من عقولنا، وسنتمسك بهذا الماضي كفردوس مفقود بِعُجْرِهِ وَبُجْرِهِ. والعلمانيّة التي يغيب عنها العقل تفقد مصداقيتها وتتحول إلى ترف فكري، بدل أن تمثل في واقع أمرها الدولة المدنيّة.. أو دولة المواطنة والقانون والمؤسسات... الخ ، وكذا حال التثاقف الذي سيتحول عند تبادل المعرفة، إلى مركزيّة أوربيّة أو شرقيّة، وظهور نرجسية الحامل الاجتماعي للثقافة عند تداولها مع المختلف إذا لم يتم تحكيم العقل.. وهذا حال الحداثة التي ستتحول إلى تقليد الضعيف للقوي في حال غياب العقل القادر على تحديد خصوصيّة المجتمعات وما هي حاجاتها الضروريّة من مفاهيم الحداثة، وما هو الصالح منها القادر على تحقيق تنمية الفرد والدولة والمجتمع، وما هو الطالح فيها الذي سيعرقل تقدم المجتمع إذا ما أخذ منها. وهذا الموقف المنهجيّ من العقل، وضرورة التعامل معه ينطبق على الأيديولوجيا الوضعيّة والدينيّة معاً، فكلاهما سيتحولان إلى وعي جموديّ غير قابل للنزول إلى الواقع عند غياب العقل الذي يعمل دائما على ربط الفكر بالواقع.

عند حديثنا هنا عن العقل، أقصد به العقل النقديّ الجدليّ، وليس العقل البذيء القائم على المثاليّة الذاتيّة والحدسيّة أو المثاليّة الموضوعيّة.

س3: ا. مراد غريبي: لننطلق من العقل والعقلانيّة في حوارنا معكم دكتور عدنان، ماذا عن موقع العقل وروح العقلانيّة في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر؟

ج3: د. عدنان عويد: عند إجابتي على سؤالكم الثاني أشرت إلى دور ومكانة العقل في ضبط المفاهيم التي نتعامل معها بشكل عام، كما بينت الصيغة العقليّة أو العقلانيّة التي علينا التعامل معها منهجياً. وهنا أحب أن أوضح مسألة منهجيّة في هذا السؤال الثاني قبل الاجابة عنه. وهي مسألة التفريق بين العقل والعقلانيّة.

العقل كما أشرت إليه سابقاً، هو مجموعة المعارف والمهارات بما فيها المواقف الداخليّة النشطة من أحاسيس وعواطف وتخيل ومهارات عقليّة، التي اكتسبها الإنسان تاريخيّاً عبر علاقته مع الطبيعة والمجتمع. فالعقل وفق هذا المفهوم هو الثقافة المكتسبة في أعلى تجلياتها.

أما العقلانيّة: فهي منهج في التفكير، أو موقف عقليّ جدليّ نقديّ، يمارسه العقل عند توظيف معارفه في نشاط الإنسان الماديّ والروحيّ، فهناك فرق كبير عند توظيف العقل كوسيلة أداتيّه (العقل الأداتيّ) على سبيل المثال، خدمة لمصالح قوى اجتماعيّة محددة لا يهمها الجانب الإنسانيّ الايحابيّ من دور أو أداء العقل، وبالتالي يأتي العقل عند هذه القوى وكأنه أداة عضويّة قادرة لوحدها على إنتاج الأفكار المجردة وتسويقها بعيداً عن الواقع الذي أنتجها، وهو هنا النشاط الإنسانيّ الماديّ والروحيّ في هذا الواقع المعيش. الأمر الذي يكون فيه دور العقل في هذا النشاط، هو تغييب الوظيفة الإنسانيّة المنوطة به كما أشرنا قبل قليل، واقتصار وظيفته على العمل داخل اقتصاد السوق، وتحقيق الربح للحامل الاجتماعيّ له.

أمام هذا الموقف المنهجيّ والمعرفيّ للعقل، نعود لنجيب على السؤال المطروح هنا وهو: ماذا عن موقع العقل وروح العقلانيّة في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر؟.

نستطيع القول: بأننا أمام غياب أو عدم حضور الفكر العقلانيّ الذي أنتجه فلاسفة العصور الوسطى في تاريخنا العربيّ الإسلاميّ منذ أن أصدر الخليفة المتوكل أمره أو مرسومه القاضي بمحاربة العقل والعودة إلى النقل عام (232) للهجرة، بعد أن فسح الخليفة المأمون المجال للفكر المعتزليّ أن يأخذ دوره ومكانته في الحياة الفكريّة والفقهيّة بعد إصداره مرسومه الذي يدعو فيه إلى محاربة النقل واحترام العقل عام (212) للهجرة، فمع مرسوم المتوكل بدأ الفكر السلفيّ الوثوقيّ الاستسلاميّ يأخذ مكانته في الساحة الثقافيّة والفكريّة والفقهيّة عموماً مع ابن حنبل وكل من آمن بفكره منذ ذلك التاريخ حتى اليوم.

إذن مع هذه الردّة الفكريّة السلفيّة التكفيريّة التي جسدها "المتوكل" وابن حنبل وتياره، انحسر دور العقل والفكر العقلانيّ ليسود منذ ذلك التاريخ حتى اليوم فكر النقل المشبع أكثره بالأسطورة والخرافة والكرامات واللامعقول، واستمرار كل ما اشتغل عليه فقهاء العصور الوسطى من قضايا تهم ذلك العصر، واعتبار كل جديد بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

نعم.. لم يعد مسموحاً الاشتغال على العقل في التعامل مع الواقع والعمل على النهوض به، إلى أن بدأت عمليّة الانفتاح على الغرب والحضارة الغربيّة بالطرق والوسائل التي أشرنا إليها في موقع سابق، هذا الانفتاح الذي ظل في الحقيقة قائماً أو محصوراً على النخب ولم يتحول حتى اليوم إلى ثقافة شعبيّة.. ومع ذلك لا يمكننا إنكار ما حققته هذه النخب المثقفة والمتعلمة منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حتى اليوم على كافة مستويات الساحة العربيّة، من خلال ما أوجدته هذه النخب من صحف ومجلات ودور نشر وأحزاب ذات توجهات تقدميّة، أو من خلال وجودها في مواقع عملها الحكوميّ، رغم أن كل ما كانت تمارسه من نشاط تنويريّ كان يحسب عليها، وقد تدفع ثمنه باهضاً من قبل المؤسسات الدينيّة المتحكمة بهذه الدرجة او تلك بناءً على قوة التأثير التي تتمتع به هذه المؤسسات الدينيّة على القرار السياسيّ للكثير من الدول العربيّة، ونحن لن ننسى ما جرى لسلامة موسى، وعلي عبد الرازق، وطه حسين، وفيما بعد لفرج فوده، وحامد أبو زيد، من قبل المؤسسات الدينيّة، وسكوت السلطات الحاكمة في الكثير من الدول العربيّة عن موقف هذه المؤسسات الدينيّة في محاربة الفكر العقلانيّ وحوامله الاجتماعيّة من النخب المثقفة، وهذا الموقف العدائيّ للفكر العقلانيّ التنويري هو امتداد في الحقيقة للمواقف العدائيّة ذاتها التي اُتُخِذَتْ ضد غيلان الدمشقي، وجعد بن درهم، وجهم بن صفوان، وابن المقفع، والكندي، وابن خلدون، وابن رشد وغيرهم الكثير، الذين كانوا ضحيّة لرجال أو مشايخ الفكر السلفيّ الوثوقيّ الاستسلاميّ القائم على النقل.

نقول: رغم كل الحصار الذي فرض على الكتاب العقلانيين التنويرين العرب في تاريخنا المعاصر، والاتهامات التي وجهت لهم من قبل أعداء التيار العقلانيّ، إن كانت هذه الاتهامات ذات طابع دينيّ تكفيريّ، أو سياسيّ تخوينيّ، أو أخلاقيّ تهتكيّ. إلا أن التيار التنويريّ العقلانيّ مارس تحديه للقوى السلفيّة، وكانت كتابات حامله الاجتماعيّ وكتبهم مليئة في قضايا التنوير والحداثة. لقد اشتغلوا سياسيّاً على المطالبة بضرورة تطبيق الدولة المدنيّة ومفرداتها من ديمقراطيّة وعلمانيّة ودولة القانون والمؤسسات والمواطنة ومحاربة الاستبداد السياسيّ.. كما اشتغلوا على فكرة الحريّة في بعدها الاجتماعيّ والفلسفيّ، فطلبوا بتحرير المرأة واحترام الرأي والرأي الاخر، واشتغلوا على ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعيّة ومحاربة الاستغلال، ونشر التعليم ومحو الأميّة، ومحاربة المرجعيات التقليديّة من طائفيّة وعشائريّة ومذهبيّة..

إن هذه القضايا التي اشتغلوا عليها، وجد الكثر من مفردتها عبر القرن العشرين حضوراً في الساحة الثقافيّة والمؤسساتيّة استطاعت أن تؤسس في الحقية لمشروع حداثي، رحنا نلمسه من خلال تعليم المرأة ودخولها مجال العمل. ومن خلال تشكل الأحزاب وتعدد توجهاتها الفكريّة، مثلما وجدناها في الحركات السياسيّة الكثيرة ووصل الأحزاب الديمقراطية الثورية إلى السلطة كالناصريّة والبعثيّة وغيرهما، وما حققته هذه الأحزاب عند وصولها للسلطة من دور في تطوير المجتمع والدولة، مع تأكيدنا بأن الكثير من قادتها حكمتهم فيما بعد شهوة السلطة، الأمر الذي حول دول أحزابهم إلى دول شموليّة مستبدة، جاء حراك الربيع العربي ليبين عوراتهم وفسادهم وابتعادهم عن مصالح الشعب.

س4: ا. مراد غريبي: العقلانيّة في الخطاب العربيّ اتسمت بأنماط فكريّة متعددة توزعت بين التيار الدينيّ التجديديّ والتيار العلمانيّ الحداثيّ، والتساؤل كالآتي: ما راهن الخطاب العقلانيّ العربيّ في ظل تحديات التطرف والتخلف والتفاهة في عمق الساحة الفكريّة العربيّة المعاصرة؟ وهل فعلا العقلانيّة هاجرت من مجالنا العربيّ المعاصر ككل الأدمغة المستنيرة علميّا وثقافيّا؟

ج4: د. عدنان عويد: لنعد إلى موضوع سؤالكم عن: موقع العقل وروح العقلانيّة في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر؟. لقد قلنا إن الفكر العقلانيّ قد ارتبط منذ بداية طرحه على الساحة الثقافيّة العربيّة الحديثة والمعاصرة، بالنخب المثقفة حتى منتصف القرن العشرين، وخاصة الأوائل منهم الذين حاز معظمهم على شهاداته العليا من جامعات الغرب. وكان لهم الأثر الكبير على طلابهم في الجامعات العربيّة، حيث تخرج من تحت أيديهم مئات آلاف الطلاب والطالبات على كافة المستويات الفكريّة، الفلسفيّة منها والأدبيّة والفنيّة، الذين تأثروا بفكر أساتذتهم العقلانيّ ومناهج بحوثهم. حيث رحنا نجد أفكار الحداثة التي رافقت عصر الثورة الصناعيّة في أوربا تنتشر بين صفوف الطلبة وعشاق المعرفة، إن كان على المستوى الفلسفيّ أو الفني والأدبي. فهذه الأفكار الفلسفيّة أخذت تُدرسها أقاسم الفلسفة وعلم الاجتماع في العديد من جامعات الدول العربيّة، كفكر فرانسيس بيكون، ورينيه، وديكارت، وهوبس، وسبينوزا، ولوك، أو فكر رواد الفلسفة الانكليزيّة، كابريكلي وهيوم، أو فكر الفلاسفة الألمان كاليبنتز وليسنغ، وفيما بعد هيجل وفورباخ وفيورباخ وماركس وانجلز، كما تاثروا كثيراً بأفكار فلاسفة عصر التنوير الفرنسيّ، كفكر مونتسكيو، وكوندياك، وديدرو، وروسو وريكاردو وهلفينيوس وفولتير.. الخ. ومع مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الأولى والثانية، راحت أفكار مدارس ما بعد الحداثة تغزوا الساحة الفكريّة العربيّة أيضاً على كافة مستوياتها الفلسفية والأدبيّة والفنيّة، حيث رحنا نجد من يروج للوجديّة كعبد الرحمن بدوي، وللمدرسة الوضعيّة والوضعيّة الحديثة عند زكي نجيب محمود، وللمنهج الماديّ التاريخيّ عند محمود امين العالم والطيب تيزيني وحسين مروة، وغيرهم الكثير ممن تبنى الماركسية منهجاً، وكذلك وجدنا الفكر الديكارتيّ ومنهجه، عند طه حسين وجلال صادق العظم.. في الوقت الذي رحنا نجد فيه أيضاً الفكر الإسلاميّ التنويريّ يأخذ دوره الواسع في إعادة قراءة النص الدينيّ كما فعل حسن حنفي والسيد القمني وماجد الغرباوي وهادي العلوي والجابري ومحمد عماره وأركون، مثلما وجدنا التيارات الفكريّة السياسيّة بمناهجها الليبراليّة عند العروي وياسين الحافظ والياس مرقص. ولم نعدم الفكر الما بعد حداثويّ عند علي حرب، أما في الأدب فقد كان للفكر الغربيّ ومدارسه الدور الكبير على الأدباء العرب، حيث انتشرت المدارس الأدبيّة كالواقعيّة والواقعيّة الاشتراكيّة والرمزيّة والبنويويّة وغيرها. وكان للشعر بشكل خاص تأثره الكبير بالمدارس الغربيّة، حيث شق السياب ونازك الملائكة وأدونيس وفيما بعد مدرسة الشعر الطريق لهذا التوجه الحداثي. وهذا وجدناه في الفن أيضاً ومدارسه كالمدرسة الرومانسيّة والواقعيّة والرمزيّة والتكعيبيّة والتعبيريّة والسوريالية.. الخ.

ملاك القول: يمكننا التأكيد هنا بأن العقلانيّة لم تهجر الساحة الثقافيةّ العربيّة كليّاً رغم هجرة العديد من حواملها الاجتماعيين إلى أوربا، بسبب السلطات الاستبدايّة في العديد من الأنظمة العربيّة ومؤسساتها الدينيّة الرجعيّة التي حاربت الفكر التنويريّ العقلانيّ، وعملت على تشويه العلمانيّة والديمقراطيّة، عندما حولتهما إلى مفاهيم شكليّة تتاجر بها أمام القوى التنويريّة في الداخل والخارج، بينما كانت تعمل في السر والعلن على نشر الفكر السلفيّ الظلاميّ التكفيريّ القائم على النقل وتسطيح العقل. وقد جاءت ثورات الربيع العربيّ رغم كل فوضويتها وعدم عقلانيتها وانضباطها فكريّاً وسلوكيّاً، لتكشف عورات هذه الأنظمة، وتبين طبيعة الفكر الذي اشتغلت عليه عشرات السنين، وكان وراء ما سمي بالصحوة الإسلاميّة التي اخترق رجالاتها ومريدوها ثورات الربيع العربيّ. هذا ونستطيع القول أيضاً إن الفكر العقلانيّ التويريّ ودعوات العلمانيّة والديمقراطيّة والعقلانيّة النقديّة، لم تغب عن الساحة الثقافيّة والسياسيّة، بفضل وسائل التواصل الاجتماعيّ ومواقع النشر الالكترونيّ الكثيرة التي تعمل خارج سيطرة السلطات الحاكمة المستبدة عدوة العقل والعقلانيّة.

س5: ا. مراد غريبي: العقلانيّة تدفعنا نحو سؤال الحريّة، برأيكم ماهي المعياريّة الناظمة لشروط تشكل العقل العربيّ الحر؟

ج5: د. عدنان عويد: دعنا بداية نعرف الحريّة، فالحريّة في سياقها العام، تعني وعي الضرورة، أو الضرورة الواعية كما يقول " سبينوزا وهيجل وماركس "، أي وعي الإنسان للظروف الماديّة والفكريّة التي تتحكم بحاجاته الأساسيّة، الماديّة منها والمعنويّة (الروحيّة) في نطاق المحيط الذي يعيش وينشط فيه، بغية الحفاظ على وجوده وإشباع حاجاته بكل مستوياتها السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة. أو بتعبير آخر، إشباع حاجاته الماديّة والمعنويّة بشكل عام، مع حضور شرطيّ المسؤوليّة والوعي اتجاه فهم وممارسة هذه الحريّة.

هذه هي الحريّة في سياقها العام كما أراها. فهي حرية مشخصة وليست مجردة، مثلما هي حرية ينتجها الواقع المعيوش ويحدد صيغها كونها لا تُفرخ مجردة من جهة، وهي ليست صيغة واحدة مطلقة صالحة لكل زمان ومكان من جهة ثانية، إنها حريّة نسبيّة قابلة للتطور والتبدل وفقاً للمرحلة التاريخية المعيوشة، وطبيعة حاملها الاجتماعيّ. فجوهر الحريّة في المرحلة البدائيّة كان يصب في تحرير الإنسان من سيطرة الطبيعة وتحكمها بحياة الإنسان. والحريّة في المرحلة العبوديّة التي كان يباع فيها الإنسان ويشرى في أسواق النخاسة، هي غيرها في النظام الرأسماليّ او الاشتراكيّ أو في دول العالم الثالث المتعدد الأنماط الإنتاجيّة.

من هذا المنطلق المنهجيّ في تعاملنا مع الحريّة يأتي موقفنا منها، فهماً ووظيفة وآليّة عمل.

إن نظرة سريعة للعقل العربيّ السائد اليوم، يفصح لنا عن إشكالات عديدة تتحكم في طبيعته وآليّة عمله والقوى الاجتماعيّة المتحكمة فيه.

إن العقل العربيّ محكوم في وجود اجتماعيّ مفوت حضاريّاً، لم تزل تتحكم به مرجعيات تقليديّة ضيقة من عشيرة وقبيلة وطائفة ومذهب وعرق. وبالتالي هو لم يحقق حتى اليوم وضوحاً واستقراًراً اقتصاديّاً أو اجتماعيّا أو سياسيّاَ أو ثقافيّا أو طبقياً، وهذا كما قلنا يعتبر إشكالاً كبيراً يقف أمام حريّة الإنسان بشكل عام في هذا الوجود، والمبدع والمثقف فيه بشكل خاص. وبالتالي فالحريّة تظل ملجومة ومحكومة هنا من قبل الدولة التي تريد حريّة على مقاس القوى الحاكمة لها، والمجتمع يريد حريّة توافق طبيعة علاقاته الاجتماعيّة المتخلفة والمحكومة بالغالب بالعرف والعادة والتقليد والوعي الدينيّ المؤسطر القائم على الثقافة الشفويّة المشبعة بالنقل على حساب العقل، والمدعومة أساساً من قبل الدولة ومؤسساتها الدينيّة، التي وظفت جوامعها لنشر ثقافة الخرافة والأسطورة وقصص الأولين، المرتكزة على الفضيلة المجردة، والتي تهدف إلى التركز على ثقافة كسب الجنة وحور العين وسواقي الخمر والعسل واللبن، وليس ثقافة حب الوطن وتكريس المواطنة. أما على المستوى الثقافيّ، فقد بينا المعاناة الكبيرة التي يعانيها المثقف النخبويّ الذي ظل عقله محكوما بمحيطه السياسيّ والاجتماعيّ والدينيّ، فكم من مثقف تراجع عن آرائه التقدميّة العقلانيّة التنويريّة بسبب الضغوطات التي تعرض ويتعرض لها دائما من قبل المحيط الذي ينشط فيه، كما جرى لعلي عبد الرازق وطه حسين وجلال صادق العظم وغيره الذين تعرضوا للمحاكمات أو السجن أو النفي بسبب أفكارهم العقلانيّ التنويريّة.

هذه هي الأجواء الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والدينيّة التي يعيش فيها الكاتب والمفكر والفيلسوف والأديب والفنان. وبالتالي لتحرير عقول كل هؤلاء والفسح في المجال لأفكارهم العقلانية أن تنتشر وتتجذر، يتطلب منا الأمر صراعاً تاريخيّاً مريراً مع من يَحُولُ دون نشر ثقافة العقل والتنوير في عالمنا العربيّ بغية تحقيق تلك التحولات العميقة في واقعنا المعيوش. وهذا برأي لن يأتي بالنوايا الحسنة، ولا بالمواقف الإرادويّة أو الذاتيّة التأمليّة.. إن التحولات التاريخيّة العميقة، تتطلب ثورة حقيقيّة تطال الوجودين الماديّ والفكريّ معا في وطننا العربيّ المتخلف، ولكن المحزن أن هذه الثورة التقافيّة التي عولنا عليها الكثير مع ما سمي بثورات الربيع العربيّ، خذلتنا عندما وجدنا أن الكثير من توجهات حواملها الاجتماعيين كانت أصوليّة سلفيّة تكفيريّة، أرجعت بعض دولنا قرنين من الزمان إلى الوراء، بعد أن دمرت معظم ما تحقق من إنجازات على مستوى التحديث بكل أشكاله ومستوياته خلال قرن ونيف من الزمان.

س6: ا. مراد غريبي: هل هناك تفكير عربيّ جاد واشتغال فلسفيّ عميق حول سؤال الحريّة وجدلياتها مع الهويّة والعدالة والأيديولوجيا والتدين في أروقة الفكر العربيّ المعاصر كما عرفناه خلال القرن العشرين؟

ج6: د. عدنان عويد: أعتقد أننا قد تناولنا موضوع الحريّة في إجابتنا عن السؤال السابق. أما سؤالك عن الاشتغال على الهويّة والعدالة والأيديولوجيا والتدين، في أروقة الفكر العربيّ المعاصر كما عرفناه خلال القرن العشرين. فيمكنا الاجابة عن ذلك بقولنا:

لا شك أن هناك من اشتغل على الأيديولوجيا أو السرديات الكبرى في عالمنا العربيّ المعاصر منذ بداية الربع الأول للقرن العشرين حتى منتصف القرن ذاته، وخاصة عند القوى اليساريّة والدينيّة والقوميّة ممثلة بالأحزاب الأمميّة، كالأحزاب (الشيوعيّة)، وحزب (الاخوان المسلمون). ثم تلتها في الربع الثاني أحزاب أخرى ذات طابع قوميّ، توزعت بين أحزاب تدعوا إلى الوحدة العربيّة الشاملة كحزب (البعث العربيّ الاشتراكيّ)، وأخرى ذات طابع إقليميّ كالحزب (القوميّ السوريّ الاجتماعيّ). وغيرها.

إن هذه الأحزاب اشتغلت في الحقيقة على تكريس أيديولوجات خاصة بها، رسمت من خلالها الأهداف الاستراتيجيّة والتكتيكيّة لعملها داخل الساحة السياسيّة العربيّة، فهذه الأحزاب الشيوعيّة مثلاً قد تبنت في تنظيماتها الأيديولوجيا الشيوعيّة طريقاً لتحقيق العدالة والتنميّة، وخاصة بصيغتها الماركسيّة اللينينيّة، كما تبنى الإخوان الأيديولوجيا الدينيّة (الحاكميّة) التي نظر لها في صيغتها السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة ابو الأعلى المودودي، وتبناها مفكر الإخوان "سيد قطب" وخاصة في كتابه (معالم في الطريق). أما الأحزاب الديمقراطيّة الثوريّة كحزب البعث والاتحاد الاشتراكيّ، فقد تبنت الأيديولوجيا القوميّة التي ارتبطت مع الاشتراكيّة العلميّة، تحت مسميات جديدة نظروا لها فكريّاً تحت اسم (الطريق العربيّ إلى الاشتراكيّة)، وطبقيّاً تحت اسم (تحالف قوى الشعب العاملة). يبقى لدينا الأحزاب القوميّة الاقليميّة، مثل الحزب السوريّ القومي الاجتماعيّ، أو النزعات الاقليميّة كالفينيقيّة والفرعونيّة والبربريّة والأمازيغيّة وغيرها، وهذه أحزب حملت أيضاً بعداً قوميّاً اجتماعيّاً لم تزل قائمة حتى اليوم.

إن مشكلة هذا الأيديولوجيات أنها أغرقت بالشعاريّة على حساب الواقع أو الممارسة. وهذا ما أوقعها في مطبات كثيرة أثناء استلام بعضها السلطة. فظروف الواقع العربيّ المتخلف أثر تأثيراً كبيراً على سياساتها الداخليّة والخارجيّة. فالأحزاب الشيوعيّة ارتبطت من جهة بالسياسة الأمميّة على حساب السياسة الوطنيّة والقوميّة، مع غياب واضح للحامل الاجتماعيّ المؤهل لقيادة هذه الأحزاب، الأمر الذي أوقها في فخ المرجعيات التقليديّة من جهة ثانية، كما جرى للحزب الشيوعيّ اليمنيّ الذي وقع في فخ القبليّة، والحزب الشيوعيّ السوريّ في فخ العرقيّة، الأمر الذي أدى إلى تفتيت تنظيمّه إلى تنظيمات عدّة. أما الإخوان فقد اشتغلوا في سياساتهم على البعد الأممي وتجاهلوا خصوصيات الدول التي انوجدوا فيها، مثلما اغرقتهم أيديولوجيا الحاكميّة وعدالتها في عالم القيم والمثل على حساب الواقع، فاصدموا بالواقع عند وصولهم إلى السلطة، فكان فشل التجربة في مصر وتونس. اما الأحزاب القوميّة فقد عاشت في عالم الشعارات القوميّة والعدالة الاجتماعيّة.. فلا هي استطاعت أن تحقق الوحدة العربيّة، ولا حتى الوحدة الوطنيّة داخل الدول التي سيطرت على الحكم فيها، ولم تستطع أيضاً تحقيق العدالة السياسيّة حيث تحولت إلى دول شموليّة، ولا العدالة الاجتماعيّة بعد أن حولت مشروعها الاقتصاديّ إلى رأسماليّة الدولة، فتشكلت قوى اجتماعيّة جديدة من البرجوازيّة البيروقراطيّة والطفيليّة التي سرقت أموال الشعب والوطن. هذا في الوقت الذي غلب على قياداتها شهوة السلطة فراحت تمارس تسويات سياسيّة وثقافيّة كان من أبرز نتائجها المدمرة، أن أحيت المرجعيات التقليديّة واتكأت على القوى الدينيّة السلفيّة لكسب رضا الشعب باسم الدين، فكانت النتيجة تدمير كل ما بنته خلال عقود من الزمن في بنية الدولة من قبل القوى اليمنيّة بكل أشكالها وفي مقدمتها القوى الأصوليّة الدينيّة، كما خسرت قوى اليسار والوسط معا.

إن ما يعيشه عالمنا العربيّ اليوم من فوضى على كافة المستويات تظهر نتائجه واضحة في حالات الجوع والفقر والهجرة التي يعانيها المواطن العربيّ، هذا إضافة إلى ارتماء أكثر هذه الأنظمة في أحضان دول أجنبيّة بهدف حماية الطبقة الحاكمة من شعوبها بسبب ما مارسته من سياسات انانيّة ضيقة تصب في مصلحتها وليس مصلحة شعوبها خلال عشرات السنين.3175 عدنان عويد ومراد غريبي

س7: ا. مراد غريبي: السياق الجدليّ حول الحريّة في الفكر العربيّ لأكثر من خمسة عقود تراوح بين ثنائيات الأنا والآخر، الأصالة والمعاصرة ، التراث والحداثة، كيف يمكن العبور من الجدل إلى التأسيس الثقافيّ لفعل الحريّة؟

ج7: د. عدنان عويد: لقد تكلمنا عن الحريّة وواقعها في الخطاب السياسيّ عند إجاباتنا السابقة، أكثر من تكلمنا عنها في الجانب الفكريّ، وقد كان للقوى الحاكمة الدور الكبير في الحجر على حريّة الفرد والمجتمع، والنيل من الفكر العقلانيّ ومحاسبة حوامله الاجتماعيين من ابن رشد حتى حامد أبي زيد. لذلك دعنا نجيب عن هذا السؤال الذي ركز على الحريّة في الجانب الفكريّ، والتي تجلى الصراع حولها من خلال الصراع بين الأصالة والمعاصرة.. بين التراث والتجديد.. بين العقل والنقل.. وغير ذلك من مفاهيم تدور حول علاقة الفكر المعاصر مع التراث بكل ما يحمله هذا الفكر بشقيه من دلالات.

نقول: مع بدء حركة التحرر العربيّة من الاستعمار الغربيّ في عالمنا العربيّ، بدأت تظهر لنا حركة فكريّة جديدة ذات توجهات يساريّة وليبراليّة في العديد من الأنظمة العربيّة وخاصة في الأنظمة التي انتهجت الخط القوميّ الاشتراكيّ طريقاً لها، أو الأنظمة التي تأثرت بعلمانيّة أتاتورك والفكر الليبراليّ عموماً. ففي هذه المرحلة الممتدة من ستينيات القرن الماضي حتى نهاية العقد التاسع من القرن ذاته، أي حتى قيام الثورة الخمينيّة في ايران وبدء تأثيرها على الساحة الفكريّة العربيّة والإسلاميّة، كان هناك حراك ثقافيّ تنويريّ مشبع بالفكر اليساريّ والليبراليّ، الذي ترك أثره المباشر على فكر حتى المفكرين الإسلاميين الذين راحوا يعيدون قراءة النص التراثيّ قراءة معاصرة تسعى إلى فتح النص الدينّي على العقل، كما عمل حسن حنفي في كتابه التراث والتجديد، وعلي عون قاسم، وحسن صعب في كتابه الإسلام وقضايا العصر وغيرهم من المفكرين الذين وجدوا في انتشار الفكر اليساريّ ومنهجه الماديّ التاريخيّ، تحديّاً حقيقيّاً للخطاب الإسلاميّ في صيغته الوثوقيّة السلفيّة المتمسكة بالنقل والرافضة لاستخدام العقل وفتح النص المقدس على مخزونه الدلاليّ الإنسانيّ.

نعم لقد كان لانتشار المشاريع الفكريّة التي تناولت التراث وضرورة التجديد، كمشروع الطيب تيزيني من التراث إلى الثورة، أو مشروع الجابري في بنية العقل العربيّ، أو مشروع حسين مروة النزعات الماديّة في في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة، أو مشروع حسن حنفي التراث والتجديد، ولا حقاً مشروع حامد أبي زيد، وغيرها من مشاريع فكريّة، أو كتب منفردة لكتاب يسارين مثل الكاتب أحمد عباس صالح في كتابه اليمين واليسار في الإسلام، فكل هذه المعطيات الفكريّة اشتغلت على مفهوميّ الأصالة والمعاصرة، ودور القوى الاجتماعيّة في صناعة التاريخ، دون أن نغفل تلك الندوات الفكريّة التي أعدتها مؤسسة دراسات عربيّة، كندوة التراث والتجديد، أو ندوة الكويت المشهورة حول (أزمة الحضارة العربيّة). دون أن ننسى الندوات الكيرة التي قامت أيضاً حول القضايا المعاصرة كالديمقراطيّة والعلمانيّة والفكر القوميّ وربط العروبة بالإسلام، وما قدمته كذلك مجلة الوحدة من محور كثيرة حول قضايا النهضة والتحرر والتنمية. إن كل هذا النشاط الفكريّ في تلك الفترة كان للحريّة دورها فيه، إن كان من حيث رضا الأنظمة الحاكمة في الأحزاب الديمقراطيّة الثوريّة على تناول هذه الدراسات والحوارات من جهة، كما هو الحال في سورية على سبيل المثال لا الحصر كتلك الحوارات التي كانت تدور في ثمانينيات القرن الماضي بعد أحداث الإخوان في سوريّة بين محمد رمضان البوطي والطيب تيزيني على شاشات الإعلام السوري، أو على مدرجات جامعة دمشق، أو إن الحريّة راحت تدخل جوهر عالم المقدس من التراث من جهة ثانيّة، ومحاولة نقده وتبيان ما يخدم واقعنا المعاصر منه، وما يضره وضرورة التخلي عنه، ومع ذلل كانت هناك من قبل ناقدي التراث وجهات نظر عقلانيّة لم ترفض التراث كله، بل دعت غلى استلهام التراث وضرورة توظيف ما هو إيجابي فيه لمصلحة المعاصرة ودعاتها من سياسين ومفكرين يعملون لمصلحة الشعب وقضاياه المصيريّة.

إن كل هذا الحراك الفكريّ العقلانيّ الذي جئنا عليه راحت تخفت أضواءه، في الوقت الذي أخذ فيه الفكر الأصوليّ السلفيّ يتخذ له مواقع قويّة على الساحة الفكريّة العربيّة مع قيام الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة أولا، ثم ابتعاد القوى الحاكمة في الأنظمة القوميّة الاشتراكيّة عن استراتيجياتها الثوريّة التي بشرت بها عند استلامها السلطة، وبدء التزلف للقوى الإصوليّة التي وقفت ضدها قبل قيام هذه الثورة، ثانياً، هذا التزلف الذي كانت له أسبابه الموضوعيّة والذاتية أيضاً وهي:

1- فشل الأنظمة التي ادعت العلمانيّة والتقدم في تحقيق مشاريعها التنويريّة على كافة المستويات، ومنها الاقتصاديّة والسياسيّة، وغُلْبَتْ شهوة السلطة عليها التي حولتها إلى أنظمة شموليّة استبداديّة لم يعد الشعب يثق بها.

2- الثورة الإسلاميّة في ايران وإحياء المشروع الأصوليّ السلفيّ وخاصة الإخوانيّ منه الذي لقى الدعم من قادة الثوة الايرانيّة ذاتها.

3- دور الحركة الوهابيّة والقوى السياسيّة الداعمة لها في السعوديّة بشكل خاص، لنشر الفكر الأصوليّ بصيغته السنيّة لمواجهة مشروع الثورة الإسلاميّة الخمينيّة الشيعيّة، وبالتالي ظهور ما يمكن تسميته بحمى الفكر الأصوليّ بشقيه السني والشيعي على مستوى الساحة العربيّة والإسلاميّة.

4- انتشار الفقر والحرمان والاضطهاد السياسيّ على مستوى الساحة العربيّة، بسبب طبيعة الأنظمة الشموليّة التي فرخت قوى طبقيّة من البرجوازيّة الطفيليّة والبيروقراطيّة التي نهبت ثروات الدولة والمجتمع من جهة، ثم ظهور النظام العالميّ الجديد بصيغته الراسماليّة المتوحشة التي راحت عبر الشركات المتعددة الجنسيات تسيطر على الاقتصاد العالميّ من خلال اتفاقيّة الجات وصندوقيّ النقد الدوليّ والبنك الدوليّ للإعمار والتنمية، أو من خلال دخول الرأسمال الوطنيّ المنهوب في دول العالم الثالث من قبل حكام هذه الدول وفاسديها في عالم الرأسمال الاحتكاريّ والتحالف معه ضد مصالح الشعوب.

5- تراجع الفكر العقلانيّ التنويريّ عن دوره في توعية الشعب العربيّ، وكشف دور ومكانة الفكر الصوليّ السلفيّ، وبدء انتشار هذا الفكر بصيغته الجهاديّة التكفيريّة عبر القاعدة وفصائلها، وهذا ما رحنا نلمس نتائجه مع ثورات الربيع العربيّ الذي أسلم هذه الثورات، وراح يتعامل مع الواقع من منطلق ايديولوجيّ جموديّ يريد للواقع أن يرتقي بحد السيف إلى النص المقدس كما فسروه هم وأولوه، وهنا رحنا نعيش ردّة فكريّة وسلوكيّة معا، اتخذت من القرون الهجريّة الثلاثة الأولى منطلقاً وجوديّاً ومعرفيّاً لها.

س8: ا. مراد غريبي: واقع الهويات في المجال العربيّ يعكس أزمة إشكال تاريخيّ حول الحريّة، هل الخصوصيات الاثنيّة والدينيّة والطائفيّة والثقافيّة أصبحت عبءً على بناء مرجعية ثقافيّة جامعة لوعي الحريّة المشتركة وترجمتها في عقد اجتماعيّ مناسب؟

ج8: د. عدنان عويد: إن من إشكاليات النهضة والتقدم والتنمية، وأخيراً الاستقرار الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ في عالمنا العربيّ هو تعدد مكونات هذه الأمّة الدينيّة والأثنيةّ.

وهذا التعدد الدينيّ والاثنيّ، لعبت فيه عوامل تاريخيّة قديمة أهمها، ما سميّ بالفتوحات الإسلاميّة، التي جمعت تحت مظلة الخلافة شعوباً كثيرة لها ثقافاتها ومكونات وجودها الخاصة بها لم يستطع خلفاء هذه الأمّة وقادتها صهر هذه المكونات في بوتقة اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة واحدة، رغم أن الأيدولوجيّة الدينيّة في سياقها الفكريّ العام هي دعوة للتوحد من جهة، ودعوة لنشر العدالة والمحبة والتسامح من جهة ثانية، ولكن شهوة السلطة وتركيز الخلافة تاريخيّا في البيت القريشيّ ساهم في خلق نزعات قبليّة منذ السقيفة، ثم راحت تتوسع هذه النزعات لتتحول إلى صراعات مع وصول الأمويين والعباسيين للسلطة، حيث رحنا نجد تلك المعاملات غير الإنسانيّة تجاه الموالي من الأقليات الدينيّة والعرقيّة، هذه الأقليات التي لم ترض بدورها عن ذلها وإهانتها، وعبرت عن ذلك في ردود أفعال سياسيّة وثقافيّة كثيرة ظهرت بأعلى صورها مع ما سمي بالحركة الشعوبيّة في زمن ضعف الدولة العباسيّة، هذه الحركة التي راحت تنال من العرب ومكانتهم التاريخيّة وثقافتهم، فكان للكتاب والمؤرخين العرب ردود أفعالهم اتجاهها على عدّة مستويات، حيث ظهرت كتب تدافع عن اللغة العربية وأهميتها ودورها كلغة القرآن، كما وجدت كتب تدافع عن العرب ونسبهم وغير ذلك ككتاب تاريخ أنساب الأشراف للبلاذري، والبيان والتبيين للجاحظ. والأصمعيات والمعضلات للضبي، وكتاب المعارف لابن قتيبة، وكان هناك فتوح البلدان، وغير ذلك.

إن هذا التعدد في مكونات هذه الأمّة، ظل قائماً ونشطاً منذ ذلك التاريخ حتى اليوم. وقد لعب المستعمر الأوربيّ في تاريخنا الحديث والمعاصر على وتره من أجل إضعاف هذه الأمّة أكثر مما هي ضعيفة، وبالتالي السيطرة عليها والتحكم بمقدراتها، وقد ساعدها علي ذلك أنظمة سياسيّة متخلفة لم تراع خصوصيات واقعها، فراحت تشتغل بعقليّة العشيرة والقبيلة والطائفة في إدارة أمور بلادها، رغم أن بعض هذه الأنظمة ادعت العلمانيّة والديمقراطيّة والمواطنة ودولة المؤسسات، ولكن كل ما كانت تدعي به، ليس أكثر من شعارات براقة لتلهي به من تحكمهم وتذر الرماد في عيونهم، في الوقت الذي تمارس فيه سراً وعلناً كل ما يساعد على تفتيت اللحمة الوطنيّة وزرع الحقد والكراهية بين مكونات شعوبها.

من هذا المنطلق الذي جئنا عليه، لم تزل النزعة الفرعونيّة قائمة، وكذلك الفينيقيّة والأمازيغيّة والبربريّة والكرديّة والتركمانيّة، يضاف إليها النزعات الدينيّة على مستوى الديانات الكبرى وتفرعاتها الطائفيّة والمذهبيّة، من سنة وشيعة.. فالسنة مثلتها المذاهب الأربعة المعروفة، والشيعة توزعت طوائف ومذاهب وفرق أيضاً، وكل من هذه المذاهب والطوائف يتربص ببعضه ويحاول النيل من فكره الدينيّ ومكانته الاجتماعيّة والسياسيّة،. وهذا الصراع بينها وجدت فيه القوى الاستعماريّة منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى اليوم، الأداة الفعالة في تقسيم واضعاف هذه الأمّة. فهذه حملات التبشير كما بينا سابقاً قامت باحتضان هذه الأقليات والعمل على تفتيتها من جهة، بحيث رحنا نجد الطائفة الدينيّة الواحدة تتناهبها الدول الاستعماريّة المسيطرة وتحاول كل دولة ضم قسم منها لصالحها، فطائفة السريان العرب راحوا يتفتتون إلى سريان كاثوليك وسريان بروستانت وسريان لاتين.. الخ.

إن مشكلة الأقليات الدينيّة والعرقيّة في عالمنا العربيّ تحولت اليوم كحصان طروادة بيد الغرب وامريكا والصهيونيّة في عالمنا العربيّ، فكل مكون التجأ لقوى أجنبيّة تحميه وتقدم له الدعم الماليّ والسياسيّ من أجل انفصاله عن جسد الأمة العربيّة، أو من أجل إيجاد خلل في استقرار هذه الدولة أو تلك واستنزاف أموالها في حروب أهليّة لم تعد خافية على أحد.

لاشك أن كل الذي جئنا عليه هنا، ساهم في خلخلة المسألة الثقافيّة أيضا، فبدلاً من استخدام الفكر العقلانيّ التنويريّ من أجل وحدة هذه الأمّة ونهضتها، رحنا نجد توجهات محمومة نحو بلورة لغات تتعلق بهذه الأقليات، وتوجهات فكريّة ذات نزعات عرقيّة أو طائفيّة، كلها تعمل على إضعاف هذه الأمّة وزعزعت استقراها.

س9: ا. مراد غريبي: بين الايديولوجيا والحريّة قصة معقدة، ما هو مفهوم الأيديولوجيا، وما هو الفرق بينها وبين الوعي المطابق، ولماذا عربيّا نتأدلج أكثر مما نتحرر، نتصادم أكثر مما نتحاور، أين نحن من ثقافة الاختلاف الحضاريّة؟

ج9: د. عدنان عويد: عرفنا الحريّة في موقع سابق من إجاباتنا على هذه الأسئلة، وقلنا هي تعني في سياقها العام، وعي الضرورة، أو الضرورة الواعيّة كما يقول " سبينوزا وهيجل وماركس "، أي وعي الإنسان للظروف الماديّة والفكريّة التي تتحكم بحاجاته الأساسيّة، الماديّة منها والمعنويّة (الروحيّة) في نطاق المحيط الذي يعيش وينشط فيه، بغية الحفاظ على وجوده وإشباع حاجاته بكل مستوياتها السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة. أو بتعبير آخر، إشباع حاجاته الماديّة والمعنويّة بشكل عام، مع حضور شرطيّ المسؤوليّة والوعيّ اتجاه فهم وممارسة هذه الحريّة.

أما تعريفنا للأيديولوجيا: فهي أيضاً في سياقها العام، مجموعة الآراء والأفكار السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي تعبر عن واقع أمّة ما أو طبقة ما في مرحلة تاريخيّة محددة. لها حواملها الاجتماعية، وهي لا تفرخ مجردة، أنها تاريخية بامتياز، تصوغها حواملها الاجتماعيّة للتعبير عن مصالحها.

ما أريد التأكيد عليه هنا، هو: إن أيّة نظريّة أو أيديولوجيا عندما تنغلق على نفسها وتتحول إلى مكوّن فكريّ منعزل عن الواقع ومتعالي عليه، وغير قادر على استيعاب حركته وتطوره وتبدله وكل مكوناته الاجتماعيّة، عرقيّة كانت أو ودينيّة بكل مفرداتها المذهبيّة والطائفيّة وآليّة حركتها، سيتحول هذا المكوّن الفكريّ (الأيديولوجيا أو النظريّة)، إلى قوة فكريّة وماديّة سكونيّة، جامدة، فاقدة لحيويتها، وبالتالي ستعرقل عبر ممارستها حركة الواقع بدلاً من تقدمه، وستجعل من حملتها الاجتماعيين مجرد أدوات منغلقة هي أيضاً على نفسها عقليّاً واجتماعيّاً (طبقيّاً) وسياسيّاً، يمارسون عصبويتهم وعنصريتهم وفوقيتهم ونخبويتهم وتمايزهم عن الآخرين من جهة، ثم ليّ عنق الواقع الذي يعشون فيه كي يرتقي دائماً إلى نظريتهم أو أيديولوجيتهم وبالتالي مصالحهم، حتى ولو رجعوا بهذا الواقع مئات السنيين إلى الوراء. وبالتالي فكل من يخالفهم في الرأي هو في المحصلة إما خائناً أو عميلاً ضد الدولة، هذا بالنسبة لأصحاب الأيديولوجيات الوضعيّة عندما يكونون في السلطة أو خارجها، أو مبتدعاً وخارجاً عن أهل الفرقة الناجيّة والجماعة بالنسبة لأصحاب الأيديولوجيات الدينيّة إن كانوا في السلطة أو خارجها أيضاً. وهنا تكمن الخطورة، حيث يبدأ تشكل التطرف من قبل كل حملة هذه الأيديولوجيات المغلقة الوضعيّة منها والدينيّة، وما يرافق هذا التطرف من إرهاب واستخدام لوسائل القمع والمنع في محاربة الآخر واقصائه، حيث تصل درجة المحاربة إلى حد التصفية الجسديّة في أحيان كثيرة. ولكن في المقابل تستطيع هذه الأيديولوجيات الدينيّة أو الوضعيّة أن تتحول إلى قوة ماديّة وفكريّة تعمل على خدمة الإنسان ورقيه ونموه. أي تصبح قادرةً على مراعاة مصالح مجتمعاتها وخصوصيات واقعها المعيش. أو بتعبير آخر، تصبح قادرةً على مراعاة حركة هذا الواقع وتطوره عبر التاريخ، عندما لا تغريها شهوة السلطة وتجعل في أولى اهتماماتها مصالح المجتمع قبل أي شيء آخر. أي تتحول إلى وعي مطابق، له أهدافه التكتيكيّة والاستراتيجيّة معاً.

ملاك القول هنا: إن كل أيديولوجيّة أو نظريّة فكريّة تنغلق على نفسها وتعمل على ليّ عنق الواقع بكل مكوناته كي ينسجم هذا الواقع معها، أي مع مصالح حواملها الاجتماعيين إن كانوا في السلطة أو خارجها، هي أيديولوجيّة وثوقيّة جموديّة سكونيّه تعتمد على مرجعيات عصبويّة اجتماعيّة تقليديّة، طائفيّة كانت أو مذهبيّة أو عرقيّة، أو تعتمد على مرجعيّة نخبويّة تعتبر نفسها وصيّة على الجماهير، وليست هذه الجماهير بنظرها أكثر من رعايا، غير قادرين على قيادة أنفسهم، وبالتالي هي وحدها المسؤولة عن مستقبلهم وحياتهم بِعُجْرِها وبُجْرِها.

أما عندما تتحول هذه الأيديولوجيا أو النظريّة إلى (وعي مطابق).. أي تتحول إلى مجموعة من الرؤى والأفكار التي تجاري الواقع في حركته وتطوره وتبدله، وضبط هذا الواقع وخلق حالات توازن بنيويّ فيه وفقاً لخصوصياته، ومصالح بنيته أو تكويناته الفرديّة والاجتماعيّة.. فهي هنا ستتحول بالضرورة إلى ايديولوجيا منفتحة على الواقع، وخاضعة لظروفه، ومساهمة في تغيير هذه الظروف لمصحة الفرد والمجتمع.

إذاً يظل الواقع، أو ما نسميه بالوجود الاجتماعيّ وما يحمله هذا الوجود من بنى فكريّة عقلانيّة تنويريّة، هو المرجع الأساس لهذه الايديولوجيا في صيغة (الوعي المطابق). ويظل أيضاً المجتمع هو صاحب القرار النهائيّ في تحديد مسيرة حياته في حاضرها ومستقبلها، وذلك عبر ممثليه الحقيقيين الذين يختارهم أبناء المجتمع، وليس من يُفرضون عليه فرضاً باسمه من قبل قوى سياسيّة أو اجتماعيّة من داخل السلطة أو من خارجها.

ختاماً نقول: إن الأيديولوجيا عندما تتحول إلى (الوعي المطابق) تستطيع أن تحقق أولى مهامها، وهي خلق المواطنة والمواطن الذي يؤمن بهذه المواطنة، أي الفرد الذي ينتمي للدولة والمجتمع وليس لعقيدة دينيّة أو مذهبيّة أو عشائريّة أو قبليّة أو حزبيّة وصائيّة.

اما بالنسبة للشق الثاني من سؤالك الكبير وهو: لماذا عربيّا نتأدلج أكثر مما نتحرر، نتصادم أكثر مما نتحاور، أين نحن من ثقافة الاختلاف الحضاريّة؟

إن الأيديولوجيا المغلقة تنمو وتترعرع في المناخ الاجتماعيّ المتخلف، وكلما كان التخلف أكثر عمقاّ في هذا المجتمع أو ذاك، كلما أغرقت الأيديولوجيا في الفاشية في صيغتيها الوضعيّة والغيبية. وهذا هو حال مجتمعاتنا ودولنا المغرقة بالتخلف، رغم ما حصل فيها من تطور على المستوى الماديّ، وخاصة في القاعدة الخدماتيّة والعمران السكنيّ والحكوميّ، أو على مستوى الصناعة من خلال إيجاد صناعات تكميليّة، أو تجميعيّة، أو صناعات اللمسات الأخيرة، ولكنها ظلت متخلفة وبعمق في الجانب الفكريّ. وهذا ما ساهم في وجود الأيديولوجيا الجموديّة الاقصائيّة. فعلى المستوى الوضعيّ وجدنا حضوراً للأيديولوجيا القوميّة والاشتراكيّة، ولكن الأحزاب المتبنية لها حولتها إلى إيديولوجيا مقدسة لا يأتيها الباطل من تحتها أو بين يديها، وكل من يحاول انتقادها من داخل بنيتها التنظيميّة، يعتبر منحرفاً فكريّاً عن الخط الأيديولوجي للحزب ويجب طرده من التنظيم أو تصفيته جسديّا إذا اقتضت الحاجة، وبالتالي كثيراً ما يتم تغيير بعض مفاهيم هذه الأيديولوجيات عن طريق العنف واستخدام القوى العسكريّة لتحقيق هذه المهمة. أما بالنسبة للقوى التي هي من خارج التنظيم، فعندما تقوم بنقد ايديولوجيا الأحزاب الحاكمة، مهما تكون هذه القوى يمينيّة أو يساريّة أو معتدلة ليبراليّة، فهي قوى خائنة ومرتبطة بالخارج تريد النيل من الأحزاب الحاكمة ومهمتها التاريخيّة المنوطة بها، وفي مثل هذه الحالة ستجد أبواب السجون والمعتقلات مفتوحة امامها، وقد تكون النتيجة عقود من السجن أو التصفية الجسديّة للمعترض والمنتقد لهذه الأيديولوجيات، وسجون ومعتقلات الأنظمة الديمقراطيّة الثوريّة وغيرها من الأنظمة العربيّة التي حكمت باسم القوميّة والاشتراكيّة، مثالاً على ذلك.

هذا الموقف العدائيّ والتنكيليّ بالمختلف، نجده عند القوى الأصوليّة السلفيّة الإسلاميّة، التي اتخذت من الدين ايديولوجيا لها، وجعلت من الحاكميّة لله منطلقاً لسياساتها عندما كانت خارج السلطة، أو عندما وصلت إليها في بعض الدول العربيّة بعد حراك ما سمي بثورات الربيع العربيّ.

إن ممارسة العنف من قبل هذه القوى الأصوليّة الجهاديّة فاقت كثيراً شدّة العنف الذي مارسته القوى السياسيّة ذات التوجه الوضعيّ أيديولوجياً، فما جرى ويجري في سورية والعراق وليبيا من ممارسة للعنف اتجاه المختلف يصل إلى درجة التوحش، في أسباب القتل أو أساليبه، وداعش كانت انموذجاً حيّاً على ذلك.

إن قبول الآخر مسألة ترتبط في تطور الوجودين الماديّ والفكريّ للمجتمعات والدول، فالتقدم الماديّ لوحده لا يحقق استقراراً في الدولة والمجتمع، والتقدم الفكريّ لا يمكن أن يتحقق إلا بالتوازي مع التقدم الماديّ، وهذه معادلة أثبت صحتها الواقع الأوربيّ في سياق تطوره. فتطور الثورة الصناعيّة رافقه بالضرورة تطور في الفكر الفلسفيّ والقيميّ والفنيّ والأدبيّ الذي اشتغل على توعية الفرد والمجتمع مئات السنين حتى استطاع تخليصهم من حروبهم الدينّية والعرقيّة تجاه بعضهم. بغض النظر هنا عن ما مارسته الرأسماليّة المتوحشة من قهر لشعوبها وشعوب العالم بعد أن امتلكتها شهوة السلطة وشهوة المال معاً كما نشاهد اليوم في النظام العالميّ الجديد.

نحن في الحقيقة بحاجة لثورتين متوازيتين في خط سيرهما، ثورة ماديّة صناعيّة زراعيّة تنكنولوجيّة، وثورة فكريّة تجسد في عقل الفرد والمجتمع قيم النهضة والتقدم وقبول الرأي والرأي الأخر، أو احترام المختلف والدفاع عن حقه في هذه الحياة.

إن التقدم في سيرورته وصيرورته كعربات القطار تسير كلها معاً في وقت واحد، وتقف كلها معا في وقت واحد.

س 10: ا. مراد غريبي: المرحلة الراهنة للفكر العربيّ تتجه نحو المزيد من التأزم والعنف والتناقض. ولعل مرد ذلك لإشكاليات المناهج والتراث وقضايا المدنيّة والحداثة والتنوير وغيرها كثير مما استهلك ضمن مقتضيات ملء الفراغ، ماهي بنظركم أهم العوامل الذاتيّة والموضوعيّة التي أنتجت مجتمعا عربيّا استهلاكيّا لمعضلات التراث وإخفاقات التاريخ أكثر من وعي معالم التقدم والنهوض؟

ج10: د. عدنان عويد: أعتقد أننا أجبنا عن مضمون أو مضامين هذا السؤال في إجاباتنا السابقة، وقد حددنا العوامل التي ساهمت في إنتاج مجتمعنا الاستهلاكيّ لمعضلات الفكر الوضعيّ بكل تياراته، إضافة للفكر السلفيّ الأصوليّ، وقد حددنا أهم هذه العوامل بالتالي:

1- تخلف البنية الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة للوجود الاجتماعيّ للدول العربيّة منفردة بشكل خاص، ولها مجتمعة بشكل عام.

2- هيمنة التراث بصيغته الوثوقيّة السلفيّة وتحكمه في فكر وسلوك الفرد والمجتمع حتى اليوم، من خلال الاعتماد على النقل بدل العقل، وقياس الشاهد على الغائب.

3- سيادة الأنظمة الشموليّة الاستبداديّة، واتكائها على العشيرة والقبيلة والطائفة والحزب في إدرارة الدولة والمجتمع.

4- غياب البنّية الطبقيّة الواعيّة لذاتها، والقادرة على العمل لمصلحتها ومصلحة شعوبها، أي غياب الوضوح الطبقيّ بسبب تداخله، وسيطرة الكتلة الاجتماعيّة الأكثر تنظيماً عليه هنا ممثلة بالعسكر، على الحياة السياسيّة خدمة للقوى الحاكمة بصيغتها التي جئنا عليها أعلاه.

5- اقتصار الفكر التنويريّ على النخب المثقفة، رغم ما تعانيه هذه النخب من إقصاء من قبل القوى الحاكمة، والمؤسسات الدينيّة الخادمة لها.

6- السيطرة غير المباشر للقوى الاستعماريّة على معظم القيادات السياسيّة الحاكمة في عالمنا العربيّ، هذه القيادات التي وجدت بالمستعمر حليفا استراتيجياً لها ضد شعوبها المجهلة والمفقرة والمغربة والمهجرة بسبب سياساتها اللاعقلانيّة واللاأخلاقيّة معا.

س11: ا. مراد غريبي: ثمة تناقضات أيديولوجية حادة في التراث الدينيّ أربكت الفكر العربيّ المعاصر، حيث عقدت طرح الإشكالات الاستراتيجيّة، الأمر الذي بات يتطلب مراجعة نقديّة للتراث تذهب إلى جذور المآزق التاريخيّ في مدوناته وإفرازاته، من أجل تجاوز دوامة الإخفاق التي تحاصر الواقع العربيّ داخل دائرة فوضى التنظير، هل الخلاص في العلمنة أم الدين وأي حاجة لكلاهما؟

ج11: د. عدنان عويد: إن مشكلتنا مع التراث لإسلاميّ بشكل عام، والنص المقدس منه (قرآن وحديث) بشكل خاص، ابتدأت بعد وفاة الرسول بشكل عمليّ من خلال الصراع على الخلافة بين المهاجرين والأنصار وتوظيف حديث للرسول يقول: (الخلافة في قريش)، ثم من خلال تفسير النص وتأويله فيما بعد.

إن الرسول كان يدرك أن القرآن حمال أوجه وهو القائل: (القرآن ذلول حمال أوجه فخذوه على وجهه الحسن)، وهو في ذلك مصيباً كونه يدرك دلالة الآية السابعة من آل عمران التي تقول: (هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلْأَلْبَٰبِ). فالآية واضحة في دلالاتها المعرفيّة من جهة، وبالحوامل الاجتماعيّة ممن في قلوبهم زيغ، الذين سيوظفون هذا النص لمصالحهم من جهة ثانية. لذلك على هذا الموقف المعرفيّ والسلوكيّ جاءت تلك الصراعات الفكريّة والسياسيّة التي كلفت الدولة والمجتمع منذ السقيفة حتى اليوم الكثير من الدماء، والتي لعبت على وترها السياسة، تحت مظلة تفسير النص الدينيّ وتأويله خدمة لأجندات كثيرة، أدت إلى انقسام المجتمع العربيّ الإسلاميّ إلى ثلاث وسبعين فرقة كل فرقة تقول هي الفرقة الناجية.

إن من يتابع المسيرة الفكريّة للخطاب الإسلاميّ من السقيفة حتى اليوم، يجد تلك التناقضات والخلافات على مستوى علم الكلام والفقه، فعلى مستوى علم الكلام، كان هناك المعتزلة وخطابهم العقلانيّ الذي يبجل العقل وحريّة الإرادة في تقرير الإنسان لمصيره، وقد اتكأ عليه المناوئون للسلطة الحاكمة التي قالت: إن الإنسان مسؤول عن أفعاله، وإن السلطات الحاكمة يجب أن تحاسب على أخطائها لكونها من فعلها هي. وكان هناك الفكر الجبريّ الذي اتكأت عليه السلطة الحاكمة، التي كانت تسوق للرعيّة بأن سلطتها مقدرة من قبل الله وما عليهم إلا الطاعة والرضوخ لإرادة الله، وكل من يخرج على السلطات الظالمة هو يخرج بالضرورة على ما قدره الله له، حتى ولو كان الحاكم فاسقا وفاسدا. وهذا الموقف الجبريّ سوق له التيار الحنبليّ والأشاعرة والماتريديّة، وعلى هذا الصراع الفكريّ المتكئ أصلاً على النص المقدس كما أشرنا أعلاه، توقف عليه الموقف الفقهيّ ذاته، وظهور المداس الفقهيّة كالشافعيّة والمالكيّة والحنبليّة والحنفيّة، بالرغم من أن المذهب الحنفي يأخذ بالرأي، إلا أن بقية المذاهب الأخرى المغرقة بالجبر قد حاربت أصحاب هذا المذهب، وعملت على تحجيمهم، ولكن دوره أو حضوره لقي حظوة عند السلطات الحاكمة، التي تريد تبرير ما تقوم به من أفعال لا ترضي بقيّة المذاهب الجبريّة.

إذن إن الصراع الفكريّ جاء من طبيعة النص المقدس ذاته كونه حمال أوجه من جهة، ومن موقف الذين في قلوبهم زيغ الذين فسروا هذا النص وأولوه لمصالحهم ومصالح القوى الحاكمة التي يعملون في خدمتها من جهة ثانية. أما الضحيّة فهم الرعيّة، الذين لا حول لهم ولا قوة... الرعيّة التي كان ولم يزل وعيها مغيباً عن حقيقة هذا النص المقدس، وعن من قام بتفسيره وتأويله لاحقاً لهم. وبالتالي كانت الرعيّة في المفهوم القروسطيّ، والجماهير في المفهوم المعاصر، ليست أكثر من حطب وقود لأيديولوجيا مفوّته حضاريّا، ولقوى اجتماعيّة تشتغل عليها حتى اليوم خدمة لمصالح أنانيّة ضيقة. وأن كل ما جرى ويجري اليوم من حروب أهليّة وصراعات طائفيّة ومذهبيّة، وراءها قوى اجتماعيّة وسياسيّة لها مصالحها التي تريد تمريرها عبر الخطاب الديني نفسه، مستغلة تلك التناقضات العميقة فيه التي أشرنا إليها أعلاه.

أما بالنسبة لمسألة الخلاص من المأزق الذي نحن فيه اليوم، أعتقد أن الخلاص منه لن يأتي بالنوايا الحسنة، ولا بالأمنيات أو الدعاء لله كي يخلصنا مما نحن فيه من مآسي، راحت تزداد علينا يوماً بعد يوم، بالرغم من تكاثر عدد المساجد في عالمنا العربيّ والصرف عليها مليارات الدولارات لتزيينها بالموزايك والصدف والأرابيسك وحتى بالذهب. ولن يأتي الخلاص أيضا من قبل القوى الحاكمة التي وظفت الدين لمصالحها الأنانيّة الضيقة، وتاجرت بالعلمانيّة والديمقراطيّة ودولة القانون، ووظفت كل ذلك لمصالحها أيضا. إن الخلاص بحاجة لقوى اجتماعيّة مؤمنة بوطنها ومصالحه، وبالتالي مصالح الجماهير المعذبة والمسحوقة والمغربة والمستلبة والمشيئة.. إن الخلاص بحاجة أيضاً لثورة عقلانيَّة تنويرية تؤمن بالإنسان ودوره في تقرير مصيره.

ربما يسأل الكثير اليوم من هي هذه القوى الاجتماعيّة المؤهلة لحمل المشروع النهضويّ التنويريّ في عالمنا العربي؟.. أقول: هي القوى التي ستظهر من أقبية الظلام والجهل والمعاناة والفقر والجوع والحرمان.. وإن كل الظروف مهيأة اليوم لخروجها، وهذا الفرق بين فكرة الإمام المنتظر لتحقيق الخلاص لدى الشيعة والسنة، أو المسيح المخلص لدى المسيحيّة وحتى اليهوديّة. إن المخلص هنا هم القوى المسحوقة من الشعب التي فقدت كل شيء إلا كرامتها وقدرتها على التغيير.

س12: ا. مراد غريبي: التراث مستويات وكل مستوى متوقف على مدى تأثيره في الراهن، كما أننا في قبال الحداثة والتجديد والعلمانيّة يبرز عنوان التقليد والرجعيّة وما هنالك، فأي تراث نستهدف قراءته وتصحيحه وتمحيصه وماهي المستويات الأخطر فيه؟ وهل يمكن التعامل مع التراث بنظم التثاقف؟

ج12: د. عدنان عويد: نعم للتراث مستوياته المعرفيّة ( الأبستمولوجيّة)، التي اختزلها الجابري في كتابه (بنية العقل العربيّ)، وهو محق في ذلك برأيي، حيث استطاع نمذجة هذا العقل نظريّا بطبيعة الحال، ما بين عقل بيانيّ، وآخر عرفانيّ، وآخر برهانيّ، وأخيراً العقل السياسيّ.

فالتراث العربيّ في سياقة العام هو هذه الأنساق المعرفيّة. فإذا كان العقل البيان قد تركز في اللغة وما تتضمنه من تشبية واستعارة وتمثيل وغيرها، ثم دور هذه اللغة بكل مفرداتها في الاشتغال على ظاهر النص المقدس تاويلاً وتفسيراً وفقهاً وغير ذلك، فإن العقل العرفانيّ، هو العقل الذي اشتغل عليه المتصوفة من حيث قراءة النص المقدس (القرآن) ذاته، والبحث في مضامينه عن كل ما يمنحهم القدرة والثقة على التأويل والتفرد في فهم النص، وفقاً لمواقف وجوديّة مثاليّة من الحياة، أهم ما فيها هو أكراه الجسد واقصائه عن عالمهم، ليتفرغوا للروح وتنقيتها من أوساخ الواقع المعيوش، والارتقاء بها إلى المصاف العليا، هذا الارتقاء الذي وصل عند كبار شيوخ المتصوفة إلى الاتحاد مع الله، كما فعل الحلاج والسهروردي والبسطامي وذو النون، أو الوصول إلى وحدة الوجود كما فعل ابن عربي على سبيل المثال لا الحصر، ولكن مشكلة هؤلاء المتصوفة الكبار أنهم كانوا مع الفقراء، وهذا ما جعل السلطات الحاكمة ومشايخهم يلاحقونهم وينكلون بهم تحت ذريعة الانحراف العقيديّ والخروج عن الملّة. اما العقل البرهانيّ فهو العقل الذي اشتغل على العقل ودوره ومكانته في حياة الإنسان، هذا العقل الذي تجسد دوره في التراث العربي الإسلاميّ أيضاً على إعادة قراءة وتأويل النص ولكن من خارج عالم الخيال والأسطورة والكرامة الذي اشتغل عليه المتصوفة. لقد تأثر هذا العقل في سياقه العام بالفكر الفلسفي اليوناني (المنطق الأرسطي) بشكل خاص، لقد تأثر بأساليب قياسه واستنتاجاته واستقرائه واستدلاله وأحكامه المنطقية، فظهر من خلال التعامل مع هذا العقل، مجموعة من المفكرين والفلاسفة الإسلاميين الذين كان العقل النقديّ منهجاً لهم في التعامل مع تفسير النص وتأويله وفقاً لمصالح الناس وليس لمصالح الحكام، فكان لهم الحكام ومشايخهم بالمرصاد دائما، حيث عملوا على حرق كتبهم واقصائهم وطردهم من الحياة الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة، ولم يتوانوا حتى في قتلهم. أما العقل السياسيّ فقد تركز على مفهوم الخلافة وصفات وسمات الحاكم الأخلاقيّة والجسديّة، وكذلك التركيز على كيفية وصول الحاكم إلى السلطة وما هو موقف الرعيّة منه، وضرورة طاعته وغير ذلك، ومن الذين اشتغلوا على ذلك الماوردي في كتابه (احكامه السلطانيّة)، وبدر الدين بن جماعة في كتابه (تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام). وابو يعلى الفراء في كتابه (الأحكام السلطانيّة).

هذا وعلينا أن نشير إلى أن العقل البرهانيّ اشتغل على قضايا علميّة وانتربولوجيّة، كما اشتغل على علوم تتعلق بالكيمياء والفيزياء والبصريات والرياضيات والطب والزراعة والاقتصاد وغير ذلك، ولكن السلطات الحاكمة ومشايخها من الذين انكروا هذه العلوم التي تقوم على تسخير العقل في المعرفة، حاربوا هؤلاء الفلاسفة والعلماء كما أشرنا قبل قليل.

هذه هي بنية العقل العربيّ، التي خيم عليها العقل البيانيّ والعرفانيّ والجبريّ لمئات السنين ولم يزل، هذه البنية المفوّتة حضاريّاً، خلقت في عالمنا العربي (أسرى الوهم)، الذي تحول بدوه بفعل القوى السياسيّة الحاكمة ومشايخها وبعض التيارات السياسيّة الداعية إلى الحاكميّة إلى ايديولوجيا، راحت تُفرض فكرياً وسلوكياً على المواطنين من قبل سدنة المعبد والحقيقة المطلقة ومستلبي السلطة.

إذا إن أسرى الوهم، أو الأيديولوجيا الدينيّة المغلقة، قد أسرتهم حقائق العقائد الدينيّة وشروحاتها وطقوسها ورمزها، ووعودها بتعويضهم عن ما عانوه من حرمان في واقهم المعيوش، بالفردوس الذي سيجدون فيه ما يشتهون من خمر ولبن وعسل وحور العين وسندس واستبرق وقصور فارهة، الأمر الذي جعلهم يدورون في فلك الماضي بحثاً عن معرفة طريق الوصول إلى هذا الفردوس الذي بينته لهم الكتب الدينيّة وعقائدها وشروحاتها التي قدمها مشايخ وفقهاء العصور الوسطى، كمإ أن هذا الأسر ارتبط أيضاً في المستقبل الذي رسمته لهم هذه الكتب ذاتها حيث اُعتبر الحاضر عندهم دار رذيلة وشقاء وفساد يجب أن تهمل أو تترك رغبة بما تشي به أحلام المستقبل.. الجنة.

إذن، إن أسرى الوهم الدينيّ يعيشون حياتهم محاصرين بماضٍ تكمن فيه معرفة طريق الخلاص الأبديّ، ولا بد من العودة إليه دائماً وتمثله فكراً وسلوكاً، وبحاضر يتطلب منهم رفضه أيضاً رغبة في تحقيق ما وعدهم به هذا الماضي نفسه في المستقبل. هذا الماضي الذي أصبح بالضرورة المنطلق الوجوديّ والمعرفيّ المقدس لهم، وكل محاولة للخروج منه أو عليه حباً بالحاضر الفاسد، هو تحدٍ لهذا المقدس وما يمثله، وهذا التحدي سيُدخل صاحبه في خانة الردّة والكفر والزندقة والالحاد وبالتالي البدعة التي ستحرمه من جنان الخلد لاحقاً، كما يدعي من جعلوا أنفسهم أوصياء الله على هذه الأرض، وهم بعض مشايخ الدين، أو ما نسميهم بسدنة الحقيقة المطلقة، هؤلاء الذين راحوا يمارسون قمعهم الوعظيّ على المتدينين حتى لا يخرجوا عن عالم ما رسمه لهم من فسروا الدين وأولوه من تجار الدين خدمة لهم ولأسيادهم، تارة بالترهيب، كعذاب القبر أولاً، ثم عذاب جهنم بكل ما فيها من وسائل التنكيل، كالتعذيب بالنار والزمهرير والحديد ثانياً.. الخ. أو بالترغيب، كوعدهم بجنة تجري من تحتها الأنهار، فيها كل ما تشتهيه النفس الإنسانية وفي مقدمتها حور العين والخمر كما بينا قبل قليل.

على العموم إن ثقافتنا في سياقها العام لم تزل ثقافة شفويّة،   وهي في أس جذرها وأصولها وامتدادها، ثقافة الأجداد (الأسلاف) الذين لم يتركوا شيئاً للأخلاف إلا وقالوا به، وحددوا الحلال فيه والحرام، أو الصح والخطأ، ومارسوا جرحهم وتعديلهم على نمط شخصياتهم السلبية منها والايجابية فكراً وممارسة، ليس لعصرهم فحسب، بل ولكل العصور اللاحقة، أي اعتبار ما قالوا به ومارسوه هو المنطلق الوجوديّ والمعرفيّ لكل ما هو تال.

أمام هذا العقل العربيّ، وثقافته الشفويّة، يأتي الشق الآخر من السؤل وهو أي ثقافة نستهدف، وعلى أي ثقافة نتكئ.؟

نحن اليوم أمام كل حالات التخلف التي نعيشها وخاصة التخلف الفكر المشبع بالهجانة والنقل، والبعيد كل البعد في معظمه عن المناهج العقلانيّة الحديثة، نحن بأمس الحاجة لقوى اجتماعيّة منسجمة مع ذاتها فكراً وممارسة، قوى اجتماعيّة مومنة باوطانها وبالمواطنة ذاتها، تعمل على محاربة واقصاء المرجعيات التقليديّة من عشيرة وقبيلة وطائفة ومذهب، ومؤمنه بالفكر العقلانيّ التنويري الذي يحترم الإنسان وعقله وحريّة إرادته، وأنه هو سيد قدره، والمؤمنة بالدولة المدنيّة القائمة على المؤسسات والقانون والتعدديّة. ربما ما أقوله هنا يشكل وصفة سحريّة عند من سيقرأها، وهذه حقيقة نعيشها تحت مظلة التخلف الذي نحن فيه، ولكن لا بد من الاشارة إلى الحلول لعل من هم في موقع السلطة اليوم يحسون بآلام شعوبهم ومعاناتهم. ولقد صدق الخليفة عثمان بن عفان عندما قال : (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع في القرآن). في حالات التخلف الذي تعيشه المجتمعات، يعول كثيراً على السياسة في تحقيق تجاوز هذا التخلف، وهناك تجارب عديدة مرت بها بعض الشعوب عندما توفر لها حكام شرفاء يومنون بشعوبهم ومستقبل بلادهم ورقيها.

 

حاوره: ا. مراد غريبي - المثقف

 

 

3030 مراد ومحمودالمثقف: الحلقة الرابعة والأخيرة من مرايا فكرية مع الباحث الفكري والفلسفي د. محمود محمد علي، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول حول المشهد الفكري - الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:

المحور الرابع: عن اللغة العربية (الفلسفة، إقتصاد المعرفة، الآفاق الحضارية)

س28: أ. مراد غريبي: ستظل مصر عاصمة العروبة بتاريخها ومؤسساتها ورجالات نهضتها الأدبية والفكرية والفلسفية، كيف ترون مستقبل اللغة العربية من خلال المشهد الثقافي المصري ومدياته عربيا؟

ج28: د. محمود محمد علي: تعرضت اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين لتحديات لا تقل خطورتها وعنفها عما تتعرض له من تحديات سياسية واقتصادية، وبعض هذه التحديات نشأ مع ظهور النهضة العربية في منتصف القرن التاسع عشر واستمر حتى اليوم، وبعضها من آثار النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الحادى والعشرين، وحول رؤيتنا لمستقبل اللغة العربية من خلال المشهد الثقافي المصري ومدياته عربيا؛ فأري أن هذا يمكن توضيحه من خلال بين خلال الصراع بين الفصحي والعامية، حيث تجسد الجدل حول هذه القضية من خلال ثلاثة اتجاهات ؛ فأما الاتجاه الأول : فكان يدعو إلى اتخاذ العامية لغة قومية محل الفصحي واتخاد حروف غير عربية لرسمها، والاتجاه الثاني : ويدعو إلى الحفاظ علي الفصحى والإبقاء على رسمها والتقريب بينها وبين العامية وتطويرها وفق نموذج لغوي غربي، والاتجاه الثالث: ويدعو إلى الحفاظ على الفصحي، والاعتداد بتغير معظمها والإبقاء على رسمها، والتحكم في هذا التغير وفق مخطط قومي.

وأنا من أنصار الاتجاه الثاني والذي بناه سلامة موسي وطوره محمد حسين هيكل، فقد كان سلامة موسي من الذين دعوا إلى التقريب بين الفصحى والعامية مرحليا، حين أدرك أن العامية في عصره،لا يمكنها أن تحل محل الفصحى للتعبير عن العلوم والآداب، ولهذا دعا إلى ما يسميه " التسوية" بينهما .

وقد لقيت هذه الدعوة صدى لدي كثير من الكتاب والباحثين، ومن أهمهم وأشهرهم الدكتور " أحمد لطفي السيد " الذي دعا إلى تمصير اللغة العربية، وقد اتخذت دعوته في التمصير من خلال اتجاهين :

الاتجاه الأول : قبول الأسماء الأجنبية الخاصة بالمستحدثات المستخدمة في اللغة اليومية مثل : البسكليت والأتوموبيل ... الخ ولا يرى فائدة من استحداث كلمات عربية تحل محل محلها، ومع ذلك يشترط لقبولها أن تجري على أوزان العرب، وتجري عليها أحكام الإعراب فتصبح عربية بالزمان .

والاتجاه الثاني: احتضان المفردات العامية العربية، فيردون ما تشوه منها إلى أصله العربي ويستعملونه صحيحا، وما لم يشوه يستعمل على حاله .

وفي استعمال مفردات العامة وتراكيبهم إحياء للغة الكلام وإلباسها لباس الفصاحة، وهكذا أن أحمد لطفي السيد يريد أن يرفع لغة العامة إلى الاستعمال الكتابي، وينزل بالضروري من لغة الكتابة ‘لى ميدان التخاطب والتعامل، وبذلك يمكننا أن تكتب الكتاب مفهوما، ونتحدث الأحاديث عربية صحيحة بالزمان .

وقد أثمرت هذه الدعوي التي نادي بها لطفي السيد ثمرات طيبة فظهرت معاجم للعامية المفصحة، ومن هذ تلك الدراسة التي قدمها كل من" المجمعي " محمد فريد أبو حديد"، والشوباشي.

فأما محمد فريد أبو حديد فقد أكد على وجوب العمل على التقريب بين الفصحى والعامية، فكانت وسيلته في هذا التقريب الـامل في حياة هذه العامية ومحاولة تحديد خصائصها لأن في حال هذه العامية فائدتين : الأولى أنها تساعد على تصحيح العامية وردها إلى الفصحى، والثانية أننا قد نجد عند حصر خصائص العامية أن فيها ما يساعد على تطوير الفصحى نحو ما هو أسمى مع الاحتفاظ بسلامتها، وبذلك نكسب كسبا مزدزجا.

وأما الشوباشي فمن محاولته في التقريب ما اتضح ذلك من خلال كتابه (لتحيا اللغة العربية ويسقط سيبويه)، حيث نجده يدعو إلى الحفاظ على اللغة العربية الفصحى وتطويرها ويؤمن بدورها في حياتنا المعاصرة.

س29: أ. مراد غريبي: هناك ارتباط وثيق بين الفلسفة واللغة في الثقافات الأخرى ماذا عن علاقة الفلسفة باللغة العربية في حقل الدراسات العلمية عربيا؟

ج29: د. محمود محمد علي: في اعتقادي أن علاقة الفلسفة باللغة العربية في حقل الدراسات العلمية عربيا تتجسد من خلال ما يسمي بقضية العلاقة بين المنطق والنحو ؛ حيث تعد من أدق موضوعات فلسفة اللغة وأصعبها تناولا، ويهتم بها المناطقة والفلاسفة والنحاة منذ أقدم العصور، بل من قبل أن يصيغ أرسطو المنطق ويضع قواعده ؛ بل لقد استمرت الصلة وثيقة بين المنطق والنحو عند المفكرين اللاحقين على أرسطو والرواقيين، حتى بعد أن اختلط منطق أرسطو بالمنطق الرواقي Stoic Logic عند مفكري ما قبل وما بعد الميلاد من أمثال "شيشرون" Cicero (106-43 ق. م)، و" جالينوس" Galen (129-200م)، و" سكتوس أمبريكس" Sextus Empiricus (160-210م )، وغيرهم، وقد زادت درجة الصلة ما بين المنطق والنحو توثيقاً عند مفكري ما بعد الميلاد، وذلك بفضل علم جديد هو القانون الروماني، الذي احتاج واضعوه إلي التسلح بمزيد من المنطق والنحو يساعدهم في اشتقاق الألفاظ، وتكوين المصطلحات الجديدة للتعبير بها عن الحالات القانونية والاجتماعية التي كانت تطرأ عليهم كل يوم.

ولهذا حاولت جاهدا أن أفسر علاقة الفلسفة باللغة العربية من خلال كتابي " النحو العربي وعلاقته بالمنطق، حيث شرحت من خلال رؤيتي الفلسفية (التي تعلمتها من خلال أستاذي الدكتور " حسن عبد الحميد" )، حيث أكدت علي أن المقال في المنهج لا ينفصل عن المقال في العلم في أية مرحلة من مراحل تطور العلم نفسه؛ ومعني هذا المبدأ ببساطة أن الحديث عن المنهج في أي علم من العلوم بمعزل عن المسار الذي يسلكه العلم في تطوره هو ضرب من التبسيط المخل "بالتجربة العلمية"، والتزييف المتعمد للروح التي ينبغي أن تقود العلم وتوجهه . فالمراحل الأساسية التي يمر بها العلم، والتي سبق أن أوضحناها في نهاية الفصل السابق، وهي المرحلة الوصفية، ثم المرحلة التجريبية، ثم المرحلة الاستنباطية، ترتبط ارتباطًا عضويًا بمراحل تطورية تناظرها في المنهج، أو المناهج المستخدمة في العلم نفسه.

ويترتب على هذا المبدأ الأبستمولوجي أننا لا نستطيع أن نحدد – كما يحلو لبعض العلماء وفلاسفة العلم – منهجا بعينه لعلم بعينه – حتي ولو كان ذلك في مرحلة بعينها من مراحل تطور العلم، اللهم إلا إذا كنا بصدد التأريخ للعلم الذي نتحدث عنه . والسبب في ذلك أن أهم عنصر يتدخل في تشكيل هيكل أو بنية العلم هو المنهج المستخدم في بناء العلم نفسه . ولكن المنهج الذي يعمل علي إضفاء بنية جديدة للعلم هو بالضرورة غير المنهج الذي تعارف جمهرة العلماء على استخدامه، ويترتب علي ذلك أن فصل المقال في المنهج عن المقال في العلم في أية مرحلة من مراحل تطور العلم هو قفل باب الاجتهاد في العلم، ودعوة إلى تعطيل البحث العلمي، وباختصار فإن هذا يعني وضع العلم داخل "سجن" الهيكل أو البنية التي اكتسبها في المرحلة التي تم فيها عزل المنهج عن السياق التاريخي التطوري للعلم.

وإذا ما طبقنا ذلك على النحو العربي، نجد أن هناك فصل للمقال عن المنهج عن المقال عن العلم في بداية نشأة علم النحو، فلم يكشف لنا رجال هذا العلم ومؤرخيه الظروف والدوافع التي أحاطت بنشأة النحو؟ ولا الشخصيات التي تنسب إليها ريادة البحث النحوي، كما لم تتضح لنا بعد صورة النحو العربي في مرحلته الوصفية سواء فيما يتعلق بفهم طبيعة المرحلة التي تنسب إليها نشأة الدراسات النحوية، أو بفهم طبيعة اللغة التي تتناول نشأة نحوها بالدرس ؛ فالنحو العربي بشهادة الكثير من الباحثين والدارسين كان في بداية منشئه " غامض كل الغموض، فأننا نرى فجأة كتابا ضخما ناضجا هو كتاب سيبويه ولا نرى قبله ما يصح أن يكون نواة تبين ما هو سنة طبيعية من نشوء وارتقاء "، فإن هذا يعني العجز عن التفسير .

س30: أ. مراد غريبي: بنظركم هل يمكن للغة العربية أن تشكل جسرا ثقافيا بين العرب والآخرين كما حصل في زمن الحضارة الإسلامية؟ وكيف السبيل إلى ذلك في ظل تحديات الجهل والتخلف وتراجع الترجمة والإنتاج العلمي عربيا؟

ج30: د. محمود محمد علي: أنا من المؤمنين بأن اللغة العربية تعد كما قال أستاذنا الدكتور علي مصطفي مشرفة أداة العلم ؛ خاصة وأن اللغة العربية اجتازت في عصرنا الحالي مرحلة من مراحل تطورها، فها ننسي اللغة العربية التي كان عرب البادية يتكلمونها بسليقتهم فيصفون بها حياتهم ويعبرون بها عن مشاعرهم في صحرائهم وبين ابلهم ارامهم والتي صارت بعد ذلك لغة الكتاب والفلاسفة في عصور المدنية الإسلامية، يتناولون بها سائر المعاني الأدبية والفلسفية .

وإذا نحن قارنا البيئة الفكرية الحديثة بما كانت عليه في أيام ازدهار الحضارة العربية فلعل أول ما يسترعي نظرنا سيطرة الروح العلمية علي تفكيرنا الحديث، وهذا الأمر جعل رجالات مجامع اللغة العربية في كل أرجاء الوطن العربي يطورون اللغة العربية من خلال إدخال كلمات وعبارات مستحدثة نشأت الحاجة إليها كما تغيرت معاني الألفاظ ومدلولات التراكيب بما يتفق والتفكير الحديث، وهجرت الألفاظ الغربية علينا أو التي لا لزوم لها، فنشأ عن ذلك تهذيب في اللغة قربها إلى عقولنا ساعد على حسن استخدامها.

إن مآل اللغة العربية في مستقبلها متوقف علينا نحن اليوم، فاللغة كما قدمت في دور التكوين سر بقائها، ولذا أقول ففي يدنا قتلها وفي يدنا إحياؤها .. أما قتلها فيكون بالجمود بها عن تطورها الطبيعي كما يكون بعدم التعاون بين الأمم المختلفة من أهلها علي توحيدها والمحافظة علي وحدتها .. وأما احياؤها فيكون بالتبصر والحكمة وحسن الرعاية والتمشي بها في السبيل الطبيعي لرقيها كلغة حية واحدة، ولذلك كان لزاما علي الأدباب والمفكرين من أهل اللغة العربية في عصرها الحالي أن يحوطوها بعنايتهم وأن يهيئوا لها أسباب الحياة الطيبة في بيئتها الجديدة حتى تتكيف بالبيئة وتجنح إليها وتحتويها، فاللغة   كالكائن الحي في تفاعل مستمر مع البيئة التي تحيط بها .. فإما تلاءما فاشتد الكائن وتكاثر .. أو إما تنافرا فاضمحل وتضاءل وهلك .3030 مراد ومحمود

س31: أ. مراد غريبي: بين الفلسفة والمعرفة العلمية علاقة وثيقة ومتشابكة، ماذا عن فلسفة العلوم من جهة واقتصاد المعرفة من جهة أخرى في أروقة الفعل الاكاديمي عربيا وبمصر تحديدا؟

ج31: د. محمود محمد علي: أنا مؤمن بأن اقتصاد المعرفة فرع من فروع فلسفة العلوم التي تهدف إلي تحسين رفاهية الأفراد والمجتمعات عن طريق دراسة نظم إنتاج وتصميم المعرفة، ثم إجراء التدخلات الضرورية لتطوير هذه النظم، وبذلك فإنه كما يقول "سولو" يولد نماذج نظرية من خلال البحث العلمي، ويطور الأدوات والتقنية وتطبيقها علي الواقع، وبناءً عليه فإن اقتصاد المعرفة يهتم بكل من : إنتاج المعرفة من خلال (ابتكار، اكتساب، نشر، استعمال، تخزين المعرفة)، وصناعة المعرفة التي تعتمد علي (التدريب، الاستشارات، المؤتمرات، البحث، والتطوير).

ومصر كغيرها من الدول النامية تحاول الاستفادة من ثورة المعلومات والاتصالات السائدة في عالم اليوم، وفي هذه الورقة نحاول أن نبرز كيف تمثل المعرفة الصفة الأساسية للمجتمع الإنساني، إذ من خلالها تحقق تحولات عميقة مست وغطت تقريبا كل مناحي الحياة، فالمعرفة هي إحدى المكتسبات المهمة للاقتصاد والمجتمع علي حد سواء، حيث أضحت في هذ الاقتصاد الصاعد الجديد المحرك الأساسي للمنافسة الاقتصادية بإضافتها قيم هائلة للمنتجات الاقتصادية من خلال زيادة الإنتاجية والطلب علي التقنيات والأفكار الجديدة، وقد واكبت هذه المنتجات فعليا التغيرات الثورية في كل الأسواق والقطاعات.

والاقتصاد القائم على المعرفة يتكون من أربعة ركائز أساسية: هي النظام الاقتصادي والمؤسسي الذى يقدم حوافز الاستخدام المعرفة بكفاءة ويعمل على ازدهار ريادة الأعمال، والتعليم والمهارات والذى يمكن الشعب من الإنتاج، والبنية التحتية للمعلومات والاتصالات والتي تسهل التواصل بفاعلية، ونظام الابتكار في الدولة وفي الشركات والمراكز البحثية.

س32: أ. مراد غريبي: في عصر العولمة، هل هناك أفق مستقبلي للثقافة والفنون والآداب العربية؟

ج32: د. محمود محمد علي: أنا من المؤمنين بأن تراث الأمم كما قال أستاذي مصطفي الفقي هو رصيدها الباقي، وهو ما تعتمد عليه في مواجهة غيرها وتتميز به عن سواها، ولا يمكن أن تنقطع جذور أمة عن تراثها العريق، ثم تصبح بعد ذلك شيئاً مذكوراً، لكن التراث لا يتعارض مع الحداثة، ولا يصطدم بالتجديد، بل إنّ الالتزام الأشد بالتراث يؤدي بالضرورة إلى تألق روح الحداثة ومفهوم التجديد والشواهد على ذلك كثيرة، إذ لا مستقبل لأمة ليس لها ماض، ولا تألق لشعب ليس له تراث.

ولا شك في أن استشراف مستقبل واعد للثقافة والفنون والآداب العربية، لا يمكن أن يتأتّى إلا من خلال تبني سياسة ثقافية واضحة، من شأنها المساهمة في تطوير الثقافة المحلية، والمحافظة على الهوية والخصوصية، وفق مخطط ثقافي محكم وواضح المعالم، ولو ألقينا نظرة خاطفة على الأفق الثقافي في المنطقة العربية، فإنه يمكن القول بأنه توجد فرص هائلة للتطوير في القطاع الثقافي والفنس والأدبي، والارتقاء بمستوى المخرجات والإنجازات ذات الصلة بهذا القطاع، خاصة في ظل وجود العديد من العوامل المشجعة التي تحتاج إلى رفع وتيرة التسخير الأمثل لها، فوطننا العربي يزخر بطاقات شابة هائلة، تحتاج إلى التحفيز والتشجيع للدخول إلى عالم الثقافة والآداب والفنون، وتنتظر من المؤسسات أن تأخذ بأيديها من خلال احتضان المشاريع والمبادرات، وإيجاد المنصات المثلى التي تطلق العنان لمهاراتها الخلاقة، وتسليط الضوء على إبداعاتها محلياً وإقليمياً وعالمياً.

س33: أ. مراد غريبي: في الختام، دكتور محمود، كيف تقاربون سبل النهضة عربيا، أي ماهي أهم المعاملات الضرورية للإقلاع الحضاري العربي؟؟

ج33: د. محمود محمد علي: لكي نقارب سبل النهضة عربيا فلابد من أن نجيب على سؤال : كيف نخرج أمتنا من هذا المأزق الحضاري، الذي يأخذ منها بالخناق؟

وقد اعجبتني إجابة الدكتور " محمد عمارة " حين قال بأنه لا بد من معرفة الأسباب التي دفعت الأمة إلى هذا المأزق... لأن علاج أسباب التراجع الحضاري، هو السبيل إلى الإقلاع الحضاري من هذا المأزق الذي تردينا فيه. لقد بدأت أمتنا طورها الحضاري العربي الإسلامي بنهوض وازدهار، تعلمت منه الدنيا، ولانزال نباهي به حتى الآن... فلماذا حدث استبدال التخلف بالتقدم؟ والجمود بالتجديد؟ والأزمة بالانطلاق؟ والقيد بالانعتاق؟ .. إن الوعي بأسباب التراجع الحضاري، وسمات استبدال أسباب التراجع بأسباب التقدم، هو الذي يضع عقولنا وأيدينا على المفهوم الصحي والحقيقي لمقولة: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها...». فليس المراد الهجرة من الزمن الحاضر إلى الزمن الخالي... وإنما المراد الوعي بأسباب النهوض الأول، ومناهجه، لنسلكها سبلاً للنهوض الجديد المنشود.

وحول معرفة أهم المعاملات الضرورية للإقلاع الحضاري العربي اعتقد أنه يتجسد من خلال ثلاث محطات: الأولى تحديث المناهج التعليمية وتطوير النظم التربوبة، والثانية دعم البحث العلمي في جميع حقول المعرفة، والمحطة الأخيرة تجديد أساليب الحياة العامة والخاصة على اعتبار ان المجتمعات العربية تتخبط في مشاكل لا حصر لها .

 

حاوره: أ. مراد غريبي

 

 

3030 مراد ومحمودالمثقف: الحلقة الثالثة من مرايا فكرية مع الباحث الفكري والفلسفي د. محمود محمد علي، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول حول المشهد الفكري - الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:


 المحور الثالث: عن الإصلاح الديني في مصر (التاريخ، الأعلام، الآفاق)

س17: أ. مراد غريبي: بداية لابد من الضبط المفاهيمي: ماذا يعني الإصلاح الديني عربيا و إسلاميا، و هل هناك تداخل مفاهيمي بين الإصلاح و التجديد و التحرير و التنوير، و ماهي أوجه التمايز بينها، ثم أي مجال للإصلاح الفكر فقط أم على عدة مستويات في الحياة؟

ج17: د. محمود محمد علي: بالنسبة لسؤال ماذا يعني الإصلاح الديني عربيا وإسلاميا؟ .. أقول لا يوجد ما يسمي بالإصلاح الديني عربيا وإسلاميا، ففكرة الإصلاح الديني فكرة مسيحية بروتستانتية انبثقت كحركة داخل المسيحية الغربية في أوروبا في القرن السادس عشر حيث شكلت تحديًا دينيًا وسياسيًا للكنيسة الكاثوليكية الرومانية والسلطة البابوية بشكل خاص، ومن ثم ففكرة الإصلاح الديني جاءت نتيجة لوجود اعتقاد الأوربيين بوجود انحراف في الدين ويحتاج إلى إصلاح .. بينما لدينا نحن المسلمون الدين بالنسبة لنا ثابت الأركان ومن ثم لا يمكن تطبيق فكرة الإصلاح الديني، إلا من خلال تجديد ما يسمي بالخطاب الديني.

أما فيما يخص التمييز بين الإصلاح والتجديد والتحرير والتنوير فأقول بأن الإصلاح والتجديد مرتبطان معا، فالبعض يعتبرهما مترادفان فيستعملون كل واحد منهما مكان الآخر، ولكن في نظري هناك فرق بينهما، فالإصلاح يفترض نقصا ما في الواقع. وقد يصل هذا النقص إلى  درجة الخلل وهذا يستلزم شيئا من الهدم وإعادة البناء، ولذلك فإن الإصلاح يقتضي أيضا عدم التسليم بالموروث واعتبار أن خطئا ما قد وقع عند السابقين فهما أو تطبيقا أو هما معا.. أما التجديد فيتمثل في عملية إضافة جديدة لا تنكر علي القديم بالهدم أو البطلان بل تُضيف الجديد الذي يحتاجه العصر وموقفها من القديم مبني علي فكرة القائم بواجب الوقت، وان السابقين قد قاموا بواجب وقتهم بناءا علي مقتضيات حياتهم وأزمانهم وأنهم حققوا نجاحات، وأن لكل عصر واجب يختلف عن واجب العصور السابقة، ولذلك فمع احترامنا للموروث إلا أننا لا نقف عنده ولا نقف ضده،بل نحترمه ونضيف إليه ونعيد صياغة مناهجه بصورة تتسق مع ما أضفناه من مناهج جديدة أيضا.. وأما التحرير والتنوير فهما مرتبطان معا، وإن كان هناك فرق واختلاف بينهما، فالتحرير فيعني التحرر من الأفكار الدوجماطيقية التي تعوق الإنسان نحو التفكير العلمي، والتحرير هنا مهامه نبذ التقليد والدعوة إلى الإبداع الفكري والعملي ..أما التنوير فهو مصطلح أوربي يشير إلى نشوء حركة ثقافية تاريخية في القرن الثامن عشر قامت بالدفاع عن العقلانية ومبادئها كوسائل لتأسيس النظام الشرعي للأخلاق والمعرفة.

وفيما يتعلق بسؤال أي مجال للإصلاح الفكر فقط أم على عدة مستويات في الحياة؟ .. فأقول فالإصلاح يكون على عدة مستويات وذلك لأن الإصلاح ينجب شامل ومرتبط بالثقافة السائدة على كافة المستويات: الفكرية والاقتصادية والاجتماعية .. الخ.. ومن ثم يكون الفكر شاملا ومعالجا لما هو كائن وليس ما ينبغي أن يكون.

س18: أ. مراد غريبي: تعتبر مصر مركز فكرة الإصلاح الديني الحديث في العالم العربي، هل كانت البداية بعد  حملة نابليون على مصر أم قبل ذلك؟ و ما هي أهم الأسباب التي أنتجت فكرة الإصلاح الديني في مصر؟

ج18: د. محمود محمد علي: مصر بلا شك كانت كما قلتم هي مركز فكرة الإصلاح الديني الحديث في العالم العربي، والبداية لم تكن بعد حملة نابليون على مصر، فنابليون لم يكن تنويريا، بل كانت قبل ذلك عند حسن العطار والجبرتي، فلا أنسى مقولة العطار؛ التي يقول فيها:" إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها، ومن سمت همته به، إلى الامتناع عن غرائب المؤلفات وعجائب المصنفات، انكشفت له حقائق كثيرة، من دقائق العلوم، وتنزهت فكرته إن كانت سليمة في رياض الفهوم ..."، وقد أودع العطار ثورته في تلاميذه، وكان أشهرهم وأقربهم إليه "رفاعة الطهطاوي"، الذي سافر بدوره إلي فرنسا، وألف عنها، واهتم بتجديد منظومة التعليم، ثم تلاه آخرون في شتى أرجاء الأمة العربية والإسلامية من أمثال: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الحميد بن باديس، وعبد الرحمن الكواكبي، وشكيب أرسلان، ومحمد البشير الإبراهيمي، والطيب العقبي، وإبراهيم بيوض، والعربي التبسي، وأبي اليقظان .. وغيرهم كُثر؛ جميعهم تركوا سؤال التجديد والتحديث، وحاولوا فهم دينهم بدنياهم، وإصلاح دنياهم بدينهم، سواء بسواء .

وحول أهم الأسباب التي أنتجت فكرة الإصلاح الديني في مصر، هو المجتمع نفسه أو شعور الجمهور أو العقل التابع وحاجته إلى التغيير، حيث انتشر التخلف والشعوذة علاوة على الاستعمار الذي بدأ يعذوها.. 

س19: أ. مراد غريبي: ارتبط عنوان الإصلاح الديني في مصر بشخصية الإمام الشيخ محمد عبده، لماذا و ماهي أهم الشخصيات الإصلاحية التي عرفتها مصر منذ عصر الشيخ عبده و إلى زماننا هذا؟؟

ج19: د. محمود محمد علي: نعم لقد ارتبط عنوان الإصلاح الديني في مصر بشخصية الإمام الشيخ محمد عبده، وذلك لكونه على رأس المجددين للفكر الديني والتحديث وكأول رائد للإصلاح في مصر، حيث نقل فكرة الإصلاح إلى عقل وقلب المجتمع المصري في المقاهي والبيوت والأزقة والشوارع، وكأنه سقراط مصر الذي جاء ليوّلد هذا الإصلاح، ولذلك وجدنا دعوته الرئيسية بعد عودته من المنفى لمدة ست سنوات، بسبب اشتراكه في الثورة العرابية، هي الإصلاح، إصلاح الأزهر ونظام التدريس فيه، إصلاح المحاكم الشرعية، الإفتاء، والأوقاف الإسلامية، وإنشاء مدرسة للقضاء الشرعي 1907..

وحول أهم الشخصيات التي عرفتها مصر منذ عصر الشيخ عبده و إلى زماننا هذا، نذكر مثلا الشيخ مصطفى عبد الرازق، ومحمد حسن الباقوري، ومصطفي المراغي، ومحمد الغزالي، محمد البهي، ومحمد متولي الشعرواي، وزكي نجيب محمود، علاوة على رجال من أمثال: عبد المتعال الصعيدي، وأمين الخولي.. الخ.3030 مراد ومحمود

س20: أ. مراد غريبي: هل عملية الإصلاح الديني عند الشيخ محمد عبده فعلا هي امتداد لدعوات نجد بشبه الجزيرة العربية، كما يرى البعض؟

ج20: د. محمود محمد علي: لم تكن عملية الإصلاح الديني عند الشيخ محمد عبده هي امتداد لدعوات نجد بشبه الجزيرة العربية، بل كانت ضدها حيث أن دعوة نجد تركز على الاكتفاء بالقديم، بينما دعوة محمد عبده هو أخذ القديم لغربلته وأخذ النفيس منه فقط والصالح للتطبيق في الزمان والمكان الذي أعيش فيه .. أما التجديد فلا يؤخذ على عواهنه ولكن نأخذه كي ننقيه من الشوائب وإدخاله ضمن الخطة العملية الإصلاحية الخاصة، وهذه تمثل عبقرية محمد عبده في الأصالة والمعاصرة والتراث والتجديد...

س21: أ. مراد غريبي: هل هناك ترابط بين تطور الفكر النهضوي العلماني و فكر التجديد الديني في مصر؟ و ماهي أهم الإشتغالات المتناسقة  بينهما إن وجدت؟

ج21: د. محمود محمد علي: نعم هناك ترابط بين تطور الفكر النهضوي العلماني و فكر التجديد الديني في مصر، حيث يوجد لدينا ما يسمي الفكر العلماني العربي وهو مختلف تماما عن الفكر العلماني الغربي، فالأول يطرد الدين وينحيه عن السياسة فقط في حين الثاني يطرد الدين عن كل أمور الحياة، ولذلك  العلمانية في بلاد الغرب نتاج ظروف وتطورات ومعطيات دينية وتاريخية واجتماعية وفكرية وسياسية وموضوعية وخير مثال للفكر النهضوي العلماني العربي كتاب " الإسلام دين العلم والمدنية لمحمد عبده، حيث كلمة "مدنيك" التركية هي الموازية لكلمة العلمانية .

وحول أهم الإشتغالات المتناسقة  بينهما إن وجدت فنجدها متمثلة في التفكير العلمي والتطبيق العملي حيث كان المنظرين هم المطبقين.

س22: أ. مراد غريبي: هل خطاب الإصلاح الديني المعاصر في مصر، لا يزال ينهج نفس مسلكيات السابقين في مقاربة  مشروع الإصلاح الديني أم أنه فعلا جدد في الفهم و المنهج و التطلع؟

ج22: د. محمود محمد علي: والإجابة تكون بالنفي، حيث كان خطاب الإصلاح الديني المعاصر يمثل نقلة نوعية عن منهج السابقين بحيث تجعله يسهم بدور أكبر في مواجهة المشكلات الحياتية للمسلمين، واللجوء إلى الحلول العلمية للمشكلات؛  ذلك أن عالمنا المعاصر عالم مختلف اختلافاً جذرياً عن العوالم السابقة بفضل ثورة المعلومات والاتصالات والثورة العلمية والتكنولوجية، وذلك فضلاً عن تداعيات عصر العولمة في مختلف الاتجاهات.

ولا شك في أن خطاب الإصلاح الديني المعاصر قد جدد في الفهم من خلال الدعوة إلى دور دعاة الإسلام في قيادة عامة للناس إلى حب الحياة، والى العمل من أجل التعمير والبناء والتنمية، متسلحين بثقافة الأمل، حيث علمنا ديننا الإسلامي أن نعيش على الأمل، وأن نجتهد في إصلاح أحوالنا،  كما دعا أيضا بأن يطور علماء ودعاة الإسلام في خطابهم الدعوي، بما يجعله أداة حقيقية للتغيير والإصلاح والنهضة التي ننشدها، بحيث يواجه العلماء والدعاة ما يبثه أعداء الأمة في نفوسنا من مشاعر إحباط ويأس وقنوط.

س23: أ. مراد غريبي: في أغلب محطاته الفكرية، كيف قارب الإصلاح الديني في مصر مسألة السلطات الدينية وصيغة المواطنة؟

ج23- د.محمود محمد علي: بالنسبة لمقاربة الإصلاح الديني في مصر لمسألة السلطات الدينية وصيغة المواطنة، فهذه المقاربة في اعتقادي قد تجسدت من خلال مواءمة الوعي العام للمصريين، مع متطلبات التنمية والإدراك الحي بمناخ العصر وتحدياته، وهذه المواءمة قد دعا إليها الإمام محمد عبده،عندما نادى في خطابه الإصلاحي بتوطين بعض المفاهيم المعاصرة في جسد الخطاب الديني؛ مثل مفهوم الدولة الوطنية والشرعية الدولية، ومفهوم المواطنة الذي تتساوى فيه الحقوق والواجبات بصرف النظر عن العرق والطائفة والدين.. وعلى هذه الخلفية احتلت قضية المواطنة في مصرنا أولوية كبيرة فى بناء مواطنة مدنية ذات بعد كونى حداثى قادرة على أن تواصل مسيرة بناء مصر الجديدة والمحافظة على مكتسباتها. وهنا صارت المواطنة لها حق وهذا الحق لا يتحقق بالقوانين وحدها لكن لابد أن ترتكز الممارسات أيضاً على المساواة الكاملة بين جميع المصريين وعلى حكم القانون المطلق بينهم فحق المواطنة هو الرابط بين الدولة والمجتمع وغياب حق المواطنة يجعل من الدولة سلطة فوقية معزولة عن مجتمعها.

س24: أ. مراد غريبي: هناك جدل واسع حول ماهية الإصلاح الديني من خلال إشكاليات وعي العلمانية و الحداثة لدى العديد من دهاقنة الإسلام السياسي، بنظركم هل الإصلاح الديني في مصر بحاجة لعلمانية إسلامية للتحقق أم العكس هو من ينتج العلمانية الإسلامية؟

ج24: د. محمود محمد علي: في اعتقادي أن الإصلاح الديني في مصر ليس بحاجة لعلمانية إسلامية، لا سيما بعد أن تبين للمصريين بأنه دهاقنة الإسلام السياسي كان ظهورهم على الساحة السياسية نتيجة مؤامرة إمبريالية أتاحتها لهم ملابسات ثورة 25 يناير سواء الداخلية والخارجية، لتحقيق مشروعهم لأسلمة نظام الحكم في مصر، والإنطلاق لتفعيل مشروع إسلامي إقليمي، هو في الواقع في سياق مشروع دولي لإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط على أسس طائفية برعاية أميركية، تقضي على آمال توحيد المنطقة.

وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد راهنت على رغبة شديدة في أن يتولى أقطاب الإسلام السياسي الحكم في مصر مع ضعف في الخبرة، وذلك مقابل محاربة الأعداء والمنافسين المشتركين وتبديل ما هو عدو استراتيجي وتحويله إلى عدو تكتيكي وتحويل ما هو خصم أو منافس تكتيكي إلى عدو استراتيجي . وعلى ضوء ذلك تقدير الإدارة الأمريكية لطبيعة المعركة وأدوار اللاعبين الإقليميين، تم استبدال الثنائي الباكستاني السعودي كحلفاء في تحويل الإسلاميين في الثمانينيات بثنائي جديد، تركيا القوية الجامحة لمواصفات الهوية والشرعية الإسلامية والحداثة والنجاح الاقتصادي والتجربة الديمقراطية العلمانية، وإمارة قطر الغنية بالنفط والغاز ومالكة قناة الجزيرة التي خطفت الجمهور العربي بإبهارها وتكتيكاتها وصدقيتها الإعلامية الناعمة والعابرة للدول ومن خلال انفتاحها على حركات الإسلام السياسي في مصر.

س25: أ. مراد غريبي: للإصلاح الديني مقتضيات من بينها: الفصل بين الدين والتدين، نقد الفهم الديني، تجديد فهم مقاصد الشريعة، تجاوز إشكاليات العلمنة والحداثة، أين محاولات الإصلاح الديني في مصر من هذا كله؟ و كيف ينظر لتجارب القمني، يوسف زيدان و عبد الجواد ياسين، نبيل عبد الفتاح و الأزهريين الثائرين و غيرهم على ضوء مشاريع الإصلاح الديني في العالم الإسلامي؟

ج25: د. محمود محمد علي: إن فكرة الفصل بين الدين والتدين، ونقد الفهم الديني، وتجديد فهم مقاصد الشريعة، وتجاوز إشكاليات العلمنة والحداثة ترتبط في نظري بمدى التغير الجذري الذي يمارس به المفكر دوره في الحياة الفكرية في عصره، ومدى الأثر العميق الذي يحدثه في مجرى الحياة الفكرية التي ينتسب إليها، من حيث قدرته على خلخلة الثوابت الجامدة وزعزعة الأفكار السائدة، وتأسيس نوع من الانقطاع الإبستمولوجي بين المعارف القديمة من جانب، والمعارف الجديدة من جانب آخر، مستهلاًُ الجديد الجذري الذي يطرح سؤال المستقبل بقوة على الفكر، نفياً لتقاليد الأتباع وتأسيساً لقيم الابتداع.. وتتجسد في حضور هذا النوع من المفكرين نقاط التحول الحاسمة في تاريخ الفكر الإنساني، حيث لا توجد استمرارية في منهجية المفكر، بقدر ما توجد قطائع واستحداثات لا تنتهى".. هذا النوع من المفكرين يهب على مجتمعه بما يشبه العاصفة الجائحة التي تتغلغل في كل الأركان، فلا تبقى شيئاً على حاله الذي كان عليه، حتى في دائرة القوى والتيارات المناقضة والمناوئة للتحول والتغير. فحدة العاصفة التجديدية التي تندفع بها رؤية هذا المفكر لا تقل عن الاتساع الممتد لتجلياتها، والأثر العميق لمتولياتها، والتغلغل الناتج لنوافذها؛ خصوصاً إذا كانت اللحظة التاريخية مهيأة للتغير الجذري, دافعة إليه ومتجسدة في الرؤية الشاملة للمفكر، ومتحققة بها في الوقت نفسه.

والسؤال الآن: هل تجارب سيد القمني، ويوسف زيدان وعبد الجواد ياسين، ونبيل عبد الفتاح والأزهريين الثائرين وغيرهم قد قاموا بعمل مشاريع للإصلاح الديني بحيث أن نقول إنها أحدثت نوع من القطيعة المعرفية؟

والإجابة في نظري تكون بالنفي لكونهم لم يحدثوا في فكرهم نوع من القطيعة المعرفية، فالقطيعة المعرفية في نظري تحتاج لمفكر أو فيلسوف يتميز بالمشاغبة ؛ فالمشاغب في نظري هو ذلك المفكر الذي يتمتع بمواهب لا تنكر وبطاقة فلسفية حقيقية، بحيث يفرض على الجميع أن يكون أحد الأسماء الهامة واللامعة في فكرنا المعاصر، وأن يسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، بحيث تكون اللبنات الفكرية والأدبية والسياسية التي يضعها تكون بمثابة الأساس الذي يبني عليه الكثيرون (سواء من تلاميذه، أو من مشاهديه) مشاريعهم الفكرية، ورؤاهم الفلسفية في الفكر العربي المعاصر، وأن يكون ليس مجرد فيلسوف يدعي أنه نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، ولكنه لابد  أن يكون إنساناً في تفلسفه،وفيلسوفاً في إنسانيته،وبين الإنسان والفيلسوف تتجلى المشاغبة الفلسفية لهذا الرجل المتعدد الأوجه سواء كمترجم،أو محقق،أو ناقد،أو سياسي،أو أكاديمي،أو أديب.. الخ.

علاوة على أن الفيلسوف المشاغب في نظري يجب أن يتمتع بصفات أخرى منها: أن يكون مغامراً لا يحدّه خوف، ومناضلاً لا تتعبه خيبة، ومقاوماً لا تكسِره شراسة الأيام، وأن يخوض بمفرده أشرس المعارك الفكرية، وأن يتحمّل ما يكفي من معاناة أزهرت فيما بعد كتباً لم تكن في الحسبان؛ بحيث يكون سلاحُه الاحتراف والاشتغال على الذات، وأن يكون صاحب فكر متّقد انتهج النقد سبيلاً، والتجديد أسلوباً، والكشف عن المنسي هدفاً، وألا يكون لديه القدرة في التواصل البنّاء مع المتلقّين من حوله، وألا يرضي بالبكاء على الأطلال، ولا التغني بنهضة سبقت، إنما يُسنّ قلمه ويُنهض بنفسه في حراك لا يهدأ سفراً، وبحثاً، وإنتاجاً، وأن يكون له حركةٌ هادرةٌ لا تعرف الراحة، وأن تكون لديه القدرة علي  الدورانٌ في المعنى، والاستنطاق المستدامٌ الذي لا يعرف السكون، وأن يكون هو جيشٌ من الفعلة هو، وأن يكون مبدعاً في أكثر من مجال؛ وكأنه مركز أبحاث، أو خلية نحل لها استراتيجية خاصة بكل يوم، تنجزها وتنتقل إلى أخرى متّجهة نحو حقل أبعد.

وللأسف تجارب سيد القمني، ويوسف زيدان وعبد الجواد ياسين، ونبيل عبد الفتاح والأزهريين الثائرين وغيرهم لم تعمل على إقامة مشاريع للإصلاح الديني بحيث تحدث نوع من القطيعة المعرفية، صحيح أنهم أمنوا بتحرير العقول وطرقوا قضايا دينية، فلسفية، وتاريخية راسخة في الوجدان العربي ربما لم يطرقها أحد من أبناء جيلهم..

ولذلك فأنا لا أنكر أن كتابات هؤلاء فيها من الايجابيات ما يذكر لها بالقطع، ولكننا إذا وضعناها تحت مجهر الابستمولوجيا المعاصرة؛ وخاصة ابستيمولوجيا " جاستون باشلار" القائمة على فكرة القطيعة الابستمولوجية، نجد أنها لا تستطيع أن تخلف لنا الأثر الجذري الذي تركته أعمال زكي نجيب محمود، ولذلك ظلت بحوثه الفلسفية بعيدة عن خلق قطيعة ابستمولوجية، ولذلك لا أستحي أن أقول بأن كتابات هؤلاء  لم تحول مجرى التفكير الفلسفي السائد والمنقول إلى تفكير إبداعي يحمل رؤية خاصة تتواءم مع مستجدات واقعنا الفكري. ومن ثم لم تُحدث تلك النقلة الكيفية في أدوات البحث الفلسفي، وإن استخدم الدكتور الشنيطي، قضايا ومشكلات فلسفية تناسب حركة الحياة الفكرية في عصره.

عندئذ يكون الأثر التجديدي لإنجاز هذا المفكر شبيها بالزلزال، الذي يحدث تأثيراً جذرياَ فى صميم بنية العلم السائدة، وتكون حدة الاستجابات المتعارضة لهذا الإنجاز التجديدي في تتابعه المتصل أو تصاعده المستمر، متوازية مع عمق الأثر الذي يتركه في مجالات فلسفية كثيرة، تصل بين دوائر عديدة تشمل المجتمع المصري بأسره.

س26: أ. مراد غريبي: أحد النماذج المعاصرة للإصلاح و التجديد الديني في مصر و الذي يعتبر مؤسس اليسار الإسلامي المفكر الراحل الدكتور حسن حنفي، ما أهم ما تميز به مشروعه الإصلاحي الثوري عن غيره ممن سبقوه أو عاصروه في حقل تحرير الفكر الديني؟

ج26: د. محمود محمد علي: في حياة الأمم والشعوب أفراداً يتميزون عن غيرهم بحيوية الفعل، وبالقدرة علي التضحية، وقد عرفت مصر الشقيقة نماذج رائعة من هذا النوع من الرجال الذين شكلوا طلائع الإحساس العميق بضرورة التغيير، وتمتعوا بقدرة كبيرة علي الاستنارة،وكان المفكر والباحث والكاتب الدكتور حسن حنفي، واحداً من كبار المفكرين المصريين المعاصرين والذي تميز بإنتاجه العلمي الفكري الثري والمتنوع في مختلف أبعاد وجوانب العلم والثقافة والفكر .. الخ

وحسن حنفي له مشروع متميز حول ما يسمي بـ  "التراث والتجديد" والذي يوصف بأنه "مانفيستو حسن حنفي" لأنه يقدم تفصيل لمشروعه الفكري في تجديد التراث الديني، وهذا التجديد يحمل هموم الإنسان فكرًا وواقعًا ووطنًا في العالم العربي المعاصر، وهو يقاوم لإبداء الموقف الحضاري من التراث العربي الإسلامي ومن التراث الغربي ومن الواقع بأبعاده الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والثقافية والفكرية والفلسفية .

وهذا المشروع يتوزع حول «التراث والتجديد» على عدة محاور رئيسية؛ بحيث شملت معالجاته أغلب القضايا التراثية من جهة، وأهم التيارات الفكرية الغربية من جهة أخرى. ومن ثم، يمكن القول: إن السمة الرئيسية المميزة لمشروع، أو قراءة، حنفي للتراثين: العربي والغربي، تتمثل في اتساع رقعة المشروع والشمولية، الأمر الذي انعكس بصورة سلبية على حساب الدقة في الطرح، والموضوعية في التناول.

هذا ويقوم مشروع حنفي لقراءة التراث العربي الإسلامي، في جوهره، على استقراء المدونة التراثية الشاملة بخطوطها السبعة: (علم الكلام، والفلسفة، والتصوف، وأصول الفقه، والعلوم النقلية كالتفسير والحديث والسيرة، والعلوم العقلية كالرياضيات والطبيعيات، وأخيرا العلوم الإنسانية). وينطلق هذا المشروع الضخم من عام 1400 هجرية ليقف بنا على مشارف مرحلة السبعمائة الثالثة من تاريخ الحضارة الإسلامية، بعد مضي وانتهاء مرحلة السبعمائة الأولى التي كانت تمثل مرحلة المد والازدهار، ثم مرحلة السبعمائة الثانية التي كان انقلابها الجدلي إلى الذبول والنكوص والاضمحلال.

س27: أ. مراد غريبي: ماهي أهم ملامح الإصلاح الديني في مصر الراهنة و هل هناك أفق مستقبلي بعودة الأزهر الشريف لدوره الريادي في التقريب و التنوير و التجديد و النهوض بالحوارات الحضارية بين المسلمين و مع الأديان الأخرى و كذا الغرب خصوصا جامعة دار العلوم التي شكلت طفرة في تاريخ  الفكر الإسلامي من أيام الشيخ عبده و الشيخ عبد الرزاق مرورا بالدكتور طه حسين إلى غاية زمن الدكتور حسن حنفي و راهنا الدكتور محمد عثمان الخشت؟

ج27- د.محمود محمد علي: نعم، فلقد لعب الأزهر أدوارا كبيرة في حماية الهوية الثقافية العربية الإسلامية، والدفاع عن قيم الوسطية والاعتدال في الفكر الإسلامي، ونشر العلوم الشرعية واللغة العربية، والتصدّي لتيارات التطرف والغلوّ التي تشذ عن صحيح الدين وتنحرف عن جادة الحق ومحجة الصواب، وهو حقا يمثل قلعة متقدمة للدفاع عن مبادئ الشريعة الإسلامية السمحة والفكر الإسلامي المستنير وعن القيم الراقية في الثقافة والحضارة الإسلاميتين،وقد اتضح لي ذلك من خلال أقوال فضيلة الإمام الدكتور أحمد الطيب والتي أكد في أكثر من مرة بأنه لا صراع حضارات كما قال هينتجتون، ولا نهاية التاريخ كما قال فوكاياما، وإنما نقول صراع التفاهات، وليس صراع الحضارات.. وأشار إلى أن حضارة الإسلام كانت مفتوحة على العالم، وتعاملت مع الأديان والحضارات بكثير من الاحترام والتواصل وتمد يدها للحضارات الأخرى وتستفيد وتفيد، فكان الإسلام أول من سعى للعالمية بثقافته المتنوعة..

وأعرب شيخ الأزهر عن أمله في حوار داخلي يجمع بيننا ويوحدنا قبل حوارنا مع الغرب الذي لا يعرف سوى لغة الاتحاد وليس في يده كتاب مقدس كالقرآن يحثهم على الاتحاد، بل إن الغرب الذي اتحد وزاد اتحاده قوة لا يمتلك من أسباب الوحدة ما لا يملكه المسلمون، ونحن العرب لنا لغة واحدة ودين واحد ومصحف واحد ونبي واحد ومع ذلك يقع بيننا العنف والبغضاء والمذهبية التي يسعى ديننا لاحتوائها جميعا. كما طالب بأن يحترم أهل كل مذهب الآخر، وألا يتخذ طرف من الأطراف هذه الخلافات لإحداث فتنة أو ينشر بها الكراهية بين أتباع الدين الواحد، وأن تقطع الطريق نهائيا عن الألاعيب السياسية.

انتهى

 

حاوره: ا. مراد غريبي

12 – 12 - 2021

 

 

3030 مراد ومحمودالمثقف: الحلقة الثانية من مرايا فكرية مع الباحث الفكري والفلسفي د. محمود محمد علي، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول حول المشهد الفكري - الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:

المحور الثاني: الفلسفة في مصر: الأعلام، المدارس، المنجزات

هذه الحلقة من حوارنا مع الدكتور محمود محمد علي، المفكر والأكاديمي العربي النشط نخصصها لفتح ملف الفلسفة في مصر الحديثة والمعاصرة، الأعلام والمدارس والمنجزات:

س11: ا. مراد غريبي: عرف الفكر الفلسفي تطورا مهما في مصر الحديثة والمعاصرة بفضل أسماء عديدة ساهمت في إثراء التأليف الفلسفي، هل يمكنكم تحديد أهم الشخصيات التي نهضت بالفكر الفلسفي الحديث والمعاصر في مصر؟

ج11: د. محمود محمد علي: هناك كثير من الشخصيات التي نهضت بالفكر الفلسفي الحديث والمعاصر في مصر نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: الأمام محمد عبده، طه حسين، وزكي نجيب محمود فهل، ومحمود أمين العالم، وعبد الرحمن بدوي، وحسن حنفي وغيرهم كثير، والحديث يطول لو تكلمنا عن كل واحد من هؤلاء، ويكفينا الكلام عن حسن حنفي رحمه الله والذي كان من أبرز مشاريعه الفكرية قضية "التراث والتجديد" الذى ينقسم إلى ثلاثة مستويات يخاطب الأول منها المتخصصين، والثانى للفلاسفة والمثقفين، بغرض نشر الوعي الفَلسفي وبيان أثر المشروعِ فى الثّقافة؛ والأخير للعامة، بغرض تحويل المشروع إلى ثقافة شعبية سياسيَّة.. قدم الراحل الدكتور حسن حنفى مجموعة من المؤلفات فى عدة مجالات منها: "سلسلة موقفنا من التراث القديم مكونة من 4 مجلدات، ومن العقيدة إلى الثورة، وحوار الأجيال، من النقل إلى الإبداع المكونة من 9 مجلدات، وموسوعة الحضارة العربية الإسلامية، وفيشته فيلسوف المقاومة، حوار المشرق والمغرب، من النقل إلى العقل" وكان أخرها "ذكريات" التى تضم حياته الشخصية ومسيرته العلمية.

س12: ا. مراد غريبي: يرى المتتبعون أن الفكر الفلسفي المصري المعاصر عرف ذروة تطوره في العالم العربي في الربعين الأخيرين من القرن الماضي مع أعمال الأعلام عبد الرحمن بدوي وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا ويوسف كرم، ثم لم يصبح مستقلا وإنما أكثر تأثرا بالمنتج الفلسفي الغربي وإعادة إحياء الفكر الفلسفي الإسلامي، هل صحيح وماذا عما بعد اهرامات الفلسفة المصرية الحديثة ؟

ج12: د. محمود محمد علي: ليس صحيحا القول بأن جهود عبد الرحمن بدوي وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا كانوا أكثر تأثرا بالمنتج الفلسفي الغربي وإعادة إحياء الفكر الفلسفي الإسلامي، فلا ننسي عبد الرحمن بدوي والذي قال عنه طه حسين بأنه أول فيلسوف عربي استطاع في كتابته أن يبين دور الفلسفة في تاسيس الوعي والروح التي يمكنها خلق حياة جديدة، ونظرة جديدة للكون، والحياة، والتاريخ، فتأسيس النظر أساس العمل، والثورة الروحية أساس الثورة السياسية والحضارة الجديدة... كذلك لا ننسي ما قدمه زكي نجيب محمود الذي أسهم فى إثراء العقل العربى وفند نظريات فلسفية قديمة وحديثة وقدمها للقارئ العربى بسلاسة «وغاص» فى أعماق الحياة بكل تفاصيلها، وكان كما قال عنه بحق العقاد؛ أنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة؛ فهو الذى رفض الاستعلاء والتنظير وسعى للتفكير العلمى والقابل للتطبيق، وقدم كتبه الفلسفية بقلم أديب ذو نكهة خاصة... وحول سؤالكم الطيب: ماذا عما بعد اهرامات الفلسفة المصرية الحديثة ؟.. أقول لكم هناك فلاسفة معاصرين خرجوا من رحم عبد الرحمن بدوي وزكي محمود وفؤاد زكريا من أمثال: عصمت نصار، وحسن عبد الحميد، ومحمد علي أبو ريان، ويحي هويدي، وزكريا إبراهيم، ومحمد مهران، ومصطفي النشار، وأحمد الجزار، ومحمد عثمان الخشت، ومحمد صالح، وفيصل بدير عون، ومحمد حسيني أبو سعده، ومني أبو زيد، ومجدي الجزيري، وأحمد سالم .. الخ، ومن قبلهم جميعا أستاذنا عثمان أمين صاحب فلسفة الجوانية والتي أكد من خلالها أن الإصلاح والتغيير على جميع المستويات الإنسانية والاجتماعية والسياسية والحضارية ينبغي أن ينبع من الداخل، ولا يُفرض من الخارج، أي أن تكون عملية الإصلاح "جوانية" وليست "برانية"، تركز على الداخلي والقلبي والإنساني الوجداني، وتنبع من الذات الحضارية، ولا يتم فرضها من الخارج سواء بالإملاء أو التقليد.. والحديث يطول ويطول لو أخذت أسرد لكم ما قام به الخلف من المصريين في مجال التفلسف والإسهام البناء في تطور الفكر المصري المعاصر.

س13: ا. مراد غريبي: ماهي أهم المدارس الفلسفية التي عرفتها مصر وهل لايزال حضور للفلسفة المصرية القديمة في الدرس والتأليف الفلسفين أم أن الفلسفة الإسلامية الأكثر حضورا في الفكر الفلسفي المصري المعاصر؟

ج13: د. محمود محمد علي: شهدت مصر مجموعة من المدارس الفلسفية في العصر الحديث، بدأت بمدرسة رفاعة الطهطاوي، مرورا بمدرسة الشيخ مصطفي عبد الرازق، ووصولا إلي جيل المعاصرين الذي حمل مشعل التنوير الفلسفي من أمثال مراد وهبة ونازلي إسماعيل وأحمد محمود صبحي وعبد الغفار مكاوي وحبيب الشاروني وغيرهم، علاوة علي الدور المؤثر والخطير والمؤثر في مسيرة الفلسفة المصرية المعاصرة كسلامة موسي وإسماعيل مظهر ومنصور فهمي وأمين الخولي ومحمد يوسف موسي ومحمود الخضيري ومحمد عثمان نجاتي ومحمد عبد الهادي أبو ريده ونجيب بلدي ومحمود قاسم ومحمد ثابت الفندي ومحمود فهمي زيدان ومحمد فتحي الشنطي وعزمي إسلام .. وحول سؤالكم الكريم: هل لا يزال حضور للفلسفة المصرية القديمة في الدرس والتأليف الفلسفيين أم أن الفلسفة الإسلامية الأكثر حضورا في الفكر الفلسفي المصري المعاصر؟..

 نعم هناك حضور للفلسفة المصرية القديمة في الدرس والتأليف الفلسفي،وقد حمله كل من الدكتور سليم حسن وثروت عكاشة ومصطفي النشار، حيث تمكنوا من أن يؤرخوا للفكر المصري بكل عصوره وأعلامه وأن يكتبوا عن الفلسفة المصرية القديمة وعن دور بتاح حوتب- رائد التفكير الأخلاقي، وأن يكتبوا أيضا عن دور أخناتون الملك الفيلسوف، وأن يكتبوا أيضا عن فلسفة الطبيعة وتفسير نشأة الوجود في مصر القديمة، كما كتبوا عن الفكر السياسي والاجتماعي في مصر القديمة .. الخ .. كما لا ننسي دور الفلسفة الإسلامية القديمة وحضورها لدي جمهرة المصريين المعاصرين من أمثال الشيخ مصطفي عبد الرازق الذي رد علي كل المستشرقين الذي تنكروا للفلسفة الإسلامية فقال لهم لا تنسوا أن لدينا فلسفة إسلامية متجسدة في علم أصول الفقه، كما النزعة السلفية الإسلامية التي حملها محمد البهي في كتابه " الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي" .. كما لا ننسى فكرة الروحية الجديدة التي جسدها عصمت نصار .. والحديث يطول ويطول ويكفينا تجديد علم الكلام عند حسن حنفي من خلال رائعته " من العقيدة إلى الثورة".

س14: ا. مراد غريبي: يجد المتتبع للتحولات التي عرفها الإنتاج الفلسفي في مصر المعاصرة أن هناك تباينا في الاتجاهات التي اختار رواد الفكر الفلسفي المعاصرون التركيز عليها فيطرح الإشكالات وفتح مناقشات جديدة، لكنها لا تكاد تخرج عن مسارات الفكر الديني والعلمانية والتصوف وفي الأغلب ترجمات مهمة مثل ما تركه د.إمام عبد الفتاح إمام للفكر الفلسفي العربي، ماذا عن العقل والعلوم والمناهج والتاريخ والقيم بطبع عدا الدكتور عصمت نصار والدكتور نصار عبد الله الذين كانت لهم إسهامات في عدة أنساق فلسفية وإحياء الرشدية عند د. وهبة؟

ج14: د. محمود محمد علي: توجد عدة إتجاهات وتيارات في دراسة الفلسفة في الجامعات المصرية، ومن أهمها الاتجاه الخاص بالفلسفة الإسلامية بفروعها الكثيرة من علم الكلام وبحث قضايا التراث قس ضوء قضايا ومتجددات العصر الحديث والجمع بين الأصالة والتجديد، كذلك ما يتعلق بالفقه والقياس الأصولي وحل المشكلات الدينية والشرعية وما يتجدد من حوادث ومعطيات حديثة بالقياس لحلول ومطيات السابقين وما ورد فيه الكتاب والسنة المطهرة . ومن مناهج الفلسفة والدراسات الفلسفية أيضا ما يتعلق بالتفكير الفلسفي المشائي وأثره لدي فلاسفة الإسلام العقليين كالكندي والفارابي وابن رشد وابن خلدون وما يتعلق من نظريات فلسفية وعلمية ومحاولة ايجاد أصالة فكرية لدي المفكرين العرب والمسلمين في ضوء دراساتنا لمعطيات المفكرين المحدثين علماء وفلاسفة وما يواكب ذلك من تيارات فلسفية وروحانية في مجال التصوف الإسلامي وإصلاح الأخلاق وتقويم النفس وتحليل آثارها ... ومن اهم المناهج والتيارات الفلسفية تيارات التفكير الفلسفي العقلاني التي ظهرت عند نخبة من كبار مفكرينا المصريين المعاصرين أمثال زكي نجيب محمود وحسن حنفي وعلي سامي النشار ومصطفي عبد الرازق وأبو الوفا التفتازاني وعاطف العراقي وإبراهيم مدكور وتوفيق الطويل وغيرهم .. ولعل أهم ما تركه هؤلاء في مجال الفلسفة الحديث هو محاولة التواصل الفكرى والحضارى بين المتقدمين والمحدثين ومحاولة فتح أفاق جديدة من خلال الانفتاح علي أصول الحضارات والثقافات العربية الحديثة وهذا بلا شك عامل حاسم من عوامل التنوير وقد نملي هذا كله في مناهج المكفرين المصريين في كيفية دراسة أفكار ومناهج المكفرين والفلاسفة العقلانيين والحدسيين الغربيين وقد ظهرت على أثر ذلك مناهج حديثة في دراسة العلوم الحديثة كالمنهج التجريبي والتاريخى والنقدى والحدسى، وظهرت تيارات جديدة مثل تيارات الفلسفة الحديثة والمعاصرة وفلسفة العلوم ومناهج البحث والمنطق الرمزي (من أمثال ماهر عبد القادر ومحمد السيد) والتنبه إلى ضرورة المزج بين العلوم النظرية والعلوم العملية وإدخال مناهج الرياضيات في مناهج العلوم الحديثة (من أمثال محمد ثابت الفندي ومحمد السرياقوصي).

وهناك اتجاه من المفكرين المعاصرين الذين غردوا خارج السرب من أمثال مراد وهبة وعصمت نصار ونصار عبد الله ؛ فأما مراد وهبه فيعرف عنه دعوته لضرورة إحياء فلسفة ابن رشد بوصفها "..أداة لجسر الهوة بين الغرب والمجتمع الإسلامي ونجاح ابن رشد في البيئة الأوروبية من خلال فلسفة الرشدية اللاتينية التي أسهمت كثيراً في تأسيس العقلانية الأوروبية، وما تولد عنها من إصلاح ديني في القرن الـ16، وتنوير في القرن الـ18، حيث وظفت بشكل واسع آراء ابن رشد الداعية إلى إعمال العقل في فهم النص وفي الحوار الإيجابي بين الناس، وأن هذه الروح هي ما يجب أن يسود حوار الغرب والشرق لأنها أساس السلام في أي منطقة من مناطق الأرض...".و أما عصمت نصار والذي أكد أن الفلسفة هى طوق النجاة بكل ما نحن فيه من تردٍّ وانحطاط، وسبيلنا الأقوم للنهوض والرقي، ونعني بالفلسفة (المنهج). فالمنهج هو الآلية التي تمكننا من إحياء التراث ونقد الوافد والفصل بين ثوابت الهوية والمتغيرات الحضارية في التجديد، وهى التي تقوم بتوعية الرأي العام القائد وترشده إلى ما يجب الأخذ به وما ينبغي العزوف عنه وتؤهل الرأي العام التابع بقبول التحديث والمبادئ العلمية وأصول المدنية، وهى أيضاً التي تنقذ المجتمعات من الأوهام الأربعة (خرافات الموروث، والمعتقدات الزائفة، ولجاجة العوام والسفسطة، وأكاذيب أصحاب السلطة والمشاهير ومزيفي الوعي) وهي كذلك التي تستطيع التمييز بين الأفكار الزائفة والحقيقة والخيال والواقع، وتمكن الأنا من الحوار الهادئ مع الآخر لذلك كله أرى ضرورة إعادة بناء كل برامجنا التعليمية والثقافية على أسس فلسفية... وأخير نصار عبد الله الذي سخر موهبته الشعرية لبناء فلسفة أخلاقية شعارها النسبوية والتي تعني أنَّ جميع الأحكام الأخلاقيّة ومبرراتها ليست مطلقة أو موضوعية أو عالميّة. بل هي نسبية وتتعلق بتقاليد ومعتقدات وممارسات وتاريخ مجموعة من الأشخاص. أيّ أنّ المجتمعات المختلفة والأفراد لديهم معايير مختلفة عن الحق والباطل. وتتغير هذه المعايير الأخلاقيّة من وقت لآخر في نفس الثقافة..3030 مراد ومحمود

س15-أ، مراد غريبي: قبل ختم هذه الحلقة، ماهي قراءة الفكر الفلسفي المصري للإنتاج التراثي الفلسفي والمنطقي والكلامي والديني: الغربي والعربي الإسلامي؟وماهي أهم الاستشكالات والنقاشات النقدية المثارة في المشهد الفلسفي الراهن... نرجو أن تسوق لنا بعض النماذج الفلسفية المصرية المعاصرةورؤاه التجديدية؟

ج15: د. محمود محمد علي: ليس الشعب المصري – بمخزونه الحضاري الكبير، وتاريخه الفكري والأخلاقي – بأقل من اي شعب آخر له فلسفته الخاصة به، بنظريتها وأعلامها، ومشكلاتها وحلولها، ومناهجها وتوجهاتها، وقد جرت عادة مؤرخي الفلسفة في تلمس الفكر الفلسفي عند شعب من الشعوب أو حضارة من الحضارات أن يبحثوا عن الأسئلة الوجودية الثلاثة، التي يطرحها الإنسان علي نفسه بعد أن يستكمل مقومات حياته الضرورية، وهي: من أين أتيت ؟.. ولماذا أنا موجود ؟... وأين المصير؟.. وهي الأسئلة التي طرحت علي العقل الإنساني، وما زالت تطرح حتي اليوم، كما أنها الأسئلة التي تعددت وتنوعت الإجابات المقدمة عنها بحسب عقلية كل فيلسوف، واتجاهه، والمذهب الذي توصل إليه ..

وإذا استعرضنا نماذج من أساتذتنا المصريين المعاصرين في هذا الأمر، فيمكننا أن أقدم لأستاذنا الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، حيث يعد كتاب الدكتور إبراهيم مدكور (في الفلسفة الإسلامية.. منهج وتطبيقه) الصادر سنة 1947م، بشهادة الدكتور زكي الميلاد في قراءته لكتاب الدكتور مدكور بأنه يمثل أحد أهم المؤلفات الرائدة خلال النصف الأول من القرن العشرين في حقل الفلسفة الإسلامية وتاريخها، الحقل الذي تأخَّر الاهتمام به في المجال العربي الحديث، وقلَّ فيه الابتكار والإبداع، ولم يشهد فيما بعد تراكماً متصلاً يتسم بالتطور والتجدد. ..كتاب الدكتور إبراهيم مدكور (في الفلسفة الإسلامية.. منهج وتطبيقه) الصادر سنة 1947م، أحد أهم المؤلفات الرائدة خلال النصف الأول من القرن العشرين في حقل الفلسفة الإسلامية وتاريخها، الحقل الذي تأخَّر الاهتمام به في المجال العربي الحديث، وقلَّ فيه الابتكار والإبداع، ولم يشهد فيما بعد تراكماً متصلاً يتسم بالتطور والتجدد... ويُذكر لهذا الكتاب ويُسجل له أنه جاء بعد ثلاث سنوات على صدور كتاب الشيخ مصطفى عبد الرازق (تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية) الصادر سنة 1944م، هذه الفترة الزمنية المتقاربة جعلت كل كتاب يُذكِّر بالكتاب الآخر، وهذا ما استفاد منه كتاب الدكتور مدكور، وذلك للشهرة الواسعة التي حظي بها كتاب الشيخ عبد الرازق لكونه من أسبق المؤلفات العربية في بابه.... من أكثر ما تميز وتفوق به كتاب الدكتور مدكور على الكتابات الفلسفية الأخرى، هو ذلك الجانب الذي يتصل بالمنهج التطبيقي، فهو من أكثر المؤلفات وضوحاً في المنهج من الناحيتين النظرية والتطبيقية، واتسم بالتجديد والابتكار من هذه الناحية، وكانت هذه من أعظم نجاحاته، بحيث يمكن القول مع الدكتور زكي الميلاد: إنه كتاب في الفلسفة من جهة، وكتاب في المنهج من جهة أخرى، وما زال إلى اليوم يحتفظ بهذه السمة المتفوقة... وجرت هذه التطبيقات كما يقول الدكتور زكي الميلاد على خمس نظريات تنتمي إلى الفلسفة الإسلامية، ثلاث منها جرت التطبيقات عليها في الجزء الأول، وهي نظريات السعادة والنبوة وخلود النفس، واثنتان جرت التطبيقات عليها في الجزء الثاني، وهما نظريتا الألوهية وحرية الإرادة.... ويرى الدكتور مدكور أن هذه النظريات ما هي إلَّا نماذج لدراسات ينبغي محاكاتها، وجزء من سلسلة يجب استكمال حلقاتها، وهناك نظريات أخرى بحاجة لأن تدخل في نسق هذه التطبيقات، منها نظرية واجب الوجود، والعلم الإلهي، والخلق والإبداع، والسببية والغائية، ومذهب التفاؤل، وغيرها من نظريات أخرى ميتافيزيقية وطبيعية وسيكولوجية وأخلاقية... وطريقة مدكور في تطبيقات المنهج على هذه النظريات الخمس، تبدأ بتوضيح النظرية وإعطاء فكرة كاملة عنها، وشرحها بلغة أصحابها وواضيعها، وبحسب الصورة التي ظهرت عليه في المجال الإسلامي، ومحاولة تلمس أصولها، والبحث عن مصادرها فيما نقل إلى العربية من أفكار أجنبية، أو فيما جاء به الدين من تعاليم.

س16-أ، مراد غريبي: ماذا حققت دراسات الفلسفة الإسلامية في العالم العربي بعد القامتين الدكتور مصطفي عبد الرازق والدكتور إبراهيم مدكور تأريخا وتفكيرا ونقدا؟

ج16: د. محمود محمد علي: هناك محاولات بذلت من قبل كثير من المفكرين المصريين شهدتها الفلسفة الإسلامية بعد القامتين الدكتورمصطفي عبد الرازق والدكتورإبراهيم مدكور تأريخاو تفكيرا ونقدا؛ ونذكر منها علي سبيل المثال محاولة أستاذنا الدكتور علي سامي النشار، حيث أشار النشار إلى موقفه النقدي هذا في هامش الجزء الأول من كتابه (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام)، عند حديثه في نهاية الكتاب عن الكتب المنهجية في المصادر العربية التي تحدَّثت عن المنهج في دراسة الفلسفة الإسلامية وتاريخها، فأشار كما يقول الدكتور زكي الميلاد إلى أربعة منها، أحدها كتاب الدكتور مدكور. وفي نظر الدكتور النشار أن كتاب (في الفلسفة الإسلامية)، يُمثِّل محاولة الدكتور مدكور الأخيرة في بيان حقيقة آرائه التي سبق وأن عبَّر عن كثير منها في مطلع شبابه، وكانت تتمحور حول إثبات أصالة المدرسة المشائية الإسلامية، وأنها لون جديد من ألوان الفلسفة، وتتميز بجدة وأفكار لا نجدها لدى فلاسفة اليونان. وفي هذا النطاق حسب رأي الدكتور النشار، جاء كتابي الدكتور مدكور الصادرين من قبلُ باللغة الفرنسية، وهما كتاب (منطق أرسطو في العالم العربي)، وكتاب (الفارابي ومنزلته في المدرسة الفلسفية الإسلامية). الكتاب الأول يرى فيه الدكتور النشار أنه يحتوي على عرض رائع لمنطق أرسطو في العالم العربي، وأثره في مختلف المدارس الكلامية والفقهية والعلمية والفلسفية، ومعتبراً أن كتابه (مناهج البحث عند مفكري الإسلام) جاء مناقشة نقدية لهذه الفكرة... الكتاب الأول يرى فيه الدكتور النشار أنه يحتوي على عرض رائع لمنطق أرسطو في العالم العربي، وأثره في مختلف المدارس الكلامية والفقهية والعلمية والفلسفية، ومعتبراً أن كتابه (مناهج البحث عند مفكري الإسلام) جاء مناقشة نقدية لهذه الفكرة... وهنا يصل الدكتور النشار إلى موقفه النقدي، حيث يرى أن هذه المحاولة التي تمزج بين المشائية والإسلام هي محاولة غريبة عن روح الإسلام، وعن تفكيره ومنهجه العام، لأن الفلسفة في نظره إنما تنبثق من الإسلام نفسه، عن القرآن والسنة، لا عن محاولة التوفيق والتنسيق والتلفيق، وفي تقديره أن فلاسفة الإسلام المشائين قد ابتعدوا عن الإسلام روحاً ونصًّا، وعن المجتمع الإسلامي فكراً وعقيدةً وحياةً، وأن الفلسفة المشائية قد ماتت في العالم الإسلامي منذ عهد بعيد، وبقيت العقائد الكلامية ولم تمت حتى عهدنا هذا... ويضيف الدكتور النشار كما يقول الدكتور زكي الميلاد أن الدكتور مدكور كان يبحث في الفلسفة بحث العالم المؤرخ، فراعته فلسفة الفلاسفة المشائين عند اليونان وعند المسلمين، فحاول في كتبه، وفي تحقيق علمي، أن يجعلها مُعبِّرة عن أصالة إسلامية، وهذا ما أنكره تمام الإنكار، إنها فلسفة بلا شك، ولكنها ليست تعبيراً عن فكر إسلامي وحضارة إسلامية... مع ذلك فإن الدكتور النشار لا يريد تخطئة الدكتور مدكور أكثر من هذا الحد، فقد استدرك على موقفه النقدي ليذكر أن مدكور «لم يكن على الإطلاق من مدرسة الفلسفة اليونانية التي رأت في فلسفة اليونان غاية الغايات، وأن إليها يعود كل فكر، ولم يرَ الدكتور إبراهيم مدكور على الإطلاق أن فكرنا المعاصر ينبغي أن يرتبط بفلسفة أوروبا وحضارتها، تحت تأثير الدعوة الخاطئة التي قدَّمتها مدرسة طه حسين على مسرح تفكيرنا»... وهذا الموقف النقدي للدكتور النشار قد يصدق على الجزء الأول من كتاب الدكتور مدكور، ولا يصدق بتمامه على الجزء الثاني.

 

حاوره: ا. مراد غريبي

5 – 12 – 2021م

..................

(1) تم الاقتباس في الإجابات الأسئلة 15و 16 من قراءة الدكتور زكي الميلاد لكتاب الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق، مجلة الكلمة، العدد (71) السنة الثامنة عشر، ربيع 2011م 1432 هـ

 

3030 مراد ومحمودخاص: المثقف: تستضيف المثقف الباحث الأكاديمي الأستاذ الدكتور محمود محمد علي، ضمن مرايا فكرية، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول المشهد الفكري - الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:

س1: أ. مراد غريبي: بداية، لديكم مسيرة حافلة سواءا في المجال الأكاديمي التعليمي وكذا المشهد الفكري الثقافي، قراءات مهمة لقضايا ورواد الفكر والفلسفة والحضارة والأدب والفن والعلوم، مما يستدعي تقديما منكم: كيف تشكل راهن الدكتور محمود محمد علي؟

ج1: د. محمود محمد علي: أنا محمود محمد علي أستاذ ورئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط بجمهورية مصر العربية وواحد من الباحثين المصريين المعاصرين الذين يطلق عليهم لقب المثقف الشامل، حيث ضربت بسهام وافرة في فروع الفلسفة، حيث كتبت في الفلسفة الإسلامية، والتصوف، وعلم الكلام، والمنطق ومناهج البحث وفلسفة الابستمولوجيا، علاوة علي اشتغالي بقضايا الفكر السياسي المعاصر، حيث كتبت موسوعة أجيال الحروب والتي صدر منها حتي الآن ثلاثة مجلدات، بدأت فيها من حروب الجيل الثالث إلي حروب الجيل الخامس، علاوة علي اهتمامي الشديد بقضايا الأوبئة والجوائح، ومقالاته المتعددة حول كوفيد 19، وكذلك مقالاتي في القضايا الاجتماعية والسياسية والمنشورة بالصحف والمجلات العربية والمصرية..

ولدت "محمود محمد علي محمد" في مدينة أخميم بمحافظة سوهاج بجمهورية مصر العربية، في الرابع والعشرين من شهر يوليو سنة 1966، ونشأ كعادة أبناء القرى فقد نشأت على حفظت القرآن والأحاديث النبوية والشعر العربي . وفي نفس الوقت بدأت طريق التعليم فدخلت مدرسة المجلس الابتدائية . ثم واصلت تعلمي للحصول على الشهادة الابتدائية من المدرسة الإعدادية الجديدة بأخميم حسب النظام التعليمي الذي كان معمولاً به آنذاك. قد حصلت على هذه الشهادة عام 1977م . واصلت تعليمي الثانوي بمدينة أخميم أيضاً فالتحقت بمدرسة أخميم الثانوية للحصول على شهادة إتمام الدراسة الثانوية عامة 1984م . وفي نفس العام انتقلت إلى جامعة أسيوط واختارت دراسة الفلسفة للحصول على ليسانس الفلسفة متفوقاً على كل أقراني عام 1988م، وقبل أن تعييني مدرسا مساعدا بكلية الآداب – جامعة حلون , حصلت على السنة التمهيدية للماجستير بقسم الفلسفة – جامعة القاهرة , ثم حصلت على درجة الماجستير في الدراسات المنطقية وكان موضوع البحث "المنطق الإشراقي عند السهر وردي المقتول في ضوء المنطق الأوربي الحديث " تحت إشراف أ.د/ عاطف العراقي عام 1990م بتقدير عام ممتاز. عينت مدرساً مساعداً بقسم الفلسفة – جامعة حلوان، وبدأت رحلة البحث في الدكتوراه بين جامعة جنوب الوادي وجامعة القاهرة حتى حصلت عليها من جامعة جنوب الوادي تحت إشراف أ.د/عاطف العراقي في موضوع "المنطق وعلاقته بالفقه عند الأشاعرة " عام 1995م بمرتبة الشرف الأولى؛ وعقب حصولي علي درجة الدكتوراه عُينت مدرسا للمنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب بجامعة حلوان، ثم حصلت علي درجة أستاذ مساعد عام 2004م، وكذلك حصل علي درجة الأستاذية في عام 2012م. اشتغلت بالتدريس في عدة جامعات مصرية وعربية، حيث قمت بالتدريس في جامعات حلوان وأسيوط، وجنوب الوادي، وفي جامعة السابع من أبريل بليبيا وذلك قبل سقوط نظام معمر القذافي، كما سافرت في مهمة علمية للولايات المتحدة الأمريكية، وحاضر بجامعة جورجيا الأمريكية في عام 2001م، التقيت بالعديد من كبار فلاسفة العلم المعاصرين، من أمثال سكوت كلينر، ويري بلاشوف، وستيفن تولمن وغيرهم، كما حضرت الكثير من المؤتمرات العلمية الدولية والمحلية . قمت بتأليف العديد من المؤلفات في الفلسفة، منها: جماليات العلم،، العلاقة بين المنطق وعلم أصول الفقه، والأصول الشرقية للعلم اليوناني، المنطق الصوري القديم بين الأصالة والمعاصرة، والنحو العربي وعلاقته بالمنطق، والعلاقة بين المنطق والتصوف في تراثنا الفكري "السهروردي المقتول نموذجا"، وحروب الجيل الثالث ونظرية تفتيت الوطن العربي، ودراسات في المنطق متعدد القيم وفلسفة العلوم، وحروب الجيل الرابع وجدل الأنا والآخر، وحروب الجيل الخامس وخصخصة العنف، وجائحة كورنا بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة، هذا بجانب ترجمته لكتاب البصيرة والفهم دراسة في أهداف العلم لستيفن تولمن.

س2: أ. مراد غريبي: تمثّل قضيّة العلاقة بين الحضاري والثقافيّ الفلسفي الموضوع الرئيسي لإهتماماتكم، ماذا عن علاقة الثقافة الفلسفية بالحضارات القديمة في مقاربة النهضة العلمية في مصر أولا والوطن العربي عموما؟

ج2: د. محمود محمد علي: شهدت حضارات الشرق القديم صحوة علمية وفلسفية قبل الحضارة اليونان بمئات السنين حيث قدمت لنا تلك الحضارات ثقافة فلسفية عالية في مجالات مثل نظرية المعرفة، فلسفة الطبيعة، الأنطولوجيا، الماورائيات، فلسفة الدين، الأخلاق وفلسفة الأخلاق، المنطق وفلسفة اللغة، الفلسفة الاجتماعية وفلسفة الحضارة، وعندما جاءت الحملة الفرنسية ومعها مجموعة كبيرة من خيرة العلماء، قام أحدهم وهو شامبليون ليعلن للعالم اكتشاف أسرار اللغة الهيروغليفية، وليكشف لنا كيف قامت الحضارة المصرية القديمة على الأسس الثلاثة للحضارة، وهي العلم والعمل والفن؛ والعلم في الحضارة المصرية واضح في علوم التحنيط والأهرامات والعمارة الشاهقة والمعابد الخالدة، وتعامد الشمس في أبوسمبل في عيد ميلاد الملك، وتقدم الطب المصري القديم والفن والعمل واضح في العمارة والحضارة المصرية القديمة، وهي تراكمية كغيرها من الحضارات.

وقد كان اكتشاف شامبليون له شأن كبير علي ضرورة الاهتمام بالحضارات الشرقية الأخرى وبالأخص العراق القديم، حيث إن هذه الحضارة تعد مهد الحضارة لكثرة الاختراعات والابتكارات الحضارية التي ظهرت فيه قبل غيره من البلاد منذ مطلع الألف العاشر قبل الميلاد حتى القرن السابع الميلادي، ففي العصر الحجري الحديث وقبل اختراع الفخار بدأ الناس بالاتجاه نحو الزراعة تاركين حياة الصيد وجمع الطعام فخلقوا أول تجمعات سكنية موسمية ما لبثت أن أصبحت دائمية خلال العصر الحجري الفخاري (نحو 7000 ق.م)، وقد كانت هذه التجمعات (القرى) هي أساس المدن الأولى التي بدأت بالظهور في العصر النحاسي (5900-3200 ق.م)، ويشتمل العصر النحاسي على حقبة العُبيد (5000-4100 ق.م) التي شهدت خلق الفنون المعقدة وصنع الأعمال الخزفية والأدوات النحاسية إضافة إلى بناء المعابد الأولى التي كانت على هيئة أبراج مدرّجة تُعرف باسم الزقورات يقوم على قمتها مقام الإله المقدّس.

س3: أ. مراد غريبي: لديكم رصيد قراءات مهمة لأهم رواد المذاهب الفلسفية خصوصا في مصر والعراق وغيرها من بلدان الوطن العربي المعاصرين والقدامى، من خلال إثارة إشكاليّات الثقافة والعلم والدين والحضارة والتاريخ،هل يعني هذا اقتناعا بقيمة الدراسة المتعدّدة الآفاق والمناهج والخلفيات للتفكر الفلسفي العربي، أي الدراسة التراكمية التوفيقية للفكر الفلسفي العربي القديم والحديث والمعاصر أم ماذا؟؟

ج3: د.محمود محمد علي: عندما شرعت في الكتابة عن رواد المذاهب الفلسفية سواء في مصر أو باقي دول العالم العربي من المعاصرين والقدامى، من خلال إثارة إشكاليّات الثقافة والعلم والدين والحضارة والتاريخ، كان هذا اقتناعا مني بقيمة الدراسة المتعدّدة الآفاق والمناهج والخلفيات للتفكر الفلسفي العربي، حتى أنني عندما قمت بنشرهم ورقيا حملوا أكثر من عنوان مثل: مفكرون مغمورون، ورجال عرفتهم، وشخصيات فلسفية معاصرة.3030 مراد ومحمود

س4: أ. مراد غريبي: الآن نحاول التركيز أكثر معكم، كيف ترون راهنية العلاقة بين الفلسفة والتاريخ بكل حمولاته الدينية والثقافية والسياسية واللغوية والحضارية في الغرب وفي العالم العربي الإسلامي؟

ج4: د. محمود محمد علي: أنا واحد من المؤمنين بأن ارتباط الفلسفة بالتاريخ ليس فقط من حيث هو تاريخ الفلسفة، بل من حيث هو فلسفة التاريخ أي التفكير في تطور التاريخ وحركته ومحاولة البحث عن قانون يحكم هذا التطوّر، وعندما ترتبط الفلسفة بالتاريخ تنمو وتزدهر وتحيا. وإذا انفصلت عن التاريخ تخبو وتتقلّص وتموت. ويشهد التاريخ على ذلك. فمن أسباب موت الفلسفة في العصر الوسيط أنها كانت فلسفات عقائدية لا تهتمّ بتطور التاريخ البشري ولا بحياة الشعوب ولا بمراحله المختلفة، اقتصرت على صياغة فلسفات لا تاريخية ثلاثية القسمة: منطق وطبيعيات وإلهيات دون أن يكون فيها تاريخيات أو إنسانيات كأقسام مستقلة غير ملحقة بالإلهيات. كانت العلاقة بين طَرَفي الحقيقة علاقة رأسية بين الله والعالم، وليست علاقة أفقية بين الماضي والمستقبل أي الله في التاريخ والخلود في الزمان. وعلى العكس من ذلك، تحيا الفلسفة بدخولها في معارك التاريخ وباستثمارها رصيد الفكر الإنساني، وإنجازات الروح البشري. وهنا تبدو أهمية أرسطو مؤرخاً وأولويته على سقراط وأفلاطون، فعن طريق أرسطو بُعِث التاريخ، تاريخ الفكر اليوناني، فلم يكن أرسطو يبدأ أية مشكلة دون عرض آراء السابقين عليه، وقبل أن يبدأ برأيه الخاص، فأمكن رؤية جدلية الموضوع واحتمالاته المختلفة. ولمَّا كانت كتابة التاريخ نذيراً بنهاية مرحلة وبداية أخرى كما هو الحال عند أرسطو وابن خلدون وتوينبي. وفي تراثنا القديم كان يمكن للفلسفة أن تزدهر من التفكير في تاريخ الفِرَق دون تكفير بعضها للبعض الآخر، وتكفير الفرقة الناجية ـ فرقةُ أهل السُنَّة والحديث ـ كلَّ الفرق الأخرى. فتاريخ الأمة هو تاريخ فكرها دون إدانة وحكم بالمُروق. وكان للفلسفة أن تحيا بالتفكير في تاريخ الأمم والحضارات وتاريخ الفرق غير الإسلامية هذا الجزء المجهول في علم أصول الدين الذي ذكره علماء الكلام وهم بصدد الحديث عن صفة "الواحد" أو بصدد الحديث عن الحضارات البشرية السابقة على الإسلام مثل حضارات الهند وفارس والروم. كما كان يمكن للفلسفة أن تزدهر لو ظلّ الاجتهاد ولم يتوقف المسلمون عنه. وكان يمكن لها أن تزدهر أيضاً لو استأنفت تفكير ابن خلدون في علم التاريخ، في أسباب انهيار الأمم والشعوب، وتزيد عليه أسباب نهضة الأمم وشروط البعث الحضاري الجديد. وقد بدأت الإرهاصات منذ القرن الماضي في الفكر الإصلاحي والعلماني والسياسي كلٌّ بطريقته الخاصة دون أن تنشأ فلسفة أو أن يؤسَّس اتجاه أو يُقام مذهب. وهذا لا يعني أن الفلسفة قد ماتت بل يعني أن ظروف حياتها ما زالت تتهيأ وأنها على مشارف ميلاد جديد.

س5: أ. مراد غريبي: ما نوع العلاقة التي تتصوّرون بين الفلسفة من جهة والإستشراق والاستغراب من جهة أخرى في تشكل الفكر الفلسفي العربي الحديث والمعاصر؟

ج5: د. محمود محمد علي: اعتقد أن موضوع الإستشراق وما يقابله من استغراب قد اكتسب أهمية كبرى؛ لما يتضمنه من معاني وخلفيات العلاقة التاريخية والمتجذرة بين الشرق والغرب، وتحديداً بين الإسلام وعالمه، والغرب كمعطى جغرافي أو ثقافي، حيث تراوحت هذه العلاقة بين التوتر والصراع والحوار بحسب تطوّر موازين القوى بين الطرفين بين الأمس واليوم.

ولا شك أن الاستشراق والمستشرقين قد خدم تراثنا الفكري لقد تناول المستشرقون التراث العربي والإسلامي بالكشف والجمع والصون، والتقويم والفهرسة، لكنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل تجاوزوه إلى حيث دراسة هذا التراث وتحقيقه ونشره وترجمته والتنظير له والتصنيف فيه، في منشئه ومصادره وتأثره وتطوره وأثره ومقارنته بغيره، مستعينين ذلك كله بما أنشأوه من المعاهد والمراكز البحثية والمؤسسات العلمية الجامعية والمطابع والمجلات ودوائر المعارف والمؤتمرات، حتي بلغوا فيه منذ مئات السنين، وفي شتي البلدان وبسائر اللغات، مبلغاً عظيماً من العمق والشمول والطرافة، وأصبح إنتاجهم العلمي يكون أحد الروافد الرئيسية لوعينا القومي، وأحد مصادر المعرفة المباشرة لتراثنا وثقافتنا العلمية والفلسفية والقومية.

أما فيما يخص الاستغراب فبما أننا ندرس الغرب فيما أطلق عليه الدكتور حسن حنفي " الاستغراب" في كتابه القيم (مدخل إلى علم الاستغراب) لابد أن نشير إلى أن أهمية دراسة الغرب هي أنها تحولنا إلى ذات دارسة بعد أن كنّا ومازلنا موضع الدرس للأخرين (الأوروبيون والأمريكيون، ودخل الآن الساحة لدراستنا اليابانيون والصينيون وغيرهم) فالتحول إلى ذات دارسة يعيننا في التغلب على مركب النقض الذي وضعنا فيه بجعلنا موضع الدراسة للآخرين، ويعيد لنا بعض الثقة في النفس وأخذ زمام المبادرة بالعودة إلى تسلم مسؤولية الشهادة على الأمم

س6: أ. مراد غريبي: كيف هي وضعية الفلسفة في مصر بالمقارنة مع محطات القرن الماضي؟

ج6: د. محمود محمد علي: اعتقد أن الصدمة الحضارية التي تلقتها الشعوب العربية منذ بداية الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882، ثم توالي احتلال البلاد العربية الأخرى كسوريا، والعراق، وليبيا، وتونس والجزائر، والغرب، أقول أن هذه الصدمة وليست الوعي بمدي ما أحرزه الغربيون من تقدم وبمدي التخلف الذي تعاني منه الشعوب العربية بسبب ظروف هي خارجة عن إرادتها، أقول إن هذه الصدمة ولدت الوعي بمدي ما أحرزه الغربيون من تقدم وبمدي التخلف الذي تعاني منه الشعوب العربية بسبب ظروف هي خارجة عن إرادتها في كل الأحوال .

وبالطبع فقد كان أول موجة لرد الفعل على يد دعاة التحرر الوطني ودعاة الاستقلال، ومن ثم ظهرت في ثنايا ذلك حركات الإصلاح الديني ؛ فمن رفاعة الطهطاوي إلي محمد عبده في مصر، ومن خير الدين التونسي في تونس إلى عبد الحميد بن باديس في الجزائر .

وظهر في وجود هذا الجيل الأول، جيلا جديدا من المفكرين ؛ جيل منصور فهمي، وأحمد لطفي السيد، ومصطفى وعلي عبد الرازق وساطع الخضري وسلامة موسى وطه حسين وعباس محمود العقاد وهو جيل تنويري حاول عبر تياراته المختلفة إلى الإسلام السياسي إلى اليسار الاشتراكي والليبرالية الرأسمالية وهي تيارات تراوحت بين الدعوة إلي التراث والنهل من علوم الحضارة الغربية ومناهجها الحديثة.

وفي أحضان هذا الجيل ظهر الجيل الثالث الذي بدأت معه المشاريع الفكرية العربية المعاصرة، جيل عثمان أمين وإبراهيم بيومي مدكور وعبد الرحمن بدوي وتوفيق الطويل ويوسف كرم وزكريا إبراهيم في مصر، وجيل محمد عزيز الحبابي في المغرب، وحسين مروة وحسن صعب ورينية حبشي وأدونيس في لبنان، والطيب تزيني وصادق جلال العظم في سوريا .

وقد بزغ من رحم الجيل الثالث الجيل الرابع، وهذا الجيل حمل بداخله عدة مشاريع فكرية مثل:

1-المشاريع الفكرية التي استندت علي الموروث دون الوافد والمتمثل في إحياء فكر الحنابلة وبعض النزعات السلفية ؛ من أمثال حسن البنا، وسيد قطب، يوسف القرضاوي، وحسن الترابي وراشد الغنوشي.

2-المشاريع التي استندت على الوافد الغربي دون الاهتمام بالموروث من أمثال: محمد عزيز الحبابي والشخصانية الوجودية، وهناك من يمثلون البنيوية في الفكر العربي المعاصر من أمثال محمد عابد الجابري في المغرب، ومحمد أركون من الجزائر وجابر عصفور وصلاح فضل من مصر.

3- المشاريع التي حاولت التوفيق بين الوافد والموروث، ويأتي علي رأسها المشروع الفكري الضخم لزكي نجيب محمود في كتابيه الشهير: تجديد الفكر العربي، والمعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، ومشروع محمد عابد الجابري في مؤلفاته الشهيرة: نحن والتراث، وبنية العقل العربي، وتكوين العقل العربي، ونقد العقل السياسي .. الخ.

س7- أ. مراد غريبي: ألا ترون أن مناهج الدرس الفلسفي بالجامعات العربية اليوم بحاجة لمراجعة معمقة لموقعها الأساسي في صياغة المنظومة الأكاديمية بما يتناسب والتحديات والتحولات والرهانات في مجال التعليم العالي؟ وماهي أهم ملاحظاتكم بهذا الخصوص؟

ج7: د. محمود محمد علي: اعتقد أن الفلسفة ليست معطى سهل المأخذ، بل هي ككل الحقول المعرفية تحتاج إلى تطوير مستمر في محتواها، وفي أدوات تدريسها. ومن هنا فإن التفكير في مستجدات حقل تطور الدرس الفلسفي ضروري لتطوير الدرس الفلسفي في جامعاتنا العربية، وفي أدوات تدريسها من أجل تجويد نقل الخطاب الفلسفي النقدي العقلاني إلي الفئات المتعلمة، مع الأخذ في الحسبان النمو النفيسي والذهني للمتعلم، بتصريف اللغة الفلسفية ومبادئها ومرتكزاتها عن طريق تعليمات ٍنوعية وكفايات شمولية تجعل من المتعلم قادراً على أن ينخرط في مجتمع المعرفة والتنوع الثقافي والعرقي والمذهبي، بروح الحوار والنقد والتسامح. ويتحصل من هذا أن الفلسفة كممارسة داخل المؤسسات التربوية والتعليمية تواجه بلا شك يفي مصر والعالم العربي صعوبات على مستوى تقبلها، وخاصة في وقتنا الراهن، والذي ازدادت فيها عقلية التشدد والنبرة الطائفية قوة ونفوذاً.

وقد عرفت الفلسفة في ماضينا السياسي والثقافي والجامعي التهميش والإقصاء، وهو ما تجيل يفي تغييب تدريسها مؤسساتنا التعليمية العريقة (جامعة القرويني كنموذج) بفعل فتاوى فقهية وضغوطات سياسية. ومن جهة ّ أخرى، لا يوجد تصور بيداغوجي واضح يفي الوقت الحالي بخصوص تدريس هذه المادة.

س8: أ. مراد غريبي: ماسياق إنجازك كتاب "دراسات في المنطق المتعدد القيم وفلسفة العلوم"؟

ج8: د. محمود محمد علي: اعتاد الباحثون على أن يسموا المنطق الذى يعول علي قانون الثالث المرفوع باسم المنطق الثنائي، نظراً لاعتماده من وجهه النظر المنطقية الرياضية علي نسق ثنائي القيم، مهما يكن المعني المنسوب لهاتين القيمتين . وبالمثل أيضاً، فإن المنطق الذى يسمح بوجود ثلاث قيم سوف يسمى بالمنطق ثلاثي القيم، بينما المنطق الذي يسمى بأربع قيم فيسمي بالمنطق رباعي القيم، ..الخ، ومثل هذا يقال أيضاً عن المنطق الذى يسلم بوجود عدد لا متناهي من القيم يسمى بالمنطق متعدد القيم.ولقد خطا المنطق متعدد القيم أولى خطواته التصويرية على يد تشارلز بيرس، حيث قام بيرس بجهود منفردة ومستقلة عن أعلام المنطق الحديث أمثال فريجة، وراسل، ووايتهد،، لتطوير الجهاز الرمزي المنطقي وسد ثغرات المنطق القديم، فساهم مثلاً في إقامة أولى نظريات المنطق الرمزي، وهى نظرية حساب القضايا، ووضع بعض قوانينها . وإليه يرجع الفضل في إقامة نظرية حساب العلاقات، بادئاً من تلك الإشارات والتوجيهات التي قدمها دي مورجان، . وفضلاً عن ذلك استخدام بيرس قوائم الصدق ثنائية القيمة، وقد قادته هذه القوائم إلى تصور إمكانية بناء قوائم أخرى تتسع لقيمة صدق ثالثة وهنا وصلنا لما سمي بالمنطق المتعدد القيم، وهذا المنطق ارتبط بقضايا كثيرة في فلسفة العلم المعاصر ؛ منها مشكلة اللايقين في فيزياء هيزنبرج، ومشكلة الغموص في المفاهيم الفلسفية التي تتعلق بقضايا الذكاء الاصطناعي .. الخ.

س9: أ. مراد غريبي: ناقشتم مشروع البروفسور الراحل مهدي المنجرة فيلسوف المستقبليات، ماذا عن فلسفة المستقبل في أروقة الإشتغال الفلسفي العربي والإسلامي خصوصا في المشهد الفكري الفلسفي بمصر؟

ج9: د. محمود محمد علي: اعتقد أن الدراسات الاستشرافية لا تهدف إلى التنبؤ بالمستقبل بل إلى التبصير بجملة البدائل المتوقعة التي تساعد على الاختيار الواعي لمستقبل أفضل.. فالاستشراف ليس تنبؤاً وتكهناً بالمستقبل أو اطلاعاً على الغيب، وليس استخدام أدوات هذا العلم الذي يمكننا على معرفة المستقبل، وإنما توقع احتمالات قد تحدث بنسب متفاوتة والاستعداد لكل احتمال. وفق منهجية علمية ومحاولة تكوين صورة واضحة عما يمكن أن يحدث وذلك على أساس معلوماتنا عن الظروف الطبيعية والحيوية لواقعنا المصري الذي نعيش فيه. وغاية الدراسات المستقبلية في مصر هو توفير إطار زمني طويل المدى لما قد نتخذه من قرارات اليوم.

ومن أجل الحيادية في قراءة المستقبل في مصر علينا تجنب الأفكار المسبقة أو الاندفاع لرؤية بعض الأمور التي تناسب أفكارنا وتجاهل أو نبذ الأخرى التي تزعجنا، فإذا أردنا لهذا المستقبل أن يكون أقرب ما يكون فلا بد لنا أن نضع ذلك المستقبل على شاكلة نرضاها لمستقبلنا من خلال اتخاذ القرارات التطويرية الآخذة بعين الاعتبار النتائج والتداعيات المحتملة لهذه القرارات على مدى زمن بعيد نسبياً.

س10: أ. مراد غريبي: قضيّة العلاقة بين المشروع النهضوي في الفكر العربيّ المعاصر قديمة ومتجدّدة.من أيام فرح أنطون، وشبلي شميل، وسلامة موسى من جهة، رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمّد عبده، شكيب أرسلان من جهة أخرى وصولا للمعاصرين من المفكرين والفلاسفة. أين الفكر العربيّ والإسلامي المعاصر من تفعيل هذه القضيّة حيث مسودات المشاريع تتلاحق والواقع يزداد تخلفا ونكوصا؟

ج10: د. محمود محمد علي: اعتقد أن التفكير بمشروع نهوض عربي جديد يستوجب خطوتين كبيرتين، الأولى في التأسيس المعرفي لهذا المشروع من موقع التاريخ العربي الحديث، في حين أن الخطوة الثانية تقوم على التأسيس الفكري الفلسفي النقدي له، ولذلك لا يمكن التفكير في مشروع نهوض عربي جديد دون استدعاء مرجعيات محددة، قصد بناء المعطيات التي تمكننا من توضيح محتوى ما نحن بصدد التفكير فيه؛ وفي هذا السياق يمكن العودة إلى النموذج التاريخي الحضاري الغربي، كما يمكن استدعاء بعض عناصر مشروع النهضة العربية، كما تبلورت في التاريخ العربي المعاصر خلال القرنين المنصرمين ؛ وتاريخنا العربي عامة والحديث منه خاصة، يحوي تجارب نهضوية تدل على أن فكرة النهضة ليست غريبة على تاريخنا.

ولكن للأسف عندما نشخص واقعنا العربي الحالي نكتشف أن مجتمعاتنا العربية تعاني كما قال الجابري من ثنائية أفقية قوامها بني حديثة اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية تستنسخ بشكل مباشر وتقليدي بني المجتمع الأوربي المعاصر، وإلى جانب هذه البنى الحديثة تنتشر هنا وهناك وفي كل مكان بنى مجتمعنا التقليدي الذي تكرس استمرار عالم القرون الوسطى، علاوة علي ثنائية عمودية كما قال الجابري أيضا تعول علي وجود ثقافتين مختلفتين " الثقافة البدوية القروية الريفية ونخبتها التقليدية " العالمة" والثقافة المدنية العصرية الحداثية ونخبتها " المثقفة".

 

حاوره: ا. مراد غريبي

28 – 11- 2021م

 

2916 علي اليوسف ومراد غريبيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة من مرايا فكرية مع الباحث الفلسفي المفكر الأستاذ علي محمد اليوسف، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:

المحور السادس: إشكالية الوعي في الفلسفة الغربية المعاصرة.. جون روجرز سيرل1 نموذجا.

س98: ا. مراد غريبي: في احدى مقالاتكم الاستاذ اليوسف، تساءلتم: هل الوعي مادة؟ ما توضيحكم لهذا التساؤل.

ج98: ا. علي محمد اليوسف: هل الوعي يمتلك خواص المادة مثل الحركة والإمتداد والأبعاد الثلاثة الطول والعرض والارتفاع واضاف انشتاين البعد الرابع الزمن؟ وهل تمتلك المادة خاصية التفكير الواعي منفردة على خلاف خاصية تفكير الوعي في تعبير اللغة عن مدركات العقل المادية؟ هل المادة عقل مفكر ذاتيا يعي تفكيره؟ وهل الفكر جوهر مادي مستقل عن منظومة العقل المتعالقة بإدراك الموجودات؟ وبأي وسيلة تعبير تمتلك المادة الإفصاح الإستدلالي عن وجودها الانطولوجي دونما إدراك الوعي العقلي لها في غير دلالة اللغة؟

نقصد بالمادة هنا كل موجود غير عاقل يمتلك صفات وماهية المادة كمتعّين أنطولوجيا يدركه العقل ولا يدرك هو العقل.

لقد "وضع هوبز النزعة الآلية في الإمتداد، وأضاف جوهرا آخر للمادة هو التفكير لكي يفسح في المجال لوعي الانسان الذاتي، وجعل من هذين الجوهرين – يقصد المادة والوعي - يعتمدان على الله ".

س99: ا. مراد غريبي: إذن بماذا تحددون الاجابة على التساؤلات التي طرحتها؟

ج99: ا. علي محمد اليوسف: الوعي ليس مادة بالمعنى الحسّي المتعين أنطولوجيا، وصفات الامتداد والحركة الآلية في المادة لا غبار عليها، والوعي لا يمتلك خواص المادة ولا صفاتها بإستقلالية عن منظومة العقل الإدراكية من ضمنها اللغة، ولكي يكون الوعي متعّينا مدركا أنما يكون في إمتلاكه قابلية التحول من موضوع لافيزيائي الى لغة تعبير فيزيائي في التفكير بشيء مادي أو بموضوع خيالي. وإلا أصبح الوعي من إفصاحات النفس تجريدا التي هي ليست موضوعا مدركا بإستقلالية عن العقل. بل النفس مفهوما بتعبير لغة العقل عنه. بمعنى لكي يكون الوعي موضوعا مدركا عقليا علينا ربطه باللغة في موضعتهما الأشياء التي يعبرّان عنها. وبغير تلازم الوعي مع لغة التعبير لا يبقى وجود له في عالم الموجودات الخارجية في التعبير اللغوي المتموضع معه الوعي في كل شيء يدركه العقل بوعيه فيه وتعبير اللغة عنه. وبغير هذا التلازم بين الوعي واللغة وبين الوعي والعقل يكون الوعي صمتا تفكيريا بالذهن داخليا فقط. بعبارة ثانية الوعي هو تموضع لغوي صامت في التعبير خارجيا عن مدركات العقل، واللغة تموضع إفصاحي عن مواضيع إدراك الوعي لها. الوعي حلقة ضرورية داخل منظومة الإدراك العقلي لا يمتاز بخصائص المادة ولا يمتلك خاصية أن يكون موضوعا تجريديا أو ماديا يدركه العقل.

س100: ا. مراد غريبي: كيف يكون الربط بين علاقة تجريد كلا من الوعي واللغة ببايولوجيا العقل؟

ج100: ا. علي محمد اليوسف: الوعي حلقة تجريد يمتاز بها العقل ويمارسها وسيلة معرفية شأنه شأن اللغة، وليس الوعي جوهرا ماديا مستقلا ذاتيا ايضا. فكلاهما الوعي واللغة حلقتان تجريديتان في منظومة العقل الإدراكية. وكما لا يستطيع العقل جعل اللغة موضوعا مستقلا في إدراكه لها دونما أن تكون اللغة تعبيرا عن موضوع مدرك، وكذا يعجز العقل أن يجعل من الوعي موضوعا يدركه بإستقلالية لوحده خارج منظومة الإدراك. الوعي أو اللغة تجريدان تعبيران يرتبطان بعملية الإدراك العقلي ولا قيمة لهما في إستقلاليتهما عن موضوع مدرك. بمعنى لا يمكن للعقل أن يدرك الوعي أو اللغة تجريدان مستقلان من غير تعالقهما بمعنى قصدي يلازمهما.

ولا يكون الوعي موضوعا مستقلا لإدراك العقل له، فالوعي شأنه شأن الزمن ليس موضوعا لإدراك العقل بل وسيلة إدراكه لمواضيعه، كذلك اللغة هي تجريد تعبيري للعقل لكنها ليست موضوعا مستقلا في إمكانية إدراكه لها مجردة عن موضوع يلازمها إدراكيا، وعندما نفكر بشيء ما أو موضوع ما فنحن نفكر به لغويا تجريديا – وتموضعيا ماديا، أي بمقدار ما تكون اللغة تجريدا في تعبيرها الفكري عن الاشياء بمقدار ما تكون جزءا متموضعا ماديا في التعبير عن تلك الاشياء كموجودات تحمل لغة إفصاحاتها معها.. اللغة ليست خاصية الفكر التجريدي في التعبير فقط بل هي لغة تمثل جزءا متموضعا في كل شيء يدركه العقل. اللغة ليست إدراكا تجريديا فقط وإنما هي صفة ملازمة للاشياء التي يدركها العقل ليس بلغته بل في إكتشافه تموضع اللغة بها ويقرأها العقل وعيا تجريديا لغويا في انطولوجيا الموجودات المدركة..

وحينما يدرك الوعي المادة كتجريد لغوي فهو يكتسب خصائص الموضوع المادي المدرك المنفرد بلغة الذهن الصامت. بمعنى الوعي لا يكون ماديا حسّيا في تعبيره اللغوي عن الاشياء وإنما يبقى الوعي تجسيدا لغويا تجريديا في التعبير عن مدركات العقل المادية والخيالية. الوعي أكثر تجريدا صامتا من تجريد اللغة الصامتة والإفصاحية معا، كون الوعي فهم معرفي صامت وليس تعبيرا إدراكيا تصوريا مثل اللغة يمكن معرفته من خلال تعبيره عن موضوعه الذي يجري التفكير فيه ويعيه العقل.. وفي كل هذه الخصائص التي نتصورها خطأ أنها مستقلة عن بعضها في الوعي واللغة إلا أن حقيقتهما البايولوجية جوهران ينتظمهما الإدراك العقلي.

وحينما يعي الوعي ذاته بمعنى حينما يعي الانسان وعيه لذاته فهذا لا يخرج عن أصل التعبير في معنى مرادف هو إدراك العقل لذاته كموضوع الذي هو ماهية الانسان الفردية التي لا يدركها سوى صاحبها، في مطابقة الوعي المجرد مع كينونة العقل الفيزيائية التجريدية لغويا في تعبيره عن مدركاته وفي تعبيره الواعي عن كينونته الذاتية. وفي كلتا الحالتين لا يكون الوعي موضوعا منفصلا لإدراك العقل بل وسيلة إستدلالية له في معرفته الاشياء. الوعي لغة عقلية صامتة واللغة وعي ناطق في تعبيرات العقل عن مدركاته.

ليس هناك من علاقة إدراكية حسّية ولا حتى علاقة تخييلية ميتافيزيقية، ترتبط بهما (المادة والوعي) في إمتلاكهما خاصية الحركة والامتداد والأبعاد الثلاثة لكل مادة. فالمادة والوعي جوهرين متكاملين في وظيفة الإدراك العقلي لكنهما جوهرين منفصلين كموضوعين في إدراك العقل لهما. ولا يمتلكان (المادة والوعي) الاستقلالية التأهيلية الإنفصالية أحدهما عن الآخر ليدخلا في علاقة معرفية وإدراكية مع الله كما ذهب له هوبز.

إختلاف المادة عن الوعي أنها تمتلك صفاتها الانطولوجية كمتعيّن مادي يدركه العقل، وهذا ما لا ينطبق على الوعي كونه غير مادة لذا فهو ليس موضوعا مستقلا في إدراك العقل له. فأينما وجدت المادة وجد الوعي الملازم لها في إمكانية إدراكها. وهناك فرق جوهري كبير بينهما سبق لنا ذكره هو أن المادة تكون موضوعا للعقل بينما لا يكون الوعي موضوعا مدركا للعقل، لذا فالحركة والامتداد والأبعاد الطول والعرض والارتفاع والزمن ألإدراكي لها هي صفات للمادة فقط ولا تكون صفات ماهوية أو خصائصية للوعي الذي هو تجريد لا مادي حاله حال اللغة والزمن كمفهوم مطلق في تعبيره عن الشيء وهو ليس جزءا مدركا يلازمه.

التفكير ليس آلية خاصية تمتلكها المادة أية مادة، فالمادة لا تفكر نتيجة الوعي الإدراكي العقلي لها الذي هو جوهر لغوي تجريدي لا مادي، بل الوعي ينوب عن لغة تفكير العقل في موضعته الاشياء المادية ويبقى إدراك اللغة المتموضعة بالشيء تجريدا تفكيريا للعقل وتبقى المادة وجودا أنطولوجيا في ذلك الإدراك مستقلة وجودا. بمعنى لا توجد خصائص معينة تجمع المادة بالوعي على أنهما جوهرين منفصلين وليسا جوهرين متداخلين داخل منظومة العقل الإدراكية الواحدة.

س101: ا. مراد غريبي: هل تنطبق صفات المادة التمدد والحركة والتقلص على الوعي ايضا مع فارق التجريد بينهما في تعبير اللغة عنهما؟

ج101: ا. علي محمد اليوسف: صفتا الحركة والامتداد اللتان تمتلكهما المادة كجوهر، لا يمتلكهما الوعي كتفكير مجرد في تعبير اللغة عن مدركات العقل إلا فقط بإرتباط الوعي بموضوعه المادي ويكتسب منه الحركة والإمتداد بتجريد منفصل عنه.. وهنا يكون الوعي الملازم لإدراك الشيء في مجمل تحولاته وتغييراته هو (زمن) إدراكي ملازم للشيء بفارق أن الوعي زمن مفارق لموضوعه بعد الإدراك العقلي له بخلاف الزمن الذي يلازم الموجودات ولا ينفصل عنها إلا بوسيلة واحدة حينما يكف العقل عن إدراك شيء يكون إستغنائه عن زمن إدراك ذلك الشيء قائما بالإنفصال عن العقل وليس بالإنفصال الزمني عن الموجودات المادية، الزمن ملازم دائم للاشياء فكل مدرك مكانا هو مدرك زمانا وبغير هذا التعالق الزمكاني لا يقوم العقل بوظيفة إدراكه الاشياء، ولا يكون الزمن ملازما العقل الا وقت حاجته إدراك الاشياء، لذا فالإنسان يكون متحررا من سطوة الزمن الإدراكي عليه في حالة اللاشعور وفي أثناء النوم.

وعندما نؤشر على وجود شيء أنما يكون تأشيرنا مرادفا متعالقا مع زمن إدراكنا له، في حضور الوعي معه زمنيا إدراكيا. الوعي بالشيء مرتهن بملازمة زمن الإدراك لذلك الشيء، والزمن يلازم العقل في حضوره الإدراكي فقط ويلازم الشيء مكانا في كل الحالات وجميع الانتقالات والسيرورة والحركات. وجود الشيء هو زمن وجوده الانطولوجي، بينما وجود الوعي تعبير لغوي صامت لا علاقة مركزية دائمية تربطه بالتبعية بالشيء المدرك خارج تبعيته لمنظومة العقل الإدراكية..

أما أن يكون الوعي منفردا بإستقلالية كجوهر ميزته حركة إمتدادية في الاشياء فهذا ما لا يقبله علم وظائف وفسلجة الاعضاء كون الوعي هو حلقة غير منظورة ولا محسوسة ولا تمتلك إستقلالية تفكيرية دونما إرتباطها بمنظومة العقل الإدراكية في معرفة الاشياء والتعبير لغويا تجريديا عنها.. فالوعي يبقى حلقة تجريدية تفكيرية لا مادية يتوسط الحواس والذهن ولا يمتلك الاستقلالية ولا قابلية أن يكون موضوعا مدركا انطولوجيا متعينا بأبعاد المادة مثل الحجم والكتلة والارتفاع والطول والعرض الصلابة وحالات السيولة والغازية وغيرها من خصائص مادية ممكن إدراكها بالحواس.

س102: ا. مراد غريبي: ما علاقة الوعي الذاتي بالمادة؟ وهل الوعي تخليق عقلي ام تخليق انطباعات الحواس؟

ج102: ا. علي محمد اليوسف: علاقة الوعي بالمادة علاقة ادراكية هي من تخليق الدماغ وليست من تخليق الحواس. الوعي ليس انطباعات مصدرها الحواس، بل الوعي ناتج ردود الافعال الارادية التي يصدرها الدماغ في تفسيره لمدركات الحواس.

والوعي الذاتي هو وعي العقل لكينونته البشرية المرتبطة بفيزياء الجسم وليس الوعي المرتبط بموضوعه المادي خارجيا في تجريده اللغوي الذي هو خاصية الوعي المجرد وليس خاصية المادة كموجود أنطولوجي شيئي. وعي الذات يختلف جوهريا عن وعي الأشياء والموجودات الخارجية والمحيط.

الوعي الذاتي هو جزء إدراكي في لغة تفكير العقل فهو يعي ذاته والمواضيع الخارجية لكنه لا يكون موضوعا لذاته الذي هو تفكير العقل، أي لا يكون الوعي موضوعا مستقلا لتفكير العقل به، إلا في إرتباطه كحلقة في منظومة الإدراك العقلي، أي الوعي جوهر مجرد لامادي ويكتسب ماديته الخصائصية غير الجوهرية من المادة التي يعيها في تعبير اللغة عنها... فالوعي جوهر تفكيري صامت ويكون فكرا لغويا تعبيريا عن ذاتيته وعن مدركات العقل المادية بتعبير اللغة عن الاشياء خارجيا. الوعي هو تفكير العقل اللغوي الصامت.

س103: ا. مراد غريبي: قام سبينوزا كي ينسجم مع فلسفته في وحدة الوجود بشخصنة ذات الخالق ماهية وصفات بوحدة موجوداته الموزّعة على الطبيعة والانسان والكائنات وكل ما يقع تحت طائلة الإدراك العقلي، معتبرا كل هذه الاشياء تفقد فرادتها "كونها تمثل جوهرا واحدا هو الله. الذي يكون الفكر والإمتداد مجرد صفتين له." ما تعليقكم على ذلك؟

ج103: ا. علي محمد اليوسف: في تعبير سبينوزا السابق نجده يشخصن الله ماديا طبيعيا في وحدة موجوداته الموزعة في الطبيعة والانسان والكائنات وكل الموجودات التي يطالها العقل بالإدراك، وهذه الشخصنة عند سبينوزا مادية وليست روحانية كما نجده عند الصوفية الدينية شخصنتها الذات الإلهية روحانيا ميتافيزيقيا على عكس من شخصنة سبينوزا الذات الإلهية ماديا طبيعيا، وبذلك جعل الله يتحكم في موجوداته المخلوقة بقوانين الطبيعة التي ندركها نحن ولا يمتلك هو- الله - قوانينه الخاصة به في قدرته تجاوز كل قوانين الطبيعة وكل معجزات الانبياء وهذا خطأ مريع في أن يكون ما هو خارج قوانين الطبيعة لا يمثّل القدرة الإلهية المعجزة في إعتبار قوانين الطبيعة والموجودات ومعجزات الانبياء لا تقف عند حدود الإعجاز الإلهي مثلما يقف أمامها عجز الإدراك الانساني لها. ولم يكن سبينوزا موفقا في تعبيراته شخصنة ذات الخالق في إمتلاكه صفتين هما (الفكر والامتداد) اللتين هما صفتين ماديتين تحكم الموجودات الطبيعية في قابلية الحركة بإستثناء الانسان الذي يمتلك الفكر الذي لا تمتلكه بقية الكائنات. من الخطأ تصنيف مذهب وحدة الوجود عند سبينوزا في تشييئه الذات الإلهية انه يلتقي الصوفية الدينية التي تقوم ايضا على تذويت الذات الالهية وشخصنتها بإستقلالية عابرة للطبيعة وقوانينها الثابتة المحكومة بها من ضمنها الانسان.

سبينوزا فيلسوف ليس صوفيا ماديا ولا صوفيا دينيا ميتافيزيقيا. ومذهب وحدة الوجود لا يبيح للصوفية الدينية تذويت الخالق بمخلوقاته في الطبيعة.

سبينوزا في مذهب وحدة الوجود أراد تخليص اللاهوت المسيحي واليهودي على السواء من تذويت الخالق ميتافيزيقيا غيبيا بالانصراف الى تذويته ماديا من خلال الاحساس المباشر بأعجاز مخلوقاته في الطبيعة وهذا ما لا تقر به الصوفية الدينية التي لا تعمل بمذهب وحدة الوجود من منطلق تذويت الذات الإلهية من خلال الماديات والاشياء والظواهر الموزعة بالطبيعة. بل من خلال تذويت الذات الالهية بروحانية نورانية لا علاقة لأي شيء مادي محسوس بها.

بمعنى لا تمتلك المادة خاصية الفكر باستثناء امتلاك عقل الانسان قابلية التفكير إذا ما اعتبرنا العقل تكوينا فيزيائيا يرتبط في جسم الانسان جزءا عضويا منه ويمتلك ملكة التعبير اللغوي تجريديا عن مدركات العقل.. الفكر ملكة خاصيتها تعبير اللغة وبغير هذا التعبير يفقد الفكر حضوره الإدراكي. ولا نجد في ربط خاصيتي المادة في الفكر والإمتداد موفقا مقبولا، فالإمتداد صفة حركية للمادة انطولوجيا بخلاف الفكر الذي هو ليس مادة مستقلة كجوهر انطولوجي قائم بذاته فكيف يتسم بصفة الإمتداد والحركة المادية وهو ليس مادة؟ نجد عند عديد من الفلاسفة الغربيين عندما يريدون التوفيق تلفيقيا بين المتضادات يستعينون بمرجعية الخالق التي تتوازى ميتافيزيقا الطرح الفلسفي مع منطق العقل ماديا ولا يلتقيان في تمرير تلك المتناقضات بمنطق التلفيق الافتعالي للخروج من المأزق أو المعضلة التي وصلت الطريق المسدود فلسفيا.

 

س104: ا. مراد غريبي: منذ القرن السابع عشر عصر ديكارت أخذ مبحث (الوعي) في الفلسفة إهتماما استثنائيا في أعقاب إطلاق كوجيتو ديكارت أنا أفكر.... الذي كان قمّة الوعي الذاتي المثالي في جعل الواقع الخارجي وجودا لا أهمية له في إمتلاك الوعي الفردي القصدي لمعرفة الذات.. هل تحدثنا عن هذه الاشكالية الفلسفية وكيف نشأت وتطورت؟

ج104: ا. علي محمد اليوسف: في أعقاب مجيء فلاسفة عديدين على مراحل زمنية متباعدة ظهر الفيلسوف برينتانو بمقولته (أن اللاوجود القصدي هو ككل هدف قصدي موضوع ومضمون مختلفان) وسنجد تأثير هذه العبارة على سيرل لاحقا.. ليعقب – برينتانو - تلميذه هوسرل مستعيرا قصدية الوعي منه في شرح معنى إدراك الذات على أنها إشباع لوعي معرفي هادف في شيء محدد مقصود سلفا في وجوب الادراك بلوغه.. وبذلك تأثر تلميذه من بعده، هيدجر في إعتباره الوعي القصدي هو نتاج الواقع المادي الذي لا يكون له معنى ما لم يكن وعيا ديناميكيا– في – عالم مؤكدا أهمية الوجود المجتمعي ومقصّيا وعي الفردية الذاتية في سلبيتها، وجاء سارتر ليتوّج ذلك في الوجودية أن الوجود سابق على الوعي به ليلتقي بالفهم المادي الماركسي من غير رغبة منه بذلك وإنما مكرها لخلاصه من مثالية ديكارت الذاتية المقفلة في علاقة الأنا بكل من الفكر والوجود.. وخروج سارتر لاحقا على الماركسية نفسها في جوانب فلسفية خلافية عديدة أفادت منها الفلسفة البنيوية كثيرا في نقدها القاسي للماركسية لدى كل من التوسير، وشتراوس، وفوكو، وبياجيه.. وغيرهم.

س105: ا. مراد غريبي: كيف انتقل مبحث الوعي القصدي الى الفلاسفة الأمريكان مثل جون سيرل، وسيلارز، ورورتي وغيرهم، من اقطاب فلاسفة العقل واللغة؟

ج105: ا. علي محمد اليوسف: مبحث الوعي القصدي كان مثار اهتمام الفلاسفة قرونا طويلة، وكان التهيب من الخوض به هو الدخول في نفق ميتافيزيقي. مع ظهور فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية فائض المعنى التي ركز على هذه الاخيرة بتطرف فلسفي كلا من امبرتو ايكو في التأويلية وجاك دريدا في التفكيكية. ما جعل الفلاسفة الأمريكان يستضيفون الفلاسفة الفرنسيين والألمان من هواة فلسفة اللغة ويستلموا الراية منهم. يذهب سيرل أنه استنادا الى تقليد معرفي في الفلسفة المثالية يوجد فرضية خاطئة معتمدة تلك هي أننا لا يمكننا أدراك العالم الحقيقي بصورة مباشرة، وهي تشبه محاولة شخص تطوير علم الرياضيات على افتراض عدم وجود الارقام.

هذا المعنى الفلسفي كان مثار جدال حاد جدا بين الثلاثي جون لوك، ديفيد هيوم، وبيركلي، وقد تناولت اشكالية الادراك الانطولوجي في مقالة لي منشورة بعنوان (اشكالية الادراك: الاصل والصورة). وليس هنا مجال البحث في تفاصيلها لأنها تحتاج شرحا مطولا.

س106: ا. مراد غريبي: هل الوعي يرتبط بعلاقة تجريدية مع الادراك ام بعلاقة عضوية بايولوجية مصدرهما منظومة الدماغ؟ ولمن تكون الاسبقية للإدراك ام للوعي؟

ج106: ا. علي محمد اليوسف: بالحقيقة السؤال معقد ويحتاج عرض توضيحي يقوم على الثوابت التالية:

الادراك الحسي لأنطولوجيا الوجود يسبق تشكيل الوعي عنه.

والادراك يرتبط بعلاقة تجريدية بالوعي.

باستثناء الحواس والجهاز العصبي والدماغ لا توجد مفردة واحدة إدراكية ترتبط بهذه المنظومة لا تكون تجريدا مصدره الدماغ عضويا. الذهن، الانطباعات، الادراك، الوعي، الذاكرة، المخيلة جميعها مفردات تجريدية مصدرها منظومة العقل الادراكية ومركزها الدماغ.

صحيح جدا ان توصف هذه المفردات التي مررنا بها التجريد العقلي الوظائفي لكنه لا معنى لواحدة منها ولا لأكثر من واحدة منفردة قيمة يعتد الاخذ بها ما لم تكن مرتبطة بمنظومة الادراك العقلي ومركزها الدماغ والخلايا العصبية المليونية المختصة بكل واحدة من هذه المفردات الادراكية المجردة.

يوجد إختلاف ليس بالبسيط بين فهم الفلسفة لهذه العلاقة الاشكالية وبين المنظور العلمي التخصصي التجريبي في معرفة الخلايا الدماغية المسؤولة عن كل مفردة من هذه المفردات التجريدية.

ترتبط هذه المفردات التجريدية فيما بينها بصيغة التكامل الوظيفي الادراكي ولا يمكن ان يكون هناك قيمة لواحدة منها لا ترتبط مع غيرها. بمعنى لا وجود لذهن بغير حواس، ولا وجود لإدراك من غير مادة او موضوع، ولا معنى لخيال لا يرتبط بمخيلة، ولا معنى لذاكرة من دون استرجاعات تذكرّية وهكذا.

س107: ا. مراد غريبي: هل تجدون أن إدراك الشيء هو غير الوعي به وغير معرفته؟

ج107: ا. علي محمد اليوسف: في عبارة لجون سيرل أن إدراك العالم الحقيقي لا يتم عبر الاحساسات المنقولة للدماغ بصدقية يعتمدها الادراك العقلي المباشر وهو طرح سليم ودقيق، ومن هنا يكون الادراك العقلي منقوصا ويفقد الواقع الحقيقي كموضوع للإدراك الكثير من مزاياه، هذا من جهة.. من جهة أخرى يتمّثل عدم امكانية معرفة الواقع على حقيقته في تعّذر الادراك الحقيقي المباشر له، أن وسيلة العقل الادراكية للعالم الخارجي تقوم أساسا على تأطير صادرات الاحساسات المنقولة الى الدماغ بزمن أدراكها الذي يجعلها متعيّنا مكانيا – زمانيا في بنية واحدة لا تنفصم، وبغير هذه الآلية يتعذّر على الادراك العقلي أن يكون واقعيا وسليما في أدراكه الأشياء المنّظم فكريا بعيدا عن الادراكات الهلاوسية الناقصة، فجوهر الادراك هو الوعي بموضوع يأتي الدماغ ويستلمه عبر منفذ الحواس، أي بمادة خام يكون مصدرها بالنسبة للعالم الخارجي الحواس والزمن الذي يحتويها وجودا، أو بالنسبة لموضوع الخيال المستمد من الذاكرة تأمليا استرجاعيا في فعالية ذهنية تجريدية لا يكون فيها الموضوع متعّينا وجودا في عالم الاشياء.. وبخلاف هذين الآليتين لا يكون هناك أدراك للواقع الحقيقي سليم يعتمده العقل أو الدماغ تحديدا.. ويبقى ألادراك القصدي ناقصا تماما في تعّذر أدراك العالم الحقيقي مباشرة بفهم يمّكن العقل من معالجته لمواضيع إدراكاته بالمقولات التي تجعل من المدركات مواضيع معرفية وليس مواضيع إشباعات بيولوجية خالصة..

ويوجد فرق بين الادراك المعرفي والادراك الغريزي.. فالإدراك المعرفي هو معرفة العالم الخارجي كوجود انطولوجي، والادراك الاستبطاني الداخلي فهو يتمثل بردود الافعال لمثيرات أجهزة أحاسيس الانسان الداخلية في اشباع حاجات الانسان الغريزية مثل الحاجة للأكل والحاجة للنوم او الحاجة للجنس وهكذا، وتدخل مواضيع الادراك الخيالية في تلبية اشباع رغبة استبطانية تراود الانسان اشباعها.

س108: ا. مراد غريبي: ذكرتم انه جرى احتدام شديد بين كلا من بيركلي وجون لوك وديفيد هيوم حول مسألة الادراك والوعي، علما ان ثلاثتهم ينتمون الى المنطقية المثالية التجريبية. هل من إعطاء لمحة سريعة حول الموضوع؟

ج108: ا. علي محمد اليوسف: أننا نفهم الوعي المثالي المتطرف عند كل من بيركلي وهيوم وجون لوك في إعتبارهم موضوعات العالم الخارجي ما هي سوى انطباعات في الذهن وأفكار العقل المجردة، وأنكر بيركلي وجود المادة ليتبعه هيوم بتطرف أكثر في الغائه العقل ونظام السببية معتبرا إياها خبرة متراكمة تجريبية يتعوّدها العقل بالتكرار المستمر ليجعل منها قانونا يحكم نظام الاشياء في العالم الخارجي والطبيعة.. ليصبح بالنتيجة عادة وليس سببية.

وينتقد جون سيرل ديفيد هيوم حول مفهوم السببية بشراسة قائلا( في الفلسفة التحليلية عانت المناقشات حول مفهوم السببية تقليديا من المفهوم الهيومي – نسبة الى هيوم – القاصر على نحو سخيف، فمن هذا المنظور التقليدي تكون السببية دائما علاقة بين أحداث منفصلة تعمم قانونا، وأما العلاقة السببية وهي العلاقة الضرورية فلا يمكن معايشتها أبدا، هذا الرأي غير كاف فنحن نعيش في بحر من السببية التي نعايشها بصورة واعية، وعلى العكس تماما في كل مرة تدرك فيها أي شيء أو تقوم بأي شيء عن قصد فانك بذلك تمارس وتشهد علاقة سببية ).

والصحيح أيضا أن العقل وتحديدا وسيلته الادراكية الحواس والدماغ لا يتعامل مع مواضيع مدركاته المادية أو الخيالية الا بتجريد فكري تصوري ذهني يتم داخل الدماغ، والحقيقة التي لا يجهلها العديدون أن النظرة او المنهج المثالي هو نفسه ينطبق عليه التفكير المادي بالاحتكام كليهما الى مرجعية العقل، فالمثالية التجريبية تعطي العقل أرجحية قصوى في الادراك، ومثلها وربما أكثر تنحو المادية في اعتمادها العقل كمنهج وحيد في المعرفة العلمية والحقيقية.. أشتراك كل من الفلسفتين المادية والمثالية في مرجعية العقل في اختلاف جوهري لا يمكن طمسه أو أغفاله، فالمثالية تعتمد العقل في إنتاجه الواقع المجرد فكريا بالذهن، بينما المادية تعتمد العقل إنعكاسا للوجود المادي لعالم الاشياء في إنتاجية الفكر المتعالق جدليا مع الواقع بعرى وثيقة من الديالكتيك المتخارج بينهما.. ولا وجود مادي مدرك لا يتعالق مع فكر إنساني...

لكن يبقى العقل في أي نوع من التفكير الادراكي والمعرفي بحاجة الى متعّين مادي يكون مادة خام لوعيه الادراكي يمثّل موضوعه.... وهذا ما تتوفر علية الاشياء في عالم الموجودات الواقعي عبر الحواس أو عالم الموضوعات في وجودها الافتراضي المستمد من الذاكرة التخييلية الاسترجاعية وهذا يقاطع مقولة سيرل التجربة الواعية ليست موضوعا للإدراك، بل هي في الواقع تجربة الادراك.2988 علي محمد اليوسف

س109: ا. مراد غريبي: نود التركيز على قضية الوعي القصدي في فلسفة جون سيرل، وبماذا يختلف سيرل على الفلاسفة الانجليز اصحاب الوضعية المنطقية التجريبية؟ وهل أعطى سيرل معان محددة لمفردات تجريدية متصلة مع الوعي القصدي؟

ج109: ا. علي محمد اليوسف: في هذه المقولة الغامضة لسيرل (التجربة الواعية ليست موضوعا للإدراك، بل هي بالواقع تجربة الادراك) نعجز عن فهم محدّد ماذا يعني لنا الوعي، وماذا تعني لنا القصدية، وماذا يعني لنا الادراك العقلي، وماذا يعني لنا موضوع الادراك، فجميع هذه الفعاليات الادراكية وتوابعها تجمعها تلك المقولة فيما أطلق عليه سيرل (تجربة) الادراك.. التي هي ليست موضوعا للإدراك فهي آلية تنفيذية مكتفية بذاتها غنيّة ان تكون موضوعا يدركه العقل.

الوعي الادراكي القصدي يحتاج الى إشباع معرفي لمدركاته لا تنفصل عن مواضيعها الادراكية من خلال التجربة الادراكية لموضوعات معرفية تختلف تماما عن إشباع القصدية لغرائز إدراكية بيولوجية مثل إشباع العطش والجوع والجنس..

في هذا النوع من الادراك البيولوجي يكون الاشباع استهلاكيا بمعنى نهاية تجربة الادراك في الاشباع البيولوجي، بخلاف الاشباع الادراكي المعرفي فهو يدّخر خزينا استراتيجيا معرفيا في الذاكرة في تجريد فكري غير مستنفد..

التجربة الادراكية في المعرفة فعالية من فعاليات العقل (الدماغ) لكن موضوع الادراك هو في كل الاحوال شكل ومضمون (محتوى) لموجود متعّين في عالم الاشياء غير مرتهن وجوده بأهمية الادراك العقلي له.. ولا يمكن للإدراك القصدي المباشر الفصل بين محتوى الشيء ومضمونه، فالمرتبة الاولى للإدراك هي في معرفة الشيء كوجود فينومينولوجي موّحد بصفاته البائنة الخارجية التي ربما تكون معرفتها هي معرفة ماهيّة الشيء المحتجبة خلفها، ... وفي نفس المعنى تقريبا فعل منهج الفينامينالوجيا في إدراك الظواهر الخارجية والماهيات غير المدركة للوجود بذاته (نومين) وجاء هذا التمييز الذي كان تقليديا راسخا في فلسفة كانط..

فإدراكنا وجود كرسي هو إدراك شخصاني انفرادي لموضوع يتألف من شكل ومحتوى متعيّن أنطولوجيا، ولا يوجد مضمون من دون شكل يلازمه.. كما لا يوجد شكل من دون مضمون يلازمه ويفصح عن ماهيته الانطولوجية كجوهر.. والادراك يكون قصديا هادفا لإشباع رغبته الفطرية الغريزية أو في الاشباع المعرفي، فإشباع غرائز فطرية عند الانسان مثل الجوع والعطش والجنس هي من باب الاشباعات البيولوجية لأهداف الادراكات القصدية، وهذه القصدية الادراكية الاشباعية أنما تكون بعفوية بيولوجية تختلف عن قصدية الادراك المعرفي للاشياء..

فالفعاليات الادراكية القصدية الغريزية العفوية البيولوجية كما في حالات إشباع العطش والجوع والجنس وغيرها لا يكون العقل المدرك لإشباعها ملزما بتجربة أدراك قصدي هي أبعد من المتحقق الاشباعي البيولوجي لها.. وتكون القصدية هنا شخصانية مكتفية ذاتيا.. وهذه تختلف عن قصدية إشباع الموضوع غير الفطري الغريزي في الالمام بتفسيره كمعرفة خالصة تبغي معرفة الشيء المدرك بخصائصه البائنة أو ماهيته المحتجبة لما يجعله العقل خزينا معرفيا استراتيجيا في الذاكرة.. ويختلف الوعي بحقائق الموجودات في ألادراك المعرفي عنه في الاشباع البيولوجي وفي هذا النوع من القصدية المعرفية (لا يكون الوعي بالشيء وعيا حقيقيا ألا بمقارنته الشخصانية الفردية بغيره من حالات الوعي الاخرى كجزء من الوعي الشخصاني الكلّي) وهذا لا يتم بغير اعتماد الخزين المعرفي الاستراتيجي في الذاكرة التي هي بنك المعلومات المكتسبة بالخبرة العقلية والتجربة..

فقد تكون موضوعات الوعي هي إدراكات تتم في الذهن والخيال الاسترجاعي من الذاكرة ولا يقابلها وجود متعيّن وحضور موضوعي في عالم الاشياء (وتمثل الاحلام شكلا من اشكال الوعي المختلف تماما عنه في حالات اليقظة) أي ألادراك في موضوعات الخيال المستمد من الذاكرة جميعها تعتمد الشعور المسيطر عليه عقليا بينما لا يكون الشعور حاضرا في الاحلام لذا يكون الادراك الحلمي اللاشعوري تداعيات متقطعة لا ينتظمها إدراك تحسّسي مترابط ولا زمن تنظيمي لها..

س110: ا. مراد غريبي: نحن لا زلنا نرغب معرفة فلسفة الوعي التي اشتهر بها جون سيرل عالميا كفيلسوف العقل واللغة والوعي، ما هي خصائص الوعي القصدي في فلسفته خاصة أنها تعتبر من أنضج المباحث الفلسفية التي تدرسها الجامعات الامريكية؟

ج110: ا. علي محمد اليوسف: سوف استعين بالإجابة عن السؤال بما كنت كتبته في احدى مقالاتي المنشورة وتعقيبي عليها. اقصد خصائص الوعي القصدي عند جون سيرل وهي:

(الوعي حقيقي غير قابل للاختزال). بمعنى غير قابل للقفز من فوق آليات السياق الادراكي الذي يبدأ بالحواس ولا ينتهي بالدماغ والجملة العصبية..

الوعي نوعي بمعنى (هناك نوعية تجريبية لكل حالة واعية، والوعي شخصاني أنطولوجي لا تتم معايشته ألا من قبل موضوع بشري أو حيواني)..

جميع ملامح الوعي ناتجة من دون استثناء عن عمليات بيولوجية – عصبونية داخل الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي.

الوعي القصدي المعروف الوحيد هو الموجود في الجهاز العصبي للإنسان او الحيوان..

(تجربة الوعي الادراكي القصدية النوعية الشخصانية بكاملها هي جزء من مجال وعي ادراكي كلي). بمعنى اشتراك أكثر من حاسة واحدة في تجربة الادراك من جهة، وكل تجربة شخصانية تعتبر محدودة بالنسبة لتجارب لا حصر لها من أدراكات وعي كلي متنوع بتعدد موضوعاته من جنبة أخرى.

(مضمون الوعي مضمون الوعي القصدي يفيد معنى شروط الاشباع) بمعنى غاية وهدفية الادراك هو إشباع الرغبة في تحريك القصد نحو تحقيق غاية محددة يتوجب بلوغها.. والوعي القصدي وعي هادف يتحدد بالذهن سلفا..

س111: ا. مراد غريبي: كيف يتحدد الادراك بضوء تجربة الوعي في فلسفة جون سيرل؟

ج111: ا. علي محمد اليوسف: يأخذ سيرل على الفيلسوف أ.ج. آير صاحب كتاب (اسس المعرفة التجريبية) في معرض بناء حجته على آراء مستمدة من هيوم بأن ما ندركه هو بيانات حسيّة.. ليطرح سيرل بضوء ذلك تساؤله: ما الموضوع الذي نحن واعون به مباشرة في حالة الادراك إذا لم يكن جزءا من أي شيء مادي؟ طبعا هنا كان تركيز سيرل على الادراك والوعي القصدي الناتج عن رغبة الاشباع المعرفي التي تفترض سلفا تحقق الوجود الانطولوجي لمواضيع العالم الخارجي للاشياء كمجال أدراكي واقعي، وأغفل أمكانية قيام الادراك على غير متعيّن مادي يحضر كموضوع كما ألمحنا له سابقا، فالعقل يقوم بفعل الادراك القصدي في معالجته مواضيع إدراكية غير مادية مستمدة من الذاكرة التخييلية الى جانب أدراكه مواضيع الواقع المادي، ولا وجود في حالة الادراك القصدي التخييلي شرطا لموضوع يكون جزءا من شيء مادي كما في رغبة سيرل في عبارته السابقة.. ليس شرطا أن يكون الوعي الادراكي بموضوع يمّثل جزءا من واقع مادي حصرا، فالخيال الادراكي يستطيع التعامل مع موضوعات لا وجود لعلاقة أنطولوجية لها تربطها بحواس الإدراك..

ينقل جون سيرل عن الفيلسوف الامريكي (ألفانوي) في مقال لهذا الاخير بعنوان (تجربة من دون رأس) الى أن الوعي الادراكي القصدي يمكن أن يتم خارج الدماغ، موضحا قوله (أن تجربتنا في الوعي غير معتمدة فقط على ما يتمّثل في أدمغتنا، بل يعتمد على تفاعلات دينامية بين أقطاب الوعي – الدماغ - والجسم - والبيئة)

الوعي القصدي عند سيرل يشمل جميع حالات الذهن ولا ينفك عنها، حتى أنه يرى في تصّور حالة ذهنية غير واعية، عبارة متناقضة ذاتيا، وبحسب رأيه الوجود مادة صماء فمن أين يأتي الوعي؟ ويرى أن الوعي لا بل العقل كله واقعة بيولوجية مادية بالكامل وهو المذهب المعروف بالطبيعانية البيولوجية.. نلاحظ للمرة الثانية سيرل يكرر فهمه الفلسفي أن موضوع الادراك القصدي هو المتعّين أنطولوجيا في عالم الاشياء فقط، وقد قمنا توضيح هذه المسألة في سطور سابقة من هذه الورقة البحثية في المحاورة.. لكن مقولة ألفانوي ممكن حدوث وعي خارج الدماغ تحتاج حجة إثبات قوية باعتقادي.

س112: ا. مراد غريبي: ما علاقة الوعي القصدي باللغة؟ وهل لك تعقيبا اضافيا حول هذا المبحث عند جون سيرل. باعتباره فيلسوف العقل واللغة.؟

ج112: ا. علي محمد اليوسف: أبرز فيلسوف معاصر اهتم بالعلاقة الثلاثية التي تربط العقل والوعي واللغة في توليفة فلسفية واحدة هو جون سيرل بلا منازع. وسعى سيرل الى اكتشاف طبيعة الارتباط بين اللغة والعقل فهما يتوّجهان الى أدراك الاشياء معا، فيتمّثل العقل الشيء ويقصده بالتزامن مع إستحضار لغة التعبير فيه، تزامنا يكاد يكون آنيا، ويطرح سيرل بهذا المعنى سؤالا لمن تكون الاسبقية للعقل أم للغة؟ ويجيب على تساؤله عن الاسبقية للعقل مؤكدا وجهة نظره التي ضمنها مقدمة كتابه (القصدية) حيث جاء في فلسفة العقل من الكتاب المنشور عام 1983، أن الافتراض الاساسي القائم وراء تناولي لمشكلات اللغة هو أن فلسفة اللغة هي فرع من فلسفة العقل.. وهي نظرية صادقة تحمل حقيقتها المقنعة تماما.

ويطلق سيرل على أن الهلوسة الادراكية (الواعية) لا تمتلك موضوعا من أيّ نوع كان، وتعقيبنا أن هلاوس الادراكات غير (واعية) تماما بموضوعها وليس كما ورد أنها (واعية) في امتلاكها مضمونا ولا هي تمتلك موضوعا، ويتعّذّر التفكير في وعي أدراكي لا يحمل موضوعه المتعيّن كمادة أدراكه الملازمة له، ولا يشترط في موضوع الادراك أن يكون متعينا أنطولوجيا بل من الممكن أن يكون الموضوع مستحدثا من الذاكرة الاسترجاعية، وبخلاف الهلاوس غير المنتجة تكون أدراكات الاسترجاعات التذكرّية واعية تحمل موضوعها معها في ملازمة تخليق الادراكات المجردة في الذهن..

وحالة الادراكات الهلاوسية تكون حالة من تداعيات الصور الذهنية المرتبطة الدلالة بغير موضوع واحد محدد، وتجارب الهلوسات الادراكية التي لا تحمل موضوعها الادراكي معها بوعي كاف لا تعبّر عن تجربة واقعية من الممكن تصديق حدوثها الواقعي.. وإلا كيف لنا تعليل سلسلة الادراكات التي يمتزج بها اللاشعور الهلاوسي مع الوعي الشعوري التام بأكثر من موضوع تخييلي كما نجده في معظم الابداعات الفنية والادبية وبالتحديد في الشعر؟؟

ففي مثالنا هذا لا نستطيع القطع أن تلك التجارب الادراكية هي من نوع الهلاوس غير المنتجة التي تفتقد موضوعها.. بل هي تمتلك موضوعها بكل جدارة وإستحقاق.

س113: ا. مراد غريبي: خصصنا هذا المحور حول موضوعة الوعي القصدي هل تتوفرون على تلخيص شامل لمبحث الوعي بضوء فلسفة جون سيرل؟

ج113: ا. علي محمد اليوسف: تعودت كما اخبرتك في محاور سابقة أني اتبع منهجا نقديا لا احيد عنه، وهو المنهج المادي لا اسميه الجدلي في المعرفة، ورغم صرامة وانضباطية طرح جون سيرل الفلسفي حول اشكالية فلسفية مزمنة تجنب الخوض بها غالبية الفلاسفة الا إني أجد في طرح سيرل ثغرات سأتناولها بالتعقيب النقدي الموضوعي ارجو التوفيق به.

يذهب سيرل أن الوعي الادراكي القصدي ظاهرة بيولوجية، أي أنه وعي شخصاني نوعي أنطولوجي وهو جزء من مجال وعي كلي شامل. هنا بضوء هذا التعريف يجب التفريق بين موضوع الادراك المعرفي الذي لا يشترط حسب فهمنا أن يكون إشباعا بيولوجيا كما في مثال الاشباع الغريزي الجنسي والجوع والعطش وغيرها، وبين الموضوع المدرك في الوعي القصدي في مجال المعرفة والسعي لاكتسابها.. الذي يكون أدراكا نوعيا يخص بيولوجيا الانسان كركن أساس تحديدا في إكتسابه المعرفة شخصانيا.. فهو إدراك بيولوجي على مستوى الشخص المدرك للاشياء وليس بيولوجيا على مستوى موضوع أدراكه.. ومواضيع الادراك القصدي نوعين موضوع أدراك معرفي، وموضوع أدراك غريزي فطري.. وكلاهما يشكلان هدفين متمايزين لتجربة الادراك في إشباعهما...

1- ينطلق سيرل من نظرة أحادية فينامينالوجية في الادراك، تقوم على مرتكز محوري أن موضوع الادراك هو المتعيّن أنطولوجيا في عالم الاشياء المادية فقط، ويهمل الادراكات الفكرية التي يكون منشؤها الذاكرة الاسترجاعية في أدراك موضوعاتها الخيالية، ولا يناقشها في صفحات كتابه الموسوم (رؤية الاشياء كما هي) كفعالية إدراكية لا يمكن إهمالها.. وعنوان كتابه رؤية الاشياء.. أنما تقوم في تركيزه على المدركات الحسّية في الواقع فقط.. علما أن مدركات مواضيع الادراك المستمد من الذاكرة أنما تنتج عنها جميع ضروب الابداع في الادب والفكر والثقافة والفنون وجميعها أدراكات قصدية حيوية في حياتنا وهكذا..

2-  يحدد سيرل أن محددات أي أدراك قصدي تتألف من ثلاثة عناصر فقط يؤكد عليها هي المدرك (بكسر الراء) أي الشخص، وثانيا موضوعه، أي موضوع الادراك، وثالثا حاسّة الابصار العين، التي تكون البداية منها في استقبالها ضوء الشيء المدرك الصادر منه، أي ضوء الموضوع المنبعث منه في تجربة الادراك الساقط على شبكية العين.. ولا نعرف أهمية الادراكات الناجمة عن بقية الحواس عند الانسان كالسمع واللمس والتذوق والشم فجميعها تعتبر مصادر الاحساسات الاولية في عمليات الادراكات لم يعرها سيرل اهتمامه.. كما لم يعر انتباها الى الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي الفاعل في إتمام عمليات الادراكات.. ركّز كثيرا على أهمية العين فقط في تجربة الوعي الادراكي المادي.. وعنونة الكتاب هو (رؤية) بمعنى الابصار في العين وعلاقتها بالوعي الادراكي القصدي فقط هو محتوى الكتاب كاملا...

3- ورد على لسان سيرل أن علاقة الادراك في الهلوسة لا تنطبق على حالات الادراك الحقيقي السليم، كون أدراكات الهلاوس لا تمتلك موضوعا حتى وإن امتلكت (وعيا) إدراكيا في مضمون متعيّن أدراكا، وناقشنا هذا الغموض في أسطر سابقة، فالوعي القصدي في أدراكات الهلاوس لا يمتلك وعيا مثمرا لكنه لا يعدم امتلاكه موضوعات إدراكية لا يشترط أن تكون مستمدة انطولوجيا من واقع الاشياء بل يمكن أن تكون مواضيع الادراك الهلاوسي منطلقها تداعيات الفكر الصادر عن الذاكرة والمخيلة اللاشعورية غير المنظمّة لغويا...والوعي هو وعي بموضوع يتألف من شكل ومضمون ولا وعي من غير موضوع يدركه، لكن الموضوع المستقل لا يشترط بالوعي ملازما له.. لكي يقوم سيرل في تأكيد رغبته أن أدراكات الهلوسة السيئة لا تمتلك (موضوعا) وقد تمتلك (مضمونا)، الى التفريق بين الموضوع ومضمونه في تجربتي الادراك الحقيقية والسيئة أي بين تجربة الادراك السليم وتجربة الهلوسة، وهذا التفريق لا يلغي ولا يلعب دورا حاسما بين التجربتين ويعبّر عن هذه الاشكالية المفتعلة قوله (في التجربتين – يقصد الحقيقية و الهلاوسية - يتكرر لدينا نفس الموضوع القصدي بالضبط ولكن في وجود موضوع قصدي في أحدى الحالتين فقط دون الاخرى). لا نعتقد العبارة سليمة من ناحية ترابط المعنى في خلوّها من التناقض بمعنى توفر الموضوع القصدي في التجربة الحقيقية وانعدامها في تجربة الهلوسة حتى وإن امتلكت مضمونا وليس موضوعا.. علما أن عبارة سيرل تشي باشتراك التجربتين في إدراكهما موضوعا واحدا.... كما لا يمكن استساغة التفريق بين الموضوع ومضمونه في تجربة الادراك الخطأ الذي زرعته الفينامينالوجيا في تكريسها ثنائية أدراك الظاهراتية هذا واستحالة إدراك النومين ذاك، عندما فصل منهج الفينامينالوجيا إدراك الاشياء في ظاهرياتها البائنة عنها في عدم أمكانية أدراك ومعرفة ماهياتها التي كان رسّخها كانط قبل هوسرل.. في العودة الى علاقة شكل الموضوع مع مضمونه نرى استحالة أدراك مضمون متحرر عن موضوعه في (شكل) أنطولوجي يمكن أدراكه منفصلا غير متعالق بموضوعه، فالمضمون هو محتوى ملازم لموضوع محدد في شكل.. وإدراك موضوع كشكل أنطولوجي لا ينفصل عن مضمونه حتى وأن لم يدرك المضمون مباشرة كماهية أو جوهر.. ولا يمكننا تصور إدراك مضمون بلا شكل وموضوع يؤطرهما.. ما يدرك كموضوع يدرك وحدة واحدة شكلا ومحتوى والثالث مرفوع على حد تعبير الفلاسفة..

4- يطرح سيرل تساؤلا إشكاليا صعبا، يذهب الى تدعيم صحته وصوابه كلا من فلاسفة الشكيّة التقليديين ديكارت وبيركلي وهيوم ولوك وكانط، هو أن كل ما يمكننا أدراكه هو تمثّلات تجاربنا الشخصية الفردانية صوريا عن الواقع، فهل يمكننا تعميم حقيقة مدركاتنا على الجانب الأخر(مجموع الاخرين).. لن نأخذ بتفنيد سيرل لهذا الادعاء لأن تفنيده يقوم على حجّة إشكالية قوامها مرتكز حاسة البصر (العين) في التجربة الادراكية عنده فقط أي لا يفند سيرل رأي فلاسفة التجريبية المنطقية المثالية بمنطق فلسفي في حين نجد هناك أجماعا على حقيقة ثابتة لا يمكننا العبور من فوقها هي لا تتمكن الحواس من أدراك الاشياء على حقيقتها بصورة كاملة، كما لا يمكن للعقل تكوين أفكاره عن مدركاتنا كحقيقة قاطعة، وتبقى على الدوام إدراكاتنا ناقصة في معرفة العالم وهو ما ينطبق على حاسة البصر العين.. من جهة أخرى سحب سيرل التساؤل المار ذكره الى مضمار التعبير اللغوي الالتباسي المعقد كما يطرحه فينجشتين، وهذا ما لا يعتمده فلاسفة الشكيّة الكلاسيكية بدءا من ديكارت وليس إنتهاءا بفلاسفة التحليلية الانجليزية جورج مور وبراتراند راسل، وايتهيد، كارناب من حيث أن الحواس خادعة ولا تحمل أكثر من نصف الحقيقة على الدوام كما هي اللغة أيضا خادعة ومخاتلة ومعرفة الواقع على حقيقته أمر غير متيّسر لا بالإدراك ولا بتعبير اللغة... كذلك فأن مخاتلة اللغة تنسحب على التعبير عن التجربة الفردية كما تنسحب على تعبير الادراكات الجماعية أيضا ولا منجاة لأحد مما يعرف بخيانة اللغة...التجربة الحقيقية في الادراك الشخصاني يمكننا تعميم بعض استنتاجاتها، من حيث أن مواضيع الادراك في غالبيتها تكون متعّينات إدراكية ثابتة أنطولوجيا تقريبا، بينما يكون الادراك الذاتي متغيّرا ومتعددا بالنسبة لموضوع وجوده في حكم الادراك الثابت أو ظاهرة تتسم بالثبات النسبي، وكذلك فالإدراك الفردي لا يتوّصل الى حقائق علمية قاطعة بل الادراك قسمة مشاعة أمام الجميع في ممارستها ضمن الامكانيات المتعددة في تنوع الإدراكات الشخصانية في الاشباع القصدي، عليه تكون نتائج الاستدلال الادراكي لا تلزم غير صاحب التجربة من الأخذ بها لدى أصحاب زوايا رصد متباينة أخرى.. يوجد تفاوت أدراكي بين شخص وآخر لكن لا يوجد تفاوت في أدراكنا حقيقة الوجود يسبق إدراكاتنا الفكرية عنه.. مما يجعل أمكانية الخطأ الجمعي متراجعا في إدراك الموضوع الواحد.2916 علي اليوسف ومراد غريبي

س114: ا. مراد غريبي: نشكركم أستاذ اليوسف على صبركم معنا وتجشمكم عناء ومشقة هذا الحوار الفلسفي التفصيلي الخلاق في ستة محاور. ونرغب الختام ماذا ترون بمستقبل الفلسفة؟

ج114: ا. علي محمد اليوسف: اود توجيه كل الثناء والتثمين لجهودكم استذ مراد معي وحرصك الثقافي كباحث فلسفي متمكن متمنيا ان تكون الحلقات الحوارية الست نالت اعجاب القاريء العربي، واود اشكرببالغ العرفان الجميل الاستاذ الفاضل المفكر الكبير ماجد الغرباوي في رعايته بكل معاني نبل الخلق الثقافي والتعامل النظيف لمؤسسة المثقف على توفير هذه المساحة للكلمة العربية في حملها رسالتها الثقافية المميزة على منابر منصات الفكر والثقافة والفنون.

هل للفلسفة مستقبل؟:

الفلسفة ضرب من ضروب المعرفة البشرية، او منهج في التفكير، مايطلق عليه الانساق الفلسفية والمنظومة الفكرية التي عنت بالوجود الانساني كوجود في الطبيعة وعلاقته بها وبالكوني والآخر والمجهول والميتافيزيقيا.

وافهمها انا كتعريف انها منهج تجريدي منطقي يحاول فهم الحياة وتغييرها حسب ماركس، او فهم الحياة فقط وعدم رغبة تغييرها حسب رغبة ورؤية براتراند رسل.

هذا على الاقل السائد في تأكيد ان الفلسفة لم تكن (علما طبيعيا) يوما ما وليس بمقدورها مستقبلا، حتى وان اعتبرها بعض الباحثين(أم العلوم)، وانما هي تبقى نسق لغوي منطقي متعال نخبوي.

وقد تداخلت الفلسفة من جهتها، والعلم الانساني غير التجريبي الطبيعي من جهته في تعالقهما مع كل ضروب وانساق المعرفة البشرية والعلوم الاخرى، فأخذنا ندرس علم الانثروبولوجيا، وفلسفة الانثروبولوجيا، ومثل ذلك علم الدين وفلسفة الدين وفلسفة وعلم التاريخ وكذا مع فلسفة وعلم الاجتماع والنفس وهكذا بما لايحضرنا حصره.علما ان صفة العلم الملتصقة بهذه الضروب المعرفية والانساق الفكرية والمنظومات الثقافية هي غيرها علوم التجريب المختبرية والرياضية الطبيعية، العلوم الطبيعية التي تحكمها رياضيات التفكير والمعادلات التي تنسحب على التجربة العلمية في اثبات واقعية وعقلانية صحة الافكار او النظريات من عدمها اوضحالتها وعدم الاخذ بها.امثلة ذلك ان المعادلات الرمزية التجريدية في الرياضيات و الفلك والفيزياء والكيمياء والطب والهندسة وغيرها في العلوم الطبيعية كافة ليست فلسفة.ويرى براتراند رسل ان الفلسفة تمثل وسطا موضوعيا بين اللاهوت من جهة كونها تأملات غير تجريبية، وهي كالعلم من جهة استنادها الى العقل.

ثمة جملة مواصفات طبعت التفكير الفلسفي الانساني منذ عصور ما قبل التاريخ الميلادي اليوناني القديم، وصولا الى مجيء سقراط وافلاطون وارسطو و فلاسفة عديدين غيرهم يتمايزون بالاهمية في تاريخ الفلسفة.

اهم تلك الصفات ان النص الفلسفي(بنية)انشائية (ذاتية)تأملية تجريدية وليست موضوعا مستقلا، بمعنى انها خاصية انسانية فكرية وجهد ابداعي منفرد لمؤلف منشيء، وان الفلسفة بهذا المعنى تلتقي كثيرا مع فكرة انها شكل من اشكال التعبير الثقافي او حتى الادبي - الفني. وذاتية المعرفة الفلسفية تلتقي بضروب الفكرالابداعي اللغوي الاخرى، وتتشابه معها من حيث مصدر الخلق والمنشأ والمتلقي، كما هي في النص الاسطوري او الميثولوجي او القصص الديني اوالسرد التاريخي او الادبي والفني.فهذه جميعها انتاجية ابداعية (ذاتية) تنتسب لمؤلفها او منشئها، وبهذا المعنى يكون النص الفلسفي بنية معرفية فكرية انسانية، مولّدة للافكار الشارحة والناقدة والمضيفة. شأنها شأن اي نص ابداعي كتب ويكتب في مجالات السرد المعرفي والجمالي والثقافي الخاضع لسلطة التناول النقدي بالشرح والتفسير والتأويل والقراءات المتعددة له. من هنا تكون البنية الفلسفية الانشائية تمتلك ذاتيتها(الآنية) في تناولها وتداولها الحاضروالماضي. بمعنى ان جميع المحاولات والمعالجات الفلسفية حاضرا لم ولن يكن بمقدورها اوبمستطاعها دفع الفعالية الفلسفية ان تشكل لها حضورا مستقبليا دائميا كحقائق فكرية لا يمكن دحضها وتفنيدها. او حقائق تمتلك حيوية التواجد عبر العصوركفعالية دائمة التأثير حاضرا وفي المستقبل. مؤلفات فلسفية هامة شغلت التفكير الفلسفي طويلا على مدى قرون لم يعد لها اي حضور او اهتمام في الوقت الحاضر. ومن الطبيعي جدا ان تتجه الفلسفة المعاصرة دوما في محاولتها سحب التفلسف الماضوي الى رقعة الحاضر والاعتياش على تفسيره بنوع من التكرار والاجترار والاعادة باكثر مما يحتمل(النص)، الذي يحكمه منحيين، :

المنحى الاول: منحى احتفاظ النص الفلسفي بحيوية الماضي و نقد الحاضرله وغياب حضور المستقبل فيه، وان ما تسحبه الفلسفة اليوم وتناقشه على انه مفاهيم فلسفية من الماضي هو في حقيقة الامر يمثل (مستقبلا) للنص الفلسفي نتداوله حاضرا فقط.

المنحى الثاني: ان النص الفلسفي متعين مكتف (بذاتيته ) ولا يصلح ان يكون تفسيرا دائميا لعالم متغير بوتيرة عالية سريعة جدا، يقودها العلم بجدارة واستحقاق لا ينازعه احد تلك السلطة، تلكم هي تطورات العلوم الطبيعية في كل مجالات الحياة الطب والذرة والتكنولوجيا والفيزياء والبيئة والهندسة الوراثية والفلك وهكذا.بعبارة موجزة لا يمكننا تخليص الفلسفة من ذاتيتها، لان الفلسفة لا تمتلك موضوعا من غير ذات.

نخبوية التفلسف:

هل ننساق مع الآراء التي تذهب ان التفلسف بنية و قيمة منظومية مفارقة، وان الفلسفة انفصلت منذ نشأتها عن الحياة الواقعية التي تسير الامور بها (علميا) في غير ما حاجة الى الفلسفة والانسانيات، وان الفلسفة لم يعد لها ذلك التأثير والاهتمام في حياة اليوم وتشكيل ملامح العصر؟! وان ما قيل في الفلسفة عن الانسان والوجود والماهية والجوهروالموت والميتافيزيقيا، .والظواهر الطبيعية المؤثرة والفاعلة في ذلك الوجود استنفدت نفسها ولا مجال في مكابرتها ومزاحمتها العلم الطبيعي التجريبي، وان ما استهلكته الفلسفة مفهوميا عن الوجود والماهية والحياة والموت والانسان لم يعد يشكل اهتماما في عالم المعاصرة والحداثة وما بعد الحداثة الفكرية والمعرفية وفي عصر العولمة، مقارنة و قياسا مع اي منجز علمي نقل البشرية طفرات نوعية مطردة ونامية متطورة على الدوام متجددة بالافعال وليس بالافكار المجردة في تفسيرها الواقع كما فعلت كلاسيكيات الفلسفة في الميتافيزيقا على امتداد عصور طويلة.

اذا توخينا الدقّة اكثرفأن الفلسفة كضرب معرفي نخبوي، لم يعد يلق اهتماما سوى في المنتديات و الصالونات والمؤسسات الثقافية التخصصية الجامعية ومراكز البحوث والمجلات محدودة التداول المنعزلة في غالبيتها تماما عن مؤثرات المسار الحيوي الحضاري العصري وانعدام قدرة الفلسفة الاسهام بصنعه وتشكيله. ونخبوية البحوث الفلسفية تلتقي مع الانسانيات البحثية والسردية التي لم تعد لها اهمية اكثر من اهتمامات صالونات مغلقة ومؤسسات جامعية تمنح وتصدّر شهادات واطاريح دراسية اكاديمية لا تغني ولا تسمن من جوع واكثرها قيمة دالة لها هي في اضفاء المكانة التدريسية للاستاذ.واغلب تلك الاطاريح والدراسات لا قيمة لها في دراسة هذا الفيلسوف او ذاك، في جنبة او اكثرلا مجال الاضافة لها، استنفدت نفسها، وكذا الحال في الدراسات الادبية والتاريخية والتراثية واللغوية والانسانية في تراكمها الكمي الذي تختزنه المكتبات والارشيفات والمتاحف، ولا يمتلك قيمة علمية تطبيقية في حياة المجتمعات اليوم، او اية اسهامة في تغييره.ويجري تمويله من المؤسسات الجامعية ومراكز البحوث وكذلك مؤسسات حكومية وغير حكومية متخصصة.

نخبوية التفلسف والمفاهيم الفلسفية خلال ما يزيد على الفي عام واكثر، بقيت السمة الذاتية تحسب للفلسفة على انها افكار متعالية على الفهم والاستيعاب الجمعي، لكن المفارقة اليوم هي ان تلك النخبوية المتعالية اصبحت مثلبة في تعطيلها الاستيعاب الجمعي والتوظيف العملاني في تقدم الحياة.

بخلاف ماتنجزه العلوم الطبيعية في تقدم الانسان المعاصر والتقليل من معاناته وتذليل صعوبات الحياة امامه.

وبالمعنى المشار له يذهب ليفيناز 1925 – 1995 انه ينبغي ان نشجب مستقبل الفلسفة فقط لانه ليس مستقبلا بالقدر الكافي، فالفلسفة التي تقوم على الاعتراف والاقرار بما هو غير قابل للامساك به او البديل المطلق او الاخرين سوف تظل هي الفلسفة.

من الملاحظ جيدا ان جميع ضروب المعارف الانسانية او مايطلق عليها للتفخيم العلوم الإنسانية وسرديات التاريخ، بضمنها الفلسفة وانساق الفكرالمعرفي التجريدية وغير التجريدية الاخرى، تلجأ الى نوع من التعاضد الانتشالي المسعف احدهما للآخر، سواء بالتبعية او بالانضمام اوبالتمازج بين بعضها البعض في الاشتراك بمعالجة قضية او اكثر.

فاخذت الفلسفة تزاحم ما يطلق عليه(علوم) الانسانيات والمنهجيات، في دراسة التاريخ او الاجتماع اوالسياسة بما يسمي اليوم الفلسفة السياسية، او فلسفة او علم الاقتصاد او فلسفة او علم التاريخ (لاحظ التداخل المتعالق بين كلمة فلسفة وكلمة علم)، وهكذا مع الهوية الثقافية، وفلسفة وعلوم الاديان الى آخر القائمة من امثلة التداخل التوظيفي والدراسي على صعيد المنجز الاكاديمي المعرفي الصرف. فلسفة اوعلم كمنهج في اعادة دراسة ضرب معرفي او اكثر.

هذا التداخل التوظيفي بين الفلسفة وعلوم الانسانيات، هو بخلاف ما تحضره العلوم الطبيعية على نفسها وترفضه، كفيل بافقاد الفلسفة اية قدرة على النزوع المستقبلي وفي ادامة حياتها المعاصرة، بفاعلية التأثيرفي ان تكون لها فعالية فلسفية مستقبلية مكتسبة تشير الى حضورها الحيوي الدائم في مصنع الحيوية البشرية التي يتسيّدها ويقودها العلم التطبيقي التجريبي الطبيعي منفردا ومتقدما كل ضروب المعرفة الاخرى واهتماماتها.

بهذا الفهم الذي المحنا له، هل يحق لنا الجزم ان مفاهيم الفلسفة العظيمة، انتهت مكتفية بذاتها على ايدي عظام الفلاسفة هيراقليطس، سقراط، افلاطون، ارسطو، ديكارت، كانط، نيتشة، هيدجر، وسارتر، وآخرين؟! في تناولهم الوجود الانساني فلسفيا من كافة جوانبه واشكالياته التي استولدت شروحات واضافات تراكمية ونوعية على مدار عصور طويلة من التناول والتداول الفلسفي المعرفي.وحتى مفاهيم الميتافيزيقيا المرتبطة بالفلسفة تم السخرية منها والهزء بها في وجوب مجاوزتها ومغادرتها لانها اصبحت شغل من لا شيء عملي يشغله في الحياة.

يقول جاك دريدا ان اي تجاوز للفلسفة لا يعني طوي صفحتها، بل ذلك يستلزم قراءة الفلاسفة بطرق اخرى غير مسبوقة، وقريبا منه في تأكيد حضور وحيوية بقاء الفلسفة، يشير براتراندرسل ان الفلسفة منهج لفهم الحياة وليس لتغييرها، وبذلك يدين مفهوم ماركس الذي يذهب الى ان مهمة الفلسفة ليس تفسير الحياة وانما تغييرها.

هل بامكان الفلسفة ان تصبح علما طبيعيا من غير ان تفقد كل امتيازاتها عبر العصور؟

ان انتفاضة عصري النهضة والتنوير في القرن الثامن عشر الميلادي، وعلمنة الحياة في اوربا، لم يكن بتأثير( فلاسفة )عصر التنوير وجهودهم (وحدهم)، وانما كانت الانتقالة الحقيقية الواقعية بفضل (علماء) عصر التنويروالنهضة امثال كوبرنيكوس و نيوتن وغاليلو وبرونو وكبلر ومن على شاكلتهم من علماء الطبيعة والفلك والرياضيات وصولا الى داروين وفرويد وليس انتهاءا بانشتاين وهوكنج.وبجهود هؤلاء العلماء الصفوة كان الفضل الاكبر في التقدم وفي السبق وتحقيق التقدم العلمي والحضاري لعموم البشرية وليس اوربا وحدها.ان عظمة هؤلاء العلماء غير الفلاسفة ليس فقط انهم قلبوا مفاهيم علوم الفلك والفيزياء والرياضيات والانثربولوجيا والطب والنفس وغيرها التي كانت سائدة، بل عظمتهم في وضعهم حدا لوصاية اللاهوت الكنسي الديني على واقع الحياة كل الحياة وتحريرها اجتماعيا واقتصاديا وفكريا وخلاصها بحرية الاجتهاد والابداع.

وعبرة تخلفنا في الماضي وعجزنا والى يومنا هذا ان فلاسفتنا العرب المسلمين اخفقوا قديما في تحقيق ما استطاع قدامى الاوربيين تحقيقه، حيث كانت ولا تزال وصاية الفكر الديني السياسي عندنا، وسيلة الحاكم الغاشمة في القمع والهيمنة الوحشية، على حملة افكار التنوير والتقدم، ورميهم بتهمة الزندقة والكفر الجاهزة في وجه من يجرؤ تشخيص العلّة والداء.بما يشبه محاكم التفتيش التي سادت اوربا القرون الوسطى وربما اقسى..

مفارقة هذه الحقيقة التاريخية نجدها عندنا ولدى غيرنا من الشعوب التي ظهر فيها فلاسفة عقلانيون كبار لكنهم اخفقوا من تحقيق نهضة حضارية لشعوبهم او لغيرهم من امم وشعوب الارض.

ظهر عندنا نحن العرب المسلمون فلاسفة تنوير عظام بدءا من الكندي والفارابي وابن سينا والرازي وجابر بن حيان والبيروني وابن الهيثم وابن رشد وغيرهم نتنّطع اليوم بانهم كانوا(عقلانيين) مؤثرين وسطاء نقلوا الفلسفة اليونانية والرومانية وكانوا سببا في نهضة اوربا، لكنهم اخفقوا تحقيق نهضة امتهم. متناسين في مكابرة عقيمة اننا لم نكن نمتلك علماء امثال كوبرنيكوس او نيوتن او غاليلو او برونواوكبلروامثالهم الى جانب هؤلاء الفلاسفة التنويريين.

الفرق الذي حصل في اوربا ان عمل الفيلسوف اكمله عمل العالم، في حين لم يستطع فلاسفتنا تحقيق نهضة تنويرية تقدمية عندنا متكاملة عمادها مزاوجة الفلسفة و العلم.لان كل جهود الفلاسفة العرب المسلمين كانت منصّبة على ايجاد توافق تلفيقي افتعالي بين الفلسفة والدين وتزكية هيمنة الدين على الفلسفة وقيادته لها، وليس الربط بين الفلسفة والعلم في تكامل تنويري نهضوي يشاكل ما حققته اوربا في ترابط العلم والفلسفة.

ثم اذا كان تقاطع الفلسفة والعلم مازال قائما في المجتمعات الغربية منذ ديكارت وبيكون في القرن السابع عشر، فان اشكاليتنا مع الفلسفة المعاصرة هو في تقاطعها مع التفكير الديني السياسي الذي يحاول اما ربط الفلسفة بالتفكير الديني بافتعال مبتذل، او بالاقرار باستحالة الربط بينهما، ويلخص المفكر الكبير الجابري هذه الاشكالية بالعودة الى جذور المشكلة قائلا:(ان الفلسفة العربية بدأت بداية جديدة في المغرب والاندلس مع مشروع بن باجة الفلسفي، وكانت الفلسفة العربية الاسلامية في المشرق العربي لاهوتية المعرفة، بسبب استغراقها التوفيق بين الدين والفلسفة، اما الفلسفة في المغرب والاندلس ومع بن باجة فكانت علمانية الاتجاه وعقلانية بفعل تحررها من تلك الاشكالية، اشكالية الدين مع الفلسفة.)

المهم ان اوربا اليوم لا تحتفي بالفلسفة احتفائها بالعلم في معترك الحياة، وتراجعت المفاهيم الفلسفية القديمة لنستلم نحن الراية في المعارف والعلوم الانسانية فقط من غير العلوم الطبيعية التطبيقية، في الاطاريح والمنتديات والجامعات والبحوث، بما غادرته ليس اوربا وحسب ولكن اليونان المعاصرة مبتدأ ومنتهى الفلسفة القديمة ومستودع الارث الفلسفي العالمي، التي تستجدي العالم اليوم في ضائقتها المعيشية والمالية والاقتصادية ولا يشفع لها كل ارث الفلسفة الذي امتلكته وتمتلكه. ..من المؤكد الواضح اني لا ادين الفلسفة كمنهج في التفكيرالمعرفي ان يفقد معناه وحاجة الانسان له، ولكن تحّفظي اننا ربما نعتمد المفاهيم الفلسفية والانسانيات عوضا عن ميادين العلم التطبيقي في نشدان وتحقيق نهضتنا المرجوة وفي ذلك عقم المسعى والهدف، في تصورنا القاصر ان بحوث الانسانيات كفيلة بتحقيق نهضة حضارية وهو مالم تشهده البشرية في اي بقعة او عصر ولا في اوربا لا قديمها ولا حاضرها.

امام عجز الفلسفة الكلاسيكية القديمة ان تضيف جديدا متطورا للحياة، لجأت المفاهيم الفلسفية الحديثة والمعاصرة تنحى منحى الاعتياش التكاملي مع اللغة والالسنيات، والحفرالمعرفي الاركيولوجي، وانثروبولوجيا الحضارات والاديان وغيرها.ولجأت الفلسفة الحديثة الى مغادرة الاهتمامات الفلسفية الكلاسيكية القديمة التي اصبح اجترارها مؤونة الاطاريح والبحوث الجامعية والدراسات في تناولها مواضيع لم يكن في وارد عناية واهتمام الفلسفة الكلاسيكية القديمة بها كالجنس والهوية والتواصل والمهمّشين بالحياة كالمجانين والمصّحات.و من مواضيع اهتمامات الفلسفة اليوم مفهوم حقوق الانسان، صدام الحضارات وحرب الثقافات، ظاهرة الارهاب، نهاية التاريخ التواصل بين المجتمعات، الحاسوب والانترنيت، والفضاء العمومي للنقاش(هابرماس)، نظرية العدالة والدول المارقة (جون راولز)، البيئة المعاصرة والعدالة المناخية وغيرها. كل هذه المواضيع وغيرها العديد التي تشغل الفلسفة المعاصرة لا يربطها مع كلاسيكيات الفلسفة القديمة اي رابط يعتد الاخذ به، وغريبة جدا على اهتمامات الفلسفة القديمة بشكل قاطع.

قبل مغادرتنا هذه الجزئية من البحث نشير الى ان بيكون شن حملة شعواء على الفلسفة باسم وجوب افشاء قيم العقل والعلم، ويعتبر بيكون رائد الفلسفة التحليلية الإنكليزية التي تطورت على ايدي ديفيد هيوم وجورج موروجون لوك وأخيرا برتراندرسل، كما ان الفيلسوف كلود برنار هو الاخر اراد انشاء فلسفة تطبيقية جديدة لا نظرية، وامكن له استبعاد الميتافيزيقيا عن العلم.

في الختام يمكننا القول ان الفلسفة من ارقى المظاهر الحضارية الانسانية ومستقبلها سيدوم مادام الانسان تسكنه تساؤلات لم يتمكن الى اليوم اعطاء اجوبة شافية عنها.

(إنتهى)

 

حاوره: ا. مراد غريبي

المثقف – مرايا فكرية

14 – 11 – 2021م

.................

1- جون روجرز سيرل: فيلسوف أمريكي ولد عام 1932 ويشغل الآن درجة أستاذ فخري في فلسفة العقل واللغة، وأستاذ طلبة الدراسات العليا في جامعة بيركلي – كالفورنيا، معروف على نطاق واسع في مساهماته في فلسفة اللغة والعقل والفلسفة الاجتماعية، بدأ التدريس في جامعة بيركلي عام 1959..

 

2916 علي اليوسف ومراد غريبيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة من مرايا فكرية مع الباحث الفلسفي المفكر الأستاذ علي محمد اليوسف، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:

المحور الخامس: الزمن والفلسفة

س78: أ. مراد غريبي: كيف ترون فهم افلاطون للزمان وبماذا يختلف عنه أرسطو، وايهما أقرب الى التصور الفلسفي المقبول حاليا في تاريخ الفلسفة؟

ج78: أ. علي محمد اليوسف: باعتقادي فهم افلاطون للزمن هو فهم التحقيب الارضي التاريخي الذي يخضع فيه افلاطون إدراكنا الزمن بدلالة وقائع التاريخ ولم يكن مخطئا بفهمه الفلسفي هذا، لكنه أهمل استحالة إدراك الزمن تجريديا من غير دلالة تعالقه بالمكان (الطبيعة) لذا هو ابتعد بحديثه عن الزمان الكوني الفضائي (space) الذي هو فيه الزمن ليس تحقيبا ينقسم الى ماض وحاضر ومستقبل ارضي. ميزة الزمان الكوني الذي لم يكن يدركه افلاطون أنه مطلق ازلي تجريدي ليس موضوعا يدركه العقل منفردا تجريديا، وهو ما ندركه بتعالقه مع قوانين فيزياء الكون. الزمن وسيلة إدراك وليس موضوعا للإدراك في كل الاحوال سواء أكان زمانا تحقيبيا ارضيا أو كان زمانا كونيا.

ارسطو أدرك الزمان الكوني الذي أهمله افلاطون لكنه هو الاخر اي ارسطو ادخلت مفاهيمه الفلسفية عن الزمن أوروبا في القرون الوسطى عندما اعتبر مركز الكون هو الارض وهي ثابتة لا تتحرك ما جعل كلا من كوبرنيكوس 1543م في ورطة تعارضه مع الكنيسة عندما قال الارض ليست مركزا للكون وانما الارض جرم كروي غير ثابت يتبع في حركته الدائرية ثبات الشمس ما جرّ الويلات على كل من جوردان برونو وغاليليو ونيوتن من بعده.

لذا أختصر رغم الاخطاء الفيزيائية التي أثبتها العلم على افكار ارسطو الفلسفية لاحقا نعتبر فهم ارسطو للزمن هو فهم أنضج من الفهم الافلاطوني في اعتبار ارسطو الزمن الارضي تحقيب يعرف بدلالة وقائع التاريخ، والفضاء الكوني مطلق ازلي لا يدركه العقل ماهويا لا تجريديا ولا بدلالة تعالقه مع قوانين الطبيعة الكونية التي أثبتها علماء الفيزياء من انشتاين ونزولا الى علماء الذرة. الزمان حقيقة كونية مطلقة نفهمه وسيلة دلالة لكنه لا يكون موضوعا يدركه العقل.

س79: أ. مراد غريبي: ذكرتم في كتاباتكم الفلسفية عن الدوائر الزمنية التطورية، وذكرتم ان القفزات النوعية في التاريخ لا تجاريها القفزات او الطفرات النوعية بالزمن، وهل تحقيب الزمن الى ماض وحاضر ومستقبل هو تعبير مجازي للزمن ام تعبير حقيقي له؟

ج79: أ. علي محمد اليوسف: سؤال مهم جدا، قبل بدء الاجابة عن السؤال اود التأكيد ان مفهوم القفزة النوعية او الطفرة النوعية في الزمن غير موجودة على الاطلاق كون الزمن مطلق كوني واحد لا يتقبل القسمة ولا التحقيب الا فقط كما في الزمن الارضي الذي هو تحقيب تاريخي بدلالة زمنية تلازمه . والزمن التحقيبي الارضي لا يفقد صفته الخصائصية الفريدة انه مطلق ازلي يحمل خواصا ارضية وكونية واحدة. ولا يدركه العقل تجريديا لذا نجد تعريف سقراط كان في غاية الذكاء حين سئل ما هو الزمن قال: الزمن هو مقدار حركة جسم ما في الزمن، والزمن دلالة حركية للاشياء لكن الزمن ليس حركة ولا يخضع لإدراك عقلي كموضوع.

أما مسار التاريخ الذي يقوم على جدل دائري حلزوني صاعد هو مسار خطّي كونه محكوم بإلزام النقلات النوعية، التاريخ حسب التحليل المادي يسير خطيّا أفقيا في دوائر تعاقب ديالكتيكية لكن ليس بأسلوب إنعدام الطفرات النوعية فيه. وهذا هو الفرق الجوهري بين مفهوم تعاقب الدوائر في إعادة نفسها على أساس أن ما حدث سيحدث لاحقا في العود الابدي, وبين ديالكتيك الدائرة التي تتخللها الطفرات النوعية الكيفية المتقدمة دوما في ملاحقة التجديد الذي يندثر القديم خلفه. ليستحدث نفسه ثانية في الظاهرة الجديدة التي يحكمها الديالكتيك بقانون نفي النفي لها ايضا.

س80: أ. مراد غريبي: ما حقيقة الحاضر الوهمي للزمان؟

ج80: أ. علي محمد اليوسف: أفلاطون يفهم الزمان على أنه عود أبدي في التكرار الذي يخلو من التنوع الكيفي في طفرات نوعية، وميزة عبقرية افلاطون رغم إعتماده تعاقب الدوائر زمانيا إلا أنه لم يفهم الزمان مسارا أفقيا خطيّا جرى تقسيمه التحقيبي الى ماض وحاضر ومستقبل من أجل تيسير فهم الزمان كيف يعمل في تعالقه بنظام الطبيعة والاشياء وحركة القمر والارض والكواكب الاخرى. بإرتباطها فيزيائيا بحركة الارض حول نفسها وحول الشمس وحركة القمر، وفي تعاقب الليل والنهار والفصول الاربعة والسنة والشهور وغيرها من أمور.

افلاطون يوضّح فهمه للتحقيب الزماني أن الحاضر هو إفتراض وهمي خارج سلسلة التعاقب الزمني من الماضي الى المستقبل، والحاضر تحقيب مؤقت بضوء ماض متشّكل وجودا لا نفهمه إدراكيا بغير الحاضر، وبين مستقبل يندغم به الحاضر   حتميا إلزاميا زمانيا في بناء ملامح مستقبلي يسعى الانسان حضوره وتحققه. بمعنى كل ما يقوم به الانسان من إنجازات في حاضره هي بناء لمستقبل يرغب تحققه الحضوري. والحاضر الزمني لا يمكننا إدراكه كونه تغيير حركي مؤقت لا يتّسم بالثبات المقارن مع ثبات الماضي ولا يمتلك كينونة زمنية إستقلالية تفصله عن المستقبل. لذا إعتبر فلاسفة اليونان الحاضر نقطة ليست زمانية ينتقل عبرها تجسير الماضي الى المستقبل في تجاوز الحاضر كقطوعة زمنية لا نمتلك إدراكها.

من الخطأ بضوء هذا المعنى أن نفهم الحاضر حلقة وصل بين ماض انتهى وبين مستقبل يتشّكل منهما سوية أي يتشكل من ترابط الماضي مع الحاضر. الحاضر هو زمن وقتي منحل نحو ماض يجتذبه ومستقبل يجيرّه.

وبتعبير افلاطون (من الخطأ أن نستعمل الحاضر وصورة ما هو كائن، لما هو متغيّر متحّول من الماضي الى المستقبل)، فهو يعتبر الحاضر لحظة قصيرة جدا عابرة لذا لا يجب معاملتنا لحظة الحاضر المؤقتة كزمان تجسيري يربط الماضي بالمستقبل وهذه حقيقة لا غبار عليها من جنبة فهمنا الحاضر زمانا وليس تاريخا يلازمه الزمان..

والسبب في غمط الحاضر حضوره المستقل كتحقيب زماني غير مدرك زمانا رغم حقيقة كونه مدرك موضوعيا فيزيائيا لا يكون بدلالة إدراكه الحسّي المباشر كزمن بل بدلالة تحقيبه تجسير ربط الماضي كتاريخ بالمستقبل كسيرورة متشكلة تجديدا على الدوام بدلالة منجز الحاضر. الحقيقة التي سبق لي تكرارها في أكثر من مقال لي أن الزمان في تحقيبه الارضي كزمان مجرد عن تاريخانيته الى ماض وحاضر ومستقبل هو حدس يدرك بدلالة غيره من حركة أجسام يحتويها ويتمايز عنها بالمواصفات والكيفية. فنحن ندرك الزمن الماضي بدلالة وقائع ما يحتويه من تاريخ، وندرك المستقبل بدلالة سيرورته التاريخية ألمتشّكلة على الدوام وليس في زمانية مجردة نطلق عليها لفظة مستقبل زمني لا مضمون يحتويه.

هنا في تداخل بسيط نناقش به، افلاطون يعتبر ألحاضر وهما غير موجود زمانا من حيث أن ما يفعله الانسان في كل حركة من حركاته هي بنية مستقبل غير منظور وليس حاضرا غير منظور لا يمتلك زمانية سكونية كافيّة لبقائه كي يدركه العقل. وكذلك يصبح ماضيا حين يجري إندغامه كحاضر بالماضي لإستعادتنا إستذكاره. فاللغة مثلا التي يتكلمها الانسان هي لغة مستقبل زمانيّا وليست لغة حاضر غادر زمانيته وأصبحت تعبيرا عن ماض إنتهى لحظة الانتهاء من تعبير الجملة. لذا نجد افلاطون يعبّر عن هذا المعنى (الحاضر لحظة غير معقولة لأنها تفترض البقاء ولو أقصر مدة فيما ليس هي بكائن على الاطلاق) بمعنى الحاضر ليس بكائن يدرك زمانا على الإطلاق حسب تعبير افلاطون نصّا. وهنا لا يمكن تخطئة افلاطون بتعبيره هذا كونه يتعامل مع زمان حاضر تجريدي على صعيد التصور لا يحتوي تاريخ وقائعي.

الحاضر الزماني حسب تفسير افلاطون هو لحظة لا يعقلها العقل لتعّذر إدراكها، فهي بقاء مؤقت زائل لذا لا يكون الحاضر كائنا مدركا كمفهوم زماني. ولو أننا تماهينا مع افلاطون مع هذا التصور الزماني الميتافيزيقي الذي يبدو لنا صحيحا منطقيا، سوف نسقط في نفس الاستحالة الإدراكية في فهمنا للماضي، على ضوء فرضية أن الحاضر وهمي غير معقول وكذا نفس الحال مع المستقبل ما يجعل من تحقيب الزمان ماضيا وحاضرا ومستقبلا محض افتراضية عشوائية لا معنى لها سوى في أذهاننا فقط ولا تحمل مدلولاتها الادراكية العقلية القائمة خارج تحقيب زمني لها..

وهذا التحقيب العشوائي الزماني كقطوعات تحقيبية هي موضع شك لا يمكننا البرهنة المنطقية العقلية عليه. كون هذه السلسلة من التعاقبات الماضي والحاضر والمستقبل جميعها ترجع الى أصل المشكلة أن الزمان ليس موضوعا مدركا للعقل لا بالصفات الانفرادية ولا بالماهية...كما أن الزمان وحدة زمنية واحدة في عدم إدراكنا ماهية الزمن كموضوع مدرك فهو سرمدي أزلي لانهائي.. قطوعات الماضي والحاضر والمستقبل تعبيرات مجازية لزمن مجرد يستحيل إدراكه تجريدا منفردا دونما دلالة مكانية سواء من التاريخ أو الطبيعة.، لكن ألمدرك الحقيقي لنا أننا ندرك هذه القطوعات الثلاث ليست زمنية بل قطوعات تاريخية فقط  نعيشها في ماضيها وفي حاضرها وفي سيرورة مستقبلها.

س81: أ. مراد غريبي: ما علاقة النفس بالزمن؟ وهل هي ذاتها علاقة العقل بالزمن؟ وفي ايهما تجد الانحياز العلمي؟

ج81: أ. علي محمد اليوسف: أود الاشارة الى أن علاقة النفس بالزمن علاقة طبيعية لا يمكن الفصل بينهما، وطبيعة النفس متغير غير ثابت امام مطلق زمني ثابت لا يتغير، هذا ليس نجده على مستوى علم النفس في الادراك الشعوري واللاشعوري الدارج للزمن، وهو تعبير خاطئ صحيحه هو الشعور واللاشعور يكون في النفس وليس بالزمن. حقيقة الارباك الذي اثاره الفيلسوف العقلاني العلمي جاستون باشلار حول رومانسية المكان على أنها زمن استرجاعي إنما هو بالحقيقة تعبير مجازي عن الزمان فقد كان يقصد استرجاعات تذكر الامكنة وتاثيرها النفسي. الزمن تجريد دلالة فقط وعند استذكار الماضي انما نحن نستذكر انطباعات نفسية وليس انتقالات زمانية.

لتكن البداية من منطلق التساؤل هل يمكننا اسقاط رغائب النفس على السيرورة الحركية للزمن في الزاميه التنفيذ الاستجابي في تحقيق تلك الرغائب النفسية حتى لو حاولنا تطويع الزمن رضوخا في قبوله قطوعات النفس الساقطة عليه؟ لا نعتقد متاحا أن تكون هيمنة رغائب النفس على الزمن ممكنة التحقق. فالإسقاط الشيئي سواء كان ماديا أو موضوعا خياليا مستمدا من الذاكرة والمخيلة على الزمن يبقى يدور في حلقة هيولية مفرغة خارج مركزية الزمن المحتفظ بماهية نوعية مطلقة لا تجانس أي إسقاط مادي أو خيالي عليه.

وفي محاولة معالجة الفلسفة تطويعها الزمن لرغائب النفس هي نوع من التحليق الرومانسي (حلم يقظة) يجد في ركوب وامتطاء رغائب النفس ظهر الزمان ممكنا واردا. هذا الاسقاط الالزامي التطويعي يتوسط دائرتين دائرة النفس المنفتحة على الزمن إستذكاريا يقابلها دائرة الزمن المقفلة على نفسها ماهويا مطلقا المنفصلتين كلتاهما عن بعضهما ماهويا. فالفكر الاستذكاري ماهيته الادراك الخيالي, ودائرة الزمن المقفلة على نفسها ماهيتها المطلق غير المدرك عقليا.

من الممكن تصور أن تكون النفس زمانية ماضويا بدلالة تحقيب نفسي لازماني حقيقي لكن من المحال أن يكون الزمان مطيّة النفس في تداخل جوهري معها على صعيد المجانسة الماهوية النوعية لكليهما، ليبقى الزمن محتفظا في جوهره الماهوي المطلق في الانفصال التام عن النفس.

وتعليل هذا الالتواء القصدي إحتمال نجد تبريره في سبب لا يتوفر للإنسان صيغة اسلوبية بديلة عنه أن تعيش النفس الزمان الاستذكاري الماضي بما يحقق رغائبها من غير إسقاطها المباشر على الزمن خارج التجريد. بمعنى توضيحي زمن حوادث التاريخ الماضي هي ليست زمن التاريخ الاستذكاري له ونحن نعيش الحاضركمخيال للماضي.

في تعبير مقتصد جدا النفس هي إسقاط خيالي لحوادث تاريخية على زمان مطلق تعرف وتدرك تلك الاسقاطات بدلالته ولا يكون هو متداخلا بها منقادا لها. الزمان وعي حيادي لا يدرك ذاته ولا يدرك موضوعه بدلالة رجوعه الى ذاته. الزمان والطبيعة جوهران متلازمان ماهويا إنفصاليا لا يدركان علاقتهما بكل شيء يدركه عقل الانسان ولا يدركانه. ما يدركه العقل ليس بالضرورة يكون مدركا زمانيا أي مدركا زمانا خارج العقل، ولا يكون الزمن ايضا مدركا طبيعيا أي تدركه الطبيعة. هنا نجد مهما الإبانة التوضيحية أن ما يدركه الانسان زمانيا هو إدراك متزامن مع مكان حتما، لكن لا العقل يدرك المكان تجريدا من غير ملازمة زمانية له ولا الزمان يدرك ملازمة إدراك المكان مجردا مستقلا عن فاعلية العقل التي تحتوي الزمان والمكان معا.

س82: أ. مراد غريبي: نفهم مما ذكرتموه أن الزمان تجريد منفصل عن كل شيء مدرك سواء النفس او المادة او التحقيب الارضي او حتى الزمان الكوني وذلك بسبب الزمان لا يدرك العقل ماهيته اليس كذلك؟

ج82: أ. علي محمد اليوسف: بالضبط ما ذكرته. حين عبّرت في أسطر سابقة الزمان وعي حيادي لا يدرك ذاته ولا يدرك موضوعه إنما أردت تأكيد حقيقة أنه لا يوجد هناك إدراك زمكاني بدون إدراك العقل لمكان. ملازمة إدراك العقل زمكانيا هي خاصيّة عقلية لا يمتلكها الزمان منفردا كما لا يمتلكها المكان منفردا والأهم أنهما لا يمكن إدراكهما المتزامن زمكانيا بينهما إلا تحت سطوة العقل الادراكي فقط في تعالقهما المشترك.

أهم خاصية يمتلكها العقل ليس ماهية التفكير المجرد المنعزل ذاتيا كما ذهب له ديكارت، وإنما العقل يمتلك خاصّية الإدراك السابقة على خاصيّة توليد الافكار. لا ألادراك العقلي يتم بلا إدراك أولي شيئي أو موضوعي واقعي أو خيالي، ولا التفكير العقلي بمدركه كموضوع يتم من غير وجود مادة أو موضوع يكون هدفا قصديا للإدراك العقلي والتفكير فيه.

لكن تبقى المحصلة الزمن هو الزمن بخصائصه المنفردة التي لا يدركها العقل تجريديا كمطلق لا ماهية عقلية له يدركها العقل منفردة. والنفس هي النفس بخصائصها النوعية المتضادة كليّا مع الخاصية المطلقة للزمن. لا يمكن تحقيق محدودية الإدراك الشيئي بدلالة مطلق الزمان كخاصية نوعية. بل يمكن ذلك في إدراك ماهو محدود مكانا بدلالة ماهو ملازم له محدود زمانا ايضا. محدودية الزمان بدلالة محدودية مكانية ممكنة في تبادل الادوار من غير ما تداخل ماهوي جوهري بينهما، ولا علاقة جدلية تربطهما بل ارتباطهما هو من نوع التكامل الادراكي المعرفي للعقل فقط.2980 علي محمد اليوسف

س83: أ. مراد غريبي: يثير باشلار إشكالية أخرى "هل سينقذ المتواصل الزمني بتجريد الزمن كشكل قبلي؟ هل هذا المنهج والقول لباشلار يعني أننا على نحو ما نجوهر الزمن من تحت في فراغه وخلوّه خلافا للمنهج البرجسوني الذي يجوهر الزمان مع مرور الوقت من فوق في إمتلائه"؟

ج83: أ. علي محمد اليوسف: الزمان مطلق جوهري مجرد لا يدركه العقل لا بالصفات ولا بالماهية. وعبارة باشلار الزمن تجريد (قبلي) هي عبارة صحيحة تماما. جوهر الزمان كتجريد ماهوي سابق على جوهر الوجود كثبات مادي ومتغير بنفس الوقت. الزمان متغيّر ناتج عن حركة مكان او موجود او شيء سابق عليه. لكنه أي الزمان ليس حركة يمكن إدراكها مجردة عن المكان والاجسام والاشياء ولا يتغير وتغيراته التي نحدسها عقليا وندركها هي تغيرات مكانية يحتويها زمن ثابت لا يتغير...

الزمان جوهر ممتلئ لا ندرك إمتلائه ولا خلوّه. الزمان لا يكون خلوّا فارغا لا على صعيد التحقيب الزماني الارضي في إدراكنا موجودات الطبيعة بدلالة الزمان، ولا يكون الزمان فارغا خلوّا وهو يحتوي الكون اللانهائي ولا يحتويه الكون المادي في لانهائية الكون والمجرات، ولا يوجد قانون فيزيائي أرضي أو قانون فيزيائي على الصعيد الكوني لا يدخل فيه الزمان دلالة رمزية في معادلة علمية لا قيمة لها في إلغاء تجريد الزمان منها.

الزمان جوهر ثابت مخلوق لا يتعالق إمتلائه الافتراضي ولا خلوه بدلالة جوهرة غيره من الاشياء. لا يوجد هناك حتى على المستوى الميتافيزيقي إمتلاء زمني تحتاني يختلف أو يتكامل مع إختلاف إمتلاء زمني فوقاني. فيزيائية الزمان لا تقبل التجزئة على صعيد ماهيته الجوهرية الطلقة اللانهائية ازليا, لكنه يقبل التجزئة الافتراضية على صعيد تحقيبنا الزمان ارضيا لتوفير إمكانية ادراكنا ومعرفتنا تغيّرات الطبيعة ورصد حركة سيرورة الاشياء في العالم الارضي المحيط بنا في معرفتنا الوقت وضبط تغيرات المناخ.

الحقيقة التي تحكمنا هي أننا ندرك الموجودات مكانا بدلالة زمانيتها، في نفس وقت أننا ندرك محدودية الزمان كتحقيب وليس كمطلق بدلالة إدراكنا المكان وموجودات الطبيعة والوجود زمكانيا مشتركا متداخلا..

س84: أ. مراد غريبي: تناولت في احدى مقالاتك الفلسفية علاقة الزمن بالعدم، ما صحة هذه العلاقة وكيف يمكنك توضيحها؟

ج84: أ. علي محمد اليوسف: بضوء ما ذكرناه ربما يبرز تساؤل ما الفرق بين الزمن والعدم في حالتي الفراغ وفي حالة الامتلاء التي قال بها باشلار؟ إجابتنا تتحدد بالتالي:

الزمان يلتقي العدم في واحدية الامتلاء كليهما، فلا زمن بلا إمتلاء وجودي يحتويه ولا عدم بلا إمتلاء وجودي يفنى فيه. الزمان يحتوي الوجود كاملا، والعدم يزامن الوجود لإفنائه وليس ليحتويه فقط كما هو واقع الحال بالزمن فهو يحتوي الوجود ولكنه لا يفنيه وهذا هو الفرق الجوهري بين الزمان والعدم في تعالقهما بانطولوجيا الوجود.

الزمان يحتوي الوجود ادراكا لمعرفته، والعدم يلازم الوجود لإفنائه بالموت. لذا من أفدح الأخطاء على صعيد الفلسفة أن نعتبر الزمن مكافئا (العدم) بعلاقتهما المتباينة بالوجود، فعلاقة الزمن بالوجود هي علاقة إدراك توكيدي للوجود، بينما تكون علاقة العدم بالجود إفنائيا له. لا شيء يمكننا الدلالة على أنه يمتلك استقلالية موجودية خارج ملازمته الوجود لإفنائه وليس لتوكيده الادراكي كوجود. ومن الاخطاء الاكثر فداحة فلسفية ايضا هي إعتبارنا إمتلاء الزمان يشابه ويكافئ إمتلاء العدم. العدم لا يكون ممتلئا أبدا في جميع الحالات. فالعدم ليس فراغا احتوائيا ليمتلئ. العدم مصطلح فلسفي غير وجودي يدرك بدلالة إفنائه الاشياء والكائنات الحيّة.

الزمان والعدم كلاهما يلتقيان بخاصية أنهما لا يدركان كجوهرين متمايزين مختلفين بمعيارية الفراغ والامتلاء، ولا يمكن إدراكنا زمانا تحقيبيا ارضيا ولا كونيا فارغا بمعنى الزمان لا يتوسط إمتلائين، ونفس الشيء ينطبق على العدم في إستحالة توسيطه كفراغ لوجودين أحدهما سابق عليه والآخر لاحق عليه.

س85: أ. مراد غريبي: هل الزمان قبلي كما يشير له باشلار "ارتقاب مجرى الزمان مكتوب في الذاكرة وقبلية الزمان لا تظهر إلا لاحقا كضرورة منطقية "؟

ج85: أ. علي محمد اليوسف: قبل الدخول في مناقشة باشلار اود تثبيت ما يلي:

- الزمان جوهر كيفي ثابت لا يمكن التلاعب في ماهيته غير المدركة للإنسان. بمعنى الزمان جوهر غير متعالق مع رغبة الانسان النفسية مطلقا، ولا يوجد هناك قدرة انسانية يمكنها التحكم بالزمان في أي شكل من الاشكال بسبب إنعدام المجانسة الماهوية بين الزمان وبين كل شيء موجود يتعالق مع الزمان إدراكيا بدلالته فقط.

- الزمان جوهر غير ديالكتيكي وهذه حقيقته الانفصالية المطلقة عن الاشياء خارج علاقته إدراك الاشياء وليس التداخل الجدلي الديالكتيكي معها. الزمن تجريد يلازم مدركاتنا لكنه لا يكون جزءا تكوينيا منها.

- الزمان وحدة كليّة وجوهر ماهوي مطلق تجريديا لا يمكن تجزئة الزمان ولا تحديده ويقول ارسطو في عبارة رائعة (لا يمكننا حد الزمان بزمان) فأنت عندما تريد محدودية زمانية يتوجب عليك أن يتوفر لديك زمان آخر يمتلك ماهية زمانية مغايرة أخرى تحّد بها زمانا لا يشاركه المجانسة الماهوية النوعية وهو محال فالزمن جوهر واحد في مجانسة ماهوية واحدة. وما يحكم العالم والانسان والطبيعة والكون زمان واحد يمتلك كيفية ماهوية واحدة لا تنقسم على نفسها ولا تتجزأ ولا يمكن حدها بحدود.

س86: أ. مراد غريبي: قلت وردت في عبارة ارسطو (الرائعة) ان الزمان لا يحده زمان, فهل ترى إمكانية حد الزمان بالمادة؟

ج86: أ. علي محمد اليوسف: السؤال هل من الممكن حد الزمان بالمادة؟

كتحقيب أرضي وليس كمطلق ازلي زماني؟ ايضا هنا الجواب في منتهى الإحراج. الزمان يدرك بحسب مقدار حركة الاجسام داخله على الارض. لذا فالزمان من خواصه أنه يتمدد ويتقلص وهو ما ذهب له انشتاين في النسبية العامة 1915. كما هي خاصيّة المادة لكن من غير فقدانه لماهيته الزمانية المطلقة الكلية الواحدة التي لا يمكننا ادراكها بغير دلالة حركة جسم يحتويه الزمان. فالزمان الفضائي الكوني ندركه بدلالة جسم منطلق لنفترض صاروخا، بكتلة وحجم معينين وبسرعة الانطلاق وكذلك كوابح الاحتكاك بالفضاء.

إننا نستطيع تحديد الزمان بحركة الاجسام داخله في توازن ماهوي جوهري لهما متصلان في دلالة أحدهما ندرك الآخر، ولكنهما منفصلان بالخصائص الذاتية المختلفة بين الزمان والاجسام التي يحتويها. لا الجسم يفقد خصائصه في حركته داخل الزمان ولا الزمان يفقد خصائصه الماهوية كزمن لا يمكن إدراكه إلا بدلالة حركة غيره ماديا.

الزمان قبلي على الإدراك بعدي على الوجود، علما أن الوحدة الزمانية لماهيّة الزمان لا تتغير في الحالتين. كون الزمان جوهر لا يقبل التجزئة والانقسام لا على نفسه ولا بعلاقته بموجود مدرك بحركته داخل الزمن.

المشكلة الميتافيزيقية التي أثارها سبينوزا هي في إعتباره الطبيعة مخلوق قبلي على بعدية الزمان، فالوجود والطبيعة أولا والزمان ثانيا. سبينوزا من المدهش حقا إنطلاقه تحت تأثير لاهوتي أن الخالق خلق المكان والمقصود بها الطبيعة بنظام ثابت في قوانينه الفيزيائية التي تحكمه، والطبيعة بنظامها هذا هي التي أسبغت على عشوائية الزمان نظامه. لذا إعتبر سبينوزا إدراكنا الوجود والزمان إنما يتم بدلالة ازلية الجوهر الاعجازي بنظامه الذي هو الله.

لما كان الانسان يدرك ويحّس الزمان بخلاف الحيوان الذي لا يدرك ذاته ولا يدرك نظام الطبيعة والأهم أنه لا يدرك الزمان. لذا نجد الحيوان متكيّفا إنقياديا سلبيا ذاتيا مع الطبيعة في إدامة حياته يعيش ليأكل، في حين العلاقة التكيّفية عند الانسان مع الطبيعة لا تقوم على الانقياد لها من دون وعي منها. فالطبيعة لا تعقل نفسها من جهة ولا تعقل وجود الانسان من جهة أخرى. بخلاف العقل يدرك ذاته والطبيعة معا.

س87: أ. مراد غريبي: يعبر برجسون قائلا " أن امتلاء المادة للزمان هو الاكثر كثافة من إمتلاء المادة للمكان، وما تزال المادة تملأ الزمان بشكل مؤكد أكثر مما تملأ المادة المكان".

ج87: أ. علي محمد اليوسف: من المعروف جيدا أن كل إمتلاء مكاني هو في نفس اللحظة من الحين والوقت يكون إمتلاءا زمانيا، وإدراك الإمتلاء لا يخضع لتعاقب تسلسلي في الأسبقية لتعذر إمكانية معرفة فصل إمتلاء المكان بمعزل عن إمتلاء الزمان. إدراك أي شيء لا يتم وفق تراتيبية أسبقية بين إدراك المكان عن إدراك الزمان. وعندما يفصل برجسون الادراك في الإمتلاء بين المكان والزمان كلا على انفراد حسب مرجعية الإمتلاء، فهذا الفصل ميتافيزيقي وهمي تصعب البرهنة على حدوثه وإمكانية تحققه سوى في تصور فلسفي ميتافيزيقي غير علمي.

ومن البديهيات التي لا تحتاج نقاشا هي حضور المادة زمانيا في إحتواء الزمان الطبيعة أكثر كثافة من محدودية المكان في إحتوائه الامتلائي للاشياء. ولا ينتج عن كل هذه المداخلة البينية ما يستوجب الايهام أن برجسون وباشلار يناقشان قضية عالقة من مباحث الفلسفة جديرة بأهمية الامتلاء الزماني بالمقارنة مع الإمتلاء المكاني. فهما يتناقشان ميتافيزيقيا.

هل من المتاح تصور أن كلا من الزمان والمكان حيّزان فارغان لإستيعابهما إمتلاء المادة لهما.؟ المادة وجود زمكاني مدرك مستقلا ولا يحتاج إمتلاء فراغات زمانية أكثر منها إمتلاء فراغات مكانية. ما هو أبسط تعريف للمادة هي كل شيء يشغل حيّزا من الفراغ، والمقصود بالفراغ هنا الحيّز المحدود الذي يناسب موضعة المادة أو الشيء فيه بشكل ادراكي انطولوجي معيّن، لذا الفراغ المكاني لا يسبق المادة في موضعتها المكانية، وكذا المادة موجود مكاني يسبق إدراك الزمن له. لا يوجد وعائين فارغين زماني - مكاني لاستيعاب إمتلاء المادة بهما الا في تفكير باشلار الميتافيزيقي فيلسوف النزعة العقلانية العلمية.

س88: أ. مراد غريبي: كيف تفسرون لنا مقولة جاستون باشلار في محاججته النقاشية المتماهية مع برجسون حول اقتران فكرة التواصل الزمني بفكرة التعاقب؟

ج88: أ. علي محمد اليوسف: يؤكد باشلار في معرض محاججته النقاشية المتماهية مع برجسون إقتران فكرة (التواصل) بفكرة (التعاقب) وبنظري هو إقتران مجاني لا برهان عليه. يتجاوز دائما وفي كل مجال الاختبار الطبيعي والنفساني على حد سواء.

في كل أشكال الوعي الادراكي يكون الفكر تواصل تعاقبي مجاني طبيعي، بمعنى التواصل هو الطبيعي البدهي الذي لا يحتاج البرهنة على صدقيته الخاصية في التتابع. الوعي كما المحنا له سابقا هو سيرورة الفكر نحو هدف قصدي يرسمه الوعي والفكر في ملازمة من التواصل التعاقبي مع العالم.

الفكر هو مضمون الوعي الذي يأخذ شكل تعبير اللغة عن نفسه. ولا يمكن إعتبار الوعي الذاتي هو محطة إستراحة، يكون الفكر الملازم لها سيرورة فكرية قائمة لوحدها. السيرورة الفكرية هي مزامنة لكل أشكال الوعي. وليس من الممكن فرز تزامني في هذه السيرورة المتعالقة بينهما. زمن الفكر هو زمن الوعي الذي هو زمن إدراكي لكل موجود. وفي غياب الموجودية المادية للاشياء لا يبقى هناك وعيا فكريا يحققه تجريد الزمن.

ويثير باشلار إشكالية أخرى " هل سينقذ المتواصل الزمني بتجريد الزمن كشكل قبلي؟ أن هذا المنهج والقول لباشلار يعني أننا على نحو ما نجوهر الزمن من تحت في فراغه وخلوّه خلافا للمنهج البرجسوني الذي يجوهر الزمان مع مرور الوقت من فوق في إمتلائه".

الزمان مطلق جوهري مجرد لا يدركه العقل لا بالصفات ولا بالماهية. وعبارة باشلار الزمن تجريد (قبلي) هي عبارة صحيحة تماما. جوهر الزمان كتجريد ماهوي سابق على جوهر الوجود كثبات مادي. ولو ان فيلسوفا مثل اسبينوزا ينكر اسبقية الجوهر والزمان على الطبيعة.

الزمان جوهر ممتلئ لا ندرك إمتلائه ولانتأكد خلوّه. الزمان لا يكون خلوّا فارغا لا على صعيد التحقيب الزماني الارضي في إدراكنا موجودات الطبيعة بدلالة الزمان، ولا يكون الزمان فارغا خلوّا وهو يحتوي الكون اللانهائي ولا يحتويه الكون المادي، ولا يوجد قانون فيزيائي أرضي أو قانون فيزيائي على الصعيد الكوني لا يدخل فيه الزمان كمعادلة علمية فيزيائية لا قيمة لها في إلغاء تجريد الزمان منها.

الزمان جوهر ثابت مخلوق لا يتعالق إمتلائه الافتراضي ولا خلوه بدلالة جوهرة غيره من الاشياء. لا يوجد هناك حتى على المستوى الميتافيزيقي إمتلاء زمني تحتاني يختلف أو يتكامل مع إختلاف إمتلاء زمني فوقاني. فيزيائية الزمان لا تقبل التجزئة على صعيد ماهيته الجوهرية لكنه يقبل التجزئة الافتراضية على صعيد تحقيبنا الزمان ارضيا لتوفير إمكانية ادراكنا ومعرفتنا تغيّرات الطبيعة ورصد حركة سيرورة الاشياء في العالم الارضي المحيط بنا في معرفتنا الوقت وضبط تغيرات المناخ وتعاقب الوقت بدءا من الثانية وصولا للفصول الاربعة.

الحقيقة التي تحكمنا هي أننا ندرك الموجودات مكانا بدلالة زمانيتها، في نفس وقت أننا ندرك محدودية الزمان كتحقيب وليس كمطلق بدلالة إدراكنا المكان وموجودات الطبيعة والوجود زمكانيا مشتركا متداخلا..

س89: أ. مراد غريبي: هل الزمان قبلي على المكان (الطبيعة) ام هو بعدي عليها؟

ج89: أ. علي محمد اليوسف: الزمان جوهر كيفي ثابت لا يمكن التلاعب في ماهيته غير المدركة للإنسان. بمعنى الزمان جوهر غير متعالق مع رغبة الانسان كيف يريد أن يكون الزمان مطلقا، ولا يوجد هناك قدرة انسانية يمكنها التحكم بالزمان في أي شكل من الاشكال لسبب إنعدام المجانسة الماهوية بين الزمان وبين كل شيء موجود يتعالق مع الزمان إدراكيا فقط. الزمان جوهر لمطلق ازلي لا يدرك العقل ماهيته الحقيقية.

والزمان جوهر محايد في ملازمته الموجودات غير ديالكتيكي وهذه حقيقته الانفصالية المطلقة عن الاشياء خارج علاقته إدراك الاشياء وليس التداخل الجدلي الديالكتيكي معها.

الزمان وحدة كليّة وجوهر ماهوي مطلق تجريديا لا يمكن تجزئة الزمان ولا تحديده واكرر مقولة ارسطو في عبارة رائعة (لا يمكننا حد الزمان بزمان) فأنت عندما تريد محدودية زمانية يتوجب عليك أن يتوفر لديك زمان آخر يمتلك ماهية زمانية مغايرة أخرى تحّد بها زمانا لا يشاركه المجانسة الماهوية النوعية وهو محال فالزمن جوهر واحد في مجانسة ماهوية واحدة. وما يحكم العالم والانسان والطبيعة والكون زمان واحد يمتلك كيفية ماهوية واحدة لا تنقسم على نفسها ولا تتجزأ ولا يمكن حدها.

إننا نستطيع تحديد الزمان بحركة الاجسام داخله في توازن ماهوي جوهري لهما متصلان في دلالة أحدهما إدراك الآخر، ومنفصلان بالخصائص الذاتية المختلفة بين الزمان والاجسام التي يحتويها. لا الجسم يفقد خصائصه في حركته داخل الزمان ولا الزمان يفقد خصائصه الماهوية كزمن لا يمكن إدراكه إلا بدلالة حركة غيره ماديا. ارسطو ايضا كان رائعا في مقولته الاخرى الزمان هو مقدار (حركة) جسم لكنه ليس (حركة).

الزمان قبلي على الإدراك بعدي على الوجود، علما أن الوحدة الزمانية لماهيّة الزمان لا تتغير في الحالتين. كون الزمان جوهرا لا يقبل التجزئة والانقسام لا على نفسه ولا بعلاقته بموجود مدرك بحركته داخل الزمن.

المشكلة الميتافيزيقية التي أثارها سبينوزا هي في إعتباره الطبيعة مخلوق قبلي منظم على بعدية عشوائية الزمان غير المنظم، فالوجود أولا والزمان ثانيا وهذا مبدأ جوهر الوجودية.. سبينوزا من المدهش حقا إنطلاقه تحت تأثير لاهوتي أن الخالق خلق المكان والمقصود بها الطبيعة بنظام ثابت في قوانينه الفيزيائية التي تحكمه، والطبيعة بنظامها هذا هي التي أسبغت على عشوائية الزمان نظامه. لذا إعتبر سبينوزا إدراكنا الوجود والزمان إنما يتم بدلالة ازلية الجوهر الذي هو الله. اسبينوزا اعتبر الجوهر وحدة كلية مطلقة لا يمكن ادراكه كما هو الزمان مطلق وحدة كلية ازلية لا يمكن ادراكه.

لما كان الانسان يدرك ويحّس الزمان بخلاف الحيوان الذي لا يدرك ذاته ولا يدرك نظام الطبيعة والأهم أنه لا يدرك الزمان. لذا نجد الحيوان متكيّفا إنقياديا سلبيا ذاتيا مع الطبيعة في إدامة حياته يعيش ليأكل، في حين العلاقة التكيّفية عند الانسان مع الطبيعة لا تقوم على الانقياد لها من دون وعي منها. فالطبيعة لا تعقل نفسها من جهة ولا تعقل وجود الانسان من جهة أخرى.2916 علي اليوسف ومراد غريبي

س90: أ. مراد غريبي: جاستون باشلار فيلسوف توفيقي على صعيد تفكيره الفلسفي المتأخر المختلف عن بداياته الفلسفية العلمية في مؤلفاته الأولى، يسعى باشلار في مؤلفه (جدلية الزمن) الوصول الى دمج (الذات، النفس، الزمان) بتوليفة منطقية فلسفية يحاول فيها تطويع كل ما يمكننا تصوره واستذكاره نفسيا يكون صالحا لإدراك العقل له بما يلغي الحدود الفاصلة بين الذات والنفس والزمان أنطولوجيا - ميتافيزيقيا. ما تعليقكم على ذلك؟

ج90: أ. علي محمد اليوسف: حين يصبح الزمان عند باشلار موضعة ادراكية للذات معّبر عن تجلياتها النفسية الرومانسية المحدودة بحدود مواضيعها يكون حينها الزمان أصبح خارج مطلقه الميتافيزيقي ليكون مدركا محدودا يتمثّله العقل، وقتها ايضا لا نجد أدنى غرابة في إعتبار باشلار تأملات النفس حول ما يطلق عليه حتمية إندثار الانسان بالموت، التي عادة ما تنفر النفس من مواجهة هذه الحقيقة البايولوجية المرعبة من هول الصدمة عليها، كما ينفر الجواد من رؤيته جثة حصان فارق الحياة مطروحا ارضا على حد توصيف باشلار.

باشلار يتقبّل فكرة أن ينفصل الانسان عن ذاته خارج وعيه لذاته وموضوعه معا، لكنه من غير المتاح أمامه تقبله تصّور أن الزمن يقوده نحو حتمية الإندثار العدمي بإفنائه البايولوجي كاملا جسدا ونفسا وعقلا. الزمن لا يفني الانسان بل يلازمه طيلة حياته. الذي يفني الانسان هو الموت وليس الزمان.

عبارة باشلار بالسؤال تحمل الكثير من الملابسات في إمكانية الانسان الانفصال عن ذاته، حيث لا يمكن أن تكون حقيقة مقبولة إلا في حال توفر أكثر من إشتراطين لا يتوفران إلا في حال جعل وعي الذات وعيا ميتافيزيقيا لا تحده انطولوجيا الوجود الادراكي وهو محال للاستحالات الادراكية التالية:

- أن يتوقف العقل عن وعيه لذاته.

- أن يتوقف العقل عن التفكير التجريدي بموضوع مادي أو خيالي.

- أن يتوقف العقل عبر منظومته الحسيّة الادراكية عن وعي الوجود من حوله..

إن محاولة باشلار نقل الانسان من حتمية زمانية إندثاره بالموت الى واقعية التعامل مع الزمان كمحتوى تذكاري لمخزون رومانسي بالذاكرة إبتهاجي بالحياة التي لا نجدها في حاضرنا ولا في مستقبلنا بل في ماضينا فقط.

س91: أ. مراد غريبي: هل تجدون باشلار في كتابه (زمن الجدل) يؤمن بجدل يجمع مفردات النفس والمكان والزمان والوجود والعدم في توليفة واحدة قابلة للتحقق؟

ج91: أ. علي محمد اليوسف: ارى قضايا الفلسفة فضاء وافق غير محدود لكن تبقى العبرة في تحقق المحدودات منها. باشلار فيلسوف اراد تطويع الفلسفة وعلم النفس في تحققه جمالية المكان المؤثر بالفكر الاستذكاري الذي يرى روعة الماضي في رومانسية حلم اليقظة بالحاضر الذي يجده كئيبا.

حتى جمالية المكان القديم التي نتذوق استذكاراتها نفسيا بكل نشوة وغبطة وانتعاش رومانسي لذيذ إنما السبب في ذلك هو العودة للماضي كتاريخ بدلالة زمنه الماضي المتموضع فيه وليس العودة الى زمن ماض جديد نتعرف عليه لأول مرة تخلقه الرغبة النفسية في الاستذكار لحوادث الماضي. عبر إستذكارات المخيّلة في عبورها حاجز الحاضر المقلق المرعب نحو الماضي البهيج المفرح.

هنا ربما أستبق الامور القول أن العودة الاستذكارية نحو الماضي هي عودة (تاريخية) استذكارية وليست عودة (زمانية). لاحقا أوضّح هذه الاشكالية الفلسفية. الانسان أمام هذه الحالة في جعل ماهو مادي يتداخل مع ماهو ميتافيزيقي يدركهما العقل معا في تداخلهما إنما يكون دافعها هو إرادة الهروب الى أمام في محاولة خروج الانسان على حتمية مسار الزمان الانحداري الهابط به نحو الاندثار النهائي بالموت، في لجوئه إبتداع زمانا إستذكاريا تجريديا ليس مطلقا في وحدته الوجودية التي تختلط فيها الالام والاحزان في تذويبها بمصهر التفاؤل والامل بالسعادة الخادعة نفسيا. لذا يطلق باشلار على هذه الحالة النفسية التي تحاول النفس تطويع مسار التاريخ المتّعثر الى ما اسماه "سلسلة من القطوعات الزمانية" حسب تعبيره.

وفي حقيقتها هي قطوعات استذكارية نفسية لا علاقة إرتجاعية لها في ملازمة الزمان الحاضر لها نحو إستذكار زمن ماض وقع بحوادثه ووقائعه وليس رغبة إكتشاف الزمان الماضي كزمن خالص. هو غير الزمان الماضي الذي يحتوي تاريخية وقائع وأحداث جرت فيه فأصبحت جزءا من تاريخ ماض ثابت مدوّن زمانيا..

فالزمان لا يعود الى الوراء في مطلق التجريد كماهية غير مدركة بل يعود الى الوراء (الماضي) كتحقيب تاريخي غير تابع لزمن يقوده بل لزمن يسترشد به كتاريخ.

حين نغادر الزمن كمفهوم ميتافيزيقي مطلق ازلي لا يدرك مجردا إلا بدلالة حركة مكانية لأجسام يحتويها عندها يمكننا التسليم أن الزمان تسوده قطوعات هي في منطق علم الفيزياء عارية عن الصحة تماما. فالزمان التجريدي عن موضوعاته المكانية الادراكية لن يكون لمحدودية العقل قابلية إدراكه زمنا مجردا عن ملازمة أشيائه والتعريف بها. الزمن يجهله العقل ماهويا كما ولا يمكن للعقل جعل الزمن موضوعا تجريديا لإدراكه.

الشيء الأهم أن الزمان على الارض وفي الكون يمتلك خاصيّة ماهوية واحدة هي أنه وحدة من جوهر أزلي يحكمنا نحن والطبيعة ولا نقوى على إدراكه ومعرفته الا بدلالة غيره من حركة أجسام أو مواد تداخله في انفصالية ماهوية.

س92: أ. مراد غريبي: ما هو تأثير علاقة النفس والذات بالزمن؟ وما هو توضيحكم لقطوعات الزمن؟ هل هي قطوعات نفسية أم زمنية؟

ج92: أ. علي محمد اليوسف: من البديهيات التي نتمنى القفز من فوقها عبثا هي أن الارادة الانسانية ورغائب النفس لا تتأثر بمسار الزمن في مطلقيته الحتمية الحركية المتجهة دوما نحو الامام المستقبلي الذي هو إقتراب لا إرادي نسلكه في السير نحو الفناء وليس الحصول على التجديد في الحياة السعيدة بوفرة المتعة واللذة التي تزودنا بها المخيلة في إستذكار حوادث الماضي ونحن نتجه الى المستقبل..

الادراك النفسي العقلي يتوقف تماما أمام استحالة معرفة ماهية الزمن وكيفية إدراكها مجردة عن الحركة المادية للاشياء حتى لو تيّسر لنا ذلك على مستوى الصفات للزمان فقط. فصفات الزمان تعرف بدلالة غيره في مقدار حركة الاجسام فيه. والزمن وحدة قياس حركة الاجسام المادية داخله لكن الزمن ليس حركة مجرّدة نستطيع إدراكها لوحدها...

لذا فالزمان الذي تنتابه القطوعات المتعاقبة وحتى القفزات النوعية فيه إنما هي في حقيقتها تمّثل إنعكاسات نتائجية هي حاصل تفاعل جدلية وجودنا مع مدركاتنا المادية في الطبيعة والعالم الخارجي التي نتعايش معها وليست حصيلة فاعلية إرادة إنسانية أو رغبة نفسية ينفذّها الزمان إستجابة لنا. الزمان جوهر محايد مهمته الدلالة الادراكية العقلية لموجودات العالم فقط.

س93: أ. مراد غريبي: ذكرتم أن الزمن محايد، مهمته الدلالة الادراكية فهل يدخل الزمن بعلاقة جدلية مع مدركات العقل انطولوجيا؟

ج93: أ. علي محمد اليوسف: الزمان جوهر ماهوي محايد لا يحكمه الجدل الديالكتيكي بعلاقته بمدركاتنا الموجودية في عالمنا الطبيعي المادي. الزمان جوهر تكاملي معرفي مع المدرك المكاني وليس جدلا ديالكتيكيا معه. وحين نعتبر الزمان في تعسف خاطئ أنه جدلي ديالكتيكي في تداخله الإدراكي مع الاشياء والنفس والذات وغيرها فهو بالمحصلة هراء لا قيمة له، هذا الخطأ يعني أننا نجعل من الزمان مدركا متموضعا بالذات مجردا يعيه العقل تجريدا حتى من غير تعالقه بالمكان وهو كما مر بنا توضيحه محال التحقق.

إدراكنا المكان لا يكون مجردا عن زمانيته الإدراكية كما نتوهم، لذا إعتبر كانط ما ندركه مكانا هو ما ندركه زمانا بنفس الوقت، ولا إنفكاك يحكم الإدراكين المكاني والزماني. وهو الشيء الصحيح فلا وجود لإدراك مكاني مجردا عن زمانيته، كما لا وجود لإدراك زماني مجردا عن مكانيته في الموجودات والطبيعة من حولنا. ولا اسبقية تفرق بينهما.

الزمان في مساره الذي يبدو لنا مسارا مجرّدا من ماديته هو مسار متّعثر بمحتواه الوجودي المدرك ذاتيا، ما يجعله مستقلا متّحكما بنا لا نتحكم نحن به، رغم إعترافنا المسبق أن الزمان يتعامل مع المادة إدراكا محايدا وليس تداخلا تموضعيا تكوينيا ماديا أو مادي جدلي معها وكذا مع العديد من مسارات الحياة. علاقة الزمن بادراك الاشياء هي علاقة ابستمولوجية.

ولتوضيح هذه النقطة نقول مثلما يكون تموضع إدراك الذات للاشياء لا يفقدها إستقلاليتها عن مدركاتها، كذلك يكون معنا نفس الشيء حينما يتموضع الزمان إدراكيا في العديد من الامكنة فهو أي الزمان يبقى محتفظا بإنفصالية مستقلة عن مدركاته ولا يخسر في موضعته شيئا من تلك الخصائص التي يمتاز بها وحده. التموضع الزماني في الاشياء هو إدراك لها وليس تداخل إندماجي عضوي بها. ولا تداخل معرفي او جدلي معها.

لذا تكون إنعكاسات النفس الواعية تماما هي التي تضفي على إستقلالية الزمان المحايدة الكثير من الأحكام التي تشرعنها النفس هي وتحاول فرضها زمنيا. فمثلا الملل من طول وقت إنتظارنا لمجيء شخص ما في وقت محدد، ليست هي خاصّية زمانية سببية بل هي خاصية نفسية نستشعرها لا علاقة للزمان بها. تعبيرات النفس ليس سببها الزمن الذي تمر به ولا علاقة تربطها بالزمن خارج اولوية ارتباطها بالذات.

س94: أ. مراد غريبي: كيف تعامل فلاسفة اليونان القدماء مع التحقيب الزمني ماض وحاضر ومستقبل؟ ولماذا اعتبروا الزمن الحاضر وهما زائفا غير حقيقي كما سبق لك وذكرته؟

ج94: أ. علي محمد اليوسف: يذهب معظم فلاسفة اليونان القدماء منهم الرواقيين يتقدمهم هيراقليطس وبارمنيدس انهم يعتبرون الحاضر هو آنية لازمانية غير مدركة ولا وجود لها كتحقيب زماني يتوزعه الزمان الماضي والحاضر والمستقبل.

هذا الفهم قال به بارمنيدس وأيده افلاطون وارسطو أذ نجده يقول" الآن – يقصد لحظة الحاضر - هو نقطة ابتداء تغييرين متعاكسين، - يقصد بهما شد الماضي للحاضر لموضعته وتذويته به من جهة، وشد المستقبل المعاكس للماضي في محاولته تذويت الحاضر له وإدغامه به من جهة أخرى، علما أن الحاضر لا يحتاج البرهنة على أنه مستقبل حركي غير منظور في حاضر متحرك يحدس زمانا. – وذلك والكلام لبارمنيدس التغيير لا يصدر عن السكون. كما أن النقلة – يقصد النقلة الزمانية - لا تبدأ من الحركة التي لا تزال متحركة، وهذه الطبيعة الغريبة للآن (الحاضر) قائمة في الفترة ما بين الحركة والسكون لذا فهي خارجة عن كل زمان.

بداية طالما كانت الحركة والتغيير هما سمتا وصفتا كل موجود بالعالم منذ هيراقليطس، فأن حركة الحاضر غير المتعينة كقطوعة زمنية لا ادراكية، إنما تنسحب على كل شيء يحكمه التغيير وعدم السكون وفي المقدمة يكون دلالة الماضي بمقايسته بالحاضر الذي لا وجود زماني له فهو بفهم بارمنيدس الماضي حركة لازمنية يحكمها زمان متحرك وليست سكونا زمانيا مدركا، لأن حركة الماضي تعاكس المستقبل الذي يحاول تذويت الحاضر به.

وطالما النقلة الحركية لا تبدأ من حركة كما في تعبير بارمنيدس، فهذا يلزم عنه أن يكون الحاضر هو سكون يمكن ادراكه وهو إستنتاج لا يقبله العقل قبل الفلسفة بدلالة الزمان مفهوم كلّي لامتناهي ليس له صفات ادراكية مستقلة ثابتة ونسبية به وليس له ماهية يمكن ادراكها. والآنية الحاضرة إدراك زماني بدلالة حركة الاجسام والموجودات في الطبيعة وليس زمانا في معيار الادراك المادي المكاني الساكن لها..

لأن الحاضر قطوعة زمنية تحقيبية من زمن مطلق لانهائي لا تحده حدود ولا يتقبل التحقيب المحال زمانا في تحديده كمدرك لانهائي سرمدي ازلي. وهذا المعيار لا يستثني الماضي كزمان وليس انثروبولوجية تاريخية في الماضي ولا يستثني المستقبل بدلالة كونهما قطوعات زمنية وتحقيب تاريخي متحرك ايضا لا يمكن ادراكه كونه يتسم بالحركة التي لا يمكن رصدها وتعيينها بغير دلالة حركة جسم مادي يتحرك في الحاضر. هنا يتوجب علينا الانتباه في التفريق بين قولنا الماضي كتاريخ انثروبولوجي عاشه الانسان كزمن انتهى أصبح ثابتا فهو يتسم بالسكون أكثر من الحركة، بخلاف فهم أن يكون التاريخ زمانيا حركة لها تأثير مباشر في كل من الحاضر والمستقبل.

الماضي كزمن هو دلالة فهمنا الحاضر وفهمنا الماضي هو بدلالة الحاضر له. التحقيب الزماني ماض وحاضر ومستقبل هو دلالة إدراك الزمن الارضي وليس الزمان الكوني. الزمان الارضي المرتبط بحركة الاجسام وحركة الارض والقمر، يختلف عن الزمان الكوني باعتباره لا مدرك ازلي سرمدي ولا يقبل التجزئة والتحقيب كما هو الزمان الارضي.

وفي حال ذهبنا مع بارمنيدس اعتباره الحاضر الزماني لحظة تتوسط الحركة والسكون للماضي والمستقبل ولكنه أي الحاضر لا يمتلك حركة ولا سكونا ويتعذر رصده ادراكا زمانيا لذا فهو نقلة وهمية، فهذا يعني أن الحاضر وجود وهمي كلحظة تحقيب زماني زائلة، وأهم ميزة لقطوعات تحقيب الزمان هو أن الزمان كلية ازلية سرمدية جوهرية تحكم كل شيء بالوجود وهو غير مدرك لا بالصفات ولا بالماهية. أي أن زمان الماضي وزمان الحاضر وزمان المستقبل ثلاثتها تعبيرات عن قطوعات زمنية تحقيبية ارضية لا يمكن ادراكها كمفاهيم ولا كمواضيع مستقلة بدلالة عدم امكانية ادراكنا الزمان كمطلق ازلي ليس له حدود ولانهائي. باستثناء اننا ندرك هذه القطوعات الزمانية الارضية واختلافاتها بدلالة حركة الارض حول نفسها وحول الشمس وحركة القمر والكواكب الاخرى وقبل كل هذا حركة الاجسام والمدركات في الطبيعة وفي الحياة التي نعيشها التي بدلالتها جميعا ندرك الزمان في تحقيبه الزماني لا في تحقيبه الوقائعي تاريخيا كحوادث يلازمها زمن حدوثها الذي يجعل من حضورها الآني ماضيا ... الحقيقة التي تجعل الفلاسفة يعتبرون الحاضر وهم زماني غي موجود هو لأنه ماض ومستقبل ولا يمثل نفسه زمانا حاضرا يدرك لوحده. حركة التاريخ ماض لا يدرك بغير دلالة زمانية، في حين يكون الزمان يدرك من غير دلالة تاريخية تؤطره والسبب ان الزمان مفهوم مطلق والتاريخ مصطلح يدرك بوجوده التحقيبي زمانيا على الارض.

س95: أ. مراد غريبي: كيف ترون علاقة الذاكرة بالخيال والزمان؟

ج95: أ. علي محمد اليوسف: للإجابة على هذا التساؤل لا بد لنا من فك الاشتباك بين الذاكرة مع الخيال وعلاقة الاثنين مع الزمان:

1- الذاكرة هي مستودع ما تختزنه الذات من تجارب الحياة على شكل تراكم خبرة يصيبها النسيان.

2- الخيال ليس مصدره الذاكرة بل مصدره المخيلة التي تبتدع الخيال بلغة التعبير عنه تجريديا بالفكر واللغة.

الزمان في علاقته بكل من الذاكرة ومن الخيال أوضحه بالتالي:

الذاكرة هي وسيلة التعامل مع الزمن الماضي كإستذكارات لحقائق تاريخية حدثت فيه، واخذت صفة الثبات كوقائع تاريخية وليست زمنية، رغم استحالة الذاكرة استذكار وقائع التاريخ من دون ملازمة زمنية ادراكية محايدة لها. هناك فرق كبير بين زمن الذاكرة الذي هو استمرار تداعيات التذكر لأحداث الماضي, وبين الزمان التاريخي الذي حدثت فيه وقائع ذلك التاريخ الذي تحاول الذاكرة استحضاره من ماضيه التاريخي الى زمانيتها في الحاضر الذي تعيشه الذاكرة.

اذا تساءلنا لماذا يكون استذكار الذاكرة لتاريخ الماضي ناقصا ولا يتطابق تماما مع تداعيات الذاكرة؟ الجواب هو ان الذاكرة مخزن تراكم خبرة زمنية تتآكل يطالها النسيان. لذا ليس كافيا الاعتماد على الذاكرة في دراسة وقائع التاريخ زمانيا من غير الاعتماد على الكشوفات الاثرية والتنقيبات الحفرية ومقاربة معرفة زمن حدوث تلك الوقائع تماما. ومنذ زمن ليس بعيدا وجد المؤرخين (علما) في دراسة التاريخ و(علما) في دراسة الاديان وهكذا، أي أن النظريات تصنع التاريخ واللاهوت يصنع الاديان اصبحت منهجا منتهي زمن صلاحيته.

اما عن الخيال فهو زمانية مرتبطة بالمخيلة في استحضاره ولا علاقة موجودة بينه وبين الذاكرة. المخيلة متحررة تماما من سطوة الزمن عليها في تسييرها فعلاقة الزمن بالخيال علاقة محايدة. ومتى ما تموضعت الخيالات في فكر تعبيري تفصح عنه اللغة، تكون فاعلية الزمن عليه محكمة تماما. فالخيال هو تصورات يمتزج احيانا فيها الشعور باللاشعور في انتاجية يرغبها تفكير العقل. وفي تعبير دقيق لفرويد قوله: " اللاشعور لا يحتاج الزمن" لأن خاصية افكار اللاشعور لا يحدها الزمان العقلي. الذي ترتبط به المخيلة لكن ليس على حساب تحررها من سطوة الزمان العقلي عليها في حدّها وتعيين مسارها في تعبير اللغة عن الخيال. ربما تبدو العبارة غير محكمة حين نقول الخيال لا زماني لكن الحقيقة تؤكد ذلك.

س96: أ. مراد غريبي: ما صحة عبارة ارسطو أن الزمان ليس حركة، وما هو توضيحكم لعبارة ارسطو (الزمان لا يحده زمانا)؟

ج96: أ. علي محمد اليوسف: أعتقد استاذ مراد سبق لنا توضيح هذه المسالة ولأهميتها الاستثنائية التي اكدها سؤالك اعود لمراجعة التوضيح الذي يستحقه السؤال.

المعتقد الذي لم يفارق ارسطو هو في اعتباره الزمان هو مقدار حركة الشيء وليس الزمان حركة. يعود الى برهنة نظريته هذه بمقولته العبقرية (الزمان لا يحد بالزمان)، وهي مقولة صائبة صحيحة مئة بالمئة. ويذهب الى وجوب التفريق بين حركة الجسم وبين زمانية مقدار تلك الحركة، بقوله إن حركة الشيء داخل الزمان، هي سرعة بطيئة وسرعة سريعة وكلتاهما خارج الزمان الذي يحتوي الجسم او الشيء، معتبرا الزمان هو رتابة من الانتظام الثابت الذي لا يتغير، بينما يكون الجسم او الشيء داخله هو حركة لا منتظمة ولا تعاقبية رتيبة وبذا يرسي ارسطو مفهوم أن الزمن ليس ما يدركه العقل مستقلا بدلالة حركة الجسم التي سبق وقالها كون الزمان لا تدرك زمانيته بخلاف الاشياء التي ندرك زمانيتها بدلالة حركتها داخل الزمن.

بعبارة ثانية أوضح: اراد ارسطو القول أن الزمان ازلي سرمدي وهو كلي وحدة واحدة لا يمكن تجزئتها كمفهوم مطلق، ولا حتى كقطوعات زمنية تحقيبية هي صفات زمنية للاشياء المتحركة بلا انتظام وليست صفات ماهوية للزمن الثابت المنّظم. ما يبدو لنا أن الزمن متحرك غير ثابت سببه ملازمة الزمن حركة الاجسام المتغيرة على الدوام.

وفي تعبير المفكر عبد الرحمن بدوي لشرح ما أورده ارسطو نقلا عن المصدر الاجنبي يشير الى أن الزمان لا يكون زمانا الا في مجانسته الحركة، عندما يكون الزمن والحركة من جنس زمني واحد يحدهما ويجمعهما معا، وبذلك يعود ارسطو الى أصل مقولته الزمان يقاس بدلالة حركة الاجسام ولا يمتلك الزمان حركة ذاتية مستقلة يمكن ادراكها بغير دلالة حركة الاشياء والاجسام داخله. ويذهب ارسطو ابعد من هذا في مخالفته الرأي السائد فيزيائيا المكان يرتبط ادراكه بزمن يلازمه، ليستنتج أن الزمان الملازم للمكان، هو الذي يسير بدلالة المكان وحركته وليس العكس الزمان يقود حركة المكان الذي يعرف بدلالة الزمان.

يشرح ارسطو كيف (يكون الزمان ليس حركة، ولكنه لا يقوم الا بدلالة الحركة التي تتضمن مقدارا او عددا)، وقبل الانتقال لمناقشة العبارة نرى تفسير عبد الرحمن بدوي لها قوله (ثمة نوعين من العدد، عددا موضوعيا وهو للاشياء القابلة للعد، وعددا ذاتيا هو الفكرة التي يكونها العقل وبها يعد الاشياء القابلة للعد وهذا الاختلاف هو ما تقوم عليه الآنية). بمعنى هناك عد موضوعي والى جانبه ومعه يلازمه عد تجريدي بالفكر.

نتساءل هنا بدورنا:

هل الزمان الذي هو مقدار حركة الجسم، والذي هو ليس حركة ذاتية يختص بها يقاس بمقدار " كمي" أم بمقدار عددي؟ ارسطو نقل عنه بدوي ذهابه نحو الاختيار العددي. ولم يوضح لماذا وكيف يكون تمييز مقدار الحركة بالكم عنها الاختلاف بالعدد؟

هل الزمان يمتلك ذاتية عددية خاصة به، تقوم على دلالة عددية منفصلة عن عددية المكان في قياس حركته عدديا داخل الزمان الذي يحتويه؟

واضح يمكن تمرير الاختلاف بين العدد الموضوعي وبين العدد الذي هو فكرة مكتسبة يختزنها العقل تجريدا، لكن هذا التمايز، ما اوجه تعالقه بالزمن الآني الذي استنتجه بدوي؟ كيف يتم ربط العدد كفكرة او كموضوع بالآنية الزمانية؟ الاجابة لمجرد تدعيم نظرية أن الآنية لا تنقسم على نفسها لا بالكم ولا بالعدد.

س97: أ. مراد غريبي: هل الآن (الحاضر) بين التوسيط وعدم الانقسام الزماني، هو حاضر وهمي ام حقيقي لا يقبل القسمة؟

ج97: أ. علي محمد اليوسف: بحسب ارسطو الذي يذهب الى تحديد الآن او الحاضر بالمحددات التالية:

الآن ليس جزءا من كل لأن الجزء مقياس للكل، والكل لابد أن يكون مركبا من أجزاء، بخلاف الزمن ليس مركبا من آنات. الآن لا ينقسم لذا لا يتركب ما ينقسم مما لا ينقسم. الآن لا يوجد فيه حركة ولا سكون.

الآن بمعنى الحاضر هي جزء من الكل الزماني في المجانسة الكيفية الواحدة، ولو كانت الآن جزئية مغايرة الكيفية الزمانية فلا يمكنها التوسيط التجسيري بين حدين زمانيين هما الماضي والمستقبل. صحيح جدا أن الآنية هي زمن جزئي بسيط نقطة زائلة لكنها تحتفظ بماهية زمنية ليست متناقضة مع ماهية كلية الزمان الازلي غير المدرك. ثم لا يوجد ما يدعم أن الزمان كيفية غير قابلة الى تقسيم تحقيبي زماني مدرك ولا الى آنات لا نهائية. مقولة ارسطو الرائعة (الزمان لا يحدد بالزمان) مقولة النقص بها انها تتعامل مع الزمان الكوزمولوتي بمعنى تتعامل مع الزمان كمطلق كوني ازلي وفضاء سرمدي غير قابل للإدراك العقلي بمقياس ادراكنا الزمن الارضي بدلالة تاريخية. وليس كتحقيب ارضي ينقسم الى ماض وحاضر ومستقبل. وليس تعاملها مع الزمان الارضي المختلف عن الزمان الكوني. فالزمان السرمدي الكوني الازلي لا يقبل التجزئة لا بالدلالة ولا بالإدراك، فهو كلي لا يمكن الاستدلال بدلالة الجزء عليه في وقت لا يمكن تجزئة اي جزء منه. أما ان الزمان الارضي وهو ما لم يكن يقصده ارسطو فهو يقبل دلالة حدوده بتجزئته كتحقيب زماني ارضي وليس كوزمولوتي كوني. والتحقيب الزماني الارضي يبدأ بالثانية والدقيقة والساعة واليوم والاسبوع والليل والنهار والفصول الاربعة وهكذا.

من غير المقبول تمرير أن الآنية ليست جزءا ماهويا متجانسا مع زمان كلي سرمدي ازلي، مما يترتب على عدم المجانسة أنها ليست زمانا وأن تكون ماهية ليست زمانية وزجّها ومعالجتها على أنها توسيط لحظة انتقالية غير مدركة زمانيا، هذا غير وارد ولا صحيح. كما أن الانية لا تمتلك مجانسة الزمان خطأ ينسف كلية الوحدة التجانسية المطلقة للزمان. الزمان كمفهوم يعبر عن دلالة مطلقة لا يقبل التجزيء والتقسيم صحيحة جدا كما وردت في تعبير ارسطو العبقري (الزمن لا يحدد بالزمان) هو توكيد ارسطو لحقيقة الزمان كلية موحدة واحدة ازلية كمفهوم مطلق سرمدي وازلي لا يمتلك الانسان معرفة ماهيتها كما لا يعرف الية اشتغالها. ثم بهذه المقولة ميّز ارسطو بين مفهوم الزمن كمطلق لا يتجزأ، وبين مفهوم الزمن الارضي الذي يقبل القسمة والتحقيب بدلالة حركة الاجسام فيه وبدلالة حركة كواكب المجموعة الشمسية..

اما تعبير ارسطو نقلا عن بدوي بأن الان لا ينقسم وبذا لا يتركب ما ينقسم مما لا ينقسم, فهو يحمل تساؤل مررنا به اكثر من مرة هو اذا كانت الانية لا يتوزعها التوسيط التجسيري بين تحقيبين زمانيين هما الماضي والمستقبل من دون انقسام تجانسي زمني معهما فكيف يمكننا الاستدلال بان الآنية وهم غير موجود لأنه غير مدرك عقليا, في نفس وقت تجاهل ارسطو ومن بعده بدوي ان الآنية فيزيائيا كتحقيب زمني شغالة دائمية في مهمتها تجسير قطوعات الزمان التحقيبية على الارض حينما لا يكون الزمان مفهوما مطلقا لا يدركه العقل ولا تحد حدوده الازلية السرمدية. الشيء الذي ينهي اشكال عدم مجانسة الانية الحاضرة مع الزمان هو في التمييز بين الزمان الارضي باختلافه عن الزمان كمفهوم كوني مطلق لا يقبل المقايسة الاستدلالية به في قول عبارة ارسطو الزمن لا يحد بالزمان وهو يقصد الزمن كمفهوم مطلق غير مدرك.

ختاما علينا التنبيه أن آنية الحاضر هي استدلال لا ضير أن يكون وهميا بالقياس لمدركات العقل، لكنه موجود كدلالة افتراضية غير وهمية زمانيا بمنطوق علم الفيزياء، بدليل كثير من الظواهر وقوانين الطبيعة والحياة العامة التي تحكم الانسان هي قوانين غير مدركة عقليا مباشرة، لكن عدم ادراكها لا يترتب عليه نزع فيزيائيتها الشغالة الدائمة في تنظيمها حياة الانسان منها باستقلالية عنه. قوانين الفيزياء الطبيعية هي ليست قوانين العقل في ادراكه او في عدم ادراكه نظام العالم الخارجي من حولنا. فمثلا قولنا الآن ليست استدلالا لماضي ولا لمستقبل، ونزع صفتي الحركة والسكون عنها يحتاج اثبات برهاني فلسفيا، لكن الفيزياء العلمية وليس الفلسفة تجعلها موضوعا فيزيائيا قائما لا يحتاج البرهنة الفلسفية له.

انتهى ويتبع

 

حاوره: ا. مراد غريبي

المثقف – مرايا فكرية

7 – 11 – 2021م

 

2916 علي اليوسف ومراد غريبيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة من مرايا فكرية مع الباحث الفلسفي المفكر الأستاذ علي محمد اليوسف، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:


 المحور الرابع: فلسفة اللغة

س60: أ. مراد غريبي: ما هو رأي سارتر في فلسفة اللغة باعتبارها تحولا تصحيحيا في تاريخ الفلسفة؟ وماذا تقول انت بما قطعته فلسفة اللغة على طريق تصحيح مسار الفلسفة الخاطئ؟

ج60: أ. علي محمد اليوسف: ابدأ معك من رأي سارتر وهو راي مبتسر حيث كان في أواخر أيامه مصابا بالعمى. رفض سارتر تفسير تاريخ الفلسفة المليء بالأخطاء والمطبّات حسب فلاسفة البنيوية أن تكون بدايته التصحيحية تبدأ من وسيلة مراجعة وتصحيح معنى الدلالة اللغوية الخاطئة في قصور معنى حمولة الافصاح غير المسكوت عنه، ودعا الى أن كل فلسفة تطغى عليها فلسفة اللغة بالتعالق العضوي معها الناشئ من أحشائها هي وليد تابع من رحم تاريخ الفلسفة الام التي لا تقود فلسفة اللغة الفلسفات الاخرى أو تكون بديلا عنها.

قائلا ما معناه يمكن استنباط فلسفة لغوية خاصة من فلسفة الوجودية مثلا وهكذا مع باقي الفلسفات الاخرى. بمعنى أنه يمكن إستيلاد فلسفة لغة من كل فلسفة أم لها لا تحل محلها. ورأي سارتر يحتمل القول فلسفة اللغة هي وسيلة التفكير الفلسفي في التعبير عن رؤاها خارج معنى اللغة الطبيعي المحكوم بقواعد ونحو ومجاز واستعارة وبلاغة وغيره التي حاولت تدخل كل فلسفة في محاولة نسفها وتفجيرها تشظيّا من الداخل وهو ما لا ينكره دريدا مثلا ولا ينكره البرتو ايكو ولا عديدين من فلاسفة أمريكان استسهلوا لعبة اللغة في التفكير الفلسفي استبطانيا مغلقا على نفسه جاعلين من الفلسفة هامشا يدور في فلك اللغة حصرا...

في إجابة سارتر عن سؤال من ضمن اسئلة المقابلة المشار لها "هل خطر ببالكم وضع فلسفة للغة؟ فكانت إجابته " لا ينبغي على اللغة أن تدرس بداخل فلسفة ما – يقصد أن لكل فلسفة لغتها هي اداتها وصنيعتها اللغوية اذ الفلسفة تصنع لغتها ولا يمكن للغة خلق فلسفتها المتفردة مع أو بمعزل عن الفلسفة الام كما حاول بعض الفلاسفة وأخفقوا في مسعاهم – لا يمكن أن تشكل اساسا لفلسفة ما. أعتقد – والكلام لسارتر – أنه يمكننا استخلاص فلسفة لغة من فلسفتي الوجودية مثلا، ولا يمكن وجود فلسفة لغة يمكن فرضها عليها."

واعود الان الى وجهة نظري حول امكانية فلسفة اللغة حل معضلات تاريخ الفلسفة.

في البدء الذي لا يمكن الالتفاف عليه ومغادرته هو عدم قابلية اللغة فرض نفسها على قيادة فلسفة ما حسب تعبير سارتر، وكي نضع هذا الرأي الفلسفي لسارتر بموقعه الطبيعي الصحيح " انه لطالما كانت اللغة – وليس فلسفة اللغة – محط اهتمام الفلاسفة – منذ افلاطون - غير انها لم تصبح موضوعا مركزيا في الفلسفة الا في القرن العشرين، حيث كان الاتفاق كبيرا على أن الوسيلة الفضلى لحل مشاكل مختلف فروع الفلسفة إنما يكون ويتم عبر فحص معنى الدلالة اللغوية السليمة التي صيغت بها هذه المشاكل. هذا الاهتمام الذي أبداه الفلاسفة المعاصرين باللغة وازدياد الاعتماد على تحليلها اصطلح على تسميته بالتحول اللغوي.".

أولا: أرى وجوب التفريق بين اللغة وسيلة التعبير عن الأفكار في الادراك والتواصل كما في عصور الماضي التي سادت وبين فلسفة اللغة على انها نسق لغوي قائم بنظام داخلي منفرد من جهة اخرى كما ارادها لها فلاسفة اللغة في التحول اللغوي ومصطلح القراءة الجديدة الذي إعتمدته البنيوية لدى أقطاب فلاسفتها مثل فوكو و إلتوسير ودي سوسير في مراجعة قضايا الفلسفة التي إغتالت اللغة معنى دلالة قصدية الفكر فيها حسب دعاتها، بمعنى كان انبثاق التحول اللغوي وفلسفة اللغة بداية القرن العشرين هو وسيلة تصحيح اخطاء اللغة لغاية وقصدية مراجعة تصحيح تاريخ قضايا الفلسفة الزائف وهو ما لم يتحقق ولا تم بسبب تشظي فلاسفة اللغة وتوزعهم في مناحي وتيارات فلسفية بعيدة عن الهدف الذي نادى به فلاسفة التحول اللغوي في تصحيح مراوغة اللغة دفنها فائض المعنى المحظور التعبير عنه لسبب وآخر..

ثانيا: بعدما اصبحت فلسفة اللغة هي الفلسفة الاولى في تاريخ الفلسفة المعاصرة منذ النصف الثاني من القرن العشرين بعد إنصراف إهتمام فلاسفة البنيوية بمباحث ما بعد الحداثة تاركين فلسفة اللغة بعد أن أخذت مديات من التخوم الفلسفية المتطرفة التي جعلت منها هامشا في شكل مرتكز خال من محتواه... بعبارة اخرى فتحت البنيوية باب فلسفة اللغة ولم يعد بإمكانها السيطرة عليه ما جعلها تتجه نحو معالجة قضايا لا تشكل فلسفة اللغة بؤرة مركزية فيها مثل تاريخ الجنسانية واسقاط السرديات الايديلوجية كالماركسية في استهدافهم كتاب راس المال كما فعل شتراوس والتوسير ومن قبلهما سارتر. كما نقدوا بضراوة العقل وعلم النفس والانسان ذاته كمرتكز محوري استنفد من تاريخ الفلسفة العصور الطويلة.

ثالثا: ثمة التباس حصل في خلط اللغة كهوية انسانية بيولوجية تحكمها قواعد النشأة والتطور الانثروبولوجي وصولا الاستقرار الذي يحكمها في قواعد وضوابط نحوية خاصة تمّيز بنية وهيكلية كل لغة عن غيرها، وبين فلسفة اللغة كمعنى مفهومي تفلسفي يتداخل مع النسق البنيوي الخاص باللغة يتطفل على الفلسفة ويستخدمها أداة لنسفها داخليا عندما يكون الاهتمام باللغة تجريدا هو إغتيال مبرمج يجري تحت عنوان إنقاذ اللغة من إزدواجية المعنى في تضليلها الفلسفة.

س61: أ. مراد غريبي: ماهو برأيكم الخطأ الذي جعل فلسفة اللغة واقفة على رأسها بدلا من قدميها كما وصف ماركس إدانته لفلسفة هيجل المثالية في الديالكتيك؟

ج61: أ. علي محمد اليوسف: من الملاحظ أن عديدا لا يستهان به من الفلاسفة لم يعطوا أو ينتبهوا إعطائهم أهمية إستثنائية للغة كجنس هوياتي انثروبولوجي قبل تحوله الى تجنيس ادبي – ثقافي هووي في مباحث تاريخ الفلسفة، حاول ذلك سارتر وبرجسون الحائزين على جائزة نوبل بالأدب حين رفضها سارتر وقبلها برجسون وكلاهما وضع بعض قضاياه الفلسفية ضمن قوالب التجنيس الادبي وبخاصة سارتر في نصوصه المسرحية والروائية...

كما لم يعتبر عددا من الفلاسفة مفتاح حل المعضلات الفلسفية يقوم على تصحيح معنى اللغة القاصر في التعبير عن الافكار الفلسفية عبر تاريخها. والسبب نراه في إعتمادهم تفكير العقل المجرد كفيل بإيجاد لغته التعبيرية الخاصة به في إيصال المعنى الفلسفي. بمعنى فلاسفة ما قبل النصف الثاني من القرن العشرين لم يكونوا يبحثون تصحيح أخطاء تاريخ الفلسفة من خلال تقصّيهم أخطاء وسيلة التعبير اللغوية بل كانوا يتعاملون بالفكر المجرد السابق الاهمية على اللغة. فوجدوا حقيقة القصور في تفكير الفلاسفة وليس في لغتهم التعبيرية عن أفكارهم.

ولم يتم إبطال هذا الرأي الفلسفي الا بعد أن تحولت اللغة الى فلسفة قائمة بذاتها تمتلك مقومات ذاتية خاصة بها ونظام تعبير نسقي يلغي المقولة الكلاسيكية أن اللغة اداة التعبير عن الفكر. فهذه المقولة اصبحت غير مقبولة بعد أن أصبحت اللغة لها فلسفتها الخاصة بها بمعزل عن إنقيادها للفكر وهو بداية الثورة على الفلسفة من قبل البنيوية تحديدا.

صحيح اللغة هي غير الفكر في ناحيتي توليد المعنى وناحية التعبير عنه. ومقولة دي سوسير اللغة وعاء الفكر لا يلغي التمايز الانفصالي الواضح بينهما حتى مع الاخذ بتعبير اللغة والفكر وجهين لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما، لكن هذا لا يلغي حقيقة الفكر هو ليس وجه اللغة الآخر فقط. وانما هما الفكر واللغة يتمايزان في فرق بنية هيكلية اللغة التصويرية عن بنية هيكلية الفكر كتجريد سردي لا يخضع لأحكام نظام وقواعد اللغة المستقلة. علما أن حقيقة الفكر هو تعبير اللغة عنها يبقى ثابتا.

رغم أن تفكير العقل هو تفكير صوري يتخذ شكل تعبيرات اللغة في كل تحولاتها من لغة صوت الى لغة منطوقة الى لغة كلام وحوار واخيرا الى لغة تعبير معرفي بالكتابة الابجدية والرموز والاشارات والمعادلات الرياضية وحتى على صعيد لغة الموسيقى في وضع النوتة الخاصة باللحن الموسيقي التي هي لغة تعبير صوتي رمزي إشاري صرف. وهنا بهذه الخاصيّة لا تكون اللغة هي الاصوات التي تشير عليها ابجديتها المرسومة كتابة. اللغة تفكير عقلي يتخذ قولبة محتوى التفكير في شكل.

طالما أن تفكير العقل هو تصور تمّثلي في تعبير اللغة سواء الصامت منها أو المفصح عنه بالصوت اللغوي الشكلي المكتوب أو الصوت التعبيري الخارج عن مصدره الحنجرة واللسان، لذا يكون تمايز الفكر عن اللغة ليس في إختلاف مصدرهما الواحد الصادران عنه العقل في سذاجة قولنا الفكر تفكير عقلي مجرد، واللغة إفصاح صوتي تعبيري هو من وظيفة اللسان والحنجرة. اللغة ليست هي الصوت الذي يتقدم الفكر بل هي المحتوى والشكل المعبّر عنهما في جميع الحالات..

 بل في تداخلهما التعبيري الموحد فالفكر هو تصور لغوي صامت وهو ما يتم إستبطانيا داخليا، وتكون أسبقية اللغة على الفكر في تلازمهما التعبير عن موجودات العالم الخارجي وهنا تكون اللغة صوتية غير صامتة. وتكون نتيجة تفكير العقل أن اللغة أصوات لغوية إشارية تعبيرية لمدلولات في حين تكون حقيقة الفكر أنه وعي إدراكي لغوي صامت.

س62: أ. مراد غريبي: فهمت من إجابتك عن السؤال السابق أنكم تميلون إلى تحميل فكر الفلاسفة تاريخ الفلسفة المليء بالأخطاء، أي هم يتحملون وزر أخطائها وليست اللغة في مراوغتها التعبير الصادق عن الفكر الفلسفي؟

ج62: أ. علي محمد اليوسف: عندما نقول فلسفة اللغة هي مفهوم البحث عن المعنى، هنا يتراجع الفكر أمام أسبقية اللغة عليه حيث يصبح مهمة اللغة (قولبة) الفكر قبل التعبير الافصاحي اللغوي عنه. كما أن إبطال مقولة لم تعد اللغة وسيلة التعبير عن الفكر تعطي ضمنيا توكيد ما تريد نفيه في حقيقة لا وجود لفكر بلا معنى لغوي.

وإذا ما إعتبرنا صحة مقولة "لم تعد اللغة وسيلة تعبير الفكر عن نفسه وهو نتاج عقلي"، فدحض هذا الافتراض الوهمي هو أن العقل لا يفكر بتجريد فكري لا يداخله تصورا لغويا في التعبير عن معنى. الفكر لغة العقل الصورة فيها تستبق لغة الصوت. فتفكير العقل هو ليس فكرا لوحده ولا لغة تصورية عن الأشياء لوحدها بل هو في تداخل الاثنين معا. التفكير هو صورة لغوية تتمثّل التعبير عن الأفكار. الفكر من غير إفصاح تعبير اللغة عنه هو صمت انعدمت فيه لغة النطق الصوتية وليست لغة الفكر الصامتة. الصمت الصوتي للغة لا يميت التفكير العقلي لغويا داخليا.

كما أن اعتبار اللغة هي سلوك من نوع خاص مميز هو الأكثر تعقيدا حسب التعبير الفلسفي الذي مررنا عليه، مقولة خاطئة لا يقل خطأها الاشتباكي المتداخل عن خطأ إسقاط التداخل الإشكالي الذي يجمع الفكر باللغة على أن هذه الأخيرة ليست أداة ووسيلة التعبير عن الفكر فقط. من المهم توضيح أن السلوك لا تحدده اللغة، وإنما يحدده الوعي القصدي الذي يعبر تفكير اللغة النابع ايضا من فعالية العقل الادراكية.

كان يتردد في بداية القرن العشرين سؤالا فلسفيا جداليا هل بالإمكان فصل اللغة عن الفكر؟ جدال نقاشي تم حسمه في أدبيات الفلسفة البنيوية بخاصة عند دي سوسير بتعبيره اللغة هي وعاء الفكر. بمعنى أن فصل تداخل شكل اللغة مع محتواها المضموني محال إدراكه عقليا. وفصل الإدراك عن اللغة محال معرفيا.

الإدراك من دون لغة تلازمه عبث لا يمكن تحققه في معنى دلالي في ألإفصاح التعبيري عن شيء أو موضوع، وتجريد اللغة عن تعبيرها التجريدي للأشياء هو محال أيضا فاللغة وجود يلازم كل موجود يدركه العقل في التعبير عنه. والعقل لا يدرك الأشياء والعالم وموجودات الطبيعة بغير وسيلة تعبير تلازم الفكر واللغة معا في دلالة لمعنى شيئي واحد.

إن وظيفة العقل التفكير بالمجردات الذهنية أرقى درجة منها التفكير في الموضوعات المادية التي يعقلها العقل كواقعات مادية شيئية ويدركها ظاهراتيا أو ماهويا.

فالعقل في ملازمته الخيال ورقابته على اللاشعور وتداعيات التصورات الذهنية تكون مهمته أصعب من مهمة العقل في تناوله الماديات والموجودات والاشياء في الطبيعة، لكيلا ينتج عن التفكير الخيالي الذهني المجرد أصوات وهذاءات تعبيرية لا تعطي الموضوع المفكّر به من موضوعات مادية أو مجردة إستحقاقها الوعوي الادراكي كما لا تعطي الهذاءات غير العقلية وعي الذات مصداقيتها.

يقول سارتر: (ان مسألة اللغة تسير جنبا الى جنب مع مسألة الجسم) وهي عبارة سليمة في توكيد بديهة بايولوجية فيزيائية، أن اللغة لا تفارق جسم الانسان العاقل الناطق بإعتبارها خاصية انسانية يتمايز بها الانسان ويحتازها لوحده من دون الكائنات الحية في الطبيعة. وفي نفس المقاربة التعبيرية يقول ميرلوبونتي (الكلمة ايماءة حقيقية لانها تتضمن معناها، وليست عشوائية او طبيعية).

بمعنى حسب اجتهادنا التعقيبي الكلمة وعي قصدي قبل أن تكون دلالة لغوية. والانسان في جنبة محورية جوهرية من كينونته الطبيعية هو أنه وجود عقلي لغوي ناطق. فالإنسان يفكر وهو يتكلم ويفّكر وهو صامت ويفّكر لا شعوريا وهو نائم، ويفكر وهو في حلم اليقظة، ويفكر وهو ماشيا لوحده أو مع مجموع أو منفردا منعزلا. وفي كل حالات الصمت التفكيرية يحتاج الانسان التعبير اللغوي التفكيري الصامت او الكلامي الصوتي الناطق عن بعض الاشياء والموضوعات، ويكتم أو يستعصي عليه التعبير عن بعضها لغويا، أو يتعذّر عليه الافصاح التواصلي في بعضها الاخر.

كما اعتبر فينجشتاين " الفلسفة كلها عبارة عن نقد معنى اللغة " وهذا التعبير لا يقصد به فينجشتاين نقد اللغة لا على صعيد النقد الادبي ولا على صعيد النقد النحوي الصرف او النقد الثقافي بل كان يقصد نقد اللغة بما هي حمولة (معنى) يحتويه النص كفائض قيمة يلاحقها المتلقي القارئ. وشن ميرلوبونتي هجوما قويا على سارتر في تبنيه معنى اللغة هي تعبير عن الافكار.2951 عل محمد اليوسف

س63: أ. مراد غريبي: هل الفكر أم اللغة هو وسيلة التعبير عن النظرة المادية أو النظرة المثالية للوجود؟ أم ليس هنالك فرق بين الفكر واللغة في التعبير عن الموجودات الواقعية والمثالية أو الخيالية على السواء؟ كما تذهب له علوم اللغة واللسانيات المعاصرة في الفلسفة.

ج63: أ. علي محمد اليوسف: لو سمحت لي أستاذ مراد يبدو لي التساؤل خال من تناقض فلسفي.. ولكن لنرى لماذا؟ لأن الفكر واللغة افصاحان متلازمان في التعبير عن وجود الأشياء المادية أو في التعبير عن وجودها الفكري التجريدي المثالي بواسطة التعبير اللغوي أو غير اللغوي..... كيف؟ فوجود الشيء أو الموضوع المستقل ماديا أو خياليا يعالج من قبل الذهن فكريا في العقل قبل الإفصاح عنه وجودا ماديا أو مثاليا بواسطة اللغة في العالم الخارجي.

الفكر المادي أو المثالي المعبّر عنهما باللغة في علاقتهما بالوجود لا يتم تفريقه في تعبير الفكر عنهما باللغة المجردة، فالوجود المستقل في الواقع لا تحدده اللغة كونه ماديا أو مثاليا أو اي شيء آخر بمقايسته باللغة كنظام دلالي يعطي معاني الاشياء في ملازمته التعبير عنها. يعبر ميرلوبونتي (ان الانسان كائن مفكر، والحقيقة ان الذي يغير مسار الانسانية انما هو الفكر.) واضح أن التأكيد هنا على فاعلية الفكر كمحتوى وليس فاعلية اللغة بمعنى شكل التعبير بل بمعنى محتوى اللغة هو حمولة فكرية قبل أن تكون شكلا لغويا.

وهنا يكون الفكر يمثل جوهر الوجود وماهيته، بينما يكون تعبير اللغة عنه اصواتا شفاهية او مكتوبة أو لغة اشارية غير منظورة في التعبير عن الجمال مثلا لا تمنح الوجود ماديته او مثاليته بل تكسبه صفاته الظاهراتية، أما الذي يمنح الوجود المادي جوهره هو الفكر، والوجود المثالي صوره الفكرية، في تمييز العقل بينهما إنما هو الفكر الناتج عن مصنع الحيوية والتخليق في العقل في إدراك الوجود واضفاء ماهيته وصفاته عليه قبل إعادته لعالم وجود الاشياء كردود أفعال إدراكية..

ولا يتم تفريق الفكر المادي أو المثالي بمقايسته بالوجود الطبيعي للأشياء وتفسيرها وفهمها لأن الوجود غير المدرك عقليا في استقلاليته في عالم الأشياء، هو غير الوجود الذي تم تخليقه وتصنيعه في تناول العقل له واعادته ثانية بتخليق فكري جديد الى واقع الاشياء. وليس باللغة المعبرّة عن الوجود فقط ينفرز عنها تباين الفكر المادي عن الفكر المثالي الا بعد الادراك العقلي لموضوع التفكير اولا، وفي تعبير اللغة عنه ثانيا. فالفكر يكتسب هويته وماهيته بعلاقته بالوجود المتبادل المتخارج معه، وليس باللغة التي تعّبر عن الوجود في ملازمة الفكر لها. فالفكر يكسب الوجود ماهيته، ويكتسب هو أي الفكر بالوجود هويته وصفاته.

والفكر واللغة في تلازمهما معا لا يستطيعان خلق وجود شيء واعطائه صفاته وعلّة وجوده في علاقة تعبيرهما عنه كوجود مجرّد، وانما الوجود يكتسب صفاته وماهيته في تعالقه مع الادراك العقلي له، قبل الفكر المعبّر عنه في تعالقه مع اللغة.

وجود الاشياء في نوع علاقتها مع التفكير العقلي لها، تسبق الفكر واللغة المعبّرة عنها لاحقا. فالعقل يستبق الفكر واللغة في تلازمهما وادراكهما للوجود. وهذا يخالف مثاليو فلاسفة نظرية المعرفة في تزمتّهم القول (ان فعل المعرفة لا يقوم في عملية إدراك الموضوع، بل في فعل خلق الموضوع، وان الوجود لا يوجد في ذاته، انما الفكر هو الذي ينشؤه). فهل يسبق الفكر أو اللغة أحدهما تراتيبيا في تعبيرهما عن الوظيفة الادراكية العقلية التناوبية للموضوع؟ وفي تعبيرهما عن وجوده المادي في اختلافه عن التفسير المثالي على مستوى افصاح اللغة في علاقتها بالاثنين كوجودين مختلفين المادي والمثالي؟

اننا في هذه الحالة نفهم ان الفكر المادي في تمايزه عن المثالي هو في أسبقية الفكر على اللغة على صعيد الادراك الوجودي للأشياء في الواقع عقليا (صمتا) من دون الافصاح عنه باللغة. بمعنى ان تخليق واعادة انتاجية الشيء المفكر به (جوّانيا) من قبل العقل الذي نقلته له الحواس، يكون حضور الفكر سابق على عطالة اللغة في فعالية التفكير، وتنقلب المعادلة في الاسبقية حين يتم توظيف العقل اللغة التعبير عن الشيء في وجوده الخارجي وبإدراكه المتعيّن الجديد.

وان بدت (اللغة والفكر) كليهما متلازمتان لا يمكن التفريق بين الفكرة واللغة المعبّرة عنها ادراكا، كما من المتعذّر إعطاء أسبقية لإحداهما على الاخرى في التعبير المختلف عن الوجود ماديا ام مثاليا.

فاللغة قرينة الفكر في عدم امكانية التفريق بينهما في تعبيرهما على الاشياء الموجودة في العالم الخارجي. والفكر يتعالق مع اللغة في فهم الاشياء وادراكها. واللغة لا وجود حقيقي لها في مفارقتها التعبير عن الفكر وكذا لا اهمية للفكر في الوجود خارج العقل في تعبير اللغة المتعذّر عنه. فاللغة لا تعبّر عن موجودات خالية من المعنى المضموني الفكري المدرك عقليا.

عليه يكون التمييز بين الفكر المادي عن الفكر المثالي لا يتم بمنطق اللغة المجردة او المفصحة عنهما كموضوعين مختلفين في التعبير اللغوي فقط، كما فعل هيجل في اعتباره الجدل او الديالكتيك المثالي يتم بالفكر المجرد وحده وليس في تعالقه المتخارج مع الواقع او الوجود الحقيقي المادي للأشياء.

س64: أ. مراد غريبي: هل تجد في فاعلية الإدراك العقلي أسبقية على تعبير الفكر واللغة عن أشياء العالم الخارجي وموضوعات الخيال الذاكراتي؟

ج64: أ. علي محمد اليوسف: أرى العقل وحده له الأسبقية في تحديد الوجود والفكر المتعالق معه ان يكون ماديا ام مثاليا. واللغة تكون في هذه الحالة وعاء الفكر في تحديد نوع الوجود المادي او المثالي المفصح عنه بتعبير اللغة وكلاهما مستمدان من تفكير العقل أي تفكير ردود الافعال الصادرة عن المخ عبر منظومة الجهاز العصبي الموجودة في خلايا قشرة الدماغ الادراكية. وبهذا يكون التمييز بين مادية الفكر أو مثاليته هو في علاقة الفكر كوعي نوعي عقلي يتم في الدماغ اولا في ادراكه وفهمه الوجود او الموضوع، يليه تعبير فكري لغوي نوعي مختلف يحدد علاقته بالوجود الواقعي للأشياء والظواهر المختلفة في الطبيعة ثانيا ان تكون مادية أم مثالية.

س65: أ. مراد غريبي: على ضوء ما ذكرتموه كيف يكون توضيحكم لاختلاف الفكر المادي عن الفكر المثالي حسب التفسير التقليدي الذي يرى أن الاختلاف يتم بنوعية الوعي في أسبقية المادة أو الوعي في أسبقية الفكر؟

ج65: أ. علي محمد اليوسف: الفهم المادي يذهب الى أن الفكر انعكاس لوجود الاشياء في ديناميكية متخارجة بين وجودها والفكر المدرك لها عقليا، بينما يرى الفكر المثالي ان لا وجود مستقل للأشياء سابق على الوعي بها صوريا في الذهن فقط. وان إدراك وجود الأشياء يتم في صورها التي يستلمها العقل عبر المدركات الحسية لها، ولا دور للغة أكثر من تحقيقها دلالة المعنى الفكري الصادر عن العقل المراد توصيله من غير ما نتصور ونعتقد خطأ أن اللغة هي التي تحدد الوجود المادي باختلافه عن المثالي او بالعكس. اللغة توصيف لفينوميلوجيا الفكر أي ظاهرياته كشكل ومحتوى في ايعاز من العقل، والفكر يمثّل جوهر الاشياء المعبّر عنها لغويا.

فوجود الأشياء الطبيعي المستقل خارج الادراك هو الذي يسبق نوعية الافكار المفسّرة له بوسيلة التعبير اللغوي. وان اللغة والفكر متلازمان اثناء ممارسة العقل او الدماغ فعاليته الحيوية التخليقية جوّانيا في معالجة أيّا من المواضيع التي تنقلها الحواس له ماديا او صوريا، وكذلك يقوم العقل بنفس الفعالية العقلية في تأمله تخييليا موضوعا ما لا وجود له في عالم الوقائع المادية والاشياء وانما في عالم الخيال الذي ابتدعته ذاكرة العقل نفسها.

وعن كليهما (التفكير المادي والتفكير المثالي) يعطي العقل نوعا من التفسير المتعّلق بتمايز فهم شخص عن غيره، في حال تنفيذ الفكر واللغة نوعية الفكرة العقلية المختلفة عن الشيء في تنوّع واختلاف تفسير العقل لها من شخص لآخر ان كان تفسيره وفهمه ماديا أم مثاليا حسب المنهج الذي هو في تفكيره مسبقا قبل معالجته مدركاته.

من المهم التأكيد الى ان اللغة والفكر هما وسيلة العقل في الافصاح عن تخليقه وجود الاشياء في العالم الخارجي من جديد. وليس للفكر او اللغة اي افصاح متداخل عما يقوم به العقل في ادراكه الوجود والاشياء في تفكيره الصامت. اننا لا نستطيع الحكم على ان خلايا الدماغ تفكر تجريديا صوريا ما لم نرى تعبير اللغة عن الاشياء. الصمت تفكير ربما لا يكون لغويا صوريا تجريديا الا بعدما نجد العقل يعبر عن مدركاته بصور يتمثلها تجريديا مصدرها الواقع أو الخيال. خير تدليل على هذا عندما يفصح المجنون عن صمته لغويا لا نفهم باي لغة صوتية كان يفكر وهو صامت.2916 علي اليوسف ومراد غريبي

س66: أ. مراد غريبي: هل برأيكم تكون ردود أفعال التفكير العقلي بمدركاته، يتم بتعبير اللغة والفكر، أم تجدون هناك لغة خاصة موحية تقترن بالتعبير اللغوي بحركات الجسد؟

ج66: أ. علي محمد اليوسف: ان اللغة والفكر فعاليتهما الحقيقية في التعبير عن الموجودات والاشياء في الواقع المادي خارج العقل بعد تخليقها بالذهن وإعطاء تفسيره في وجودها المستقل في العالم الخارجي.

ان تفكير العقل بموضوع مادي موجود في العالم الخارجي، او بموضوع خيالي يبتدعه الخيال مادة لتفكير العقل داخليا، هما فعالية واحدة يقوم بها العقل وتحديدا الدماغ بمعزل عن تدخل اللغة والفكر الافصاحي لما يقوم به العقل من تخليق للفكر في دراسة موضوعه وعملية تخليقه من جديد.

ويبدو هنا ايضا اننا وقعنا في اشكال وتعقيد أعمق علينا توضيحه عندما نجد ان وسيلتي العقل في الادراك ومعاملته للاشياء لا تتم من غير اعتماد العقل للحواس وللفكر واللغة في ادراكه الشيء والتفكير به سواء كان التفكير داخليا (صمتا) على شكل حوار فكري داخل العقل، او افصاحا عنه في التعبير اللغوي في وجود الاشياء المادي في الواقع او المتخيّل كناتج عقلي قبل كل شيء.

والوجود المادي والوجود التخيّلي لا يختلفان في الماهية او الجوهر وحسب، وانما هما يختلفان بلغة التعبير عن كليهما، فالوجود المادي الواقعي في عالم الاشياء تعّبر عنه اللغة المنطوقة او المكتوبة، في حين ان الوجود الخيالي لا تعبّر عنه اللغة التداولية نطقا او كتابة كما في الوجود المادي فقط، بل في غيرها من وسائل التواصل ربما كانت لغة رسم لوحة او نحت تشكيلي في الفنون والجمال او غيرها من وسائل إكساب الموضوع المتخيّل حضوره الوجودي المدرك دونما الحاجة الى اللغة الصوتية الشفاهية او المكتوبة. وانما بلغة الابداع الخيالي الذي تكون فيه اللغة والفكر وجود مضمر في اللوحة او التشكيل الجمالي. فالتعبير الجمالي لا يحتاج اللغة التعبيرية الفكرية في التعبير عن وجوده المادي.

وإلا أصبح تساؤلنا كيف يفكّر العقل وما وسيلة التفكير التي يعتمدها؟ تقودنا الى طريق مسدود عند عدم الاقرار ان وسيلة العقل في التفكير وإدراك الاشياء لا يمكن ان تتم خارج فعالية العقل توظيفه الفكر – اللغة في إدراك وجود الاشياء خارج التفكير العقلي وليس بداخله. تعبير لغة الجسد بالحركات الايحائية الصامتة سواء كانت حركات ايروسية او حركات تعبيرية راقصة وحتى دينية مثل اليوغا او رقص الباليه او حركات تمثيلي لمشهد مسرحي موحي صامت هي لغة من نوع يخضع لتفكير العقل بالتوصيل ويعدم اللغة الصوتية في التواصل حين تصبح حركة عضو من الجسم كفيلة بايصال لغة ايمائية ايحائية.

س67: أ. مراد غريبي: كيف تفسر لنا تخارج العقل الجدلي مع الفكر واللغة؟

ج67: أ. علي محمد اليوسف: لا يمكننا تمييز الفكر عن اللغة داخل فعالية العقل في تخليق الافكار بالصمت التفكيري داخل العقل، وانما يتاح لنا ذلك في الوجود المستقل لإدراك الاشياء خارج العقل التي يصدر العقل والجهاز العصبي التعبير عن وجودها الفكري – اللغوي بعد تخليق العقل لها من جديد كناتج اجابته عما وصله عن طريق الحواس. فعالية العقل تنعدم نهائيا عند افتراضنا ان العقل يقوم بفعاليته الادراكية ومعالجته الموضوع المدرك عقليا بغير وسيلة تداخل الفكر مع اللغة (داخل) و(خارج) العقل. هنا قولنا مجازيا داخل وخارج العقل لا يوجد غير لغة تعبير واحدة لكن اين الاختلاف؟

 الاختلاف بمعنى داخل العقل يكون التفكير حوارا صامتا في تعطيل اللغة المنطوقة أو المكتوبة، وفي خارجه يكون وجود الاشياء المستقل في العالم الخارجي دونما وصاية العقل عليها، وتكون الموجودات من حصة ووصاية اللغة والفكر المعبّر عنها. وهذا يستلزم منا تبيان ما الفرق بين تفكير العقل صمتا داخليا، وتفكيره تعبيرا لغويا خارجيا وما المقصود به وما دور الفكر واللغة في تحديد معنى المفكّر به كموجود؟

س68: أ. مراد غريبي: كيف يفكر العقل داخليا وما هو موضوع ادراكه، وكيف يفكر العقل خارجيا وما هو موضوع ادراكه؟

ج68: أ. علي محمد اليوسف: للإجابة عن هذا التساؤل كيف يفكّر العقل داخليا، وكيف يفكّر خارجيا؟ اجد كي تكون فكرة الاجابة واضحة علينا التفريق مبدئيا بين امرين، الاول المثيرات التي تصدرها موجودات العالم الخارجي في استثارة الحواس نقلها ( الاحساسات) الصادرة منها على شكل (انطباعات) مخزنة مؤقتة بالذهن. هي تمثل اولى درجات تفكير العقل خارجيا في ادراكه العالم الخارجي.

الثاني ام المثيرات التي تصدر عن اجهزة الجسم الداخلية بايولوجيا مثل الاحساس بالألم او بالجوع او بالعطش وغيرها نسميها (الاحاسيس) الداخلية، وكذلك عندما تصدر مثل هذه الاحاسيس عن حاجة الجسم اشباعه حاجات غريزية مثل غريزة الحب ، ممارسة الجنس، الضمير، الوجدانات، العواطف بأنواعها، هنا يكون تفكير العقل داخليا استبطانيا وموضوعه الادراكي اشباع رغبات و غرائز الجسم الجوانية.

ثمة من يقول كيف يكون تفكير العقل بالنسبة للخيال في ابداعه موضوعات لا هي موجودات انطولوجية خارجية ولا هي اشباع غرائز وحاجات بيولوجية داخلية. فاين نضع هنا تفكير العقل لا خارجيا ولا داخليا؟؟ هنا يكون تفكير العقل مزيجا بين الشعور واللاشعور أي بين مزج الخيالات بالواقع في انتاج الابداعات الفنية والجمالية والرسومات والمنحوتات والاجناس الادبية مثل الشعر والقصة والرواية وغير ذلك. بالحقيقة أن العقل في كلا التفكيرين يتمّان في توافقهما والتقائهما في مصدر التفكير الواحد الذي هو الوجود المادي او الموضوع الخيالي، فلا يوجد عمل فكري في العقل لا يرتبط بموضوع مدرك حسيا او خياليا والا كان تفكيرا عقيما وهميا عدما لا علاقة للعقل به ولا للموضوع علاقة بالعقل المدرك له.

تفكير العقل داخليا يتم بوجود شيء مدرك محدد (موضوع) يكون مادة للتفكير تنقله الحواس ادراكيا للعقل، وقد تتعّطل مهمة الحواس هذه عندما نجد العقل يفكّر تخييلا وتخليقا عقليا بموضوع ذهني لا علاقة له بالمادة والمحيط الخارجي للاشياء كأن يفكر الانسان خياليا في اشياء من الطبيعة او يتخيّل اي شيء او اية فكرة مجردة غير متعينّة ادراكا ماديا وجوديا امامه في الطبيعة او في الانسان كغيرها بما لا يحصى من الاشياء بالعالم الخارجي من اشياء تنعش الذاكرة العقلية التفكير بها كمواضيع في الخيال ولا وجود واقعي مادي لها.

ولا تقوم الحواس المادية ولا من مهامها نقل موضوع التأمل الخيالي الى الدماغ وانما مخيلة الانسان وذاكرته تستذكره في الذهن خيالا مجردا وتجعل منه موضوعا للتفكير. يلي ذلك ان العقل قد يعبّر لغويا عنه بعد تخليقه الجديد له، او بغير تعبير اللغة عن موضوع التفكير الخيالي وكذلك عن التفكير الواقعي.

اذن في البدء علينا الاقرار الآلي الثابت انه لا يمكن للعقل الانساني ممارسة التفكير ما لم يكن هناك موضوعا واقعيا او خياليا يصبح مادة او موضوعا لتفكير العقل. وقلنا ان الحواس ليس من مهامها ولا من قدراتها نقلها موضوعا خياليا هو من ابتداع المخيّلة والذاكرة الذهنية للعقل ولا دور للحواس به. وان العقل من قدراته الذاتية انه يفكر خياليا بموضوع لم تقم الحواس او احداها بنقله له.

س69: أ. مراد غريبي: هل يوجد منطق فلسفي غير علمي يوضح لنا كيف تتم آلية تفكير العقل أو المخ في التعبير عن مدركاته الخارجية ومواضيعه الداخلية؟

ج69: أ. علي محمد اليوسف: هنا يأتي تساؤل أهم ان وسيلة التفكير العقلي للشيء المدرك داخل العقل تتم بماذا أو بأي كيفية؟ وما هي آلية التفكير العقلي بالموضوع؟ لحد الان تمّكن العلم من معرفة كيف تعمل حاسة البصر العين في رؤيتها الأشياء، وكذا مع حاسة السمع او الذوق او اللمس، اما كيف يعقل الدماغ نفسه ذاتيا بالتفكير الصامت، كما ويعقل موضوعاته أيضا، وفق أية الية يتم الادراك العقلي فهو غير معلوم علميا أكثر مما تزودنا به الفلسفة وليس تخصص علم طب الدماغ والاعصاب على حد علمي في الذهاب الى تخصيص مناطق ارسال الخلايا العصبية الذبذبات الكهربائية التي بضوئها تتحدد وظائف المناطق العصبية المسؤولة عن معرفة عمل الجهاز العصبي.

فالعلم يوّضح كيف ان آلية التفكير العقلي تنحصر في موضوع مدرك حسيّا وعقليا عن طريق الجهاز العصبي المرتبط بملايين الخلايا الدماغية التي تتناوب الادراك في عملية معقدة من اختصاص طب علم الدماغ والجملة العصبية وهو مجال لا تعلمه وتعمل به الفلسفة ولا باستطاعتها الخروج منه بنتيجة يرضاها العقل والطب العلمي.

اما في توضيح الفلسفة فهو حين يعقل الانسان ذاته تفكيرا ماديا ام خياليا فهو يحتاج حتما لمادة او موضوع يدركه واقعيا او خياليا كما ذكرنا سابقا لا يخرج عن وصاية العقل في حال انعدام واسطة التعبير الفكري – اللغوي عنه وبه. اي بمعنى ان التفكير العقلي لا يدرك الانسان الآخر ماهيته خارج العقل الا في حالة التعبير الفكري – اللغوي عنه خارج وصاية العقل عليه حين يكون تموضعا فكريا في الواقع المادي لوجود الاشياء.

فاذا اراد العقل وجوب التعبير عن موضوعه المفكّر به للعالم الخارجي المستقبل له، توّسل لذلك الفكر – اللغة. وإذا لم يشأ ذلك فانه اي العقل يجعل من موضوعه تفكيرا داخليا صامتا غير متاح ادراكه من غيره الذي هو (أنا) الفرد العاقل المفكر من نوعه (الانسان الاخر) بمعنى ان الفكرة واللغة المعبّر بها صمتا عقليا تنعدم في التأثير وفي الحضور في كيفية نقل تفكير مصنع الحيوية التخليقية التي يقوم بها العقل.

فاللغة والفكر لا يحضران سوّية الا في محاولة تنفيذ ايعازات مصنع الحيوية العقلية بالإخبار الادراكي العقلي عن موضوع جرى التفكير به عقليا واكتملت مهمة اعادته من العقل الى عالم الاشياء كفكر جديد بلغة جديدة وليس كوجود سابق مستقل في عالم الاشياء. متمثلا في تنفيذ اللغة او غير اللغة ايعاز العقل في اعادة الموضوع المفكّر به من العقل الى امكانية ادراكه في العالم الخارجي في توّسله اللغة التي هي الفكر ولا فرق بينهما في التعريف المادي او التجريدي بالموضوع في وجوده المستقل في عالم الموجودات الخارجي. الوجود الادراكي المستقل هو وجود فكري لغوي كما هو وجود مادي مستقل في عالم الاشياء ايضا.

س70: أ. مراد غريبي: التساؤل الآن كيف تكون اللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز إدراك العقل للاشياء التفريق بينهما أي التفريق بين الفكر واللغة. إذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد بأكثر من إدراك وتأويل واحد؟

ج70: أ. علي محمد اليوسف: هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبير ليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل أحدهما عن الاخر اي بمعزل اللغة عن الفكر، او الفكر عن اللغة لأنه يكون ذلك استحالة ادراكية تعجيزية للعقل. في امتناع الفكر واللغة التعبير عما يرغب العقل التعبير عنه وجودا مدركا.

ان في عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة ان الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، او ان اللغة هي وعاء الفكر، او ان اللغة هي بيت الوجود. وأن اللغة مبتدأ ومنتهى ادراك وجود الاشياء في العالم الخارجي.

جميع هذه التعبيرات الفلسفية تفهم اللغة على انها فعالية ادراكية عقلية في تحديد الفكرة او الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم إدراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبير ولا يتوفر مجال إدحاضه في الاحتكام للعقل في ادراكه الوجود.

في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل او خارج العقل، يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة او الموضوع المعّبر عنه بهما. فبهما (الفكر واللغة) اصبح التفكير الذهني العقلي موضوعا و متعيّنا وجودا في العالم الخارجي بعد تخليقه عقليا، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا او بالأحرى من اجل فهم الوجود الخارجي للاشياء المستقلة.

حين نقول تفكير العقل الداخلي المقصود به هو التفكير الصامت، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكير العقل واقعيا ماديا. وبالواقع ان هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا وخارجيا بوسيلة اللغة، انما هما في الاصل تفكير واحد للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي او متخيل آخر. اي ان العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع) المدرك في زمن واحد. وهكذا هي الحال في تناول اي موضوع او شيء من العالم الخارجي. ان إدراك العقل للاشياء الواردة له عن طريق الحواس بما لا يحصى في تنوعها وتوقيتاتها الزمنية، لا يعقلها العقل دفعة واحدة، ويعطي الدماغ ردود الافعال الانعكاسية الارادية وغير الارادية لها بعشوائية من دون تراتبية يعتمدها العقل.

ذهبنا الى استحالة فصل اللغة عن الفكر في حالة افصاح العقل عن فهمه وتعّينه لموجود او شيء ما في العالم الخارجي. وليس في التفكير الصامت داخليا للعقل.

نذّكر ان علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور و فنجشتين ودي سوسير و جومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة. باعتبار ان اللغة هي فعالية العقل في تعيين إدراكاته للموجودات والاشياء الخارجية.

س71: أ. مراد غريبي: كل هذا التداخل الذي ذكرتموه بين تداخل الفكر واللغة والعقل، الا اننا نجد هناك من الفلاسفة من يجيز فصل اللغة عن الفكر او فصلها عن خاصية العقل الادراكية ما تعليقكم على ذلك؟

ج71: أ. علي محمد اليوسف: كي أكون واضحا معك استاذ مراد اقول اننا نجازف بالمباشر قولنا انه يمكننا فصل الفكر عن اللغة عندما يكون تفكير العقل صمتا داخليا في التفكير بوجود شيء مادي او خيالي لا يحتاج لغة التعبير عنه بل يحتاج الفكر وحده لأنه وسيلة تفكير العقل المعقدة الوحيدة في تخليقه لموضوعه بوسيلة الفكر لوحدها دونما اللغة، ويكون صمتا داخليا متخيّلا ايضا في تفكير العقل لموضوعه كوجود غير مادي، اي وجود خيالي لا يرتبط وغير ملزم التعبير اللغوي عنه بعد تخليق العقل له. لكن هذا الراي مغرق بخطئه من حيث يتجاوز بديهة ادراكية ان الفكر هو تصور لغوي، أي لا يوجد فكر مجردا عن شكل لغة التعبير عنه. حتى العقل حينما يفكر يعتمد تجريد صور اللغة في التعبير عن الفكر.

للتوضيح أكثر، التفكير المادي الصامت هو في معالجته موضوع واقعي او شيء ما بالتفكير المجرد كمتعيّن موجود في العالم الخارجي، اما في تفكير الصمت (الخيالي) غير المعبّر عنه باللغة الصوتية او ابجدية كتابية فهو الهام تخييلي في انتاج العقل موضوعا يدرك خارجيا بلغة جمالية خاصة في حالة من الكمون خلف فهم الوجود الجمالي في لوحة او منظر طبيعي، لم يكن ادراكه متيّسرا قبل افصاح العقل له وتخليقه جماليا، كما في خيال انتاج لوحة فنية او قطعة نحتية او اي ضرب من ضروب التشكيل ومعالجات علم الجمال الذي من المتاح الممكن التعبير عنه بغير لغة الكلام او لغة الكتابة. لكنما تبقى الحقيقة الماثلة المتعذر تجاوزها انه حتى اللون باللوحة هو لغة غير ابجدية.2952 عل محمد اليوسف

س72: أ. مراد غريبي: بعد كل الذي ذكرتموه هل تجدون امكانية فصل الفكر عن اللغة على صعيد الفلسفة ام لا؟

ج72: أ. علي محمد اليوسف: انا مع محال فصل الفكر عن اللغة حتى على صعيد الايهام الفلسفي في تمرير بعض القضايا المتعالقة. ما نحاول المراوغة بتمريره دائما ما تصدمنا حقيقة عدم امكانية فصل الفكر عن اللغة لانهما دلالة معنى واحد.

نأتي الآن الى معالجة أصل امكانية فصل الفكر عن اللغة، على انها استحالة ادراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في استقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالإدراك واعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع من جديد بعد تخليقها، او لم يدركها في وجودها المستقل التي ايضا تستطيع الحواس واللغة التعبير عنها.

يبقى عندنا ان التفكير العقلي الصامت ماديا او خياليا فأن آلية العقل في التفكير تستطيع فصل اللغة عن الفكر طالما هما حاضران ذهنيا في لحظات زمنية واثناء التفكير بموضوع ما، اي حينما يفكر العقل صمتا فهو يفكّر بالفكر ذاته كوسيط بموضوع الفكر الذي نقلته الحواس المدركة للاشياء او في موضوع ابتدعه الخيال ايضا يحتاج العقل الفكر كوسيط في تخليقه واعادته الى عالم الاشياء باللغة المعّبرة عنه. وليس باللغة خارج موضوعه في التفكير الصامت. اللغة في تفكير العقل الصامت لا اهمية ولا وجود لها يتاح ادراكه من غير الشخص الذي يفكر بموضوعه عقليا ويبقى الفكر وحده وسيلة العقل في التفكير وتخليقه مواضيع الخيال العقلية.

وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، اي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغويا، فان العقل وسيلة تفكيره الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة الا على انها جزء من الفكر وملازمة له خارج الدماغ او العقل في وجود الأشياء، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه، فلا يدرك خارجيا من غيره الا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل(الدماغ) الى واقع الوجود في عالم الاشياء.

وعندما يتجسد ويتعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا او بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية او المكتوبة، فهنا لا يصبح فصل الفكر عن اللغة ذات اهمية كبيرة، ولكن تبقى اللغة في اثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها بأولويتها في التعبير عن الوجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة إدراك الحس والعقل لها بعد تخليقها بالمخ، عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها الذي عبّرت عنه في عالم الاشياء والموجودات.

بمعنى توضيحي ان اللغة لا تستمد فعاليتها داخل تفكير العقل الصامت جوّانيا بموضوعه مع ذاته المستقليّن كليهما عن العالم الخارجي، وانما تستمد اللغة اقصى فاعليتها في التعبير عن الاشياء في وجودها الخارجي المستقل خارج وعي العقل لها في زمنية محددة تلزم عقلا مفكرا واحدا في موضوع واحد، هو غير مدرك وجودا لغويا لدى غيره من عقول تختلف في ادراكها وتفكيرها والتعبير ربما في نفس الموضوع.

وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون إدراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرة عنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن العقل، وايضا من الفكر واللغة.

لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا. فالموضوع المفكّر به صمتا غير لغوي يبقى حبيس وصاية العقل في التفكير به قبل اهمية انشغال العقل في التعبير اللغوي عنه.

ان اللغة اثناء وزمنية تفكير العقل بموضوعه صمتا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل. فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم حضور اللغة معه إفصاحيا لكنه يلزم حضور التفكير. فالعقل بلا تفكير لا قيمة له، لكن العقل بتفكيره بمقدوره تفعيل حضوره بلا لغة تعبير غير ملزمة لنقل تفكير العقل.

فقد نادى سارتر اننا يتوجب علينا مغادرة (انا أفكر)، وطلب هوسرل بقصدية كموضوع مفكر به، واخيرا هيدجر الذي نادى بان لا وجود لذات من غير ديناميكية فاعلة تمتاز بها. بل واضاف بأكثر وضوحا انه لا وجود لذات بلا عالم، والانا لا تحقق وجودها منعزلة لانها اولا واخيرا هي وجود – في – عالم.

س73: أ. مراد غريبي: كيف تفسر إعجاز الدماغ بالتفكير؟

ج73: أ. علي محمد اليوسف: كنت ذكرت في مقالات منشورة لي ، ان عمل الدماغ في فهم الوجود وتخليقه ثانية له، لا يتم وفق عشوائية اعتباطية، ولتوضيح ذلك في هذه الاسطر من الإجابة بتلخيص شديد: من البديهيات العلمية في علم الفسلجة (علم دراسة الوظائف العضوية لدى الكائن الحي، الانسان على وجه التحديد في الطب البشري)، هو استحالة تفكير الانسان في صورتي حدثين اثنين في وقت واحد، في لحظة واحدة، في ومضة واحدة، يمكن لأي انسان اجراء التجربة على نفسه سيجد انه يفشل حتما.

مجموع الافكار الادراكية الصورية او الحسّية او الحدسّية الواصلة الى الدماغ عن طريق الحواس الخمسة في الجهاز العصبي والراجعة منه الصادرة عنه كردود افعال انعكاسية، لا يتعامل الدماغ معها بعشوائية غير منظّمة ولا من غير تراتيبية في الاسبقية. بل يعمل الدماغ والجهاز العصبي مع الافكار الواردة له من الحواس في انتقائية وفي تراتيبية معقدة النظام، هي خاصية الانسان الذكي في تعالق وظيفتي المحسوسات او المدركات مع وظائف الشبكة العنكبوتية للأعصاب الناقلة للإحساسات بالأشياء، في الاستقبال الوارد له، والراجعة الصادرة منه الى الواقع في وجود الاشياء والفكر المعّبر عنها في ظاهرياتها وفي جواهرها.

الاستجابة الادراكية الحسية التي هي رد فعل الجهاز العصبي الارادي او غير الارادي المستقبل منه او الراجع المتصل بالدماغ بما تنقله اليه الحواس الخمسة، ويمكننا اضافة حاسة سادسة هي حاسة الحدس او التنبؤ والتخاطر.

فالذي يرد الدماغ عن طريق الحواس من مدركات ينقلها الجهاز العصبي في تيار فائق السرعة غير المنظورة ولا المتوقعة من المحسوسات في العالم الخارجي الى العقلي المدرك في سطح القشرة الدماغية التي تحتوي على ملايين الخلايا العصبية، لترسل بعدها بعض هذه الخلايا العصبية في الدماغ والجهاز العصبي ردود الافعال المناسبة لما يتوجب على الانسان معرفته او القيام به، وتكون ردود الافعال كاستجابة لإيعازات الدماغ في ومضة زمنية لا يتعدى الجزء الالف من الثانية. (أجهل تحديد زمن الومضة الانتقالية من الدماغ بواسطة الجهاز العصبي علميا بضوء معرفتي سرعة انتقال الضوء المقدّرة علميا افتراضيا هي ثلاثمائة ألف كيلو متر /ثانية).

ماهو مهم عدم استطاعة الدماغ إعطاء ردود الافعال الانعكاسية سواءا منها الإرادية او اللاإرادية لحدثين اثنين في ومضة كهرومغناطيسية او ومضة واحدة في جزء جزء جزء من الثانية الواحدة يستلمها الدماغ بواسطة الجهاز العصبي وينقلها الى احساسات الانسان ثانية، ومن الثابت علميا وطبيا ان جميع الاستجابات الانعكاسية الصادرة عن الدماغ تجاه الحواس لا تنطلق من (فص) مخّي واحد موجود في قشرة الدماغ الامامية. الذي يحتوي ملايين الخلايا العصبية المسؤولة عما يرده ويصله عن طريق الحواس. مع هذا ليس بمقدور (المخ) ان يرسل ايعازين اثنين في لحظة واحدة او ومضة واحدة، بمعنى ان الدماغ وتحديدا المخ والجهاز العصبي المرتبط به ينشغل بالاستجابة لردود افعال الحواس تباعا تراتيبيا تجاه المحسوسات ووجود الاشياء التي سبق للدماغ وان أدركها عن طريق نقل الحواس الموصلة للمدركات الحسّية الى الدماغ واعادة ردود الافعال الصادرة عنه بشأنها.

مثال ذلك حين يجرّب احدنا وضع يده في ماء مغلي حار جدا ، ويستخدم في نفس اللحظة اليد الاخرى في وضع شيء ما بفمه ليتذوقه نجد ان الدماغ يعجز عن اعطاء استجابتين كردين فعلين انعكاسيين للاثنين معاً في ومضة واحدة بل يجب ان يكون لاحدهما في رد الفعل الانعكاسي الصادر عن الدماغ والجهاز العصبي أسبقية تراتيبية زمنية على رد فعل الدماغ بالنسبة لرد الفعل على الآخر الثانوي المدرك حتى لو كان الفارق بين الاستجابتين لا يتجاوز جزءاً من الف من الثانية، وحتى لو كانت ردود الافعال الصادرة عن الدماغ من نوع ردود الافعال الانعكاسية اللاإرادية.

ومثال آخر حين تسمع اغنية من المسجّل بجانبك وانت تقرأ في صحيفة او كتاب عندها يستحيل على الفكر الذهني المتلقي في الدماغ فهم مفردات الاغنية واستيعاب معانيها في نفس لحظة تصفّحك الصحيفة ومحاولتك فهم ما تقرأ.

الشيء المعجز ليس فقط ان هذه العمليات العصبية التي تجري ما بين الحواس والجهاز العصبي الناقل ادراكات الاشياء استرجاعيا تناوبيا الى الدماغ مع فعل الادراك للشيء او تصوره في الذهن، انها تجري هذه العملية في اقل من جزء جزء جزء من الثانية، وربما بأسرع من سرعة الضوء. وانما (الاعجاز) الاهم هو في اختيار الدماغ لأسبقية ردود الافعال الواردة اليه عن طريق الحواس في النوعية والاهمية التي تقي الانسان من المخاطر واعادتها للإنسان المدرك في حدثين وضع اليد بالماء المغلي والاخرى وضع شيء بالفم لتذوقه. وهكذا في تعامل الحواس والمخ مع آلاف الادراكات الحسية الواردة له، وايعازات الدماغ الاجابة الدقيقة المطلوبة منه عليها.

ولو اننا عدنا للمثل الذي اوردناه في ايّهما أفضل في اسبقية الاستجابة الدماغية في الرد الانعكاسي عليه!؟ سحب اليد من الماء المغلي ام فحص حاسة التذوق للشيء الذي وضع بالفم!؟ نجد ان إيعاز الدماغ بضرورة سحب اليد من الماء المغلي يسبق إيعاز الدماغ في إعطاء الاستجابة لنوعية تذوق الشيء باللسان.

في هذا المثال التجريبي نلاحظ تأكيد الدماغ على نوعية وأهمية الاستجابة الانعكاسية اللاإرادية لعدد من المدركات الحسية المنقولة له بواسطة الجهاز العصبي عن مصدر الحواس وترتيب الدماغ لنوعيتها وأهميتها.

في أسبقية الاستجابة يكمن فيها لغز تفضيلي إعجازي في وقاية الإنسان من المخاطر وتجنبّها، ليس سهلا على العلم الطبي تفسيره وعلم دراسة فسلجة الدماغ والجملة العصبية تحديدا الإجابة عليه على قدر فهمي اذ ربما العلم وصل إلى تعليل كل هذه الأمور التي أتحدث عنها كإعجازات للعقل والجهاز العصبي المرتبط به وهي كذلك برأيي في مقدرة علم الدماغ وفسلجة وظائف الجهاز العصبي تفسيرها أم لا!!.

الإعجاز التفضيلي في الاستجابات الانعكاسية للإيعازات الصادرة عن الدماغ الإرادية منها أو غير الإرادية تتوخى وقاية الإنسان وسلامته من الخطر الذي قد يسببه وضع اليد في الماء المغلي وتأخر سحبها، مع إرجاء بقية ردود الأفعال الانعكاسية الثانوية التأثير على سلامة الإنسان ووقايته من الخطر إذا ما تلازم حضورها مترافقا مع الأفعال المحدّقة الخطر بالإنسان .

س74: أ. مراد غريبي: نريد الحديث عن موقف فلاسفة التحليلية المنطقية من فلسفة اللغة. وكيف حصلت الاختلافات بينهم؟

ج74: أ. علي محمد اليوسف: في الوقت الذي ذهب فيه فينجشتين في الوضعية المنطقية مجموعة فييّنا، التي جرى تعديلها لاحقا فلسفيا إلى التحليلية المنطقية الانجليزية بزعامة بيرتراند راسل، وجورج مور، وايتهيد، فلاسفة جامعة اكسفورد والتي انضم لها كل من كارناب، فينجشتين الذي كان أستاذا للفلسفة في جامعة كامبريدج.

كان لفينجشتين رأيه الخاص في اعتباره اللغة منطق قوانينه قبلية مستقلة عن التجربة لكنها أيضا تحصيل حاصل أنها لا تعني شيئا. ولا تدل على شيء في التجربة. فما قوانين المنطق إلا قواعد نحوية تنّظم تنظيما ميّسرا بفضاءات التجربة الحسّية. وأضاف أن المنطق يتكوّن من قواعد تركيبية أي تنّظم تركيبا وهذه القواعد تستخرج من مبادئ تم اختيارها بطريقة تحكميّة. ورأيي الشخصي ألخصه بالتالي:

كل ما هو قبلي معرفي تجريدي مستقل عن التجربة الإدراكية لا معنى له ولا يعبّر عن مدرك حقيقي مادي ولا عن موضوع خيالي.

أصحاب الوضعية المنطقية الجدد وجدوا إمكانية التحدّث عن اللغة بوسيلة إستخدام لغة ثانية أطلقوا عليها "لغة اللغة" والتفلسف ما هو إلا شرح معنى لغوي بمعنى لغوي آخر. لغة شارحة بعدية للغة قبلية سابقة عليها في ملاحقة فائض المعنى.

اللغة هي إحساس نسقي منّظم لا علاقة له بالإدراك الشيئي حسب فلسفة اللغة ونظرية المعنى، وإحساس اللغة يكون إحساسا زائفا حينما لا يكون تعبيرا لمعنى واضح الدلالة حسب المناطقة.

 بحسب المناطقة الجدد لا فرق بين زيف الإحساسات حينما تكون تعبيرا لغويا لا معنى له. ولا يمكن التحقق من صدقيته، لذا يبقى الإحساس موضع شك.

العديد من المباحث المفاهيمية لا ينطبق عليها المنهج التجريبي النقدي الذي تنادي به الوضعية الجديدة. فكل شيء بمفهوم العلم هو موضع شك، يتطلب تبيان جوانب الإدانة فيه وتصويب أخطائه.

س75: أ. مراد غريبي: كيف أراد كارناب في انشقاقه عن المنطقية التحليلية الانجليزية ربط فلسفة اللغة بالعلم. وهل أخفقت التحليلية الانجليزية في تحقيق أهدافها؟

ج75: أ. علي محمد اليوسف: يميز رودولف كارناب (1891-1970) بين عدة وظائف للغة إما أن تدل على معنى أو تعبّر عن رغبات وعواطف، ومن واجب الفلسفة حسب المنطقية الوضعية أن تحصر نفسها في تحليل لغة العلم باستخدام المناهج المنطقية التي أساسها الرياضيات، وما عدا هذه المهام فاللغة تبقى مبحثا ميتافيزيقيا لا معنى له، وخارج ميدان مباحث الطبيعة. وأدان كارناب فلاسفة اللغة الذين يضعون قيودا على الإستعمالات اللغوية، بدل الاهتمام بتجديد الشروط التي تطابق اللغة معناها.

هذه المهام للغة التي لخصّها كارناب لا تقول جديدا ما عدا يجب أن تقوم الفلسفة على تحليل لغة العلم بمنطق الرياضيات كما أسس له فريجة وتبّناه بيرتراند راسل ومن قبله دي سوسير، فليس سهلا أن تكون الفلسفة تابعة للعلم بمجرد أنها تمتلك منطقا منهجيا تحليليا للعلم. وهذا لا ينفي بل يؤكد حقيقة تاريخ الفلسفة لم تكن تابعة للعلم تقتفي آثاره بل كانت توازيه على الدوام وتتداخل معه في نطاق ضّيق.

العلوم الطبيعية قاطبة وليس فقط العلوم الانسانية تقوم على مبدأ إستقلالية منطق تجريدي إشاري علاماتي من المعادلات الرياضية لا يخضع الى نقد لغوي عادي سردي كما يجري في لغة نقد سرديات الأدب والايدولوجيا وعلم الاجتماع والأديان التي أطلقت عليها ما بعد الحداثة السرديات الكبرى..     

وأدان ريشنباغ وهو من فلاسفة الوضعية توّجه كارناب وأشياعه قائلا: أنهم يخطئون حين يحاولون البحث عن يقين مطلق، حيث ليس هناك من بديل، وإنما مجرد احتمال. ومّيز ريشنباغ بين التحقق التكنولوجي في عصر ما، والتحقق الفيزيائي الذي لا يتعارض مع قوانين الطبيعة.

انتهى كارناب في أخريات تطوره الفلسفي الفكري الى أنه يجب التوّصل الى تعريفات دقيقة للمفاهيم الأساسية التي يستخدمها العلم في إطار لغة صورية تماما.

كما انتهى جورج مور على العكس من لغة المنطق ضرورة العودة إلى لغة الناس العاديين الجارية المتحاورة معتبرا ذلك الشرط الأساسي للتحليل العلمي الصحيح. وربط التحليل الفلسفي بكل من الإدراك العام أو الإدراك الفطري.

يذهب بيركلي وهو من فلاسفة القرن الثامن عشر ولم يكن عضوا في حلقة اكسفورد التحليلية أنه يمكننا تحديد المقصود بوجود" دون اللجوء إلى أدوات لغوية، وجود الشيء هو وجود إدراكه الشيئي. كما اعتبر أفلاطون الوقائع المعنيّة هي أفكار أي هي كيانات مختلفة تماما عن كيانات العالم المحسوس. وعن أرسطو قوله: الإنسان لا يمكنه التحدث إلا إذا تحدّث عن شيء ما مسّبق بذهنه. وأضاف التعبير عن الوجود ليس فقط أن تقول ماهو موجود، وإنما أن تقول أي نوع من الوجود تقصده. وعن بارمنيدس مقولته الوجود موجود، وعدم الوجود غير موجود، فأنت لا يمكنك إدراك شيء أنت تخلق وجوده بتفكيرك وتدركه بإحساسك.

س76: أ. مراد غريبي: كيف ترون علاقة اللغة بالإدراك والخيال؟

ج76: أ. علي محمد اليوسف: الوجود المادي للأشياء والمخيال بموضوعات الذاكرة إستبطانيا تكون سابقة على إدراكها المادي خارجيا، وخياليا استبطانيا داخليا.. وسابقة على تعبير الفكر واللغة عنهما في كلا المنحيين. لا تفكير ولا لغة ولا إدراك خارج فاعلية العقل.

السؤال بماذا يختلف ما هو موجود مادي، عما هو غير موجود مادي بالنسبة للفكر واللغة؟ الفرق هو في تعبير اللغة فقط بين ماهو موجود مادي خارجي وبين ماهو خيالي تصوّري داخلي. إدراك الوجود لا يتم بغير دلالة عقلية له، لذا يكون الوجود مصدر إدراك العقل، ولا يكون إدراك العقل هو مصدر تحقق موجود مادي لن يتحقق الا بالذهن فقط في مرجعية العقل. لا يمكننا معرفة موجود بغير دلالة تعبيرية لغوية عنه. إدراك الشيء هو أن تتصوره بالفكر واللغة.

حتى الحواس لا تنقل الإحساسات عن الأشياء بغير تعالق ما تنقله في تصوّر وتمثّل لغوي. الموجود المادي هو موضوع لتعبير اللغة وتفكير العقل، عندما نقول الموجود المادي هو لغة تجريد انطولوجي لذلك الموجود. وحينما نقول الموجود المادي هو لغة متموضعة في الأشياء والمواضيع التي يدركها العقل، وإدراك الشيء المادي حسيّا هو إدراكه لغويا، كما وإدراك الموضوع الخيالي هو إدراك وتعبير لغوي مجرد ايضا.. جميعها فعاليات تجري داخل منظومة العقل الادراكية.

أمّا حين نقول مع أفلاطون الموجودات ومدركات العقل هي أفكار فهو صحيح تماما لا يحتاج أدنى نقاش، فاللغة والفكر المعبّران عن موجود متعّين أنطولوجيا، يكون دليل قاطع أن الموجودات سابقة على إدراك العقل لها وتعبير اللغة والفكر عنها. وهو تعبير منهجي مادي. أما الوجه الآخر المقابل في هذا الطرح فهو يقوم على أن الموجود هو لغة مستقلة في التعبير عن دلالة الموجود ماديا، فالتعبير لغويا عن شيء أو عن موضوع من الخيال لا وجود مادي له بالواقع، فتكون اللغة تفكير لغوي تجريدي صرف لا علاقة تربطه بالموضوع المعّبر عنه سوى جدل علاقة التأثير بالمؤثر على صعيد الفكر فقط.

جدل علاقة التأثير والمؤثر بين الموضوع في وجوده المادي وتفكير العقل وتعبير اللغة عنه، هو بالمحصلة يقود الى تطوير الفكر المتعالق مع موضوعه، وتسريع التطور المادي لموضوع الفكر بقدراته الذاتية وليس بقدرات التفكير الذهني به.. جدلية الفكر بالمادة تبقى جدلية غير حقيقية، وسبب ذلك هو إنعدام المجانسة النوعية بين الموجود المادي وتفكير العقل عنه. فالوجود مادي وتفكير العقل هو تجريد لغوي. جدل تناقض الاضداد لا تتم الا داخل مادة او موضوع يحمل المجانسة التكوينية الواحدة في داخله بين سالب وموجب تنبثق عنه الظاهرة المستحدثة الجديدة التي هي بدورها تحمل جدل تناقضها الداخلي ايضا.

س77: أ. مراد غريبي: نريد ختم هذه المحور بفهمكم الفلسفي للماهية أو الجوهر؟

ج77: أ. علي محمد اليوسف: يقول أحد تلامذة السفسطائي جورجياس والذي أصبح من تلامذة سقراط فيما بعد قوله " أنا لا يمكنني أن أحدد ماهية الشيء، وإنما يمكنني فقط أن أحدد بعض الخصائص التي يمتلكها هذا الشيء، وهناك ما هو أسوأ من ذلك فأنا لا يمكنني القول عن شيء محدد ما ليس هو عليه ولا حتى أن أقول عنه غير موجود."

ما يقصده تلميذ جورجياس لا يمكننا تحديد ماهيّة الشيء، إنما كان وضع بذلك بذرة فلسفية في حقل فلسفي نقاشي دام قرونا طويلة، وتناول كانط وهيجل وفلاسفة الماركسية وفلاسفة الوجودية جميعا تلك المقولة. وهؤلاء أكدّوا عدم إمكانية إدراك ماهية الشيء بل المتاح إدراكه هو الصفات الخارجية له فقط...

فلاسفة الماركسية لم يعيروا إهتماما كبيرا لهذه الاشكالية الفلسفية، بل إكتفوا بمعرفة صفات الشيء تغني عن معرفة ماهيته أو جوهره، بإستثناء سارتر قوله:

لا يشترط أن يكون لكل موجود أو شيء جوهرا علينا التفتيش عنه وملاحقته. فالماهية وعلاقتها بالصفات للشيء أو الموجود المادي الواحد، من غير الانسان كانت محط إختلاف ونقاش دائم.

ذهب سارتر في تفرّد عن فلاسفة الوجودية الذين ارادوا ترك القضّية معلقة لا حل لها. أن الانسان هو الكائن الوحيد الذي يمكننا تأكيد ماهيته. ماهيّة الانسان ليست موضوعا أو معطى مجّاني يتعالق مع الانسان في وجوده الطبيعي، بل الماهية عملية تصنيع ذاتي يقوم بها الانسان ذاته. جوهر أو ماهيّة الانسان عملية سيرورة دائمية من البناءات التراكمية والخبرات المكتسبة للإنسان.

إختلاف الوجود بإختلاف موجوداته التي يحتويها وتشّكل مضمونه. لذا تكون نوعية الوجود وإدراكه تتم بدلالة موجوداته. فالوجود مفهوم لا يحده غير موجوده الذي يحتويه. كل موجود يستمد معناه من محتواه النوعي.

عبارة انستيسين تلميذ جورجياس الملغمة قوله: "لا يمكنني القول عن شيء محدد هو ما ليس به ولا حتى أقول عنه غير موجود"، فهو أراد بذلك أن الحواس تخطيء الإدراك في الإحساسات، وتكون عاملا أوليا في تضليلها العقل.

 الشيء الثاني أن تعبير اللغة هو الآخر قاصر عن الإحاطة في التعبير عن مدركاتها الموضوعية بتمامها. فهل تعبير اللغة عن إدراك الشيء هو تعبير حقيقي عنه أم هو مجرد صورة فوتغرافية خارجية فقط لما تلتقطه الحواس؟

انتهى ويتبع

 

حاوره: ا. مراد غريبي

المثقف – مرايا فكرية

2 – 11 – 2021م

 

2916 علي اليوسف ومراد غريبيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة من مرايا فكرية مع الباحث الفلسفي المفكر الأستاذ علي محمد اليوسف، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:


 المحور الثالث: الفلسفة، العقل واللغة والجدل

س43: أ. مراد غريبي: تذهب بعض التيارات الفلسفية المثالية نحو مقولة (مالا يدركه العقل غير موجود) ما تعليقكم على ذلك؟

ج43: أ. علي محمد اليوسف: طبعا العقل هو إدراك الوجود الانطولوجي خارجيا، وإدراك المواضيع الناتجة عن المخيلة الذاكراتية، اي بتوضيح أكثر فان العقل لا يدرك الاشياء المتعينة ماديا وحسب انما هو يدرك الموضوعات الفكرية المجردة ايضا. وكل إدراك عقلي هو تصور لغوي تجريدي للأشياء والموضوعات. العقل في ادراكاته يذهب نحو مدركاته بوعي قصدي، بمعنى العقل لا يدرك ما لا معنى ولا ضرورة له، الشيء الثاني ان العقل يدرك الاشياء لحاجة ادراكية تلازمه لا تتوقف عند مرحلة الادراك بل تتعداها الى مرحلة معرفة لماذا يدرك العقل الاشياء؟ وليس المهم معرفتنا كيف يدركها؟ أما حول مالا يدركه العقل غير موجود فهي مقولة ساذجة في نكرانها عدة امور هي ان الموجودات تكون مستقلة الوجود سواء أدركها عقل شخص او عدة اشخاص ام لم يدركوها، الشيء الثاني إدراك الشيء لا يعني معرفته، فالإدراك معرفة بدئية من مراحل المعرفة. فالوجود موجود فما لا تدركه انت يدركه غيرك.

س44: أ. مراد غريبي: هل برأيكم اضاف تجريد التفكيكية وتأويلية بول ريكور والبنيوية الى حد ما عجز عنه تجريد الفلسفة؟ وهل استطاعت فلسفة اللغة اضافة آفاق جديدة لمراجع تصحيح اخطاء اللغة في تاريخ الفلسفة؟

ج44: أ. علي محمد اليوسف: ربما اكون احادي النظرة في اعطاء تعقيب فلسفي لكني ارى في فلسفة اللغة التفكيكية تجريدا فارغ المحتوى ومبحث فلسفي خال من أية مسألة جديرة بالبحث، لأنها تقوم على تقويض النص والمعنى في عملية تشتيت ذهني وتفكيك نص وخطاب اللغة بلا جدوى وانه لا شيء خارج النص من حيث هو تفكيك تجريدي لغوي مقطوع الصلة نهائيا عن الانسان والحياة في حالة دائمية من الهدم والتقويض اللانهائي لخطاب اللغة.

كما أن الفلسفة البنيوية حسب جياني فاتيمو فيلسوف العدمية تضع في أسبقية اهتماماتها بنية اللغة (النص) فقط بما هو نص مكتوب مدوّن، ولا أهمية عندها للمتلقي ولا تعير اهتماما للمستقبل الانساني.

وأمام هذا الافلاس الفلسفي في التفكيكية وفي البنيوية الى حد ما يذهب جورج مور قائلا: (أن التحليل الفلسفي للغة ليس هدفا في ذاته، بقدر ما هو وسيلة لتوضيح افكارنا وتصوراتنا وقضايانا، والنظرية الفلسفية تقاس قيمتها بقدر اتساقها مع معتقدات الرجل العادي، فاذا جاءت النظرية متنافرة مع هذه المعتقدات حكمنا عليها بالإفلاس.) نقلا عن ابراهيم طلبة سلكها.

وفي نفس المنحى ذهب فنجشتين انه (يتوجب على الفلاسفة العودة الى اللغة العادية والاستخدام المألوف لها). بعيدا عن تفكيك نحوي وبلاغي في اللغة كمبحث لغوي نصّي تجريدي يخص قضايا الادب بما هو تجنيس ادبي وليس بماهو مبحث منتج في إثراء مباحث الفلسفة.

رغم الاهمية الفلسفية الكبيرة لآراء بول ريكور الا أن منهجه اللغوي في التأويلية (الهورمنوطيقا) رسخ قناعة خاطئة مفادها ان النسق النظامي الذي يحكم اللغة داخليا يتيح لنا اريحية القول ان لا علاقة تربط البنية النسقية للغة مع نظم الانساق التي تحكم الحياة خارج نسق منظومة اللغة الداخلية. وان اللغة لم تعد تتوقف الحاجة لها عند وسيلة التداول او التعبير عن الوجود في موجوداته وعلاقتها ببعضها. وان النسق اللغوي في نظام اللغة يوازي ولا يتقاطع مع الانساق التي تحكم الواقع والحياة وهذا برأيي تطرف في منحى فلسفة اللغة ليس في محله.

س45: أ. مراد غريبي: كيف تفسر لنا الادراك الزمكاني للوجود؟

ج45: أ. علي محمد اليوسف: ثبات الاشياء وموجودات الطبيعة نسبي مكانا وزمانا على الدوام وليس كما ذهب له كانط أن ثبات الأشياء هو السمة اليقينية المستمدة من ادراكنا لها بثبات كل من الزمان والمكان في اسبقيتهما على الوجود، وبخلاف كانط أن ثبات الزمان في أدراكه ثبات الاشياء في وجودها الظاهري الحسّي أنما هو أي الزمان يدخل في علاقة جدلية في تغييره الاشياء دون أن يتغير، كما أنه يساعد العقل على الادراك من دون أن يدرك الزمان بذاته، بل كل ما نعرفه عن الزمان انه حدس نتلمسه في ظواهر نتائجه في الاستدلال على وجود الاشياء بعد تخليق العقل لها وليس في اختراع وجودها.

ان إدراك وجود الاشياء في العالم الخارجي مكانيا – زمانيا، أنما هو في حقيقته ادراك زماني واحد فقط، فلا يمكننا أدراك الشيء مكانا من غير زمن ولا نستطيع ادراك الاشياء زمانا من غير وجود مكاني متعيّن لها انطولوجيا، لكننا ندرك الاشياء زمنيا في تفكيرنا الخيالي الذهني لموضوعات تستحدثها الذاكرة مادة لتفكير العقل، وهي أي موضوعات الخيال ليست محددة وجودا مكانا في العالم الخارجي لكننا ندركها من خلال تناول التفكير بها زمانيا تجريدا بمعزل عن تحققها انطولوجيا بالواقع وهذا يسري على جميع الاجناس الادبية التي تجعل من المخيلة ذاكرة واقعية.

2938 علي محمد اليوسفس46: أ. مراد غريبي: هل الديالكتيك الماركسي كان افتعالا تبريريا في إرغام التاريخ على أن يسير وفق حتمية تطورية لا يحيد عنها؟

ج46: أ. علي محمد اليوسف: الديالكتيك في المادية التاريخية قانون يحكم المادة والتاريخ والطبيعة، لكنه ليس حتمية غائية في تحديد المراحل التاريخية التي يصلها ماركسيا بالضرورة. فالديالكتيك الذي يحكم المادة والوجود والتاريخ يشتغل على مسارات تحكم المادة وكل ظواهر الحياة بما لا حصر له،والتاريخ ومساره التطوري أحداها، فالديالكتيك قانون يعمل في الطبيعة مستقلا عن الانسان ورغائبه، وليس قانونا وضعيا من أجل الفلسفة او تفسير تطور التاريخ ماديا مراحليا كما ذهبت له الماركسية عندما اجرت التحقيب التاريخي من عصر المشاعية فعصر الصيد والالتقاط وعصر الزراعة وهكذا وصولا الى المرحلة الامبريالية التي هي قمة الراسمالية.، فقد يعمل الديالكتيك في بلورة معطيات جديدة في الوجود والحياة ليس التاريخ من ضمنها كمرتكز محوري كما تعدمه المادية التاريخية، وأخيرا الديالكتيك ليس قانونا وضعيا أوجده واخترعوه فلاسفة مثل هيجل وفيورباخ وماركس وانما هو قانون يعمل في مجال الطبيعة بمجملها قبل وبعد اكتشافه فلسفيا.

بالحقيقة كان لدي وجهة نظر اشرت لها في احدى مقالاتي ان قانون وحدة وصراع الاضداد في الديالكتيك لا يتم خارج ما أطلقت عليه (المجانسة النوعية) بمعنى لكي يحصل الجدل الافتراضي بين قطبي تناقض لا يحكمه تضاد السلب مع الايجاب في انتاجية واستحداث الظاهرة الجديدة فقط، وانما يحكم قطبي التضاد المجانسة النوعية الواحدة، فمثلا نجد من المحال ان تفترض جدلا يقوم بين زيت وماء. والسبب هو عدم وجود المجانسة النوعية بينهما التي هي تشابه الجوهر والصفات بينهما، فالماء من حيث الماهية والصفات تختلف عن الصفات والماهية للزيت، لذا انعدام المجانسة النوعية ماهويا بينهما لا يمنحهما جدلا ديالكتيكيا ينتج عنه ظاهرة مستحدثة جديدة.

من جانب آخر طالما أن قوانين الجدل تقوم على تناقض لا يلازمه تجربة تطبيقية ملموسة فهو يبقى احتمال افتراضي من الجائز جدا عدم محكومية تطور المادة والتاريخ لتلك القوانين الافتراضية على صعيد الايديولوجيا السياسية والفلسفة معا. افتعال هيجل للجدل على مستوى الفكر كان خاطئا ليس بسبب انه لم يأخذ بالمنهج المادي بل لأنه اساس الخطأ الذي اورثه للماركسية في افتراض وهمي غير خاضع لتجربة التحقق من حصوله. بمعنى لم يكن هيجل يتصور أن ديالكتيك الفكر هو ناتج ديالكتيك حاصل في الواقع. وبرر ذلك قوله طبيعة العقل جدلية بمعنى لا يقاطع جدل الواقع في حال حصول تحققه.

س47: أ. مراد غريبي: كيف توضح آلية منظومة مدركات العقل للأشياء والعالم الخارجي؟

ج47: أ. علي محمد اليوسف: الحواس تدرك وجود الاشياء في العالم الخارجي صوريا بالفكر، وليس صوريا باللغة قبل الفكر، وإدراك الشيء بالفكر لا يشبه تعبير اللغة خارجيا عنه، واللغة في تعبيرها عن وجود الاشياء تكون أولويتها سابقة على الفكر، فإدراك الاشياء بالفكر ذهنيا هو أدراك صامت لغويا، والصمت لغة حوارية كامنة بالذهن غير مفصح عنها بالكلام او الكتابة، في حين يكون تعبير اللغة عن الاشياء في وجودها الخارجي (صاءتا) صوتيا سواء أكان ذلك كلاما شفاهيا او تعبيرا لغويا مكتوبا. انا هنا لا ارغب مجاوزة حقيقة علمية أن الفكر جوهره لغة. بمعنى الفكر في صمته هو تفكير لغوي صوري ايضا.

ويسبق الفكر الصامت في الذهن ادراكنا الاشياء والتعبير اللغوي عنها داخل العقل وليس خارج العقل، وأولوية التفكير العقلي في الذهن يسبق تعبير اللغة عن الموجودات خارجيا، على العكس من أن اللغة تسبق الفكر في التفكير خارج العقل فقط وليس داخله، اللغة تعبير والفكر محتوى وكلاهما متلازمان، وجود الاشياء في العالم الخارجي تكون فيه الاولوية للتعبير عنه باللغة التي تعبر عن الاشياء كناتج تخليق عقلي فكري لها.

صمت الفكر في ادراكه العقلي لوجود الاشياء وأن كان يلتقي مع صمت اللغة في حالتي الادراك العقلي ذهنيا، وفي التقائهما في الافصاح اللغوي – الفكري التعبيري عن وجود الاشياء، لكنما يبقى أدراك الفكر للشيء لا يطابق ولا يشابه تعبير اللغة عنه. وبذا لا يستطيع الفكر الذي هو نتاج عقلي كما هي اللغة أيضا، أن يتطابق مع اللغة في الافصاح عن المعنى، ويبقى الفكر متخلفا عن اللغة في عجزه أيجاد حقيقته الوجودية في منافسة اللغة له في التعبير عن الموجودات والاشياء. وتبقى عبقرية اللغة سابقة على تخليق الفكر العقلي في محاولته التعبير عن الوجود بملازمته اللغة او بمفارقته لها كما في حال انشغال الفكر في حدسه وتنظيمه إدراك ما تفرضه الذاكرة التخييلية من موضوعات مستمدة خياليا من الذاكرة ولا علاقة للحواس في أي دور بنقل مواضيع الخيال الى العقل، فالمدركات الحسّية وظيفتها هي فقط نقل معطيات وجود الاشياء في ظواهرها بالعالم الخارجي وليس مواضيع الخيال التي مصدرها العقلي الادراكي لها هو الذاكرة فقط.

وبهذه الحالة تتراجع اللغة المنطوقة او المكتوبة الى مراتب متأخرة امام فاعلية العقل والفكر معالجتهما مواضيع الخيال في الذاكرة والذهن. وتكتسب اللغة أهميتها المتمايزة عن الفكر في التعبير عن تخليق العقل لمواضيع الخيال أمّا في محتوى وشكل لغة ادبية او فنية او جمالية حال خروج اللغة عن وصاية العقل عليها داخل الذهن المفكّر، وتنتهي وصاية العقل على الفكر واللغة بعد تعبيرهما عن الاشياء في العالم الخارجي. لأن اللغة والفكر يصبحان جزءا متداخلا مع وجود الاشياء في التعبير عنها خارجيا، بعد ان كانا (الفكر واللغة) جزءا من التفكير داخل العقل. خلق عوالم ادبية أو فنية يتراجع فيها الادراك الشعوري على حساب تفعيل اللاشعور الخيالي.

س48: أ. مراد غريبي: هل انت مع كانط في نظريته الفلسفية على ان الانسان مزود بالفطرة بقالبي الزمان والمكان في تمكين العقل من الادراك؟

ج48: أ. علي محمد اليوسف: تضمن كتاب كانط (نقد العقل المحض) الزمان والمكان معطيان قبليان في العقل سابقان على وجود الاشياء وهما وسيلتا أدراك تلك الاشياء، ومن دون هذا الافتراض لا يمكن للعقل والذات أدراك الاشياء في وجودها الخارجي، وجواهر وظواهر الاشياء لا تدرك من غير ثباتها في تجانسها مع ثبات الزمان والمكان في الذهن، كما أن ثبات الاشياء يتناسب طرديا توافقيا ادراكيا مع الزمان في ثباته، وبهذا يكون كانط أعفى العقل من مهمة اثباته ماهيات وجواهر الاشياء في وجودها بذاتها أو حتى في ظاهرياتها المتغيرة كصفات على الدوام وباستمرار، واعطى الثبات المكاني والادراك الزماني المجانس لثبات الاشياء مكانيا اولوية على العقل. وفي هذا التناقض يصبح عدم اعتراف الفلسفات المثالية بالعقل والوجود خارج إدراك الفكر مقبولا دوغمائيا في المثالية، علما أن الفكر هو نتاج عقلي وليس نتاجا مكتسبا في أدراكه وتفسيره للأشياء وفي هذا مأزق الفلسفة المثالية انكارها وجود العقل في تأكيدها على اسبقية الفكر على المادة الذي هو نتاج لصيق بالعقل. ونجد من المهم التنبيه أن العقل لا يفرز الأفكار وظائفيا، لكنه هو منتج الافكار في عملية تخارج التفكير العقلي مع وجود الاشياء إدراكا معرفيا تخارجيا وليس هناك من فكر لا يسبقه وجود او موضوع.

رغم وجودية كيركارد التي اصبحت مادية لاحقا على أيدي هايدجر وسارتر، الا أنه يذهب نحو مثالية لا تختلف عن المثالية التي يذهب فلاسفتها جميعا أنه لا وجود للأشياء ولا العالم الخارجي الا في الوجود الصوري الادراكي لها في الفكر فقط لا غير، وأن النسق الفلسفي يحتوي ويقرر ماهيات الاشياء والوجود من خلال الفكر المنطقي المجرد المنعزل عن العالم المادي، وذهب كريكارد نحو وجود غير مادي وغير ميتافيزيقي أيضا بالتبشير بعالم الوجدانات والاخلاق والعواطف الايمانية، معتبرا أن الوجود الانساني تابعا للنسق الفلسفي لا خالقا لوجوده من خلاله. وفي هذا يخرج كريكارد عن وجوديته المادية واستبدالها بوجودية إيمانية دينية صوفية مثالية.

س49: أ. مراد غريبي: ما حقيقة التطاحن الفلسفي في الوضعية المنطقية التحليلية الانجليزية التي أدت بها نحو الانشقاقات واودت بها الى الانحلال والتفكك التام دونما تحقيقها لأهدافها المعلنة عنها؟

ج49: أ. علي محمد اليوسف: أعتقد السؤال يقصد حلقة اكسفورد الانجليزية. ذهب تطرف برتراند رسل ومعه جورج مور وايتهيد نوعا ما، فيما أطلقوا عليه الواقعية التحليلية المنطقية الجديدة الانجليزية حصرا، في إعلائهم من شأن معطيات ومدركات الحواس أهمية كبيرة وصلت براسل اعتباره تلك المعطيات الحسية هي العقل بمعناه التجريبي العلمي، وليس اللوغوس بمعناه الفلسفي الذي هو نتاج المعرفة بمختلف مباحثها وتنوعاتها. واعتبر راسل تكوين العقل العلمي يقوم على أولوية معطيات الحواس بخلاف أن المعرفة الفلسفية لا تنتج لنا سوى مناهج ونظريات في التفكير الذي لا يقود الوصول الى عقل تجريبي علمي. إنه من الواضح أن راسل اراد أن تكون الفلسفة علما تجريبيا يقودها العلم ولا تقوده هي. ومبحث فلسفة اللغة كان حاضرا في تيار الفلسفة التحليلية بشرط اعتمادها الرياضيات والمنطق تحديدا.

 راسل وايتهيد كلاهما عالمان رياضيان، وأرادا عمل توليفة فلسفية تحليلية منطقية قوامها الرياضيات والمنطق وتحليل معنى اللغة. ووصل الحد براسل أن اوصى فينجشتين في جعل رسالته التي أشرف عليها راسل تقوم على تأصيل المنحى اللغوي بمنطق الرياضيات كما سبق اوصى فريجة بذلك. وحين عجزت وصاية راسل تحقيق مبتغاها فما كان من اعضاء حلقة اكسفورد الا الانفضاض عن راسل وايتهيد اللذين بقيا متمسكين بأهمية جعل منطق اللغة يجاري منطق الرياضيات. فانشق جورج مور ومعه فينجشتين في تغليبهما منطق تحليل اللغة التجريبية يبتعد عن تعقيدات منطق الرياضيات وطالبا بالعودة الى ضرورة توظيف لغة الحياة اليومية التي تعيشها الناس أن تكون لغة فلسفة المستقبل وبخلافه تسير الفلسفة نحو حتفها.

س50: أ. مراد غريبي: ما حقيقة الخلاف بين ديفيد هيوم وراسل؟

ج50: أ. علي محمد اليوسف: ديفيد هيوم ذهب نحو علم النفس معتبرا أن ليس هناك معرفة مباشرة (للأنا)، بالمعنى الفلسفي الذي نفهمه أنه وعي الذات، وإنما الموجود هو النفس البشرية وليس الذات التي يشكك هيوم بوجودها، معتبرا النفس هي (حزمة من الافكار) المستمدة من معطيات الحواس، وقام بتطوير فكرته هذه في كتابه (تحليل العقل) الذي لم يكتف به نكرانه الذات الانسانية بل ذهب أبعد من ذلك قوله (لا يوجد شيء اسمه المادة كما ولا يوجد شيء اسمه العقل). وبتعبير فلسفي يعتبر هيوم (أن ما يمّيز ماهو نفسي هو ذاتيته، وهذه الذاتية تعني ماديا تجميع معطيات الحواس وتركزّها في مكان واحد هو الدماغ).

لكن من المهم أن راسل ينكر على هيوم (وجود نفسي على هيئة جوهر قائم بذاته) ومع ذلك فهو يقر لهيوم (ان الظواهر النفسية أكثر حقيقية من المادة لأننا لا نتوصل للمادة بادراك مباشر لها مطلقا). وانما على شكل انطباعات حسية وهو ما يدعو له هيوم. ولإجراء مقارنة توضيحية بين هيوم وراسل:

1- من وجهة نظر هيوم وراسل أنه لا يسبق الوجود الانساني ولا الوجود الطبيعي قاطبة الافكار المستمدة من معطيات الادراك الحسي للأشياء في وجودها المادي المستقل الذي ينكران ادراكنا له بغير احساسات الحواس فقط، كما لا يوجد هناك عقل مستقبل لمجموع معطيات الحواس بما أطلقا عليه حزمة الافكار وتنظيمها عقليا، وإنما الموجود هو حزمة الافكار ليست المستمدة عن وجود الاشياء السابق عليها في العالم الخارجي بل حزمة الافكار في الدماغ التي بضوئها نستدل على وجود الاشياء من عدمه. ضاربين عرض الحائط حقيقة أنه لا وجود لفكر لا يتقدم عليه ويسبقه وجود.

2- من وجهة أخرى نجد أن هيوم وراسل اللذين يدعوان اعتماد العقل الفلسفي تجريبيا كما في العلوم الطبيعية والرياضيات، يتوسلان اللوغوس فلسفيا في تدعيم دعوتهم الى جعله مبحثا عقليا تحليليا علميا خارج مختبرات العلوم، وليس العكس المطلوب في اعتماد معطيات العلوم الطبيعية في الوصول الى قناعات فلسفية تأخذ من العلم تجريبيته التحليلية بما ينتشل مباحث الفلسفة من الدوران في فلك معرفة الوجود بوسائل تجريدية تستبعد العلم التحليلي والتجريبي. باختصار العبارة الموجزة أن محاولة جعل مباحث الفلسفة (علما) لا يتم الا بمنطق العلم الذي لا يلغي قدرات العقل العلمي البرهنة عليه فلسفيا. أما محاولة ان تكون الفلسفة علما يقود غيره من العلوم الطبيعية فمسألة ليس سهلا تمريرها.

س51: أ. مراد غريبي: ماذا يعني لك الحلول الصوفي بالذات الالهية؟

ج51: أ. علي محمد اليوسف: الانسان كينونة وجودية تمتلك وجودها الظاهراتي والعقلي وماهيتها التي هي مجموع صفاتها وكيفياتها كإنسان، تجعل منه هوية جوهرية ماهوية مستقلة. وفي هذه الخاصية يتأكد استحالة الاتحاد غير القابل للتسوية بين الوجود في ذاته، والوجود من أجل ذاته، أي بين الخالق الالهي والمخلوق الانساني كما تدّعيه الصوفية في تغاير (كيفيتين) أحداهما روحانية لا يدركها الانسان هي الخالق، والاخرى مادية تتمايز ذاتيا مع غيرها بقوانين الطبيعة زمكانيا وهي الانسان، ولا تلتقي كيفية الانسان المادية الا مع كيفيات مادية تتجانس معها في كل او بعض الصفات والماهيات. أما الحلول الصوفي على مستوى من(النورانية) الالهية التي لا يستطيع العقل إدراكها فهي من المحالات في التحقق، إعدام الشعور في التجربة الصوفية لدى الانسان لا يمنحه انتقالة نورانية خارج واقعيته المادية. لا يجب تكافؤ محدودية عقل الانسان بلا نهائية الذات الالهية التي لا يمكن الالتقاء بها.

س52: أ. مراد غريبي: هل تجد فضاءا مشتركا يجمع الفلسفة بالشعر وما علاقة الخيال بتعبير اللغة؟

ج52: أ. علي محمد اليوسف: لغة الخيال هي قسمة مشتركة بين الفلسفة والشعر، باختلاف ان لغة الفلسفة تخضع لسطوة العقل المنطقي في لجم الخيال ان يكون تهويميا، بينما الشعر يعيش ويخضع لمرجعية تنظيم اللغة وتنظيم خيال اللاشعور جماليا فنيا أيضا بعد برودة عاطفة الشعر وبرودة تهويم اللاشعور العقلي في تدوين النص مسموعا او مكتوبا او جماليا ممثلا في نص شعري او في لوحة فنية وفي جميع انواع التشكيل الفني التي تكون اللغة فيها في حالة كمون يستنطقها المتلقي المشاهد.

عبقرية اللغة في الشعر أو في الرسم سابقة على عبقرية الفكر الذي تعبّر عنه، رغم أن انتاجية العقل للفكر سابق على انتاجية الذات للغة، وكلاهما حوار غير معلن لشيء واحد، ويفترقان (اللغة والفكر) عن الخيال العقلي، والتمايز الدلالي بينها أيضا، متى ما اصبحت الفكرة واقعا ماديا معبرا عنه لغويا يدركه الاخرون في عالم الاشياء. الانسان ذات وموضوع يتبادلان الادراك بالتناوب. فالإنسان يدرك الموضوع في وعيه العقلي او الخيالي. والانسان يدرك ذاته بذاته عقليا ايضا. والموضوع لا يشترط ان يدرك ذاته الا بشرط علاقته بمن يدركه وهو الانسان، إذا كان وعي الذات ووعي الموضوع من نفس النوع. بمعنى أن يدرك الانسان ذات غيره من البشر لا ذات غيره من الكائنات في الطبيعة والعالم الخارجي. فهنا لا يكون الادراك بين الذات والموضوع متبادلا، بمعنى أن الانسان في هذه الحالة يدرك موضوعه، لكن موضوعه لا يدرك الانسان ولا وعيه به كموضوع. بمختصر العبارة ماهية أو جوهر الانسان موضوعا ذاتيا يدركه صاحبه فقط، ولا يدرك انسان ماهية او جوهر انسان آخر من نوعه.2939 علي محمد اليوسف

س53: أ. مراد غريبي: فلسفة العقل بدأها ديكارت إشكالية وتناولها كلا من فيلسوف العقل الأسكتلندي ديفيد هيوم لتستقر بين الامريكي ريتشارد رورتي وجلبرت رايل الانجليزي هل لك توضيح بعض جوانب هذه الاشكالية؟

ج53: أ. علي محمد اليوسف: أبدأ بعبارة غريبة متشددة كان بدأها ديفيد هيوم قوله لا وجود لشيء يدعى عقل، ليتلقفها بعده الفيلسوف جلبرت رايل في مقولته لا وجود لما يسمى عقلا ابدا. بحسب الفيلسوف الامريكي المعاصر ريتشارد رورتي 1931- 2007 يختلف ما هو عقلي عما هو فيزيائي، وهذا الاختلاف كان بدأه ديكارت في تقسيمه العقل نفسه الى فيزيائي مرة والى غير فيزيائي تارة أخرى، فالعقلي ويقصد به الانسان هو ما يعقل ذاته ويعقل موجودات العالم الخارجي، ولا يشترط أن يكون الفيزيائي (المادي) يمتلك هذه الصفة الاعجازية الادراكية التي يمتلكها العقل في ماهية انه جوهر مفكر فقط.. إذا جاز لنا التوضيح أكثر فالعقل بمعنى المخ مسؤول عن جسم الانسان، اما العقل غير العضوي بايولوجيا فهو تجريد لغوي ماهيته التفكير في ادراكه العالم الخارجي.

الطبيعة بكل موجوداتها وتكويناتها لا تمتلك ميزات العقل الانساني في وعيها لذاتها ولا وعيها بعض تكويناتها المتعايشة معها ولا وعيها بعض القوانين الفيزيائية التي تحكمها، فالطبيعة تدرك بموجوداتها عقليا بالإنسان كوعي والموجودات الاخرى من الكائنات التي تمتلك عقلا كالحيوانات التي يكون ادراكها الطبيعة محدودا جدا بالقياس لإدراك عقل الانسان الذكي في وعيه المستقبل.

وبعض كائنات الطبيعة كالحيوانات تمتلك عقلا لكنه يختلف عن عقل الانسان بصفات عديدة وهي تتجاوز ملكة العقل الانساني في وعي ذاته وموجودات الطبيعة من غير نوعه، وعقل الانسان عقل ذكي على مستوى إحساسه بالزمن، وكذلك عقل الانسان يمتلك ابتكارا واختراعا هو لغة تجمع النوع الواحد من جنسه. وجميع هذه الصفات وغيرها هي عقل الانسان في جوهره المادي. وليس في جوهره اللافيزيائي الذي حدده ديكارت العقل جوهر خالد بعد فناء الجسم ماهيته التفكير فقط في التعبير عن الوجود واكتساب المعرفة.

ولم يكن ديكارت يشغله أكثر من أن يكون العقل كتكوين فيزيائي بيولوجي أو غير فيزيائي لا بيولوجي منفصل عن الجسم، بحسب حاجته التعبير عما يحققه العقل من اهداف يضعها ديكارت قبل وجودها الواقعي ورغبة الادراك العقلي لها.

وبقدر اهتمامه الذي كان يحاول فيه التوفيق التلفيقي بين وظيفة العقل المنفصلة عن الجسم كجوهر ماهيته توليد الافكار لطرح وجهة نظره التي يقرن بها العقل مع النفس كجوهرين غير فيزيائيين خالدين في انعزالهما عن الجسم، وأراد ديكارت بذلك المراوغة في تحييد العقل عن التداخل المتقاطع مع لاهوت الدين بنفس أهميته ألا يتقاطع العقل كفلسفة مع العلم.

 لم يكن ديكارت الفيلسوف الوحيد الذي لا يميز بين العقل العضوي الفيزيائي الذي هو المخ بتكويناته، وبين العقل لوغوس ماهيته التفكير الذي اسماه غير فيزيائي لأنه لا يدرك بغير دلالة غيره من موضوعات، وهنا العقل المقصود غير الفيزيائي اللامادي هو نوس nose   تقتصر ماهيته على التفكير وتوليد الافكار المجردة التي لا وصاية للجسم عليها لكن وصاية العقل العضوي يبقى ساري المفعول عليها.. كون تجريد خلق الافكار الذهنية لا تأخذ مصداقية معناها من غير وصاية العقل العضوي عليها.

صحيح أن التفكير واللغة هما موضوعان تجريديان لكنهما عاجزان عن التفكير واختراع اللغة في التعبير عن الاشياء من دون وصاية دماغ الانسان العقلي عليهما. وبغير هذا الترابط لا يبقى هناك معنى لتفكير ولا يبقى هناك معنى للغة من دون وصاية العقل عليهما. فمصدر التفكير ليس اللغة وإنما هو العقل. فالتفكير توسيط بين العقل واللغة.

نفهم من التفريق الذي طرحه ريتشارد رورتي بين الفيزيائي والعقلي أنه أراد أسقاط هيمنة مبحث الابستمولوجيا المعرفة كأولوية اهتمام العقل بها باعتبارها الفلسفة الاولى التي اشغلت فلاسفة القرن السابع عشر معتبرين مهمة الفلسفة تفسير كيف يمكننا الحصول على المعرفة، وخلاف ديكارت ليس في عدم نكرانه وبإصرار عنيد ان مهمة العقل والفلسفة تزويدنا بالمعارف لكنه  أراد تحييد العقل من المساس بما يراه الدين صحيحا حتى لو عارضه العقل برؤاه... العقل في تمسكه بالأبستمولوجيا كهدف ومبحث فلسفي سابق على كل ما يشغل اهتمامات الفلاسفة في عصره وما قبله.

ولم يكن ديكارت يجرؤ البوح العلني أن وسيلة تحقيق وتحصيل المعرفة في عصره لا يكون بغير توسيط العقل ليس كتجريد لغوي غير فيزيائي وإنما كجوهر فيزيائي يتعالق بموجود تكوين بايولوجيا جسم الانسان بالحياة والفناء.

والسبب في الفرق بين ديكارت ورورتي هو المدة الزمنية التي تقارب ثلاثة قرون تفصل بينهما في اختلاف فلسفتيهما في مراكمة مفاهيم فلسفية جديدة.. في مقدمتها التحول اللغوي وفلسفة اللغة.

فديكارت الذي قال إن مهمة الفلسفة المركزية الاولى هي تحصيل المعرفة أبستمولوجيا، جاء رورتي معتبرا فلسفة العقل واللغة هي ما يتوجب العناية والاهتمام بهما في القرن العشرين والعقدين اللذين تلاه. ولم يبق تلك الاهمية لخدعة ديكارت حين أضل الفلسفة بمفهوم الابستمولوجيا الفلسفة الاولى منذ القرن السابع عشر بحسب إدانة فلاسفة اللغة لديكارت.

فكلاهما ديكارت ورورتي لا يختلفان بأن ماهو فيزيائي هو الذي تنطبق عليه قوانين الادراكات المادية، والعقلي هو الذي يدرك كل ماهو فيزيائي بالفكر المجرد الذي لا يسعى تحقيق وجوده الفيزيائي المادي على حساب التفريط بأهمية تحولات فلسفة العقل من فلسفة تعنى بمركزية تحصيل المعرفة، الى فلسفة عقلية تقوم على تفسير العالم بفلسفة اللغة وليس بقوانين تأتي من خارج نظامها اللغوي الخاص المستقل بها كبنية نسقية لا ترتبط بالعالم الخارجي.

ما فعله رورتي فلسفيا على مستوى كبير من الأهمية التي كانت آراؤه التأويلية نسخة كاربونية محسنة لما قام به بول ريكور والتي انا ادينها وهي:

1) إلغائه مركزية العقل كمصدر للمعرفة،

2) اعتباره نظام فلسفة اللغة هو نظام التوازي مع الواقع لا يقاطعه ولا يحاول التداخل التفسيري معه.

3) اللغة نظام لا تحكمه القوانين التي تحكم العالم الخارجي، فاللغة نظام مستقل داخل منظومة قواعده في النحو والاستعارة والمجاز وفائض المعنى في معرفته تفسير العالم بسلطة اللغة ذاتها وليس بسلطة قوانين الطبيعة الثابتة منها والوضعية ايضا التي اخترعها الانسان معرفيا علميا.. وبهذا غادرت اللغة خاصية التعبير التجريدي عن الاشياء الى خاصية امتلاكها نسقا بنيويا مستقلا بها وحدها.

في التحول اللغوي الذي أرسى فلاسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى مفاهيمه الفلسفية بالقرن العشرين لم تبق هناك حاجة بعد استنفاد العقل لمزاياه الموروثة التي أسقطتها عنه فلسفة ما بعد الحداثة بتنوعاتها الفلسفية بدءا من البنيوية والتفكيكية والتأويلية والعدمية والعبثية، الى وجوب الابتعاد عن قياس فاعلية العقل بعلاقته التواشجية الجدلية عبر القرون مع الواقع المادي... حينما كان الفرد هو مركز استقطاب دوران الفلسفة هو الانسان كذات وكينونة وماهية وصفات في العصور التي حكمت الفلسفة منذ ما قبل سقراط والى نهاية القرن السابع عشر عصر فلسفة ديكارت العلمية.. التي لم تفارق قدسية الذات الانسانية لكنها أي الديكارتية فتحت أبواب الفلسفة على العلم بتكامل مع فرانسيس بيكون.

س54: أ. مراد غريبي: يوجد عبارة تنسب لديكارت من فزعه الشديد من رجال الدين (يسلم من يعش بالظل) وهرب الى هولندا متخفيا حتى أواخر أيام حياته، ما حقيقة الموقف التلفيقي الذي ابتغاه ديكارت في محاولته زواج اللاهوت بالدين زواجا كاثوليكيا؟

ج54: أ. علي محمد اليوسف: في عصر ديكارت حاولت الفلسفة الاهتمام بالمعرفة (الابستمولوجيا) في تقريبها الشديد من دعم العلم وتحصيل المعرفة الإبستمولوجية باشتراط مهادنة رجال الدين وتحييد اللاهوت والكنيسة لأقصى درجات التحفظ من الاصطدام المباشر بهم.

أي أراد ديكارت تلفيق جمع متضادين هما العلم واللاهوت الكنسي اللذين لا تربطهما علاقة جدلية معرفية، ولا تربطهما علاقة عقلية سوسيولوجية هي بمصطلح اليوم (علمانية) تفصل شؤون الحياة ومنجزات العلم من سطوة رجال الدين الذين استفحل امرهم جدا في عصر ديكارت. ولم يجرؤ ديكارت التصريح بوجوب فصل شؤون الحياة وتجارب العلم عن وصاية رجال الدين واللاهوت ليس لأن مصطلح العلمانية لم يكن معروفا عصر ذاك وإنما من ثبات الاتهام بالزندقة والهرطقة وملاحقة ما يسمى لجان التفتيش سيئة الصيت التي تطال كل من يجرؤ التطاول على وصاية لاهوت الدين وما يقوله رجال الدين على تجاوز حرمة فصل العلم عن وصاية تعاليم رجال الكنيسة ولم يكن دقة المصطلح (العلمانية) واردا الذي كان تبلوره النهائي تم في عام 1905 في فرنسا كتشريع قانوني ملزم بعد رسوخ مفاهيم الثورة الفرنسية 1789...

هذا التضاد بين العلم والدين اراد ديكارت حسمه بالتلفيق والدوران حول المشكلة دونما المساس بتغيير أي شيء بين القطبين المتنافسين أكثر من انحيازه نحو العلم بمهادنة رجال اللاهوت الديني، وقلبت الكنيسة المعادلة في تغليب أهمية مركزية الدين كفلسفة اولى بدلا من العلم والمعرفة مبحث (الابستمولوجيا) الذي ساد الفلسفة طيلة مدة القرون الوسطي الاوربية، الى وقت مجيء عصر الانوار الذي سبقته النهضة والاصلاح الديني في وجوب إعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر، بمعنى فصل الدين عن العلم وحياة الانسان وحريته الاعتقادية بما يجده ملائما له بحياته. وهكذا بقي المتضادان لا نقل متعايشان بل بقيا في استقلالية أحدهما بعيدا عن التدخل بشؤون الاخر واستقر هذا الاتفاق المعلن الى يومنا هذا بالتوافق بين الطرفين.. مع دخول عصر الحرية والمساواة والانتخابات وحقوق الانسان في مغادرة جحيم القرون الوسطى الاوربية وسلطة لجان التفتيش بوحشيتها المروّعة.

س55: أ. مراد غريبي: ماذا بقي من العقل الفلسفي اليوم بعد ثورة المعلوماتية التي تسيدها العلم التجريبي من جهة، وهيمنة فلسفة اللغة على مباحث الفلسفة جميعها بلا استثناء؟

ج55: أ. علي محمد اليوسف: أصبح العقل اليوم لا يستمد مقوماته المادية بمعيارية المقايسة التداخلية مع الواقع المادي ولا مع الانسان كعالم مستقل بذاته كهوية ماهوية كان قائما وأنهار كقيمة عليا بتقادم تراجع هيمنة المعرفة عن ملازمتها له، لذا أصبح في فلسفة العقل واللغة اليوم الانسان والابستمولوجيا والعقل من مخلفات الميتافيزيقا التي خرجت عليها فلسفة ما بعد الحداثة، أكثرها تطرفا فلسفة دريدا التفكيكية بضراوة شديدة غير معهودة سابقا على معاداة العقل والذات والابستمولوجيا ليس في سبق يحسب لها بل في موروث مقتبس افادت منه جاءت به فلسفة اللغة التي تبلورت بشكل تنظيري فلسفي على ايادي اقطاب البنيوية فريجة ودي سوسير و شتراوس ومن بعدهما حلقتي فيّنا واكسفورد في التحليلية والمنطقية الوضعية وصولا تشعبات فلسفة اللغة الى تيارات متنوعة لا يمكن حصر فلاسفتها ورؤاهم المستمدة جميعا من الفلسفة الأم الاولى فلسفة اللغة والمعنى التي هيمنت كفلسفة اولى بلا منازع منذ منتصف القرن العشرين.

 وأصبح يراد المطلوب من فلسفة اللغة اليوم التحرر من تداخلها مع فلسفة العقل الخالصة في تمجيدها وتبنيها النزعة العلمية التي بدأها بيكون وديكارت في تكريسهما لها على وجوب أن تكون المعرفة هي جوهر تلاقي العقل مع العلم الطبيعي. وذهب ديكارت الى نوع من الموائمة التي تجعل العقل في تكامله المعرفي مع العلم والدين تلفيقية ساذجة. على العكس تماما مع ما حصل في فلسفة العقل واللغة اليوم في ابتعادها عن تعالقها مع العلم وكل من الابستمولوجيا والدين. واشتغلوا على فلسفة العقل التي لا توازي فقط المعرفة بل التقاطع معها كما في اقطاب فلاسفة التأويلية، في تحقيق مهادنة التوافق مع اللغة في تياراتها المتعددة التي يحتويها التحول اللغوي وفي نظرية فائض المعنى الذي تدخّره اللغة على الدوام في تعدد القراءات الجديدة وتأويل النص في البحث عما وراء الكلمات في غير المباح عنه. كما اعتمدها رولان بارت، فوكو، وسوسير في البنيوية وعمق هذا التوجه بعدهما بول ريكور في التأويلية (الهورمنطيقا)، لتجد فلسفة اللغة كبنية تجريدية لا علاقة لها بالعقل والانسان اوج الاهتمام بها في تفكيكية جاك دريدا.

العقل في فلسفة اللغة اليوم تراجع الى ضرورة الاكتفاء الذاتي القائم على ترابطه الفيزيائي بالجسم، ولم يعد تنطبق عليه مقولة ديكارت التي فقدت بريقها العقل جوهر لا فيزيائي ماهيته التفكير وحتميته الخلود في ملازمته خلود النفس. هذا التفريق الذي كان تطرق له ديكارت بتردد خجول بين أن يكون العقل لا فيزيائي أكثر منه فيزيائيا ما ترتب عليه انتشار مقولة ديكارت أن وسيلتنا الوحيدة في معرفة أنفسنا والعالم والطبيعة من حولنا هو العقل الذي لا يقاطع ولا يتداخل مع ما هو ديني. وكان الفارق الزمني بينه وبين التقائه بفلسفة فرانسيس بيكون لا يتجاوز بضعة عقود في توجههما تتويج العقل أثمن قيمة في معرفتنا العالم وتحقيق تقدمنا العلمي فيه. ودام هذا الاعتقاد الفلسفي راسخا قرونا طويلة الى أن كنسته تماما فلسفة العقل ونظرية التحول اللغوي وفائض المعنى في الفضاء الرحب الذي فتحته ما بعد الحداثة أن من حقك أن تقول كل شيء ولكن ليس من حقك مصادرة أي شيء لغيرك هو حر في امتلاكه أو الايمان به يخالفك الرأي فيه ...

هذه الارضية مهدت لريتشارد رورتي وعديدين من فلاسفة أمريكان مثل جومسكي، سيرل، كواين، وسيلارز، وسانتيانا وغيرهم من اقطاب فلسفة اللغة ونظرية المعنى والتحول اللغوي الى تنحيتهم العقل مصدرا للمعرفة، بدلا من المعرفة التائهة التي باتت تبحث عن وسيلة التعبير عن ذاتيتها في تغييب سندها الصلب العقل الذي أسقطته ما بعد الحداثة معتبرة إياه ميتافيزيقا تجاوزها الزمن من منزلة الاحتكام والمرجعية التي يقاس الصواب والحقيقي بمعيارها..

س56: أ. مراد غريبي: أين مكانة فلسفة اللغة من العقل؟

ج56: أ. علي محمد اليوسف: من المثير للاستغراب اننا إذا ما تماشينا مع نظرية إعدام العقل وسيلة معرفية يمكن الوثوق بها، فإننا بقصد نعيه ندركه أو بقصد لا نعيه ولا ندركه نضع (العلم) في قفص الاتهام بتهمة تضليله العقل، أو تضليل العقل للعلم لا فرق... وبهذا نجد أقصر السبل في مصادرة العقل واستهدافه في استبعاده وانفكاكه عن الابستمولوجيا التي أخلت موقعها كفلسفة أولى لازمت العقل قرونا طويلة، وكذلك استبعاد العقل عن تعالقه بكل ما هو واقعي في تعطيلهما معا وظيفة كل منهما الاخر.

لم تكن فلسفة العقل واللغة تقوم على مكنة وقدرة العقل فهم العالم الذي وصل قبل نهايته الى طريق مسدود في ما بعد الحداثة، لذا نجد فلسفة اللغة اعتمدت العقل بما لا يفقده آخر معاقله في التجريد في وقت لا يكون العقل ينتزع من اللغة طوباويتها التي تدور حول مركزية تأويل النص اللغوي في تعدد القراءات التي يتمحور دورانها حول خاصية اللغة في ملاحقة فائض المعنى الذي تدّخره اللغة بما هي لغة قبل انهمامها أن تكون اللغة وسيلة العقل في فهم العالم وتفسيره والتعبير عنه. وهذه الميزة اللغوية النظامية تفتقدها صرامة العقل الذي يرى الواقع بعيدا جدا عن اهتمامات الفلسفة اللغوية المعاصرة.. وبقي تجريد اللغة في فلسفة اللغة هو عملية التفكير اللاعقلي في تنحية واستبعاد الواقع عن تعبيرات اللغة عنه بما هو معرفة وليس بما هو وجود. بمعنى على خلاف أن تجريد اللغة هو تعبير العقل عن الواقع نجد فلسفة اللغة رأت في تجريد اللغة الاهتمام بنظام نسقي خاص بها بعيدا عن أي التزام آخر، ولو استطاعت فلسفة اللغة الغاء التوظيف التواصلي كخاصية سوسيولوجية لغوية لما قصّرت المطالبة به في القفز من فوقه في إعدامها تعالق اللغة بالواقع الاجتماعي على الخصوص. وعديد من فلاسفة اللغة ذهبوا بهذا المعنى في استهجانهم أن تكون اللغة توسيط فهم الواقع التواصلي والتداخل به. على حساب بحث اللغة تأسيس نظام لغوي خاص بها بعيدا عن الواقع الاجتماعي والطبيعي. ولعل بول ريكور وفلاسفة المنهج التأويلي بعده ومن عاصروه ذهبوا هذا المذهب المتطرف.

س57: أ. مراد غريبي: قرأت أنكم لا تؤمنون بوجود جدل تاريخي يحكم المادية التاريخية لا ماركسيا ولا هيجليا، كيف توضح لنا هذه الانتقالة الفكرية لديكم؟

ج57: أ. علي محمد اليوسف: نعم في الفترة الاخيرة كان لي رأيا مفاده كلا المنهجين الجدل المثالي والجدل الماركسي لا يمتلكان التحققات العلمية التجريبية الحادث حصولها على صعيدي المادة والتاريخ أو التحققات غير الفلسفية من عدم حدوثها. فالحتمية الضرورة هي تصورات نظرية فلسفية وأحكام تلزم التاريخ بها كقانون وهي ليست من حركة التاريخ بشيء. ليس مهما بنظري البحث عن هل التطور الذي يحكم الحياة البشرية موزّعة على تطور الظواهر المادية وتطور مسار التاريخ تتم في منهج مثالي إعتمده هيجل أو منهج مادي إعتمده ماركس بقدر أهمية الجواب على التساؤل: هل الجدل حقيقة قائمة تاريخيا حصلت وتحصل أم هي أوهام نظرية ابتدعتها ايديولوجيا اليسار والفلسفتين المثالية والمادية على السواء؟

من المسائل العديدة الواجب الوقوف عندها هي كيف نجزم حصول الجدل بقوانينه الديالكتيكية الثابتة التي قادت التطور التاريخي عبر العصور، خير مثال يعزز أن قوانين الجدل تبقى تقديرات نظرية تتطلب منهج التحقق الحصولي المادي لها هو أن الرأسمالية تطورت ووصلت مرحلة العولمة في نهاية التاريخ ولم تعتبر الجدل سوى منهج غير واقعي وهمي يهم المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي القديم.

وليس معنى هذا النفي الاختلافي المتضاد أن النظام الرأسمالي يمتلك نظرية منهجية للتاريخ قادت الى مراحل الديمقراطية الليبرالية وتحسين ظروف العمل حيث كانت تنبؤات هربرت ماركوزا وغيره من فلاسفة أنه لم يعد هناك تنازع مصالح طبقات بالنظم الرأسمالية تتصارع بين مصالح الطبقة العمالية وطبقة الرأسماليين بعد تحديد الاجور وساعات العمل وتامين الضمان الصحي والتقاعد للعمال والشغيلة وغيرها من مكاسب وامتيازات اذابت جبل الجليد الفاصل بين الطبقات الكادحة المحرومة من الحياة الكريمة والطبقات الرأسمالية التي تمتلك كل رفاهية الحياة وتوريثها لأبنائها من بعدها.

س58: أ. مراد غريبي: كيف ترى التطور التاريخي خارج مفهوم الجدل المثالي والجدل المادي؟ هل التناقض الجدلي وهم حقيقة فلسفية فقط كما عبرت عن ذلك؟

ج58: أ. علي محمد اليوسف: ما ارغب تأكيده هنا أن التاريخ مجموعة من المتلاحقات العشوائية القائمة على الفعل ورد الفعل وأن التاريخ لا يتقبل منهجا يستوعبه في توالي الصدف الطارئة غير المتوقعة التي تحرف مساره بما لا يستطيع المنهج إحتوائه ومعالجته. وقبل طرح تفاصيل وجهة نظري أن التاريخ غير غائي ولا يستوعبه منهج ولا تحكمه ضرورة نظرية أمهّد قليلا بالتالي بعد أسطر.

يرى هيجل أن الواقع في حقيقته الوجودية (جدليا) لأن العقل نفسه الذي يدركه ذو طبيعة جدلية – هنا يقصد هيجل بالعقل هو الفكر - بخلافه ارجع ماركس جدلية الفكر الى جدلية الواقع الذي نعيش فيه.. هذا الخطأ الذي وقع به هيجل إعتباره جدل الواقع قائم لأن العقل ذاته ذو طبيعة جدلية فهو أخذ بسببية هيوم على صعيد جدل الفكر في تجريديته غير الانفصالية عن جدل الواقع. الشيء الاكثر اهمية في خطأ هيجل أن جدل الواقع لا يداخل جدل الفكر. وهذا ما شكل ركيزة غاية بالأهمية إعتمدها ماركس إعتباره الجدل يتم بموضوعية واقعية مستقلة لا علاقة لها برغائب الانسان ولا قدرة لجدل الفكر تسيير جدل الواقع ولا جدل التاريخ.

بمعنى في حال تسليمنا أن الجدل قانون طبيعي يحكم المادة والتاريخ بمعزل عن وعي الانسان به وعن إدراكه تطبيقيا وليس تنظيرا ايديولوجيا – فلسفيا.

لتوضيح هذا الاختلاف الذي تم وصفه بالاختلاف المنهجي المثالي بالضد من المنهج المادي حول الجدل أو الديالكتيك يرى هيجل فيه أن الوجود الواقعي – الاجتماعي إنما يستمد (وجوده) من الذات المدركة له الذات العارفة. هذا منتهى التطرف المثالي ليس في إنكاره الوجود خارج إدراك العقل وانما إنكاره لأي نوع من ديالكتيك جدلي يحصل خارج تفكير الانسان لا في المادة ولا في مسار التاريخ.

خطأ هيجل في هذا التعبير هو في خلطه بين إدراك الشيء في موجوديته الطبيعية المستقلة عن إدراك موجوديته الجدلية مع الذات التي تدركه وبغير ذلك أي بغير وجود الذات المدركة لا يكون هناك للأشياء وجودا مستقلا سواء أدركته الذات أم لم تدركه حسب مثالية هيجل ومن بعده. الوجود الشيئي بالواقع لا يحدده الادراك العقلي له.

الذات لا تدخل جدلا ديالكتيكيا مع الواقع بسبب انتفاء المجانسة النوعية بينهما، وحتى لو قلنا أن الفكر يدخل بجدل ديالكتيكي مع المادة فهذا لا يغّير من حقيقة الامر شيئا في إنعدام المجانسة النوعية مع المادة في وحدة الماهية والصفات بينهما. أي ماهية وصفات الفكر لا تلتقي في مجانسة نوعية ماهية وصفات المادة وهذا بحد ذاته سببا كافيا أن الفكر لا يدخل في جدل ديالكتيكي لينتج لنا ظاهرة مستحدثة جديدة تسمى المركب الثالث. الحقيقة أن علاقة الفكر بالمادة علاقة تكامل معرفي تخارجي يتوسطهما التأثير المتبادل بينهما. الفكر يؤثر بتطور المادة، والمادة تؤثر بتطور الفكر ايضا. وليس هناك علاقة جدلية تربطهما ببعض.

من هذا الخطأ الفلسفي الذي إعتبره ماركس مثاليا لا حقيقة له في الواقع الذي يراه ماركس وجودا موضوعيا مستقلا ولا يستمد موجوديته من ادراكية الذات له. وإذا ما ترجمت هذه المقولة اسقاطيا على حركة التطور التاريخي، نجد ماركس محقا قوله "وعي الانسان لا يخلق الواقع، بل الواقع يصنع الوعي".

ويعتبر بعض الفلاسفة والمفكرين ان مقولة ماركس تلك كانت ثورة لا تقل اهمية وتأثيرا عن ثورات كل من سقراط، بيكون، هيجل. ومن السخرية أن نجد المثاليين ينكرون هذه الحقيقة قولهم لا وجود مادي خارجي لا يدركه العقل. الملاحظة التي برأيي تم غفلها أن ماركس لم يقل وعي الانسان يخلق جدل الواقع. فالجدل في حال التحقق من حدوثه على صعيدي المادة والتاريخ فهو جدل وقانون طبيعي يعمل بمعزل عن وعي الانسان له وبمعزل عن تلبية رغائبه. كما أن عبارة هيجل الجدل الديالكتيكي حاصل لأن طبيعة العقل جدلية، فهي عبارة لا معنى لها أكبر من خطأ الفكر يصنع الواقع ويوجده.

س59: أ. مراد غريبي: في ختام هذا المحور، ماهو مجمل رأيكم فيما تطرقتم له بالإجابة عن الاسئلة السابقة حول مفهومكم ان الجدل ليس قانونا طبيعيا يحكم المادة والتاريخ ويعمل بمعزل عن ارادة الانسان كما تذهب له الماركسية؟

ج59: أ. علي محمد اليوسف: أجمل رأيي بالتالي:

أصبح اليوم مراجعة دراسة كيف تطور التاريخ ليس مهما، اسبقية المادة على الفكر أو بالعكس؟ بل الاهم مراجعتنا هل جدل المادية التاريخية هو التفسير العلمي الوحيد الذي نادت به الماركسية صحيحا؟ لا توجد براهين ثبوتية لا على صعيد المادة ولا على صعيد التطور التاريخي تثبت لنا أن قوانين المادية التاريخية الكلاسيكية الثلاث التي وضعها ماركس وانجلز (قانون وحدة وصراع الاضداد، وقانون تحول الكم الى كيفيات، والثالث قانون نفي النفي) هي قوانين جدل اكتسب علميته بالتجربة الميدانية الحقيقية اجتماعيا تاريخيا وعلى ارض الواقع بالحياة التي نعيشها وعاشها آخرون من قبلنا على مر العصور. ربما تكون حقيقة تحول التراكم الكمي الى تراكم نوعي صحيحا لكنه لا يكون ولا يمتلك بمفرده إحداث جدل على مستوى التاريخ يمكن التحقق منه، انما تصح هذه التحولات من كمية الى كيفية أن تكون واحدة من قوانين الطبيعة التي يدركها الانسان بمفهوم السبب والنتيجة وحدوثها يحصل ليس في توليد جدلي بل في توليد (سببي).

الجدل المثالي او المادي على السواء الذي بحسب المنادين به والادعياء له والذي بضوئه نعرف تطورات المادة وتطورات التاريخ لا يقوم على اساس من تناقض نوعي تجانسي في الماهية والصفات يجمعهما داخل الظاهرة الواحدة. فانت لكي تجد جدلا ديالكتيكيا يجمع بين الفكر والمادة في تعالقهما التخارجي لا بد من اشتراكهما في مجانسة نوعية واحدة تشمل وحدة الماهية مع وحدة الصفات لكليهما في تعالق جدلي يجمع نقيضين متضادين ينتج عنهما استحداث الظاهرة الجديدة أو ما يسمى المركب الثالث.

فالواقع بكل موجوداته وتنوعاته الذي يشكل مصدرا للوعي يمتلك مجانسة نوعية في كل ظاهرة فيه تختلف عن غيرها بعيدا عن مدركات الفكر لهذا التناقض الداخلي في وحدة المجانسة النوعية. وهذه المجانسة النوعية المشتركة بين متضادين تجمعهما ظاهرة واحدة يصبح حصول جدل داخلي فيها مستقل عن وعي الانسان له وادراكه واردا حتى في حال عدم إدراك الحصول الميداني جدليا من قبل الانسان.

بمعنى كل ظاهرة لكي يحصل جدلا داخلها منفردة لوحدها لا بد أن تمتلك النقيضين المتضادين فيها مجانسة نوعية واحدة التي هي الماهية والصفات التي تجمعهما في وحدة كليّة، وعندما لا يمتلك الواقع بظواهره المجانسة النوعية في داخل ظواهره لا يحصل جدلا داخلها بمعزل عن الفكر أو بتداخل تخارجي للفكر معه.

الشيء الذي أراه مهما ألا نقع في خطأ إعتبار الجدل في المادة مرادفا لا فرق بينه وبين إعتبار علاقة الفكر بالمادة علاقة (معرفية) تكاملية وليست جدلا ديالكتيكيا يقود بالحتم استحداث ظاهرة جديدة أو مركب ثالث.

ليس مهما صحة أو عدم صحة مقولة هيجل أن الوجود ذاتي يستمد موجوديته من الذات المدركة أو العارفة. التي رغم وصمها بالمثالية الفكرية الا انها تشير الى منهج (مادي) في حقيقتها. وبغير هذه العلاقة التي اشار لها هيجل لا يبقى معنى للواقع أن يكون مؤثرا بالوعي، ولا معنى للوعي أن يكون نتاجا للواقع حسب ماركس. هنا نجد هيجل يؤكد على أن الوجود هو إدراك ذاتي لذات عارفة وهو منطق فلسفي سليم لا علاقة ترابطية له مع الجدل الواقعي الموضوعي الذي يجري كقانون طبيعي خارج إدراك الذات لحصوله.. علاقة الذات مع مدركاتها المادية علاقة تخارجية تكاملية معرفية بينهما وليست علاقة جدلية.

عندما يرى ماركس العكس من ذلك أن الوعي هو ناتج إدراك الواقع المادي الذي نعيشه في اسبقيته على تفكيرنا، فهذا ليس معناه ضرورة ربط المادة بالفكر على مستوى تناقض جدلي يجمعهما يقود لناتج حصول متغيرات جديدة وإنما هنا الاختلاف بين هيجل وماركس على مستوى (وعي) و(معرفي) للواقع وليس على مستوى الجدل بينهما.

الجدل المزعوم بين الواقع والفكر هو وهم غير قائم للأسباب الآتية:

الواقع والفكر ليسا قطبي تناقض تجمعهما مجانسة نوعية ماهوية واحدة تدخلهما في تناقض جدلي بمعزل عن ارادة الانسان. فالجدل في حال اثباته قانونا طبيعيا ثابتا كمثل قوانين الطبيعة الاخرى فهو يعمل باستقلالية تامة عن ارادة الانسان وإدراك الذات. وحضور العوامل الموضوعية كعامل مساعد في عملية جدل ديالكتيكي هي الاخرى تكون فاعليتها ليست مستمدة من رغبة انسانية سابقة عليها بل من حاجة جدلية تتطلبها.

قوانين الجدل في حال جرت البرهنة عليها على صعيدي المادة والتاريخ. عندها تصبح وقائعا يتم الجدل فيها خارج ارادة الانسان، ولا معنى لتخارج الوعي المعرفي مع الواقع في خلق الجدل. حينما يعبر هيجل " الجدل وعي ذاتي " فهو كان يرغب خلق جدل فكري غير متأكد من إمكانية حصوله ماديا أو تاريخيا. لتوضيح سبب رجحان مثالية تفكير هيجل أن الجدل يحصل بالفكر فهو ربما كان يدرك أو لا يدرك هيجل أن الفكر لا يجانس المادة بالماهية والصفات كي يرتبطان بعلاقة جدلية وليس بعلاقة تخارج تكاملية معرفية.

الجدل يتسم بحقيقتين اثنتين هما أنه يحصل خارج الادراك الذاتي له، وأنه لا يحتاج الذات الانسانية في استكماله عملية الجدل في داخله لإنتاج مركب ثالث أو ظاهرة جديدة.

لذا إدانة هيجل أن الفكر أو الوعي ليس بمقدوره تغيير الحقائق المادية على الارض هي في حقيقتها صحيحة تمثل قمة المادية وليس المثالية. وهي لا تعطي الجدل جواز مرور حينما لا تعتبره أي الجدل قائما حينما يكون هناك للذات إمكانية إدراك الاشياء والموجودات في العالم الخارجي.

لا يوجد مؤشر برهاني حقيقي تجريبي واقعي مدّعم برهانيا أن هناك جدلا يجري داخل ظواهر وقائع العالم الخارجي بغية وجوب تطورها، كما وليس هناك ما يدلل تجريبيا قاطعا، أن يكون هناك جدلا طبقيا يحكم التاريخ، وليس هناك علاقة جدلية تربط الفكر بالمادة أو بالتاريخ طالما الجدل قانونا طبيعيا موضوعيا يجري بمعزل عن الارادة الانسانية، وأن الجدل هو أحد القوانين العلمية والتاريخية المكتشفة بالطبيعة وليست المخترعة تنظيرا فلسفيا. والاهم انها لا يمكن إدراك حصولها فلم يعد كافيا القول ان تناقض مصالح طبقة العمال والشغيلة تدخل في صراع جدلي تناقضي مع طبقة المالكين الرأسماليين تنتج عنه ظاهرة ثالثة جديدة مستحدثة متطورة.

كما المحت سابقا مقولة هيجل التي مررنا عليها " الجدل وعي ذاتي" يمنحنا برهانا حقيقيا أن الجدل هو وهم افتراضي يحكمه التنظير الفلسفي، وهو ليس قانونا طبيعيا مثل بقية قوانين الطبيعة التي اكتشفها الانسان وبنى علها ثوابت علمية بعد تأكده من حصولها في الطبيعة وفي الكوني، وهذا مالا ينطبق على الجدل الذي بني عليه ماركس وانجلز تطورات التاريخ البشري بشكل إعتسافي لأنه كانت التنظيرات الفلسفية سابقة على قانون الجدل الموجود على صعيد الفكر فقط  كما قال هيجل وليس على صعيد تطور التاريخ الانثروبولوجي المادي كما اراد ماركس.

-يتبع-   

 

حاوره: ا. مراد غريبي

المثقف – مرايا فكرية

26 – 10 – 2021م

 

2916 علي اليوسف ومراد غريبيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية من مرايا فكرية مع الباحث الفلسفي المفكر الأستاذ علي محمد اليوسف، وحوار شامل  أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:


المحور الثاني: الفلسفة والدين

س17: ا. مراد غريبي: ما هو رأيكم في اهم بوادر الاهتمامات الفلسفية بنشوء الأديان، وانت تناولت أفكار فيورباخ حول هذا الموضوع، نود تلخيصها لنا. وهل لا زالت الاسبقية الراجحة في الايمان الديني للفلسفة أم للاهوت؟ وهل كان للطبيعة دور ديني قامت به؟

ج17: ا. علي محمد اليوسف: بداية أود التنبيه هنا الى أن افكار فيورباخ في كتابه أصل الدين هي قراءة فلسفية تعتمد الطبيعة والذات في منهج تصوفي تأملي، وما هو مستجد حديثا ظهور علم متخصص في نشأة وتطور الاديان يدعى (علم الأديان) وهو علم لا يأخذ:

- باجتهادات التفلسف في نشأة الاديان،

- ولا بمدونات اللاهوت الذي لا تسعف ادعاءاته اكتشافات آثارية واركيولوجيا التاريخ،

- ولا الايمان بالمعجزات الدينية.

 لكن مع هذا تبقى آراء فيورباخ الفلسفية حول نشوء الاديان تمتلك من الاثارة الشيء الكثير الذي لا يتوفر عليه علم الاديان باعتباره علما لا يقوم على نظريات تجريدية غير تجريبية ولا على فلسفات أو تنظيرات غير مدعمة بإسنادات اركيولوجية وتنقيبات حفرية.

الفلسفة تقول ما تعجز عنه بقية الاجناس الفكرية قوله أو التعبير عنه لكنها ليست علما طبيعيا خاضعا للتجربة..                     

س18: ا. مراد غريبي: إذن ماذا عن الطبيعة ونزعة التدّين البدائي؟

ج18: ا. علي محمد اليوسف: يقول أحد الفلاسفة المعاصرين في معرض حديثه عن تعالق الدين واللغة عند الفيلسوف بروديكوس (إن الانسان البدائي والذي بدا له أن كثيرا من الظواهر الطبيعية معادية له، ومع ذلك كان معجبا جدا بالهبات التي تزوده بها الطبيعة لتسهيل حياته ورفاهيته). وفي تعبير ظريف ليوربيدوس: أنه يتوجب على الارض أن تثمر شيئا لإطعام قطيعي سواء اكانت الطبيعة راضية أن تفعل ذلك أم لا.

هذه الطبيعة المادية في مجموع تكويناتها وتنوعاتها الارضية، لم تكن طبيعة جامدة (روحيا) بمعنى الثبات والسكون الفيزيقي الذي يعدم تساؤلات ما وراءها، تساؤلات الانسان الكائن النوعي في ذكائه المتفرد به عن باقي المخلوقات والكائنات، (عقليا - روحيا) خياليا تأمليا ميتافيزيقيا فيما وراء ظواهر الطبيعة المادية.

يقول فيورباخ (ان مصير الانسان هو ارادته وتفكيره، وبمجرد ان يتخطى المرحلة البدائية، ويصبح كائنا يقرر مصيره على اسس وقوانين تتسم بالحكمة والعقل، عندئذ تظهر له الطبيعة والعالم كشيء يعتمد على فكره وارادته وتأثره بهما). وبحسب فيورباخ: حين يرتقي الانسان بفكره وإرادته فوق الطبيعة، فانه يصبح خارقا للطبيعة، ويصبح الاله ايضا خارقا للطبيعة. هنا يتوجب التنبيه ان لا الخالق الغيبي في السماء، ولا الاله الانساني مجسدا بالإنسان نفسه في محاولته تسيّد الطبيعة، يستطيع خرق قوانين الطبيعة لتلبية رغائب الانسان، ماعدا ما جاء كمعجزات منسوبة للأنبياء لتدعيم ايمان الناس بهم. اما الانسان العادي الذي لا يمتلك معجزة او معجزات فانه سيكون محكوما بقوانين الطبيعة في الزمان والمكان ولا يقوى على خرقها منذ بدء الخليقة والى اليوم.

وليس بمقدور الطبيعة خرق قوانينها ايضا من أجل تلبية حاجات الانسان أبضا، فهي من جهة لا تعي ذاتها ومن جهة اخرى لا تعي وجود الانسان المتمايز عنها، لكن بمقدور الانسان منفردا خرق قوانين الطبيعة من اجل رغائبه واشباع حاجاته وملذاته، إذا ما توفرت له صفات الالوهية كما خلعها عليه فيورباخ من خلال علوّه واعلائه الانسان على الطبيعة وتنصيبه الها عليها. وهذا لا يتم الا في وعي الانسان لذاته كائنا مميّزا عن كائنات الطبيعة الاخرى من حوله، وكونه جزءا من الطبيعة متمايز عنها متعاليا عليها لا أن ينقاد لها بل هو يقودها.

 إن انتقال الانسان من الحالة الحيوانية الانقيادية للطبيعة، هو انتقال نوعي مفارق عن علاقة تكيّف وانقياد الحيوان لها، فحين يعلو الانسان فوق الطبيعة، فبماذا؟ وكيف؟ فهو يعلو عليها بخاصيتي الذكاء النوعي والتخيّل اللتين لا يمتلكهما الحيوان في علاقته المتكيّفة مع الطبيعة المهادنة لها. وبهذا يتسيّد الانسان الطبيعة، ويكون تعامله معها غير متكيّف سلبيا انقياديا لها كما عند الحيوان، لذا نجد الانسان في علاقة رأسية احتدامية متصارعة مع الطبيعة.

وبهذا النوع من العلاقة نجد الانسان يعلو على الطبيعة ولا تعلو هي عليه، رغم ضآلة وجوده الكياني وقدراته المحدودة امام لا محدودية الطبيعة في متخيّله الارضي لها وفي امتلاكها من موجودات حياتية منوعة لا حصر لها مذهلة في نسقها المنظم.

س19: ا. مراد غريبي: أي أنه بعد مراحل تاريخية، اخترع الإنسان اللغة أو حقق تميزه النهائي على الطبيعة؟

ج19: ا. علي محمد اليوسف: أكيد، بل لمن المهم ان الانسان في مراحل تاريخية متقدمة في وجوده الانثروبولوجي تمكن من اختراع اللغة في اعتلائه ظهر الطبيعة. فأصبح الانسان متمايزا عن الطبيعة في كونه يعي ذاته ويعي الموجودات في الطبيعة من حوله، وكونه كائنا مفكرا لا تجاريه الطبيعة به أيضا، وكونه اي الانسان متمايزا عن الطبيعة بالخيال الذي تفتقده الطبيعة والكائنات الاخرى من حيوان ونبات وجماد، والصفة المتمايزة الاخيرة للانسان والتي لا تمتلكها الطبيعة وكل موجوداتها انه كائن ناطق يتواصل مع غيره باللغة واحساسه بالزمن كتجريد لا يفهمه المعدوم لدى الحيوان الذي يستطيع إدراك الزمن المتحكم بتغيرات الطبيعة.

وأكثر مما ذكرناه فان فيورباخ يصف الآلهة والتوحيد الديني قائلا ما معناه، أن التأليه أو التوحيد لإنسانية الطبيعة الالهية بمعنى انتساب الطبيعة للإنسان، وليس انتسابه هو وتبعيته لها. انما ينبعان فقط من ربط الانسان الطبيعة بذاته، لأن الطبيعة تخضع نفسها للانسان دون ارادة ولا وعي منها، بعكس الحيوان الذي ينقاد للطبيعة من دون وعيه بها أو هي تعيه، كما أن الطبيعة غير ملزمة، ولا تعي أهمية تنفيذها لرغائب الانسان وتلبية احتياجاته منها، كما وليس  بمقدور الطبيعة خرق قوانينها التي تحكم الوجود الطبيعي رغما عنها أودون دراية منها، وفي استقلالية عن الانسان، من اجل تحقيق ما يحتاجه الانسان منها كما اشرنا سابقا، لسبب يجهله الانسان كما تجهله  الطبيعة أيضا، الانسان يعيش الطبيعة من اجل تلبية غذائه وادامة بقائه دونما وعي منها، وكذا الحال مع الحيوان في علاقته بالطبيعة.

 ان الانسان البدائي القديم لم يدرك أن الطبيعة تختلف عنه جوهريا في انها لا تعي ذاتها ولا تعي وجود وظواهر الاشياء من حولها بخلاف الانسان عن الطبيعة في وعي الانسان ذاته ووعيه المحيط والموجودات من حوله في تساؤل سببي ودهشة.

ومن منطلق تجاهل الجدل الحاصل في أن الطبيعة خالقة لنفسها وقوانينها على وفق الانتخاب الطبيعي الدارويني والتطور البيولوجي والأنثروبولوجي للانسان والطبيعة، أو اعتمدنا المنحى الايماني الديني أن الله هو خالق الطبيعة ومنظّم قوانينها بإحكام لا تدركه الطبيعة ذاتها ولا الانسان أيضا، فالطبيعة تبقى (أم) الانسان في رضاعته منها، وكذلك ام الحيوان والكائنات الاخرى في تامين بقائها وتوفيرها الغذاء والبيئة في ادامتها بقاء الانسان والكائنات الاخرى وحمايتها لهم من الانقراض.

نجد من المهم التذكير بان الطبيعة التي تنتج وتسود قوانينها التي تحكمها هي والانسان معا، لكن الطبيعة لا تصنع تلك القوانين في إدراك اهميتها للانسان واشباع رغائبه واحتياجاته، أي أن قوانين الطبيعة التي تعمل بمعزل عن ارادة الانسان في توفيرها وسائل بقائه وتلبية احتياجاته المعيشية له وللحيوانات معه كافة، هي ايضا لا دخل لعدم وعي الطبيعة بها أو بصنعها ووجودها، تلك القوانين الثابتة التي تحكم الانسان والطبيعة وحتى الكوني ايضا.

وفي الوقت الذي يندهش الانسان بالطبيعة، في تساؤله من اوجدها وكيف؟ فالطبيعة لا تمتلك جوابها لانها لا تعي كيف وجدت ومن اوجدها. كما ان الانسان لا يقوى حل لغز حياته هو في وجوده الارضي في تعايشه مع الطبيعة والكائنات الاخرى منذ بدء الخليقة والى يومنا هذا.

س20: ا. مراد غريبي: الدكتور علي اليوسف، هناك مقولة لفيورباخ (فإن الآلهة قادرة على فعل ما يرغب الانسان، بمعنى انها تطيع وتلبّي قوانين (قلب) الانسان وليس عقله، فعلاقة الانسان بروحه، تعادل علاقة الآلهة بالعالم المحسوس).ماذا يقصد بلحاظ النزعة الدينية لدى الإنسان؟

ج20: ا. علي محمد اليوسف: هذه العبارة مشبّعة برؤى ميتافيزيقية ولا تقول أكثر من ان الانسان مبتدأ ومنتهى الدين، فكلتا العلاقتين علاقة الانسان بروحه، وعلاقة الانسان بالآلهة هي علاقة افتراضية خيالية معدومة التحقق ولا فارق بين العلاقتين لان مصدر خلقهما هو الانسان فقط في وعيه ذاته والطبيعة من حوله. وبالتالي هي علاقة الانسان مع نفسه فقط ولا وجود لآلهة تعلو الانسان الا تلك التي وضعها الانسان في موقع الاله المقدس المعبود في علاقة خياله بالطبيعة حسب فلسفة فيورباخ.

وتأكيدا لما ذهبنا له من جهة ثانية فعلاقة الانسان بروحه علاقة وجدانية ذاتية نفسية لا وجود حسّي او ادراكي مادي عقلي لها، لذا هي تعادل علاقة الآلهة الافتراضية بالمحسوسات والماديات والطبيعة والعالم التي ايضا هي غير موجودة سوى في مخيّلة وتفكير الانسان فقط. فالانسان يعبد ما يتخيّله هو فقط حسب حاجته الروحية او المادية، ويؤمن بمعبوده بروحه المجردة وليس بعقله في كل ما يصنعه له خياله.

إذا ما علمنا أن فيورباخ فيلسوف وشاعر أيضا، أدركنا مدى قدرته الفكرية وقابليته الساحرة على تطويع لغة الفلسفة بألفاظ تعبيرية شفافة موحية تتوارى خلفها المعاني. فقد وضع فيورباخ نزعة التدين عند الانسان مستودعها (القلب) وليس العقل ولا تزال هذه الحقيقة النظرية مسّلم بها دينيا في جميع لاهوت وثيولوجيا الاديان والاساطير والفلسفة.،

فالعقل بمدلولاته الادراكية والحسّية والخيالية الذهنية، لا يتوسّله الانسان في محاولة الاستدلال المنطقي ولا الحسي التجريبي في اشباعه نزعة التدّين عنده، وانما يستعمل عقله في التساؤل التأملي التجريدي الخيالي في ترسيخ ايمانه الغيبي فقط، ولا زالت هذه الفرضية تغلب على تديّن أكثر الموحدين لله، ان الايمان الديني مصدره القلب وعجز العقل في الاستدلال على تثبيت الايمان الروحاني ببراهين عقلية او سببية عليّة.

فالانسان يعمل عقله حسّيا وخياليا بعكس الحيوان الذي يدرك الطبيعة عقليا محدودة جدا، وحسّيا مباشرا في تامين الطبيعة ما يحتاجه في غذائه فقط، ولا يمتلك الحيوان قابلية ولا قدرة إعمال العقل خياليا تجريديا حتى في واقع حال تعطيل اللغة عنده..

لذا الانسان يمتاز عن الحيوان بانه كائن ديني او متديّن كونه كائن عقلي مفكر وكائن خيالي في وقت واحد. اي هنا الانسان يدرك مفهوم الزمن والمكان من خلال اعمال مخيلته في التفكير الخيالي في استقرائه بعض ملامح مستقبله.

لنمعن النظر جيدا في العبارة التالية لفيورباخ: (إن الانسان يفعل من خلال الله، ما يفعله الله حقيقة بنفسه) ص96 من كتاب اصل الدين لفيورباخ، هذه العبارة المكتنزة فلسفيا لا تحمل اكثر من تأويل اوحد وحيد يمثل معنى، كان بدأه فيورباخ في بداية كتابه اصل الدين، من أن الآلهة مصنّعة خياليا من قبل الانسان، وليس هناك من وجود الهي من غير تأمل الانسان وإعمال عقله الخيالي في ما وراء الطبيعة، وايمانه بتخليق ما كان قد ابتدعه خياله انطولوجيا، في تحميل معبوده جميع الصفات الذاتية التي يخلعها الانسان عليه، على إلهه المصنوع خيالا ميتافيزيقيا من قبله.

ان عبارة فيورباخ هذه في تأويلها بمنهجية علوم اللغة في المسكوت عنه الذي يتخّفى فائض المعنى فيها دائما خلف المفردات اللغوية، تلخيصها يكون بأن الاله والانسان هما وجود انطولوجي واحد هو الانسان فقط في معايشة خياله في علاقته بكل من الطبيعة والميتافيزيقيا. ولا يختلفان الا بأهمية الخيال الانساني في البحث عن الامان الروحي في الدين في حين لا تحتاج الآلهة ذلك.

إن جميع المصادر البحثية في نشأة الدين تذهب الى بداياته حتى مراحل الوثنية قبل الاديان السماوية تشير الى الشرق العراق السومري والبابلي ومصر الفرعونية والهند والصين وفلسطين، ثم انتقلت الاديان الوثنية والميثولوجية والاسطورية والسحرية الى بلاد اليونان والرومان والقرطاجيون والفينيقيين الى ما قبل ظهور اليهودية والمسيحية عن طريق فتوحات الاسكندر المقدوني للشرق حوالي 320 قبل الميلاد.

فعلى لسان هيرودوتس يذكر فيورباخ في كتابه أصل الدين (انه في الشرق يقلل الانسان من قيمة نفسه الى مستوى الحيوان كي يثبت ولاءه الديني، ما عند الاغريق والرومان فأن تأكيد الانسان لكرامته تضعه في مصاف الآلهة). ص100 من كتاب أصل الدين.

طبعا في هذا مغالطة آرية عنصرية عرقية، اذ الى وقت ليس ببعيد تاريخيا فأن الاغريق كانوا يضّحون بالأطفال قرابين للآلهة زيوس او جوبتير كما كان يفعل (آخيل) او غيره من وثنيي الارباب ولم تكن تحسب تلك حيوانية دينية، بعدها بزمن ايضا ليس ببعيد كانت قبائل الفايكينغ تضحي بالقرابين الآدمية ارضاءا للإله ايتش. وأخلاقهم اليوم من أرقى وفي مقدمة دول العالم حضاريا الذين هم شعوب الدول الاسكندنافية الذي يعتبر نموذج الحياة الإنسانية عندهم ارقى نموذج حضاري وصله الانسان على امتداد تاريخه.

س21: ا. مراد غريبي: لماذا رفضت الماركسية طروحات فيورباخ حول الصوفية التأملية في الدين وعارضتها بشدة رغم انها فلسفة تمتلك نزعة مادية تتجاوب مع الماركسية في جدل الديالكتيك؟

ج21: ا. علي محمد اليوسف: لا يمكن لأحد نكران أن المعارف والفلسفات وحتى العلوم الإنسانية، هي تراكم معرفي وحضاري تاريخي محكوم بالكم والكيف، في تقادم زمني لا يلغي تماما جهد السابقين على اللاحقين تاريخيا، مهما اعتور وشاب تلك المسيرة من النقد والمراجعة والحذف والتفسير والتفنيد.،. إلخ، كما يتعذر ولادة معارف علمية أو فلسفية من فراغ سابق عليهما.

طبعا من المتوقع جدا أن يكون فيورباخ المادي المنشق عن هيجل، وينحى نحو اشكالية علاقة الدين بالإنسان وان كانت علاقة ميتافيزيقية وليست مادية فهي كانت من صنع الانسان وحده. حاربت الماركسية ممثلة بماركس وانجلز صوفية فيورباخ التأملية الدينية نتيجة الفهم الخاطئ الذي تحمل فيورباخ وزره عندما نسبت الماركسية له اعتبار انثروبولوجيا التطور الانساني في مراحل تاريخية ماضية سحيقة كان مبعثه اهمية الدين في تطور تاريخية الوجود الانساني وليس كما تريد الماركسية اثباته ان الاساس المادي لأنثروبولوجيا الانسان هو صراع التفاوت الطبقي الاقتصادي والاجتماعي الذي حكم التاريخ في مختلف العصور والازمان بما أطلقت عليه الماركسية المادية التاريخية.

س22: ا. مراد غريبي: كتبتم عدة مقالات عن مذهب وحدة الوجود في الصوفية والفلسفة لدى اسبينوزا بالذات هل يمكن توضيح علاقة هذا المبدأ بكل من الدين والفلسفة؟ ومن يحدد فهم الانسان الايماني الجوهر أم معجزات اللاهوت الديني؟ وما هو الفرق بين مذهب وحدة الوجود عند هيجل وسبينوزا؟

ج22: ا. علي محمد اليوسف: مذهب وحدة الوجود لا تنحصر مداولته فلسفيا فقط بعيدا عن الأديان حيث لا يخلو دين من الاديان في العالم قديما وحديثا من مذهب وحدة الوجود والفرق الصوفية التي تدين به. ومذهب وحدة الوجود مبحثا إشكاليا على صعيدي الاديان والفلسفة على السواء. وتختلف معالجته في تداخله بين الدين والفلسفة، ونتطرق بهذه الاجابة الى مفهوم وحدة الوجود في فلسفتي اسبينوزا المثالية وهيجل ألتأملية المادية. مذهب وحدة الوجود عند اسبينوزا يشبه الى حد كبير وحدة الوجود عند هيجل.. وأكثر مما يشبه وحدة الوجود عند الهنود المايا، ويقرّ هيجل على أن اسبينوزا كان محّقا الى حد ما عندما تصّور المطلق جوهرا واحدا، لكن المطلق بالفهم الفلسفي الهيجلي أبعد ما يكون عن فهمه أنه جوهر إلهي كما هو في فلسفة اسبينوزا. لذا نجد هيجل يؤكد، وجوب معاملة الجوهر "ذاتا" وليس هناك شيء بالمطلق لا يكون عقليا، من الممكن معرفته وتصوره عقليا...

وحدة الوجود عند اسبينوزا حين يلتقي مع فهم هيجل، فهذا مؤشر على وجود إختلاف جوهري كبير بينهما يصل مرحلة التضاد. أهمها بداية أن أسبينوزا يفهم وحدة الوجود فلسفيا بمرجعية لاهوت الإيمان الديني بالخالق خارج الإيمان بالمعجزات، في حين يعمد هيجل فهم وحدة الوجود من منطلق فلسفي مادي على صعيد الفكر لا ديني يقوم على وحدة الادراك الكليّة العقلية في نزعة واقعية مثالية ليست ميتافيزيقية.

اسبينوزا يرى بالمطلق الأزلي الشامل الإلهي جوهرا لا يمكن إدراكه فهو خالق غير مخلوق، دلالته ندرك الجواهر الاخرى في الطبيعة والاشياء. بينما نجد النزعة العقلية لدى هيجل تذهب خلاف اسبينوزا أن الله والطبيعة والانسان والميتافيزيقا تقوم على فكرة مطلقة واحدة عقلية لا دينية تجد أنه لا يوجد شيء حتى الروح لا يطالها الإدراك العقلي. فكرة المطلق الهيجلية تجدها تمّثل مدركات موجودات الواقع في كل شيء يدركه العقل.

مفهوم الجوهر يختلف تماما بين الفيلسوفين، فنجد هيجل متناقضا مهزوزا في فهمه الجوهر الذي يقصده اسبينوزا ولا يؤمن به، حيث يقول هيجل: اسبينوزا على حق في إعتباره المطلق هو جوهر لا يمكن إدراكه، ليعود ينقض قوله هذا أن المطلق لا يلتقي الجوهر وهو خال من جوهر لا يدركه العقل. تناقض هيجل يتعدّى هنا مفهوم الجوهر في الوجود الى الفكرة المطلقة التي يطال فيها العقل كل شيء. هيجل يرى المطلق هو الواقع الذي يدركه العقل. مطلق وحدة الوجود عند هيجل هو مطلق إدراك العقل لكل شيء يكون موضوعا لتفكير العقل به. الفكرة المطلقة عند هيجل لا يمكن تحديدها فهي الوجود والصيرورة وهي الكيف وهي الماهية وهي الطبيعة والفكرة الشاملة.

هيجل لا يؤمن بجوهر مثالي غير عيني غير مدرك لا على مستوى الطبيعة ولا على مستوى المطلق الكوني الالهي. لذا يدعو الى معاملة الجوهر "ذاتا" يمكن حدّها وإدراكها العقلي المباشر في التعامل معها، هو خلاف صميمي بالإجهاز على فكرة اسبينوزا وجود جوهر كليّ شامل متكامل نعرف الوجود كاملا بدلالته. حينما نعامل الجوهر) ذاتا) كما يرغب هيجل نعامله كمدرك عقل، يمكن تذويته بالموجودات التي ندركها على أنها صفات خارجية هي ماهيّة لا يحتجب جوهرا وراءها، وهذا ينطبق على الحيوان والنبات والجمادات التي تكون جواهرها هي صفاتها الخارجية المدركة في ملازمة وجودها الواقعي. لذا يوجد من يعتبر كائنات الطبيعة ما عدا الانسان جواهرها الماهوية تسبق وجودها في الطبيعة وعلاقة الانسان بها أحدهم اسبينوزا. بخلاف الانسان وجوده المادي يسبق ماهيته كما رسّخت ذلك الفلسفة الوجودية الحديثة. نستدرك أن معظم الفلسفات المعاصرة والحديثة تذهب الى أن جميع كائنات الطبيعية هي بلا ماهية ولا جوهر خفي، وصفاتها الخارجية المدركة هي ماهيتها وجوهرها ايضا. وهو ما اؤكد صحته بقناعتي.

إعتبار الجوهر ذاتا كما يدعو هيجل يعني يمكن إدراك جواهر كل الاشياء عقليا حسّيا كصفات خارجية للموجودات، وإذا سحبنا هذا التصور التذويتي في تشييء الخالق الجوهر المطلق (ذاتا) عندها يتاح للعقل إدراكه وينسف معنى التصور الديني الاسبينوزي أن الجوهر لا يدرك عقليا بل يحدس بمخلوقاته وموجودات الطبيعة. والجوهر عند اسبينوزا هو سبب الموجودات وليس نتائج محتوياتها. ولا يدرك الجوهر الإلهي بدلالة موجوداته بخلاف ما يعتقده العديد من الفلاسفة.

اسبينوزا يعتبر الجوهر الانساني سابقا على الوجود الشيئي بخلاف الفلسفة الوجودية تماما، بمعنى ما عدا الانسان الذي لا يمكننا معرفة جوهره من ناتج ومحصلة إدراكنا لصفاته الخارجية، وجود الانسان سابق على ماهيته وجوهره الذي هو تصنيع ارادة ذاتية خاصّة بالإنسان في حين نجد الحيوان والنبات والجمادات لها صفات فقط خالية من إحتجاب جوهر داخلها، وماهيتها كصفات وسائلية للانسان تسبق وجودها الانطولوجي. كل شيء تحتويه الطبيعة ما عدا الانسان هي موجودات لا تمتلك جوهرا.

نجد من المهم توضيح أن هيجل لا يأخذ مذهب وحدة الوجود وسيلة الكشف عن شك يفقد برهان الوصول لإيمان ديني، بوجود الخالق كجوهر نعرفه بدلالة الاعجاز التنظيمي في موجودات الطبيعة، فالفكرة المطلقة عنده هي الكلّي الشمولي الادراكي، وهي كل الواقع والكوني الذي في قدرة العقل إدراكه. ليس للبرهان على وجود مطلق كوني إلهي لا يدركه العقل حسب مفهوم اسبينوزا، وهو خالق الطبيعة وقوانينها الثابتة التي تحكمها بكافة تكويناتها من ضمنها الانسان.

هيجل لا يؤمن بميتافيزيقا خارج الطبيعة والمطلق الكوني رغم نزعته الفلسفية المثالية التأملية. لكنه يبقى ماديا.  ولا يوجد ما هو خارج قدرة العقل على إدراكه. والطبيعة والكوني حسب هيجل أنهما القوانين التي تحكمها ويدركها العقل كونه جزء من الفكرة المطلقة إن لم يكن هو كل تلك الفكرة.

س23: ا. مراد غريبي: وماذا عن عبارة سارتر "جوهر الإنسان الحقيقي بلا جوهر"؟

ج23: ا. علي محمد اليوسف: جميل جدا، هذه العبارة لسارتر (جوهر الانسان الحقيقي أنه بلا جوهر) وقفت عندها متأملا من السهل جدا أن نحسم خطأ العبارة بمصادرتها من نهايتها، ونقع نحن أيضا بالخطأ مع سارتر، أن الانسان لا جوهر له في حين هو يمتلك جوهرا قيد التكوين والتصنيع مدى الحياة حسب فلسفة سارتر الوجودية نفسه. وكي نناقش العبارة نقول الانسان يمتلك كينونة وجوهرا، لكن متى يكون الانسان فاقدا جوهره ومتى يكون مالكا له؟

هذا يتوقف على المرحلة العمرية للانسان ويتوقف على موقفه النفسي الصحّي، فالطفل يولد موجودا بلا ماهيّة ولا جوهر، والجوهر الانساني في جميع المراحل العمرية هو عملية تصنيع ماهوي تلازم الانسان منذ الولادة والى الممات. أما المجنون فيكون يمتلك وجودا لا جوهر حقيقي طبيعي سوّي له.

تصنيع الجوهر عند الانسان يقوم على ركائز:

* الأولى: أنه يعي ذاته عقليا طبيعيا كموجود في عالم،

* الثانية: يعي مدركاته الخارجية بنوع من المسؤولية التي تتطلب قدرة على إمتلاك الحرية في إتخاذه القرار الصائب.

* الجوهر الانساني ماهيّة يشّكلها الوعي الذاتي والمحيطي الطبيعي وتتجلى في صورة سلوك مجتمعي هادف بالحياة.

عبارة سارتر (جوهر الانسان الحقيقي انه بلا جوهر) هي تعارض وجهة نظره ان الانسان يصنع ماهيته وجوهره بقواه الذاتي المستمدة من خبراته التراكمية المكتسبة من الحياة طيلة سني عمره من الولادة وحتى الممات. لكن كيف لنا تمرير هذا التناقض ان الانسان لا يمتلك جوهرا حقيقيا، سبق لي في مقالة منشورة لا يحضرني عنوانها عللت العبارة صحيحة إذا ما اخذت ضمن اشتراطين اثنين، الاول ان الجوهر حسب فلسفة سارتر تصنيع ذاتي يلازم الانسان سني عمره إذن الجوهر هو ليس معطى يمكن الاستدلال عليه بل هو سيرورة من الانتقالات والتحولات في حياة الانسان الاستبطانية الداخلية لذا لا يمكننا الحكم على جوهر لا يتسم بالثبات معرفيا. السبب الثاني وايضا بدلالة فلسفة سارتر الانسان نزوة طارئة لم يكن هناك حاجة لوجودها لذا فالإنسان في كلتا الحالتين بجوهر وبلا جوهر هو وجود لا معنى له.

س24: ا. مراد غريبي: هذا أستاذ علي، يحتاج إلى توضيح أكثر، إذا ممكن تقديم أمثلة؟

ج24: ا. علي محمد اليوسف: بالرحب والسعة أستاذ مراد... الوجودية تؤمن أن الانسان موجود طبيعي نوعي قبل أن يكون جوهرا خفي، فالإنسان يوجد أولا وبعدها تتشكل ماهيته أو جوهره ذاتيا حسب مؤهلاته وقدراته وإمكاناته الفردية ومميزاته الخاصة به كفرد. يمتلك الانسان جوهرا ماديا مكتسبا مصدره الحياة التي يعيشها وتجاربه وخبراته ومميزاته الثقافية والسلوكية في تكوينه لشخصيته. بمعنى الانسان يصنع جوهره بقواه وإمكاناته الذاتية.

الانسان كائن نوعي موجود بالطبيعة جزء منها متمايز عنها بصفات العقل والذكاء والوعي بالذات والمحيط، إمتلاكه لغة تواصلية معرفية، شعوره بالزمن، والخيال، إدراكه أن الطبيعة تحكمها قوانين طبيعية عامة ثابتة، كما أن الانسان يعي حاجته للطبيعة ولا تعي الطبيعة حاجتها للانسان. وغير ذلك مما تفتقده الطبيعة ويمتلكه الانسان مثل الوعي، المخيّلة، العواطف، الضمير، الأخلاق، الأحاسيس، والمشاعر الخ. أصبحت لدينا مقولة سارتر أن" جوهر الانسان الحقيقي بلا جوهر" صحيحة، تحمل إمكانية تخطئتها كما مر بنا توضيحه.

مثال: هل الحيوان يمتلك جوهرا؟ أم لا يمتلك جوهرا وكيف؟ الحيوان لا يمتلك جوهرا متمايزا عن صفاته الخارجية لا في داخله ولا في سلوكه خارج صفاته، والقول في منطق وحدة الوجود حسب فلسفة اسبينوزا أن جميع الكائنات في الطبيعة من ضمنها الانسان تمتلك جواهر مستمدة من جوهر مطلق خالق لها غير مخلوق وهو فوق إدراك العقل، جواهر يستطيع الانسان إدراكها في مخلوقاته ولا يستطيع إدراكها في خالقها الجوهر الكلي المهيمن عليها، هي نوع من المنهج الذي يصادر برهان تحققه. بمعنى النظام الطبيعي الإعجازي في قوانين الطبيعة الثابتة، يمتلك من القدرة والإمكانية ما هو فوق عقلي، وهذا النظام الإعجازي بالطبيعة لا يعني إمتلاك مكوناته لجوهر دفين موزّعا عليها يشير لوجود خالق عظيم ولا يشير لإثبات وجود موجودات لوجودها في الطبيعة كمظهر وجوهر متكاملين.. هذا التكامل من قبيل الحدس الايماني لا أكثر، إذ هل من المتاح لإدراك عقل الانسان إدراك جواهر الاشياء خارج صفاتها في موجوداتها؟

 الجواب: لا يمكن ذلك لأن تلك الموجودات والكائنات عدا الانسان بلا جواهر خارج صفاتها.

للتوضيح أكثر، الحيوان الذي هو أعلى مرتبة بيولوجية من النباتات والجمادات، فهو موجود بلا جوهر ولا ماهية. لماذا وكيف؟

الحيوان لا يعي ذاته ولا يدرك الطبيعة ويفتقد اللغة وشعوره بالزمن من حوله إلا على نطاق ضيق جدا يتحدد في إشباعه لغرائزه الاكل والتكاثر ودفع الاخطار المحدقة عنه وعن نوعه. الطبيعة هي التي تعطي الحيوان صفاته الخارجية التي هي مجموع كينونته المنفردة كحيوان.

الحيوان لا يمتلك ميزات إنفرادية نوعية كما هي عند الانسان مثل الذكاء العقلي، الوعي الذاتي، إمتلاك اللغة، الإحساس بالزمن وغيرها من صفات.

الحيوان يكتسب صفاته الخارجية من خلال إذعانه المتكيّف بما تمليه عليه الطبيعة من غير إرادتها ولا وعي منها. عدم وعي العلاقة الحيوانية – الطبيعية من كليهما المشّكلين لها هو سبب إمتلاك الحيوان قدرات التكيّف الطبيعي البيئي كي يبقى حيا. وأنثروبولوجيا تاريخ الحيوان تؤشر لنا إنقراض العديد من السلالات البشرية والحيوانية على السواء لفقدانها قدرة التكيّف مع ظواهر طبيعية شديدة القسوة مثل الانهيارات الجليدية والفيضانات، والزلازل، البراكين، وقلة الغذاء وهكذا. التكيّف الطبيعي يمتلكه الانسان والحيوان على السواء لكن بإختلافات جوهرية هامة. إذن علاقة التكّيف الحيواني بالطبيعة يجري بين قطبين هما الطبيعة والحيوان وكلاهما لا يتبادلان الوعي الادراكي بهذه العلاقة بينهما. فالطبيعة لا تدرك معنى تكّيف الحيوان في استمرار بقائه، ولا الحيوان يدرك أن تكيّفه مع الطبيعة لا تعيه الطبيعة ولا تدركه.2916 علي اليوسف ومراد غريبي

س25: ا. مراد غريبي: هل ينطبق ما ذكرته عن الجوهر على النبات والجماد؟

ج25: ا. علي محمد اليوسف: نعم كذا نفس الحال يتكرر مع النباتات في علاقتها بالطبيعة فكلاهما لا يتبادلان الادراك المشترك بينهما. وليس مهما تفتيش الانسان عن جوهر يمتلكه النبات أكثر من إعتبار الانسان للنبات وسيلة الطبيعة في توفير إحتياجاته من الغذاء.

أما الجمّاد الطبيعي غير المصنوع وجوده في الطبيعة من قبل الانسان فلا جوهر له خارج صفاته. وتختلف عن الجمادات التي يصنعها الانسان فهي لسد رغبته بالحاجة لها في تأمين خدمته. فالقلم يحمل ماهية إستخدامه من قبل الانسان قبل تحقق وجوده المادي كقلم، وكذا مع جهاز التلفاز أو مع أي شيء آخر مادي يصنعه الانسان لسد حاجته له، فهو يمتلك ماهية وجوهر وجوده بذهن الانسان صانعه قبل إمتلاك وجوده المادي حينما يكون فكرة صناعية في تفكير الانسان حاجته لها أن يقوم بصنعها فهو يعرف ماهيتها الإستعمالية قبل وجودها المصنوع.

س26: ا. مراد غريبي: نجد أنفسنا أستاذ علي، أمام مفترق طرق بخصوص الجوهر بين تجريد عن المادية من جهة ومادية عقلية من جهة أخرى، وهذا في العمق جدل بين الدين والفلسفة حول ماهية الجوهر، أليس كذلك؟ 

ج26: ا. علي محمد اليوسف: ممتاز، يمكننا إستخلاص أن مفهوم الجوهر في وحدة الوجود الذي يفهمه اسبينوزا وسيلة ميتافيزيقية لتدعيم إيمان ديني بوجود الخالق، ويفهمه هيجل مطلق متعيّن في هيمنة العقل على كل شيء يمكن إدراكه لا وجود له انطولوجيا هو فوق متعال عقلي يدركه العقل ولا يدرك هو العقل؟ فكرة المطلق عند هيجل إدراك عقلي، وفكرة الجوهر لا إدراك عقلي يطاله.  كلا المفهومين فكرة المطلق الذي لا يفهم بدلالة الجوهر، ولا الجوهر يقبل الاستدلال العاجز التعريف به. يصبح معنا كلا المفهومين الفكرة المطلقة والجوهر تجريدان فلسفيان عاجزان عن الوصول للمادة واحتوائها كوجود.

هل يمكننا التساؤل أن خلع توصيف المادية العقلية على مطلق الفكرة الادراكية عند هيجل ينفي الجوهر كتجريد اسبينوزي غير موجود ولا يمكن البرهنة على إثبات هذا الوجود؟ كونه بالمعيار الهيجلي مطلق خارج ذاته، لذا وجدنا مطالبة هيجل معاملة الجوهر كذات أو ذاتيا أي بمعنى الجوهر الإلهي في تذويته بخلاف اسبينوزا يصبح قابلا للإدراك العقلي. ويعود هيجل رد الاعتبار الذي أجهز عليه اسبينوزا الى الرجوع للمقولة التي كانت متداولة فلسفيا لعصور طويلة أن الجوهر يعرف بدلالة الوجود المادي، وليس كما عكس اسبينوزا المعادلة أن الوجود يعرف ويدرك بدلالة الجوهر الذي لا يمكن إدراكه خارج التسليم الايماني الغيبي الاسبينوزي في وجود الطبيعة قبل السماء. لازال الفلاسفة يتغاضون عن التفسير الاسبينوزي حول أن الجوهر مطلق كوني يحتوي كل شيء في الكون، كون هذا التفسير الاسبينوزي يستند الى مرجعية دينية ميتافيزيقية لا تأخذ بها الفلسفة. فالفلسفة ترغب معرفة الجوهر ليس وسيلة إثبات برهاني حدسي ديني، بل بوصفه مبحثا فلسفيا معرفيا قائما بضرورة حسم الجدل النقاشي له.. يذكر بعض المعنيين بتاريخ الفلسفة الى أن هيجل كان يردد دائما مقولة اسبينوزا (كل تحديد هو سلب) بمعنى كل تحديد لمواصفات شيء مدرك شيئيا يسلبه صفاته الايجابية الأخرى، فالتحديد الشيئي هو مدرك متعيّن الصفات، ولا يمكن للفكر المجرد إضافة مواصفات انتزعها التحديد له. تحديد الشيء بمواصفات معينة يعني غلق الإمكانات التجديدية له وجعله كينونة مقفلة.

من الغريب أن نجد كلما أوغل اسبينوزا وشيلنغ في تأكيدهما المطلق هو إدراك عقلي مجرد، بمعنى هوية بلا مضمون في حين يصر هيجل أن المطلق أكثر الاشياء عقلانية إذ يعتبر المطلق محتوى أدراكيا عقليا وليس وسيلة إدراك معرفي بدلالته. يفهم هيجل المطلق أنه يستوعب مدركاته، في تكوينه العضوي الاحتوائي بلا تفريق بين ما هو مادي عما هو تجريدي غير مادي.

المطلق عند كل من اسبينوزا وشيلينغ هو جوهر كلي مجرد عن ماديته، فالجوهر عندهما محض هوية مجردة لا تحتوي المادة، وتعرف كل الاشياء المادية بدلالة هذا الجوهر الكلي الالهي غير المدرك.  وينكر هيجل المطلق هو دلالة بلا مضمون بل هو عيني يحتوي الواقع بكل شيء، ولا يحتويه شيء، وأنكر مقولة شيلنغ "المرء لا يمكن أن يكون أكثر من موجود " أي موجود لا يمتلك جوهرا. وهذه نظرة تجريدية تنزع من الانسان جوهر انسانيته التي تميزه عن باقي مكونات ومخلوقات الطبيعة التي هي فعلا موجودات لا جوهر لها في بقاء الانسان كينونة وجوهر.

س27: ا. مراد غريبي: كيف نفهم رابطة وعي الذات في التجربة الصوفية؟

ج27: ا. علي محمد اليوسف: بداية لابد من طرح التساؤل التالي:

- هل يختلف الادراك الحسي الطبيعي للاشياء عن الادراك الصوفي النفسي لها؟ وللإجابة عليه نرى وجوب التفريق بين المدخلات التالية:

- الطبيعة في صوفية الاديان التوحيدية تأتي في مرحلة متأخرة لاحقة ثانوية على مركزية التقرب من الخالق (الله) فيما يسمى الحلول أو التواصل الصوفي. بخلافه نجد الطبيعة تحتل مركزا محوريا في المذاهب الصوفية الوثنية بخاصة صوفية الزن البوذية التي لا تتطلع نحو السماء بل دائما يكون نظرها على الطبيعة الروحانية في الاشياء وليست الطبيعة بمفهومها المادي.

- فمرتكز الحلول الصوفي في الاديان التوحيدية هو تسامي الذاتية في إعتلائها العالم الخارجي بالانفصال عنه ومحاولة البحث عبر مدارج العرفان والاحوال عن خالق هذا العالم والاقتراب الذاتي منه. وفي طموح لاحق أكثر تسعى تحقيق ما يسمى الحلول الصوفي الاتحادي بالذات الالهية.

بينما مرتكز الحلول في الصوفية البوذية هو الطبيعة بما تمتلكه من كائنات وموجودات كل منها يمتلك خصائص تكاملية مع إدراك البوذي الصوفي الذاتي لها. من خلال التقمّص الصوفي بها ومن خلالها فلكي تعرف حقيقة تأثير الزهرة على النفس وعلاقتك بها عليك أن تكون أنت الزهرة كذات وتمارس من خلالها الدور الصوفي في الطبيعة معا في تبادل متداخل لاشعوري حسّيا مع موضوع الطبيعة المختار..

الادراك الطبيعي للاشياء هو في إنتظام إلانطباعات التي مصدرها الاحساسات الناقلة لاستشعارات الحواس الى الذهن ومن ثم الى الدماغ. هنا الادراك الاحادي الجانب الذي تمتلكه الذات الانسانية والذي لا تمتلكه الخواص الخارجية للاشياء يكون إدراكا (خارجيا) في العلاقة بينهما. بمعنى إدراك الذات الانسانية لمدركاتها خارجيا لا يموضع الذات في موضوع إدراكها حتى لو كان على صعيد تجريد اللغة التصوري الادراكي للاشياء.

إدراك الشيء حسيّا وليس صوفيا لا تعني معرفته ولا تعني الموضعة التكوينية فيه، في مذهب الزن الصوفي البوذي أن تدرك الشيء يعني أن تكونه أنت هو.

والذات خارج التصوف البوذي تدرك حقيقتها في عدم المجانسة النوعية مع موضوعها في الجوهر والماهية. بما يبقي العلاقة الذاتية الصوفية وغير الصوفية بالأشياء علاقة انفصالية ويختلفان في عدم المجانسة النوعية بينهما. (نقصد في عدم المجانسة النوعية بين الذات والموضوع هو الاختلاف بالماهية أو الجوهر وأحيانا الصفات).

بخلاف صوفية الزن التي ترى معرفة الذات الحقيقية تتم في التموضع بالموجودات في العالم الخارجي وفي كائنات الطبيعة في تداخل تكاملي معها وليس في إدراك مادي خارجي يكون فيه كلا الجانبين الصوفي والشيء لا يلتقيان في مجانسة نوعية ماهوية كيفية واحدة.. هنا التقمّص الصوفي البوذي بالأشياء والطبيعة هو تموضع تكويني مع مدركاته.

وهذا النوع من التموضع يبقى مختلفا تجريديا في علاقة الادراك الانساني لموجودات الطبيعية التي يمارسها الشخص العادي لمعرفة عالمه الخارجي. أي يبقى تموضع الادراك الخارجي للأشياء محتفظا بذاتيته الانسانية المنفصلة عن موضوع ادراكها.

هل هذا يقودنا الى إستنتاج خاطئ أن مذهب وحدة الوجود في الصوفية يتطابق تماما مع الحلول الزن الصوفي التقمصّي في الكائنات والاشياء؟

 مذهب وحدة الوجود يرى حقيقة المعبود في الاعجاز الطبيعي بالأشياء، أنها تتمركز حول (الجوهر) المستمد من جوهر الخالق وكلاهما جوهر الذات الالهية الازلية وجوهر الذات المتموضعة في الاشياء كلاهما مدلولان لا يدركان عقليا لا في إتحادهما المزعوم ولا في انفصالهما القائم إفتراضا، ونقول انفصالا إفتراضيا عندما نصطدم بحقيقة تساؤل أين برهان إثبات موجودية جواهر الاشياء فيها بدلالة الجوهر الازلي الخالق لها في توزيعها على موجودات ومخلوقات الطبيعة؟ لا يمكن الجزم القاطع أن وراء كل صفات خارجية لشيء هناك جوهر يحتجب وراءها لا نتمكن من إدراكه. كما أن علاقة صوفية مبدأ وحدة الوجود بالطبيعة هو علاقة الذات انفصاليا خارجيا عنها. وهو ما لا تأخذ به صوفية الزن في حلول الذات في ابسط الاشياء الموجودة بالطبيعة وتقمص التعبير في إدراك الذات لمدركها بحيث يغدو الموضوع هو الذات ولا تفريق بينهما.

س28: ا. مراد غريبي: بناءا على ما تقدم اذن، جاز لنا تمرير الذات هو الموضوع في الصوفية ولا فرق بينهما، وعليه: ما الفرق بين الذات والموضوع ادراكيا طبيعيا وليس حلولا صوفيا؟

ج28: ا. علي محمد اليوسف: الفرق يكون في لغة التعبير فقط في إختلاف الحالتين فلغة التعبير الصوفي الذاتي عن الموضوع ليس هو نفسه تعبير اللغة التجريدية المنفصلة عن موضوعها والمنفصلة عن التعبير عنه.

وتبقى مسافة الانفصال بين الموجودات بدلالة جوهرها بعيدا جدا عن الفهم الصوفي في الزن الذي يرى إدراك حقيقة الاشياء في الطبيعة هو إدراك حقيقة الذات المدركة لها من خلال التموضع في تقمصها الوجودي في صفات الاشياء الطبيعية الخارجية. بمعنى هنا ذات الانسان الصوفي البوذي تصبح هي ذات الشيء الموجود في الطبيعة الذي يتقمصه الصوفي. أن تريد معرفة شيء بالطبيعة صوفيا كما في الزن عليك أن تكون ذلك الشيء هو وتتكلم عنه كهوية تمثلك لا هوية تمثّل موضوع الحلول الصوفي..

اسبينوزا في مذهب وحدة الوجود – وقد اشرت لذلك في أكثر من مقال لي - يناقض جميع الفلسفات السابقة عليه واللاحقة عليه أن الجوهر يسبق الوجود والكينونة وبدلالة أسبقية الجوهر نفهم ثانوية الوجود. هذا الفهم ينسف الوجودية من جذورها في إيمانها بأن الوجود أو الكينونة تسبق الجوهر فيها لدى الانسان، والجوهر أو الماهية هو ليس معطى يكافئ الوجود بل الجوهر لاحق على اسبقية الوجود وبدلالة الوجود نفهم وجود الجوهر.

علما أنه منذ كانط في كتابه نقد العقل المحض وفلسفة الفينامينالوجيا (الظاهراتية) عند هوسرل وتبعتهما الوجودية خاصة عند سارتر وحتى الماركسية كفلسفة وليس ايديولوجيا اقتصاد سياسي ماركسي لم يحسموا مسألة أن تكون الموجودات بذاتها تحمل جوهرا يختلف عن الصفات الخارجية لها. باستثناء سارتر الذي قال الانسان يمتلك صفاتا خارجية هي غير جوهره الذي لا يمكننا إدراكه. ولي تفصيلات شرحت توضيحي لذلك في مقالات لي منشورة عن الماهية والجوهر. ولعل عبارة سارتر (حقيقة جوهر الانسان أنه بلا جوهر) التي مررنا بتوضيحها جعلت من مفهوم سارتر لجوهر الانسان مثل بندول الساعة الذي يؤشر الوقت في الدلالة عليه لا في معرفته ما هو.

أما الإدراك في صوفية الزن البوذية هو إدراك تداخلي غير إنفصالي متموضع تكوينيا داخليا بالأشياء ولا يترابط معها خارجيا بإنفصال تجريدي عنها. بمعنى صوفية الزن لا تعتبر هناك حواجز انفصالية تجعل من ذات الانسان خارج موجودات الطبيعة وإنما تعتبر الذات الانسانية جزءا من الطبيعة يعرف بدلالتها الوعي الادراكي للاشياء في حقيقتها وليس في معرفة الصفات الخارجية لها..

الادراك التموضعي في الصوفية البوذية زن في موجودات الطبيعة تموضع احساس تبادلي في الشعور النفسي أن الشيء المدرك ذاتيا هو الذات الانسانية في تموضعها المادي فيه وليس موضوعها الذي تتحدث عنه. هنا الذات الصوفية لا تجد حضورها الحقيقي بمعزل عن تموضعها الطبيعي في شيء.

بمعنى إدراك الشيء هو أن تكون أنت ذلك الشيء المدرك. في حين نحن ندرك الاشياء والطبيعة بمنظومة الاحساسات التي تبدأ بالحواس وتنتهي بالدماغ في نوع من التجريد التصوري الخارجي المنفصل ادراكيا عن موضوعات ادراكنا الاشياء في وجودها الانطولوجي المادي الخارجي المستقل. في الزن الصوفية الذات هي الموضوع وبالعكس ايضا في إنعدام خاصيتي الانفصال الاتحادي بينهما أولا، وفي إنعدام خاصية التفريق والاختلاف في لغة التعبير الصوفي بين الذات وموضوعها ثانيا..

س29: ا. مراد غريبي: الأستاذ علي اليوسف، بعدما تناولتم موضوع الإدراك لدى صوفية الزن البوذية، هناك سؤال مهم هل فعلا البوذية تعادي العلم؟!

ج29: ا. علي محمد اليوسف: صوفية الزن البوذية تذهب الى أن المعرفة الحقيقية للاشياء في وجودها الطبيعي ليس هو الحقيقة العلمية التي تحققها التجربة، بل الوجود الطبيعي يمنح الانسان طاقة صوفية فنية جمالية استيعابية في التلقي تجعل من المدركات المتحققة علميا طارئا على طبيعة تفكير الانسان الصافي النقي حيث تكون الآلة المصنوعة في العلم تفكيرا بديلا عن الانسان وعملا تطبيقيا يغني الانسان عن صرف طاقته الجسمانية ويعوّده الكسل والخمول والحركة الفاعلة بدل ما تقوم به الآلة وتعفيه من القيام بماهي تفعله له.. هنا تكون الآلة هي النموذج المصنوع للاستغناء عن الانسان كوجود فاعل يقود الآلة ولا تقوده هي.

البوذية تعلم جيدا معاداتها العلم خسارة ما بعدها خسارة أفدح منها لذا عّبرت عن رؤية فلسفية مغايرة تهادن جوهر العلم وتعاديه في تصنيعه الآلة التي سلبت الانسان مزاياه الحيوية في العمل والارادة والخلق الذاتي والطبيعية والنزوع الفطري في اهمية العواطف الوجدانات الروحية في الحياة وغيرها.

س30: ا. مراد غريبي: هل يمكننا القول أن العلاقة بين الإنسان و الطبيعة في صوفية الزن البوذية تتسم بالغموض المعرفي؟

ج30: ا. علي محمد اليوسف: اللاوعي في زن هو الغامض والمجهول بلا شك. ولذا فهو غير علمي أو قبل علمي، ولكن هذا لا يعني أنه بعيد عن متناول وعينا أو شيء لا علاقة لنا به.". اللاوعي حسب صوفية زن هو تداعيات اللاشعور الذي لا تتمكن الوسائل العلمية " تجارب علم النفس" وليس تجارب العلوم الطبيعية المختبرية. التمكن من تحديده فاللاوعي هو مرحلة (قبلية) علمية لكنه في حقيقته في متناول ادراكاتنا الطبيعة والاشياء بصورة سليمة طبيعية وليست صورة تداعيات لاشعورية غير منضبطة. لذا اللاوعي في الزن "هو التدريب تدريبا خاصا لمعرفة الوعي " مثال ذلك "الطبيعة تشق طريقها غير واعية بذاتها ثم يخرج الانسان الواعي منها". اللاوعي في زن هو الفطرة الطبيعية في دخول عالم المادة بوسائل الادراك الشعوري الذي يجعل من اللاوعي متراجعا أمام الوعي به. أما أن يكون اللاوعي هو قبل علمي كونه يصبح لدى الصوفي لا تحققه التجربة العلمية بل تحققه النفس الشعورية. وهذا الفهم لجميع حقائق علم النفس الفرويدي وتوابعه الاجتهادية لا يشير أبعد من تكرار تأكيد ما ذهبت الصوفية له، فاللاوعي تجريد لا يتحقق بوسائل علمية بالنسبة للصوفية لذا هو قبل علمي بمعنى استباق الفطرة الطبيعية فيه على علمية التجربة في معرفته. في جميع المذاهب الصوفية تقاس اهمية الانسان بمعرفته الطبيعية بالفطرية واللاشعورية وتبتعد جدا عن تحويل فهم الانسان للطبيعة يتحتم أن لا يتم بغير تصنيعها من قبله وحسب أهوائه وأمزجته.

والتصور العلمي الساذج هذا لمجرد إثبات حقيقة الانسان هو يقود الطبيعة ولا تقوده هي ولا سيطرة لها عليه. هذا التصور العلمي ساذج في تحديده علاقة الانسان بالطبيعة أنها لا زالت معركة انتصار الاقوى بينهما والحقيقة التي يتجاهلها الانسان العلمي الذي يؤمن بتصنيع الطبيعة كل الطبيعة من اجل خدمة الانسان انجزت لنا الاختلال البيئي والاحتباس الحراري ودرجة ارتفاع حرارة الارض. ان الانسان في جميع مراحل تطوره التاريخي الانثروبولوجي كان منقادا للطبيعة غير قائد لها لأن كل اشكال الحياة في الطبيعة هي علاقة التكيّف معها من أجل إدامة بقائه هو وليس من أجل بقاء الطبيعة على حساب وجوده الافضل.

س31: ا. مراد غريبي: إذن حسب ما تقدم نجد أنفسنا أمام قفزة صوفية، أليس كذلك؟

ج31: ا. علي محمد اليوسف: من المرجح أن أول من استخدم تعبير القفزة النوعية في المجهول الايماني الديني هو سورين كيركجورد حين إعتبر الانتقالة الايمانية الدينية بالخالق تبدأ بقفزة التخلص من صرامة العقل الواقعي المادي الى دخول معترك الايمان القلبي بما يحتويه من تكوينات مثل العاطفة، الضمير، حب الخير، والاخلاق وغيرها، ومن ثم تبلور مفهوم القفزة النوعية التطورية في تطبيقها على المسار التاريخي حيث أكد كيركارد أن المسار التاريخي بلا قفزات نوعية – اطلقت عليها الماركسية الطفرات النوعية – لا يمكنه التطور النوعي في الانتقال من حالة الى حالة اخرى متقدمة عليها ما لم تتخلل مساره التقليدي طفرات تنقله من حالة اعتيادية رتيبة الى حالة اخرى نوعية متقدمة تطوريا عليها. بالحقيقة اراد كيركجورد الرد على مثالية هيجل ومادية ماركس، في اعتبارهما الطفرة النوعية لا تتم الا وفق جدل ديالكتيكي تاريخي.

ما يحسب لهذا السبق لسورين كيركجورد أنه جاء متقدما على الفهم الهيجلي المثالي القريب منه جدا على صعيد التاريخ، ومتقدما ايضا على الفهم الماركسي الذي جعل ماركس من القفزة النوعية في مسار التاريخ تتم ماديا على ارض الواقع وليس على صعيد الايمان الديني القلبي المثالي الذي قال به سورين كيركجورد. ولقى صدى كبيرا لدى فيورباخ.

صوفية الزن البوذية تحاول تطبيق مفردة القفزة التطورية النوعية التي اورثتها للوجودية والماركسية في تفسيرهما التطور التاريخي. كان لسورين كيركارد قصب السبق ردا على هيجل والماركسية القول بالقفزة النوعية وبالتأكيد لم يستقيها كيركارد عن الصوفية البوذية وإن كانت المطابقة معها واردة تماما.

سورين كيركارد يعتبر رائد مخترع الجدل الديالكتيكي المثالي الديني بعد هيجل. وحينما اراد هيجل تطبيق الديالكتيك لم يأخذ بأهمية الطفرة النوعية التي تحكم المادة والتاريخ كما فعل ماركس ومعه انجلز بل أخذ ما أطلق عليه الفكرة المطلقة العقلية. بعدها أنضج ماركس مفهوم الطفرة النوعية في الجدل المادي والتاريخي، حيث جرى تخليصها من النزعة المثالية. أكد كل من ماركس وانجلز أن القفزة النوعية في المادة وفي التاريخ إنما تتم داخل جدل نسقي يجمع بين متضادين توحدهما المجانسة الماهوية الواحدة.

عندما ننظر مفهوم القفزة في اللاوعي الصوفي البوذي (زن) نجدها قفزة ضمن تجانس نوعي يرتبط بفهم الوعي على صعيد تفسير علم النفس المتحرر من ميتافيزيقا الاديان التوحيدية من جهة، والمتحرر من أحكام المنهج المادي الجدلي من جهة اخرى. فهو نوع من النقلة النفسية التي لا تربطها علاقة مع مفهوم القفزة النوعية لا عند سورين كريكارد، ولا النقلة المادية كما هي عند ماركس.

لو نحن حاولنا المقاربة بين مفهوم القفزة الايمانية لدى كيركارد ونقلة صوفية الزن نجدهما متطابقان تماما رغم الاختلاف الديني بينهما. وتجمعهما المجانسة النوعية الواحدة على صعيد الماهية التي هي ان صح التعبير القفزة من عالم اللادين الى عالم جوهر الدين في الايمان بالله. حتى وإن وجدنا القفزة النوعية تخرجها عن الانتظام النسقي الخاص بالدين.

س32: ا. مراد غريبي: ماذا عن ماهية الإنسان في صوفية زن البوذية؟

ج32: ا. علي محمد اليوسف: حسب مفهوم صوفية الزن فالإنسان موجود (فني) يدرك الطبيعة ويحتويها بطاقته الابداعية الفنية التي تتكامل مع اعجاز الطبيعة الفني الجمالي. الانسان ليس موجودا ملقى لا يعرف حقيقة نفسه ولا يعرف حقيقة مصيره، كما ولا يعرف كيف يعيش الحياة بدون ملازمة تأنيب هاجس التعاسة الذي يلازمه طيلة سني حياته. فالانسان مزودا بكل الطاقات والامكانات التي تمكنه من جعل حياته وعلاقته بالطبيعة لوحة فنية تنبض بالحياة والجمال والتفاؤل.

الوجود الفني بالحياة في مذهب صوفية الزن ليس معناه ان يكون كل انسان متخصصا في انتاجية نوع من الفنون التي ينجزها اصحاب المؤهلات الفنية من موسيقى ورقص وغناء ورسم ونحت وادب.. الزن ترى في الجمال والفن اسلوبا يعيش الانسان الحياة بعيدا عن التعاسة ولازمة منغصات الحياة له. ولا يتم ذلك الا بالعودة الى الطبيعة واستلهام المعاني الروحية منها وحدها.

س33: ا. مراد غريبي: نعود مرة اخرى لتأثير فيورباخ في تناوله الفلسفي نشأة الدين وكتابه أصل الدين يعتبر مرجعا مهما بهذا المجال، فما هي قراءتكم له؟ هل كان فيورباخ موفقا في فلسفته الدينية ام كانت مجرد هجوم فلسفي على اللاهوت الديني المسيحي؟

ج33: ا. علي محمد اليوسف: فويرباخ كما معلوم أبرز فيلسوف انشّق مع آخرين من تلامذة هيجل وأطلقوا على أنفسهم الشبان اليساريين الهيجليين، منهم ماركس وانجلز وباور وشتيرنر وشتراوس وغيرهم. وربما يكون أهم انجاز فلسفي تركه فويرباخ هو كتبه الثلاث (أصل الدين) و (جوهر الدين او المسيحية) و(جوهر الايمان) في محاولته تثبيت نزعته الدينية الالحادية وشرح فلسفته في نشأة الدين عن الطبيعة واغتراب الانسان.

الا ان هناك من يذهب الى أن فيورباخ لم يكن ملحدا مثل برديائيف وجون لويس اذ يقول عنه هذا الأخير: إن فيورباخ كان رجلا متديّنا الى أبعد الحدود، ومن ثم فان ماديته مختلفة تماما عن أية مادية سابقة عليه، فهو لا يحقّر الدين وانما يرى الله اسقاطا لحالة الانسان البائسة.

عمد فويرباخ أن يجعل من الطبيعة منشأ الدين، وينصّب الانسان (الها) بها ومن خلالها وعليها، فهو جعل الانسان يقدّس ويؤله الطبيعة بتأملاته الخيالية والميتافيزيقية المحدودة إدراكيا عقليا، وأن يعتبر (الانسان ) دون وعي منه، الطبيعة بكل ما تمتلكه من ظواهر وهيئات وتنوعات جغرافية وبيئية وتضاريس وانهار وجبال وحيوانات ما هي الا (الاله) الذي يحتاجه روحيا وماديا ايضا في تعليل اسباب وجوده او المساعدة في ايجاد حلول لجميع المشكلات التي تعترضه والظواهر والموجودات الاخرى في الطبيعة التي تجاوره وتحيط به ويتعايش معها من حيوان ونبات.

جعل فيورباخ من الطبيعة والانسان والله، إلها واحدا هو الانسان، ليس على وفق مشابهات فلاسفة وحدة الوجود الصوفية، إلها متسيّدا الطبيعة من جهة، وشبحا إلهيا لإله متعالي لا في ما وراء الطبيعة لا يدركه لكنه يحتاجه، ليقوده الى الاذعان بما يخلع عليه من ذاته، صفات يتمناها في احتياجاته وحياته، إله يقوم بالرضوخ له وتقديسه وعبادته والخوف من غضبه، ذلكم هو الاله المتخيّل إنسانيا وجوديا في الطبيعة وليس خارجها، يرتبط الانسان بآلهته بعلاقة روحية غير واعية ومدركة يجسّدها ارتباطه الروحي بالطبيعة وليس ارتباطه الروحي الى ما وراء الطبيعة، فهذه العلاقة الميتافيزيقية التعبدية لم يكن يبلغها الانسان آنذاك الا بعد مراحل تاريخية طويلة،انبثقت لاحقا في الديانة السحرية والطوطمية والميثولوجية والاسطورية ومن ثم في مراحل لاحقة الأديان الوثنية التي قادت البشرية الى الأديان التوحيدية.

وفي معرض دفاعه انه لم يكن يدعو الى أن الانسان هو (إله) من غير أسبقية الطبيعة عليه يقول فيورباخ:(ولكن الرأي عندي ان الكائن الذي هو شرط مسبّق للإنسان انما هو الطبيعة، وان كينونة الطبيعة بالنسبة لي، الكينونة الازلية التي لا أول لها، انها الكائن الاول في الزمان وليس في المرتبة، فهي الكائن الفيزيقي وليس الاخلاقي) نقلا عن كتابه أصل الدين.

ويؤكد فويرباخ (ان الطبيعة هي الموضوع الاصلي للدين، كما يبرهن على ذلك تاريخ كل الديانات والأمم، فالتأكيد بان الدين فطري بالنسبة للانسان زائف إذا تطابق مع الثيولوجي، ويكون صحيحا تماما إذا كان الدين هو الشعور – شعور الانسان – بالتبعية الذي يدرك فيه انه لا يستطيع الوجود بدون كائن اخر مختلف عنه في كيفياته وصفاته، وإذا فهمنا الدين هكذا، فان الطبيعة للانسان ضرورة النور للعين والهواء للرئتين، والطعام للمعدة، باختصار الانسان كائن يعتمد على الطبيعة) .

ان تعلق فيورباخ بالطبيعة والانسان يكاد يكون عصابا مرضيا عنده، ان لم يكن هو اعلى إفصاحات التدّين التصوفي العميق، وصفات النقاء الروحي التي لا يمكن ان يتصّف بها فيلسوف عرف عنه إلحاده، ففي رسالة ارسلها الى والده عام 1824 بعد هجره دراسة اللاهوت كتب فيها (لقد هجرت اللاهوت ليس عبثا، او استهتارا، او كرها، ولكن لأنه لا يشبعني ولا يعطيني ما أحتاج اليه ولا أستطيع الاستغناء عنه، أود أن أضم الطبيعة الى قلبي، تلك التي يرتد عن اعماقها رجال اللاهوت الجبناء).

الطبيعة الارضية الحسّية الحيّة التي وجد الانسان نفسه مقذوفا بها كوجود من غير ارادته مع باقي المخلوقات والمكونات الطبيعية والحياتية النباتية والحيوانية والجمادية، وسط اشكال وظاهرات متنوعة، اشجار ونباتات وجبال عملاقة وصخور وانهار وبيئة متنوعة وغير ذلك. وكان محتّما ومحكوما على الانسان ان يتكيّف ويتعايش مع هذه الطبيعة شاء أم أبى، ويتماشى مع مراحل تطورها التاريخي، محاولا فهم صفاتها وقوانينها وكيفية التعامل والتكيّف والتعايش معها.

كتب فويرباخ في كتابه جوهر الدين:( الاعتماد الحيواني على الطبيعة – يقصد اعتماد الانسان والحيوان على السواء – هو اعتماد غير واع – يقصد سطحي عفوي – لكن بارتفاعه الى الوعي التخييلي – يقصد عند الانسان فقط -وعند التفكير فيه والاعتراف به يصبح دينا) .

وبالعودة لمناقشة وتوضيح عبارة فيورباخ حول النزعة الاعتمادية الحيوانية على الطبيعة من قبل الانسان والحيوان، ان علاقة الرضوخ والاذعان الانساني للطبيعة وان التقت مع النزعة الاذعانية في صفتها (الحيوانية) كما هي عند الحيوان، الا انها تختلف عند الانسان في الكيف عن الحيوان اي في نوعيتها على مستوين نناقشهما اشار فيورباخ لاحدهما تلميحا فلسفيا ضمنيا، ما معناه ان كلا الاذعانين عند الانسان والحيوان للطبيعة غير ادراكي غير معقلن، لكن حين يتحوّل الى وعي ذاتي مفارق عند الانسان المتحرر من هيمنة الطبيعة، فان ذلك الوعي الخيالي يصبح(دينا) إنسانيا لا يعيه ولا يفتقد أهميته الحيوان.

ومن جهة ثانية من جانبنا نؤكد ان (حيوانية) الاذعان في علاقة اعتماد الانسان والحيوان على الطبيعة في تأمين احتياجاتهما للغذاء والبقاء والحياة، وان اختلفت الوسائل بين الانسان والحيوان، فهي علاقة انسانية مفارقة عن مثيلتها في اذعان الانسان للطبيعة، مقارنة بالحيوان، ففي الوقت الذي يكون الحيوان في اعتماده الطبيعة لتأمين احتياجاته، نجده يرتبط في علاقة تكيّف سلبي بالطبيعة انه يعيش ليأكل فقط، ويهادن الظواهر الطبيعية ولا يرغب من الطبيعة بأكثر من تأمين الطعام له وادامة حياته. بينما نجد تكيّف الانسان مع الطبيعة، ومؤانسته بها انها توّفر له احتياجات العيش والحياة كما هي توفرها للحيوان، لكن بفارق واختلاف جوهري كبير جدا، فرغبة الانسان تفارق الحيوان بما نطلق عليه التكيّف الايجابي غير المنقاد للطبيعة، بمعنى ان الانسان لا يكتفي من الطبيعة بتأمين حاجاته الاساسية لإدامة حياته وتامين الغذاء له وحسب، وانما يرغب السيطرة على الطبيعة وقيادته لها لا كما تقود هي الحيوان من دون وعي مدرك لكليهما اذ ان الوعي المتبادل بين الطبيعة والحيوان لا وجود له، فالطبيعة والحيوان لا يدركان عقليا ميزة يمتلكها الانسان وحده انه يعي ذاته ويعي الحيوان ويعي الطبيعة وجميع المخلوقات بوعي ذكي ومعقلن......عند هذا التمفصّل الجوهري المفارق الذي تجاوزه فيورباخ ضمنا أم عمدا، وعلاقته الارتباطية الوثيقة بنشأة الدين نأتي لتوضيحه اكثر أهمله فيورباخ.

في التمفصّل الذي ذكرناه ينتهي دور الطبيعة ان تكون كما اشار واعتمده فيورباخ، هي الملهمة للإنسان روحيا، ومصدر وحيد لنشأة الدين عند الانسان. وفي توضيح مقارن بسيط نجد الانسان يشترك مع الحيوان في امتلاك (العقل) في وعي ذاتيته الإنسانية كجنس باختلاف جوهري ونوعي كبير، هو ان عقل الحيوان يفتقد خاصيتين يحتاجهما ويتمايز بهما عقل الانسان من دون الحيوان، هما خاصيتي (الذكاء والخيال) مضافا لهما في مراحل متقدمة من وجوده قدرته على اختراع الانسان لغة التخاطب مع غيره من البشر كنوع مفارق لحياة الحيوان.

وطبعا نحن لا نقصد بالعقل هنا امتلاك الانسان ملكة الادراك والتفكير العقلاني التي ايضا لا يمتلكها الحيوان، وانما قصدنا العقل المحسوس العجينة الرمادية المتكوّنة من المخ والمخيخ والنخاع المستطيل، هذه الكتلة العجينية موجودة في جمجمتي كل من الانسان والحيوان لكن باختلافات جعلت من الانسان نوعا متفردا بخصائص لا يمتلكها أي كائن على الارض. وبهذه الخاصية الانسانية كان الانسان (دينيا) دون سائر المخلوقات كما هو اجتماعيا في العيش المشترك في استخدامه اللغة بأشكالها البسيطة.

معلوم بما لا يحتاج منا التوكيد أن عقل وتفكير الحيوان في تكيّفه السلبي مع الطبيعة التي يدركها(حسّيا) فقط، في وقت نجد وجود الانسان في الطبيعة على وفق علاقة اصطراعية احتدامية في سعي الانسان والى وقتنا الحاضر هاجسه الكبير هو كيفية تطويع الطبيعة والسيطرة عليها، ومؤخرا في عصور العلم والحضارة، اخذ الانسان يسعى لاكتشاف القوانين الطبيعية من اجل رفاهيته وراحته وسعادته. وبقي تكيّف الحيوان الطوعي مع الطبيعة، في بقائه حيوانا غير مفكّر ولا عقلانيّ ولا خيالّيّ ولا متأمل ولا ديني ولا ناطق.

أما كون الانسان متأملا عقلانيا ذكيا خياليا فهذا جعله كائنا دينيا متفرّدا، يمتلك الصفات التي تؤهله التفكير الخيالي خارج ابعاد الطبيعة، وهذا الوعي الخيالي يرتفع به مرتبة أعلى من الطبيعة، فهو غير متكيّف معها بما تمليه عليه، بل هو في علاقة احتدامية غير منقادة معها، في بحثه الدؤوب عن خالق يمتلك صفات الطبيعة جميعها، كائن يمتلك قدرات اعجازية غير منظورة تملي عليه وجوب الانقياد له، وليس للطبيعة ذات القدرات المحدودة العاجزة في منع الحوادث والاخطار والبراكين والزلازل والموت وغيرها، صفات يتمناها أن تكون غيره يمتلكها  لتجعل منه كائنا يتوّسله في حياته التي يرغبها اكثر أمانا واكثر طمأنينة بعيدة عن الخوف الذي يتهدد وجوده، حياة في أسمى معانيها وصفاتها.

س34: ا. مراد غريبي: هل هناك تأثير لفويرباخ على ماركس؟

ج34: ا. علي محمد اليوسف: لقّب فويرباخ بانه صاحب منهج فلسفي مادي تصوفي او تأملي ذاتي، (البعض ينعت فويرباخ فيلسوف الذات فهو عالج موضوعة اغتراب الذات فلسفيا في سبق فلسفي يحسب له ) ومن الماركسيين المحدثين الذين ينكرون التأثير المادي لفويرباخ على ماركس، بنفس معيار انكارهم الجدل الهيجلي على اعتباره هو الآخر مثاليا تجريديا تأمليا، واقفا على رأسه بدلا من قدميه، علما ان جميع دارسي وباحثي الماركسية يذهبون الى أن المادية الفويرباخية والجدل او الديالكتيك الهيجلي كانتا دعامتا الديالكتيكية المادية، والجدل المادي التاريخي اللذين اعتمدهما ماركس في صياغته قوانين تطور المادة والتاريخ، بعد تخليصه مادية فويرباخ من تصوّفها التأملي الديني، وتخليص الجدل الهيجلي من مثاليته المقلوبة.

المهم أن هذا ليس موضوعنا، لكن لا يمكن لأحد نكران أن المعارف والفلسفات وحتى العلوم الإنسانية، هي تراكم معرفي وحضاري تاريخي محكوم بالكم والكيف، في تقادم زمني لا يلغي تماما جهد السابقين على اللاحقين تاريخيا، مهما اعتور وشاب تلك المسيرة من النقد والمراجعة والحذف والتفسير والتفنيد.. الخ

كما يتعذر ولادة معارف علمية أو فلسفية من فراغ سابق عليهما.

يقول ماركس في عبارته المتعالقة مع فويرباخ:(ان الدين باق معنا، في بقاء الاسباب التي أدّت الى نشوئه). لا نجانب الصواب حين نرد وننسب التقاء ماركس وفويرباخ في نشأة المسألة الدينية لديهما في اشتراكهما ليس في طبيعة (الحادهما) وحسب، وانما في طبيعة نسبة مصدر الدين ومنبع وسبب نشوئه الى الطبيعة ذاتها والانسان ذاته ايضا. معتبرين الدين من صنع الانسان وصنع الطبيعة معا. اذ يقول فيورباخ بهذا المعنى (ان عبادة الله تعتمد على عبادة الانسان لنفسه).

س35: ا. مراد غريبي: طيب، ماذا عن التدين لدى فويرباخ؟

ج35: ا. علي محمد اليوسف: حسب فويرباخ أخذ الانسان يخلع على الطبيعة، بعضا من خصائصه الذاتية، ليصل بعدها خطوة او مرحلة متقدمة في(تأليه) اغترابه عن الطبيعة، متصوّرا أن قدراتها وما تمتلكه الطبيعة من صفات لا يمتلكها هو تجعله بالضرورة يجعل منها كائنا يفوقه بالقدرة والمكانة، ويستوجب عليه تقديسه واعتباره(الها) له يعبده ويعمل بجميع الوسائل كسب مرضاته ووقايته من الحاق ضرره(العفوي) المقصود به في كل خوارق العواصف والزلازل والفيضانات وهكذا في كل ما يهدد حياته ووجوده. هنا بدأ الانسان يفهم ان الطبيعة الإله، تمتلك وتستطيع فعل كل ما يعجز عنه تفكيره ان يفعله ويعمله، في وجوده المادي الحسّي والروحي على السواء.

ان تفسير فويرباخ (ألوهية) الطبيعة المتخيّلة والمصنّعة انسانيا ذاتيا، هو ان (الانسان وضع اسمى خصائصه الانسانية، ماهيته، او جوهره في الطبيعة فقدسّها، ثم خلع عليها صفات وقدرات الالوهية في تجريدها من عينيتها اي واقعيتها المادية، ومن ثم رفعها الى السماء، وسماها(الله) بلغات مختلفة وكيفيات مختلفة ورموز مختلفة وخصائص مختلفة وهيئات مختلفة.)

واضح ان منشأ الدين لدى فويرباخ هو الطبيعة، ويعتبر الانسان الديني هنا، انما يتعامل مع (الطبيعة – الدين) من خلال ذاته، كذات عقلانية مدركة للطبيعة والمحيط وتعي اغترابها عنهما معا (اغتراب ذاتي واغتراب عن الطبيعة). وبالتالي فان (إله) الانسان لا يعكس سوى حالته فقط، ذاتيته، وجوهره المتفرد الخاص به وحده دون غيره من الكائنات.

تأسيسا على ما ذكرناه يعتبر فويرباخ الطبيعة المبتدأ الاول والمنتهى الاخير لفهم نشوء الدين، لذا تكون تبعية الانسان لحاجة التديّن، هي لا شعوره الدفين بتبعيته للطبيعة التي لا يستطيع تصوّر الحياة من دونها وما توفره له من اسباب العيش والبقاء.

من المعلوم جيدا ان جدل الانسان مع الطبيعة يقوم على جوهر ومرتكز (أنسنة) الانسان لها، ومحاولته السيطرة على بعض تجليّاتها وتسخيرها لمنفعته، أو محاولة اكتشاف بعض قوانينها الطبيعية التي تعمل بمعزل عن رغباته ووجوده ومحاولته الاستفادة منها في تمشية حياته والتكيّف مع الطبيعة.

 فالانسان الذي يصطدم بالقدرة الكلية للطبيعة، والاحتدام معها، يسقط على الطبيعة رغبة الانتصار عليها وتحقيق رغباته واحتياجاته منها، والانسان لا يتكيّف مع الطبيعة تكّيفا سلبيا معها كما يفعل الحيوان، بل يكون تكيّفه مع الطبيعة بمقدار استجابتها تحقيق ما يرغبه منها وتمنحه له وتديم بقاؤه في الحياة.

بالمقابل الجدلي المناقض للانسان نجده في سعي الطبيعة، تطبيع الانسان على التكيّف معها في مقابل محاولته هو أنسنتها، في افتراض واقعي علمي ان جدل التناقض في قطبيه الانسان والطبيعة لا يعيان ادراكيا تضادهما الجدلي ولا حتى النتائج المتولدة منه والمفصحة عنه. الجدل والتضاد بينهما في قانون الماركسية وحدة وصراع الاضداد الذي يحكم المادة والتاريخ والوجود عامة.

انه من المفهوم جيدا ان جدل الانسان في محاولته أنسنة الطبيعة يقوم على خاصيتين يمتلكهما الانسان وتفتقدهما الطبيعة وهما عاملي (الذكاء واللغة)، لذا بالإمكان ترجيح جدل التضاد بين الانسان والطبيعة في صالح الانسان وليس الطبيعة وهو ما ثبت انثروبولوجيا وعلميا في التطور التاريخي والحضاري للانسان. ثم اضيفت للانسان قدرات اضافية لا تجاريه فيها الطبيعة مثل انتصاب القامة واستعمال اليد بمساعدة إصبع الابهام الذي لا تمتلكه سائر الحيوانات، وفي مرحلة متقدمة جدا اخترع الانسان اللغة مع دخوله عصر الزراعة، عصر صنع الحضارة الانسانية. (عصر الزراعة سبعة الاف سنة قبل الميلاد، وعصر اختراع الكتابة بحدود (2200 – 2300) ق. م.

نعود لنكمل مع فيورباخ (إذا كان الانسان يؤمن بكائن مختلف مستقل عنه، والذي ليست له طبيعة بشرية، وليست له صفات بشرية، فان ذلك الكائن ليس شيئا سوى الطبيعة في الحقيقة، وان كل الاسماء التي يمنحها هذا الانسان لكائن متخيّل ما هي في الاصل الا سمات الطبيعة ذاتها).

ويمضي قائلا في تأليهه الطبيعة (انه اذا كان الله بنظر اللاهوتيين عبارة عن كائن خالد لا يفنى، فانه لا يوجد في الحقيقة كائن خالد سوى الطبيعة، حيث يموت جيل ويعقبه جيل آخر، في حين نجد أن الارض، الشمس، الماء خالدين الى الابد) كما يرى فويرباخ أن جوهر الدين هو جوهر الانسان، وماهية الدين هي ماهية الانسان نفسه، وبهذا المعنى فان فويرباخ بحسب الاستاذ الباحث جاد الكريم الجباعي (لا يؤسس للإلحاد، بل يؤسس الدين برده الى اصله(الانسان) وعلة وسبب نشوء الدين هو اغتراب الانسان الذاتي واغترابه عن الطبيعة معا).

وبهذا الفهم الاغترابي الادماجي المركّب حسب فويرباخ يصبح كلا من الانسان والطبيعة والاله المصنّع خياليا ميتافيزيقيا (الها واحدا) متمثلا في محورية ومركزية الانسان وليس الطبيعة ولا إله ما وراء الطبيعة.

من الواضح ان فويرباخ جعل قدم واسبقية الوهية الطبيعة متقدمة على الوهية الانسان لئلا يقع في التفسير المثالي الذي تحاشاه وهو ان الطبيعة الالهية والاله الميتافيزيقي كلاهما من صنع الانسان، وبهذا المنطق المثالي الذي تحاشاه فويرباخ يكون أبقى الطبيعة وجودا ماديا بمعزل عن كل وجميع رغائب الانسان وذهب الى ان الطبيعة منشأ الدين وليس الدين من صنع وخلق الانسان المحض. متجاهلا ان حقيقة التفسير العقلي المنطقي بغض النظر عن ماديته او مثاليته يذهب الى ان الطبيعة وحدها لا تستطيع صنع دينها بنفسها لولا توّسل الانسان بها وقيادته هو للطبيعة وليس العكس. عندها يصبح التفسير المثالي او المادي في ان الدين لم تصنعه الطبيعة بقواها الذاتية لولا توّسل الانسان بها واعتماده لها مقبولا صحيحا، وبالتالي يبطل قول فويرباخ ان الطبيعة مصدر ومنشأ الدين. وفي تحاشي فويرباخ عدم الانزلاق بهذا الفخ لجأ الى القول ان الانسان خلق تدينه من الطبيعة ولم تفرض الطبيعة دينها ان صح التعبير هي عليه. اي ان فويرباخ وقع في مأزق المراوحة بين التفكير المادي الذي يتبناه ويحمله من جانب، وبين الفهم المثالي الذي لا يقر فويرباخ الاخذ به من جانب اخر.

فقد عمد الانسان تأليه الطبيعة التي يجهل خلقها ومن أوجدها، لذا فقد اعتبرت الطبيعة منذ تلك الحقب التاريخية السحيقة والى يومنا هذا ميراثا للانسان تخدم وجوده الارضي لا ينازعه بها أحد منذ انقراض الديناصورات والماموث وغيرها من الكائنات التي كانت تهدد وجوده بالانقراض.

وسواء ورث الانسان الارض هبة من الخالق ام كنزا وجده مصادفة هيأته له ارادة اخرى مجهولة خفيّة في التطور البيولوجي والكوسمولوجي، فهو وجد نفسه حاكما متحّكما في الكثير من امورها الغامضة او الواضحة ليكون سيّد الطبيعة.

وحسب فويرباخ فان الانسان خلع على الطبيعة من صفاته رغبة منه في حل الغاز وجوده، ونضيف تماشيا مع تصور فويرباخ انه لما كانت الطبيعة عاجزة عن حمل رسالة الالوهية بما يلبي رغبات الانسان ويبعث الطمأنينة بنفسه، فهي لا تجترح المعجزات ولا تجيب على اسئلة عقل الانسان المحيّرة ووجوده النوعي، فأن الانسان لم يمتلك سوى الارتداد الى ذاته في تصنيعه الطبيعة (الها)، الى مرحلة لم يكن يعيها جيدا انه بإمكانه ان يكون هو(الها) للطبيعة والمخلوقات الأخرى معه.

وهو ما نجده متحققا في مراحل تاريخية متطورة حضاريا من وجود البشرية في اعلان الانسان نفسه (الها) وحتى ليس نبيا، في الاساطير والميثولوجيا، وحتى الى عصور متقدمة معاصرة جدا في اعلان امبراطور الحبشة (اثيوبيا) هيلاسلاسي نفسه(الها) مخلصّا يعبد بحسب المعتقد الديني في (الراستفارية) عند بعض القبائل الاثيوبية غير المسيحية.

بالحقيقة لم يكن يدرك الانسان ان من خصائص الاله اجتراح المعجزات عصر ذاك، لذا كانت الوهية الانسان لا ارادية ولا عقلانية، سواء اكانت الطبيعة الها أم لم تكن، او اكان الانسان مخلوقا عبدا ام الها مرسلا ام غير مرسل.

ولأن الانسان بحسب فويرباخ (كائن غير ميتافيزيقي فان تفكيره الميتافيزيقي (نقض) بمعنى السلب النفي، لفن التفكير كأنه سلب مطلق، والطبيعة له ليست الا المقابل العقلي له)

(والكائن الذي يوجد في الفكر بالنسبة للمفكر، هو الجوهر الحقيقي، ومع هذا فانه يكون واضحا بذاته له، والكائن الذي لا يوجد في الفكر لا يمكن ان يكون جوهرا صحيحا)

كما ان الذي لا يعطيه لنا الفكر بفعل التفكير كناتج تفكيري وفهم الذي هو الموضوع المادي المدرك لذاته، أو الكائن المدرك وجوده خياليا (روحيا) عندها يكون المخيال إلغاءا افتراضيا مطلوبا لإدراك وجود الطبيعة ماديا. التي يرغب الانسان اعطاءها صفة المتعالي والمقدس والالوهية، على حساب الغاء فاعلية العقل الحسي في تحقق وجود الأشياء، على وفق قصدية روحانية دائمة التصادم والتضاد، في عجز الانسان والطبيعة معا اي الخالق الطبيعة والمخلوق الانسان العبد كليهما وجدا عجز اثبات ان الطبيعة تمتلك سمات الالوهية والمقدس في اجتراح المعجزات وتحقيق اماني العبد الانسان في درء الاخطار المحدقة به وحمايته. هذه السمات لم تكن الطبيعة تمتلكها أولا، ولا هي (الطبيعة) ارغمت الانسان خلعها عليها، وتصنيع الانسان إلهه منها وعبادته لها على وفق ما يطلبه ويتمناه لا وفق ما ترغبه الطبيعة، فهي لم تكن ولن تكون مستقبلا بحاجة الى انسان روحي يستمد تدينه من الطبيعة.

وفي مقولة هيجل (الدين هو أعلى صورة من صور التعبير عن الوعي الذاتي) نستطيع فهم ان ذاتية الانسان هي التي جعلت من الطبيعة الها افتراضيا هو من صنع خيال الذات الانسانية في ايجاد وسيلة تخلع عليها صفات الالوهية، ويعبدها الانسان فلا يجد غير الصفات التي تتفرد بها الطبيعة، أو الصفات المشتركة بينهما، ويصنع من الطبيعة الها ماهو الا ذاته هو، التي خلعها على الطبيعة. تم هذا بواقع تفسير خيالي افتراضي ان الطبيعة قادرة ان تعطي كل متطلبات معيشة الانسان، وبالتالي فهي تستحق التأليه الذي يحتاجه الانسان روحيا في فزعه من الموت والفناء.

س36: ا. مراد غريبي: كيف ترى مستقبل التديّن الاسلامي السياسي ومأزق العصر؟ هل تستطيع الفلسفة لعب دور الوسيط المقبول بين التدين الاسلامي والمعاصرة. خاصة ان التضاد بينهما هو على صعيد الايديولوجيا.

ج36: ا. علي محمد اليوسف: إن منهجية الدراسات الاصلاحية المعرفية والفلسفية، في نقد وتقويم الانحرافات الطارئة في الفكر الديني، من وجهة نظر معاصرة حداثية، وحاجة الانسان للتديّن، مداميك وأسس وضعت الظاهرة الدينية على محّك المراجعة النقدية المسؤولة، بعد أن أصبح خطر ايديولوجيا التديّن الاسلامي المتطرف تحديدا، المعتاشة على الدين وبه ومن خلاله، تهدد الوجود الحضاري في العالم العربي.

أصبحت المجتمعات العربية الاسلامية تجرّها منظومات التراث المتحفي - الماضوي التي فقدت غالبية مؤثراتها وبريقها بالمعيار الثقافي المعاصر، وفي تعطيلها الجوانب المشرقة التراثية أن تلعب دورها في التعايش والتلاقي مع الآخر ثقافيا، وتيار الجذب الثاني ممثلا بالمعاصرة التي يوجب حضورها سريان الحياة التمدينية، وتطورّها وتقدمها باستمرار، وهذه المعاصرة بدلا من تعطيلها سابقا جرى تغييبها اليوم قسرا وبالإكراه الايديولوجي الديني السياسي.

في جنبة أخرى نجد اليوم من يسعى الى تجذير الخلافات الدينية مذهبيا داخل البيت الاسلامي، في الرجوع الى إحياء وبعث جوانب من التراث الاسلامي، بكتابة تاريخ منازعات دينية طائفية مذهبية، في مسعى تصويب مسار تاريخي مذهبي على حساب مسار مذهبي آخر، بعيدا عن معالجة اشكالية الدين كإسلام في تقاطع غالبية مفرداته الفقهية والتشريعية مع العصر. نحن بحاجة اليوم الى معالجة قضايا الاسلام الديني، ليس كمذاهب طائفية متناحرة متطرّفة، بل في حل اشكالية فكر الفقه الدين الاسلامي وتقاطعه مع ثقافة وحضارة العالم اليوم.

ولم يعد مهمّا اليوم ما نكتبه سواء بمكابرة زائفة أم بقصدية مؤمنة، الا بمقدار ما تقربّنا تلك الكتابات الدينية من ردم هوّة السقوط والتراجع الثقافي والحضاري للمجتمعات العربية -  الاسلامية في عالم اليوم، وليس بمستطاع الطائفية أن تنقذ الاسلام من جموده وتعطيل حركته، بمحاصرته وتجييره للطائفة الغارقة بالتزّمت والتطرّف بعيدا عن الاسلام كدين شامل يضم طوائف واجتهادات وثقافات واقليات واثنيات منوّعة، الأولى ايجاد مشتركات التعايش فيما بينها بدءا، وتعايشها السلمي التنويري مع بقية الديانات التي تعايش الاسلام معها عبر التاريخ، كي يكون بمقدورنا محاورة ثقافة الحاضر عالميا من منطلق اسلام جامع، وليس اسلام طوائف متفرقة واحترابات دينية مع غير المسلمين . أن في إصلاح الطائفة والاثنية مقدّمة سليمة وصحيحة لإصلاح الفكر الديني الاسلامي.

هذه التوطئة وجدتها ضرورية قبل الدخول في بسط فقرات هذه الاجابة في معالجتها مجتزءات متعالقة مع الفكر الديني وليس مع الدين، كانت أغفلتها أو تناولتها بأكثر رصانة المناهج النقدية الشمولية في سعيها طرح معالجات إصلاح الفكر الوضعي الديني، وحاولت كتابة تاريخ ديني مغاير للمتوارث السائد المعطّل الوجود والفاعلية الحياتية، عندما يكون موروث الفكر الديني يعيش الماضي والحاضر والمستقبل على حساب هامشية الوجود العربي – الاسلامي في عالم اليوم.

حاولت في مقالات لي بسط اجتزاءات منها التديّن حاجة ملازمة للوجود الانساني، ومفردة اخرى العودة بالدين لتوكيد فردانيته التدينية العفوية الصادقة، وليس مجتمعيته التعبوية المنحرفة ايديولوجيا، كما وضعت مفردة عصرنة الدين بين الاستحالة والتحقق، كذلك مفردة خلق عوالم ويوتوبيات دينية ودنيوية، خيالية ومتحققة، كما وتطرّقت لآفة الفكر الديني في أدلجة الدين، جميعها مفردات بحاجة الى تناول مستفيض، لا يفيها حقها مثل هذا الحوار، لكن حسبي أني اضعها تحت نظر ويد التناول من غيري.

س37: ا. مراد غريبي: هل (التديّن) حاجة ازليّة مفطور عليها الانسان؟

ج37: ا. علي محمد اليوسف: المراحل الخرافية والسحرية والميثولوجية والاسطورية التي مرت على الانسان في ابتداعه واختراعه (التديّن)،أتت وجاءت متسّقة مع التفكير البدائي-البدئي العقلاني غير الساذج، في حاجة الانسان للتديّن، متجاوزا متطلباته البيولوجية الضرورية الأخرى بعد تطمينها وتأمينها، والانتقال الى تساؤله في معنى وجوده بين هذه الكائنات المحيطة به في الطبيعة.(ومن هنا نستطيع أن نفهم أن الطاقة الروحية التي يمتلكها الانسان دون غيره من الكائنات،هي طاقة انسانية بالأساس، لكنها متأرجحة بين الشأن البشري الأرضي من جهة، وبين التوق الى المطلق من جهة أخرى، وخاصة الإلمام بعوالم ماورائية مفترضة.) كما يعبر الباحث نبيل بن عبد اللطيف.

جوهر تلك النزعة العقلانية في استحضار حاجة الانسان التاريخية للتدّين، لا تنخلع عليها السذاجة توصيفا، لأن عقلانيتها الايمانية الغيبية، تتطابق مع نفس الارتباطات والمنطلقات الدينية الايمانية في وقتنا الحاضر. من حيث الالتقاء على أهمية حضور آلهة، تعطي وتوهب، تجازي وتعاقب، تمنع وتثيب، تجترح المعجزات، غير محدودة القدرات، خارقة، تلغي حواجز الزمان والمكان. ذات القدرات الالهية الاسطورية نفسها التي قرأنا عنها، والى وقت ليس بعيدا جدا في عمر الشعوب كما هي عند الاغريق في اساطيرهم وقبلها في الديانات الوثنية في مصر وبلاد الرافدين.

قد لا يكون التصور الإلهي وقتذاك في تلك الحقب السحيقة، مشابها لما حصل لا حقا من تطور انساني في ابتداعه تنويعات أكثر اتساقا وقبولا في مسار تطور التديّن الايماني الغيبي. لكنما الجامع هو جوهر التدّين الإلهي في الاعتقاد بوجود الخالق.

س38: ا. مراد غريبي: لماذا لم يكن الدين ظاهرة مفارقة لوجود الانسان؟

ج38: ا. علي محمد اليوسف: بالعودة الى المنظومة الفرويدية كما يدعو الباحث نبيل بن عبد اللطيف (نجد الحاجة الى الاعتقاد، هي حاجة نفسية بالأساس تنبع من محاولة الانسان الاجابة عن سؤال مركزي، لطالما أرهق تفكيره، هو ما الهدف من الحياة؟).

وبحسب كانط (العقل الانساني فريد من نوعه، أنه يطرح في جانب من جوانب معارفه، أسئلة لا يمكنه الاجابة عنها البتّة، فهو يطرحها لأنها نابعة من طبيعته ذاتها لكنه يبقى عاجزا عن الالمام بها بسبب انها تتجاوز قدراته البشرية).

الانسان في عديد من ظواهر الحياة التي لا يجد لها تفسيرا منطقيا شافيا، يتنازعه مؤثران اثنان هما (الارادة والقدرة)، الارادة عند الانسان في تطلعه الميتافيزيقي، الذي هو رؤية استباقية استشرافية مصدرها الخيال غير المحدود بطموحات معرفية معينة دون غيرها. والعقل يقود الانسان الى سلسلة من التساؤلات معظمها محرج، وامتحان لقدرات الانسان المحدودة في فهم وتفسير الحقائق والظواهر الطبيعية وغير الطبيعية المحيطة به.

عليه يكون الدين في حياة الانسان حقيقة إيمانية ميتافيزيقية بما وراء الطبيعة، ملازمة غير مفارقة للوجود الانساني، طالما هناك توالد وتوليد مستمر لتساؤلات يتعّذر الاجابة عليها بالقدرات العقلية للانسان ويفرضها الايمان الغيبي كمسلمّات تريحه نفسيا.

كما اشرنا سابقا أن العديد من الظواهر الحياتية والطبيعية المحيطة بالإنسان، هي ظواهر وحقائق كانت وستبقى مستعصية الحل مع الانسان، تلازمه عبر الاجيال، ويصعب النفاذ الى جوهرها، واستكناه ماهيتها وتحليلها بوسائل العلم او المنطق الفكري والفلسفي، او حتى بأسلوب الاستدلال العرفاني التصوفي الذي يتخطاهما – اسلوبا العلم والمنطق – ورغم هذا التقدم العلمي الهائل الذي نعيشه ونشهده،في ضروب الحياة المعاصرة، كان تقدم العلم ولا يزال موازيا لبقاء الدين خارج حيّز اهتماماته واشتغالاته، وقطع العلم شأوا متقدما جدا في فك الكثير من مغاليق وشفرات الوجود وألغاز الحياة المحيّرة، فلا زالت قدرات الانسان العقلانية والمنهجية محدودة وقاصرة في مواجهة مشكلات وتعقيدات الوجود الميتافيزيقي للانسان، والسير ضمن نسبية الامكانات في سبر أغوار الظاهرة الدينية الملازمة للانسان، التي ترسبّت في اعماق الوجدان الثقافي والاجتماعي والسلوكي على مر الاجيال .

أن محاولة فتح مغاليق المطلق الديني هو (إرادة وعجز) هو ارادة طموحة بلا حدود عندما يجد الانسان نوعا من الراحة والسكينة النفسية، وتقاعس وعجز وتراجع في أشغال الذهن بتساؤلات صعبة عصّية على التفسير والاقتناع لكنها تتلبسّه لا يمكنه الفكاك منها كما لا يمكنه مجاوزتها.

فإرادة الانسان وأمنياته في تحقيق غير الذي بالإمكان تحقيقه والوصول اليه، يجده مجسّدا في قدرات وصفات الخالق والإيفاء بتحقيقه وتطمينه، والانسان يرتاح أنه يدفع بجميع متطلباته المحمّلة بالأمنيات والتي يفتقد حضورها الارضي، ويجدها متحققة في أماني اعتقادية انها ممكنة التحقيق في طي الغيب التعويضي المتخّيل لحياة ما بعد الموت. وفي هذه الحالة يتراجع عجز الانسان المتشكك الاقتناعي في عدم امكانية تحقيق الامل الأرضي، الى رضى نفسي تسليمي في دفع واحالة جميع حرماناته الارضية الى مطلق إلهي يضطلع تأمين تلك الحاجات.

س39: ا. مراد غريبي: ماذا عن النقد الديني أو لنقل الجدل حول نقد الدين؟

ج39: ا. علي محمد اليوسف: الدين في قدسيته وتعالي ثوابته، جعل من ارتباط النقد الدنيوي – الانسانوي له، استحالة تحريمية، وممارسة مقموعة لا معنى لها في حضور تابوهات تحريم قاطعة مستمّدة من صفات المقدّس، التي تجعل المساس بأي مفردة دينية هي المساس بصفات المطلق الالهي المعصومة العظيمة بلا حدود، في امتلاكها قدرة وارادة الحياة والافناء، ومحاسبة الفرد بالعذاب والثواب.

امام هذه المعضلة وغيرها نجد أن التديّن في تحريمه النقد عمد اخراج العلاقة الايمانية بين الخالق والمخلوق من فردانيتها السوّية الصحيحة المحكومة بالثنائية التعّبدية الايمانية، ومن شخصانيتها في أن الدين هو علاقة روحانية تربط الانسان بخالقه فقط، تخص الانسان (النوع) وليس الانسان المجتمعي الفاني، التي جرى اخراجها وحرفها الى/نحو العلاقة الايديولوجية السياسية والتعبدية التي تسوق المجموع المنقاد بإسم الدين. بمختصر العبارة أن التديّن الاسلامي السياسي بات اليوم أقصر الطرق للهروب من تساؤلات العقل في تغييب الحداثة المجتمعية والحضارة التاريخية.

 ان العلاقة الدينية الفردانية في انتظامها بالخالق روحيا، هي العلاقة التعبدّية الصحيحة والسليمة، قبل تحريفها ونقلها الى فضاء المجتمع المعبأ بأيديولوجيا ألدين السياسي، التي أخذت دور الوسيط والوصي على إيمان الفرد وعلاقته بالخالق. وبذلك تمت مصادرة وتغييب شكل او المعنى التعبّدي الديني الذي يخرج على وصاية ورقابة وسلطة ايديولوجيا الدين. وكذلك مصادرة أدنى حد وحق في النقد الديني. حين يراد فهم او توضيح او فك شفرات بعض الممارسات المصاحبة للطقوس الدينية، واجتهادات تفسيرات الفكر الديني، التي تجابه بالتحريم القاطع المقترن بإنزال العقاب الصارم، وفي الإحالة الى مرجعيات كهنوتية باسم المطلق الذي تنعدم امامها المساءلة النقدية او الانتقادية في أبسط صورها ومعانيها.

الايديولوجيا الوضعية السياسية الدينية الاسلامية تستمد مقوّمات حضورها الديني وتأثيرها وانتشارها، من الإحتماء بالمجتمعي المضّلل والمعبأ بأيديولوجيا التسليم الدوغمائي المطلق، وفي تكريس المهيمن الغيبي المسّطّح في قصور فهم الدين فهما صحيحا يجاري متطلبات وروح العصر.

إن في العقلانية النقدية -إن حق لنا التعبير- لبعض المظاهر والسلوكيات والممارسات الدينية المنحرفة، نصطدم بالمباشر بجدار المطلقات الدينية وحرمة وعصمة نقدها، كما نصطدم أيضا بالإحتمائية النفاقية الكاذبة مجتمعيا المساقة والمعبأة بهستيريا ايديولوجيا الدين السياسي. فتكون هذه الحماية الكاذبة المنافقة للدين جمعت ما بين حماية الدين التعبوي المؤدلج مجتمعيا، والاحتماء بعصمة الروحي المطلق في تجريم وتحريم أن يمسّه أي نقد او انتقاد، في ادانة سلوكيات منحرفة في الفكر الديني السياسي. لذلك نجد بقاء وتطاول البقاء لثوابت ومطلقات الفكر الديني راسخة ومتجّذّرة في حمّى التحريم وتحت جبروته القمعي، تسير بالتوازي مع سريان وتبدّل وتغيّر الحياة والعصور من حولنا، التي تضع الانسان في صلب التساؤل الدائمي بلا جدوى، وتملي عليه عقم المراجعة النقدية ولا معناها وانعدام جدواها.

س40: ا. مراد غريبي: تطرقتم في العديد من المقالات لاتجاه ما يعرف بــــ "عصرنة الدين"، ما المقصود بهذا وما مدى تحققه؟؟

ج40: ا. علي محمد اليوسف: اشكالية الديني المقّدس مع الارضي المدّنس، أصبحت اليوم هي اشكالية التقاطع أيّهما يقود الآخر، ولمن تكون الأرجحية في الاعتماد أو الانقياد؟!

إنها اشكالية التقاطع المفروض بقوة وسطوة الحياة المدنية والمتحضّرة، وإن المأزق الذي يتقاذف الانسان العربي المسلم يتمثل اليوم في مواجهته اشكالية الديني في الحياة، في تساؤل اصبح اكثر مشروعية، هو كيف يستطيع هذا الانسان أن يجد او يبتدع في الدين ( معاصرة ) لا تتقاطع مع ( ثوابت ) الديني السماوي والفكر الوضعي الديني معا ؟، وهذا الاخير الفكر الوضعي المؤدلج يمانع وبشّدة وبمختلف الطرق أن يخلي دوره في وصايته على الدين، أمام رغبة الانسان العربي المسلم سعيه جعل المعاصرة الدنيوية ( دينا ) آخر في الحياة، او مرادفا لدين المقدس المطلق يعيش معه ويوازيه .

إشكالية الروحاني الديني مع الارضي الدنيوي الذي تفرضه الحياة المعاصرة، في الانسان الذي يرغب فهم الدين عصريا هو بالضرورة الحتمية سيكون في مواجهة المتديّن المتطرف الذي يشهر سيفه على الدوام وفي كل الاحوال وبأبشع صور الهمجية والاجرام والتخلف، في محاسبة كل من يجرؤ على التساؤل او الاستدلال لمعاني معرفية تخص انحرافات الدين المسيّس. وأن كل ممارسة تحمل صبغة الاسلام الديني يجب أن تخرج من تحت عباءة وهيمنة النص الوضعي المتطرف لأيديولوجيا الدين السياسي، وفي الاجهاز على كل تطلع يروم جعل الدين خارج مجرى التقاطع مع مجرى الحياة المعاصرة.

وأقصر الطرق لجعل الدين ثوابت انتقامية جاهزة، تستمد منها وتتخلّق عنها ايديولوجيات سياسية متطرفة وغير متطرّفة، هو في ممارسة عصمة ما يراد أن يساق ويساس به المجتمع، على وفق مسّلمات خرافية متخلفة متقاطعة دينيا مع روحية العصر وتحديث المجتمعات العربية الاسلامية.

من هنا نجد استحالة الجمع بين الرغبة في عصرنة الفكر الديني الى جانب عصرنة الحياة، وأن هذا التقاطع سيستمر لاستحالة خروج روحية العصر وتوقفها عن مسارها الطبيعي في التقدم الى الأمام، امام استحالة اخرى تتوازى معها وتقاطعها ممثلة في ثبات وتخلف الفكر الديني الوضعي المؤدلج سياسيا.

س41: ا. مراد غريبي: لكن هناك أيضا عنوان التبشير الديني بعوالم فوق المعقول الارضي، كيف يمكن فهمه؟

ج41: ا. علي محمد اليوسف: إن التبشير الديني بجنّة وعالم سعادة وحياة ما بعد الموت، يلبّي جميع الاماني المكبوتة عند الانسان في حياته الأرضية، والتي حرم منها والاستمتاع بها، وفي إشهاره التعذيب الجسدي والنفسي على الذات في نبذه طموحات ورغبات النفس الامّارة بالسوء، التي جعلت من الانسان العربي المسلم، كينونة وجودية طارئة خالية من أية قيمة انسانية فاعلة بالحياة، سيجدها متحققة في نيله ثواب الآخرة، وان يكن تحقيق هذه الاماني المغيبّة تشي بتعويض نفسي مخاتل ومنفصم.

إن مصدر اختلاق يوتوبيات سماوية، وأخرى أرضية هو الانسان وحده لا غيره، وتأتي توصيفات الدين لأجواء وسعادة تلك العوالم اليوتوبية تعويضا عن بؤس وشقاء الانسان بالحياة، وتعميقا استلابيا لأي قيمة ارضية تعطي الحياة معنى ان تعاش أمام طموح الحصول على جنان الخلد في السماء الذي لا يمكن تحقيقها الا في إعدام حياة الارض. ولا يقتصر التبشير بعوالم السعادة في السماء لما بعد الحياة على الارض دينيا فقط، بل هناك تبشير خلق يوتوبيات سعادة ارضية مصدرها الانسان ايضا، كما سعت له المفاهيم والعقائد (الاشتراكية)، في محاولتها إنزال جنة السماء الى/فوق الارض. أو خلق عالم يوتوبي آخر على الارض بمنطلقات دينية ايضا، لا علاقة له بيوم القيامة ولا بحياة اخرى بعد الممات، كما تبشّر به الديانة البوذية والوثنيات وتسعى تحقيقه على الارض.

كما أشرنا سابقا أن العالمين الافتراضيين، جنة السماء ويوتوبيات الارض بدايتهما ونهايتهما هو طموح الانسان على الارض والتخلص من شقاء الحياة، وحيرته في الوجود والبحث عن معنى الحياة. لكن يبقى الفرق جوهريا بين جنّة الدين في السماء، ويوتوبيا الحياة على الارض، في تطمين حاجة الانسان للسعادة والراحة.

الأبدية، فأمام استحالة تحقيق الانسان حلم السماء على الأرض، بوسائل ايمانية معجزة، يصار الأمر في بحث امكانية تحقق جنّة الانسان على الارض بقدرات انسانية وجهود واضحة ليست غيبية، ولا خارج تصورات الأرضي، وتفكير وفعالية الانسان العقلية، وقدراته العملية. والعديد من يوتوبيات الارض التي اخترعها الانسان وسعى إليها، لا تخرج عن مديات الامكان في التحقق ولو جزئيا. فرق آخر يمكننا ذكره بين جنّة السماء ويوتوبيا الأرض، إن الايمان الغيبي في جنّة السماء بعد الممات، تشلّ القدرات الممكنة للانسان جسديا وروحيا وتقعده عن العمل المنتج الجاد في نيل الحياة السعيدة على الارض واعتبارها نعمة زائلة وخادعة تصرف الانسان عن طموحه في السعادة الابدية التي تنتظره في السماء.

س42: ا. مراد غريبي: في ذات النسق سؤالي من جديد ماذا عن أدلجة الدين؟

ج42: ا. علي محمد اليوسف: الدين في قدسيته المتعالية و ثوابته المستمدة من وحدانية الخالق وقدراته غير المحدودة، التي وردتنا عبر الرسل والانبياء وقصصهم واحاديثهم وتصرفاتهم وكتبهم السماوية المنزلة عليهم بالوحي او الإلهام، وما تحمله من تشويهات طارئة عليها، ومبالغ فيها، كل ذلك جعل من الافكار الدينية المتعالقة معها بشروحات واضافات وتفسيرات غائية، تكريسا لظاهرة دينية متناسلة الحضور الزائف عبر الاجيال.

هذا الموروث الديني الكبير له دعاته ومريدوه ومفسّروه وشارحوه، ويتنازع هذا الموروث تيّاران، احدهما اراد نقل جميع التفسيرات والاجتهادات الدينية بما يعمّق الايمان الغيبي،بأن الدين علاقة (فردانية) روحية تربط بين الخالق وعبده ولا تحتاج الى وسائط بينهما من مجتهدين ودعاة ورجال دين،وحكام اوصياء على الدين مستبدين طغاة،الا فيما يُشكِل ويلتبس على المتديّن في مسائل تحتاج الى فتوى وتشريع يسّهل أمر الناس في دنياهم كالزواج والميراث وقضايا الاحوال المدنية .هذا التيار ومنذ اعلان الخلافة الراشدية كان يروم تغليب الاجتهاد الديني في الحياة على (الدولتي)الحاكم - السلطة للحياة . يقابله بالضد منه من يجدون في الدين نظام حكم ينقاد الديني وراءه في الحياة، ويسخّره لمقتضيات وضرورات الحكم الانتفاعية، بمعنى ان الأولوية للحكم الذي يسحب وراءه الدين كتزكية وتعبئة له، الذي يستمد مشروعيته ومقبوليته من فكر الدين والاجتهاد في تفسيراته المتعددة حسب مقتضيات الحال وضرورات الحكم، بل حسب مقتضيات الحاكم المستبد الواحد فقط لا غيره، الذي يقطع رؤوس معارضيه بسيف الافتاء الديني في اباحة وتمرير كل عمل يريد تنفيذه الحاكم في رعيّته، وتحت شعار مانع قاطع انه لادين في معصية الحاكم.

هذا الشكل المنحرف من الحكم بإسم الدين جرى تداوله عبر عصور طويلة من ظهور الاسلام، الى ان استقر به المقام اليوم في انشاء احزاب سياسية دينية تحمل ايديولوجيا الدين الذي تستمد حضورها الحاكم من مصدر السياسة تقود الدين، ولا يقود الدين السياسة لا في الحكم ولا في الحياة.

أصبحت تلك القراءات المنحرفة للدين تكريسا لنوازع الانتفاع الدنيوي في تسويق نفسها كإيديولوجيات دينية تحتمي بإرهاب الدين، الذي تفهمه وتفسّره حسب مصالحها، لا حسب مصالح الناس في الدين والحياة، وبحسب رفاهيتها في تسويق وافشاء التخلف والفقر والحرمان للناس باسم الدين. لا بحسب حاجة الناس لدين الحق والعدل والمساواة.

كيف يكون الدين حاجة مجتمعية مؤدلجة في حين هو في جوهره حاجة فردانية ايمانية فطرية؟!

ذلك تم ويتم بنقل الدين من طقوس عبادية تربط المتعبّد بالخالق الى جعل الدين ايديولوجيا سياسية مجتمعية بضوئها وبها يصار الى تحديد مصير الانسان على الارض قبل السماء. ولكي يكون الدين عامل اسعاد ايماني للمجتمع في الحياة، يجب ان يصار إعادته الى فاعليته الفطرية الاولى، كونه تفسيرا للحياة وموقفا ايجابيا سلوكيا واخلاقيا منها، من قبل الفرد المتديّن وليس من قبل اجماع الجماعة المخدوعة والمضّللة بمقتضى ايديولوجيا الدين.

إن مجتمعية التعبئة الدينية في ايديولوجيا التديّن المسيّس التي انشأتها مرجعيات تمدّها بأسباب البقاء، عملت على تخريب العلاقة الصحيحة في معادلة ثنائية الخالق والمخلوق، وأخرجت الدين من فضاء الفطرة الايمانية الاصيلة الى مفاصل الحياة التي تجعل من الدين وسيلة حكم لحكام يمتهنون السياسة والافساد في الارض.

  يتبع

 

حاوره: الأستاذ مراد غريبي

المثقف - مرايا حوارية

 22 - 10 - 2021

 

 

 

حاوره: الأستاذ مراد غريبي

المثقف - مرايا حوارية

 22 - 10 - 2021

 

 

2916 علي اليوسف ومراد غريبيخاص: المثقف: تستضيف المثقف الباحث الفلسفي المفكر الأستاذ علي محمد اليوسف ضمن مرايا فكرية، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:


 المحور الأول: التفكر الفلسفي عند الدكتور اليوسف: التشكل، المعنى، الفكر واللغة

س1: ا. مراد غريبي: من يكون الدكتور علي محمد اليوسف؟ كيف كانت بداياتكم مع المعرفة عموما والفلسفة تحديدا؟ وما هو تعريفكم للفلسفة؟

ج: أ. علي محمد اليوسف: باحث ومؤلف فلسفي مواليد مدينة الموصل 1944..

* عضو المجمع الفلسفي العربي.

* عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب العراقيين .

* عملت في السلك الدبلوماسي لمدة ثلاث سنوات معاون مستشار ثقافي بلندن 1986- 1990

* عملت في التعليم لمدة 31 عاما قبل التقاعد الوظيفي عام 1995

* نشرت عددا كبيرا من البحوث والدراسات والمقالات في معظم الصحف والمجلات العراقية والعربية منذ عام 1972

* نشرت عددا من البحوث الفلسفية في مجلة دراسات فلسفية /بيت الحكمة بغداد ومجلة مدارك ومجلة فكر السعودية، ومجلات وصحف عربية أخرى كما نشرت سلسلة مقالات فلسفية في صحيفة الزمان بلندن وصحيفة الديار اللندنية.

* انشر حاليا على موقع المثقف العربي الالكتروني في سدني وموقع كوة الفلسفي في المغرب وموقع الحوار المتمدن وموقع فلسفة الجزائري .وموقع النور في السويد.وموقع فيلوبريس في المغرب، وموقع المجلة الثقافية الجزائرية. اضافة لتفرغي في الكتابة والتاليف الفلسفي.

حائز على:

* تكريم مؤسسة المثقف العربي في سدني بدرع الابداع للعام 2018 كافضل باحث فلسفي.

* تكريم موقع كوة المغربي عام 2020 عضو هيئة تحرير الموقع.

* لقب دكتوراه فخرية بالفلسفة من اكثر من موقع فلسفي الكتروني. .

نتاجي الفكري والفلسفي:

* مؤلفاتي الفلسفية تجاوزت 24 مؤلفا في الفكر والفلسفة صادرة في بغداد وعمان وبيروت.

* اعتبر نفسي مفكرا فلسفيا بالنظر إلى منجزي الفلسفي التحليلي والنقدي المتواضع

 مؤلفاتي:

* كتاب فلسفة الاغتراب في طبعتين الأولى عن دار الشؤون العامة ببغداد عام 2011، والثانية طبعة دار الموسوعات العربية في بيروت عام 2013. ويصدر قريبا طبعة ثالثة عن دار غيداء عمان الأردن .

* الحداثة إشكالية التوصيل والتلقي، دار الشؤون الثقافية ببغداد عام 2013 بمناسبة بغداد عاصمة الثقافة العربية ودار روافد ببيروت نفس العام.

* استقصاءات في الفكر العربي والفلسفة/ دار دجلة بعمان عام 2014.

* العولمة بضوء نهاية التاريخ وبروز ظاهرة الإرهاب/ دار دجلة بعمان 2015.

* جهات أربع: مقاربة في وحدة النص/دار دجلة بعمان 2010

* ميتافيزيقا الموت والوجود/ دار مؤسسة الانتشار العربي بيروت 2014.

* إشكالية الثقافي العربي/مغايرة التجاوز والتجديد/دار جرير بعمان 2015.

* مناظرات نقدية في الفلسفة والفكر دار غيداء 2016

* آراء ومفاهيم ممنوعة من الصرف، صدر عن دار غيداء 2017.

* الكلمات ومحمولات المعنى/ دار غيداء2019.

* افكار وشذرات فلسفية /دار غيداء/2019.

* نقد الفلسفة الغربية المعاصرة دار غيداء 2019

* العقل والوجود في الفكر واللغة. دار غيداء 2019

* قضايا فلسفية في المنهج المادي الجدلي دار غيداء 2019.

* مناظرات نقدية في الفلسفة والفكر دار غيداء 2020.

* قراءة نقدية في مباحث فلسفية غربية معاصرة عن دار غيداء 2020 يصدر قريبا عن دار غيداء بالاردن ايضا.

* مأزق التحول اللغوي في الفلسفة المعاصرة دار غيداء 2021

* تحت الطبع:الزمان والفلسفة /الدين والفلسفة /فلسفة الاغتراب طبعة ثالثة/ الفلسفة الغربية المعاصرة .. رؤية نقدية.

مارست النشر في الصحف العراقية والعربية منذ سبعينيات القرن الماضي، وانتقالتي الثقافية النوعية كانت نحو الفلسفة تحديدا في عام 2004 حين اصدرت كتابي فلسفة الاغتراب طبعة محدودة على نطاق مدينة الموصل ونشر بعدها بطبعتين الاولى عام 2011، عن دار الشؤون الثقافية ببغداد والطبعة الثانية عن دار الموسوعات العربية في بيروت عام 2013، ويصدر طبعة ثالثة عن دار غيداء بالاردن قريبا.

حيث إنتقالاتي هذه، لم تأت حصيلة دراسة اكاديمية، بل جاءت نتيجة تراكم خبرة ثقافية متنوعة مارستها كتابة ونشر لما يزيد على اربعين عاما، اذ كتبت مجموعة شعرية بعنوان (توهج العشق .. احتضار الكلمات) وكتبت في متنوعات الاجناس الادبية في القصة القصيرة والنقد وفي الثقافة عموما فكانت الحصيلة صدور كتابي (جهات اربع .. مقاربة في وحدة النص) صدر عن دار دجلة في عمان عام 2010.

استطيع اختصر لماذا تحوّلت حصيلة مجهوداتي في النشر والتاليف الادبي والثقافي عموما لتستقر في الفلسفة:

- الاولى أصبح عندي نفسيا ميلا شديدا نحو الفلسفة يؤمن لي هاجسي المدفون في اعماق تجربتي الادبية والصحفية المتواضعة التي وجدتها لا تلبي ما يعتمل في دواخلي النفسية الفكرية من ميل كبير نحو الفلسفة. حيث نضجت تماما عندي في منشوراتي ومؤلفاتي الفلسفية بعد عام 2015 تحديدا.إذ كانت كتاباتي ومؤلفاتي مزيجا من الادب والفكر تتخللها مطارحات فلسفية.

- الثاني اني لم اكتب مقالا واحدا بالفلسفة متاثرا بالنمط التقليدي الاكاديمي والمترجم في نسخ اجتزاءات من تاريخ الفلسفة تعنى بفيلسوف معيّن بشكل حرفي اكاديمي استعراضي يعتمد مرجعية ومصدر تاريخ الفلسفة في متراكمه الاستنساخي الثابت المعاد والمكرر، كما وردنا في قناعة خاطئة على أن تاريخ الفلسفة لا يحتمل النقد النوعي في التصحيح أو الاضافة بل إعتماد النسخ الاستعراضي المشبع بالتمجيد المجاني.وكان السائد أن تاريخ الفلسفة هو من القدسية التي مرتكزها الثابت إعادات وتكرارات لسير ذاتية تخص حياة ومنجزات فلاسفة قدامى ومحدثين منسوخة اعمالهم في الترجمة الحرفية اشبعت تناولا فلسفيا عند عشرات من الاكاديمين العرب العاملين على ترجمة قضايا الفلسفة الغربية في غياب منهج النقد من جهة والشعور بعدم الندّية المتكافئة مع آراء اولئك الفلاسفة بالحوار الموضوعي فلسفيا.

- بخلاف هذا المعنى والتوجه مارست الكتابة الفلسفية (نقدا) منهجيا عن يقين ثابت لافكار كبار فلاسفة غربيين وجدت في ثنايا مقالاتهم وكتبهم الفلسفية ثغرات خاطئة لا يمكن التسليم والاخذ بها وتمريرها كمسلمات دون مراجعة نقدية صارمة لعيوبها المستترة خلف اسم وفخامة وسمعة الفيلسوف فقط في غض النظر على صعيد مناقشة افكاره. واترك مسالة التوفيق والنجاح في مسعاي النقدي الفلسفي في كتاباتي ومؤلفاتي للقراء والمتخصصين في الفلسفة.

- من الجدير الذي اود التنويه عنه اني كنت في مسعاي المنهج النقدي الفلسفي وهو مشروع بدئي عربي متواضع صائبا في تقديري سبقني به غيري، أن تاريخ الفلسفة الغربية قديمها وحديثها مليء بالمغالطات والاخطاء القاتلة وميتافيزيقا الافكار ومقولات فلسفية وهمية سفسطائية لا قيمة حقيقية لها تقوم على مرتكز مخادعة التفكير الفلسفي ذاته وليس مغالطة معنى اللغة في التعبير عنه.

- اذ كانت البداية الحقيقية في نظرية التحول اللغوي ومتابعة فائض المعنى اللغوي علي يد فيلسوف البنيوية دي سوسير عام 1905 ليعقبها بعد ذلك فينجشتين وفلاسفة البنيوية وعلماء اللغة تلتها الوضعية المنطقية حلقة فينا اعقبتها تاويلية بول ريكور وتفكيكية جاك دريدا ليستقر مقام فلسفة اللغة التي اصبحت الفلسفة الاولى في تاريخ الفلسفة الحديث منتصف القرن العشرين بعد تنحية ابستمولوجية فلسفة ديكارت كفلسفة اولى جانبا والتي استمرت قرونا طويلة. وبعد استلام فلاسفة وعلماء اللغة الاميركان راية فلسفة اللغة من الفرنسيين والالمان والانكليز حلقة اكسفورد في فلسسفة اللغة التحليلية الوضعية بزعامة براتراند رسل، جورج مور، كارناب. فينجشتين وغيرهم.

خلاصة كل هذا التطور في تاريخ الفلسفة كان هاجسه تاكيد حقيقة أن تاريخ الفلسفة معظمه كان افكارا وهمية سببها المباشر الاول عدم دقة فهم تعبير اللغة في تناول قضايا فلسفية مفتعلة لا قيمة حقيقية لها، ولم يتم التنبيه الى معالجة اخطائها الفادحة الا في وقت متاخر مع ظهور فلسفة اللغة والتحول اللغوي في نظرية المعنى. ولي في عدة مقالات منشورة وموزعة في ثنايا مؤلفاتي رأيا توضيحيا في معنى التحول اللغوي وفلسفة اللغة والى ماذا اوصلت تاريخ الفلسفة ربما يتاح لي عرضه لاحقا.

 س2: ا. مراد غريبي: بحكم تبحركم في اغوار التراث الفلسفي ومديات الفلسفة الحديثة والمعاصرة هل لديكم تعريف خاص بكم للفلسفة؟

ج2: أ. علي محمد اليوسف: أقولها بأمانة وصراحة أني في كل كتاباتي المنشورة ومؤلفاتي لم اكن سوى طالب معرفة فلسفية لا زلت امارس رغبتي هذه من منطلق استزادة الاطلاع على مباحث فلسفية اجنبية غربية تحديدا، ولم أبلغ مستوى التبحر في أغوار التراث الفلسفي الذي لا يسعني استيعاب النزر اليسير منه بما يحتويه من متراكم خبراتي فلسفي تاريخي لا يمتلك رغم ضخامته تزكية الصواب المليء بالحشو الزائد.

أستطيع القول في نقاط:

* أن انتقالاتي في الكتابة الفلسفية التي لا تتمحور في غالبية مؤلفاتي في منحى فلسفي واحد تعطي إنطباعا لا أنكره على نفسي وبعض الاساتذة الباحثين في المجال الفلسفي اني استطعت تجاوز حاجز الكتابة التخصصية في موضوع فلسفي معين واحد.

* منهجي الفلسفي الذي إعتمدته بكتاباتي تحكمه الضوابط المنهجية التالية التي لم أحد أو أتراجع عنها:

- عدم التزامي المنهج الاكاديمي الذي يعتوره إستنزاف مجهود الباحث في تغطية سطحية التناول الإستعراضي (مرجعية ثبت هوامش المصادر والمراجع) باللغات الاجنبية في التناول الفلسفي الذي يعتمد الترجمة الحرفية وبتقديس مسرف لما يقوله الفلاسفة الغربيون على أنه يمّثل حقائق الامور. الفلسفة أكاديميا في التدريس والتلقي عند الطلبة في الجامعات العربية من أسوأ أخطائها أنها غيّبت الحس النقدي الممنهج على حساب ترسيخ إعتياد الحفظ والاستظهاراليقيني الساذج بعيدا عن الرؤية المنهجية النقدية.

- عمدت الابتعاد التام الكامل عن كتابة العروض الهامشية لافكار فلسفية وردتنا بهالة من المكابرة الفارغة التي أسبغناها عليها، في إهمالنا أهمية ممارسة النقد الفلسفي وبذر نواته لدى طلبة الفلسفة واساتذتها اننا لا يجب ان نتهيب اسم الفيلسوف في اعدام حقنا المكتسب ضرورة ممارسة منهجية النقد في دراساتنا الفلسفية. واستطيع القول بكل ثقة وامانة اني لم اكتب مقالة فلسفية واحدة لم امارس فيها منهج النقد الفلسفي في مقارعة الحجة بالحجة من منطلق التكافؤ الفكري لا من منطلق مشاعرالاحساس كما يروج له البعض ويمارسه من عتبة الادنى بالنسبة لفلاسفة غربيين. ولم أقرأ لفيلسوف غربي أجنبي لم يلازمني في افكاره هاجس النقد في بعضها رغم كل إعجابي به كفيلسوف صاحب نظرية فلسفية خاصة به..

س3: ا. مراد غريبي: سعادة الدكتور اليوسف استسمحكم: العديد من القراء لكم يطرحون سؤالا على جانب من الوجاهة:

- لماذا كانت كل كتاباتك ومؤلفاتك هي عن الفلسفة الغربية فقط، ولم تتناول الفلسفة العربية الاسلامية كما فعل العديد من المفكرين العرب الكبار بهذا المجال؟

ج3: أ. علي محمد اليوسف: أستطيع تثبيت وجهة نظري حول هذا التساؤل بالتالي:

1- لا أمتلك التخصص الاكاديمي الفلسفي في الفلسفة العربية والاسلامية التي تطغى عليها مركزية مراجعة التراث في تدوير منطقي لا يخرج الا نادرا قليلا في تناول قضايا فكرية فلسفية مالم تكن متوازية مع تطويعها لفقه الاجتهادات الدينية الاسلامية.

وهذا مؤشر جوهري أن الباحث في الفلسفة العربية الاسلامية لا يمتلك حرية النقد المنهجي الموضوعي الا وهو مغترب يعيش في بلاد المهجر. طبعا يوجد استثناءات معاصرة مارسها استثنائيا مفكري المغرب العربي في مرحلتي القرون الوسطى الاوربية وفي مرحلة الفلسفة المعاصرة التي تقوم على ثنائية اصطراع التراث والحداثة التي لم تنتج لنا مشروعا فلسفيا بل انتجت لنا صراعات فكرية على مستوى النخب الفكرية الفلسفية..

2- ما يطلق عليه فلسفة عربية اسلامية تمتلك هويتها المستقلة ومشروعها الفلسفي الخاص بها لا وجود لها لا قديما ولا حديثا ماعدا استثناءات وردت في التماعات فلسفية كانت ضمن عروض افكار الفلاسفة الغربيين. اذا كان المقصود بالفلسفة العربية الاسلامية هي الفلسفة التي سادت منذ القرن الحادي عشر الميلادي فهي ليست فلسفة معرفية وانما هي فلسفة كتابة هوامش وتوثيق تدويني قامت بمهمة الحفاظ على ماوردنا مترجما عن الفلسفة الغربية اليونانية القديمة وبعضا من فلاسفة فارس والصين والهند، وهي الفلسفة التي إخطت لها مسار الترجمة عربيا قديما منذ القرن الرابع الهجري وما تلاه في حكم الخلافة الاسلامية في العصر العباسي وتحديدا زمن خلافة المامون الذي فتح مغاليق الاحتجاب عن الفلسفات الاجنبية السائدة آنذاك في الصين وبلاد فارس واليونان في تاسيس بيت الحكمة وتشجيعه الترجمة العربية لانجازات اجنبية فلسفية وادبية وثقافية عموما..

أما أن نقصد بالفلسفة العربية الاسلامية التي أنتجت لنا ابو حيان التوحيدي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن خلدون وابن رشد..

أ. مراد غريي: استسمحكم الدكتور والغزالي كذلك

... فقد كانوا اصحاب مشروع فلسفي لم يكتمل وانتكس بسقوط غرناطة وانتهاء الوجود الاسلامي في الاندلس 2 يناير /كانون الثاني 1492 ميلادية الموافق 897 هجرية. وظهور بوادر خلاص اوربا من عصور تخلف القرون الوسطى وبداية اكتشاف القارة الامريكية. اضافة الى بروز خلاف مستحكم اشار له الفيلسوفين محمد عابد الجابري ومحمد اركون وبعض مفكري وفلاسفة المغرب العربي المعاصرين بين العقل المشرقي المستقيل الذي كان حجر عثرة في ترسيخ الجمود ومحاربة الاجتهاد الفكري الثقافي عموما الذي إمتاز به العقل المغربي العربي الخلاق القائم على موروث حضارة الاندلس اكثر من اعتماده الموروث الفلسفي المشرقي الذي غلبت عليه نزعة التصوف الديني والاشتغال الفقهي الاسلامي..

3- لعلي لا اكون متجنيا متنكرا لميراثنا التاريخي بمجمله هو اننا لم نجد على مدى عصورنا أن قام بعض مفكرينا وفلاسفتنا باكثر من محاولة تطويع الفكر الفلسفي اليوناني المترجم المنقول الى سجنه خلف قضبان المنع والتحريم وعدم التقاطع مع مفردة فقهية اسلامية واحدة باسم تغليب مفردة الفلسفة على فقه الدين. فكان ما نطلق عليها فلسفة عربية اسلامية لا تستطيع امتلاك حرية الاجتهاد الفلسفي من جهة كما ولا تمتلك امكانية الخروج على نوع من توفيقية مخاتلة تلفيقية مهادنة مع الدين تستطيع تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية، فبقيت اسيرة شروحات غير خلاقة ولا مبدعة في مجال تحقيق هوية فلسفية عربية اسلامية خاصة. واذا سمحنا لانفسنا المقارنة بين الفلاسفة المسلمين المحافظين وبين فلاسفة الصوفية المنكوبين الذين تمت تصفيتهم ببشاعة رهيبة لادركنا جيدا لماذا تسّيد منطق الجمود وغلبته منطق وفلسفة التجديد والانفتاح عند الفلاسفة العرب الذين حاولوا التوفيقية التلفيقية بمداهنة سطوة الفقه الاسلامي مدعومة من الحاكم مع العروض الفلسفية. وغالبا ما كان الاجتهاد الفلسفي العربي الاسلامي يحتجب خلف مرويات من القص الذي تتسيده لغة الالغاز والايهام في إعتماد اللغة على لسان الحيوانات.2916 علي اليوسف ومراد غريبي

س4: ا. مراد غريبي: جميل جدا سعادة الدكتور اليوسف، وماذا عن تعريفكم الخاص للفلسفة؟

ج4: أ. علي محمد اليوسف: أود قبل تعريفي لها الاشارة الى عدم وجود تعريف يكون مصطلحا جامعا متفقا عليه. من حيث تعريفات الفلسفة هي من الكثرة بعدد تعريفات الفلاسفة الذين يعرّف كل واحد فيهم الفلسفة بضوء مرجعية تفلسفه هو لا مرجعية غيره في حب الحكمة منذ القرن السادس اليوناني قبل الميلاد. وكي لا اثقل واطيل على القاريء في ضرب العديد من الاستشهادات المختلفة بلا حدود حول تعريف الفلسفة اقول تعريف الفلسفة بالنسبة لي الذي أرجو ان اكون موفقا به: الفلسفة تعبير منطقي لغوي تجريدي يحاول فهم الحياة بشكل مغاير تماما عن فهم المجموع لها وليس من مهام الفلسفة تغيير حياة الناس، لأنها تجريد غير خاضع للتطبيق بالحياة كما ذهب له كلا من ماركس وراسل على السواء رغم مادية الاول ومثالية الثاني.

س5: ا. مراد غريبي: رائع جدا، طيب دكتورنا العزيز، أي المناهج الفلسفية استقطبتكم ولماذا؟

ج5: أ. علي محمد اليوسف: قبل الجواب المباشر عن التساؤل الذي ساورده لاحقا اود الاستطراد قليلا حول مفهوم المنهج الفلسفي.

- هل المنهج ضرورة معرفية تلازم الباحث بالتفكير ومعالجته لقضية أو مشكلة هي قيد الطرح والمناقشة والتجاذب التنظيري المختلف بشأنها؟

- ما المقصود بمنهج البحث؟

- هل منهج البحث في العلوم الانسانية هو نفسه منهج البحث العلمي الطبيعي؟ وهل كليهما يصلحان كمنهج فلسفي؟

- هل منهج التفكير يقي الباحث ويجنبه الانزلاق نحو/في التشتت التفكيري المليء بالاحتمالات ووجهات النظر المتباينة المختلفة التي تعتورها الاخطاء وتفتقد معيارية المرجع اليقين؟

حينها تكون المادة البحثية أو القضية التي يتم تناولها المعرفي والنقاشي تفتقد الرؤية التفكيرية الممنهجة في رغبة الوصول الى تثبيت حقائق مرسومة سلفا في ذهن الباحث ولا يحققها له غير منهج تناولها التفكيري. كي تخلص قراءة كل نقد لا منهجي من الضياع الفكري المشتت في ثنايا الموضوع المراد بلوغ حقائقه اليقينية.

من ناحية التعريف:

* كل منهج تفكيري هو وعي قصدي عقلي في الوصول لهدف مرسوم سلفا في الفكر قبل أعتماد وسيلية المنهج القائم على قواعد وضوابط وأحكام خارجية تحضر كقوالب أحتواء التفكير العقلي لا يحيد عنها التوزيع المعرفي الممنهج كما هو في قانون وحدة الاواني المستطرقة الفيزيائية...

بمعنى أحكام وقواعد التفكير لا يمكنها الخروج على ما هو معد سلفا لها من قوالب تحتويها في تطويعها لما يراد صبّه فيها من قضايا باسم المنهج الفلسفي كما اراد ذلك ديكارت.

تاريخيا:

منهج التفكير الفلسفي كان مطروحا ومارسه غالبية فلاسفة اليونان قبل سقراط وبعده وصلنا في أبرز قطبين كانت افكارهما تتسم بالمنهجية الاستقرائية والاستنباطية التي تقود الى قناعات لم تكن خارج تفكير الفيلسوف الوصول لها، كما هو حال إختلاف منهج افلاطون عن ارسطو من حيث الاطار العام وليس من حيث التفاصيل التي يكمن فيها الانزلاق الاختلافي نحو اللامنهج كقالب يمتلك محددات صارمة في الاحتواء.

فقد تكون الاطر العامة هي الغالبة في تحديد منهج التفكير ولا تمتلك التفاصيل غير الاجتهاد البحثي الانطباعي الفردي الذي ربما يكون لا ينسجم بالتبعية المنهجية مع الاطار العام للمنهج البحثي.

المنهج الذي يعتبره الباحثون الفلاسفة هو مجموعة القواعد والاحكام والاساليب التي تقود الوصول الى حقيقة الشيء هي محددات خارجية منهجية في اطارها العام لكنها لا نجدها تدخل تفاصيل المبحث قيد الدراسة المنهجية. لذا يكون المنهج اطارا عاما فقط وتغلب على معظم التفاصيل الداخلية الاجتهاد الفكري للباحث ورؤيته النقدية الانطباعية الخاصة به لا بموضوعية المنهج..

لا يوجد منهج يحكم الموضوع أو قضية البحث في مجمل اطارها العام مع تلازم محتواها.

ديكارت والمنهج:

أول من أثار أهمية المنهج في مبحث الفلسفة الحديثة على أساس يقوم على الشك الذي يقود الى الحقيقة الصائبة اليقين هو ديكارت في القرن السابع عشر في كتابه: (مقال في المنهج) الذي أصبح ايقونة فلسفية في عصره وفيما تلا عصره ايضا وفيه يجيب ديكارت على سؤال مالمقصود بالمنهج قوله:

"المنهج جملة قواعد مؤكدة، تعصم الالتزام بها ومراعاتها ذهن الباحث من الوقوع في الخطأ، وتمكنه من بلوغ اليقين في جميع ما يرغب معرفته دون أن يستنفد قواه في جهود ضائعة ".

 ربما سبقه بهذا التوجه بيكون في كتابه الاورجانون عام 1600م، والفرق بين الاثنين هو أحدهما:

- ديكارت كان يبحث عن المنهج التفكيري الفلسفي العلمي على نطاق منطق الفكر التجريدي في المعرفة.

- وبيكون كان يضع عتبات المنهج التجريبي العلمي في فهم الحياة بواقعيتها.

رؤيتي حول المنهج:

بالنسبة لي أجد في المنهج أنه: أسلوب تفكير عقلي في فهم الحياة، وهذا المنظور قائما على أن قوانين العقل تعلو قوانين الطبيعة في ثباتها وتصنع قوانين الحياة في تطورها. لذا لا اجد هناك مثالية بالمنهج كما مارسه الفلاسفة المثاليين الذين يفهمون المنهج كما ارساه ديكارت بالفلسفة على انه وسيلتنا في اكتساب المعرفة المجردة. بمعزل عن مهمة تغيير الحياة التي نحياها. اعتمدت في كتاباتي المنهج المادي الجدلي بمفهومه الابستمولوجي وليس بمفهومه الايديولوجي العقائدي ممثلا بالماركسية. هذا الفرق كنت على دراية الفرز فيه عندما هجر ماركس الفلسفة حين نال شهادة الكتوراه بالفلسفة عام 1881 عندما وجد استحالة تحويل منهج التفكير الفلسفي تجريديا القيام مقام ما كان يسعى تحقيقه في البحث عن ايديولوجيا سياسية تتولى تغير واقع التفاوت الطبقي في الاقتصاد السائد مجتمعيا فهجر الفلسفة وكرس معظم حياته في كتابة رأس المال معتمدا مرجعية الاقتصاد السياسي وليس تجريد نظريات الفلسفة. بخلافه تماما كان بريتراندرسل مؤمنا ايمانا راسخا انه ليس من مهام الفلسفة تغيير الحياة ولا حتى الانتفاع منها حين وصف الفلسفة البراجماتية الذرائعية الامريكية انها فلسفة نذلة خسيسة تسعى تحقيق المنفعة.

وفي وصولي الى قناعة لا يمكن تغييرها في حقيقة الفلسفة تجريد منطقي متماسك مستقل في بناه الفكرية عن معالجة قضايا الحياة كما تفعل ايديولوجيا السياسة وتجارب العلوم الطبيعية التطبيقية اتخذت من المنهج المادي الجدلي وسيلة تفكير في فهم قضايا الفلسفة بما هي فلسفة وليست بما هو ليس منها ان تكون علما تجريبيا أو أيديولوجيا سياسية وهو ما يلمسه واضحا القاريء في بعض كتاباتي.

س6: ا. مراد غريبي: هل الفلسفة غايتها انتاج علوم الطبيعة والانسان والكون ام ماذا؟

ج6: أ. علي محمد اليوسف: يقول ويل ديورانت في كتابه المرجع قصة الفلسفة (أن العالم نظام لكنه ليس موجودا في العالم نفسه، بل الفكر الذي عرف العالم وأدركه هو المنّظم لهذا العالم، وأن قوانين الفكر هي قوانين الاشياء) ونجد أهمية مناقشة رأي ويل ديورانت بضوء أن هيجل يعتبر أيضا (قوانين الطبيعة هي قوانين العقل التنظيمية، وقوانين المنطق وقوانين الطبيعة شيء واحد).

ربما تبدو مصادرة فكرية متسرعة غير لائقة أن لا نعتبر فكر الانسان لم ينّظم عالم الطبيعة الا في قوانينها المكتشفة له علميا فقط، وأنه نظّم عالم الاشياء المدركة من حوله لكن تم ويتم ذلك في تأكيدنا حقيقتين أثنتين:

 الأولى: أن عالم الاشياء لم يكن قبل أدراك الانسان له غير موجود بأية صورة أو شكل من أشكال الوجود المنظّم سواء أكان ذلك الوجود السابق منظما بقوانين ثابتة كما هي الطبيعة أم تحكمه قوانين عشوائية متغيرة موضوعيا في تداخلها مع أدراكات الانسان لها وتعديل وجودها كما في عالم صنع الانسان لحياته في كل مناحيها بعلاقته بظواهرالطبيعة ومواضيعها، بمعنى أن وجود عالم الاشياء سابق على أدراك الانسان له، وتنظيم الانسان لوجود عالم الاشياء هو الحافز الاساس لإدراكه تلك الموجودات، والعامل الأهم أنه ينظم مدركاته للاشياء التي هي بالنتيجة تنظيم حياته ووجوده، والفكر الانساني لا يعمل في فراغ وجودي مادي أوفي فراغ غير موضوعي متخيّل من الذاكرة ولا في فراغ تجريدي ذهني يلغي مؤثرات علمية ثابتة ومعرفية عديدة في فهم وبناء الحياة الانسانية...

فالفكر نتاج عقلي لا يعمل بغياب موضوع تفكيره، بل الفكر قوة مادية يكتسب ماديته من الجدل المتخارج مع موضوعه.. والفكر من غير موضوع مدرك له غير موجود في نظام العقل في وعيه الاشياء، أي لا يعي أدراك ومعرفة الموجودات،لأن غياب موضوع الادراك يعني غياب وجوده المادي أو المتخيّل الذي يعطي الافكار نظامها الادراكي المقبول المتسق بين موضوع الادراك وإدراكية الانسان العقلي له ..

 الثانية: في إشتراط توفرها في الفكر لكي يكون فاعلا منتجا، أنه لا وجود لشيء بظواهر وماهية أي متعيّن في شكل ومحتوى مادي يدركه الانسان في الطبيعة وعالم الاشياء انطولوجيا لا يتمتع بنوع من القوانين التي تحكم علاقته الذاتية الخاصة به كجوهر وصفات، مع العلاقة الادراكية بالانسان كفعالية فكرية تنظم وجود الاشياء وتعمل التعريف بها وإكسابها تخليقا وجوديا مستحدثا، وأن ما يخلعه الفكرالانساني من معارف في تعديله تلك القوانين في عالم الاشياء أنما هي قوانين إدراكية فكرية لم تكن موجودة قبل ملازمة الاشياء للفكرالانساني لها الذي يريد فهمها وتفسيرها وتنظيمها،.. وليست قابلية الفكر الانساني إنشاء قوانين تخليقية بغية إيجاده كائنا او شيئا آخر جديدا لم يكن موجودا كما يرّوج له فلاسفة المثالية...الفكر لا ينتج عوالم الاشياء ماديا في وجودها الطبيعي من لا شيء متعيّن يسبق وجوده تفكيرالانسان المنظّم به....وعالم الاشياء والموجودات في الطبيعة هو عالم مادي رغم أن وسيلة تخليقه وبنائه المعرفي تقوم بالفكر واللغة التعبيرية المجردة التي تعتبر بمثابة المنهج والدليل الذي يقود الانسان الاهتداء به كنظريات وقوانين في تغيير عوالم الاشياء وفي مدركات الطبيعة معا..

 إن نظام العالم الطبيعي الخام ونظام العالم الانساني المخترع المصنوع كيفيا متمايزا ومبتكرا في قوانينه في تلازمهما معا عرف بهما الانسان كيف ينظّم أفكار أدراكاته بما يفيده منها في عالم تفاعله الادراكي مع عوالم الاشياء من حوله، كما أن الانسان في تخليقه لعالمه الانساني المتطور علميا ومعرفيا وعلى مختلف الصعد والنواحي وفي كافة المجالات لم يستمد تقدمه الا بمفارقته (وهم) فرضية أن قوانين الفكر التي يبتكرها ويخترعها الانسان تسعى في حقيقتها المطابقة مع قوانين الاشياء بما يقعد تطور وتبديل وجود الاشياء المحكومة بقوانين ذاتية وموضوعية ثابتة قبل محاولة الانسان تغييرها من جهة، كما أن مطابقة الافكار لموجودات الاشياء والقوانين التي تحكمها ليس رغبة الاكتفاء بمعرفتها دون أرادة تغييرها وتبديلها،وبغير ذلك نجعل من الفكر مثاليا أبتذاليا ساكنا في علاقته بواقع الاشياء في وجودها المادي الساكن أيضا في الطبيعة، وبذلك لا يتم تبديل الواقع بالفكر، ولا تطوير الفكر بعلاقته الجدلية بتغيرات وتحولات الواقع....

الفكر الذي يعمل على تطوير واقع الاشياء إنما هو الآخر يتطور في مجاراته تطورات الواقع ومجاوزتها في تعاليه عليها باستمرار...الحقيقة المادية أن الواقع يخلق تفكير الانسان لكن تغيير الواقع تقع على مسؤولية وعاتق الانسان وليس مسؤولية تجريد الفكر.

وفي الفرضية الخاطئة التي تقود الى نتيجة خطأ أيضا هو في أعتبار عملية أدراك الانسان الاشياء هو في سعيه مطابقة قوانينه المستحدثة مع قوانين الاشياء في وجودها قبل إدراكها وهو إفتراض وهمي غير حقيقي ولا يمكن الانسان فهم وتنظيم عوالمه الحياتية بهذا التنميط من التفكيرالسلبي مع إدراكاته لعوالم الاشياء في وجودها الطبيعي.. بل أن تداخل الاشياء المدركة مع الفكر في جدل ثنائي متبادل يكسبهما كلاهما التغيير والتطور وبغير هذا الفهم معناه نفي أن يكون هناك فائدة من وعي الانسان لموجودات الطبيعة وأستحداث رؤيته وقوانينه لها..

النتيجة التي يحرزها الفكر بالنهاية من هذه العملية هو أن تكون قوانين الفكر هي قوانين الاشياء في الواقع... بمعنى أصبح ما نمتلكه عن الاشياء من افكار نتيجة مدركاتنا لها هو وحده الذي يعطي وجودها الحضور الواقعي في حياتنا...

في عالم الاشياء التي جرى اختراع وسائل تغييرها وخلقها المتجدد من قبله...

عن جدلية العلاقة بين الفكر والواقع

لا يوجد علاقة جدلية بين الواقع المادي والفكر كما هو متداول في ادبيات النزعات المادية الفلسفية، بل علاقة الفكر مع الواقع هي علاقة تكامل تخارجي معرفي بينهما فقط.

كما لا تمتلك الاشياء قوانينها الخاصة التي تقود الفكر الانساني بها وتجرّه وراءها، بل العكس من ذلك الفكر في إدراكاته الاشياء وعالمه الانساني الواقعي هو الذي يقود تبديل وتغيير الاشياء وقوانين وجودها قبل تدّخل إرادة الانسان في وجوب تغييرها نحو الافضل بالنسبة له وليس بالنسبة للاشياء في محيطه الادراكي، الاشياء وموجودات العالم الخارجي لا قيمة حقيقية لها ولا وجود مؤثر من غير إمتلاك فكر الانسان لها وإيجادها متخلقّة ثانية في نمط متجدد من التخليق التطوري المستمر لها على الدوام من قبل الارادة الانسانية...

س7: ا. مراد غريبي عفوا، أستاذنا الفاضل دكتور علي اليوسف، ما علاقة الفكر بالواقع المادي للاشياء؟

ج7: أ. علي محمد اليوسف: وجود الاشياء في الطبيعة كان وسيبقى وجودا ناقصا ومبهما غير واضح يستهدي بما يخلعه عليه الفكر الانساني من تخليق لا يمثل أستجابة ورغبة العقل الانساني مطابقة نظام الاشياء في وجودها مع مبتكراته الفكرية في تخليقها وتنظيمها مجددا، بل في سعي الفكر الانساني تعديل وتغيير تلك القوانين بما يجعل الفكر الانساني يصنع قوانين عوالم الاشياء من جديد، ولا يسعى التطابق معها في معرفتها وتفسيرها فقط...

من المهم التأكيد أن الفكر الانساني هنا لا يتعامل مع قوانين الطبيعة وموجوداتها ومكوناتها غير المكتشفة والمدركة من قبله،وليس كل ما يعرفه الانسان من قوانين الطبيعة الثابتة المكتشفة يصار الى تغييرها لمجرد التغيير في إثبات قابلية الفكر الانساني التطورية والتغييرية...

فهناك قوانين مكتشفة في الطبيعة جاهزة في تنظيمها وإتقانها لتوضع في خدمة الانسان من غير الدخول في مهمة تخريبها بإسم تخليقها وتجديدها..

مثلا: ما أهمية أن يقوم الانسان بمحاولة يائسة بائسة في عجزه تغييره نظام الجاذبية؟؟

هنا لابد لنا من توضيح إلتباس قد يقع فيه البعض حول علاقة الفكر بالواقع المادي للاشياء... أننا نسلّم بحقيقة أن الفكر إنعكاس للوجود السابق عليه دوما، لكن الفكر لا يدخل مع أدراكه الموجودات بعلاقة ميكانيكية ساكنة تكون الغلبة فيها والارجحية لموجودات الاشياء الواقعية قيادتها هي للفكر في توجيهها له كما تذهب الفلسفات المثالية، بل الفكر في إدراكه الموجودات يدخل معها في جدل متبادل تخليقي تكون الكلمة النهائية فيها للفكر وليس للوجود الذي أصبح غيره الوجود بعدما جرى تخليقه فكريا،من هذا التوضيح نفهم أن الوجود لا يقود الفكر بل الفكر هو الذي يدرك الوجود ويقوده ويعمل على تخليقه في تجديد متطور على الدوام.. الوجود حافز مدرك لانتاجية الفكر، لكنه – الوجود - يعجز عن إنتاج قوانين جديدة غير ثابتة فيه بمعزل عن قيادة الفكرله..

 والفكر يخلق نظام الاشياء التي ليس لها قوانين منتظمة خاصة بها أو لا تمتلك تلك الموجودات حضورا وجوديا فاعلا قبل إدراك الفكر الانساني التخليقي لها، ومن دون إدراكات العقل وإبتكاره قوانين غيرموجودة وغير محدودة في تشكيل وبناء عوالمه لا يكون هناك قوانين للاشياء يجدها الانسان مطابقة ومتجاوزة في وقت واحد لما أصبح يمتلكه عنها ليس ليتطابق معها بل من أجل تغييرها....

لذا نجد أن إمتلاك الانسان لقوانينه الخاصة به لا يمكنها أن تكون من وحي نظام الاشياء فقط التي يسعى الفكر الانساني عدم المطابقة معها أو أن ما يمتلكه الانسان من قوانين مبتكرة هي مستمدة من محاولته السعي مطابقتها مع قوانين الاشياء في فهمها فقط دونما تطويرها وتغييرها....

إختراع الانسان لقوانينه الخاصة في تشكيل عوالمه في الحياة التي هي دوما مجاوزة مستمرة لما يحكم قوانين الاشياء من جمود وثبات قلق في وجودها يثير رغبة الانسان أنتشالها من حالة إهمال منسي في الطبيعة الى حالة وجود متطور يعيش وجوده الحقيقي في عالم الانسان ...

ومما ضروري الإشارة له:

 أن الفكر لا يعامل جميع مواضيعه الادراكية في عالم الطبيعة والاشياء في أهمية واحدة، بل يختار وينتقي منها ما هو ضروري له بارتباطه به في تسهيل بناء حياته ومستلزمات حاجته وبقائه..كما أشرنا سابقا الوجود مصدر يلهم الفكر قوانين تخليقه، لكن الوجود يعجز أن يخلق قوانين مستحدثة جديدة يجاري بها الفكر أو يقوده بها كما هي أمكانات العقل القيام بذلك ...

لا خلاف حول حقيقة أن نظام الطبيعة في قوانينها الثابتة التي تعمل باستقلالية عن الانسان هي حقيقة مسّلم بها، وإذا نحن اعتبرنا نظام العالم الانساني المتغير في علاقته بالطبيعة مستمّدا من نظام الطبيعة الثابت فقط نكون وقعنا في خطأ ساذج، فقوانين الطبيعة الجزئية جدا هي واحدة من نظام القوانين التي تحكم الفضاء الكوني الذي يجهله الانسان كجهله معرفة قوانين الطبيعة في ذاتها غير المكتشفة...

وقوانين الطبيعة الثابتة كجوهر ذاتي غير مدرك، هي قوانين تحكم نظام الطبيعة نفسها فقط ولا يلزم من ذلك تعميم ذلك الثبات الماهوي الذاتي الغامض في قوانين الطبيعة على تشكيل نظام العالم الانساني المتغير باستمرار بمعزل عن مؤثرات الطبيعة وقوانينها غير المكتشفة...

والعالم المصنوع إنسانيا ولم تساهم الطبيعة بصنعه مباشرة يكون متغيرا بمتواليات مستمرة من التبديل.. ويبقى نظام الطبيعة نظاما مستقلا الى حد ما عن النظام الكوني في علاقته بالانسان، فهو قريب من عوالم الانسان المصنوعة لأنه في تماس مباشر مع الانسان في تكوين عالمه الذي يعتبر الطبيعة جزء منه وهي أقرب في أنتمائها للانسان عنه في أنتمائها كوكبيا لمنظومة الفضاء الكوني الذي تضيع الطبيعة الارضية فيه ذرة رمل في صحراء..

س8: ا. مراد غريبي: اذا تقصدون دكتور اليوسف أن قيمة الطبيعة أو وجود الأشياء من قيمة وجود الإنسان، ماذا عن قوانين كل من الطبيعة وعالم الإنسان؟

ج8: أ. علي محمد اليوسف: أكيد حضور الطبيعة بهذه الاهمية الاستثنائية لوجود وحياة الانسان لم تكن شيئا من دون إهتمام الانسان بها أنها جزء من عالم كوني بعيد لا متناهي سديمي لا متلاشي لا قيمة حقيقية للطبيعة الارضية المأهولة فيه، لا كما هي في حيوية وأهمية إنتسابها للانسان وإنتسابه لها وتكاملهم تكامل الأم بوليدها التي رعته وأنشاته بفضلها عليه وتأمينها له مقومات أدامة حياته من الانقراض والفناء وحمايتها له من غير أرادة واعية مسّبقة منها في درء الاخطار التي كانت محدقة به ....

 ومن غير الصحيح التفكير في وجوب مطابقة قوانين التناوب المتطابق أو المنّظم بين عالم الطبيعة وعالم الانسان المصنوع تدريجيا، أن تكون هذه المطابقة الفرضية الخاطئة سبب فهمنا صنع العالم الانساني وعلاقته بالطبيعة...

ولا يمكن خلط قوانين الطبيعة في وجوب تطابقها مع قوانين العالم فلكل منهما قوانينه الخاصة به التي يمتاز بها عدا قوانين الطبيعة المكتشفة في تداخلها مع عالم الانسان المصنوع بفضل تكامله معها، أول هذه الاختلافات بينهما أن قوانين الطبيعة كما ذكرنا ثابتة غير عاقلة مكتفية بذاتها بمعزل عن تدخلات الانسان بها..

 أما قوانين العالم الانساني فهي متغيرة متطورة باستمرار، الطبيعة مخلوق ومعطى فطري لا يعقل ذاته ولا محيطه ولا الاشياء الداخلة في مكوّناته.. أما العالم الانساني فهو تشكيل من الافكارالتوليدية المصنّعة والبناءات المتجددة باستمرار بوسائل عقل الانسان في أبداعاته بلا حدود، قوانين الطبيعة ثابتة لا تعقل نفسها بينما قوانين العالم الانساني إدراكية تعقل ذاتها وتعرف أهمية السعي نحو تحقيق أهدافها المتغيرة المتجددة دوما..ومثلما لا يعي الانسان مدركات قوانين الطبيعة غير المكتشفة التي تعبر عن ماهيتها الذاتية كونها ثابتة وتحكم وجود الانسان بعاملي الزمان والمكان اللذان لا تدرك الطبيعة أنها تحكم الانسان بهما لا أراديا وتتسيده...

يقابل هذا أن جميع قوانين الانسان المصنوعة تتحكم بالكثير مما هو في الطبيعة وتتسيدها دونما وعي منها، وفي الوقت الذي يدرك الانسان أن قوانين الطبيعة تحكمه ولا يستطيع منعها، فإنها أي الطبيعة لا تدرك أن الانسان يتسّيدها بخلق قوانين عوالمه العلمية التكنولوجية المتطورة بمعزل عن الطبيعة كما هي تفعل معه وتحكمه بعاملي الزمان والمكان من غير وعي ولا أدراك له..

تطابق قوانين الاشياء المدركة مع قوانين المنطق والفكرالمجرد عنها هو تطابق إفتعالي خاطيء متخيّل غير حقيقي على صعيد الفكر..

عندما يستمد الانسان كل تجاربه المعرفية الساكنة غير المنتجة بما أصبح يعرفه عنها لا بما يجهله فيها، ونجد المفارقة بينهما أمام حقيقة أن الطبيعة في قوانينها وقوانين الاشياء المتعالقة معها، لا تكون المصدر الوحيد في تشكيل معارف الانسان الحديثة في وضع قوانينه الخاصة به.. الطبيعة توقفت عن إلهام الانسان صنع عوالمه الخاصة به في الحياة في موازاة معرفته الطبيعة التي تراجعت أهميتها عما كانت عليه في الماضي نتيجة التقدم العلمي التكنولوجي الهائل الذي أحرزه الانسان ما جعله مغتربا عن الطبيعة متجاوزا لها في قوانينها المحدودة بالنسبة لما أصبح يمتلكه الانسان الحضاري اليوم من قوانين مخترعة علميا من قبله جعلت الطبيعة تفقد الكثير من وسائل تحجيم الوجود الانساني في أعتماده عليها كما في سابق عصور ما قبل التقدم العلمي والتكنولوجي..

كما أننا في الوقت الذي كنا نجد عجز العقل الانساني العبث في قوانين الطبيعة البشرية الثابتة غير المكتشفة له، لجأ اليوم الى استثناءه التلاعب العلمي في توجيه تركيزه على طبيعته البيولوجية الفيزيائية ذاتيا كمخلوق لا ينتسب للطبيعة كطفل رضيع بعدما شبّ في وصوله مرحلة النضج، متجّها بأنظاره نحو العلم فيما يخص فيزياء وكيمياء قوانين الوراثة وعلم الاجّنة في محاولة فك شفرات العلم للجينات والاستنساخ الخلوي للكائن الحي وغيرذلك في ميادين عديدة هائلة للعلوم في محاولة لا تشكل أهتماما مصيريا له كناتج عرضي لابحاثه العلمية في أن يتوصل معرفة أسرار وقوانين الطبيعة المحجوبة عنه معرفتها...ما عدا هذا والقليل الجزئي المحدود في مجالات أخرى، لا يمكن القول أن قوانين العقل التي تنشيء العالم بأستمرار هي على حساب خرق دائم لقوانين الطبيعة المستقلة في ثباتها وكفايتها الذاتية لنفسها في المفارقة عن قوانين العالم الانساني المصنّع علميا التي يجري أبتكارها وأختراعها المستمرين، وأمام تزايد أختراع الانسان لقوانينه العلمية المتطورة جدا أصبحت الطبيعة وقوانينها المحدودة أمامه لا تمثل هدفا يسعى الانسان لأختراقه اليوم في صرف أهتمامه عن نزعات تطويرأمكاناته العلمية في بناء عالمه الانساني الذي يشيدّه باستمرار...

الطبيعة منذ العصور البدائية الاولى لا تدرك ولا تفهم أو تعقل أنها وجدت من أجل خدمة وبقاء الانسان ولا يستطيع الانسان الجزم بذلك اليوم أيضا، ونستطيع القول أن هذه المرحلة البدائية في علاقة الانسان بالطبيعة تضاءلت وتجاوزها الانسان في تقدمه العلمي الصناعي الهائل الذي جعل أمكانات الطبيعة التي كان الانسان يقف أمامها مندهشا ومستلبا في تقزيم الطبيعة له، أصبحت اليوم محدودة ألتأثير لا تجلب ذلك الاهتمام الكارزمي الحيوي الباهر التي كانت تتمتع به الطبيعة في أستلابها دهشة الانسان بها في مراحل لم يكن تقدمه العلمي الحضاري يؤهله مثل ذلك الاستغناء عن أهمية الطبيعة غير المحدودة في حياة الانسان وأستمرارها، لكن الانسان لازال يدرك أنه جزء من الطبيعة في وجوده وأعتماده عليها في تأمين بقائه من الانقراض ليس في أعتماده الطبيعة مادة خام تمده بأسباب البقاء في توفير ما يحتاجه من غذاء وجمال وراحة بال ووجود وغيرها.. فقد نجح الانسان في تصنيع عالمه بمعزل تام عما تمتلكه الطبيعة من إمكانات جردها الانسان منها وأصبح تقزيمها الانسان متراجعا أكثر من حقيقة بائنة واضحة...

قوانين العالم التي يبتدعها الانسان في تخليقه عالمه وتشييده بأستمرار، هي قوانين مبتكرة متغيرة لا تطابق قوانين الطبيعة الثابتة المحدودة التي لا يدركها الانسان الى الوقت الحاضر فهي على ضآلتها تشكل جزءا من نظام كوني معقد مجهول، ولا تتداخل قوانين الانسان مع الطبيعة الا مع الظاهر المكتشف منها في حال الحاجة الضرورية لها والتكامل الانساني بما يمتلكه من وسائل علمية مبتكرة معها، والعقل الانساني قدرات غير محدودة في أبتداعه القوانين الخاصة به التي تجعله يسّخر ما بقي تمتلكه الطبيعة ولم يكتشفه ويسخّره الانسان بعد لمصالحه... ولا يؤمن هو للطبيعة ما يجده مساسا لانانيته وحب سيطرته الغريزي عليها في تخريبه جوانب مهمة فيها يجد أنه لم يمتلكها كاملا بعد في سعيه تجريد الطبيعة من كل ماتجعله تابعا لها بعد أن نزع منها زمام المبادأة في تقدمه العلمي الهائل...

س9: ا. مراد غريبي: إذن يمكننا القول المفارقة في العقل، ماذا عن العقل الإنساني؟

ج9: أ. علي محمد اليوسف: من غير صفة إن عقل الانسان في أفكاره الديناميكية المتطورة باستمرار وفي خلقه قوانين الاشياء في عالمه الخاص التكنولوجي العلمي الكبير، لا يكون بغير مفارقته الجوهرية قوانين الطبيعة في ثباتها وليس في السعي للتطابق معها لا في الثبات ولا في الحركة في حلقات غيرمكتشفة لا يشغل الانسان أهتمامه معرفتها..

 العقل البشري عقل منتج لا يكف عن الحركة والتجديد والتطور، لذا نجده ينتج قوانينه الخاصة به في مجالات العلم والمعرفة والفلسفة والرياضيات والطب والمعمار وغيرها بما لا يحصى من معارف كلها لا تتداخل في تطابق مسّبق مع قوانين الطبيعة ولا في تبعية معها، وإنما تتمايز عنها بإختلاف خلاق لا يقاطع الطبيعة في جفاء بل يتجاوزها بالمهادنة الناعمة بعد أن خدمته طويلا....

لم تعد الطبيعة اليوم ملهمة الانسان في كل شيء كما في سابق العصور، والانسان يخلق قوانينه الخاصة به في مختلف مجالات الحياة من غير تداخل مع الطبيعة ألا في النادر اليسير فقط...

العقل الانساني عقل مبدع يعلو قوانين الطبيعة التي كانت في الماضي تستعبده رغما عنه في حاجته الضرورية لها، وتصنيعه لمدركاته الطبيعية علميا وحضاريا تقوم على أبتكاره قوانين خاصة في تنظيمه الحياة والعالم وبما تفتقده الطبيعة في قوانينها الثابتة غير المتغيرة ذاتيا ولا موضوعيا بقدر الاخلال ببعض قوانينها من قبل الانسان بما يحسب عليه أنه تخريب الطبيعة وليس بناء الحياة في مشاركة بين الطبيعة والانسان...

السبب بذلك فيما نرى ان الانسان العلمي وتطوره التكنولوجي والصناعي الهائل، أفقد الطبيعة أن تكون ندّا مكافئا لوجود الانسان المنفصل عنها تقريبا في تأمين أحتياجاته.. الطبيعة التي بدأت تشيخ في إنحسار قدراتها العظيمة التي كان الانسان يقدسها ويعبدها في عصور بدائيته الحيوانية من وجوده في علاقته الوثيقة بها، لم تعد تمتلك الطبيعة اليوم ما يعجز الانسان أمامها سوى أنها مصدر الجمال الحقيقي في وجوده المقفر بالحياة، الذي بغير تمتع الانسان بهذا الاعجاز المنظم الذي يلازم الطبيعة، يعود الانسان الى بدائية مسطّحة لا ترى من العالم غير الوجود الآلي الصناعي المتطور الذي هو ورشة عمل مقفلة على أنسان تكنولوجي صناعي فقد أهتمامه المثمر الروحي والوجداني العاطفي الذي يستمده من الطبيعة في ميزات الحب والجمال المذهل والتنظيم العفوي الفطري المعجز فيها..

أهم ميزة مكتسبة لقوانين الانسان المخترعة في تنظيم عالمه اليوم، هو في تعاليها على قوانين الطبيعة..

 إن العقل الانساني يعي ويعقل ذاته في نفس وقت يعي الطبيعة وعالم الاشياء، وفي وقت كنا نجد فيه الطبيعة صماء عمياء لاتعي ذاتها ولا تدرك موضوعاتها ولا قوانينها التي تحكم الانسان بها،ولا الانسان كموجود يشاركها الوجود... أوصلتنا هذه العلاقة المتمايزة بين الانسان والطبيعة الى الحقيقة التي بدأ يدركها الانسان مؤخرا أن الطبيعة تركت الانسان بوعي تام منها وجوب تركه يبحث عن وسائل فنائه الحتمي بنفسه وبإرادة مسّبقة هستيرية منه....

 قد يساء الفهم أن الانسان في تخليقه عوالمه التصنيعية الخاصة بحياته التي أفقدته توازنه، ويفتقد بها الروح التنظيمية المسالمة التي تمتلكها الطبيعة في أعجاز وجودي لا يماثله شيء مخلوق من قبل الانسان..

مما يعمّق لديه الشعور الاغترابي بأنه يصنّع عوالمه الانتحارية في التسابق النووي،، وامتلاكه عوالم تخريبية في مثل تهديد الوجود الانساني بسبب زيادة حرارة الارض وخطرتصنيع الحروب التي لا يمكن الحفاظ والتكهن على أن لا تخرج عن السيطرة عليها وتكون كارثية في أفنائها الوجود الانساني على الارض، هذا ما يتلاعب به الانسان في موت تدريجي بطيء لكنه حتمي النتائج الكارثية بالتأكيد..

الانسان يستهلك ما ينتجه من وسائل سعادة وأرتياح وبهجة مؤقتة في الحياة، ليس على حساب الطبيعة التي لم تعد تمتلك ما تخسره عدا جمالها وتنظيمها الرائع في تقزيمها الانسان السوبر صناعي وحسب، وأنما على حساب أستهلاك الانسان أسباب إدامة تأمين بقائه في وجوده على الارض أمام الفناء الحتمي القادم في وجوده بالطبيعة التي يشكل أنتحار الانسان فناءه وأنفجارها معه أيضا....

س10: ا. مراد غريبي: عندما نتحدث عن الفلسفة نتفكر فهم الوجود والانسان والطبيعة والله ان صح التعبير. هل اشتغالكم على الفلسفة كان مؤطرا لتامين مستقبل في الثقافة والدين والتاريخ والعلوم؟

 ج10: أ. علي محمد اليوسف: في محكومية الفضاء الواسع للإجابة عن هذا التساؤل الشمولي اود تثبيت بعض النقاط على الطريق منها:

1- جزء من التساؤل وردت الاجابة عنه في السؤال السابق.

2- بالرغم من خاصية الشمولية الجامعة للفلسفة في مناقشة كل قضية تهم الانسان في وجوده وعلاقته بالطبيعة والكوني الا ان الفلسفة تجريد يتكلم عن كل شيء ولا يعطي حلا لأي شيء. الفلسفة في جوهرها هي خلق مفاهيم كما يصفها جيل ديلوز.كما من مهام الفلسفة خلق تساؤلات لم تتوفر عليها مباحث الفلسفة سابقا.

3- لا نتوقع من ملازمة تجريد الفلسفة لها إن كانت سابقا تتوفر على فتح آفاق شمولية في ميادين وتخصصات تخص قضايا الدين والسيسيولوجيا والعلوم التي تشعبت فيها الاختصاصات التي اصبحت الفلسفة تابعة تلاحق تداخلها مع تلك المفاهيم التي حققتها ميادين الحياة في وقت كانت الفلسفة عاجزة عن اختراع تلك الافاق المعرفية الجديدة. حاولت الفلسفة جعل مباحثها تأخذ منحى الرياضيات وفشلت او منحى التداخل مع التخصصات العلمي وكانت النتيجة التقاطع مع العلم في الاقرار باسبقيته قيادة وصنع الحياة قبل الفلسفة.

4- قضايا الفلسفة كانت تدور حول مركزية الانسان في علاقته بالله والطبيعة والتاريخ والثقافة. وكانت المهمة صعبة فلسفيا لدى ديكارت، ليتبعه بالاخفاق فيورباخ حينما اراد خلق توليفة متداخلة تجمع الاله والطبيعة والانسان في اعتماده مركزية الانسان لكنه خرج بنتيجة ان الانسان خلق معبوده في مرجعية الطبيعة. وبذلك اراد نسف اللاهوت الديني اليهودي والمسيحي فلقي معارضة شديدة ليس من رجال الدين فقط بل من ماركس وانجاز ايضا.

الفلسفة مرت بانعطافة جوهرية استمرت قرونا طويلة على يد ديكارت بان مهمة الفلسفة الاولى هو تزويدنا بالمعرفة رغم ان كوجيتو ديكارت كان اعطى الانسان مركزية لم يكن من السهل مجاوزتها هو ان الذات الانسانية ادراك لاهمية الانسان انه عقل مفكر بكل شيء تجريديا. بمعنى ديكارت كان ارسى الفهم الفلسفي المثالي رغم محاولته العقيمة في خلق توليفة تجمع بين الله والانسان والعلم والطبيعة فكانت تلك امنية اكبر من حجم فلسفة ديكارت. تجريبية ديكارت لا ترقى الى تجريبية بيكون وهولباخ في فهمهما ان التجربة العلمية وسيلة حل معضلة انفصام التجريد الفلسفي عن الحياة بواقعيتها. ورغم ادعاء جون لوك وديفيد هيوم وباركلي انهم اعتمدوا ما كان قال به بيكون قبلهما الا انهما غرقا في مستنقع المثالية الوضعية المنطقية التي رأت تغيير الحياة يتم بالتفكير العقلي القائم على الاستدلال بالحس فقط ووجود العالم الخارجي يحدده الاحساس العقلي الذهني الذي قوامه الفكر.

الانعطافة التاريخية الثانية في تاريخ الفلسفة كانت على يد فلاسفة البنيوية التي ركنت الانسان وانكرت العقل والمعرفة والتاريخ وتمردت على المنجزات العلمية تماهيا بما عرف في مرحلة ما بعد الحداثة.

هنا البنيوية فتحت بابا واسعا اطلقت عليه نظرية التحول اللغوي التي ارسى بدايتها كلا من فريجة ودي سوسير بتفاوت فلسفي كبير بينهما، فريجة أقر بوجوب جعل فلسفة اللغة تقوم على اساس مزاوجة المنطق والرياضيات وتبنى هذا الطرح بحماس شديد بيرتراندراسل في ريادته للفلسفة التحليلية المنطقية الانجليزية التي انضم لها كلا من جورج مور وفينجشتين وكارناب وعالم الرياضيات وايتهيد الذي كان اقربهم الى بيرتراند رسل.

الشيء الجدير الاشارة له انه بمقدار ما كانت فلسفة اللغة ونظرية فائض المعنى هي الفلسفة الاولى التي قادت جميع المدارس والتيارات الفلسفية منذ منتصف القرن العشرين الا انها اي فلسفة اللغة هي البؤرة المركزية الطاردة وراء كل الانشقاقات الفلسفية التي قادت في معظمها خلق فلسفات جديدة لها تاثيرها القوي في معالجتها اشكاليات فلسفية مستعصية موروثة من جهة، والدخول في طرق مواضيع لم تكن الفلسفة عبر تاريخها مهتمة بها. خاصة لدى فلاسفة البنيوية فوكو وشراوس والتوسير وجان لاكان ورولان بارت وغيرهم. اعقبهم بول ريكور في التاويلية وجاك دريدا في التفكيكية.

 س11: ا. مراد غريبي: هل لكم توضيح العلاقة الاشكالية التي تجمع المادة والادراك واللغة من الناحية الفلسفية التي يداخلها علم وظائف الدماغ احيانا؟

ج11: أ. علي محمد اليوسف: بعد تنحية الإبستمولوجيا كفلسفة اولى منذ عصر ديكارت في القرن السابع عشر تربعت فلسفة اللغة عرش الفلسفة الاولى منذ منتصف القرن العشرين ولا زالت فلسفة اللغة تثير اشكاليات فلسفية مثل علاقة فلسفة العقل بالادراك،الذهن،الذاكرة، الوعي، الماهية، وغيرها من امور متداخلة فلسفيا تصل حد الارباك في غالب الاحيان.

الادراك واللغة

(من الممكن الاستغناء عن اللغة للوصول الى الانطولوجيا) مقولة سفسطائية

خطأ هذا التعبيرالفلسفي السفسطائي يكمن في محاولة أستبدال وسيلة اللغة الادراكية التجريدية ب (الادراك ) المباشر الحسي الانطولوجي الاستبطاني المجرد من اللغة وهو محال أن نجد ادراكا مجردا عن لغته فالادراك هو تفكيرحسي لغوي تصوري وليس مجرد أحساسات لا تمتلك صوريتها اللغوية التجريدية... وهذا الاتجاه الفلسفي بمقدار ما يحمله من أدانة واضحة الا أن فلاسفة الوضعية المنطقية التجريبية حلقتي فيّنا وحلقة اكسفورد التحليلية أخذا كليهما بهذا الاحتمال.

ويحمل هذا التعويل الخاطيء مقدما على أن أدراك الاشياء في وجودها الانطولوجي حسيا داخليا يعني أن تلك الادراكات الحسية هي لغة تعبير تواصلي لا تعتمد وسيلية اللغة في أدراكها الاشياء، وهو خطأ لا يمكن تمريره فالادراك الحسي هو لغة تصورية تمثلية ايضا لا تختلف عن أصل أية لغة تواصل كان تعلمها الشخص الذي يحمل ادراكه الطبيعي، الادراك الانطولوجي لغة تصورية تجريدية لا تخرج على أبجدية اللغة التواصلية العادية. بعبارة توضيحية أكثر الادراك ليس بمقدرته أختراع لغة ادراك خاصة به تختلف في بنيتها التركيبية نحويا وبلاغيا وقواعد هي غير نمط وشكل لغة التعبير العادية التي يتحدث بها مجتمع معين أو أمة معينة..الادراك الحسي أو الادراك الخيالي هو لغة تصورية تمثل تفكير العقل بموضوع، وكذا الوعي هو تمثل ادراكي لغوي في تعبيره عن تفكير العقل.

وأدراك الحواس ماديا لا يمكن ترجمته الى أحساس مفهوم المعنى والدلالة من غير لغة تحتويه وتعبّر عنه... أذ لا يمكن تحقيق أدراكا حسّيا عن شيء لا يحمل لغة أدراكه التجريدية معه، كل أدراك حسّي عن شيء وكل أدراك غير حسي خيالي عن موضوع لا يمكننا فهمه من غير تلازم تعبير اللغة عنهما خارجيا أو استبطانيا صامتا.. حتى تموضع اللغة بالاشياء المادية هي تعبيرات تصورية حسية مجردة في التعبير عن تلك الاشياء صادرة عن العقل في معرفتها الاشياء كموجودات انطولوجية.

الادراك الحسي يبقى لغة صمت لا يستطيع الافصاح عن نفسه من غير توسيل تعبير اللغة التواصلية الاعتيادية.. بالمختصرالمفيد الادراك لغة خرساء صماء موجودة بالذهن ولا يمكن تحققها بالواقع كلاما وتعبيرا من غير وسيلية اللغة الافصاح عنها. لذا يكون من المشكوك به إمتلاك الادراكات الحسية مصداقية تعبيرية عن الانطولوجيا بمعزل عن اللغة التواصلية أكثر مما تستطيع التعبير عنه. وكلا التعبيرين لغة الادراك الصمت ولغة الافصاح الصوت هما لغة واحدة لا أنفكاك بينهما، من حيث ترابطهما الابجدي في تكوين الكلمات الصوتية والجمل.

التفكير الحسّي الملازم لادراكات الاشياء المادية في حال لا يمكنه ارسال أحساسات الحواس الى الذهن لغويا تصوريا فلا معنى يبقى للادراك كحلقة في منظومة العقل الفكرية التجريدية، لانعدام آلية التوصيل المنتظم داخل منظومة العقل الادراكية.

ولا معنى يستطيع الوعي ادراكه الاشياء من غير لغة ايضا، أي حينما لا تتمكن اللغة أن تستوعب الادراك الحسي والوعي بالاشياء فلا يبقى هناك أي وجود خارج الذهن لهما.. كما والاحساسات هي لغة تعبير العقل عن مدركاته في ردود الافعال الانعكاسية الصادرة عن الدماغ.

فاذا كانت فكرة الادراك عن شيء هي تعبير لغوي مجردا فكيف يكون الادراك بلا لغة تلازمه يمكننا الاستغناء عنها في أدراكنا المحسوسات الانطولوجية؟ وكيف يتشّكل الوعي بالاشياء بدون لغة تلازمه؟؟وكيف تنطبع المدركات الحسية بالذهن بغير تعبير لغوي يلازمها؟ الاحساسات والادراكات والوعي ثلاث حلقات في منظومة العقل الادراكية هي في حقيقتها لغة تعبيرتجريدي واحد ولا تحمل هذه الحلقات التجريدية أفصاحاتها عن مدركاتها لمواضيع العالمين الداخلي (الاحاسيس) والخارجي (الاحساسات) الا بتعبير اللغة التواصلي الدارجة مجتمعيا..الادراك بتعريف كواين له هو وجود الشيء المستقل انطولوجيا.. لكنه غير المنفصل عن الادراك به بوسيلة تعبير اللغة عليه يكون الادراك لغة التعبير عن الشيء.. استقلالية الادراك في وجود الشيء المستقل هو ادراك لغوي له عن طريق الحس.، وانطولوجيا الاشياء كموجودات في العالم الخارجي لا يمكن أدراكها حسيا عقليا بغير لغة تعبير تجريدي عنها. .

أننا لا نستطيع إغفال حقيقة أن الاحساس بشيء ليس لغة استبطان معرفية له فقط، وكل موجود يدرك حسّيا يصبح بالنتيجة الملازمة له لغويا هو لغة أدراكية تجريدية سليمة غير أعتباطية خالية من المعنى. فالموجود الشيئي والوعي به، وانطباعه الصوري بالذهن هو تجريد لغوي يقبل تمرير معناه ادراك العقل له، والفكرالمتعالق مع الوعي فيما يعنيه، جميعها تجليّات ادراكية تقوم على تصوير لغوي يتمثل مواضيع الادراك، ويشمل هذا حتى الادراك العقلي غير المريض الذي لا يتوّسل اللغة في التعبيرعن تلك المدركات بل في التعبيرغير الانفصامي الصامت عنها. الصمت غير المريض لغة تفكير لا تختلف عن لغة التواصل العادية سوى بفارق الصوت المفهوم في تعبير اللغة عنه.

كان يتردد في بداية القرن العشرين سؤالا فلسفيا جداليا هل بالامكان فصل اللغة عن الفكر؟ جدال نقاشي تم حسمه في ادبيات الفلسفة البنيوية بخاصة عند دي سوسير بتعبيره اللغة هي وعاء الفكر. بمعنى أن فصل تداخل شكل اللغة مع محتواها المضموني محال ادراكيا عقليا. وفصل الادراك عن اللغة محال معرفيا. الادراك من دون لغة تلازمه عبث لا يمكن تحققه في معنى دلالي في الافصاح التعبيري عن شيء أو موضوع، وتجريد اللغة عن تعبيرها التجريدي للاشياء هو محال ايضا فاللغة وجود يلازم كل موجود يدركه العقل. والعقل لا يدرك الاشياء والعالم وموجودات الطبيعة بغير وسيلة تعبير تلازم الفكر واللغة معا في دلالة لمعنى واحد.

وتجريد اللغة في تعبيرها عن المادة تصبح كيانا لا ماديا ايضا رغم تعالقها التجريدي الانفصالي في تعبيرها عن الاشياء المادية. لا نستطيع فهم الشيء من غير أدراك حسي لغوي له، كما لا يمكننا فهم لغة لا تعبر عن شيء يمكن أدراكه ومعرفته. لا يمكننا فهم العالم بصورة سليمة مقبولة عقليا من غير تعبير اللغة عن مدركاتنا لموجودات العالم من حولنا. العقل في ماهيته غير البيولوجية هو (لغة) تعبير عن المعنى فقط بتعبير قدامى فلاسفة اليونان (لوغوس)...ومحال أن نجد اللغة موجودا انطولوجيا ماديا خال من تعالق لغة تجريده معه التي هي ادراكه. اللغة اصوات دلالية منتظمة في التعبير عن المادي الادراكي بينما تكون الموجودات المادية ليست لغة تواصل صوتي بل لغة ادراك صمت تفكيري. تموضع اللغة في تكوين الاشياء المادية تبقى لغة تجريد ملازمة لوجود المادة.

أما قضية أمكانية فصل اللغة عن الادراك كما يذهب له السفسطائيون والمناطقة من بعدهم فهو وهم فلسفي لا يمكن البرهنة على تحققه، اذا ما علمنا أن الادراك أستبطانيا داخليا أو ادراكا حسّيا خارجيا للاشياء والموجودات هو (لغة) في الحالتين ولا يوجد أدراك من غير لغة تحتويه كفكر تجريدي. لكن في فرق جوهري أن لغة الادراك الجوّانية هي لغة صمت فكري أما لغة التعبير الحسي عن موجودات العالم الخارجي تكون من نوع اللغة التواصلية المجتمعية كلاما أو كتابة.

لا يمكن تعويض الادراك المجرد عن اللغة القيام بمهمة اللغة والاستغناء عنها. من حيث أن حقيقة الادراك الحسّي للاشياء في وجودها الانطولوجي هو (لغة) اولا واخيرا، ولا توجد آلية تحقيق ادراك انطولوجي مفهوم له معنى في الاستغناء عن تعبير اللغة الصوري التجريدي. ادراك الشيء هو لغة صامتة استبطانية تحمل معها الفكر، وبغير هذه الآلية لا يتوفر للعقل تحقيق ادراكات للاشياء ذات معنى.

وفي حال انتقالنا الى مرحلة متقدمة أن ادراك الاشياء خارجيا هو ادراك حسّي مصدره الحواس، فهل تستطيع الحواس مع الادراك ايصال الاحساسات الى الجهاز العصبي والمنظومة العقلية على وفق آلية الاستغناء عن اللغة في ادراك موجودات الانطولوجيا الموزعة على الاشياء؟ الجواب المباشر كلا من حيث الاحساسات هي ترجمة لغوية مستمدة من الحواس، والاحساسات التي تربط ما تدركه الحواس بالجهاز العصبي تكون هي ايضا لغة صورية تجريدية منتظمة وليست تداعيات من الاحساسات العشوائية التي تفتقد حمولتها النظامية في المعنى المطلوب الدال من غير نسق وبنية لغوية تنتظمها. جوهر العقل الاسمى ماهيته التفكير حسب ديكارت. وكل تفكير عقلي صامت داخليا أو معبرا عنه خارجيا هو لغة مجردة.

س12: ا. مراد غريبي: ما توضيحكم الفلسفي حول اشكالية علاقة الفكر واللغة؟

ج12: أ. علي محمد اليوسف: رغم أني عالجت مثل هذه العلاقة التي تربط الفكر باللغة في مرات عديدة توزعتها كتاباتي ومقالاتي العديدة ألا أنني أرتأيت تثبيت ومناقشة أقتباس جدير بالتوقف عنده مفاده كانط والمثالية الالمانية لا تهتم باللغة، وأنما بالفكر، وقد جاء هذا التعبير الكانطي في كتابه الشهير الموسوم (نقد العقل المحض) فهو يعتبر علاقة اللغة بالفكر علاقة أعتباطية وبالتالي لا يمكن الاستناد الى أستنتاج الشروط الضرورية التي يمكن أن يكون هناك للفكر موضوعا فيها."

امام هذه المقولة المنسوبة لكانط نضع التعقيبات التوضيحية التالية:

- لا يمكن الجزم القاطع أن علاقة الفكر باللغة علاقة أعتباطية غير منتظمة، فالفكر تفكير لغوي تجريدي بموضوع مادي أو خيالي، ولا يمكن تاكيد أعتباطية التفكير أنه بلا معنى لعدم امكانية اللغة التعبير خارج الخلاص من الفرضية التي تذهب الى أن علاقة ترابطية الفكر باللغة أعتباطية غير منتظمة لا يعول عليها في استنتاج شروط ضرورية يمكن من خلالها تاكيد أن هناك للفكر موضوعاته المستقلة عن اللغة حسب عبارة كانط.

- أن الفكر هو تفكير العقل المتقدم بالاسبقية على لغة التعبير، عليه لا يمتلك الفكر موضوعاته المجردة من تعبير اللغة عنها. واذا افترضنا أعتباطية الفكر حالة تلازم الادراك والتفكير العقلي، فأن اللغة لا تتأثر بهذه الصفة كون اللغة لا تعمل في فراغ أعتباطي غير منتظم ادراكيا لمواضيعها التي هي مواضيع تفكير العقل بها، كما لا تعمل اللغة خارج التعبير عن معنى متحقق بالفكر سلفا بمعزل عنها.

- اللغة لا يمكن أدراكها عندما لا تكون دلالة ادراكية مستمدة من شيء موجود واقعيا سابقا عليها. أو موضوعا أستنفد تفكير العقل به واعطى ردود الافعال الانعكاسية الاستجابية عنه. ويحتاج أفصاح اللغة التعبيرعنه خارجيا. الادراك لا يكتفي بالفكر المجرد عن لغته كون الادراك هو تفكير لغوي لا يمكن فصل الفكر عن اللغة فيه.

- الحقيقة التي لا يمكن مجاوزتها بسهولة هي أن الفكر هو أدراك متعيّن بدلالة لغوية عن معنى، وكذلك تعبير اللغة هي ادراك متعين بدلالة الفكر، ولا يمكننا التعبير عن فكر لا تلازمه بالضرورة لغة تعبير عنه.. نظام التفكير باللغة يطوّع لغة التعبيرالتداولية عنه..

- ليس من مهام اللغة التي ترتبط حسب عبارة كانط بعلاقة أعتباطية بالفكر أن تقوم هي تنظيم وتخليص الفكر من الاعتباطية التي تلازمه. بل تنظيم نسق الادراكات الواصلة الى الدماغ تصبح مهمة تنظيمها تقع على عاتق العقل وليس على عاتق اللغة. فالعقل مضمون تفكيري واللغة وسيلته في التعبير عن تلك المضامين.. اللغة تعبير أكتسب محتواه من مرجعية تفكير العقل ولا تمتلك اللغة أمكانية تنظيم مدركات العقل بمعزل عن العقل نفسه.

س13: ا. مراد غريبي: هل تعتبرون الفكر نتاج بيولوجي صادر عن الدماغ، أم صادرا عن الذهن كما هو متداول؟

ج13: أ. علي محمد اليوسف: يقسم بعض الفلاسفة الفكر بإعتباره خاصية انسانوية يتفرد بها الانسان الى عنصرين هما ميزتين تطبعان الفكر من ناحية خاصيته الانسانية، الاولى هي مضمون الفكر، والثانية هي نشاط الفكر نفسه. من الامور التي نفهم بها خاصية الفكر التعبيرية من خلال تعالقه البيولوجي بكل من العقل من جهة، وارتباطه بتعبير اللغة من جهة اخرى. رغم حقيقتهما أنهما علاقة واحدة لا يمكن الفصل بينهما. فالفكر كمضمون هو نتاج حصيلة تفكيرية يبتدعها العقل تفكيرا بموضوع، وهذا النوع من التفكير العقلي هو (ملكة) انفرادية يحوزها العقل البشري. والصفة الثانية الملازمة للفكر أنه نوع من الفعالية الحيوية الديناميكية، بمعنى الفكر هو خاصية تفكيرية قصدية ملزمة التعبير عن نفسها، يعني الفكر هو سلوك أجرائي معرفي بالحياة لا يتسم بالحيادية. يطرح بعض الفلاسفة سؤالا غريبا بضوء علاقة الفكر المزدوجة بين العقل بيولوجيا وبين لغة التعبير عنه تجريديا " هل من الممكن التفكير من دون لغة؟ أم نتقبل الحقيقة التي تقول أنه بدون الفكر لا توجد لغة؟ ومن خلال الفلسفة وعلم النفس تم التوصل الى فكرتين، الاولى تذهب الى أن الفكر الحقيقي غير لغوي وهذه المقولة تبناها هنري برجسون . والثانية أن الفكر هو لغة ليس الا "

للتعقيب حول هذه التساؤلات الالتباسية الجدالية:

- لا يمكن التفكير بدون لغة صورية، ليس فقط بتسليم الاستناد الى حقيقة الفكر هو لغة ادراكية تفكيرية صامتة، بل اذا جاز لنا فصل الفكر عن اللغة باعتباره ادراكا صامتا، فيكون معنا تفكير الادراك بمواضيعه لا يقوم على غير علائقية ترابطية بين الادراك الفكري باللغة، ولا يمكننا التفكير المنظم في معنى عن شيء من دون لغة تصّورية. الادراك الحسّي هو صمت لغوي من التفكير لا يخرج عن أستحالة تفكيره وأستيعابه أحساسات الاشياء والتعبير عنها كمدركات حسّية بغيرتعبيرات اللغة تجريديا عنها.

- الشيء الثاني في عدم أمكانية فصل اللغة عن الفكر لا بالتفكير الادراكي العقلي الصامت ولا بالتفكير اللغوي المنطوق أو المكتوب. يأتي من كون الادراك هو تفكير عقلي معبّرا عنه باللغة. بمعنى اللغة هي أفصاح وتعبير لادراك العقل.

- حين يعتبر برجسون أن الفكر الحقيقي هو غير لغوي نفهم منه هو لا يقصد آلية التفكير التي هي آلية لغوية بامتياز لا يمكن العبور من فوقها وتجاوزها، فالفكر حقيقته القصدية بالمعنى تؤخذ من لغة تعبيره عن الاشياء . والفكر من دون وعاء لغوي يستوعبه لا يتحقق من غير شكل اللغة التي تحتويه. أما كيف يكون الفكر اكثر مصداقية حقيقية من اللغة حسب عبارة برجسون، فتمريرها الحذرالمشكوك به أنما يأتي من أعتباره الادراك العقلي للاشياء يمتلك لغة تجانس الادراك الحقيقي في صمت التفكير وليس في تعبير اللغة الافصاحية الخارجية عن المعنى المضموني للادراك. لذا فالفكر هو لغة لا أكثر وما يتعالق بالفكر مثل الوعي والذهن والذاكرة جميعها تفكير لغوي موزع في اشكال من التجليات المتنوعة أدراكيا كتجريدات مصدرها العقل.

- كما أن الذين يرون للفكر طبيعة تختلف عن طبيعة المادة فهذا لا يغير من حقيقة الفكر ولا اللغة انهما تجريدان غير ماديان ولا حسيان، وطبيعتهما التجريدية تختلف عن طبيعة المادة كموجود متعين انطولوجيا أمر مفروغ منه ولا يتقبل التداخل بينهما، فالفكر الذي يعبر عن المادة لا يصبح في لغة التعبير عنها جزءا ماديا تكوينيا منها بل يبقى الفكر تجريدا لغويا تصوريا عن المادة...كما هو تجريد اللغة في تعبيرها عن الموجودات بالعالم الخارجي. وليس هناك من قيمة جادة يحملها تعبير برجسون( كل تعبير لغوي هو تشويه للفكر). هذا التعبير يناقض مقبولية القول أن اللغة قدرة أستيعابية محدودة لا تستطيع التعبير الكامل عن محتوى الفكر.والا تكون عبارة برجسون تقفل أمامنا حقيقة أن تكون طبيعة أفكارنا هي تحقق لغوي وبغير ذلك لا يبقى تشويها للفكر لا نجده في تعبير اللغة عنه.

س14: ا. مراد غريبي: عذرا دكتورنا الفاضل، سؤال ضمن السياق، هل اللغة مادة أم تجريد؟

ج14: أ. علي محمد اليوسف: ذهبنا في أسطر سابقة أن الفكر واللغة جوهران متلازمان يشتركان بصفة التجريد فكيف لنا تبرير هذا التناقض مع القول الذي يقول" اللغة على وجه الخصوص هي مادية (اصوات) يمكن التعرف عليها لذاتها من حيث أنها حقيقة مادية " .

مادية اللغة نفهمها بدلالة تعبيرها عن المادة ولا يمكن أدراكنا لغة التجريد كاصوات مادية مكتفية بذاتها مصدرها اللغة وليست منها مستقلة عنها، كونها خاصية مادية حسب العبارة. المادة كمحسوس متعين حسيا يدركه العقل لا يتحدد بالصوت اللغوي المعّبر عنه، بل تتحدد المادة بوجودها الانطولوجي كمتعين يدرك ويحس بصفاته الثلاث الطول والعرض والارتفاع، وأضاف انشتاين له البعد الرابع الزمن.

الصوت فيزيائيا لا يمكننا تحديده ماديا بصفات مادية معروفة ذكرناها، واللغة كصوت ذي دلالة تعبيرية عن معنى قصدي، هي تجريد في تعبيرها عن اشياء وليست مادة بذاتها، ولا تكون اللغة هنا جزءا من مادة مدركة حسّيا بل تكون جزءا من لغة تجريد ادراكي للمادة. وتجسيد اللغة للفكر في التعبير عن معناه المضموني لا يجعل من كليهما اللغة والفكر مادة باكتسابهما صفة تجريد الصوت مدركا بذاته وهو خطأ لعدم أمكانية أدراكنا الصوت مجردا عن دلالته المادية.

الفكر لا تحتويه المادة بمقدار ما تحتويه لغة التجريد في تعبيرها عن المادة. وفي حال تاكيد صوابية خطأ مقولة برجسون أن تكون اللغة خاصية مادية بالصوت المدرك لوحده فهذا يقودنا التسليم لخطأ أكبر منه تجاوزناه هو صحة أمكانية جواز التفكير من دون لغة. فالمادة لا تدرك مادة أخرى تجانسها الخواص التعريفية ماديا من غير تداخل تفكير اللغة التجريدي التوسيط بينهما. عليه اللغة كاصوات تعبيرية عن معنى مادي مقصود هي تجريد مادي وليست مادة مدركة لوحدها. تجريد اللغة عن تعبيرها عن موضوع مدرك عقليا يفقدها خاصية التعبير كاصوات وأبجدية مكتوبة تعبيرية. وتنتفي عنها حينذاك صفة اللغة التي هي خاصية تعبير فكري تجريدي عن المادة والاشياء.

التسليم بمقولة اللغة مادة بدلالة الصوت، عندها يصبح لا غرابة أن نجد اللغة كما يعبّرعنها أحد الفلاسفة "هي تعبير كلّي يقوم مقام الواقع بكامله.". تماشيا مع هذا التعبير الافتراضي الخاطيء لا يمكننا معرفة الواقع في حقيقته المادية عندما نحاول التعبيرعنه بمادة لغوية، وليس لغة مادية وهو ما يعني أمكانية أن تعي المادة غيرها من الماديات الاخرى ليس بدلالة تجريد اللغة بل بدلالة لغة المادة الموهومة التي أصبحت هي ميزة المادة ذاتها. وهذا أمر ليس محالا على صعيد الادراك العقلي وحسب وأنما محال على صعيد الغاء خاصية التجريد اللغوي عن مدركاته التعبيرية التي هي في حقيقتها مدركات عقلية.

لا يسعنا التعبير عن هذا المأزق أكثر من قولنا أننا يمكننا التعبير عن اللغة بلغة أخرى تجانسها الماهية والصفات النحوية، لكننا لا نستطيع فهم الواقع المادي الذي تموضعت اللغة فيه تكوينيا بتعبير لغة لم يعد يمتلكها العقل ولا يستطيع تصنيعها بل يمتلكها الواقع المادي في محاولته فهم العقل وليس العكس فهم العقل للواقع.

أن الحقيقة التي يراد العبور من فوقها أن اللغة تبقى تجريد تعبيري، والمادة تبقى واقعا لادراك هذا التجريد اللغوي، واللغة المتموضعة بالاشياء هي لغة تجريد يحتويها الموجود المادي انطولوجيا لكنه يبقى تجريد اللغة غريبا عن المادة كتجريد لغوي معبّراعن المادة لكنه لا يحمل خصائصها.

مشروع اللغة الكليّة المصنوعة آليا التي نادى بها العديد من الفلاسفة والعلماء والمفكرين في القرن التاسع عشر أعتبرها دستوت تراسي من فظائع الاخطاء التي وقعت بها الفلسفة في محاولة بعضهم تربيع الدائرة أن يكون لها أربعة اضلاع.

س15: ا. مراد غريبي: هل تجدون دكتور، أن هناك خصائص مشتركة تجمع كلا من الفكر واللغة؟

ج: أ. علي محمد اليوسف: يذهب بعض الفلاسفة الى الدخول قسرا في افتراضات فلسفية لا معنى لها في صرف الجهود لمناقشتها مثل" اننا في حال اقرارنا اللغة هي الفكر، يصبح معنا امكانية الاستنتاج أن علاقة الفكر باللغة هي علاقة مادية تقوم على وجود فرق أختلاف بين طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة "5 في سطور سابقة ناقشنا خطأ أعتبار اللغة مادة تدركها وتعبر عنها لغة اخرى، وهذا الامر محال فاذا نحن خلعنا صفة المادة على شيئ نكون أعطيناه امكانية ادراكه تجريديا بلغة، وهو ما لا ينطبق على ان تكون اللغة مادة ميزتها الاصوات ندركها بلغة أخرى ميزتها صوتية ايضا.

والآن نناقش الاختلاف بين طبيعتي الفكر واللغة، وأول ما يتبادر للتفكير هو مالمقصود تحديدا بأختلاف طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة وبماذا؟ لم نعثرعلى أجابة على طرح مثل هذه الاشكالية الفلسفية.

اذا أقررنا حقيقة أن الفكر واللغة هما شكل ومحتوى كلاهما يتسمان بالتجريد أحدهما بدلالة الاخرفي أدراك العقل لهما، عندها لا يصبح واردا مناقشة أمتلاك الفكر طبيعة لا تجانسها طبيعة اللغة. كون العقل يدرك تنظيم الفكر بدلالة تجريد اللغة الصوري، ولا يدرك العقل اللغة بتجريد فكري.

لذا تكون طبيعة حمولة تفكير العقل هي طبيعة لغوية تجريدية. وأن يكون الفكر يمتلك طبيعة غير طبيعة اللغة هي محض تلاعب لغوي وهمي لا يقوم على منطق فلسفي مقبول..والادراك يتبع نفس الآلية التي تتبعها الحواس في أدراكها مواضيع الموجودات المادية في نقل الانطباعات عن موجودات العالم الخارجي الى الذهن.

عندما نقول للفكر خاصية مادية (مادة) بخلاف خاصية اللغة كتجريد لا مادي، معنى ذلك أصبح متاحا لنا أن نعي الفكر بلا لغة أصوات مسموعة أو مكتوبة. لكن كيف نثبت أمكانية فصل الفكرعن اللغة؟ ثم ماهي الآلية التي تجعلنا ندرك الفكربطبيعته المادية في حال امكانية انفصاله عن تعبير اللغة التجريدي عنه؟ أدراك اللغة للمادة هو أدراك تجريدي وأدراك مواضيع المخيلة المجردة ايضا يكون بنفس آلية أدراك اللغة التجريدية للمادة. الفكر انعكاس لوجود مادي محسوس، وهذه الخاصية لا يمتلكها الفكر كونه تجريد لغوي وليس وجودا انطولوجيا ماديا تدركه الحواس قبل اللغة.

س16: ا. مراد غريبي: ما تعليقكم دكتور علي، على الدعوات الفلسفية إلى إنابة لغة الذكاء الاصطناعي -الآلة- على لغة الانسان؟

ج16: أ. علي محمد اليوسف: الاطروحة الفلسفية التي عرضناها حول امتلاك كلا من الفكر واللغة طبيعة خاصة مختلفة احداها عن الاخرى، واعتبروا اللغة مادة لأنها باختصار هي أصوات. جعل بعض الفلاسفة يلجئون لحلم تصنيع آلة حاسوب تقوم مقام اللغة عند الانسان باعتبارها ملكة وخاصية لا يمكن استنساخها وتحاكي التواصل بين البشر،.

الا أن هذه الفرضية الطموحة المتفائلة لقيت معارضة قوية من فلاسفة بينوا عقم مثل هذا التوجه، واضعين بعض أعتراضاتهم الفلسفية بما يلي:

- الآلة التي تنوب عن لغة الانسان لا يمكنها التعبير الصحيح عن مجمل المسائل المتعلقة بالاخلاق والنفس والضمير والعواطف والاخلاص والالتزام بالوعود والاستقامة والنزاهة وغير ذلك عديد، وهذه لا يتوفر على تلبيتها الحاسوب المبرمج بتقنية عالية من استنساخ لغة الانسان.

- ورد منذ القرن السابع عشر على لسان ديكارت ما يدحض آلية تصنيع اللغة قوله "طيور العقعق والببغاء تستطيع التلفظ بكلمات وحتى عبارات مثلنا نحن البشر لكنها لا تستطيع ان تعي ما تقوله وتلفظه" .

- طرح ايضا بعض الفلاسفة تساؤلا" لماذا لا يستطيع الحاسوب ان يحاكي بالضبط السلوك الانساني عند البشر؟

 أجاب بعض الفلاسفة عن هذا التساؤل قولهم عجز الآلة، ممثلا في عدم أمتلاكها (وعيا قصديا) بهديه وعلى ضوئه يتمكن الانسان السيطرة على سلوكه الذي يرسمه له الوعي القصدي كملكة يتفرد بها الانسان، والوعي القصدي دعى له برينتانو ليعقبه هوسرل وهيدجر وليتسلم الراية منهم الفلاسفة الاميركان مثل سيلارز وجون سيرل وريتشارد رورتي وسانتيانا وغيرهم.

- أدان العديد من فلاسفة اللغة والعقل في مقدمتهم فلاسفة السلوكية اللغوية الاميريكية مقولة فيلسوف وعالم اللغات نعوم جومسكي حين أجاز في مصطلحه (الابداعية التوليدية) إمكانية توليد الجمل اللغوية الابتكارية عند الانسان بما لا يمكن حصره، لكنه التقى مع فلاسفة السلوكية الاميركان أن الآلة لا تنوب عن الانسان في قابلية الابتكار التوليدي اللغوي.

- " اقترح جومسكي منذ خمسينيات القرن الماضي في اعتماده اللغة تمتلك عنصرا بيولوجيا مركوزا في دماغ الانسان، وأننا ننطوي وراثيا على حاسة الكلام، وأننا مبرمجون وراثيا لنتكلم بدلا من التقليد من ثقافتنا وبيئتنا، وكلامنا يرتكز على مخطط وصفة أنطبعت فينا منذ الولادة"، هنا جومسكي ينهي أي أجتهاد فلسفي حول امكانية استنساخ وظيفة اللغة آليا في حاسوب متطور.

- من المسائل التي رفضها فلاسفة السلوكية استنساخ اللغة آليا بالحاسوب هو ما طرحه جون سيرل وهو فيلسوف العقل واللغة وأحد أبرز المتبنين للوعي القصدي، أن توليدية الابتكاراللغوي التي نسبها جومسكي لملكة الانسان الفطرية الوراثية، لا يمكن استنساخها في الحاسوب ابسطها عدم امكانية تحكم الحاسوب بالعبارات والجمل التي تكتفي بايصال المعنى المطلوب. وضرب لذلك مثلا أن الحواسيب يمكنها تركيب جملة (أنا أعدك) لكنها لا تفهم ما يترتب على العبارة من تنفيذ تطبيق هذا الكلام كمحاورة قصدية ذات معنى.

 

حاوره: الأستاذ مراد غريبي

المثقف - مرايا حوارية

 19 - 10 - 2021

 

 

 

 

 

 

2875 مراد وصادقخاص: المثقف: تستضيف الاستاذ الدكتور صادق السامرائي ضمن مرايا فكرية، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفكري والثقافي، فأهلا وسهلا بهما:


 مفتتح:

لا مناص أن أهم دور للثقافة والنقد ينعكس فيما يثيره من تفكير لدى الإنسان، وما يدفعه به لاكتشاف قدراته ومؤهلاته، ويمنحه الثقة بالذات، والطموح للإسهام والإنجاز والإبداع.

وحين نرى مثقفا يتجاوز همومه الذاتية، ويفكر في الشأن العام لوطنه وأمته والإنسانية، ويتصدى لقضايا المجتمع العربي، فإن ذلك ناتج عن مستوى راق بلغه من الوعي الثقافي والنباهة العلمية ميّزته عن غيره، ضيفنا في مرايا فكرية أنموذج مشرق لفئة من المثقفين والمفكرين المتميزين في مجتمعهم، هو استاذي العزيز المبجل وصديقي الفاضل الدكتور صادق السامرائي، فقد عرفته منذ إنطلاقة صحيفة المثقف، متابعا لكل كتاباته وقارئا مولعا بأفكاره الحية، يتوقد حماسًا وإخلاصًا لخدمة الإنسان والمجتمع العربيين، طاردا للأفكار الميتة والقاتلة والأوهام والأحلام العبثية التي جذبت معظم الكتاب التائهين عن تشخيص الداء ومنهج الدواء، متواضعا في كل تفاصيل حرفه وفكرته ونقده ومقارباته، علم من أعلام القلم التنويري في صحيفة المثقف يعكس روح المسؤولية وأفق الوعي والنشاط الثقافي،ينحت بإتقان لقارئه ماهية المعنى وخبرة التجديد وتجربة النقد في مسار العبور من النظر إلى المسؤوليات المهمة، والقيام بأدوار إنسان الحضارة.

اسأل الله أن ينفع حوارنا القادم مع سعادته، القراء الكرام، كما نفع بمقالاته وجهوده الثقافية، وأن يديمه ذخرا للأمة العربية والاسلامية وبخاصة الشباب منها ويوفقه للمزيد من الفكر المعتبر والرأي المستنير والنقد المختبرخدمة للإنسان والمجتمع في المجال العربي والإسلامي.

نص الحوار:

س1: ا. مراد غريبي: مَن يكون صادق السامرائي المفكر والناقد والأديب؟

ج1: د. صادق السامرائي: شكرا لدعوتكم للحوار ولصحيفة المثقف العزيزة، التي رافقتها منذ إنطلاقتها، وتحياتي للأخ الأستاذ ماجد الغرباوي الذي يبذل جهودا تنويرية متميزة، لتوعية أبناء الأمة وأخذهم إلى فضاءات العصر الرحيب.

صادق السامرائي طبيب مختص بالأمراض النفسية، حاصل على شهادتي البورد العراقي والبورد الأمريكي ، وأظنه الطبيب الوحيد الذي يحمل الشهادتين معا.

وقد كرمته الشبكة العربية للطب النفسي والعلوم النفسية سنة (2010)، التي تضم أطباء النفس العرب والتخصصات النفسية الأخرى، بلقب (الراسخون في العلم)، وهي شهادة تقديرية معنوية ذات قيمة، ونشرت له أكثر من عشرة كتب رقمية تتناول هموم الأمة .

س2: ا. مراد غريبي: من خلال الكتابات التي تنشرها، هناك نظرة مخصوصة للعلوم الإنسانية والإجتماعية ودورها في الإنطلاق الحضاري؟

ج2: د. صادق السامرائي: العلوم الإنسانية والإجتماعية ليست من إختصاصي، وما أكتبه يتناول ظواهر وملاحظات معوّقة لإرادة الأمة في التحقق والنماء، وعندما أسبر أغوارها، تتوارد الأسباب التي تشارك في مؤازرتها وترسيخها، ولهذا يكون الإقتراب من زوايا متنوعة، وفقا للمعارف المتواجدة في أرشيف ذاكرتي.

س3: ا. مراد غريبي: دراساتك تنطلق من المجتمع نحو الآفاق النفسية والسيسيولوجية والتأريخية؟

ج3: د. صادق السامرائي: المجتمع كينونة نفسية في وعاء بيئي فوق مواقد ذات ديناميكيات إجتماعية متوالدة، ومؤثرات تأريخية متوطنة فيه وفاعلة في برمجة العقل الجمعي، فلكي نكتب عنه، يتوجب الإحاطة بما يعتريه ويكون فيه من الآليات والتفاعلات السلوكية، وفقا لمعادلاتها وعناصرها الداخلة فيها.

س4: ا. مراد غريبي: ما علاقة علم النفس المعاصر بشتى أنساقه في شخصيتك كمفكر وأديب ومثقف حر؟

ج4: د. صادق السامرائي: أرجو أن تسمح بإغتنام الفرصة لتوضيح إشكالية شائعة تتلخص في الخلط بين الطب النفسي والعلوم النفسية، الطبيب النفسي يجب أن يكون طبيبا أولا وبعدها يتخصص بالأمراض النفسية، ومختص العلوم النفسية، يدرس علم النفس ونظرياته أكاديميا وتطبيقيا أحيانا للتعرف على السلوك والشخصية، وأقدِّر المختصين بالعلوم النفسية وأتمنى لهم المساهمة الأكبر في تنوير الأجيال.

ففريقي العلاجي – على سبيل المثال – يضم مختصا بالعلوم النفسية والإجتماعية والدوائية والعلاجية الأخرى .

وقد درستُ العلوم النفسية وتعرفتُ على نظرياتها البارزة والمؤثرة، كما قرأت في مرحلة الإعدادية وبإمعان ترجمات الأستاذ (جورج طرابيشي) الرائعة لكتابات فرويد، ولازلت أقرأ وبتواصل يومي مستجدات العلوم النفسية،  وربما يكون لها تأثير على رؤيتي وإقترابي من الظواهر التي أتناولها، لكني أفصل بين الإختصاص والكتابة، لأن نشاط الكتابة بدأ مبكرا ومارسته قبل الإختصاص بسنوات طويلة.

فشخصيتي كطبيب غيرها عندما أكتب، ومن الصعب الخلط بين الحالتين، الطب قد يرفد الكتابة بمعطيات إنسانية ويعمّق الوعي ودلالات الكلمة.

س5: ا. مراد غريبي:  هل ما نلاحظه في حضور العلوم الإنسانية والإجتماعية وفلسفة التأريخ والأدب والببلوغرافيا والفنون وتأريخ العلوم السياسية والقانون وسير العلماء والفلاسفة والأدباء هو صحيح أم يجب أن نعدله؟

ج5: د. صادق السامرائي: الحاضر يجب أن يكون فاعلا ومتفاعلا، فهل هي كذلك؟

هناك قاسم مشترك عجيب في ما ذكرته، خلاصته التخندق في "لماذا"، وقد كتبتُ عددا من المقالات بهذا الشأن، فالإنصفاد في "لماذا"، يمنح راحة البال والوهم بأنهم وضعوا الإصبع على الجرح، وكفى، فياليتهم يشخصون ولا يعالجون، لكنهم يزيدون الجرح نزيفا، وهذا حال الأمة منذ منتصف القرن التاسع عشر.

هل أوجدوا حلا لمشكلة واحدة، أم أنهم عضّلوا مشاكلها من أولها إلى آخرها؟!!

فعلى سبيل المثال – درست الفلسفة مبكرا وأتواصل بقراءاتي الفلسفية، ويدهشني كثرة الفلاسفة العرب وغياب القدرة على صناعة الرؤية الحضارية المعاصرة، وأكثرهم ينتهي إلى تعليل الأشياء بأسباب نفسية، ولهذا إقترحت قبل وباء كورونا عقد مؤتمر يضم الفلاسفة وأطباء النفس والمختصون بالعلوم النفسية، لمد الجسور الفكرية والتفاعلية اللازمة لبناء رؤية صالحة للحاضر والمستقبل.

والقاسم المشترك الآخر، هو العجز عن التفاعل مع الواقع بديناميكيات معاصرة، تساهم في إنبثاق الطاقات الكامنة، وتأهيلها لصياغة الصيرورات اللائقة بجوهر الأمة، ومخزونها الإبداعي الحضاري الإنساني.

أما التعديل المطلوب فهو أن نستوعب إرادة "كيف"، فسؤال "كيف نتقدم" لايزال غائبا، ويخشى منه الذين تفضلت بذكرهم، ويتلذذون بالإجابة على سؤال: "لماذا تأخرنا"، فهذا هو شغلهم الشاغل، والجواب ضمير مستتر تقديره ما يشاؤونه من الإستنتاجات العبثية الخالية من إرادة الحياة!!

س6: ا. مراد غريبي: هل أن المثقف الحر هو الذي يفرض نمط التفكير والنقد والمساءلة أم أن النفساني هو مّن يحاول إسقاط نظريات العلم المعاصرة على إخفاقات الواقع وإنتكاسات التأريخ وهواجس المستقبل؟

ج6: د. صادق السامرائي: لابد من توضيح المسميات، لأن الأمة تعيش في محنة المصطلحات التي تشوش وعيها، وتزعزع كيانها.

ما هو المثقف الحر: هو الغير مرتبط بأية جهة مهما كان نوعها، ورسالته الحقيقة ، ولا يخشى فيها لومة لائم، أي أن يكون جريئا في إعمال عقله.

نمط التفكير: قالب التفكير وشكله، والنمطية متوارثة وفاعلة بسلبية مروعة في مجتمعاتنا.

النقد: أن تقيّم الحالة بعيون المنهجية الموضوعية والصدق بعيدا عن المديح والمجاملات ؟

المساءلة: مفردة أقرب للقانون منها للفكر والأدب، والمعنى هنا التساؤل أو طرح الأسئلة.

النفساني: المهتم بالعلوم النفسية.

فالمثقف الحر يتناول الحالة ويشرحها بأدواته التي يجيد إستعمالها، ويخلص إلى نتائج وفقا لما لديه من معلومات ومهارات، وعلى العقول الأخرى أن تستخلص منها ما تراه مناسبا، أو غير ذلك.

وبخصوص النقد فأنه روح الإبداع لكنه غائب أو جامد، وخامد في طيات اللامبالاة.

أما الإسقاط فيشير إلى حالتين، الأولى كآلية دفاعية أولية بدائية ترفع رايات "هوَّ"، والثانية كسلوك مهيمن على المفكرين وخصوصا الذين درسوا في الجامعات الأجنبية، فيأتون بنظريات الآخرين ويطبقونها على مجتمعاتنا، بغض النظر عن منابعها وحيثياتها، ويحسبونها صحيحة، وبموجبها يتناولون حالات ما وجدت لأجلها.

والأمثلة عديدة كما في علم الإجتماع وغيره، فتراهم يبررون السلوكيات بنظريات أجنبية، وما إستطاعوا إبتكار نظرية ذات قيمة ودور في ترميم خرائب الحياة الإجتماعية العربية.

بل يميلون إلى التفسير، ويحسبون ما هو قائم تحصيل حاصل، وكفى الله المؤمنين شر القتال، ويؤكدون على أن هذا واجبهم وحسب.

أما النفساني فهو الذي عليه أن يجتهد للتعبير عن " إعرف نفسك"، والمختصون في العلوم النفسية يحاولون ذلك، لكنهم لم يتوصلوا إلى رؤية ذات قيمة إستنهاضية وتنويرية، تصنع تيارا حضاريا متوافقا مع جوهر الأمة، وأظنهم سيمسكون ببوصلة الإشراق المعرفي الإدراكي مستقبلا، وسيشحذون طاقات الأمة بالهمم الواثقة بذاتها وموضوعها، وسينشرون علم النفس الإيجابي، فالوعي النفسي ضرورة ديمقراطية معاصرة.2875 مراد وصادق

س7: ا. مراد غريبي: هل أن الأنثروبولوجيا الثقافية في خياراتكم كطبيب نفسي السبب لتخصيصكم عدد غير قليل من المقالات المتعلقة أساسا بالظاهرة السلوكية للمجتمعات العربية؟

ج7: د. صادق السامرائي: الأنثروبولوجي: علم الإنسان.

قراءاتي متواصلة ومتنوعة وسريعة ومكثفة، أقرأ في كافة الموضوعات، وأحاول أن أستخلص منها فكرة ومعنى، وكتابي المفضل هو الإنسان، فكل إنسان يبدو ككتاب علي أن أعرف أبجدياته، وأجيد قراءة ما مكتوب فيه!!

وهذه الفكرة راودتني منذ كنت طالبا في الكلية الطبية، وتعمقت وتطورت بعد أن تخصصت بالطب النفسي، فتجدني أتصفح الكتب البشرية وأتمتع بتأمل صفحاتها، والإنتهال من معينها الحيوي الفياض.

وهذه الرؤية إنتقلت إلى المجتمع، فأخذت أقرأه ككتاب متجدد الطبعات أحاول أن أفك رموز ما فيه.

س8: ا. مراد غريبي:  من خلال إثرائكم للحقل الثقافي عبر ملاحقة إرهاصات الواقع . لماذا برأيكم، السياسي هو من يوجه المشاغل العلمية ، وليس الإشتغال المعرفي على الواقع بحرية وتثوير علمي؟

ج8: د. صادق السامرائي:  دوما يطاردني سؤال: هل عندنا سياسة، وهل لدينا ساسة؟!!

ولا أدري لماذا يكون الجواب بالنفي، فيلغي الكتابة عمّا غير موجود!!

وإذا إفترضنا العكس، فالسياسي الجاهل يريد عقلا عاطلا، والسياسي العالم يريد عقلا فاعلا، والمثل في تأريخنا الخليفة المأمون، كان عالما فإزدهرت في عصره العلوم وتنوَّرت العقول وفعلت وتفاعلت.

في مجتمعاتنا المرهونة بالكرسي القابض على مصير المواطنين، النشاط يجب أن يخدمه، وإلا سيمحقه!!

وكل ذي عقل منكوب، والمحابي الخانع التابع مرغوب ومطلوب، والجهل وسيلة للإستمرار بالحكم، وتأمين السلطة وإستلاب حقوق الآخرين.

أما العلم فمن أخطر ما يواجه أي سلطان مهما كانت درجته، ولهذا تجد الأمية تتعزز وتتطور، ولا يريد أي مهيمن على عدد من الناس أن يعلمهم ولو مبادئ القراءة والكتابة، ولن تجد في مراكز العبادة بأنواعها نشاط علمي ثقافي ينوّر العقول، لأنه من البدع المحرمات والمآثم والموبقات!!

والحقيقة مجتمعاتنا ليست جاهلة وإنما ترزخ تحت سنابك التجهيل والإستلاب.

وإذا رأينا أن السياسي هو الذي يوجه النشاطات العلمية عندما تخدمه، فلأنه يريد التفاعل مع المجتمع، أما النخب المعرفية فتعيش في صوامع رؤاها وتصوراتها المنقطعة عن الواقع، وتجيد الرهبنة المعرفية، ولا تنقل العلم إلى عمل، ولهذا كلما إزداد عدد العلماء يترنح المجتمع في قيعان الوجيع، فطاقات الأمة العلمية هائلة، وتبحث عن منافذ تؤهلها للتعبير عن إرادتها، ولا تجد مَن يستثمرها في مشاريع نافعة.

س9: ا. مراد غريبي: هناك كلمات متداولة في كتاباتكم المتنوعة وهي ذات مفاهيم مفصلية ؟

ج9: د. صادق السامرائي: الكلمة ذات قيمة ودلالة ومعنى، وتأثير في العقل والنفس والروح، ومن غير المعقول أن تتناول موضوعا، ولا تكون دقيقا في مفرداته لتدل على جوهره وفحواه.

لكل موضوع معجميته، كما لكل قصيدة معجميتها الخاصة بها، والمتصلة بالمعنى والفكرة.

ولكل فكرة دوائر مفردات، وأفلاك عبارات، وما ينقصنا فقدان قدرات التعبير عن الفكرة بالكلمات، لخواء المعجمية الذاتية والجمعية.

فالكلمات التي أستعملها أختارها بدقة، وأحاول أن أجعلها قادرة على حمل المعنى المقصود، وليس من السهل أن تتمكن من هذه المهارة التعبيرية، ولازلتُ أكدح لبلوغها.

ولابد من الإشارة إلى أن محنة النظرية والتطبيق، سببها فقدان قدرات التعبير عن النظرية بكلمات وافية يستوعبها المواطن، ولهذا فشلت نظريات الأحزاب برمتها، فما أن يتكلم قادتها حتى تكتشف خواء مفرداتهم وضعف عباراتهم، على النقيض من قادة الأمة القدماء الذين كانوا يجيدون فنون اللغة والخطابة.

س10: ا. مراد غريبي: ماذا عن فلسفة النص لديكم، ولمن الكتابة، وأيهما اصعب الكتابة أو القراءة في هذا الزمن الإفتراضي؟

ج10: د. صادق السامرائي: هذه أسئلة في سؤال!!

النص يجب أن يلتزم بتقنيات الكتابة، ويكون سهلا واضحا وممتعا فكريا ونفسيا، وليتساءل كاتبه قبل أن يبدأ الكتابة، لماذا يكتب، ولمن يكتب، وهل يستحق ما يكتبه القراءة؟

فالكتابة الإبداعية خدّاعة توهم الكاتب بأنه قدّم أصيلا وفريدا، فتنفخه بمشاعر وأحاسيس كاذبة، فتراه ينطلق بنصه غافلا هفواته، وإن أشرتَ إلى خطل ما تثور ثائرته ويحسبكَ عدواً لدوداً.

بينما المطلوب من المبدع أن يكون ناقدا لنصه، ومحاولا التعلم منه ليتطور ويأتي بما هو أفضل.

والكتابة للقارئ، فإذا عجز الكاتب عن ذلك فمن الأفضل أن لا يكتب، فنسبة مما يُنشر يبدو وكأن الكاتب قد كتب لنفسه!!

القراءة أصعب من الكتابة، لأنها تتصل بعوامل متعددة ومُبرمجة للعقول وفقا لأجندات معينة، فبعض الكتابات المسوَّقة ذات غايات مؤسفة، تحاول تعزيز الركائز السلوكية اللازمة لتحقيق مآرب ما.

وبشيوع المفاهيم الغابرة المدمرة للواقع البشري، أصيبَت القراءة بفاجعة حضارية مروعة.

والكتابة ربما صارت بلا شأن، فالكل يكتب ويرى أنه كاتب، قبل أشهر إتصلت بي طالبة في الثانوية تثني على كتاباتي، وتقول بأنها تكتب فشجعتها وقلت لها عليكِ بالقراءة وممارسة الكتابة اليومية حتى يتمرن قلمكِ ويتطور أسلوبكِ، وإذا بها لا تستحسن نصيحيتي، فهي كاتبة، وربما صدَقتْ وكنتُ من الجاهلين!!

لأننا نعيش فترة إنتقالية ما بين أجيال القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، بين الورقي والرقمي، وفي عصر السرعة الذي يتطلب القراءة السريعة، وهنا يبرز التحدي الذي تغفله أجيال القرن الماضي، وهو كيف نكتب ما يُقرأ بسرعة؟!!

س11: ا. مراد غريبي:  أين القارئ في معادلة الكاتب والنص؟

ج11: د. صادق السامرائي: كقارئ أتصفح المواقع بين فترة وأخرى، لأقرأ مقالا أو نصا، وأجدني في محنة وحيرة، فلا أعثر إلا على نص واحد أو إثنين، تشدني للقراءة، فأكثرها تطردك من أول عبارة!!

وعندما أتساءل كيف بالقارئ الآخر الذي يريد أن يقرأ، ويحاول التمتع بالقراءة، أكتشف سبب العزوف عن القراءة، وفشل الأقلام في صناعة التيار الثقافي القادر على التغيير.

مَن ينشر قد لا يعنيه القارئ، بل أن النص الذي يكتبه ربما لا يدري ماذا وضع فيه، ما يعرفه أنه أطلق العنان لقلمه ليملأ السطور بالمنثور المهجور، ولأنه حشاها بالكلمات توهم بأنه كتب!!

وبهذه الأساليب يسعى مَن يكتب لإلغاء القارئ!!

س12: ا. مراد غريبي: على أي أسس تبلورت قصة الكتابة لديكم؟

ج12: د. صادق السامرائي:  لا تستغرب إذا قلت، أن الكتابة مَرض، أو سلوك إدماني، أحد الزملاء شكوتُ له هذا المرض فسماه "المرض النبيل"، فأسُسها مَرضية إدمانية بحتة!!

هذا المرض أصابني منذ كنت في الصف الرابع الإبتدائي، عندما طلب المعلم منا أن نكتب موضوعا إنشائيا في دفتر ذي عشرين ورقة، وجئت في درس الإنشاء وقد ملأتُ صفحات الدفتر بقصة طويلة، أي كتبت أربعين صفحة، قرأها، وأعطاني درجة كاملة وما علق بشيئ، إلا أنه أخذ يستدعيني أمام السبورة في حصة الإنشاء، ويطلب مني قراءة ما كتبت!!

وصرتُ أنشر في النشرات المدرسية ، ثم تطور النشاط في المرحلة المتوسطة والإعدادية، وأمضيت زمنا أكتب القصة القصيرة، وبعدها الرواية، ووجدتني مع الشعر الذي أتردد في نشره رغم دراستي المكثفة عنه، وقد أمضيت سنوات أكتبه ولا أنشره، أما الكتابة اليومية فأنها لازمتني منذ ذلك الوقت، ولعدم وجود التوجيه والرعاية، وهيمنة إرادة القهر والممنوع، أصابنا التيهان والضياع، وعندما أسأل نفسي لماذا لا أتوقف عن الكتابة، أتناول القلم وأكتب، كالمدمن على الخمر، وهو يردد وذات نفسه :  

 " دع عنك لومي فإن اللوم إغراء...وداوني بالتي كانت هي الداء"!!

فما أنشره يساوي نسبة ضئيلة مما أكتبه، وتعريفي للكتابة وضع الأفكار في أوعية الكلمات، ولكي تكتب يجب أن تقرأ، وقد نصحني أحد المثقفين الكبار المعروفين منذ البداية بقوله : " إقرأ ثم إقرأ ثم إقرأ ...حتى تمتلئ لكي تكتب"!!

س13: ا. مراد غريبي: هناك مصطلحات وعبارات أساسية ومركزية في مقالات الدكتور صادق السامرائي، أحيانا بإيحاء وأخرى بصراحة، أقصد مسائل "الأهواء المعقلنة"، "الأدمغة الملوثة والمدرعة والمبرمجة"، "العقل المقتول"، " الرؤوس المبرمجة" و"النخبة الرهينة والخيبة " وما هنالك من معجم مصطلحي خاص بالدكتور السامرائي، والذي يعكس قراءات وتحليلات عبر عدة مستويات أساسية ؛ هي العلمي والثقافي، والاجتماعي، والسياسي، والتاريخي، والديني/ الروحي.

ونحسبها مترابطة عندكم، هل من توضيح ما المقصود بأنماط التفكير التي فككتموها في عدة مقالات؟

ج13: د. صادق السامرائي: التصدي للظواهر بأنواعها، ينجم عنه إكتشاف الآليات الفاعلة فيها، ولكل ظاهرة ديناميكية تكوِّنها وتدِيمها وتعززها، والتصدي لها يستوجب الإحاطة بعناصرها المؤدية لترسيخها، والهدف من سبر أغوارها وتقليب صفحاتها، الوصول إلى جوهرها الذي يستدعي التفاعل العلاجي القويم.

فالإبحار في أعماق الظاهرة المساهمة في صناعة الواقع المُعاش، يوصلنا إلى جمع المشتركات في وعاء، يشير إلى أسباب العلة ومستلزمات إستئصالها، فتكون الصورة واضحة، والإقتراب منها أنفع وأكثر إنتاجية، لتحقيق إعادة تركيب مناهج تفكيرنا، وعصرنتها.

ولهذا يكون عنوان المقالة مصطلح توضحه في فقراتها، وتلقي الأضواء على معانيه ومضامينه، وما يشير إليه ويدعو لإتخاذه، وآليات الإقتراب منه.

وكل مُسمى يقود المقالة المكتوبة يشير إلى شكل من أشكال التفكير الفاعلة في مجتمعاتنا، فما يدور ليس نمطا دماغيا واحدا، وإنما عدة أدمغة بلمساتها المستقلة عن غيرها، فطرق التفكير السريعة قليلة، والواقع يزدحم بطرق التفكير الفرعية، وفي هذا يكمن مربط فرس وجودنا، الغير قادر للوصول إلى طرق الدنيا السريعة المتسارعة المتجددة التقنيات، وعلينا أن نوجه طاقاتنا العقلية نحوها.

طرق التفكير السريعة: آليات التفكير الجامعة الواسعة الإستيعاب والكوكبية النظر.

طرق التفكير الفرعية: العمه في الأنفاق المظلمة والزوايا الحادة الخانقة.

س 14: ا. مراد غريبي: ما المقصود بمسألة جدلية الوعي والقوة الحضارية؟

ج14: د. صادق السامرائي: هذا سؤال فلسفي بحت، فدعني أفكك معاني مفرداته.

 الجدل: طريقة في المناقشة والإستدلال، تبادل الحجج بين طرفين دفاعا عن وجهة نظر معينة، أو تبادل وجهات نظر حول قضيتين، ومنه الديالكتيك وما يتصل بهذه المفاهيم من رؤى ومنطلقات تعتمدها الفلسفة.

الوعي: الفهم وسلامة الإدراك، شعور الكائن الحي بما في نفسه وما يحيط به، ونفسيا للوعي مستويات معروفة.

القوة: ضد الضعف، وتعني القدرة، ولها تعريفات فيزيائية، وهي طبيعية وحيوية وعقلية، ومبعث النشاط والحركة.

الحضارة: "الكل المركب الذي يجمع بداخله جميع المعتقدات والقيم، والتقاليد والقوانين والمعلومات والفنون، وأي عادات أو سلوكيات أو إمكانات يمكن أن يحصل عليها فرد ما في مجتمع ما"، وبإختصار هي التمدن، عكس البداوة.

وعليه فالوعي درجات، وتفاعل درجاته المتباينة يساهم بولادة وعي جديد، يحقق تحولات متجددة في الواقع الذي يتأثر به.

ووفقا لذلك فأن الحوارات المتنوعة ضرورية، لتفعيل العقول وإعمالها، للإنتقال بآفاق الوعي الجماهيري إلى مستويات معاصرة ذات قيمة تواكبية أصيلة.

فالمجتمعات المتنافرة أضعف من المتحاورة، فالأخيرة تزداد قوة وإقتدارا، والأولى تتهاوى في معاقل الخسران والهوان.

س 15: ا. مراد غريبي: لديكم تجربة أدبية خاصة وفريدة، هل الشعر والنثر عندكم إبحار في متاهات المسرح الثقافي العربي؟؟

ج 15: د. صادق السامرائي: الكتابة بدأت نثرية وتبين أنها شعرية، فالمقالة قد تتحول إلى قصيدة والعكس صحيح، بل كنت أخلط بين المقالة والقصيدة، فكانت المقالات تمزج بين الشعر والنثر، وبعد أن حاولت المعالجة، وجدتني تحت تأثير هذا البحر أو ذاك دون غيره، وفي بعض النصوص تختلط البحور، وأحيانا أجدني أكتب على إيقاع لا وجود له في علم العروض.

لم أتعلم الشعر لأكتبه، بل إكتشفت صدفة أن ما أكتبه شعر!!

والفكرة هي التي تحدد طبيعة وأسلوب ومفردات المكتوب، فقد تبدو بمقال، قصة، رواية، حكاية، خاطرة، عبارة، أو بيت واحد أو أكثر.

يتملكني بين آونة وأخرى بحر من البحور، حتى أن كلامي مع الآخرين يأتي على أوزانه، بل وخطواتي ربما تتقيد بإيقاعاته، وإذا كتبت قلمي لا يتوقف فتتجاوز القصيدة المئة بيت، وتعلمت مع الزمن أن ألجم جماحه، وأوقفه عند حده، ولهذا معظم القصائد أحاول أن أمنعها من تجاوز الثلاثين بيتا.

أكتب يوميا، وأحيانا في كل يوم قصيدة، وعدد من المقالات، وما أنشره يساوي نسبة ضئيلة مما أكتبه، وهذا ما أعنيه بمرض الكتابة، ولدي أرشيف يزدحم باللامنشور.

والبلية الكبرى عندما تتحول الثقافة إلى عشق، ومتعة روحية وفكرية، ولذة عقلية ذات أحاسيس إشراقية، وإدراكات نورانية ساطعة خلابة في أروقة النفس، وفضاءات الأعماق العلوية.

وإذا سمحتَ لي أن أذكر شيئا عن الشعر، فما كل موزون بشعر، ولا كل منثور كشعر، النص يجب أن يكتسب مواصفات خاصة ترقى به إلى مقام الشعر، ولهذا فالنسبة العظمى مما في دواوين الشعراء، هو نظم، وقليلٌ فيه الشعر، فالنظم سهل، لكن الشعر صعب، ولهذا لا تجد رائعة شعرية ذات قيمة وأثر، إلا فيما ندر.

الشعر الحقيقي المنثور أصعب من الشعر العمودي، لأنه بحاجة لقدرة إدراكية موسوعية لشد أواصر الأفكارببعضها، ضمن إيقاع مؤثر في مشاعر وأحاسيس ومدارك القارئ.

ولكي تكتب شعرا حقيقيا يجب أن تتمكن من تذويب المشاعر والأفكار والمفردات في كيان متجانس بليغ.

س 16: ا. مراد غريبي: ناقشتم إشكالات ومشكلات وسلوكيات وتطلعات وإستشرافات عديدة تتعلق بالديمقراطية، كيف يقرأ الدكتور السامرائي مفهوم الديمقراطية في جل تمثلاته الإنشائية والتطبيقية والازماتية والسلوكية والأخلاقية: غربيا، عربيا - إسلاميا؟

ج 16: د. صادق السامرائي: نشرت على صفحات المثقف منذ بداية إنطلاقها، سلسلة حلقات عن الديمقراطية بعنوان "لسان الديمقراطية"، وعشرات المقالات التي تتناولها من كافة الزوايا، ولا زلت كلما برقت فكرة جديدة متصلة بها أكتبها.

الديمقراطية تتلخص بتوفير البيئة القادرة على إطلاق الطاقات الجماهيرية وإستثمارها لتأمين المصالح الوطنية، ومن ضروراتها الأساسية قوة القانون وهيبة الدستور، فإذا إنتفى الدستور الوطني الصالح للمجتمع، وغاب القانون فلا وجود لها.

وتعني إعلاء قيمة الإنسان وإحترام حقوقه، فعندما نعترف بوجود إنسان له حقوقه المصانة، يمكننا الكلام عن الديمقراطية.

البشرية لم تعرف التعبير العملي عن حكم الشعب إلا في التأريخ القريب، وحاولت أن ترتقي إلى جوهر الفكرة في القرن العشرين، فبذلت التضحيات الجسام، ولا تزال المسيرة الديمقراطية في الدنيا ليست على ما يرام.

وهي بحاجة إلى بنية تحتية، نفسية، سلوكية، فكرية، ثقافية، روحية، وطنية، زراعية، عمرانية، صناعية، صحية، وإبتكارية وغيرها، تؤهل المواطن للتعبير عن قدراته، وإحساسه بقيمته ودوره في بناء الحياة الحرة الكريمة.

س 17: ا. مراد غريبي: أكثر ظاهرة شدتني في تحليلكم لها كونها ترتبط بالإنسان والدين والثقافة والدولة والمقدس والمدنس، هي ظاهرة التطرف الإنساني والديني، كيف تتكون سكرة التطرف بنظركم؟

ج 17: الدكتور صادق السامرائي: التطرف سلوك مُصنّع في مختبرات البرمجة الدماغية، الهادفة لإتلاف الشعوب والمجتمعات وتفتيتها، فأي شخص يمكن تحويله إلى متطرف، بآليات بسيطة ومكررة ترسخ في دماغه ما يُراد له أن يؤديه، فتراه كالدمية المتحركة عن بعد أو قرب، يندفع نحو هدفه بطاقة إنفعالية متأججة، فد تقضي عليه وعلى مَن حوله، وهو في غفلة وسكرة إنفعالية هوجاء، لا تسمح لعقله باليقظة ولو للحظات.

والتطرف له علاقة بطبيعة الدماغ، هذا العضو الذي يمكن تصنيعه وبرمجته ليكون مستعبدا لصاحبه ومهيمنا على وجوده، ويأخذه إلى مبتغاه وهو مذعن خانع كالروبوت. ويمكن أن تستحدث فيه دوائر عُصيبية مترابطة ذات قدرات حركية فائقة، بإقران أي سلوك مرغوب بأجيج عاطفي مصطنع، وبتكراره تهيمن تلك الدائرة العُصيبة المُستحدثة، وتستحوذ على بقية أجزاء الدماغ وتسخره لمنطلقاتها، وما تمليه عليه.

وكل عقيدة أيا كان نوعها، لديها مهاراتها التطرفية، فأصحاب العقائد متطرفون بإنغلاقيتهم وتوهمهم بأنهم العارفون، والقابضون على الحقيقة المطلقة (التي لا يدرون ما هيتها لأنها تكون غيبية دوما)، وبتكاثر ما هو عقائدي يتنامى التطرف، خصوصا عندما يقرن بأحداث دامية وقاسية.

وتلعب الحركات المؤدينة دورها الفتاك في نشر التطرف والإستثمار فيه، لأنه أداتها الأقوى للتعبير عن مشاريع غنائمها، وتبرير ما تقوم به من آثام وخطايا، تحت خيمة المقهورية والمظلومية المسوّقة للنيل من جوهر الحياة.

وهذه الحركات تكون سهلة الإستخدام من قبل الطامعين بالبلدان والمجتمعات، ويمكن إيهامها بتعزيز إرادتها ومراميها.

ومن جانب آخر، فالتطرف ظاهرة قائمة في أي مكان وزمان، ووفقا لمنحنى الإنتشار الطبيعي، فإن نسبة (2.5%) من أي حالة تكون متطرفة بإتجاهين حميد وخبيث.

ولا يخلو مجتمع، حزب، مذهب، دين، أو ما شئت من الحالات البشرية من التطرف، وإذا أخذت (1000) شخص، ستجد (25) منهم متطرفا حميدا ( النوابغ من العقول المبدعة) ويتم ملاحقتهم لمحقهم في بعض المجتمعات المنكوبة، و(25) منهم متطرفا خبيثا (المجرمون وسفاكوا الدماء وأمثالهم)، يتحقق التركيز عليهم والإستثمار فيهم في تلك المجتمعات الخائبة، بتقويتهم وإمدادهم بالسلاح والعتاد، وتعزيز سيطرتهم على مقدرات الحياة.

الوجود في جوهره متطرف، والأرض كينونة متطرفة!!

المشكلة ليست في التطرف وإنما في الإستثمار فيه، فلكي تقضي على أي حالة عليك أن توظف عناصرها المتطرفة الخبيثة لتقوم بدورها الهدام فيها.

والمتطرفون دينيا يتناسب توظيفهم وإستثمارهم مع درجة حرمانهم، وعندما يتذوقون طعم الدنيا فأنهم سيتغيرون، ولا يخربونها للفوز بالآخرة، لأنهم سيكونون أشد حرصا على حياتهم!!

فأطعمهم عسل الدنيا وبعدها تكلم عن التطرف!!

س 18: ا. مراد غريبي: ماذا هناك بين سطوة التخلف والتيه الثقافي عند العرب والمسلمين في فهم الدين والحضارة ؟

ج 18: الدكتور صادق السامرائي: العرب متناحرون لا متخلفون، ويستنزفون طاقاتهم في نشاطات خسرانية وعبثية، ولا تستغرب إذا قلت لا يوجد فهم عربي واضح وجامع للدين، ولو كان الفهم موجودا، لما فعل المسلم العربي بالمسلم العربي ما فعل.

المفروض أن العرب أعرف المسلمين بالإسلام، لكن الواقع يشير إلى أنهم أجهل المسلمين بالإسلام!!

قد يبدو كلاما غريبا، لكن لو سألتَ أي عربي عن بعض معاني الكلمات في القرآن، لغضب وإتهمك بأنك تنتقص من شأنه، ولن يقر لك بعدم معرفته!!

ومصطلح (رجل الدين) لا وجود له في تأريخ الإسلام، إنه مسمى مصطنع لتضليل العامة بأن فلان يعرف بالدين.

ولا يوجد فرد عارف بالدين، لأنك لو دخلت مكتبة تراثية، لأصابك الذهول من كثرة الموسوعات والكتب التي تبحث في شؤون الدين، ولا يمكن لفرد مهما توهمنا أن يلم بمعرفة قليلة حقيقية عن الدين، ولهذا أكثرهم يميلون إلى القول الذي يتصورونه ويختلقونه، وبذلك يفترون على الدين، وبتكرار هذه السلوكيات يتغير معنى الدين.

وتجد يعض ذلك حتى في كتب التفاسير، فالدين صار بحاجة إلى جمهرة علماء تفاعل عقولها في أية مسألة لتستخرج أصوب ما يمكنها من الجواب عليها.

فلا يصح القول بالفرد العارف بالدين، فهذا الزمان قد إنتهى، ففي زمن الفيضان المعرفي والمعلوماتي، تصاغر دور الفرد العارف بكل شيئ، فالدماغ البشري لا يستوعب ذلك، فهو محدود القدرات، وكلما تقدمت المعارف تعددت التخصصات.

أما فيما يخص الحضارة العربية، فأن الشعور بالدونية والتبعية وفقدان القيمة والدور قد ترسخ في الوعي الجمعي، حتى صار العربي ضد ذاته وموضوعه، ومن ألد أعداء هويته.

وقد أسهمت النخب المعرفية في نشر المفردات السلبية والرؤى الإنهزامية، والتصورات الإنكسارية، والمناهج الإنتكاسية، التي أوهمت الأجيال بأنها عاجزة، وعليها أن تستلطف دور العالة على غيرها.

والتجهيل الحضاري يمضي بكثافة هجوميية غير مسبوقة، لإقتلاع جذور الأمة، وإطلاق أجيالها في متاهات اللاجدوى والإبهام.

فالمواطن في مجتمعاتنا لا يعرف مدينته ولا يدرك عمقها الإنساني، وفي أمية مروعة عن دور الأسلاف في وضع المنطلقات الحضارية للبشرية، ويعيش متوهما بأن الآخر هو الأقدر الذي لا يمكنه أن يكون مثله.

فنحن أجهل الأمم بتأريخنا الحقيقي، ويتملكنا التأريخ الوهمي الخيالي الذي لا يُعتبَر منه لأنه سراب رؤى!!

س 19: ا. مراد غريبي: للتاريخ مرويات تحتاج لمساءلة وتحرير من منطق الاستبداد والعاجية والطائفية، كيف يتحقق ذلك برأيكم؟

ج 19: الدكتور صادق السامرائي: فهم التأريخ يعتمد على كيف نقترب منه، بعلمية منهجية أم بحكمية مسبقة، وآراء راسخة تبحث عما يبررها، التأريخ حمّال أوجه، ومعظمه مكتوب في غير أوانه، ويمثل رؤى مَن دوّنه.

الكثير منه كان بضاعة يجني أصحابها منها مالا، بل يعتاشون عليها، فيكتبون بضاعة تُشترى، ولا يطرحون ما هو كاسد أو لا يُشترى.

فنسبة كبيرة من الذين كتبوا التأريخ، حشوه بالأكاذيب والتصورات الخالية من الأدلة، والأرصدة الواقعية، وتنافي الطبع البشري والقدرات الآدمية.

إنهم يخرجون الشخص المكتوب عنه من بشريته، ويرفعونه درجات فوق المخلوقات، ويوهمون الناس بأنه قريب من الإله أو سليله، مثلما فعل إنسان الحضارات القديمة، فلكي تفرض سلطتك على الآخرين لا بد أن تتميز عنهم بإنتسابك لما هو غيبي ومقدس!!

ولهذا فالحاجة ملحة إلى الجرأة في طرح الأسئلة وتقييم المدوَّن الوارد إلينا، وفقا للمنهج العلمي والتمحيص العقلي، فهناك قصص ومرويات لا يمكن قبولها عقليا، وأكثرها كالأساطير الخرافية، فتجدنا أمام شخص خائف مرعوب من المحيطين به، ومصيره مرهون بالآخرين، وقد قدموه على أنه صاحب القول الفصل في كل أمر، والملهم الذي تنحني له الرقاب، وما هو كذلك على الإطلاق، ومَن يطلع على ما وردنا في كتب التأريخ، يستغرب من قبول المنقول، وعدم تنقيته من الأضاليل والإفتراءات والتخيلات التجارية، شعرا ونثرا.

س 20: ا. مراد غريبي: قراءتكم لمفهوم الإسلام ذات عمق ابستيمي، بحيث لكم مقاربات من خلال ثنائيات مفاهيمية للإسلام، تعكس رؤية إنسانية مختلفة عن رؤى العديد من المفكرين، هل الإسلام رهينة فهم رجعي أو سطو فقهي أم مشكلة ثقافة؟؟؟

ج 20: الدكتور صادق السامرائي: ابستيمي: (المعرفة والعلم).

الإسلام دين ربما يكون مجهولا في بعض مجتمعاتنا، والسائد دين مصطنع ومستورد يُسمى جزافا إسلام!!

فما يشير إلى معنى الإسلام كسلوك أصبح نادرا؟!

لقد تم إختصار الدين بتأدية الفروض وحسب، أما الدين العمل والمعاملة، فأشبه بالخيال.

ولهذا تجد المسلم عدو المسلم في كثير من الأحيان، مما جعل الآخر يرى، لكي تقضي على المسلمين زوّدهم بالسلاح، فأنهم سيتنافسون على قتل بعضهم البعض!!

فالإسلام ما عاد دينا واحدا، بل أديانا متنافرة لها مسمياتها، وكل منها يدّعي أنه الإسلام الصحيح، وغيره زنديق وكافر وعدو الإسلام، وبقتله يتقرب القاتل إلى ربه ويدخل جنات نعيمه الغناء.

الدين بتفرعاته أضحى بضاعة تجارية لها تجارها ومسوقيها وأسواقها، ويزداد ترويج بضاعته بتنامي التجهيل، فتجار الدين يرون أنهم يعرفون، والذين حولهم من الجاهلين، فعليهم بالسمع والطاعة، وبهذا يصنعون مجتمعات التبعية والخنوع، ويصادرون العقل، ويمنعونه من العمل، فالسؤال حرام، والتفكير من الخطايا والآثام.

س21: ا. مراد غريبي: هناك البراغماتية والأخلاق، كانط يطرح فهم مثالي للأخلاق بعيدا عن المنفعة، هذا عند فيلسوف الأخلاق، ماذا عن نظرة الأديان حول الأخلاق وتحديدا الأخلاق بين الإسلام والمسلمين؟؟

ج21: الدكتور صادق السامرائي:

البراغماتية: (النفعية، المصلحية \ أو معيار الأفكار الناجحة بقيمة نتائجها العملية)

طرحتُ عدة مفاهيم بهذا الخصوص في مقالات منشورة ومنها الدين المصلحة، فالتأريخ يحدثنا عن المعنى الحقيقي للدين، الذي يترجمه سلوك البشر عبر الأجيال المتعاقبة.

والإرتقاء إلى مرتبة القيم والخلاق والوعي الروحي والفكري والإنساني، يحتاج إلى كدح ومكابدة على عدة مستويات، لا يتمكن منها إلا القليل من الناس، ويأتي في مقدمتهم الأنبياء والأولياء والصالحون، الذين يبرهنون بسلوكهم المتواصل عن جوهرهم المتحرر من جذب التراب، وإنتصارهم على أمّارة السوء التي فيهم.

ما يدور في واقعنا، أن الدين تحول إلى مطية لتأمين مصالح فردية وجماعية وفئوية وطائفية، فالسلوك لا يعبّر عن الدين، وإنما عن الغايات والمرامي المبرقعة بدين.

فأين الدين فيما يجري في بعض المجتمعات التي جثمت على صدرها أحزاب الدين؟

الدين إرادة نابعة من الذات الفردية، فالذي لا توجد عنده تلك الطاقة اللازمة للتفاعل الأكمل مع الدين، لن تقدر ان تفرض عليه الدين، ومن هنا جاءت " لا إكراه في الدين".

أما عندما تكون بوصلة المصلحة هي الفاعلة، فلا تتحدث عن الدين، بل عن فقه الجماعة المتمترسة في خنادق رؤاها وتصوراتها القاضية بإستعبادها للآخرين.

الأمة لا يمكنها أن تلتقي بجوهرها الحضاري، إذا بقيت مرهونة بالدين كمطية لتأمين مصالح الكراسي وفقهائها المضللين.

س22: ا. مراد غريبي: في سياق هذا الواقع العربي المهترئ، حيث تبدّلت المفاهيم والقيم، نختم بالتساؤل التالي: كيف نستعيد حيويتنا من جديد، أستاذي وصديقي المفكر د. صادق السامرائي ؟

ج 22: د. صادق السامرائي: الواقع العربي ليس مهترئا (باليا)، فهذه توصيفات سلبية يُراد لها أن تنتشر وتترسخ في الأذهان، وتتسيد على الوعي الجمعي.

الواقع العربي يمر بمرحلة وضعته عاريا أمام نفسه، وفيه أجيال وافدة صاعدة ذات مستويات معرفية وإدراكية معاصرة، أخذت تشق دروبها وتبني أسس إنطلاقها نحو غدٍ يليق بها.

ما يحصل في واقع الأمة، حصل في مجتمعات الدنيا قبلها، وأقرب مثل، دول أوربا، التي خاضت إنهيارات شاملة على جميع المستويات، وإنبثقت أقوى وأقدر.

وكذلك الأمة ستكون أقوى وذات إرادة حضارية معاصرة تدعو للإفتخار، وإن ذلك لقريب ولا يكلفها إلا جيلين أو أكثر.

فالأمة أكثر تقدما مما كانت عليه فبل بضعة عقود، وهذه العواصف ستزول بعد أن تلد الطاقات الكفيلة بصناعة إرادتها المعبرة عنها، فعلينا أن نتحرر من المفاهيم السلبية ونتمسك بالإيجابية.

فهل يجوز وصف دول أوربا - في النصف الأول من القرن العشرين - بالمهترئة؟!!

وعن إستعادة الأمة لحيويتها، فهي حية ونشطة، وأبناؤها في غير مواطنهم يشاركون الدنيا بمسيرتها الإبداعية على كافة الأصعدة.

والتحدي الأكبر أن الأمة تتحسس من العلم وتنكره، والعديد من القابضين على مصيرها بإسم الدين، يعتبرون العلم بدعة سيئة، لأنه يزعزع مكانتهم ويحرمهم من غنائمهم.

فيحسبون البشر أرقاما، وهم الأصفياء الصالحون الأنقياء المدّعون بدين.

والعجيب كلما زاد عددهم في المجتمع، تنامى الفساد وإنحطت القيم والأخلاق، ويبدو أن ذلك من مشاريعهم التي تريدها نوازعهم المطمورة الفاعلة في دنياهم الخفية.

وإلا كيف تفسر بزيادة أدعياء الدين يتنامى الفساد والخراب والدمار والأمية؟!

المنهج العلمي ما ينقصنا وغيابه يدمرنا.

الدول العربية تصرف نسبة كبيرة من عائدات النفط على السلاح والحركات التي ترفع رايات الدين وفقا لرؤاها، وتتردد في الإنفاق على البحث العلمي، وميزانياتها هي الأقل بين دول العالم، فماذا نتوقعها أن تجني من هذا السلوك الخائب المرير!!

ومعظم المفكرين العرب لا يركزون على البحث العلمي ومناهج العلم، ويمعنون بنبش الغابرات وتعليل الآتيات بالماضيات، ويتحركون في دائرة مفرغة لا منافذ فيها، ولا مخارج لحياة وأمل بمستقبل مجيد.

وختاما شكرا على هذا التفاعل المعرفي الجريئ المقدام، الذي علينا أن نكرره لنزعزع أركان الركود والجمود والخمول، القابض على أنفاس أمة ذات قدرات فياضة بالأصيل المعاصر الفريد.

فأمتنا حية، ومنها علينا أن نستمد إرادة الحياة، وطاقات الصيرورة والتكوّن الخلاّق، وستعيد ترتيب آليات وجودها، وستنتصر على أزماتها، وستخرح منها بعافية وصحة جيدة.

تحية لكم ولصحيفة المثقف التنويرية الغراء.

د-صادق السامرائي

إنتهى

 

 

 

2760 وطفة ومرادخاص بالمثقف: الحلقة الأخيرة من مرايا فكرية مع المفكر والأكاديمي الدكتور علي أسعد وطفة، وحوار شامل  أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول التربية وعلوم الاجتماع، فأهلا وسهلا بهما:


 س12: ا. مراد غريبي: ماذا عن مفهوم الثقافة والجدليات المتنوعة حوله في مجال الغرب ولدى العرب والمسلمين خاصة؟

ج12: د. علي أسعد وطفة: عندما نتحدث عن الثقافة فنحن نتحدث عن الحياة الإنسانية في أوسع معانيها ودلالاتها ويشمل هذا المفهوم مختلف الصيغ الواعية والمحتملة لعلاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالطبيعية والكون. وهذا يعني أن مفهوم الثقافة مفهوم كوني شامل يشتمل في ذاته على كل أنماط التفكير والسلوك والتفاعل بين بني الإنسان وبينهم وبين الكون الذي يحتضنهم. وما أريد قوله إن مفهوم الثقافة مفهوم شائك شديد التعقيد يمتلك تضاريس معقدة وهضاب متكسرة وأعماق سحيقة يصعب ضبطها والسيطرة عليها ذهنيا ومعرفيا.

وإذا كان مفهوم الثقافة يغطي مختلف مناشط الحياة والوجود فمن الصعب حقيقة أن نقدم تعريفا جامعا مانعا للثقافة. فالثقافة مضاف يرتهن بما يضاف إليه، كأن نقول: الثقافة الدينية، الثقافة السياسية، الثقافة التربوية، الثقافة الحضرية، ثقافة الريف، ثقافة المدينة، ثقافة العامة، ثقافة الخاص، الثقافة الأخلاقية، الثقافة البيئية... الخ. هذا وتبين الأعمال الواسعة في مجال الأنتروبولوجيا البنائية إلى أي درجة يتسم مفهوم الثقافة culture بالتنوع والتعقيد، فالمجتمعات الإنسانية تتنوع بتنوع ثقافاتها، ويعبر هذا التعدد الثقافي عن وجوه متعددة للحياة الإنسانية حيث يرتبط تعددها بتعدد اللغات والعقائد والأديان والأخلاق والقيم الإنسانية.

ويعد مفهوم الثقافة Culture من أكثر المفاهيم تداولاً وشيوعاً، ومن أكثرها غموضاً وتعقيداً. وهو المفهوم الذي أعيا جهود الباحثين الذين حاولوا تعريفه وتحديد ملامحه. لقد وقع كلكهون Kluckhon على مئة وستين تعريفاً للثقافة، وذلك منذ عدة عقود. ولفظة ثقافة Culture قديمة في اللغة الفرنسية؛ إذ ظهرت في القرن الثاني عشر، للدلالة على فعل العبادة، وبدأت تشير إلى فعل حراثة أرض وزراعتها في القرن السادس عشر.

ولكن هذه الكلمة بدأت تأخذ أبعاداً اجتماعية، وتكتسب مضامين ثقافية، منذ بداية القرن الثامن عشر. ويعد تعريف تايلور Tylor للثقافة، في كتابه الثقافة البدائية Culture primitive عام 1874، من أكثر تعاريف الثقافة شيوعاً وتواتراً في أدبيات الثقافة المعاصرة، وقوام ذلك التعريف أن الثقافة: " كل يشتمل على المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات والتقاليد والاتجاهات والاستعدادات التي يكتسبها الفرد بوصفه عضواً في الجماعة». ويجمع الباحثون على أن التعريف الذي قدمه تايلور يشتمل على عنصري البساطة والشمولية. وتظهر هذه البساطة وتلك الشمولية عند كيلباتريك Kilbatrik الذي يعرّف الثقافة بأنها: «كل ما صنعته يد الإنسان وعقله من أشياء ومظاهر في البيئة الاجتماعية ".

ويشكل هذا المفهوم محورا للتناظر الأيديولوجي في الثقافة الغربية ويتمثل ذلك في نسق من التعريفات الأخلاقية والرمزية والأنثروبولوجية، وتعبر هذه التعريفات عن توجهات فكرية وفلسفية وأيديولوجية متنوعة بتنوع التيارات الفكرية التي نعرفها في الغرب. ودعنا نستعرض بعضا من التعريفات الكلاسيكية المهمة في الثقافة الغربية. ويمكن القول إن تعريف كانط يعدّ من أبرز التعريفات الإنسانية، حيث يعرفها: “أنها مجموعة من الغايات الكبرى التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية، انطلاقاً من طبيعته العقلانية، وبهذا تكون الثقافة في نظر كانط أعلى ما يمكن للطبيعة أن ترقى إليه".

ولقد شكّلت نماذج التعريفات الشمولية الواسعة ينبوعاً للتعريفات التي تميل إلى الدقة والتخصص، وتنزع إلى التركيز على جوانب بنائية، أو وظيفية أو نفسية في مفهوم الثقافة الواسع. ومن هذه التعريفات يبرز تعريف كلكهون C. Klukhohn الذي يركز على الجانب السلوكي في الثقافة؛ إذ يعرفها بأنها: "طرق الحياة المختلفة التي توصل إليها الإنسان عبر تاريخه الطويل، والتي تشكّل وسائل إرشاد موجهة لسلوك الأفراد الإنسانيين في المجتمع".

وتبرز القيمة التخصصية لتعريف كلكهون في إبراز جوانب معقدة في تعريفه للثقافة، حيث يؤكد على الجوانب الصريحة أو الضمنية في الثقافة، وعلى أنها أسلوب حياة، كما يعطي أهمية للجانب التعليمي والإرشادي في بنية الثقافة.

ويتصدر تعريف لنتون Ralph Linton التعريفات المهمة للثقافة، وهو الذي يعرّف الثقافة بأنها «ذلك التشكيل أو الصيغة من السلوك المكتسب ونتائجه، حيث يتقاسم أفراد المجتمع عناصره المكونة ويتناقلونها في إطار مجتمع محدد «فالثقافة في تعريف لنتون ليست مجموعة من المعارف فحسب، بل تشتمل على القيم وطرق الحياة، والتفكير الخاص بأفراد المجتمع كافة.

وتؤكد بعض محاولات تعريف الثقافة على القيمة الرمزية للثقافة، ومن هذه التعريفات تعريف وسلزنك (1964) الذي يقول: إن الثقافة «هي كل شيء يتم إنتاجه عن طريق الخبرة الرمزية المشتركة وله القدرة على مساندتها» ويركز هذا التعريف، كما هو واضح، على أهمية الجانب الرمزي في الثقافة وخاصة اللغة وإشارات الرمزية، التي ينفرد بها الإنسان مقارنة بالكائنات الحية أخرى. ولا بد لنا من أجل تحديد مفهوم الثقافة أن نستطلع الحدود المتداخلة لهذا المفهوم مع بعض المفاهيم الأخرى كالحضارة، والطبيعة، والمجتمع.

ومما لا شك فيه أن مفهوم الثقافة يشكل مجالا حيويا للتداول الفكري والتناظر المستمر بين المفكرين منذ عهود طويلة حتى اليوم ، وفي كل مرحلة يأخذ مفهوم الثقافة تشكلات وصيغا جديدة حيث تدور المناظرات اليوم حول مفهوم الثقافة فيما بعد الحداثة وما بعد العولمة ، وهذا كله يؤكد أن مفهوم الثقافة مفهوم متحرك دينامي مستمر في النمو والتطور مع تطور المجتمعات الإنسانية . ولا يمكن  القبض على ناصيته هذا المفهوم إلا جزئيا ضمن أحد مربعاته اللامتناهية التي تتقاطع مع تقاطع الزمان والمكان والأحداث التاريخية. وباختصار أقول: إن الثقافة هي وضعية من التفاعل العميق بين الوعي الإنساني والسلوك وبعبارة أدق هي محاولة الإنسان في التكيف مع العالم الذي يوجد فيه بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة له بوصفه فردا أو جماعة.

وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال المتمثل في جدل الثقافة عند العرب والمسلمين نقول: إن مفهوم الثقافة بصيغته الأنثروبولوجية مفهوم غربي وهو مفهوم غربي حديث كما أشرنا ولد في القرن الثاني عشر ثم اتخذ هيئته في القرن التاسع عشر. وضمن هذه الصيغة نقول بأنه إذا كان مفهوم الثقافة حديثا نسبيا في الفكر الغربي،  فإن هذا المفهوم حديث جدا في الحالة العربية الإسلامية. فالمفهوم الأنثروبولوجي لم يعرف أبدا في الفكر العربي الإسلامي. وهذا يعني أن مفهوم الثقافة في العربية هو ترجمة لكلمة الثقافة باللغة الفرنسية أو الإنكليزية.

وقد عرف العرب كلمة الثقافة كلفظة أصيلة عريقة في اللغة العربية وتعني صقل النفس والمنطق والفطانة، وجاء في القاموس المحيط عن الثقافة: ثقف ثقفا وثقافة، صار حاذقا خفيفا فطنا، وثقفه تثقيفا سواه، وهي تعني تثقيف الرمح، أي تسويته وتقويمه. واستعملت الثقافة في العصر الحديث للدلالة على الرقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات. وأصل كلمة الثقافة في العربية مستمدة من الفعل الثلاثي( ثقف) بضم القاف وكسرها. وتأخذ معانٍ عديدة منها: الفطنة والذكاء والتهذيب وضبط العلم وسرعة التعلم، ويقال قديماً: غلام ثقف أي ذو فطنة، ثابت المعرفة فيما يحتاج إليه، وكانت تستخدم للدلالة عل اسم آلة الثقّافة التي كانت تستخدم لتسوية اعوجاج الرماح والسيوف قديماً. ويُقال ثقف الشَّيء إذا حذقه، ومنه يُقال هذا رجلٌ ثقف أو امرأةٌ ثقفة.

 فالثقافة في اللغة العربية أساسا هي الحذق والتمكن، وثقف الرمح أي قومّه وسواه، ويستعار بها للبشر فيكون الشخص مهذباً ومتعلماً ومتمكناَ من العلوم والفنون والآداب.

ويقال إن أول من استعمل مصطلح ثقافة ليقابل به لفظة culture في العصر الحديث هو سلامة موسى. وقد بدأ المفكرون العرب لاحقا يستخدمون هذا المفهوم بدلالته الأنتروبولوجية التي عرفناها عند تايلور وغيره من المفكرين الغربيين. وهذا يعني أن مفهوم الثقافة مفهوم غربي المنشأ والهوية وقد استخدم هذا المفهوم لاحقا في ثقافتنا العربية ووظف في تناول مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وأصبح فيما بعد مفهوما مركزيا من المفاهيم التي توظف في العلوم الإنسانية في المجتمعات الغربية والعربية أيضا.

وإذا كان سؤالكم يوحي بفكرة الطابع الإبداعي للفكر العربي في مجال الثقافة نقول بأن مفهوم الثقافة بقي ضمن أطره الغربية ولا نعرف حتى اليوم بوجود أي نظرية ثقافية عميقة مخصصة للظاهرة الثقافية بوصفها مفهوما في الثقافة العربية، ومما لا شك فيه أن المثقفين العرب قد أسهموا إسهاما كبيرا من خلال المفكرين التنويريين أمثال الجابري وأركون وصادق العظم ولطفي السيد وطه حسين وطيب تيزيني وغيرهم كثير في توظيف هذا المفهوم الغربي توظيفا إبداعيا. وما يمكن قوله أيضا أنه ليس من الضرورة التجديد أو اختراع نظرية جديدة في معانيه فالمفهوم قد استقر أنثروبولوجيا إلى حدّ كبير ولم تعد هناك برأينا ضرورة لتناول المفهوم ضمن مرمى التجديد. فالمفهوم أصبح مركزيا وأساسيا ومعتمدا كأداة للتحليل الثقافي في مختلف الاتجاهات والصيغ الأدبية والعلمية والسوسيولوجية. وقد استفاد المفكرون العرب ووظفوه أروع توظيف في تحليل المظاهر الثقافية للحياة العربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

س13: ا. مراد غريبي: هل الثقافة بتنوعها بين الشعوب والأمم تعكس صراع هووي أم المأزق خارج مجال الثقافة؟

ج13: د. علي أسعد وطفة: دعنا نبسط الإجابة عن السؤال: الثقافة هي ترجمة لمعتقدات شعب وسلوكه. وبعبارة ابسط هي منظومة السلوك التي يتبناها في تكيفه مع العالم. فالثقافة تصورات وقيم وعادات ومفاهيم وطقوس تساعد الإنسان على التكيف مع ذاته وفي مجتمعه ومع الوسط الطبيعي الذي يعيش فيه. ومما لا شك فيه كما أشرنا في التعريف أن الثقافة ظاهرة متغيرة بتغير الزمان والمكان والأحداث. ولا يمكن التطابق بين ثقافة شخصين أبدا كما أنه لا يمكن التماثل المطلق بين جماعتين في داخل مجموعة بشرية واحدة. وهذا يعني أن الثقافة مبنية على أقصى درجة من التنوع بين الشعوب والبلدان والأمم. وهذا كله يعني أن هذا التنوع الثقافي ضروري وحيوي ومصيري ومستمر في بني الإنسان. وبناء على ذلك نقول بأن الصراع بين الأمم والشعوب ليس صراعا ناجما عن الاختلاف في الهوية بل على خلاف ذلك يمكن لهذا الاختلاف أن يكون مصدرا للتفاعل والتكامل بين الشعوب والأمم. وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالي:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّاخَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّأَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ".

وبناء على هذه الرؤية يمكن القول إن الاختلاف في الهوية لا يفسد للود قضية بين الشعوب. وإنما ما نحسبه صراعا "هوويا "(= الصفة للهوية) ناجم عن عوامل أخرى وهي عوامل أيديولوجية داخل بعض الثقافات التي تنمي اتجاهات عدوانية ضد الأمم والشعوب الأخرى مثل النزعات القومية والعرقية والشوفينية وهي إيديولوجيات مرفوضة اليوم ثقافيا والمجتمعات الإنسانية تتبني اليوم ثقافات تسامحية تواصلية إنسانية بصورة مستمرة ودائمة. وهناك عوامل أخرى سياسية واجتماعية واستعمارية وتوسعية تسعى إلى تأجيج مثل هذا الصراع الذي يبدو صراعا "هوياتيا" في مظهره ولكنه صراع أبعد بكثير من أن يكون على الهوية. والسؤال ببساطة ما ضير الإنسان في الاختلاف بين الناس فالاختلاف قانون وسنة طبيعية وفي الأديان سنة إلهية. ولذا حري بنا أن نعزو هذا الصراع إلى عوامل أخرى غير الانتماء والهوية وأن نحيله إلى مصادر عدوانية تنشأ بفعل ميل بعض الأيديولوجيات الممتدة إلى الحضور التوسعي على حساب الشعوب الأخرى.

وكي نكون على درجة أعلى من الموضوعية، نقول إن الإنسان (مجتمعات وأفراد) ميّال بطبيعته إلى السيطرة نزّاع إلى الهيمنة الثقافية، وهذا الأمر نجده حاضرا ربما في كل الممارسات السياسية والاستعمارية حيث يحاول الغازي أن يفرض ثقافته وميوله وتوجهاته على ضحايا غزوه واستعماره. وعلى هذا المبدأ يشتد الصراع الثقافي بين الثقافات في مجال النزوع إلى الامتداد والتوسع والشمول بحثا عن القوة والسيطرة والهيمنة ،  ويتجلى ذلك  الأمر في مختلف مراحل التاريخ ولاسيما التاريخ الاستعماري للشرق والغرب.

 2760 وطفة ومراد

س14: ا. مراد غريبي: كيف يمكننا وعي التنوع الثقافي كمؤشر حضاري وماذا عن الأحاديات الفكرية وأمراء الحقيقة المطلقة؟

ج14: د. علي أسعد وطفة: دائما ما نردد في حياتنا الثقافية قولا مأثورا مفاده الإنسان عدو ما يجهل. وغالبا ما يكمن في طبيعة البشر الخوف من الغرباء. وتلك هي غريزة متأصلة في طبيعية البشر والكائنات الأخرى. فعلى نحو فطري تهرب الحيوانات عندما تشاهد إنسانا ما يمر بجانبها، والطفل الصغير غالبا ما يخشى الغرباء ويتخوف منهم، وغالبا ما نخاف من كل تكوين بشري أو حيواني آخر نجهله. ففيما نجهل قد يكمن الخطر ويسكن التهديد الذي يضع محك الحياة على الخطر. ويبدو أن هذه الغريزة تأخذ بعدا اجتماعيا وإنسانيا. فأغلب الشعوب كانت تتهيب الجماعات الغريبة التي لا تعرفها. وتقوم هذه الفرضية الاجتماعية على منطلق الأمن الاجتماعي القائم على القرابة والتجانس مثل الأقرباء بيولوجيا أو ثقافيا: الأم والأب، أفراد الأسرة والأخوة، الأعمام الأخوال، العائلة الممتدة، جماعة القبيلة، الجماعات الثقافية. فمثل هذه الجماعات يجد فيها الفرد أمنه لأنه ينتمي إليها وتشكل حدود الوطن الرحم الذي يعيش فيه. وعلى خلاف ذلك فإن الأباعد قد يشكلون خطرا لأنه لا توجد روابط أخلاقية ثقافية دموية مع هؤلاء.

 ومن هنا تنبع أهمية وعي التنوع وضرورته حضاريا وثقافيا، وهذا يعني انه عندما يتم التعارف الثقافي بين الشعوب والأمم فإن مثل هذا التعارف يؤدي إلى تقليص مشاعر الخوف والقلق ومن ثم سيؤدي تدرجيا إلى تنمية مشاعر المحبة والإخاء بين الشعوب. ومن هنا تكتسب عملية التفاعل الثقافي بين الأمم والشعوب دورا حضاريا في ترسيخ مشاعر المودة والسلام والتعاون والإخاء الإنساني.

 ومع الأسف فإن تنمية مشاعر الحقد والكراهية والتعصب تنبع من ثقافة التعصب والكراهية التي تنمو في نفوس الضعفاء الذين لا يستطيعون فهم هذا التنوع والتعدد. ومع الأسف هذه الجماعات المتطرفة تنمو اليوم تحت تأثير الثقافات العرقية والعنصرية المتطرفة التي نجد لها جذورا في التاريخ الثقافي للإنسانية. ومع الأسف تطل علينا هذه الجماعات المخيفة بأمراء التوحش الذي يستسيغون سفك الدماء والقضاء على الآخر تحت دواع فكرية منحرفة وضيقة. ومثال هذا التوجه الجماعات النازية والفاشية وجماعات التعصب العرقي والديني التي تقوم على مبدأ الكراهية والعنف ضد الآخر الإنساني. ومع الأسف الشديد تعرضت جماعات كثيرة عبر التاريخ للإبادة العرقية وبصورة مخيفة ومرعبة ومتوحشة كما حدث للهنود الحمر في الأمريكيتين، وهناك جماعات عرقية ودينية كثيرة تعرضت للإبادة من قبل الجماعات المتطرفة والمتوحشة.  ومما لا شك فيه أن هذا السلوك المتوحش يقوم على أفكار وحشية مخيفة تبرر السلوك الهمجي الإبادي للجماعات الأخرى. فعلى سبيل المثال غالبا ما يعتمد المتطرفون الإسلاميون والمسيحيون والهندوس واليهود على نصوص مقدمة تستبيح دماء الآخر وكيانه ووجوده. وما زال العالم الإسلامي عالقا بين أنياب هذه الجماعات التي تنتشر في سوريا والعراق وليبيا مثل داعش والقاعدة والنصرة وغيرها كثير.

ومما لاشك فيه أن أمراء الحقيقة المطلقة قوم يبحثون علن السلطة والقوة والثروة في عالمنا المتوحش وسبيلهم إلى ذلك الفكر المتطرف الهمجي الذي يقوم على الذبح والقتل والإبادة.. ومثل هؤلاء يحملون في رؤوسهم أطنانا من المتفجرات الثقافية قبل أن يقوموا بعمليات القتل والفتك والتطهير ضد الآخر الإنساني. ويحق لنا في هذا السياق أن نبحث في المنشأ الثقافي والفكري ولاسيما في الأرومات التربوية التي أسهمت في تشكيل هذه العقول الهمجية المتطرفة ونقول بالتأكيد إن البيئة الثقافية والتربوية التي احتضنتهم مسؤولة إلى حد كبير عن هذا التوحش والهمجية التي تأصلت في كيانهم وهويتهم الوجودية.

س15: ا. مراد غريبي: بالنسبة لمفهوم الثقافة عربيا وإسلاميا لايزال محل إشكال وغامض نوعا ما، رغم كل محاولات التعريف والضبط المفاهيمي إلا أن غالبيتها كانت ردود أفعال لمطارحات الغربية أو مقاربات لما عرف بتبيئة المفاهيم والمناهج، هل بنظركم مفهوم الثقافة عربيا وإسلاميا لصيق بالتراث الحضاري أو التاريخ الاستعماري؟

ج15: د. علي أسعد وطفة: ومما لا شك فيه أنني تعرضت لهذا الأمر في إجابتي على السؤال الأول إذ بينت بأن مفهوم الثقافة مفهوم غربي في جوهره، وهو مفهوم حديث حتى في الثقافة الغربية نفسها. وقد رأيت أيضا أن هذا المفهوم قد تم ضبطه وتعييره عربيا وأصبح أداة مفاهيمية أساسية وصميمية في الفكر العربي الإسلامي. وهو مفهوم مهم وخطير ولا يمكن الاستغناء عنه في تناول الظواهر الثقافية العربية. وإذا شئنا استخدام عبارة التبيئة الثقافية فمما لا شك فيه أن المفهوم قد فرض نفسه في مختلف العلوم الإنسانية عربيا وعالميا. ولا أعتقد أن المفكرين العرب مطالبين بالعمل على التنظير في المفهوم إلا بقدر ما يقتضيه واقع التطور وذلك في مجال البحث والاستقصاء الفكري في مجال الظواهر المجتمعية العربية. ومما لا شك فيه أن هذا المفهوم قد أصبح صميميا في مختلف العلوم الإنسانية العربية والأجنبية ولا يمكن اليوم بعد هذا التراكم الهائل في توظيفاته الفكرية في عالم الفكر والثقافة العربية أن يكون لها بديل أو نظير. ومن الملفت أيضا أن كلمة ثقافة أصبحت صميمية في نسيج الفكر الثقافي العربي، في صميم العقليات الثقافية العربية، وضمن هذه الرؤية فإن التساؤل عن مشروعية هذا المفهوم أصبح من الماضي.

وفي الشق الثاني من سؤالكم الكريم: هل بنظركم مفهوم الثقافة عربيا وإسلاميا لصيق بالتراث الحضاري أو التاريخ الاستعماري؟ لا نفضل استخدام مفهوم الالتصاق، بل نقول إن مفهوم الثقافة كما ذكرنا حضر فعليا في القرن الثامن عشر وتزامن مع الفترة الاستعمارية. ولكن انتشار المفهوم ربما يعود لعوامل التواصل الثقافي والترجمات عن العلوم الإنسانية. وباختصار نقول أيضا إن المفهوم " الثقافة" هو أداة لتحليل الظواهر الاجتماعية في مختلف التكوينات الاجتماعي بغض النظر عن مآلاته السياسية والاجتماعية وهو ليس أكثر من مفهوم وحاله حال مئات المفاهيم الأداتية التي تستخدم في تحليل الظواهر الاجتماعية والسلوكية في العالم. مفهوم الثقافة مفهوم يقابل السلوك الإنساني وهو مشروع في عملية الاستخدام. وهنا أيضا: أرى بأن إضافة سمات استعمارية أو غير ذلك على المفهوم ليس أمرا موضوعيا ومشروعا. ولكن من جهة أخرى أقول بأن توظيف الدراسات الثقافية في مآلاتها المختلفة قد يحمل دلالات أيديولوجية مختلفة. وهذا يعني بنظرنا أن مفهوم الثقافة ليس أكثر من أداة للفهم للتحليل للدراسة والبحث والتقصي. وهذا يعفينا من توليف منسوجات أيديولوجية حوله. فالخلاف الفكري بين الشرق والغرب قد يكون قائما ونشطا ضمن تيارات فكرية وثقافية متعددة تتمثل في التيارات الأيديولوجية الكبرى، ومهما يكن الأمر فإننا على الصعيد الفكري ما زلنا في حالة قصور ناجمة عن قصور الإبداع الفكري والحضاري وهذا يضعنا خارج سياق الصراع الفكري الندي مع الغرب الذي يبدع فكريا وإنسانيا وتكنولوجيا ونحن في الطرف الآخر من هذا الأمر نستهلك ونعيد الإنتاج ونجتر ونترجم ونصارع كالثور الهائج أحيانا لا يعرف أكثر من الشريط الأحمر الذي يحمله مصارع الثيران. فالصراع إذا كان بين شرق وغرب يجب أن يكون نديا وفي غياب الندية المطلوبة يتحول الصراع إلى تمرد وعصيان أو يتحول إلى تبعية وهيجان ثقافي.

س16: ا. مراد غريبي: هناك محاولات جادة في ربط التنمية بالثقافة وضمن مشروع التنمية الثقافية لكن أليس بمستوى أدق الأولى بحث التربية وعلاقتها بالثقافة، ثم التنمية تحصيل حاصل أم الأمر أعمق من ذلك مرتبط بمناهج الدراسات الإنسانية-الثقافية الفقيرة في عالمنا العربي والإسلامي؟

ج16: د. علي أسعد وطفة: هذا السؤال مركب جدا وينطوي في ذاته على أربعة أسئلة أساسية: وهي علاقة الثقافة بالتربية أولا، ومن ثم علاقة الثقافة بالتنمية ثانيا، ومن ثم علاقة التربية بالتنمية، ورابعا العلاقة الكلية التي تجمع بين التربية والثقافة والتنمية والعلوم الإنسانية. وخامسا وأخيرا يمكن أن ننظر بعد ذلك إلى علاقة الدراسات الإنسانية بالثقافة في منطقتنا العربية.

أولا - دعنا بداية نبحث في علاقة الثقافة بالتربية، ومن الواضح تماما أن العلاقة صميمية وجودية لا ينفصم عراها بينهما.  إذ يوجد بين التربية والثقافة وشائج علاقة فريدة في طبيعة العلاقة بين الظواهر والأشياء، وتأخذ هذه العلاقة طابعاً وجودياً؛ حيث لا تكون الثقافة من غير تربية، ولا تكون التربية من غير ثقافة. فالتربية بمناهجها ومضامينها وتجلياتها ظاهرة ثقافية بالضرورة، ومن ثمّ فإنّ الثقافة لا يمكن أن تكون خارج دائرة التربية من حيث الوظيفة والهوية، فوظيفة الثقافة وظيفة تربوية، كما أن وظيفة التربية وظيفة ثقافية بالدرجة الأولى. ومثل هذه العلاقة تعلن عن نفسها بوضوح في مختلف مداخل العلاقة بين الثقافة والتربية. فالتربية تنقل الثقافة وتحييها، ومن غير التربية تضمحل الثقافة وتتلاشى، وكذلك الحال في الثقافة التي لا تكون إلا بقدرتها على التأثير في الأفراد؛ حيث يأخذ التأثير فيهم طابعاً تربوياً بالطبيعة والضرورة.

وعلى الرغم من هذا التداخل البنيوي والحيوي بين الثقافة والتربية يمكن التمييز بينهما على صورة المؤسسات والتشكيلات؛ فالتربية تُعْرَف بمؤسساتها (أسرة، مدرسة، جامعة، وزارة، جماعة، أقران، وسيلة، إعلام)، والثقافة تُعْرف بتنظيمات القيم والمؤسسات التي تعمل على تنميتها مثل (المتاحف، المكتبات، الوزارات، الفنون، العلوم). ومع أهمية هذا التمايز فإنّ كلاً منهما يؤدي دور الآخر، ولا يستطيع أن ينفصل عنه.

وفي هذا السياق يمكن القول: إن الثقافة أكثر شمولاً من التربية؛ لأن الثقافة تمثل مادة التربية وجوهرها، ومن ثمّ فإنّ الثقافة تشكّل الإطار العام للتربية، حيث تحدد الثقافة العامة للمجتمع أبعادها ووظيفتها ومضمونها. وعلى هذا النحو يمكن القول: إن الثقافة تشكّل إحدى أهم ركائز العملية التربوية وأكثرها أهميةً، ومن ثم فإن النظام الثقافي للمجتمع كان وما يزال يشكّل أحد أبرز أصول العملية التربوية وأكثرها تأثيراً. ومن هنا تأتي أهمية التعريف بالثقافة ومناحيها واتجاهاتها ومضامينها بوصفها نسقاً أصولياً للتربية التي تغتذي من معين الثقافة، وتنهل من ينابيعها. ويترتب على هذه الضرورة الأصولية أن نتأمل في مختلف تجليات الثقافة ومفاهيمها ودلالاتها كي يستقيم لنا فهم الدور الحيوي الذي تؤديه الثقافة في التربية، ودور التربية في تأصيل الثقافة وتوطينها في العقول والنفوس والسلوك الاجتماعي لأفراد المجتمع. ويتضح لنا في هذا السياق أن العلاقة بين الثقافة والتربية ليست علاقة ميكانيكية، بل هي علاقة وجودية تفاعليه قائمة على تبادل التأثير والفعل حيث يؤدي كل منهما دور المنتج الحيوي للآخر في نسق علاقات جدلية متنامية بصورة أزليةً.

ثانيا - وإذا كنا قد وفقنا في البحث عن وشائج العلاقة بين الثقافة والتربية في الشق الأول من السؤال، دعنا الآن ننتقل للشق الثاني وهو العلاقة بين التنمية والثقافة. ونقول هنا إذا كانت العلاقة بين الثقافة والتربية صميمية فإن العلاقة بين التنمية والثقافة علاقة وجودية وخطرة وهذا يؤكد وجود حلقة مفرغة من التأثير بين الثقافة والتنمية والتربية بمعنى التأثير الاندماجي الذي لا يقف عند حدّ ضمن لزوجة يتداخل فيه ما هو تربوي بما هو ثقافي وتنموي. وأيا كان مفهوم التنمية الذي تريده: التنمية البشرية أو التنمية الثقافية أو التنمية الإنسانية أو التنمية على الاستدامة، أو حتى التنمية الاقتصادية وهي مفاهيم متداخلة، ولكل منها حقل خاص به. ومهما يكن الأمر فإن الثقافة هي الفاعل الحقيقي في تحقيق التنمية. فالتنمية سلوك إنساني إزاء الإنسان والطبيعية أو بين الإنسان والوسط الذي يعيش فيه وهذا الوسط يتميز بجناحيه الاجتماعي والثقافي. والسلوك هو حصاد فعل ثقافي محدد. فالسلوك عبارة عن ترجمة عملية للتصورات الذهنية المنبثقة عن ثقافة ما فالفرد في أيّ مجتمع مغمور بتراث ثقافي يتجاوزه وهو التراث الثقافي للحضارة التي ينتمي إليها. وهو من خلال هذا التراث يدرك العالم ويحكم عليه. ومما لا شك فيه أن هذه التصورات هي التي تحكم سلوكنا تجاه البيئة والطبيعية وهذا يعني أن جوهر التنمية الإنسانية والتنمية المستدامة يكمن في الثقافة ومن غير الثقافة التنموية لا يمكن أن نتحدث عن تنمية بدون ثقافة. وهناك اليوم فرع من الثقافة يدور حول الثقافة التنموية وفيها منظومة معقدة من المفاهيم والتصورات التي تتعلق بالعلاقة بين الإنسان والتنمية. وباختصار الثقافة التنموية تمارس دورها في توعية الناس بالأوضاع البيئية التنموية والكيفيات التي يحافظ فيها الإنسان على مبدأ الاستدامة والتنمية الإنسانية.

ثالثا - وضحنا أن العلاقة بين التنمية والثقافة جوهرية وجودية حيوية، وهذا يقودنا من جديد إلى بحث العلاقة بين الت