كاظم شمهودالرسوم المتحركة ورسوم الفكاهه كانت ولازالت من اهم الفنون البصرية التي تتمتع بشعبية واسعة اكثر من غيرها من الفنون التشكيلية اولا لسرعة فهمها من قبل عامة الناس، ثانيا للمتعة التي تغرق بها المشاهد والتي يحتاجها الانسان دائما للفرار من مشاكله اليومية التي تعصف به، يضاف الى ذلك دورها التربوي في عالم الاطفال والشبان.

و كانت قصور الخلفاء العرب والفرس لا تخلو من رواة الفكاهه والسخرية، ويذكر بان احد الاشخاص دخل على العالم الصوفي الحسن البصري (القرن السابع م ) فساله الاخير عن مهنته فاجاب بانه يشتغل في البلاط لاضحاك الخليفة . كما ذكر بان الجاحظ يعتبر من الاوائل في عالم السخرية والهزل وكان جريئا لا يخاف، وفي يوم من الايام قال : انه اذا وردته النكته فسيقولها ولو ادت به في النار ...

تاريخ افلام كارتون

سبق الاوربيون العالم في صناعة الرسوم المتحركة وكانت بداياتها التجريبية عام 1640 على يد الرسام الالماني Athanasius kircher ثم استمرت التجارب بدون انقطاع حتى نجحت اخيرا في صنع الافلام الكارتونية التي نراها اليوم .. وقد بدات بتجارب عملية بسيطة مثل اخذ قرص ورسم على وجهيه صورتين احدهما صورة طائر والثانية صورة قفص وعند تدويره بطريقة وسرعة معينة امام العين فسيشعر المشاهد بان الطائر داخل القفص .

 وكان اول من اخترع هذه التجارب الرسام –جوزيف بلاتي – عام 1832 حيث اخترع جهاز على شكل كارتون دائري عليه مجموعة من الرسوم لحصان مختلفة الحركات، ثم اخذ قرص اخر فيه فتحات، فحرك القرص الاول ونظر من فتحات القرص الثاني، فظهرت الرسوم كانها تتحرك امام العين .2879 كارتون

وفي عام 1834 اخترع الرسام الانكليزي- وليم جورج – شكل اسطواني مفرغ من الداخل (علبة) ورسم في محيطه الداخلي عدد من الرسوم لشكل واحد بحركات مختلفة مثل السير ثم فتح في الشكل الاسطواني عدة فتحات، فحرك الشكل الاسطواني بسرعة دائرية معينة ونظر الى الرسوم من الفتحات فشعر باحساس اتها تتحرك . وهكذا كانت التجارب الاولى لمحاولة صنع الرسوم المتحركة . وقد تعلمنا هذه التجارب العملية عندما كنا صغارا في المدارس الابتدائية ايام زمان .

في عام 1888 كان الرسام الفرنسي Emile Reynaud يعتبره البعض ابو الرسوم المتحركة ومؤسسها الحقيقي وقد شاهدت له فلما وثائقيا قديما حيث استخدم في اول الامر سبورة سوداء، رسم عليها شكلا معينا بالطباشر وحرك احد اجزاءه، وكان في كل حركة جزئية يصورها ثم يمسحها من على السبورة ثم يعيد رسمها بحركة تسلسلية اخرى ويصورها، وهكذا ظهر الشكل امام العين يتحرك .

في عام 1906 ظهر رسام اخر يدعى J.Suart Blacton قام بعدة تجارب استمرارا للرسام الفرنسي Emile وايضا اخذ يرسم ويحرك على السبورة .. وفي عام 1914 ظهر رسام اخر يدعى Winsor Mccay قام برسم صور متحركة ومزجها مع صور حقيقية وبيئة وخلفيات واقعية، وتعتبر تجاربه امتدادا للرسام بلاكتون Blacton .

ثم ظهر من بعدهم الرسام Earl Hurd الذي قام بنقلة نوعية على صعيد صناعة افلام كارتون حيث استخدم لاول مرة طريقة البلاستك الشفاف بحيث يمكن استنسام الاشكال المرسومة على الورق عليها ومن ثم يمكن مشاهدة الخلفية وحركتها، وتعتبر هذه طفرة نوعية في عالم تجارة الافلام المتحركة ..

وفي عام 1917 اجريت تجارب جديدة من قبل الرسام Max Fleischer حيث اخذ افلام واقعية وعرضها على طاولة ثم اخذ يستنسخ الحركات الواقعية ويحولها الى رسوم متحركة ومن هنا بدأت معرفة الحركات ومقدارها الزمني وعدد لقطاتها .. وكانت كل هذه التجارب خالية من الصوت اي صامتة .. وفي عام 1924 بدا الاخوان Fleischer M. صناعة افلام مع صوت .2880 كارتون

والدزني –1901 -1966

ولكن الذي خلق السينما المتحركة التي نعرفها اليوم والتي وصلت الى قمتها الابداعية والخيالية هو والدزني المشهور، فقد بدا يعمل في كراج مع كامرة مؤجرة ثم انشاء استوديو لانتاج الافلام وجلب عدد من الرسامين المهنيين والمتخصصين، وكانت اول انتاجاتهم عبارة قصص قصيرة معروفة لدى ثقافة الاطفال وعلى شكل افلام قصيرة . ولكن والدزني عاد وكرر تجربة fleischer حيث اخذ افلام واقعية وعرضها على طاولة ثم اخذ يستنسخ الحركات الواقعية ويحولها الى رسوم كارتونية. وكان اول انتاج له هو – اليسا في بلد العجائب – وبعدها تطور في الانتاج وبدا يصمم ويخلق شخصيات جديدة مثل الارنب المحضوض وميكي ماوس والبط دونالد وغيرها، وقد سجل والدزني الصوت على حاشية الفلم عام 1928 ونجحت هذه الطريقة نجاحا كبيرا بعدما كانت الاصوات تسجل على اقراص منفصلة . وتوسعت شركة والدزني حتى وصل عدد العاملين فيها الى 800 شخصا وبلغت ارباح هذه الشركة عام 2004 الى 24 مليار دولار . ثم ظهر في الولايات المتحد شخصية اخرى لانتاج افلام كارتون هي هاني باربرا Hanna Barbera واصبح منافسا حقيقيا في الاسواق العالمية لوالدزني وقد سيطر هاني في انتاجه للافلام القصيرة على التلفزيونات بينما والدزني اخذت افلامه تسيطر على قاعات السينمات كونها افلام روائية طويلة .

اما الاتحاد السوفيتي فقد تحولت الى اكبر منتج للافلام في العالم ولكنها كانت افلام عقائدية متطرفة حيث تعمل على نشر فكرها الاشتراكي .و اما اليابان فقد فاقت الجميع في الانتاج والدقة وقد جلبت اليها ملايين البشر وكذلك اشتهرت بالمسلسلات الطويلة التي لا تنتهي، وتحول المخرج الياباني Makoto Shinkai الى اسطورة في العالم . وفي بريطانيا اشتهرة شركة Ardaman Annimations في انتاج الافلام القصيرة مثل فلم Wallace y Gromit .2881 كارتون

افلام كارتون في عالمنا العربي

مصر

يذكر ان الافلام الكارتونية بدأت في مصر عام 1936 على يد الاخوان فرانكل وهما من اصل روسي استقرا في مصر وبدءا بتجاربهما في تحريك الرسوم وكان اول انتاج لهما هو فلم – مشمش افندي – واستمرا في العمل حتى عام 1950 . وعندما ظهر التلفزيون المصري عام 1960 انشأ قسم للرسوم المتحركة ولكن لم ينتج اشياء ذات اهمية ولو انه انتج بعض الافلام مثل مسلسل جحا والف ليلة وليلة، ثم توقف نتيجة للتكاليف الباهضة .. كما قام الاخوان مهيب بتأسيس استوديو للرسوم المتحركة واستوردوا كامرات من الخارج وانتجوا مجموعة من الافلام وحصلوا عليها جوائز ثم انتهت تجاربهم وتوقفت .

وعندما ظهر جهاز الكومبيوتر واستخدام برامج التحريك الحديثة بدات الافلام تظهر في مصر بتحسن وتطور وانتجوا كثير من الافلام المتواضعة .

اما في الخليج فقد قامت مؤسسة الانتاج الخليجي التعاوني بانتاج افلام قصيرة تعليمية مثل - افتح ياسمسم – وغيرها وكان بين هؤلاء المخرجين العراقي ثامر الزبيدي .. ولكنها لم تستمر هذه التجارب وتوقفت . كما ان هناك تجارب ناجحة في الكويت وبلاد المغرب وغيرها .2881 ميكي ماوس

التجارب في العراق

في عام 1971 ظهر اول فلم كارتوني في العراق يدعى لعبة- الركبي الامريكي- للمخرج صاحب حداد وعمل لصالح التلفزيون العراقي وقد اشترك في عمله : بسام فرج، مؤيد نعمة، اديب مكي، عبد الرحيم ياسر، وكاظم شمهود .. وفي عام 1976 قام عامر مزهر بصناعة فلم للدمى المتحركة اسمه – الطياريون الصغار - كما قام كاظم شمهود بعمل فلم للرسوم المتحركة اسمه –البيت الجديد – طوله 3 دقائق . هذه التجارب تعتبر من الخطوات الاولى في صناعة الافلام في العراق وعرضا اكثر من مرة في التلفزيون، ولكن بعد الاحداث المؤلمة التي مر بها العراق ضاعت الافلام واختفت . وفي سنة 1977 قام منصور البكري وعدد اخر من الرسامين بتجارب كارتونية . وفي عام 1980 اشترك عبد الرحيم ياسر ورائد نوري في انتاج فلم كارتوني عن القضية الفلسطينية . وكذلك قام الرسام صادق طعمة بتجارب للدمى والرسوم المتحركة لصالح التلفزيون العراقي .. ولازالت صناعة افلام الرسوم المتحركة في العراق متخلفة ومتوقفة بينما تتمتع شعوب العالم بازدهار وتقدم في حقل هذا الفن الساخر والضاحك .

ان انتاج الرسوم المتحركة مكلفة جدا ويحتاج وقتا طويلا كسنة او سنتين وبكلفة تصل الى ملايين الدولار ومئات الرسامين واحيانا يصل عددهم الى الالاف في المؤسسات العالمية الكبيرة والتي لها فروع في كافة انحاء العالم، ولا تستطيع الاستوديات الصغيرة ان تقف امامها في كثرة الانتاج والابداع .

 اليوم وبعد اختراع جهاز الكمبيوتر ظهرت البرامج المتخصصة في الرسوم المتحركة ولكن هذه البرامج تباع باسعار باهضة جدا، يصل احيانا سعرها الى 9000 و14000 دولار واكثر من ذلك، ومع هذه الاسعار الباهضة الا انه نجد هناك قلة من المتخصصين والمهنيين الذين يتقنون ويعرفون استخدام هذه الاجهزة الحديثة .2878 كاظم شمهود وعامر محسن

 

د. كاظم شمهود

 

 

فسحة جمالية من عالم الموزاييك الفاتن والشاق والممتع والصعب والبديع وفق عناوين شتى ذات دلالات فائقة منها " تواصل " و" تشابك " و" السالب /الموجب " و" تمركز لولبي " و" تعاكس " و" تمركز" ...

المعرض للخروج عن المعتاد / المألوف في فن الفسيفساء من خلال تنويعات على مستوى المواد وطرق الانجاز والاخراج..

حوار بصري حياكي فضائي لا مسبوق سواء بالإبصار أو حتى اللمس ،يهدف لشد المتقبل في تفاعل مباشر..

في هذا السفر المفتوح على العوالم تخير الكائن ذهابه نحو الأقاصي ينحت دربه مثل مياه النهر تنحت مجاريها في الصخر..هكذا هي الرحلة بعطور الفن النادرة ..الفن كمجال للنظر واللمس والحلم بفكرة الجمال في هذه الأكوان..

من فكرة الحجر القديمة كانت الرحلة حيث الكائن يمضي مع سؤاله وهو يبحث في الآفاق عن صوته اذ لا مجال لغير النشيد والقول بالعذوبة ازمنة اليباب..ثمة بهاء كامن في الروح وبوح ونظر وأنامل تكتب سيرتها...سيرة الأجداد ..

2866 نسرين غربي

الفن في ضفافه المتعددة ياخذ الكائن طوعا وكرها الى ينابيعه يمنحه رفعة الاكتشاف والكشف والاطلاع ليغدو كائنا بجمال العناصر وألق الأشياء وسحر التفاصيل..هي فسحة باذخة تؤول الى شعرية لا تضاهى..هي ما خلفته الانامل وما يتركه الطفل في غفوته من الأحلام..

من دروب الفن جهات تعلي من شأن الحجر ونشيده ..تصغي الى نبضه في هذا الضجيج الكوني العالي..تمنحه العبارة في القها وتشكو اليه شجونها وشؤونها..قال الشاعرالعراقي  عبد الوهاب البياتي في عنونة ديوانه ذات شعر..كنت أشكو الى الحجر..نعم هي لعبة البوح حيث الحجر يصغي بلطف للكائن ولأسراب الطيور ولمياه النهر...و للفنان وهو يبثه شيئا من تداعياته وأمله وألمه..

هكذا نمضي مع عوالم تجربة فنية تشكيلية تسافر في هذه الدروب مفعمة بالغناء وقد تخيرت الانصات الى الحجر بل الى نبضه في كثير من الدأب الجمالي..الفنانة نسرين الغربي تقتحم هذه المجالات بحواس فنان ماهر وبفطنة بستاني وبجمال المعاني عند شاعر باذخ..فسحة جمالية من عالم الموزاييك الفاتن والشاق والممتع والصعب والبديع وفق عناوين شتى ذات دلالات فائقة منها " تواصل " و" تشابك " و" السالب /الموجب " و" تمركز لولبي " و" تعاكس " و" تمركز" ...نسرين الغربي في معرضها الخاص " نبض الحجر " تلعب لعبتها المثلى مع العناصر في صبر وعناد جميلين يحيلان الى مشهدية راىقة النظر حيث المساحة للعمل الفني ورشة تعتمل فيها رشاقة ذائقتها الفنية والجمالية ..لعبة البهاء والجمال بإستعمال خامات صلبة  صمّاء تنوعت بين الحجر والرخام والبلور والقرانيت ....لعبة هي بمثابة لعبة الأطفال في براءاتهم الأولى..

معرض مميز من حيث الفكرة والتقنية ومجالات الابتكار فاللعب على الأبعاد والخروج عن المعتاد في التعاطي مع هذا الفن الفسيفساء الذي تعوده الناس بشكله المعروف..

نسرين عمقت فكرة اللعب الفسيفسائي حيث التلقي والقراءة والتقبل بشكل مختلف كما أن المتقبل هذه المرة للأعمال يسافر مع مناخاتها وكأنه يحلق مع الكواكب في الفضاء أو أنه يتوغل في أمكنة أخرى من الأرض .. هي المغامرة حيث الفنانة نسرين الغربي  الباحثة المتأملة تحاول وتحاور ذاتها في نظر يشبه النظر لأمواج  البحر والكواكب في مسحة فنية فيها  الحركة بألوان وأحوال التجريدية .. والايحاء بالتشخيص أيضا..

معرض فني رائق احتضنه رواق المعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس في الفترة من 16 الى 23 من سبتمبر المنقضي ..نسرين الغربي باحثة وفنانة تشكيلية متحصلة على دكتوراه في علوم وتقنيات الفنون متخصّصة في فن الفسيفساء وقد شاركت في عديد التظاهرات والمعارض الفنية الجماعية نذكر منها المشاركة في جائزة الشارقة للصورة العربية في نسختها الخامسة ،و صالون الجنوب الثالث بالأقصر،و ملتقى الفسيفساء ببرج القلال ... والمهرجـانات الـدولية للفـنون التشكيلية بالمنستير والجم وغيرها ،نشرت لها عديد المقالات العـلمية في مجلات محـكمة ومتحصله على عدة جوائز ،عـضوه وناشطة فـي العـديد مـن الجمعيـات الفـنية والـثقافية، الـوطنية والعالمية.يضّمُ هذا المعرض زهاء العشرين من الألواح الفسيفسائية متعددة القياسات انجزت بتقنيات مختلفة .. فيها استثمار المحيط  الطبيعي الذي يزخر بخامات مطردة التنوع.كانت بمثابة المكونات الأساسية لهذه المنجزات الفسيفسائية التي تواشجت فيما بينها محدثة انساقا وايقاعات  تتداخل وتتشابك فيها مختلف الوحدات الفسيفسائية تجسمت منها تراكيب اسـتدعـت مفاهـيم التكرار والـتقابل والتفتت والاختراق  كلها تتقابل في ديناميكية من حيث الشكل اوالمضمون في تواصل بصري حياكي صلب اللوح ذاته أو حتى حوار ثنائي تفصله الفضاءات والمسافات وتربطه الحياكات ، في استنطاق للحجر الاصمّ وتطويعه لينبض بخفايا التشكيل الفسيفسائي عبر تناولات تركيبية تتباين بين التجريد والايحاء بالتشخيص بإستعمال خامات صلبة  صمّاء تنوعت بين الحجر والرخام والبلور والقرانيت ...حوامل احتضنت مقاربات فسيفسائية تمردت أحيانا على سطحياتها لتعانق الفضاء المشترك بينها وبين المتلقي فتدعوه إلى حوار بصري حياكي فضائي لا مسبوق سواء بالإبصار أو حتى اللمس ،الهدف منها شد المتقبل في تفاعل مباشر فاتحة له المجال كي يغوص في غمارها ويتحاور معها في جدال بصري لغـته الـحـيـاكـات ومعانـيـه الألـوان قد تستحوذ على ابعاده عدة تأويلات ودلالات discours polysémique.

حياكات تخفي حكايات ،ترويها مشاهد مستنبطة من واقع مرئي يراوح بين البحث عن المعنى إلى حد التشخيص وبين اختفائه في غياهب الحجارة لحد التجريد الذي يحاول إستنطاق نبض الحجر ،حجر وإن بدا أصما ،فمن الحجارة ما يتفجر منه الأنهار ،أنهار المعاني والدلالات والإيحاءات التي طوعتها الأنامل فتداخلت الألوان والفوريقات الضوئية بين ثنايا الجزئيات الفسيفسائية في تراصيف تنوعت بين التثبيت المباشر والغير مباشر محدثة تفاوتا في درجات البروز حسب وِضْعات تراوحت بين الأفقي والمائل والعمودي ...هذه التراصيف والوضعات وان اختلفت مصادر استلهامها الا انها تحاول في كثير منها ان تخرج من بعدها المسطح من خلال التلاعب  بمستويات ارتفاعاتها ما من شانه ان يخلق بؤرا يسكنها الظل في تضاد وتباين مع بقية المساحات المضاءة والتي بدورها تتفاعل مع التدرجات اللونية والخطية  الموظفة القائمة على مفهوم الجزئية اي انها تتكاثف احيانا وتتفرق احيانا اخرى في نهاية الامر ستستقر في تالف وتجتمع مع غيرها من الجزئيات لتمثل الكل ...هذا الكل  وان  اختلفت جزيئياته في تجميع هجين بين مادتي الحجر والبلور الا انها تتصف بنفس الصلابة  جعلت من هذه الفسيفسائيات أرضية تستدعي النظر إليها والتفكير فيها للبحث عن منطق في التزاوج والاجتماع والتي بدورها حققت بعدا حركيا كان حاضرا في مستوى الشكل والمضمون  والتاثير على اسقرارها البصري وكسر الجمود من خلال بعض الاسطح المنظمة بمفردات التجريد الهندسي او بتحريك الاطار الى ثلاثي الابعاد وهذا من شانه يعمل على تقاسم جل الاعمال لمفهوم الحركة باسلوب تجريدي غير صريح في نفس الوقت تحافظ على روح الفسيفساء وابعاده الجمالية ...اجمالا يعمل هذا المعرض على الخروج عن المعتاد / المألوف في فن الفسيفساء من خلال تنويعات على مستوى المواد وطرق الانجاز والاخراج لكسر الحدود النمطية الفسيفسائية الكلاسيكية وتقديمها في أشكال تنشد الجِدّة والطرافة  ...

معرض وتجربة وذهاب فسيح ممتع رائق في متاهات من البحث والتجريب والابتكار ضمن عالم الفن..الفن التشكيلي الذي يبرز هنا ضربا من تخير الفنانة الغربي..تخير الجديد والمبتكر والاصعب...أليس الابداع الفني ذهاب في الطق غير المطمئنة..

 

شمس الدين العوني

 

كاظم شمهودقد يقول قائل او يتسائل فرد هل ان نشاطات الفنانين وعرض اعمالهم تقتصر على الكاليريات والمتاحف وقاعات العرض الثقافية ام ان هناك مكانات اخرى منسية تقف فيها اعمالهم شامخة تسجل حضورا ابديا خالدا. نعم هي تلك المقابر الاوربية التي تحولت الى متاحف ومكانات عرض لاعمال الفنانين في الهواء الطلق ومباشرة مع الجمهور.. وهذه الاعمال الجنائزية تمثل الفكر الديني الذي يعتقد به اصحاب القبور من الموتى والذين بعضهم اكثر قربا الى الله والبعض الاخر اكثر بعدا عنه.. وتنتصب على هذه القبور قطع من الحجر تمثل الملائكة والصلبان والاشكال الاسطورية حيث لازالت هذه الصخور مغروزة في مكانها منذ عدة عقود ولها قدرة كبيرة لتحريك عواطف الزوار... في بعض البلدان الاوربية نجد ان مقابر الموتى قد تحولت الى مناطق سياحية حيث يأمها كثير من الناس والسواح، لا لاجل قراءة الفاتحة والترحم على الموتى وانما للتمتع بمناظرها وما تحويه من عمارة ومنحوتات واشكال اسطورية ورموزية تشير الى عالم الموتى او عالم الآخرة... كما هو الحال في مقابر الفراعنة حيث يزورها سنويا ملايين الناس لقراءة تاريخ تلك الامم السابقة والعودة بالذاكرة الى الماضي السحيق من خلال التامل في رسوم الجدران والمنحوتات البارزة والمجسمة التي يمثل بعضها الفراعنة وعوائلهم..و في الحقيقة ان الفن المصري هو فن مقابر، فالاهرامات في حد ذاتها معبرة عن المقابر بشكل كامل، وتكسب جلالها العظيم من حجمها الهائل، وهي لا تشبع الحساسية الفنية بشكل كامل، فهي ليس الا شكلا هندسيا عظيم الحجم..2852 عشاق طرويل

في بلاد الرافدين كانت ارض سومر تعتبر ارض مقدسة، حيث يذكر علماء الاثار والمؤرخين بان مدينة اريدو السومرية كانت اول مدينة نزلت فيها الالوهية وان أدم (ابوليم) نزل فيها، كما تعتبر اول مدينة حضارية في العالم. ويذكر العلماء بانهم لم يعثروا على قبور الملوك الاشوريين في بلاد اشور ومن المرجح انها كانت تدفن في ارض سومر.

ومن الشواهد الحية التي تشير الى عالم دفن الموتى في ارض سومر هي مقبرة وادي السلام في مدينة النجف الاشرف التي تعتبر اكبر مقبرة في العالم وقد ادرجت اليوم ضمن لائحة الاثار العالمية التي تقع تحت رعاية منظمة اليونسكو. ويرقد في هذه المقبرة ملايين البشر منهم عدد كبير من الانبياء والمصلحين والائمة والعلماء والملوك وعامة الناس.. ومنذ استشهاد الامام علي ـ ع ـ سنة 40 هجرية(القرن السابع ميلادي) بدأ الناس يدفنون موتاهم في هذه الارض المباركة.. وقد ورد في احد زيارات الامام علي ـ ع ـ (سلام على ضجيعيك ادم ونوح).2854 مقبرة ـ جيرونا

و في مقاطعة كاتالونية الاسبانية يوجد ـ 9 ـ مقابر جماعية واحدة منها في خيرونا ـ Girona ـ والتي تعتبر من اجمل المقابر في ارض كاتالونية. ويعود تاريخ تشييدها الى نهاية القرن التاسع عشر من قبل عدد من النبلاء والتجار والشخصيات المرموقة في المدينة، وقد سجلت هذه المقابر ضمن الاماكن السياحية في اوربا. فيها كنيسة تعود الى القرن السادس عشر لها طراز روماني مسيحي. وقد كلف هؤلاء النبلاء عدد من ابرز النحاتين في المدينة لعمل منحوتات وزخارف واشكال متنوعة لتزيين القبور وممراتها... وعندما يتجول الزائر بين القبور يشعر كانه في زيارة لمتحف فني يحوي على مختلف الانصاب من اعمدة واقواس مزخرفة واشكال ملائكة واشكال اسطورية وقد نفذت باساليب مختلفة ويطغي عليها الطابع الواقعي.. فالواقعية التي نشاهدها في التماثيل هي في نهاية الامر تمثل العنصر الوحيد الذي يخلو من الاستعلاء وان حقيقة نهاية الانسان هي في هذه الحفر. وفي تراثنا الديني حث على زيارة القبور وذلك للتذكير بمصير الانسان النهائي وكسر كبرياءه وتعاليه وبرجوازيته... وتشاهد هذه التماثيل منتصبة كانها تقف حارسة على صاحب القبر وبحركة عاطفية وصلوات ربانية روحانية.. احيانا تشعر بالبهجة وانت تتطلع على اعمال فنية رائعة في معالجاتها التقنوية وخلفياتها الفكرية والروحانية كما تشعر بالسرور عندما تجد ان القبور محاطة بالزهور والحدائق واحيانا تسمع موسيقى وتراتيل دينية... عكس المقابر في بلداننا عندما تدخلها تسمع النحيب والبكاء في كل مكان وربما تنسحب اليهم وتتعاطف وتنزل دموعك. ويضاف الى ذلك انه من الصعب احيانا ان تصل الى قبر احد الاقارب لازدحامها وركوب بعضها فوق بعض.. ؟2855 طرويل

اشهر المقابر في اوربا:

تعتبر مقبرة بيرلاشيز في باريس اكثر المقابر زيارة في العالم وتعود الى القرون الماضية ويرقد فيها عدد كبير من عظماء فرنسا من ملوك ونبلاء ورجال ادب وفن ومسرح مثل الكاتب الكبير والعظيم ـ اوسكار وايلد ـ ومنهم ملك فرنسا السابق فيليكس فور والكاتب البلجيكي جورج رودنباخ. وكاتب المسرحيات جان بابتيست بوكلن وسيد البيانو المنفرد شوبان والمغني الاسطوري جيم موريسون وغيرهم.. وفي بلجيكا توجد هناك مقبرة لاكن في بروكسل وهي المقبرة الرئيسية في بلجيكا وتضم شخصيات بارزة مشهورة في العلوم والادب والفن وكذلك تحتوي على المقبرة الملكية.

 الكاتدرائيات

اصبحت الكنائس والكاتدرائيات المسيحية اليوم قبلة للزوار والسواح حيث تعتبر كنز للفنون التشكيلية، وفيها قطع فنية روحانية كانها نازلة من السماء، فالكنيسة ليست مجرد بناء من الحجر وانما هي بتعبير الاستاذ وورينجر المدهش (وحي هابط من السماء في شكل حجر) وبالاضافة الى وظيفتها العبادية فهي تحتوي على قبور عدد من الشخصيات الدينية ورجال الاشراف والنبلاء وغيرهم، وتشكل هذه القبور اجنحة تحيط بالمعبد من الداخل، ويرى فيها كثرة المنحوتات والصور الدينية التي تعبر عن الفكر المسيحي الديني، كما يلاحظ ان فوق القبر غطاء على شكل منحوت مضطجع يمثل الشخص الميت، وهي تشبه بالضبط طريقة قبور الفراعنة وتغطيتها باغطية مزخرفة ومنحوتات تمثل صاحب القبر.

DCIM\100GOPRO\GOPR2593.JPG

في مدينة طرويل الاسبانية truel ـ توجد كنيسة اسمها سان بدرو فيها قبر يدعى ـ عشاق طرويل ـ los amantes de Teruel له حكاية طريفة عاطفية تعود الى القرن الثالث عشر. تقول الحكاية : ان شاب يدعى خوان مارتينيث عشق فتاة تدعى ايزابيل دي ساغورا، وكانت الفتاة من عائلة غنية بينما الشاب كان من عائلة فقيرة وتواعدا بالزواج وقرر الشاب ان يبحث عن عمل ويجمع مقدارا من الاموال للزواج مهما كانت الظروف. فغاب عنها خمسة سنوات ثم رجع اليها. ولكن وجدها متزوجة من رجل غني بامر من والدها. ولما علم بذلك تسلل الى غرفتها ليلا على غفلة من اهلها، وطلب منها ان تقبله لانه يكاد ان يموت فرفضت، احتراما لقانون الزواج وخوفا من زوجها ثم كرر قوله لها بانه لا يتحمل وانه سيموت، فرفضت فسقط ميتا تحت رجليها... بعد ذلك حملوا الشاب الى اهله وفي اثناء الدفن خرجت الفتاة اليه مذعورة وكشفت التابوت وقبلته قبلة طويلة... وعندما ارادوا ازاحتها منه وجدوها ميتة.. زرت الكنيسة وشاهدت قبرين متلاصقين وعليهما تمثالين متعانقي اليدين.. واليوم يحتفل شباب اهل المدينة بعقد قرانهم في نهاية الشهر الثاني من كل سنة تذكيرا بعشاق طرويل... (طرويل اسم لقبيلة بربرية مسلمة حكمت المدينة ايام دولة الاندلس، وتبعد عن مدريد حوالي 300 كم) 2853 منحوت منصوب على قبر

 

د. كاظم شمهود

 

لعبة فنية تتقصد تجميل ما تداعى من دواخل الذات وهي تعلن سفرها تجاه الجمال والعلو..

رسائل الفن في تلوينات مبتكرة بعناوين المرأة والانسان والبحر والبيئة ..

مشاركات عربية ودولية وجوائز بالكويت والقاهرة وفرنسا ونيويورك وكوريا الجنوبية واليابان..


 كيف للكائن أن يبتكر لونه وصوته وشجنه الدفين وهو يمضي بين الآخرين حالما بخطاه وهي تنحت دربه..كيف له ذلك في هذا الكون المحفوف بالجمال والبهاء المبثوث في الجهات..في العناصر والأشياء..

ليس للكائن هنا غير القول بنشيده وهو يشير للآفاق بحثا عن القيمة وقولا بالجوهر..جوهر التفاصيل التي تفضي الى ايقاع الذات في حلها وترحالها ترتجي فكرة الأعماق ونظر الدواخل وكل ما به يتزين العالم حيث اللون والكلمات والمعاني وهي تنحت مجاريها في الصخر كحال الأنهار العظيمة..

ثمة ألق وقلق وذهاب ملون بالبهجة العارمة وفق نظر للفن على أنه ضفة أخرى للسفر تجاه أرض عليها أطفال يلونون أناشيدهم بالحلم النادر والغناء الخافت ...يرقصون ويرقصون مثل زنوج قدامى..انه الرقص على أرض ناعمة ..نعومة الموسيقى الطالعة من التواريخ والأزمنة..

و الفن هنا في هذا السفر عنوان لافت حيث الرسم مجال شغف ودأب وما به تنبت الأحلام في البساتين التي رآها البستاني في خياله وهي تأخذه الى طفولة عابرة فيها العالم علبة تلوين ورسم وتلبس بالكنه..كنه الابداع والامتاع والمؤانسة ..هي هكذا لعبة اللون والحلم منذ براءة اولى ...و الى الىن في هذه الحدائق اللونية ذات الأسوار العالية..

وحده الفنان يقول بالحلم الموقع بفكرة الابتكار .. والفن كعنوان دال يأخذ الكائنات الى حقوله طوعا وكرها حيث الظلال والمياه والاشجار والطيور وغيرها عناصر بهجة لا تضاهى على اللون أن يبتكر لها ثناياها في قلب الفنان...في الكينونة..

في هذا السفر الفني نمضي مع تجربة عملت صاحبتها على تواصل وجدها وشغفها تجاه اللون والرسم ..منذ ولع قديم حيث طفولة تشهد أثر الألوان في المرايا..على المرايا يبزغ يشير للحلم في تجليه الجميل..رحلة مع القماشة واللون لم تزد الطفة العاشقة للألوان غير الذهاب أكثر والى الآن في هذه الدروب المحفوفة بالحب والحلم والرغبة في الابداع..و بما به يصبح التلوين عنوان حياتها وعنفوان نشيدها في هذا العالم ..

ألوان شتى وتجريدية هي من قبيل الحال والأحوال وأنشطة شتى محورها الفن والرسم والتلوين والتواصل مع الأطفال وشؤون المجتمع وشجونه في ضروب من الحب الدفين..هو حبها للعب مع القماشة والرشاة ..تحاولها وتحاورها لتغنم شيئا من فرحة الفنان العارمة تجاه ما يحب..و ما يريد ان يقول بالنظر والعبارة الفنية و...بالألوان.

هكذا نلج عالم الفنانة التشكيلية عايدة الكشو خروف التي تنوعت لوحاتها الفنية وأعمالها وفق مسيرة سنوات عديدة ومشاركات ضمن معارض جمعية واقامة معارض شخصية في تونس وخارجها..

في لوحاتها موسيقى ملونة تمتح من مفردات تشكيلية فيها الحركة وتسعى للتفاعل مع المتلقي ليقرأها وفق تأويل متعدد الالوان ..ثمة عبارة تشكيلية في لوحاتها بينة في جمال تلوينها وسحر قولها الجمالي وعذوبة فكرة النظر تجاهها ..لوحات وأعمال فنية متعددة الأحجام والمواضيع فقط يجمع بينها شغف الفنانة عايدة وحلمها الذي أخذها الى التلوين حيث أطلقت هي العنان لنشيد ملون يسكنها منذ طفولة عابرة.

عايدة الكشو خروف فنانة تشكيلية تلقت تكوينا لتخرج سنة 1991 من معهد الموضة والديزاين وشهادة حصلت عليها بعد تكوين في اختصاص فن تشكيلي في ثلاث سنوات مع جمعية قنطرة الفنون وذلك بمعهد الفنون والحرف بصفاقس مسؤولة العلاقات الدولية باتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين ومنسقة نشاطه بصفاقس وعضو الصالون السنوي بصفاقس منذ خمس سنوات ورئيسة لجنة الثقافة بجمعية حماية الشفار وعضو جمعية صيانة مدينة صفاقس الى جانب ترأسها لعدد من الفعاليات الثقافية والجمعيات ومنها ملكة جمال صفاقس وكوميسار معرض المجلس الوطني للفنون والثقافة بالكويت وكوميسار المعرض لجمعية " بصمات عربية " بالقاهرة ومعرض كاروسيل اللوفر ومشاركة في معرض الدورة 35 لصالون الفن المعاصر بنيويورك وفي المهرجان الدولي بسيول في كوريا الجنوبية ومعرض أوزاكا باليابان فضلا عن مشاركات في ندوات ومهرجانات وفعاليات ثقافية وفنية عن البيئة والمرأة وغيرها م العناوين..هذا الى جانب جوائز وتكريمات بالكويت والقاهرة وباريس والشارقة .. كما عرضت أعمالها في منلسبات عديدة وبمدن تونسية مختلفة فضلا عن مشاركاتها في معارض وصالونات اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين الدورية .

ومن نشاطها الفني التشكيلي نذكر معرضها بعنوان "طاقة البحر" الذي يمنح المتلقي علاقة مخصوصة من خلال ثنائية البحر والانسان وعوالم جمالية من وحي اللون الأزرق ..

2847 عايدة

وفي المعرض الجماعي الدولي للفنانين التشكيليين “اوزاكا ارت ايكسبو” برواق الفنون “سيستاما غاليري” بأوزاكا اليابانية مع 70 فنانا من ايطاليا واليابان وفرنسا برزت مشاركة الفنان عايدة من خلال لوحتين وفق تعبيراتها الجمالية التي عرفت بها بين الشأن الوطني والشأن الابداعي الجمالي كما تميزت مشاركتها بمعرض بمتحف اللوفر في باريس من خلال حصولها على الجائزة الثانية ..ان هذه المشاركات والمعارض التي انطلقت سنة 1995 بمعرض خاص مع الفنان علي بن سالم برواق فني بمدينة صفاقس تعتبرها الفنانة التشكيلية عايدة مجالا لمزيد التعريف بتجربتها الى جانب كونها تلمس من خلالعا تقبل وذائقة جمهور الفنون والمعارض تجاه أعمالها الفنية وهو ما يسعدها ويجعلها تواصل هذه التجربة . وخلال الظروف الصعبة للحياة الفنية التشكيلية والثقافية عموما كانت للفنانة التشكيلية أصيلة مدينة صفاقس عايدة الكشو خروف مشاركات عبر الوسائط السمعية البصرية والرقمية من ذلك مشاركتها الممتازة في معرض دولي افتراضي بعنوان " أقنعة الأمل " للفنانة الايطالية ميتشيلا مارغريتا سارتي مع مشاركات لفنانين من تونس والجزائر وليبيا وفرنسا وإيطاليا .. وقناع الأمل ابتكرته وجملته الفنانة عايدة وهو من البلاستيك يحملرسمة فيها زهرات رائقة وتلوين مميز بغاية القول بالأمل والتفاؤل ..

انها بقعة النور في حياة الفنانة عايدة تتفاعل مع ما يحدث تجمل الاشياء وتغني مشيرة للقماشة تحمل تلويناتها المفعمة بدهشتها وحلمها العالي..هكذا هي لعبة الفنانة التشكيلية عايدة الكشو خروف الفنية ترتجي من ورائها تجميل ما تداعى من دواخل الذات وهي تعلن سفرها تجاه الجمال والعلو..

 

شمس الدين العوني

 

122 فـيودورفـيودور باڤــلوڤــچ ريشتنكوف (1906-1988) من رسامي الواقعية الاشتراكية الذي خدم الحركة التشكيلية السوفيتية لمدة اربعين عاما، والذي زينت اعماله الخالدة افخم متاحف وگاليريهات الاتحاد السوفيتي السابق كالمتحف الروسي في سانت بيترسبرگ والمتحف التاريخي في موسكو وگاليري تريتياكوف  Tretyakov 117 فـيودور

ولد فيودور في قرية صغيرة في أوكرانيا لعائلة فنية، لكنه فقد والديه بعمر مبكر فتولى رعايته أخوه الاكبر الذي كان رساما مختصا برسوم الكنائس، والذي شغل اخاه الاصغر مساعدا له. 118 فـيودور

ومن هنا تعلم فيودور الرسم واتقن اسرار الصنعة بعمر مبكر فكان  لديه قدر من المهارة قبل ان يدرس في الاكاديمية الفنية. 119 فـيودور

عمل رساما لدى بعثتين استكشافيتين في القطب الشمالي، وقد تحطمت سفينة احداهما في جبال الثلوج البحرية وتم انقاذه من بين عدد قليل من الذين نجوا الحادث المروع. 120 فـيودور

برع في تصوير حياة الاطفال واظهار علاقاتهم ومشاعرهم وعواطفهم حتى ان  اشهر لوحاته كانت تلك السلسلة التي تصور مشاعر الطفل الذي يحصل على درجات واطئة في المدرسة وانعكاس ذلك على مشاعر الذنب والحزن والعزلة التي تعتريه نتيجة لردة فعل العائلة وبقية الاطفال. 121 فـيودور

وقد تمكن فيودور من تصوير ذلك بشكل مذهل. 123 فـيودور

زاول التدريس في كليات موسكو في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. 124 فـيودور

 وفي عام 1963 نشر كتابا بعنوان "أسرار التجريد التشكيلي" هاجم فيه ما اسماه الاتجاه البرجوازي الحديث في الفن. 125 فـيودور

تمتع بشهرة وسمعة طيبة في الاوساط السياسية السوفيتية فاصبح نائبا لرئيس الاكاديمية السوفيتية للفنون عام 1974. توفي عام 1988. 126 فـيودور

122 فـيودور

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

2793 راسكينيقول الكاتب والمفكر الانكليزي جون راسكين (كان الاغريق قديما يجسدون الطبيعة في اشكال بشرية وكان ايمانهم فحسب بصور انسانيتهم، وقداحسنوا بروح الالفة والعطف على روح الجدول وليس على الجدول ذاته، ونحوا الارواح الساكنة في الغابة وليس الغابة نفسها) وكان راسكين يؤكد على ان نظرية الطبيعة جامدة هو خطأ جسيم، وان الطبيعة لها روح حية، تمنحنا العطف والحياة، وان الجدول والينابيع تغني، وان الازهار تمنحنا الحياة والبهجة، ولهذا فالايمان بالحياة الروحية للاشجار والانهار والجبال شئ لا بد منه وواقعي.

وكان الفنان الانكليزي جون كونستابل 1776. 1837 من الاوائل الذين خرجوا الى الطبيعة لرسمها مباشرة بدلا من رسمها في الاستوديو ويقول في هذا الصدد (يجب على مصور المناظر الطبيغية ان يسير عبر الحقول بذهنية متواضعة،،، انني لم ار في حياتي قط شيئا قبيحا، فمهما كان شكل الشئ فان الضؤ والظل والمنظور يضفي عليه حلة قشيبة (جديدة) من الجمال..).

2795 كونستابل

هذه النظريات التي يطلقها المفكرون والفنانون الغربيون عن حياة الطبيعة كان قد سبقهم بها الفنان الشرقي خاصة الصيني والذي كان يعتقد بان الطبيعة لها روح ولهذا 2792 جان جاك روسورسمها بقدسية ودقة متناهية وربطها بعالم الكون والحياة. وقد اشار القرآن الكريم الى ذلك في عدد من الآيات القرآنية وما من شئ الا وله روح حتى الحجر.

وكان الناس في القرون الماضية معتادين ان يروا الفنانيين يرسمون المواضيع الدينية والتاريخية، ولكن ابتداءا من القرن التاسع عشر اهتم الفنانون برسم الطبيعة واعلنوا ان الطبيعة قاموس الفنان بمعنى هي التي يختار منها مفرداته الفنية المناسبة. خاصة في زمن المدرسة الانطباعية 1874، وكان معظم الفنانين الحديثين قد اهتموا برسم الطبيعة الجامدة، واتخذوها كذريعة يتوسلون بها الى تحقيق خطوط واشكال والوان للبحث عن اسلوب وفن جديد، حيث تجرد للاحساس بماهيتها والكشف عن نشاط انفعال فائق السمو للفنان المبدع.

وقد ظهر في زمن المفكر جان جاك روسو 1712. 1778، تيار فني يدعو الى رسم الطبيعة، وكان روسو يعلن حماسته عن ايمانه بالطبيعة ويحبذ الخلود اليها كسبيل للخلاص من مفاسد الحضارة الحديثة وسطحيتها في ذلك الوقت. ويبدو ان كل جيل قديم يلعن جيله الجديد ويصفه بالسطحية والفساد والانحراف. وهي ظاهرة نجدها تتكرر في كل زمان ومكان. وهناك قول للامام علي،ع، ينصح فيه الاباء (لا تضربوا اولادكم فانهم ولدوا في زمان غير زمانكم).

2796 كنوستايل

وكانت المعابد في ذلك الوقت ملاذا وملجئا للناس كلما ذاقت بهم الحياة، ولكن روسو وجد في الطبيعة المعبد الاسمى للنفس والكروب، وبالتالي فان فن التصوير يجب ان ينظر الى الطبيعة ككائن حي وان نقترب منها بمشاعر يحدوها الخضوع والاحترام.. وعادة ما يكون الفلاسفة اكثر من المصورين استعدادا للايمان بالحياة الروحية للطبيعة وانهم يبدون حبا وابتهاجا في حماسة بالمواقع التي تغمرها الشمس.

2797 كنوستايلوبالتالي فان القيم الجمالية يمكن ان نجدها في الطبيعة والانسان معا وان القبح صفة نسبية، ويذكر احد فلاسفة الاغريق بان اجمل قرد يكون اقبح شكل عند الانسان وان اقبح انسان يكون اجمل شكل عند القرود، وهذا ايضا يسري في تقاليد وعادات الشعوب حيث لكل شعب وجغرافية مقاييس معينة في القبح والجمال الشكلي، اما القيم والاخلاق الانسانية فهي جميلة جمال معنوي مطلق، كالصدق والحب والعدل وغيرها، وتعتبر هذه من اسس التعايش والسلم العالمي. وحسب رأي كونستابل انه ليس هناك شيئا قبيحا في الطبيعة اذا ما خضع للظل والضوء والمنظور وان القبح والجمال الشكلي مسألة نسبية اما الجمال المعنوي فهو ثابت في الفطرة وحسب قول الفيلسوف ديكارت ان الحق هو الجمال. ولكن عندما نجد امامنا عملا فنيا منجزا علينا الالتزام بوجهة نظرنا امام عمل اصبح حقيقة واقعية موضوعية ويجب احترامه، لانه يعبر عن مشاعر ذاتية وافكار خاصة بفنان وانسان مبدع. وكان كاندنسكي من الاوائل الذين اهتموا بماهيات الاشكال فقد حولها الى سطوح والوان وايقاعات وانغام موسيقىية، واصدر كتابا سماه ـ الروحانيات ـ عام 1910. 2794 سيران

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهودنحن اليوم نعيش في انظمة ومبادئ وقوانين تؤمن بحرية الراي واحترام الراي الاخر وبالتالي اصبحنا امام وجهات نظر واراء كثيرة مختلفة منها ما يعجبنا ومنها ما يخالفنا، فهناك من يذهب بان العناصر التشكيلية المنسجمة في اللوحة وتأثيراتها الجمالية لا قيمة لها ما لم تعبر عن موضوع او فكرة انسانية معينة، وهو ما ذهب اليه بعض الفلاسفة والمفكرين امثال ديكارت وشوبنهاور وتولستوي والمدرسة الاشتراكية،وغيرهم .. والبعض يؤكد على ان الشكل في الفن له مدلول يختلف عن مدلوله في الشعر، فالفن هو ضرب من تجمع الشكل مع المضمون او الموضوع بينما نجده في الشعر يعد شيئا جوهريا حينما يراد ان يكون الشعر من اعمال الفن الحق .

فالشكل بالعرف يمثل الخط واللون والسطح والبروزات وتتحقق القيمة الفنية بالعلاقة بين الصفة التشكيلية من ناحية والطاقة الابداعية من ناحية اخرى، كما ان المضمون لا يمثل قيمة فنية الا اذا عمل الفنان على تشكيل فني ينبثق من ذاته، حسب رأئ البعض . وبالتالي ليس من الظروري ان يكون الشكل هو كل ما موجود في العمل الفني بل هناك اطراف اخرى تلعب دورا كبيرا في عملية التكامل.

ما هو الفرق بين الموضوع والمضمون؟

ضرب النقاد امثلة كثيرة على الفرق بين الموضوع والمضمون، مثلا لو اراد فنان ان يرسم لوحة تمثل عامل بناء وكان هذا الفنان يعرف شخص له علاقة بذلك العمل وبالتالي يكون الموضوع هو عامل البناء بينما يكون المضمون هو النموذج الذي اختاره الفنان وعلاقته به، اذن المضمون يمثل جوهر العمل والمعبر الاول عن مشاعر وعواطف الفنان . ولناخذ مثلا الكنيسة الغوطية حيث شيدت لتحقيق اهداف كثيرة فهي اولا صالة للغناء (التراتيل ) ثانيا هي مكان للطقوس من صلوات وادعية، ثالثا هي بمثابة متحف للصور الدينية، وبالتالي فان هذه المواضيع كلها لها هدف واحد او جوهر واحد هو العبادة او المضمون .

ولنضرب مثالا اخر فلو ان الفنان الايطالي رافائيل اراد ان يرسم موضوع العذراء وابنها ع، وهو الموضوع الشائع في عصر النهضة بين الفنانيين الايطاليين، فانه يذهب للبحث عن اجمل القتيات ويختار منهن الاكثر حسنا لهذا الموضوع وبالتالي يكون المضمون تلك الفتاة الحسناء التي اختارها لرسم موضوعه او هي تلك الفتاة المثالية الواقعية .

ما الفرق بين المثالية والواقعية

هناك ايضا فرق بين الواقعي والمثالي، فالعمل الفني هو عبارة عن انطباع عن واقع وهو في نفس الوقت تعبير عن الذات ولهذا يكون كل عمل فني هو واقعي ومثالي في نفس الوقت .

الواقعية تعني الاعتقاد بالحقيقة الموضوعية للعالم الخارجي وهو اسلوب يحاول بكل وسيلة ان يمثل المظهر الدقيق للاشياء كما هي عند صاحب المدرسة الواقعية كوربيه . وكانت المدرسة الانطباعية 1874 نوع من النزعة الواقعية العملية والعلمية، ويبرز هنا عندنا نوعين من الواقعية الاولى تعني الواقعية الحرفية اي تنقل ما تراه العين دون تغيير . والثانية هي الواقعية التمثيلية التي تنقل مشاهد من الحياة الوضعية ولكن فيها شيء من حرية التصرف في الاضافة او الحذف .

2770 بيكاسو

اما المثالية فهي تبحث عن نموذج مثالي للجمال اكثر سموا مما يمكن ان يوجد في الطبيعة وهي تبدأ اسسها من رؤيا واقعية لكنها تنتقي وترفض ما لا يلائمها بصورة واعية . وكان رافائيل عندما يريد ان يرسم فتاة يبحث عن الاجمل والاكثر حسنا ويضفي عليها ابداعاته الفنية في الانتقاء والحذف .. ان عين الفنان عالية الحساسية فبمقدورها ان تميز جوانب القصور العرضية وتميز النتوأت الزائدة في الاجسام وتميز التشويهات فيها . علما ان فلاسفة الاغريق وضعوا مقاييسا معينة للصور المثالية والقيم الجمالية وعدوها من الاخلاق . والمثالية تتمتع باساس ذهني، ويمكن القول ان الواقعية تسجل بصدق ما تراه الحواس ولكن نفس الانسان تحتوي على قسم اخر هو ما ندعوه بالوجدان .

الواقع ان طرق الفن لا تخرح من ثلاثة اساليب او مدارس وهي الواقعية والمثالية والتعبيرية وداخل كل واحدة منها اجتهادات ومفاهيم فلسفية . والتعبيرية تعني الاسفار الخارجي عن المشاعر الداخلية وهي تعبر عن طريقة اساسية من طرق ادراك العالم المحيط بنا وتمثيله، وتكون اعم واشمل من الطرق الاخرى ويمكن ان تنضوي تحتها كل المدارس الفنية الحديثة من تكعيبية وتجريدية وسريالية ومفاهيمية وتلقائية وعفوية ورمزية، وغيرها . ويمكن ايضا اعتبار المدرسة التكعيبية والتجريدية افكار مجردة عن اشياء واقعية وهي ايضا تقع في دائرة الفن المثالي لانها تنتقي وتحذف وتحور الاشكال من اجل بناء قيم جمالية جديدة .

2771 تجريد

و المثالية تتمتع باساس ذهني والذي يميز الفنان عن الالة، ويمكن القول ان الواقعية تقوم على اساس الحواس ولكن ان النفس الانسانية تحتوي على قسم اخرهو ما ندعوه بالوجدان . والتعبيرية تحاول ان تصور لنا تلك المشاعر والاحاسيس الوجدانية العميقة .

فلو رسم الفنان الواقع بتفاصيله دون ان يختار عناصر لموضوعه يكون كالمصور الفوتوغرافي، ولو ان فنانا مثاليا ذهب بعيدا عن تجربة الواقع والانطباع الاول فسيكون عمله مضطربا ويكون مجرد رمزيا . كان رمبرانت لا يصور ما تراه العين بل يسجل ما يهيئ له الخيال ان يراه، ويعني ذلك انه كان يصور بطريقة غير مباشرة، فالواقع لهذا الفنان هو ما كان يراه ويحس به، ولقد استطاع ان يجسد احاسيسه من ذلك الواقع في اشكال ملموسة مثيرة، لهذا نرى اعماله يطغي عليها طابع الضوء القادم من جهة معينة كالناقذة او الباب او غيره، وبذلك فهو يجمع في عمله بين الواقع والخيال .

2772 غويا

عصر التحولات

كانت علاقة الفنان بالمجتمع تتغير مع التغييرات التي تحدث في البناء الطبقي للمجتمع، ففي القرن السابع عشر وما قبله كان الفنان يمارس عمله الفني حسب التقاليد والعادات الكلاسيكية السائدة في ذلك الوقت ولكن في القرن الثامن عشر تحطمت تلك التقاليد بعد الثورة الفرنسية، حيث انقسم الجمهور الى قسمين محافظين وتقدميين وعلى الرسام ان يراعي المطالب المتناقضة، وهنا ظهر عامل اخر مهم جدا كان له تبعاث خطيرة في حركة المجتمع حيث ظهر قلق واضطراب وتشوش وشك في الاعراف والتقاليد الكلاسيكية القديمة، اذ ان التجديد والاستحداث لا بد من ان يسبقه هدم وتحطيم ثم بناء يقوم على اسس جديدة لم يكن معمول بها سابقا . وكان العالم والفيلسوف الالماني نيتشة له قول في هذا المنحى (ما لم تكن لديك حالة من التشوش والاختلاط فانك لا تستطيع ان تضع ميلادا لنجم متألق ..) .

2773 لوحة انطباعية

و لهذا راينا كثير من النهضات والثورات العالمية التي قامت على اكتاف الشعوب المضطهدة واطاحت بالجبابرة، كان يسودها في اول الامر الاضطراب والقلق من الاوضاع المزرية والسيئة في الحكم والافكار والتصورات التي تعيشها، ثم تحولت بعد ذلك الى صور متبلورة نتج عنها مبادئ وافكار جديدة .. كما ادت الى نهضة فنية تقوم على مبادئ ونظريات جديدة، وينطبق هذا التحول على كل الحركات الادبية والفنية . وقد عم التحول ايضا في الشعور والاحساس والمذاق والميل، وكذلك النهضة القكرية التي هي قوام الحركات الفنية الحديثة، وايضا حدث تحول اخر في النظريات الجمالية التي قضت على المبادئ الكلاسيكية القديمة التي رسمها الاغريق .و لهذا كان القرن العشرين بحق عصر فجر الحضارة الجديدة .

 

د. كاظم شمهود

 

 

 

كاظم شمهودقرأت في بعض الكتب التاريخية حول الحضارة المصرية لكتاب مصريين واجانب والتي نجد فيها لون من المغالات والتطرف الكبير الذي تسيطر عليه العاطفة، بدون مبررات علمية وآثارية، وهي ان مصر ام الحضارات والاولى في التاريخ الانساني و(ام الدنيا) . وقد اعتمد بعض المؤرخين المصريين المعاصرين على مراجع تاريخية قديمة منها لمؤرخ مصري يدعى ـ مانيتون ـ الف كتابا عن تاريخ مصر القديمة عام 286 ق م، وكذلك مؤرخين اجانب مثل اليوث اسمث الانكليزي وبرستيد الامريكي.. ولكن عندما نقرأ تواريخ بداية الحضارة الفرعونية وعصور السلالات التي حكمت مصر مثل الدولة القديمة 2681، والوسطى 2181، والحديثة 1567، والمتأخرة 1085ـ 341 ق م، ونقارنها بتواريخ حضارة العبيد والسومرية، نجد الحضارة الرافدينية تسبق وتبتعد الاف السنين عن تواريخ حضارة المصريين . نحن نقدر العاطفة والاعتزاز لكل شعب وامه بتاريخها وامجادها، ولكن هناك حقائق علمية مادية يجب الاعتراف بها . احيانا العاطفة تعلوا على العقل فينغلق الانسان ويتعصب الى قومه..؟ . وهناك قول للرسول ـ ص ـ في حادثة شجار وقعت بين احد المهاجرين مع احد الانصار فتعصب كل واحد لقومه فقال: (دعوها فانها نتنة) .

2708 انكي اله الماء والنبات1 ـ ظهر حكم الفراعنة بعد توحيد مصر شمالا وجنوبا على يد الملك نارمر (مينا) حوالي عام ـ 3200 ـ 3100 ق م، وقيل في مصدر أخر ان الحضارة المصرية بدات عام 3150 ق م . اما نشوء القرى والمدن الصغيرة على ضفاف نهر النيل فيذكر انها قبائل عاشت منذ حوالي 5000 سنة ق م، وكانت مهنتها الزراعة وتربية المواشي وصناعة الفخاريات ..

2 ـ لقد اثبت علم الآثار اليوم في بقاع عديدة من بلاد الرافدين عن كشف تلك الحضارات الانسانية التي عاشت في غمار الاحقاب والعصور ثم تدرجت مع الزمن الى ان صارت ام البشرية حيث يرجع اليها كل انساب البشرية من سام وحام ويافث وكنعان اولاد نوح – ع - فهؤلاء هم ابناء الرافدين وابناء سومر . ويكفي ان نعطي سببا واحدا لسبق السومرين على حضارة مصر وهو بداية ظهور الانبياء في بلاد الرافدين من ادم الى شيث الى ادريس ونوح وابراهيم ـ ع ـ ... ان وجود بداية الرسالات السماوية والانبياء في بلاد الرافدين يدل على وجود الحضارة الانسانية فيها من قوانين وعلوم اجتماعية وشرائع اخلاقية ودينية وتربوية وادب وفن ... ويمكن الاطلاع على كتب المؤرخين العرب والمسلمين وكذلك الكتب المقدسة القديمة والمؤرخين اليونانيين .

3 ـ مرت حضارة الرافدين بمراحل عديدة من كهف شانيدر قرب السليمانية والذي يبدا فيه انسان نيانيدرتال حوالي 60،000 الى 45،000 سنة قبل الميلاد وقرية جرمو الزراعية التي تقع قرب كهف شانيدر وقرى اخرى زراعية في الموصل ظهرت حوالي قبل 10000 سنة ق م،. ثم تبعها اربع مراحل حضارية هي : دور حسونة (7000 ق م،) قرب الموصل ودور سامراء في صلاح الدين، ودور حلف غرب الموصل، ودور العبيد في الناصرية . ثم ظهرت بعدها دول المدن السومرية مثل اور والوركاء وكيش واريدو ولكش وشروباك وغيرها .. وحسب النصوص السومرية الطينية المكتشفة اثبتت بان مدينة اريدو هي مدينة مقدسة نزلت فيها الملوكية الاولى من السماء وان ادم نزل فيها ويسمى بالسومرية ـ الوليم ـ او ابوليم ـ . هذه الخارطة الفهرسية المختصرة لتاريخ وادي الرافدين هي التي تعبر على انها ام الحضارات البشرية الاصلية ومنها ولدت حضارة مصر .. كما اشرنا الى ذلك في الحلقات السابقة، ويمكن الاطلاع على كتاب الاستاذ طه باقر ـ مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ـ

2709 امراة سومرية

4 ـ اما موضوع السومرين وكيف انه لم يرد ذكرهم في الكتب القديمة عند اهل الغرب وانه محي من ذاكرة الانسان وان الرحاله وعلماء الاثار الاجانب جاءوا ليبحثوا عن البابليين والآشوريين فقط، حسب ما ورد في الكتب التوراتية واليونانية، فهذا لغز ربما قصور في التدوين او جهل في تاريخ ومعرفة الحضارات القديمة او ان حادث الطوفان قد قضى على المرحلة الاولى من الحضارة السومرية ولم يبقى في بلاد سومر من البشر الا هؤلاء الذين ركبوا مع نوح –ع- في السفينة ؟ .

2710 سومر5 ـ وفي اواخر القرن التاسع عشر كشف المنقبون الاجانب ان هناك في النصوص الاكدية لغة غريبة لا يعرفون عنها شيئا، ولم ترد في كتب المؤرخين اليونانيين ولا في الكتب التوراتية، وبعد التحقيق والدراسة وجدوا ان هناك ملك يسمى ـ ملك سومر واكد ـ كما وجدوا ان هناك ترجمات للكتاب الاكديين من هذه اللغة الى الاكدية، ومن هنا بدأ اكتشاف ومعرفة الحضارة السومرية، بمعنى ان الحضارة السومرية بقت مجهولة الاف السنين ومطمورة تحت التراب لا يعرف عنها شيئا .. (ولا زال الكثير منها غير مكتشفا ؟) وهذا يبرر لنا بان كل ماكته الاجانب حول حضارة الرافدين قبل القرن التاسع عشر كان منحصرا في حضارتي البابليين والاشوريين وانه ليس لديهم علم بحضارة السومريين ؟ وبالتالي هذا الجهل والخلل والنقص التاريخي عن السومريين يجعل تاريخ مصر متقدما عند الاجانب ؟ .

2712 الملك كوديا6 ـ بعض المؤرخين المصرين يشير الى ان الحضارتين الرافدينية والمصرية ولدتا في أن واحد ويسمونه بالبؤرة الواحدة اعتمادا على تحليل ونظرية بعض المؤرخين الاجانب .. وهذا من غير المكن على الاطلاق بدليل علم الاثار والنصوص الطينية السومرية وكتب علماء الاجانب المنصفين، والبعد الجغرافي، واستخدام الكاربون 12 و14 المشع والاعتماد عليه في دراسة البقايا العضوية في المواقع الاثرية حيث له دورا مهما في تقديم مصدر علمي مستقل . وكذلك بعض الكتب المقدسة .. واحب ان اذكر مثلا واقعيا اخر في مجال حركة الفن التشكيلي الحديث الذي شهده العالم، حيث معروف ان الحركة التكعيبية ظهرت عام 1907 وساهم في انشائها ثلاثة فنانين هم بيكاسو وبراك وخوان غريس، وعند عرض اعمالهم ووضعها جنبا الى جنب لا نفرق بينها غير توقيع اسم الفنان، فكلها متشابهه، ولكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه هو من بدأ بذلك الاسلوب وطرحه للنقاد والجمهور بمعنى ايهم الاول الذي سجل السبق وله الفضل في اكتشاف هذا الاسلوب على الاخرين ؟ . لا شك ان لوحة ـ غانيات افنيون 1907 ـ لبيكاسو هي اول لوحة كسرت التقاليد الكلاسيكية القديمة واعتبرت ثورة في تاريخ الفن قاطبة . وهذا ما نريد ان نقوله لهؤلاء المؤرخين الغير منصفين الذين يؤكدون على التشابه بين الحضارتين وانهما من بؤرة واحدة .. نعم قد يكون هناك تشابه في وقت متاخر في بعض الاشياء، ولكن لا يعني انهما ولدا من رحم واحد بل لابد ان يكون احدهما متقدم على الاخر للاسباب التي ذكرناها سابقا منها البعد الجغرافي ..

2711 اللغة السومرية7 ـ اطلعت على كتاب ـ مصر اصل الحضارة ـ للكاتب المصري سلامة موسى 1887 ـ 1958، الواقع انني تفاجأت بهذه الجهل الثقافي ومن الكلام الخاطئ والغير علمي ومنطقي، والرجل علماني بحت من ابوين قبطيين دعى الى اعتناق ثقافة الغرب وترك المصريين اللغة العربية بقواعدها والرجوع الى اللغة العامية المصرية باصولها القديمة .... ؟ . يقول سلامة ان مصر علمت السومريين الزراعة وجلبت لهم القمح والشعير، واخذ العالم واليونان اساطيرها ونوع الحكم منها، وان الفراعنة هم ليسو ابائنا فقط بل هم اباء العالم.. يبدو ان الرجل (اخذته هلوسة الآلهه الفراعنة)، اما جاهل بتاريخ وثقافات الحضارات القديمة ولم يقرأ عن حضارة الرافدين وسومر بشكل معمق وعقلاني واطوارها الحضارية التي ذكرناها سابقا، واما متعمد ومتعصب لقومه وحضارة الغرب ؟ .. وسلامة متأثر بافكار وتحليلات المؤرخين اليوث سمث الانكليزي وبرستيد الامريكي وهما اللذان يقولان بنظرية (البؤرة الواحدة) وان الزراعة اول ما نشات في مصر ومنها تعلم العالم ؟...

 

د. كاظم شمهود

 

كاظم شمهودكان من الضروري التعرف على نشوء بداية الحضارات الاولى وان نتصور ذلك المحيط القاسي الذي كان يعيش فيه الانسان القديم مهددا بين ضراوة الطبيعة وبين قسوة ادغال الفطرة الاولى حيث بدات حياة هذا الانسان يعتمل فيها الخوف والقلق من المجهول ومن عوادي الطبيعة التي يعيش في كنفها كما صاحب هذا الخوف ايضا الامل والرجاء وثقته العالية بنفسيه واعتقاده بانه سيجتاز بعقله وفكره هذه المحنة، فخلق الاساطير والخرافات وبدا اعتقاده بالعالم الروحي الذي يجيش قي دقائق هذا الكون وتصور ان لهذا الكون آلهه تسيره وتحافظ عليه وان الاعتقاد بها واللجوء اليها هو محاولة حمايته من قساوة الطبيعة.. وبالتالي نشأت عنده فكرة الاعتقاد بالالهه والاديان والافكار والمعتقدات والتقاليد، ثم تطورت هذه المفاهيم وظهرت الحضارة والمدنية..

وعندما نتكلم عن الحضارة يعني ذلك ان هناك بقعة جغرافية وامة قائمة لها دولة ونظام وقوانين وجيش ولغة ودين وثقافة وادب وفن وشتى صنوف المعرفة، اما الحديث عن التجمعات السكانية وقرى منتشرة هنا وهناك فهذه ظاهرة نجدها في كل انحاء الارض، واحينا تشكل هذه القرى النواة الاولى للحضارة .

ذكرنا في المقالة الاولى بان الحضارة الرافدينية كانت قد سجلت السبق على الحضارة المصرية بدليل علم الاثار وما كتبه الاجانب في هذا المضمار وان الحضارة المصرية ولدت من رحم الحضارة السومرية، وهنا نكمل الحديث ونظيف بعض النقاط الاخرى منها:

2663 الحضارتان السومرية والفرعونية 1

1 - يذكر بعض علماء الاثار ان اللغة المصرية اصلها من ارض الرافدين والخليج العربي وقد تطورت وواصلت عبر اللغة القبطية التي يتكلم بها اليوم ملايين المصريين،اما الكتابة المصرية الهيروغليفية فقد ظهرت حسب بعض المصادر عام 3100 ق م وكانت بدايتها عبارة عن لغة تصويرية على غرار لغة اهل الرافدين التي سبقتها . وفي هذا التاريخ توحدت مصر شمالا وجنوبا في زمن الملك او الفرعون نارمر (او مينا). ثم تطورت اللغة الهيروغليفية وبقت قائما حتى القرن الرابع الميلادي . وكلمة هيروغليفية تعني الخط المقدس وهي كلمة يونانية الاصل اطلقت على الكتابة المصرية القديمة ومن المؤكد انه كان لها اسم مصري اخر .

2 - وجد علماء الاثار ان الموميات القديمة ظهرت فيها جينات الشرق الاوسط بشكل واضح وهذا من الدلائل التي تشير الى نزوحهم من بلاد الهلال الخصيب . ويعتقد ان هذه الطبقة هي التي غالبا ما كانت تحكم البلاد . كما يعتقد علماء الآثار ان هناك لازال اكثرمن 10 الاف موميا غير مكتشفة في ارض مصر . في حين ان المصريين الحاليين اكثر ارتباطا في افريقيا ورغم مرور الاف السنين فانه لم يحدث تغييرا كثيرا في الحمض النووي في المجتمع المصري . ولكن اليوم اصبح المجتمع خليطا من كل الاجناس كما هو حادث في عالمنا العربي .

2663 الحضارتان السومرية والفرعونية 2

3 - من اهم ما يميز الحضارة المصرية هي الاهرامات، وقد شيد المصريون 138 هرما اشهرها اهرام الجيزة التي شيدت عام 2650 ق م، وهي عبارة عن قبور للفراعنة حولت الى غرف زينة وجنات وجمال حيث تغطي جدرانها من الداخل الاف الرسوم والكتابات والزخارف والرموز التي تعكس المعتقدات الدينية المصرية وطرق حياتهم، ولهذا كان الفن المصري يسمى فن المقابر، وكأن القبور تحولت الى متاحف للفن المصري القديم.. اما اقدم الاهرامات فهو هرم سقارة المدرج والذي جاء على غرار الزقورات السومرية وقد شيد عام 2667ـ ق م، بمعنى انه كان متأثر بعمارة الزقورات ذات الطوابق او المصطبات المدرجة التي كلما ترتفع تصغر . علما ان زقورات وادي الرافدين اول ما شيدت في مدن اريدو ثم في اور والوركاء وغيرها من المدن السومرية، وهي سبقت بناء اهرامات سقارة والجيزة بعدة الاف من السنين . ويذكر علماء الآثار بان زقورة اريدو كانت اقدم و اكبر الزقورات في تاريخ وادي الرافدين حيث يرجع تاريخها الى تاريخ تشييد المدينة الى حوالي 5600 ق م، وتعتبر مدينة الالهه .

2663 الحضارتان السومرية والفرعونية 3

4 - شيد المصريون المعابد لتكون سكنا للالهه ومن اشهرها معبد الكرنك والذي يتكون من سلسلة من الصروح او المعابد ويمتاز بالاعمدة الضخمة والتيجان المزخرفة ويرجع تاريخ بنائه الى 2134 ق م،و يقع في مدينة الاقصر . كما ذكر معبد اخر وهو ابو سمبل في مدينة اسوان ويعود الى 1264 ق م.. اما في بلاد الرافدين فكان ظهور المعابد يرجع الى دور العبيد والذي ادى الى نظام المعبدية والحكومة الكهنية في بداية القرن الخامس قبل الميلاد . وكان هذا التطور والاتساع في النظم والادارة مقدمة لبداية ظهور الحضارة السومرية .

 وذكر القرأن الكريم قصة نوح والالهة التي عبدت بعده (ود، سواع، يغوث، يعوق، ونسر) وكانت هذه الالهة موضوعة في معبد كبير ربما في اريدو او اور، علما ان نوح ـ ع ـ ذكر في النصوص السومرية باسم (اتونابشتم) . كما ذكرت في القرأن الكريم  قصة النبي ابراهيم ـ ع ـ حيث هاجم اكبر المعابد في بابل واخذ يكسر الاصنام التي كانت تعبد .

2663 الحضارتان السومرية والفرعونية 4

5 - في حوالي عام 1650 ق م، غزا الهكسوس مصر وسيطروا على الشمال وهم اقوام خليط جاءت من بلاد الهلال الخصيب ، وفي عام 671 ـ 667 ق م، سيطر الاشوريون على مصر، وفي عام 525 ق م، غزا الفرس مصر، وكانت هذه الاقوام قد نقلت معها ثقافاتها ومعتقداتها وتقاليدها الى المجتمع المصري.. وفي عام 332 ق م، انتهت الدولة المصرية وسيطر اليونانيون على مصر .

6 - لماذا اشتهرت اليوم الحضارة الفرعونية في الغرب اكثر من الرافدينية؟. اعتقد ان هناك اسباب كثيرة منها اولا: ان الاثار الفرعونية عملت من الحجر واخفيت تحت الاهرامات العملاقة وتحت الارض كما حفرت في الجبال بحيث من الصعب ان تطالها يد السراق والغزاة او قادرة على نقلها، لهذا بقت سليمة ومحافظة على شكلها وسحرها الى يومنا هذا . ثانيا، انها كانت مثيرة للعلماء الاجانب في الغازها واسرارها ومعتقداتها الاسطورية ولازالت تشكل لغزا غامضا وسريا وجدلا بين العلماء في حل رموزها . ثالثا، ان اكتشاف الموميات ونقلها الى الخارج لفحصها وتحليلها ودراستها كان عاملا اعلاميا كبيرا انتشر في كل انحاء العالم . اما الحضارة السومرية فقد نشأت في ارض سهلة طينية تكثر فيها المياه والفيضانات والرطوبة.. وكانت زقوراتها ومعابدها شيدت من الطين المفخور والمحروق كما كانت فنونها من تماثيل ورسوم جدارية واختام اسطوانية عرضة للتلف اما بسبب الرطوبة والكوارث الطبيعية او بسبب الحروب والغزاة الاجانب الذين يهدمون ويحرقون كل شئ على الارض . ورغم ذلك بقت سالمة بعضا من الآثار السومرية والاختام الاسطوانية وخاصة الآشورية التي ظهرت في ارض جافة وصخرية، والذي كشفها الاجانب ونقلوها الى متاحفهم . ويذكر بعض علماء الاثار الاجانب ان بلاد سومر لازالت غير مكتشفة فهي تربض تحت المياه..

2663 الحضارتان السومرية والفرعونية 5

7- يذكر انه كان هناك 260 عيدا في مصر طيلة السنة بمعنى كل يوم وربع هناك عيد وكان المجتمع المصري يمتاز بالفرح والبهجة والسرور والطرب والنكته السجية، وقد كشفت نصوص قديمة تؤكد ذلك مثل (اطرح الهموم خلفك وافتح قلبك للسرور).. وقد ذكر المقريزي في ـ خططه ـ والمسعودي في كتابه ـ مروج الذهب ـ بان الخليفة عمر بن الخطاب طلب من عمر بن العاص ان يكتب ويصف له اهل مصر، ومن جملة ماكتبه (مصر نيلها عذب وترابها ذهب، ونسائها لعب ورجالها طرب.. .).. ولازالت روح النكته ولباقة الحديث والبهجة والطرب واللهو تسود المجتمع المصري، يضاف لها انها من المراكز العلمية الاولى في الادب والقصة والفن والدين، ويشهد على ذلك جامع الازهر الذي اسسه الفاطميون..

 

د. كاظم شمهود

 

2652 الحضارة السومرية والفرعونية 2كان الناس في القرون القديمة يجهلون قيمة الحضارات الرافدينية والمصرية وأثارها المطمورة  تحت التراب حتى اواخر القرن التاسع عشر وينظرون اليها نظرة فضولية اكثر منها اعجاب واعتزاز وانها كانت مغلفة بسحر وشعوذة القرون القديمة وانها وثنية ومحرمة، لهذا كانت عرضة للتخريب والنهب والبيع. ويعود الفضل الى علماء الآثار الاجانب الذين ازاحوا الغبار عن الغموض والشك عن الاثار وحلوا رموزها وكشفوا الوجه الحقيقي لها، وانها تراث الامة وهويتها  وكنزها الحضاري الانساني ومجدها الثقافي والقني.

دعونا نذهب الى جوهر الموضوع ونضع النقاط على الحروف دون تحيز او تعاطف فالحضارتين السومرية والمصرية هما اولى الحضارات في العالم دون شك ولا ريب، ولكن من هو الاقدم والاول والسابق على الاخر في فجر الحضارة ؟ كل الدلائل والمؤشرات العلمية والاثار المكتشفة ومن خلال تواريخها  تشير الى سبق الحضارة الرافدينية على المصرية بعدة قرون، ويمكن تلخيص ذلك بعدة نقاط :

2652 الحضارة السومرية والفرعونية 1

1 ـ ذكر العالم والمؤرخ الامريكي ديورانت في كتابه ـ قصة الحضارة ـ وكذلك العالم الاثري ستين لويد في كتابه ـ فن الشرق الادنى القديم ـ بان اختراع الكتابة ظهر في مدينة الوركاء السومرية عام 3500 ق م، وقيل قبل ذلك التاريخ بعدة قرون حيث كان الكهنة يدونون النذور والهدايا التي ترد المعابد من المؤمنين وكذلك تدوين رواتب الموظفين والعاملين  فيها. وايضا يذكر في احد المصادر بان الكتابة ظهرت في زمن ادريس احد احفاد النبي أدم ـ ع ـ قبل الطوفان وانه سمي بادريس لكثرة دراسته وكتابته. وكان يشكل الرقم السابع بعد اولاد أدم. 

بينما ظهرت الكتابة في مصر عام 3300 وقيل في مصدر اخر 3000 وقيل  2600  ق م، وقد انتقلت الكتابة الى مصر عن طريق الهجرات السومرية التي حدثت بعد الطوفان وقبله  الى الجزيرة العربية وشمال افريقيا، وهو ما يؤكده بعض المؤرخين وعلماء الآثار مثل الاستاذ طه باقر. حيث انتقلت الثقافة والديانة والتقاليد السومرية الى مصر وتأقلمت ثم اخذت لها خصوصية مصرية. في الواقع ان الهجرية حدثت قبل السومريين وقبل الطوفان  في زمن حضارة العبيد التي سبقت حضارة السومريين قبل الالف  السادس والخامس قبل الميلاد وهو ما اكده علماء الاثار، حيث وجدت اثارها  منتشرة في الخليج والجزيرة العربية وبلاد الشام ومن المؤكد انها عبرت الى مصر القديمة.. علما ان الكتابة مظهر حضاري اساسي اولي في بناء المجتمع والدولة وفي المجالات العلمية والثقافية  والاقتصادية  والسياسية وغيرها.

2652 الحضارة السومرية والفرعونية 3

2 ـ عثر في تل العمارنة وهو اقدم الاماكن الاثرية في مصر على وثائق منها رسائل تعود الى الملك المصري ـ امنوفس الثالث ( او الثاني ) ـ وابنه اخناتون (امنحوتب الرابع 1367 ق م ) وهي رسائل متبادلة بين عدد من  الملوك منهم ملوك بابل، وهذه الرسائل كتبت بالخط المسماري واللغة البابلية، مما يشير الى ان الثقافة البابلية كانت هي  المنتشرة في الشرق الادنى في ذلك الوقت. وقد كان هناك اتصالات بين البلدين وعوامل مشتركة تطورت خلال القرون الاخيرة من الالف الرابع قبل الميلاد منها التجارة والسياسة.. ويذكر بعض علماء الآثار ان اقدم الآثار في مصر ترجع الى 5000 ق م، ويطلق عليها بالحضارة التاسية، ثم جاءت بعدها حضارة البداري ثم جاءت بعدها حضارة نقادة حوالي 3400 ق م، وفيها ظهرت المصنوعات العاجية والاواني الملونة بزخارف حيوانية وادمية كما تقدمت صناعة المنسوجات وصناعة التماثيل الصغيرة وفيها مسحة اسطورية.

3 ـ عثر على لوح ذو وجهين في اور منقذ بطريقة السيراميك او الفسيفساء ثبت عليه اشكال صغيرة من الصدف او عرق اللؤلؤ بواسطة القار يدعى ـ لواء اور ـ يعود الى ما قبل الالف الثالث قبل الميلاد. وقد رسمت عليه اشكال صغيرة معقدة متشابهه، وقد اخذت كلها شكل جانبي للوجه وامامي للجذع او الصدر والقدمين جانبي والعيون امامية مفتوحة كبيرة الحجم.. هذه التأثيرات الفنية السومرية  انتقلت الى الفنان المصري فاخذ ينقش ويرسم بوجوه جانبية وصدر امامي وعيون امامية واقدام جانبية، ثم تطور الفن المصري وانطبع بطابع المعتقدات الدينية المصرية.

2652 الحضارة السومرية والفرعونية 4

4 ـ كانت الديانة الوثنية سائدة في بلاد سومر ومصر وكانوا يؤمنون بتعدد الالهه ولكنهم يؤمنون في نفس الوقت بالروح الخالقة لهذا الكون الغامض، فاصبح يطلق عليه بالاله الاعظم او الاب الاكبر ـ أن ـ عند السومريين وانو ـ عند البابليين واترع ـ عند المصريين ثم اصبح ـ امون ـ في المملكة الوسيطة، وفي زمن الملك اخناتون (امنحوتب الرابع  1364) اصبح يسمى ـ اتون ـ حيث اصبح الملك يؤمن بالتوحيد اي بالله تعالى. وكان المصريون يؤمنون بالموت وبالخلود بعد الموت وهو نفس المعتقد السومري حيث ان الانسان فاني وانه سيموت وينتقل  من هذا الحياة الى حياة اخرى مجهولة عند السومريين وخالدة عند المصريين. واتخذ الملوك المصريين صفة الاله بينما نجدها عند السومريين ان الحاكم هو عبارة عن قائد الدين والسياسة وانه مجرد راعي للشعب وهو بذلك اكثر عقلانية ومنطقية. وكان الملك حمورابي يستلم القوانيين من اله الشمس وكأنه وكيل او ممثل عن الاله في تطبيق القوانيين في الحياة، كما نجد احد الملوك الحيثيين يعانق احد الالهه طالبا الحماية والمساعدة.

5 ـ يذكر بعض علماء الاثار ان مضاهر الحضارتين السومرية والمصرية متشابهه وان اسلوبهما الثقافي والفني متشابه ( رغم تعذر تعليلها ؟ ) فالسومريين يسكنون مناطق الاهوار السهلة ويدجنون الحيوانات مثل الجاموس وصيد الاسماك والطير ويعتمدون في زراعتهم على مياه الانهار من دجلة والفرات وكذلك اهل مصر على النيل.. ولكن اذا كانت الآثار المكتشفة وابحاث   علماء الآثار يقرون بان الحضارة السومرية هي الاقدم وان الانسان بدأت هجرته قبل وبعد الطوفان من بلاد الرافدين  الى الجزيرة العربية وشمال افريقيا، اذن لا بد انهم حملوا معهم حضارتهم بكل خصائصها الى المناطق التي حلوا فيها وتأثر سكان تلك المناطق بها.

2652 الحضارة السومرية والفرعونية 5

6 ـ الاعمال الفنية في الحفر والنقش والمنحوتاات البارزة نجدها متشابهه في كلا البلدين الا في نوعية الحجر مثل مشاهد صيد الاسود للملوك وان موقف المتفرج في العاج المصري لا يختلف عن مشهد الكهنة العراة في الموكب المرسوم في اواني الزهور في بلاد الرافدين الا في قطعة القماش التي تستر العورة في عصر ما قبل السلالات، اما الخطوط العامة فهي متشابهة. وقد كشف عن نحت اسطوري وحشي في سومر موجود حاليا في متحف بروكلين وهو يشبه قرد وحشي في منطقة ـ نارمر ـ المصرية، وهناك كثير من الرسوم والتماثيل المتشابهه.

2652 الحضارة السومرية والفرعونية 67 ـ تذكر بعض المصادر التاريخية والدينية بان هناك 24 الف نبي ظهر اغلبهم في منطقة الهلال الخصيب فكانت هذه المنطقة تعج بحركة الانبياء والمرسلين والمصلحين وكانت بلاد الرافدين مهبط الرسالات السماوية الاولى من ادم الى نوح الى ابراهيم ـ ع ـ ومنبع القوانيين الانسانية الاولى كمسلة حمورابي وصحف ابراهيم التي سبقتها. فاذا كانت هي كذلك اذن منها نشوء الحضارة الاولى وتقدمها على  غيرها من الحضارات التي ظهرت بعدها. وتقول بعض المصادر بان النبي ادريس وهو الولد السابع من ولد ادم  قد هاجر من بلاد الرافدين الى مصر وانشاء هناك  حركة علمية وثقافية وفلكية وعلم الناس الكتابة ودين التوحيد.

8 ـ يشير عالم الآثار سيتن  لويد بان هناك منجزات فنية تؤكد على ان فناني السومريين لهم السبق فيها وانهم كانوا بمثابة الاساتذة لمن خلفهم كالتماثيل الطينية للحيوانات ثم يضعونها في افران لتاخذ الصلابة والقوة، كما استخدموا الحجر الملون في نحت التماثيل كالمرمر الشفاف واللون الابيض والاسود واللازورد واعمال الفسيفساء، وايضا استخدموا الالوان في طلاء المنحوتات مثل القيثارة السومرية ناهيك عن الاختراعات الاخرى التي سجلت السبق الانساني على غيرهم.

و لا تعني هذه المقارنة التقليل من اهمية تاريخ مصر الحضاري فهي كما يقول اهلها (مصر ام الدنيا) ولكن نحن نتحدث عن بداية الحضارة ونشأتها وما قدمته من اختراعات للبشرية وتأثيرها على الامم الاخرى.. فالحضارة الرافدينية والحضارة المصرية هما ام الحضارات..

 

د. كاظم شمهود

 

116 لطيفة الصمعي 1الفنانة التونسية لطيفة الصمعي توؤل اللون والقصيدة

على جدران فضاء (ايكار) في باب العسل بالعاصمة التونسية وبعد العديد من المشاركات في معارض جماعية، أفتتح مؤخرا المعرض التشكيلي الأول للفنانة والباحثة الفنية (لطيفة الصمعي) تحت عنوان أستدلالي (رتق).

والرتق في قواميس اللغة العربية هو أصلاح ما يمكن أصلاحه من شيء تعرض للتلف، وهذا يعطي دلالة أيحائية على محاولة الفنانة للسعي بجد ودأب كي تضفي شروقا متميزا على سطوح لوحاتها التي تتصارع فيها الكثير من الثيم والايقاعات اللونية المتناقضة أحيانا والمتألفة احيانا أخرى، من خلال التعامل العفوي التجريدي أذ تعتمد التجريب للتكوين اللوني البعيد عن تشخيص الواقع. وتلك هي مغامرة البحث عن تعبيرية قيمة التجريد عبر تأثير صدى اللون في عين المتلقي.

ولتقريب فكرة العمل الفني قامت (الفنانة \ الشاعرة) بالمزاوجة بين اللوحة والقصيدة الشعرية فتحت كل لوحة أرفقت قصيدة شعرية تعالج ذات الموضوع كي تطوع العلاقة الجمالية القائمة بين الخطاب التشكيلي والخطاب الشعري لتعطي للمتلقي أكثر من مفتاح دلالي، فاللون هو نقطة الارتكاز الأساسية في التعبير عن المكنون الذاتي لبوحها الفني والكلمات سبيل مساعد في ايصال تجليات الفكرة.

116 لطيفة الصمعي 2

ان غاية الفن عند (لطيفة الصمعي) تأتي من ادلة روحية، وما هي الا وسيط يحمل رسالة جمالية مهتدية برسالة تأملية تقترب من مذاق صوفي، في التأمل بما تحويه الروح من عوالم جمالية لاتعثر عليها الا عين المتأمل، فتعيد صياغتها وفق ذائقتها ولحظة الابداع الفني، لتبني حلمها الاسطوري في محاولة الامساك بما لا يمسك - قدر الامكان - وقد كان لها ذلك.

وهكذا نجد تحولاً من طريقة التركيز لإظهار البريق اللوني، إلى تقنية استخدام الأجواء التي توحي بالعطاء اللوني، الذي يتحول أحياناً إلى صيغة تشكيلية لها علاقة بالفن التجريدي غيرالمتطرف في عفويته وحداثته، ليصبح سطح اللوحة مجالاً للتشكيل الحر ومتنفس لروح القصيدة، بحيث تخضع معطيات العمل البصرية لحركة اللون التلقائي بعفوية اللحظة الإبداعية فكل لمسة لونية في اللوحة هي كشف وايحاء.

116 لطيفة الصمعي 3

ان الفنانة في جهدها الابداعي تحاول عبرايقاع اللون المتضاد تشكيل سمفونية تجمع أزمنه متفاوته في لحظة واحدة من خلال هارمونية بصرية تعيد رسم معالم معاناة الفنانة وفق رؤية تحمل الجوهرالروحي لتحيله الى ما ورائية قصدية. تتناغم بين الصفاء الروحي والتأمل العقلي، انها تحاول أن تلملم اللحظات الهاربة الاكثر اشراقا لتخلق المتعة للمتلقي، حيث تتداخل الذاكرة على شكل استرجاعات حلمية مشحونه بطاقات لونية متفجرة تختصر المسافة بين الحلم والواقع، في عوالم مستعارة تعيد للمشاهد نوعا من البهجة المدهشة في محاولة لاصلاح روحي تسعى له.

116 لطيفة الصمعي 4

فهي تقترح مفاهيم وتصورات و رؤية معاصرة ومغايرة لدورالفن في خلق سعادة لروح المتلقي، بما يعني العودة الى الذات التي قادتها الى البحث في وجعها الروحي القلق فلم تجد غير تلك الصوفية اللونية والكلمات الشعرية لاصلاح شعور الاحباط والانتكاسة واعادتها الى بهرجة لونيه فرحه لكنها موجعة في ذات الوقت، مسكونه بعوالمها الداخلية اولا، وبالعالم الطبيعي الذي يواجهها في دوامة البحث للامساك بالحقيقة الوجودية المعمقة فان لم تستطع فلا بأس من التعلق في اطرافها فهي لا تتحدث عن النهائية او التمامية في العمل الفني بل انها تجاهد للوصول الى مفاتيح تفكك أو تقرب من الوصول بخلق منهج كياني متفرد يتوسل بنهج اهل المعرفة الروحية والاقتراحات الصوفية للتأويل. من هنا يظهر لنا هذا البعد في عدم تجاوز الافق غير المنظور في اللوحة وأتساع في معاني الشعرية للقصائد المصاحبة.

116 لطيفة الصمعي 5

انها تحاول ان تبدع قراءة معمقة للوصول الى اشارات سردية لا متناهية من فيض ياتي من سرمدية الوجود، انه صوت باطني يتجلى في عيون الرائي مثل ظلال تتمخض بالتفجر الروحي لاثمار الخصب اللوني في جسد اللوحة، ليفصح شاء ام ابى عن مكنون الذات ويحفز طاقة التفكير لدى المتلقي، اذ لا تقتصر المعرفة على ما هو مألوف من المثيرات الشكلية المباشرة بل يتطلب الامر استثارة افق التفكير والانتباه الى ما قد يغفل من معطيات الواقع في تنمية قدرات التخيل لتجاوز محدودية هذه المعطيات.

ان اعمال الفنانة (لطيفة الصمعي) ستبقى دائما تثير الجدل بقدرتها اللونية على ايقاظ المشاعر ومنح المشاهد فرحا تأمليا ومتعة الغوص في تأويل اللون، ليتكلم الصامت في روحها. ويبقى التميز في الابداع هو جوهر الخلود الدائم في تاريخ الفن.

 

محسن الذهبي - لندن

 

115 رضوان ابو شويشة 1الخيال هو أبرز ما يشكلُّ جوهرَ الإبداع الفني. هذه" الجمرة الملتهبة " التي يضعها الفنان في جِراب أسراره الدفينة، والتي قد تحرق منه الأفكار أو تُشعل في عقله النيران وقد تُلهب منه الأنامل والمشاعر. فمن جانب الخيال الفني، يحس الفنانُ بالجديد عبر الهواجس، ويفكر داخل الانفعالات والاحاسيس  (أو كما يُقال: العين تسمعُ والأُذن ترى والقلب يترجل والأقدام تتأمل). ولذلك يقع الخيالُّ على منابع غامضةٍ من إبداع الفنون حدَّ الإدهاشِ، بدءاً من المجهول في حياتنا الإنسانية مروراً بكهوف اللاوعي المذهلة وليس إنتهاءً بعواصف الحياة وأنوائها. وعكس ما نعتقد، ليس يتمكن كلُّ فنانٍ من السيطرة على خياله. ربما الأمر يقترب من ذلك فقط، لكنه لا يحدد خطواتَّه بدقة المعرفة والعلم. لأنَّ الخيال فاعلية حُرَّة وغرائبية بالغة الأثر في دقائق إبداعاته، وإلاَّ ما كان ليستطع الخروج  (ولاسيما في الفنون التشكيلية) بلوحات فائقة الجمال والإمتاع.

ومن جهةٍ أخرى لا تقف أية قيود أمام هذا الخيال، لا لأنَّه غير معترف بها (أو يتجاهلها) من الأساسِ، بل لكونَّه يتجازها اختراقاً من الداخل. كلُّ خيالٍ ليس معلنا صراحةً إلاَّ بقدر ما يخلق عالماً متفرداً بذاته. أي ليس الخيال جزئياً ولن يكون، لأنه يلتقي بأطرافه القصوى في الفنون بحيث نراه غريباً في مساحة يجذبنا إليها. والغرابة آتية من نقطة شبه اكتمال عصية على التلاشي بسهولةٍ (أي يكمل الناقص من وجوده في خيال المتلقي). وربما هذا هو مصدر المفاجأة بصدد الخيال الفني تحديداً. لأنه يصدمنا ويأخذ بألبابنا على صعيد شبه الاكتمال لما يُصور ويبدع. وهنا ليس الخيال نشاطاً قابلاً للإحالةِ إلاَّ إلى ذاته وبالوقت نفسه سيقذف بظلاله على الواقع، أي سيشتبك معه فنياً من جانب الأخيلة المتذوِّقة التي تتلقاه. وعلى طول المدى، قد يبتلع الواقع نفسه في جوفه كدوامات تعجنه وتعيد خلقه من جديد.

في عملية الخَلْق الفني، هناك رغبةٌ سحيقة تستولى على الفنان لإعادة تشكيل العالم والحياة. إذ يظل مشدوداً إليها لدرجة الانجذاب، حتى يحقق الصورة المتخيلة التي يتغياها. ورغم فداحة الهدف إلاَّ أن رؤيته الفنية ستحتل مسرحَا للوحة ليس أكثر. وبالتالي يمكن للقارئ أن يتساءل:أيَّةُ رغبةٍ هذه التي توازي تفاصيل الكائن الإنساني وزمنه؟! مؤقتاً هي رغبة عمرها بعمر الفيروسات داخل أديم (تراب) الأرض، فالإنسان منذ أنْ وُجد على هذا التراب وهو مشدود بمحاولات خلق العالم من جديدٍ.

ويشترك الإنسان مع الفيروسات في تلك الإمكانية القصوى، إذ أنَّ زمن الفيروس يتخطى مساحة أعمار الكائنات والأشياء جميعاً، لأنَّه دقيق جداً لدرجة التناهي ويظل باقياً في حالة كمون إزاء تقلب الأحوال البيئية العاصفة ولا يموت بمعنى الموت الإعتيادي، وكذلك بإمكان الفيروس" التحور والتكيف " مع أشرس الظروف تدميراً للواقع. فلربما يكْمُن (على صغره مثلاً) في بذرةٍ أو نباتٍ أو ثمرةٍ أو قشةٍ أو يرقةٍ أو حبةِ رمل أو قطرة مياه عالقةٍ. وقد يبقى ممتداً في حالة نشاطه كأزمنةٍ داخل الزمن الواحد مثل نشاط البركان الذي لم يكد يخمد حتى يثور، وربما يطفو يوماً ما ليلون قطاعات الحياة كما هو خلال مظاهر الربيع من كل عام. فالفيروس لقاحٌ خفيٌ لرسم معالم الطبيعة الخلابةِ وانتاج الألوان ومظاهرها الحية. كل ذلك سيعيد إلينا الفنان الليبي رضوان أبو شويشه  (1) المناسبة الفنية والفلسفية للتحدث عنه.

غرق العالم

115 رضوان ابو شويشة 2الفن التشكيلي عند رضوان أبوشويشه هو فيروس العالم جمالياً aesthetic virus، هو فيروس لطوفان يغمر الأشياء مسرباً طاقة الطبيعة ومخاضها. ألم تسقط الكائنات في عتمة  (تراب) الأرض، في حمأة الخطايا بلغة المسيحية؟، إذن ما من كائن إلاَّ ويحملُ خطيئته على راحتيه، ليكُن مصيره مصيراً أـخروياً قيامياً (نسبةً إلى القيامة). باللاهوت كان غضبُ الله حيال شرور الناس سبباً ماورائياً لحادثة الطوفان كما جاءت في سرديات وقصص الأنبياء (طوفان نوح). ثم كانت سفينة نوح التي قلَّت ما نجا من العالم الغارق زوجين بجوار زوجين من جميع الكائنات الحية. جرى ذلك كأنَّ وجود الزوجين وعدٌ كوني بتكوين المستقبل، وكأنَّ الطوفان حادثةٌ أفرزت الحياة والأخرة، لأنّها افتتحت  أرضياً جديداً للإنسان. من ثم جاءت السفينةُ، لتمخُر عباب الخطايا منذ الماضي إلى الآن. وكنا نحن ركابها المستقبليين لأننا كنا موجودين آنذاك بالقوة ولم نوجد بالفعل (نحن خلف هؤلاء الأسلاف الذين لاذوا بالسفية من الطوفان). أي نحن كنا أبناء تاريخيين لهؤلاء الناجين الذين حملتهم سفينة نوح.

بهذا التماثل الوجودي، ليس ثمة فارق عند أبوشويشه بين الطوفان والفن. كلاهما تشكيليان، الأول شكّل العالم ونحت رسماً لمجرى الزمن والحقائق بريشةِ الخالق. أما الثاني فرسم مجالاً لتردّد  الطوفان الروحي كُلما مازج القبحُ أنفاسنا. الطوفان في التاريخ حادثة فنية لأن تشكيل خلقي للحياة والفن سيكون لاحقاً حادثة طوفانية بأية مواد كانت (2). لذا لن يبلغ الفنُ مراميه دون " هديرٍ طوفاني " لا يُبقِي ولايذر بحيث يرجع فنياً لكي يستمد طاقاته الخالية من تلك السردية. إنَّه شرر لألوان ترابية أو حرارية ستحرق العالم، فمعظم النيران من مستصغر الشرر كما يقال. هكذا يعدُّ الطوفان فرشاة فنيةً لا تنفث الماء فحسب، بل ترسم الضوء والنار والظلام والليل والنهار والأثير أيضاً. حيث ستبرُق فضاءاتُ الرسوم فترعَد الأشكالُ بالأخيلة والأحاسيس على طريقة الأجواء الأسطورية القديمة.

115 رضوان ابو شويشة 3الاستفهام واضح على طريقة آلهة الأولمب في الميثولوجيا اليونانية: ماذا لو غضب الفنان على كائناتّه التشكيلية؟ كيف ستتم (النجاة!!) فنياً؟ لماذا يكتب أبوشويشه سِفْر الروح بالإغراق اللوني؟ إن الفن عند شويشه مسكون بالاشتغال على صُلب الأشياء والكائنات. إن الخيال الفني لن يفوّت فرصةً، أدنى فرصة، لأجل صياغة الكون. ولو كان موقعه اختياراً لزجَّ الفنان بنفسه  (إلهاً صغيراً) واقفاً على أسرار الموجودات، يتنفس مع أصل الحياة جميعاً وينفث في الكون روحه فتتجسد العوالم والحيوات.

من ثم كيف تصنع فرصةُ الطوفان رحلةً عبر التاريخ في فضاء اللوحة؟

لهذا الأمر عدة احتمالات:

أن يشخّص الفنان حالة العالم في رسوم وتكوينات يراها مهمةً لمعرفة أبعاد الأزمة.

أن ينحت الموجودات بحسب أهوائها في الحياة،  حيث يتشكل بها الحيز الزماني والمكاني.

أن يتخفى كما يتخفى لاعب العرائس وراء الكواليس محركاً الدُّمى بخياله المسرحي.

قد يرسم الفنان نموذجاً لليوتوبيا التي يبتغيها، ليقول للمتلقي: إليك ما أرجو وأتخيل.

أن يترك الفنان الكائنات في أخطائها (وجودها) ولو كانت جميعُها مولودةً من النور.

وأخيراً قد يعابث الأشكال والصور تاركاً لها مساحة اللعب الفني.

115 رضوان ابو شويشة 4

إزاء ذلك راوغ أبوشويشه كافة الاحتمالات السابقة، ليمكث في أوج الطوفان، لم تكن مهمته انقاذَ العالم، لأنَّ هذه مهمة الخالق الأول والأصلي حصراً. بينما الفنان خالق جمالي، فاعل بقوى خيالية، له حيلُّ خبيئة لإدهاش الإنسان؛ أي يمثلّه أمام نفسه. هنا قد يأتي نسغُ الطوفانِ كرد فعلٍ معكوس للحرارة التي عاناها الفنان أبو شويشه في بيئته (منطقة العزيزية-  حي الكدوة بطرابلس) إذ بلغت درجة الحرارة ذات نهار (بحسب جنيس للأرقام القياسية) 136 فهرنهايت، وهي  أقسى درجة حرارة تصهر الكائنات (3).

115 رضوان ابو شويشة 6

لذلك صاغ أبو شويشه كائناته التشكيلية بلغة الماء، بلغة الطفو، بلغة الغرق، بلغة الهوام. إنَّهم عبارة عن: " شخوص في بياض يهبطون من السماء إلى الأرض أو العكس في لون الماء وضوء الفجر اللُجيني" (4). بذات الحروف المائية يستدعي شويشه شلالات أكاكوس  (مدينة ليبية جنوبية قديمة) التي تتكون بعد مطر فجائي غزيز، فعقب سنين من الجفاف عادة ما يأتي يأتي المطر غزيراً فجأة مثلما رسمه في لوحة عام من الثلج (5).

115 رضوان ابو شويشة 7

لقد ترك أبوشويشه اشياءه الفنية  (مخلوقاته) غائمة، رقراقة وراء مياه الألوان وحرارتها. كم  أنسانا هذا الفنان أن للألوان مظهراً، ففضل تقنية الإغراق الخالق، لكن تخلق ماذا بالتحديد؟ ليس هذا استفهاماً مناسباً!!

بطريقة أخرى: ماذا سيُسفْر الطوفان لو كان فناً؟ أيضاً ليس لطوفان أبوشويشه أي أثرٍ إلاَّ الأجواء الرمادية مرةً والزرقاء مرةً والفسفورية مرةً وكذلك الموشاة بالجمر مرةً تاليةً. لا يُحتَمل هذا الخيال الفني-خطأً- البحث عن نتائجهِ وإلاَّ لما اكتسب خطورته الملهمةَ خلال التاريخ. إذا كان الفيروسُ يلون وجودَّه وتلك وظيفة طبيعية بإشارةٍ سبقت، فاللون يرتبط باستدعاء وظائف فنية كهذه (6).

بناء على ذلك، تكاد ألوان أبوشويشه لا تتجاوز كرنفالاً من الهوام الجمالي. لربما كان  للألوان نصيب من اسم الفنان في تلقائيه الحركية اللفظية. فالشواش (الكاوسchaos) خليطٌ إلى حد الفوضى، ليس له معامل ارتباط في أية ظاهرةٍ. إنَّه السديم السابق على التكوين، وبه ينال الكائن إمكانيته وتداعياته. بعبارة أخرى إنَّه هذيان المواد بأبلغ ما ينتج الحدث اللوني من تداعيات وآثار. فالحقيقة مع الخيال الفني تتعاطي اللاحقيقة، والوجود غاص بالعدم، والحياة مترعة بالموت والعكس صحيح.

115 رضوان ابو شويشة 8

ماذا عن أصل اللون حينئذ؟ اللون ليس له سبقٌ، لأنه ولّد ذاتَّه بذاتهِ في أصل العمل الفني. اللون بدون أب ولا أم ولا أخ رغم وصفات تركيبه، إنَّه اليُتم الجمالي العجيب الذي يصلنا متفرداً. في اللون تحيا الأشياء وتتلاشى كما تحيا يرقات الأفكار عبر اللغة. هنا لا ينبغي اغفال ألوان أبوشويشه على مستوى التخييل: فهي المتناثرة، المختلطة، المتناحرة، المتسلخة، المتجلطة، الفائرة، البركانية. هذه قدرتها الفذة على التعبير، على طفر وجودي لا ينتهي بسطحِ اللوحة. الطوفان يتأرجح داخلنا لأننا الآن ورثة الطوفان رغم انقضاءمرحلتهالزمنية، كما قال جبران: " إنما الناس سطور كتبت لكن بماء ". البشر كائنات لونية مائية بحكم فيضان الشعور والغرائز والزمن حتى الحياة كلها مجرد سطور وتمحى مع مرور العمر. بقايا الطوفان هي التي أفرزتنا من رواسبها التاريخية. في جسم الإنسان توازي المياه نسبةَ مياه الأرض (70% تقريباً) بينما لا توازي مساحة الهواء نثار المشاعر والانفعال.

بالتالي لعلنا نتساءل في وقتٍ من الأوقات: أين آثار الطوفان التي اختمر أديمُنا به يوماً؟ لئن وقع الطوفانُ قديماً، فمساواة المياه بين جسم الأرض وجسم الإنسان تؤشّر أننا مازلنا بعضُ الطوفان نفسه من قديم الحادثة الوجودية في السرد الديني حتى اللحظة. وبتقنياته  (الفنية الوجودية) يحرِّك أبو شويشه طوفاننا السحيق الذي يؤجج صورة العالم لدرجة الثورة. ليس لإنسانٍ مهما يكن الافلات منه، فهو يسكننا بإحساسه المائي الطافح. وبذات الأسلوبِ لن ننجو منه إلاَّ عن طريقه، أي حين تتم العودة إلى حالته اللونية الوجودية فنياً. صحيح أن لكل إنسانٍ طوفانه النفسي، لكننا سنلتقي وقت السديم والاغراق والتكوين.

115 رضوان ابو شويشة 9

داخل الأعماق

في لوحات الأبيض والأسود يُطفئ أبو شويشه أنوارَ الوجودِ داخل فضاء التشكيل، ما يفعله بالضبط هو: أنه يسلب الأشياءَ مظهراً نهارياً كان لها، تاركاً الغرق كالليل يأخذ مجراه، حيث يصنع رزازَ الألوان وسيلان الأفق بلطخات الأصباغ. كما في لوحة "عام من الثلج"، فالثلج أبيض عادة، لكنه ينسدل على أرضيةٍ سوداء. واللونان ليسا وحيدين في الأفقِ، هناك لون آخر، لون الوقت، لون التاريخ. فانطفاء الشمس يعني شيئاً ماضياً جاء من قديم، كأنه زمن سينمائي لفيلم من عصور جيولوجية فائتةٍ.

وضمن الإطار سيأتي المتلقي متأخراً عن موعد الطوفان بمضمونه السالف. وبعد الغرق سيجد أيُّ شيء نفسه مُدخراً. لربما هو الراسب الوحيد إثر الظاهرة الكونية الفنية. فاللوحة تدّخِر رؤيةً متلاطمةً بين أمواج من هنا وهناك. اطلق الفراعنة على كتاب الموتى " الخروج إلى النهار"، فالنهار كان قيامة ضوئيةً لنهاية مليئةٍ بالتحولات. نهارات أبوشويشه تشبه نهار الفراعنة شبه المظلم من واقع المعنى الغسقي الذي ينتظره. واللوحة تشكل قيامة وراء الأفق دون موازين أخلاقية، إنَّها مرحلة من المصير اللوني لحياة حافلةٍ بالمفارقات.

115 رضوان ابو شويشة 10

كيف إذن ستتقلب الأشياء في أتون الطوفان؟ يملأ أبو شويشه فضاء اللوحة بالأصباغ  اللونية، بتجمعات وتضاريس مسرنمة (السير نوماً)، فلا تكاد تقفز تفاصيل ولا عناصر.  لكن هل يترك الفن الوجود الإنساني سرابياً؟ صحيح لا معالم بارزة هنالك من واقع السديم اللوني، لكننا بالتأكيد خاضعون لعمل تشكيلي مغاير.

رسوم شويشه تستحضر غسق العالم وولادته خرقاً لحاجز الجنون الهادئ. إنها ممارسة شيطانية للتدخل في قوانين الحياة والموت والليل والنهار والشمس والضوء. إنَّ فيزياء الدماغ  التي تتشكل مع الحياة بلا وضوح متواكبة تشكيلياً مع فيزياء اللوحة، غير أنَّ لكل فنان آلياته النوعية بما يلائم المعالجة خارج الأُطر المعتادة.

115 رضوان ابو شويشة 11

إذ ذاك كثيراً ما تماثِل الآليات الفنية آثاراً لسيولة الأشياء، أشياء تعجنها أمواجُ الألوان. بهذا يرتهن التذوق والتكوين الفني بالوسيط المائي الحالم. ربما لا نتبيّن أبعاد الموضوع الغارق، لكن فضاء اللوحة يهجس بمضمونه الأزرق في أغلب الأحول. ليس هنالك إلاَّ الماء سواء عايناه بجلاء أم بقي ضبابياً، سواء أكان قاتماً أم شفافاً كبخار الصباح الخارج لتوه من أنفاس الطبيعة.

هذا الاسلوب الفني- الوجودي له مميزات، منها أنَّ وسيطاً مائياً يبلل الإحساس تجاهما يطرحه من قت لآخر بلعبة الايهام (7). وتُضيّع سماته قواماً أصلياً للرؤية لتتبلور وفق الحالة الجديدة. وإذ يعتبر الوسيط المائي مبثوثاً إلاَّ أن زفراته تهدد الرؤية على محك الاختبار. لأنَّ فيضاناً ماثلاً فيه نّهِمٌ للعصف بالواقع ولتدمير احساساتنا الجاهزة.

ومنها أيضاً أنَّ الطوفان الفني يستدعي طوفاناً تاريخياً في تماهٍ وجودي نادر. فلا ينجو الواقعُ من الآثار المترسبة على ضفاف الرسوم. إذ تمتد اللوحةُ بامتداد جذور الذاكرة. وهذا به نوع من التحرر الفكري والذوقي والحسي. لأنَّ إنساناً قد يفكر بأسلوبٍ تجزيئي في غالب الأحيان، وقد يقتصر وعيه على ملء ثقوب نظرته وثغراتها، لكن حين تعطيه اللوحة فيضاً شعورياً جذرياً، فإنَّه يتحرر طوفانياً من قيوده. لقد أرجعته إلى نقطة صفريةٍ لن يجدي التفكير معها تجزيئياً. كل شيء تحوَّل إلي لا شيء، حلَّ العدم بجرةِ لونٍ كوني لا خلاص منه. كذلك سيلتهمنا الغرق داخل التيه، يدفعنا سباحةً عبر أثير الإضاءات الجوانية، فوق ذلك نمضي مع خيارات التكوين المحتمل.

وسيسبح الغارقُ في الفراغ المُلون مع حساسيته الجمالية. تأتيه الزيادة بحكم غرقه في الوسيط الهلامي إذ سيكون أكثر انتباها واستنامةً بالمثل، سيعبُر حواجز الرؤية الواضحة. لعله سيدخل برزخاً لونياً إلى أنْ يعتصر معاييره الجمالية العادية ليواكب الوسيط. أهو نائم لدرجة غياب الوعي، أم يقظ داخل نوم عميقٍ؟ المتذوق يتقلب متجولاً بفيض اللوحة الخاص.

فالشفافية حين تسربل التكوين الفني فهي مسألة تجربة لا تلقٍ. وإذا كان الوسيط أثيرياً فلأنَّه معقد، وملتوٍ، وغير قابل للامساك به. أقرب سماته أنَّه غامق بلا بداية إلى درجة العمق الشفيف، الرهيف أحياناً، إذ تنشأ موجوداته في الظهور كيرقاتٍ وهوائم. فالكائنات هُلامية، بل التصورات ناتجة على المنوال ذاته. وريثما يستفيق المتلقي من ذلك التكوين، سيجد نفسه  إنساناً حالماً، هذا الحلم الأدنى إلى الأثير المُلغز منه إلى شيء آخر.

روح بلا كيان

يغدو الطوفان حالة كونيةً متجددة طالما كان خيالاً فنياً. في رسوم أبو شويشه تتجلى محتوياتها ككائنات بحرية نورانيةٍ، لفظتها الأمواجُ على شواطئ فضية بلا ضفاف. الأكثر من ذلك: هي تترك الامواج ظلالَّها على أي شيء بإمكاننا مصادفته.

فعلاً ألقت الأمواج  في لوحات أبي شويشه بقاياها على معالم الحياة، فالضوءُ شلالات وقد ترقرقت حتى غامت في كثافة الجو النفسي للوحة. وكنا خلالها على موعدٍ لانبثاق شيء ما، لميلاد كائن، لبروز كتله ضوئيةٍ واسعة الانتشار. لكن الكتلة ليست كتلة معروفةً، هي نسخة طوفانية فائرة إزاء المتلقي كأنها مخاض جديد، علاوة على ذلك يظل الكائنُ سائراً في فضاء مفتوحٍ.

أما الضخ اللونيُ ذو الثبات النسبي مثل الأزرق أو الرمادي القناني خلال رسوم أخرى، فهو اختفاءٌ لتضاريس الخيال، لقد أذابها الطوفان عند خليط لوني بارز. وغياب التضاريس يعني "حالة المحو" التي يتركها لمرحلة تالية. المحو هو طاقة الافراغ والمسح والكشط وإعادة التهيئة، كل محو عملية نوعية لمهام خاصة بالزمن الآتي.

115 رضوان ابو شويشة 66

ويُسبب الطوفانُ يظل ذلك الأثر واقفاً لدى مفترق التحورات. يرجح العهد القديم أنَّه بعد الأمر الإلهي لنوح بركوب التابوت (السفينة) ومعه بعض البنين والبنات والبهائم والدواب والطيور، سيمطر الله الأرض أربعين يوماً، وأنه (سيمحُو) جميع ما يقوم مما خلقه على وجه الأرض (8). هنا يمارس فن أبوشويشه اغتسالاً ضوئياً على ذاكرة المتلقي، إنَّه المحو الذي قاله الرب إزاء العالم. ولو كان الطوفانُ ذا ممارسة كونيةٍ، فالفن ممارسةٌ عبر كونية الإنسانِ. لكن: ما العلاقة بين الماء والضوء؟

العلاقة قبل أبو شويشه علاقة تولُّد وانصهار، حيث يَموجُ الماء كالأضواء المعكوسة والمنصهرة من واقع السيولة، ويستمر الضوء بوصفه قطرات (فوتونات كما يتصور ألبرت اينشتين) حرارية تُضيء وتشتعل في الهواء. أورد العهد القديم كذلك أنَّ الله خلق السماوات والأرض أولاً، أي عنصري الهواء والتراب، ثم ترجمَّ العنصرين إلى الضوء والماء جنباً إلى جنبٍ: "كانت الأرضُ غامرة مستبحرة وظلام على وجه الغمْر ورياح الإله تهب على وجه الماء، فشاء الله أنْ يكون نور فكان نور" (9).

بواسطة طوفانِ الأضواءِ، يتخفف تعبير اللوحة من ثقل المادة وخشونتها، التعبير الضوئي يشي بالسيرورة. فالنار- بفلسفة هيراقليطس- لهب ينعكس فيه قانون التغير (10). الضوء شعاع للأمل المتحول، وبإمكانه استحضار الماوراء وسط غلظة العالم رابطاً الإنسان بالعلو. يتذكر أبو شويشه حالة الحرارة المرتفعة في مدينته: عندما كان يشتدُّ الحرُ كنت أتشرد مثل صوفي سكران بعناقيد النجوم، عناقيد من أطياف الأضواء (11).

115 رضوان ابو شويشة 13إذن يتطاير الطوفانُ كأشباح لنقوشٍ ضوئية وتلوين اتٍمُشعة. فتترك في لوحة أو غيرها خربشات وخدوشاً بدئيةً بعد اغتسال الأفق ضوءً وماءً. الخدوش آثارٌ نازفة لا تلتئم، كتابةٌ تشكيلية للأشياء ضمن نسيج الوجود الحي. لتحتل حروفها فضاء اللوحة إجمالاً، وتستحيل من حينٍ لآخر إلى علامات غائرة كجروح بلا جسد لجلد كوني ضخم، رقائق منشورة معبرة عن شيء ما... ما هو؟ لا نعرف إنما تقف علاماته كمنحوتات بارزة للروح الطلْق.

لعل الطوفانَ يمتصُ الأجسام والأشكال ويذيب التكوينات، لكنه بالمقابل طاقةٌ روحيةٌ ناريةٌ في أعماق الرسوم، فيُسيّل سطحها الأزرق كما يُسيّل أسطح فضيةً وذهبيةً وقرمزية وغيرها. ومع تلاشي التكوين نحسه سارياً وراء تراكمه النفسي الناجم عن المُشاهدة. اللوحة تجسيد لشاعرية مجردةٍ داخل إطار هو العالم قبل تكوينه بالمواد اللونية، شاعرية تحملها الفرشاة فتؤديها الصورُ روحاً بلا كيان.

فيبرز الرسم ما ينبثق كما لو كان نقشاً كتابياً عتيقاً على صخور مدينة الأثار أكاكوس (12). الرسم لدى أب شويشه لا يكتب مضموناً لكنه يتمتم، يغمغم به إلى نهاية المطاف. فلا يوجد شكلٌّ بعينهِ، جميع فضاء اللوحة شكل ومضمون في ذات الوقت. إنَّ انبثاق المضمون جعل أيَّ خدشٍ يومئُ إلى محيطهِ اللانهائي، حيث نعجزُ عجزاً مزرياً عن تمييز أين تتوارى  مساحة اللوحةُ وأين ينبثق طفر العالم!!.

 

د. سامي عبد العال

............................

1- رضوان أبو شويشه أديب وفنان تشكيلي ليبي، كتب القصة القصيرة والشعر والمسرحية والمقال. طاف وإقام عبر بعض البلدان الأوروبية والعربية: ايرلندا، ألمانيا، الدنمارك، بريطانيا، المغرب، اسبانيا.  ومثلما أخذه التجوال عبر هذه البلدان كانت له حواراته مع مبدعين عالميين أمثال  لويس بورخيس، خوان دي لوكا، داريو فو، شيمس هيني، الطيب صالح، عبد الوهاب البياتي والفنان فرنسيس بيكون. نُشرت مؤلفاته بالإنجليزية قبل العربية مثل مجموعته القصصية (ملك الموت the king of death دبلن 1975) ومجموعته  (موجة حب إلى غرناطة) التي تُرجمت إلى الاسبانية ثم (الشعب الخفي 1978). بدأ الرسم التشكيلي خلال مرحلته المتأخرة من مسيرته الإبداعية.

2 - ارتبط الطوفان رمزياً بالتطهر والعودة والإنشاء. وبحكم ايقونته المائية كانت دلالته قابلة للاتساع تاريخياً. فالماء سائل شفائي ووسيط بالغ السحر والصفاء وحين يذكر يتعلق بالتجدد والحياة سواء أكانت دنيوية أم أبدية. جري استعماله كرمز ثقافي وفني وكوني ومقدس في أغلب الثقافات من بابل إلى الفراعنة مروراً باليونان  وليس انتهاء بالثقافات الأمريكية اللاتينية القديمة. وأبرز سماته الشفافية والنقاء والمغزى الأثيري والتموج، من ثم تصبح ثمة علاقة بينه وبين عناصر الكون. فمثلا الايقاعات القمرية (الضوئية) والمائية أوركسترالية يجمعها مصير واحد، فهي تأمر بالظهور والزوال المرحليين لكل الأشكال وتعطي المصير بنية دورية.

جان صدقة، رموز وطقوس، دراسات في الميثولوجيا القديمة، رياض الريس للكتب والنشر، 1989. ص 26.

3-  أبو بكر حامد كهال، حوار مع رضوان أبو شويشه، جريدة القدس العربي (6 مارس 2014)، على الرابط التالي: www.alquds.co.uk?p=140672.

4-  المرجع السابق، الصفحة نفسها.

5-  المرجع السابق، الصفحة نفسها.

6- فالماء دوماً بلون الغرق كما يقول سيوران، والمهم بعد الاغراق وضوح رواسب اللون على كافة مظاهر الحياة، ليست  القضية أن سببه الماء أو الأضواء أو الرياح الأهم ماذا كان اللون. ولقد عبر سيوران بشذراته الفلسفية عن قضايا فكرية وتاريخية وحياتية بهذا المعنى. إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ترجمة آدم فتحي، منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا، 2003.

7-  يقول دي موباسان إنَّ جعل الشيء حقيقياً يتضمن الإيهام الكامل بالحقيقة....فكل واحد منا – حتى الواقعي- يصنع لنفسه ببساطة إيهاماً بالعالم، وهو ايهام شعري عاطفي حافل بالفرحة والحنين السوداوي وليس للكاتب إلا أن يعيد بإخلاص انتاج هذا الايهام بطرائق الفن التي تعلمها والتي يستطيع استعمالها.

مقتبسة في: بيير بورديو، قواعد الفن، ترجمة إبراهيم فتحي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الأولى 2013. ص 433.

8-  العهد القديم (الكتاب المقدس/ سفر الخليقة) طبعة 1811، الفصل (آ)، ص20.

9-  المرجع السابق، ص 16.

10-  فالأشياء تجري عوضاً عن النار والنار تتقلب عوضاً عن كل الأشياء. وفي سياقنا الفني يقول هيراقليطسبإحدى شذراته: موت النار ميلاد للهواء، وموت الهواء ميلاد للماء".

Charles H. Kahn, The Art and Thought of Heraclitus (An edition of fragment with translations and commentary), Cambridge university Press, Cambridge, London, New York, 1979.P 47.

11- أبو بكر حامد كهال، حوار مع رضوان أبو شويشه، جريدة القدس العربي (6 مارس 2014)، على الرابط التالي: www.alquds.co.uk?p=140672

12-  لقد شكلت تلك النقوش الصخرية خيالاً فنياً، حيث كان أبو شويشه حريصاً على مشاهدتها باستمرار، والخيال مليء بصور  تجسد نمط الحياة والسلوك. فالفنون الصخرية القديمة ترتبط – كما يول توماس داوسن- بتجسيد الذاكرة في الخارج externalization of memory وكان هذا التجسيد أصل تطور الفنون لاحقاً.

Thomas A. Dowson, Rock Art.  In, Cognition and Material culture: the archaeology of symbolic storage, Edited by Colin Renfrew and Chris Scarre, McDonald Institute Monographs, London, 1998.PP 67-69.

 

 

 

2576 مرعي التّليْسِيالحياة فن: دون الاهتمام بالفنون قد تخبُو روحُ الحياةِ لدرجة التلاشي، أي دونما علاماتها الابداعية التي هي أنتّ أيها الإنسان. فالفن يستقْطّرُ كثافةَ الحياة المتنوعة داخل شخصك المُفرد، فتبدو إنساناً ذا معنى قُبيل أيَّة مغادرةٍ لذاتك. سيفترضُ كلُّ فن أصيلٍّ كونّك هكذا، لأنَّ عالَّمك أصداءٌ لهذا الروحِ وسْماً وظِلالاً. والفنون إجمالاً ترسم عبر هذا الفائض الابداعي حدودَ العالم وزخمه الحاضر حتى في أدق التفاصيل. إنَّ لوحات الفنان التشكيلي الليبي" مرعي التّليْسِي" (1) تبرز ذلك الــ" أنت"، عاكسةً معانيه الزاخرة بالوجود. حيث ستنبض التواريخُ والأمكنةُ والأزياء والمواقف والظلال والأطياف بالواقع الحي. شُخُوصه التشكيلية ترْسِم فضائها الأثير، تدلُقه دلقاً بغزارةٍ دلاليةٍ أمام النظر والإحساس، وفي غير لوحةٍ، ربما تكون شخوصاً قريبةَ الشبّه لبعضها البعض، بيد أنَّها بالغةُ التعبير عمّا تحيا.

كلُّ وجه لدى التليسي ناضحٌ بأعماقه الغائرةِ، تبدو الوجُوه بصمات لأحوال السعادة، الحزن، الصمت، الجرأة، الكلام، البساطة، الحركة، التأمل، الفعل. وجميعها درجات مبهرة من المعاني الحرة، إذ تُسرب المفرداتُ همساً لونياً حول ما ترسِم. فليست أزمنتها دانيةً، إنما تتجلى مع انكشاف الحياة وجدل العلامات ضمن أغوار التشكيل. دوماً الزمن الفني مشحونٌ بأجواء إنسانيةٍ إلى ذروة الإدهاش، فاللوحةُ انطولوجيا المعيش عبر رؤية جماليةٍ تُكثف معاني الإنسانية. وكأنَّ هناك أناساً آخرين- بجوار الوجه الرئيس- تمتلئ بهم اللوحات رغم عدم وجودهم بشكل ملموس. يتضح ذلك مع نظر الوجود والملامح المعبرة عن الغائب بحكم أن اللوحات لا تستطيع نقل كافة جوانب الحياة.

114 مرعي التليسي 1

ثمة معالم كهذه في لوحة " تّرْنِيمة لبلادي"، وهي تنقش هدفاً ضمنياً يلون تكوينها، هدفها هو الأمل المنشود للبلاد، للوطن (ليبيا التي أرهقتها الأحداث والأزمنة) في حياةٍ أفضل. لكن، لِمَ الحياة تحديداً رغم تنوع عناصر اللوحة؟ إنَّ المُعطى الدلالي وراء الأشكال يتجاوز النغم البسيط. حيث تتيح شفرات النغم والحياة توزيعهما الرمزي لأي لحنٍ آخر، وطناً كان أم إنساناً، أم عالَّماً متخيلاً.

ورغم كونِّها لوحةً واحدةً إلاَّ أنَّ" الترنيمة" تؤلف  (فيما أرى) مجموعة لوحات فنيةٍ في إطار واحد. دوماً صيغة الجمع بارزة فيها لا نبرة الإفراد،  لأن الحياة  مهما دقت وصغرت ليست حداً مفرداً، بل قصاصات إنسانية انفصالاً وتقاطعاً. وسيغدو ثراء الصيغة آلية للتلقي، بل ستغوينا إلى داخلها دون إبطاءٍ. إنَّ الفنون مثلها مثل الحياة، لن تَحُول المشاهدةُ المتأملة من بعيد دون الغرق فيها. هكذا يعرفنا الفنُ التشكيلي فيما نعيش تلبيةً لإغواء النظر الحي، حيل الإمتاع الإنساني ومتعة الجميل، أليست العين هي نوافذ الرغبة، الحرية، الحب، الدهشة، الحنين، الاندهاش؟

114 مرعي التليسي 2

 (ترنيمة لبلادي)

إن الوطن هو أكبر حيلة جمالية حية لتجسيد وفتح جميع الأخيلة والنوافذ في التاريخ. كيف نفك شفراتَّ هذا التجسيد الفني؟ هل الترنيمة تراتيل للألوان والأشكال والواقع المأمول؟ هل سيبدو العالم  (عدداً ونغماً) بإشارة الفيلسوف اليوناني فيثاغورث؟ كيف يجري ذلك مع الهدف الضمني للوحة المشار إليها تواً وفي غيرها؟

لعل خطورة الفن أنه يعبر برموز أوليّةٍ جداً عن قيم الجمال الأكثر تعقيداً وغنى. وهذا في الحقيقة ما يميز الفن الأصيل: أن تكون بساطة الأشكال معاني غائرةً حدَّ الإعجاز للإطلالة على المستحيل والعجيب. فالترْنيمةُ بفحواها الغنائي لدى التّليسي إيقاع دلالي لمقولة العدد والنغم. يظهر العددُ خلال رتم الزمن الذي لا يفتأ متجاوزاً  بينما يسري النغم عبر إيقاع الحياة داخله. الاثنان  (الزمن والحياة) يتماهيان ويخلعان على علاقات التشكيل الفني وشْماً ما. فهذه اللوحة البسيطة تحكي وتسرد تاريخاً من التحولات في الثقافة الليبية وتستحضر الغائب ولو كان مأمولاً.

114 مرعي التليسي 3هناك أصداءٌ للترنيمة تتعلق بأسرار الحياة من جانبٍ، ومن جانبٍ آخر تقتحم الواقع المعيش راصدةً لآفاقه. إنَّ الترنيمة تختزل في حلمها المأمول للبلاد  (ليبيا) أطيافَ الجانب الثقافي والمقدس والكوني (أي تُجدِّل الدنيوي واللاهوتي والوجودي). هي ترنيمة لطقس الحياة الذي يحتفل به الإنسان منذ حفرياته الأولى في الوجود، ويبدو أنه سيستمر في الاحتفال به حتى النهاية. لهذا ستقول كل ترنيمة من هذا النوع سياسياً ومعرفياً ما يتعذر قوله بأية وسيلةٍ غيرها. لا شيء تاريخي بإمكانه أن يحجبُ جسم العالم، لأن مفرداته ستكون  (عارية ورمزية) في الفنون التشكيلية بأثرٍ رجعي وإنْ قابلتنا خلال الزمن الراهن.

كلُّ فن حقيقي يعد مميّزاً في السرد الرمزي لعوالم الإنسان، لأنَّه يُفصِح عما يعجز سواهُ عن كشفه. يستحيل للفنون أن تتماثل لدرجة التطابقُ، نظراً لاستحالة استنفاد طرائق التجلي بينها إزاء موضوع واحدٍ. وهذا ما أعطى لـ (مخاض الحياة) في لوحات التليسي أولويةَ اللون، بكلمات أخرى أساسية  الفعل اللوني، طالما تؤدي الألوان دوراً متفرداً في الفنون التشكيلية. واللافت للانتباه ليس تكوين لوحة ترنيمة فقط، بل مضامينها الثائرةِ صمتاً كذلك. ومن ثمَّ على المتذوق أن يتساءل: بأي اسلوب يعدُّ اللون غناءً وصدى ثورياً؟.

الترنيمة كمعنى في اللوحة هي عزف الألوان لتجارب الحياة بين العصور المختلفة اتصالاً برؤى الوطن المُنتظّر (ليبيا في المستقبل). وبالأدق هي سترسِم ذلك بتباين علاماتها داخل طيات وجغرافيا التشكيلات اللونية. إذا انتبهنا سنجد لوحة (ترنيمة) حواراً، جدلاً صامتاً يقدم نفسه بقوة بين الإطالة والمعاصرة، بين القديم والحديث، بل تعد انتقالاً مضمراً بين الصور الفرعيةِ (المعلقة يميناً وشمالاً) لأجل التحليق بعيداً؛ أي من حيث أنت تشاهد (فقط) إلى حيث الانطلاق وتحول المضمون. ليس عالمها المتخيلُ طقساً فورياً، فهناك أشياء أخرى كما عساك أن تراقب،  كما أن هذا العالم ليس فراغاً بالمثل، لكنه سيناريو تاريخي للتعبيرات الفنية الدالة. لأنَّ الوظيفة الفنية للتشكيل تُولّد سكوناً وحركة بين مفردات اللوحة. وبالتالي ستُنوع الارتباط الشعوري والجسدي، المرئي والمتخيل، الوهمي والمتعين في التفاصيل، باعتبار الصور الفرعية لا تنتهي إحساساً، ولا تحدد فاصلاً لعالّمِها الخاص. 

114 مرعي التليسي 4فعلى اختلافها ستكون لصور الترنيمة في تلك اللوحة حركتان. إحداهما في ذاتها ككل  (وبخاصة إذا نظرانا إلى اللوحة في تكوينها العام), حين تُشْعِر الصورةُ التي تجسدها الترنيمة أمام المتلقي باستقلالها، فهي شريحة لونية عامة منجزةٌ ضمن الأداء الفني. أمَّا الحركة الأخرى فتضعه في لقطةٍ تاليةٍ؛ أي نقرات واسعة النطاق لحوارٍ لم ينقطع والرسوم المجاورة (حين ندقق النظر في أزمنة وماهية الصور داخل هذه اللوحة العامة). ومن ثمَّ، لن ينعزل أي إحساس واحد عن سواه من أحاسيس. لأنَّ ما يلامسُ صوراً داخل الصورة الواحدة ليس التجاور إنما الصدى الزمني المُترّحل بين صورة فرعيةٍ وغيرها، أي الصدى المتقاطع مع لاوعي المشاهد، فالصدى يسير ناحية الانعتاق (ثورة الحلم بالبلاد) من مرحلة لأخرى.

بالطبع سنتابع داخل الترنيمة توليفاً جدلياً للنغمة الواحدة  (صور مستقلة) والنغم ككل. وعليه سيتضح التوزيع لإيقاع داخلي حين نرى صوراً صغرى بعناصرها وبالإيقاع العام للرسم. كأنَّ الترنيمة الفنية رحلةٌ إلى " خارج هذا الداخل "، تقول للمتلقي: سِرْ حيث الأفق المفتوح إذ يترنّم المعنى، وبإمكانك أنْ تقطع عصوراً إلى حياةٍ جديدةٍ لن تتأخر. وهنا سيعلن الفنان التليسي عن حلم دول ليبا مرحلة الحداثة وبناء المجتمع بما يواكب العصر والحضارة.

كل هذا نراه في مفردات لوحة ترنيمة كما يلي: هناك فخار قديم معبر عن مرحلة غابره لها حثياتها التاريخية، وقد تهشم الفخار عن بكرة أبيه ولكنه ما زال يحمل بقايا عصره وأنَّ هذا الفخار  أحد شفرات الحياة الماضية. لأنه من صنع الإنسان وكان محط رغباته سواء أكانت حسية أم غير ذلك. وكان الفخار يرتبط بنمط من العيش البدائي إلى حد بعيد. ثم هناك قدرات أخرى وفرتها الحياة من خلال الأطر الملقة في يسار اللوحة لكن المضمون المفترض وجوده لم يقبل التأطير المحدد له. لقد سقط آملا أن ينفتح على شيء مغاير... وهكذا يكون الجدل فاعلاً على الصعيد الزمني والفني. وهو النغم كما قلت بخصوص ترنيمة خارج الإطار وغير تقليدية وتنقل معها البلاد  (ليبيا) إلى آفاق أخرى كما سأحلل تباعاً.

الحياة أنثى

114 مرعي التليسي 5ربما يظن المرءُ أنَّ حياتَّه لوحةٌ بوسْم بارزٍ، سيكتشف أنَّها مطوية زمنية لا تُستنْفَد أشكالُّها. اللوحة والحياة كلمتان مؤنثتان، بالتالي ليس مصادفة ارتباطهما تأسيساً على المواقع الأنثوية للدلالة. هناك المرأة، الطبيعة، الجمال، الحياة... هل يوجد فرق بين تلك المفردات؟ الإحالة بينها ستسمح بأي دالٍ جديد: هناك البلاد، الدنيا، الرغبة، السماء، الثورة، الحرية، الخروج من الإطار.

الأنثى نبعُ الفن المتجدّد في التاريخ، أعطته تأويلاته الثورية وشكلت كعلامةٍ مختلف أقنعة الحياة والوطن. الأنوثة هي الكثرة حين الوحدة، هي الطبيعي عند التحول، هي اللون في انغلاق الجوهر، هي الأطياف في مرايا الأسطُح، هي الالتقاء والافتراق جنباً إلى جنبٍ. وتلك الأعماق أصيلةٌ أصالة المواد الأولية للكون. فمنذ أنْ وُجد عالم إنساني امتزجت الأنوثة بالأشياء جميعاً، حواء كانت المصدر للحياة والموطن والأرض والاقدار والتواريخ.

على هذا الغرار ثمة مكون مهم في لوحة ترنيمة، إنّه الأنثى في نقطة المنتصف منها، فهي عمق التشكيل الفني. إذن بأي مغزى تطل امرأة أمام كثرةٍ من الأشياء الملقاة؟ الكثرة تجمع الطيني والرملي والهوائي تحت ظلال السماء، إنها عناصر أولية لعالم نابضٍ بالطبيعي والتلقائي. لا شيء يقف هناك وراء الرتوش ولا شيء يُغطّى بإهاب سميكٍ. ولئن تمَّ هذا، ستطرحه الدوال جانباً عائدةً حيثما كانت. عنصر الطين البارز في القلب من اللوحة يمثل ثباتاً على أرض أفقية؛ أي هو العنصر الترابي  (الخَلْقي-  من الخلق) بامتيازٍ لاهوتي وبشري، فوق ذلك يرمزُ إلى الخير والنماء والتطور نسبةً إلى الزراعة. ثم ينتأ التدرج المجاورُ لنرى الصحراء رمالاً منسابةً بين وهدةٍ  وأخرى فيما وراء هذه العناصر. والطين هو الأصل كما أنه علامة تحول الرمال إلى أراض زراعية ثابتة تنبئ بمستقبل زاهر.

كأنَّ السير عمقاً يقفز بنا إلى فوقٍ بعيداً عما مضى، يرشقنا نحو غيمات السماء، ألوان القدّر المرتجى. لأنَّ الانتقال من الرمز الأفقي إلى الرأسي لن يتم صدفةً بين ليلة وضحاها. هو مقصور بتحليق الطائرة كرؤية هائمةٍ ستبقى عالقةً (وهنا رمزية الطائرة في اللوحة). فالطائرة بكيانها الفني فكرةً قيد الهواء، حياة سارية عقب تجاوز الوسط. وما أنْ ينظر الرائي إلى أسفل حتى تشده عالياً، كي يتسق النظر مع الوضع الأوفر مجالاً وحظاً بالمثل. لعلَّه انفتاحٌ الرؤية الذي يُباطّن حافته بابان أزرقان خفيفان أقل لونيةً زرقاء من الفضاء. والبابان يتركان باللوحة ظلين مشرّعين على السماء ومؤديين إليها في النهاية. أما اشتراك لون البابين (في اللون الأزرق) مع الفضاء فيعطيهما عمقاً فسيحاً، لأن الزرقة رمز الغموض سواء في السماء أو البحر أو الآفاق البعيدة. إنَّ المادةَ البصرية لا تُظْهِر أيَّ فارق إلاَّ في الدرجة. هنا ليس صعباً معرفة كون البابين طُرِحا للانطلاق، لأنَّهما في حالة انفتاحٍ دائمٍ، يردِّدان: السماءُ لا تنتظرُ أحداً، هي لا تُغلّق أبداً... فليكُّن تحْلِّيقُك بعيداً أيها الإنسان وألَّا تقف عند مرحلة دون أخرى.

114 مرعي التليسي 6إذن هناك اجواء تمس أعيننا بإطلالة أنثوية مباغتةٍ. ذلك أمام كُتل السحب التي تشي ببكارة السماء القريبة. والأزرق يضم الصفاء ودلالة البحر وهو العنصر الآخر؛ أي الماء إضافةً إلى الترابِ والهواءِ. أما النار فهي طاقةُ الحركة حين تنفثها الطائرة، وهي أيضاً عين الأنثى إذ تعكس ابتسامة براقة. هذا على افتراض ارتباطهما بروحٍ هو الحياة وبوجه ساطعٍ لن يخلف دلالتَّه المغايرةَ. فالفضاءُ وعينُ الأنثى يرميان إلى تعليق النظر وجذب المتلقي لإشعال أنفاسه صوب السماء. إنَّها الاقلاع بالبلاد إلى المستقبل. فأغاني الحياة، بهجة الإنسان، غوايات الرؤية أكثر أثراً، يعضدها كون الأفق مفتوحاً بلا نهاية. كما أنّ الأنثى ترشق يدها تاركةً العمق بالداخل، إذن ماذا سيكون الأثر سوى العمق نفسه؟

وعنوان اللوحة "ترنيمة لبلادي" دال لغوي فني متصل.  صحيح حلم البلاد في غد أفضل لا يظهر بجلاءٍ، لكنه سيظل أملاً يرفرف كالعصافير في التفاصيل. وحين تمثله المرأةُ يغدو دالاً مُنتجاً لمدلولات التشكيل الفني. المرأة تحمل دلالتين: دلالة الرغبة في الحياة (ومشتقاتها الإنسانية الأخرى) ودلالة البلاد (ليبياً المستقبل بمعانيها المُشرقة)، ناهيك عن دلالتها الكونية كأنثى. بهذا القصد كانَ الدال الرئيس في لوحة ترنيمة لبلادي هو امرأةً عصرية تعبيراً عن الوطن. وعليه فالدال الأنثوي عالم يصوغ نتاجَ الدوال الفنية الأخرى. إنَّه المعجم السردي، الرتم الغريزي الحكَّاء الذي لن يتوقف عن قول ما لم ندركه. المرأة أصل الحياة، تهب الحياة للآخرين أطفالاً، رجالاً، مجتمعاً، إنسانيةً، كما تهب البلاد الحياةَ لأبنائها. أمَّا الابتسامة فإشراقة العين مع أعماق المرأة- الحياة؛ أي مستقبل البلاد بقوة البصر نفسه. ماذا ستسرد الأنثى، ماذا ستحكي اللوحةُ؟!

114 مرعي التليسي 7

الحياة سرد

في واجهةِ اللوحة تبدو "الترنيمةُ" صورة  كبرى تضم الأفق والعتبة وإطلالة المرأة، ثم لوحات بالجانبين. إذن يد المرأة هي يد الزمن المحكي، شفرة السرد كمفتاح. إنها تظهر كخيطٍ سيميائي ضمن علاقات التشكيل الفني والاجتماعي والسياسي بالتساوي. اليد ظاهرةٌ كرمز يربطنا مع الداخل والخارج، وبها ستصبح لدينا فاصلة فنيةٌ تنقلنا بين اللوحات على مساحة أوسع. لأنها يد الإنسانية فينا رغم كونها يد أنثى بالتحديد.  وفي هذا لعلنا نلاحظ أناملها تأتي كمعطى خارج (الباب) الفُوّة الوسطى، وهي إشارة إلى الاتصال بالعوالم التاريخية المرسومة شمالاً ويميناً. بالتالي، فيدّ المرأة هي يد الحياة التي  تفسر سيناريو الصور في مسلسل التاريخ من القديم إلى الحديث. يدعم ذلك المعنى ذيل طائر (أو ما شابه) على الضفةِ المقابلةِ بجوار الفخار، منعكساً هو الآخر في العمق.

واليد كفاصلةٍ حية تشعرنا بأوجه الاختلاف الموسوم فنيَّاً. وتُرهص كذلك بالزمن الآتي، وهو ترسُب الظلال على جميع وجه اللوحة. هنا يبدو التغيُّر الذي ينتظره الفنان لبلاده وشيكاً مع لوحة جانبية ملصوقةٍ بفعل فاعل. غير أنَّ الفاعل الفني (الفنان) يسمُ معانيها كأنَّها كُولاج collage له بصماته التعبيرية. ونحن إذ نرى لاصقاً ندرك وراءه بُعداً رمزياً، وما لم يكُّن واضحاً، فاللصق يعني بقايا الزمن. لا مفر إذن من لصق التاريخ على ما يبدو في التفاصيل الصغيرة، ولا سيما أنَّ باللوحةِ تمثالين لإنسانٍ (امرأة كذلك) ولغزال كإيماءة لوضع تراثي ماضٍ، كما أنَّهما لا يتحركان بموجب نحتهما البرونزي البيّن.

واللصقُ الواضح للصور الجانبية ينقل سكوناً فوق سكون، فمثلما لا يتحرك التمثالان، فإن لوحتهما الورقية تنْزع عنهما فتيل التأثير من أول وهلة. لأنهما أصبحا من تراث الماضي، مع ذلك تكمن كلُّ قيمة لهما في تاريخٍ نمر خلاله حتى نقابل عمقَ اللوحة الكبرى (عصر الحداثة والتطور). والمقارنة بين امرأة التمثال البرونزي وامرأة السماء (الأنثى الحية من لحم ودم) توضح: أنّ الأخيرة أكثر حداثةً، وتعيش عصرها الزاهر مع أناقة باديةٍ للعيان. ولن تُخطئ العين أن هناك سُترةَ عملٍ ترتديها كأنَّها ستقي صدراً (هو صدر الوطن) من غوائل الأيام، وتعدُّ في الوقت نفسه جزءاً من الحلم بتقدم الحياة. باعتبار أنّ حلماً هو البلاد المتطورة لا الحجرية التي تحمل قدرها متجمداً. وهو كل ما يرجوه الفنان لإنسان ليبيا ومجتمعها الواعد. ولا يجب الكف عن الحلم في هذا الاتجاه مهما تكن الإحباطات.

114 مرعي التليسي 8

وفوق لوحةِ التمثالين  في الترنيمة تُعلّق شقفةُ (كسرة) فخارٍ، ليست مكتملةً لكنها ترمزُ إلى عصرٍ قد ولى أوانُه. أداة الفخار تستدعي خلفية البلاد (ليبيا) كما كانت بداية الثقافة طيناً كمادة بسيطةٍ. والأداة تدل أيضاً على نمط من الحياة الإنسانية كان سائداً في زمنها الفائت. وتحرص اللوحة على أن تحتفظ بجزءٍ من الفخار، بينما أتي الزمن على الباقي كما أبلى أناسه القدماء. فالصلصال مادة مشتركة بين الفخار والإنسانِ، هو دينياً مادة خلق للاثنين.

أما شذرة ُالفخارِ فتحكي: مثلما أنَّ زمناً ينقضي ليترك آثاره على الأشياءِ، كذلك تآكلت مادةُ الإنسان الأُولى. إنَّه العامل المبدئي لتحول المجتمعات، الناس، الحقائق، إلى ظاهرةٍ في عمر الفناء المؤقت. وهي لا تعدو أنْ تكون مرحلةً ذهبت ليحل العصر المتطور والمأمول. وفنياً لم تُهمّل الشقفةُ (الكسرة) في ردهات اللوحة، إنما أخذت تتدلى تذكيراً بتاريخ المجتمع الليبي وأنه يجب عدم الانفصال عن التراث مهما أوغلنا في الحداثة وما بعدها. وأن مما يبقى منا سيظل مؤثراً طوال التاريخ وليس فقط زمنا يجُّبُ ما كان قبله دون رجعة.

على الجانب الأيسر من لوحة ترنيمة، نرى لوحةً ورقيةً سقطَ إطارُها الخارجي. واللوحةُ نائيةُ التفاصيل، غير أنَّ سقوطاً يعني دلالة الاهتراء، التحرر، التمرد. هي لوحة لم تثبُت في مكانها المعلق، انفلتت خارج الإطار، وهي كذلك لم تتسق معه وظلت غائمةً. ليس يسندها سوي علاقتها بالأفق الرحب لمتن اللوحة الكبرى. إذ ذاك ستبُوح الدلالة: إنَّها مرحلة اهترأت في عمر المجتمع الليبي سواء أكانت مرحلة سياسية أو اجتماعية تماماً كما انفصل الإطارُ وعُلِّق كرمز مصلوب على جدار الزمن. لأن الصلب رمز الخطيئة والخلاص كما في المسيحية.

ولئن غامت اللوحةُ الساقطة بحيث لم نر محتواها، فيبدو سقوطُها من الإطار مُريعاً. لينتقل المعنى إلى الوسط الأكثر جلاءً، هو منظر السماء والطائرة البارة في الخلفية. وعلى قرب الصورة الساقطة مقارنة بالعنصرين الأخيرين إلاَّ أنَّهما واضحان تمام الوضوح. أما تأرجُح اللوحة بلا مضمون بإطار فارغٍ، فيمثل دعوة لاعتبار كلَّ إطار قيداً ستنفصمُ عراه آجلاً أم عاجلاً. سيكون كل نظام سياسي واجتماعي (مهما كان مهيمناً على رقاب العباد) أثراً بعد عينٍ، ولن يعلن عن نفسه إلا كتذكارٍ حفري. ليس أدلّ على ذلك من أنَّ الإطار في اللوحة خاوٍ يتلاعب به الريح كيفما شاء. وحقاً الصورة الساقطة غامضة، غير أنَّ الإطار بلا محتوى حتى الاهمال. إذن لن يتصلّب إطارٌ اجتماعياً أو سياسياً دون انفصالِّه عما يؤطر له، ليؤكد فضاء اللوحة الكبرى على هكذا تحول تاريخي. وهو ما يدعمه الفنان بكل ما أو تي من دفق أبداعي في أسرار اللوحة من الاسم الخاص بها (ترنيمة) حتى التفاصيل البسيطة.

ولو تخيلنا الجانبين كأزمنةٍ، فقد آن الأوانُ بأفق الترنيمة لتعليقهما على هامش الحياة دون المركز. تعليقهما كآثار من زمن فائتٍ، قد يُتّجَاوَزهما العصر الحاضر لكنه لا يُنسى. في هذا يستوى  كل فخار قديم بمعانيه البدائية مع الإطار بأي محتوى ايديولوجي أو غيره. وبالنسبة للأمل لم يعد ممكناً اتباع "ذهنية فخارية" ما فتئت لصيقة بالأرض. أيضاً ليس محتملاً الانحشار ضمن إطار يعاند تنوعَ الصور. فهو ليس قادراً على احتوائها ومواكبة تعقدها، فالحياةُ تتطور بسرعةِ الطائرة وعلى البلاد أنْ تخطُو إلى عالم أكثر حداثةً.

الحياة آفاق حرّة

في لوحة ترنيمة لم تنته الصورُ بالتجاور اللوني ولا بتوزيع الفضاء. لأنَّه نفسه التشكيل الفني الذي يعزف الإيقاع. إذا كانت اللوحةُ الكبرى منطويةً على صورٍ، فإنَّها تقطعُ طريقًا نحو الخروج. لوحة ترنيمة هي سِفْر الخروج  بالبلاد الليبية من حالاتِ الفخار والاطار إلى عصر الانفتاح. وكأن الفنان كان يبشر بعصر من الثورة لمجتمعه والأخذ بأسباب التطور على طول الخط.

ولكننا مع تجول الرؤية بين المفردات اللونية، كدنا نفقد اتزاننا، حتى نسياً واقعاً حياً نحن فيه. ههنا سترتّد دلالة اللوحة إلى المتلقي عن قصدٍ فني، بل ستضعه كموضوع لدلالتها المباشرة. لعلَّها تمارس  تمويهاً حتى يفقد يقينه الخارجي السابق (بأنه لا أمل في تغيير أوضاع المجتمع)، معتبراً ذاتَّه بمثابة اللوحة، وعليه أنْ يمثل آفاق الحياة، فهل يتقدم المتلقي، هل سيسير كما تدعوه؟ إنه  نظراً لانفتاح مركز اللوحة، وتبعاً لإحالات الأنثى في العمق منها، مرة إلى الحياة وأخرى إلى البلاد وغيرهما إلى الزمن والحداثة، سيأتي التلقي  والتذوق فعلاً تضامنياً مع فضاء الرسم. كل تكوين داخلي يفتح عمقُه درباً لمرور القادم إليه. وسيكون الوعي بالثورة على التقاليد الآسنة حاضراً حضور التحريض على التقدم والسبق نحو المستقبل.

114 مرعي التليسي 9

إذ ذاك ستبدو لوحةُ ترنيمة لبلادي راصدةً للمتلقي إزاءها. أعني أنَّ اللوحة تقف- فعلاً- على (حامل داخلي) فترسم مسافة أماميةً بينها وبين أفُق النظر. كأنَّها تدعُو المتلقي ليأخذ خطوةً إلى الداخل من حضورها: ضّعْ إحدى قدميك كي تتأكد مما ترى بنفسك وبملء عينيك!!. والمسافة رغم اعتبارها بُعداً إلاَّ أنها نداء للاقتراب. في الفن التشكيلي المسافة قُرب لأجل التّوغُل من  تفاصيل الباطن. لأنَّ المساحة التي تجسدها هي اكتشاف إلى الداخل من العمل الفني. وهذا معناه الاقتراب أكثر فأكثر، إنَّه استدراج دلالي سيرمي رغبةَ التلقي وراء رموز اللوحة. بحيث ينتقل معنى الألوان إلى خيال يتقاسمه الرائي والمرئي. وهو جانب تمثيلي خلال كل فنٍ يغوص بنا في الأعماق ريثما يرسم ما يريد.

الفن الأصيل عادة قد يأخُذك إلى حيث تعرف، لكنه دوماً سيُبهرك عندما يتجلى بواسطته ما لا تعرف. ربما يقف المتلقي لدى إطاره البراني، غير أنَّه حين يدرك لوحة جوانيةً أكثر عمقاً سيخطُو إليها. ومادام فعل ذلك لن يتوقف. بأشعار نزار قباني وصوت عبد الحليم حافظ " الموج الأزرق في عينيك يناديني نحو الأعمق...إني أغرق، أغرق، أغرق". لكن الموج (السماء) في لوحة التليسي ينادي نحو الخلاص من القيود ومما يثقل خطى بلاده نحو الحرية. ليست المماثلةُ بين زرقةِ السماء والبحر إلا حلمَ طائرٍ بجناح ترنيمةٍ. هكذا تترك الترنيمة اسمها مع الحياة والرغبة أملاً في كسر القيود. لينضُو الإنسان، وبالتالي المجتمع، عن ذاته واقعاً كئيباً لأجل التحرر الحقيقي. ودلالة الألوان الغامقة لا تفقد الانجذاب – كما الانجذاب الصوفي-  بفضل اهتراء الواقع وضرورة المغامرة الإنسانية بلا أجنحة.

9

في كبد السماء من لوحة ترنيمة، جاءت الطائرةُ تخْليقاً لهذا الحلم، تجسيداً للعدد والنغم، فهي بيضاءٌ بياض الأمل وساميةٌ سُمو الرجاء. الباب إليها يودعه الجانبان الحملان للوحات يمينا وشمالاً. ولو كان ثمة اِغلاق لهما فسيقفل الفضاء لتظل الأنثى (البلاد) خلفه، وستخبو رغبة الحياة. أما وقد انفتح الجانبان فهناك فسحة الخيال، إحساس يقدَح نظرة أنثوية ببريق الأمل وبالعمق الأزرق.

وعلاوة عن التنوع الزمني للوحة، هناك تتابع  في الرتم اللوني بين تحفيف حدة اللون حال البدء ثم كثافته المتدرِّجة كلّما أوغلنا، ثم انسلاله بكثافةٍ لونيةٍ لنشعر بالتخطي. وعلى ذلك يرتد الأفقُ كأنَّه بالخارج، كأنَّه بمثابة التلقي نفسه. لأنَّ الطائرة أساساً تجرى كعصر جديدٍ، كغد مُشرق، كحرية آتية بالهواء النقي للمجتمع والناس، وإذ تحلِّق عن كثب تُهمِّش التجاور اللوني للمكونات الأخرى، لكنها عوضاً عن هذا تطفُر بالمضمون إلى السطحِ الظاهر. كما أن خطوتها الأمامية تؤكد توجُهاً عكسياً للمعنى، فبدل الانغمار عمقاً، يُبادرنا العمقُ ليبسط الترنيمة حياةً جديدة للوطن القادم.

 

د. سامي عبد العال

............................

1-  مرعي التّليسِي فنان تشكيلي ليبي معاصر، اهتم بالتصوير الفوتوغرافي وتصميم الجرافيك. اشهر أعماله لوحة " طائر الحلم" و"الشهادة أو النصر" و"سمر" و"حنين". حصل التليسي على جوائز محلية و دولية، جائزة لجنة التحكيم الخاصة ببينالي مالطا الدولي 1995وجائزة الجرولا دي أورو فينيسيا إيطاليا معرض البورتريهات 1995، جائزة معرض اتحاد حقوقي أفريقيا (للتضامن مع نيلسون مانديلا)،  جوائز تقديرية من بينالي بغداد الدولي ومهرجان القيروان بتونس والعديد من شهادات التقدير. كما شارك في معارض على المستوى المحلي والعربي والدولي أيضاً.

 

كاظم شمهودعندما نقرأ المعتقدات السومرية سينكشف لنا مدى التشابه والتقارب بينها وبين المعتقدات عند العرب قبل الاسلام وهذه الامور نجدها في بحوث الدكتور جواد علي خاصة عندما يتحدث عن الاصنام عند العرب وكذلك تشابهها مع بعض العادات والمعتقدات عندنا اليوم . كان السومريون يعتقدون بوجود الاله الاب الاكبر (رب السماء والارض) – آن – (انو، عند البابليين) والذي يسكن في السماء الاخيرة، وان هناك له مساعدين من الالهه الصغار وهم يشكلون الابناء والبنات والاحفاد والنساء مثل انكي وانليل وننسخرباج ومردوخ وغيرها، وان هؤلاء الالهه الصغار هم واسطة بينه وبين البشر يؤمرون ويعملون حسب اوامر الاله الاب الاكبر وفي نفس الوقت يتشفعون عنده لمساعدة الناس وقضاء حوائجهم .. هذا البناء الهندسي الاعتقادي نجده نفسه يتكرر عند العرب قبل الاسلام حيث كانوا يعبدون الهه متعددة ممثلة بالاصنام لتقربهم الى الله زلفى (وما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى). اذن بالمفهوم الحديث ان السومريين يعترفون بوجود اله واحد ولكنهم يشركون معه الهه اصغر منه . نحن اليوم نعتقد باله واحد احد وهناك انبياء ورسل وملائكة بينه وبين البشر لابلاغ رسالاته وكتبه وفي نفس الوقت يتشفعون ويستغفرون للناس .. هذه المعتقدات المتشابهه تدلنا اولا على انه كان هناك في زمن السومريين انبياء وقد حورت رسالاتهم وحولت الى اساطير، ثانيا ان هناك اله واحد يحكم العالم سمي باسماء مختلفة . آن، آنو، الاب الاكبر (رب السماء والارض)، (الله) وغير ذلك . وكان السومريون يسمون الانبياء بالحكماء واطلقوا عليهم اسماء سومرية مثل ابوليم (ادم ع) و اتو نابشتم (النبي نوح –ع-) . وعندما نستعرض القرآن الكريم نجد انه يصف السومريين والبابليين بانهم اقوام مشركة وليس ملحدة بمعنى انهم يؤمنون بالله ولكن يجعلون له الهه صغار تابعين، وقد اشار الى ذلك ابراهيم –ع- في جدله مع اهل اور و بابل في حوالي 2000 ق م .اي في زمن السومريين وقبل الدولة البابلية الاولى بحوالي 250 سنة . (و حاجه قومه قال اتحاجوني في الله .... وكيف اخاف ما اشركتم ولا تخافون انكم اشركتم بالله ..) الانعام - 

2568 الاساطير السومرية 1

العلماء وترجمة النصوص

هناك ملاحظة حول علماء الآثار وهي انهم عندما يترجمون النصوص السومرية او الاكدية يحاولون صياغتها بالشكل الذي يفهمها القارئ . واحيانا يترجمون المضمون وليس ترجمة حرفية . بحيث تؤدي الى القرب من المعنى مثلا- الحكيم - باللغة السومرية هو- ابجال – وفي الاكدية – الابجالو – وبالتالي يمكن ان نجزء معنى الكلمة الى:

اب – يعني ماء

جال – يعني عظيم

لو – يعني رجل 

2568 الاساطير السومرية 2

2569 أنكي إله الماءوبالتالي تصاغ الجملة: الرجل المائي العظيم . ويعني ذلك انه شكل رجل بنصف سمكي . وهكذا تتم الترجمة وصياغتها في بناء الجملة حتى يفهمها القارئ . وهي من الامور التي تأخذ وقتا طويلا لفهمها وصياغتها . انا شاهدت فيديو للاستاذ صاموئيل نوح كريمر وهو استاذ طه باقر يتحدث عن صعوبة قراءة وترجمة النصوص المسمارية والتي تحتاج الى احاطة كاملة بكل مناطق وجغرافية الآثار حيث هناك نصوص في مناطق متفرقة يكمل بعضها البعض . 

ويمكن معرفة عقلية وفلسفة السومريين من خلال القطع الادبية السومرية لاسيما الاساطير وقصص الملاحم والتراتيل الدينية . وما اكثرها في متاحف العالم والتي تعد بالالاف . 

وكانوا ينظرون الى الكون انه يتكون من السماء والارض وانهم اعتقدوا بوجود البحر الاول المحرك للخلق (الاله الاب الاكبر) واعتقدوا بوجود مجموعة من الالهه قوامها كائنات حية شبيهه في هيكلها بالانسان ولكنها فوق الانسان وخالدة، وأن كل أله موكل بحيز خاص من هذا الكون لسير شؤونه بموجب قواميس وقواعد مقدرة . وقد استدلوا من المعلوم الى المجهول في عمل الالهه حيث ان الكائنات البشرية تعيش في مدن وقصور ولها معابد وحقول ومزارع ونظم حكم . ولهذا فأنهم اعتقدوا ان عمل الالهه على غرار عمل البشر الا انهم خالدون وليس بميتين .

اما مسالة الخلق عند الالهة فعندهم مبدأ القوة الخالقة للحكمة فإذا اراد الاله ان يخلق شيئا يقول الكلمة وينطق بالاسم اي اسم الشئ المراد خلقه – فيظهر .

وقد تكون هذه الفكرة ماخوذه من قرار الملك البشري في اصدار الاوامر حيث تصدر الكلمات من فمه وينفذ .ولكن ان مسألة الخلق موجودة عند الاديان السماوية التوحيدية حيث ان الله اذا اراد شيئا ان يقول له كان فيكون، وهذا نص قرأني دليل على وجود الكلمة الخالقة وليس غريبا ان فلاسفة السومريين قد اخذوها من الانبياء الموجودين والمنتشرين في مجتمعاتهم ومدنهم يبشرون بوحدانة الله ورسالاته . (انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون) يس .

2570 أنو الإله السومريهناك فرق بين فلاسفة السومريين وعلم اللاهوت وبين الشعراء ومبتدعي الاساطير ومدونيها، فأهل الاساطير كتبة وشعراء شغلهم الشاغل تمجيد الالهه وتعظيمهم والاشادة باعمالهم ومآثرهم وقد سلموا بالمعتقدات والاراء الشائعة في مجتمعاتهم ولم يشغلوا بالهم عن اصولها ونشوئها .ولم تكن عدتهم المنطق والعقل بل الخيال والوهم، اما الفلاسفة فهم يعملون ويفكرون بما وراء الطبيعة على اساس المنطق والعقل .

التحوير الى الاسطورة -

ولكن يبدو ان المفكرين السومريين لم يخبرونا كيف كان الالهه يصلون الى معابدهم وكيف كانوا يؤدون افعالهم الادمية الاخرى كالشرب والاكل؟. فقط كانوا يصنعوا لهم التمثايل من الحجر والخشب ويعبدونها، وكانوا يعتقدون ان اشكال الالهه تشبه الانسان وانها تمرض وتاكل وتخوضون الحروب، وقد ذكر ذلك الاستاذ طه باقر في بحوثه الاثرية .

وقد دخلوا في تناقضات كثيرة ولكن لم يدونوا هؤلاء الحكماء ارائهم بشكل منتظم ولهذا فنحن نبقى في نقص معرفي عن كل شئ ساد تلك العصور القديمة، ومن المؤكد ان بعض الامور اقلقتهم ولم يجدوا لها حلا كما هو الحال عند بعض فلاسفة اليوم .

2571 امراة سومريةكان عالم الاثار كريمر وهو يهودي الاصل قد القى محاضرة في جمعية الاداب التوراتية في عام 1954 بعنوان الانسان وربه رواية سومرية لقكرة قصة (ايوب) استند فيها الى مقالة شعرية سومرية تتالف من زهاء 135 سطرا امكن جمع الواحها المتكونة من ست الواح من الطين .

و تطرح هذه المقالة ان الفكرة الاساسية التي يعرفها الشاعر السومري هي أنه في حالة العذاب والمصائب ليس للمعذب سوى سبيل هو انه يمجد ربه دوما ويتابع البكاء والضراعة والاستغفار له حتى يستجيب له .

و قد ورد ذكر قصة النبي ايوب –ع- في القرأن الكريم وانه كان صابرا على البلاء الذي اصيب به من المرض وفقدان اهله، وكان يدعو الله دائما ان يعافيه ويشافيه من هذا المرض حتى استجاب الله له فاعاد اليه صحته واهله بعد امتحان عسير حتى اصبح يضرب به المثل (صبر ايوب) - (وايوب اذ نادى ربه اني مسني الضر وانت ارحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا له من ضر واتيناه اهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعالمين) الانبياء – وبالتالي نجد ان القصص التي كتبت على الواح الطين السومرية هي تشبه قصص الانبياء التي وردت في الكتب المقدسة ولكنها حورت وحولت الى اساطير.

 

 د. كاظم شمهود   

 

 

محمد الشاويتوطئة: أصبح من الضروري اليوم على الناقد الفني الاحتكام إلى التأويل المُوسَّع، لفهم القصدية المضمرة للفن المعاصر. فالقراءة النقدية ذات المسعى الأبجدي، والمتعارف عليها إنْ على المستوى الوصفي التقني-التحليلي أو على المستوى الرسمي-الصباغي، ظلت جوفاء المعنى، وأثرية المذهب تحذو حذو النعل بالنعل، لا تُسعف المُتلقي على فك شفرة الفن المعاصر. فهي تتكئ على أرضية هشة للوصف الشكلي في بعده التحليلي الفارغ من المضمون الجمالي، والمُبتعد عن ناصية التفكير النقدي المُؤسِّس لروح الفن وجوهره، ألا وهو التأويل. بتعبير آخر، إنها قراءة نقدية تتأطر داخل نسق دائري مغلق يرفض الانفتاح على العلوم والمعارف المنبثقة عن الفلسفة كالعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعرفية والعصبية... لا سيما إذا نظرنا إلى مختلف التحولات الراهنة التي شهدتها هذه العلوم، وفي علاقتها بالفن المعاصر على وجه التحديد.

وفي التأويل المُوسَّع، لا بد أن يتوفر الناقد الفني على عُدة معرفية يساهم بها للخروج من المعنى المضمر في الأعمال الفنية إلى المعنى المُؤوَّل أو الشبيه بالحقيقة   Le vraisemblable، وهو الذي يتم استنباطه بالانفتاح على مجالات وحقول علمية متخصصة داخل المختبر النقدي الذي يشتغل به. فمن أهداف التأويل في حقل الجماليات البصرية أنه يساهم في رفع صعوبات الفهم الجمالي للأعمال الفنية، بطرحه لأبعاد جديدة من شأنها أن تنقلنا إلى مستويات رحبة تخدم غرض التلقي. وأيضا الدفع به لوضعه بمكانه المناسب لتحقيق غايته التواصلية التي تروم خلق نقاش بين العمل الفني وكيفية التواصل معه.

في ضوء هذه التوطئة يمكن بسط الإشكال الآتي:

كيف نُؤَوِّلُ عملاً فنيا؟ وأي مسعى يمكن للناقد اتباعه في عملية التأويل؟

إن عملية تأويل الأعمال الفنية تتطلب حسب تصورنا النقدي ثلاث مستويات متكاملة تروم طرح أفق جمالي للفهم والتفسير والتواصل. حيث تتحقق علاقة الذات الجمالية المُشكِّلة للعمل الفني بالغير المتلقي فردا كان أو جماعة، وباستحضار الموضوع الفني. ودور الناقد المؤوِّل يتحدّد في فهم وتحليل هذه العلاقة ورصد أبعادها ومختلف تجلياتها المحايثة للعمل الفني.

1- الفهم الجمالي:

إن الفهم الجمالي هو أول مؤشر دلالي على استيعاب كُنه العمل الفني وجوهره، وذلك عن طريق وضعه في سياقه الجمالي بالنظر إلى المادة المُشتغل عليها، من حيث الشكل والمضمون والأبعاد الثاوية خلف فكرة العمل. والمراد بالسياق الجمالي تقريب المُتلقي من فكرة العمل الفني المنجز بتعريفه وتحديد جنسه وخصائصه التي قد تبدو مبعثرة، لكن الناقد يجمعها داخل خيط ناظم للتصور الفني الذي حمله الفنان على عاتقه داخل سلسلة الفنون المعاصرة. إذ اختار منها التعبير الذي يتناسب مع تصوره، وفي تقاطع مع اتجاهات وتيارات لها نفس الغاية.

2-  التفسير الجمالي:

ويمكن اتباعه عندما يكشف الناقد عن مستويات القضايا والموضوعات التي يستند إليها العمل     الفني بمرجعية أسلوب الفنان. حيث يقوم الناقد بتفسير هذا الأسلوب ضمن تيار من تيارات الفن المعاصر -مع إمكانية الجمع أو المزاوجة بين أكثر من تيار- فضلا عن استحضار تداخل التيارات داخل نفس العمل/المنجز. فالأعمال التجهيزية  Installations على سبيل المثال، تتطلب أنماطا متعددة للبناء الجمالي البصري للموضوع: الفضاء المكاني ودلالاته، الأحجام Volumes وهندستها، الظل والضوء، المفاهيم، القضية المضمرة التي تقتضي من المتلقي البحث عنها، طريقة العرض وأبعادها الهندسية المنظورية، المجال الإدراكي، الكل والجزء، الزمان الفني، رقمية الصورة وأبعادها الافتراضية، المستويات الدلالية لمراحل العمل: البداية، الوسط، النهاية... وكذلك هو الشأن بالنسبة لفن الأداء Art         de la performance الذي ارتبط بالفعل الحي للعمل الفني أثناء حضور المتلقي الذي يكتشف بنفسه الموضوع الجمالي ويبحث عنه. فتكون مهمة الناقد ها هنا هي توثيق الأداء الفني بتقديم تفسير متكامل في نهاية العرض. وهو تفسير يستند فيه إلى عُدة متنوعة من التخصصات والمعارف التي من شأنها أن تُسعفه في رصد الحالات النفسية والذهنية والعلائقية والوجدانية... داخل الإطار الاجتماعي وفي صميم الحياة اليومية بمختلف تفاعلاتها وتأثيراتها على الذات المُشِّكلة في علاقتها بالغير.

وعلى سبيل المثال: قد نجد في بعض معارض فن الأداء توظيف الفنان/العارض لوثبة تصالُبيَّة يُصالِب فيها رجلَيْه تكرارا داخل قاعة العرض بطريقة يندهش لها المتلقي، وقد يقرع إحداهما بالأخرى ليلعب دور راقص الباليه. وفي هذا العرض يستخدم الفنان الموسيقى التصويرية، وكذلك هندسة المكان، والألوان المعبّرة عن حالته النفسية... حيث يُمسك بيديه الفرشاة وباليت الألوان ويرسم موضوعا اختاره ليؤثث به أداءه البصري الحي أمام الجمهور.

3- التواصل الجمالي:

وهو مناقشة العمل الفني عن طريق تأويل المعاني والدلالات التي حصُل فَهْمُها. وهو تأويل يروم وضع فهم ممكن لحقيقة الفكرة التي يطرحها العمل، من خلال بحث الناقد عن إمكانيات محتملة لتفسير جمالي جديد. إن التواصل الجمالي ينقلنا بالضرورة من المعنى الصريح إلى المعنى المضمر. ويمكنه فيما بعد أن يتوسل الاستقراء في عمليتي المقارنة والتركيب، قصد الخروج بالتأويل نحو مراميه وأهدافه. وهنا يستعير الناقد مقاربات من علوم ومعارف إنسانية وبحثية مُتخصصة: الفلسفة، تاريخ الفن، علم النفس، علم الاجتماع،  الهندسة، الرياضيات، الفيزياء، علم الجمال، ميتولوجيا، الأنثروبولوجيا، العلوم المعرفية، علوم الأعصاب، اللسانيات، التداوليات،... والهدف من هذه المقاربات هو وضع أسس نقدية وعلمية للمعرفة التشكيلية والبصرية في الكتابة النقدية العَالمة.

وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن الفن المعاصر بالنظر إلى أشكاله التعبيرية الراهنة، يفتقر إلى المضمون التأويلي إذا ما تأملنا الأعمال الفنية المُنجزة: اللوحة بمفهومها الجديد، التركيبات النحتية، الأحجام، التجهيزات، الفيديو آر، فن الأداء، الصباغة الديجيتالية... إنها أشكال غير مكتملة، والتأويل هو وحده الكفيل بملء وتدارك كل الصعوبات التي من الممكن أن ترتبط بالتلقي، دون اغفال للمستويات الجمالية للفهم والتفسير والتواصل. أي تلك المستويات التي تستند إليها وظيفة ومهام الناقد المُؤوِّل. إنها مهام يساهم بها في تذليل عوائق التلقي ورفع كل تعقيد، قصد تسهيل الفهم وتقريب الرؤية  الجمالية لأفق معياري Normative ممكن.

 

بقلم: الدكتور محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في الجماليات

 

 

كاظم شمهودوماهو الفرق بين الابداع والاختراع والخيال؟

المخترع هو الذي يكتشف صنوفا من الاشياء النافعة التي تخدم الانسانية ولكن نجاحه في اكتشافها يفصله عنها، كاختراع الطائرة والمذياع والتلفون والشفرة وغيرها. بينما الفنان لا يكتشف شيئا خارج ذاته بل ان ما يبدعه يظل قائما ما انطبع بشخصيته، وان القيمة الفنية فيما يبدعه انما تتحقق بالمكاشفة التي يخلفها الفنان على آثاره من ذاته مستقلا عن كافة القوانين الموضوعية للفكرة والعادات، وبالتالي فان الفنان وحسب هذه النظرية فهو مبدع اكثر منه مخترع.

2460 بيكاسو 1بالاضافة الى ما يملكه الفنان من ابداع فانه ايضا يتمتع بخيال واسع، وكان فن ماتيس قائما على الخيال، وكانت طريقته الواعية في العمل تثير الاهتمام وخاصة مهارته في فرض الرقابة على ذهنه خلال اداءه الابداعي.

بعض النقاد يذكر ان نشاط الخيال لا يمكن ان يبدا الا بعد ان يتخلص الفنان من سيطرة الفكرة، والمقصود بهذا هو مشاغل التفكير العملي اليومي. ومن خلال تلك الجدلية يتحرر خيال ماتيس ليشكل ارقى المشاعر من كل نوع، ومن اجل ذلك تتجلى طريقته الابداعية على نحو نادر من الصفاء والجمال. ركز ماتيس على التأليف بين تعدد الالوان وتحديد الاشكال بدلا من استخدام الضوء والظل، كما هو عند الانطباعية، وكان استخدام الخط في تحديد الاشكال كان شائعا في الفنون الشرقية القديمة خاصة في الفنون الاسلامية. علما ان ماتيس مكث عدة سنوات في المغرب وتأثر بالفن الاسلامي وارتدى الجلباب المغربي.

2461 ماينس 1اهتم ماتيس بالحياة الانسانية وكان وثيق الصلة بذاته بمعنى انه مبدع ويمتاز بالصفاء الفطري حيث يغور بين الوانه واشكاله محلقا خياله في عالم الكون، وقد امتازت اعماله بالتسطيح، مما حدى ببعض النقاد الى اتهامه بفقدان اعماله البعد الثالث. والمعروف ان الشكل الواقعي له ثلاثة ابعاد ويتحقق ذلك في المنحوتات والتماثيل، ولكن في التصوير استخدم الفنان خدعة بصرية باستخدامه عنصري الضوء والظل ليعطي الاشكال المرسومة احساسا بالتجسيم. وبالتالي فان حقيقة اللوحة هي عبارة عن بعدين في ذهنية الفنان والمتلقي. وقد اشارة افلاطون سابقا بان فن التصوير خدعة وان الحقيقة توجد في عالم المثل.

2461 ماينس 2وبالتالي يكون التسطيح في اللوحة هو عبارة كالبعد الثالث، بتأثيرات ابداعية وتقنيات مختلفة توحي بذلك. بمعنى اوضح ان البعد الثالث يتجسد في اللوحة المسطحة بنوع من خدعة البصر بتأثيرات الضوء والظل وغيرها.

وكلما ازدادت تجارب الفنان ازداد خياله وعطاءه وابداعه واظهار قدراته الكامنة، كما ان الخيال صفة ينفرد بها كل فنان ومبدع، وانه يرتبط بالنشاطات الروحية والمادية بكل انواعها، وكذلك العاطفية التي تنبض بالحياة البشرية. وكان بيكاسو مبدعا وصاحب خيال واسع، وكان يرسم يوميا لا يكل ولا يمل، ويقال انه ترك 15 الف عملا فنيا. لا يهمه ما يقوله الاخرون في فنه بل كان مقداما وواثقا من نفسه وعمله. لا يحفل بتغييرات الاذواق او تطور العواطف والخيال والفكر فهو يؤمن بخلود ما تراه عيناه ولا يلقي بالا في تلك التغييرات في الحياة الانسانية او الى طرق النظر اليها. وقد وضع بيكاسو كل ما هو انساني في صورة مادية.. مع ذلك فان الكثير من لوحاته عليها مسحة عاطفية وفي نفس الوقت يملك طاقة ذهنية كبيرة وله دوافع شوق للاختراع والتأمل.

وكان بيكاسو دائم التقلب في اسلوبه وافكاره تبديلا شاملا خاصة عندما يستوحي نماذجه من فنون الماضي كما كان اكثر تواضعا كفنان منه كرجل اذ كانت اراءه مطبوعة بالعنف والمعارضة، مشبعة بالثقة بذاته في شدة وحزم. في يوم من الايام عمل بيكاسو معرضا شخصيا اطلق عليه اسم – انا بيكاسو – وهو ما يشير الى الثقة الكبيرة بنفسه وكأنه يتحدى الآخرين، وفعلا تم له ذلك.

2460 بيكاسو 2

2460 بيكاسو 3في عام 1988 صدر كتابين عن صديقة بيكاسو الفرنسية الاولى على شكل مذكرات وهي فرناندي حيث عاشت معه ايام الفقر والعوز المادي في باريس وفترة البوهيمية بداية عام 1901، وتذكر ان بيكاسو كان يحمل مسدسا فعندما يخرجون من الكابريه في ساعة متأخرة من الليل كان يطلق عيارات نارية في الهواء الطلق وسط مرح وقهقهات اصحابه. كما تذكر فرناندي ان بيكاسو في عام 1906 رسم الكاتبة الامريكية ستين كموديل، ولكنه عندما انتهى منها ورأتها رفضـت اخذها بحجة انها لم تشبهها. وبعد فترة عاد بيكاسو الى اللوحة واعطاها بعض اللمسات وبتأثيرات افريقية، ولكن مازال النقد مستمراً في غرابة اللوحة ورفضها: فرد عليهم بيكاسو (لا تقلقوا بالاخير ستشبهها) وقد رسم بيكاسو هذه الكاتبة حسب رؤيته الفنية التعبيرية وبعناصر جديدة تمهد لمرحلة واسلوب جديد. وكلمة (لا تقلقوا بالاخير ستشبهها) يعني بها انه ذهب في رسمها الى ابعد من الشكل الظاهر، وانما الى الباطن والتعبير عنه بهذه الطريقة. وبالاخير قبلت ستين اللوحة على كراهية، واليوم بيعت اللوحة بملايين الدولارات. وعلق صديق بيكاسو الشاعر ابو للينير على ذلك بأن الشعراء والفنانين يتحدثون بلغة عصرهم والمستقبل بشكل راقي ومتطور. وهكذا كان بيكاسو علما من اعلام التحدي لا يبالي باذواق الآخرين او طرق النظر الى اعماله بقدر ما يهمه رأيه وقناعاتة الذاتية.

 

د. كاظم شمهود

 

2427 جاك ماجوريل 1جاك ماجوريل فنان فرنسي مغامر، لقب تارة برسام المغرب والقصبات، وتارة أخرى برسام مراكش والجنوب المغربي، من طينة الفنانين الكبار في مجال الفن الاستشراقي، عاش يبحث عن عوالم غرائبية تعج بالضوء والألوان الزاهية، وقد خلف إرثا فنيا غزيرا، لكن اشتهر كثيرا بحديقته العجيبة والبهيجة، التي تعد لوحة إيكولوجية، ومن المعالم السياحية لمدينة مراكش.

مسار فني استثنائي

ولد ماجوريل يوم 07 مارس 1886 بمدينة نانسي بشرق فرنسا، في وسط فني. فأبوه لويس ماجوريل كان صانع تحف خشبية، وجده أوغوست فنان ديكور على الخزف والأثاث. درس الفن في منحاه المتعلق بالهندسة الداخلية، سنة 1901، بمدرسة الفنون الجميلة لنانسي، ليقوم سنة 1903 بدراسة الرسم بأكاديمية جوليان بباريس بمرسم الفنانين شومير وروايي.

وخلال سنة 1908، نظم معرضه الأول بجمعية الفنانين الفرنسيين بذات المدينة، وفي سنة 1910، رحل إلى مصر، حيث مكث أربع سنوات، منجذبا بثقافة الشرق والعالم الإسلامي. وبعد تدهور صحته، جراء إصابته بداء السل، وبدعوة كريمة من صديق أبيه وإبن مدينته الماريشال ليوطي، أول مقيم عام للحماية الفرنسية بالمغرب، حل سنة 1917 بمراكش، حيث استقر، فترة وجيزة، بفندق فيكتوريا، ثم، لمدة سنتين، بمنزل قرب مسجد حي بن صالح، غير بعيد عن ساحة جامع الفنا، ثم بقصر الباشا بن داود بحي باب دكالة، الذي استأجره خلال الفترة الممتدة ما بين 1919 و1923.

2427 جاك ماجوريل 2

وفي سنة 1918، عرض أعماله الأولى عن المغرب برواق فندق إكسيلسيور بالدار البيضاء. وخلال سنة 1921، قام برحلة فنية واستكشافية إلى جبال الأطلس الكبير، خصوصا وديان تلوات وأونيلا وبلاد كلاوة. وأثناء السنة الموالية، عرض أعماله الفنية حول جبال الأطلس برواق جورج بوتي بباريس التي لاقت نجاحا كبيرا، واقتنى منها الماريشال ليوطي ثلاث لوحات لتزيين مقر الإقامة العامة بالرباط. كما أصدر كتابا حول جبال الأطلس يحمل عنوان "دفتر الطريق لفنان بالأطلس والأطلس الصغير"، سنة 1922، بمساعدة أبيه، لدى ناشر من مدينة نانسي يدعى فيكتور بيرجي، ويتضمن هذا المؤلف ارتسامات ماجوريل حول الأحداث والوقائع التي عاشها أثناء رحلته إلى هذه المنطقة.

ومن أجل الاستقرار والتفرغ كليا للفن، اقتنى سنة 1923 من الشركة المغربية، التي تنشط في مجالات التجارة والصناعة والفلاحة، أرضا بالرويضات على مقربة من باب دكالة، تبلغ مساحتها ما يناهز هكتار ونصف، وتسمى "بوصفصاف"، وذلك نسبة لأشجار الحور (الصفصاف) التي تنمو فيها، والتي تذكره بفترة طفولته الجميلة التي قضاها بمحاذاة سواقي منطقة اللورين الفرنسية، وفي هذا المكان شيد فيلا، وفق أساليب الهندسة الأندلسية المغربية. كما قام بتزيين رواق ومطعم فندق المامونية بمراكش بأعمال ديكور، مع إنجاز ملصقات سياحية تسوق المغرب كوجهة سياحية واعدة، إبان الحماية الفرنسية.

وخلال سنة 1926، واصل استكشاف جبال الأطلس، عبر تنظيم رحلات إلى مدن الصويرة وأكادير، إضافة إلى تارودانت بجنوب المغرب، دون أن ينسى، سنة 1928، أن يتوجه شمالا لمدينة مولاي إدريس زرهون، المعلمة المفعمة بالأصالة والروحانية، ورمز أول دولة إسلامية بالمغرب.2427 جاك ماجوريل 3

ولتوسعة مقر سكناه وتمكينه من فضاء أخضر، اقتنى سنة 1928 بقعتين أرضيتين مجاورتين لمسكنه، خصصهما لإحداث حديقته الفنية، وأخذ منحى آخر في رسوماته، يتميز باستعمال تقنية الرسم بالألوان المائية الممزوجة بمسحوق الذهب أو الفضة، التي تعلمها من جده، فنان الأثاث والأواني الفخارية. وفي سنة 1931، شيد فيلته التكعيبية، التي جعل منها مرسمه الخاص، ورواقا لعرض لوحاته للعموم، مستعينا في ذلك بالخدمات المتميزة للمهندس بول سينوار. 

ومن أجل تزيين مقر بلدية الدار البيضاء، رسم، سنة 1938، لوحتين كبيرتين، لفائدة إدارة الحماية الفرنسية بالمغرب، الأولى تجسد أحواش أنميتر بإقليم ورزازات والثانية عبارة عن موسم بمراكش. وخلال الفترة الممتدة ما بين 1945 و1952، قام بثلاث رحلات إلى إفريقيا جنوب الصحراء، زار أثناءها بلدان غينيا وساحل العاج والنيجر والسينغال، إضافة إلى السودان. وسنة 1946، وبتشجيع من صديقه رئيس الوزراء البريطاني تشرشل، عرض لوحاته بلندن.

وفي سنة 1955، تعرض لحادثة سير خطيرة فقد على إثرها رجله اليسرى. وأثناء سنة 1957، طلق زوجته أندري لونكفيل، ما جعله يتخلى لها عن جزء من حديقته، ليتزوج، سنة 1961، من ماري تيريز هامان من أصول هايتية. وخلال سنة 1962، تعرض لحادثة سير ثانية أدت إلى كسر في فخذه، ما أدى إلى نقله، على وجه السرعة، إلى باريس من أجل العلاج، لكن ما فتئ أن توفي، يوم 14 أكتوبر من ذات السنة، ليدفن بجوار قبر أبيه بمقبرة بريفي بنانسي.

وبعد وفاته، نظمت عدة معارض لأعماله الفنية بمراكش والدار البيضاء، علاوة على باريس. لقد كان ماجوريل فنانا غزير الإنتاج، حيث خلف ما يزيد عن ألف لوحة فنية هي عبارة عن بورتريهات ومشاهد يومية ومناظر طبيعية لمجموعة من البلدان من قارتي أوروبا وإفريقيا، مع اهتمام كبير بمراكش والجنوب المغربي.

2427 جاك ماجوريل 4

ماجوريل من رواد الفن الاستشراقي

يعد ماجوريل من الوجوه البارزة للفن الاستشراقي في القرن العشرين، فمن أجل الاستشفاء، وبحثا عن عوالم حارة وجافة، هجر دفء العائلة وحياته الوثيرة بنانسي، لاستكشاف أضواء ومباهج الحياة الشرقية بمصر، التي ما لبث أن غادرها للاستقرار بالمغرب، الذي سحره بسكانه ومعالمه التاريخية ومشاهده اليومية، إضافة إلى مناظره الطبيعية. لقد رسم عدة أماكن بهذا البلد، لكن خلف لوحات كثيرة عن قصبات جبال الأطلس، حتى أنه لقب برسام القصبات والجنوب المغربي، وقد خص هذه القصبات بألبوم موسوم بـ "قصبات الأطلس"، صادر عن منشورات جول مينيال بباريس سنة 1930، بتقديم للماريشال ليوطي.

ومن أبرز اللوحات، في هذا المجال، نذكر لوحة "قصبة مراكش الحمراء" (الفريجة)، التي رسمها هذا الفنان سنة 1924، والتي لها قيمة فنية وتاريخية كبيرة، إذ تم اختيارها سنة 1926 لتزيين غلاف الدليل السياحي لمراكش، ما أهلها لأن تصبح أيقونة ورمزا في المخيال الثقافي والفني المغربي.

وقد قامت أسرة الفنان ببيع هذه اللوحة التحفة، سنة 2011، عن طريق المزاد العلني برواق أركوريال بباريس بسعر قياسي، يربو عن مليون أورو لأحد هواة اقتناء اللوحات الأمريكيين. وبهذه المناسبة، أكد فرنسوا تاجان، مفوض المبيعات الفرنسي، أنه "لم يسبق لأي لوحة من لوحات ماجوريل أن حققت هذا السعر"، مضيفا أن عرض هذه اللوحة للبيع قد شكل عنصر تحفيز لسوق الفن، حيث حظيت باهتمام كبير لدى هواة اقتناء اللوحات، عبر مختلف دول العالم.

وحول هذه اللوحة، يقول فليكس مارسيلاك، المتخصص في فن ماجوريل: "في هذا العمل الفني الكبير، ومن خلال لعبة بسيطة من المساحات الصغيرة للألوان الموضوعة، بطريقة مسطحة وفسيفيسائية، استطاع ماجوريل، بمهارة، أن ينقل كامل موضوعه".

2427 جاك ماجوريل 5

أزرق ماجوريل بصمة فنية خالدة

ولإعطاء مسكنه نوعا من الفرادة والتميز، قام ماجوريل، سنة 1937، بصباغته بألوان حيوية يطغى عليها لون أزرق مشرق وناصع، لون لازوردي يمتح من معين لوحة الألوان لما وراء البحار، أطلق عليه اسم أزرق ما جوريل، ومستوحى، كما صرح بذلك ذات مرة، من لون مياه بحيرة تاسكا بجبال الأطلس. وهذا اللون له تركيبة لونية خاصة تشبه ظل الأزرق الأرجواني، وتتكون من ثلاثة ألون هي الأزرق والأخضر، علاوة على الأحمر.

وفي جولة متأنية بهذه الحديقة البديعة، نلاحظ الحضور القوي والشامخ لهذا اللون الأزرق في عدة أماكن ومناحي، من أبرزها: الأبواب والنوافذ والشرفات والحيطان والنافورات وأحواض الماء، إضافة إلى المزهريات، ما يخلق سيمفونية بصرية رائعة، خصوصا عندما يتواجد مع ألوان أخرى ليست أقل رونقا وبهاء، مثل الأصفر والبرتقالي، إضافة إلى الأخضر.

وخلال العقود الأخيرة، غادر هذا اللون أسوار حديقة ماجوريل، وأصبح لونا عالميا، وماركة مسجلة في مجال الصباغة، تتهافت كبريات الشركات على استعماله، في هذا المجال، وفي ميادين أخرى، تتعلق بالموضة والحلي ومستحضرات التجميل، كما غدا هذا اللون من الألوان المفضلة لصباغة نوافذ وأبواب العديد من المنازل بمراكش، لأنه يبهر العين، ويبعث على الاسترخاء والسكينة في النفوس.

حديقة ماجوريل تحفة إيكولوجية

تعد حديقة ماجوريل من أشهر الحدائق في العالم. حديقة فريدة وزاهية، فتحها ماجوريل للزوار، سنة 1947، وحرص على جعلها، على مدى أربعين سنة، لوحة إيكولوجية تعج بمختلف الأشجار والنباتات النادرة، التي جلبها من مختلف بقاع المعمور. إنها جنة فيحاء محاطة بأسوار في قلب مراكش، وهي بذلك تبدو مثل فضاء إيكولوجي أسطوري، خارج الزمن، اجتمع فيها ما تفرق في غيرها، على المستوى النباتي، ما حذا بماجوريل إلى اعتبارها من أجمل الأعمال التي أنجزها في مساره الإبداعي. وفي هذا الإطار يقول هذا الفنان: "هذه الحديقة مهمة صعبة، أتفرغ إليها كليا، تأخذ مني سنواتي الأخيرة، وتجعلني أسقط متعبا تحت أغصانها، بعد منحها كل حبي".

وخلال سنة 1980، وبعد أن أصبحت هذه الحديقة مهملة وعرضة للمضاربات العقارية، التي تروم تحويلها إلى مركب فندقي، سارع إلى اقتنائها مصمم الأزياء العالمي إيف سان لوران، رفقة شريكه راعي الفن ورجل الأعمال بيير بيرجي، حيث قاما بصيانة وترميم مسكن ماجوريل بمساعدة صديقهما مصمم الديكور بيل ويليس، ليتم بها إحداث متحف إسلامي، أصبح فيما بعد متحفا بربريا، يضم مجموعة من القطع والتحف الفنية التي جلبها سان لوران وبيرجي من عدة بلدان من مختلف بقاع العالم.

وفي سنة 1998، تم تأهيل الحديقة، من خلال تزويدها بنظام سقي آلي، وجرد رصيدها النباتي، وإغنائها بفصائل جديدة من المغروسات والنباتات. وبعد ثلاث سنوات من ذلك، أحدث سان لوران وبيرجي جمعية حديقة ماجوريل للحفاظ على الإرث الإيكولوجي والتاريخي والثقافي لهذا الفضاء. وإثر وفاة سان لوران، سنة 2008، احتضنت ورود هذه الحديقة رماده، ونصب تذكاري يخلد ذكراه، لأنه كان يعشق هذا الفضاء، ويعتبره "مصدر إلهام لا ينضب"، بالنسبة لإبداعاته في عالم الأناقة وتصميم الأزياء الراقية. ومع سنة 2011، أصبحت حديقة ماجوريل مؤسسة ذات منفعة عامة، تدعم عدة مشاريع ثقافية وتربوية وطنية، وبذلك، خلدت ذكرى هذا الفنان، وساهمت، بشكل كبير، في إشعاعه بعد مماته.

2427 جاك ماجوريل 6

مارسيلاك لمعرفة حياة وأعمال ماجوريل

فليكس مارسيلاك مؤرخ فني فرنسي، وعاشق هو الآخر لمدينة مراكش، صاحب رواق مارسيلاك بباريس، الذي يعتبر أعرق مؤسسة فنية بعاصمة الأنوار تهتم بعرض فنون الديكور للقرن العشرين. له كتابات رصينة ومرجعية حول هذا الفنان، من أبرزها: كتاب يحمل عنوان "جاك ماجوريل"، صادر ضمن سلسلة المستشرقين عن منشورات "أسي إير" بفرنسا سنة 1995، والذي تطرق فيه لجملة من القضايا والمحطات المفصلية في حياة وأعمال ماجوريل، بدءا بالمحيط الفني بنانسي، وفترة الإقامة بمصر، والسنوات الأولى والاستقرار بالمغرب، ومرورا بنماذج من المعارض المنظمة، من طرف ماجوريل بفرنسا، ودفتر طريق هذا الفنان حول زياراته الاستكشافية للأطلسين الكبير والصغير، وانتهاء برحلاته إلى إفريقيا السوداء، والسنوات الأخيرة من حياته المفعمة بالإبداع.

ويعتبر مارسيلاك هذا الفنان رسام المغرب بامتياز، موضحا أن فنه مرتبط، بشكل كبير، باكتشافه للمغرب، الذي مارس عليه سطوته الساحرة، ومبرزا أن هذا الفنان، بدل أن يرسم لوحات غريبة وطريفة، ركز جهوده، بشكل أساسي، على إنجاز عمل نابع من الواقع، يعطي نظرة أصيلة ودافئة، تظهر الساكنة والمناظر الخلابة أو مشاهد من الحياة اليومية، ومضيفا أن أعماله الفنية تعتبر إشادة عالية وتقدير عميق للمغرب.

لقد رحل ماجوريل بعد حياة زاخرة بالإبداع، تاركا وراءه إرثا فنيا غنيا ومتنوعا خلد، من خلاله عدة مناطق من العالم بمعالمها التاريخية، ومشاهدها اليومية، إضافة إلى مناظرها الطبيعية، لكن تبقى حديقته بقلب مراكش أجمل لوحة حية شاهدة على عبقريته في مجال الفن وتصميم الحدائق.

 

*عبد الرزاق  القاروني، باحث وصحفي مغربي

 

 

113 فائق العبودي 1ترتكز التجربة التشكيلية للفنان فائق العبودي، العراقي – السويسري، على أس تجريدي، فهو أحد الوجوه المألوفة في العالم العربي وفي العالم، يشتغل على هذا الأسلوب بكل مفرداته التشكيلية وجمالياته الرمزية والعلاماتية. فهو يستقي من المشهد الحضاري العريق مادته التشكيلية وفق طرق متنوعة وأسلوب تشكيلي يتميز بمقومات وتفاعليات مختلفة، سواء على مستوى البناء الفضائي أو على مستوى التقنيات العالية الموظفة، أو على مستوى الجهاز المفاهيمي بكل تشعباته، فأعماله تتبدى بؤرا حمالة لأوجه من الرموز والعلامات التي تتجذر في التاريخ العريق لتعبر عن معان فلسفية وتاريخية واجتماعية وثقافية وحضارية وفق صيغ تعبيرية، يُصيغها المبدع بألوان زاهية منتقاة بدقة فائقة وعناية دقيقة، ليشكل منها مفردات جمالية ذات دلالات ومعاني متنوعة، فيعمد إلى روابط علائقية تتراءى بين العلامات والرموز والألوان، فيلجأ بدءا من عملية البناء إلى إنتاج توليف بين مختلف العناصر التشكيلية، ليفصح عن جملة من التراكمات الرمزية، والأشكال المتوهجة، والعلامات الأيقونية، التي تنبثق أساسا من الأشكال والألوان المحادية لما يشخصه من الواقع الرمزي بكل تفاصيله الدقيقة، وهو بذلك يؤصل لفلسفة قيمية تستجيب لضرورات العمل التجريدي بمختلف عناصره ومفرداته التعبيرية. فإذا كان المبدع يبني فضاءات أعماله باعتماد الرموز والعلامات والأشكال المتنوعة والألوان المبهجة باعتبارها مواد تشكيلية، فإنه بقدرته الفائقة ومؤهلاته الكبيرة وتقنياته العالية؛ يحولها إلى مجال فني خصب يسيل بالتعابير اللا محدودة لينتج حزمات من الدلالات المتنوعة، وليفصح عن كل ما يكتنزه التاريخ العراقي العريق من مكنونات ونفائس فنية وجمالية، بتصورات ورؤى متعددة المعاني، فهو يجسد ذلك بأسلوب فني خارج عن المعتاد، وبفنية تشكيلية عالية الجودة، وبعلامات لونية، وأشكال تعبيرية ذات بيان وفصاحة رمزية، تتوقف على مناحي قيمية وجمالية ساحرة، وهي كلها تنبع بصدق من نفسية المبدع فائق العبودي بعد أن ينسجها إلهامه واجتهاداته في قوالب تعبيرية رائدة كتدليل على انغماسه في الفن التشكيلي المعاصر بحرفية كبيرة، وموهبة ذاتية، ومهارات عالية، ومؤهلات فائقة، وتقنيات معاصرة رائقة، وكفاءة فنية قوية، وبكثير من الدقة والعناية والتوظيف التقني البديع والمحكم. ثم إن خاصية التعدد العلاماتي والإيحائي وكل ما يرمز به في منجزه التشكيلي، يحدث حركات تخلخل السكون، فيتغير الشكل التعبيري الذي يروم تعددية الدلالات والقراءات، فهو يبلور العملية الإبداعية وفق خاصيات جديدة وأساليب معاصرة في التعبير، وإنه أيضا يروم الإفصاح عن معجم دلالي رمزي وعلاماتي متجذر في الحضارة الغابرة ليجول بالقارئ في عمق الصورة الرمزية بصيغ إشكالية جمالية متعددة المغازي يؤثت بها مجموعة من الجدليات وفق مجموعة أخرى من المفردات والعناصر التشكيلية المتوازنة. وهو بذلك يمنح أعماله حيزا كبيرا من الحرية في التعبير ونوعا من التلقائية، ويجادل الأشكال الغامضة ويحاورها عبر اللون والشكل بدرجة كبيرة، وهي في جوهرها أدوات أيقونية تتفاعل مع نظام الفضاء الفني في أنساق دلالية متلائمة ومنسجمة فيما بينها، تترجم تصوراته وهواجسه وأحاسيسه وانفعالاته الداخلية، ما تفصح عنه التعددية المتناسقة أحيانا، والمفارقات التعبيرية أحيانا أخرى.

113 فائق العبودي 2

لقد استطاع الفنان فائق العبودي أن يثبت في المشهد الفني العالمي ما يحمله من مواد رمزية وعلاماتية للتدليل عن آرائه التشكيلية وتصوراته وفلسفته في التعبير بالرموز والعلامات والألوان، إذ تتبدى قدرته الفائقة جلية في توظيف الصورة الرمزية، والشكل العلاماتي، واللون في تشكلاته واندماجه في مختلف المفردات الفنية داخل الفضاء على عدة مناحي، منها التكوين، والأداء التشكيلي، والتقنيات العالية،والتعبير بما تحمله ريشته من معالم فنية ومفاهيم وأفكار ورؤى عميقة الدلالات، تتجسد في مختلف الاستعمالات التشكيلية لبعث القيم الفنية والجمالية في أعماله الجديدة. فهو يجسد كل مقومات البنية الفنية المتكاملة والمتناسقة بكل ما تحتويه من الأيقونات والتماثليات والمؤشرات التي ترصد العلائق المختلفة بين الدوال والمدلولات، تحضُر في أعماله التشكيلية الجديدة التي سرعان ما تتحول إلى منتوج بلاغي جديد، حيث تنطلق من الموقع الرمزي إلى البعد الدلالي بعدما يعيد تأسيس المشهد الرمزي والعلاماتي وفق خاصيات الشكل واللون، فيعطيه أبعادا ودلالات أخرى، تسمح له بالانغماس في المشهد الجمالي والفني، ليمنح القارئ فرصة قراءة أعماله الجديدة في أبعادها الجمالية والفنية، بنوع من التدقيق والتفاعل الإيجابي، لأنه يغازل مختبر المواد الرمزية والعلاماتية، بتفاصيلها وحيثياتها لينسُج منها موقفا فنيا يضع القارئ أمام عوالم رمزية تُشكّل موضوعا أساسيا في أعماله، إلى أن تكتمل الرؤية التي تقود أعماله الفنية الجديدة إلى التعبير الدقيق عن قيمة الرمز والعلامة والشكل واللون في العمل التشكيلي المعاصر.

113 فائق العبودي 3

والظاهر في هذه التجربة الراقية، هي تلك الرؤية الجمالية التي تحملها أعماله الجديدة في بعدها الجمالي والفني والدلالي المستمد من الرمز والعلامة، وفي اختراقها للمسافة الغابرة في الزمن، ومقاربتها بالعمل الفني المعاصر، لتلتف حول المضامين بتنوع مشاربها. لكن وحدها الرؤية البصرية النقدية تستطيع تخبير محتويات أعماله، والكشف عن فنيات الفنان فائق الذي قاد الفن التشكيلي العالمي بابتكاراته المتجددة إلى أشياء العالم الخفية، من حزمة من الرموز. فغالبا ما يضع شكلا جماليا دالا لهذا المعنى، باعتباره تلك المادة الممتدة في الزمن التي يعود إليها القارئ ليغوص في رحلة فلسفية بين الواقع الفني المعاصر والشكل الرمزي بفلسيفته وطقوسه وألوانه، لتشغيل حواسه، وللوقوف عند الرؤية الفنية المُتستّرة وراء حجب اللون والعلامة، فالمبدع يعبُر إليها بأسلوب ممنهج، يفسح المجال لتوظيف المهارات الفنية والتقنيات المتفردة، مما يخدم الأهداف ذات الدلالات والمغازي العميقة. ليقدم منجزا تشكيليا يتجاوز الجاهز ويخرج عن المألوف، لما يحتويه من ما ورائيات وإشارات وعلامات وإيحاءات، لها تأثيراتها الخاصة ومعاييرها الجمالية النوعية في منجزه الجديد.

إن هذا المنجز الجديد الذي تزكيه أعمال الفنان فائق العبودي يُعد طرحا تشكيليا رائدا، يجعل فنه في مصاف الفن العالمي الراقي المعاصر. فاشتغاله على المادة الرمزية والعلاماتية في بؤر تجريدية متنوعة بما يطرحه من إشكاليات فلسفية مختلفة تصب في القيم الفنية والجمالية، والقيم الاجتماعية، وقيم الحياة، والقيم الزمكانية، لاستحضار الرموز ومفرداتها في الشحنات اللونية، حيث الحيادية، والدقة العالية، والتقنية الكبيرة في معالجة الرمز بكل تفاصيله. وهو لاشك وعي من المبدع بقضايا الرمز وأشكاله، وبمستويات اللون المطلوبة التي تتناسب والتثبيت الرمزي والعلاماتي، ووعي بتفاصيل المادة التجريدية. ما يسهم في تنوع الأساس الشكلي برؤية مشدودة بعبَق المعالم الرمزية والعلاماتية، واللون في تقاسيمه الجمالية، وفي دقة توزيع المساحة داخل الفضاء الفني، فيغوص في حضرة التجريد؛ إذ لا يكتفي باستدعاء المادة الرمزية، والاشتغال عليها؛ وإنما يتجاوز ذلك إلى التعبير بالإيحاء والإشارة والدلالة، ليس باعتبار ذلك قيمة بنائية، وإنما كخلفية سنادية تُدللُ على وعي الفنان بأعماق ما تكتنهه المادةُ الرمزية والعلاماتية واللون والشكلُ، وإيلاؤُه لها أهمية كبرى، سواء من حيث طرائق الوضع داخل الفضاء، أو من حيث رصد السمات الجمالية والخبايا المتسترة في حجب الرمز والعلامة. إنه بناء تشكيلي وفني يرسو على التوازن، وعلى عدة مقومات قاعدية تخص الفن التجريدي. وهو يوظف لذلك تلك النظرة الفنية الثاقبة، وحاسته الحادقة؛ حيث تتبدى سحرية أدائه التشكيلي، فيكشف عما تخبئه أعماله من محمولات جمالية تزخر بالتأويل ذي الدلالات المفتوحة. وهذا يُعد ملمسا جديدا وإبداعا مميزا في أسلوب المبدع فائق العبودي الذي لا يتردد في تقديم الجديد تلو الجديد من لوحاته التي ترصد في أدائها الفني التعبيري العلاقة القويمة بين الرمزية والإشارة والمضامين وفق المرجعيات المنبثقة من المجال التشكيلي، ما يمكّنه من تخليد مفردات فنية ذات قيمة عالية في التشكيل المعاصر.

113 فائق العبودي 4

إنه ارتباط وثيق بالمكونات الثقافية والمعرفية التي تؤطر أعماله في جوهرها، وتنم عن أفكاره المتجددة، وخياله المنفتح على مستوى التكوين والإضاءة الرمزية والعلاماتية، وعلى مستوى تشكيل المكان، أو إعادة تشكيله رمزيا؛ وهو ما يضع القارئ أمام أعمال تنطق بمعاني غنية بالمتجددات، في سياق وشائج قائمة بين ما تحمله المضامين والمادة الجمالية في علاقة ترسخ جانبا من التداخل بين كافة العناصر المنفصلة بكل ما تحمله الإشارات من تشعبات دلالية وتأويلات تميز في عمقها الخطاب التجريدي العبودي فائق الجمال، وما تكتسيه لوحاته الجديدة من وظائف بنائية ودلالية تحيل إلى مجال تشكيلي متجدد في تمظهراته الجمالية والشكلية وفي ما تحتويه المادة التجريدية في أسمال الحجب التجريدية، بعمق فني، وفرادة تشكيلية تعج بالإيجابية في التعبير عن العالم البديل. وهو ما يبين الاتجاه الجاذب في هذه اللوحات التي تحتوي فلسفات أخرى جديدة، باستخدامات تحولية، مما يعتبر أنموذجا في عصرنة الأسلوب الفني الذي يقود إلى عوالم توجه الطريقة التعبيرية لدى الفنان فائق العبودي سواء على مستوى الخامات المستعملة أو ما يتعلق منها بتقنيات الطلاء اللوني أو الضربات الصباغية وصناعة الأشكال الجديدة، وزرع العلامات، وتثبيت الرموز، وبسط المساحات، وإرداف اللون على اللون، وتكثيف المساحة، وإغلاق منافذ الفضاء، ما يجعله يقارب أشكال أعماله الفنية بالمادة البصرية. فجمالية هذه اللوحات الإبداعية الجديدة، تجعل من الإيحاءات والرمزية المنبثقة من الواقع الضارب في الزمن تنطق بدلالات أخرى في نطاق مادة فنية تتوافر فيها الرؤية الموضوعية للرمز والعلامة بكل مقوماتهما وتفاصيلهما وتجلياتهما؛ إذ يتم توظيف ذلك وفق أبعاد وقيم، وبطرق فنية يتوخى من خلالها المبدع بسط الصيغ الجمالية، مما يجعل من سياقات أعماله هاته إطارا تعبيريا معاصرا بسياقات جديدة  ولاشك أن للحركة دور أساسي في هذه اللوحات الجديدة، ما يصنع نوعا من التفاعليات بين سمفونية تضرب بجذورها في الزمن، وبين ألوان وأشكال تتراقص في مساحات من البهاء. كما أن جودة التقنيات التي يستعملها المبدع تسهم في عملية المعالجة الرمزية وإبراز هذه الأعمال التشكيلية في رونق وجمال مبهج، فتجربته الفنية الموفقة وخبرته الكبيرة في مجال التشكيل تجعله رائدا في الفن التشكيلي المعاصر.

فهذه اللوحات تمنحنا إحساسا جديدا، وشعورا قيميا ونظرة جمالية فاتنة. استجابة للضرورات الجديدة، إنها أبعاد بائنة تتوافر بشكل قوي في تجربة الفنان الرائد الكوني فائق العبودي. إنه المتفاعل الجريئ مع كل مقومات المنظومة التشكيلية العالمية، ومع مختلف المواد الرمزية، ومع الألوان التشكيلية المتخصصة، ما أنتج لديه أسلوبا تجريديا تعبيريا معاصرا، ينبني على قاعدة تشكيلية معاصرة، باختياراته وتوجهاته المباشرة، التي تستشرف العالم التشكيلي الباسم. بأسلوبه الرائد الخصب الذي يحتوي مجموعة من المعارف التشكيلية والمعالم الفنية والذوقية التي تندرج ضمن نسيج ثقافي واجتماعي وفكري، ورصيد معرفي تشكيلي. إنه يحمل خصائص فنية متفردة وجديرة بالمتابعة النقدية الجادة، لأنه يتوق في الفن التشكيلي المعاصر كل مكوناته ومفرداته وعناصره ومراميه الإبداعية المتطورة، والجماليات التشكيلية، وكل الأساليب التي تنبض بالحياة والتطور، وتهدف إلى إنتاج أعمال فنية راقية.

 

د. محمد البندوري

 

 

محمدـحسينـ الداغستانيالتأويل الجمالي للحرف العربي في اللوحة التشكيلية

تصف مؤرخة الفن (ساندرا داغر) الحركة الحروفية في عالم الفن التشكيلي بأنها أبرز ظواهر الفن العربي في القرن العشرين، ورغم أنها ترتكز على الخط العربي والزخرفة الاسلامية والآيات القرانية، إلا أنها إمتزجت مع مكونات الفن التشكيلي لإنتاج مخرجات حروفية فنية، وتقنيات حديثة ذات مضامين إبداعية مدهشة، شكلت ما يمكن وسمها بأنها تيار عاصف في ميدان الفن التشكيلي العربي والعالمي، فنجحت في إستقطاب إهتمام العديد من النقاد والفنانين ومنهم الرسام الاسباني بيكاسو الذي أقرّ أنه أراد الوصول الى أقصى نقطة فوجد بأن الخط الاسلامي قد سبقه إليها .

والحروفية في نطاق الفن الحديث كما يراها المؤلف اللبناني ( شربل داغر) في كتابه الفريد (الحروفية العربية : فن وهوية) هي إبتكار شكل إبداعي فني ( يستعمل الفنان العلامة اللغوية والهندسية والشكلية مادة للتشكيل في اللوحة والمحفورة والتمثال وغيرها من الحوامل المادية )، وهي في جُلها استلهام للحرف العربي بكل أنواعه وتوظيفه في انتاج لوحات آخاذة يتقاسم الحرف العربي فيها الوظيفة الجمالية مع سطوة اللون وتداعياته السيكولوجية . وهي بهذا المفهوم توظف سمات الخط العربي ومن أبرزها تجريدية الحروف العربية وإستقلاليتها والمرونة التي تعطي الفنان الخطاط فسحة واسعة لتطويعها وإستنباط قدرته التأثيرية في المتلقي على صعيدي البصر والبصيرة معاً .

ظهرت الحروفية العربية في العراق في العام 1969 ثم بادرت جماعة أطلقت على نفسها إسم (البعد الواحد) الى تنظيم معرض فني لها في العام 1971 فسّرت من خلال مشروعها الفني تأثير الحرف في الفن التشكيلي وكان من روادها جميل حمودي، ضياء العزاوي، شاكر حسن آل سعيد، رافع الناصري، عبدالرحمن الكيلاني، محمد غني . ثم توالت التجارب اللاحقة التي إستهدفت إبراز الطاقة الحسية داخل الحرف العربي وإضفاء ملامح الحداثة عليها الى جانب التأويلات الغنية للإلتفات الى التراث الروحي والاسلامي وإنعكاساته الإيجابية على الفن التشكيلي العراقي عموماً .

112 رجب كركوكلي 1

أما الحروفية العربية في كركوك فهي لا تملك تاريخاً مبيناً في ساحة الفن التشكيلي، وذلك لأن أغلب الخطاطين منهم بدافع شخصي أو بإيحاء من بعض أساتذتهم يعتقدون بأن التوسع في هذا المنحى قد يشوه الأسس الكلاسيكية الرصينة للخط العربي، ويمكن تفسير تحفظ هؤلاء نتيجة الامكانات التقنية الكبيرة التي وفرتها التقنيات الألكترونية الحديثة والتي تهيأ للفنان فرص صنع لوحات تحوي حروفاً عربية حديثة لا تندرج ضمن الأنواع المعروفة والمعتمدة للخط العربي، فضلاً عن إفتقار الإستعانة بهذه التقنيات للقدرة الإبداعية للخطاط في إبراز مواهبه الفردية في رسم الحروف، ولهذا فإنهم يخشون من الإختفاء التدريجي لدور الخطاط وبصمته وفقدان الخط لقواعده وأسسه المعروفة نتيجة إحلال الأجهزة الطباعية بديلة للجهد الابداعي الإنساني، لكن أنصار الحروفية يجهدون من أجل تبديد هذه المخاوف بالتأكيد بأن الإستعانة بالمؤثرات الفنية الحديثة يجب أن لا تقطع أو تضعف صلة الفنان أو الخطاط بممارسة الخط العربي وفق قواعده الرصينة .

لذا فإن كركوك وهي مدينة زاخرة بأسماء لامعة في عالم الخط العربي أمثال المرحوم محمد عزت الخطاط وعبدالملك عباس الخطاط ونجاة حميد سليمان وعوني الخطاط وشاهين كركوكلي ومظفر الخطاط والعشرات غيرهم قد تخلفت عن الركب في مضمار الحروفية، وإقتصرت نتاجات الخطاطين على اللوحات التقليدية التي في معظمها كانت تحوي آيات قرانية وأحاديث للرسول الكريم أو حكم وأمثال وأقوال أثيرة، إلاّ أن معالم الحروفية إتضحت في الآونة الأخيرة بشكل محدود، وقد يكون الخطاط والفنان التشكيلي رجب كركوكلي أبرز من طرح تجاربه في هذا الميدان من خلال العديد من المعارض المحلية والعربية التي نظمها أوشارك فيها ونال عليها العشرات من الجوائز والميداليات وشهادات التقدير والإطراء .

112 رجب كركوكلي 2لا شك أن الفنان الخطاط رجب كركوكلي أدرك ببصيرته الثاقبة خصوصية تجربته الإبداعية في تطويع الحرف العربي في لوحات تشكيلية آسرة والإمكانات المتاحة من ذلك للتحرر من أسار المحلية، والعمل على محاكاة التجارب المتقدمة في ميدان الحروفية الحديث، والإنتشار عربياً وعالمياً منطلقاً في ذلك من فهم العمق الحضاري والنفسي للحرف العربي، وقدرته الفذّة في التأثير وتحقيق التناغم المذهل بين عناصر اللوحة والارضية الفكرية التي تستند عليها تجاربه لبلورة منظومة بنائية فنية راقية مفعمة بالأحاسيس والموهبة الفريدة وخلق بيئة متجانسة ذات جمالية مميزة .

ووفق هذه الرؤى فالألق الإبداعي في لوحات رجب كركوكلي يكمن في المقاصد الفنية التي يثيرها خلال تعامله مع الحرف كمد أجزاء الحروف الأفقية كالسين والصاد والياء والكاف لمنح اللوحة والمتلقي في آن واحد الاحساس بالإستقرار والإتزان، وتوظيف عامل المرونة والمطاطية المستمدة من حروف الراء والهاء والواو والنون بأحجام وأطوال مدروسة ودقيقة والإتكاء على التربيع أو زوايا رسم الحروف بشكل هندسي فريد وخاصة عند إعتماده خطوط الثلث والديواني والفارسي وغيرها، ويعمل بدأب واضح على تأصيل البعد الجمالي في لوحاته لخلق تلاحم الشكل مع الموضوع والإتجاه بنفس القوة نحو الحرص على إسباغ الثراء والتنوع على الحروف التي يوظفها في اللوحة بمقاييس السمك والحجم والليونة والتحدب أو التقعر وملئ الفراغات بين الحروف بعد الإنتهاء من مشروعه الفني بأشكال تكاملية معروفة كالضمة والفتحة والميزان والظفر والنقطة . كما ويحرص على عدم الإتكاء على وضعية ثابتة في توزيع الكتلة الحروفية على لوحاته فتارة تحتل الحروف بأشكال هندسية موحية أسفل اللوحة أو يمينها أو يسارها لكنه وللقيمة التعبيرية والبصرية لمركز الأشياء فإنه يكثر من وضع مشروعه في قلب اللوحة للإستفراد بإهتمام المتلقي والشروع بحوار فلسفي عبر مضامينه المنتقاة ليؤسس لقيمة أخلاقية وإنسانية رفيعة، لكنه ولكي يتكامل مشروعه الفني عليه أن يتوافق تماماً مع تأكيدات خبراء الحروفية في إيلاء المزيد من العناية بمسألة التوازن في توزيع المساحات من خلال مراعاة أسس النسب المقبولة بصرياً لتؤدي اللوحة الفنية وظيفتها النفسية والجمالية المؤثرة .

أما على صعيد اللون فإنه يبدو من إستقراء لوحات رجب الحروفية إستخدامه الباذخ للون الأخضر بتدرجاته المعروفة لما له من تأثير مباشر على الإنسان كونه يوحي بالشعور بالتجديد والحرية والسيطرة على الذات والإنسجام مع المحيط الإجتماعي والرقي، وكذلك اللون البني الذي يرمز للون التراب والأرض والأشجار وغيرها من أجزاء الطبيعة الخصبة وهو من الألوان المحايدة التي ترمز للقيم الراسخة وللقوة والذكاء والأمان، وكذلك اللون الأصفر الذي يدل على الثراء والسطوع والطاقة، وأحياناً ميله لإستخدام اللون الأبيض الذي يرمز في العديد من الثقافات إلى النقاء والبراءة والكمال والإتقان والسلام . وبها فإنه يحول اللوحة الى نقطة إستقطاب مثيرة يتفرغ لها الرائي بدافع عفوي ولا شعوري ويتفاعل مع مدلولاتها العميقة .

112 رجب كركوكلي 3

لقد أحرز رجب كركوكلي نجاحات مهمة عبر مشاركاته الحروفية في المعارض والمهرجانات المحلية والعربية مما دفع العديد من الفنانين والنقاد الى تناول تجاربه بالتحليل والنقد والإطراء ومنهم الدكتور محمود فتحي من مصر الذي أشار الى أن رجب يمتلك أدواته ويستطيع بمهارة أن يقيم وحدات إيقاعية موسيقية متجانسة، وله تكتيكات خاصة مما يجعله يخلق كتلة متعادلة البناء وأن حروفه الثلثية مكتوبة ببنط عريض كما هو موجود في المدرسة الكلاسيكية البغدادية، وكذلك الدكتور قاسم الحسيني من العراق الذي أكد في دراسة تحليلية له على أن المنظومة البنائية وفق رؤية الفنان النسقية ذات المنطق العقلي الرصين الممتزج مع روحانية الحرف ولد فضاءات مشتركة لمشاهد فكرية تحمل قيم الروح الاسلامية وأنطقها الفنان بلغة تشكيلية مجردة وفق أنساق جمالية، كما شارك اكثر من عشرة نقاد أكاديمين في كل من مصر وليبيا والعراق الى تأليف كتاب عن أعمال رجب كركوكلي الفنية وقد صدر من تجمع مبدعون للفنون والآداب بالتعاون مع المركز التشكيلي العالمي في مصر .

لا شك في أن الفنان والخطاط رجب كركوكلي أفلح في تحقيق الحضورالمميز لتجاربه في ميدان الحروفية كفن حضاري رفيع يعزز روح الإنتماء والهوية الوطنية لكنه بذلك بات يتصدى لأدق وأصعب مراحل تألقه في كيفية ديمومة منجزاته ونجاحاته ليس في الساحة المحلية لمسقط رأسه كركوك وإنما على إمتداد الساحتين العراقية والدولية أيضاً من خلال رفدها بالمزيد من النتاجات النوعية المميزة لكي يرتقي ويحافظ على مكانته التي يستحقها في عالم الحروفية المبهر .

 

محمد حسين الداغستاني - كركوك

 

111 سعد علي 1من خلال متابعتي لأعماله الفنية التشكيلية وخاصة (أبواب الفرج)، أجد الفنان التشكيلي العراقي سعد علي تراوده هواجس الإبحار في عالم الإيحاءات الإسلامية، عِبرَّ أحد أقدم مؤشرات الروح الإنسانية وإبداعاتها، ومن خلال اللوحة التشكيلية التي يتبلور الفنان الإبحار الرواحي فيها، والتلاقح بين الثقافات والأديان والرؤى المختلفة لروح الشرق الحضاري، من قِيم جمالية عربية إسلامية متمثلة في انجازاته التشكيلية المتباينة، ومن خلال منجزه الزاخر بالزخرفة والخط والعمارة، والتي حولها إلى لوحة بمشروعه الفني الأكاديمي.

ولد الفنان التشكيلي سعد عبد علي الزبيدي في مدينة الديوانية/ العراق في الأول من تموز عام 1953، أكمل دراسته الأولية والثانوية في الديوانية، مارس الرسم منذُ نعومة أظفاره، درس الرسم في مشغل الفنان هاشم الوردي في مدينة الكاظمية، وتعرف على أساتذة الفن التشكيلي في صالون الفنان في الكاظمية، تأثر كثيراً بالمدرسة الواقعية البغدادية. شارك في العديد من المعارض داخل العراق وخارجه وقد تجاوزت الأربعين معرضاً، هاجر منتصف سبعينيات القرن الماضي وأكمل دراسته في بيروجا/ فلورنسا عام 1977-1981م على يد الفنان الايطالي (فروا) استاذ في أكاديمية الفنون الجميلة في فينيسيا، ثم استقر في هولندا وأخيراً في اسبانيا. أسس مع عدد من زملائه عام 1986م (بلاوة فيزل) للفنانين الهولنديين، عام 1989م أسس (الصالون الثقافي) في مشغله الخاص باوترخت، ينتمي إلى أسلوب (كوبرا) الفني. 111 سعد علي 2

اختار لأعماله التشكيلة باب الفرج لإيمانه أن طرد الإنسان من الجنة قد حولته إلى طريد على مر العصور، واستمر ذلك الطريد وهو غير قادر على تخطي تلك الأبواب، لكن هذا الإنسان يبقى يحلم بالعود وستفتح له باب الفرج. من خلال جذور الفنان علي وثقافته الشرقية انطبعت لوحاته بطابع الرصانة وتصوير المتخيل المستوحاة من الثقافة العربية الشرقية، الذي جَسَدَ من خلالها سعادة الإنسان وبراءته وطمأنينته. فالجنة تستوحاه كل الثقافات والأديان من خلال المتخيل الديني. فعيون ذلك الكائن الإنسان في لوحاته من ذكر وأنثى تُعبر بشكل دقيق عن نقاء الإنسان وبراءته، واكتسابها البعد الكوني من روحية وأحاسيس، وتخوف، لذلك نجد الفنان سعد علي يكرر اشكال شخوصه داخل محيط اللوحة، ويقوم بتلوينها أو تركيبها على الأبواب. فهي أعمال غير مألوفة عما تابعناه من معارض لفنانين آخرين، فمواضيعه في باب الفرج ترمز إلى الجنة.

111 سعد علي 3

ويمكن القول بالتحديد بسبب جذوره الشرقية العربية، واطلاعه على الفن العربي الإسلامي والفن المعماري ذات الجمال الأخّاذ، فقد اتجهت لوحاته إلى جنة عدن، فالمشهد للوحات علي تبدو جزءاً من المتخيل للفردوس وحكايات الفردوس في الثقافة الشرقية العربية. فخطوط لوحاته أجدها انسيابية ذات تركيب واضح ومحكم وطراوة وانسجام كبيرين.

111 سعد علي 4

تذكر وسائل الإعلام أن لوحات سعد علي قد دخلت متاحف الفن الحديث في كل من امستردام واوترخيت ولاهاي، من ضمن قِلّة ضئيلة من رسامي العالم الثالث ممن تمكنوا من اثبات جدارة ودخول الحرم الهولندي، لتعتبر من أهم مقتنيات هذه المتاحف. تميزت اعمال علي كخلفية جاهزة للرسم متبنياً الأشكال التي تطبعها باستخدام الأبواب والشبابيك، بانتقاء الخشب الجاهز لعمله. أما الدلالة البصرية لموضوعات أعماله فهي تمثل إعادة تأهيل الروح فيها من خلال التكرار والتوحد الإنساني، وإخاء إنساني حميم، فاللون والخط والتكوين جميعها تخضع لأسلوب هذه العناصر من خلال خضوعها للعلاقات الداخلية.

من خلال متابعتي لبعض لوحاته الفنية على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي، اجدها قد ارتكز الفنان علي فيها من خلال تقنية اللون المحكمة والتكوين الغريب وتناغم الهارمونية البصرية، مما تمنح للمتلقي والمشاهد عنصر الجذب الروحي لجوهر الإنسان، ومن خلال الصبغة الدينية التي منحها علي لأعماله. لكن ما جذبني هو الكم الهائل من انتاجه الفني، وتوظيف أشكالها الموغلة في القدم لاستخدامه الأبواب الخشبية القديمة، وهي تمثل الموروث الحضاري الذي يرتكز عليه الفنان علي، من خلال تعامله الجمالي واختزال اسلوبه في الفكرة والتكثيف الحسّي العفوي.

111 سعد علي 5

نجد في بعض لوحاته طغيان اللون القهوائي أو اللون الأحمر المشرب بالورد أو اللون الأزرق، ونجد في بعض لواحاته حالات النزاع مع الموت من خلال التطلع للعينان، فضلاً عن استخدام الأزرق الغامق، كما عودنا في لوحاته على رسم العيون السومرية البيضوية المفتوحة، وحركة الرؤوس الكاملة، وهي جزء من خلفيته التاريخية لرسم الرموز والأيقونات.

فأبواب الفرج التي خلقها الفنان من خلال لوحاته تقودنا إلى تلك الجنان ذات التركيب الهارموني، بعيداً عن الطوفان ورحلة الإنسان في فلك نوح. لوحات سعد علي فيها بعد فلسفي شرقي، تتخللها الشدة والغَم من جهة، والانفراج والأمل من جهة ثانية، فاللوحة الواحدة من أعماله فيها أكثر من نقطة كمركز استقطاب للنظر، ثم تتشعب بمنحنيات خطية وتتمازج لتكوين كائنين أو أكثر، فالموروثات الشعبية للبيئة بمستوياتها اللونية تتضح بغرضها الوجداني، لذلك خلق لنفسه بصمة خاصة واسلوباً خاصاً، به تتبلور شخصيته التشكيلية.

من خلال رؤية لوحات باب الفرج تدخلنا في الجسد الإنساني وعلاقته الجسدية ومظهر الحب الملتحم في لحظة زمنية معينة. ما رأيته من اعماله سرني كثيراً لتطويعه للخطوط والألوان تطويعاً موفقاً، فهو يرسم بأحجام كبيرة من أجل حمل واحتضان العالم، والبحث عن الحب في عوالمه المختلفة. لذلك أجدني اقول للفنان الكبير سعد علي إياك والابتعاد عن عالمك وبصمتك التي نتعرف عليها من خلال لوحاتك.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي