44 Lady Godiva3.fwالليدي گودايڤا Lady Godiva هي زوجة ليوفرك Leofric، نبيل مقاطعة مرسيا الإنگليزية في القرن الحادي عشر. وهي امرأة نبيلة بحق، ليس فقط بمعنى انتمائها لطبقة النبلاء، بل بمعنى نبل قلبها وصدق نواياها وعواطفها.

 45 Lady Godiva1.fw

 كانت گودايڤا تنظر بعين التعاطف والمؤازرة الى مواطني المقاطعة الذين يكدحون ليل نهار ويدفعون الضرائب الباهظة لزوجها ورجالاته، تلك الطبقة التي لا يعرف اعضاؤها معنى الكدح والمعاناة بسبب الملاعق الذهبية التي وصلت الى افواههم بكد الاخرين.

 46 Lady Godiva4.fw

كانت گودايڤا قد اشتكت لزوجها مرارا وتكرارا وتوسلت اليه ان يقلل ما يجبيه رجالاته من المعدمين! لكنه لم يكترث الى ان جاء اليوم الذي وجد نفسه في تحدٍ وقح لمطالبها، فعرض عليها موافقته على تقليل الضرائب بشرط ان تنفذ ما يريد منها! 

48 Lady Godiva12.fw

وما أراد منها هو ان تمتطي جوادها عارية وتجوب في شوارع المدينة، ظناً منه انها سترفض عرضه الرخيص وسيكون قد تخلص من مضايقتها له بالشكوى والاسترحام الدائمين، لكن الزوج "النبيل" كان قد تجمد من دهشته حين قبلت الزوجة شرطه ونفذته في الحال فجهزت جوادها وامتطته عارية تماما لا يغطي مفاتنها إلا شعرها المسترسل الطويل. 

47 Lady Godiva5.fw

وكأغلب القصص المثيرة فقد استهوت هذه القصة العديد من الرسامين والنحاتين لمعانيها ولما في موضوعها من إثارة تشكيلية. ولربما كانت لوحة جون كولييه John Collierالتي رسمها عام 1897 من أشهر ما عرفناه عن الاعمال التي تناولت قصة گودايڤا، حيث تقصد كولييه أن يظهر گودايفا وقد كشفت عن جسدها بخجل لكنها آثرت ان تغطي حصانها بإيزارٍ ملكي أحمر.

 49 Lady Godiva6.fw

هناك روايتان حول رد فعل الناس في مدينة كوفينتري التي جرى فيها الحدث: الرواية الاولى تقول ان سلطة المدينة فرضت منع التجول وغلق الابواب والشبابيك والمحلات اثناء جولة كودايفا لكن مواطنا واحدا اسمه توم اعتقل بسبب استراقه النظر لكودايفا، الامر الذي ادى الى صياغة التعبير المعروف الان "توم المتلصص" peeping Tom.

50 Lady Godiva2.fw

أما الرواية الثانية فانها تؤكد بان مواطني المدينة امتنعوا ذاتيا عن مضايقة الليدي بنظراتهم فأغلقوا ابوابهم وشبابيكهم ومحلاتهم احتراما لها ودعما لقرارها الايثاري.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

356 محمد الكنانيمحمد الكناني أستاذ الفن التشكيلي في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، من مواليد بغداد 1970، درس الفن التشكيلي وشُغف به منذ صغره.

ترأس قسم الفنون التشكيلية بكلية الفنون الجميلة لأكثر من مرة.

له أكثر من ١٢٠٠عملاً تشكيلياً في فن الرسم والنحت والكرافيك كما أبلغني هو.

من كُتبه: (النُظم المعرفية بين العلم والمعرفة، و كتاب: (دراسة في تأصيل المفاهيم) وهو دراسة في النقد الفني للرسم العراقي الحديث.

تأثر بأساتذة الفن الكبار أمثال: فائق حسن، وشاكر حسن آل سعيد، وجواد سليم وكاظم حيدر.

صقل موهبته عبر الدراسة والشغف بفن بلاد ما بين النهرين، وأجده في أعماله النحتية أقرب لفنون بلاد ما بين النهرين منه الى فن الرسم الذي بعد إكتسابه للمهارة والدراية والخبرة صار أقرب لفنون ما بعد الحداثة، فهو بعد دراسة جادة لمدارس التشكيل ولأصولها الفلسفية، صار أكثر شغفاً بالفلسفة، حتى طغت على رسوماته وأعماله النحتية تأثره بقراءاة مدارس وإتجاهات فلسفة ما بعد الحداثة، حتى تمكنت منه الفلسفة، فتمكنت منه وتمكن منها، فدخلت بوعي أو من دون وعي لتخترق أعماله، حتى صار طلبته في الدراسات العليا ممن درسهم أو أشرف عليهم كثيروا التأثر بتوجهاته هذه، وقد غلبت في بعض الأحيان على دراساتهم أطر التنظير الفلسفي في رسائلهم وأطاريحهم على فاعليتهم ومقدرتهم التشكيلية، فتجدهم أقرب لنُقاد الفن التشكيل منهم إلى التشكيليين، وإن يكن منهم تشكيليون مُميزون كما هو حال أستاذهم.

54 محمد الكناني

تأثر محمد الكناني بأساتذة عراقيين في الفلسفة منهم مدني صالح، وهو (أي الكناني) من أكثر أساتذة الفلسفة تعلقاً بشخصية مدني صالح على مستوى التأثر به فكرياً وتدريساً، لأن مدني صالح درّسه في الدراسات العُليا فلسفة الفن، وهو الأقرب لدكتور نجم عبد حيدر الذي هو بدوره تجد أن الفلسفة قد تمكنت منه بفعل تأثره أيضاً ببعض أساتذة الفلسفة العراقيين، ومن أهمهم مدني صالح، فضلاً عن قراءته المُستمرة للفلسفة.

تأثر بصاحبه أستاذ الآثار وتاريخ الفن د. زهير صاحب، فكان لنفحاته الآثارية وتطلعاته الفكرية أثرها في ثقافة الكناني وأعماله التشكيلية في الرسم والنحت.

ولم يغب أثر صديقه القريب د. بلاسم محمد بكل تمرده على كل الصيغ والمناهج التقليدية والحداثية الجاهزة.

ويبقى للكناني بصمته الخاصة فقد شارك في العديد من المعارض التشكيلية رسماً ونحتاً المحلية والعربية والدولية، وحصل على العديد من الجوائز أهمها:

ـ جائزة الإبداع العراقي للثقافة والفنون (فن الكرافيك) عام 2000م.

55 محمد الكنانيالفكرة في فضاء عمله التشكيلي يحكمها فعل التحديث بوصفه فعل ديناميكي ينفعل به فضاء التشكيل اللوني للعمل الفني الذي يحدَه المكان (اللوحة)، ولكن الزمن فيه يفلت خارج أطار محدودية المكان (اللوحة)، لأن تصيير زمانها إنما هو فعل تأثير وتلقي يكون للمُتلقي دوره في الديمومة التي يرومه الكناني للوحته لتخرج من أطرها المكانية لتتماهى مع ثقافة المُتلقي الذي يحتاج عُدة مفاهيمية وفلسفية ناضجة لتلقي أعمال الكناني.

لا يسعى الكناني لاختراق أفق اللوحة اللوني، كي لا يجعل من المُتلقي خارج مُقتضيات أعماله التجريدية منها أو القريبة من فهمه المُباشر، فستجد لوحاته على الأعم الأغلب يطغي فيها لون ما يحمل معنى ما يُريد من خلاله الكناني إيصال رسالته في بوصفه صاحب رؤية تستعين بالفلسفة التي تبحث عن المعنى حتى في رؤى فلاسفتاها الحالمين.

رغم أن الكناني في كثير من الحوارات معه يؤكد سومريته، فهو بأصوله ابن هذه الحضارة (حضارة سومر) التي منها بدأت حكاية الإنسان، ومنها بدأ الفن بكل تمظهراته، وكما قال صموئيل كريمر في كتابه ألواح سومر (التاريخ يبدأ من سومر)، لكنه يرسم لأن فيه شغف للرسم، هو يجد في الرسم تعبير عن مكامن الذات وإرهاصاتها، وهو يهيم في فن الكرافيك لأنه يعدَه مكمن التجريب لتعددية الخامات والمواد الداخلة فيه.

الكرافيك عنده هو الذي بمقدور الفنان الفنان أن يكشف عن مهارته فيه خارج مُهيمنات وسلطة تددية اللون.

رغم أن كثير ممن كتب عن الكناني يرى أنه مُغرم بتددية اللون، إلَا أنني أجدَه على العكس من ذلك، فاللون عنده طُغيان لحالة نفسية ووجدانية، ولكل شعور داخلي وجداني في حالة التعبي عنه في الألم أو الفرح، هُناك لون يستبيح اللوحة ويخترق مساحاتها داخل فضائها المؤطر، وكل لون آخر في اللوحة إنما هو ضربة ريشة فنان يحلم بخرق أفق المُعتاد والراكد المُهيمن على شعوره الداخلي.

اللوحة صورة إبهارية، وهي عند الكناني كذلك، ولكنه لم يكن مشغولاً في الإبهار اللوني فقط، رغم أن هذه من المهارات التي ينبغ أن تتوافر عند كل فنان ما بعد حداثي، والكناني أقرب لتوجهات هؤلاء التشكيليين الذين ينهل منهم كثيراً من مُتبنيات وعيهم التشكيلي ليُعيد صبه ببصمة فنان ماهر له القدرة على تحويل ما هو عالمي ليكون أكثر قُرباً للتذوق المحلي، وله في ذات الوقت القُدرة على جعل ما هو محلي وكأنه عمل مُكتنز بمعاني ذات أفق كوني، وتلك من بقايا تأثيرا قراءته الواعية لفلسفة وتاريخ الفن عموماً والتشكيلي على وجه الخصوص.

 

د. علي المرهج

 

في عام 1972، نظم في دمشق، المهرجان الأول للسينمائيين العرب الشباب، والذي أكد خلاله هؤلاء السينمائيون الشباب، على إرادتهم في إحياء وخلق أو تأسيس " السينما البديلة"، كما تشرح سيسل بويكس . فالهدف المنشود هو " صياغة لغة سينمائية جديدة تأخذ في الاعتبار الواقع السياسي والاجتماعي للمجتمعات التي تتحدث عنها وتكون شاهداً عليها. ولقد غدت " المؤسسة العامة للسينما" مركز استقطاب ومختبر للسينما البديلة والملتزمة" وقامت هذه المؤسسة بإنتاج فيلم " اليازرلي" وهو الفيلم الروائي الطويل الوحيد للمخرج السينمائي قيس الزبيدي. ولقد منع الفيلم من العرض بذريعة " محتواه الجنسي الصريح" وكان هذا الفيلم، مع عمل وإبداع عدد من السينمائيين الآخرين، يندرج على نحو ما في سياق تلك التجربة أو المحاولة لخلق وتقويم سينما عربية بديلة مهمشة ضمن تاريخ عام للسينما لأسباب خارجة عن مستواها الجمالي والإبداعي ونوعيتها الذاتية.

ولد قيس الزبيدي في العراق وتميز بصفته مونتيراً في السينما السورية من خلال عمله وتعاونه مع عدد من المخرجين من أمثال نبيل المالح وعمر أميرالاي ومحمد ملص. كما أثبت مصداقيته الحرفية في مونتاج فيلم " مائة وجه ليوم واحد سنة 1969" و في فيلم " بيروت يا بيروت سنة 1975" للسينمائيين اللبنانيين كريستيان غازي و مارون بغدادي. وكذلك عبر مواضيع أفلامه القصيرة الأولى، وعمله في منظمة التحرير الفلسطينية، ومن ثم نشاطه ومشاركته الفعالة في البحث عن الأفلام الضائعة سنة 1982 إثر الغزو الإسرائيلي للبنان وارتبط أسمه بقوة مع السينما الفلسطينية.

مع ارتباطها بالعودة الدائمة للأرشيف وعدم سعيها للأخذ بالاعتبار التوجيهات المقدمة من قبل قيس الزبيدي، أثناء حوارها معه بمناسبة حضوره أثناء مهرجان سينما فلسطين، وبالأخص، البعد أو المدى التاريخي لهذه الدراسة الموجهة بفضل وجهة نظر مخرج فيلم اليازرلي. فإن طموح هذا البحث، المرتكز بوضوح على عمل هذا السينمائي، هو ليس بالضرورة مونوغرافياً، بل يستذكر المسار الذي خطه قيس الزبيدي، والمقصود أكثر من ذلك، هو تحلي أشكال التعبير في اليازرلي بتركيز الاهتمام على دورة المفاهيم في المونتاج باعتبارها تكوينات تنظم إنتاج المعاني وإقامة علاقة جدلية حساسة مع العالم . وبالاستناد إلى تعبيرات وأقوال المخرج والنقد المنشور في مجلة الطريق عن الفيلم، سوف أعرض للطريقة الإبداعية الخلاقة والإبتكار الشكلي لفيلم اليازرلي المندرج ضمن ظرف جمالي وسياسي وطني وإقليمي ودولي. بتنويع مستويات المشاهدة، سأحاول كذلك أن اشرح وأوضح صيرورة أو عملية التهميش للسينما البديلة وتقديم معلومات تسمح بإدراج هذه السينما ( باعتبارها مشروعاً حمله العديد من السينمائيين الذين تشكل أعمالهم وإبداعاتهم وإنتاجاتهم نوعاً من التجمع غير المتجانس وغير المحدد بدقة، أو مدرسة غير محددة الملامح، في تاريخ السينما).

تشكيل لمشروع: التاريخ العابر للوطن والتحولات اللا خطية:

في مقابلة مع قيس الزبيدي صرح مستشهداً بذاكرته بنص كتبه بودوفكين ومترجم للعربية، وبالتحديد جملة تقول" إن المونتاج هو القوة الخالقة لكيان الفيلم" هي التي دفعته لأن يقرر دراسة المونتاج في المعهد العالي للسينما في بابلسبيرغ/ بوتسدام في ألمانيا الديموقراطية.

إن جدلية التفاعل الثقافي بين مختلف الثقافات والتي ينتمي إليها جزء من السينما البديلة، هي التي يجب البحث عنها في تاريخ سينما ألمانيا الديموقراطية سابقاً. وكغيره من مخرجين عرب آخرين، درس قيس الزبيدي بين أعوام 1961 و 1969 السينما في ألمانيا الديموقراطية. وحسب كارولين موان، مؤلفة كتاب مكرس لتاريخ المهرجان الدولي للأفلام التسجيلية وأفلام الصور المتحركة في لايبزيغ، فإن أحد الخصائص والميزات المهمة لهذه المدرسة هي، ومنذ البداية، وجود عدد من الطلاب الأجانب بين ثناياها، والذين تواجهوا مع فكرة التضامن الأممي . فبالنسبة لطلاب مدرسة بابلسبيرغ، كان مهرجان لايبزيغ بمثابة نافذة مفتوحة على العالم. وقد أعلن قيس الزبيدي أنه أكتشف هناك قيمة السينما الوثائقية وهي قيمة ستخدمه كمحرك ودافع للإبداع ولخلق أشكال سردية بديلة. كما اعتبر مخرج عراقي آخر، هو فيصل الياسري الذي عمل لفترة في سوريا أيضاً، هذا المهرجان: " " كأفضل إمكانية" لتبادل خبراتنا وتجاربنا مع سينمائيين تقدميين آخرين في العالم".

من بين البلدان والسينمائيين الممثلين والمشاركين في لايبزيغ. والأشخاص المشاركين في هذه التظاهرة ــ الحدث، الذين توفرت لهم الفرصة لاكتشاف إنتاج سانتياغو آلفاريز السينمائي الكوبي منذ عام 1961، الذي كان عضواً لعدة مرات في لجنة تحكيم المهرجان" وقام بالتعريف بنفسه في أوروبا" .

بعض تجارب قيس الزبيدي في حقل السينما المناضلة يمكن مقارنتها بتجارب سانتياغو آلفاريز . فالميل الشعري والاحتجاجي للمونتاج المجازي لأجزاء غير متجانسة، هو الذي يقرب بين فيلم" الزيارة " 1970 لقيس الزبيدي " مع بعض أفلام السينمائي الكوبي، في حين أن إيقاع تدفق الصور وإطلاق النيران التي دمغت وميزت نهاية فيلم " الآن" 1965 لأفاريز، موجودة في بداية فيلم " بعيداً عن الوطن 1969. قبل أن يكرم،" مثل فيلم بعيدا عن الوطن"، من قبل لجنة تحكيم مهرجان دمشق السينمائي عام 1972. إن هذا الفيلم القصير لقيس الزبيدي حصل على جائزة مهرجان لايبزيغ عام 1969. ومع تصريح قيس الزبيدي بأنه على اطلاع على أفلام سانتياغو أفاريز إلا أنه أوضح بأنه تأثر مباشرة بفيلم أوكتافيو كورتازار ( وهو أيضاً عضو لجنة تحكيم في مهرجان لايبزيغ في بداية سنوات الستينات)، وهو فيلم " للمرة الأولى por primera vez 1961"، الذي اكتشفه في ألمانيا قبل أن يعمل في سوريا. وعلى غراره صور فيلم بعيداً عن الوطن، مع أطفال يشاهدون للمرة الأولى صوراً متحركة، وإذا كان تأثير فيلم للمرة الأولى por primera vez، واضحاً، فإن نغمة بعيداً عن الوطن الحرة تفسر كذاك بالوظيفة أو التوظيف المختلف للتعليق في فيلم بعيداً عن الوطن مقارنة بفيلم أوكتافيو كورتازار (فالتعليقات هي حصراً لأطفال يعبرون بكثير من العفوية عن مشاهدتهم لصور متحركة لأول مرة في حياتهم، تعرض أمامهم بعد أن صورت في مخيم للاجئين، في سوريا الذين يعيشون فيه) انطلاقاً من شرط لقيد تقني مرتبط بمشكلة التزامن الصوتي الذي فرضته المعدات المتوفرة في سوريا في ذلك الوقت.

وبدون الإدعاء بالتغطية الحصرية أو بإعطاء وصف شامل للقراءات الفيلمية التي يتموضع فيها المخرج، فإن مرجعياته النظرية للنظريات السوفيتية في السينما، وللأفلام المعروضة في إطار مهرجان لايبزيغ، تشير إلى أولى الآثار لفهم تهميش أو تميز آثر قيس الزبيدي الفيلمي. مقارنة بأفلام عمر أميرلاي، الذي درس في معهد الدراسات السينمائية العليا الإيديك، وعاش أحداث ثوة الطلاب سنة 1968 وكانت موضوعاً لمقالات مبكرة في مجلة كراسات السينما les Cahiers du cinéma، والتي كثيراً ما عرضت في فرنسا في السنوات الأخيرة المنصرمة في إطار أحداث كرست للسينما السورية، فإن إنتشار الأشكال والأفكار التي تعرض أمام أنظار مراقب يريد أن يفهم ما هي الطريقة أو النهج الذي أنتجت فيه أفلام في سوريا في تلك الفترة، والتي تشارك في طموح خلق سينما بديلة تنطوي على جغرافيا تتجاوز أو تتعدى أي إطار وطني وتطالبنا أن ننتبه لأشكال التداول غير الخطية .

مجلة الطريق: أقوال سينمائيين في العالم العربي في بداية سنوات السبعينات:

هناك حاجة وضرورة لتغيير المستوى من أجل فهم أفضل لصيغ وطرائق هذا التهميش . وهذه في الحقيقة مسألة اللغة والظروف السينمائية والسياسية لهذه المنطقة التي – إلى جانب المسألة المؤثرة والحاسمة بخصوص صعوبة الوصول إلى الأفلام التي أخرجت في تلك الفترة في العالم العربي والتي سنعود إليها – تفسر الجهل بمواقف وآثار قيس الزبيدي . فآراء ووجهات نظر السينمائي وكتاباته النقدية التي جمعت في دمشق، نشرت في عدد خاص من مجلة الطريق اللبنانية ( العدد رقم 8_7-،1972). من خلال عنوان المجلة "الطريق " ومقال لكريم مروة عنوانه : "لا بد من مواجهة صعود الاتجاهات اليمينية في حركات التحرر العربية" وكان موضوع الغلاف لهذا العدد من مجلة الطريق مكرس للسينما العربية البديلة، وهي مجلة ينشرها مثقفو الحزب الشيوعي اللبناني .

وكتغطية للفضاء المهرجاني، فإن هذه الوثيقة تتيح الاستماع لأصوات متناقضة ومتباينة، ورؤية مشروع يختلق أو يبتكر، وتعريف يتبلور ويتشكل ويتم رسمه نظرياً. هنا يوجد تعدد الأصوات واستخدامات لا مبالية أحيانا للشروط ولمفاهيم مثل " سينما بديلة " و " سينما جديدة"، تسمح على نحو أفضل في فهم المشاكل التي تواجه السينمائيين الشباب وتنوع واختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم. السينمائي الفلسطيني مصطفى أبو علي يتطرق أو يذكر على سبيل المثال إلى أنه يستلهم التراث العربي في ابتكار أو خلق سينما بديلة، في حين يعتبر المخرج الكويتي خالد الصديق أن تدمير السينما التجارية التقليدية يتم عن طريق الاتصال بالخارج.

ينتقد قيس الزبيدي في نصه " عالم الأوهام" الذي تصنعه السينما الكلاسيكية. ويطالب بــ "" ممارسة مونتاج إنطلاقاً من الحياة كما هي" ويوضح ذلك قائلاً :" تعاني السينما العربية من أمراض مزمنة ناتجة عن عزلتها التامة تقريباً عن الواقع اليومي للجماهير . وربما من بين الأسباب الحقيقية لتفاقم تلك الأمراض على مر الزمن، يكمن السبب في غياب التجربة لسينما وثائقية عربية لدى السينمائيين العرب أو لدى قطاع واسع من جمهور السينما".

إن الاراء التي نشرتها مجلة الطريق تظهر أن الأشخاص المجتمعين في دمشق يرغبون للاستجابة لظرف خاص بالسينما العربية تهيمن عليه الأفلام المصرية وتقليدها محلياً . كما شددت المخرجة المصرية نبيهة لطفي في مقالتها في الطريق عن تأسيس جماعة السينما الجديدة في مصر، "شددت على ضرورة التوجه للجمهور في المنطقة بخطاب سينمائي لا يحتقر ذكائهم ويستلهم وجودهم بدون الاكتفاء بتقليد السينما الأوروبية". أما حميد مرعي رئيس المؤسسة العامة للسينما وعضو لجنة التحكيم لمهرجان دمشق السينمائي لسنة 1972، والذي كان موجودا في الجزائر على هامش " لقاء السينمائيين العرب والأفارقة" فقد صرح : على مستوى الوزارة، هناك خيار بنيوي يتمثل بإعداد وتأهيل كادر سينمائي سوري مختلف عن كادر القطاع الخاص المعتمد كلياً على الكادر المصري، والحال أنهم ليسوا أفضل السينمائيين المصريين، بل هم من مخرجي الدرجة الثالثة أو الرابعة . فأفلام القطاع الخاص هي أفلام مصرية منتجة في سوريا وليس فيها سورياً سوى منتجها ".

المجلات الفنية اللبنانية التجارية في ذلك الوقت التي تحدثت عن الأفلام المعروضة في الصالات، تتيح لنا التدقيق في الموقع المهم الذي تحتله السينما المصرية على شاشات هذا البلد . كما تعرض في الصالات أفلام إنتاج مشترك سوري لبناني أو أفلام مثل " قيثارة الحب" وهو كوميديا رومانسية من إخراج محمد سلمان، تمثل فيه المغنية اللبنانية الشهيرة صباح كما هو حال عدد من ممثلي تلك الفترة وهو الأمر المبرر من وجهة نظر استهلاكية مع استخدام اللهجة المصرية والذي بقي لوقت طويل يعرض على الشاشات اللبنانية سنة 1974. إلى ذلك يضاف ما من شأنه توثيق المأساة الفلسطينية، التي هي، ليست فقط موضوعاً لعدد من إنتاجات المؤسسة العامة للسينما أو عرضت في دمشق سنة 1972، فحسب، بل وتوضح كذلك تأسيس وحدة الإنتاج السينمائي الخاصة بمنظمة التحرير الفلسطينية والبحث عن أشكال سينمائية خاصة لتطرح على نحو مختلف هذه القضية الفلسطينية بعد نكسة حزيران 1967 والتي نددت بالحكومات وأساءت إليها. مع كون حضور السينما البديلة ضعيفاً خارج المهرجانات، فإن بعض الأفلام المنتمية لهذا التيار، من بينها أفلام وثائقية قصيرة لقيس الزبيدي، عرضت في بيروت في إطار النادي السينمائي العربي الذي شارك في تأسيسه المخرج اللبناني برهان علوية وهو مخرج فيلم كفر قاسم الذي يعرض المذبحة التي ارتكبتها إسرائيل بحق قرية كفر قاسم الفلسطينية.

نوقشت في دمشق خصائص السينما البديلة المنشودة والتي تعرضت للنقد من قبل بعض المراقبين. وبخصوص فيلم " مائة وجه ليوم واحد" ومن إخراج كريستيان غازي والذي قام بمونتاجه قيس الزبيدي وحصد جائزة النقاد للأفلام الطويلة في مهرجان دمشق لسنة 1972، وعبر في المهرجان عن أفكار ومواقف قريبة من أفكار ومواقف مخرج فيلم اليازرلي فيما يتعلق بمسألة العلاقة بين السينما العربية البديلة والجمهور وبهذا الصدد نقل الناقد الفرنسي غي هينيبيل :" يتذكر الموقعون على هذه الخطوط مناقشات متعمقة مع المخرج في المهرجان الأول للسينما العربية الشابة في دمشق في عام 1972، حول أهمية النهج الفني الذي كان، باختصار، يرنو للعثور على نوع من السرد "الثوري أنطولوجياً" إنطلاقاً من بحوث مختبرية لا تأخذ في الاعتبار تلقي وتقبل الجمهور".

في مقال معنون" الضجيج حول السينما البديلة أكبر من واقعها " ندد الناقد السينمائي فريد جبر بالموقع المهم الذي تحتله القضية الفلسطينية، والذي قاد إلى إهمال السينمائيين الشباب للمشاكل الأخرى. واقترح أنه ينبغي الاستناد إلى السينما المصرية في بناء سينما بديلة بدلاً من جعلها كبش فداء".

قيس الزبيدي: مخرج مونتير ملتزم في خلق سينما بديلة.

أعد فيلم اليازرلي عن قصة قصيرة في السيرة الذاتية للكاتب السوري حنا مينه، تندد وبمهارة بتبعات الهجرة الريفية الجماعية وبالفقر، وهي ثيمات مشتركة للسينما الملتزمة في تلك الفترة . في هذا الفيلم، كانت وظيفة النقد لتفكيك الاستمرارية، مضاعفة. فمن جهة، ما كان يهم قيس الزبيدي يكمن كما يبدو بجلاء، في البعد التأملي للتلاعب بالشريط السينمائي باعتباره أداة تعارض الكذب والخداع والتزوير لعالم الوهم الذي صنعته ومازالت تصنعه السينما العربية الكلاسيكية". بتبنيه وجهة نظر طفل، هي كذلك نظرة نقدية، كونها مزاحة عن الخط المألوف، يطرحها الفيلم على عالم البالغين. فالأشكال تتزاوج أو تتبنى التعبيرية الذاتية للطفل، والتي تندرج في استمرارية التجريب للمخرج في مجال الفيلم الوثائقي ( بعيداً عن الوطن، شهادة الأطفال الفلسطينيين في زمن الحرب 1972)، تخدم " السردية التجريبية" للفيلم" . وخلال اليوم الأول لعمل الطفل، على سبيل المثال، كان المونتاج المتكرر للقطات ثلاثة صورت في مواقع مختلفة لكنها تقدم تكوين وحركات كاميرا مشابهة لأول لقاء مع من سيصبح رب عمله، تسمح بتقديمها أو تمثيلها على أنها طريقة للمواجهة مع السلطة . وعلى نحو أعم، فإن المونتاج المكرر لنفس الفعل، واللقطات المدرجة،واستخدام العرض البطيء، وتوقف أو تجميد الصور، تبدو كأنها وسائل لمعالجة الزمن كما لو كان مادة تشكيلية لإضفاء قيم أكبر على وجهة نظر الطفل التي يقدمها حول الصعوبات الاقتصادية والعمل اليدوي والجنس وإمكانية التجسد.

كان قيس الزبيدي يحضر فيلمه " اليازرلي"، الذي يعتبره بمثابة بيان للسينما البديلة، للعرض في مهرجان دمشق، وفي نفس الوقت يعمل بالتوازي على مونتاج فيلم " الحياة اليومية في قرية سورية" للمخرج عمر أميرلاي. تجميد الصورة يلعب دوراً مهماً في هذا الفيلم أيضاً. فمنذ بداية الفيلم الوثائقي لعمر أميرلاي، نرى رجلاً بالعرض البطيء يشق أو يمزق ملابسه بغضب قبل أن تتجمد الصورة. ثم تعود هذه الصورة ثلاث مرات في الفيلم قبل المشهد الختامي أو النهائي، الذي ينطلق من هذه اللقطة الثابتة ليحرر أخيراً الصرخة الدفينة المخنوقة للفلاح. يطلقها عدة مرات، نقداً للإقطاع، وعلى نحو غير مباشر لحزب البعث، لتسمع قبل توقف آخر للصورة يتبعها النص التالي:" علينا أن ننخرط بالمعركة من أجل خلاصنا المشترك، لا توجد أيادي نظيفة، ولا بريئة، لا يوجد مشاهدون. علينا أن نغمس أيدينا في طين أرضنا . كل مشاهد إما جبان أو خائن.

مع إن نهاية فيلم اليازرلي و الحياة اليومية في قرية سورية، لا يشرحان بنفس الطريقة، ولكن في الحالتين توجد حركة أو فعل يشتغل على التعارض الجدلي بين التسجيل واللوحة التشكيلية من خلال اقتراح شكل مفتوح في نهاية المطاف . ولو استعدنا نقداً لسيرج داني كتبه عن الفيلم متأخراً، "بعيداً عن أن يكون مجرد " حيلة" مهمتها مشكلة النهاية " فإن المشهد الختامي أو النهائي لفيلم الحياة اليومية في قرية سورية بشكل خاص، هو بجلاء وصراحة عبارة عن إشارة لمشروع أوسع وعلاقة بسينما تجد نفسها أن عليها أن تصيغ مرجعية تعود إلى فرانز فانون، سبق أن عبئها فرناندو سولاناس و أوكتافيو جيتنو، حيث قام عمر أميرلاي بترجمة البيان إلى العربية .

تدمير، سرقة، نسيان، عودة لمشروع جماعي:

تصادف عرض الفيلمين مع نهاية مرحلة الوصول إلى السلطة لنظام حافظ الأسد، الذي صحح من جموح مناهضة الإمبريالية بتصفية خصومه ومنافسيه، ما أدى إلى منع عرضهما في سوريا. وإذا كانت المؤسسة العامة للسينما في سوريا، ممثلة بشخص رئيسها حميد مرعي، الذي ساعد قيس الزبيدي في العمل في سوريا، قد شجعت التجريب الفني والحوارات أو النقاشات حول السينما البديلة، فإن مديرها قد أعفي من منصبه وأزيح سنة 1974 في خطوة استبدال إدارة المؤسسة العامة للسينما. رغم أن هذه العملية قد أثرت بعمق وعلى نحو مستمر في إعادة بعث المشروع، إلى جانب الرقابة وضياع قسم من الأفلام التي نفذت أو أنجزت في تلك الفترة، إلا أن ذلك لم يطمس نهائياً ذاكرة تلك "اليوتوبيا" الطوباوية غير المكتملة. وكمثال على ذلك مقال للناقد اللبناني وليد شميط نشر في مجلة السينما الجزائرية " الشاشتين" عام 1979. فهذا الناقد اللبناني يعتبر أن السينما البديلة بقيت في مرحلة القول ولم تتكرس كحركة حقيقية فعالة... كما هو الحال مع شعار " السينما الثالثة" بل استمر الحديث عنها " كمشروع طموح لم يكتمل ولم تحدد ملامحه النهائية بعد" ويستشهد بأفلام أنجزت " خلال السنوات الأخيرة" تسمح بتأكيد هذا التشخيص بهذا الاتجاه. لقد نجا فيلم "مائة وجه ليوم واحد" من التدمير الذي تعرضت له بعض الأفلام الأخرى كفلم المخرج كريستيان غازي، وعثر عليه مؤخراً في سوريا على يد المخرج اللبناني رامي صباغ. ومثله، قام بعض المخرجين من الجيل الجديد بالبحث عن ذلك الماضي. وفي تعليق رافق فيلمه القصير الأول استعار " تجمع أبو نادرة" الكلمات التي اختتم بها فيلم الحياة اليومية لقرية سورية" وقيس الزبيدي، الذي يعيش حالياً في برلين، هو جزء من هؤلاء الذين يسعون إلى حفر وإنعاش الذاكرة . في فيلم " ملوك وكومبارس" لعزة الحسن 2004" نراه وهو يقود المخرجة في مقبرة، موحياً بفرضية أو إحتمال إخفاء أفلام مؤسسة السينما الفلسطينية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي اختفت سنة 1982. وبفضل الاتصال بقيس الزبيدي، تمكنت آن ماري جاسر بتنظيم أول عرض لفيلم " ليس لهم وجود/ 1974" في فلسطين. وقام مصطفى أبو علي بنفس التجربة التي قام بها كريستيان غازي للعثور على فيلمه بعد مرور بضعة عقود . وأخيراً تم العثور على فيلم لقيس الزبيدي من قبل رونا سيلا في أرشيف الجيش الإسرائيلي في وزارة الدفاع وأفلام أخرى صودرت كغنائم حرب عام 1982.

في مرحلة " حوار الثقافات" في إطار الــ" الأورو ــ متوسطية " أصبح الأمر جزءاً من خطاب السلطة، حيث تم تكريم عدد من الآثار السينمائية المنجزة في بعض الدول العربية في مختلف المهرجانات السينمائية الدولية،وطموحات السينمائيين في تلك الفترة تذكرنا بقوة جمالية مشروع التغيير أو التحول السياسي. إن إعادة امتلاك هذه التركة من قبل بعض السينمائيين المعاصرين، هل ستكون بمثابة طريقة للتذكير كما قال كريستيان غازي، في دمشق عام 1972، بأنه لا يمكن التعبير عن قضية معقدة بشكل بسيط أولي أساسي"، وعلى نحو أوسع، استجواب أشكال التعبير الممكنة، والتساؤل عبر الماضي عن الأشكال الممكنة من التعبير التي ترتكز عليها الأصوات والصراعات؟ وبلا كلل، تشهد الأفلام التي أخرجها قيس الزبيدي على أهمية دور المهرجانات في نقل أشكال مخربة فضلا عن الطريقة التي تستمر بها بعض الأسئلة في العمل على أولئك الذين يرغبون في نهاية المطاف التهديم، وتشكل في رأيي شكلا من أشكال المقاومة لظاهرة التأسيس التي تميز المجال المعاصر للثقافة.

 

ترجمة د. جواد بشارة

............................

1- تحرص الكاتبة على تقديم الشكر للمساعدة القيمة والثمينة ( البحث عن الوثائق، المقابلات، الترجمات، وإعادة القراءة والمراجعة،) التي قام بها: بيير جيرار، عمر السعد، قيس الزبيدي، ماريون سلتين، عبودي أبو جودي، هالة عبد الله، وليد شميط، ودانا البوز.

2- نظم من قبل لجنة برئاسة حميد مرعي، مدير عام المؤسسة العامة للسينما في سوريا التي تشرف على مجمل النشاط السينمائي في سورياً ابتداءاً من عام 1964، ومكونة من سينمائيين ونقاد عرب. وليد شميط: " مهرجان الشباب العربي في دمشق : البحث عن السينما البديلة " الأسبوع العربي 1972 ص 57 ترجمة عمر الأسعد وآناييس فارين.

3- دكتوراه في العلوم السياسية سيسل بويكس متخصصة بالسينما السورية نشرت أطروحتها تحت عنوان: " السينما والسياسة في سوريا . الكتابة السينمائية في معارضة النظام التسلطي 1970-2010 دار نشر لارماتان 2014

4- سيسل بويكس : ." الاعتراض الإعلامي في عالم الفن في ظرف تسلطي. التجربة السينمائية في سوريا داخل المؤسسة العامة للسينما بين 1964 و 2010" أطروحة دكتوراه في جامع إكس أون بروفانس 2011 ص 79.

5- فيلمين آخرين ذكرا عموماً هما " المخدوعون لتوفيق صالح 1972، وكفر قاسم لبرهان علوية 1974. على الرغم من أنهم يعتقدون بأن عملهم من حيث بدأوا إن هو إلا امتداد لأول اثنين من الأفلام المذكورة، وبعض من المديرين الذين يهتمون بشكل خاص في هذه المادة يميلون إلى اعتبار أنها لا تعبر تماما عن نفس الرغبة في البديل عبر السينما التي يحاولون تحقيقها. حوار حول السينما البديلة مع فيصل الياسري وقاسم حول وقيس الزبيدي.محمد الجزائري الأقلام عدد 11 بغداد 1975 ص 47 _48 ترجمة بيير جيرار.

6- رشا سلطي مراجعة التنقيحات المتضاربة لتاريخ الفيلم: ملاحظات المنسق. مجلة العوالم الإسلامية والمتوسطية ص: 134_2013، و ص 124.

7- مهرجان أفلام فلسطين باريس

8- قيس الزبيدي يتحدث عن " فن المونتاج" وربما المقصود كتاب "الفن السينمائي" لبودفكين ترجمة المخرج المصري فؤاد التهامي دار الفكر 1957 راديو مونت كارلو الدولية ثقافات أرشيف 2014 مقابلة مع قيس الزبيدي أجرتها معه هدى إبراهيم ترجمة عمر الأسعد وأناييس فارين

9- هامش باللغة الألمانية « Hochschule für Film und Fernsehen Konrad Wolf

10- بخصوص تكوين السينمائيين الفلسطينيين في ألمانيا الشرقية أنظر شهادة موسى ماراغة مقابلة 2012 ترجمة الثورة الفلسطينية 2016 http://learnpalestine.politics.ox.ac.uk/uploads/sources/588d7fa4f141d.pdf

11- من أصل، أفريقي، آسيوي، أوروبي، شرق أوسطي، جاءوا من كل القارات مرسلين من أنظمة قريبة من ألمانيا الشرقية ـ برلين الشرقية. اختياراتهم لا تستجيب لمعايير فنية واضحة بل لاعتبارات سياسية. منذ مرحلة الدراسة في مدرسة السينما المخرجين والتقنيين المبتدئين، يجدون أنفسهم في مواجهة فكرة التضامن الأممي وهو مفهوم في قلب وصلب تجربة ألمانيا الشرقية عبر مهرجان لايبزيغ، سوف نرى بأي شكل كان ذلك التضامن قد تجسد فعلياً أو جزئياً أم كان مجرد شعار . كارولين موان السينما والحرب الباردة تاريخ مهرجان الأفلام الوثائقية في لايبزيغ 1955 ــ 1990. منشورات السوربون 2014 ص 39_ 40، وقد أكدت الكاتبة بعد صفحات بأن الاستقبال المخصص في ألمانيا الشرقية للطلاب الأجانب لم يكن دائماً ترحيبياً.

12- داخل كل فيلم جزء من الذاكرة والهوية. مقابلة مع قيس الزبيدي برلين 2014 وثيقة أرسلها المخرج عبر الإيميل سنة 2016.

13- من مهرجان لآخر. لايبزيغ مقابلة مع المخرج فيصل الياسري . بخصوص إخراج أول أفلامه القصيرة 1969. عمر أميرلاي أوضح كذلك " أراد مهرجان لايبزيغ للأفلام الوثائقية مشارك سوري ومدير التلفزيون سمع بي واقترح علي عمل فيلم وثائقي عن سد الفرات " عن سيسيل بويكس " أن تكون سينمائياً سورياً تجارب ومسارات في الإبداع تحت القسر .

14- على أسئلتنا بخصوص المهرجان قال قيس الزبيدي مستشهداً ببوريس إيفانس وهو وجه رمزي من وجوه مهرجان لايبزيغ منذ بداياته مقابلة مع قيس الزبيدي بالعربية في باريس في 7/6/2017.

15- كارولين موان ملاحظة مذكورة سابقاً

16- من 1964 إلى 1973، سبعة أفلام لسانتياغو الفاريز من بينها فيلم " الآن" حصلت على جوائز في لايبزيغ في مجلة الطريق تم ذكر هذا المخرج بالإسم على لسان سينمائي آخر هو قاسم حول والذي منتج قيس الزبيدي فيلمه " عائد إلى حيفا" سنة 1982 وأعرب عن مواقف قريبة من مخرج اليازرلي : قاسم حول " ملامح وأفكار عن السينما البديلة الطريق عدد 7 و 8 آب وايلول 1972.

17- في دمشق " بعيداً عن الوطن" حصل على شهادة تقدير وحصل فيلم " الزيارة" على جائزة النقاد للفيلم القصير.

18- مقابلة مع قيس الزبيدي

19- أثناء لقاءنا مع قيس الزبيدي ذكر مشهد سلالم الأوديسا في فيلم المدرعة بوتمكين لآيزنشين

20- أنظر سيرج لوبيرون نقد فيلم الحياة اليومية في قرية سورية مجلة كراسات السينما 1977 ص 279 _ 280

21- أحد قيادي الحزب الشيوعي اللبناني لعدة سنوات وهو كاتب أيضاً

22- كريم مروة: لابد من مجابهة صعود الاتجاهات اليمينية في حركة التحرر العربية مجلة الطريق

23- مصطفى أبو علي السينما البديلة يجب أن تكون سينما تؤثر على المجتمع" أو السينما البديلة هي بالضرورة سينما فاعلة في المجتمع ص 77_ 78 و خالد الصديق يجب إسقاط عقبات التوزيع التي تواجه أفلام الشباب. أو يجب كسر حاجز التوزيع أمام أفلام الشباب الطريق ترجمة عمر الأسعد و أناييس فارين

24- قيس الزبيدي: الفيلم الوثائقي . طريق نحو سينما عربية جديدة.

25- ولد في لبنان وعاش وعمل في مصر

26- صعوبة العثور على سينما بديلة وضرورتها: صعوبة إيجاد الفيلم البديل وضرورته . الطريق ترجمة بيير جيرار.

27- السينما السورية أداة تربية وثقافة مقابلة أجراها المدراسي ونشرت في جريدة المجاهد 27/10/1972 الجزائرية وأعيد نشرها في سينما البلدان العربية السينماتيك الفرنسية والسينماتيك الجزائرية.

28- فيلم، مجلة شوبيز، سينما الشرق مثالاً.

29- شخص مهم في تاريخ السينما في لبنان محمد سلمان مر من خلال مصر وكان ممثلاً قبل أن يجلب الوصفة السحرية المصرية ويخرج منذ نهاية الخمسينات أفلام لاقت نجاحاً تجارياً في سوريا ولبنان راجع عبودي أبو جوده : الليلة سينما في لبنان 1929 1979 منشورات الفرات للنشر والتوزيع 2015ديما الحر السينما بعد الحرب الأهلية منشورات لارماتان 2016

30- مع وليد شميط وإبراهيم العريس وجورج راسي في 1973 في إطار نادي السينما اكتشف محمد سويد بعض أفلام السينما البديلة وفي مقابلة مع هذا المخرج والكاتب والناقد اللبناني أعلن بخصوص بعض أفلام تلك الفترة يمكن العثور على أشياء كثيرة في ألمانيا الشرقية

31- أسئلة، مفاهيم ومواقف داخل حلقات نقاشات أثناء المهرجان : قضايا ومفاهيم ومواقف في ندوات النقاش خلال أيام المهرجان الطريق ص 96_- 103 ترجمة بيير جيرار

32- غي هينيبيل: القضية الفلسطينية في الأفلام العربية : الأفلام السياسية، عن" فلسطين في السينما". غي هينيبيل وخميس خياطي نشرت عام 1977

33- فريد جبر الضجيج حول السينما البديلة أكبر من واقعها ترجمة عمر الأسعد وأناييس فارين

34- يرفض استخدام هذا التعبير بخصوص أغلب الأفلام التي شوهدت في دمشق

35- رشا سلطي : مفارقات السينما السورية

36- حول وظيفة المونتاج نراجع " فنسنت دوفيل" أشكال المونتاج في سينما الطليعة بحث ومقابلات مع صانعي الأفلام المعاصرين المطبوعات الجامعية رين 2014.

37- قيس الزبيدي: " الفيلم التسجيلي طريق نحو سينما عربية جديدة"الطريق ص 42-45 ترجمة بيير جيرار

38- نيكول بيرنيز:" سينما الطليعة" كراسات السينما 2006 ص 40

39- راديو مونت كارلو الدولية أرشيف 2014 مقابلة مع قيس الزبيدي أجرتها هدى إبراهيم

40- سيرج داني:" الصورة الأخيرة " طرق الصورة مركز جورج بومبيدو 1990 ص 57

41- " بخصوص الولادة" في باريس مشروع فيلم سعد الله ونوس يشرح:" وضعنا برنامج عمل نرغب بمواصلته : تصوير سلسلة من الوثائقيات التسجيلية طويلة أو متوسطة الطول عن الحياة اليومية في مختلف قطاعات المجتمع السوري . وبعد فيلم الحياة اليومية في قرية سورية نرغب في تصوير الحياة اليومية في حارة شعبية، والحياة اليومية في مخيم للاجئين الخ.. الكاتب الدرامي المسرحي سعد الله ونوس يتحدث عن الحياة اليومية في قرية سورية في كتاب السينما في البلدان العربية السينماتيك الفرنسية والسينماتيك الجزائرية.

42- فرانز فانون" الملعونون في الأرض" منشورات لاديكوفرت وسيروس 2002 ( 1961) ص 189.

43- وفق فريد بوغدير بيان" نحو سينما ثالثة" له ترجمتان عربيتان إحداها قام بها عمر أميرلاي، وبالرغم من بحثي لم أتمكن من تشخيص مكان نشرها ولا تدقيق هذه المعلومة والتأكد من وجودها. ولدي فرضية أو احتمال بأن هذه الترجمة هي جزء من نص فرنسي " في العالم العربي وفي أفريقيا" تطابق واضح . في غي هنيبيل " تأثير السينما الثالثة" العالم الثالث المجلد 20 رقم 79 سنة 1979 وفي الانترنيت http://www.persee.fr/doc/tiers

44- جون بيير فيليوس" العرب مصيرهم ومصيرنا حكاية تحرير منشورات لاديكوفرت 2015 ص 130

45- اليازرلي عرض لأول مرة في مهرجان طقشند في أوزبكستان وحصل على دبلوم اتحاد الصحافيين السوفييت. وفي سوريا، وعلى عكس فيلم الحياة اليومية في قرية سورية، الممنوع عرضه رسمياً فإن فيلم قيس الزبيدي ليس ممنوعاً من العرض لكنه ممنوع ولكن ليس بصورة رسمية " مش ممنوع" مقابلة مع قيس الزبيدي في إذاعة مونت كارلو الدولية برنامج ثقافات أرشيف 2014 مقابلة أجرتها هدى ابراهيم مع قيس الزبيدي والصيغة التي استخدمها قيس الزبيدي تذكرنا بممارسات المنع الشفوي غير الرسمي لمنع عرض وتوزيع الأفلام الذي تحدث عنه كذلك أسامة محمد بخصوص فيلمه نجوم النهار 1988 في " سينما صامتة" لميار الرومي 2001.

46- سيسيل بويكس مصدر سابق أطروحة دكتوراه

47- وليد شميط" السينما العربية البديلة " مجلة شاشتين عدد 19 ديسمبر 1979 ص 6-13

48- الذي خصص بوتريه مصورة لغازي " صوت الذاكرة" 2001

49- سيسيل بويكس" سينما الطواريء مقابلة مع الجماعة السورية " ابو نظارة " حياة الأفكار" على الانترنيت

http://www.laviedesidees.fr/Un-cinema-d-urgence.html

50- 50- بخصوص هذا الفيلم ومن أجل تحليل يتعلق بمصلحة ونظرة سينمائيين من الجيل الجديد عن اليسار الراديكالي لسنوات الستينات والسبعينات نحيل إلى لورا يو ماركس " الشيوعية حلم مؤجل " في حنان السينما منشورات The MIT Press, 2015, pp.97-134.

51- مخرجة فلسطينية آن ماري جاسر استوحت بنفسها أفلام من سينمائيين ثوريين لسنوات الستينات والسبعينات لتحكي قصة طفل ينتقل من مخيم لاجئين إلى معسكر تدريب للفدائيين في " لما شفتك فلسطين" / الأردن الإمارات المتحدة 2012. متحدثة عن مصطفى أبو علي وقيس الزبيدي توضح المخرجة " مرة بعد مرة حاولت أن ألمح على نحو مباشر إلى هؤلاء السينمائيين وطريقة عملهم للأفلام وكيف يصرون ويرون أنفسهم، كليمونص لهيك وإستل سوهير " آن ماري جاسر سيرة سينمائية فلسطينية في المنفى

52- أنظر

 Voir : Annemarie Jacir, http://www.ubu.com/film/ali_exist.html

53- باحثة ومخرجة أفلام " سرقة وتخبئة الأرشيفات الفلسطينية في إسرائيل 2017

54- أوفير آدريت" ماذا تفعل هنا الصور القديمة والأفلام الفلسطينية القديمة في أرشيف الجيش الإسرائيلي ؟ هاآرتز جمعية الجامعيين من أجل احترام الحقوق الدولية في فلسطين حيث عثرت رونا سيلا على فيلم قيس الزبيدي "حصار مضاد /1977" .

55- قضايا ومفاهيم ومواقف في ندوات النقاش خلال أيام المهرجان مجلة الطريق ترجمة بيير جيرار

56- بهذه الصيغة اشير إلى فيلم " ثورة الزنج" 2013 الذي بحث ايضاً عن اشكال ترسخ نضالات الماضي والانبعاث بالرجوع إلى فيلم فاروق بلوفا " نهلة" 1979 الذي اكتشفه المخرج في إطار لقاءات سينمائية في بجايجا وحديث عبر الإيميل مع طارق طغيا حزيران 2015 حول هذا الفيلم واسمح لنفسي بالعودة إلى مقالي عن ثورة الزنج بولونيا نجمة على خلفية متوسطية . في ألعاب جادة: سينما وفن معاصر تعدل البحث بيرتراند باكيه وسيريل نيرات وكلارا شومان وفيرونيك تيرنييه هيمان منشورات متحف الفن الحديث والمعاصر في جنيف المدرسة العليا للتصميم في جنيف 2015 ص 289-299.

 

 

كاظم شمهودقرأت كتابا معتبرا عن حياة الفنان انتونيو تابيس يدعى (الفلسفة الجمالية عند انتونيو تابيس) للمؤلف لويس غونثالث وقد ترجمت هذا الكتاب الى العربي وسانشر منه باذن الله بعض المحاور المهمة فيه مع التعليقات للفائدة .. ويعتبر تابيس واحد من اهم الفنانين العالميين في الفن اللاشكلي في القرن العشرين، وقد سجلت اعماله حضورا مميزا في متاحف وكالريات العالم وكذلك تأثيراته على الفنانين وخاصة الشباب ومنهم الرواد العرب . واليوم تحتفل مؤسسة تابيس بنخبة ممتازة من اعماله في متحف دائم يفده يوميا مئات الزوار من مختلف الاجناس . المؤسسة انشأت عام 1990 في برشلونة وقد زرتها عدة مرات ..

البدايات:

ولد تابيس في برشلونه عام 1923، ويذكر انه لما كان عمره 18 سنة مرض فدخل المستشفى بين اعوام 1942 و 1943، وهناك اخذ يرسم ويخطط ويستنسخ اعمال فان كوخ وبيكاسو ويقرأ كتب عن فلسفة نيتشة وتوماس مان ووابسن وبعض كتب الرهبان الصوفية .. وفي عام 1943 دخل كلية الحقوق لكنه لم يكملها ثم دخل مدرسة الفنون وايضا لم يكملها وحسب قوله انه لا يعجبه تقاليد التدريس فيها خاصة الاسلوب الاكاديمي ويتبرها ضياع للوقت، فتركها عام 1946.

في عام 1948 كان تابيس احد مؤسسي مجلة Dau al Set في برشلونة وهي مجلة ذات خط وفكر سريالي ودادائي ويساري وكان مؤسسها الشاعر الكاتالاني Joan Brossa ولهذا كانت بدايات تابيس الطلائعية هو تأثره بالمدرسة السريالية، ولم يستمر طويلا مع هذه الجماعة والمجلة، حيث سافر الى باريس بمنحة دراسية من الحكومة الفرنسية عام 1950 . ومن ذلك الحين تأثر تابيس بالاجواء الفنية الجديدة في باريس فاصبح بعد ذلك واحد من اهم الفنانين اللاشكليين ..

353 انتونيو تابيس

الحركة اللاشكلية:

يذكر ان الحركة ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية كرد فعل للدمار الذي خلفته الحرب على الانسان، وتعبر عن ذلك باسلوب مفاهيمي تجريدي متشائم ويجعل من الفكرة متعالية على الاسلوب ..، كما تأثرت الحركة بالفلسفة الوجودية وبالمدرسة التجريدية . وانتشرت هذه المدرسة في اوربا ابتداءا من عام 1950، وكان العنصر الرئيسي في تقنياتها هي المادة الحية المستهلكة ، او ما يسمى بالتصوير المادي، وفيها يستخدم مواد حية ومباشرة على سطح اللوحة مثل مادة الخشب والحبال وخرق القماش والصفائح المعدنية والجص ومسحوق المرمر وغيرها .. ويسمي ايضا بعض النقاد هذا الاسلوب بالاسلوب الوحشي .. واشتهر تابيس بهذا الاسلوب وكذلك دوبوفيه وفاوترير وميارس . Dubuffet، Fautrier، Michaux، Riopelle، Mathieu، Millares وغيرهم ويعتبر ميارس الاسباني (كنارياس) من اكثر الفنانين في استخدام هذه التقنية وقد اثر على بعض الفنانين المغاربة خاصة مكية مغارة وقد زرت المغرب في مطلع التسعينات والتقيت مع عدد من الفنانين منهم محمد السرغيني ومكية مغارة واطلعت على اعمالهم ...

يقول المفكر الايطالي Umbert Eco (ان الحركة اللاشكلية تبحث عن نقطة التقاء بين الفن والمتلقي داخل اطار الفكر المفاهيمي..) ويقول تابيس (انا اعتقد ان العمل الفني يجب ان يترك حيرة في المتلقي وان يثير فيه التأمل ..) وهذه الاقوال تنسجم مع رأي زعيم السريالية الشاعر اندريه بريتون عندما اشار الى ان عرض تمثال في وضع طبيعي لا يثير الدهشة بينما لو حفرت حفرة ووضعته بشكل مقلوب، حيتئذ سيثير الدهشة والتأمل ..

في عام 1970 تأثر تابيس بفن البوب أرت حيث بدأ يستخدم مواد مستهلكة بعضها يشكل جزء من اثاث البيت مثل الكوانترات وعلب فارغة وصناديق كارتون وغيرها والتي تعبر عن حالة المجتمع الاستهلاكي . لكن الاختلاف بين تابيس وجماعة البوب آرت هو يتمثل في البعد الفكري المفاهيمي حيث ان تابيس يغرق اعماله بالرموز الغامضة والتي يصعب فهمها فيترك المتلقي في بحر من التأويلات ..بعض النقاد يذكر ان تابيس قد اعاد التقييم والتجديد لحركة البوب ارت بحيث منحها معاني فلسفية وجمالية ابعد من مظاهرها الخارجية ...

يقول تابيس (الفن هو عبارة عن مصدر للمعرفة والفلسفة فاذا الاشكال لم تستطع لمس جرح المجتمع واثارتة وامالته الى التأمل ... فهو ليس بفن) . رغم ان الفنان الفرنسي دوجامب اكد على انه (لا يمكن الثقة بكلمات الفنان) لان الحياة في تقلب وتغير وتطور سريع حيث الاختراعات والاكتشافات على قدم وساق وبالتالي ليس هناك شى ثابت بل كل شى يتغير، و يسري ذلك ايضا على الفن والفنانين ... وهذا يذكرنا بقول لسيزان حيث يخاطب احد اصدقاءه انظر الى الطبيعة (كل ما نراه يتشتت ويختفي ، والطبيعة هي ما هي عليه، ولكن لا شى يتبقى منها، لا شى مما نراه) هذا القول يشعرنا بالفكر والفلسفة الواسعة لسيزان . ..

من اعمال تابيس المفاهيمية . باب دكان حديدي علقت علية آلة موسيقية (كمان) ، فعندما يتحرك الباب اثناء الفتح والاغلاق يبعث اصوات موسيقية لهذا جاء تعليق هذه الالة عليه تعبيرا لهذا المعنى، نفذ العمل عام 1956 . . تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

30 Cleo10.fwمن الاحداث التاريخية الهامة التي نالت اهتماما كبيرا من قبل الفنانين الكلاسيك كان مصرع الملكة المصرية كليوباترا في 10 آب في العام الثلاثين قبل الميلاد.

40 Cleo15.fw

تقول الرواية انه بعد اندحار قوات كليوباترا وزوجها الروماني مارك انتوني امام اسطول أوكتافيان في خليج اليونان، تراجع جيشها الى السواحل المصرية من اجل إعادة التنظيم،

41 Cleo14.fw

لكن اسطول أوكتافيان الأكبر والذي التحقت به اعداد كبيرة ممن خان انتوني من اتباعه، تمكن من اللحاق بسفن كليوباترا الى الإسكندرية وغزو مصر بعد معارك خفيفة.

32 Cleo9.fw

حين أدركت كليوباترا ان لا أمل في النصر وحين بلغها الخبر بأن أوكتافيان عازم على اعتقالها مع انتوني واقتيادهما مقيدين بالسلاسل ليكونا في مقدمة مسيرة الاسرى في شوارع روما، انسحبت الى مخدعها مع وصيفتين من وصيفاتها وبدأت تحضر لموتها ببرودة أعصاب.

33 Cleo5.fw

استحمت وارتدت أفضل فساتينها وأمرت بإحضار سلة من التين لتتناولها وهي مسترخية على السرير!

34 Cleo6.fw

وهكذا فقد سمحت لأفعى الكوبرا التي كانت ملتفة تحت التين، ان تنساب على ذراعها وتلدغها لدغة قاتلة.

35 Cleo7.fw

عندما وصل خبر انتحار كليوباترا الى انتوني الذي كان يقود جيبا من جيوب المقاومة، أمر حارسه الشخصي ان يقتله لكن الحارس فضل ان يطعن نفسه ويموت.

36 Cleo16.fw

عندها اضطر أنتوني ان يرمي بنفسه على السيف ويموت وهو بعمر الثالثة والخمسين.

37 Cleo17.fw

كان عمر كليوباترا عند موتها تسعا وثلاثين عاما.

38 Cleo1.fw

وبموتها كانت نهاية حكم سلالة بطليموس والعصر الهيليني.

39 Cleo2.fw

وعندذاك أصبحت مصر في الحال ولاية تحت الإمبراطورية الرومانية التي توجت اوكتافيان في روما كأول امبراطور باسم أوگستس.

31 Cleo8.fw

مصدق الحبيب

 

 

محمد الشاويتوطئة: يروم هذا المقال بيان خصائص الأسلوب التشكيلي باعتباره نموذجا فنيا يتقاطع مع عدة حقول ومباحث فنية أخرى تشكل بؤرة الجوار والتقارب في الانتماء والامتداد. فما يمتاز به الفنان التشكيلي هو القدرة على السير في طريق بلورة إحساس فني في قالب تشكيلي يرتبط بالمسعى الفني الذي يختاره الفنان.

لذلك فإن حديثنا عن الأسلوب التشكيلي سيتركز بالأساس على سمات هذا الأسلوب وخصائصه لدَى فئتين من المدارس التشكيلية: الفئة الأولى وهي التي جعلت من الواقعية ميزة أسلوبية؛ والثانية تلك التي تنضوي تحت لواء التجريدية متخذة من تكسير البنية الواقعية منهجا لها.

فما هي أهم معالم الأسلوب التشكيلي لدى كل من الواقعيين والتجريديين؟

وهل هناك قطيعة بين الأسلوبين أم استمرارية وامتداد؟

ألا يمكن الحديث عن تداخل وتجاور من داخل الاتجاه وباستحضار علاقة التأثير والاقتباس؟

وإلى أي حد يمكن للأسلوب التشكيلي أن يساهم في تقريب المتلقي من العمل الفني وأن يدفعه للتفكير في تطلعات جديدة لتلقي الأعمال الفنية؛ وللرقي بذوقه الفني وتهذيبه؟

لا شك أن الحديث عن الأسلوب التشكيلي هو حديث بالضرورة عن ما يمتاز به العمل الفني، فنجد للأديب أسلوبه في التعبير والكتابة، وللمطرب أسلوبه خاص الذي يمتاز به عن غيره في الغناء، وللفنان التشكيلي أيضاً أسلوبه الذي يشكل من خلاله أفكاره وأحاسيسه في قالب فني سواء كان لوحة أو نحتا أو تركيبا أو تجهيزا installation أو أشكالاً تعبيريةً أخرى يتوسلها الفنان التشكيلي سيراً مع حركية تطور الفن في صيغته المعاصرة.

لذلك فإننا نجد في الأسلوب التشكيلي الذي يَنْتَحُ من المدرسة الواقعية تعدداً في إبراز معالم الواقع لدى العديد من التيارات التي عملت على إعادة تشكيله في قالب فني يُلبي ذوق المتلقي، وفي الآن نفسه يؤرخ لمراحل تطور الفن. كما يجسد أيضاً إنْ بصيغة أو بأخرى نظرة الفنان لبيئته الإجتماعية كما هي. فنجد فئة كبيرة من الفنانين قاموا بنقل الواقع الإجتماعي ومعالمه سواء كانت طبيعة حية أو ميتة بجزئياتها وأضق تفاصيلها. وعلى العكس من ذلك هناك من قام بتكسير هذا الأسلوب طارحا مسألة نقل الواقع ومعطيات البيئة الاجتماعية لا كما هي؛ وإنَّما كما يراها الفنان ويتخيلها في قوالب تعبيرية تستجيب لمبدإ تكسير البنية الواقعية بأخرى شبه واقعية تتجه نحو عملية ربط المتخيل بالواقع وعدم نقل هذا الأخير بل عن طريق إبراز معامه والاتجاه نحو دفع المتلقي لإعادة بناء مضمون اللوحة وتأثيث الفضاء الجوَّاني بنظرة تكاملية.

هذا النوع من تكسير البنية الواقعية سيتمر بشكل جد متطور مع المدرسة التجريدية التي عملت على خلق قطيعة مع الواقع المرئي نحو واقع آخر ذهني وتأملي يدفع المتلقي للبحث والتفكير في مضون العمل الفني بطرح تأويلات عدة تلامس أحيانا رؤية الفنان، وتتقاطع أحيانا أخرى مع المسعى الذي تنضوي تحته تيارات التجريد التي تختلف باختلاف التوجهات والرؤى التي تنبني عليها معالم الأسلوب سواء كان التجريد بشكل كلي أو جزئي، فإنه يقدم مجاوزة للتعبير الواقعي بتعبير آخر ينقلنا لعالم التخييل واللامرئي.

وعلى هذا الأساس يمكن القول ختاما بأن الأسلوب التشكيلي ليس وليد التقليد أو النسخ على منوال الواقع أو بالاتجاه نحو عملية تجريده إن بصيغة أو بأخرى؛ بل إنَّه يتسم باتساع وشساعة نظرة الفنان وطريقة تعبيره التي تجعله يمتاز عن غيره من الفنانين. فليس التقيد بأسلوب بعينه أو مدرسة دون الأخرى هو عماد الأسلوب التشكيلي، إذ نؤكد أن الفنان التشكيلي المبدع هو الذي نجد عنده أساليب متعددة تتجه به لكي يَنْسُج على غير منوال. ومعنى هذا أن عمله حرٌ ومفتوحٌ على عدة إمكانيات إبداعية تتجه به نحو التميُّز بالسير قُدماً في طريق المُخْتَلف الجمالي ومجاوزة dépassement   المُؤتَلف الفني بتكسير بنيته وخلق بنى أخرى تتسع لمعانقة أسمى المعاني والقيم الإبداعية.

 

بقلم: محمد الشاوي

........................

(*) فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

 

كاظم شمهودكانت المقاهي في القرن التاسع عشر الميدان المفضل الذي يجتمع فيه الفنانون والادباء والشعراء، وكانت دردشاتهم تستمر الى ساعلات متاخرة من الليل، ولهذا اصبحت هذه الاماكن بمثابة مراكز ثقافية وفنية يتغذى منها الشباب الطلائعي الذي يبحث عن التغيير والتجديد . وقد اشتهرت في ذلك الوقت مقهى weber في حي مونتمارت في باريس ومقهى اربع قطط els quatre gats في برشلونة والذي كان يتردد عليها بيكاسو في بداية حياته، وغيرها .

و يعود الفضل الى هؤلاء الشباب الطلائعيين في تكوين التجمعات وانشاء الجمعيات الفنية حيث كان التفاعل والتقاطع في الافكار والرؤى وما ينطوي عليه من المبادئ النظرية والعلمية و الفنية، دفعت الفن في القرن العشرين الى التحول من الخطاب الكلاسيكي الى خطاب الحداثة، وكذلك ما حدث في الشعر الكلاسيكي وتحوله من الاوزان(فاعل وتفعيلة) الى الاستعاضة عنه بالايقاع و الموسيقى .. روابط الفنانين الحديثين

يذكر البعض ان تطور الفن العربي جاء انعكاسا لحركة الاصلاح التي قام بها جمال الدين الافغاني ومحمد عبده في القرن التاسع عشر حيث دعا الى الاصلاح والتجديد في الفكر الديني والخروج من الجمود والتحجر الذي ادى الى تأخر الامة العربية قرون عديدة ايام الاستعمار العثماني .... ثانيا كان للاستعمار الاوربي للدول العربية ايجابيات ومنافع والمثل يقول (رب ضارة نافعة) حيث اخرجوا هذه البلدان من التخلف ونقلوا التكنولوجيا والحداثة اليها، كما حدث لدور العرب سابقا في القرون الوسطى حينما انقذوا اوربا من التخلف والضياع ومدوها بصنوف المعارف والعلوم .. ولهذا اخذ الفنانون العرب يتطلعون الى التجديد والتغيير واتخاذ الفن الغربي كنموذج لهذا التغيير والتحرر فتشكلت الجماعات الفنية ثم الجمعيات وبعدها الروابط الفنية .و اتذكر قول للمفكر والناقد جبرا ابراهيم جبرا يقول لا ظير ان نأخذ من الغرب مظاهر الفن المعاصر ما داموا هم سابقا اخذوا منا ...

يذكر ان مصر كانت السباقة في حركة الفن العربي الحديث وحتى في مجال الصحافة مثل مجلة صباح الخير وروز اليوسف في نهاية القرن التاسع عشر ، وقد تأسست اول جمعية للفنانين التشكيليين عام 1936 تحت عنوان / رابطة الفنانين المصريين / وقبلها تأسس المجمع المصري للفنون عام 1932 .. كما تأسست اول جماعة في مصر تسمى / جماعة الظل / والذي اشرف على رئاستها الفنان محمود مختار عام 1928 .. وفي عام 1908 تاسست اول مدرسة للفنون في مصر . فهذه الصفحة المشرقة الناصعة لحركة الفن المصري تعطينا فكرة واضحة عن بداية الفن العربي الحديث وريادة مصر ..

بداية تأسيس الجمعية:

312 ماهود احمدفي العراق تاسست جمعية الفنانيين التشكيليين عام 1955 بمبادرة من الاستاذ خالد الجادر حيث دعى الفنانين الرواد الى الاجتماع في بيته لدراسة فكرة المشروع ووضع الاسس والنظام الداخلي الذي تبنى عليه وقد لبى الجميع الدعوة وانتخب اول رئيس لها الدكتور المهندس المعماري محمد مكية واكرم شكري نائبا وخالد القصاب سكرتيرا.. وكان بيت خالد القصاب مقرا لها لمدة سنتين .... ثم شيدت بناية الجمعية الحالية وكان الملك قد تبر ع بقطعة ارض في مدخل مدينة المنصور وشيدت بنفقة مؤسسة كولبنكيان البريطانية.. وافتتحت عام 1967 وكان قد صمم عمارتها الاستاذ قحطان المدفعي والتي جاءت بتأثيرات من عمارة دار الاوبرا في سدني ... وبالرغم من التعارض في الاساليب والافكار من يسارية وقومية ودينية ورغم التبعية الى الفن الغربي في المدارس والاساليب والتقنيات الا انهم كان لهم الفضل الكبير في بذر الحبة الاولى في السعي الى خلق فن معاصر في العراق.. فتأسيس الجمعية كان هو محاولة لجمع الاضداد والشتات والتعرف بعضهم على بعض لاثراء واغناء الحركة التشكيلية في العراق . يضاف الى ذلك ان ظهور الجمعية هو بمثابة الاصرار على الوصول الى افضل واسمى الوسائل التي ترفع مشروع التفاعل البعيد والقريب من تراث ومعاصرة، وولادة فنا جديدا في كل صوره وافكاره، وبالتالي هذه الجمعية جاءت كخطوة ظرورية وصورة تفاعلية مع النظريات الفلسفية والعلمية المعاصرة... فالفن هو واحد ومفهومه واحد سواء كان عند الانسان البدائي القديم او الفنان المعاصر فليس له ماضي ولاحاضر انما هو فن وجد منذ الخليقة ويبقى الى الابد مثله كمثل الجمال المطلق يمكن ان تجده في كل زمان ومكان وفي الفكر او الشكل (ان الله جميل يحب الجمال) فالجمال اذن مستمد من الله (او الطبيعة حسب البعض) ولذلك فهو ازلي .. اما التطور فهو يحدث في المظاهر والاشكال والاساليب والتنظيرات الفكرية الفنية ..

و رغم الظروف الصعبة التي مرت بها الجمعية من ضعف في الحركة والنشاط والاغلاق احيانا خاصة ابتداءا من مطلع السبعينات الا انها بقت على خط اللامنتمي ثم دخول البلاد في صراعات حزبية وحروب دولية وحصار عالمي دامت حوالي ثلاثة عقود كل ذلك اضعف البنية التحتية للجمعية وجمد انشطتها الفنية تقريبا مما ادى الى هجرة وغياب مؤسسيها الرواد الى الخارج مثل خالد الجادر الذي عاش ومات في السعودية وغيره ..

الجمعية بعد سقوط النظام:

311 جميل حموديوبعد سقوط النظام البعثي تعرضت الجمعية الى السرقة والعبث والتهديم والاهمال وبقت هكذا سنوات عديدة حتى جاءت ثلة من الشباب الواعي والحريص على وطنة وتاريخه ان ينهض بهذه المؤسسة الفنية العريقة من جديد ويعيد امجاد رواد الفن العراقي الحديث .كما تعرضت كثير من التماثيل الى الاختفاء والسرقة والتشويه وكان آخرها قطع اصابع تمثال ابو نؤاس؟؟... ويذكر ان الفنان قاسم سبتي كان من ضمن هؤلاء الاشراف الذين قاموا باعادة اعمار الجمعية بمساعدة ودعم بعض المؤسسات الاجنبية ومنها منظمة الامم المتحدة... اليوم اصبحت الجمعية قامة من قامات الفن العربي سواء كان في نشاطاتها الثقافية او الفنية او دعم الانشطة الاخرى كالمهرجانات السنوية والمسابقات الدورية وتكريم الباقي من الرواد والمبدعين .. (فما جزاء الاحسان الا الاحسان) كما ازداد عدد اعضائها الى اضعاف ما كان عليه سابقا وقد شاهدت معارضها السنوية الاخيرة تزدحم باعمال الشباب الواعي المثقف حيث ترقى في مستواها الى صف الفن العالمي المعاصر.. واستطاعت بحسن ادارتها والقائمين عليها من دعم مجلتين هما مجلة باليت ومجلة تشكيل واستطاعت ان تعتمد على نفسها في التمويل الذاتي المادي من خلال النادي والمطعم والكراج التابعة لها كما اصبحت لها انشطة ومعارض متحركة وفروع في المحافظات وخارج البلاد .. يضاف الى ذلك ما يأتيها من مساعدات تأتي من منضمات ثقافية انسانية ...و قد حدثني رئيس الجمعية الاخ الفنان قاسم سبتي 2018 ان الجمعية احيانا تساعد بعض المحتاجين المقطوع عليهم السبل من الفنانين والمثقفين ... اما الدولة فيبدو انها غائبة و مشغولة في دعم احزابها والدعاية لها ، بالاضافة الى ذلك جهلها في دور الفن في خلق الثقافة والمتعة والجمال والتجمل والذي حث عليه الدين (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) (قل من حرم زينة الحياة الدنيا) .. وحتى هذه الخطابات الدينية والمفاهيم الاخلاقية اهملت وتركت على رفوف الاغبار؟؟ تحياتي .

 

د. كاظم شمهود

كريم عبد اللهسيبقى الانسان يطمح دائما ان يرى ذاته وما مرّ في حياته من تداعيات واحدث، وسيبقى يلاحظ ملامحه كيف تشيخ بمرور الزمن وكيف تترك اخاديها على مسيرة حياته وكم من الحنين سينتابه كلما رجع الى الماضي بكل ما فيه من الام واحزان وافراح ونكبات تركت بصماتها واضحة في حياته . ربما البعض يمرّ عليه العمر مسرعا وهو لا يلتفت الى محطات حياته وكيف تسارعت فيها الاحداث وغمرها النسيان وتراكمت عليها هموم الايام وتعاقب السنين، ولكن هناك اناس دائما يسترجعون ويراجعون ايامهم ويكتشفون فيها اشياء جديدة ودلالات مستحدثة يراقبونها عن كثب ويحاولون تدوينها وتصحيح ما مرّ فيها من اخطاء ونكبات وهموم وتقييم لكل ما عاشه ويعيشه .

ان استخدام المرآة قديم جدا وان استخدامها جعل الانسان يندهش من صورته وملامحها وهو يتابع ملامحه كيف تتغير بمرور الزمن، فاصبحت المرآة مهمة في حياة الانسان سواء الرجل او المرأة، فهي محاولة يومية او شبه يوميّة تمارس لاكتشاف الذات وقراءة سطوة الاحداث علينا وفي اي اتجاه تسير حياتنا .

مرآيا النفس: هذه اللوحة المحيّرة والمستفزّة لمن يتعمّق في قراءتها بتجرّد والوقوف امامها ليفكّك دلالاتها الابداعية والنفسية، بالرجوع الى دلالتيها اللغوية نجد بان المرآيا هي جمع مرآة والاخيرة عبارة عن سطع عاكس لصورة الاشياء بالامكان ملاحظة انعكاساتها وقراءة ملامح كلما انعكس من خلالها، اما (النفس فتعرّف الروح البشرية بكونها جزءاً لا يتجزّأ من الإنسان، غير ماديّة أو محسوسة، أُطلق عليها مفاهيم عديدة من قبل الأديان المختلفة، ومن هذه المفاهيم: الروح، والعقل، واللاوعي). اذا نحن امام مرآيا عديدة حاولت الفنانة (خيرة مباركي) ان تشاهد من خلالها وتراقب النفس الانسانية بطريقة الرسم . نحن نعلم بان الشاعر عن طريق المفردة يستطيع ان يرسم لنا عوالمه بينما الرسّام عن طريق الالوان يرسم لنا عوالمه الخاصة به ويتركنا نبحث عن الجمال والابداع . الرسم كما الشعر هي محاولة اسقاط الذات على اللوحة يمارسها الفنان كلما داهمته الحياة بكل ما فيها من معانات يومية فيحاول تصوير ذلك ليعكس ما في داخله في محاولة تفريغ نفسي نتيجة الضغوط التي يمرّ فيها .

اللوحة عبارة عن شقّين يفصل بينهما نهر قادم من البعيد، الشقّ الاول اشجارها باسقة رشيقة تتعالى نحو الشمس، الشقّ الثاني اشجارها مائلة الاغصان متشابكة تكاد تلامس سطح الماء، هناك ظلال اشجار تخلّت عن طبيعتها المتشامخة فتركت ظلالها منحنية على سطح الماء وهناك اشجار خجولة مدّت اغصانها من اسفل اللوحة أبت الاّ ان تترك صورتها في اسفل اللوحة . النهر يأتي من بعيد يقسم اللوحة الى نصفين احدهما احتل المساحة الاكبر فيها بينما النصف الاخر كان متردد الحضور وتنزّ اشجاره على استحياء او هي كانت تصرّ الاّ ان تظهر ملامحها داخل اللوحة (نفس الفنانة) او كانت مترددة في حضورها لكنها حضرت بقوّة وشاركت في هذا المهرجان اللوني .

ان الرسم من الفنون القديمة استخدمها الانسان منذ فجر التاريخ ليعبّر عن طريقها على ممارساته اليوميّة ويصوّر انا خلجات نفسه ومايعتريها امام سلطة الكون وما فيه .

لو تأملنا اللوحة جيدا وحاولنا تفكيك دلالاتها الكثيرة فلابدّ من الوقوف امام اشجارها الكثيرة وطريقة رسمها، اشجار تتشامخ عاليا وجذور تمتدّ عميقا في باطن الارض وتقف على ارض صلبة . وبالرجوع الى الدلالات النفسية لألوان هذه الاشجار سنجد الوانا مختلفة تتدرج ما بين اللون الاحمر والاخضر الفاتح والاخضر الغامق والودري والبنفسجي والاصفر، اما اللون الازرق فشغل مساحة تكاد قليلة قياسا لالوان الاشجار . حيث اللون الاحمر يدلّ على الشجاعة والقوة والدفء والطاقة وغريزة البقاء على قيد الحياة هذا ايجابيا اما سلبيا فهو يدلّ على التحدي والعدوانية والتوتر . اما اللون الاخضر فهو يدلّ على التوازن والانسجام والانتعاش ومحبة الكون والراحة والتجديد والطمأنينة والسلام، اما سلبيا فهو يدلّ على الملل والركود والنمطية والضعف . اللون الوردي يدلّ على السكينة وراحة البال والرعاية والدفء والانوثة والحب والجنس وغريزة البقاء، وسلبيا يدلّ على الكبح والرهاب والاحتجاز العاطفي والعجز والضعف البدني . واللون البنفسجي يدلّ على السمو الروحي والاحتواء والرؤية والرفاهية والاصالة والصدق، اما سلبيا فهو يدلّ على الانطواء والكتمان والكبت والدونية . اما اللون الاصفر فهو يدلّ على التفاؤل والثقة وتقدير الذات والانشراح والقوة العاطفية واللطف والابداع، اما سلبيا فهو يدلّ على اللاعقلانية والخوف والضعف العاطفي والاكتئاب والقلق ومحاولة الانتحار . اما اللون الازرق فهو يدلّ على الذكاء والتواصل والثقة والكفاءة والطمانينة والواجب والمنطق والحكمة والتأمل والهدوء، بينما يدلّ سلبيا على البرود والعزلة وقلّة العواطف والجفاء .بينما نجد اللون الابيض دليلا على الصحة والنظافة والوضوح والنقاء والبساطة والحنكة والكفاءة، وسلبيا يدلّ على البرود والحواجز والبُعد والجفاء والتكبّر .

29 خيرة مبارك

التأويل:

بالامكان تأويل النهر على انه الحياة المتدفقة منذ بدايتها حيث بدأ النهر (الحياة) ضيّقا واستمر في جريانه يتوسّع شيئا فشيئا، وكأن الحياة ابتدأت من مرحلة عمرية معينة والدليل ان النهر ابتدأ من مكان معين حدّدته الفنانة اي لم تبدا الحياة الحقيقة عندها من مرحلة الطفولة (من نقطة البداية) واستمرت في جريانها الى اجل غير مسمّى بدليل ان للنهر طريقا اخر لم ترسمه لنا وكأنها تركته للاقدار ترسم ملامحه وترسم نهاياته .ومن خلال اللون الابيض الذي لوّن (النهر – الحياة) نستشفّ كم كانت نقيّة وواضحة وكفوءة رغم ما تعرّضت له من اعتلال في الصحة حيث تراكمت فوق سطحه ظلال الاشجار (مصاعب الحياة) وصبغت مياهه بألوانها . النهر في اللوحة (الحياة) على جانبيه نجد مرحلتين عمريتين، فالجهة اليمني من اللوحة تعبّر عن فترة حياة غير محدد زمنها انتهت الى فترة المراهقة بدليل ان اشجارها لم تكن قوية وباسقة وتتطلع الى السماء ولم تحاول معانقة الشمس وان اغصانها متدلّية ومتشابكة لا تجيد لعبة السمو والارتفاع، ومن استقراءنا للالوان نجد ندرتها وغلبة اللون الاخضر حيث الطمأنينة والانسجام ومحبة الكون والسلام رغم فترة الحرمان وما رافقها . اما الجهة اليسرى (حيث يوجد القلب لدى الانسان مصدر الحب والحنان – ربما هي مقصودة او عفوية ان يكون الجانب الايسر من اللوحة يحمل كل هذه الدلالات والجمالية والرموز) فنجد الاشجار قوية واضحة الملامح سيقانها مستقيمة مستمرة بارتفاعها نحو السماء، ربما هي سنوات العمر حيث النضوج الفكري والمعرفي وربما هي الافكار والاراء حين تستقيم وتصبح أشدّ بأسا تقف صامدة قوية لا تعبأ بالريح تقول لنا: انني هنا باقية وساحاول البقاء، استمع اليّ جيدا ستعرفني اكثر . هناك ارض صلبة تقف عليها الاشجار لونها بنفسجي تمتدّ بشكل مائل تخترق اكثر من نصف اللوحة وترتفع عن النهر دلالة على السمو الروحي والرؤية الواضحة والرفاهية والاصالة والصدق والجودة، تقول لنا الفنانة هكذا انا اقف على هذه الارض وانتمي اليها جذوري تجد راحتها في عمقها البعيد تصارع وتناضل من اجل البقاء .

هذه اللوحة اوحت لي بالكثير من الدلالات والافكار، ومنها محاولة رؤية النفس (الافكار) والبحث عنها بعد هذا العمر ومرجعتها، هي عملية رصد من خلال مخيلة ابداعية والغوص في اعماقها والبوح عن المسكوت عنه من خلال هذه الدلالات الكثيرة والمثيرة في هذه اللوحة . في هذه اللوحة نجد صورا متحركة وموسيقية تشعرنا بالراحة والطمأنينة والاستكانة لهذه الطبيعة نستشفّها من خلال صوت تدفق النهر وحركة الاغصان . او هي محاولة تماهي ما بين النفس والطبيعة وطبعنة الانسان وأنسنة الطبيعة انتصارا لها ولجماليتها والبوح بمكنوناتهما والافصاح عمّا يستشعران به والانصهار والبوح والمكاشفة فيما بينهما واستلهام القوة والجمال والنقاء . انها عالم الفنانة (خيرة مباركي) لايمكننا تخيّل حياتها (الطبيعة – الافكار) من دون الوان، لانها حين ذاك ستكون جامدة باهتة لا حياة فيها ولا نتاج فكري او انساني وجمالي، ولتغيّرت اللوحة (الحياة – الافكار – الطبيعة) الى كابوس مرعب تعطينا شعورا بالخوف والرهبة .

الشيء الجميل حينما عرضت اللوحة على احد المرضى العقليين في مستشفى الامراض النفسية والعقلية التي اعمل فيها (عبد الكريم رشيد – مريض لديه رقود لسنوات طويلة في المستشفى ويكتب الشعر العمودي) قال لي: (هذه اللوحة عبارة عن انثى / ساحرة الجمال / جنّة مبهجة / وعشق دائم ودماثة / وكم هائل من الجمال والاناقة / والشيء الجميل جدا طالبني بمنحه نسخة من هذه اللوحة وتزجيجها وتعليقها في غرفته لانها تبعث على البهجة) .

واخيرا الذي اثارني في هذه اللوحة كمتلقي اربعة رموز / المرآة / النفس / السكّين، واللون الاحمر، لا ادري لماذا تبادر الى ذهني قصة زليخة ونساء مصر منذ ان وقعت عيني على اللوحة وذكرت السكّين في طريقة الرسم و لماذا انتابني شعور غريب من هذا اللون الذي احتل مساحة كبيرة في اللوحة وفي نفسي وفي مخيلتي ..! . وتساءلت بصمت: هل هي عملية جلد النفس او الاحساس بالحزن والخسارة بقصدية او بعفوية ما أوحى للفنانة ان ترسم هذه اللوحة المحيّرة ..؟ . سيبقى هذا السؤال وستبقى اللوحة تحتمل الكثير من التأويلات المختلفة حسب ذائقة المتلقي وصاحب الاختصاص واحساسه بالجمال وتفاعله الايجابي معها .

كانت هذه سياحة ممتعة جدا في رحاب الابداع سافرت معها بعيدا وعدت اليها، ولا ادري هل كنت قريبا ام ابتعدت كثيرا ..؟؟ .

 

بقلم الشاعر : كريم عبدالله

 

 

280 كاظم شمهودعادة ما يكون الانحراف الاخلاقي مرتبطا بحالة الفقر والالم والمآسي، وكان السبب والدافع الحقيقي الذي جعل الكثير من الفتيات الفقيرات الاوربيات يغادرن اهلهن وقراهن ومدنهن والرحيل الى طلب العيش في استوديوهات الفنانين والعمل كموديلات عاريات . ويذكر انه في القرن التاسع عشر كانت اوربا قد مرت في ازمات حروب وصراعات وفقر مما ادى ذلك الى نزوح الكثير من الفتيات الى باريس والتي تعد في ذلك الوقت قبلة لعشاق الفن والادب، والعمل في ورشات الفنانين . وكانت فرناندي اوليفر احدى تلك الفتيات التي كانت تعمل كموديل عاري في حي مونتمارت . تعرفت على بيكاسو عام 1904 واشتغلت عنده كموديل عاري، كما كانت غالا الروسية زوجة سلبادور دالي تشتغل كمود يل عاري في ذلك حي قبل مجيئها الى دالي في مدينة كاداكيس في اسبانيا .. وعادة ما تكون تلك الفتيات ضحية للاغراء وممارسة الجنس مع سيدها الفنان .. وكان بيكاسو مثال لذلك حيث كان يجلب الفتيات بحجة الرسم ليمارس معها المتعة وقد صور لنا ذلك بعدد من لوحاته السريالية فرسم نفسة برأس ثور وحشي ينقض على فريسته .. ويذكر بان الكاتب والمفكر كينيث كلارك قال ان الفن له قدسية وجمالية مجردة فاذا اثار الموديل العاري الفنان جنسيا اثناء الرسم فهو فن كاذب...؟؟؟؟

ان موضوع رسم الموديلات العارية ليس جديدا في تاريخ الفن فقد ابتدعه الفراعنة حيث نجد تماثيل عارية لبنات الفراعنة والملكة نفرتيتي، وقد وجدت ايضا تماثيل تمثل فينوس عارية في الحضارات الرافدية والهندية واليابانية ...

و رسم اليونانيون والرومان الجسم العاري وعدوه رمزا للجمال والصفاء وربطوا ذلك بالآلهة وفي تاريخنا العربي كان العرب قبل الاسلام يطوفون حول البيت الحرام عراة .

وكان التصوير العاري مرتبط بدلالات دينية عند المسيحيين حيث كان المسيح دائما يرسم عاريا وكذلك الملائكة . وصور مايكل انجلو يوم القيامة باشكال عارية ولازالت الصورة ماثلة في الفاتيكان . وصور لادير آدم وحواء يخرجان من الجنة وهما عراة 1533 . وصور بوتشلي مولد فينوس عارية . وفي القرن الثامن عشر رسم غويا 1746 الاميرة لاماخيا عارية على غفلة من اهلها ثم رسمها بملابسها الاميرية خوفا من الفضيحة وردود الافعال الانتقامية . ورسمه توليزلوتريك 1864 الذي كان يشتغل في كابريا الطاحونة الحمراء وقد عرض الزواج على احد العاهرات فرفضت وكاد ان ينتحر . كما انتحر صديق بيكاسو الفنان كاساخيماس عندما رفضت احد عاهرات الكابريهات الزواج منه في باريس . ورسم هذا الموضوع ايضا من قبل روبنز ووظفه في اعماله مستوحي ذلك من الاساطير القديمة، ورسمه تيسيانو 1538 ومانيت في لوحته المعروفة . الغذاء على العشب 1863. والتي احدثت ضجة ورفضا من قبل المجتمع كونها تحمل موضوعا واقعيا وليس اسطوريا وان ذلك مخالف للتقاليد، ورسمه سيزان 1839في لوحته . المستحمات .، كما رسم ذلك زعيم المدرسة الكلاسيكية الحديثة دافيد1748 في القرن الثامن عشر على غرار المدرسة الكلاسيكية اليونانية حيث ظهرت بعض اشكاله عارية في عدد من لوحاته التي تمثل بعض المعارك . ورسم الفنان أنجر 1814تلميذ دافيد الموديل العاري كما هو ماثل في لوحة الحمام التركي وغيرها .

281 كاظم شمهود

كما رسمه ادوارد مونخ وغوستابو كليمنت وماتيس وغيرهم . ولم يبقى رس ام من رسامي القرنين التاسع عشر والعشرين الا وقد تمتع برسم الموديل العاري . وكان الموديل العاري يدرس كمادة اجبارية في الاكاديميات الاوربية ولحد هذا اليوم . وعندما دخلت اكاديمية الفنون الجميلة في مدريد لمعادلة الشهادة عام 1978 وجدت الطلبة يرسمون الموديل العاري . وكانت الاكاديمية تتعاقد مع الفتيات للعمل كموديل مقابل اجور . . واتذكر قصة للاستاذ الفنان العراقي حافظ الدروبي حيث اسس المرسم الحر في الاربعينات من القرن العشرين ودعى اليه اصحابة من الرسامين وقدم فيه موديلا عاريا . وفي عام 1908 تأسست اكاديمية الفنون الجميلة في مصر باشراف اساتذة فرنسيين وايطاليين وكان يدرس فيه مادة الموديل العاري حتى مجيئ الاخوان في زمن السادات ومنعوه عام 1976 .

ورسم بيكاسو لوحة غانيات افنيون عام 1907 وهي تمثل عدد من بنات الدعارة عاريات واللاتي عاش معهن في برشلونة قبل ان يحل في باريس، وقد رسمها باسلوب جديد لم يعرفه ويألفه تاريخ الفن العالمي وهو الذي ادى بالاخير الى ولادة المدرسة التكعيبية والفن الحديث قاطبة . ويذكر المؤرخون بان الفنان الاسباني رامون تورس رسم عام 1906 لوحة بعنوان (تعيش من خلال الحب) تمثل ثلاثة عاهرات على قارعة الطريق. هذه اللوحة رفضت من قبل لجنة التحكيم للمعرض السنوي الوطني في اسبانيا بحجة مخالفتها للاخلاق . وكانت هذه اللوحة قد رسمت قبل ان يرسم بيكاسو غانيات افنيون عام 1907.

وبالتالي فان موضوع رسم العري كان موجودا عند الاقدمين اما استغلال النساء الموديلات للجنس فهو موضوع آخر، ورغم ان الجنس يشكل جزء من حياة وفطرة الانسان الا انه له قيمة قدسية اخلاقية سواء كان في النظم العلمانية او الدينية لان الفطرة الانسانية تفرض ذلك ومنذ الخليقة وعصور ما قبل التاريخ ولحد اليوم وبالتالي فهناك خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها من ناحية انسانية لان الاباحية والانحلال الاخلاقي هي في الواقع ضياع للهوية وهدم للبناء الروحي والمادي للانسان والمجتمع ..... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

250 نساء في حياة بيكاسوذكرت اوليفر ودماير Olivier Widmaier في كتابها " Picasso، retrato de familia " (ان كل صديقة جديدة في حياة بيكاسو هي عبارة عن مشروع جديد للعمل والابداع حيث ترفده بتجربة جديدة اكثر رفعة ورقي من السابق . تجربه تدفعه الى بلوغ مصدر جديد للالهام والاكتشاف، بعدما كاد ان يشرف على الانتهاء والافلاس الفني . وهكذا اخذ يكرر هذا السيناريو مع كل فتاة جديدة يعقد معها علاقة عاطفية، ثم عندما تنتهي هذه العاطفة ة ودورها في اثارة الالهام والابداع يغادرها بدون اسف او ندم ثم يبدأ مع اخرى ومشروع جديد .) . (انه فنان اسطوري، لاعب دائم الربح، مخادع متقلب، زوج غير وفي، يتلائم مع مزاج واذواق الكل، يسيطر على كثير من احلام الانسان، الحب، الجنس، الشهرة، الاموال، السيطرة، يظاف الى ذلك فانه السيد في الفن ..) وكانت اوليفر هي حفيدة بيكاسو قد تخصصت في تاريخ الفن وكرست كل حياتها في الكتابة عن جدها بعدما اصبح مادة دسمة للتجارة وبعدما احدث انقلابا فنيا في تاريخ الفن العالمي وخلق مدرسة مميزة هي التكعيبية وبحثها في تمثيل البعد الثالث . وقد دافعت اوليفر عن جدها بكل قوة امام من يتهمه بتهم غير اخلاقية وخاصة زوجاته وصديقاته القديمات .

بيكاسو واريني لاغوت Irene Lagot

دائما يعتقد ان بيكاسو هو السيد واللاعب الاول في جذب واغراء النساء والسيطرة عليهن روحا وجسما وهذا ما اكدته حفيدته اوليفر التي ذكرناها سابقا ولكن يبدو ان هناك من هو اكثر منه دهاءا ولعبا ومراوغة . انها لاغوت وهي شابة ذكرها المؤرخون كانت قد اشتهرت بمغامراتها الغرامية مع الفنانين والامراء والكتاب واشتهرت في الوسط الاجتماعي الباريسي وقد الفت حولها عدد من الروايات منها رواية (أمرأة جالسة) للشاعر ابولينير Apollinaire وهو صديق بيكاسو وقد ظهرت الرواية عام 1920 .

لاغوت هي شابة غاية في الجمال والسحر، مرحة وفكاهية، وفي نفس الوقت شاذة مراهقة حرة جنسية، وتعد فتاة الحداثة والمعاصرة في ذلك الوقت كما تعد اسطورة المغامرة والجاذبية .. ولدت في عام 1893 في احدى قرى باريس التي تبعد حوالي 20 كم عنها . تركت المدرسة وعملت في احدى دوائر البريد وهناك تعرفت على شاب طبيب يدعى Roby Kolb هربت معه الى باريس واستقرا هناك . ثم عقدت شبكة من العلاقات الغرامية مع عدد من الفنانين والكتاب، منهم الكاتب Raymon Radiguet والشاعر Apollinaier والاستقراطي الروسي بوغدانوف Bogdanoff ثم تركته، وعقدت مع امير آخر روسي يدعى سرغي فيرات Serge Ferat ثم تركته وعادت الى باريس واخذت تتردت على كابريهات حي مونتمارت في باريس ولياليها الحمراء حيث يوجد هناك بيكاسو واصدقاءه الشعراء البوهيميين وقد تعرفت على بيكاسو ... وفي احدى ليالي اغسطو من عام 1916 خطط بيكاسو مع صديقه الشاعر Apollinare لاختطاف لاغوت حيث اكثرا عليها بالشرب والمخدرات حتى فقدت وعيها ثم حملاها الى استوديو بيكاسو وهناك عملا معها ما يبغيان من المتعة ... وفي هذا الصدد يقول بيكاسو (اذا كنت في الحقيقة تحب امرأة اولا عليك اختطافها ثم حبسها مع مفتاح ثم كرس كل وقتك لها؟) . في الواقع ان بيكاسو له جذور ثقافية رجولية فهو ابن مجتمع اندلسي يحمل عمق تاريخي عربي.. وكثير ما يطلق عليه بعض النقاد بيكاسو المورو el moro (العربي المسلم) ولهذا ليس غريبا ان يتعامل مع المرأة بهذا اللون من التعامل .. وبعدما هجرها صديقها الروسي سرغي تحولت لاغوت الى بيكاسو فجلست امامه كموديل عاري واخذت تتردد عليه فعلمها الرسم واخذت ترسم باسلوب حديث طلائعي ... ويذكر انها اشتركت باعمالها مع بيكاسو عندما عرض لوحته الشهيرة . غانيات افنيون . عام 1916 في احدى صالات العرض في باريس، كما اقامت معرضا شخصيا عام 1917، وقد كتب عنها الشاعر ابوليناير (هي واحدة فريدة عفريتة في عالم الفن حيث ترشح بدون شك الى صف روائع عصرنا) .. وفي الحقيقة لم تكن علاقتها مع بيكاسو سوى عابر بحسب طبيعة تقلباتها المستمرة وكان بيكاسو يعرفها جيدا ولكن اراد الاستفادة من هذه الظاهرة الغريبة . وكان بيكاسو قد اتفق معها للزواج وتم كل شئ واثناء التحضيرات للعرس هربت الى صديقها القديم الروسي الامير سرغي Serge . وكتبت الى احد اصدقائها (ان بيكاسو مغرم بي واستخدم كل الوسائل الخسيسة والدنيئة لابعادي عن سرغي ولكنها لم تنجح) .

251 نساء في حياة بيكاسو

لاغوت رفضت ان تكون ضحية لبيكاسو والدور الذي رسمه لعشيقاته الخاضعة لاراداته واهوائه وقابلته بالمثل لاعبة ضد لاعب بل تفوقت عليه، وعدها البعض اسطورة حقيقية للعشق والمغامرات، مع ذلك فقد رسمها بيكاسو في عدة لوحات منها (امرأة جالسة) وهو عنوان اتخذه الشاعر ابولينير لروايته التي ذكرناها سابقا .. عاشت لاغوت عمرا طويلا حيث توفت في 4/10/ 1994 ما يقارب المائة عام ..... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

محمد البندوريتتسم الحركة الحروفية الإماراتية الآنية بطابع التطور وارتياد المكانة اللائقة بها عالميا، حيث استطاعت أن تصنع أسلوبا فنيا متميزا، استثار بالاهتمام معظم المتتبعين والنقاد في الحقل الحروفي العالمي، فهناك نضج كبير ووعي جاد بارتياد المبادرة، خاصة بمراكز الخط العربي بالامارات التي استطاعت أن تسهم في صنع أساليب خطية قويمة وجديرة بالاهتمام، ومدارس حروفية عربية صرفة، من خلال مجموعة من الملتقيات الخطية الهادفة، وكل تلك الجهود تظل تمتح من الثقافة المحلية والعربية مكوناتها الأساسية، ومن الموروث الحضاري الإماراتي مكنوناته العميقة، مما يعطي صورة بديلة تنبذ التقليد وتتمرد على الجاهز لتحدث للفن الحروفي والخط العربي الإماراتي حيزا إبداعيا متطورا يضاهي الفن العالمي، بروح معرفية وفكرية وثقافية، وأيضا بتقنيات عالية ودراية وتجربة وخبرة. فالحركة الحروفية الإماراتية قد سادت في كل الأقطار وازدهر عهدها، وأصبحت لها أسس وقواعد وضوابط ومكانة عالية الشأن بتأطير مجموعة كبيرة من الخطاطين وذوي الاختصاص والمتتبعين والمثقفين المرموقين، وأيضا بمساهمة ثلة من الباحثين المميزين، لتنحت أساليب راقية في الخط العربي متعددة الدلالات والمناحي، تستوعب الموروث الفني الإماراتي في شموليته، على أنه نسيج في وجدان الأمة العربية والإسلامية، وتتخذ منه أداة للتحديث والعصرنة بأدوات وتقنيات معاصرة، لتشكيل أساليب خطية وحروفية غاية في التعبير، تستحضر القيم الفنية والجمالية، وفق تقنيات ووسائل عالية الجودة، وبطرق ممنهجة ومنظمة ومحكمة وحديثة، في انطلاق سليم إلى الآفاق السليمة.

ولقد ساهم حضور الوعي النقدي في الثقافة الخطية الإماراتية في دفع قاطرة الإنتاج والإبداع بخطى مضبوطة ودقيقة، مما خصب المعرفة والتجارب والخبرات، ودعم الأسس الفنية والجمالية الإماراتية، ومما أرسى أيضا قواعد العمل الفني للخط العربي الفاعل على جميع المستويات. ولقد تفاعل الخطاطون الإماراتيون والخطاطون من كل الدول العربية مع مختلف الأنماط التعبيرية المحلية والعربية والعالمية الجديدة من خلال مراكز الخط العربي بمختلف المناطق بالإمارات العربية المتحدة، فأضحى الخط العربي يشتمل على أساليب تعبيرية رائقة، مستمدا مادته من مرجعيات ثقافية وفنية خصبة، ومن سيميولوجية محلية. وبذلك أصبحت الحركة الخطية تتخذ من التحديث والعصرنة أداة لتأسيس الفضاء الحروفي بروح معرفية وفنية، تضخ الحياة في شرايين الخط العربي، وهو ما يضفي عليه أبعادا عميقة المضامين، تمتح من التطور استعمالاته الفنية والجمالية، وتمنح الوسط المحلي الاماراتي تشكلات خطية إضافية تغذي المشهد الحروفي والفني والثقافي بحرفية وخبرة وتجربة تضمن له التألق على المستوى العالمي.

إن تمتع الخطاطين الاماراتيين - الأوائل الرواد - بقدرة هائلة من الإصرار على الإبداع والابتكار، قد عجل بظهور مجموعة لاحقة فتية من الخطاطين القادرين على تجاوز الجاهز وتغيير بلاغة الخطاب الحروفي والمساهمة في تواجد ونمو حركة خطية فريدة وهادفة في المشهد الثقافي العربي والعالمي. لقد قويت هذه المادة وتقوى معها المجال النقدي، وذلك لخصوصية التطور السريع الذي يشهده المجال الخطي الإماراتي بفضل الخطاطين المشرفين على مجال الخط ورعايته. فكل ذلك شكّل مدرسة خطية إماراتية فاعلة على المستوى العربي والعالمي، تسبح في فضاء إبداعي ممنهج يحافظ على الثوابت والمكتسبات، وينتهل من التجديد والعصرنة كل المقومات الضرورية، في انسجام تام مع مقومات الحضارة الإماراتية الراهنة.

ولقد شكل معجم الرموز والعلامات والأشكال الخطية في المنجزات الفنية بالإمارات العربية المتحدة خزانا من الأدوات الجمالية التي تغذي يوميا المشهد الحروفي الإماراتي والعربي، بل إن التوظيف المتقن لهذا المعجم الخطي بكل آلياته، والزرع المحكم لمقومات الثقافة الإماراتية في الفضاء الحروفي، وصناعة نسق دلالي ملائم ومطاوع ومخترق لكل المفاهيم، قد منح الأعمال الخطية الإماراتية جماليات متعددة الأنساق والمرامي، وسما بها إلى مصاف الفن الحروفي المعاصر الراقي. فأكد الخطاط الإماراتي بذلك حضوره القوي في الساحة العالمية، ومركزيته ضمن الفنون المعاصرة الراقية، ولنا إسوة في مجموعة من الأسماء. كما أن خاصية التعدد في النسيج الخطي من حيث أنواع الخطوط ونوع الشكل قد وفر في المحيط المحلي إنتاجا يروم التربية الخطية المتنوعة الفارقة، إذ يمكن من خلاله أن نتحدث عن وجود مدرسة عربية أو مركزا عربيا رائدا في مجال الخط العربي. ولعل المتتبع لشأن الخط العربي بالإمارات العربية المتحدة يعي جيدا أن الخط العربي يشكل قاعدة رائدة ذات أبعاد دلالية وإيحاءات جمالية وفنية فريدة، قادرة على بلورة العمليات الخطية الإبداعية إلى أسلوب تعبيري غير مسبوق، كما أن التعمق في البحث في الخط العربي من الوجهة الحضارية، يضع القدرة الخطية الإماراتية في موضع القوة الباطنية، ويصنع أفقا غير متناهي. كما أن الصيغ الجمالية بكل أشكالها وأنماطها المتنوعة وأساليبها المتعددة، تضفي قيمة دلالية وجمالية في المشهد الحروفي الإماراتي، إذ يتم توظيفها كلية بحمولتها المعرفية والثقافية بتقنيات جديدة تتلاءم وغرض العمل الإبداعي. فهذا أيضا يشكل نسيجا جديدا وقيمة مضافة ليس في الساحة الثقافية الاماراتية فحسب، وإنما في المشهد الفني العالمي.

 

د. محمد البندوري

 

 

محمد البندوريلقد شكل الاهتمام بضوابط الكتابة وجمالياتها أحد أهم الأسس التي صنعت اللبنات الأولى للتحول إلى البلاغة البصرية، وقد أدى هذا الاهتمام إلى ظهور تصورات وآراء وأعمالا ذات قيمة كبيرة. منها ما جاء به أبو علي ابن مقلة المتوفى سنة 328هـ - حسب ما تواتر في كتب الأولين- فجود الخط حتى تميز بالحسن والجودة حيث أدخل عليه تحسينات رائقة، حملته إلى الشكل الجميل الذي انتهى إليه، ثم فتح من خلال مشروعه الجمالي باب الإبداع ونهج الدقة في التجويد وبسط الأساليب الجمالية التي أخضعها لمقاييس محددة. وبذلك كان ابن مقلة منطلقا فاصلا بين ما سبق وبين العهد الجديد للخط، حيث كانت فلسفته الخطية قائمة على أسس عقلية ومنطقية ومعرفية ومنهجية وعلمية وهندسية، " ثم انتهت جودة الخط وتحريره على رأس الثلاثمائة إلى الوزير أبي علي محمد بن مقلة وعن ابن مقلة انتشر الخط في مشارق الأرض ومغاربها." لكن صاحب التحفة أورد رأيا مخالفا لذلك، فيقول:" قال بعضهم: وكثير يزعمون أن الوزير أبا علي ابن مقلة هو أول من ابتدع ذلك، وهذا غلط، فقد وجد من الكتب بخط الأولين فيما قبل المائتين ما ليس على صورة الكوفي، بل يتغير عنه إلى بعض هذه الأوضاع المستقرة الآن."

وقد تنوع الخط العربي بعد ذلك إلى عـدة أقلام مختلفة ذكر منها ابن الصايغ :" الطومار والجليل والمجموع والرياشي والثلثين والنصف والثلث والحولجي وخفيف الثلث واللؤلؤ والديباج ، والتوقيع والرقاع والمحقق والغبار وهو أدقها. ومنها قلم السجلات والقصص ومنها أيضا: "الثلث المعتاد والجليل وجليل الثلث وقلم المصاحف والمسلسل والمنثور والنسخ والمنثور وجليل المحقق والريحاني والرياسي والمرصع والحواشي والأشعار والمقترن ." واللؤلؤي وخفيف الثلث وفضاح النسخ والعهود. ومنها كذلك: ماهو محقق ومعلق ومخفف ومبسوط ومقور وممزوج ومعماة. ومنها المفتاح والمنسوب والموزون والمدجن والمدمج والمدور والمرسل والمسلسل.

وقد اختصر ابن مقلة أنواع الخطوط العربية في ستة من خلال رسالته في علم الخط والقلم وهي:

" الثلث والنسخ والتعليق والريحان والمحقق والرقاع. ونجده يجعلها اثنا عشر خطا في رسالته في علم الكتابة.

ومن الخطوط أيضا: الخط الديواني والخط المغربي وخط الطغراء .

ومن مظاهر الابتكار في الأقلام في ارتباطها بالشعر العمودي وبجمالية الخط العربي، تم تخصيص قلم خاص لكتابة الشعر يوافق نمط القصيدة العمودية التي يتكرر نفس الحرف في قافيتها مما يتطلب تصفيفا محكما، فظهر القلم المدور الصغير، ثم القلم المؤنق.

لقد استطاع ابن مقلة أن يبسط رؤاه الفنية بنظرة تكاملية بجملة من الآليات المستقاة من فلسفته الخطية التي رامت التنسيق والتنظيم وفق إنجازات تطبيقية إجرائية في منطلقاتها وفي طبيعتها وفي كل مراحلها، فهي راوحت بين النظرية والتطبيق مما سهل عملية التطبيق، وجعل رؤاه النقدية ترقى في مدارج الابتكار وتحقق إنجازا فنيا كبيرا.

وبذلك أسهمت تجربة ابن مقلة الإبداعية وتصوراته النقدية وتصميماته الهندسية في معالجة كل عمليات الخط من منظور هندسي مغاير لامس جوهر الخط، وساهم في التطور الجمالي للخط العربي، حيث كان للأقلام المحدثة وتنوعها فضل في إبداع أشكال من الحروف الجديدة التي ولدت جماليات تجلى بريقها في مختلف النصوص الأدبية، واستوطنت الجماليات التي اكتسبتها أشكال الحروف الجديدة من خلال رسمها كل التراث العربي الإسلامي في المشرق العربي، في نطاق ممارسة نقدية بلورت العمل الإبداعي للخط العربي بشكل منسجم ومتكامل وفي نطاق منظومة من العلاقات ضمها التراث العربي الإسلامي.

 

د. محمد البندوري

 

 

194 باسم العسماوييعد التشكيلي (د. باسم العسماوي) تولد البصرة 1951 استاذ فلسفة الفن في أكاديمية الفنون في بابل واحدا من الفنانين الذي اشتغلوا بأساليب فنية متعددة ، وجرب الواقعية والرمزية والتكعيبية، ونراه اليوم يتخذ من المذهب التجريدي والتجريدي التعبيري اسلوبا طغى على جل أعماله الأخيرة .

(الفن التجريدي هو نوع من الفنون التي ظهرت في القرن العشرين، خاصةً عام 1910م ، ويعتمد هذا الفن على رسم النماذج المجردة أو الرسم بالأشكال، حيث يبتعد عن التشابه بين المرئيات والشخصيات بأنواعها عن شكلها الطبيعي والواقعي، ويتميز الفن التجريدي بأنّه يختزل الأفكار، ثمّ يشكلها من جديد بألوان دون توضيح الخطوط بها، ويتميز هذا الفن بقدرة الفنان على رسم الأشكال التي يتخيلها سواء من الخيال، أم الواقع في شكل جديد لا يتشابه مع الشكل الأصلي في الرسم النهائي.

إنّ كلمة التجريد تعني التخلص من كلّ أثر للحقيقة أو الواقع).

والتجريد هو قوة داخليه تتغلب على ذاتية الفنان ليطلقها على الاشياء المجسمة في ملامحها كأشياء وليست تجسيد عيني لها ، فيضيف الفنان حالاته النفسية والفكرية والرؤيوية على مرئياته ومجسماته .

(يستخدم التجريد إستراتيجية التبسيط ، التي يتم من خلالها ترك التفاصيل التي كانت مادية سابقًا غامضة أو مبهمة أو غير معروفة؛ وبالتالي يتطلب الاتصال الفعال حول الأشياء المجردة تجربة بديهية أو مشتركة بين المتصل ومتلقي الاتصال. وينطبق هذا على جميع الاتصالات الشفهية / المجردة.)

26 باسم العسماوي

في لوحات (العسماوي) ترى شخوصا تشظوا الى شخوص أخر ورؤوس تولد رؤوس حتى اصبحت جسدا واحدا متشظ من جراء حدث جم لا يبعث على القلق فحسب وانما انهيار في فكر ونفسية وروح هذه الشخوص الصفر والحمر والسود وكل الدواكن والألوان الموظفة لهذه الثيمة على السطح التصويري انها تداعيات العصر على الانسان واضطراباته ومجهولية مستقبله وغده جسدها الفنان بحرفية ومهنية حاذقتين وبألوان تشد المتلقي الرائي .. ولكن ما يلفت النظر في هذا البعد الواحد للوحة وكأنك تشاهد أناس اجتمعوا في حفل راقص تحت ظلال الأشجار في جو خريفي .. هنا الخريف وظفه الفنان (د. باسم) بذكاء ليدلل على خريفية الوقت والعمر وتلاشي الأحلام والمخاطر التي تحدق بالإنسان .. هذا الانسان الذي جبل تحت وطأة الحروب والحصارات والعبث الثقافي والوجودي وكان اراد التخلص من غبار علق على جسده ومن ملوثاته واخلاقيات زمنه برقص صوفي جمعي .

الفنان هنا (العسماوي باسم) تعمد ان يوظف قلق مخلوقاته التشكيلية ومجسماته بشكل جمعي لا فردي أي أراد الافصاح أو الاعلان عن مشكل حقيقي يصيب الانسان والمجتمع بتجريداته المعبرة في هذه لوحاته (تتميز التعبيرية التجريدية بـ «قوة الانفعال» وبـ « الحركة التلقائية». وقد يعرف هذا المذهب أحيانا بـ«التجريد الغنائي» أو بـ«الآلية » نسبة لتخليه عن مبدأ المراقبة العقلانية ؛وأحيانا أخرى يعرف بـ «البقعية» إشارة إلى التقنية التي تظهر الألوان على سطح اللوحة على شكل بقع ، ومن هنا يصبح عالم اللوحة عالما خاصا، ينطلق من الصلة المباشرة بالمادة وتحويلها إلى نتاج فنى ؛ فتصبح التقنية والتجريب على المادة مقياسا لقيم «العمل الفني» ولإتمام الصورة بل أبرز ما تمثله اللوحة) .

المتلقي يرى وجها أم افكارا متمثلة بوجوه شبحية جسدها التشكيلي (العسماوي) في أغلب لوحاته وتجريداته وبأساليب مختلفة ، مفيدا من الفن التجريدي التعبيري فتجد تلاحقا فكريا وفنيا في جل اعماله ولايغيب عن المتلقي اسلوبه الاكاديمي الصرف في تجسيد لوحاته هذه ، و(للعسماوي) روح الابتكار والتجدد من خلال تسخير الماديات من كؤوس وزجاجيات وتحفيات ليرسم عليها وجوها واجسادا ومرئيات عدة .

 

رياض الدليمي

 

 

190 فاخر محمدوأنت تنظر الى لوحات التشكيلي الدكتور (فاخر محمد) تشعر وكأنك داخل جرة سومرية ضاقت عليك وتعتقت معها ومع نبيذ سكرات موتانا السومريين فأرواحهم تلامس أرواحنا في عمق جراره المعتمة البالية .

وفي أخرى من لوحاته ومن أعماله الأخيرة وأسلوبه الذي لم نكن نعتاده في باقي معارضه السابقة تشعر وانك محبوس داخل القفص الصدري وتسمع أنين ونبض تاريخ سحيق وقلوب نابضة ما ان يرتفع الحجاب الحاجز حتى تدوي شهقات الموتى والمحرومين والمعوزين والمسحوقين، يبدو الرائي في حيرة عندما ينظر للوجوه يكاد لا يفرق بين وجوه الأمس واليوم فكثير من هذه الوجوه والشخصيات يخيل لك قد شاهدتها في سوق الحلة العتيق أو في ازقة (حي كوكة والاكراد) وفي لمحة أخرى مبصرة تبدو عليها الكدمات وكأنها عادت للتو من حرب مشتعلة مضى فيها (نبوخذ نصر) وهو يجوب الشام ليحرق ويهتك وينتقم من الذين خرجوا على بساط سلطته .

المساحات الصغيرة التي يجسدها (فاخر محمد) في لوحاته وفي ألوان مشعة بين القاتم والواضح وكأنها حصيرة بابلية او سجادة اِله (سومري أو رجل دين حلّي أو محاويلي أو قاسمي) تخدعك لتتيه في جمالياتها وتنسى ما اِختبأ ورائها من معان ورسائل فكرية وجودية وأسى حاضر وترقب وحيرة من غد قادم .

25 فاخر محمد

يوظف (فاخر محمد) الألوان الجريئة في مظهرها ومعانيها بين (البنفسج والزهري والابيض والارجوان) هي ليست حديقة من حدائق روما بل هي تشكيل من تشكيلات مخيلة الفنان رسمها وفق معايير هندسية وبأبعاد قد تتلاشى للرائي في نظرته الاولى أي المتلقي وتتحقق لحظة اندماج المسافات والرؤى بين اللوحة والمشاهد فيغدو جزأ من اللوحة ، وأحد أبعادها، وفي لحظة اخرى تجد ان اللوحة قد أقصته ويحدث تنافر بينهما ويبدوان هما من عوالم أخر عالم المخيلة وعالم التقويض الفكري والنفسي الذي يعيشه الفنان وعالم واقعي سحري يمكث فيه المشاهد، وعالم التشكيلي قد اختزله بمجسمات لا يفقها الا هو، للوهلة الاولى نعتقد انه اقصاء مقصود مجرد في طقوس صوفية سيمائية من تخليق (فاخر محمد) لا يدخله الا ذا ريشة تكسر حواجز الابداع وتهشم أساليب الفن التشكيلي لآخر مبتكر ومخلق من صنعه وابتكاره .

 

رياض الدليمي

 

 

161 عصام الشرقاويتكاد تخلو الساحة الثقافية من مساحات نقدية لفن التصوير أو تحديدا للصورة الفوتوغرافية التي لا تقل تقنيتها عن تقنيات الأقصوصة أو الومضة النثرية أو فيما أُستحدث من تعابير نقدية في هذا المجال الذي تُهلل له الأوساط الثقافية عبر الوسائط الصحفية. وقلما نجد نقدا بلغة بسيطة يُحلل ويقرأ مفردات الصورة، ويضعها في مكانها الصحيح كفن إنساني على اعتبار أن مؤلفها" المصور" لا يقل في قيمته الإبداعية عن المبدع الروائي، فكلاهما لديه رؤية للأشياء وللكون وللمجتمع، وإن اختلفا في الوسيلة الإنشائية لهذه الرؤية سواء أكانت عدسة أم قلما.

وعلى صعيد متصل للإبداع تأتي الجودة التي تميز عملا عن آخر، وهنا بالطبع أضع الصورة الفوتوغرافية تحت معيار الجودة جنبا إلى جنب مع النص الروائي، والنظر إليها كعمل مكتمل الأركان له عتباته السيمائية التي تخضع للتأويل والتفكيك. ومن ثم الوصول لمغزى الضوء والفراغ والكتلة واللون، وبذلك يمكن الوصول لفكر المصور، وتبيان رؤيته للمنظر الذي التقطته عدسته.

وفي ضوء ذلك، سيتراكم أمام الذائقة فن جديد مختلف في لغته، بل ما يميز تلك اللغة العالمية التي يفهمها الجميع بمستويات الحس الإنساني، لتضع البشرية أمام لغة الصورة وسردياتها، مما يخلق لدينا ارتقاء ما لو أُحسِن تذوقه؛ لوصلنا إلى حالة العرفان الأعلى من السمو.

إن العرفان المقصود به هنا هو اتجاه حضاري لا ترتقي أية حضارة إنسانية إلا به. وهو المعرفة التي يُحدِثها المنظر أيا كان، سواء منظر طبيعي أو بشري. وبالتالي يأتي عليه المبدع ( الأديب- الشاعر- المصور) ويقيم إبداعه بعد مشاهدة هذا المنظر الذي يفجر طاقته القلبية والعقلية والحسية، فيعيد لنا هذا المنظر حسبما اتجهت بوصلة مشاهدته لهذا المنظر، وهنا تغلب طاقة على أخرى، لذلك نرى إنتاج المبدع يغلب على منظره تارة الصورة القلبية وتارة أخرى العقلية أو الصورة الحسية. وهنا يتفاوت كل مبدع عن الآخر في تلقيه عرفانية المنظر الأم.

وعند تطبيق ما سبق على الصور الفوتوغرافية، يأتي على سبيل الانتقاء لبعض الصور للمصور المصري"عصام الشرقاوي" في صورته المسماة بـ"الانتظار"، والتي يتحقق فيها البعد العرفاني الذي انبثق منظره من تجانس الطبيعي والبشري، وفاضت طاقته القلبية على ملامح الصورة اللونية، وعكست مسألة الكتلة والفراغ في الحيز الكوني لذلك الإنسان المنتظر لشيء ما، يقاوم به كتلة الظلام الدامس خلفه، والتي تحتل المساحة الأكبر من تكوين الإطار المشهدي للصورة، فالمشهد الخلفي كله غارق في كميات من السواد الذي يوحي بلا شيء غير العتمة المجهولة، وكأننا أمام العتمة الكونية الأكبر. وعلى الجانب الأيمن من هذه الإطارية تحتل أحد مكونات الطبيعة في جوهرها النباتي والمُصنَّع على هيئة"ضلفة خشبية طويلة تجسد مرحلة غابرة من الفن المعماري المصري في تصميماته الضخمة لمساحات النوافذ لاستقطاب أكبر كمية من الهواء والشمس كي تقاوم عتمة الداخل وتجدد متنفس الكائن العائش بالداخل.

وفي نفس السياق، تأتي صورة الشرقاوي بمفردات الكائن البشري كأنه ظل من ظلال الفضاء الطبيعي وفراغاته اللا متناهية، حيث تتجه نظرة عينيه صوب اليمين غير المرئي. وهنا تتأزم حالة" شَاف الرّجل" أي صعد مكانًا عاليًا ونظر، وهي المكانة المعلومة بالنافذة كما حددها إطار الصورة، لكن مسألة الشوف هنا يشوبها بعض من عطب كما توضحها تلك النظارة الطبيبة فوق أعين الرجل(بطل الصورة)، والنظارة هنا بمثابة معالج موضوعي لمساحات الخلل في الرؤية الإنسانية التي قد انحرفت عن مسارها الكوني لذلك جاءت كتلة الكائن البشري أقل من كتل المكون الطبيعي، وهذا العطب يعكسه أيضا استناد الرجل بمرفقيه على حجر النافذة الصلد جامعا كفية أمام ذقنه، كنوع من تحد أكبر لهذا الخلل الصامت الذي يتجلى في طريقة فمه المطبق وكأنه بشكله الآني وملبسه الأبيض المحايد (والملبس هنا هو نقطة الضوء الوحيد في إطارية الصورة ككل) يتحدى الصمت بصمته.

إن المشهدية العرفانية لصورة الشرقاوي، قد فككت فضاءاتها العامة بالمشاهدة القلبية، ولم تتحيز للمكون الطبيعي أو البشري، بل جاءت راصدة لحالة الونس والألفة الكونية بين المكونين. وبالتالي تعطلت وظيفة اللون المراوغ هنا في الصورة التي لم تنحز في توزيع الكتل البيضاء والسوداء حسبما طبيعة الفراغ المفروض على المشهد ككل. وهذا قد برز جمالية التصوير بالأبيض والأسود ومنح المصداقية للمشهد الذي اتسم بالواقعية.

 

د. محمد طلعت الجندي

 

محمد البندوريلا شك أن الخط المغربي في سياقه الجمالي يعرف تطورا وازدهارا ملحوظا، لكن هذا لا يعني أن المجال برمته بخير، بل إن هناك وضعا آخر يحتاج إلى نقد بناء ويحتاج إلى تقويم حكيم، وذلك راجع بالأساس إلى بعض العقليات التي لا تزال تعيش في الوهم وفي براثن الأحقاد والحسابات الضيقة في غياب الوازع الموضوعي وغياب الوعي. وهذه العقليات تجعل الوضع الحروفي السائد في مأزق نتيجة تأثير التفرقة والشتات على كل المكونات الأساسية للخط المغربي وخاصة منها العنصر البشري. لذلك فإن هذا الوضع المتأزم نتيجة التفرقة القاتلة بين مختلف هيئات المجتمع المدني التي تؤطر مجال الخط المغربي، والتفرقة المميتة بين مختلف الفاعلين في المجال نفسه تتسبب في كل وقت وحين في وضع الخط المغربي على حافة الانهيار، وتوصله إلى مصحة الإنعاش. بل إن ذلك يضع الخط المغربي في مفارقة بين وضعه الجمالي المتقدم وبين وضعه العقلي المتخلف. فبقدر ما يزداد تطورا وجمالا ويذيع جماله في الأمداء بقدر ما تُصر بعض العقليات على التفرقة والزيادة في حفر الهوة وتكثير الشتات ووضع المعوقات والعراقيل لكل الأعمال الجادة. وإن كانت الغرابة تشد بعض الأوفياء وعظام الرجال إزاء هذا الوضع، فإن غياب التواصل الفني والمعرفي والعلمي والجهل ببعض المزايا التي تخص قدسية الخط، وشرف الخط، وروحانية الخط، وأهداف الخط، وتربوية الخط، وثقافة الخط، تجعل بعض العقليات تتمادى في الخسران وتنحت بؤرا للنزاعات، وتشكل مساحات للتخلف، علما أن مجال الخط عموما يحتاج إلى رجال عقلاء وحكماء وأصفياء، وأطهار في قلوبهم، وأنقياء في عقولهم، وموضوعيين في تشكيل خطاباتهم، ومتزنين في معاملاتهم، وحكماء في تواصلهم. لا تحكمهم الأخيلة الهدامة، ولا الطمع المجحف، ولا تحركهم المصالح الذاتية، بل تحكمهم الأخلاق أولا وأخيرا، فيشتغلون بنوايا حسنة وبأهداف سامية، ومساعي تخدم مجال الخط المغربي في شموليته.

لقد بلغ الخط المغربي مبلغه من الجمال، ومن الدراسة والبحث، ومن التقعيد، فتجلى في مشاهد متنوعة، بأهميته في التربية والتعليم وفي الفن وفي مختلف تجلياته، وتقاطع مع الشعر والنثر ومع مختلف النصوص ليشكل خطابا بصريا بمرجعيات تاريخية وتنظيرية رائقة،خاصة وأن المادة الخطية بالمغرب عامة قد أسست لرصيد تاريخي علمي ومعرفي وجمالي. لكنها تحتاج في الظرف الآني إلى مقومات أخلاقية وإلى عقلاء للمضي في النهج المشرق بتطلعات جديدة وإشراقات جديدة وأفكار أخرى جديدة.

 

محمد البندوري

 

 

محمد البندوريتشكل خاصية التنوع الثقافي والفني بالمغرب أهم الميزات التي طبعت الحضارة المغربية على مستوى الشكل والمضمون، فقد شكلت بؤرة كي يستفيد الخطاط المغربي من هذا التنوع وينغمس في عوالم أثرت بشكل كبير في مسار الخط. ولعل كيفية رؤيتهم للأشياء والظواهر من خلال تصورات موضوعية متنوعة، قد أدت إلى محاولة الكشف عن التداخل بين مختلف الفنون المغربية في سياقها الثقافي والمعرفي مما كشف عن بعض القواسم المشتركة بين الخط المغربي والفنون البصرية وفن العمارة والعلوم الإنسانية. وقد شكل هذا المنحى رؤية جمالية غير عادية ورؤية جمالية موضوعية طبقا لتنوع المنحى المعرفي والثقافي.

وإذا كان فن الخط المغربي قد خلف مداخل جمالية تدل على الفنية المغربية، فإنه كذلك قد أثر بشكل مباشر في الذهنية المغربية. ولا شك أن توظيف الأشكال البسيطة، من خطوط ومنحنيات ومسطحات، وزخرفة وأشكال متعددة، تنم عن التوظيف العفوي لمجالات الرؤية البصرية؛ وبهذا التأثير، فقد تميزت العمارة المغربية بالتنوع مما ساهم في تطور وإثراء طروحاتها على كل المستويات، حيث وقع التحول في قدرات الخطاط، وحيث تحولت المادة الخطية المغربية معرفيا وفنيا على غرار ما أنتجه التطور الحضاري إلى اعتماد الرؤية البصرية بوعي تام باعتباره خيارا يحدد الواقع ويتفاعل معه، فأضحت للأنواع الخطية المغربية أبعادا أخرى ومعاني جديدة.

وقد عمقت هذه الإرهاصات في كثير من مواقعها الفنية والثقافية وفي وعي الإنسان المغربي من حدة الصلة بين عمل الخطاط وما يجسده في الفن والواقع، في نطاق سلسلة من الحركات الفنية البصرية، وبين القارئ وما يشغله من حيز تفاعلي.

ولقد أتاح سلطان الخط في نطاقه البصري نوعا من التسييد لكل النصوص البصرية في جدران القصور والمساجد والمدارس، والاهتمام بقيم وأفكار جديدة في نطاق خطاب صوري خطي بصري له معانيه وبلاغته الخاصة، ودلالاته المتعددة. فصار وسيلة إلى المتعة الدلالية التي يقيضها الوجود الخطي أو الصوري بعد عملية التحوير والقراءة. لأن المتخيل البصري هو تعبير دقيق عن التطوير الثقافي للوعي بواسطة العين مما ينتج قراءات أكثر دلالة في مهمة تمثيل الواقع في تصورات وأخيلة بعيدة أكثر بدلالاتها ومغازيها ومعانيها. فأصبحت الكتابات الخطية من هذا المنطلق تأكيدا لما رسخه الخطاطون والمنظرون من ارتكاز الثقافة على الفن وعلى الجمال وعلى إنتاج الدلالة الجديدة، فتتفوق براهنيتها وقدرتها على التثبيت، كونها أيضا تعنى ببعد بلاغي قائم على استحضار الأشكال التواصلية وخصائصها وأبعادها التي تسهم في رؤية دلالتها المتطورة، والتعبير عن مفاهيم ذهنية، تحكمها خاصية التحول إلى الرؤية البصرية وتبادل فاعلية العين المبصرة ومختلف الأشكال الخطية الجمالية وتطورها، وفحص دلالات تلك الأشكال وتركيبها والبحث عن دور مجازي لها تعززه الذاكرة والمخيلة من جهة، وتعضيد الدور الأيقوني وتغير موقع القارئ بمؤثرات ومحددات واقعية وآليات فنية وجمالية ساعدت على انزياح الخط المغربي عن المألوف تشكيلا وتبئيرا وتفضية وتدلالا.

 

د. محمد البندوري

 

 

مبروكة بوهوديإنّ قضيّة علاقة الفن بالسياسة تُعتبر من إحدى الإشكاليّات الكبرى التي أثيرت ولا تزال تُثار في مجال البحث الفنّي وتحديدا داخل المُمارسة الفنيّة الإيرانيّة المُعاصرة، وهي إشكاليّة تتمحور أساسا حول أوجه التقاطع أو التوازي القائمة بين حريّة الإبداع والمُعلن صراحة أمام الجميع، وبين الرّقابة والمسكوت عنه في التعبير الفنّي. وغالباً ما تُعطي الإنقلابات العنيفة الاجتماعيّة والصّراعات الثّوريّة دفعة للأشكال الإبداعيّة للتعبير الفنّي السياسيّ. ومن أجل بناء "وعي ثائر" يردّ هذا الفن الجواب بسلاطة على السّلطة، ويقلب صلاحيّتها رأساً على عقب، ويقترح طرقاً مُعارضة بديلة للتفكير والسلوك. ومن جهة أخرى وفي وقت الاضطراب الشديد، عندما تكون السيطرة أو الزّعامة السياسيّة مقيّدة بصورة أفضل، فإنّ الفن يشترك في عمليّة إنشاء رموز جديدة، أساطير مُضادة، وفي نهاية المطاف معانٍ جديدة.

الأيقونات المُتعدّدة كالصور الفوتوغرافيّة والبوسترات (المُلصقات) السياسيّة التي كانت منتجة ومنتشرة أثناء الثورة السياسيّة في إيران لم تكن استثناء لذلك. والصّور الفوتوغرافيّة والمُلصقات التي استحدثها الفنّانون المُلتزمون بالثّورة (الثورة الإيرانيّة الإسلاميّة سنة 1979) قد هدفت بصورة جليّة إلى إعادة تعريف القيم والأعراف الاجتماعيّة. وبعد اضمحلال سلطة الشاه قام الفنّانون بإنتاج المُلصقات التي عارضت تصويرها الأيقوني أو الرّمزي وقلبت الأفكار والصور التي دعّمت الوضع الرّاهن. يجب أن نُقرّ أن هذا ليس مُجرّد تأمّل ثانويّ للحركة الثوريّة، حيث لعب التصوير الفوتوغرافيّ والمُلصقات دوراً حيويّاً في الصّراع من أجل التغيير وفي نطق الإيديولوجيّات الجماعيّة. وبالتالي كانت هذه الثورة والفنّ مؤسّسين بصورة مُتبادلة فيما بينهما.

ينطلق الفنّان الإيرانيّ من قراءة للذّاكرة الجماليّة الفارسيّة التي تحبل بالعديد من الإبداعات والتعبيرات الفنيّة البصريّة، زمنيّة ومكانيّة، والتي جسّدت علاقة الفنّ بالسّياسة في ظاهرها وباطنها، وانطوت على معانٍ سياسيّة شديدة الحساسيّة ساهمت إلى حدّ كبير في إيقاظ الضمير الشعبيّ وتكسير حدّة الرّقابة التي تفرضها السّلطة على المُجتمع. غير أنّ الفن في حقيقة الأمر لم يكن ضدّ السياسة دائماً، بل خدمها في الكثير من المُناسبات، ووقف الفنّانون طويلاً إلى جانب نساء ورجال السياسة لتجاوز المعضلات، وحشد التعبئة في الحروب السياسيّة والفكريّة والإعلاميّة. فالسياسة هي مجال من مجالات الإبداع الفني بما يتضمنه من أفكار ورُؤى وتخييل، وقد تتحوّل إلى أداة مطواعة في يد الفنان بوصفه صائغا للقيم الجماليّة وصانعا للمواقف الإنسانيّة.

مثّلت الثّورة الإيرانيّة لحظة حاسمة في التاريخ الحديث لإيران. حيث ظهرت طبقات متعدّدة من المعاني والصور الأيقونيّة أو الرمزيّة. وبُني جسراً بين فنّ التصوير الفوتوغرافيّ، وبين الماضي مع الحاضر، والمقدّس مع غير المقدس، والحديث مع التقليديّ، والقوميّ مع الدوليّ. لكنّنا أمام هذا الكمّ الهائل من الأعمال التشكيليّة الإيرانيّة المُعاصرة تعجز كل المعاني المتعدّدة وكل التفسيرات المُختزلة للثورة كمعنى "إسْلاميّ" بحت وتتحدّى النظرة النمطيّة للإسْلام كفكرة متعلقة بالتنكّر للمُعتقدات والأنظمة المأثورة.

انطلاقا من الصُّورتين (انظر إلى الصورتين السّابقتين عدد7 و8) للفنانتين شيرين نشأت وشادي غادريان، نُلاحظ ذلك النّفس السّياسي الطاغي عليهما، فالحسّ الثّوري حاضر وغائب هناك. يثور الجسد الأنثويّ بين ثنايا الحشد الرّجالي، ويتمرّد في حنايا الوضع الذي يعيشه.هو جسد تلك المرأة الثائرة على نظام المؤسّسة البطريركيّة داخل العائلة. فصورة "نساء بلا رجال" (صورة رقم7) تكشف لنا عن الوضع السياسيّ الذي تعيشه المرأة خلال فترة معيّنة من تاريخ إيران. فدور الصورة الفوتوغرافيّة والفيديو في هذا العمل لشيرين نشأت أصبح ذو أسلوب محلّي وآخر دوليّ، تقليديّ وحديث. وبهذه الطريقة ينظرون إلى الفنون البصريّة على أنّها من قبيل الشعار أو العلامة الخاصّة للطّابع الهجين ما بعد الحديث للتشكيلات النّاشئة في إيران. ويعتبر هذا الفيلم (نساء بلا رجال) الأوّل للفنّانة التشكيليّة شيرين نشأت، يقدّم صورة فنيّة لإيران من خلال قصص أربعة نساء سنة 1953، وانقلاب تدعّمه بريطانيا والولايات المتحدة، يسقط الحكومة المنتخبة (أي حكومة محمد مصدّق). وهو أوّل فيلم روائيّ طويل للفنّانة الإيرانيّة "شيرين نشأت"، تلقي فيه الضوء على حياة أربع نساء في ظلّ الانقلاب الذي شهدته البلاد صيف عام 1953.

136 مبروكة بوهودي

أدركنا من خلال هذا الفيلم سيطرة الفنّانة على شخصيّاتها النسائيّة وتحكّمت في هنّ عن طريق الكشف والمُوارية. فهي تفضح من جهة الأوضاع السياسيّة التي كانت تعيشها المرأة في عهد الشاه، وتغوص في المسكُوت عنه من خلال كشف السيطرة الذكوريّة وغطرسة المؤسّسة الدينيّة تُجاه المرأة في بعض الاحيان .

لم تكن صُورة حذاء المرأة في العمل الفنيّ "لاشيء،لاشيء"(انظر صورة عدد8) للفنّانة شادي غادريان اعتباطيّة، فقد وُضعت جنبٍ إلى جنب مع حذاء الرّجل. وترمز هذه الصورة لأحداث الثورة الإسلاميّة (كان عمرها حينذاك خمس سنوات) والتي بقيت أحداثها راسخة في ذاكرتها. وترمز كذلك لآثار الحرب الإيرانيّة-العراقيّة والتي كانت مُخلّفاتها وخيمة على المُجتمع كالفقر، الظلم الاجتماعيّ والسياسيّ، الحرب، الجريمة، الحرمان، الكارثة، والمُعاناة. وتستحضر المصوّرة في هذه السلسلة صورة الحرب من خلال الحضور والغياب (الرّجل والمرأة) لكن بعيدا عن ساحات القتال. فالحرب في هزائمها وانتصاراتها تحدث شرخا في الحياة، بحيث لا تعود مطلقا كالسابق، تترك آثاراً نفسيّة أكثر تركيباً وعمقاً ممّا نظن في نفس من جرّبها وعاش تحت تهديدها وذاق صدماتها المُتتالية. كما أنّ الكثير من آثارها تكون بعيدة المدى فتمتد طيلة عمر الإنسان وتؤثر على مجرى حياته كاملاً في بعض الأحيان. فتحوّل مشهد الثورة والحرب في هذا العمل التشكيليّ إلى "الاّشيء"، العدم، الموت، الفناء... فلم يبقى من الثورة سوى صور للشهداء، الحذاءان المتروكان هناك، والدّماء المنثورة على الجدران.

لكنّ السؤال الذي يدور في مخيّلتنا ويُحيّر أمرنا ألا وهو: هل سيكون تحرير نهائيّ لكلّ فنّان داخل إيران؟ هل هناك فائدة من الثورة أم سيظلّ الأمر دائماً على ما هو عليه؟ وهل لدى الفنّانات الإيرانيات الحقّ في الثورة أم لا؟

يقول ميشيل فوكو في كتابه "فوكو صحافيّا: "لم تخضع الحركة الإيرانيّة لـ"قانون" الثّورات ذلك الذي يبدو أنّه أظهر للعيان تحت الحماسة العمياء الاضطهاد الذي يسكنها في الخفاء. ويتعلّق ما كان يُشكّل أكثر جوانب التمرّد صميميّة، والذي عرف بشدّة أكبر من غيره، دون واسطة بمسرح مزدحم"[1]. قد يُخاطر الفنّان بحياته لأجل الدّفاع عن حريّته وحريّة غيره أمام سلطة يعتبرها غير عادلة. فالحركات الاحتجاجية لا تقهر، لأنّه لا يوجد أيّة سُلطة في مقدورها القضاء على إمكانيّتها بشكل مُطلق. وبالتالي فإنّ بين الفنّ الإيرانيّ (سواء في الخارج أو الدّاخل) والسياسة ليست ثمة مسالك مرسومة سلفا للعلاقة بين العالمين. العلاقة -بصيغة أصحّ- هي بين الفنان والسياسيّ.

هل يختار الفنان أن يضع نفسه في حضن سلطة تحميه وتفسح له مكاناً في الهرم السياسيّ للاستفادة من البعد المادي والاعتباري، أم يخوض المغامرة الصّعبة في شقّ طريق الإبداع المستقلّ المدافع عن قيم الحق، حتى وإن صادمته خيارات السلطة وإملاءات المُجتمع؟ وهل يقبل السياسيّ أن يخلي مساحات اجتماعيّة تنبت فيها أصوات الحريّة والإبداع خارج مدار المُمارسة السلطويّة أم يرتضي وقوف الفنّان في طابور الجنود المؤتمرين بسطوته؟

نحن هنا لا نكتفي بتجربتيْ الفنانتين شيرين نشأت وشادي غادريان، بل ننطلق منهما للغوص في أعماق المُمارسة الإيرانيّة المُعاصرة في الخارج والدّاخل. من هنا نبدأ بالكشف عن الإيقونات السياسيّة التي ساهمت في اختراق المسكوت عنه من مواضيع وتقنيّات فنيّة مختلفة. نقدّم ثلاثة بوسترات (مُلصقات) كنقطة انطلاق. على سبيل المثال، وفي إحدى "البوسترات" للمُصوّر الإيراني مورتيزا مومايز ( إشتغل في ورشة عمل البوسترات في معرض الفن الإيرانيّ سنة 1962، ثم انتقل إلى الولايّات المتحدة) نجد في هذا العمل ثلاثة "تواليب" (نوع من الزهور) حمراء اللّون، جُسّدت في شكل قبضات يد، مغروسة على خطّ فارسيّ مقتطف من قصيدة شعريّة تُقرأ "ازدهرت التواليب من دم شباب الأمّة". (انظر الصورة ).

137 مبروكة بوهودي

ترمز حركة الأيادي في هذه الصورة إلى الحقوق المدنيّة (قبضة اليد الأمريكيّة المرفوعة)، غُرست فوق حرف من الحروف الفارسيّة. ونلاحظ في هذه الأيقونة كيفيّة مجيء الفنون المرئيّة لتعمل كشكل أكثر مُباشرة وإلحاحاً للتدخّل الاجتماعيّ. ومن خلال الانسلاخ الحرّ من السياق المؤسّساتي لإنتاج وعرض الفن، أخذ الفنانون الإيرانيون أعمالهم مباشرة إلى الشارع . وهذه العلاقة التكافليّة بين الكلمة والصورة التي شكّلت حيزاً ثقافيّاً جديداً بالنسبة لشيرين نشأت والعديد من الفنانين المُعاصرين، تميّزت بطابع نقديّ اجتماعيّ داخل المُمارسة الإيرانيّة التي أصبحت أكثر وضوحاً بالكامل في الفنون البصريّة. حيث إنّ القنوط أو السّخط الاجتماعيّ ازداد على مدار فترة السبعينات من القرن العشرين.

أصبح بعض الفنّانين المُعاصرين سواء في المنفى أو في الداخل الروّاد المشتركين في إنتاج المُلصقات السياسيّة. وشكّلت هذه "البوسترات" سجلاً تاريخياً لدور الفنون المرئيّة والصور الفوتوغرافيّة في الثورة الإيرانيّة سنة 1979. ويُعدّ هذا النّوع من الفنون فناً إحتجاجيّاً بالأساس، ومن أهمّ عوامل الترويج للثورة، إلاّ أن مفردات هذا الفنّ تأتي من مفردات وقواعد الفن التشكيليّ.

إنّ الفنّ في الحقيقة هو الخوض في قلب هذه المشاكل، وإعادة تقديمها من جديد بهدف الوصول إلى حلول واقعيّة لمشاكل الإنسان لا الهرب به إلى عوالم لونيّة وفكريّة حالمة. فهو اليوم غير منعزل عن الجدالات السياسيّة الكبرى الدائرة خارج مدينة أفلاطون الفاضلة التي هربنا إليها فنياً، فالعصر اليوم هو عصر التواصل والانفتاح، وهذه الأحداث ستصل يوما وبكل تأكيد إلى مدينتا الفاضلة، وستقتحم ما ورائيّاتنا ومخابئنا الحالمة، وستنتهك كل قواعد علم جمالنا، وألواننا الدافئة التي اتّخذت من جسد الأنثى على سبيل المثال مخبئا نختبئ فيه تحاشيا لأيّ مواجهة مع الأحداث السّائدة. إنّ الفنان عموما اليوم هو إنسان متفاعل مع حركة التاريخ بموضوعاته الحياتيّة اليوميّة ذات العمق الفكريّ، ووعي الفنّان السياسيّ هو وسيلة التعبير المطلوبة لتحقيق غايات الإنسان وحاجاته الملحّة. فهو الواعي سياسيّاً يكون منسجما مع مقتضيات العصر عبر دوره الإبداعيّ والفكريّ الذي يترجمه بأشكال بصريّة مختلفة، ليصبح راصدا لكل التحوّلات الفكريّة والوجدانيّة والعقائديّة من حولنا.

هل أنّ الفنّ يجب أن يبقى بمنأى عن أي ارتباط صريح بالسّياسة، خشية أن يدفعه ذلك الارتباط للتنازل عن نزاهته الفنيّة؟ أم أنّه يجب أن يُعلن صراحة عن انتمائه السّياسي ويُساند بشكل مُباشر القضايا السياسيّة وإلاّ يستبعد ويوصم بأنّه رجعي؟

القائمة التي تضمّ أسماء الفنّانين الإيرانيّين، الذين قد مُنعت أعمالهم من العرض في إيران كبيرة. فلم تكن تجربة الفوتوغرافيّ الإيرانيّ المنفيّ "عباس كيارستمي" بمنأى عن تجربة شيرين نشأت وشادي غادريان، وهو فوتوغرافيّ إيراني سينمائيّ مُعاصر، وبدأت تجربته الفنيّة في رواية قصّته عن الثّورة الإيرانيّة في عام 1979. وعندما بدأت الثورة الإيرانيّة، أخذ عبّاس كاميراته إلى الشوارع وقد وضّح فيها التصوير الوثائقيّ. وكان حريصا على التّمثيل الفُوتوغرافي للأحداث وإنشاء ونقل المعنى الثّوريّ. وعلى مدار الثّورة، قضّى عباس جزءا كبيرا من أيامه في الشوارع لنقل المشاهد الثوريّة. وكان يستثمر جزءا من الجماهير ويدخل في حركاتهم، مستثمرا في فهم مضامين ما كان ينكشف من حوله. وقد صوّر كذلك، نساء مُحجبات وأيديهنّ مرفوعة إلى السّماء في انتظار عودة الخمينيّ، ومن جانب آخر من الصورة توجد نارا موقدة تحترق في داخلها صور فوتوغرافيّة للشّاه. وبالتالي فإنّنا نستلهم انعكاسات هذه الثّورة الإسلاميّة من خلال نماذج عديدة اهتمت بالصُّورة الفوتوغرافيّة كوسيلة احتجاجيّة على الأوضاع التي يعيشها المُبدع في زمن الرّقابة والممنُوعات.

من خلال أفلامه وصُوره الفوتوغرافيّة الثوريّة، سعى كيارستمي إلى خلق نوع جديد من السينما التي لا تعتمد على حبكة أو أحداث دراماتيكيّة أو مؤثّرات خاصّة وحيل بصريّة أو ميزانيّة ضخمة أو نجوم محترفين، إنها سينما متقشفة لكن عميقة في الرؤية، تعتمد على إظهار التناقضات والمفارقات - الصّارخة والكامنة أو المموّهة - فيما هي تحتفي بالحياة اليوميّة، وتدعو إلى التأمّل والتفكير، نائية عن الحالات الوجدانيّة "الميلودرامية". ونحن في الحقيقة نعلم أن أغلب أعماله الفنيّة ممنوعة من العرض في إيران فيقول حول ذلك:"سواء أكانت هناك رقابة أم لا، فإن أعمالي قادرة أن تعبّر عن نفسها بطريقتها الخاصة. أيضاً أشعر بأن كلمة الرّقابة توفّر أحياناً درعاً أو حجاباً نستطيع أن نخبئ خلفه نواقصنا ونقاط ضعفنا، ونحلّ أنفسنا من واجب المسؤولية تجاه أعمالنا... أظن أنّنا، نحن الإيرانييّن، ليس لدينا أيّ خيار غير أن نستمرّ في الكفاح من أجل تحسين وجودنا الخاص، مثلما يفعل أي شخص يكون في خطر الموت، فيتشبث بالحياة حتى النهاية المريرة"[2]. ومن الثيمات التي يهتمّ كيارستمي بتناولها: العلاقة بين الصورة والواقع، اللاّعدالة الاجتماعيّة، تجاور الحياة والموت وعمق غريزة البقاء. وتبدو أفلامه ذات منحى وثائقيّ، مبنيّ على أحداث واقعيّة، ويستعين فيها بممثلين غير محترفين. ومن خلال أعماله نستنتج الدّعوة إلى التسامح ونبذ التعصّب والتعاطف مع نقاط الضعف البشريّة، وغالباً ما تطرح نقداً اجتماعياً تشمل حتى الحرب الإيرانية - العراقية، ووضع المرأة الاجتماعيّ.

ومع أن هذه الأفلام لا تحمل طابعاً سياسياً مباشراً، على نحو صريح، إلا أنّها تقدم مضامينها بلغة مجازيّة، معتمدة على الحسّ الشعبيّ في تشكيل الموقف الحقيقيّ وبلوغ رُؤية صانع الفيلم. وعلى سبيل المثال يُجسّد العمل الفنّي الذي أمامنا (صورة رقم1) صُورة لامرأة في تظاهرة مُعادية للشّاه،في شوارع طهران،سنة 1978، للمُصوّر الإيراني عباس كيارستمي. تقف المرأة وحيدة وراء صفاً من الرّجال. وهذا دليل على حضُور العُنصر النّسائي في هذه الثورة.

138 مبروكة بوهودي

لكن ما يُثير الانتباه في سلسلة أعمال هذا المصوّر، هو تكرار تصوير "السيّدات المُحجبات" المُشاركات في الثورة واللاّتي تجنبن "التغريب" ووقفن جنباً إلى جنب مع بقيّة المُتظاهرين في الشّوارع. وأصبحت هذه السيّدات المُصوّرات في أكثر الأحيان، مُجرّد رُموز. فيقول حول ذلك عباس: "إنّني أتذكّر في الأيّام الأولى عندما وقعت الثورة، كنّا دائماً نبحث عن صورة لحجاب أو عمامة لشيخ مُسلم من علماء الدّين، وذلك بسبب الضغوطات التي تشنّها علينا الحكومة في ذلك الوقت، ثم تعبتُ من هذا وقرّرت أنّني لا يمكن لي أن أعمل مع رُموز"[3]. في حين تحمل المرأة الثانية (صورة رقم2) ورقة عُملة ريا مطويّة أمام عينها، مُفتخرة بعرض صورة الشاه على العملة النقديّة. ثم يجول نظرك حول معطفها المصنوع من الفراء والألماس في خاتمها، ومن جانب آخر يوجد ذراع رجل يدفعها للأسفل بشكل يبعث على التّهديد من فوق كتفها. ومن وراءها رجل يرفع قبضة يده في حالة من الغضب والقنوط، وفمه مفتوح في صراخ صامت.

رُبما أنّ لا تناقض على الإطلاق بين الالتزام السياسيّ الصّريح والإبداع الفنيّ في أعلى مراتبه. فمن الواضح أنّ مثل تلك الأعمال الإيرانيّة تساعد القضيّة الثوريّة أو التقدميّة من خلال كسب وعي الآخر بالقضيّة. كما أن صنع الفن عمليّة معقدة ومتناقضة وليست دائما بالكامل تحت السيطرة الواعية للفنان، ولذا نجد في بعض الأحيان أن الفن يتعدّى محدوديّة/ حدود إيديولوجيّة الفنان. ومن جانب آخر، تكون الصورة الفوتوغرافيّة تفاعليّة، وكوسيلة تتبع الأحداث. فيكون الفنّان مُستثمراً جزءاً من الجماهير التي يُصوّرها. ويدخل في حركاتهم، متوقّعاً الأحداث.

قد لا تجسّد الصور الفوتوغرافيّة واقعاً حقيقيا، بل الإيهام بالواقع من عدّة وجوه منها أن الصورة هي عبارة عن سطح مستوي لها طول مع العرض وهذا ما لم نجده في الواقع، إذ أنّ الصورة تفتقر إلى البعد الثالث، إلاّ أنّها تتضمّن البعد الرّابع إضافة إلى استخدام العدسات المُختلفة كالبعد البؤريّ سواء كانت قصيرة أو طويلة البعد. وفي كلا الأنواع تعطي لنا معاني دلاليّة مختلفة إضافة إلى استخدام الزاوية من حيث مستوى النظر لهذه الأسباب وغيرها جعلت من الصورة تتجاوز المفهوم الطبيعي وتتحول من العملية الآليّه إلى عملية فنيّة وهذا ما يدعو إليه المُنظّر في علم النفس والسّينما الألمانيّ رودلف آرنهايم" في كتابة "فن الفلم" الذي أصبح ثورة فنيّة في عالم الصورة الفوتوغرافية "لتحويلها من العالم الميكانيكيّ إلى العالم الإبداعيّ الجماليّ الفنيّ والتي على أساسها تمّ تحويل الصورة إلى لغة ضوئيّة أو بالأحرى الرّسم بالضوء أي جعل الضوء هي الفرشاة التي يقوم بها الفنان الفوتوغرافي برسم لوحتة البصرية والتي على أساسها تجوّلت الصورة من البعد الوثائقيّ إلى البعد الفنيّ الجماليّ.

نحن نعلم أن الصورة في الحقيقة هي مجرّد لمسة جماليّة في حقل من الرّموز والإشارات، تتآزر لتكوين نوع من السّرد البصريّ لفكرة مُقتطعة، ومشهد مُختار يحمل رسالة لمتلقٍ نشطٍ واعٍ في العديد من المجالات العلميّة، المعرفيّة والثقافيّة، فهي "عُنصر فاعل مُرتبط بالإدراك والوعي والخيال، والفهم"[4] وهي أيسر السّبل إلى المعرفة. وتُعتبر الصورة الفوتوغرافيّة، في هذين العملين السابقين، إعادة إنتاج آليّ للواقع، أي أنّها رسالة خياليّة من مدوّنة الثورة الإيرانيّة الإسلاميّة. فنّد الباحث الفرنسيّ"رولان بارث" هذا الاعتقاد للصورة، إذ أكّد أنها تحمل بعدين: بعد تعييني (يعني وصف ما هو موجود في الصورة ) وبعد تضمينيّ (ونقصد هنا ما نقوله عن الموجود في الصورة) والبعد الثاني لا يُفهم بدون البعد الأوّل. والصّورة في حدّ ذاتها، هي مادّة اتصال تقيم العلاقة بين المُرسل والمُتلقي، فمرسل الصُّورة لا يقترح رُؤية مُحايدة للأشياء، والمُتلقي يعيد قراءتها كما يسميها الباحث الفرنسي "جون دافينيو" بالتجربة الجماليّة والمخيال الاجتماعي، وذلك لانّ الصّورة لا تُخاطب حاسّة البصر لدى المُتلقي فقط، بل تحرك حواسه وأحاسيسه، وميراثه العاطفي والاجتماعيّ.

كيف يُجسد التصوّر في صورة؟ وكيف تؤثّر الايدولوجيا كنظام من أفكار مسبقة في صنع عملية تجسيد تصوّر الفنّان؟ وهل تُصبح الصورة المُجسّدة، حقاً، نتاجاً لذات متصورها؟ أم تتجسّد، في الوقت نفسه، من تصورات أخرى مماثلة أو متعارضة؟

إنّ التصوّر في مجال الفنون الفوتوغرافيّة أو في فنّ الفيديو، هو أداة فكريّة تولّد مخيالها الخاصّ من ظواهر واقعيّة، في صور ذهنيّة. يُحاول الفنّان تجسيدها في أشكال فنيّة، وتقترب، بهذا القدر أو ذاك، من جوهر وجودها الحقيقي في الواقع. ويحدّد التصور علاقة الصورة بالواقع، من حيث هي علاقة بين "ذات مُتصوّرة وموضوع مُصوّر". فضلاً عن ذلك فإنّ تصوّر الأشياء والواقع في العمل الفنّي، يخضع لعمليّة إدراك ظواهر العالم الواقعيّ ويقترب من محاكاته ويكون غالباً ذا طبيعة بصريّة تُجسّم تجربة حقيقيّة.

تحتلّ الصّورة عُموما مكانة مُهمّة في المجال السّيميائيّ الذي لم يحظى بأهميّة في عالمنا العربيّ مع كونها ذات شأن لدى الغربيّين في مجالات شتّى، لأنها تشكل ثوبا من ثياب المعرفة. والتصوير التمثيليّ الأيقوني يُعتبر في حقيقة الأمر مُشابهة ومُماثلة، ويأخذ المنحى السّيميائي الذي يُعدّ الصورة علامة تقوم على المُحاكاة والتماثل ذات أبعاد تواصليّة.

عندما نُشاهد الصور الفوتوغرافيّة، عموما، للفنان كيارستمي فإنّنا نحسّ منذ الوهلة الأولى بصدمة حدث الثورة الإيرانيّة، وبالتالي فإنّ كلمة "الثورة" تعني"الخروج" لطلب الحقّ. فالخروج هنا بدايةً ليس خروجا على الجماعة، ولا حتى على السلطان بل هو خروج إلى الناس طلباً للحقّ. ومن جهة أخرى قد مثّل لنا عبّاس الواقع السياسيّ حين التقط صُورة فوتوغرافيّة إبّان الثورة الإيرانيّة، لعجوز تنظر إلى الكاميرا أثناء جريانها في الشّارع، مُلطّخة بالطين والمطر، ويقبض عليها شابّ مُمسكا قضيباً من الحديد في يده يدفعها إلى الأمام، وآخر يسْحب ويُشمّر على ساعد سترتها. ورجل غاضب على يمينها يصرخ وهو يصْفعها على وجهها. هذا كلّه حدث لأنّها مُوالية للعدوّ ومُتعاونة معه. يقول عبّاس:"لهذا السّبب أخذت الصُّور مثل تلك الخاصّة بالعجوز لكونها مقتولة من الجمهور استبدادا وبدون رحمة. وإني لم التقط فقط هذه الصُّور، بل قمت بعرضها... هذا التعصّب أو التصلّب في المذهب، هذا الأمر المُعادي للمرأة - كلّ هذا هناك. وبكلّ تأكيد، كان واجبي موجّها نحو الثّورة، ولكن أيضا لمهنتي، ولحرفتي"[5]. ومن جهة أخرى تصف لنا إحدى صور عباس الفتوغرافيّة عن الثورة الإيرانيّة، كومة من الحطب التي تحرق بها جثث الموتى في الجنازة من هذه الأصناف.

يُذكر التّاريخ العديد من الثورات الشعبيّة التي إنتهت بسيطرة الإيديولوجيّات السياسيّة الفكريّة والحركيّة المُعلنة، والتي انتهت إلى أنظمة ذات إيديولوجيّة رسميّة، كما في الحالات الروسيّة والإيرانيّة والكوبيّة... كانت في البداية ثورات ضدّ الظلم والاستبداد، أو لتغيير نظام الحكم، أو للتحرّر من الاستعمار، ثم سيطرت الأحزاب المهيمنة على الثورة في نهايتها، أو على السلطة بعد انتهائها، إلى نشوء هذا النوع من الأنظمة.

كما يقول عزمي بشارة في كتابه " في الثورة والقابليّة للثورة": "الثورات الشعبيّة شعبية لا حزبية، لكن الأحزاب التي تسيطر على الثورة بعد تحولها إلى سلطة تنشئ تاريخياَ للثورة يتسم بالتفخيم الذاتي، ويُبنى على أسطورة أو متخيل يشير إلى أن هذه الأحزاب هي التي قادت الثورة، أو لم تقم هذه الثورة من دونها، في حين أن قوى وأحزاباً أخرى تتهمها بأنها لم تفعل إلاّ سرقة الثورة"[6]. وبالتالي فإنّ خطاب الهويّة في إيران بعد الثورة، هو الأقرب إلى عامة الشعب الذي تبيّن انه في حاجة، في ظلّ التحوّلات العالميّة والإقليميّة والوطنيّة الرّاهنة، إلى إشارات استدلال تضيء طريقه. فالإحساس بالانتماء يمثل وقاية وحماية يعود لها الفرد في أزماته.

من جهة أخرى، أصبحت الصور الفوتوغرافيّة داخل المُمارسة الإيرانيّة المُعاصرة، ذاكرة الحدث وأرشيفاً تاريخيّا للفترة، فأضحت بذلك مجرد أيقونات ورموز للثورة. فخبرة المنفى التي شاركها عباس مع شيرين نشأت، تُؤثر في المعنى الذي تكتسبه الصور مع مرور الوقت. فالصورة الفوتوغرافيّة تشتغل وفق وحدة تامّة تقدم نفسها على شكل كلية. فمجموع العناصر المشكلة للعلامة الأيقونيّة تفرض على المتلقي تصوّرها بوصفها وحدة شاملة يصعب التقديم أو التأخير في نظامها المُتجانس. إن هذه الوحدة هي التي تنتج الصدمة لدى المتلقي، وتحفز عملية الاستقبال لديه، وتشحن في الآن نفسه فعله التأويلي بإمكانات متعددة. ولعلّ ما يبرّر مشروعيّة البحث السيميائيّ للصورة الفوتوغرافيّة، هو هذا الاكتساح المُلفت الذي فرضته الصورة الفوتوغرافية بتجليّاتها وأشكالها المختلفة في حياتنا اليوميّة. فهي تغمرنا في البيت، في الشارع، في المؤسّسة. ربما تكون لدينا طريقة للمُقاومة لا تقهر لاعتقادنا بالماضي، في التاريخ، إلاّ إذا كان ذلك في شكل أسطورة أو حكاية.

قد تكون المُمارسة الفنيّة الإيرانيّة المُعاصرة، عبارة عن مُحاولة لتحريك السّاكن والتعامل مع دائرة المحرّمات اجتماعيّاً وثقافياً من أجل الإسهام في رفع الوعي المُجتمعيّ الإيرانيّ للبحث والحديث فنيّاً حول المُشكلات الاجتماعيّة والثقافيّة وتحويلها من دائرة التناول الضمنيّ والتعبير الرمزي من خلال وسائل الإبداع الفنّي، ولاسيما أنها أكثر الأساليب الشائعة لتمرير والتعبير عن المسكوت عنه ضمن إستراتيجيّة هي إيثار السّلامة وتجنّب التّصادم مع المُجتمع والسّعي من أجل تحريكها أو إحالتها إلى المجتمع. وتناولها باللغة المباشرة لتنقية الفضاءات الإجتماعيّة من الشّوائب المُتعلقة بالعادات والتقاليد.

تُسعى شيرين نشأت وشادي غادريان عبر صُورهما الفوتوغرافية النظر في الآثار المترتبة عن المسكوت عنه الذي يعيق الانطلاق والتحرّر للمرأة الإيرانيّة داخل منظومة الأسرة والعائلة. لأنّ المسكوت عنه في هذا الإطار يتعلّق بموضوعات وقضايا فيها الحساسيّة وترتبط بجوانب عميقة تنال من المصداقيّة وتكون خصماً على طبيعة العلاقة التي من المفترض أن تتميز بالحميميّة والصدق والأمان والطمأنينة باعتبار المرأة في العائلة هي ملاذ للأمان والحماية والرّعاية في أبعادها الماديّة والمعنويّة. ومن أجل المُقاربة بشكل متعمّق لثقافة العيب. بالرغم من عدم وجود كتابات تناولت موضوعات وقضايا المرأة داخل المُمارسة الفنيّة كدراسة علميّة منهجيّة، إلاّ أن هنالك مقالات تناولت هذا الموضوع من مداخل مختلفة لذلك من الصعب إيراد تعريفات علميّة قاطعة مانعة لمفهوم المنع حيث يمكن إيراد هذا التعريف والذي يمكن تصنيفه ضمن التعريفات .

في الحقيقة، إنّ المسكوت عنه هو التسليم طواعيّة أو كرهاً بعدم الحديث وتبادل الآراء والمعرفة أو إعادة دراسة الكثير من الوقائع والأحداث أو المفاهيم المستُورة أو المخفيّة بسبب الخوف من المُجتمع، وذلك لأنّ الأمر أو الموقف أو السلوك أو الحديث يعتبر ضمن المحرّم اجتماعيا أو الشائع أو المعروف عنه "العيب". فيتحوّل عبر ذاكرة المُجتمع العديد من الموضوعات والقضايا إلى دائرة المسكوت عنه فيلفّها الغموض والإخفاء. فالنسيج الاجتماعيّ في مُجتمعاتنا يقوم على ما استقرّ في قاع الموروث الثقافيّ والاجتماعيّ والفكريّ من أمور نرفض استدعاءها وجعلها في دائرة المُتاح أخذ وعطاء من أجل حركة اجتماعيّة متحرّرة من تلك المواريث والتي لا تعبر عن مصلحة شرعيّة أو دنيويّة.

من هنا نعرض هذا المفهوم داخل المُمارسة الإيرانيّة المُعاصرة وتحديدا من خلال تجربة شيرين نشأت وشادي غادريان. فنُحاول اختراق تلك المناطق القصّية عن ذاكرة مسكونة بالمحرّمات في مجتمعات عربيّة إسلاميّة أو حتى مسيحيّة مناطق للصّمت والخوف. وتذكّرنا إشكاليّة المسكوت عنه في الفنّ التشكيليّ الإيرانيّ المُعاصر، بتجربة الفنّانة المنفيّة الفلسطينيّة "منى حاطوم" التي تقمّصت جسد الذات، للتعبير عن موضوع "المرأة" وعن العالم حولها (المرأة الشرقيّة تحديدا).

هذه المُمارسة الفنيّة التي تكون في بعض الأحيان في علاقة مُباشرة مع "السّياسي" خُصوصاً إذا ما تعلّق الأمر بقضيّة مثل القضيّة الفلسطينيّة. فقد تميّز أسلوب حاطوم بالتبصّر الظاهراتي الذي ينقل في وقت واحد مشاعر الحالة السويّة المُدركة وما يحيط بها من خطر وشيك، الأمر الذي يجعل الحالة النفسيّة للمشاهد في تقلب متواصل. نتيجة لذلك تزداد حواس المُشاهد توتّراً، وفي حالة من عدم الإستقرار، في الوقت الذي ينجذب فيه إلى حضورها الماديّ، ضمن هذه الحالة المتوترة، يتوجّب على المرء مساءلة حقيقة الوضع الإنسانيّ ضمن السياق الشخصيّ فضلاً عن السّياق السياسيّ والاجتماعي الرّاهن. غير أنّ هذه الفنّانة قد تجرّأت واخترقت مناطق من المسُكوت عنه في الفن التشكيلي العربي والإسْلاميّ. فهي تخترق المحرّم الأوّل عبر استعمالها لجسد الأمّ وهي عارية وهو ما يمكن اعتباره هتكاً للمقدّس و"تابو" بما أنّ الأمومة هي عادة ما تكون مقدّسة ومحلّ إجلال. وهو ما يتعارض على الأقل في الثقافة العربيّة والإسْلاميّة مع العرى باعتباره تدنيساً للجسد ورُبّما هو من بقايا الإحساس الآثم بالخطيئة الأولى وكأنّ العرى مُرادف أو فيه إحالة على الجنس كمُمارسة مُدنّسة.

من خلال عملها الفني "تحت الحصار"، وهو عرض شخصيّ داخل مكعّب زُجاجي دام سبع ساعات قامت به سنة 1982 حين اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان بعد حصار دام تسعة أسابيع، تعرضت هذه الفنانة لإنزلاقات في كلّ مرة تقوم فيها بأيّ حركة، أو تُحاول فيها مجرّد الوقوف داخل المكعّب. تتخبط أطرافها الملوّثة بالوحل على الجدران الصلبة، ويتمرّغ جسدها ويتلوى في صراع دائم. وفي كل مرة تقوم فيها من جديد تحاول الحفاظ على توازنها القائم، فتزل قدمها الحافية عن موقعها اللزج، ويحلّ الجسد داخل وعائه ودون أن تسكن لحظته. وتزداد حدة التباين بين فضاء حاطوم الضيّق وحركتها المكبّلة وفضاء المتفرج الفسيح وسكونه المصاحب لأصوات التخبط بالوحل وارتطام الجسد بالجدران. ومن خلال هذا العرض المثير والشاق، لا تروم حاطوم فحسب التعبير عن ذاتها أو عن امرأة لبنانيّة بعينها في إطار "زمكاني" محدّد (بيروت وقت الحصار). بل هي تجاوزت ذلك لِتعبّر عن المرأة الشرقيّة بشموليتها ( العربية، المسلمة...) في خضم صراعها مع الواقع، ومع معضلات الحياة في شتى مجالاتها. إذن نحن الآن إزاء جسدين لا جسد واحد جسد أنثويّ مكشوف مرتبط ارتباطا وثيقا بالدنيويّ(جسد حاطوم) والذي يمثل في حدّ ذاته جسد الفنّانة.

من جانب آخر، ركّزت المُصوّرتان (شيرين نشأت وشادي غادريان) على الأثر الاجتماعي السلوكي والمحيطي لبيئتهم الآسيويّة من خلال رصدهما لتفاصيل انتهاكيّة معينة تبقيهما كمراقبتين متفاعلتين. لكن يبقى الفرق في اختيار الوسيلة (الوسائط) متاح بمجال أوسع لشيرين نشأت التي تعيش في المنفى من الفنانات الإيرانيّات الأخريات. أولا لشساعة الإرث الحداثيّ وما بعده المتاح والمعاش للفنان "الأورو أمريكي" وثانياً لمساحة الحريّة. وما اختيار الفنان الآسيويّ في مثالنا هذا للفوتوغراف ومنه (الفيديو آرت) إلا لفاعليّة وسائله لقراءة أفكار زمننا الحاضر ولمشاع تقنيته ومن دون جهد للتنقيب الشاقّ عن الإرث التشكيلي الآسيوي الذي أساسا يعود لأزمنة عتيقة. تبقى مساحة الحريّة المتاحة للفنان هي الفيصل في إنتاج أعمال كشفيّة أعمق وأوضح كما هو حاصل في أبرز أعمال الثنائيّ الأنثويّ هذا.

استطاعت العديد من الفنّانات تجاوز خطوط الحظر أو الحجز وفكّكوا بأعمالهم وصورهم المنظومة الثقافيّة "الثيوقراطيّة" المصادرة لحقوقهم الإنسانيّة كذوات يشكّلن نصف المُجتمع الإنسانيّ. واستطاعت أسماء فنيّة مثل العراقيّات "جنان العاني وريم القاضي" والأفغانية "ليدا أبدول" وغيرهنّ العديد من تجاوز حاجز الحجر أو الحجز الذكوريّ وكشف ممارسته الأيديولوجيّة صورا وأفلاما على قدر كبير من الإفصاح الثقافيّ والتقنية الفنيّة. وان كانت صور نشأت وشادي تؤكّدان على خطوط العزل والحجز بأوضح صوره ما بين الرجل والمرأة في الخطاب "الثيوقراطيّ" المحلّيّ. فإنّ "ريم القاضي" تسترجع تاريخ المرأة كجزء من إرث شعبيّ محلّي معرض لخروقات حوادث الحروب العبثيّة والانهيار الاقتصادي، والمرأة فيه، ما هي إلا بعض من أزقة لا تعدو أن تكون بيوت مقفلة على جدرانها المتداعية في انتظار معجزة تنتشلها. ورغم أن مشهديّة صور العاني تبرز كبؤر مضيئة بمتضادات شخوصها وخلفياتها المعتمة، فإن صور القاضي يغلفها جو ضبابي يدمج الشخوص ومحيطها بوحدة مصيرها الضبابي. أما الأفغانية "ليدا أبدول" فقد تغزلت بنفسها كما تغزلت بحجارة بلدها المتساقطة وهي تؤكد على استعادة حلاوة عسل الجنس مرادفا لاستعادة المكان الذي دمرته القاصفات.

من هنا نستخلص ما قالته شيرين نشأت في مداخلة لها حول قضيّة المرأة الإيرانيّة:"ثم اكتشفت لماذا لدى الكثير من الإلهام من النساء الإيرانياّت. ذلك، في جميع الظروف، لقد دفعن الحدود. وواجهن تلك السلطة. وحطّمن كلّ القيود في أصغر وأكبر وسيلة. ومرّة أخرى، أثبتن أنهنّ أنفسهنّ. أقف هنا لأقول لقد وجدتُ النّساء الإيرانيّات صوت جديد، وصوتهنّ أعطاني صوتي. وإنه لشرف عظيم أن تكون امرأة إيرانيّة وفنانة إيرانيّة، حتى لو أن تعمل في الغرب فقط في الوقت الرّاهن"[7]. وتختلف الفنّانات الإيرانيّات تحديدا في كيفيّة اختيارهن لموضوع عملهنّ الفنّي.

من البديهيّ تختلف في بعض الأحيان هذه الاختيارات من فنان لآخر خاصّة وإن كان يعيش خارج أرض الوطن، فهو سيجد مساحة واسعة للإبداع والخلق بحريّة. وتكون محدودة في بعض البلدان العربيّة والإسلاميّة. فيهرب الفنّان للإشتغال حول مواضيع بعيدة كل البعد عن المسكوت عنه كالسياسة، والمحضورات الدينيّة .

تُواجهنا "الثيمات السياسيّة" التي تعتمدها شيرين نشأت وشادي غادريان، كخطاب سياسيّ ونضاليّ مُباشر، لكنّها تسمح بإظهار مُمارسات وتعبيرات فنيّة قادرة على مزج خطاب المُقاومة مع استثمارات شكلانيّة مُعاصرة مجلوبة ممّا يحدث في تجارب الفنون الإيرانيّة المُعاصرة. الواقع أنّ هذا المزج هو صفة موجودة في أغلب الأعمال الإيرانيّة النسائيّة خاصّة، والتي تكشف أنّ أصحابها على صلة جيدة بما يحدث في سوق الفنون المُعاصرة، وأن بعضهم يعيش فعلاً في قلب هذه السوق، حيث يقدم المنفيين منهم مساهمته في تحويل التغريبة الإيرانيّة إلى مادة منفتحة على مؤثّرات خارجيّة لا تلغي الخطاب السياسيّ المُعلن في العمل الفنّيّ من جهة، وتسمح من جهة أخرى بتسريب مقترحات جديدة على المُمارسات المبذولة في إظهار هذا الخطاب.

هنالك العديد من المواضيع التي تندرج ضمن قضايا المسكوت عنه في المُمارسة الإيرانيّة المُعاصرة، سواء في المنفى أو داخل إيران. ولكنّ هذه الدّراسة التي يمكن اعتبارها من الدّراسات التي تحاول الخوض في مثل هذه المواضيع وتمثل محاولة استقرائيّة تُلقى الضوء على ثقافة العيب والمسكوت عنه. فاعتماد "التابوات" ضمن الأعباء التي يختزنها المورُوث الإيرانيّ، ويحملها تاريخهم الاجتماعيّ عبر الأزمان ويمثل ميراث ثقيل متوارث عبر الأجيال دون أن يكون لأحد الجرأة على تخطّيه أو مجرد الخوض فيه صراحة، تفكيكاً لمكوّناتها أو تصويباً لمضامينها، أو دراسة وتحليل لعوامل تأسيسها وتشكيلها وكيفيّة تحكمها على الذهنيّة الفرديّة أو قهرها للعقل الجمعيّ.

لكنّنا ونحن أمام هذا الكمّ الهائل من الفنّانين الإيرانيّين سواء في المنفى أو في ارض الوطن، نُلاحظ تواتر المواضيع الدينيّة والسياسيّة بشكل كبير خاصّة ونحن في زمن "الإرهاب الدّيني". الذي تجاهل صنّاع القرار الإعلاميّ الطّاغي على مسبّبات نشأته. غير أنّنا لم نلحظ وبشكل عام خطابا فنيّا سياسيّا سواء كان صوريّا أو أدائيّا حياديّا يرقى لقوّة وفاعليّة الحدث الخبري الإعلامي ومختبره الصوريّ بخطابه الأحاديّ لطرفيْ النّزاع. فرغم ذلك، فإنّ أكثريّة الأعمال التي أنتجت عن الإرهاب الدّيني هي أعمال فنيّة إعلاميّة صوريّة لا تتعدى المونتاج الفوتوغرافي والكاريكاتير الصوري والفيلمي. مع النادر من الأعمال الأخرى ذات التقنية العالية. وهو ما ساهم في إيقاظ نوازع الصّراح الديني، والإعلام المُعاصر ضاعف من فاعليته الذهنية التدميريّة ضمن مساحة الفوضى المفاهيميّة المُعاصرة وما أنتجتها من خطاب فنّي سياسي.

 

د. مبروكة بوهودي

باحثة تشكيلية في علوم وتقنيات الفنون

.....................

المراجع:

- رونالد بارثر وكاميرا لويسيدا، تأملات في التصوير الفوتوغرافي، ترجمة ريشارد هاوارد، منشورات أصلا، نيويورك 1980.

- ميشيل فوكو، فوكو صحافيا: أقوال وكتابات، وكتابات، ترجمة البكاي ولد عبد المالك، جداول للنشر والترجمة، بيروت، 2012.

- أبو بكر العزاوي، الخطاب والحجاج، مؤسسة الرحاب الحديثة، الرباط-المغرب ، 2010.

- شيفا بالاغاي ولين جامبرت، صور من إيران الفن، والمجتمع والثورة، جزء الكتابة بالنور: صور عباس الفوتوغرافيّة للثورة الإيرانية لعام 1979.

- عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات، بيروت،ط1، 2012.

- شيرين نشأت، الفن في المنفى ،مُداخلة تمّ تسجيلها في ديسمبر 2010، ترجمة فيصل جابر.

هوامش

[1] ميشيل فوكو، فوكو صحافيا: أقوال وكتابات، وكتابات، ترجمة البكاي ولد عبد المالك، جداول للنشر والترجمة، بيروت، 2012.

،ص198.

[2] شيفا بالأغاي ولين جامبرت،، صور من إيران الفن، والمجتمع والثورة، جزء الكتابة بالنور: صورعباس الفوتوغرافيّة للثورة الإيرانية لعام 1979، مصدر سابق، ص116.

[3] رونالد بارثر وكاميرا لويسيدا، تأملات في التصوير الفوتوغرافي، ترجمة ريشارد هاوارد، منشورات أصلا، نيويورك 1980،ص89. ص118.

[4] أبو بكر العزاوي، الخطاب والحجاج، مؤسسة الرحاب الحديثة، الرباط-المغرب ، 2010، ص 101.

[5] شيفا بالاغاي ولين جامبرت، صور من إيران الفن، والمجتمع والثورة، جزء الكتابة بالنور: صور عباس الفوتوغرافيّة للثورة الإيرانية لعام 1979، مصدر سابق، ص119.

[6] عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات، بيروت،ط1، 2012،ص86.

[7] شيرين نشأت، الفن في المنفى ،مُداخلة تمّ تسجيلها في ديسمبر 2010، ترجمة فيصل جابر.

 

 

24 صبيح كلشالمقدمة: المتابع لتجربة الفنان صبيح كلش خلال العقود التي قدم فيها منتجه عبر المعارض الشخصية في مسيرته الفنية، تتكون الملاحظة في ذهنه التي سيظل يتابعها بعين الرائي من خلال لوحاته، أنه يلاحق هاجسا ً إنتظم مع حياته وظل يشكل البعد الفكري لأعماله السابقة واللاحقة، ويسير بتوازي مع التطورات التقنية والإبداعية في الخط واللون لأعماله التشكيلية الحداثوية، وفي عموم التحولات التي انزاحت بها إشتغالاته عبر الزمن، التي حاول فيها أن يكون متوازنا ً في التحول والتغيير، وقام بالسير بخطوات مبرمجة للوصول إلى حالة من التكثيف لإبراز وتفجير القيم الجمالية في لوحته، في ظل نص ملازم لتطلعاته الفكرية، من خلال فهم الواقع والدفاع عن الإنسان من جور الإنسان، عبر زمن ليس بالقصير ليتعالق مع الرؤية الفكرية التي اشتغل عليها، إلا أنه ظل ملتزما لبعض الخطوط والأبعاد في لوحته التشكيلية، طور فيها، أضاف، لكنه ظل متمسكا ً في الأبعاد الأساسية التي تمثل حراكه الرئيسي في بناء اللوحة وانشائها، وهو ما سيوقفنا على تحولاته الفكرية والتقنية، في تتبع الواقع عبر مراحل تتابع زمني، وإعطائها رؤى لونية وتقنية مدروسة تستجيب اللوحة لما تمثلت به تحولاته الفكرية ورؤيته الفلسفية، من الواقعية التعبيرية إلى التعبيرية التجريدية، وإلى التجريدية التعبيرية وصولا لبعض الأعمال الأخيرة التجريدية الخالصة، والفنان كلش يتحرك بحذر في التحول والتغيير في أنشاء لوحته، لأننا نرى كثيرا ً من الفنانين الذين أستهوتهم اللعبة، تحركوا بسرعة نحو التجريدية الخالصة، من دون امتلاك الرؤى التي تمنحها التجريدية الخالصة للفنان، عالم مغاير في الرؤية والرؤيا، وفي فهم العالم الواقعي والافتراضي، فوقعوا بمعرفتهم أو من دون أدراك، في التكرار والاستنساخ، وهذه المسألة أصبحت ظاهرة في الفن الحديث، ساعدت ونمتها الأسواق الرأسمالية، في فترة ظهور منهج ما بعد الحداثة، الذي أنقسم إلى قسمين، ما بعد الحداثة التي تروج له الأسواق الرأسمالية، وما بعد الحداثة برؤى فنية مواكبة لتطورات العصر، وما أحدثته التطورات في تكنولوجيا الإتصال والمواصلات وعموم الانساق الحياتية والعلمية، من دون الإنزلاق في ترهات ما تطرح الرؤية السوقية في (ما بعد الحداثة الرأسمالية). بإلغاء البناء التقني للفنان، وأن كل شخص يمكن أن يكون فنانا ً، ويعلن عن نفسه في السوق.

21 صبيح كلش

روح العصر وبناء الإنسان

قبل أن نلج في تقنية كلش، فإننا نقف أمام تجسيده للنص الذي بنى فلسفة لوحته عليه، ففي كل تجاربه منذ كان اللون البنفسجي يهيمن على بقية الألوان في لوحته، بنوع من الفرح والانتشاء، والجسد الإنساني بعضلاته المفتولة وبراعة التشريح الذي يشكل المساحة التي يرتكز عليها بناء اللوحة، فانه كان يستخدم هذه التقنيات لإبراز الثيمة التي استحوذت على بنائه الفكري ومنطلقه الفلسفي كما سبق القول، النضال من أجل حرية وسعادة الإنسان، والدفاع لكشف الظلم الواقع عليه عبر الخط واللون، لقد اندمج منذ بواكير شبابه في البحث عن الخلاص، عبر البحث عن أسباب آلام الإنسان ومعاناته، هذه الفكرة التي جعلها العنصر الأساسي في نضاله من اجل رفض العبودية والذل للإنسان، كانت في السابق تظهر في أعماله بصورة مباشرة، من خلال التشخيص، ولكنه زاول التسلسل والتدريج، ليجعل التشخيص يتوارى خلف قوة الخط واللون، لإعطاء موسيقى في حركة اللوحة ما بين اللون والخط وهوامش ظلالية لأشخاص أو طبيعة صامتة، تغيب خلف المساحات اللونية، وهي تقنية تواكب تطلعات الفن الحديث، لإبراز اللون على حساب التشخيص.

22 صبيح كلش

الصياغة اللونية تمحو النص…

مع التكثيف الذي عالج الفنان الرؤية التشكيلية للوحته في أعماله المتأخرة، أندمج في تعبيرات ذاتية، استطاع اللون من الهيمنة على المساحة الأكبر من اللوحة، وقد ظهرت هذه التقنية، خلال فترة ما بعد الحداثة التي اجتاحت عالم الفن، ما بعد منتصف القرن العشرين، والتي منحت الفنان مساحة أكبر للتحرك على ظهر لوحته، ولكن ظل هاجس الفنان في كيفية توصيل الفكرة أو النص لعين الرائي، خصوصا في عالم الشرق لأحداث الاندماج العاطفي والاندهاش الجمالي في تبني النص بدون التجسيد، وهي النقطة التي ارتكزت عليها أعمال الفنان صبيح كلش، خلال مسيرته المتأخرة، وهنا نجد كثافة المعالجة اللونية بديلا عن التشخيص لإبراز نص يحتوي على عنصري الفكرة والجمال، باللون وقوة الخط، ومثلت إعماله هذه الانطلاقة لأحداث الصدمة في الرؤية البصرية بين مركزية اللوحة، وتفرع المركز إلى مراكز، وكما يراها الناقد فضل خلف جبر في معرض تحليله للوحة، ” الاجتياح/ Invasion” يكتب لتحليل عملا واحد ولكنه، يعطي تصورا عاما ً لبقية أعمال كلش مع اختلاف الرؤية البصرية، في التقنية والنص لكل لوحة على إنفراد، ” الهدوء الظاهري الذي يشيع في فضاء اللوحة يعمل بمثابة آلية من آليات الخداع البصري. فما أن تستسلم عيناك منجذبة لسحر التوازنات البصرية حتى تلتقي بعيني الثور! من هنا تبدأ رحلة قراءة وتأويل اللوحة من جديد.”، وقد تحققت هذه الرؤية من خلال التقنية اللونية، التي أستطاع الفنان من وضع الألوان المتضادة في تقابل جريء، الكتلة منفصلة ولكنها تخضع لوحدة الموضوع، فالألوان الحارة التي أخذت مساحتها في لوحته… الأحمر وتدرجه، البرتقالي و الممزوج بالأرجواني، مع تأكيد اللون الأسود بحديته وكونه لون فاصل، لكنه استطاع من تحييده، ووضعه ضمن الاندماج الكلي لتوازن الشكل العام للوحة. ووازن بين الألوان الحارة، أمام الألوان ذات الطبيعة الباردة، الأصفر بتدرجاته والتحامه مع اللون الأحمر لإنتاج ما يخفف حدية اللون الأحمر، واللون الأزرق وتدرجه لإيجاد مساحة للون الأرجواني والأخضر، والمساحات التي يتداخل فيها اللون الأبيض، في هذه الاشتغالات، وهو ما يجعلنا أن نقول: لا يمكن إغفال دراسة، التشفير والرموز في لوحته السابقة والحالية، التي عمل على أن يكون المحتوى العام للنص قابل للتأويل على ضوء حركة اللون والخط، وبها إستطاع أن يمنح العمل ذو البعد الواحد، ثلاثة ُ أبعاد. لم يخرج كلش عن بناء اللوحة على اسس أكاديمية، بالرغم من الانتقال إلى ضفة الحداثة وما بعد الحداثة، فما زالت لوحته ترتكز على بناء هندسي، وقاعدة تحمل هذا البناء، بعيدا ً عن الانفعالات الذاتية، فهو بناء مدروس، مركزية البؤرة، على الرغم من تشظيها إلى بؤر متعددة، ولكنها تعود لوحدتها في انسجام لوني، تتخلله هذه الموسيقى اللونية التي تتمتع بها أعماله المتأخرة، ولهذا فهو يهتم بتوازنات الكتلة والفضاء، وما سماها الناقد فضل خلف (التوازنات البصرية)، هي في الحقيقة التوازن العام للوحة، بين الكتلة والفضاء، وأدراك أبعادهما داخل بناء اللوحة، في كيفية رؤية المساحات اللونية الباردة، في مواجهة الألوان الحارة.

23 صبيح كلش

الرموز والتشفير…

يلجأ الفنان صبيح كلش، إلى إدخال رموزه من الطبيعة الصامته والحيوانات، بقصدية واضحة، فكل العناصر التشخيصية التي يدخلها تحمل صفة الصلابة والقوة، الثور بما يمثله من حالة الرعب إذا هاجم، والصخرة بصلابتها إذا إحتك بها أو احتكت بشيء، وبعدها يدخل عامل اللون ليوضح الحالة مع الألوان الحارة، الأحمر الأسود، الأرجواني، البرتقالي. ثم يعكس وجهة نظره في الكتلة المقابلة لكتلة القوة والصلابة، التي تحمل الخوف والرعب، من دون التحول عن الرؤية البصرية لعموم اللوحة، فالنظر إلى الكتلة المتناظرة والتي يسود فيها الطمأنينة والسلام، الأبيض والأزرق بما تحمله هذه الألوان من الهدوء والراحة النفسية، ولكنها كتلة أقل فاعلية في الرؤية البصرية، أمام جبروت القوة والاضطهاد في الكتلة الأكبر والأساس، وتساعد مساحات اللون للسماء أو الفراغات حول وبين الكتلة على سطح اللوحة في تكريس هذه الرؤية وترسيخ العلاقة بين طرفي المعادلة في النص، اللوحة عند الفنان صبيح متعددة الرؤية البصرية ولكنها تجتمع في المركز الذي شظاه للوصول إلى النص الذي يشتغل عليه، وهكذا تلتئم العناصر لتوصل لنا من خلال القيم الجمالية ما يريد أن يقوله لنا، وعندما يستعيض عن الحيوانات ذات القوة للتعبير عن الاضطهاد، يقدم في لوحته حيوات اقل شأنا ً، ولكنها أخبث مضرة، الذبابة أو الغراب، لتلتئم مع الجانب المظلم في النص.

الحرف العربي ومدخلات الرؤية الجمالية

امتازت لوحات الفنان صبيح كلش، عبر مسيرته بإظهار الحرف العربي بكثافة في لوحاته بإشكال مختلفة ومساحات متعددة، مجسدا رؤية، في تجسيد تطلعاته الفكرية عبر اللوحة الصامتة من خلال اللون والخط ليجعلها تنطق، وتتحرك إمام الرؤية البصرية للمتلقي، يقول فيها الناقد ناصر أبو عون ” صبيح كلش يحيلنا تاريخيا إلى الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد مبدع فكرة مدرسة البعد الواحد الذي أكَّد على: ” أن تحقيق البعد الواحد بواسطة الحرف العربي هو نزعة تأملية لوجود الذات الإنسانية عند مستوى الوجود الكوني ”، حيث وجد في الحرف العربي القيمة التشكيلية القادرة على بناء كيان جمالي تجريدي. ”، أن ما يتحدث عنه الناقد ناصر أبو عون، هو مرحلة بدء الولوج في الرؤيا الصوفية للفنان صبيح كلش، فهل نعتبر إن البناء والتشييد الذي كون وحدات العناصر المتآلفة، والتي يعتبر فيها الحرف العربي مكملا لذات اللوحة، أو في بعضها وحدة منفصلة ؟، خلفية أو منفصلا عنها، لأننا إزاء أعمال يتكرر فيها احتشاد الحرف العربي، آية قرآنية قصيدة أو مأثور بصوره المفردة أو ضمن بناء لغوي،، ومن الرؤية البصرية العامة للوحة يتكون الحرف من منظور اكتمال البناء أن كان في المقدمة بكثافة اللغة الشعرية، أو خلفية مفرغة لظهر العمل، وهو ما يجعلنا نقول أنه نجح في توظيف الحرف وجعله أحد العناصر الرئيسية للعمل، ولم يكن الحرف وسيلة في داخل اللوحة، أنما قيمة جمالية مقصودة لإظهار جماليته وما فيه من قدرات جمالية في الرؤية البصرية في البناء العام للوحته، وبما يمتاز به الحرف العربي، في الليونة التي تساعد على التحوير وبناء الشكل، وزخرفته بمتواليات لا نهاية لها، وهي تكملة لابتكارات الفنان الإسلامي في العصور المتقدمة، التي امتاز بها الفن الإسلامي وتجريداته فيما بعد. أن التحولات في النص والتقنية، لدى الفنان جرته إلى الرؤى الصوفية في تحرير الإنسان من ذاته، والتحول نحو المطلق في بناء العلاقة الإنسانية بين الفنان والمتلقي، ولكن استمرار شده النفسي نحو الواقع الأليم الذي يعيشه إنسان عصرنا أو بلده العراق، يعيد ترتيب الأفكار لدمج الروح الصوفية التي تظهرها الطاقة اللونية في لوحته، وبين النص للنضال من أجل الإنسان والانحياز له، وهذا ما يجعل الفنان صبيح كلش يحتل مساحة في الساحة التشكيلية العراقية والعربية، وينظر لتجربته التي تتطور، وتتحور وتنمو فكريا ً وتقنية، بعين الاهتمام، كواحدة من التجارب المهمة في الحركة التشكيلية العراقية والعربية.

صبيح كلش

• صبيح كلش جبر المحمداوي.

• ولد في مدينة بغداد عام 1948

• بكالوريوس رسم – كلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد. 1974 – – دبلوم عالي في الرسم – المدرسة العليا للفنون الجميلة (البوزار) باريس – فرنسا. -1981/ ماجستير في الرسم -جامعة السوبربون – باريس – فرنسا. -1983/ دكتوراه في تاريخ الفن المعاصر – جامعة السوبربون- باريس – فرنسا. -1989/ عضو برابطة الفنانين الدولية. -1970/

• عضو نقابة الفنانين العراقيين. -/ عضو جمعية التشكيليين العراقيين./ عضو الرابطة الدولية للفنون التشكيلية (اليونسكو).-1973/عضو فخري في الجمعية العمانية. -2000

• المعارض الشخصية: له سبعة معارض شخصية / قاعة براتسلافا 1970 قاعة البوازر –باريس 1981 قاعة كولومب- باريس1938 قاعة حوار –بغداد1996? قاعة المعرض الدائم الاردن 1999 قاعة بلدنا-الاردن 2000 قاعة الجمعية العمانية- سلطنة عمان 2005. قاعة أكد . بغداد 2014. تونس 2014

• اغلب المشاركات:- مشاركة في معرض الفن العراقي المعاصر/باريس 1976 تونس1993? عمان 1994 لندن 1990./ مشاركة في معرض بغداد العالمي الاول للفن التشكيلي للاعوام/1968 1988./ معرض رابطة الفنانين الدولية – براغ. -1974/ معرض الشباب – باريس. -1979/ معرض الفنانين العرب – فرنسا. -1980/ معرض موناكو – فرنسا. -1984/ معرض وكالة الغوث الدولية – لندن. -1991

 

مؤيد داود البصام

 

 

كاظم شمهودكان لظهور الجماعات والتجمعات الفنية خلال التاريخ دورا محوريا في تطور التجارب الفنية واكتشاف وابتكار قيم جمالية وفكرية جديدة وانصهار الفرد مع الجماعة بقوة نحو التغير في التقنية والحداثة .. وخير مثال على ذلك جماعة el paso (الخطوة) الاسبانية والتي ظهرت عام 1957 بعد الحرب الاهلية وهو اكبر تجمع فني يحدث في تاريخ اسبانيا حيث ضم فنانين تشكيليين وادباء و نقاد ومعماريين، وقد وصل عددهم الى 13 فنانا وقد جاءوا من مختلف المدن الاسبانية وحطوا في مدريد واصبح غالبيتهم اليوم من رموز الفن العالمي . وهم

Rafael Canogar، Luis Feito، Juana Francés،Manolo Millares، Manuel Rivera، Antonio Suárez، Antonio Saura ،Pablo Serrano. José Ayllón، Manolo Conde. Martín Chirino، Manuel Viola. Antonio Fernández Alba.

وقد جاء في البيان الاول لهذه الجماعة (الباسو ولد نتيجة لظروف صعبة وازمة متفاقمة في حركة الفن والادب وفي كل الاتجاهات، ومن موقع الالتزام الاخلاقي اصبح لدى هذه الجماعة قناعة عميقة بظرورة عمل شئ داخل البلاد ... ونعتقد ان فننا سوف لم يحالفه النجاح اذا لم يملك الهم والقلق الذي يدفعه بملازمة رموز العصر ويقدم صورة متفائلة بارتباطه مع حركة الفن الاكثر تجديدا ومعاصرة .. سنذهب الى فن تشكيلي ثوري على خط الاقدمين ونعبر عنها تعبيرا مباشرا تتجاوب مع معطيات الحركة الفنية العالمية .. . والباسو هو عبارة عن نشاط وحركة لرفع المعنويات الروحية في الوسط الفني الاسباني ...) وهنا يقصد على خط الاقدمين هو ما قدمه الفنان غويا في اعماله الثورية الاخيرة التي هاجم بها الاحتلال الفرنسي وتقاليد الكنيسة والتقاليد الجامد والمتخلفة التي كانت سائدة في ذلك المجتمع .

وكان هدف هذا التجمع هو تحريك الساحة الفنية والادبية في اسبانيا بعدما اصابها العطب والجمود نتيجة للحربين العالميتين والحرب الاهلية الاسبانية1936-39 التي جلبت الفقر والمآسي والويلات للمجتمع الاسباني، وتشجيع اهل الفن للنهضة والتجديد بخط طلائعي ثوري بغض النظر عن تنوع الاساليب والتقنيات . وكان هؤلاء الفنانين في الواقع مختلفين في اساليبهم وافكارهم . فمنهم التعبيري ومنهم اللاشكلي ومنهم التجريدي والطلائعي ومنهم سلك مذهب الحداثة مثل رافائيل كانوغار ومنهم ما سلك ما بعد الحداثة مثل انتونيو سورا ومنهم من اتخذ اكفان المحنطين القداما رمزا لاعماله مثل ميارس ومنهم من كانت اعماله وليدة اللحظة مثل لويس فيتو .. وهكذا نجد كل فنان قد سلك مذهبا حديثا ..

و قد اتخذ هذا التجمع- (الباسو- اي الخطوة)- شعار الثورة الطلائعية وهو يعني انهم يمثلون الخطوة الاولى لمشروع النهضة الفنية الشاملة في اسبانيا ورفض ما هو تقليدي جامد، ومراكبة حركة الفن الاوربية . . وكان اول معرض للجماعة في عام 1957 في صالة مكتبة بوجوليث Buchholez- - في مدريد .

التجمعات الفنية:

ظهرت التجمعات الفنية منذ زمن بعيد واخذت اشكالا متنوعة تبعا لمقتضيات تلك العصور واهداف واغراض اصحابها ومنشأيها . وكان طابعها السائد الفكر الديني والتجاري وكانت تتبع في عملها الاساليب الموروثة والشائعة في ذلك الوقت مثل الفن البيزنطي والغوطي .. فكان كل مصور يقود نخبة جيدة من الرسامين والمزوقين للعمل في رسم الجداريات الدينية في الكنائس او بلاطات الملوك والنبلاء وطبقة الاغنياء . وكان من اوائل هذه التجمعات هي تجمع الفنان الايطالي شيمابوية -1240-1302 م والذي يعتبر استاذ الرسام الايطالي المعروف جيوتو 1267 وهذا الاخير عاصر مدرسة بغداد وصاحبها الواسطي، وقد كتبت عن هذا الموضوع مفصلا وسينشر قريبا .

و بعد الثورة الفرنسية 1789 واتجاهها العلماني ازداد الوعي الاجتماعي وانطلاق حرية الفكر والانسلاخ عن هيمنة الكنيسة وقوانينها الصارمة بل ان نابليون ذهب الى ايطاليا واعتقل البابا ورماه في السجن كما ذهب الى اسبانيا وقضى على محاكم التفتيش السيئة الصيت .. ثم ظهرت تيارات فنية وادبية كثيرة منها جماعة الانطباعيين عام 1874 في باريس ثم جماعة الجسر التعبيرية الالمانية عام 1905، وجماعة الوحشيين عام 1905، وجماعتي السرياليين والدادائية بين اعوام 1916 و1921 . وهكذا اخذت تظهر هذه الجماعات و التجمعات الفنية والفكرية بالتتابع ولعبت دورا كبيرا في النهوض بالثقافة والفن وحركته الثورية في التغيير والتجديد .

وفي عالمنا العربي كانت مصر هي السباقة في اول تجمع فني اطلق عليه – الجمعية المصرية للفنون الجميلة – ظهر عام 1920 وقامت اول معرض لها عام 1921 . اما في العراق فكان الوضع السياسي عام 1941 مظطربا حيث انقلاب رشيد عالي الكيلاني والذي كان يشغل رئاسة الديوان الملكي وهروب نوري سعيد مع الوصي عبد الاله الى الخارج ولكن الثورة لم تدم الا بضعة اشهر فعاد الانكليز نوري سعيد وعبد الاله الى الحكم وكان هذا الانقلاب يطلق عليه المحللون – انقلاب القصر – ولم يكن ثورة شعبية وفي الحقيقة كان الفريق حسين فوزي رئيس الاركان العامة للجيش هو محور الانقلاب ؟؟؟ ... هذا الوضع المرتبك شكل نقطة وعي لدى الطبقة المثقفة وخاصة الفنانين ودعى النخبة منهم الى ظرورة تشكيل تجمع فني يكون في خط المواجهة ومستوى الاحداث خاصة بعد تواجد الفنانين البولونيين في بغداد، فظهر تجمع اصدقاء الفن عام1941 وكان يجمع هؤلاء حب الفن والتطلع الى مواجهة التخلف الاجتماعي ومراكبة حركة الفن العالمية، ثم ظهرت في الخمسينات والستينات تجمعات كثيره منها ذات ابعاد فكرية مرتبطة بالتراث واخرى كرد فعل لتطور الفنان واحتكاكه بالخارج ومنها محاولة نقل تجربة الغرب بمدارسها وتقنياتها الى الحركة الفنية المعاصرة في العراق ..

ويذكر ان هناك فرق بين الجماعات والتجمعات، فالجماعات هي التي تتوحد رؤيتها في اتجاه واحد واسلوب واحد مثل المدرسة الانطباعية في فرنسا حيث كان همها هو دراسة اللون تحت تأثيرات الضوء والظل .. وكذلك مثل جماعة الرواد(البدائيين) التي قادها فائق حسن حيث كان يخرج مع عدد من الرسامين مثل زيد صالح وخالد القصاب وغيرهم الى بساتين الجادرية في بغداد ويرسموا هناك المناظر الطبيعية وكان قسم من هؤلاء يتعرون ويرمون انفسهم في النهر فكان فائق يقول لهم متهكما انتم (برمتف) يعني بدائيين وكان فائق كثيرما يتلفظ بكلمات فرنسية فيضحك عليه اصحابه وبالتالي سمو انفسهم البدائيين (الرواد) .. اما التجمعات الفنية فهي التي تضم عدد من الفنانين يختلفون في الرؤى والاساليب والاتجاهات ومستوى الوعي الفكري مثل جماعة اصدقاء الفن التي ذكرناها سابقا حيث كان همهم حب الفن والتطلع الى الحداثة والتغيير .. وذكر اكرم شكري احد اعضائها انهم استطاعوا من رفع مستوى الفن المدرسي الى فن حديث فيه شئ من الابداع بمعنى انهم في بداية الطريق(1941) ... وكذلك من التجمعات الفنية هم جماعة بغداد حيث ذكر شاكر حسن أل سعيد عام 1975 (1 - تثبيت موقفنا السابق في التعبير عن الطابع المحلي بواسطة الاساليب العالمية الحديثة) . وكذلك تجمع الخطوة el paso التي ذكرناها سابقة . حيث كان لكل فنان اسلوبه وتقنياته الخاصة به .

على اية حال فان مسيرة تاريخ الفن العراقي المعاصر وتجمعاته الفنية نجدها اليوم في كتاب – فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق – للاستاذ شاكر حسن أل سعيد لعام 1983 .. ولكن هناك ملاحظة حول هذا الكتاب حيث ان اكثر من نصفه هو عبارة عن اعادة لما كتبه سابقا المؤرخون والكتاب والنقاد العراقيون ولكن الاختلاف هو الاسلوب الروائي والادبي الجميل الذي كان يتميز به شاكر وعلى اعتبار انه كان احد مؤسسيها و شاهدا عليا .. .. تحياتي

 

د. كاظم شمهود