المثقف - قضايا وأراء

هل حقاً المالكي أسوأ من صدام؟

abdulkhaik husanلجرائمه الكثيرة بحق الإنسانية، صار اسم صدام حسين شتيمة بذيئة بالنسبة لمعظم العراقيين، وبجميع انتماءاتهم الأثنية والدينية والمذهبية، باستثناء المستفيدين منه. لذلك، فإذا ما أراد أحدهم شتم حاكم يعارضه قارنه بصدام حسين، كأن يقول أنه أسوأ من صدام، أو يشبه صدام. هذه الشتيمة مقبولة إذا صدرت من إنسان بسيط في حديث عابر مع صديق أو عدو، للمبالغة في التعبير عن مشاعره ازاء شخص يكرهه. ولكن أن يصدر من سياسيين وإعلاميين في وسائل الإعلام فمردوده معكوس على الشاتم ودليل الجهل والحقد الأعمى.

لا نريد هنا التطرق إلى تاريخ صدام وكيف تسلط على رقاب العراقيين، وما جلبه من دمار على العراق وشعبه، مقارنة بطريقة المالكي في تسنمه لرئاسة الحكومة، فقد بات هذا معروفاً لدى القاصي والداني إلا من في قلبه مرض. فقد كان صدام الحاكم المطلق لا يرد له أمر، ومن يحاول أن يبدي أقل اعتراض عليه، أو نقد بسيط له ولو بالهمس مع أفراد عائلته، كان مصيره الإعدام بأبشع الوسائل.

فمن يطالع مقالات بعض الكتاب والصحفيين، أو تصريحات بعض السياسيين المعارضين لرئيس الوزراء السيد نوري المالكي في وسائل الإعلام، لا بد وأن يقرأ جملة مثل "المالكي أسوأ من صدام حسين" تتكرر باستمرار. هذا ما يكرره على الدوام كتاب صحيفة (المدى لصاحبها فحري كريم) ووسائل إعلامية أخرى.

كما وأفادت الأنباء عن ((ناشط سياسي كردي يدعى احسان هماوندي، قد قال في لقاء بُث على قناة السومرية الفضائية انه رغم كل سياسات رئيس النظام السابق صدام حسين السابقة، إلا أنه أفضل بكثير من رئيس الحكومة نوري المالكي، لكونه لم يتعمد قطع رواتب أبناء إقليم كردستان.))(1).

في هذا التصريح لم يقل أن المالكي أسوأ، ولكن النتيجة واحدة، فبما أن صدام السيئ أفضل من المالكي، فهذا يعني أن المالكي أسوأ من صدام.

ورغم أن النائبة، الدكتورة حنان الفتلاوي ردت على هذا الناشط السياسي الكردي بما فيه الكفاية(1)، إلا إني أود تناول الموضوع من جوانب أخرى، وهي: هل حقاً أن المالكي سيئ إلى هذا الحد بحيث أنه أسوأ من صدام؟ وما هي الدوافع وراء هذه المبالغة في معاداة المالكي، واستخدام أبشع العبارات البذيئة بحقه، وخاصة من قِبل أتباع السيد مسعود بارزاني، وأيتام صدام حسين، و كتاب عراقيون يكتبون في الصحف السعودية الوهابية المعادية لعراق ما بعد صدام؟ فلو كان المالكي أسوأ من صدام أو حتى مثله، هل كان بالإمكان وجود صحافة في العراق تنتقده وتشتمه بهذه البشاعة دون أن يذاب منتقدوه في أحواض التيزاب؟

هذه الظاهرة هي عراقية بامتياز، والمطلوب من علماء النفس والاجتماع دراستها ومعالجتها. ولكن المشكلة والأنكى، أن البعض ممن يدعون أنهم علماء النفس، هم أيضاً ركبوا الموجة وراحوا يعرضون ما تحقق للعراق من ديمقراطية وحرية التعبير إلى الخطر وفي وسائل الإعلام ذاتها مثل المدى وغيرها.

وعلى سبيل المثال، نشرتُ قبل سنوات مقالاً بعنوان (التظاهرات كعلاج نفسي)(2)، طالبت فيه السلطة بتشجيع التظاهرات الاحتجاجية، وحتى فتح ساحات في المدن العراقية على غرار ساحة الـ(هايد بارك) في لندن، لأنها وسيلة من وسائل التعبير من جهة، و حق من حقوق المواطنين للمطالبة بحقوقهم المشروعة، والتنفيس عما يعتلج في نفوسهم من إنفعالات، لذلك فالتظاهرات و الاضرابات، عبارة عن صمامات أمان لتفريغ شحنات الغضب لدى المواطنين. وفي حالة منع الناس من ممارسة هذه الوسيلة المشروعة، فإن الغضب يتراكم ويؤدي إلى احتقانات، وبالتالي إلى عقد نفسية وما يرافقها من دماء وعواقب وخيمة. لذلك لوحظ أن العقد النفسية الناتجة عن الحرمان والضغوط هي أكثر في الشعوب المحكومة بالأنظمة المستبدة منها في الأنظمة الديمقراطية.

فرد عليّ كاتب في صحيفة المدى، يحمل شهادة في علم النفس، فسر كلامي هذا عن قصد سيئ، بأني أعتبر الذين يتظاهرون ضد الحكومة مصابين بعقد نفسية ومجانين!!. ولذلك فالمتظاهرين في الدول الغربية هم مجانين!!. وبهذه الوسيلة استخدم صاحبنا "علمه" في ليّ عنق الحقيقة للتضليل. علماً بأن الكاتب كان من الذين يرتدون الزيتوني في العهد البائد، ونال شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة بغداد في بحث عنوانه: (القيم الخالدة في أحاديث القائد صدام حسين). ولا أدري ما هي المعارف العلمية التي كسبها هذا "العالم الجليل" من هذيانات صدام حسين، حتى يحتج عليّ، وأنا على الأقل من خلفية طبية، ولي اهتمام بالغ بالثقافة العامة، وبالأخص في علم النفس، والاجتماع، والتاريخ، والعلوم السياسية وغيرها. فهؤلاء السادة لا يكتفون باستخدام ثقافتهم للتضليل وتشويه الحقائق فحسب، بل ويريدون منعنا من ممارسة حقنا في التعبير عما اكتسبناه من خلال التثقيف الذاتي وتجاربنا الحياتية، ولخدمة الخير، ونشر القيم الإنسانية وليس القيم الصدامية.

لذلك أعتقد جازماً، أن المبالغة في شتم الحكومة، وخاصة عندما يأمن الشاتم العقاب، هو للتعويض ونتاج العقد النفسية المتراكمة لعشرات السنين من القمع والإخصاء في عهود الاستبداد. إذ كما ذكرتُ في مقالي المشار إليه أعلاه، "لقد أرغم صدام أصحاب الشوارب المفتولة من شيوخ العشائر على الحضور أمامه يقدمون له الولاء وهم صاغرون و يرددين الأهازيج والهوسات التي تمجد الجلاد مثل "صدام اسمك هز أمريكا"، و"بالروح بالدم نفديك يا صدام". وإذا ما قامت مجموعة من العراقيين بتظاهرة احتجاجية ضد الحكومة فمصيرهم ومصير أقاربهم إلى الدرجة السابعة الفناء والإبادة والإذلال والمقابر الجماعية.

"أما الجانب العسكري، فقد أهانهم صدام بمنح نفسه رتبة المهيب الركن (فيلد مارشال)، وهو لم يخدم يوماً واحداً في الجيش. وللتمادي في إذلال الضباط وإهانتهم، منح مرافقه العسكري رتبة فريق، يقدم له الكرسي في الاجتماعات ويقف خلفه كالصنم، في إشارة لها مغزى أنه استطاع أن يخضع الجيش العراقي لإرادته ويذله."

ونتيجة لهذه السياسة المهينة لكرامة الإنسان، نعرف ما يشعر به المواطن العراقي من إذلال وإخصاء على يد حكم البعث. يريد هؤلاء في العهد الديمقراطي أن يستعيدوا كرامتهم ورجولتهم ليثبتوا بأنهم ليسوا مخصيين وأنهم شجعان، وهاهم يتحدون رئيس الحكومة، لا لأنهم يأمنون العقاب بسبب الديمقراطية وحرية التعبير، وإنما لشجاعتهم. لذلك فهم يؤكدون على الدوام أن الوضع في العراق ليس ديمقراطياً بل دكتاتورياً، وأن المالكي أسوأ من صدام، ومع ذلك فهم يتحدونه ويشتمونه !!!

 

فهل حقاً المالكي دكتاتور وطاغية أسوأ من صدام؟

نعود إلى قول الناشط السياسي الكردي احسان هماوندي، أن صدام حسين لم يتعمد قطع رواتب أبناء إقليم كردستان، بينما المالكي قطعها.

نعم، صدام لم يقطع الأرزاق، بل كان يقطع الأعناق عن طريق الأنفال والغازات السامة والمقابر الجماعية.

نعم، صدم لم يقطع الرواتب، بل كان يسرق قيمة العملة العراقية حتى جعل القوة الشرائية لراتب الأستاذ الجامعي لا تزيد عن قيمة دولارين أو ثلاث دولارات شهرياً مما اضطر إلى بيع ممتلكاته، والعمل في الليل سائق تاكسي ليدبر بالكاد معيشة عائلته.

وإذا ما جئنا إلى " قطع رواتب أبناء إقليم كردستان" فمن المسؤول الحقيقي عن قطع الرواتب إن كان هناك حقاً قطع الرواتب؟ أليست الكتلة النيابية الكردستانية في البرلمان المركزي، التي وقفت مع كتل أخرى معادية للحكومة، فلم يحضروا جلسة البرلمان الخاصة لمناقشة قانون الموازنة لكي لا يحصل النصاب، نكاية بالمالكي؟ وهؤلاء بالطبع لم يحضروا إلا بأوامر من رئيس الإقليم السيد مسعود بارزاني. لذلك، وبالمحصلة النهائية فالمسؤول عن قطع الرواتب هو السيد بارزاني الذي لم يجرأ أي سياسي أو صحفي أو كاتب كردي في كردستان انتقاده، لأنه يعرف أن مصيره الاختطاف، والموت تعذيباً، تماماً كما كان يفعل صدام حسين بمعارضيه، بينما يسهل انتقاد رئيس الوزراء العراقي، وحتى شتمه و الصراخ في وجهه في لقاءات وندوات سياسية بدون أي خوف من التعذيب والملاحقة أو الاغتيال. وإذا ما كان هناك اغتيالات لبعض الصحفيين والكتاب في العراق فالجناة معروفون، وهم ألد أعداء المالكي وحكومته، وهم من يقوم بتفخيخ السيارات والتفجيرات في الأسواق المزدحمة.

وهنا نود أن نشير إلى ما حصل لأستاذ التاريخ في جامعة السليمانية، (الدكتور عبدالمصور سليمان بارزاني) الذي وجه مجرد نقد خفيف لرئيس الإقليم فتم اختطافه وتعذيبه ونجى بأعجوبة. نورد التفاصيل في الرابط في في ذيل المقال(3)     

لنتصور أن صحفيين من أمثال عدنان حسين وبقية جوقة فخري كريم، وغيرهم من الذين يشتمون المالكي ليل نهار وهم مقيمون في بغداد، لو أنهم وجهوا انتقاداتهم وتهجماتهم ضد رئيس الإقليم بدلاُ من المالكي، وهم مقيمون في كردستان بدلاً من بغداد، فماذا كان مصيرهم؟ أما كان مصيرهم الاغتيال كما حصل للعديد من الصحفيين الكرد الذين تجرأوا فانتقدوا حكومة الاقليم فتم اغتيالهم وبدم بارد ؟

فقطع الرواتب إن حصل، لم يشمل كردستان فقط، بل كل العراق، وهم من أكثر المتضررين بسب وقف المشاريع العمرانية، بينما حكومة الإقليم تصدر النفط وتستحوذ على ريع الصادرات النفطية، إضافة واردات المداخل الحدودية (نقطة إبراهيم الخليل وغيرها). فحكومة الإقليم لها رصيد بعشرات المليارات الدولارات، فلماذا لا تدفع رواتب أبناء الإقليم من رصيدها الهائل؟ أليس ذلك ذريعة لتصعيد الصراع مع الحكومة الفيدرالية نكاية بالمالكي؟(4)

 

لماذا عداء السيد مسعود مع المالكي؟

السبب هو ليس لأن المالكي دكتاتور أسوأ من صدام كما يدعي السيد بارزاني والكتبة الذين يمولهم، بل لأن المالكي ملتزم بالدستور، ويطالب الإقليم بتسليم الواردات النفطية إلى خزينة الدولة الفيدرالية، بينما بارزاني يريد نفط كردستان لكردستان ونفط العراق للجميع. ولذلك يريد أن يكون في بغداد رئيس وزراء ضعيف ينفذ أوامر رئيس الإقليم، ويستطيع رئيس الإقليم إقالته وتعيين غيره متى شاء كما فعل مع الدكتور إبراهيم الجعفري من قبل. و ليتباهى السيد بارزاني بأن حكومة الإقليم أقوى من حكومة المركز!

في الحقيقة إن الأقرب شبهاً بصدام حسين، ولا نقول أسوأ منه، هو رئيس الإقليم وليس غيره. فمعظم مواصفات صدام تنطبق عليه، فقد صار له أكثر من 23 سنة وهو زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس حكومة الإقليم منذ أن فرضت الحماية الدولية لكردستان عام 1991 وإلى الآن. كذلك هيمنة عائلته على الحزب وحكومة الإقليم، إذ بعث لي صديق كردي من السليمانية وهو من الانتلجنسيا الكردية، تعليقاً على مقالي السابق جاء فيه: " أشكركم على المقال، أن مسعود ومنذ أن أصبح رئيسا للحزب الديمقراطي الكردستاني، ورئيس حكومة الإقليم، أحكم قبضته على كردستان. تصور أن الكورد يسمونه، وابنه مسرور، وصهره بـ(المثلث) الذي يسيطر على كل مفاصل الحياة في كردستان. لم تعرف كردستان طوال تاريخها تفشي الفساد بهذا القدر الذي تراه اليوم، فالقوانين تطبق على الضعفاء فقط، وحسناً فعلتم في ذكر علاقات السيد بارزاني بتركيا والسعودية وقطر".

هذه شهادة من مثقف كردي. لذلك فاتهام المالكي بأنه أسوأ من صدام ينطبق على السيد بارزاني نفسه وحسب المثل: "رمتني بدائها وانسلت" 

للمرة العاشرة نقول، لقد وفر التاريخ للعراق فرصتين ذهبيتين لإخراجه من التخلف ولينعم شعبه بالاستقرار والازدهار لو أحسن قادته السياسيون التصرف العقلاني، الأولى في 14 تموز 1958، فتحالف قادة الكرد مع أعداء الشعب العراقي في الداخل والخارج، واغتالوا الثورة وقيادتها الوطنية، وأغرقوا البلاد والعباد في ظلام دامس وأنهار من الدماء، نال الشعب الكردي حصة الأسد من جرائم حكم البعث.

وبعد خمسين سنة من الدمار وفر التاريخ فرصة أخرى لصالح الشعب العراقي، وما تحقق للشعب الكردي من إنجازات بعد عام 2003 لم يعرفها من قبل، ولكن مرة أخرى يحاول البعض من قادة الكرد الاصطفاف مع أعداء الشعب العراقي في إضاعة هذه الفرصة أيضاً. لذلك نناشد السيد مسعود بارزاني وأتباعه أن لا يفرطوا بهذه الفرصة التاريخية، فما يتمتع به الأكراد ضمن الفيدرالية العراقية أكثر بكثير مما لو كانوا في دولة مستقلة. ففي الفيدرالية يتصرفون كدولة مستقلة، إضافة إلى حصتهم في حكم العراق وثرواته. فهذه الفرصة الذهبية لن تتكرر إلا مرة كل خمسين سنة إن لم يكن كل ألف سنة.

 

.............................

هوامش

1- الفتلاوي: تمجيد ناشط كردي لصدام نسيان للمجازر وتجاوز لمشاعر ضحايا العرب والاكراد

http://alakhbaar.org/home/2014/5/169308.html

2- عبدالخالق حسين: التظاهرات كعلاج نفسي

http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=464

3- تفاصيل إختطاف الدكتور "عبدالمصور سليمان برزاني على يد قوات "البارزاني" في أربيل؟

http://www.nakhelnews.com/pages/news.php?nid=14712

4- بارزاني أستولى على 21 مليار دولار من النفط العراقي خلال عامين ونصف

http://www.almasalah.com/ar/NewsDetails.aspx?NewsID=31084

5- حمزة الجواهري : سياسة الاقليم النفطية وحتمية تقسيم العراق

http://alakhbaar.org/home/2014/6/169479.html

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2827 المصادف: 2014-06-02 07:45:54


Share on Myspace