 قضايا

حمزة بلحاج صالح: في العقل والنقل

حمزة بلحاج صالحكذب الظن لا إمام سوى العقل.. مشيرا بصبحه والمساء (شعر)

ترى من يحدد أسوار وحدود العقل التي يخشى البعض على العقل أن يتعداها او لا يجب أن يلج حقلها ...

هل هو الدين...

ما الدين.. أليس هو المطلق المتعالي وفهومه المحايثة عبر وظيفة النظر للعقل في النص وهل هو الكلام او الخطاب او النص...

من يقرأ كلام الله ككلام متعالي أو الخطاب أو النص الذي يستخلص منه الحد والأفق والسور وسجل او حقل التحرك للعقل من جهة وظيفته...

وما العقل تحديدا بالنظر الى وظيفته عقلا بيانيا أو برهانيا أو عرفانيا على حد تقسيمات الجابري الإجرائية او تصنيفات لالاند للعقل...

أليس العقل هو من يمارس وظيفته في النص فهما واجتهادا وتحديدا للدلالة وتأويلا وتفسيرا بواسطة اللغة أو البيان لما يتحول الكلام الى ما يقترب من النص محايثة بالفهم والنظر...

بلغة بسيطة أقول حتى لا أذهب إلى مركب ومعقد القول باحثا في ماهية العقل المادي وما العقل اللاهوتي موروثا معرفا في مختلف الأنساق وما العقل المادي والهيجلي والكانطي والديكارتي والعلمي (الباشلاري) والعقل اللالاندي..الخ...و العقل كمحتوى والعقل كأداة...

أقول بكل بساطة وتبسيط وتعميم حتى أخاطب من يريد إحداث منعرج حاسم في مسار تمدرسه وطلبه للعلم وبحثه في إشكالية العقل / النقل كمنطلق تمهيدي ومدخل اولي وتمهيدي...

أنا مع الشيخ الغزالي ومدرسة محمد عبده في تعاطيها مع إشكالية العقل/النقل ولو كان التعامل اوليا...

و مع الشيخ الغزالي الذي كتب مقالا موسوما "ما حكم العقل ببطلانه يستحيل ان يكون دينا" كان بليغا في عنوانه ومحتواه وهو يعكس بداية تشكل رؤية عقلانية تحدد الدور الوظيفي للعقل من غير توجس ولا وصاية وأبوية حيث وسم مقاله " ما حكم العقل ببطلانه يستحيل أن يكون دينا..."

لقد كان عنوانا مثيرا وملخصا ومانعا من كل التشوهات البنيوية التي تجعل بعض المريدين والمتدينين اليوم يرفعون شعار العقل في الإسلام يقدمونه لنا يشغل مكانة استراتيجية محورية ثم يلحقون بها عبارة تهدم نصف الجملة الأولى المنوهة بالعقل...

فلا يبقى بعدها لا استراتيجي ولا محوري حيث يخبرونك بأنه يجب على العقل أن لا يتحدى حدودا وضعها الدين ويجب أن لا يتعدى حدوده لأنه مخلوق عاجز عجز الإنسان وهم لا يميزون بين المعقول واللامعقول وبين المعقول وما لا علاقة له بالعقل...

بل يلحقون بالعقل صفات العجز توجسا وخوفا على الدين ما يهدمون به بداية قولهم تنويها بالعقل ليكون الناتج مكانة باهتة تخشى الحرية وتخشى العقل وتخشى العلم وتنزع نحو الوصاية والأبوية والتقييد...

لذلك لم تحل مشكلة العقل والنقل ولم تحسم...

قد يجيب علينا البعض بأن العقل لا ينبغي أن يتطفل على حقول ليس له فيها باع تتعلق بالعقائد أو تدور في مجال التعبد من حيث ما السر من وراء عدد الصلوات وشعائر الحج ومدة الصوم...أو الحديث في الغيبيات...و الموت والروح والبعث بعد الموت والاخرة و...الخ...

لو تدبر الناس في قوله تعالى " " لأدركوا أن العلم هو سلطان التمكين ولا أسوار تحده...

يبحث البعض في قضايا الوجود والموت وما يتعلق بما بعد الموت وكيف كان عقل اينشتاين مركبا حيث قطعوه الى عدد من الأجزاء وضعوها تحت الدراسة المخبرية والتجريب...

و قديما قال رجال الشريعة ان الله وحده يعلم ما في الأرحام وبعد أن توصل العلم إلى ما في الأرحام همهموا وتململوا ونكسوا رؤوسهم في ريشهم كما تنكس الأنعام رؤوسها في ريشها خيبة...

يا ناس لا تقحموا دين الله في ممنوعات صنعتها عقولكم النصية البيانية تنازع النص بالنص...

" النص دشن حضوره بسورة العلق " إقرأ...

لم لا تقرأون..

لا تعادوا العقل ولا تعادوا العلم خوفا على الدين...

بل نخشى على الدين من الذين يعادون العقل والعلم...

إن السؤال الدوري عند علماء المنطق القديم يسقط وعند مناطقة الرياضيات والمنطق الحديث بما له وما عليه يتجاوز هذا اللون من الأسئلة منهجيا ومنطقيا أو بالتراجع...الخ...

ألا يقوم المنطق الرياضي على الفرضية والبرهان بل الإستدلال بالتراجع...

أليس العقل هو واضع القواعد المنطقية وواضع علم الكلام وعلم الأصول ...الخ وهو أداة ومحتوى النظر وهو مناط التكليف فلا تكليف لغير العاقل...

عندما جاء وقدم شيخنا الغزالي رحمة الله عليه إلى الجزائر وأقام في فندق البانوراميك بقسنطينة ليدرس في جامعة الأمير عبد القادر بعد يومين ربما من قدومه زرته وقد تعودت اللقاء به من قبل وحدثته عن واقع الصحوة في الجزائر وركزت على الجانب المتعلق بالكسب المعرفي والفكري والبناء العقلي...

و أخبرته بان أحدهم من جماعة تدعى يومذاك " الجزأرة" كان يدرس في إحدى حلقات مسجد ببسكرة فقال " وقد اتفق جل فقهاءنا وعلماء الأصول ومقاصد الشريعة ومنهم الإمام الشاطبي أنه تبين بأنه ما كان للعقل دور في مجال التشريع إلا باعتباره تابعا للنقل..."

فلاحظت علامات الإضطراب على وجهه وقال لي والحزن والقلق على وجهه "مين ده" " مين ده" ثم أردف يقول هنا في الجزائر يحصل كل هذا ...و سكت الشيخ قلقا برهة ثم واصلت الحديث معه في قضايا مختلفة...

إن المجالات التي يعلل بها البعض عجز العقل لا قيمة لها من حيث مطلب التعليل وهي لا تستدعي تعليلا ولا هو بالمطلوب والملح وإن كان المجال مفتوحا للخلائق من أهل العلم أن يفحصوا كل شيء...

قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"- قران

إن الأمر أخطر ..بل إن العقل وضع تحت الحجر..و الحصار ولا يمكن لأي أن ينكر الحصار والتصنيف الذي عاشته تيارات العقلانية والعقل في تراثنا وتاريخنا وثقافتنا وحركتنا التشريعية قديما وحديثا جعلتنا نفقد الكثير ونتخلف...

لسنا ملائكة ولا شياطين...

في تاريخنا كبوات وقومات...

إنها إشكالية تراثية وتشريعية وثقافية لم تحسم بعد...

العقل يجرجر ويغتال باسم العقل وباسم الدين وباسم الفلسفة وباسم الفكر وباسم العلم...

العقل أداة ومحتوى مقولة يجب أن تفعل وتعطينا مخرجات يستوجب العمل بها...

هذه مساحة معرفية من قلب المعرفة الإسلامية وجب أن يتم الإشتغال في مباحثها وعليها بجرأة ووضوح وهي واجب عيني...

فلا يذكر العقل فقط ديكورا وديباجة بل أداة نظر بعد الفصل والحسم في إشكاليات المفهوم والمصطلح والتأسيس...

كبوات العقل وضموره عديدة في تاريخنا ومختلف سياقاته...

بل يكفي رجلا مثل الطوفي نموذجا للنسيان والإهمال والصمت وما تعرض له بسبب موقفه المتقدم في زمانه بما له وما عليه من قضية المصالح عموما والمرسلة ايضا بالتبعية وهو موقف يحسب عقليا أصوليا متقدما ومتحررا كما ذكرت...

يكفيك عجبا كيف كتب ذلك الذي شيطن محمد رشيد رضا فرد على تفسيرالرجل بعنوان " صواعق من    نار للرد على صاحب المنار ..."

و يكفي محمد عبده أن يقف في وجهه متفقه تقليدي بسيط هو الشيخ عليش ويطرده من حصن الأزهر...

بل يكفي تلك الحملة المسعورة التي تعرض إليها تيار العقل بشراسة ولا يزال الى اليوم تخرج عن سياق السجال والجدال العلمي والتفسيري الجاد والعميق والمتعلقة باجتهادات محمد عبده ومدرسة العقل في تفسيره أو ما تعلق بفهمه لسورة الفيل مثلا لا حصرا ومعنى " الطير الأبابيل وحجارة من سجيل وعصف ماكول.." ومقاربة ذلك بميكروب او فيروس واتخاذ حادثة تاريخية تروي حدوث ما يشبه الوباء في تلك الأزمنة...

إن مقولة العقل هي مقولة الإجتهاد الحر المفتوح في مناخ الحرية من غير وصاية ولا خارطة طريق ولا محددات قبلية بل هو عمل فكري تدافعي فلسفي متواصل...

كل شيء يتحدد من خلال السجال والحجاج والجدال والمنجزو حين التعامل مع النص والتراث...

فلا وصفات ولا تنبيهات ولا تحذيرات ولا تنميطات ولا نماذج...

حجة تقابل حجة وبرهان يقابل برهانا ومنجز يقابل منجزا وعميق يقابل عميقا وسطح له السطوح واغوار لها الاغوار ومركب معقد له التعقيد...

إن حقل العقل في علاقته بالنص ليس حقل الممنوعات والممهلات والتوقيفات والوصفات والتذكير بوجوب التوقف والتحذيرات والتنبيهات والتصنيفات القبلية والتوجسات ..إنه حقل الإجتهاد الحر ويرافقه النقد الحر العالم والعميق...

و حقل الإجتهاد اليوم غيره بالأمس وما كان يشترط فيه الحفظ بالأمس مثلا تعوضه ذاكرة الكمبيوتر ووسائل التخزين الحديثة والكتاب والتدوين والتسجيل الصوتي والمرئي والإطلاع الوافر وعقل مبني ممنهج وسليم من الاعطاب والكوابح الا عبر الحجة العقلية الاقوى وغيرها من الحجج...

و غيرها من التبدلات العميقة التي تقتضي أن يكف الكثير عن وهمهم من الذين ينصبون أنفسهم الضمير الجمعي الصاحي للأمة وحراس العقيدة والدين والشريعة ومنظموا الإجتهاد وحركته ومرجعيات الفهم العليا والضوابط وصمامات الأمان...

إن عالم النت يغلب هذه التوجسات وتدفقات المعرفة الغزيرة التي استفزت العقل وجعلته أمام تحديات لا يمكن لمن يتمسك بنظام الوصفة والتحذير والتصنيف أن يكون رقما مهما في معادلة المعرفة اليوم...

و عليه وجب عدم الخوف من العقل فالعقل ركيزة النقل والنقل سند وأفق العقل والحرية وحدها مناخ التعبد الصحيح السليم الواسع الذي يغطي الروحانيات والسلوك وما سمي المعاملات والشان الحياتي كله...

هكذا يميز الله الظلمات من النور ويميز المعقول من اللامعقول ويجعل من العقل بركات فياضة على النقل لا أداة توجس...

فليتحدث في الوحي أركون مثلا لا حصرا وغير أركون وقد يكون له وعنده في شق وحقل وقضية واشكالية ما فصل الخطاب أو نصف الخطاب أو بعض الخطاب أو سقطة الخطاب أو لديه طيف من القول فيه ما يجدي وما نراه لا يجدي وما نقدر أنه لا ولن يجدي وما يثبت لنا الزمن يوما أنه يجدي...

ليقل مثلا لا حصرا محمد شحرور قوله وليقل قراء شحرور قولهم برحابة صدر وسعة عقل وعلم وفهم...

و ليقل عبد الجبار الرفاعي وليقل صبحي القراني وليقل محمد عمارة وليقل الشيخ محمد الغزالي وليقل نصر حامد أبو زيد امنا على نفسه وأهله من كل شر ..الخ ...

فليقولوا جميعا ما هو ثمرة بحث لا شتائم مجانية وساخرة من المقدسات وحتى احتباسات داخل سجون التراث التي يتخذها البعض اقانيم تعبد ومراجع فهم مغلقة او احتباسات محاكاة للاخر عير متبصرة ...

للأسف هذا ما لا يحصل بل محاكمات وتكفير وتفسيق وتطليق زوجات وتفريق واغتيالات...

أي تدين هذا...

في مناخ الحرية المطلقة فقط يزدهر العلم وفهم الدين بل بالإختلاف فقط ينتصر الحق خارج إطار التخوين...

رغم ماخذي على " القرانيين" مثلا فعند بعضهم إضافات لا تخلو من فائدة وعندهم سقطات في تقديري تستحق النقد والمراجعة ومنها ما يثير الشفقة لضحالتها...

لا بأس أن تعلو النبرة وتحمل الكلمة حدة في النبرة وبعض الوثوقية لكن لا للتخوين والتكفير والقتل واستباحة الدماء....

إلا ما ثبت وتأتى بعد نقد وتحليل وقوة برهان تطرح بلغة التأثير والإغتراب والإستلاب ومؤامرات الكيد الفعلية من جهة مخابرالأوليغارشية من غير تشخيص وإشارة للأشخاص لكن إشارة للسياقات مثلا المنتجة لبعض القراءات وتداعياتها وهو لا يجب أن يتعدى التعرية العلمية لا سفك الدماء وتوزيع الشتائم والتصنيفات....

لندع العقل ينازع العقل ويتعاطى مع النقل على نحو منازعاتي وحواري ونقدي...

لننازع الحق بالحق على حد قول أحد العارفين...

 

حمزة بلحاج صالح

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5335 المصادف: 2021-04-14 03:12:03


Share on Myspace