 قضايا

حاتم حميد محسن: الآفاق المستقبلية للثورة الصناعية الرابعة

حاتم حميد محسنيمكن القول ان التكنلوجيا تخدمنا على أفضل وجه عندما تمنحنا ما يكفي من الوقت لإنجاز الاشياء المميزة للانسان. هذا يتضمن الفعاليات الممتعة والخلاقة والمنتجة. بالنسبة للامم والمجتمعات، يتم التعبير عن "خير" او منافع التكنلوجيا بعبارات اقتصادية، وفق قياسات مثل انتاجية العمل(1) ونمو الأعمال. مع حركتنا نحو الثورة الصناعية الرابعة والتحولات الرقمية للحياة، يستمر النقاش عن المنافع المحتملة والمخاطر لهذا العصر الجديد في دافوس وفي أماكن اخرى.

هل الثورة الصناعية الرابعة تفي بوعودها؟ هل هي مجرد ضجيج، ام انها ستكون المحرك الهائل والقوة الدافعة نحو مكاسب في الانتاجية ونمو اقتصادي ونجاح في الأعمال؟

دروس من الماضي

الباحثون في  نوكيا بيل لاب (وهي شركة بحوث علمية امريكية تملكها شركة نوكيا الفنلندية) حللوا بيانات تاريخية من الثورات الصناعية السابقة لأجل نمذجة والتنبؤ بالتأثيرات المحتملة للثورة القادمة.هم وجدوا ان الانتاجية ازدهرت في كل من الثورتين الصناعيتين الاولى (التي جرت بفعل الحديد والمحرك البخاري) والثانية (التي جرت بفعل الكهرباء، الستيل، الكيمياويات، والاتصالات).

بدءاً من عام 1870، حافظت هاتان الثورتان على قرن ذهبي للتقدم. الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي جلبت مكاسب هائلة في الولايات المتحدة وأماكن اخرى.

لكن ماذا حدث لاحقا؟ هو وصول الثورة الصناعية الثالثة التي بشّرت بعصر المعلومات، حيث برزت ابتكارات هائلة غيّرت وجه العالم في الحوسبة والانترنيت واتصالات الموبايل وغير ذلك. مع هذا، نجد بدلا من تسريع المكاسب، كان محرك الانتاجية بطيئا. في الحقيقة، منذ عام 1970، هبط نمو الانتاجية تقريبا بمقدار ثلث النسبة المتحققة في المائة سنة السابقة. اذا كان كل العمل الشاق والابتكارات والاستثمارات في التكنلوجيا في نصف القرن الماضي قد فشلت في إعطاء مردود في الانتاجية، فلماذا كل هذه الاستثمارات  الهائلة التي وُضعت سلفا في البنية التحتية للثورة الصناعية الرابعة؟

المتشائمون يقولون يجب ان نتخلى عنها ونضع نقودنا في مكان آخر. لكن المتفائلين يعتقدون اننا على أعتاب ثورة ليست فقط تكنلوجية، وانما ثورة انتاجية ايضا. انها ستجلب منافع للناس في كل مكان، تجعل كوكبنا اكثر ديمومة، وتوفر فرصا جديدة للأعمال من جميع الأنواع. لحسن الحظ، بحوث نوكيا بيل تتفق مع هذه الرؤية.

أسباب الثورة

في تحليل سبب ازدهار القرن الذهبي من 1870 الى 1970 اتضح ان أربع تكنلوجيات للبنية التحتية المادية هيأت الأساس للنمو وهي: الطاقة، النقل، الصحة، والاتصالات. هذه التكنلوجيات التأسيسية كانت هامة بذاتها، لكن عاملين آخرين كانا ضروريين لتعجيل النمو. الأول وهو ان يكون الانتشار او تبنّي أي تكنلوجيا واسعا بما يكفي لبلوغ نقطة التحول. اما العامل الثاني كان تأثير الشبكة، او التكنلوجيا المطلوبة للعمل جنبا الى جنب لدفع عجلة النمو. النمو السريع يحدث فقط عندما تنتشر جميع التكنلوجيات الأربع على نطاق واسع. بعد ذلك، نظر بحث نوكيا بيل في تكنلوجيات اليوم. وجد ان المساويات الرقمية الجديدة الناشئة مشابهة للتكنلوجيات التأسيسية الأربع للقرن الذهبي، هذه الرقميات هي:

1- الطاقة الرقمية Digital energy: وتضم شبكات الطاقة الذكية والعدادات الذكية في منصات تشابه ديناميكيا توليد الطاقة والحاجة لها من المصادر التقليدية والجديدة.

2- النقل الرقمي Digital transport: ينقل الناس والبضائع عبر المحيطات والجو والارض في وقت واحد.

3- الصحة الرقمية Digital health: تمكّن من الاتصال بالرعاية الصحية عن بعد ومن أي مكان.

4- الاتصالات الرقمية Digital communication: وتربط بلايين الناس والأشياء بما يسمح لهم التفاعل بطرق جديدة.

اضيف الى ما تقدم من تكنلوجيات التكنلوجيا التأسيسية الخامسة – الانتاج الرقمي . انها ستحقق تحولا نوعيا من الانتاج الواسع المركزي الى الانتاج المحلي التوزيعي، وذلك عبر الجمع بين الحوسبة  السحابية والطباعة الثلاثية الأبعاد لخلق بضائع في وقت واقعي و قريب.

تنبؤات النمو

حاولت بحوث نوكيا بيل معرفة متى تصل هذه التكنلوجيات الرقمية الى نقاط التحول، ومن خلال تطبيقها   صيغا تاريخية، فهي تنبّأت بقفزة هامة في الانتاجية تتراوح بين 30 الى 35% في الولايات المتحدة تبدأ في نقطة زمنية بين عامي 2028 و 2033. هذه القفزة مشابهة لقفزة الخمسينات والتي ستضيف الى الاقتصاد الامريكي ما يقارب 2.8 ترليون دولار. نفس المكاسب متوقع تحقيقها في الهند والصين ودول اخرى. ان الاستخدام الواسع النطاق لشبكات الـ  5Gالعالية القدرة والقليلة الكمون(التأجيل) هو عامل محفز رئيسي للبنية التحتية الرقمية للمستقبل. هذه الحقيقة ليست بعيدة. هناك تجارب واسعة تجري حاليا والتي ربما تقود الى استخدام كامل للـ 5G في عام 2019. الولايات المتحدة والصين وكوريا واليابان هم في صدارة هذه الجهود.

ان 5G وتكنلوجيا الحوسبة السحابية سوف تعزز وتعجّل رقمنة الصناعات. بدوره، هذا سوف يخلق فرصا في كل جزء من الاقتصاد، من الرعاية الصحية الى النقل والطاقة وما ورائهما. ان شركات الاتصال التي اتخذت مسار الـ 5G الآن، والتي ركزت على الشبكات المعرّفة  بالسوفتوير وتكنلوجيا السحاب، لديها فرصة هائلة للاستفادة من خدمة هذه الصناعات أثناء التحوّل.

وكما في كل من الثورات الصناعية السابقة، هذه المكاسب تأتي عادة مع مساومات اقتصادية و تخلق تحديات جديدة. القلق الواضح هو تأثيرات تطور المهارات عندما تتحول القوى العاملة. سياسة العمل مطلوبة ايضا بشكل عاجل بين الحكومات وضمن الدول ذاتها ايضا، كما اشار تقرير لجنة برودباند للامم المتحدة . انها يجب ان تقرر كيف يمكن للقطاع العام تحديد وبلوغ منافع الرقمنة، بصورة رئيسية عبر تهيئة اطار للتعاون عبر مختلف قطاعات الاقتصاد. مثل هذا العمل بين الحكومات، شركات التكنلوجيا، والصناعات الرقمية الناشئة هو لبنة اساسية لبلوغ أقصى إمكانية للثورة الصناعية الرابعة. هذا يتضمن ليس فقط الإمكانية الاقتصادية، وانما ايضا المنافع الشخصية والاجتماعية، بما يجعل الحياة افضل، ويحافظ على مصادر الكوكب، ويمنح الناس الكثير من الوقت والحرية للاتصال ببعضهم البعض وبالأشياء التي يتمتعون بها. بالنهاية، سيكون هذا هو الخير العظيم الذي اريد للتكنلوجيا انجازه.

 

حاتم حميد محسن

.........................

* هذا المقال كان جزءاً من أعمال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس عام 2018

الهوامش

(1) يجب التمييز بين الانتاج والانتاجية، حيث يشير مفهوم الانتاج الى كمية السلع والخدمات المُنتجة ضمن فترة معينة، اما مصطلح الانتاجية فهو يُستعمل كقياس لكفاءة او نسبة الانتاج. هي كمية المخرجات (عدد السلع المنتجة) لكل وحدة من المدخلات (العمل،التجهيزات، رأس المال).

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5335 المصادف: 2021-04-14 11:56:43


Share on Myspace