 نصوص أدبية

مصطفى معروفي: مرايا العشب

مصطفى معروفيالبحر يرضع من أَثدائه المطرُ

           فتنبري الأرض بالنايات تنفجرُ

شِمْتُ المدى سلفا قد كان ذا شغفٍ

             لصبوة الماء في أفيائه وطرُ

يغدو فتغدو شغاف المزْنِ نابذة

       لِمَا رأتْ في مرايا العشب ينهمرُ

هي الرفوف وما كانت بمكتبة

             إلا وثَمَّ يموتُ اللحظةَ الضجرُ

رأيت هاجرةً تجرى بلا قدَمٍ

          و النأي لجّ وآوى صمتَه الحجرُ

لن أغدق القول، لا معنى لملحمة

             و إنني لمسافاتي ارتقى الكدر

أضحى يلملمني كون خفيفُ خُطىً

    وقربَ حوضيَ من نبض المنى زمَرُ

أقول يا الله هذا رجمُ كاهنة

       قد أرجفتْ،لم يزل في أفقنا القمرُ

غرسْتُ في زرقةٍ موجاً وقلت له

            إياك إياك يغوي عهنَك الشررُ

ما أنت إلا ملاذ الرمل أو سأم

          فيه لمن صار قيحاً ضيمهُ وزَرُ

ينحو الصباح ببرقي قبلةً،وأنا

         مجرد الومض عنه ندَّ لي البصرُ

وأسمع الهمس يلقيه ندى غبش

        وقد غفا طيَّ أحشاء الدجى السحرُ

أرنو ويجذبني وجهٌ ملامحُه

         ما زال يسكب فيها كأسَه الخفَرُ

 الطير في مأثمٍ لم تأْلُ جاثمة

          والنهر للغاب عنه قد سرى خبرُ

ما زال يعوزني صبرٌ نظيرَ يدٍ

            عليه لي، يومَ بي ما انفكَّ يتَّزرُ

أثنى على وكفاتي حينما انهملتْ

           وطفلُ غيمي طفا في كفه القدر

للظل أروقة بالحر مغرمة

           هناك يشرب من مأساته الشجر

لكن له ما اشتهاه لا ينازعه

           إلا لغوبٌ وما كان افترى السفَرٌ

فُطِمْتُ لست أداري نجمةً طلعتْ

            بأمرِ ما فيه حظي ليس تأتمرُ

تجري ببحر القوافي عذبةً سفني

            فيهنَّ ما يشتهيه الذوقُ والنظرُ

              ***

مصطفى معروفي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

رأيت هاجرةً تجرى بلا قدَمٍ
و النأي لجّ وآوى صمتَه الحجرُ

الشاعر المغربيّ المبدع مصطفى معروفي
حياكم الله

تتزين القصيدة بلغة عبقة و معان صافية صادحة
وهي تتماهى بين لذة الشعور و محتواها الشعريّ الخلاب.

دمت في ألق أخي الحبيب

زياد كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة لك أخي الشاعر الشاعر زياد كامل السامرائي
أشكرك جزيل الشكر على هذا الرد الكريم الذي ينم عن حسن خلقك قبل أن ينم عن ذائقتك الشعرية السامية
و درايتك بالشعر دراية عميقة.
عندما أرى اسمك مرفقا بقصيدة لك أعرف أنني سأقرأ الشعر
و عندما أقرأ تعليقا لك على نص لي أحس بالسعادة.
محبتي لك أخي زياد.

مصطفى معروفي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير
تملك براعة في صياغة الفكرة المتخيلة , وتسكبها في وعاء شعري. يسلط الضوء على هواجس الروح وارهاصاتها المتناثرة . هذه القصيدة تضعنا امام عرين الحقيقة وعرين الحلم , والفرق بينهما شاسع لا مجال للاقتران بينهما . بل هناك تقاطع على طول الخط , يفرض نفسه بأن لا يلتقيان . الحلم بمرآيا العشب والعطاء والحياة الطرية . لكن حقيقة الواقع تصطدم مع الحلم . في عواصف الكدر والغمة ترفرف في رفوفها في زوايا الحياة . وتقتل الحلم في مهده في لحظة الضجر والقلق , والناي يولج بصمت الحجر , ويرتقي اعلى سلم الكدرالى المرارة الزافرة . يرفع رأسه الى الله تعالى ويبتهل : ماهذا الرجم الذي يزحف على الحياة ويضع الذات ترتجف . والحياة تقفر على عتمة ويغيب القمرفي كدرملاذات الرمل والسأم والمعاناة . ماذا اصاب الحياة في غيمة جاثمة, والنهر غاب ليغسل شوائب الكدر والغمة, كأن كف القدر الحر الوخيمة تشرب مأساة الشجر . ما اصاب الحظ والذات من هذا العرين الغازي في غيومه الجافة . كأنها تجري القوافي بما تشتهي السفن في الشرر .
رأيت هاجرةً تجرى بلا قدَمٍ

و النأي لجّ وآوى صمتَه الحجرُ

لن أغدق القول، لا معنى لملحمة

و إنني لمسافاتي ارتقى الكدر

أضحى يلملمني كون خفيفُ خُطىً

وقربَ حوضيَ من نبض المنى زمَرُ

أقول يا الله هذا رجمُ كاهنة

قد أرجفتْ،لم يزل في أفقنا القمرُ

غرسْتُ في زرقةٍ موجاً وقلت له

إياك إياك يغوي عهنَك الشررُ
تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي النقد الحاذق و المدقق جمعة عبد الله،
قراءتك لنصي فيها من نفاذ البصيرة و الشاعرية ـ أقول الشاعرية ـ ما يجعلني أرفع لك القبعة ،
فأنت تدخل النص من بابه لتكتشف ما يحتوي عليه ،ليبرز مشعا بإضاءتك له.
شهادتي فيك أخي العزيز مطعونة ،
و مع ذلك سأقول لك:
دمت ناقدا و قارئا يعرف من أين تؤكل كتف الشعر,
محبتي الدائمة لك أخي جمعة.

مصطفى معروفي
This comment was minimized by the moderator on the site

صدقت وربي في قولك :
تجري ببحر القوفي عذبة سفني
فيهن ما يشتهيه الذوق والنظر

قصيدة يصح فيها القول : بدايتها مسك ، وختامها مسك ، فأنعمْ بك ربّانا ماهرا لسفن الشعر ، وأكرم بك إنساني المشاعر والشعور .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي و صديق الشاعر الكبير يحيى السماوي،
أنا سعيد جدا كون القصيدة جاءت إليك من الجهة التي تحبها و هي جهة الشعر،
و يكفيني فخرا و اعتزازا أن شاعرا في وزنك و قامتك يشهد لي بهذه الشهادة التي ستكون إن شاء الله وساما دائما يتزين به صدري،
سلمت و دمت شاعرا مقتدرا لا يضاهى.

مصطفى معروفي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5448 المصادف: 2021-08-05 04:00:43


Share on Myspace