 قراءات نقدية

أحمد الشيخاوي: كتابة الطفولة في ديوان "تمسّك بجناح الفراشة" للعراقي حمدان طاهر

احمد الشيخاوييُقال أن الكتب من عناوينها، ويصدق هذا عند الكتاب الذين هم من طينة الكبار، كون العتبات تمثل روح المجموعة وتختزل نبضها، وإن كانت  في الكثير من الأحيان، العناوين خادعة وطنّانة ومغررة بالمتلقي والعملية التواصلية،ولا تعكس جوهر المنجز، بل نجدها تجدّف في جهات بعيدة كل البعد عن الغرض العام من العمل.

السؤال ونحن نقارب تجربة الشاعر العراقي المبدع حمدان طاهر المالكي،هو لم اتسام عناوين مجاميعه بالبساطة التامة، وكأنها لحمة من معيش العربي اليومي، ونسخة عن همومه وهواجسه وانشغالات عصره...؟

المحتوى في منجز حمدان شأنه شأن العتبات، تبصمه البساطة مع العمق بالطبع.

إن من يُطالع له مجموعته الصادرة حديثا عن منشورات اتحاد الأدباء 2021، العراق، والمعنونة " تمسك بجناح الفراشة، ليستشف حرص هذا الشاعر على إشراك الآخر، في لعبته الكلامية، وإذا اعتبرنا المكون الطبيعي، الفراشة هنا، تحقق غرضا سيميائيا،بالإضافة إلى أخذ الفعل التعبيري منحى أفقيا يخدم عملية التلقي، وتتواتر له الغايات الجمالية والعرفانية على حد سواء، لجزمنا ومن غير تردد، بفرادة وقوة هذا الديوان الجاذب إلى عوالمه بكريستالية المعجم وأفقية الخطاب وبياض وبساطة المفردة.

إنها كتابة تذود عن الهوية العربية،وتنبثق من خلفيات تتهم واقع التفريط في الانتماء العربي، وتدين مثل هذا الترهل والتقاعس الذي أملاه الانفتاح الأعمى والتبعية المرتجلة.

كتابة تنعت بما يِهلها لاختراق القلوب وملامسة الصميم.

تترعها توليدات المعنى من خلال اختزالات لغوية تطوّع الكلمة الجديدة والتي وجدت حيّزها حديثا في قاموس لغة الضاد الموسوعي والممتد واللامحدود.

إذ ليس فقط كلمات الشاعر طاهر حمدان هي الجديدة، بل إن معانيها هي الأخرى جديدة وانسيابية ومبتكرة.

في إحدى همسات شاعرنا،نقرأ القول الوامض التالي:

{ كل صوت سمعتَه

أغنية لطريقكَ الطويل ـ

كل وجه رأيتَه أو ستراه

هو باب.'

لا تطرقه أو تنتظر منه شيئا.

كل دمعة تسيل هي لك.

إنك لا تستطيع أن تعيد الأشياء إلى سيرتها الأولى

في النهاية أنت لست إلها أو بهلوانا

أنت مجرد طفل

يتخيل أن الليل حضن أم}[1].

من هنا تقتنص ملامح البلاغة في القول البسيط جدا، مع العمق الرّسالي الوارف والدال.

فهذا الواهم،والذي يُسقط على عوالمه من عوالم المبدع الليلي،هو يعرف أن تألهه زائف،وماذا عليه لو ألبس كل محطات عمره،بصور الطفولة والبراءة، وتجليات الطفل البعيد الذي ما ينفكّ يسكنه، لكان العالم أجمل وأنبل، ولتفادينا الكثير من الجنائزية والدموية والدمار، ففي النهاية هو عالم متنوع وفسيح يسع الجميع، غير عابئ بالحدود أو الجغرافيات أو الألسن أو العقائد والأعراق.

وفي مناسبة ثانية نطالع لشاعرنا قوله:

{كل ما يقوله الغريق للقشة

كل ما يقوله الرأس للرصاصة

كل ما يقوله السجين للجدار

كل ما يقوله الضرير للنهار

كل ما يقوله الغريب للبلاد البعيدة

كل ما تقوله الجثة للتابوت

أردت أن أحدثكم به.

أردت أن أشرح لكم الصمت في عيون النساء

وكيف يخبّئن حزنهن

بين الجدران مثل كنز نفيس،

أردت أن أحدّثكم بطريقة

الصغار حين يتعبهم البكاء

ويشيرون بعيونهم الحزينة

حاولت أن يصل صوتي إليكم

لكني لم أجد يومها فمي.}[2].

إنه سيل من المفارقات وهي تحاول أن تستغرق شتى مناحي حياة الكائن المنكسر.

كل هذا ويبدي شاعرنا تواضع العقلاء، ممن يجدون خلاص الذات والعالم في العودة إلى طفولتنا البعيدة.

واستحضار الأمومة لا يتم على نحو اعتباطي أو عفوي، بقد ما هو مخطط له بدقة ومصمم بعناية بالغة.

فوحدهن النساء / الأمهات يختبرن الثكالة ويتجرعن مرارتها ضمن حدود عالم فوضوي دموي مضطرب، راح يتجاوزنا بسائر ما نتحسس ونرى ونسمع.

مثلما يقول:

{سمعتها تقول:

انتبه يا ولد أنت فراشة

أنظر إلى جناحيك

كم هي زاهية ألوانك،

وهكذا مضيت

خائفا على طفولتي

رغم أني كنت قد وصلت الخمسين.

قلت لطفل يعبر الشارع

أريد العودة إلي

لكنه أشار إلى طائر في الشباك،

أوه ما هذه المعضلة،

الطائر في الشباك

والبنت تغني وراء الجدار

ورجل يتخيل طفولته

إذن لأعد مرة أخرى

فراشة وحيدة

لا تفكر في القيامة

أو الحروب

لا تعرف البلاد

مجرد فراشة

تمحو بجناحيها

أثر الذكريات}[3].

هو اتكاء على الغرائبية، يفيد مثل هذا الحنين إلى الطفولة البعيدة جدا، وهو عود فيه خلاص للذات والغيرية والعالم كما أسلفنا.

نحن نعرف العلاقة بين الفراشة والطفولة فهي صلة تطبعها طوباوية الثقافي وفلسفة الهشاشة ومنطق البراءة والألوان.

يقابل الموت الحياة . الفراشة رمز للحياة حين ترعاها أو تثريها الطفولة.

ونحن جناة اخترنا لعالمنا الجنائزية ولغة الموت والدمار.

يطفح شعر حمدان طاهر المالكي بهذه التلوينات والتنويعات التي تفتح بؤرا مطلة على الحياة،محتفية بها، رافضة لكافة أشكال مسخ الهوية والكائن وإبادة النوع.

يوق كذلك:

{دخلت عليهم

أجسادهم من رخام

وأصواتهم ملتصقة بالظلال

لم أعرف المكان

 لكني هناك

عرفت باطن الأشياء المضيء

وتركت عادة الكلام

تمسكت بجناح فراشة وطرت .}[4].

خلاصة القول أنه مهما حاولنا، فلن يصل الصوت، كون المغزى في ما يختبئ في الثنايا والبياض، والكمون في ما نصمت عنه .

هكذا استطاع أن يكتب الشاعر العراقي المبدع حمدان طاهر المالكي طفولته، والتي هي جزء من طفولتنا، وبعثها على النحو الصحي السليم، لاشك يقترح خلاص الإنسان والعالم، ويشغله بكل ما هو جميل ونضر وشفاف وهش ونبيل عن واقع الخسارات والحروب والخراب.

 

أحمد الشيخاوي

شاعر وناقد مغربي

...........................

هامش:

[1] مقتطف من نص" احتراق "، صفحة 7.

[2] نص" رغبة "، صفحة 45/46.

[3] مقتطف من نص " مجرد فراشة "، صفحة 102/103.

[4]  نص " بجناح فراشة "، صفحة106.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5470 المصادف: 2021-08-27 03:37:51


Share on Myspace