 قضايا

علي المرهج: حسن حنفي.. مفكر التجديد داخل التراث

علي المرهجحسن حنفي الذي فقدناه يوم الخميس 21 – 10 – 2021م كان من المفكرين والكتاب القلائل الذين اشتغلوا على التعريف بالظاهرتية بوصفها فلسفة قادرة على الربط بين الفكر والواقع ربطاً ديالكتيكياً، ليدعونا للاهتمام بالفكر على أساس أنه صورة من صور الواقع، وهو اليساري الذي آثر الكتابة عن "اليمين واليسار في الفكر الديني".

إنه المفكر(الإشكالي) (د.حسن حنفي) الذي تناوله المفكر (جورج طرابيشي) مُنتقداً لفكره في كتابين هما "مذبحة التراث" و"المثقفون العرب والتراث.. التحليل النفسي لعصاب جماعي".

قدم لنا حسن حنفي دراسات وترجمات عن أهمية المنهج "الفينومينولوجي"، ليكشف لنا عن أزمة الإنسان واغترابه، وليس بغريب عندنا نحن العرب والمسلمين العيش في الاغتراب، سواء في علاقتنا بالتراث (الماضي) أو في علاقتنا بـ (الحاضر) = (الحداثة).

في مشروعه "التراث والتجديد" يسعى حسن حنفي لتوظيف المناهج المعاصرة في قراءة التراث لا لأجل استحضاره واعادة وجوده بيننا، ولكنه يُنتج استراتيجية في نزوع (سلفي) للمحافظة على حضور الماضي فينا، بوصفه لحظة إبداع لا بد لنا من استيعابها لأجل صياغة لحظة تشبهها أو تتجاوزها في تفوق الحضور الفاعل.

حسن حنفي الذي يحار بين اختيار اليمين أو اليسار، فتارة تجده في أطروحاته أقرب لليمين لأنه يتمسك بالماضي (التليد) وبمنجزاته، وتاره أخرى تجده يسارياً خارج التصنيف في التبني الجاهز والاجرائي على أنه تراثي أو حداثي، ليكون الحامل لمشعل "لاهوت التحرير" الذي يُعيد لنا انتاج الفكر الاعتزالي الذي يمنح الإنسان حريته في الاختيار، وأن الله لا يتدخل في ما يختاره الإنسان، لأنه هو المسؤول عن اختياره، والأمر عند حنفي مقصود، فهو بقدر ما يحمل من سعي لتحرير الإنسان بوصفه هو الحر والمسؤول عن اختياره، لتكون القدرة الإلهية بكل كمالها إنما هي ليست ضد أو مع الإنسان فيما يختاره، لأنها مُنزهة عن نواقص البشر في الاختيار للخير أو الشر.

في كتابه "مُقدمة في علم الاستغراب" يسعى (حسن حنفي) لفتح علمي جديد لم يُحقق فيه ما هو جديد، إل فضل التسمية "الاستغراب" في مقابل "الاستشراق"، وعلى ما بين المفهومين من تباين وتضاد، وعلى ما في ما قدمه (حسن حنفي) من جهد متواضع فيما أسماه "الاستغراب" الذي لا يُعدّ غير محاولة لاعادة كتابة تاريخ الفكر والفلسفة الغربية وفق رؤيته.2931 حسن حنفي

لم يكن "الاستشراق" نزوع فردي لمفكر غربي، لأن الاستشراق في الغرب فردي ومؤسساتي، وهو يرتبط بنظام "كولنيالي" أحياناُ، وقد يرتبط بنزوع فردي عند مفكرين غربيين لفهم الشرق ومعرفته.

يرتبط "الاستشراق" بـ "الأنثربولوجيا" وهما علمان متداخلان مؤسساتياً، ولا قدرة لصاحب "الاستغراب" وداعيته أن يُحقق ما حققه مفكروا "الاستشراق".

قد يكون الطهطاوي من دون أن يجترح مفهوم "الاستغراب" كان هو صاحب المحاولة الأولى في التأسيس للاستغراب، بعد أن عاش التجربة الغربية في باريس وكتب عنها وقرأ لفلاسفة "العقد الاجتماعي" الفرنسيين أمثال: جان جاك روسو وفلاسفقة التنوير أمثال "فولتير" و "ديدرو" و "مونسكيو"، فكتب كتابه الشهير "تلخيص الإبريز في تخليص باريز".

ما يُميز (حسن حنفي) أنه كان مُقداماً في ولوج مباحثاً جديدة في الفكر الالحداثي والتراثي، ويكشف عن مناطق بكر للحرث، فهو الذ ترجم لنا كتاب "سبينوزا" "رسالة في اللاهوت والسياسة" ليكشف لنا عن أهمية النقد التاريخي للأديان.

مشكلة (حسن حنفي) أنه يعيش الحاضر ليُجدد فيه الماضي (التراث)، ليُنتج لنا رؤية حول "تجديد التراث" فنجده تاره يتقاطع مع "التراث" وكأنه يرفضه برمته، وأخرى تجده وكأنه "سلفي" يتعنى به ويسحرنا بمقولاته التأصيلية، ليُنتج لنا نصاً مرتبكاً لتكون "الاصالة" فيه مرادفة للـ "المعاصرة"!!.

فتكون قيمة "التراث" كبيرة لأنه يُقدم لنا "نظرية علمية في تفسير الواقع"!، ولكننا لا نجد في ما قدمه (حسن حنفي) ما يُسعفنا نظرياً أو عملياً في "التراث" ليكون عاملاً مساعداً لنا في فهم الواقع ومتغيراته ليُدخلنا في التنظير لرؤى رومانسية حول "العروبة" و "الإسلام".

(حسن حنفي) يعيش ويكتب ليُنتج لنا نصاً لا يختلف كثيراً عما أنتجه (محمد عمارة) دوران في النص التراثي لفك إشكالاته بالاستعانة بمناهج غربية ماركسية وفينومينولوجية هيجلية أو هوسرلية، لتدور في مدار الوعي "النكوصي العربي" فتدور دورتها "الأيديولوجية" ليعود (حنفي) فيها ليضع نفسه موضع المفكر (الأيديولوجي) الذي يتبنى موقفاً ويُدافع عن موقع يحضر فيه للتأثير.

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ فلسفة في الجامعة المستنصرية، بغداد

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

هذه لفتة كريمة من المثقف ان تنعي حسن حنفي لأنه استاذ الأجيال. و لكن اعترف ان اطلاعي عليه يشوبه التقصير. قرأت له مقدمة مشروعه عن التراث و التجديد. و بالتزامن مع قراءتي لمقدمة طيب تيزيني عن التراث و الثورة. اذا كان حنفي تفكيكيا فتيزيني يميل للجانب الديالكتيكي من البنية التحتية للمعرفة دون ان يعنى بصورها و تعبيراتها و اساليبها. ربما يعتقد ان التاريخ هو علاقات مجتمعانية قبل ان يكون سردا انتقائيا. و من هنا جاء اهتمامي مؤخرا بزوايا قصيرة يكتبها حنفي في جريدة الاتحاد و لأول مرة سمعت منه بمصطلح الحشوية.. و يعني به الظاهرية. و ايضا بالتزامن مع وفاة تيزيني و عودتي لمشروعه عن الإسلام الغول و ظاهرة القرآن.
اعتقد ان المقال هنا تحية حبية وودية لمفكر يحتاج لكثير من التوقف و الاهتمام. هذه الملفات لا يمكن اغلاقها لأنها ذات علاقة بسيادة العقل العربي على نفسه و عدم تبعيته.
الاستغراب مصطلح ارى انه ادق و اصح من الحداثة فهي غير موجودة لدينا و غائبة ووهمية. لكنه مصطلح شائع. و صديقتي القاصة كريستال اربوغاست كتبت قصة عن استغراب السيدة .. نسيت الاسم. و تعني بالكلمة ادماج الأقليات المهاجرة في جسم المجتمع الغربي.
شك ا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

ممتن جداً د. صالح...
لروح الدكتور حنفي الرحمة والمغفرة، ورغم اهميته وأهمية كتاباته إلا انه يبقى مثقفا إشكاليا لأنه يأخذ من مناهج وفلسفات مختلفة ليقرأ بها التراث لتجديده، وهذا التجديد يظهر لنا وكأنه بحث بعين معاصرة عن رؤى لها ظروفها التاريخية..
مفكر كبير يستفز العقل

علي المرهج
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5527 المصادف: 2021-10-23 03:20:39


Share on Myspace