 آراء

مصعب قاسم عزاوي: خطيئة الغول صدام حسين الكبرى

مصعب قاسم عزاوي* ما هي الخطيئة الكبرى التي ارتكبها صدام حسين وأدت إلى تحويله غولاً في المنظار الأمريكي بعد أن كان صديقاً مطيعاً؟

- صدام حسين خطاياه كثيرة بعدد كل الأرواح التي أزهقها جهازه القمعي وحروبه الوحشية على شعبه، وحربه العدمية مع إيران بكل عجرها وبجرها. ولكن الخطيئة الكبرى التي أدت إلى تطفر نهج تعامل الولايات المتحدة معه ومن لف لفها من التابعين تمثل في خروجه عن دوره الوظيفي المرسوم له في كونه نظاماً عسكرياً وظيفته القيام بتقليم النفوذ الإيراني في المنطقة عبر إنهاكها بحرب ذات حاصل صفري، واستنفاد جل ناتجه القومي النفطي في شراء أسلحة من شركات المجمع الصناعي العسكري التقاني في الولايات المتحدة، وهي الحاكم الفعلي فيها وناظم الخطى لكل ساستها.

وخروجه عن دوره الوظيفي تمثل في إمكانية سيطرته على موارد النفط في الكويت، وهي التي ينظر إليها وفق منظار السياسة الأمريكية على أنها «ثروات طبيعية أمريكية» تصادف تواجدها في جغرافيا لا تقع ضمن حدود الولايات المتحدة الأمريكية. وهي ثروات لا بد لناتجها أن لا يساهم في تحقيق أي تنمية فعلية على مستوى البنية التحتية أو على مستوى التنمية البشرية في المجتمعات التي يتم استخراج تلك الثروات من أرضها، والتي يجب أن يبقى دور استثمار تلك الثروات محصوراً في تحويل تلك المجتمعات إلى مستهلك لا لجام على امتصاصه لنتاج الشركات الغربية العابرة للقارات في كل شيء، حتى لو كان على مستوى استيراد البنية التحتية للمجتمع، و هي البنى التي لا بد من عدم توطيدها وطنياً بأيادي أبناء تلك المجتمعات، وإنما شراؤها وتركيبها محلياً من قبل نفس تلك الشركات الغربية، وحصر دور أبناء تلك المجتمعات العربية في استلام مفاتيح تلك البنى التحتية من مصنعيها ومركبيها ومشغليها. هذا عدا عن الواجب الوظيفي للنظم الحاكمة في تلك المجتمعات الذي لا محيد عنه لاستدامة وجودها، والذي يشترط استثمار فوائض عوائد النفط في استثمارات خاسرة في الشركات المتداعية أو ذات الخطورة العالية في مجتمعات الأقوياء في دول الشمال الغني، و هو ما أدى إلى تبخر أكثر من نصف ثروات دول الخليج العربي كما حدث إبان الأزمة المالية العميمة في العام 2008، هذا عدا عن واجبها المقدس في استثمار ما تبقى من عوائد النفط في سندات الخزينة الأمريكية لسد عجز الدين في الولايات المتحدة، وهي الاستثمارات التي لا تستطيع أي من دول الخليج تسييلها عملياً، وبيعها كما يتم في بقية سندات الخزائن التي تصدرها الدول الأخرى، حيث أن التفكر بتسييلها وعرضها في السوق، يعني هبوطاً حاداً في قيمة سندات الخزينة الأمريكية، وهو ما ترد عليه الولايات المتحدة بتهديد عنيف لدول الخليج، ومرتكزات الحكم فيها، كما كان في حكاية صدور قانون جاستا الصادر في سبتمبر من العام 2016، والذي عكس بوضوح تلك المعادلة بشكل جلي ما بعده جلاء.

والتفارق في وضع صدام حسين يكمن هو أنه ديكتاتور مجرم بامتياز، ككل الطغاة الذين دعمتهم الولايات المتحدة في غير بقعة من أرجاء الأرضين، ولكنه لم يعرف عنه أنه «نَهَّابٌ مهرب» لأموال سرقها من شعبه إلى خزائن المصارف الغربية، وهو ما كان يعني احتمال تغير مآلات الثروات النفطية التي سوف يسيطر عليها جراء اجتياحه للكويت، واستخدامها في مشروع تنموي وطني شمولي مستقل عن النسق المرسوم لآلية استثمار الثروات النفطية «الأمريكية» التي تصادف وجودها في الأرض العربية. وهو ما كان لا بد من التعامل معه بكل الجبروت العسكري الأمريكي لتلقين صدام حسين ونظامه «درساً» في أصول عدم الاقتراب من مصالح الولايات المتحدة وخطوطها الحمراء، وإعادة نظام صدام حسين لدوره الوظيفي «بعد بعض التقليم» في قمع المنتفضين الأكراد في شمال العراق لإرضاء الشريك التركي حليف الولايات المتحدة في وأد أي شكل لنهوض كردي فعلي في شمال العراق يمكن أن يؤدي إلى تقوية الطموحات الانفصالية للأكراد في تركيا، والذين يشكلون أكثر من ربع سكانها، ويمثلون الأقلية الأكثر تهميشاً وتعرضاً لكل تلاوين الظلم والقهر التاريخي فيها؛ بالتوازي مع قمع أقرانهم في جنوب العراق الذين اتبعوا نهجهم في الانتفاض على نظام صدام حسين إبان انسحابه من الكويت، ولم تسمح لهم القوات الأمريكية بالوصول إلى مخازن الأسلحة التي تركها الجنود العراقيون إبان انسحابهم من الكويت، وتركتهم ليتم ذبحهم بقصف طائرات نظام صدام حسين العمودية على مرأى ومسمع القوات الأمريكية والبريطانية والتي كانت تمارس فن «غض النظر التكتيكي» بعد تفهم نظام صدام حسين «لخطأه الجلل»، وعودته إلى موقعه الوظيفي المرسوم له، وهو ما استمر الحال عليه خلال سنِيِّ الحصار العجاف والتي ذهب ضحيتها أكثر من مليون طفل عراقي جراء الجوع والمرض وامتدت بين العامين 1991 و2003.

 

مصعب قاسم عزاوي

.........................

* حوار أجراه فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع في لندن مع مصعب قاسم عزاوي.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5527 المصادف: 2021-10-23 03:06:30


Share on Myspace