مراد غريبيمدخل: مفهوم التعايش كأغلب المفاهيم السوسيوثقافية التي تتحدد وتتنوع حسب السياقات والحقول التي تم تناوله فيها. ورغم تعدد المعنى إلا أن المعاني تلتقي في دوائر ومستويات عدة، وتجتمع في مجال التداول الفلسفي، حيث فلسفة التعايش تعكس صور إلغاء سطوة التعصب والتسقيط والقسر والإكراه والتهميش والإستضعاف وحجر الحقيقة وملكيتها هذا من جهة، ومن أخرى توفير مناخ التواصل والحوار والاعتراف بالتنوع والتعدد والاختلاف وتأسيس لتطور حركة التعارف..

 يفهم من التعايش انه التفاعل بين الناس بغض النظر عن أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم، كما أنه مطلوب موضوعيًا واجتماعيًا، حتى لو تقاطعت الأفكار والقيم والمبادئ والمقدسات، التعايش ينعقد على قبول الآخر واحترام خصوصياته والتعامل مع الاختلاف كمعامل غنى وتطور وتقدم وواقع طبيعي لا يجوز السعي لرفضه أو اجتثاته، بل موضوعية الواقع الإنساني والطبيعي أنه جملة من الاختلافات العديدة، في الالوان والامزجة ووجهات النظر والعقائد والمفاهيم والتطلعات، وهذا الفهم يستدعي التعارف التواصلي أي معرفة الآخر بالتواصل معه وليس بما يقال أو يوصف به أي طلب المعلومة من اهلها..

و يذهب المؤرخ الفرنسي فرانسوا جان دي شاتليه الى ان التعايش السلمي لا يقوم بين الدول فقط وانما بين الشعوب، فمحرك السلم كمحرك الحرب تماما وهنا تكمن الاهمية والضرورة معا ايضا، ليس علاقة دولة بدولة، وانما بصورة اعمق، معناه علاقة الشعوب بعضها البعض (اديولوجيات الحرب والسلم: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ترجمة جوزيف عبد الله، بيروت ١٩٨١)

في حين احد اهم المقاربات لمفهوم التعايش عربيا وإسلاميا، هي المقاربة التي طرحها الأستاذ المفكر محمد المحفوظ والتي مفادها: أن التعايش هو الشراكة في المصير والاعتراف بحق الاختلاف مع ضرورة المساواة، ولذلك لا يمكن أن نحقّق التعايش إلّا بإعلاء قيمة المواطنة فوق الانقسام الديني والمذهبي."، ورغم وضوح هكذا مقاربة وفهم معتدل وواقعي واستشرافي لأفق التمدن بثقافة حياة على ضوء المشترك الا ان العديد في مجالنا العربي لا يزال يفتقر لوعي راق بماهية المواطنة كأفضل صيغة للشراكة في الحق والحقيقة، وعلى حد تعبير الأستاذ زكي الميلاد في احد حواراته " نحن اليوم بحاجة لاستعادة مفهوم المواطنة، وتحويله إلى مفهوم مركزي ومرجعي في خطابنا الثقافي والديني، ليكون مفهوما مشعا وخلاقا وثريا بحقله الدلالي، بعد أن ظل مفهوما غائبا أو مغيبا ومتنازعا عليه في الخطاب الديني التقليدي."، ومفهوم التعايش بمعنى روح المواطنة، لا يمكنه أن يستوعب اجتماعيا، بل لا أبالغ في القول حتى فكريا وثقافيا، الا من خلال وعي التعارف كأفق تواصلي مفتوح، يغني الوعي والمعرفة قيمة ووزنًا، ويضع الأفكار الميتة والقاتلة أمام خبرة معرفية ونقدية فعالة ومعمقة خصوصا في ظل راهن المجال الفكري العربي والإسلامي المعاصر، كما يسهم في تفعيل نسق ومسار التمكين لفعل التعايش في الأفقين القريب والمتوسط..

و مما لاشك فيه تنمية واقع التعايش بالأساس هو حركة تعارف مستمر ومتطور واستراتجي، تركيزا للوعي والشراكة والسلم الأهلي، اي السعي الحثيث للتعاون الابداعي بين فلسفة الذات وفلسفة الآخر لفقه العمران، فلا بد من التعرف على الآخر حتى نحيا التعايش..

نحو ممارسة التعايش على ضوء نظرية التعارف الإنساني:

 في خضم عبقريات التنظير المنتشرة على طول الجغرافية العربية لمفهوم التعايش ضمن أطر ما أسماه الدكتور علي أسعد وطفة ثقافة التخلف، لا يمكننا بين جرة قلم ونبرة صوت نرسي معالم التعايش، هذا المفهوم ينتمي إلى دائرة العلوم الإنسانية والاجتماعية وليس فوضى الأفكار في الاعلام المأزوم، يشتغل عليه في الفلسفة والأخلاق والسياسة والقانون وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلوم الاتصال وعلوم التربية واقتصاد المعرفة وعلم الاناسة وما هنالك، ولابد أن لا يتوقف النقاش العلمي عن الاهتمام به كمحور أساسي من محاور التغيير والتجديد، ويظل يتطور الفهم والتطبيق ويتجدد حتى يتبلور في شكل قضية صحيحة بتعبير المناطقة في الواقع العربي والإسلامي المعاصر بالتوازي مع إسهامات ونقاشات "المواطنة على أساس التعارف" أو "أنسنة المواطنة" التي تجمع في قالب استراتيجي بين الانسانية، الدين، الوطن ضمن ثقافة عقلانية تطبيقية.

بالقياس على ما أنجزه عالم الإجتماع الألماني يورغن هابرماس، لابد من الأخذ في الحسبان الأسس الأخلاقية قصد إضفاء صفة الأخلاقية على التعارف وقبل هابرماس هناك تأصيل قرآني لماهية التعارف التي ترتكز على فاعلية الكرامة الإنسانية والتقوى الإيمانية، ليكون التعارف جدي ومنفتح ومتسامح ومتطلع بوعي وضمير لمشروع التعايش فكرة وممارسة، متجاوزا لسلوكيات التعصب والتحقير والتسقيط والعجب الذاتي وما هنالك من صور التخلف الحضاري بإسم الدين والقومية والأيديولوجية والتاريخ والسلف وكل ذلك منه براء..

خطاب التعايش على أساس ثقافة التخلف:

من مآزق التعايش هو الخطاب النابع من ثقافة التخلف، حيث ضاعت القضية ضمن مسارات التقاطية واسقاطية تفتقر للمنهج والنسق والمسار والمقصد سوى الذاتية والترقيع الأيديولوجي، ولقد تأثر خطاب التعايش عربيا وإسلاميا، بخمسة معاملات متشابكة أسهمت في تشكيل ضبابية حول مفهومه، واستثماره غير الأخلاقي في تعطيل مشاريع الإصلاح والتجديد والنهوض والتمدن، هذه المعاملات هي:

أولا: المعامل الفكري والثقافي: الفكر والثقافة عربيا يشهد منذ قرون ظاهرة ازمة معقدة وعميقة عمق إشكالات قيم العقلانية والمناهج التربوية والتعليمية وأدبيات وفنون التنمية البشرية، ولعل الاحصائيات تغني عن الكلام، لما تجد شخصا بدرجة دكتوراه يمارس دور التحوير لمفهوم التعايش بدل تطويره وتريسخه، تتساءل هل الابداع الانساني لاكاديمي وباحث في التعليم العالي يتمثل في شرعنة التطرف والاقصاء والخراب والصراعات والصدامات دينيا وعلميا بلي عنق النصوص الدينية واسقاط النظريات العلمية خبط عشواء أو عن قصد في نفس صاحبه ومن خلفه ؟

أم أن الابداع أن نعلم الناس التسامح والحوار والتعارف واللقاء والتعايش من أجل عمران يلهمنا السلام وحقائق الكرامة الإنسانية والتدين الحضاري.. ؟؟!!

 هذا عن الأمية الثقافية والتخلف الفكري المستشري بصورة مذهلة في عمارات التربية والتعليم العالي بأبنيته والإعلام المؤدلج ومجاميع الفقه المستنسخ في مجتمعات العالم العربي، ولهذا يصبح السواد الأعظم من النخبة في العالم العربي والإسلامي مغشوشا- مقايسة على حديث المفكر الإسلامي محمد الغزالي رحمه الله عن التدين المغشوش- تفسد خطاب التعايش كما يفسد الخل العسل..

ثانياً: المعامل النفسي والتربوي: في هذا المجال أيضاً لم يشهد العالم العربي أي تطور في ميادين التربية والتعليم والدراسات النفسية والسوسيولوحية التطبيقية الهامة والمؤثرة في تعزيز الاهتمام الشامل باستحقاقات التعايش والتسامح والتعارف، مما يجعلنا في مأزق أمام تحديات العنف والطائفية والعنصرية التي تحتاج مواجهتها لمعرفة دقيقة للجذور ومستويات الآثار النفسية والثقافية مجتمعيا مما ينعكس في خطابات مأزومة وضيقة تبشر بحروب وصراعات وفتن..

ثالثا:المعامل الحقوقي:

 راهن الحقوق في المجال العربي للاسف مخزي، حيث أصبحت الأنظمة العربية تسعى لتلميع صورها أمام منظمات حقوق الإنسان والمفوضيات الحقوقية في الغرب واستدراك عدم نشر تقارير تبرز مستوى التدني الحقوقي وانعدام الديمقراطية والمواطنة الحقيقية، والتعايش لا يمكنه ان ينمو أو يبرز ولو للحظة في مجتمع مريض حقوقيا او الحقوق فيه وفق قانون الغاب او بالتبعية او على أسس عرقية ودينية ومذهبية وأيديولوجية وهذا عمق الأزمات السياسية في الاوطان العربية، حيث دولة القانون هي دولة الأقوى وليست التي تحمي الحريات وتصون حقوق الإنسان. التخلف الحقوقي يولد الاستبداد والصراعات ويقلل من إمكانية تقدم وصعود مؤشرات التعايش ويعرقل حركة التعارف بين أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة والدين الواحد، ويفسح المجال في المقابل أمام تقدم وصعود الاتجاهات المتطرفة والمتشددة والدموية والعنصرية، مستفيدة من حالات الانسداد الحقوقي والسياسي وترجمة ذلك في خطابات عنصرية لا تخشى العقوبة أو الردع لأن القانون في صالحها أو من صياغتها.

رابعا: المعامل المصلحي والإقتصادي:

جدلية المصالح غالبا ما تتسبب في ارتفاع الجدران بين التنوعات وإنفجار الكراهيات المنفلتة -كما عبر عنها الدكتور نادر كاظم-مما يخلق صراع ارادات وتغليب النزعات الضيقة والضد انسانية مما يصور مصلحة الذات في إلغاء الآخر والتضييق عليه ومواجهته لامتلاك الواقع وهذا الصراع المصلحي هو نتاج ثقافة التخلف الغالبة على تصورات كل الأطراف حول مصالحهم وجهلهم بمعادلة التعاون الابداعي التي يرسم معالمها التعايش وفق روح التسامح وثقافة التعارف الدائم وما يصاحب هذه الوضعيات من شعور بمهدد للمنفعة والمتعة والهوية يقرب الشرائح الكبيرة من الناس إلى التطرف والتشدد، ويكرس في المقابل قدراً من القطيعة والانفصال عن قبول الآخر والعيش المشترك معه، وتتضح هذه الحقيقة من خلال التفاوت الإقتصادي في المجتمعات المتعددة عرقيا ودينيا حيث تفرض حساسيات من مشكلات الفقر وتفاوت فرص استغلال الثروة وما هنالك من إنعدام المساواة، كما أن البعد الإقتصادي في مشكلة التعايش ناظر للشق المادي على المدى القريب ويتصل أساسا بالبعد الثقافي لمأزق خطاب التعايش.

خامسا: المعامل الإعلامي والمعلوماتي:

المتعارف عليه أن الإعلام المترجم الأبرز للقيم، لكنه مع تطور وسائله ووسائطه وأنماطه أصبح هو المتحكم في تغليب قيم على أخرى بحسب اجنداته الإدارية وخلفيته الثقافية وأهدافه الإستراتيجية التي تعكس رغبات القائمين على السوق الإعلامية، والملاحظ أن واقع التعايش وثقافته ظلت تتأثر هبوطاً وارتفاعاً بالترويج الإعلامي لقيم التمدن أو قيم التخلف، حيث يلاحظ أن وتيرة التعايش ترتفع كلما كانت حركة الحوار والتعارف حاضرة وجادة، وتكون أقل ارتفاعاً كلما كانت هذه السبل باهتة وصورية فارغة او غائبة تماما في ظل لغات التطرف والتهميش والإقصاء وخطابات العنصرية والتعالي والاحاديات الفكرية..

حاجتنا إلى التعارف:

فكرة التعارف لماذا لا تزدهر عربيا وإسلاميا؟

من الظواهر العجيبة، ظاهرة رفض التعارف بشدة جملة وتفصيلا بين فصيل عريض أبناء الأمة، ولعلنا الأمة الأكثر حاجة إلى فكر وروح وأدب التعارف، لكن هناك منا، لم يدرك بعد هذه الحاجة، ويظهر أحيانا البعض الآخر، أنه كافر بحاجته للتعارف، وأن فكرة التعارف رجس من عمل الشيطان، وهذا مركز أزمة التعايش في الأمة العربية والإسلامية !

معضلة السواد الأعظم من أهل التعالم الثقافي خاصة الديني منه، أنه عالق في سجن ملكية الحقيقة المطلقة، لدرجة لا يستطيع الإعتراف بالتعارف، حيث فهمه وأثاثه الفكري ومقدساته التاريخية الموروثة هي كل الحق، أما الآخر فمرفوض جملة وتفصيلا ولابد له ان يحتكم الجميع لحقه المطلق، وهكذا إلغاء التعارف من المشهد الثقافي للأمة يوفر لهم الطمأنينة والسطوة على الواقع .

من زاوية أخرى التعارف الذي يعنيه القرآن في آية سورة الحجرات متوقف لدى هذا الفصيل أو بحكم المتوقف من دون تدبر وبلا نقاش، فزمن الآية بالنسبة لهؤولاء ما زال في الماضي ويقصد الآخر غير المسلم لأن داخل الإسلام هناك مسلم واحد نسخة طبق أصل حقهم المطلق.

في ظل هذا التيار التخلفي الجارف، أصبح الحوار معقد وبزنطي، عبر المبالغة والإسراف في تعقيد الأمور وتمويه مقاصد آيات القرآن، والمدهش في الأمر أن يجري التركيز على قضايا الخلاف وتعظيمها، ولا يجري الالتفات إلى قضايا اللقاء، وإذا جرى الالتفات إلى الأفكار الحية فإنها تحور وتشوه وتضيق، ويجري طرحها بخطاب مؤدلج تفقد معه صحتها ومصداقيتها وحيويتها ومركزيتها في بناء الثقة بين أبناء الأمة كمدخل نحو التعارف.

وبتأثير هذا التيار التخلفي كذلك، الذي يعتمد الرجعية فنا والتقدم عدوا، من آثاره تفشي عقلية التقليد، تقليد تمثلات التعامل تاريخيا بكل تفاصيلها وشخصياتها وقضاياها ضمن سياج من القداسة المعطلة للعقلانية والتجديد.

هذا الوضع ترتب عليه أن يكون مبلغ العلم تسفيه نهج التعارف، وتبني منهج الشك فقط في مواجهة آفاق مشاريع التسامح والتعايش والتقارب والوحدة!!

أما الأخطر والأشد لدى هذا التيار التخلفي، يتمثل في توظيف نزاعات وصراعات التاريخ، لشرعنة الصدام والتطرف والتكفير بدلا عن انوار التسامح والتعايش وخيارات الحوار والتعارف..

إجابة عن السؤال السابق، نجد أنفسنا أمام عدة عوالم معرفية تعكس عدم إزدهار فكرة التعارف في المجال العربي والاسلامي، وهي:

عالم المعرفة:

كما سبق وأشرت لتأثير التيار التخلفي في حركة فكرة التعارف، لاتزال الفكرة لا أقول مجهولة وإنما لم تنل قسطها الوافر من التداول والرجاحة والتباحث، ولعل الوحيد بين المعاصرين الذي درس وناقش وسبر أغوار فكرة التعارف بين الحضارات هو المثقف الديني والمفكر الإسلامي الدكتور زكي الميلاد، ولاقت أبحاثه في هذا الخصوص استحسانا خارج العالم العربي أكثر من داخله الا بعض الدول العربية التي دمجت نظريته حول تعارف الحضارات ضمن مقرراتها التعليمية أو بعض الدراسات الأكاديمية التي تمت حول نظريته هذه في عدة جامعات عربية، لكن عموما لا تزال فكرة التعارف محجوبة عن التفكر التجديدي، ولم تناقش في الفضاءات المعرفية العربية والإسلامية بالمستوى المطلوب والمزدهر.

عالم إقتصاد المعرفة:

فكرة التعارف عدا نظرية الدكتور الميلاد، لا أعرف شخصيات فكرية أو جهات رسمية أو مؤسسات علمية أو حواضر ثقافية جعلت منها مشروعا وهدفا إستراتيجيا على المدى المتوسط، أغلب الاستثمارات في المعرفة ذات طابع مادي بحت، ليس هناك اهتمام بتمكين الأفكار الحية من الانتعاش في واقع العرب والمسلمين، وهذا راجع لغياب ثقافة إقتصاد المعرفة هذا المجال العلمي الحيوي في الغرب والشرق إلا في جغرافيا العرب والمسلمين لأسباب ترتبط بغياب سياسات ثقافية معاصرة وجادة في تحرير الإنسان والمجتمع من ثقافة التخلف.

عالم مجتمع المعرفة:

 فكرة التعارف بحاجة لأرض خصبة قابلة لنمو بذور الحوار والتسامح والتعاون والتكافل والتعايش، ومجتمعاتنا العربية والاسلامية ليست فاقدة لخصائص قابلية ازدهار فكرة التعارف وكل قيم التمدن والتحضر، كل ما هنالك هي مجتمعات عانت ولا تزال تعاني كالاراضي المهملة من فضلات الفكر التقليدي الفاسد ومن أمراض ثقافة التخلف وآثار التطرف والاقصاء والاستبداد بشتى صورها، إذن مجتمعاتنا بحاجة لاستصلاح ثقافي جديد من قبل صفوة مؤمنة وحرة وجادة ومتمكنة من معارف وعلوم التجديد الثقافي للمجتمعات بإحصاء الأفكار الحية والمؤسسات الفاعلة والطاقات الفكرية الخلاقة المهمة في تهيئة المجتمع لإستقبال فكرة التعارف وجل الأفكار الحية التي من شأنها إنعاش روح التغيير وإرادة الإصلاح والتجديد..

التعارف أساس الوعي الناضج للتعايش:

كلما حاولنا الإجابة عن سؤال: كيف يستعيد التعايش بريقه في مجتمعاتنا العربية والاسلامية؟

كان للتربية والتعليم السبق والصدارة، لأنه مركز صناعة الوعي، وما دمنا نرنو لوعي ناضج وخلاق للتمدن لابد لحقل التربية والتعليم أن يكون مميزا وخاصا وقويا في موارده الثلاثة: المنهجية، البشرية، التقنية، ومنبثقا من عمق النقد المعرفي التجديدي فكرة ووجهة ومسارا..

ومن يمعن النظر في الموارد الثلاثة، يجد أنها قضايا ذات علاقة بنيوية ووظيفية وبقوة مع فكرة التعارف في صياغة سياسة ثقافية جديدة لإصلاح المجتمع وإنعاش ثقافة التعايش، خصوصا في ظل تعدد الآفاق..

نحو إبداع التعارف:

ملخص هذا المقال: لماذا غابت فكرة التعارف عن مشاريع رواد الإصلاح والنهضة؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، هناك تجارب عديدة ومتنوعة في العالم الحديث والمعاصر، اتخذت من التعارف أساسا لترسيخ التعايش في مجتمعاتها تأسيسا لأرضية النهوض والتقدم، منها جنوب افريقيا وماليزيا وروواندا وقبلهم أمريكا الشمالية التي اختصر الدكتور ستيفن آل كوفي في العديد من مؤلفاته الخاصة بالتنمية البشرية والقيادة على أساس المبادئ، أن جذور التعايش المجتمعي في أمريكا تعود لفكرة العصا الناطقة والتي أسماها لاحقا فكرة التعاون الابداعي، هذه الفكرة تتقاطع كثيرا مع فكرة التعارف المؤسس للتعايش والتسامح والتعاون والنهوض الحضاري والتي أرسى خطوطها العريضة القرآن الكريم عبر وعي حقيقة التدين السليم ضمن تحقق الكرامة الإنسانية التي لا تزدهر إلا في بيئة التعايش النابع من التعارف الإنساني..

لعل غياب فكرة التعارف في مشاريع الإصلاح والنهضة عربيا وإسلاميا يرجع لعاملين:

1- نمط الرؤية

- هاجس التخلف

نستعرضها في مقال قادم بإذن الله..

 

بقلم: مراد غريبي

كاتب وباحث في الفكر

 

عصمت نصارلقد فطن محمد عبده ومدرسته، بأنه لا سبيل لتفعيل المشروع النهضوي - الذي خطط له وشرع في تنفيذه - إلا بإحياء العلوم العقلية وإدراجها في المعارف التعليمية والترويج لها في الصحف وعقد الحلقات النقاشية لتبسيطها للجمهور وإقناعهم بأنها خير سلاح يمكن للمسلمين الزود به عن دينهم أمام هجمة غلاة المستشرقين الشرسة التي أعدت العدّة للتشكيك في أصول الدين وسنة النبي والتاريخ الحضاري للأمة الإسلامية ونشر الإلحاد بين شبيبة هذا العصر.

وقد أرادوا بذلك استكمال الطريق الذي مهّد له حسن العطار في حديثه عن التجديد وتلميذه رفاعة الطهطاوي وما كان يكتبه من الأبحاث الفلسفية في (مجلة روضة المدارس 1870م) وجهود على مبارك في إصلاح التعليم وإنشاء دار الكتب 1870م ودار العلوم 1872م .

ومن أهم القضايا التي كانت تناقش في مجلس محمد عبده قضية ضرورة تبرأة الحكمة العقلية والمصنفات الفلسفية من تهمة الإلحاد التي ذاعت بين الأزهريين إلى درجة تحريمها والارتياب في عقيدة كل من يتحدث عن الفرق الكلامية، ولا سيما المعتزلة والكتابات العقلية مثل فلسفة ابن رشد وابن خلدون وذلك حتى عام 1871م. لم يدرس الأزهريون من العلوم الفلسفية سوى علم التوحيد والتصوف وأصول الفقه والمنطق والحكمة بكثير من التحفظ والريبة في مؤلفات الجاحظ (ت868م) والحلاج (ت922م) وأبن سينا (ت1037م).

وعلى الرغم من جهود الأفغاني ثم محمد عبده عام 1895م، لم يستجب الأزهريون لدعوة محمد عبده لتجديد المعارف الدينية وتطويرها وإدخال العلوم العقلية إلى ميدان البحث والدرس والتساجل في المقررات الدراسية حتى يتسنى للأزهريين تجديد الخطاب الدعوي وتحديث ضروب المحاججة والتناظر وشرح المقاصد الإسلامية وحمايتها من الضلالات والخرافات التي كانت تلصق بها من قبل المجترأين تارة والجامدين تارة أخرى، وقد ظل الأزهر على هذه الحال حتى عام 1933م. ومن أكثر دعاة التفكير العقلي في دراسة الفقه الإسلامي الشيخ محمد مصطفى المراغي (1881م-1945م) وهو من أخلص تلاميذ الأستاذ الإمام محمد عبده، وأحرصهم على تطبيق مشروعه الإصلاحي؛ إذ ذهب إلى أن الجمود والعزوف عن التفكير الناقد والمنهج المقارن في الفقه لانتخاب الأصلح لصالح الأمة من أخطر المعوقات التي تحول بين الناس والوقوف على مقاصد الشريعة الغرّاء ومن أقواله في ذلك (إنّ الشريعة الإسلامية فيها من السماحة والتوسعة ما يجعلنا نجد في تفريعاتها وأحكامها في القضايا المدنية والجنائية كل ما يفيدنا وينفعنا في كل وقت، وما يوافق رغائبنا وحاجاتنا وتقدّمنا في كل حين، ونحن في ذلك كله ملازمون لحدود شريعتنا).

ولم تقف دعوته الإصلاحية عند هذا الحد؛ بل فتح باب الاجتهاد متخذاً من المنطق والقياس العقلي منهجاً في الاستنباط، ونادى للتوفيق بين المذاهب الطائفية والفقهية والكلامية، وفرّق بين الحكمة العقلية والنظريات الفلسفية من جهة والنظر العقلي وآراء المتفلسفة من جهة أخرى، ومج التعصب بكل أشكاله، وكره أن يوصف بالكفر من يبوح برأيه حتى لو كان مخالفاً للمألوف أو المتفق على صحته، والأصوب في رأيه مجابهة الكتابات الجانحة والمعتقدات الشاذة بالمثاقفات العقلية والحجج العلمية والمنطقية والشرعية من قبل العلماء، وليس من فيهم المتعالمين والأدعياء، ولم يوافق كذلك على مصادرة الكتب أو معاقبة المجترأين؛ بل كان يرى أن الحوار والمحاججة أيسر السبُل لإثبات بطلان ادعاءات الخصوم أو كذب المدلّسين.

كما دعا لتشكيل مجلس أعلى للعلوم الإسلامية للحد من خلافات الأقطار الإسلامية من جهة، والصراع الملّي من جهة ثانية، وتجديد فقه المعاملات والأحوال الشخصية تبعاً لثقافة العصر ومقتضيات الواقع من جهة ثالثة؛ ذلك فضلاً عن حثه لأول مرة ضرورة إدراج علم مقارنة الأديان، وتاريخ المذاهب الفلسفية، وكتابات المستشرقين والرد عليها، والفلسفات قديمها وحديثها، والأخلاق والمنطق، والتوسع في علم الكلام، ضمن المناهج الدراسية العالية، ولاسيما للطلاب المتخصصين في علوم الدعوة. 

والجدير بالإشارة أن الشيخ الأحمدي الظواهري (1878م-1943م) الذي خلف الشيخ المراغي في رئاسة الأزهر فترة قد حقق له ما أراد، وذلك لأن كليهما من أخلص تلاميذ الشيخ محمد عبده، وأقواهم عزيمة لتحقيق رسالته الإصلاحية. فقد أنشأ الظواهري كلية أصول الدين وأرسل البعثات إلى أوروبا وأصدر مجلة نور الإسلام عام 1931م، لتعبّر عن رأي الأزهر في القضايا المطروحة، وقد حرص على إثراء العقول العلمية الأزهرية بالعلوم العقلية. 

وفي عام 1930م أصدر قانوناً بإصلاح التعليم في الأزهر، وشرع في تحرير موسوعة إسلامية شاملة للفكر الإسلامي. ومن أشهر المواد الدراسية التي أضافها على لائحة الأزهر في كلية أصول الدين (التوحيد والرد على مطاعن الأغيار والشُّبَه، الخطاب الدعوي والمناظرة، الملل والنحل، المذاهب الفقهية وتاريخها، والبدع والعادات والأخلاق، الفلسفة، المنطق)؛ وبذلك أضحت مادة الفلسفة تدرس في الأزهر وتحرر في موضوعاتها الأبحاث العلمية والمقالات النقدية والدراسات السردية التحليلية، وذلك منذ عام 1933م.

وفي عام 1935م واصل الشيخ المراغي ما بدأه بالإصلاحات؛ فشكل لجنة للفتوى تضم نخبة من شيوخ المذاهب الإسلامية، وذلك لانتخاب النافع للمجتمع والمعبر عن المقاصد الشرعية في آنٍ واحد مع عدم التقيد للتراث الفقهي والجمود على ما انتهى إليه، وحجته في ذلك دعوة الأئمة الفقهاء أنفسهم للتجديد وعدم التقيد برأي مادام هناك أفضل منه لصالح حال المسلمين. كما شكل لجنة أخرى لنشر الثقافة الوسطية بين الجمهور وأطلق عليها لجنة الوعظ والإرشاد، وذلك لمحاربة البدع والجماعات الضالة وتفسير ما غمض من أصل الدين ومناظرة المرتابين والرد على الملحدين، مخافة أن يتصدّى لهذا الأمر نفرٌ من المغرضين أو غير المؤهلين لذلك العمل الخطير. وقد نجحت هذه اللجنة في الحد من نفوذ جماعة الإخوان المسلمين، وما تنشره من آراء - وكان من أشهر أعضائها الشيخ يوسف الدجوي (1870م-1946م) الذي فضح تهافت دعوة حسن البنا (1906م-1949م) - وقد تصدّت كذلك للفرق الصوفية الضالة وشطحاتها المشوهة للإسلام. وكذا ما تسلل من أفكار (فرقة البهائية، والقضيانية، والمعتقدات المهدية، والفتوى الوهابية).

كما حدّث المراغي هيئة كبار العلماء واشترط في أعضاءها الحرص على تجديد معارفهم وتأهيل أذهانهم للاجتهاد والإيمان برسالة الأمة الإسلامية وحملتها على الجهل والجمود والتعصب. وشكل لجنة من كبار المفسرين الذين يجيدون اللغات الأجنبية لوضع ترجمة دقيقة لمعاني القرآن، عوضاً عن الترجمات الشاغلة بالأخطاء الاصطلاحية واللغوية التي تجنح عن مقصد الشرعية في الكثير من المواضع، وذلك للحدّ من جهالات عشرات المستشرقين والمبشرين الأوروبيين عن حقيقة القرآن.

كما دعا لإنشاء مجمع للبحوث الإسلامية تضم كبار علماء العالم الإسلامي ومن مهامه انتخاب شيخ الإسلام الذي يقوم بالإشراف على كل المنابر العلمية مثل جامع الزيتونة والقيروان والجامع النبوي في شتى أنحاء العالم الإسلامي؛ وذلك للحدّ من الخلافات العقيدة وتحزبات الفرق المذهبية، ومحاربة كل أشكال الجنوح عن أصول العقيدة، والرد الجميل على الطاعنين والمشككين والمخالفين بالحجة والبرهان والمنطق العقلي والعلوم الحديثة بمعزل عن كل أشكال التعصب والعنف والعداء والتكفير. أي أن الأزهر في هذه الحقبة شارك بقدر موفور في حركة التنوير التي كان يقودها تلاميذ الشيخ "محمد عبده" في شتى مرافق البلاد لتنفيذ مشروعه النهضوي.

وليس أدلّ على ذلك من الجهود المتواصلة من تلاميذه داخل الأزهر الذين شاركوا في المؤتمرات الدولية؛ لشرح العقيدة الوسطية وللتأكيد على دعوة الأزهر للسلام بين الأديان ودعوتهم لوحدة تجمع بينها حب الخير للناس كافة في ظل طاعتها للمقاصد التي أرشد إليها الرسل والأنبياء والأولياء والمصلحين والحيلولة بين صراع الأديان والكتابات العدائية التي تثير العوام وتدفعهم للعنف انتصاراً لما يعتقدون. ومن أقوال المراغي في ذلك: (من الواجب أن يتعاون أهل الأديان على تقوية الشعور الديني وإعادته ليغمر القلوب ويملأ النفوس هيبة ورهبة من الله، ورحمة ورفقاً بعباد الله، وعلى إعزاز مركز الأديان أمام العلم وأمام الفلسفة).

 وتتحقق رسالة "محمد عبده" شيئاً فشيئاً بجهود تلاميذه الذين ربط بينهم الإصرار على تطبيق المشروع، وتحقيق مرامي هذا الاتجاه الذي جابه الكثير من السلطات المعادية والكارهة والمعطلة للمشروع الفلسفي من جهة، وتجديد الخطاب الديني من جهة أخرى.

وها هو الشيخ مصطفى عبدالرازق (1885م-1947م) الذي نجح في إكمال ما بدأه المراغي والظواهري وجمع حوله عشرات التلاميذ من شبيبة الأزهر المؤمنين برسالة الإمام "محمد عبده"، ومشروع النهضة والاستنارة مثل محمد فريد وجدي (1878م-1954م) الذي أثرى الثقافة الإسلامية بمناظراته العلمية حول قضايا الفكر الإسلامي وذلك منذ توليه تحرير مجلة الأزهر عام 1935م.

ومحمد يوسف موسى (1899-1963م) الذي كشف عن أثر فلسفة ابن رشد في الثقافة الأوروبية والفلسفة المسيحية، ونبّه على بعض الأغاليط التي أُلصقت بفكر ابن تيمية، وبين وجهته العقلية في نقد المنطق الأرسطي واجتهاده في ميدان الفتوى وانتصاره للعقل في معالجة الكثير من القضايا. ذلك فضلاً عن مقابلة محمد يوسف موسى بين القوانين الوضعية للشريعة الإسلامية وتبيان حكمة الباري في دستوره والفلسفة الكامنة وراء آيات القرآن الكريم،

ومحمد غلاب (1899م-1970م) الذي راح يشرح القضايا الرئيسة في الفلسفة قديمها وحديثها ويبرز أصالة الفلسفة الإسلامية ونقاء التصوف من البدع والخرافات التي حاقت به.

ومحمود شلتوت (1893م-1963م) الذي برهن على أن الشريعة الإسلامية تعد مصدراً أصيلاً من مصادر التشريع الحديث.

وعبد المتعال الصعيدي (1894م-1966م) الذي أحيا خطاب التجديد، ووضع شروطاً للداعية المجدد، وحدّد المفهوم الحقيقي للأصولية الإسلامية، وفعّل منهج الشيخ "محمد عبده" في تجديد علم أصول الفقه وعلم التوحيد، وناقش العديد من القضايا المعاصرة للمنهج العقلي البرهاني.

ومحمد البهي (1905-1982م) الذي أخذ على عاتقه رد الهجمة المنظمة على المنهج العقلي والكتابات النقديّة للأزهر، وتوسع في البعثات العلمية للخارج وكشف زيف كتابات التغريبيين الطاعنين في مشروع الأستاذ الإمام محمد عبده.

وعبد الحليم محمود (1910م-1978م) الذي عكف على دراسة التصوف الإسلامي للكشف عن أصالته وطرافة مباحثه، وغيرهم من الذين حملوا راية التجديد في الأزهر في النصف الأول من القرن العشرين.

أمّا جهود الشيخ مصطفى عبدالرازق في ميدان الفلسفة؛ فيرد إليه وضع المباحث الرئيسة في دراسة الفلسفة الإسلاميّة، مُوضحاً أن علم أصول الفقه، وعلم الكلام، والتصوف السّني، وعلم مقارنة الأديان، ومباحث المسلمين العلمية الطبيعية والفلكية، ومناهج فلاسفة الإسلام في التأليف بين المنقول والمعقول، والحكمة والشريعة، والكشف عن تأثرهم بالفلسفة اليونانية في بعض النظريات التي صاغوها في السياسة والاجتماع، وتبيان أصالة فلسفاتهم في مناقشتهم لقضايا النبوة، وحرية الإرادة، وخلق العالم، وفلسفة التربية والأخلاق، ذلك فضلاً عن ردّه على المعترضين على دراسة الفلسفة، وبيان أن الحكمة العقلية ومحبة الحكمة والبحث عن الحقيقة لا يخالف الشرع ولا يشكك في الدين ولا يزعزع الإيمان؛ بل التعصب والجمود والجهل هو الذي يدفع بعضنا إلى التكفير ورمي المخالفين بأبشع التهم؛ الأمر الذي يحرض الجمهور على حرق كتب المشتغلين بالفلسفة مثل الغزالي ثم ابن رشد ثم ابن حزم ثم ابن تيمية، فجميعهم اتهم في دينه، وصدق إيمانه. وحجة المتهمين والأدعياء هو الجمود والتقليد والتعصب. 

(وللحديث بقية)

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

مراد غريبيمفتتح: لاشك أن راهن المشهد الثقافي العربي يعكس العديد من مظاهر التخلف الشاملة لكل مناحي الفعل الثقافي وضمور العقلانية وحركية التجديد وخطاب التنوير وما هنالك من أساسيات التمدن الثقافي، وهذا الواقع يبرز ويتحدد في أشكال ثقافة التخلف في الفضاءات السوسيوثقافية والتي يمكن التقاطها في صور المثقف ضمن هذا التخلف والمساهم فيه بصفة مركزية وإجرائية في أغلب الصور مما جعل التخلف ظاهرة ملازمة للاجتماع الثقافي العربي والإسلامي المعاصر، ونظرا لارتباط مشكلة الثقافة عموما ومسؤولية المثقف تحديدا بأي أزمة أو مأزق سوسيوثقافي، يتوجب علينا تسليط الضوء على صور مثقف التخلف لمحاربة دوره في تعطيل أي تقدم أو تفكيك وتشخيص لأزمات الواقع العربي والإسلامي العام، كما أن الحاجة لتعرية المثقف المزيف تعد ملحة وأساسية في مسارات الإصلاح والتجديد والتغيير وفتح المآزق وحلحلة الأزمات، لأنه أي ظاهرة ترتبط بصور زائفة وتمويهية يكون تحليلها وتجاوزها عصيا بدون تمحيص بنيتها ونظامها وآلياتها وانساق نتائجها، وبالتالي لابد من تحديد صور مثقف ظاهرة التخلف حتى لا تلتبس علينا الامور ولا تستحكم فينا مطارحات واشعار مثقف التخلف وأفكاره الميتة والقاتلة التي لا تزال ترسخ قيم الرجعية والاستبداد والتمويه والتسقيط وبرمجة العقول على موجات التبعية والطائفية والتكفير والاحاديات الأيديولوجية وتلميع صور الطغاة والظالمين والعابثين بالأديان والمذاهب والاوطان والإنسان في عالمنا العربي والإسلامي..

معنى التخلف:

التخلف ليس ظاهرة اجتماعية فقط وإنما ذات علاقة بماهية الثقافة والآخر وصراع الهويات والإرادات فكما جاء في قراءة تحليلية نقدية للاستاذ محمد المحفوظ لظاهرة التخلف الثقافي بصحيفة الرياض

التخلف يعني لغويا: القعود أو العجز عن مسايرة الركب، وفي المعنى الاصطلاحي، هو التأخر الزمني والقيمي والسلوكي عن ركب الحضارة. فالإنسان أو الجماعة، حينما تكون القيم السائدة في حياتهما، تدعوهما إلى التكلس والجمود والرتابة، ويبرر لهما واقعهما المتأخر والسيئ يطلق على هذه الحالة مصطلح التخلف.

نكتفي بهذا القدر من قراءة الأستاذ المحفوظ، حيث المستفاد من مفهوم التخلف في دلالته الإصطلاحية في بعدها الثقافي، هو كل مظهر من مظاهر الرجعية والتأخر والعجز عن التقدم في مجالات التمدن والتحضر أو إعاقة وتعطيل وتشويه وتسقيط مشاريع الإصلاح والتجديد، مما يعني أن التخلف يكون شاملا وشموليا فيصبح المجتمع تابعا وقابلا للاستحمار (مصطلح للدكتورعلي شريعتي) والاستدمار(مصطلح للدكتور الجزائري مولود قاسم نايت بلقاسم) وللاستعمار (كما نظر لذلك المفكر مالك بن نبي في تحليله لمشكلات الثقافة والحضارة)، اي أنه كل مثقف يعمل على تكريس ظاهرة من ظواهر التخلف أو تبريرها أو محاولة تزكيتها وتغليفها بغلاف التحضر والوعي والإصلاح أو تقديسها عبر تحوير وتوجيه عكسي لمقاصد ومعاني النصوص الدينية، يصنف ضمن نادي مثقفي التخلف..

التمييز بين ثقافتي التخلف والإختلاف:

يجب التمييز بين ثقافة التخلف كتركيبة سلبية تكرس الخلاف بكل أشكاله، وثقافة الاختلاف تفاعل إيجابي يهدف إلى تنمية الوعي والتعاون والنهوض والابداع والتكامل، لذلك فإن المجتمعات العربية والإسلامية، لا يمكنها النهوض والتطور والتقدم اذا استمرت بالخضوع إلى تأثيرات ومفاعيل التخلف الثقافي ولم تنتبه وتكتشف مقومات التغيير وأدبيات الاختلاف واستراتيجيته في مشوار التجديد والتنمية الثقافية..

نشأة مثقف التخلف:

من الطبيعي أن تعرف المجتمعات القابعة في أوحال التخلف الثقافي على جميع المستويات أنماط من مثقفي خدمة هذا التخلف، بحيث تشهد تدني وإعاقة في قيمة النمو بشتى تمثلاتها في الفكر والأدب والعلوم والصحة والقانون والإقتصاد والرياضة والفهم الديني والفنون وما هنالك من ميادين الحياة، نظرة وممارسة، أشكال من المثقفين على منوال هذا التردي وضمن خط طول مسار التخلف وليس عكسه، خدمة لمصالح ذاتية وخاصة، تستفيد من هذا الانسداد في حركة التغيير والتجديد والتنوير والتحرير والعقلانية، عبر ترسانة أفكار وخطابات وعلاقات وصحف ومقالات وكتب وإعلام ومنابر مأجورة دينية وسياسية، لا تعرف سوى تلميع العفن وشيطنة التجديد والإصلاح والتنوير وتبرير أشكال الهيمنة والتمويه والتعطيل لعجلات الوعي والنهوض والمدنية والمعاصرة..

ومثقف التخلف ينشأ ضمن أطر منظومة ثقافية فاسدة جذورها تعود : إما لخلل تربوي بالأساس، أو صدمة اجتماعية او رهاب سياسي او سمسرة أيديولوجية او تبعية ثقافية، وهذه الحالة تتعاظم مع تضخم شخصيته بحيث تصبح تلازمه في إدارته لمصالحه وعلاقاته وتتطور الحالة بأن يصبح هذا المثقف عميلا تحت الطلب لدى رواد أسواق الرداءة والأسطرة والخرافة والادلجة والاستبداد..

صور مثقف التخلف:

بادئ ذي بدء لابد من القول أنه ليست هناك مفارقة بين الثقافة وصور المثقف، بل هناك حالة تطبع حيث تمثلات المثقف هي انعكاس في جوهرها لمقتضيات ثقافته الحقيقية. وحينما تبرز المطابقة بين ثقافة ما ومروجها، تتشكل طاقة تسويقية للمادة الثقافية تتوقف على مدى فاعلية مثقفيها في الترويج ودرجة الاستثمار لهذه الثقافة ومن خلال هذه المقاربة نحاول التقاط صورا لمثقف التخلف مع العلم ان مثقف التخلف في أغلب صوره انتهازي ونفعي وإيديولوجي وتحيزي يتقلب حسب الطلبات والرهانات والمصالح:

المثقف الهيجموني**: هذا أخطر مثقفي التخلف لأنه يؤسس أنظمة التخلف وخبير في فلسفة التخلف وكل الصور الأخرى بشكل أو بآخر تتحرك ضمن ثقافته الفاسدة واللااخلاقية والأقرب إليه هو المثقف الطائفي إما عن إدراك أو دونه، علما ان التخلف كثقافة مبرمج ضمن أنساق ثقافية محددة وخيارات ووسائل ومؤسسات تم توظيفها ضمن تقنيات دقيقة لنشر ظاهرة التخلف وقيادتها..

المثقف المهني: تعج به المؤسسات التعليمية والجامعات العربية أكادميين بدرجة أساتذة وباحثين، هم والبحث العلمي اثنان، حيث بيع النقاط والمناصب ورسائل التخرج وأطروحات الدكتوراه والمقالات العلمية وملاحقة الدرجات دون ادنى نتاج او فعل ثقافي مؤثر وللعديد منهم سرقات كلية او جزئية عبر الترجمة او مباشرة واستيلاءات على بحوث ودراسات لطلبة تحت إشرافهم، هؤلاء يصنعون ضمن ثقافة التخلف مساحة واسعة لأننا نجد حضورهم ليس في أماكن الوظيفة والعمل فقط ولكن حيثما وجد السخاء التخلفي ويبررون الواقع بحيادهم الممنهج ويتشدقون بالقيم والمبادئ ..

المثقف التبجيلي: وهذا ثقافته تلميع العفن وتزيين الشناعة وتضخيم الأقزام وتبييض السواد وقلب المفاهيم وتزييف الحقائق، يتمركز في دوائر الإعلام ومنابرالسياسة والتدين..

المثقف الخرافي: هذا ميدانه الخصب هو الديماغوجية سواءا في فضاءات التدين أو مجالات الأيديولوجية، يجتهد في عقلنة الأساطير، إضفاء القداسة عليها وتأصيل الخرافة وتمكينها اجتماعيا في سبيل تجفيف منابع الوعي السليم واستمرار الاستحمار وفي الغالب هذا المثقف يكون متمكن من أساسيات سيكولوجية الجماهير ونظم قيادة القطيع..

المثقف الطائفي أو العدواني: ثقافته الأساسية تجميع السلبيات والزلات والانحرافات الشخصية والفئوية وخاصة التاريخية، يمتاز بالنزق وقلة الحياء والتجلبب بمظاهر التدين أو الاوسمة المبتاعة من أروقة الجامعات والمنظمات والمجاميع والحوزات وما هنالك، كثير البروز في الاعلام الفتنوي، يستخدم في بعض الأحيان الخطاب الحداثي وفنون الاقناع التمويهي، مادته الدسمة تشويه الآخر المغاير وأخطر تمثلاته، العقائدي الذي ينافح في تبرير الإرهاب وتسقيط الآخرين دينيا عرقيا ومذهبيا وسياسيا..

جماع المقال: دون الخوض في هرطقات -بحسب تعبير المرحوم جورج الطرابيشي- التمويه التي يتقنها مثقف التخلف حول جدلية فردية التخلف او جماعيته، المثقف او الشعب، هذه لعلها أبرز صور مثقف التخلف التي تحرض على محاربة خطابات الإصلاح والتجديد والتمدن وقيم التسامح والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في المجال العربي المعاصر.

والمفترض أساساً أن تفكيك ظاهرة مثقف التخلف ومواجهته هو من أولويات المثقف المهتم بحاجات شعبه وأمته العادلة والحضارية، لأن المحرك الأساسي لثقافة التخلف إجتماعيا هو المؤطر لهذه الثقافة والقائم على حيويتها وتفشيها، فلا يمكن اختراق ظاهرة التخلف قبل تحييد القائمين عليها والعاملين من أجل استمرارها، هذه بعض التصورات الأولية في تحديد أنماط مثقف التخلف. وأهم ما كشفت عنه هذه التصورات هو انتظام مثقف التخلف إما في أنظمة الاستبداد كلها والسباحة وفق تياراتها، أو الحيادية السلبية، أو القابلية للاستحمار.

 

مراد غريبي: كاتب وباحث في الفكر

.........................

(**) نسبة للهيجمونيا، أي أنظمة الاستبداد والغَلَبة بحسب ابن خلدون، ونماذج مثقفين واجهوا الهيجمونيا (فرانز فانون وألبير كامو وإدوارد سعيد وإيمانويل تود).

 

 

سامي عبد العالنتيجة أنَّ التنوير ليس ذا سياقٍ في شرقنا العربي الإسلامي (وهذا يسبب إساءة الفهم المُزْمِن للظروف التاريخية)، فقد أفرزَ الواقعُ ظواهر زائفةً. ليس أقلُها وضوحاً وجود شخصيات (غير مستنيرةٍ) تتكلم وتلهج (بعبارات التنوير) طوال الوقت. والمفارقة تقول على طريقة المثل الشعبي: (القرعة تتباهي بشعر بنت أختها). فبفضل شيوع التخلف والفقر الفكري (الصلّع الثقافي)، يرفع هؤلاء السطحيون (لافتات براقة) لمواكبة المُودّة، وإحراز الحُظوة لدى أصحاب الأموال والصولجان. هم شخصيات زلقة (مُخاطيّة) ومتسلّقة وجدت في مقولات التنوير (وأفكارها الرمزية في الغرب: الحرية والنقد والتفكير العلمي والعقلانية والحداثة والتقدم ومحاربة الخرافة) نوعاً من الإكسيسوارات والأقنعة. إكسيسوارات يتم ارتداؤها في حفلات ومؤتمرات (المثقفين والكتاب) المتربحين بالكلمات الحداثية وسط محيط من (رمال الجهل) الوثير والناعم.

هؤلاء أخطر على الثقافة من (المتطرفين والإرهابيين)، على الأقل قد نستطيع معرفة مرجعية الإرهابي، وقد ندرك أين يكمُن الخلل في جهازه الفكري والأيديولوجي، أمَّا (التنويريون المزيفون)، فليس لهم كيانٌ ثقافيٌّ ولا مرجعية واضحة ولا قيم معيارية ولا قوام فكري متماسك، فضلاً عن كونّهم (كائنات سرابية) تخاتل في حضور الشمس وتتلاشي مع غيابها، وعند حلول (ظلام المجتمعات) ينطلقون إلى (العربدة الثقافية المُتلفزة) على شرف كل القيم والمعايير التي يفترضها العقل والفكر الحر. والقانون التاريخي يقول: طالما أنَّ واقعاً قد أفرز أشخاصاً في صيغ كليةٍ (أي عَمّمَ الجزئي ورسّخ الخاص)، فليست هناك من إضافاتٍ حقيقية وخصبة لبنية الثقافة وأن النتاج والحصاد سيكونان من جنس ما زَرَعَ.

لقد بدا فضاء الثقافة العربية كـ (حفلة تنكُّرية) واسعة الأرجاء ومترامية الأطراف من المحيط إلى الخليج، ومن عصر التدوين الكتابي في القرن الثاني الهجري إلى عصر التدوين الإفتراضي الديجيتال بعد القرن العشرين. وبفضل هذا الكم الهائل من (المثقفين المزيفين)، اختلطت الوجوه، وغابت الأصالة، وانحطت المعايير، وبات مدّعو التنوير صانعي (أحذية وأقنعة) بالوقت نفسه. أي غامت واختلطت معالم الرؤوس والأقدام، فهم صانعو أحذية لكونهم يدفعوا الناس لإرتياد أرض يرونها الأنسب للمآرب والمصالح، وهم صانعو أقنعة لكونهم يبدلونها بين ليلة وضحاها بحسب الرائج منها والقابل لحصد الألقاب والأوسمة والأموال.

الوضع يثيرُ أسئلةً أكثر عمقاً بشكل عام: متي يكون التنوير مزّيفاً في بعض المجتمعات؟ ولماذا لا يرى (هؤلاء التنويريون) واقعاً أكثر تدهوراً مما نتصور؟ بصورة مقلوبة: كيف يمكن لتفكيرنا الفاعل أن يمت إلى الواقع بصلة مؤثرّة؟ وما طبيعة هؤلاء التنويرين المزيفين في حياتنا المعاصرة؟ وإلى أي مدى أسهموا في (حالة الانحطاط) الجاثمة فوق أنفاس العرب والمسلمين؟!

أولاً: لم يطّلع (هؤلاء المزيفون) على أصول التنوير الغربي من مؤلفات الفلاسفة والتنويرين الكبار وتاريخ المجتمعات الغربية والنظريات العلمية الحديثة وتحولات الفكر الديني الموازي. لم يقرأوا النصوص والأفكار والنظريات المؤسسة للحداثة وتطوراتها. فقط هم يلتقطون مصطلحات حداثية ويرددونها كأنَّها (علكة) غير قابلة للذوبان. ببغاوات تنادي على بعضها البعض معتقدةً أن العالم كله كامن في أصواتها المكررة، ويلقونها بحرفيّة بإلتواء اللسان تحت أسماع المتلقين، كأنهم يتلون كلاماً مقدساً هم وحدهم الممسكون بأسراره. كما أنَّ ضعف قدراتهم الفكرية جعلهم تقليديين في ثوب حداثي مفارق!!

ثانياً: قي المقابل لم يعِ التنويريون المزيفون مشكلات الثقافة العربية الإسلامية ولا المتغيرات الطارئة عليها ولا كيف أنتجت تاريخها العميق والممتدد. لأنّ مواقفهم مبنيةٌ على اهتبال الفرص تلو الفرص نحو التربح. واللصوص دائما ينظرون إلى أية نافذة مفتوحةٍ للتسلل إلى داخل القصر لخطف ما يقع تحت أيديهم، ولا يعنيهم من قريب أو من بعيد هندسة المكان وقواعده وزواياه العميقة والشامخة وكيف تتأسس. فليست تلك القضايا هي الأهم، القضية كيف يتم هذا النهب الثقافي المنظم لرأسمال رمزي (مثل التراث والفكر والحضارة والأدب والفلسفة والتصوف) ليسوا هم إلاَّ أحد مبددي ثرائه وإبداعاته مقابل مكاسب عاجلة.

ثالثاً: انخرط هؤلاء المزيفون في تجمعات مدنية وعلمانية وصداقات عمل وصفقات مع مؤسسات دعاية وصحافة وإعلام، في خطوة يعرفونها جيداً (هم ونحن) كحلقات خاصة بديلة لجماعات الإرهاب. وكأنّهم يؤسسون نحلةً أومذهباً أو لاهوتاً جديداً في أسواق الحياة العامة. ولهذا هم حريصون دوماً على (التجمعات الذبابية) فوق (العُري الثقافي) الذي تعيشه مجتمعاتنا التعيسة.

رابعاً: تدريجياً يتحول التنويريون المزيفون إلى (شِلل وعصابات وأرتال وأرْهاط وظيفية)، وهم المجموعات أقرب إلى التكوين البرجماتي المرتبط بالتربح والمنافع وممارسة الخداع الفكري. يدافعون عن المصالح دفاعاً مستميتاً حتى الرمق الأخير. ويمكن أنْ (يفتكوا) بأي شخص يحول بينهم وبين قطف الثمار.

خامساً: التنويريون المزيفون يدمنون السلطة ويدّعون عكس ذلك. يتعاملون مع تجليات السلطة كحقائق بينما كل شيء آخر لا قيمة له. فقد يكون أحدهم متظاهراً بالإنسانية والتسامح وقبول الآخر، لكنه في واقع الأمر مشبع بفكرة التسلط والاستعلاء الخفي إلى أبعد درجةٍ. وحين يواجه موقفاً كاشفاً، ينحطُّ من عليائه الوهمي كأنه حجر ملق من السماء إلى الأرض.

سادساً: العيش المستمر في (فقاعات ثقافية) تشعرهم بالخيلاء والنرجسية. أحدهم أو آخر قد يحيط نفسه بأتباع وحواريين وأمشاج وأخلاط من الناس أشبه بالعبيد، على الرغم من كون التنوير لا يعترف بإستعباد أي شخص مهما يكن، فلا تنوير حقيقي دون إرادة تحرر ودون عقل مستقل (للمستنبر وللقابل للاستنارة).

سابعاً: مكانة هؤلاء المزيفون من السلطة مثل مكانة (الفطريات) من مواضع (العفن والتحلل)، هم عادة لُّصقاء بالأعلى، عالقين بالأهداب، منتظرين لقيمات في شكل مناصب أو توقيعات مرابحة أو تمرير فعالية براقة حول العلمانية أو المدنية أو برامج التنمية أو نقد الأصوليات لجنى المقابل المادي منها أو نهب فرص الظهور المتكرر في وسائل الإعلام.

ثامناً: هؤلاء المزيفون ليسوا أصحاب (مواقف ومشاريع أصيلة)، بل هم (ظواهر أزمة)، هم (أعراض لأمراض مزمنة)، هم أبناء (كوارث تاريخية) طافحة على سطح الحياة المشتركة. بمعنى كلما حدثت (أزمة) في دولة أو أخرى من دول العرب مثل الإرهاب وتنظيماته، يقفز أصحاب التنوير المزيف لتسّيد المشهد منددين بالارهاب والتطرف. فيصيحون من فورهم بأعلى الأصوات منافحين عن الحرية والدولة المدنية وحماية العصرنة والحداثة دون أن تكون لهم أية (صفات حميدة) من هذه المعاني. والأمر نفسه حدث مع ظواهر (الربيع العربي)، حين خرج التنويريون المزيفون من الشقوق والحفر الإجتماعية، ليغرقوا أرض السياسة وشاشات التلفاز بلعابهم السائل. ونحن نعرف أنّ (ظواهر الانحطاط) تكمل بعضها البعض، فقد يلتقط صحفي أو إعلامي متسلق أحد هؤلاء المزيفين في هذه الحفلة التنكرية أو تلك مُنّصباً إياه مفكراً كبيراً أو مثقفاً عملاقاً!!

تاسعاً: يظهر هؤلاء التنويريون المزيفون كـ (باعة جائلين) في أزقة وحواري السياسة والأنظمة والمؤسسات الحاكمة العربية. والباعة الجائلوين يحرصون على رفع الأصوات إعلاناً عن بضائعهم، كذلك (التنويريون الجائلون) يروجون لبضائعهم أمام السلطة بأعلى الأصوات الفارغة عائدين إلى تصوراتهم وخطاباتهم المرقعة باعتبارها (تحت الطلب). وقد اعتادت الأنظمة السياسية العربية في استعمالهم (كالأحذية) من مرحلة لأخرى، لكن للأسف استخدمتهم لدهس الوعي الحُر وتلويث الأفكار المستنيرة وتعطيل مسارات المجتمع المفتوح ودولة المواطنة والحقوق والعدالة.

عاشراً: هناك (درجات) لهؤلاء التنويرين المزيفين وهناك كذلك مراتب يقفون لديها، فمنهم من يفتح بالتزلف والمرابحة طريقاً واسعاً إلى الشهرة العابرة للدول والمجتمعات ومازلنا نراهم أصحاب حظوة واستشارات وأصحاب مواقع ثقافية وإعلامية مرموقة. وهناك من يشغل مساحتة الإقليمية مرتبطاً بمنابع المصالح والتمرن اليومي على التسلق الخفي. وهناك تنويري مزيف محلي (بلدي وشعبي) يحاكي في سره النماذج الناجحة في قنص المكاسب وابتلاعها وهضمها بسرعة طالباً المزيد. وهذا الأخير قد أُعطي عادة من (السماجة والجمود) ما لم يعط غيره، لكنه يتنصل مما يفعله أقرانه، رغم أنه يسير ضمن الطريق نفسه. وهذا هو السبب في أنه سيظل محلياً سائراً بوقود سري (كان نفسي كذا..) في وجود أرصدته الوافرة من الوقاحة التي تكفل له قفز المراحل قفزاً. وهناك (نصف تنويري مزيف) يمزج عقله ببعض الوقاحات والخرافات المحلية همّه الأساسي أنْ يكون (فتوة الحِتّة أو الحارة) بلغة نجيب محفوظ في رواية الحرافيش. وهناك آخر يشغل موقع (صبي التنويري المزيف) حيث يلتصق به خادماً إياه في سلسلة صاعدة من الأسفل إلى الأعلى، حيث يجثو أصحاب السلطة المباشرة فوق الرؤوس على ركبهم كالكلاب الشرسة.

 (باعة التنوير الجائلون) أصبحوا مشكلة ثقافية حقيقية فوق مشكلاتنا المتوارثة، نظراً لنصب أسواق المزايدات والتنظيرات الراكدة حول أحوال الدول والمجتمعات العربية وحول المعالجات المناسبة لظرفها التاريخي وكيف تعيش عصرها الكوني الراهن، وهم كذلك نظراً في الوقت عينه لتفريغ فضاء الثقافة من المبدعين وأصحاب الأقلام الحرة والأصيلة وملاحقة كتاب الرأي العميق واستأصال شأفتهم. إنَّ الأنظمة الديكتاتورية لا تريد تنويراً حقيقياً ولا أصحاب رأي حر ولا قيماً فكرية جديدة. ولذلك ستجد أن الأقنعة الزائفة تتواتر مع تغير الأنظمة، فقد يركب أحدهم الموجه بوصفه علمانياً متخذا من العلمانية طريقاً دعائياً بينما هو يعبر عن رغبات القطيع التي يحملها ولا يستطيع العيش دونها، ولذلك أيضاً سرعان ما يترك أطر العلمانية في وجهها الإنساني الداعي إلى إحترام الإنسان والإلتزام بالتنوع والحرية والتعددية، وسرعان ما يهمل مسئولية الإبداع والتفكير العميق والإسهام الحقيقي لا الطفيلي على أكتاف الآخرين شرقاً وغرباً.

وهذا ما جعل شعارات العلمانية الآن (هي المودة الرائجة) بعد غسق جماعات الإرهاب الديني، إذ يعلن (بائعوها الجائلون) عن (مساحيق علمانية) لتذويب بقع الدم نتيجة عمليات نحر وقتل الدواعش وتنظيم القاعدة للمسلمين وأهل الأديان الأخرى، ويعلنون عن (عقاقير علمانية) لتقوية المناعة الفكرية ضد التطرف واحتكار الحقيقة، ويعلنون عن عمليات (غسيل دماغ) مجانية لتربية مواطني الدولة على المدنية والليبرالية، ويعلنون كذلك عن (خدمات علمانية ديليفري) لإقامة ندوات ومؤتمرات في مواجهة شيوخ الدين والدعاة الجدد، ويعلنون تباعاً عن (عمليات تجميل علمانية) لتعديل المعالم والنقوش والتجاعيد البدوية الموروثة في مجتمعات دول المنطقة وسياساتها، ويعلنون مرة بعد مرة عن (صناعة علمانية) لأراء نسوية بصدد مكانة المرأة وإمكانية تحريرها وسط العادات والتقاليد الآسنة!!

كل ذلك.. ويظل (العلماني المتجول) مسكونا بإهدار الأفكار الجادة حتى داخل العلمانية ذاتها كما نشأت في الثقافة الغربية، لأنه (كما قلت) لم يعش تجاربها ولا مرجعيتها الفلسفية ولا يدرك أبعادها ولم يكن مبدعاً في تلقيها ونقدها. وفوق ذلك لا يستطيع الإتساق (ككائن مخاطي) مع معايير الرؤى التي تقدمها لأن غرائزه وأهواءه هي المقدمة على أي شيء آخر. كما أن النموذج الذي يسكونه ويعبر عنه (هذا العلماني المتجول) دون وعي هو نموذج (الشيخ – المُريد) المؤدلّج الذي ينتقده أمام المارة في الفضاء الإفتراضي وعلى الشاشات الفضية. إذن هو العلماني الذي يجسد (الشيخ- المريد) المغلق، عنيف النوايا والطوايا تجاه المجتمعات، ولا يرى غير أصابعة الغارقة ببقايا أطعمة السلطة ومهرجاناتها الغاصة بالأشربة والمسليات والرغبات الفاخرة، ليعيش الليالي سكرانا بآمال الحظوة والجنة الأرضية.

هكذا ليس إزاء الواقع العربي من تنوير بمعناه الحديث غير (الفشل الواضح) في معرفة هذا الواقع نفسه وظروف انتاجه. لقد ألقى الواقع العربي مشكلاته المعقدة فوق ما نرث ونحيا. لدرجة أنَّ الأزمة الواحدة قد تتناسل إلى أزمات حتى تخلق (قيامتها الكبرى) عقب توالدها أكثر من مرة. ولم تستطع (قراءات التراث) ولا (نقل النظريات الغربية) الدفع بفكرٍ نافذ لاختراق هذا التراكم الحاد. كلُّ شعار فكري ما لبث أنْ توهم حقيقةً هو لا يراها. فما كان منه إلاَّ أن طرح مضموناً ليس لنا تحديداً ولن يكون. نظراً لإختلاف السياق حتى وإنْ اعتمد على قرائن من التاريخ والثقافة والحياة اليومية. فأصحاب الخطاب التحديثي والنهضوي ظلوا غائبين داخل مشكلات (أفرزتها العصور الحديثة) اسماً لا جذراً، شعاراً لا فعلاً، فيما نمارس ونفكر ونعيش. راحت تحليلاتهم المستعارة تلوي عنق الحقائق حتى جاءت بتنظيرات برانية غير ذات صلة.

على المنوال نفسه، لم يكن حتى (التنويريون القريبون) أمثال سلامة موسى وشبل شميل وزكي نجيب محمود أقل انخداعاً إمام توصيفهم لقضايا المجتمعات العربية من غيرهم. فإذا كانت الحرية هي الأساس كما ضَمّن الأخيرُ في عنوان كتابه الشهير (عن الحرية أتحدث)!!، فلم تكن هناك عبر شرقنا العربي الإسلامي (ذات ولا أنا مركزية) بمعناها الحديث في أوروبا (كي تتحرر وكي تفكر فتوجد) على الطريقة الديكارتية. وحتى ليست هناك من مفاهيم لتلك الذات كي نطلب لها نقداً وعصراً جديداً وقواماً سياساً ملائماً. وبالمقابل لم تكن هناك مفاهيم حول الآخر والغير والتنوع الثقافي والإنساني قابلة للتشغيل في مجتمعاتنا. على أي أساس إذن ستكون الحرية ؟ ومَنْ سيتحرر ممَنْ؟ وما هي أطر التحرر في الزمان والمكان؟ وكيف ستكون هناك آفاق للحرية بلا مستقبل حر بالتوازي؟

لم يمس التنوير المزيف جوهر الأزمات الثقافية والسياسية، بل (استطاع التكيف والتلون معها كالحرباء) والتربح من تداعياتها بقدر ما يستطيع خدمة الأنظمة الحاكمة. مع غياب شبه تام للإبداع الحقيقي والمحاولات العميقة والدؤوبة للنهوض بالفكر. فأية مبادلة نظرية (بين نتاج الثقافة الغربية والشرقية) وتحويلها إلى شعارات جذابة هي بمثابة (هدنة) لم تُزد الواقع غير التسويف والمراوغة.

 

د. سامي عبد العال

 

مراد غريبيمفتتح: إن التحولات التي تشهدها المنطقة العربيّة منذ العام2011، تؤشر لعدة إشكالات ومشكلات جوهرية، تتطلب نفض الغبار عنها وفتح البحث والحوار والنقاش حول عدّة قضايا،. ومن بين القضايا التي تستحقّ في نظرنا، إعادة دراستها، هي مسألة الثقافة ومشكلاتها أو وظائفها في مشاريع الإصلاح والتجديد والتغيير المنشودة عربيا وإسلاميا. لماذا يتوجب علينا تصحيح الثقافة؟ وهل الوعي الثقافي عربيا مأزوم فعلا أم مجرد أوهام الجدل الثقافي؟ هل الراهن الثقافي يختزن بذور التمدن؟ أم أنّ أزمة الثقافة أعمق مما يفقدها إمكانية بعث التمدن؟

في الحقيقة، تتزاحم الأسئلة وتتدافع عند طرح إشكاليات ومشكلات، موضوع الثقافة في تجديد الوعي بقضية التمدن عربيا وإسلاميا من جهة لأنّ مفهوم الثقافة ليس محدد ومضبوط حيث هناك تداخل مفاهيمي ومنهجي، فالحديث عن تصحيح الثقافة في مجالنا العربي اليوم، هو حديث عن مسألة، متداخلة الأنساق والأبعاد والآفاق، ومن جهة أخرى وعي التجديد كعملية ثقافية استراتيجية في توفير الإجابات الأساسية والمركزية في مشوار تصحيح الأخطاء الثقافية وتجاوز الأزمات المنهجية وتفعيل الحركة الثقافية..

عن مطلب الوعي:

أزمة الوعي تمثل إشكالية إنسانية تاريخية لا تكاد تنفك عن كل ماهو تطلع ورغبة ومقصد في ماهية الإنسانية أفرادا وجماعات وأمما، هذه المشكلة تعتبر أم الأزمات لأنه بدون تجاوزها وتفعيل آليات الوعي وتعبيد الطريق أمامها ومد الجسور لها على طول وعرض آفاق الواقع لا يمكن لأمة أن تراوح مكان سباتها الحضاري بل على العكس ستزداد استغراقا في أوحال ضعفها واستغلالا من لدن مستثمري وهنها، هكذا كان حال الغرب الذي تبهرنا نظمه وانظمته ومنتجاته وتقنياته وحضارته وثقافاته..

كما يعبر بول هازار عن تاريخ خروج الغرب من نفق التخلف والانحدار على كل مستويات الحياة الإنسانية في بحثه حول أزمة الوعي الأوروبي 1680-1715، من خلال رصده المحددات الكبرى لذلك والتي أنهت حقبة الغرب القديم وأنظمته الفكرية والثقافية والاجتماعية. وقد بين بول هازار كيف أسهمت أفكار القرن ١٨ في ترتيب الواقع لميلاد مجتمع جديد، تحكمه مبادئ الحركة مقابل الثبات، وقيم النسبية في التعامل مع الظواهر بدل المقاربات اليقينية والقطيعة، مع تمكين قيم العقل والحرية والمواطنة من صياغة البنى الثقافية العامة، هذا الطرح لهازار يعتبر نافذة مهمة في فهم سنن التاريخ القريب والاشد تأثيرا في حيثيات واقعنا بل هو مركز انبعاث الجدليات المتطايرة في جنبات يومياتنا، مما يعني حاجتنا لنزعة وعي خاصة وموضوعية قادرة على إنهاء مخاض الواقع بميلاد مجتمع عربي واسلامي جديد بقيم إنسانية حضارية..

مشكلة الوعي وإشكاليات الثقافة؟؟

الوعي كمفهوم بحد ذاته يشكل إشكالية لدى رواد التبرير التاريخي مما يجعله مشكلة في الواقع تتغذى من انتكاسات على مستوى حقول ثقافية متعددة ترتبط بالثبات المعرفي للمفاهيم الاستراتيجية في هندسة شروط النهضة، من قبيل مفاهيم التاريخ، العدالة، الحرية، الدين، الاصلاح، التغيير، القيم، بالمختصر حزمة مولدات الوعي كنواة أساسية لميلاد مجتمع متمدن ليس بمفهوم الغرب وإنما إنسانيا بما يبرز ماهية الدين كحاجة حضارية للإنسان في مشوار تطلعاته نحو الطبيعة والكون والمطلق...

تلك المفاهيم وغيرها يعتبر تجدد فهمها بما يعالج جدليات واقع ثقافتنا العامة كأفراد وشعوب وقبائل وأمة، مفتاح فك طلاسم مشكلة الوعي، فالتاريخ مثلا يشكل حضوره في ثقافتنا العامة مأزق ليس لدى العامة بل لدى بعض الأكاديميين ورواد الخطاب الديني، لأن منطلق التداول الثقافي لهذه المفاهيم مؤسس في الغالب الأعم على تناقضات منهجية تطبيقية حيث التاريخ كمثال سابق لم يضبط منهجيا فلسفة وعلما ونظما، مما يجعل فوضى المفاهيم تشكل ضبابية معرفية اجتماعية تنحرف بالوعي عن تصور الأولويات والواجبات والحقوق والقيم العادلة والإيجابية الإنسانية وهكذا دواليك..

انسداد مجرى الوعي مرده أساسا كمشكلة للثقافة في شتى تمثلاتها وسياقاتها الاجتماعية، وهذا ما حفلت به مسيرة المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي رحمه الله، بدءا من المفهوم وعبر حرب الأفكار التي انتبه لها مبكرا من خلال بحثه للصراع الفكري في البلاد المستعمرة ثم التصنيف الدقيق لمنظومة الأفكار وآثارها ومقاربة شروط النهضة ومعادلة الحضارة كمفهوم دون مفهوم الثقافة وتابع للأخيرة ونتاجها، مع رسم المعالم الكبرى للوجهة الإسلامية من طنجة إلى جاكرتا، كل ذلك عبر عملية صناعة الوعي التجديدي كمعامل في سنن التاريخ، وعكس بمشروعه التفكيكي الإصلاحي للثقافة صورة المثقف المجتهد في دوره، كما هناك أيضا مقاربات الدكتور مهدي منجرة التي ناقشت التحولات الثقافية الكبرى، مستشرفا أهم المسارات ومآلاتها وتأثيراتها على مصير الإنسان والمجتمع في الجغرافية العربية والإسلامية دون أن ننسى المشاريع الإصلاحية الدينية التي حاولت رسم معالم التغيير والإصلاح على ضوء قراءات متعددة لآفاق النصوص الإسلامية من الكتاب والسنة وكذا الحضارات المعاصرة منها ما كان بخطاب وأخرى بلغة علمية نقدية أكثرها يشخص دون التعمق في صلب المشكل الثقافي بجدية ودون مجاملة، ولعل أهمها انطلقت من الحاجة للوحدة بين تنوعات الأمة مركزا على تنمية وعي الإنسان بضرورات الحوار والتسامح والتعايش والتجديد والانفتاح الثقافي الإنساني ومن ابلغها خطابا وادقها منهجية واوسعها آفاقا مشروع السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله الذي كان مفكرا إسلاميا مجددا بإمتياز عبر مزاحمة العلماني بكل رحابة في تقرير النزعة الانسانية والتمدن على ضوء الفهم المتحرر للإسلام كدين للإنسان والحياة...

مستخلص:

هناك عدة مشاريع تجديدية على طول طنجة-جاكرتا تتقاطع مع جل الإسهامات النقدية التصحيحية للثقافة وتفعيل الوعي بالدور الحضاري للفرد والمجتمع في أمتنا على المدى الإنساني وعلى ضوء القيم الدينية والإنسانية العادلة، بعضها بقي حبيس التنظير وأخرى تزايدت مع مطلع الألفية الثالثة والى يومنا من خلال تفكيك مشكلة الوعي التجديدي، حيث سنحاول من خلال سلسلة مقالات تسليط الضوء على أهم المواضيع ذات العلاقة بمطلب وعي التجديد الثقافي عبر عدة رؤى لنخبة من الفاعلين في الحقل الفكري والفلسفي والديني حتى لا نبخس الناس أشياءهم وكل مرادنا العرض والمناقشة والتقريب بين وجهات النظر كلها بما يكفل التصحيح الأدق والسليم لأخطاء البناء الثقافي وعلاج مشكلات الثقافة العالقة بسبب الأمزجة والمصالح والمغالطات وأملنا الكبيرتجديد ثقافتنا العربية والإسلامية تأسيسا للتمدن الحضاري الأمثل المحتضن للإنسان بما كرمه الله بعيدا عن الأغلال المبتدعة والتي ما نزل الله بها من سلطان...

 

مراد غريبي - كاتب وباحث في الفكر

 

 

محمود محمد عليالحركة النسوية Feminism، تعبر عن مضمون فلسفي وفكري، برزت أفكارها في أطاريح أكاديمية، وأساس فكري (المساواة)، وأطر تحليلية متعددة تحمل الطابع الفلسفي الحداثي من النظرة المادية التجزيئية للإنسان .ترتكز علي أساس فكري، المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، وإلغاء أي بعد للأدوار والوظائف للجنسين المترتبة على الفروقات البيولوجية بينهم . تهدف من خطاباته المنظرة إلي إلغاء ثقافة التمييز، وتمكن المرأة في جميع المجالات، من خلال التغيير الجذري للأسس والمفاهيم، في العلاقات المتبادلة بين الجنسين، تحت مصطلح الجندر في جميع الأسس والبني .

وقد ظهر مصطلح النسوية في الغرب، الذي يعبر عن مفهوم نظرية المساواة بين الجنسين، في المجال السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والديني، القائم على التحليل والتنظير من وجهة نظر نسوية بحتة.

وقد ساهم رجال عصر النهضة العربية بنصيب رافاعة الطهطاوي في الاهتمام بالفكر النسوي، وهنا في هذا المقال أركز على إسهامات شيح النهضة العربية الحديثة، وهو رفاعة رافع الطهاوي، من خلال مواقفه الرائعة والجيدة تجاه قضية المرأة وتعلميها ح وهذا إن دل علي سء فإنما يدل علي السنين والأعوام تمر وتمضي بنا عبر الزمان، ولكن تبقى الأعمال خالده.. فالبرغم من مرور 148 عام على رحيل قائد النهضة العملية بمصر رفاعه رافع الطهطاوى، إلا أن أعماله وأفكاره مازالت معروفة ومتداولة ومحفورة بالكتب التى تدرس للطلاب والتلاميذ بالمراحل التعليمية المختلفة ليس فقط بمصر بل في العالم كله.

وقبل أن ندلف في عصر أبعاد المقال يمكننا القول بأنه في هذه الأيام نحتفل في مصرنا الحبيبة بالذكرى  148 على وفاة رفاعة رافع الطهطاوى، قائد النهضة العلمية فى مصر فى عهد محمد على باشا، والذى ولد بمدينة طهطا إحدى مدن شمال محافظة سوهاج بصعيد مصر، والذى يتصل نسبه بالحسين السبط ووالدته تنتمى إلى قبيلة الخزرج الأنصارية.

وقد عاش الطهطاوي بموطنه طهطا، ووجد من أخواله اهتماماً كبيراً، حيث كانت مدينة طهطا زاخرة بالشيوخ والعلماء فحفظ على أيديهم المتون التى كانت متداولة فى هذا العصر، وقرأ عليهم شيئا من الفقه والنحو.

بدأ رفاعة الطهطاوي حياته دارساً للفقه والدين في حلقة إمامه وأستاذه الشيخ حسن العطار، الذي رشحه للسفر إماماً لـ40 مبتعثاً أرسلهم حاكم مصر محمد علي باشا، للدراسة في فرنسا، ولم يكن عمره حينها قد تجاوز الـ21 عاماً إلا أن الطهطاوي انبهر بالحياة الأوروبية وتحول إلى دارس للفرنسية، ومن هنا انطلقت شرارة حلمه بنقل مفردات النهضة الحديثة في أوروبا إلى القاهرة.

ولد رفاعة رافع الطهطاوى فى 1801ميلاديه بمدينة طهطا شمال محافظة سوهاج، ويرجع نسبه من والده إلى الإمام الحسين بن على بن أبى طالب، ووالدته إلى قبيلة الخزرج الأنصارية، والتحق وهو فى السادسة عشرة من عمره بالأزهر فى عام 1817 وشملت دراسته فى الأزهر الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف، وغير ذلك، خدم بعدها "إماما" فى الجيش النظامى الجديد عام 1824، وسافر رفاعة الطهطاوى خارج مصر لأول مرة سنة"1242هـ /1826م"، إلى فرنسا ضمن بعثة عددها أربعون طالبًا أرسلها محمد على باشا لدراسة اللغات والعلوم الأوروبية الحديثة، وكان عمره حينها 24 عامًا.

وعاد رفاعة لمصر سنة 1247 هـ / 1831 م مفعماً بالأمل منكبّاً على العمل فاشتغل بالترجمة فى مدرسة الطب، ثُمَّ عمل على تطوير مناهج الدراسة فى العلوم الطبيعية وافتتح سنة 1251هـ / 1835م مدرسة الترجمة، التى صارت فيما بعد مدرسة الألسن وعُيـِّن مديراً لها إلى جانب عمله مدرساً بها وافتتحت المدرسة بالقاهرة سنة 1835م وقد كان له دوره فى الصحافة أيضا، حيث قام بتعريب الوقائع وجعلها ناطقة باللغة العربية بدلا من التركية.

وننتقل للحديث عن صلب موضوعنا فنقول الرغم من أن الدين الإسلامي قد دعا إلى تعليم كل من المرأة والرجل، إلا أن بعضهم ما زال يمنع تعليمها بسبب نظرتهم إلى أنها قد تجلب عن طريق تعليمها الفساد لها، وأصروا علي ضرورة تعليمها القرآن الكريم فقط، وبعضهم دعا إلى تعليمها القراءة والكتابة، والقرآن الكريم، والطب، وبأنها كالرجل.

ومن هنا حظيت المسائل المتعلقة بالمرأة وعلاقاتها، وموقعها الاجتماعي، وتحررها، وتعلميها، وتقديم الخدمات لها، ورغبة مشاركتها في العمل والإنتاج المادي للمجتمع، بمساحة واسعة من اهتمام الفكر والدراسات المعاصرة وإلحاحها. حتى أخذت مشاريع وخطط التنمية، وتنمية المجتمعات المحلية، تضع في رأس اهتماماتها مسألة تمكين المرأة وإدماجها في نشاطات المجتمع الإنتاجية.

وهناك من الرجال من نادى بتحسين أوضاع المرأة وتعليمها وتثقيفها وما يهمنا هنا هو إلقاء الضوء على هذه الشخصيات، وما قامت به من جهود في سبيل إصلاح المجتمع والرفع من شأن المرأة وذلك لمعرفة الأوضاع التي كانت سائدة في ذلك العصر، والإحاطة بالفكر الذي كان يسود الساحة الرجالية، ونتناول في هذا السياق شخصية رفاعة الطهطاوي، وقد قام الطهطاوي بدور بارز في استنهاض الهمم، ليتكاتف الناس وينهضوا لإعطاء المرأة حقوقها وتعليمها وواجباتها بطريقته الخاصة، وضمن حدود أفكاره وآرائه.

وقد هاجم الطهطاوي من يدعون بأنها ناقصة العقل، وبأن الله لم يخلق النساء، كالرجال، وإنما خلقت للبيت، وحفظ النسل، ورد عليهم بقوله المرأة في كتابه تخليص الإبريز" بأن مثل هذه الأقوال لا تفيد أن جميع النساء على هذه الصفات الذميمة، ولا تنطبق علي جميع النساء.

لقد كان الطهطاوي رائدا في نصرة المرأة، وبضرورة تعليمها ؛ حيث قال:" ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات، والصبيان معاً، لحسن معاشرة الأزواج، فتتعلم البنات: القراءة والكتابة، والحساب، ونحو ذلك، لإإن هذا مما يزيدهن أدباً وعقلاً ويجعلهن بالمعارف أهلاً".

ويعترض الطهطاوي على الذين يقولون بأن هناك أحاديث نبوية نهت عن تعليم المرأة، فذكر أن هذه الأحاديث مزعومة في روايتها عن رسول الله – صلي الله عليه وسلم، وشكك في صحتها، من خلال اهتماده علي أزواج النبي صلي الله عليه وسلم، كان منهن من تقرأ وتكتب، والرسول صلي الله عليه وسلم حث علي العلم . فهم ينسبون إلي الدين ما يعارض مبدائ الدين الإسلامي، الذي يرفع من شأن العلم والعلماء.

ولم يقف اهتمام رفاعة الطهطاوي علي الاهتمام بقضية المرأة في كتابه تخليص الإبريز"، بل نراه يهتم بها في كل مؤلفاته الأخرى، ففي كتابه "المرشد الأمين":"المرأة.. (مثل الرجل) سواء بسواء، أعضاؤها كأعضائه، وحاجتها كحاجته، وحواسها الظاهرة والباطنة كحواسه، وصفاتها كصفاته، حتى كادت أن تنتظم الأنثى في سلك الرجل!... فإذا أمعن العاقل النظر الدقيق في هيئة الرجل والمرأة، في أي وجه كان من الوجوه، وفي أي نسبة من النسب، لم يجد إلا فرقا يسيرا يظهر في الذكورة والأنوثة وما يتعلق بهما، فالذكورة والأنوثة هما موضع التباين والتضاد"..

وقد دافع الطهطاوي عن المرأة وفند اتهـام البعض لها بالمكر والدهاء ورفض النظر لها "كوعاء يصون مادة النسل" وناقش الأحاديث المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم بالنهي عن تعليمها فقال: "كيف ذلك، وقد كان في أزواجه-  صلى الله عليه وسلم، من تكتب وتقوأ كصفحة بنت عمر، وعائشة بنت أبي بكر، وغيرهما من نساء كل زمن من الأزمان؟ ولم يُعهد أن عددا كبيرا من النساء ابتذلن بسبب آدابهن ومعارفهن، على أن كثيرا من الرجال أضلهم- التوغل في المعارف"، ثم ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من "الشفاء" التي كانت تعلم النساء. فى عهده: "علمي حفصة رقية النمل، كما علمتها الكتابة .

لم يكتف الطهطاوي بذلك، بل اتهم أعداء المرأة بالجاهلية "وليس مرجع التشديد في حرمان البنات من الكتابة إلا التعالي في "الغيرة" عليهن من إبراز محمود صفاتهن، أيا ما كانت، في ميدان الرجال تبعا للعوائد المحلية المشوية بجمعية جاهلية (أي بمجتمع جاهلي!)- ولوجوب خلاف هذه العادة لصحت التجربة...!".

وأكد الطهطاوي على أهمية تعليم الفتاة، وحسن تربيتها، فقال:" آدب المرأة ومعارفها تؤثر كثيراً في أخلاق أولادها، إذ إن البنت الصغيرة متى رأت أمها مقبلة على مطالعة الكتب، وضبط أمور البيت، والاشتغال بتربية أولادها جذبتها الغيرة إلى أن تكون مثل أمها، بخلاف ما إذا رأت أمها مقبلة علي مجرد الزينة والتبرج، وإضاعة الوقت بندر الكلام، والزيارات غير اللائقة، حيث تتصور البنت من الصغر أن جميع النساء كذلك، فتألف ذلك في صغرها، فشتان ما بين هذه، وبين من تعتمد على معارفها وآدابها، وتفعل ما فيه إرضاء بعلها، وتربية أولادها لأنها نشأت على ذلك .

ويري الطهطاوي بأن الآداب للمرأة يحسنها، لأن في النساء الرقة والمحاسن، فبالأدب تصبح جميلة حساً ومعني، وأكد على أن من واجب ولي الأمر تعليم البنات ما يليق بهن من القراءة، وأمور المعارف، مثل إذارة المنزل، والحساب، وتعليمها الأخلاق، والآداب، وحسن السلوك لهن ... ونكتفي بهذا القدر وللحديث بقية في الأيام المقبلة.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............................

1- الطهطاوي، رفاعة رافع: تخليص الإبريز في تلخيص باريس، وزارة الثقافة والإرشاد، القاهرة، 1905.

2- ــــــــــــ: المرشد الأمين للبنات والبنين، مطبعة المدارس الملكية، القاهرة، 1872.

3- ــــــــــــــ: مناهج الألباب المصرية في مباهج الأداب العصرية، مكتبة النهضة، القاهرة، 1911.

4- محمد حسين جابر جوابرة وآخرون: الفكر التربوي عند رفاعة الطهطاوي بدوي رافع الطهطاوي: دراسة تحليلية، رسالة ماجستير غير منشورة، اجلامعة الأردنية، 2002.

5- إقبال بركة: رفاعة رافع .. الطهطاوي ونظرة قديمة جديدة إلي المرأة.. مقال..

 

2626 عبد الجبار الرفاعي وماجد الغرباويماهية الدين وعلاقته بالمعنى الوجودي للإنسان، لا تزال أشكل الإشكالات في تفاصيل حركة الحياة الإنسانية، هذا المبحث الشائك والمتشابك والعميق عمق تاريخ الدين في مسيرة البشرية يعد صنو إشكال ماهية المعنى الإنساني في حياة البشر، وفي حقل الأبحاث الفلسفية المعاصرة في الجغرافيا العربية والإسلامية هناك مشروع نقدي جدي وتجديدي مثير للنباهة ومحرك للوعي الحضاري لدى الإنسان العربي والمسلم بدوره ورسالته الوجودية كإنسان وعلى ضوء القيم الدينية السابحة في غمار حياته التاريخية وخياراته الثقافية، هذا المشروع الذي يعود لأربعة عقود من الزمن الثقافي العربي والإسلامي التنويري، لا يكاد يتوقف عن رفد العقل العربي والمسلم بمصابيح الوعي وأدوات التجديد، لأنه مشروع خارج إطار الأنا الضيقة، بل هي تجارب نقدية متعددة ومتنوعة تلتقي في بعض المسارات وتختلف في أخرى لكنها تعكس ثقافة وعي راسخة تقرأ الدين من خلال قراءة معنى إنسانية الإنسان دون الاستغراق في التراث وأدلجته وبعيدا عن الإغتراب في التعبير والتطبيق للعقلانية والمعنوية على ضوء فلسفة الدين المعاصرة، إنها نخبة نالت قسطا وفيرا من التجارب الفكرية والنقدية والمقاربات الثقافية التطبيقية عبر سنين من التساؤلات الجوهرية النابعة من المسؤولية الإنسانية تجاه فهم الدين ومقاصده على وجه الخصوص، كما أنها استطاعت أن تبعث خطابا ثقافيا ميزته الأساسية أنه فوق الطائفية وبلغة علمية رصينة، يجعل القارئ يستشعر جدوائية الخطاب الإنساني في ترسيخ الوعي القيمي والكرامة الإنسانية وتفعيل الحرية الفكرية..

2626 عبد الجبار الرفاعي وماجد الغرباوي

نسلط الضوء بعجالة في هذه السطور على قامتين من قامات الفكر التجديدي المعاصر ضمن الحقل الثقافي النقدي الإسلامي المسؤول، الأستاذ المفكر الأستاذ ماجد الغرباوي والأستاذ المفكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وكلاهما من العراق بلاد الرافدين والثقافة العربية والإسلامية الأصيلة عبر جميع محطات الزمن الإسلامي، حيث المطلع على نتاج كلا المفكرين يلحظ عدة ملاحظات منها:

1- تأسيس الفعل النقدي على أدوات ومناهج دقيقة ومنتجة للوعي الجمعي بعيدا عن المجاملات والمواربات..

2- ضبط المفاهيم من خلال إثارة الإشكالات من أجل رفع الغموض عن المشكلات الحقيقية لواقع الإنسان والأمة وليس اشتغال فكري نظري يزيد الواقع تيها واغترابا عن الرسالة الحقيقة للإنسان والأمة..

3- تأكيد النقاش العلمي والفعل النقدي بعيدا عن نظرية المؤامرة وترسيخ قيم الإنسانية في تفكيك الأزمات الثقافية والحضارية التاريخية بعيدا عن لغة التسقيط والتسفيه وما هنالك مما يتنافى ومقاصد التطلع الإنساني للحضارة والسلام والرقي ناهيك عن الأدب الإسلامي في المجادلة العلمية ..

4-  الإنفتاح الفكري على الثقافة الإنسانية من خلال القراءات العميقة والمعرفة الدقيقة لخلفيات الأفكار والنظريات وتاريخ العلوم ومناشئ الفلسفات وتبلور المدارس الفكرية في الغرب والشرق..

5- التحرر من تأثيرات الأيديولوجية بشجاعة وثقة عبر التأكيد على النزعة الإنسانية في مقاربات القضايا والإشكالات والمشكلات والأزمات والتطلعات..

6- رسم معالم إنسانية مقاصد الدين الإسلامي من خلال مقاربة آفاق الآيات القرآنية والارتكاز عليها في تأصيل دور العقل في استعادة الوعي بضرورات التجديد في فهم العلاقة بين الإنسان والدين من خلال تفكيك جدليات الواقع والتاريخ..

7- رسوخ القيم في تناول المسائل والمشاكل وتخليص حقيقة الدين والمقدس من متاهات النفس والتاريخ وسمسارة الأيديولوجية والمصالح..

8- تطابق الحس الأخلاقي مع الفعل الثقافي فلا يمكنك أن تقرأ عن الأخلاق والقيم لدى كليهما دون أن تلمس ذلك المعنى في تفاصيل حياتهما، التسامح أو التواضع والصدق والنزاهة والعفو والإخلاص كلها حاضرة في سيرة المفكرين لكل من عرفهما عز المعرفة، فالتسامح والتواضع عند الأستاذ ماجد ليس لقلقة لسان أو تنظير في فضاء الفكر وإنما حقيقة حية تعكس دقة الرؤية وصدق التحليل وعمق المعرفة، ونفس الحال عند الأستاذ عبد الجبار، كل منهما يأسرك بأخلاقه العملية الإنسانية الرائعة في تعاملهما مع الأفكار والأشخاص والأحداث..

9- استطاعا بكل اقتدار أن ينتقلا بمفاهيم ذات علاقة بالدين من خطاب المؤسسات الدينية إلى لغة التداول الأكاديمي عبر عمليات النقد والتفكيك، مما جعل الموضوع الفلسفي الديني الإسلامي عموما في أعمالهما يتجاوز المعوقات التاريخية والخلل المنهجي والأحكام المسبقة..

10- تجربة كل من الأستاذين الغرباوي والرفاعي تعكس صور وتمثلات المثقف المسؤول وترسم نهج تجاوز أدلجة الدين للعبور نحو إنسانية الدين للنهوض بوعي التجديد والمسؤولية لدى الفرد والأمة 

كانت هذه بعض الملاحظات العابرة من خلال قراءاتي المستمرة منذ عقود لنتاج المفكرين الرفاعي والغرباوي ، ولعلها تنطبق على مفكرين آخرين عبر العالم العربي والإسلامي، بينما الأكيد أن آخر نتاجاتهما كانت ذات أثر بليغ واستشراف عميق لما يجب أن تكون عليه العملية النقدية في المدى القريب والمتوسط خصوصا في سلسلة متاهات الحقيقة بالنسبة للأستاذ ماجد الغرباوي وثنائيات الدين الخاصة بالأستاذ عبد الجبار الرفاعي، وأهم ما يمكن الإشارة إليه في هذا الخصوص أن للأخلاق والقيم حضور قوي وبين في جل أعمال المفكرين ليس كسمة أنطولوجية وإنما كقاعدة أساسية للأجيال على أن قراءة الدين بعيدا عن المعنى الأخلاقي ضمن إنسانية الإنسان هي قراءة ناقصة وقد تكون ذات آثار وخيمة، وهذا ما عبر عنه كلاهما في علاقة الدين بالأخلاق في آخر حلقات الحوار المفتوح مع الأستاذ الغرباوي المستمر ضمن سلسلة متاهات الحقيقة وفي جديد إصدارات الدكتور الرفاعي الذي سيرى النور قريبا حول الدين والكرامة الإنسانية..

ما يمكن استخلاصه من هذه الإطلالة الخاطفة على سمات فكرين يتقاطعان أكثر مما يفترقان أنهما يشتغلان بحب وصدق وإخلاص من أجل صناعة الوعي السليم وتفعيل الحركة التجديدية في إعادة قراءة وفهم الدين ونصوصه دون التغافل أو إهمال إنسانية الإنسان وضمانا لحريته وكرامته ونهوضا بمسؤوليته الحضارية فردا وأمة..

كل الشكر للأستاذين المفكرين رائدي التجديد المعاصر على الفكر الحر والرؤية الثاقبة والتطلع المسؤول والمنهج الرصين في النقد والتحليل والهندسة لآفاق التجديد والتمكين للنهوض الحضاري في عالمنا العربي والإسلامي، ونأمل أن يزداد الاشتغال الأكاديمي النقدي والتحليلي لأعمالهما لدى الباحثين الأكاديميين من طنجة إلى جاكرتا لأن معنى الحقيقة وحقيقة المعنى لدى كلاهما بحاجة لإستثمار معرفي أولا ومنهجي عملي ثانيا ضمن ما يمكن تسميته أنسنة الوعي الديني حتى يلبس الدين لبس الفرو مقلوبا.. ويبقى معامل الوعي الإنساني أساس التغيير والإصلاح والتجديد والنهضة..

 

مراد غريبي - كاتب وباحث في الفكر

 

حاتم السرويلم تعد الرغبة في الإصلاح الديني الآن موضعًا للشك والخلاف؛ فجميعنا نطالب بإصلاح بنيوي للفكر الديني بناءً على فهمٍ سليم لجوهر التعاليم الإسلامية وروح الشريعة ومعرفة مقاصدها، ولأننا جربنا الاستماع كثيرًا إلى الخطاب المتشنج غير المنطقي والمغرق في الإرهاب الفكري ونبذ الآخر، والقائم على المنع والكبت والوقوف عند ظواهر النصوص ومنع التفكير مطلقًا بحجة أن العقل لا دخل له في الدين، مع أن غير العاقل لا يًخَاطب بنصوص الكتاب والسنة ويخرج عن دائرة التكليف، لأننا جربنا كل ذلك وكانت النتيجة هزيمة حضارية كبرى؛ فلماذا لا نجرب النهج الحداثي المبني على استيعاب التراث العقلي عند المسلمين، والذي دعا إليه المصلح الثائر جمال الدين الأفغاني، وتلميذه الحكيم الأستاذ الإمام محمد عبده.

وقبل الشروع في الحديث عن دور المصلح الفيلسوف جمال الدين الأفغاني وتلميذه الإمام محمد عبده، تجدر الإشارة إلى أن الكاتب لا يأخذ آراءهما كلها بمأخذ الإيمان المطلق، إذ تقوم دعوتهما على إعمال الفكر واحترام الشخصية الباحثة المستقلة، وقد خالف الإمام محمد عبده بعض تلاميذه النجباء ولم يروا في ذلك حرجًا، وما يهمنا الآن من تراث محمد عبده وأستاذه الأفغاني هو تلك النهضة التي كان لهما فضل ابتعاثها، وهذه الروح الإصلاحية التي ساهمت ولا شك في إعمار دنيانا وحفظت علينا ديننا أيضًا.

ولا نبالغ إذا قلنا أن عقلية جمال الدين الأفغاني كانت في مستوى عقليات الفارابي وابن سينا وابن رشد، فقد امتاز بالحكمة "ومن يؤت الحكمة فقد أوتيَ خيرًا كثيرا" وهو لم يكتفِ بحكمته لنفسه؛ وإنما بعزيمته الماضية وروحه الطيبة ورغبته الصادقة في إصلاح أمته، رأيناه ينهض لبث أفكاره الإصلاحية في بلاده أولاً..هناك حيث أفغانستان البعيدة بطبيعتها الجبلية الوعرة، ثم حاول أن يقدم أفكاره النهضوية في إيران التي كان يجيد لغتها الفارسية، على أنه لم يجد يدًا تحنو عليه ولا أذنًا تصغي إليه ولا عقلاً يفكر في عباراته إلا في مصر، التي اهتمت نخبتها بأفكار الأفغاني وجعلتها موضعًا للتنفيذ.

 وقد نجح الأفغاني بفضل المشروع الحداثي الشامل والذي كان يجري العمل به في مصر حينذاك، فلم تكن الشعارات التي رفعها ذلك المصلح غريبةً على مسامع النخبة المثقفة لدينا في سبعينيات القرن التاسع عشر، لكنها الآن تعد غريبةً على مسامع الجامدين الذين علا صوتهم وانتشر خطابهم المدمر، وهذا لعمري من عجائب الكنانة، فنحن الأمة الوحيدة التي كان ماضيها أكثر تقدمًا من حاضرها!.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: بماذا تميز الأفغاني ليصبح محل احترام النخبة المثقفة في مصر وموضع تقديرها؟ والإجابة أنه تميز بعلمه الغزير، وموسوعيته المدهشة، وأنه كان ذكيًا بل عبقرياً، فقد أعمل ذهنه فيما تعلمه، واستطاع أن يبلور أفكاره الإصلاحية الطموحة من خلال سيل المعلومات والمعارف التي لديه.. وقد كان له مجلس أدبي ضم كثيرًا من رموز الحداثة المصرية، والذين كان لهم الفضل في بناء المؤسسات العلمية التي لا تزال قائمةً حتى الآن، وبفضلهم عرفت مصر واقعًا ثقافيًا مختلفًا ومثمرًا، ومن مجلسه الأدبي هذا تخرج ذلك العالم الأزهري الذي نفخ روح الحداثة في الجامع العريق، وأعني به الإمام محمد عبده.

لقد سيطرت شخصية الأفغاني على قلب وروح محمد عبده، فقد كان طلق اللسان، فصيحًا بليغًا، ولحديثه حلاوة تعجب السامعين، وكان يجيد الفارسية والتركية والعربية الفصحى، ثم تعلم الفرنسية فأجادها أيضًا، بل إنه كان يعرف بعض العبارات من اللغة الروسية، وبفضل تشجيعه تعلم الإمام محمد عبده اللغة الفرنسية، كما شجعه كذلك على الاهتمام بالعلوم العقلية عند المسلمين وإحياء المصنفات العربية القديمة في مجال الفلسفة، ومن هنا رأينا محمد عبده يضع حاشيةً على شرح الدُوَاني للعقائد العَضُدِيَّة، ومن هذه الحاشية عرفنا براعة الإمام رحمه الله في علم الكلام والإلهيات، وقد خرجت هذه الحاشية للنور عام 1875م وكانت انعكاسًا لآراء جمال الدين الأفغاني ودعوته إلى عودة الاهتمام بالفلسفة العربية والتصوف.

 ومصطلح التصوف هنا يعني تلك الفلسفة الروحية وعلم الأخلاق الذي قدمه كبار حكماء المسلمين، إنه الميراث الراقي الذي وجدناه عند ذي النون المصري والحارث المحاسبي وسهل التستري والجنيد البغدادي والسري السقطي ورابعة العدوية وأبي عبد الرحمن السُّلَمي وأبي القاسم القشيري وأبي طالب المكي؛ أما التصوف الطرقي الذي نعرفه الآن فقد كان موضع انتقاد واضح من السيد جمال الدين، ولم يتوانَ تلميذه محمد عبده في الهجوم على الطرق وما أشاعته من خرافات وما أحدثته من بدع؛ ولهذا كان محمد عبده ولا يزال محل نقمة وكراهية أبناء الطرق بشيوخها ومريديها، وقد سمعت بأذني أحد أبناء الطريقة العزمية يصفه بأنه كان عميلاً للإنجليز وصنيعةً للاستعمار؛ مع أن الإمام كان قد تصوف بمطلع شبابه ولم يترك المنهج الصوفي حتى مات، لكنه بعد أن خلع نفسه من الطرق التي اتصل بها في بداياته، عاد إلى روح التصوف وأخلاقه العالية وحكمته التي مثلت للشيخ معينًا للرؤية الحكيمة المستنيرة، والروح الثائرة على الفساد والجهل.

وقد كان الإمام ولا يزال محل هجوم من الشيوخ التقليديين، وذلك أنه دعا لفتح أبواب الاجتهاد وعدم الاقتصار في تلقي العلم وإصدار الفتوى على مذهب واحد، فالحق لا يقتصر على مذهب دون آخر؛ بل إنه لا يقتصر على المذاهب الأربعة وحدها، فقد يوجد عند الظاهرية على سبيل المثال، كما أن الإمام رغم تعلمه في الأزهر خالف الأشاعرة في بعض ما ذهبوا إليه.

 وبعض الباحثين أو أغلبهم يحلو لهم القول بأن الإمام كان من المعتزلة؛ غير أنني مع البحث والتدقيق وجدت أن الإمام  لم يكن مع أولئك ولا هؤلاء كما قال عن نفسه؛ ولا يمكن حسبانه معتزليًّا أو أشعريًّا مجددًا كما كنت اعتقدت في السابق؛ فقد طرح عن نفسه روح التقليد وعصبية الانتماء للفرق، وأخذ من كل فريق ما يعتقد أن الدليل يدعمه ويقويه، وبهذا كانت للإمام الريادة والأسبقية في الدعوة إلى علم كلام جديد، وهي الدعوة التي شرع في تطبيقها على نحوٍ عملي حين كتب رسالته في التوحيد، والتي هي حاصل جمع دروس  كان يلقيها للطلبة في بيروت التي كان منفيًّا إليها، وفي الرسالة نرى أسلوبًا مختلفًا في الكتابة العلمية الدينية، وهو أسلوب بليغ وفي الوقت نفسه يمكن فهمه بسهولة، حيث يخلو من المعضلات، ويتحدث في المسألة بوضوح ومباشرة ودونما حشوٍ أوغموض،  ونرى فيها قضايا حديثة لم تكن تخطر على بال العلماء التقليديين، وحتى الآن رغم هجمات الإلحاد الشرسة لم تخطر على هذا البال! كما ترجم الإمام رسالة أستاذه الأفغاني في الرد على الدهريين من الفارسية التي كان يجيدها إلى العربية، وفيها تكريس واضح لمبدأ العقلانية في فهم العقائد الإسلامية والرد على خصومها من الملحدين.

ويمكن القول أن أفضل ما في الإمام محمد عبده هو شخصيته التي جمعت بين النزعة العملية والروح المثالية، وهو جمعٌ نغبطه عليه، لأن أغلب الناس لا يوفقون إلى هذه الخلطة الساحرة، ولقد كانت له نظرة عامة شاملة وعميقة، وقدرة على تشخيص أمراض الأمة مع وضع العلاجات المناسبة، ولهذا نراه يدعو إلى إصلاح اجتماعي شامل ومتعدد الأبعاد، ويأخذ بعض خصومه إهماله للسياسة وعدم مقاومته المباشرة للاستعمار الإنجليزي، والسبب في ذلك هو إيمانه بعدم قدرة البلاد في ذلك الوقت على مواجهة دولة كبرى لها أدوات سيطرة كبيرة وهائلة، وأدرك محمد عبده أن الذي تنبغي مقاومته قبل الاستعمار هو قابليتنا للاستعمار، فالشعب الواعي الذي يمتلك أبناؤه تعليمًا جيدًا وهمة عالية وقدرة على التعاون والإنجاز، هو شعب غير قابل للخضوع ولا للسيطرة، أما الشعب الذي يفشو فيه الجهل والخنوع والثرثرة والأنانية فهو شعب قابل للإبادة وليس للاستعمار فقط.

وقد عمل الإمام على إصلاح التعليم وحاول ذلك مرارًا في الأزهر الشريف، ولاقى عنتًا من شيوخه لدرجة أنه أحضر معه عصا، حتى إذا جاء الشيخ عليش يُشَغِّب عليه في درسه كعادته رفعها أمامه عَلَّهُ ينصرف! وعندما أنشئت دار العلوم في عهد الخديوي إسماعيل كان في طليعة أساتذتها، وكانت مدرسة عصرية تسير على منهج الحداثة في طرائقها التعليمية وتجمع بين علوم الدين واللغة والعلوم الطبيعية والجغرافيا والفلك، ونظرًا لأفكاره الحداثية التي بعثت القلق في نفس الحكام تم إبعاده عن دار العلوم والتدريس فيها، وأُسْنِدَت إليه رئاسة تحرير "الوقائع المصرية" فلم تكن حكومة الخديوي مؤهلة لتقبل أفكار محمد عبده الجريئة، وظنوا أنهم بنفيه إلى الوقائع المصرية سوف يستريحون من صوته الثائر، فعاندهم أكثر وحوَّل الصحيفة إلى منبر للإصلاح الاجتماعي بعد أن كانت منشورًا حكوميًا لا وزن له في عالم الفكر والإصلاح.

وعندما عُين الإمام قاضيًا في مدينة الزقازيق عمل على إصلاح القضاء بدوره، ولم يكتفِ بتحري العدالة في أحكامه بل كان يحكم أيضًا بروح القانون، وكانت أحكامه في الجملة فتاوى قانونية مثيرة للاهتمام وجديرة بالتعلم منها، ولَمَّا عُيَّنَ مفتيًا للديار المصرية في آخر ست سنوات من عمره القصير بحساب السنين والكبير بحجم الإنجازات، أصدر عدة فتاوى لا زالت حتى الآن موضع اهتمام من العلماء ودارسي الفقه الإسلامي، وفيها يظهر تمكنه العلمي وقوته في هذا المنصب الذي تشرف به، وكان محمد عبده أول مفتي للديار المصرية ولا يمكن لعاقل أن يشكك في قدراته العلمية التي أقر بها أعتى خصومه سواءً من الشيوخ التقليديين أو أتباع التيار السلفي الذين كالوا له مع الأسف العديد من الاتهامات.

وقد اتجه الإمام في أواخر عمره الذي لم يزد على 56 سنة إلى العمل الخيري وعمل على خدمة الفقراء واليتامى وأنشأ جمعية إسلامية للبر والصدقات، وبعد هذا الميراث الحافل من التعليم والكتابة والدعوة الإصلاحية والعمل الخيري، هل يمكن أيها السادة أن نسمح بإطلاق سهام التكفير على هذا الرجل الذي آمن بدينه وبلده حتى أنه لم يجد وقتًا ليهتم بنفسه، وساءت أحواله الصحية حتى مات شهيدًا بداءٍ في بطنه وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "شهداء أمتي خمس: المطعون والمبطون والحريق والغريق والهدم"..لقد كان محمد عبده أمة في رجل، ونحن الآن في أمس الحاجة إلى أمثال هذا العالم الذي كان آخر ما قاله من الدنيا:

ولست أبالي أن يقال محمدٌ أَبَلَّ.. أم اكتظت عليه المآتمُ

ولكنه دينٌ أردت صلاحًهُ.. أُحاذِرُ أن تقضي عليه العمائمُ

رحم الله الإمام البطل..مولانا محمد عبده...

 

حاتم السروي

 

سامي عبد العالإزاء عصر العولمة والتكنولوجيا واسعة النطاق والتأثير، تحدث ذات مرةٍ الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر عن "خطر اقتلاع الإنسان من الجذور". حيث يتعرض هذا الإنسان إلى الإلقاء في العراء مقذُوفاً به في وجه العواصف. وبالفعل (كما نرى الآن) لقد دُفع به إلى ساحة العالم جُملةً واحدةً دون إختيارٍ. فمنذ أنْ يستيقظ باكراً حتى يخلُد إلى الراحة لا يستطيع فتح نافذته نحو الأشياء اللصيقة بقدر ما تقتحمه رياح العولمة في كل مكان وزمان. تقتحم وجوده الحميم (عارضةً) إيّاه على قارعة الكون والتاريخ والحياة الرائجة.

وكلمة (العَرْض display) هنا كلمة مثقلة بكافة الحُمولات الثقافية:

1- فقد تعني الإنكشاف ونزع الخصوصية: فالعالم ليس قريةً واحدةً كما يُشاع، بل هو أضيق من ذلك: إنه غرفة كونية غاصةٌ بالوجوه والأشكال والمودات والأقنعة. فما بالنا لا نتخيل هذ التراكم البشري إزاء بعضنا البعض، وأنّ ما يفصلنا ليست سوى النظرات المحملقة في الأشياء. حتى باتت الخصوصية من أحلام المثاليين لا الذين يعيشون في ثنايا الحياة الاعتيادية. والأنكى أننا عرفنا عاجلاً أن الخصوصية ليست إلاً وهماً كبيراً، لأن صورتنا حول أنفسنا أخذت تتشكل عبر هذه الحملقة التقنية المتواصلة. وهي الصورة الملوثة حتى النخاع بما لدى الآخرين بعد أن انكشفتَ أنتَ لهم في أدق التفاصيل.

2- وقد تعني الكلمة التسليع والتسوُق: فأنت مادة رائجة للعيون والرغبة في البيع والشراء. دوما لا تنسى هذه الأسواق التي تنتصب في كل مكان ولا تنتهي بمجرد الإطلالة الافتراضية عبر التقنيات وصولاً إلى الإطلالة القصيرة خارج منزلك. فما إن تخطو خطوات قليلات حتى تجد نفسك معلقاً في متجر أسمه (الفيس بوك) أو حانة تسمى بـ (التيك توك Tik Tok) أو ممتداً بكل شغف (منك ومن المتابع) على طاولة تويتر وقد خرجت أحشاؤك النفسية والفكرية والأيديولوجية.

3- وقد تدل كلمة العرض على الإلقاء عُرياً في العوالم الإفتراضية: وليس العُري بمعناه الاخلاقي عادة وإن كان متضمناً في المشهد، لكنه يعبر عن انعدام أية حماية ولا مناعة، وحتى الهواجس لم تسلم، فالفيس بوك لو تأخرت عنه قليلاً يباغتك بسؤال مباشر: أيا هذا.. ما الذي تفكر فيه الآن؟ ما الذي يشغلك حالاً؟ بماذا تشعر؟ هل تريد التواصل مع الآخرين؟

والعُري نوع من الاستدراج الذي يعول على جزءٍ أنت ترغب فيه وعلى جزء آخر لا تستطيع تجنبه. الجزء المرغوب هو الرغبة في الاستعراض، إغواء التجلي للآخر، القول بأنك هنا ويا حبذا لو كنت هناك أيضاً (عكس قانون عدم التناقض في المنطق: إما أنْ يكون أ موجوداً- هنا أو غير موجود- هناك) . والجزء الآخر أنك لن تكون ملْك نفسك من فورها. أنت خرجت بلا عوده لتُعرض كصورة حية هنالك حيث ترغب. وليس هذا فقط وإنما ستتناولها الأنامل والأبصار فضلاً عن كونها قد سكنت الذاكرة التي لا تمحى.

4- وقد تعني الكلمة الإفتضاح إلى حدَّ اللعنة: الافتضاح ذو أبعاد متعددة، وفي أحد أبعاده أنه لم تعد أحشاء المجتمعات واعماقها محجوبة عن النظر. هناك آلاف الأقمار والعيون الالكترونية والمجسات الفضائية التي تنزع الجلد عن العظم وتخلع الأغطية الثقافية الراهنة وصولاً إلى التراثات العميقة لبنية الواقع وحركته اليومية. وظهرت الصراعات والحروب جميعها كأنها عمليات جراحية مفتوحة في غرفة طبية عسكرية كبيرة، ووفوق ذلك يُجرى العمليات أناسٌ لا ينتمون إلى السياق ذاته بالضرورة. ولكن المؤكد أنهم يشكلون هيكل الجثة الممددة أمام الأنظار بحسب ما يريدون. ويؤكد ذلك على أن الفاعل الكوني جزء من تكوين الصور المحلية. وهذا هو الشيء المرعب في الأمر: أنك منزوع الحرية الذاتية وقد تلاعبت أيد أخرى بأخص ما تملك وما لا تملك.

5- وربما تعني كلمة العرض جعل الإنسان كياناً تافهاً: لأن الأيدي والعيون والمعارف والتقنيات التي تتناولك ليست لها حدود، كما أنها تضعك في سياق آخر يُخرج ما يريد إخراجه. وليس أقرب إلى ذلك من التفاهة ولاسيما مع ثقافة التسلية وأهدار الوقت وضعف القدرات وقلة الوعي وانعدام الإختلافات الثرية بين البشر. أن تكون تافها هو أن تدخل حلبة التسابق على الغث ولا تجد فوارق مميزة بينك وبين سواك. وهذا المحتوى هو التسطيح النافذ إلى قلب أعقد المشكلات وأكثرها أهمية. مثل التراشق بالألفاظ والمكايدات حول قضايا مهمة في حياة الشعوب واستعمال لغة التهريج والبهلوانية في شأن الحياة العامة. عندئذ فإنك إذا وجدت نفسك وسط بهلوانات، فلن تكون الحياة سوى سرك للإستعراض بطبيعة الحال، كل منهم يحصل ما يريد بابتياع تفاهاته الأثيرة لتافهين أمثاله حيث التسابق المحموم نحو الهاوية.

6- وقد تشير الكلمة إلى مضامين الاستعمال والتوظيف: وهو تحويل الإنسان من قيمة إلى خامة، ومن أساس إلى جاسوس، ومن إبداع إلى استنطاع ومن حقيقة إلى شيء زائف عليه الالتصاق بغيره. كل العولمة قائمة على هذه المعاني. تسلب إنسانية الإنسان وتلصق بدلاً عنها عنواناً هو يريده ويحبه. وبالتالي سيكون أداةً في أيدي غيره، أصبح مجرد ورقة نقدية خارج سياقها تُشترى بها المصالح وتنفذ بها الخطط وتعلَّق تحت أية شعارات عولمية.

وهنا يبدو أنَّ الأديان بظلالها السياسية قد خطت سريعاً كخيول جامحة نحو بعض تلك الأفكار. ذلك حينما خلعت جذور الإنسان من قاع التربة الاجتماعية والثقافية ملقيةً إياه في الخارج بعناوين: مملكة الرب أو دولة الخلافة أو الجهاد أو الصراعات الدينية، تركته وحيداً معلَّقاً من عرقوبه في فضاء مفتوح على مصراعيه يتأرجح باستمرار. وإذا كان التدين "اعتناقاً شخصياً " لما هو متعالٍّ ومقدس، فالمسئولية عن الإيمان لابد أن تُترجِم المعاني على سطح الأرض. ففي تاريخ الأديان كان ثمة (تكوير لا هوتي) لفكرة الأرض بعمومها في دوائر توضع تحت سلطة معينةٍ. إذ لا توجد ديانة متأخرة (وبخاصة المسيحية والاسلامية) إلاَّ وتنحت هذه (الكُرة الترابية) بين شعاراتها وأيقوناتها (مثل فكرتي: كثلكة العالم التي تعني العالمية واستاذية العالم عند الاسلام السياسي) .

كانت تلك الوضعية انحناءة تاريخية حاسمة لتدفق الهويات القاتلة نحو أية مواقع يحددها الإرهاب في أرجاء العالم. مثلما رأينا تجمُع واختلاط المجاهدين من كل حدب وصوب في أماكن الجهاد الديني عبر قارات العالم الست (افغانستان وليبيا والعراق واليمن وسوريا وألمانيا وفرنسا..) . وكأن الهويات أصُول حصرية تندفع لتحريك كائنات من جنس الاسلاميين (الاسلام) وفي السابق من جنس المُبشرين وأصحاب الارساليات اللاهوتية (المسيحية) . وقد وجدوا ترحيباً عولمياً بهم في أكثر بقاع العالم سخونة واضطراباً وصراعاً (لأنهم جزء من تكوين المشاهد السياسية المعولمة)، لدرجة أنَّ هؤلاء وألئك كانوا أكبر ممول لمشروعات الدول الكبرى ثقافةً وهيمنةً وتسلطاً وحروباً ونهباً لثروات الأمم. وفي غير حالةٍ، كانت هويتهم الدينية أداةً خفية لتحريك الجموع السائلة كالجراد المنتشر لإرباك الصورة. وتم الزج بهم في صراعات عرقية وسياسية فتتت دولاً شرقية كانت متماسكة في يوم من الأيام. ولعل هذه المسألة لا تنفصل عن بعضها البعض داخل أجواء الدين والعولمة (العراق وسوريا نموذجاً) .

بالأحرى نجحت العولمة في تسويق أصوليات دينيةٍ، حتى وإنْ بدت هذه الأصوليات تعادي بعض نقاطها ومنطلقاتها المركزية. وربما كان المقصُود ترويج العداوة بين الاثنين (الدين والعولمة) لاقتناص الفرص المتاحة بشكل مقلوبٍ. ومن ثمَّ، فإننا لو تصورنا كون العولمة تناقض معنى الخصوصية، فهذا محض خطأ فادح. فالعولمة لا يهمها على الإطلاق: ما إذا كانت ثمة هوية من عدمها، ولا يهمها كظاهرة كوكبية إلاَّ اعاد ة تدوير الرأسمال الرمزي والعيني داخل دوامات مصالح القوى الكبرى، سواء أكان الرأسمال شرقياً أم غربياً، أبيض أم أسود، ميتافيزيقياً أم أرضياً، توحيدياً أم وثنياً، ملائكياً أم شيطانياً. الأهم هو: كيف يمكن استثماره في تأكيد الأهداف والمارب وجنى الأرباح المادية ونهب الثروات بشكل نّهم.

ثمة نقطة التقاء راهن بين العولمة والدين السياسي. نقطة " الهوية المطاردَّة stalked identity " كفريسة بين أنياب هذين الوحشين الكبيرين. وهكذا ضاعت جذور الهويات بين شد وجذب وتقطيع ونزع وترقيع حتى تمزقت واهترأت ولم يبق منها غير آثار الحنين إلى الماضي. لكن الهوية (رغم ذلك) تصالحت مع العنف على المستوى ذاته، وكم زحزحت الإنسان عن موطنه الأرضي المحلي وعن جمجمته البشرية بالمثل. وبوضوح عام أضحت تلك الهوية (جثة خيالية) تتلاعب بها الجماعات والحركات الدينية والسياسات على نطاق أوسع. وفي هذا الشأن ستتعشق الأيديولوجيات الدينية مع العولمة وستخدم الواحدة منها الأخرى بقدر ما تستطيع، بل هناك تناغم شبه كوني بينهما. لا لشيءٍ إلاَّ لأنهما يلعبان اللعبة الواحدة نفسها حول خلخلة الهويات ونزعها من الجذور. بلغة الإقتصاد، هناك (تعويم مثل تعويم العملات المحلية) لكل هوية خاصةٍ بأصحابها، حين يرونها قدرةً على احداث (ثقب أسود) يمتص كل انفتاح حُر على العالم.

أولاً: أيديولوجيات الدين والعولمة تتبادل تأثيرات عنيفة تصنع صوراً وخطاباً حول الإنسان. فلئن كانت العولمة لا تستأذن الهويات، فأيديولوجيا الدين ترد بشكل أعنف لنزعها بالتكفير والإرهاب والتوظيف. إضافة إلى ذلك تعمم (تصنِّم) هوية واحدة كامنة في المعتقد خارج أسوار الدولة الوطنية. إنَّ الحس التسويقي التعبوي الاستثماري هو الرابط المشترك بين الطرفين (الدين والعولمة) . وإن كانت نتائج العولمة كارثية من جهة تسطيح الأرض، تسطيح قضاياها وامتدادها بلا أعماق لخصوصيات الثقافة، فأيديولوجيا الدين تُسطّح العقل والعاطفة والاعتقاد عن طريق الإيمان بأن (صورة الإله كما رسمتها هذه الجماعة أو تلك) هي الوطن الأول والأخير. ومن حينه بات هذا الانتماء يشترط خلع كل آفاق الإنسان الأخرى من التاريخ والجغرافيا. كما يجعل منه بمثابة الكائن الراكض الأبرز وراء (جماعته المؤمنة كما يعتقد) أينما حلَّت أو ضاعت بالمثل. لأنَّ الجماعات الدينية تضيع بالفعل في غابات العولمة، أي أنها تنخرط في مآربها ومخططاتها الإقتصادية السياسية دون أنْ تعي ماذا تفعل ولا أين موضع أقدامها، فتبدو كفرائس تقتل وتمتص الدماء لإطعام وحش أضخم وأكبر امتداداً هو قوى العولمة الشرسة.

وحالما ينخلع البشر من جذورهم وأصولهم، ينبغي توضيح ما هي صورة الإله. هكذا سيشرح الاسلام السياسي عبر كلِّ مراحله ما معنى الإله. لأنه يدرك قدرة تلك المقولة المقدسة في تدمير جميع الهويات الأخرى. ابو الأعلى المودودي على سبيل المثال ذكر ذلك في كتابه الشهير" المصطلحات الأربعة في القرآن: الإله والرب والعبادة والدين". وهو يحاول تقعيد المساحة الكبرى للإله من وجدان الاسلاميين ومشاعرهم كما يرسم ويعتقد. فليس ثمة (أي تكوين هوياتي) لا يمر بدلالة الإله حصرياً من وجهة نظره. وقد أكد على أن معنى الإله هو الأساس، معتبراً أن الانتماء الأول والنهائي لمفهوم (الله الإسلامي) الذي هو مطلق التوحيد والتوجُّه والجدير بالاخلاص في السر والممارسة. ولكن لم يره المودودي سوى مفهوم بحده الجهادي والاقصائي لجميع المفاهيم المختلفة عنه. فإما هو المفهوم الإسلامي الذي يجب أن يكون فوق كل المفاهيم في جميع الأديان، وإما فهو الكفر به.. لا خيار ثالث ولا توجد أية بدائل أخرى. ولئن كان هناك أناس أخرون يؤمنون بمفاهيم غير المفهوم الإسلامي للإله، فيجب محاربتهم طالما لم يخلصوا لصحيح الاعتقاد وحده.

من هنا أخذ سيد قطب المعنى ذاته والنتائج ذاتها في "كتابه معالم في الطريق" ليؤكد أنَّ "لا إله إلا الله" وحدها شهادة هوية كونية لحياة مكتملة، هي الوطن والأرض والسماء والجنة في الآخرة. شهادة لا تحتاج أي شيء سواها لكي تضمن اندماج المسلم داخلها إقامةً واعتقاداً وحرباً. وكانت الشهادة- امتداداً لهذا- بمثابة (الفيزا) التي تسمح للأفراد والجماعات الناطقين بها بالهجرة إلى الله وحده تاركين أوطانهم وثقافتهم وأدمغتهم. وبالفعل أخذ يشجع في كتاباته الأخرى ضرورة الهجرة إلى الجماعة المؤمنة التي تعتنق هذه الفكرة بملئ الكلمة. بينما المهاجرون (في الحقيقة على أرض الواقع) كانوا يهاجرون إلى الإخوان والقاعدة وداعش وجيش النصرة والسلفية الجهادية والوهابية المسلحة التي تتجاوز الحدود والدول. وستتواصل عمليات الهجرة طالما كانت الهوية قابلة للتمدد والتمطع في هيئة سلع دينية معولمة ضمن حروب قذرة أو غسيل أدمغة أو تجارة مرتزقة أو إدارة مصالح للدول الكبرى على الأرض.

ثانياً: أيديولوجيا الدين والعولمة يتعايشان لدى مناطق الحدود دائماً. ويمارسان أدوارهما السياسية بامتياز لاهوتي أدائي. وفي هذا الإطار غدت الهوية صناعة وتوليف. لأن كل مظاهر العولمة دعت الاسلاميين المؤدلجين للتعبير عن هويتهم بجميع السبل الممكنة. وحدثت المطاردة الاسطورية بين بعض الدول والإرهابيين بشكل جيو سياسي مع حركة العالم. ذلك أنه لم تكن هوية الاسلاميين منكفئة على ذاتها فقط، بل سمحت للاعتقاد بأن يلتهم غيره من اعتقادات مغايرة. حتى بواسطة الصراع الصريح معها. وكأن الاسلاميين هم الحاضر الغائب في كل مكان. ونتيجة التطور المذهل لمنتجات العولمة (الحروب والتقنيات والإتصالات) بات الناس يتوقعون وجودهم هنا أو هناك.

إن الحدث الارهابي (أي حدث كتفجيرات برجي التجارة بنيويورك مثلاً) لا يقف بمفرده. إنه يخطط لعولمة ما كانت لتأتِ بصورة سواه رغم عنفه الواضح. عندئذ سيكون الحدث تعبيراً عن حدود تتنازع البقاء حتى الرمق الأخير. وسيكون الصراع حول حدود داخلية بينه وبين العولمة وليست خارجية. فالعولمة توجد بخرائطها داخل خطط هؤلاء الارهابيين والعكس صحيح أيضاً. ومع هذا تتمايز فجأة الأشكال والأحداث وتكشف أبعاد الملاحقة داخلياً كذلك. من يلاحق من؟ رموز قوى العولمة أم رموز الإرهاب؟ أين حدودهما من حدود الآخر، أي أين الحدود خارج الآخر؟ يثار ذلك الاستفهام بفضل الهوية المتجاوزة، المتقاطعة التي يعبرون عنها في الموضع نفسه الذي تتنازعه العولمة.

وبالمناسبة هي أيضاً تلك الحدود التي تتخطى كل حدٍّ عبر الأقاليم السياسية التي اشتعلت فيها الحروب تسويقاً وصداماً واسثماراً (دول الشرق الأوسط الغنية بالنفط والثروات) . وفي هذا السياق فإن عبارة صمويل هنتنجتون " صراع الحضارات" قضية تحتاج إلى تفكيك ونقض، إن مجرد صياغتها تقتضي مساءلة جذرية من الداخل. لأن حضارة الرأسمالية هي الغالبة في الواقع. كما أن جميع الحدود التي تلعب فيها ليست خارجة عنها، بل لا يبدو أن ثمة خارجاً لها أصلاً. بالقطع عندما تتكلم حضارة رأسمالية مهيمنة عن الآخر، فإنها تلجأ إلى قانونها الخاص لنصب محاكمة تاريخية له لن تكون عادلة بحال. ولن يفلت أي آخر مهما يكن من حكم إعدامها المؤكد لسبب بسيط. مؤداه: أن كل آخر هو بالفعل يعيش في كنفها ولا يستطيع أن يرى نفسه إلاَّ عبر مرآتها. والتأثير الأبعد أن تلك الحضارة الرأسمالية تحدد نقائضه، حتى هواجسه وماذا يريد وما عساه أن يفعل. هي تمارس هذا الدور الاستعماري حتى وإن لم يكن الآخر يناصبها العداء المباشر.

ثالثاً: تقدم العولمة نماذجها المشوهة في زحزحة الهويات وتنويعها وتهجينها. وقد التقطها الاسلام السياسي (أي الهويات) كغنائم حرب افتراضية في الفضاء السبراني cyber space. ذلك عن طريق انتشار الايديولوجيات الدينية والخُطب والمذاهب وعودة المقدس إلى الواجهة الثقافية في العالم. لعل العولمة قد خدمت الأيديولوجيات الدينية حين أضفت طابع التفضية (إزاحة الكيان العضوي والخيالي) بحكم عدم ربط الإنسان بأصوله الثقافية. وبخاصة أن الدين السياسي يضع أتباعه باستمرار في مفترق طرق الاختيار بين معتقداته وبين سواها. وإذا نجح في خلخلة تلك النقطة سيكون للتيارات المتشددة عامل الحسم في جر الإنسان نحو التطرف والإرهاب. كم كان الاخوان قصيري النظر عندما دفعوا بهوياتهم المحلية نحو التنظيم الدولي، حيث تلقفتهم القوى الدولية لجعلهم حشواً لإقتصاد المؤامرات والحروب. وظل خطاب الإخوان يعمل على تعميق اللاهوية non- identityظانين أنهم يخدمون الاسلام بينما تتربص بهم تلك القوى وتستعملهم لأغراضها النوعية كما قلت. حتى بمجرد اعطائهم مساحة للحركة والنشاط عبر اراضي الدول الأوروبية، فهذا يجعل فكرة الهوية غير ذات موضوع خارج ذاتها.

وفي الإتجاه نفسه، يحافظ الاخوان على فكرة الولاء للجماعة باسم الدين. ويظل الاعضاء يمارسون تلك التراتيل اليومية جرياً وراء اقتلاع هوياتهم، وهم على ثقة (فيما يظنون) بأنهم يسايرون الاسلام في منطلقاته وغاياته. غير أنَّك مع الأحداث ستجدهم يفرون إلى الأوهام القاتلة خارج أوطانهم. لأنه لا توجد هوية متخيلة في تلك الدوائر المحكمة والمراقبة دوماً إلاَّ وتسير نحو التوظيف العولمي الاستعماري الأكبر. والأصل في المسألة أنه ما لم يكن الإنسان قادراً على الانفتاح الإنساني بلا حدود، سيكون مصيره البحث عن هوية بديلة وإن كانت مشوهة. والهوية بالنهاية سترتد إلى دجما جماعية أشبه باليوتوبيا المستحيلة. ولهذا كانت مشكلة الاخوان هي معنى الواقع ذاته.. كيف يفهمونه؟ ولماذا هو لا ينحو نحو ما يتوهمون وكما يرغبون؟

رابعاً: ترسيم وتخطيط المسافات آتٍ من اللامكان الذي تشجعه العولمة وكأننا أحرار بينما الأمر عكس ذلك. فالارهاب الديني لم يكد يختفي في موقع حتى يقفز بالظهور في مواقع تالية. حيث أنه نتيجة تصفية الهويات سيُحدث الفراغ الحاصل تصوراً ضبابياً ومشوشاً. إذن فكرة الهوية من تلك الجهة تتقمص الأفكار والوعود والآفاق وأخيلة الجماعات المصطفاة. فالخلافة الاسلامية هي هوية مؤجلة منذ الإسلام الأول حتى المستقبل لدرجة أنها أصبحت وعداً لعمل الجماعات الإسلامية. ولقد سقط في استعجالها الدواعش تحت قصف المدافع وتحت سيكن الذبح باسم الدين، فكان نموذج الخلافة كهوية هو هذا السفك المتواصل للدماء.

كانت دولة الخلافة بهذا المفهوم خريطة عولمية جديدة لحروب الهويات. لقد انضمت تحت لوائها فصائل الاسلاميين من شتى اصقاع الأرض، باحثين عن أصل تم الإيمان والوعد به. وإذ ذهبوا تاركين بلدانهم وهوياتهم الخاصة فقد ساروا إلى الهوية الجديدة بأدواتها وطرائقها في النظر إلى العالم والحياة. إنه معنى الجهاد الذي يقطع كل ارتباط بالواقع. وفي القرآن جاءت بعض العبارات التي تؤكد أنَّ " أرض الله " بها الوسع والسعة لهوية الإنسان. لكن ليس الاسناد هنا تلقائياً ولا مطلقاً كأن الأرض التي سيختارها المسلم فارغة من البشر. لأنه لا يوجد أي مكان غير سياسي بالمرة. وهو بنية الدولة الحديثة التي تلتئم حول اقليم وشعب ونفوذ اقليمي ودولي.

على وجه الإجمال ربما يظهر شكلياً التناقض بين اختلافات العولمة والنزوع المحافظ للدين. إلاَّ أن الدين يحقق الامتلاء الشاغر فيما وراء الوطنية بمعناها الحديث والمعاصر. لقد كانت تلك هي فكرة كون الاعتقاد وطناً رمزياً والتي تحدث عنها المودودي وأخذها سيد قطب. وبصرف النظر عن اتساع فهمهما للدين والإله وما إذا كانت هذه مفاهيم متعلقة بقضايا عقدية أم لا، غير أنها مفاهبم تعين النقطة الأضيق للهويات في أيديولوجيا سابحة عبر اللا أرض. وكان ذلك تحولا جوهرياً في مفاهيم الهوية وانماطها نحو العنف لا الانفتاح الإنساني المفترض. فإذا كانت الهوية تقليدياً هي مجموعة السمات الجوهرية الفاصلة لشعب ما والمانعة لضياع كيانه المعنوي والثقافي مع شعوب أخرى، فالأيديولوجيا الدينية تقطع هذا الجذر لصالح معان خارج الواقع لتعود وتحارب المعنى الأول. فهي لا تدعه وشأنه إنما تشتبك معه في كل مجال. حيث تؤسس لهوية مرتهنة بماهية الإله حصراً وما يسقطه من أخيلة تالية على تفاصيل الواقع.

خامساً: ليس ثمة تعارض على الإطلاق بين الإسلام السياسي والقوى العولمية، كما قد يتبادر إلى الإذهان نتيجة حروب القوى الدولية (أمريكا وروسيا وانجلترا وفرنسا) على الإرهاب، بل إن الجماعات الإرهابية هي الامتداد الطبيعي والمكمل للرأسمالية، إنها الإستثمار الحقيقي والسلع باهظة الثمن والتي تجلب الثروات الطائلة وتغذي الوحوش الكاسرة دولياً. وبالتالي فهذه الجماعات جزءٌ لا يتجزأ من العتاد الإقتصادي العابر للقارات. وأعضاؤها ومجاهدوها هم فاتحو أسواق السلاح والنهب والخدمات العولمية التي ستموت ما لم تكن هناك جماعات تحرك أسباب فتحها وشراء الأصول وحرق الممتلكات والتواجد على الأرض. ليست ثمة رأسمالية عولمية دون وجود إرهاب وأيديولوجيات ومذاهب وطقوس وشعائر تنظيمية تطعمها وتسقيها. وصحيح أن بعض منها أيديولوجيات مخلَّقة كما تخلق الفيروسات في المعامل السرية، غير أنَّ انتشارها وحقنها بالتضخم العولمي شيء له آلياته وطرائق عمله.

لكن اللافت أن الهوية العائمة (كما لدى الجماعات الدينية) كانت هي العملة النقدية الرائجة التي فتحت المضاربة العولمية واجترت كافة المجاهدين وغير المجهدين لدخول الجنة (تحت رايات الجهاد) رغم أنهم بالفعل في (جهنم العولمة) بامتياز، وإنْ كان الجهل فيما يبدو حجاب ثقيل الوطأة من حيث لا يدري المتوهمون.

اختصاراً، رغم أنَّ (الهوية بمعناها الصحي والثري) تنطوي على (اللا هوية مهما تكن)، إلاَّ أنه لايجب الإقرار بانحرافها نحو الفهم الديني الأيديولوجي تحديداً. إنما لا بد من تنوع الهويات مع اغراقها الفاعل في النسبي من التواريخ والثقافات والحيوات المتداخلة. ولهذا تنطوي كلُّ هوية على استحالة أن تكون كذلك هوية جامعة مانعة. شريطة أن يكون الانتماء اختلافاً وثراءً إنسانياً لا البحث عن مرجعية ثابتة أو قوى مهيمنة تنقلب إلى عنفٍ في أية لحظة من اللحظات.

 

د. سامي عبد العال

 

 

محمد عمارة تقي الدينواحدة من الجرائم الكبرى التي ترتكبها جماعات التشدد والعنف بحق الدين هي محاولة صبه في قالب أيديولوجي حديدي يستحيل معه أن يُفهم الدين إلا من خلاله، ومن ثم يتم تطويع كل عقائد الدين لتبرير هذه الأيديولوجيا، فنجد أنفسنا في نهاية الأمر أمام دين جديد مخالف تمامًا لدين التأسيس بل ومضاد ومعادٍ له في كثير من الأحوال.

بالطبع لا يمكن للإنسان أن يفكر من دون أيديولوجيا بل مجموعة من الأيديولوجيات المتقاطعة والمتفاعلة مع بعضها البعض والقابلة للتحديث والتطوير المستمر إذ من شأنها تمكينه من بلورة رؤية للذات وللعالم في آن، غير أن ما نقصده هنا هو الأيديولوجيات الحديدية المُغلقة والتي تكتسب طابعاً عنصرياً إقصائياً، والتي من شأنها خلق ما يسمى بالمناعة الأيديولوجية أي وضعك داخل سياج أو قفص حديدي من الأفكار يجعلك غير متقبل لأي أفكار جديدة أخرى باعتبار أن الأفكار القديمة كافية جداً، فالعقلية الأيديولوجية عقلية اختزالية تبسيطية تُحيل كافة القضايا لحل واحد سحري هو ما تطرحة أيديولوجيتها ومن ثم فكل الحلول الأخرى هي بالضرورة خاطئة.

وفي الأديان تقوم الأيديولوجيات ذات الديباجات الدينية بتوظيف مجمل العقائد الدينية لشرعنة أطروحاتها بشكل يقوض الدين من الداخل عبر العبث بمقاصده، إذ عندما يتحول الدين إلى أيديولوجيا حديدية مغلقة ومن ثم محاولة إجبار الجميع على العيش وفقًا لأولويات وأطروحات تلك الأيديولوجية، فإن الدين في تلك الحالة يفقد جوهر التراحم النائم داخل نسقه العقائدي، إذ يتم استدعاء نصوص دينية بعينها وإعادة تأويلها بشكل مجحف لتصبح بمثابة مبرر لعمليات فرض تلك الأيديولوجية وإنزالها على الواقع بشكل جبري وفق منهجية يتم من خلالها التضحية بالوسائل على مذبح الغايات، بقيم الأخلاق والعدالة والتراحم لصالح العنف والقتل والإبادة بحجة تحقيق غاية نهائية وفردوس أرضي في آخر الزمان.

وإذا كانت وظيفة الدين هي إنتاج المعنى، معنى لحياة الإنسان ولماذا هو موجود على ظهر هذا الكوكب، وبعبارة أخرى إذا ما كانت وظيفة الدين هي إنهاء التوتر القائم بين الإنسان وعالمه، فإن الأيديولوجيا تؤجج هذا التوتر وتحشده لمهمة مستحيلة غالبًا ما تبؤ بالفشل فيصيبه اليأس والإحباط، أو أنه يُسرف في العنف لأجل فرض أيديولوجيته تلك بالقوة على الجميع فيتحول بمرور الوقت لسلوك الغابة في عالم لن تحكمه في هذه الحالة إلا قاعدة البقاء للأقوى.

وفي حين أن كل الأديان في نبعها الصافي وإصدارها الأول تُحتِّم الإصغاء لمستجدات العصر ومتطلباته من هنا جاءت مرونة النصوص المقدسة وإحالتها لأكثر من قراءة، إلا أن الأيديولوجيا التي تعتنقها جماعات التشدد الديني دائمًا ما يكون لديها قراءة واحدة وحرفية وجامدة للنصوص الدينية ـ غالبًا ما تكون قراءة مؤسسيها التي تجاوزها الزمان ـ ومن ثم تسعى لفرضها على الجميع.

فاتباع أي جماعة دينية متشددة ذات رؤى أيديولوجية مغلقة ودون شعور منهم تجدهم وقد استندوا لفكر ونصوص الزعيم المؤسس أكثر من النص الديني ذاته، أو أنهم يقرءون النص الديني على ضوء أطروحات ذلك الزعيم المؤسس فيتم لىّ عنق النصوص المقدسة لتتفق وتلك الأطروحات، من هنا تحريف مقاصد الأديان.

وفي حين أن الدين وكما أفهمه من شأنه أن يجعل المستقبل أمرًا مفتوحًا على كافة الاحتمالات احترامًا لحرية الإنسان ودوره في صياغة عالمه إلا أن الأيديولوجيا تسعى دائمًا لمصادرة المستقبل ووضعه في مسار واحد فقط هو مسار تحقيق أهدافها ورؤيتها باعتبارها أمر حتمي.

وفي حين أن سنة الله في كونه هي الحركة، فكل شيء يتحرك وإلا كان مصيره الهلاك والدمار: إذا توقف الماء عن الجريان أثن، إذا كفت الكواكب عن الدوران تدَّمر الكون،إذا توقفت الدماء عن التدفق تجلطت، كذلك سنن التفكير والتجديد والاجتهاد وهكذا، في حين أن هذه هي سنة الله في كونه في مقابل كل هذا تجد الأيديولوجيا دائمًا ما تدعو للجمود والتحجر عند اجتهاد ما ولحظة تاريخية معينة فتذبل الحياة وتموت أو أن أطروحاتها تصبح غير مقبولة في عالم يتغير فيلجأ معتنقوها لفرضها بالقوة.

من هنا تنبثق نبتة العنف في رحم الواقع، والخطورة أنه بدلًا من أن يتم توجيه اللوم للفكر الأيديولوجي باعتباره مسببًا لهذا العنف نجد أصابع الاتهام وقد اتجهت نحو الدين ذاته، فما قتل الأديان سوى الأيديولوجيا ومحاولات صب النص الديني في قالبها الحديدي، من هنا يتحتم إعادة قراءة الدين قراءة جديدة قراءة تقوم على المعرفة والتفكير وليس الأيديولوجيا والتبرير.

إن خطورة التفكير الأيديولوجي تتمثل في أنه يسعى إلي تغيير العالم وفقًا لرؤيته هو ولا يكتفي بتفسير هذا العالم ومن ثم ترك الجموع تختار رؤيتها في التغيير بل يفرض تغييرًا معينًا ورؤية وحيدة لمستقبل العالم وفقًا لقناعاته.

وفي علم المنطق نجد تفسيراً لتلك الظاهرة، ظاهرة صب الدين في قالب أيديولوجي حديدي، وهو ما يسمى بمغالطة القولبة أو سرير بروكرست (procrustean bed)، وتعود تلك المغالطة لأسطورة قديمة تقول أن المجرم بروكروست (Procrustes) كان يأخذ ضحاياه ويضعهم على سريره الحديدي ومن ثم يقتلهم بقطع الأجزاء الزائدة من أجسادهم عن حجم السرير إذا كان حجمهم أكبر منه، أو بتمزيقهم عبر شدهم لأطراف السرير إذا كان حجمهم أصغر منه، وقد تم القبض عليه وحُكِم بالموت بنفس الطريقة عقابًا له، ومن ثم فتلك المغالطة تشير، وكما يذهب الدكتور عادل مصطفي في كتابه المغالطات المنطقية، إلى أي نزعة لفرض القوالب الفكرية الجاهزة عبر تأويل النصوص أو تلفيق البيانات لكي تنسجم قسرًا مع مخطط ذهني مسبق ونتيجة متعمدة يُراد الوصول إليها في نهاية الأمر.

ويطلق مصطفى على تلك المحاولة لأدلجة النصوص الدينية مسمى البروكرستية التأويلية والتي تتبدى في محاولتنا فرض رؤيتنا المسبقة على النصوص، أي أن نُحمِّل النص فوق ما يحتمل أو حتى عكس ما يحتمل ليتفق مع أيديولوجيتنا المسبقة.

كما أن واحدة من استراتيجيات إفساد الأيديولوجيات المغلقة للدين هي العبث بأولويات الأديان إذ تقوم بإعادة ترتيب تلك الأولويات بما يتفق وطرحها، عبر استدعاء بعض المعتقدات أو الفرائض الدينية الهامشية ومن ثم إعادة تموضعها كأولوية مركزية في الدين، بل هي كل الدين، ضاربة بمقاصد تلك الأديان عرض الحائط، أي الإتيان بقضايا من الهامش والقذف بها في المركز لتكتسب وضعًا جوهريًا في الدين وبمرور الوقت تبتلع هذا الدين وتلتهمه داخلها، ومن ثم نجد أنفسنا أمام دين مغاير تمامًا لدين التأسيس عبر إستراتيجية إعادة ترتيب أولوياته وإعادة موضعة العقائد داخله، فعلى سبيل المثال نجد جماعات العنف في اليهودية وقد اختزلت الدين اليهودي في عقيدة استيطان الأرض وبناء الهيكل، وجماعات العنف في المسيحية كجماعة المسيحية الصهيونية نجدها وقد اختزلت المسيحية في عقيدة الخلاص ونبوءات معارك آخر الزمان، أما في الإسلام فقد تمركزت أطروحات جماعات العنف على إقامة الخلافة بغض النظر عن بدائية ودموية الوسائل المؤدية إلى تلك الغاية.

ولكن ما العمل إزاء تلك المحاولات اللانهائية لأدلجة الأديان وتوظيفها سياسيًا ومصلحيًا؟

نعتقد بأنه أمر لا يمكن الفكاك منه من دون الخروج من أسر تلك الأيديولوجيات الحديدية والمغلقة وحتمية الانفتاح على كل الرؤى والأطروحات الحداثية عبر التأويل الإنساني والأخلاقي للنصوص المقدسة، ذلك التأويل الذي من شأنه أن يدشِّن لعلاقة جديدة بين النص وحيثيات الواقع ومعطياته دون الخضوع المطلق لإكراهاته علاقة تتأسس على المقاصد العليا للأديان وتنطلق منها.

وهو أمر من شأنه أن يفتح الباب واسعًا أمام إعادة تفسير وتأويل النصوص الدينية بإطار رؤية كلية شاملة، وبما يسمح بمراجعة التراث الديني البشري ونقده والتعاطي معه باعتباره منجزاً بشرياً محكومًا بمشروطية زمانية مكانية خاصة، والتوقف عن ما أسماه عبد الجبار الرفاعي ” الموقف الارتيابي المسكون بالتوجس من فتوحات واكتشافات عقل الآخر والكف عن فوبيا الخوف من كل ما هو جديد في العلوم والمعارف البشرية”.

والإيمان بأن محاولات صب الدين في أيديولوجيا معينة وإجبار العالم على قبولها باعتبارها الخير الوحيد في هذا العالم وبالتالي تصنيف ما عاداها باعتباره شر مطلق هو تصور من شأنه تغذية الصراعات والحروب في العالم، في حين أن الدين وكما أفهمه جاء لإفشاء السلام وإرساء قيم التسامح عبر تقليص تلك الصراعات لحدها الأدنى.

بل ويتحتم القبول بهذا العالم بكل اختلافاته وتنوعاته الفكرية والدينية والسياسية، فلا شك أن الميل إلى توحيد العالم في عقيدة واحدة أو قالب أيديولوجي واحد هو أمر من قبيل المستحيل وضد حركة التاريخ وسنن الله في كونه، وفي هذا الشأن يقول الشاعر الإغريقي هيزيودس: ” المنافسة هي صاحبة اليد البيضاء على الإنسانية، إنها شرط وجود الديانات والفنون والعلوم وكل ما يستحق أن يحظى بدراستنا وإعجابنا، لو كانت أشكال العبادة واحدة لدى جميع البشر لما بقي للدين أثر منذ أمد بعيد…وكما أن الراكضين في الحلبة يتجهون كل من موقعه الخاص نحو الحكم نفسه كذلك ندين كلنا على مرّ مراحل حياتنا إلى حكم واحد سيّد عادل تتعدد الطرق المؤدية إليه…فإن لم يكن بد من قول الحقيقة تجاسرنا على الجزم بأن تطابق الآراء هو حلم الأشخاص الجهلة، فالله نفسه يحظر تماثل العبادات بل يريد من كل فرد أن يعبده بطريقته “.

وبالمجمل فإن ما تتّبعه جماعات التشدد الديني من إستراتيجيات لإخضاع النص الديني الحر للأيديولوجيا ومحاولة صبه داخل قالب هذه الأيديولوجيا الحديدي هي الطغيان على النص، هي الطاغوت بعينه، هي نزاع الله في نصه المقدس، هي بالمجمل تقويض لهذا الدين من الداخل، وعليه يمكن القول أن هناك دين الأيديولوجيا (أي الكهنوت والانغلاق)، ودين الابستومولوجيا(أي المعرفة الحرة).

وفي التحليل الأخير فعلى الجميع وأنا واحد منهم أن نصرع ذئب الأيديولوجيا الرابض داخلنا، ألا نسجن عقلنا داخل أيديولوجيا فكرية أو سياسية أو دينية مغلقة نحاول تبريرها طوال الوقت لنجد أنفسنا في نهاية الأمر، إذا جاز لنا أن نستعير من ماكس فيبر، أسرى قفص حديدي من الأفكار المغلقة، بل علينا أن ننفتح على كافة الأفكار والاتجاهات ونقف على مسافة واحدة من الجميع ليتأسس وعي عام حقيقي يقوم على المعرفة والتفسير وليس الأيديولوجيا والتبرير.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

المُجتمعُ الحقيقيُّ لا يُؤَسِّس سُلطةً معرفية من أجل تَغييب العقول، والتلاعبِ بالمشاعر، واحتكارِ الوَعْي، وإنَّما يُؤَسِّسها بهدف تحريرِ التفكير من التقليد الأعمى، وصناعةِ طبيعة لغوية رمزية قادرة على حمل الأشواق الروحية والنزعات المادية . وكُل سُلطة معرفية فاعلة في ذاتها، وفَعَّالة للعناصر المُحيطة بها، لا بُد أن تتجذَّر في اللغة دَلالةً منطقية، ثُمَّ تترسَّخ في السُّلوك تجربةً عقلانية، ثُمَّ تتكرَّس في الواقع مُمَارَسَةً اجتماعية. وهذه الأطوار الثلاثة تُعيد تعريفَ المجتمع اعتمادًا على التوازن بين الدَّور الوظيفي (التطبيق العَمَلي) والغاية المنشودة (الحُلْم الجَمْعي). وتأصيلُ السُّلطة المعرفية في أعماق الواقع المُعاش، يَكشف الثغراتِ في النظام الشُّعوري للإنسان، ويُحدِّد الفجواتِ في علاقة المعرفة بالزمان والمكان. وهذا يُوضِّح أهميةَ السُّلطة المعرفية باعتبارها ظاهرةً ثقافيةً ونظامًا اجتماعيًّا قادرًا على كشف العُيوب بُغية تصحيحها. وكُل فِكْر إنساني يَمتلك حركةً تصحيحية ذاتية نابعة مِن كِيانه، وغَير مفروضة عليه من العناصر الخارجية، يُمثِّل فِكْرًا إبداعيًّا مُتحرِّرًا من الأوهام والضغوطات والمُسلَّمات الافتراضية، والمنظومةُ الفكرية الحُرَّة قادرة على تحرير العلاقاتِ الاجتماعية بين البشر، والعلاقاتِ المادية بين عناصر البيئة ومُكوِّنات الطبيعة. وحريةُ الكِيان (البُنية القائمة بذاتها والمَوجودة في مجالها الحيوي) شَرْط لتحرير الكَينونة (الوجود المُشتمل على الشعور والتفكير والعمل). ووَحْدَها الذات الحُرَّة قادرة على تحرير غَيْرها .

2

العلاقةُ بين السُّلطة المعرفية والعلاقات الاجتماعية تُحدِّد طبيعةَ الظواهر الثقافية، وتُكوِّن الدَّلالاتِ اللغوية الخاصَّة بسياقات المجتمع، وتبني أُسُسَ تأويل السلوك الإنساني، مِمَّا يَدفع باتجاه تطويرِ الفكر المعرفي، وربطِ البُنية العميقة في الفِعل الاجتماعي بالبُنية السطحية، وهذا يَمنع الصِّدامَ بين الذات والموضوع، ويُلغي احتماليةَ ظُهورَ التناقض والتعارض بين الشُّعور وامتداده في حَيِّز الزمان والمكان، ويَحفظ جوهرَ المعنى الوجودي من التَّشَظِّي بسبب ضَغط الأطراف على المركز . والإشكاليةُ الخطيرة التي تُواجِه مسارَ العلاقات بين الإنسان ومعاني الأشياء هي مُحاولة سيطرة الهامش على المَتْن، وهذا يستلزم اختراع صِرَاع بين اللفظ اللغوي والمعنى الاجتماعي، مِمَّا يُفْقِد اللغةَ طاقتها الرمزيةَ، ويُحوِّل العلاقاتِ بين البشر إلى تراكمات فوضوية في مجتمع الشظايا . لذلك، يجب إبعاد مفاهيم الصِّراع والصِّدام والفوضى عن الإنسان والمجتمع، لأن هذه المفاهيم تمنعَ عمليةَ البناء الاجتماعي على قاعدة إنسانية صُلبة، وكُل بناء لا يتأسَّس على قاعدة صُلبة، سينهار عاجلًا أَمْ آجِلًا .

3

قُوَّةُ التفاعل الاجتماعي تنبع مِن الأفكار المُنضبطة بالوَعْي، التي تَصنع مِن البُنى الشعورية الإنسانية منظومةً أخلاقية عَصِيَّة على التَّمَزُّق والتَّشَظِّي . وصياغةُ مفاهيم أخلاقية مُتماسكة ضِمن الإطار الاجتماعي العقلاني، تُمثِّل الضَّمانةَ الأكيدة لمنع تحوُّل السُّلطة المعرفية إلى ماهيَّة احتكارية، تُجرِّد الإنسانَ مِن إنسانيته، من أجل السيطرة عليه، والتَّحَكُّم بمساره، والهَيمنة على مصيره . ولن يتقدَّم المجتمعُ الإنساني إلا إذا تحوَّلت المعرفة الاجتماعية إلى لُغة رمزية تقتل الوَحْشَ داخل الإنسان بُغية إحيائه، ولا تَقتل الإنسانَ بُغية إحياء النَّزعة الاستهلاكية على أنقاضه.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

محمود محمد علييمثل المفكر الإيراني "علي شريعتي" أحد أبرز المفكرين الذين ساهموا في إثراء وتجديد العصر الحديث، وقد تأسس "فكر شريعتي" على مكافحة حال الجمود والاستبداد، وإعادة بعث الوعي الديني، وبناء الوعي في فكر "شريعتي" اعتمد على ما عرف بفكر المقاومة، والذي نشط كتيار سياسي في سبعينات القرن الماضي، ومع عودة ثقافة فكر المقاومة إلى الساحة الإسلامية، خاصة بعد ما عرف بالربيع العربي، كان من الضرورة عودة النظر في فكر المقاومة . وذلك لحاجة المجتمعات الإسلامية المعاصرة لعودة الوعي الديني مع الاحتراز من شعارات تسييس الدين. ويرى "شريعتي" في دعوته إلى عودة الوعي الديني، أن الدين حتى يكون فاعلاً في المجتمع فلابد من تحويله إلى أيديولوجيا، فكان ذلك مدخلا لدراسة مدى تأثير الوضع السياسي والحزبي على فكر "شريعتي" وتوظيفه للدين في غير حقله. (ولم يفارق الهم الايديولوجي رجل الايديولوجيا المعلم الدكتور شريعتي وبقي يؤكد: ان الذي أأمله وابحث عنه هو العودة الى الاسلام باعتباره « ايديولوجيا». وفي مقابل ذلك رفض شريعتي الاسلام المجرد من الايديولوجيا واعتبره تراكما ثقافيا وفكريا لكن بلا حياة ولا حيوية)1.

وهنا وجدنا الأستاذ الكبير ماجد الغرباوي يقدم لنا في القسم الثالت من  كتابه "الضد النوعي للاستبداد- استفهامات حول جدوي المشروع السياسي الديني" قراءة حديثة لمشروع علي شرعيتي التغييري، وذلك من خلال الاستفادة من فكره في كشف أسباب تخلف المجتمع الإيراني، مع التوقف عند دعوته أدلجة الدين، لنوضح أن الدين أرحب من الأيديولوجيا، وأن أدجلة الدين ننقله من حقلة الأساسي كمصدر للأخلاق والقيم؛ إلى الحقل السياسي الضيق.

وهنا نجد ماجد الغرباوي يقدم لنا قراءة منهجية لسوسيولوجيا علي شريعتي في التغيير، وذلك من خلال اعتماد نموذج إرشادي تحليلي مركب يقوم علي قراءة كتابات شريعتي النقدية، وبالتحديد مفهومي " التشيع العلوي" و" التشيع الصفوي" على اعتبار أن بلورته لهذين المفهومين هو بمثابة نقد لأيديولوجيا المجتمع الإيراني. وما يعنيه الغرباوي بنقد الأيديولوجيا هو تحليل وكشف للأفكار والمعتقدات من حيث ارتباطها بعلاقات السيطرة والهيمنة الاجتماعية، وممارسته لهذا النقد بروح ومنهجية تقارب منهجية " النقد الداخلي" كما تم تطويرها في النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت.

إن محاولة الغرباوي في أواخر كتابه " الضد نوعي للاستبداد" تقديم قراءة منهجية وجادة لنقد الأيديولوجيا – الداخلي عند شريعتي، تأخذ أهميتها الحقيقية المتمثلة بإهمال مثل الدراسة المنهجية لأعمال شريعتي، والتي يتم تناولها ضمن الأدبيات التي تعالج الثورة الإيرانية بشكل خاص، أو ظاهرة ما يسمي " الأصوليات الإسلامية المعاصرة"، حيث عادة ما تقدم هذه الأدبيات شريعتي بصفته المؤدلج الرئيس للثورة الإيرانية، أو المسؤول عن تحويل الإسلام (التشيع) إلي أيديولوجيا؛ وذلك بالرجوع إلي دوره في بلورة الإسلام – التشيع تحديداً إلي أيديولوجيا سياسية لعبت دوراً حاسماً في تحريك قطاع واسع من الجماهير الإيرانية، وتحديداً جيل الشباب، طلاب الجامعات والمثقفين الشباب.

2413 الضد النوعي للاستبداد

هذه الرؤية لشريعتي ودوره وإن كانت تحمل قدراً من الصواب، إلا أنها في نظر ماجد الغرباوي مجزأة، وخاصة بالنظر إلي الخلفية غير السوسيولوجية، وبالتحديد البعد النظري لكثير من هذه الدراسات التي عالجت تراث شريعتي برجل الدين؛ إذ نجد أن تراثه قد تسبغ كما يقول الغرباوي بنقود لاذعة لرجل الدين حتى كانت انتقاداته إحدى المآخذ القوية ضده، غير أن الموقف كما يذكر الغرباوي من شريعتي حول هذه النقطة بالذات موزع ما بين معارض متطرف، ومؤيد يبرر له فعله . ويضيف: (كان وما يزال الجدل محتدما حول الدكتور الشهيد علي شريعتي،  والاراء في تقييمه متاقطعة وربما متباينة تباينا تاما، ففيما ينتقده بعض بشدة ويصفه بالمروق والخيانة والخروج عن الدين، حتى لا يتورع بعضهم من رميه بالكفر، يمجده اخر ويرتفع به الى قمة العظمة. وقد مرت بعض التقيمات الايجابية لاهم رجال الثورة الاسلامية حوله. وهذا يكفي لمعرفة حجم التأثير الذي تركه شريعتي في مجتمعه، كما ان حجمم الجدل كان يتناسب بلا شك مع مستوى وعيه وحركته)2. أما لماذا ذلك فنجد الغرباوي يسوق لنا الأسباب التالية:

أولاَ: أن شريعتي كما يري الغرباوي كان يعي الدور الخطير ويدرك امتداداته الواسعة في المجتمع وتأثيره البالغ سلباً وايجاباً .

ثانياً: أن شريعتي يميز بين (الروحاني) عالم الدين الورع، المتقي، المجاهد، الواعي، والرسالي المناضل أو ما يطلق عليه علماء التشيع العلوي . وبين (الروحاني) رجل الدين المستبد المتحجر الخرافي الساكن المتكسب بالدين . يدعم السلطان ويشرعن ممارساته، ويتخذ من الدين حرفة ووسيلة ويفرض علي الأمة نمطاً من التفكير المغلق، أو ما يصطلح عليهم رجل الدين في التشيع الصفوي.. وبهذا الشكل كما يذكر الغرباوي انسن شريعتي رجل الدين بعد أن أنزله من عليائه ومزق شرنقته الميثولوجية، وصار يحتمل الخطأ والنسيان بعد أن كان معصوماً مصاناً متعالياً لا ينطق إلا الصواب والحق3.

ثالثا: كان شريعتي مبكراً في صراعه مع روحاني التشيع الصفوي المترصدين بلا هوداة لمناشطه الفكرية والاجتماعية، وطالماً شن هؤلاء هجوماً قاسياً على الرجل في المجالس العامة والأوساط العلمية، واتهموه بشتي التهم، غير أن شريعتي كما يذكر الغرباوي كان يزداد اصراراً وجرأة في طرح مفاهيم جديدة للدين تضع رجل الدين ومصالحه الشخصية المرتكزة إلى الدين في زاوية حرجة وتسمح للإسلام بالامتداد في جميع مناحي الحياتي التي حرمه رجال الدين من دخولها فتعطل هدفه وانحسرة دائرة تأثيره.

وثمة مؤاخذات يسجلها شريعتي على رجل الدين كما يذكر الغرباوي، فيرى في وقوفه إلى جانب السلطان الصفوي تخطياً فاضحاً للقيم الإسلامية الأصيلة، ويعتبرها مواقف غير مبررة مهما قيل في الدفاع عنها، إذ يسجل شريعتي، كما يذكر الغرباوي، على الدولة الصفوية والسلطان الصفوي التحفظات التالية:

التحفظ الأول: محاربتها للدولة العثمانية التي تقف رغم سلبياتها في نظر الغرب المسيحي، العدو الإيديولوجي للإسلام، وكانت حرب الدولة الصفوية كما يرى الغرباوي مع الدولة العثمانية حرب استنزاف للقوة الإسلامية، وقد أفضت إلى هشاشة المقاومة إلى درجة طمع الغرب في تخطي الحدود الشمالية، ومن ثم استولى على الرقعة الإسلامية بشكل تدريجي . وكان ينبغي للدولة الصفوية كما يرى الغرباوي أن تقف إلى جانب الدولة العثمانية لصد العدوان الأوربي الصليبى على الدول الإسلامية.

التحفظ الثاني: إقامة الدولة الصفوية اتفاقيات اقتصادية وسياسية وعسكرية مع أوربا، التي هي في حرب مع المسلمين . فشددت تلك الاتفاقيات الخناق كما يرى الغرباوي على الدولة الإسلامية، بينما الموقف الشرعي يقتضي مقاطعتها لأنها في حرب مع المسلمين.

التحفظ الثالث: عندما لجأت الدولة الصفوية إلى التشيع في محاربة الدولة العثمانية المرتكزة إلى التسنن الأموي، أعاد الصفويون كما يرى الغرباوي بمساعدة رجال الدين صياغة التشيع وبناء منطومة من الأفكار المرتكزة إلى الخرافة والميثولوجيا والتضليل والاستغفال والاستحمار، وتغير التشيع من مذهب مناضل منافح عن قيم الإسلام عبر التاريخ إلى تشيع كما يرى الغرباوي يدعم الاستبداد السياسي والتخلف الفكري ويتمسك بتقاليد وعادات خرافية ويتبنى خطاباً دينياً مضللاً . وصار في ظل الدولة الصفوية كما يرى الغرباوي يستبيح قتل الإنسان السني كما يستبيح التسنن الأموي قتل الإنسان الشيعي، ولم يستيقظ إلا بعد أن ترك نقطة سوداء في تاريخ التشيع الناصع، وبعد أن شطر التشيع إلى علوي وصفوي.

بيد أن سياسة الدولة الصفوية كما يرى الغرباوي قد فرضت على رجل الدين بالمنطق القرأني أن يشكل تحدياً صارخاً للاستبداد والتعسف السياسيين، غير أن بعض رجال الدين كما يرى الغرباوي بدلاً من ذلك وقف إلى جانب السلطان المستبد وتسلم مقام مشيخة الإسلام في مقابل مشيخة الدولة العثمانية . وصار الفقيه يستمد وجوده كما يرى الغرباوي من السلطان، والسلطان يستمد شرعيته من الفقيه، واحداهما يشرعن ممارسة الآخر ويدعم موقفه ومكانته في المجتمع.

ولما كان الدجل السياسي يفرض على السلطان الصفوي ممارسات تمويهية كما يرى الغرباوي، كالسير مشياً على الأقدام لزيارة الإمام الرضا والأماكن المقدسة الأخرى عند الشيعة مثلاً، ويشارك في مراسم عزاء الإمام الحسين ويدعم الخطاب الطائفي من أجل تأكيد ولاءه المذهبي، ارتفع رجل الدين في مقابل ذلك بالسلطان إلى درجة الإلهة، ويكفي للتأكد من صحة هذا الكلام كما يرى الغرباوي أن تراجع مقدمات الكتب المؤلفة في العصر الصفوي لتقف على مقام السلطان في نظر الفقيه . وهذه المواقف وغيرها كما هو الحال بالنسبة إلى رجل الدين الذي وقف إلى جانب الدولتين القاجارية والبهلوية كما يرى الغرباوي دعت شريعتي وغيره من المثقفين إلى نقد تلك الممارسات وتمزيق جدار الصمت المطبق تحت ما يسمي ما يسمي بالبروتستانتية الإسلامية والإصلاح الديني4.

وهنا نجد الأستاذ الكبير ماجد الغرباوي يؤكد لنا حقيقة هامة ألا وهي أن البروتستانتية والإصلاح الديني هو أحد مشاريع شريعتي، ثم يقدم الغرباوي بعض الأمثلة والنماذج من أقواله ؛ نذكر منها قوله: ".. على المفكر في هذا المجتمع وفي هذه اللحظة أن يبدأ من الدين لتحرير الناس وهدايتهم وإيجاد عشق وإيمان وفوران جديد وتنوير للأذهان والأفكار، وإطلاع الناس على قوى الجهل، والخرافة والظلم والانحطاط في المجتمعات الإسلامية . يبدأ من الدين بمعني هذه الثقافة الدينية الخاصة، وهذا الفهم والتفسير الصحيح والمباشر، لا ما هو موجود وما ترونه أمامكم، بل ما يناقضه تناقضاَ تاماً، ويسعي علي القضاء ما ترونه أمامكم"5.

ويري الغرباوي أن شريعتي يعتقد أن الإصلاح إنما يطال القوالب والأشكال دون جوهر الدين، القوالب التي تشكلت ضمن طرف محدد وفي عصر له خصائصه وضروراته، فينبغي إعادة صياغة الإسلام ضمن أطر تناسب العصر، وتنسجم مع المتغيرات الزمانية والمكانية . ومن ثم فالإصلاح في مشروع شريعتي كما يري الغرباوي يكون من داخل الدين، ولا يتنصل عن الدين، كما هي دعوات المتغربين، ولا يلتف على الدين، كما هو ديدن رجال الدين المنتفعين بالدين كما يري الغرباوي، وبالتالي فهو إصلاح يطال القوالب والأشكال دون البني الأساسية التي يرتكز عليها الدين. إسلام ينهي التطاحن الطائفي والتخلف والانكفاء، ويعيد للإنسان دوره الحقيقي في الوجود بعد أن استغل واستحمر باسم الدين. إسلام يصنع مجتمعاً تسوده القيم والأخلاق وروح المودة والتحرر من عبودية الشرك وعبادة غير الله تعالي، ونبذ الأرباب المختلفة تحت مسميات شتي.

إذن المشروع الأساسي لشريعتي في نظر الغرباوي قائم على شعار العودة إلى قيم الإسلام ومبادئه .. بل مشروعه الحقيقي الذي عمل طوال حياته من أجله هو العودة للإسلام ديناً يرتقي بالإنسان إلى وعي الذات، وتحصينها من خلال الارتكاز إلى القيم والمبادئ الإسلامية.

ومن هنا يؤكد الغرباوي أن شريعتي قدم نظرية إسلامية تمثل رؤيته الكونية والتي تعتمد على أصول وأسس عقيدة الإسلام، وعلى رأسها التوحيد الذي يمثل العماد الأساسي للعقيدة الإسلامية، وكذلك كل الأسس التي قام عليها بناء مشروع شريعتي (التشيع العلوي)، ولذلك الرؤية التي قدمها حول هذا المعتقد، كانت مختلفة عن التفسيرات التقليدية التي قدمها الفقهاء الشيعة حول معتقد التوحيد، فقد اعتمد على وعيه بتاريخ تطور مجتمعه الإيراني والمجتمع الغربي في تقدي تفسير لهذا المعتقد بما يحقق الرؤية الكونية التي تلبي احتياجات الإنسان بشكل عام وتتفوق على كافة الايديولوجيات المطروحة في الفكر الإنساني، وتقدم حلاً لمجتمعه الإيراني الذي يعيش حبيساً داخل الرؤية الكونية التي نسجها ورسخ لها الفقهاء الصفويون، والتي جعلت مجتمعه يمتلك أيديولوجيا أضعف من الايديولوجيات الخارجية، ولا تستطيع أن تقف في مواجهة قوتها.

وفي ظل القمع البهلوي تبلور كما يري الغرباوي وعي أوسع أفقاً وأكثر طموحاً ساهم في تكوينه جيل عكس قراءة جديدة للدين، وحاول الإفلات من قبضة الأطر والقيود والأشكال القديمة، بغية الحفاظ على حقيقة الدين والارتفاع به إلى مستوي يتناسب مع العصر، وفي الوقت ذاته هي حركة ثورية مناهضة للاستبداد السياسي بقدر مناهضتها للاستبداد الديني، وغن لم تعلن عن ذلك صراحة.

وعندما تفجرت الثورة الإسلامية التي قادها أية الله الخميني ضد الشاه في عام 1979م كان هناك وعي كما يذكر الغرباوي ساهم في مراكمته عمل جاد وشخصيات عديدة غير أن بعضها قد تميز في جهوده كما ونوعا كالإمام الخميني على الصعيد السياسي، وعلي شريعتي على المستوي الفكري والثقافي6، ويكاد يجمع رجال الثورة على دور الشهيد الدكتور علي شريعتي وفضله في خلق جيل كامل من الشباب خاض فيما بعد تجربة الثورة بنجاح فائق؛ حيث استقطب شريعتي الطبقة المثقفة والتف حوله الشباب واقتطف الواعين من طلبة العلوم الدينية وعلماء الحوزة العلمية وتقدمت الإشارة إلى بعض آراء رموز الثورة من العلماء بشريعتي7، وتسلل إلي فئات المجتمع رغم العمل الجاد والمتواصل للحيلولة دون ذلك حتى صرح بعض رجال الثورة بأنه لولا جهود شريعتي الفكرية لما حصلت الثورة في هذا الوقت، أي أنه في نظر الغرباوي استطاع أن يرفع مستوي الشعب إلي درجة عالية من الوعي وتأليبهم على السلطان المستبد .

وعندما اندلعت الثورة الإيرانية عام 79 حمل المتظاهرون صورتين واحدة لروح الله الخمينى والثانية لـ«شريعتى»، الأول اعتبر ولاية الفقيه فريضة دينية تخلص الشعب من شرور الشاه، بينما كان الثانى يدعو إلى إسلام لا مركزى يتجاوز سلطة رجال الدين ويحرر المؤمن من سلطة الوسيط بينه وبين ربه.

حارب نظام الخمينى «شريعتى» ونعتوه بالوهابي، وحاربه جهاز المخابرات الإيرانية «السافاك» وقتله غيلة في لندن، وأقصاه أهل السنة لاعتقاده بالمذهب الاثنا عشرى، وآمن به فقط شباب «مجاهدى خلق» الذين رأوا أن الاشتراكية لا تتنافى مع الإسلام.

ورغم أن علي شريعتي إيرانى فارسى العرق، إلا أنه انتقد النزعة الشعوبية لدى رجال التشيع الصفوي، ويعد كما يري الغرباوي واحدًا من القلائل الذين استطاعوا التجرد بعيدا عن هوى المذاهب والتمذهب. حيث انتقد ما سماه «التشيع الصفوي» و«التسنن الأموي»، ودعا إلى التقارب بين «التشيع العلوي» و«التسنن المحمدي»، ما أدى في النهاية إلى مقتله بلندن.

فتحية إلى للدكتور علي شريعتي والذي أقول له أرقد بسلام سيدي، وتحية للأستاذ ماجد الغرباوي على هذا العرض الرائع والممتع على توضيح المشروع التغييري لدى علي شريعتي.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.......................

1- الغرباوي، ماجد، الضد النوعي للاستبداد، استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني، مؤسسة المثقف ودار العارف، 2010م، ص196.

2- المصدر نفسه، ص 205.

3- المصدر نفسه، ص185.

4 – حيث نقل الغرباوي نصوصا صدرت عن كبار العلماء تثني وتمجد السلطان الصفوي، أنظر مثلا، ص 187. واستشهد بما كتبه المجلسي صاحب موسوعة البحار (110مجلدات) في مقدمة كتابه زاد المعاد.

5- المصدر نفسه، ص190.

6 – المصدر نفسه، ص 199.

7- المصدر نفسه، ص 202، حيث استشهد المؤلف بمجموعة شهادات عن شريعتي لكبار الرموز الايرانية، كبهشتي وبازركان وخامنئي.

 

 

سامي عبد العالأينما وُجدت فكرة "الخِراف الضَّالة"، فإنَّها تستحضر معاني المُخلِّص القادم حتى ولو جاء كائناً عابراً. والعبور هو وضع ثقافي (اجتماعي– سياسي) بالمقام الأولِّ، يخلق رموزه الطارئة التي تهيمن على المجتمعات المقهورة. وفوق هذا وذاك، تطلب الخراف السائمة أهدافها مثلما تقتات على العشب الأخضر واضعةً رؤوسها بين الوريقات، ولا تسعى نحوها تلقائياً في غير مرةٍ إنما تحتاج راعياً منتَّظَراً. يحدوها إلى موارد الكلأ ويهدر استقلالها رجوعاً إلى قيادته طائعةً دون حراكٍ. يحدث هذا كنمط رائج على صعيد الحيوان بقدر ما يحدث على صعيد الثقافة والفكر والتربية والاعتقاد.

قال السيد المسيح: "... لم أُرسل إلاَّ إلى خِراف بيتِ إسرائيل الضَّالة ". صحيح كانت رسالته الدينية تستهدف خراف بيتَّ إسرائيل تحديداً، وهذا مثال بشري مشروط بسياقه للإشارة إلى الانحراف في السلوك والاعتقاد، وبخاصة أنَّ الخراف نوع من الحيوان يميز تلك البقاع الزراعية الشرقية التي اعتبرها المسيح (بيئة جيو سياسية دينية). وهو ما يستحضر المعنى الثقافي للفكرة بالتبعية، أي أنه لا تكون هناك خرافٌ ضالة دون عشب ديني متعاضد مع نباتات سياسية متسلقة وضارة بالإنسان في الوقت نفسه. وهي الأعشاب التي تنبت في حواشي السياسات الشرقية ومتونها كيفما تجري في مجتمعات رعاةٍ بالأساس. فلئن وجدت خراف ضالة، فهناك أساليب للحكم والتعليم والاجتماع بالطريقة ذاتها. وكأنَّ المسيح يخبرنا على نحو غير مباشر عن مدى وجود نماذج أخرى في هذه المجالات يمكن أن توجد وتتناسل مع التاريخ من مرحلة لأخرى.

 لأنَّ حيواناً من هذا النوع المشهور (الخراف) يعدُّ على علاقةٍ وثيقةٍ بالإنسان، من حيث كونه يؤكد إطاراً معيناً حول (الرُعاة والرعاية والرعاع والراعي والرعية)، وهي مفردات و تدابير لا تخلو منها البيئة الثقافية وتنعكس على حيوات الشعوب بالبقاع الشرقية تخصيصاً نظراً لميراث اجتماعي من هذا الصنف. لكن كلَّ رسالة (عملية أو نظرية) على غرار رسالة المسيح تعرف جيداً إلى من تتجه، ومن هي خرافها الضالة بالتحديد. وكيف تتعامل معها على المستوى نفسه من التأثير والأسلوب.

 مقولة " الخراف الضالة" هي حالةٌ جمعيةٌ من الفوضى، وانعدام الرؤى، وضحالة الوعي، وانتشار روح القطان، وسيادة التيوس والكباش الفارغة من المعرفة والفكر والفهم على مقاعد السلطة أيا كانت، وشيوع اليقينيات الأصولية والأيديولوجية حشواً للأدمغة، والتناحر على أتفه أسباب، والركض وراء الأوهام لتغدو ممارسة يومية بفعل السياسة والتعليم والإعلام. حتى أننا نستطيع اعتبار المقولة السابقة عنواناً لمجتمعات ومؤسسات وأفعال وأنظمة سياسية لعبت أدوارا في ترويض الشعوب المغلوب على أمرها.

في هذا الشأن، لو كانت هناك بقايا لمقولة المسيح، فماذا عن خراف بيت العرب والمسلمين؟ ومن الذي أُرسل إليهم؟ وكيف يقود الراعي المنتظر خرافه الضالة؟ وكيف تتعامل هذه الخراف مع الرسالة الموجهة إليهم؟ وإلى أي مدى تسير حياتها مع تحولات السياسة والدول والأنظمة الحاكمة التي خضعت للروح ذاتها؟ هل هناك سياق فقد مبرره كانت تتعامل هذه الأنظمة خلاله إزاء شعوبها؟

 أيا كانت الإجابات، فهي واضحة تجاه الأحوال العربية الذي انتشرت فيها فكرتا الرعاة والرعية ولكن تحتاج إلى زوايا أخرى من التحليل والتقليب المتواصلين، ولابد أنْ تفتح أفقاً أوسع لعمل التاريخ وتراكمه نحو الأفضل. والمفارقة هنا بارزة إلى حد السخرية بعد كل هذه الخطوات التي قطعتها الإنسانية من تقدم تكنولوجي والدفاع عن كيانها مستقلاً وحراً وتأسيس آفاق للحقوق والحريات وخلق أشكال الإبداع الفردي والجمعي وتأكيد المعالم الخاصة بالإنسان في المقام الأول وإنشاء أنظمة سياسية ليبرالية مفتوحة تقبع التنوع والتعدد في العيش الاعتقاد.

 أقول: بعد كل ذلك نجد هناك بالعالم العربي مَن يبحث عن تربية البشر كتربية النعاج الضالة ويبني حظائرها ويؤسس لأجيال تالية تعيش الأوضاع نفسها. و قد لا يغادر هذا المسئول أو ذاك موقعه (سياسياً ودينياً وإعلامياً) دون التعامل مع المواطنين إلاَّ بهذا الوضع. ولو افتراضنا أنه يخضع لمنطق العصر الراهن بوسائله المتقدمة، فإنه يتخفى في مظاهر حداثية بينما جوهر ما يقوم به هو في النهاية "رعاية الخراف الضالة".

نجحت نتاجات الحداثة وما بعد الحداثة في إنجاز التجريف التاريخي لرواسب مقولة المسيح السابقة وتدميرها تماماً، فلا تقارن مقولة (الخراف الضالة) إلاَّ بما يناقضها من قيم التحرر في كيان الإفراد وأفكارهم وممارساتهم كما هو موجود لدى بعض مجتمعات الحضارة الغربية: أي الاهتمام بالإبداع والانطلاق والتحلُّل من الحشد والاستقلال والعلمانية وتدمير الميتافيزيقا المتعالية والنقد الجذري وإعلان حقوق الإنسان والاعتراف بالآخر وكشف زيف الأساطير سياسياً واجتماعياً. حيث التأكيد على قيم الذات وإذاقة الإنسان معرفة أناه الحر وخياله الطلق، هذا الترياق الشافي من جروح القطعان وضغوطهم.

وإضافة إلى هذا تمَّ تفكيك حتى ما يُسمى بالضلال في مقولة (الخراف الضالة)، لأنَّ ضلالاً بمعناه اللاهوتي المسيحي يعني:

1-  تأكيد سلطة دينية متعالية إزاء من هم أدنى مكانة، وهي كذلك سلطة قد تكفر الضالين وتفرزهم عن المؤمنين والأخيار. لأن كل إقرار بالضلال إزاء البعض إنما يضمر معايير تحتاج إلى من يمسك بها للحكم على الآخرين. وهذا ما حدث عندما أفرزت مفاهيم (الضلال) وتصنيفاته تراتباً اجتماعياً وسياسياً في المجتمعات التي تستند إلى أُطر دينية أيديولوجية. وتلك السمة لا تنتهي من تربة الحياة العامة بسهولة إنما يجب الحفر حول بذورها وجذورها المهملة بين طيات التراب الثقافي وتحت أكثر الأنشطة سريانا في تضاعيف الأفعال والممارسات.

2- ترتبط المقولة بالحكم على أُناس بعينهم بالضلال والخبال. وهذا المعنى أخطر ما كان يؤدلج تعاليم الديانات عبر التاريخ، لأنَّه كان يحوِّل فكرة العمومية (المساواة والعدالة والتنوع الأفقي) بين جميع الناس إلى أداة إقصاء وإرهاب. والأداة تخلق أصحابها من وقت لآخر بموجب عدم قدرة الإنسان على الاستقلال والشعور بخصوصية متفردة. في مقابل عدم إنهاء الاستغلال، لكونه لصيق الصلة ببنية المجتمع وذراته الفرعية المكونة.

3- تحُول المقولة دون اتساع رقعة المجتمع المدني civil society، وهو مجتمع لا يلجأ إلى أية قوى خارج قدراته الذاتية ومؤسساته الحقوقية المدافعة عن مصالح أفراده والضامنة لحرية حركتهم والتعبير عنها بكامل الإرادة والشفافية. ولكن عندما يكون هناك نظام مستبد (متخلف)، فالمقولة السابقة تصبح قيد التطبيق بشكل لاوعٍ، بل هي النموذج الأمثل الذي يخدم السلطة المستبدة ويغذيها بأسباب استمراريتها.

4- تدعو المقولة إلى انتظار الرسل حتى بعد انقطاع النبوات واستحالة مجيئها. وهذا في الثقافة الإنسانية معناه ملء الفراغ بأنبياء مزيفين يتحكمون في رقاب البشر، ويتلاعبون بمعاناة الناس وآلامهم وأوضاعهم المزرية. فقميص النبوة في التراث الاجتماعي الشرقي كان يُخلع على أي صاحب سلطة نافذة ولا سيما السلطة السياسية، فالحاكم الملهم هو نبي بدرجةٍ ما إن لم يكن إلها يتحرك على رجلين.

5- تكرس المقولة نوعاً من اللغة الدينية وكأن الحياة المدنية والسياسية لم تفرز معجمها اليومي الخالي من ثنائيات الضلال والصلاح. وهي معاني أخلاقية لاهوتية لا يوجد لها مقابل في خطابات الحياة بين البشر المختلفين. فما معنى الضلال في الأفعال والسلوك ضمن آفق  متعدد الديانات والاعراق والاتجاهات؟ وكيف يأتي الضلال عبر الظواهر السياسية والاجتماعية العامة طالما وجدت ثقافة التنوع وطالما هناك لغة القوانين والمؤسسات والحقوق؟

رغم ذلك يلوك السياسيون العرب نغمة الضلال الغابرة، ففي محاربة الإرهاب يستخدمون المقولات الدينية لمحاربة خصومهم ولا يضعون حدوداً لانتشارها وتداولها. كأن يقولون أننا نحارب الجماعات الدينية الضالة وأننا نحاول القضاء على ضلال الفكر والسلوك!! وكذلك يرددون النغمة نفسها بصدد خصومهم السياسيين الذين ينعتونهم بالضلال والانحراف، والأسوأ أن يعاملوا مواطني دولهم على أساس حركة القطعان الضالة. فنجد أحدهم أو غيره يتمسكن ويتمطع ويتلوى ويزمزم ويطلق ألفاظاً ناعمة لا تخلو من الخداع الماكر على خلفية دينية سلفية. وقد اعتبر هذا المسئول أو ذاك مواطني دولته نعاجاً ليست ضالة فقط، بل تحمل ما ثقل وزنه وغلا ثمنه من  شحم ولحم وصوف وجلود. فينتظر جز صوفها وصناعة لحماً مقدداً من ذبحها بين الفنية والأخرى.

 والأغرب أن الخراف أو المواطنين ينتظرونه كما ينتظر المغلوبون على أمرهم عودة المُخلِّص في التراثات الشعبية، هذا الفتوة الذي يهزم الطاغية ويخلِّص الضعفاء والفقراء من القهر والظلم، ثم سرعان ما يتحلقون حوله ويحملونه فوق أكتافهم كمشهدٍ من مشاهد القضاء على الفتوات المتسلطين على يد فتوة جديدٍ في رواية الحرافيش لنجيب محفوظ. والفتوة الجديد سواء أكان في الرواية أو الواقع لا يُفلت الفرصة السانحة. فالخراف كنوز بشرية متحركة بدءاً من اغتصاب إرادتها والضحك الهستيري على أحوالها وإطلاق الوعود دون أجل وانتهاء  باستمرارية الأوضاع وكسب مزيد من المكاسب. لدرجة أنَّ هذه الحالة العربية أو تلك في مجملها مازالت تشكل دراما الخراف الضالة ويبدو أن دلالة المسيح كراعٍ سياسي في أوضاعه البشرية هو البطل الفعلي الذي ينذر نفسه لقيادة خراف بني الإنسان العربي.

وكذلك دينياً ينصِّب الشيوخ الإسلاميون أنفسهم كالمسيح رغم عداوتهم التاريخية لكل ما ينتمي إلى المسيحية وتكفيرها، فلا يعتبرون متابعيهم بشراً أسوياء ولا أناساً لهم مؤهلات وسمات الإنسانية المجردة داخل كل منهم، بل (هم) من وجهة نظر أولئك الشيوخ خراف سائمة لا تنطق ولا تعقل، وإلاَّ ما سبب هذه الفتاوى حول الظلم والقهر والفاقة والضنك في الحال والمآل الذي هو - كما يرددون - مما كسبت أيدي الناس، وأنَّ ما هم فيه هؤلاء لا دفعَ له لكونه بلاءً من رب العباد، رغم أنَّ الفاعلين معروفون في كل مجتمع عربي والاستبداد مشهور والتخبط السياسي والفساد المالي والإداري لا يحتاج إلى دليلٍّ. وهذا يثبت زيف هؤلاء الشيوخ وزيف خطابهم القائم على حيوانية الإنسان وهو خطاب يوضع في خدمة أي تيس قوي في الحظيرة له الغلبة والشكيمة على باقي الخراف.

ولقد فاقَ خطاب الإعلام العربي - باختلاف توجهاته ودوله - كل الحدود في تربية الخراف الضالة واجتذابهم حوله على غرار فج وقميء. إحدى القنوات الخليجية المشهورة مازالت تطرح الأخبار والتعليقات والبرامج بمنطق قطيع الخراف، حتى أنها تعول على حركته السائبة في شوارع الفوضى والإهمال والحشود، شوارع بعض الدول العربية. ونظراً لكونها قناة مؤدلجة دينياً، فإنَّها تستخدم كلَّ حيل الحظيرة السياسية لتزييف وعي المشاهدين واستعمالهم في تلوين الحقائق.

حالة الخراف الضالة لا تعلَّن بصراحة، لكنه نمط ثقافي سائد وله جذوره البعيدة بل الضاغطة ويحكم ضمنياً طرائق الفكر وممارسات السلطة وفنون الخطاب وتداول المعارف. حيث يتجاوز النمط كافة الأحزاب والاتجاهات: تجد ليبرالياً متلوناً يمارس ليبراليته بوضعية الخروف الضال، تجد قومياً قحاً يمارس قوميته بمعجم الخروف الضال، تجد سلفياً يمارس سلفيته برمزية الخروف الضال، تجد عقلانياً يزعم تمرده ولوذعيته يمارس العقلانية المنتظرة بلهجة الخروف الضال ويفرض على الآخر هذه الوضعية من التلقي السلبي والطاعة العمياء وكأنه لم يتعلم شيئاً من استعمال العقر بحرأة ودون خوف... ماذا بقيت من شرائح المجتمع لم تتشبع بهذا المعنى اللاهوتي السياسي؟

وفي الأخير إذا أراد العرب التأسيس لمرحلة من التطور وتحديث المجتمعات وبناء أجيال تسهم في عصر التقنيات والمعارف المتقدمة وتعيش الثقافات الكونية الحرة، فيستحيل الانخراط في ذلك الوضع (الذي كشفه المسيح) دون تفكيك الجهاز المفاهيمي والفكري لهذا النمط الأبوي من الحياة. ليس أقل من نسف كل ما ينتمي إليه بصلة نسفاً جذرياً، لأن الأبوة والرعاعية يتعاونان مع بعضهما في مناطق اجتماعية ودينية متناهية الصغر وعظيمة الهدم لكل محاولات نقدية حقيقية وتعطيل مسيرة الإنسان تجاه الإحساس بذاته وإنضاج رؤاه حول العالم والتاريخ.

  إنه بملء الكلمة، لا يوجد في السياسة ولا في الدين خراف ضالة، هذه الحالة لابد من تفريغها وتكسير مفاصلها وإعادة قراءتها في التفاصيل الدقيقة للوعي والحياة، ذلك بعملية تاريخية وثقافية طويلة الأمد تشتغل على صور السلطة الجارية وتلوينها بالدين والأخلاق والنظام الاجتماعي والمعرفي. حتى ولو اقتضى الأمر تثوير أبنية المجتمعات العربية وتحطيم قيودها المنتجة لهذا السلوك الفارز.

 وكما انخرطت مجتمعات الربيع العربي فجأة ودون سابق إنذار في عملية تحول بشكلٍّ ما وإن كانت منحرفةً عن جادة التطور السليم في أغلب حالاته، فلابد من تقعيد الوعي الثوري والتنويري بإنتاج خطابات تستثمر في تنمية  قدرات الإنسان وطاقاته وتطلق العنان لحرياته المتنوعة ولا تعتبره خروفاً في قطعان هائمة نحو مصيرها المجهول. إنَّ الحرية بتنوع وجوهها الإنسانية جزء من بناء وعي مضاد لفكرة (الضلالة) التي تهدد المجتمعات العربية في مستقبلها وتطورها المنشود. ولا ينبغي انتظار مالا يأتي من رسل آخرين بعد خاتم الانبياء ولو كانوا في عباءات سياسية أو اجتماعية، لأنَّ الحياة والتطور لا ينتظران أكثر من قدرة الإنسان على الإبداع والاختلاف.

 

د. سامي عبد العال

 

 

majed algharbawi1إن حاجة الشيعة للإمام نابعة من صميم عقيدتهم بوجود 12 إماما، كانوا يمثلون القيادتين الدينية والسياسية، رغم تفاوت أدوارهم حتى آلت الأمور إلى إمامة شكلية في زمن علي الهادي. وبشكل أوضح في حياة الحسن العسكري، عندما أحال على الفقهاء للإجابة على أسئلتهم الشرعية. فانقلبت حاجة الشيعة للإمامة من حاجة حقيقة إلى حاجة رمزية ساعدت على تقبل فكرة غيابه مع وجود وسطاء أو سفراء بينه وبينهم، رغم قوة الزلزال. فالشيعة لم يخسروا بغيبته سوى القيادة الفعلية، التي راحت تذوي في حياة الإمامين الآخيرين، حتى تفوقت الحاجة الرمزية على الحاجة الحقيقة لوجود الإمام. وبالفعل كانت رمزيته وما تزال وهو غائب أقوى وأثرى للخيال الشيعي، يؤكد هذا ما نشاهده عند مواليه وشيعته. فالحاجة إليه باتت ضرورة نفسية، تنعش أمل الشيعة، وتطفئ قلقهم. ولو كانت هناك حاجة حقيقية للإمام، أو توقفت بعض القضايا الدينية والقيادية لتمرد الشيعة ضد عقيدة الانتظار، بل وربما كفروا بالتشيع وعقيدته، لكنه لا توجد حاجة حقيقية بل هناك حاجة نفسية لرمزيته، وستبقى مهما طالت غيبته.

أحيانا تَحط ُّ المعاصرة من قيمة الرمز وقدسيته، بينما تزدهر في غيابه حداً تُلهب رمزيته الخيال الميثيولوجي، فيجرّده من بشريته ويحلّق به في مدارات الأسطرة واللامعقول، ليُعيد انتاجه باستمرار في إطار ضروراته العقيدية والآيديولوجية. وهذا أمر طبيعي في غياب أي حبيب، فإنك تُسقط عليه كل الخصال الحميدة. وتتجسد أكثر رمزية الإمام في غيابه عندما يعلّق الشيعة آمالا واسعة على دولته المعهودة، وهي آمال لازمتهم على امتداد تاريخ الأئمة، فكانت سلوى وملهاة تداعب أحلامهم، وكان الأئمة يجدون في المهدي ودولته مفرا من المأزق العقائدي، الديني، فيدارون مشاعرهم بكلام يداعب أحلامهم حدَ الهوس بالمهدي ومستقبل دولته، ليتخلصوا من السؤال المرير: متى يظهر المهدي؟.

أما المعاصرة فعلى العكس، حيث عانى الأئمة من معاصريهم، وتخلى عنهم الناس في أحلك الظروف، كما فعلوا مع الإمام الحسن بن علي، والإمام جعفر الصادق، وشككوا بإمامة موسى الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، وهكذا بالنسبة لعلي الهادي والحسن العسكري، بل الأخير واجه سيلا من التشكيك أضرّ بمصداقيته، بينما يزخر المهدي الغائب برمزية هائلة، لأنه لم يعاصر أحدا، ولم يحتك بالوسط الاجتماعي، سواء كان له وجود حقيقي أم لا، لكن غيابه شحنة رمزية عالية تنعش طموحات التشيع. فتجد الشيعة اليوم يعلّقون آمالا عريضة على ظهوره.

إن صورة المهدي في الخيال الشيعي تتجدد وتتضخم حداً يختلط فيها الوهم بالحقيقة، خاصة لدى من يدعي مشاهدته ولقاءه.

لقد تطوّرت صورة المهدي في الخيال الشيعي من الرمزية إلى الأسطورة، والأسطورة تقاس بقوة رمزيتها وإيحاءاتها وقدرتها على الاستجابة، لا بمقدار صدقيتها ومطابقتها للواقع، لذا لا أحد يثيره طول عمر المهدي، بل أن طول عمره الخرافي يعزز أسطرته، ويلهب الخيال حد الهوس والتفنن في اجتراح حكايات أسطورية حوله. ويتجسد هذا الأمر في مناجاته وهو غائب، حيث يذوب فؤاد المناجي شوقا، وترق دموعه، ويبدأ بمغازلته والتودد إليه حتى يرتوي ضمأ روحه الهائمة، وتهجع مطمئنة على أمل لقاء جديد.

المهدي لعبة الخيال الشيعي، وآمله المتجدد، وأفقه نحو المستقبل والآخرة، وطموحه إثر إخفاقات الحياة ومتاعبها. إنه رمز الإنسان الكامل. به تسمو أرواح المؤمنين، وتنتعش آمالهم وأحلامهم. ويبقى طيفه يداعب خيالهم، فعيونهم ولهى تطارد كل خيال لعله المهدي، فتشرق ابتسامة الشوق قبل حرارة اللقاء. 2345 مدارات عقائدية ساخنة

 

ماجد الغرباوي

...................

* مقطع من كتاب مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني، مؤسسة المثقف ودار أمل، الطبعة الثانية، ص، 165 – 167

للاطلاع على الكتاب

https://www.almothaqaf.com/k/majed-al-gharbawi-s-books

 

عبد الجبار الرفاعيوجودُ الإنسان مرآةُ وجود الله. الإيمانُ نورٌ يكشفُ للإنسان حقيقةَ وجودِه، ثمرةُ الإيمان تُعرف بإثرائه لسكينة الروح، وطمأنينة القلب: "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"1. الإيمانُ حالةٌ للروح تعيشها، وتجربةٌ للحقيقة تتذوّقها. يسكنُ الإيمانُ الروحَ مثلما تسكنه، ويرتوي بالروح مثلما ترتوي به. الإيمانُ عودةُ الروح إلى أصلها الإلهي، أودع اللهُ في كلّ إنسان روحًا منه، إلا أن هذه الوديعةَ تحتجب متى احتجب الإنسانُ عن الله، اللهُ لا ينسى الإنسانَ إلا عندما ينساه الإنسانُ: "نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ"2. لا يستردّ هذه الوديعةَ إلا الإيمان، الإيمانُ إيقاظٌ لصوت الله في ضمير الإنسان، وانبعاثٌ لما ينتمي الى الله فيه. الروحُ تنتمي إلى الله، إنها وديعتُه التي استؤمن الإنسانُ عليها، كما يؤكّد القرآنُ الكريم ذلك، فإذا ذكرَ اللهُ الروحَ في القرآن قرنها به، كما تشير هذه الآية وغيرُها: "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ"3 .

الإيمانُ يكرّس الروحَ والقلب ويتوحّد بهما، حتى يبلغ توحّدُ القلب والروح بالإيمان مرتبةً لا يخضعان معها لمعادلاتِ الذهن ومشاكساتِه مهما كانت. الإيمانُ حالةٌ ديناميكيةٌ حيّة، تتغذّى وتنمو وتتطوّر وتتجذّر. إنه جذوةٌ متوهجة، كأنها طاقةٌ مشعّة، يضيء الإيمانُ الروحَ لحظةَ تحقّقها به، مثلما تضيء الكهرباءُ المصباحَ المظلم لحظةَ وصله بها، وهذا معنى كونه حالةً نتذوّقها كما نتذوّق الطعامَ الشهي والشرابَ اللذيذ. كلُّ ما يتذوقه الإنسانُ ضربٌ من التجربة، والتجربةُ تفشلُ لغةُ الإنسان في التعبير عن حقيقتها وكلِّ حالاتها وأطوارها.

يفيضُ الإيمانُ على صاحبه طاقةً مُلهِمة، إذ لا يجد نفسَه في غربة إلا ويهمس إليه صوتُ الله، فتستفيق روحُه بعد غفوتها، وتمتلئ بعد خوائها، وترتوي بعد ظمئها، ويتجدّد وصالُها بمن أودعها عنده. في كلّ غيابٍ للإنسان عن ذاته يرى حضورَ الله هو الحضور، واحتجابَ الله هو الاحتجاب.

الإيمانُ مُستقرَّه القلب، ومأواه الروح. إنه ليس صورةً ندركها، الصورةُ يختزنها الذهنُ. الإيمانُ، خلافًا للفهم والمعرفة، لا يتحقّق بالنيابة، في عملية الفهم يمكن أن يتلقّى الإنسانُ معارفَه من شخصٍ آخر، أو يقلّد غيرَه في آرائه. الإيمانُ تجربةٌ تعكس تسامي الروح في سفر النور من الخلق إلى الحق. إنه ضوءٌ ينبعث داخل الإنسان، إنّه صيرورةٌ تتحقّق فيها الروحُ وتتكامل، ونمطُ وجودٍ يرتوي به الظمأُ الأنطولوجي للمقدس، إنه مما تضيق في التعبير عنه العبارةُ، ولا تشير اليه إلا الإشارة.

يحقّق الإيمانُ الإنسانَ في طور وجودي جديد، فحيث يسافر الإنسانُ للحقّ تتكرّس قدرتُه، وتترسّخ إرادتُه، وتتعذّر هزيمتُه. لأنه يتحقّق بالحق فلا يشعرُ بهشاشةِ وخواء وجوده. بذلك يجعل الإيمانُ الاشياءَ المستحيلةَ ممكنة، والشاقّةَ سهلة، والمرّةَ حلوة.

الإيمانُ وحبُّ الله كلاهما كيمياءٌ للروح، كلاهما ينبثقان من جوهر واحد. يولدان معًا، ويرتضعان معًا، ويتكرّسان معًا، ويتوحّدان معًا، فحيث ينمو الإيمانُ ينمو الحبُّ، وحيث يذبل الإيمانُ يذبل الحبُّ. إنهما في صيرورة وتفاعل وفوران، يتحوّل الإيمانُ إلى حب، كما يتحوّل الحبُّ إلى إيمان. الإيمانُ عصارةُ الحبّ، والحبّ عصارةُ الإيمان، كلا الحالتين تستقيان من الشلّال ذاته، يصبح كلّ منهما صورةً لحقيقة واحدة متعدّدةَ الوجوه. حين يصير الإيمانُ حبًّا والحبُّ إيمانًا تشهد حياةُ الإنسان أنوارَ الأبد. ما أجمل التعبير الوارد في مناجاة المحبين للامام السجاد "ع": "اِلـهي مَنْ ذَا الَّذي ذاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً، وَمَنْ ذَا الَّذي أنـِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغى عَنْكَ حِوَلاً".

الإيمانُ فرحُ الروح في زمن قلما تفرح فيه الروحُ، إذ يتهدّدُ العالَم تدينٌ كئيبٌ يغمر الروحَ بالأسى. في الإيمان تتناغم الأديانُ وتتعايش وتأتلف، بعد أن تكتشف شفرةَ اللغة الروحية الواحدة المشتركة التي يتكلّم فيها إيمانُها، وإن كانت في الاعتقاد تتكلّم لغاتٍ شتى لا تفقه كلٌّ منها الأخرى. يقول ابن عربي: "تنوعت المشاربُ، واختلفت المذاهبُ، وتميزت المراتبُ، وظهرت الأسماءُ الإلهية والآثارُ الكونية، وكثرت الأسماءُ والآلهةُ في العالم"4 .

2323 مؤمنة

لا يولد السلامُ بين الأديان في فضاء الاعتقاد، بل يولد السلامُ بين الأديان في فضاء الإيمان. الإيمانُ يتكلّمُ لغةً واحدة، المؤمنون في كلّ الأديان يستوحون إيمانَهم من منبع مشترَك هو الحق، وإن تجلّى لكلّ منهم في صورة، تتنوّع صورُ الحق بتنوّعِ دياناتِهم، وبصمةِ ذواتهم وبيئاتهم، غير أنهم يعيشون التجاربَ الروحيةَ المُلهِمةَ للطمأنينة والسكينة والسلام. الإيمانُ حقيقةٌ يتجلّى فيها جوهرُ الأديان، وأرضيةٌ تتوحّد في فضائها، ومنبعٌ مُلهِم للحياة الدينية فيها. لا يتخلّص الإنسانُ من نزاعات الأديان وحروبها إلا في فضاء الإيمان.

إن كانت نصوصُ الدين مقدّسةً غير أن تفسيرَها وتأويلَها وفهمَها يتجلى فيه الأفقُ التاريخي الذي يتموضع فيه الكائنُ البشري، لا يمكن أن يكون ذلك الفهمُ عابرًا للإطار المعرفي الذي يعيش فيه ذلك الكائنُ. إن تطبيقَ المناهج العلمية في دراسة الأديان وفرقها ومذاهبها ضرورةٌ يفرضها التعرّفُ على كيفيةِ ولادتها وصيرورتها عبر التاريخ، والآثارِ المتنوعة لها في الحياة البشرية. الأديانُ تولد في عصر مؤسّسيها، لكنها تظلّ تتخلّق وتنمو في صيرورة لا تتصرّم عبر الزمان والمكان، في سياقات نسيجِ المتطلبات المتنوّعة لحياة الإنسان فردًا وجماعةً، والعلاقاتِ العضوية بين السلطة والمعرفة، كما يشرحها ميشيل فوكو.

ما لم يتسع حقلُ دراسةِ الأديان ومقارنتِها لدى الباحثين في الدراسات الدينية، لا يمكن تصويبُ سوء الفهم والأحكام السلبية السابقة، وحذفُ الكثير من الأخطاء المتراكمة في فهم أتباع ديانةٍ لمقولات ومعتقدات أتباع ديانةٍ أخرى، إذ تتوالد من سوءِ الفهم والأحكامِ السلبية السابقة دائمًا أحكامٌ إقصائية حيالَ الآخَر المختلف.

إن دراسةَ الأديان ومقارنتَها هي المعيارُ الحقيقي لاختبار وفاءِ الأديان بوعودها، ومصداقيةِ ادعاءات أتباعها. ولا يتحقّق ذلك إلا بالعودة إلى نصوصِها المقدّسة، ومدوناتِها الخاصة الموازية لهذه النصوص، والتعرّفِ على أنماطِ حضورها في حياة الأفراد والمجتمعات التي تعتنقها، ومدى تأثيرِها الإيجابي في تنمية الحياة الروحية والأخلاقية، والتفتيشِ عن أثرها السلبي، وفضحِ ما تعمل على إخفائه أو تتعمّد حذفَه من تراثها وتاريخها الخاص. دراسةُ الأديان الوحيانية مثلًا لا تصحّ إلّا بالعودة إلى نصوصِها المقدّسة وتراثها الخاص، وطبيعةِ تأثيرها في حياة الفرد والمجتمع الذي يعتنقها، وكيفياتِ حضورها في التاريخ البشري، وما تركته من آثار مختلفة في البناء والهدم.

ليس هناك ديانةٌ تستأثر وحدها بالمحبة والحرياتِ والحقوقِ واحترامِ كرامة الإنسان، وليس هناك تاريخُ ديانةٍ منزّهٌ من التعصب والعنف وانتهاك الكرامة. لا يكفي الحكمُ على أخلاقية وإنسانية الديانة بما تشتمل عليه مدوّنتُها، وليس بشهاداتِ أتباعِها عنها، مهما ادعوا من انحصار الأخلاق والإنسانية فيها. لا يكون الحكمُ صادقًا إلا بمقارنتها بالديانات الأخرى، وتفحّص وغربلة مسيرتها التاريخية، وما صنعته في محطات رحلتها عبر الزمان، وما قدمته من مكاسب للحضارات البشرية، مضافًا إلى اكتشاف مقدار تجلّي القيم الإنسانية لهذه الديانة وأخلاقياتها في سلوك معتنقيها أفرادًا وجماعاتٍ في الماضي والحاضر.

كي تتعايش الأديان وتأتلف ينبغي العمل على تكريس المشترك الإنساني الروحي والأخلاقي والجمالي للأديان، ‏وتوظيف الرصيد الايماني والرمزي الحي لها من أجل صناعة السلام في العالَم. والكفّ عن نبش ذاكرة حروبها المريرة والانتهاكات الشنيعة في مسيرتها، وما يختبئ في أرشيفاتها من تعصّبات وكراهيات وصراعات دينية مريرة. وأن ينشد الكلُّ الكفَّ عن ثنائية أنا / أنت، والانتقال إلى الـ "نحن"، على وفق رؤية البابا فرنسيس في ترسيخ معنى "العائلة البشرية"، بوصفها مقصدًا إنسانيًا أسمى يكشف عن الغاية العظمى لكلّ الأديان، وبوصف: "الأخوّة أقوى من قتل الإخوة، الرجاء أقوى من المَوت، السلام أقوى من الحرب".

أما أن نعيشَ معًا وذلك ما ينشده كلُّ حكيم في الأرض، وأما أن نموت معًا وذلك ما يعمل عليه كلُّ متعصب أحمق. كتب الأديان المقدسة وميراثها منجم يكتنز بالمعاني الروحية والأخلاقية الأصيلة، التي تبني أُسس العيش معًا. "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"5 .

من الضروري الارتقاءِ بالحوار بين الأديان، والانتقالِ من الكلام المكرّر، كلام العلاقات العامة والمجاملات إلى اعتماد المناهل الروحية والقيم الأخلاقية المختزنة في جوهرها، والبناءِ عليها بوصفها منطلقاتٍ للبحث في دراسة الأديان والحوار بين أتباعها. في ضوء ذلك ينبغي رفضُ مواقف كلّ من يستخفّ بمعتقدات أيّ دين آخر أو يسفهها، وأن تتعاقدَ كلُّ الأديان على رفض التكفير، وإن كان التكفيرُ يمتلك حججَه وأدلتَه داخل منطق الديانة وتراثها، مهما كانت تلك الحجج والأدلة مقنعةً ومقبولةً لأتباع الديانة. وأن ينطلق الكلُّ من واقع الحياة البشرية، وليس من الرغبات والأماني والأحلام والأوهام، هذا الواقع الذي يدلل على أن الناسَ لا يمكن أن يجتمعوا على قناعة واحدة، أو اعتقاد مشترك، أو ديانة واحدة. "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ"6 .

 

د. عبدالجبار الرفاعي

....................

1- الرعد، 28.

2- الحشر، 19.

3- الحجر، 29.

4- ابن عربي، محيي الدين، الفتوحات المكية، ج3: ص 94..

5- البقرة، 62.

6- هود، 118.

 

 

سامي عبد العالفي تاريخ الأوبئة هناك أمرٌ ساخر يشوبه التناقض داخل المجتمعات العربية: هو أننا نعزل أنفسنا هُروباً من كل وباءٍ واسع الانتشار بوصفه طاعوناً للعصر، مترقبين تحسُن الأوضاع مع التملمُل لدرجة السأم من فترات الانعزال، بينما نحن (كنا ومازلنا) نحْجِر على حركة العقل طوال قرون من الخمول الحضاري، ولم نتململ قط من انعزال العقول المتمردة عن حياتنا الرتيبة.

بالفعل لقد تمَّ الحَجْر الصارم على إبداع العقول رغم أنَّ فيروسات الفكر الراكد أشد فتكاً، ليس أقلُّها انتشار التطرف والإرهاب والجهل والسقوط المريع في الحياة. ومن ثمَّ لم يكُن مُجديّاً بالتماثل (بين فيروسات الطبيعة وفيروسات العقل) حظْر تجول الأفكار المختلفة لمنع العدوى وتعطيل العقل عن أن أتي بالجديد وبما هو إنساني؟!

لعلَّ أخطر ما فعله وباء كورونا أنه قد كشف أشياء أخرى في تاريخنا الراهن، بالتحديد كشف أوبئة ثقافية وحضارية ضاربة الجذور في ثقافتنا اليومية. مثل فيروسات التخلف السياسي والجُمود الفكري وتراجع مستويات التعليم المبدع وضياع فكرة الإنسان وتدني الإسهام في الحضارة الكونية. لدرجة أننا أصبحنا مرضى لا نقوى على علاج أنفسنا وننتظر الآخرين أن يقدموا لنا علاجاً ومعرفة وفوق هذا وذاك نتاجر في أمراضنا كأنها مصالح أو استثمارات.. أية كارثة غير إنسانية نعيش؟!

الأمر أشبه بالجسم الذي يبدو قوياً صلباً في الظاهر أمام النظر طالما لم يُصبْ بأية أمراض، ولكنه عندما يُصاب بأي مرض (ولو كان بسيطاً) يبدأ في إظهار علل أخرى، نتيجة مداهمة الوهن والخلل لبنيته وبفعل انخفاض مستوى المناعة لدرجة أنَّ الفيروسات الدقيقة قد تعصف بكيانه إجمالاً. فالتباعد الاجتماعي بسبب كورونا والحَجْر على الجسم أظهرا أنواعاً من الحجْر كنا نمارسها طوال الوقت، رغم كوننا أولى بمقاومتها والتطلع لحياة أفضل.

على سبيل المثال نحن أولى بمقاومة الحَجْر على الفكر والحرية والتنوع وعلى انسانية المرأة والإبداع وقيمة الآراء المغايرة. ذلك لإحداث" ثورات نقدية" بمعناها الحقيقي تجاه عصور سالفة أُزيحت خلالها مسارات العقل وتمَّ حجبها في غياهب التقاليد الموروثة. كانت سلطة الموروثات متغلغلة في كافة التفاصيل بغطاء ديني وسياسي معاً ليس أكثر ولا تنتمي إلى أصول الديانات، واستطاعت وضع العقل ومشروعاته وشطحاته وخروقاته للمألوف تحت "الإقامة الجبرية". فلم يكُّن هناك عصر عربي اسلامي واحد يمكننا أنْ نسميه عصر العقلانية أو حرية استعمال العقل أو زمن المراجعة والنقد أو فترات التحرر من التقاليد الآسنة. مما أفقد تاريخنا (وبخاصة السياسي والثقافي) القدرة المرنة على التطور وتأكيد التنوع بطرق طبيعية.

دوماً كان الميلاد التاريخي الجديد لدينا يتم بانفجار الثورات الطارئة والهوجاء والحركات المذهبية والانقسامات الطائفية وانقلابات السياسة والأحزاب السرية والاغتيالات والدسائس والمؤامرات ... إلى آخر النفق المظلم. حتى أنظمة دولنا العربية الغابرة والراهنة، فقد جاءت على أسنة الرماح أو تحت صهيل الخيول أو فوق المدافع ووسط الفوضى والقمع إلى مداهما الأكبر. وكم أحدث ذلك الوضع رُعباً لدى أصحاب الأفكار الأخرى والديانات والمذاهب المختلفة.

وبمناسبة عدوى الفيروسات الطبيعية، تخاف مجتمعاتنا لحد الرعب من عدوى الحريات، وبات أصحاب الحرية العقلية منبوذين ولا أمل في تأثيرهم اجتماعياً وسياسياً. وهذا واضح تماماً من أنَّ أي إنسان يأتي بالجديد سيصير نهباً للإهمال والتكفير والازدراء والملاحقة والتشوّه. وعليه أنْ يموت عارياً دون مأوى أو أن يلقى في أحد السجون الاجتماعية أو السياسية نتيجة الحجب والمنع. وحتى لو كان ما أتى به جديراً بالاعتبار، فلن يتم معرفته ولا نشره في عصره إطلاقاً، بل علينا الانتظار سنوات وسنوات كي يُعاد النظر فيما فعل وترك من أفكار.

هناك المثل الشعبي الشهير في لغتنا الجارية " ذمّار الحي لا يُطرب" أو" لا كرامة لنبيٍّ في وطنه" ... وأتصور أنَّ هذا المثل يعري ذهنية المجتمعات العربية التي لا تقبل تجديداً لجلدها بسهولة رغم تمزقه وقدمه الواضحين للعيان وأنَّ  النبي على ما له من مكانة سامقة في تراثنا الثقافي لن يؤثر في قومه، سيكون مهملاً هو الآخر أو على أفضل الأحوال سيكون منبوذاً. والسخيف في المسألة أنَّ العقل يأتي من العقال في المعجم العربي، أي عقال الدابة وهو العقال لحياة الإنسان عن الرذائل واتيان القبائح. ونتيجة الخلط بين (الابداع والإسفاف بفعل فاعل تاريخي) تم وضع العقال داخل كل عقل منتج وحر، حتى بات يترقب من ذاته أدنى خروج على الشائع والمكرر. وعادة يفضل الانضمام لقطعان المدجنين سياسياً واجتماعياً عن أن يختلف فكراً. لأن المسؤولية تضع فوق عنقه تحت سيف الملاحقة وقيام وانهيار  قيم الأمة كأنه شمشون الجبار بينما هو مجرد قط بائس يلعق أرجله أو شواربه على أعتاب الحكام.

إنَّه منذ حوارات الفرق الاسلامية كالمعتزلة والاشاعرة والجهمية وفرق الشيعة المتعددة حول النص الديني لم يُعترف بنتاج العقول الحرة كنظام مشترك للتفكير والمناقشة وطرح أعقد المشكلات الكونية واللغوية قيد الفحص، وأنه منذ المتصوفة الأوائل أبو منصور الحلاج وابن عربي والسهروردي وجلال الدين الرومي المقتول لم تخرج التجارب الحرة روحياً وإنسانياً إلى الواجهة، فالتصوف كمثال بخلاف (رأي المعتوهين فيه) هو طريق فذ لرؤى الحياة والعالم والنصوص الدينية وقضايا المصير والآخر والكون والتاريخ والزمن. تختلف أو تتفق مع أقطابه تفكيراً أو سلوكاً، إلاَّ أنَّه قد راكم في تاريخ الفكر (أقول الفكر بالتحديد) طُرقاً حرة للإيمان المفتوح open faith، أي الإيمان الحُر بعبارة كانط الذي باستطاعته استيعاب الإنسانية في شخصنا المحدود.

1- التجارب الروحية ذات الطابع الإنساني تضع وجودنا فسيحاً يقبل التنوع والاختلاف والتعددية كما عند ابن عربي والحلاج.

2- أظهرت مأساة الحلاج بنية الثقافة العربية الإسلامية المستندة إلى الفهم الحرفي التقليدي للنصوص وسيادة الخطابات السلطوية حول الشريعة. وقد أودت بحياته كلمات قالها ولم يحاول الفقهاء فهما مغايراً لها رغم احتمالات التأويل.

3- تراث العقل تراث إنساني بالمقام الأول ولا يجب حجبه لصالح السياسي والديني، إنما ينبغي اعتباره تراثا قابلا لكل القراءات الممكنة.

4- أبرز ما في التصوف هو الجرأة والمبادرة على مناقشة كافة المسائل والفهم المختلف للقضايا الدينية التي تكرس السلطة وتسهم في تخلفها.

5-  ليس التصوف فقط مقصوداً لذاته، لكنه يطلعنا من ناحية الفكر على أدوات حرة ومختلفة لفهم العقل (حتى وإن كان التصوف يخالفه) وسبر أغوار الحياة ومعرفة دقائق اللغة وطبائع الأشياء والحوار معها وفهم الموت والحياة.

الآن بدت إجراءات التباعد من كورونا سخيفة إلى أبعد حد. لذلك ينبغي طرح الأسئلة التي لا تتوقف حول هكذا معانٍ: كيف نأخذ تدابير ضد الكوفيد المستجد ولا نأخذ تدابير ضد رواج التقاليد القاتلة لروح للمجتمعات مع أنَّ الاثنين قاتلان؟ بأي معنى نفرض حجْراً على الأجسام المريضة ولا نكسر حجراً عن العقول المبدعة؟ وبالمقلوب إذا كانت تشير الأفكار المختلفة إلى أفكار جديدة، فكيف نوفر مناخاً خصباً للعدوى في مجال حرية العقل؟ هل عدوى الأفكار نافذة لدرجة تحديد أفاق المعرفة والحياة؟! بأي معنى أفهمنا الكوفيد المستجد عدوى الفكر سلباً وايجاباً، فهي أشدَّ خطراً وراوحت أزمنة برمتها حتى اللحظة؟! وما الدلالة اللطيفة ثقافياً إزاء الحجْر الصحي بين الجسد والعقل؟!

التفرقة غير المنصفة التي كان يجب إدراكها بين الجانبين (تفرقة بائسة) كلّفت العالم العربي والاسلامي قروناً من الانكفاء والتخلف. فلو تم تجنب حاملي فيروسات التخلف والسقوط والدعة والاستبداد ما كانت هناك هذه العدوى التاريخية. لأن هناك تماثلاً بين فيروسات الفكر والطبيعة كما أشرت، وإذا كان الكوفيد يُفشل عملية التنفس ويدمر أنسجة الرئة ويسبب الموت البطيء بالنهاية، فإننا بقينا قروناً بلا تنفس فكري نقي ولا رئات ثقافية حرة تجدد آفاق عقولنا العامة. إن الفكر غالياً لا يكاد يحس بأهميته أحدٌ، ربما لكونه بعيداً عن "الفم والبطن والفرج" عند الإنسان العربي، هذا الثلاثي العتيد الذي يهم الرئة اليومية لحيواتنا العربية المباشرة. وهو الثلاثي نفسه الذي يحدد اليوم سياسات بعض أنظمة الدول والاعلام والفنون والأخلاقيات والعلاقات العامة ويضبط إيقاع التمدد البشري ويحكم القبضة الممسكة برقاب القطيع. فالغرائز تبقينا على مسافة مناسبةٍ داخل الحياة وتجعلنا قادرين على مواصلتها، لكن انحرافها وتضخمها يجعلنا مرتعاً لفوضى التخلف. أمَّا  مضمار الفكر (وهو المجال الأثير للعقل المنتج) فقد ظلّ نهباً لكل من هدب ودب، مجهول الهوية، لا يسأل عنه أحد .. ملْك مشاع كموضع لنفايات ثقافية.

إنَّ مجال الأفكار الجديدة والمواكبة لكونية الثقافات ليس هو المجال المناسب للحظر أيا كان، حتى ولو جاءت الأفكار شديدة القسوة في كشف واقعنا. لأنَّ الأفكار مهما حُجبت لن يحُول أيُّ شيءٍ دون انتشارها، تزيد إذا وُضعت تحت الحجر. فلم يحُل التاريخ دون زيادة قوة الأفكار حتى في أحلك العصور إلاَّ إلى حين فقط، ثم سرعان ما تنفجر في وجوه الطغاة وآكلي عقول البشر. ويجب على دولنا العربية فهم ماذا يعني تحرير العقول لا قمعها وأن هذا التحرير يخدم مستقبلاً آتياً لأجيال قادمة لأنه بناء للإنسان.

ومن أسفٍ أنْ كانت الدولة العربية الراهنة أداة تغليب للأفكار التقليدية تمشيّاً مع أهواء الحكام والساسة وأهل الحل والعقد لأنها تغذي مصالحهم بالدرجة الأولى. ولذلك لا يخشى أي حاكم عربي (صغيراً كان أم كبيراً) من أي شيء قدر ما يخشي من التفكير الحر. فهو تفكير يتوجس منه ليلاً ونهاراً ويبحث عن قتله في مهده قبل أنْ يظهر، لدرجة أن نظامه السياسي يتحول إلى أخطبوط يلتف حول أيَّة عقول مختلفة خانقاً إياها حدَّ الموت. والغريب أن مجتمعاتنا العربية تأخذ خطوات استباقية خلال هذا الاتجاه قبل أية أنظمة سياسية في ممارسة هذا الفعل الفاضح ذاته، وأصبح أي مسئول، بل أي مثقف (من الصنف المرقط) متواطئاً مع تلك الاستراتيجية التاريخية. ليتحول الإنسان إلى مجرد قطّع غيار عليه أن يخلع ذاته أمام أية ممارسة دون تفكر حر ولا أي موقف تجاه ما يرى.

 

سامي عبد العال

 

 

عادل خلف عبدالعزيزنبدأ حديثا بطرح سؤال وسنحاول أن نجيب عليه، هذا السؤال هو، هل الفلسفة جدال؟!!

للإجابة علي هذا السؤال ينبغي علينا أن نقدم تعريفا للجدل: فالجدل هو فن المحاورة وكيفية استنباط الافكار من خلال الدخول في حوار بناء مع الآخر أيا كان موضوع المحاورة، فقد تكون المحاورة فلسفية مع أهل الفلسفة ومحبيها، وقد يكون الحوار عقائدي حول الاعتقاد والمقارنة والمقاربة بين الأديان مثلاً - بما يسمي بالمناظرات- وقد يكون الحوار ثقافي بين الأدباء، أو النثار، أو الشعراء- كما يحدث في الصالونات الثقافية -من خلال عرض قصة قصيرة أو ديوان شعري، أو تحليل كتاب حتي-وقد يكون الحوار علي مستوي جماهيري عامي - كأن يتحاور مجموعة من عوام الناس مع بعضهم البعض حول مشكلة من المشكلات العامة - كمشكلة البطالة مثلا.

وقد يكون الحوار علي مستوي محدوداً، أي عن طريق عقد ندوة محدودة العدد، يلقي المتحاور بكلمته أو يطرح فكرته، ثم تدور بينه وبين الحضور نقاشات كثيرة.

وقد يكون الحوار علي مستوي واسع كما يحدث في الملتقيات والمؤتمرات الثقافية كملتقي الشباب الذي يطرح قضايا الشباب ويناقش همومهم، ويدور الحوار بطريقة منتظمة عن طريق عرض الرأي وقبول الرأي الآخر - وقد يكون علي مستوي أسري بين الزوج وزوجته، أو بين الزوج وابنائه.

وهذا ما يمكننا ان نطلق - إن جاز لنا-نطلق عليه الجدل البناء الذي يعتمد علي فرضيات ومقدمات تخضع للمناقشة من أجل الوصول الي نتائج تفيدنا في واقعنا المعيش علي كافة الاصعدة والمستويات، سواء السياسية، أو الاقتصادية، أو العلمية، والثقافية، والاجتماعية، وهذا بدوره يؤدي إلي نهضة شاملة نحلم ونصبو إليها دوماً.

إذن الجدل البناء المنهجي هو الذي يقودنا إلي الوصول إلي نتائج من الممكن من خلال مناقشتها مناقشة موضوعية نصل إلي غاية مرامنا،  فالجدل هنا المقصود به الحوار، وهذا لا مندوحة عنه فجميعنا يقبله دون إفراط أو تفريط، وهذا من وجهة نظري هو الجدال المحمود.

أما الجدل المرذول فهو الجدل المذهبي الذي يقوم علي اللاوعي، واللامبالاة، والتعصب الأعمى البغيض لفكرة ما، أو لمذهب ديني ما، كما رأينا ذلك عند بعض "الشيعة" وغلاتهم يدخلون في مناقشات ومحاورات مذهبية لا طائل من وراءها، اللهم إلا إثارة الفتنة بين الناس ولا تخرج من حواراتهم إلا بالتعصب الأعمى، وكذلك ما رأيناه عند "الخوارج" في حوارهم مع "واصل بن عطاء" عندما مر علي ديارهم -وكان الذي يمر علي ديارهم وليس علي شاكلتهم ينكلوا به بعد دخولهم في حوار معه ويسألونه عن السيدة "عائشة" والصحابة وإذا ثبت أنه يدافع عنهم ينكلون به ويقتلوه، أما المشرك المستجير يتركوه، بل ويظلوا معه حتي يبلغ مأمنه، وهذا ما فعله "واصل بن عطاء" معهم عندما استوقفوه قال لصحبه دعونا أتحدث أنا معهم، قال لهم مشركون مستجيرون فأجيرونا، إذن هذا جدل اعتمد علي المغالطات المنطقية؛ بمعني أن "واصلاً" إدعي أنه ليس من أهل التوحيد، فتركوه يمر، وأهل القبلة الذين يحبون آل البيت والصحابة ينكل بهم.

هذا هو الجدال الهدام الذي لا يؤدي الي الوصول الي الحقيقة، وهذا هو المنهي عنه ترك الجدال، ولو أنت علي حق؛ وقس علي ذلك ما يحدث الآن من جدالات قد تستمر طويلا بين أنصار الجماعات المتطرفة فكرياً التي ترمي وتتهم الناس بالكفر، بل ويصل بهم المدي إلي استباحة دم من يناقشهم بعد اتهامه بالكفر، لأنه لم يسايرهم ويتماشي مع مذهبهم كالجماعات التكفيرية التي زعموا أنهم حماة الدين وحراس العقيدة وأنك إذا دخلت معهم في مناظرة دقيقة وموضوعية تعتمد علي الفكر الحر المستنير، تجد هؤلاء يلوون عنق النصوص الدينية من أجل إثبات وجهة نظرهم وتبديع الآخر

وهؤلاء في الحقيقة لا علم لهم ولا حتي فهم دقيق لفحوي النصوص، اللهم إلا اعتمادهم علي قراءة بعض الكتب المسمومة التي تدعوا إلي التطرف، مثل هؤلاء لا طائل من وراء مناقشتهم اللهم إلا النصب والتعب ومضيعة الوقت.

وكما يحدث بين الشباب وخصوصاً شباب الجامعات من سجالات ومجادلات في محاضراتهم مع أساتذتهم كأن يقوم الاستاذ بإلقاء محاضرته، وفجأة يقاطعه شباب أو فتاة بسؤال لا يمت من قريب ولا من بعيد للموضوع محل المحاضرة أو حتي يكون له علاقة لكن لا يناقش مناقشة موضوعية بناءة وعليه أن يترك الجدال فوراً، فهذا الجدل لا ينتج عنه إلا جدلاً وقد يثير بلبلة في المحاضرة وتشويش فكري لكل الحضور، فهل نتركه يستمر ام نوقفه. ؟!

أري ان نوقفه فوراً، فهذا هو الجدل من أجل الجدل، أو أن شئت قل جدل لا عائد ولا طائل من وراءه، إلا الظهور أمام الحضور وإثبات الذات - وليس هذا اثبات للذات، بل هو إهدار للذات، وقد يتهمك الحضور بالغباء، أو بلفظ مهذب بالخواء الفكري والعبث والفوضى. وهذا ما لا نرضاه لشبابنا لماذا؟.. لأننا نهذب العقول ونهذب الأفكار حتي نستخلص منتج فكري راق يتناسب ويتماشى مع عصرنا الذي نحياه.

إذا نظرنا وأمعنا النظر في تاريخ الجدل ؛ فمنذ بدء الخليقة حدث جدال طويل بين الاخوين "هابيل وقابيل" وانتهي الأمر إلي أن يقتل الأخ أخاه.

وكذلك إذا استعرضنا تاريخ الفكر الفلسفي سنجد "سقراط" مارس الجدل مع "السوفسطائية" مستخدما منهجيته المشهورة التهكم والتوليد من أجل كشف أغاليط السوفسطائية تنوير عقول الشباب الأثيني، وكذلك استخدم "أفلاطون" جدلية العلاقة بين عالم المثل وعالم المحسوس من أجل تطبيق مثال الحق والخير والجمال علي الواقع، وأيضاً أرسطو استخدم الجدل مع راس من رؤوس السفسطائية؛ ألا وهو " أقراطليوس" الذي إدعي مثلما فعل "جورجياس" أنه لا يوجد شئ حقيقي علي الاطلاق ودخل معه "أرسطو" في حوار صامت من جانب هذا الرجل، ناطق من جانب أرسطو واكتفي الأول بتحريك إصبعه منكراً أن يكون هناك شئ حقيقي بإشارة لا، ورد أرسطو عليه إنك مجرد أن تحرك اصبعك مشيرا به دليل علي أنك موجود.

كذلك استخدم الإمام "أبو حامد الغزالي" الجدل مع بعض فلاسفة الاسلام في الثلاثة قضايا المشهورة إنكار البعث، قدم العالم، وعلم الله بالكليات، ليس هذا وحسب بل وتكفيره اياهم وهذا ما ارفضه رفضا تاما فليس ثم أحد يمتلك سلاح التكفير ولا ينبغي أن نكفر أحدا من أهل القبلة مهما اختلفنا معه في الرأي.

أيضا استخدم "هيجل" الجدل في الوصول إلي المطلق (الله)، وكذلك استخدمه "اسبينوزا" في نقده لفكرة وحدة الوجود عند "محي الدين ابن عربي"، وأيضا استخدمه "كانط" في حديثه عن جدلية العلاقة بين المعرفة القبلية والمعرفة البعدية وكيفية الوصول الي عالم الأشياء في ذاتها والتي من خلالها نصل معرفة الحق الاول.

الإنسان بطبيعته يميل إلي النقاش وإلي الجدال، حقا وكان الإنسان أكثر شئ جدلاً، لكن لا بد وأن حقاً يبغي الوصول الحق الذي يطمئن معه العقل وتهدأ به النفس عليه أن يناقش مناقشات موضوعية طارحا خلفه ما يدفعه دفعا إلي العود القهقري إلي الخلف نابذا التطرف الفكري والنزعات العنصرية التي تجعله يجنح جنوحا إلي جدل عقيم لا يسمن ولا يغني من جوع، جدلا أجوف يميل إلي السفسطة وقلب الحقائق ومجانبة الصواب، وقد ظهر ذلك واضحا جليا من خلال حوارات السفسطائية قديما، وكذلك من شبهات بعض المستشرقين وافتراءاتهم علي الحضارة الشرقية والحضارة الاسلامية والعربية علي وجه الخصوص وجدلهم العقيم الذي إن دل علي فإنما يدل علي فقدان الأرضية الحقيقية لبناء فكر صائب يستفيد منه الجميع فكر تحيا به الانسانية وتسعد به وتهنأ، والامثلة علي ذلك كثير وجورج سل ليس منا بعيد في جدله حول القرآن الكريم وانه من صنع البشر ألفه محمد، وكذلك حول جدليته حول ترجمة القرآن وأن احدي آياته المحكمة نزلت لأهل مكة وهي قول الله تعالي (يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا) نقول لهذا ولأمثاله هل عندكم من علم فتخرجوه لنا، نحاججكم ونقارعكم ونجادلكم الرأي بالرأي والحجة بالحجة ونقارعكم الدليل بالدليل، فلا يرد علي الجدل العقيم بجدل عقيم مثله بل نرد بمنطق العقل القائم علي مقدمات نستخلص من خلالها نتائج تفيد واقعنا المعيش.

 

الأستاذ الدكتور عادل خلف عبد العزيز

رئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب - جامعة حلوان.

 

ظريف حسينإن أكثر أربع نظريات تأثيرا في تاريخ العلم صاغها ملحدون، كما أدت بدورها إلى دعم الملحدين، برغم أن فصل التفسير العلمي عن الاعتبارات الدينية يتم في ذهن العالم بطريقة تلقائية، وهذا لا يعني بالضرورة أن العلم يتناقض بصفة عامة مع الدين، ولكن طبيعة العلم نفسها هي التي تفترض تفسير الظواهر بظواهر أخري فقط لا غير.

وسنعرض لأهم وأقدم هذه النظريات كما يلي:

1- نظرية التطور:

وتتلخص في أن حياة الإنسان الفرد هي تكرار أبدي لتطور النوع البشري علي مدار التاريخ، أي أنه بدأ بخلية واحدة وارتقي ليصبح في النهاية إنسانا مارا بكل أشكال الحياة الحيوانية الأدني منه في الرتبة.

و لقد سببت هذه النظرية أكبر صدمة للمؤمنين بالله، أي الذين يعتنقون نظرية الخلق الواردة في الكتب المقدسة، من كل الملل والنحل السماوية ظنا منهم أنها تتضارب مع الاعتقاد بأن الإنسان مخلوق علي صورته الحالية، طبقا لما جاء في العهد القديم اليهودي، وليس مجرد كائن حي متطور عن الأحياء الدنيا كما قرر دارون.

ولكن هؤلاء المؤمنين قد لا يمكنهم جحد الأدلة العلمية التي قدمها دارون تصديقا لما قال، وخاصة الحفريات، وعلم الوراثة الجزيئية، وعلي الأخص الچينوم البشري علي صدق نظريته.

2-النظرية المادية التاريخية:

وهي المعروفة بالماركسية وملخصها أن طريقة حياة الإنسان أو ثقافته يصنعها عمله ودخله فقط، وبالتالي فإن الاقتصاد ومستوي معيشة الناس هو الذي يحدد طريقة تفكيرهم. وليس العكس: أي أن نوع العمل وأدواته والأشكال القانونية التي تضمن وجوده مثل الاتفاقيات والتعاقدات والقوانين المنظمة للعمل.. هي التي تحدد مكانة الناس في مجتمعاتهم، ومكانة المجتمعات نفسها في العالم، أي تحدد مدي سلطة كل منهم علي الآخرين.

وهذا يعني ببساطة أن الإنسان طبيعته مادية، وبناء عليه فإن الإقتصاد هو الذي يحدد نوع السياسة والنظام السياسي...،

وبصفة عامة تصبح الثقافة بكل أشكالها وأرفعها مقاما وقداسة مرهونة بالمستوي الاجتماعي الذي هو بدوره مرهون بالمستوي الاقتصادي للناس.

ومن الواضح هنا اشتراك هذه النظرية مع نظرية التطور لدارون في اعتمادهما معا علي التفسير المادي الطبيعي فقط، أي علي اكتفائهما بالتفاسير المادية، أي الطرائق العلمية لوصف التحولات الحيوية والاجتماعية، علي الترتيب، وتجنب كل ما يتعلق بالأديان وخاصة ما يعرف عادة باسم "الروح" والنظر إلي كل ما ليس "ماديا" علي أنه شكل أعلي من أشكال التحولات المادية، ومن ذلك الدين والأخلاق والفن... وبالاختصار:كل أشكال الثقافة وأرفعها قيمة في نظر الشعوب المثالية والمقدسة.

3- نظرية التحليل النفسي:

وتتلخص نظرية فرويد في أن الحياة النفسية للإنسان محكومة ببنية مادية لا بمنطق روحي غيبي علي الإطلاق؛ فالطاقة النفسية - ككل أشكال الطاقة-ذات طبيعة مادية، وهي عبارة عن غريزة لها دافعان متصارعان أحدهما إيجابي وهو "التمسك بالحياة" والآخر سلبي وهو "الخوف من الموت"، وأن كل شيء في حياة الفرد محكوم بهذين الدافعين الرئيسين.

ولقد قرر فرويد أن يؤسس تفاسيره للعمليات النفسية علي أنها عمليات مادية بحتة، يحكمها أيضا منطق مادي له صورتان:

الأولى: شكل من أشكال "قانون بقاء الطاقة".

والثانية: هي قانون نفسي يعد ترجمة نفسية مباشرة للصورة الأولي مؤداه أن "كل شيء لا بد من أن يعبر عن نفسه وإنجاز وجوده باحدي الصور المتاحة، وأنه إذا استحال عليه ذلك بالطرائق الطبيعية للإشباع في تاريخ إشباعها الطبيعي، فإنه سينشأ المرض النفسي الذي يسميه بـ" العصاب" الذي قد يأخذ منحي أكثر حدة، أي صورة "ذهان" أي اضطراب عقلي.

وأن كل هذه التصرفات إذا لم تتم تحت رقابة الوعي فإنها ستتم حتما في غيابه، أي سيتم إشباعها والتعبير عنها بطريقة "لا واعية" وهذا التعبير يعتمد علي محتويات الوعي، أي علي مضمون الثقافة. وكل ذلك محكوم بـ"حتمية نفسية"، بمعني أن كل شيء نفسي محكوم بإجراءات صارمة لا يمكن أن يحيد عنها وإلا نشأت الأمراض أو الانحرافات التي هي أعصبة نفسية وربما عقلية.و بذلك يكون فرويد قد استورد قانوني بقاء الطاقة وقانون بقاء الكتلة من عالم الفيزياء إلي عالَم النفس.

وتستبعد هذه النظرية النفسية كل ما يعده المؤمنون من مظاهر الروح أو النفس التي هي - في نظرهم - من أصل غير مادي، أي مستقلة عن الجسد. فالنفس طبقا لهذه النظرية المادية مجرد مجموع وظائف المخ الواعية وغير الواعية بنفسها، أي مجرد مظاهر للوظائف العليا للمخ وخاصة مراكز الفكر والعواطف.

وكان من نتائج هذه النظرية تفسير الأمراض النفسية والعقلية بوصفها مجرد ردود أفعال لتعويض النواقص في إشباع الرغبات المادية في مراحل الحياة الباكرة، طبقا لقانوني "بقاء الطاقة" و"الحتمية النفسية"، كما قلنا، أي ضرورة إشباع الحاجات النفسية الحيوية بطرائق معينة وفي تواريخ محددة.

و برغم التعديلات التي طرأت علي هذه النظرية سواء من فرويد نفسه أم من تلاميذه ونقاده، فإنها حققت نجاحا ملحوظا في فهم النفس البشرية، ويظل النهج المادي في تفسير الظواهر النفسية بصفة عامة هو أبرز نقاط الاتفاق بينها وبين طب المخ والأعصاب الحديث.

4- النظرية النسبية:

وهي النظرية التي استطاع بها آينشتين القضاء علي أشباح المطلق المادي في الكون ولكن المثقفين الذين تلقفوها وظفوها كعادتهم توظيفا عاما ومطلقا، وفي كل المجالات.

و أهم ما في هذه النظرية هو أننا يمكننا السفر عودة إلي الماضي الذي كان مستقبلا في يوم ما، وبذلك يقبل الزمان الرجوع للخلف.

و لكن العائق الأوحد لإنجاز ذلك السفر هو غياب وسيلة المواصلات التي تمكننا من الانتقال بسرعة الضوء علي الأقل.

وما أود أن أقوله هنا هو أن الطبيعة لا تعطي علمها إلا للعالمين بقوانين عملها فقط. وبذلك كانت الطبيعة في النظريات الأربع السابقة مستقلة تماما عن معتقداتنا الدينية التي لم تعد مكونا من مكونات معارفنا؛ فكوننا مؤمنين أو ملحدين ليس له أدني علاقة بمكانتنا في العلم ولا في العالم!

وكذلك الأمر في مجالات السياسة والاجتماع...؛ فلا بد من أن تكون في كل ذلك علمانيا لتفلح في فهم الأشياء وتسييرها طبقا لقوانينها التي أودعها فيها بارئها، أي أنه لا محيص لنا عن الفصل بين المناهج العلمية والعقائد الدينية، فعندما نمارس العلم وأي نشاط إنساني آخر، فلابد من الرجوع إلي قوانين الله في الطبيعة وليس إلي الله نفسه، بغية التحكم في الطبيعة، وإلا حجزنا مقاعدنا في قطار التخلف الذي لا يسير أبدا إلا إلي الوراء!

 

د. ظريف حسين

أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بجامعة الزقازيق - مصر

 

لا شك أنه في عمق التحولات الكبرى الحاصلة في العالم وفي عمق الواقع العربي والإسلامي على مختلف الصعد والميادين، طافت على السطح إشكالات عديدة من جراء المشكلات المتراكمة والباحثة لحلول ومخارج من الأزمات اللامتناهية، وتوالدت الكثير من التساؤلات والقراءات والمقاربات وفق منهج الشك وقوانين المراجعة والاختبار والتقويم لعدة عناوين ارتبطت باليقينيات المختلفة، مما زاد من حدة التعقيدات الفكرية والعملية، لكن بحسب الرؤية الإسلامية القرآنية، أساس التقدم والتطور هو العلم والمعرفة على هدى تقوى النظر والتفكر..

خيار التعارف.. الإنفتاح على الحقيقة أولا:

كل جهد نظري منفتح على الحقيقة، ينطلق في مقارباته الإصلاحية والتجديدية سواء بالنسبة للفرد أو المجتمع من قاعدة الإنفتاح الثقافي بعدما تجاوز الكهوف الخمسة التي أشار إليها بيكون، لأن محطة الانفتاح ثقافيا هي مقدمة لمحطات توسيع دائرة المعرفة وتركيز العلم المنهجي فالتمكن من فن التساؤل العميق، ثم معرفة هندسة بناء النقد التجديدي، كل هذا يشكل أسس تثبيت  خيار التعارف، في كل بيئات المجتمع وظروفه، هذا الخيار الاستراتيجي في تسريع خطط الإصلاح والتجديد على مختلف الصعد والمستويات بحاجة لتأسيس وترصين وفحص ومداولات فكرية جدلية مع الواقع مستمرة..

لماذا خيار التعارف؟

قد يبدو السؤال غريبا على واقعنا العربي والاسلامي العام، لأننا كمكونات ثقافية متعددة ومتنوعة لا نزال لا نعرف بعضنا عز المعرفة بل لا أبالغ ان قلت لا نعرف بعضنا الا معرفة مشوهة غير مكتملة محتشمة، معرفة قبليات ثقافية تقليدية مصداقيتها مهزوزة في الغالب الأعم، لأننا كإجتماع بشري متعدد الثقافات ومتنوع القوميات والقبائل لا نزال نصارع المراهقة الثقافية ولم ينضج اجتماعنا الثقافي لمستوى وعي التعارف كخيار تجديدي لحياتنا الحضارية المنشودة وفق معالم التقوى وآفاق الكرامة..

خيار التعارف بين الصحة والمصداقية:

التعارف كعنوان في كل البيئات السوسيوثقافية، ينال القسط الوفير من المباركة والصحة، الجميع مؤمن مبدئيا  به كرافعة ومنارة في نهج التجديد والإصلاح والتنمية، شأنه في ذلك شأن جميع القيم الحضارية كالتسامح والتعايش والاعتدال والتعاون والتقريب والوحدة،  بل إن الفاعلين في الشأن الثقافي العام يتشبثون ولو شكليا بخطاب وخيار التعارف مع الشركاء في الوطن والدين والإنسانية، بينما المأزق يتركز في مصداقية التعارف لدى كل طرف من الأطراف، وخصوصية التعارف أنه كقيمة في ذاته يمثل قيمة مضافة لكل القيم الحضارية على مستوى مناشط الفاعلية والواقعية..

خيار التعارف ليس فيلم اشهاري او لقلقة لسان أو تكتيك مرحلي، بل هو نهج حياة وتراكم معرفي ومسيرة وعي وتقوى ثقافية تكاملت في شكل سلوكيات حضارية مستديمة، تستهدف ترسيخ  مفهومي الكرامة الإنسانية والمواطنة الناظمة للتعدد والتنوع..

خيار التعارف...مسؤولية حياة:

في جميع حقول الحياة الاجتماعية تطفو على الواجهة قيم الحرية وما تفرزه من آفاق للمسؤولية الذاتية والجمعية، فالتعارف كإنفتاح ثقافي يستدعي وعيا معمقا بضرورات ومنطلقات الاجتماع التنموي الراشد، وكما أشار المفكر الأستاذ محمد المحفوظ في إحدى أبحاثه المهمة حول ثقوب الوعي الاجتماعي إلى اننا كأمة: " أحوج ما نكون اليوم، إلى تعزيز وحدتنا الوطنية، وتمتين جبهتنا الداخلية.. ولا يتم كل هذا إلا بطرد تلك الثقافة، التي تربي الإنسان على الحقد والكراهية والفرز بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد.. لا يمكن أن تنمو حقائق الوحدة في أي مجتمع مع ثقافة التعصب والكراهية، وذلك لأن هذه الأخيرة تقوّض كل أسس التوافق وأسباب الوحدة وضرورات الالتحام والائتلاف." ، بكل بساطة المأزق ثقافي بإمتياز، كما أن الإصلاح ثقافة قبل أن يصبح آليات وبرامج، لابد من مسؤولية ثقافية منفتحة على حياة كريمة سمتها الأساسية العدالة التنموية، بما يسمح لإصلاح الوعي وتجديد المؤسسات والبرامج والقوانين والتطلعات والقراءات حتما، تجاوزا لكل الاختلالات والانحرافات والتقاليد السلبية واللاإنسانية التي كرست ثقافة الخصام والتنافر والعداء والاعتداء على بعض رمزيا وجسديا وإنسانيا بإسم درء الفتن وحماية الوحدة الوطنية والدينية وما هنالك من تزييف للوعي الجمعي حتى لا ينتبه لمسؤولية التعارف كما حددها الباري عز وجل في القرآن الكريم !!

خيار التعارف...مصنع المواطنة الفاعلة

لا يمكننا بناء تصور او تمثل سليمين وواقعيين لمفهوم المواطنة خارج اطار خيار التعارف، لأن معادلة المواطنة قائمة على المساواة والاعتدال والحوار كضمانات لحقيقة المواطنة، كما أنه ليس من السهل ادعاء حقيقة المواطنة دون تعارف شركاء الوطن (الانساني، الديني، المذهبي، الاثني، الأممي، الثقافي بوصف عام..) فيما بينهم وفق اعتراف واحترام لبديهيات التعدد والتنوع والاختلاف، الاحترام المتبادل، الحوار التكاملي لا التسقيطي، لا يحق لأي طرف أن ينسب لنفسه ملكية حقيقة المواطنة ويسلبها من الآخرين المختلفين معه سواء على الصعيد الديني أو المذهبي أو القومي أو القبلي أو الأممي أو الثقافي العام.

كما أن المواطنة في حقيقتها لا تعني تمتع الأغلبية بها وبآثارها التكريمية في الحياة الاجتماعية العامة، بل هي حق وحقيقة لكل مكونات المجتمع بغض النظر عن الأكثرية والأقلية او الغنى والفقر، المواطنة في ظل التعارف تكريم للإنسان بما هو إنسان، وترسيخ لحقوقه العامة والخاصة وتفعيل لكفاءاته وتطلعاته بما يعود بالخير والامن والتطور والتقدم لنظرائه جميعا في نسيج المجتمع-الوطن، "إننا نتطلع إلى مواطنة متساوية في الحقوق والواجبات، لا تبنى على أنقاض خصوصياتنا التاريخية والفكرية، وإنما تبنى على أساس احترام هذه الخصوصيات والاعتراف بمتطلباتها والعمل على حمايتها من كل التهديدات والمخاطر ..

والتجارب الديمقراطية الكبرى في التاريخ الإنساني، لم تبن بدحر الخصوصيات والتعدديات المتوفرة في المجتمع، بل بخلق ميثاق وطني حضاري، يأخذ بعين الاعتبار حاجات التنوع ومتطلبات التعدد . مما وفر الأرضية القانونية والسياسية المناسبة، لانخراط كل القوى والتعدديات في بناء الوطن وتطوير المجتمع على مختلف الصعد والمستويات.

فالخطر الذي يتهدد الأوطان واستقرارها، ليس من جراء التعددية المذهبية والفكرية، بل هو من جراء سياسة التمييز الطائفي التي تعمل على تفتيت المجتمع على أسس طائفية مقيتة."

المواطنة  كمفهوم مدني معاصر تمتد جذور تبلوره لأحقاب بعيدة في التاريخ الإنساني ومنها الحقبة الإسلامية الأولى وبعض الومضات التالية لها إلى يومنا هذا، لقد تكامل المفهوم ولايزال يتجدد ويتطور مع كل منعطف من منعطفات الاجتماع الإنساني، بفضل تعدد الرؤى وتمايز القناعات حول الطريق المؤدي إلى النماء الإجتماعي، والخطوات العملية المفضية إلى تعزيز خيار التعارف على مستوى البيئات السوسيوثقافية في المعمورة، كما أقر الاسلام قاعدة الأخوة، عرفت الثقافة الأمريكية قاعدة "العصا الناطقة"، على كل حال وبعيدا عن السجالات التاريخية والصراعات الأيديولوجية المتعلقة بحقيقة المواطنة، يمكننا القول: إن خيار التعارف سواء على المستوى الاثني أو المستوى الديني أو المذهبي أو المستوى القبلي أو الأممي، يعني المسؤولية واحدة على عاتق كل عنصر من عناصر التنوع والتعدد وحقائقها الموجودة في العالم الإنساني عامة والعربي المسلم خاصة. ثمة علاقة عميقة بين مطلب التعارف وحقائق المواطنة في الفضاء العربي كما أي فضاء إنساني اجتماعي آخر. سواء أكانت هذه الحقائق دينية أو مذهبية أو جهوية أو عرقية أو قبلية أو ما هنالك من تعددية وتنوعات واختلافات بين أبناء الوطن أو الأمة أو الدين أو الطائفة أو القومية.

خيار التعارف..اجتثات للطائفية

من يطمح  لتنمية الاجتماع العام لأي جغرافية إجتماعية، لابد أن يتمتع بمعرفة دقيقة بالواقع الاجتماعي، خصوصا التكوين الثقافي لتلك الجغرافية الاجتماعية ويدرك تمام الإدراك الخيارات الثقافية والسياسية الغالبة والمطلوبة لتفعيل حقائق التعدد والتنوع إيجابيا في هذا الفضاء الاجتماعي، حتى يتسنى له خوض غمار بناء السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي المنتج للتمدن، كون أغلب الفضاءات الاجتماعية المتخلفة تعاني من مأزق التعامل السلبي مع الاختلافات الطبيعية، مما يسمح للطائفية من التوغل والتغول في الواقع وتفشي توابعها في جل خيارات نظام الاجتماع العام، وعليه لا يمكن التعارف أن يجد مساحة في ظل الهيمنة الطائفية على الواقع الاجتماعي العام، والنخب أو الأطراف أو الجهات الطامحة لتفعيل آليات التعارف في ظل اقتصاد الطائفية لن تحصد إلا المزيد من التشرذم والتصادم والتسقيط والتشويه بين مختلف الأطراف والأطياف. التأسيس لخيار التعارف ينطلق من استثمار فرص الاتحاد وتعزيز آليات تناغم الحريات في بيئات المجتمع الثقافية، أو ما يعبر عنه بالغرس الثقافي ليس اعلاميا فقط بل بالأخص تربويا وتعليميا، مما سينسج ويجذر علاقات إيجابية وتواصلية بين مكونات المجتمع سواءا الجديدة أو العلاقات القديمة التي تراكمت فوقها طبقات الأتربة الطائفية عبر الزمن..

 

بقلم: مراد غريبي

كاتب وباحث في الفكر

 

 

{يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(سورة الحجرات:١٣)

يمكن النظر في هذه الآية من زاويتين، زاوية بنيوية شاملة في القرآن؛ بهدف استكشاف المقاصد الكلية والحكمة العامة المستفادة من هذه الآية، وزاوية وظيفية مركزية؛ بغرض الكشف عن مباحث هذه الآية وأبعادها، ومعرفة العلاقة بين هذه المباحث والأبعاد.

بشأن الزاوية الأولى، عند النظر الشمولي في هذه الآية يمكن القول إن المقاصد الكلية هي الكرامة والتقوى والحكمة العامة المستفادة منها، هي تقرير قاعدة التعارف، وتأكيد أن التعارف هو الأصل في العلاقات بين الناس،  الأصل الذي يؤسس لقواعد الحوار والتعايش والتسامح والتآخي والتعاون وما هنالك من أسس البناء الاجتماعي الحضاري، فلا يمكن تصور العلاقات الاجتماعية وسبل تطويرها من دون التعارف أو بعيدا عنه والذي يزدهر ضمن مقاصد الكرامة الإنسانية والتقوى العملية المنفتحة على الله.

بينما الزاوية الوظيفية المركزية، يمكن الكشف عن المباحث والأبعاد الآتية:

أولا: جاءت هذه الآية وقررت العلاقة بين الإنسانية والتعارف، حين وجهت الخطاب إلى الناس «يا أيها الناس »، الأمر الذي يعني ضرورة التنبه إلى هذه العلاقة بين المشترك الإنساني ومقصد التعارف، وجعلها في دائرة التفكر والتدبر، وهي تفيد أن وعي الإنسانية كأصل مشترك يمثل عامل مؤثر لتحقق التعارف، وينبغي أن يكون داعيا إلى نهج التعارف، وحاميا له، ومحفزا لاستيعاب حقائق الكرامة والتقوى، التعارف الحقيقي والصادق يقود إلى احترام حقوق الإنسان والتي تختزل ضمن كرامته بجل حقائقها وتوطيد السلم والتعايش الأهليين، والعكس يغذي عناصر التصادم والتنازع والتصارع والعنف المتبادل، مما يطمس كرامة الإنسان ويتجاوز التقوى ويفسد الاستقرار والتعايش والسلم وينسف تجليات العدالة.

كما تفيد هذه العلاقة كذلك، أن دائرة الإنسانية بالنسبة لأصحاب الإيمان مهمة جدا في إيصال التقوى الإيمانية عبر حقائق التكريم الإلهي والكرامة الإسلامية التي تنهض بإنسانية الإنسان وذلك من خلال سبيل التعارف، فالدعوة للإسلام لا تحقق مقاصدها عبر التعالي وإنما بمنهج التعارف السليم والمنفتح على آفاق المعارف والثقافات والعلوم والفنون وهذا كله، خطوطه العريضة متجذرة في الرؤية الحضارية للقرآن الكريم والسنة الشريفة .

ثانيا: الخطاب في الآية جاء بصيغة الجمع، فهو خطاب إلى الجماعة وليس إلى الفرد، بمعنى أنه خطاب متعلق بمفهوم الجماعة وذلك لوجهين: وجه يتعلق بعنوان التعارف، ووجه يتعلق بعنوان الجماعة.

ما يتعلق بعنوان التعارف: يتحدد في كون أن فعل التعارف حاجة مجتمعية وليس حاجة فردية فقط، وما يتعلق بعنوان الجماعة: يتحدد في كون أن المجتمعات هي المعنية والمسؤولة عن تحقيق التعارف، وكذلك غاية ومقصد التعارف بحاجة لجهد الفريق ولتكامل العقول ولا يمكنه أن يتحقق في إطار الجهود الشخصية والجهوية الضيقة، لابد أن يرقى لمستوى الثقافة الإجتماعية ويكون صبغة الاجتماع الثقافي.

ثالثا: الخطاب في الآية جاء كذلك بصيغة فعل الأمر تحديدا، فهناك من جهة عامة أمر للناس و للمؤمنين خاصة بإلتزام نهج التعارف، وهو بمثابة إرشاد إنساني وتكليف إيماني جماعي استراتيجي على طول الزمن الإسلامي، وأن أمر التعارف ينبغي أن يأخذ صفة الفعل المستمر الذي لا ينحصر ولا يتحدد لا في زمان معين، ولا في دوائر محددة، وإنما هو فعل مستمر شامل ونهج استراتيجي مطلوب في جميع الأزمنة والمجتمعات، وتجاه الآخر ككل، الجواني والبراني، وسيظل فعلا مستمرا مطلوبا بلا توقف وبلا انتهاء في ظل وجود الإنسان والمجتمع المسلمين.

رابعا: اتفق المفسرون من جل المذاهب الإسلامية قديما وحديثا على أن جملة {إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم}، وعلى سبيل المثال لا الحصر، بحسب المفسر الفقيه المالكي العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير: أنها جملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وإنما أخّرت في النظم عن جملة "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"، لتكون تلك الجملة السابقة كالتوطئة لهذه وتتنزل منها منزلة المقدمة.

 وجاءت تنبيها إلى ان حقيقة الكرامة عند الله كشرط للتقوى.

خامسا: نهج التعارف، يتطلب معرفة حقائق الكرامة وآفاق التقوى، وهنا نبهت الآية الكريمة إلى مسألتي العلم والخبرة ونسبتها لله توحي ان علم التعارف وخبرته لابد أن تطلب من العليم الخبير الباري عز وجل، مما يحيل إلى الزاوية الأولى البنيوية الشاملة التي تفتح الأفق الرحب أمامنا في صياغة ثقافة التعارف على ضوء محاور العلم والخبرة في المدرسة القرآنية المحمدية.

هذا عن أفق من آفاق النظر في الخطاب القرآني المؤكد على أهمية نهج التعارف، لكن السؤال الجوهري والمركزي :هل لبى المؤمنون المخاطبون ضمنيا في الآية النداء ونهجوا سبيل التعارف كبديل ثالث عن الصدام والعزلة؟!

بالرجوع للتاريخ لا نكاد نقف سوى على ملاحم الصراع والتخوين والتسقيط والتشهير والتكفير والتطرف والإقصاء كخيارات مأساوية الى جانب فتاوى الاعتزال الطائفي وشيطنة الاحتكاك بالآخر المخالف والمذهبي على وجه الخصوص، بل أحيانا الآخر الكتابي أقرب للذات الطائفية من المذهبي المسلم!! بين سياسة الإبادة وثقافة التهميش والإقصاء، ضاعت فرص ثمينة عديدة لبناء الاجتماع الإسلامي الحضاري، سوى تلك التي سطعت بموجات التفاعل مع الحضارات الأخرى مما أثمر نهضة علمية وفنية وإنجازات حضارية رائدة بين بغداد والاندلس والقيروان والزيتونة وجاكرتا، ولعل أكثر الصور إشراقا للتعايش والتسامح والتعارف لا تكاد تعرف لدى إنساننا العربي والمسلم المعاصر، لأنه ببساطة ضحية الوصاية الطائفية التي لا يخدمها نهج التعارف، ففي تصحيح المعارف وفضح الأساطير والافتراءات على ضوء النظر في القرآن الكريم والسنة الشريفة والتاريخ الإنساني الإسلامي ستزهر حقائق الكرامة وآفاق التقوى في الوعي الجمعي للمسلمين، وتنتفي اوهام التوجس ومبررات الكراهية وخدع التفرقة والتسقيط لتحل محلها شجاعة التعارف وآداب الحوار ومناهج البحث العلمي الحر وأخلاق التعايش واللقاء وقيم التسامح والعفو والسلم والتعاون على البر والتقوى..

 

بقلم: مراد غريبي

كاتب وباحث