سهيل الزهاويبقلم: إلين ال. آبيَ لوند

ترجمة: سهيل الزهاوي من النرويجية


 حزني على الطائر الأسود.

 حين يفقد الأمان في الشتاء القارس،

وهو يحلق هاربا

 ولكن احيانا،

يرتفع الطائر عاليا ،

عندما يكون في الأفق،

تحت أشعة الشمس.

تسْطَعُ أجنِحَتُه لاَمِعَةٌ بلون ذهبي.

***

..........

إلين ال. آبيَ لوند: شاعرة نرويجية كتبت هذه القصيدة ضمن المجموعة الشعرية (رسالة السماء) بعد أن فقدت طفلها البالغ من العمر ثمانية ايام، قصائد لتخفيف عبء الحزن

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: شاندور چوري

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرائي


 نظرت خَلْفي

وأين كنتِ من قبل، أيتها الجزيرة!

سعفُ نخلكِ كطيور تَلكُمُ الماء

لَجَّت

في وهج الشمس،

وهَرِمتْ كأفراس نهر.

قواربك المطلية بالقار،

 

حَّرَرَ البحر يداً من أفقكِ -

فانتظرتُ أن ينساب خلفي،

غير أن وجهه الذي ألفاني كان متقداً.

مُدهّماً كنت ومختلجاً من لوعة الوداع،

كدهّمةَ تماثيلك الخشبية.

استيقنتُ، أن هذا الصيف الشاسع سيقصيني بلا رجعة

وتنتظرني أوروبا بثمانية وعشرين درجة تحت الصفر،

وبعشرة آلاف طن من سخامها،

وبضباب يرقرق الأعين،

وبشوارعها التي تشبه أنفاق الكهوف،

لا تفضي إلى منفذِ

وألفي عام من الابتسامات المهذبة تنتظرك،

ومبادئ للدعاية،

كلمات الزجر،

أن: هذا غير مسموح بهِ،

أو: ذاك غير ممكن؛

أصدقائي ممددين في المقاهي معصوبي الأعين

يواريهم دخان السجائر.

 

مع نسائكِ وسنا شمسك

أمسيت مُوارباً.

ومن شجاعتك طفلاً،

حَسَمَ في خياله

كل حروب الاستقلال في العالم،

مرتدياً قميصاً مفتوحاً على الصدر

ولم يعد يتهيأ للحرب،

إلا من أجل الحُب.

برتقالكِ الصيفي مثل قذائف مدفع،

يتساقط هنا بالقرب مني.

***

...............................

نبذة عن حياة الشاعر:

ولد الشاعر شاندور چوري، في الثالث من فبراير من عام 1930.

كان شاعراً وصحفياً وكاتب مقالات سياسية. أكمل دراسته في الإعدادية البروتستانتية التصحيحية عام 1950، التحق بعدها بمعهد ألتا، لكنه ترك الدراسة بسب المرض. عمل في العديد من المجلات والجرائد مثل الجريدة الأدبية خلال الفترة ما بين 1953 و 1954، ومن 1955 إلى 1956 كان محرراً لقسم الشعر في دورية "الصوت الجديد".

 ظهرت قصائده الأولى في عام 1953، مما أثار ضجة كبيرة وانتقاداً لعصر الرئيس راكوتسي. وسرعان ما لاحظت السلطات أن الشاعر لم يكن من أنصارها. ففي كتاباته كان ينتقد تأثير الديكتاتورية على شخصية الإنسان ومصيره خصوصاً على السكان في الريف. كان تحت المراقبة، بل استمرت مراقبته في بعض الأحيان لسنوات. لم يحصل على جوائز. عاش في بودابست، حيث كان يلتقي بأصدقائه، وبالأخص المخرج السينمائي المشهور ميكلوش يانتشو، والشاعر أوتو أوربان، وجورج كونراد، و فيرينس كوشا.

توفي الشاعر عن عمر يناهز 86 عاماً بعد صراع طويل مع المرض في 12 سبتمبر 2016.

 

 

2801 كارلا كورديروبقلم: كارلا كورديرو

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

 كل شيء بحاجة الى اصلاح

في ثلاثينيات العمر كل شيء بحاجة الى اصلاح.

ابتعت صندوق ادوات لهذا الغرض.

ملأته بالمعدات التي كان أبي يمتلكها في الماضي

كي يقي منزلنا من الانهيار. ابتعت ادوات لها اسماء ووظائف اجهلها.

انظر اليها جالسة فوق رفوفها بحزم بلاستيكية ملصق عليها قصاصات الأسعار

وهي تصرخ: "أيتها السيدة، انك تحتاجين هذا!"

كأنني أتمكن يوما ما ان امنح منزلي وكل شيء يعيش فيه هبة الخلود،

ليكون نصبا تاريخيا سيصطف الجيران في طابور

ليزوروه حتى بعد رحيلي ويهتفوا: "اللعنة ذلك منزل جميل!"

امتلك مثقابا الآن، مع مئات ومئات من القطع المعدنية

التي من المحتمل انني لن استعملها او استعملها بالطريقة الخاطئة

ولكن مما انا متأكد منه هو لا يزال عدم تأكدي أي الأدوات

تصلح الكلبَ الذي يكبر بالسن، نبات الثعبان الذابل،

التجاعيد تحت عينيّ، الركبة المتصلبة او الظهر التالف.

وربما هكذا هو الوضع— كيف تتحلل اجزاء كوننا الصغير

مثل مكعبات السكر في الماء—نداء يدعونا

لنبطئ من انفاسنا المنهمكة كي نتمكن من ان نندهش

من سحره. لأنني حين كنت طفلة اسقطت

مرطبان كعك على شكل سفينة نوح،

ميراث العائلة الذي تناثر اجزاءً مهشمة.

تحررت الحيوانات، حمر الوحش ركضت تحت مائدة المطبخ،

الأسد المكسور زأر عند الباب الأمامية

ومن خزانة الأدوات انتزعت شريطا لاصقا وغراء خزف،

وأعدت كل حيوان الى وضعية رحلته المزمعة.

ذلك لأنه في ذلك العصر حين عاد والدي من العمل اعترفت

فأجلس المرطبان على المنضدة ليس الا ليملأه بالمعجنات.

نظرت الى شقوق العطب التي اصلحتها يداي كم تبدو مثلمة.

رقاقات الطلاء موزعةً شرائحَ على رقبة وحيد قرن.

اصطفت جميع الحيوانات البرية في طابور امام القارب—

وفيض من الحلوى اللذيذة ينتظرهم في الداخل.

***

........................

كارلا كورديرو: شاعرة وناشطة أميركية تنحدر من شعب الشيشيميكا على الحدود الأميركية المكسيكية حيث نشأت في المدينة الحدودية الصغيرة كلاكسيكو بولاية كاليفورنيا الأميركية. نشرت اولى كتاباتها في كتيب بعنوان (جنادب أمام الآلهة) عام 2016 وظهرت اول مجموعة شعرية لها عام 2018 تحت عنوان (كيفية انتزاع الأرض) لتنال جائزة كتاب سان دييغو لعام 2019. تقوم كورديرو بتدريس الكتابة الابداعية في كلية مدينة سان دييغو وكلية ميراكوستا.

 

2804 sillitoeبقلم: ألان سيليتو

ترجمة: صالح الرزوق


 في إحدى المناسبات شاهدت رجلا يحاول أن يقتل نفسه. لا يمكن أن أنسى ذلك اليوم لأنني كنت وحدي في البيت، في أمسية من أمسيات يوم السبت، ومشاعري سوداء كالحة ويغمرني القنوط. فقد كان كل أفراد العائلة في صالة السينما، ما عداي. ولسبب من الأسباب تركوني وحدي. وطبعا لم أكن أعلم أنني سريعا سوف أرى بعيني شيئا لا يمكن أن أراه في الأفلام، شاهدت رجلا حقيقيا يعلق نفسه بحبل. كنت صغيرا يومها. ويمكنك أن تتخيل كم استمتعت بالحادث.

لم أعرف عائلة لها وجوه تسود وتكتئب حين يصيبها القنوط مثل عائلتنا. كان رجلنا الكبير يبدو بوجه أسود وثقيل وحافل بالنوايا الإجرامية إذا لم يجد لفافة أو إذا توجب عليه استعمال السكارين لتحلية الشاي، أو دون أي سبب منطقي ومفهوم. وكنت أنسحب من البيت كلما ابتعد عن كرسي الموقد بجانب لسان النار المشتعل ليبحث عني. كان يجلس، تقريبا على لسان النار، وقبضتاه، الملوثتان بالزيت والمضمومتان، أمامه وراحة كل منهما قبالة الثانية. وكتفاه الثخينان نحو الأمام، وعيناه البنيتان الداكنتان تتأملان النار. وبين حين وآخر يطلق شتيمة بذيئة، دون أي سبب مقنع، أسوأ الكلام يمكن أن تتوقعه منه، وإذا بدأ بهذا الهراء تعلم أنه حان الوقت لتختفي. وإذا ورد اسم الوالدة، هذا دليل أن الأمور ستسوء جدا، فهي ترد عليه بلسان سليط. تقول:”لماذا أنت مكفهر لدرجة لعينة يا عاثر الحظ؟”. كأن ما يحصل بسبب تصرفاتها. وقبل أن أفهم ماذا يجري يركل الطاولة ويقلبها على قفاها، بكل ما عليها من أطباق، وحالا تهرب الوالدة من البيت وهي تعول. ثم يعود الوالد لينحني قرب النار ويتابع شتائمه. وقد يكون كل ذلك بسبب علبة لفافات.

وفي إحدى المرات رأيته خامدا أكثر من أي وقت آخر، وتوقعت أنه فقد رشده على نحو ما - حتى مرت ذبابة على مبعدة ياردة منه. فهاجمها بيده، وضربها، ورأيتها تسقط مشلولة في النار الملتهبة. وبعد ذلك دبت فيه أنفاس الحياة والبهجة قليلا، وجهز بعض الشاي.

حسنا، هكذا انتقلت إلينا عدوى النظرة السوداء. وهذا هو السبب الحقيقي للكآبة التي نتقاسمها مع الوالد.  كانت حياته كلها تسير بهذا الاتجاه. صدقا. أصبحت النظرة السوداء من طباع العائلة. بعض العائلات لها نظرة حالكة، وبعضها الآخر لا تمتلك هذه النظرة. وعائلتنا تنتمي للنوع الأول مباشرة، وهذا مؤكد، ولذلك إذا شعرنا بالضجر نبدو ضجرين حقا. ولا أحد يفهم لماذا نسأم إذا بلغنا درجة عالية من السأم، ولا أحد يعلم لماذا تسوّد وجوهنا. بعض البشر يكتئبون ولا يبدو عليهم الشر أو السوء. ترى أنهم سعداء بطريقة مثيرة، كما لو أنهم حصلوا على حريتهم من زنزانة بعد عقوبة على خطيئة لم يرتكبوها، أو أنهم انصرفوا من صالة السينما بعد الجلوس متحجرين على المقعد لثماني ساعات من أجل مشاهدة فيلم بارد، أو أنهم أخطأوا بتوقيت الحافلة بعد أن جروا وراءها لحوالي نصف ميل، وتبين لهم بعد نهاية الجري أنها ليست حافلتهم - في عائلتنا الشعور بالضجر لا يختلف عن ارتكاب جريمة بالنسبة لبقية العوائل. 

سألت نفسي العديد من المرات ما هذا، ولكن لم أصل لأي إجابة حتى لو انتظرت بمكاني وفكرت بالموضوع ساعات. هنا يجب أن أعترف أنني لم أجد الطاقة لأفعل ذلك، ولكنها فكرة طيبة أن أفعل. لكن أنفقت ساعات وأنا أجهد ذهني بأمور هذه الدنيا، حتى قالت لي الوالدة، وهي تراني منكفئا قرب النار مثل الوالد:”لماذا تبدو أسود؟”. ثم توقفت عن التفكير بالأمر حتى لا تشتد كآبتي وينتابني الضجر القاتل وأتحول لشخص يشبه والده، وأركل الطاولة وأقلبها بكل الأواني المصفوفة عليها. وغالبا أفترض أنه لا يوجد شيء يستحق هذه الكآبة. إنها ليست غلطة أحد، ولا يمكنك أن تلوم أحدا، إذا أصبحت كئيبا وأنا متأكد أنه شيء يجري في العروق مع الدم.

في مساء هذا السبت كنت أبدو كئيبا جدا، وحينما عاد الوالد من مكتب المراهنات قال لي:”ماذا بك؟”.

قلت وأنا أنفخ:”أشعر بالاستياء”. كانت تنتابه نوبة غضب حين أقول له أنا كئيب لأنني لم أذهب إلى صالة السينما.

رد يقول:”حسنا. اغتسل إذا”.

قلت له:”لا أريد أن أغتسل”. وكانت هذه حقيقة.

صاح بملء فمه:”حسنا، اذهب واحصل على هواء منعش من الخارج”. ونفذت ما نصحني به، بسرعة مضاعفة، لأنه إذا وصل الأمر بوالدي أن يطلب مني أن أتنفس هواء منعشا، هذا يعني أنه حان الوقت لأغيب عن نظره.

في الخارج لم يكن الهواء منعشا حقا، بسبب معمل الدراجات الهوائية اللعين الذي تجده في نهاية الباحة. ولم أعرف أين أذهب، وهكذا ذرعت الباحة قليلا وجلست قرب بوابة خلفية ما.

ثم رأيت الرجل صاحب البيت، ولم يكن مضى عليه بيننا في هذه الباحة فترة طويلة. كان طويلا ورفيعا وله وجه مثل رجل دين تقي. وكان يرتدي قبعة مسطحة وبشارب غزير، أضف لذلك يترك لديك الانطباع أنه لم يتناول منذ عام مضى وجبة طعام محترمة. لم يتبادر لذهني أي شيء من هذا القبيل في حينها: مع ذلك أتذكر أنه التفت نحو نهاية الباحة. وهناك ظهرت امرأة شديدة الفضول وكثيرة الإشاعات ولا تغادر مكانها، باستثناء لحظات قليلة حينما ترافق زوجها لحانوت الرهونات، ويكون بأفضل بذة لديه أو على دراجته، ونادت بملء فمها: “ما الغاية من ذلك الحبل الذي معك يا صاحبي؟”.

رد بصوت مرتفع:”لأشنق به نفسي يا آنسة”. قهقهت لطرفته المرحة والشئيمة، واعتقدت أنها لم تسمع نكتة طيبة من هذا النوع في حياتها كلها. مع ذلك في اليوم التالي ستضحك بالجانب الآخر من وجهها الممتلئ.

مر الرجل من جانبي وهو ينفخ لفافة ويحمل إسطوانة من الحبال الجديدة، وتوجب عليه أن يقفز وهو يتخطاني. وتقريبا لمس كتفي بحذائه القاسي، وحينما أخبرته أنه عليه أن يحذر ويعرف موقع قدميه، لا أعتقد أنه سمعني، حتى أنه لم يلتفت حوله. ولم يكن يتواجد عدد ملحوظ من البشر في حينها. كل الأولاد كانوا في السينما، ومعظم الأمهات والآباء كانوا في وسط المدينة يشترون اللوازم.

وتابع الرجل طريقه في الباحة باتجاه بوابته الخلفية، ولأنه لم يكن لدي عمل أهتم به، وبسبب عدم ذهابي إلى السينما، تبعته. وترك باب بيته مفتوحا قليلا وبدفعة بسيطة تمكنت من الدخول. ووقفت هناك، أراقبه فقط، وأمص إبهامي، بينما اليد الأخرى في جيبي. وأفترض أنه انتبه لوجودي، وبدأت عيناه تتحركان حركة طبيعية، ولم يكن يبدو عليه أنه يمانع.

سألته:”ماذا تريد أن تفعل بذلك الحبل يا شريك؟”.

قال:”سأشنق به نفسي يا ولد”. وكان صوته يوحي كأنه فعل ذلك مرة أو اثنتين أو أن الناس وجهوا له مثل هذا السؤال سابقا.

“ولماذا يا شريك؟”. لا بد أنه اعتقد أنني متشرد صغير السن وفضولي.

قال:”لأنني أريد ذلك، هذا هو السبب”. ونظف الطاولة من الأطباق وجرها نحو وسط الغرفة. ثم وقف عليها ليربط الحبل بحامل النور. وتألمت الطاولة من وزنه ولم تكن تظهر آمنة، ولكنها أعانته حتى أنهى مهمته.

قلت له:”لن يتحمل طويلا يا شريك”. وفكرت أنه من حسن حظي أن أكون هنا وليس في السينما أشاهد سلسلة جيم فتى الأدغال.

ولكنه سرعان ما أصبح داكنا، والتفت نحوي وقال:”هذا ليس شأنك”.

وتوقعت أن يطلب مني أن أختفي من بيته وأخرج ومعي الغبار والنفايات، لكنه لم يفعل. وانتبهت أنه عقد أنشوطة رائعة بالحبل، كما لو أنه بحار أو ما يشبه ذلك، وحين كان يربطها لم يتوقف عن الصفير لنفسه بلحن رخيم. ثم هبط من الطاولة وأعادها لمكانها السابق عند الجدار، ووضع كرسيا تحت الأنشوطة. لم يكن يبدو أنه حاقد على نفسه أبدا، ولم ألحظ شبح الكآبة والسوداوية التي أراها في عيون ووجوه عائلتي حين يصيبها الضجر. ولو أنه كان نصف كئيب مثل والدي الذي تنتابه الحالة مرتين في الأسبوع، لشنق نفسه قبل سنوات. ولم تذهب هذه الفكرة من رأسي. كان يؤدي عمله بمهارة مع هذا الحبل وأصبح كل شيء على أتم ما يرام، كأنه خطط للتفاصيل كثيرا، أو أن هذا آخر عمل يقوم به في حياته. ولكن كنت أعلم شيئا لا يعرفه، لأنه لم يكن يقف حيث أنا أقف. كنت أدرك أن الحبل لن يصمد، وأخبرته بذلك مجددا.

قال:”أغلق فمك”. كأنه يقول:” وإلا ركلتك خارجا”.

ولم أود أن يفوتني ما يجري. لذلك لزمت الصمت. تخلص من قبعته وألقاها على طاولة الزينة، ثم خلع معطفه ولفاحته، ومددهما على الكنبة بحرص. ولم أشعر ولو بالقليل من الرهبة، كما لو أنني بالسادسة عشرة من عمري، وكان الموضوع شيقا بنظري. كنت يومها في العاشرة فقط ولم تتوفر لي من قبل فرصة رؤية رجل يشنق نفسه. وتقاربت مشاعرنا، أصبحنا معا قبل أن يلف الرجل الحبل حول رقبته.

قال لي:”أغلق الباب” نفذت ما طلب. قال:”أنت ولد طيب بالنسبة لسنك”. كنت أمتص إبهامي. تحسس جيبه وأخرج كل محتوياته، وألقى حفنة من الأشياء والنقود على الطاولة: علبة لفافات ونعناع، بطاقة رهونات، مشط قديم، وعدد من النقود المعدنية. تناول بنسا وقدمه لي قائلا:”أصغ لي أيها الصغير. سأشنق نفسي. وعندما أتأرجح أود أن تركل هذه الكرسي بكل ما أوتيت من قوة وتبعدها للخلف. هل فهمت؟”.

أومأت له. وضع الحبل حول رقبته، ثم تخلص منه كأنه ضيق ولم يتسع لرقبته.

سألته ثانية:”لماذا عزمت على ذلك يا شريك؟”.

قال وهو يبدو بغاية التعاسة:”لأنني ضجرت، ولأنني أريد ذلك. امرأتي تخلت عني، وأصبحت عاطلا عن العمل”.لم أود أن أجادل، بسبب لهجته اللئيمة، وكنت مدركا أنه لا يمكنه أن يختار طريقا آخر سوى شنق نفسه. وظهرت مسحة مضحكة على وجهه: وحتى عندما تكلم معي كان كأنه لم يكن يراني. أقسم على ذلك. كانت معالمه مختلفة عن وجه والدي الداكن اليائس. وأفترض أن هذا هو السبب الذي يمنع رجلنا الكبير من شنق نفسه، حظ سيء، أنه لا يسعه أن ينظر لظروفه مثل هذا الرجل. نظرات رجلنا الكبير تحدق بك، ولذلك يجب أن تتراجع وتطير لتبتعد بأسرع ما يمكن عن البيت: نظرات هذا الرجل تنظر من خلالك، ويمكنك مواجهتها وأنت تعلم أنها لا تضرك. ورأيت أن الوالد لن يقتل نفسه لأنه لا يحسن تبديل ملامح وجهه بشكل صحيح، مع أنه عمليا بلا عمل معظم الأوقات. ربما يجب على الوالدة أن تهجره أولا، ثم يمكنه أن يفكر بذلك. ولكن، كلا - نفضت رأسي - الوالدة لن تهرب، مع أنه يفرض عليها حياة تشبه حياة كلبة.

ذكرني:”لن تنسى أن تركل ذلك الكرسي؟”. وأرجحت رأسي لأقول له لن أنسى. وجحظت عيناي، وراقبت كل حركة قام بها.

وقف على الكرسي وأحكم ربط الحبل حول رقبته في هذه المرة. وتابع صفير لحنه الرقيق. وأردت أن أنظر نظرة أفضل للأنشوطة، لأن صديقي سيسأل ليعرف ماذا حصل، وإن أخبرته سيخبرني عن السينما وما حصل في سلسلة جيم فتى الأدغال. وهكذا أحصل على الكعكة. ثم ألتهمها. وهذا جزاء المحسنين كما تقول الوالدة. ولكن قررت أنه من الأفضل أن لا أسأل الرجل عن أي شيء.  وتمسكت بمكاني في الزاوية. كان آخر شيء قام به هو التخلص من عقب السيجارة من بين شفتيه ورميه في أتون النار الفارغ. ثم تبعه بعينيه حيث استقر في صدر الموقد الأسود - وكان يبدو كأنه كهربائي يزمع على القيام بصيانة لسلك النور.

وفجأة اهتزت ساقاه الطويلتان وحاولت قدماه ركل الكرسي، وساعدته حسب وعدي له. وقمت بركلة قوية مباشرة مثل لاعب في فريق نوتنغهام فوريست وانزلقت الكرسي للخلف وارتطمت بالكنبة، وتدحرجت كاتمات صوت أرجل الكرسي على الأرض بينما انقلب الكرسي. تأرجح الرجل قليلا، وجدفت يداه بطريقة فزاعة عصافير تطرد الطيور بعيدا، وصدرت من حلقه أصوات غريبة كأنه جرع كمية من الأملاح، ويحاول جهده أن يبلعها. ثم صدر صوت آخر، ونظرت للأعلى ورأيت صدعا كبيرا في السقف، مثل الذي تراه في السينما بعد حدوث هزة أرضية. وبدأ المصباح يدور حول نفسه مثل سفينة فضاء. وكنت أوشكت أن يصيبني الدوار، وشكرا للمسيح، أنه سقط في تلك اللحظة مع صوت خبطة قوية على الأرض وتوقعت أنه كسر كل عظمة في بدنه. اختلجت قدماه لبعض الوقت، بطريقة كلب يشعر بمغص قوي. ثم استلقى هامدا.

لم أتمهل لأنظر إليه وأسرعت بمغادرة المنزل. وأنا أقول لنفسي:”أخبرته أن الحبل لن يتحمله”. وكنت أتمتم أن عمله لم يكن متقنا، ويداي في جيبي وتقريبا أبكي من هذه الفوضى العارمة التي ارتكبها. وأغلقت بوابته بقوة وبخيبة أمل حتى كادت أن تخرج من مفاصلها.

وحينما كنت أشق طريقي في الباحة عائدا للبيت لأشرب الشاي، آملا أن الآخرين عادوا أيضا من السينما، ولن أضطر للدخول في الكآبة وحدي، مر بجاني شرطي، وتوجه لباب الرجل. كان يسرع بخطواته الواسعة ورأسه يسبق قدميه، وعلمت أن أحدا وشى به. لا بد أن أحدا شاهده يشتري الحبل ثم نقل المعلومة للشرطة. أو تصادف أن المرأة المسنة في الباحة علمت بالموضوع. أو لعله أخبر أحدا، وكنت أفترض أن الرجل الذي شنق نفسه، لم يكن يدري تماما ماذا كان يفعل، وهذا واضح من النظرة التي رأيتها في عينيه. قلت لنفسي: المهم أن هذا ما حصل. وتبعت الشرطي لبيت الرجل، الرجل البسيط في هذه الأيام لا يمكنه حتى أن يشنق نفسه.

عندما وصلت كان الشرطي يقطع الحبل من حول عنقه بسكينة رفيعة، ثم قدم له جرعة من الماء، وفتح الرجل عينيه، لكن لم أحب الشرطي، فقد أرسل اثنين من أصدقائي لمدارس إصلاحية بسبب سرقة أنابيب حديدية من دورات المياه.

سأل الرجل وهو يحاول أن يساعده على النهوض:”لماذا كنت تريد أن تشنق نفسك؟”. كان يجد صعوبة بالكلام. وكانت إحدى يديه تنزف من نقطة كسر زجاجة المصباح. كنت موقنا أن الحبل لن يحمله، ولكنه لم يستمع لي. عموما لن أفكر يوما بشنق نفسي، ولكن إن عزمت على ذلك سأحرص أن أربط الحبل بشجرة أو شيء من هذا القبيل، وليس عروة مصباح.

“حسنا لماذا فعلتها؟”.

رد الرجل بصوت مبحوح:”لأنني أردت ذلك”.

قال له الشرطي:”عقابك سيصل لخمس سنوات حبس”. زحفت لداخل البيت وأنا أمتص إبهامي من نفس المكان.

قال الرجل:”هذا رأيك. كل ما أردته أن أشنق نفسي”. وكانت له نظرة عادية تدل على الرعب.

قال الشرطي وهو يحمل دفتره من جيبه:”حسنا. ألا تعلم أنه تصرف مخالف للقانون.”.

قال الرجل:”كلا. لا يمكن. إنها حياتي أليس كذلك؟”.

قال الشرطي:”أنت تعتقد ذلك. ولكن للقانون رأي آخر”.

بدأ بامتصاص الدم من يده. كان جرحا لا يذكر ولا يمكن رؤيته. قال:”هذه أول مرة أسمع بهذا الكلام”.

قال الشرطي:”ها أنا أخبرك”.

طبعا لم أخبر الشرطي أنني ساعدت الرجل على شنق نفسه. أنا لست ابن البارحة. ولم أولد يوم أول أمس.

قال الرجل:”شيء رائع. لا يمكن لرجل أن يتحكم بحياته أيضا”. كان لا يزال يفكر بالأمر.

قال الشرطي:”حسنا. لا يمكنك أن تقرر”. وبدأ يقرأ من كتابه بمتعة بالغة. ثم قال:”هي ليست حياتك. وأن تنتحر جريمة ضد القانون. هذا معناه قتل النفس. انتحار”.

تحجرت نظرات الرجل، كما لو أن كل كلمة من كلمات الشرطي تعني ست سنوات سجن بارد. وشعرت بالأسف نحوه، وهذه حقيقة، ويا ليته استمع لما قلت له، ولم يعتمد على عروة المصباح. الأفضل أن يفعلها بشجرة أو شيء يعادل شجرة.

ثم رافق الشرطي في الباحة مثل حمل وديع، واعتقدت أن هذا هو نهاية كل ما جرى.

ولكن بعد يومين انتشر الخبر بيننا كشرارة - وحتى قبل أن يصل للصحف - لأن امرأة من باحتنا كانت تعمل في المستشفى بغسيل الأطباق وتوضيب المكان. وسمعتها تفشي السر لشخص من الباحة.

“لم يخطر ببالي ذلك. توقعت أنه اقتلع تلك الفكرة المخبولة من رأسه حينما أخذه الشرطي. ولكن كلا. العجائب لا تنتهي. ألقى نفسه من نافذة المستشفى عندما غاب الشرطي الذي يحرس سريره لحظة ليتبول. هل تصدق ذلك؟. مات؟.لم ينتظر طويلا”.

هجم على الزجاج، وسقط مثل حجرة على الطريق. من جهة لم أشعر بالأسف له، ولكن على من جهة أخرى أسعدني ذلك. فقد أثبت للشرطة ولكل الناس أيا كانوا أنه يملك حياته وهو حر التصرف بها. كان ذلك مدهشا، كيف وضع الأحمق ابن الزانية نفسه في عنبر في الطابق السادس، وهكذا أنجز عمله، وهذا أفضل حتى من أن يتدلى من شجرة. ودفعني ذلك للتفكير مرتين بالكآبة التي تنتابني أحيانا. كيس الفحم الأسود المودع في داخلي، والنظرة السوداء القاتمة التي تظهر على وجهي، لا يعني أنني أزمعت على ربط نفسي بحبل أو إلقاء نفسي تحت عجلات حافلة من طابقين، أو الهبوط من نافذة مرتفعة أو ثقب حنجرتي بغطاء علبة سردين أو وضع رأسي في فرن غاز أو رمي الكيس الذي تحتمي به روحي على قضبان القطار، لأنه حينما تتمكن منك المشاعر السوداوية لا تستطيع أن تتحرك من الكرسي الذي تجلس عليه ثم ارتكاب هذه الحماقات.

عموما لن أكون أسود لدرجة أن أشنق نفسي، لا يعجبني مرأى الشنق، ولم يعجبني أبدا، كلما تذكرت الرجل الكبير “مهما كان اسمه” وهو يتدلى من عروة المصباح.

يغمرني السرور الذي لا يدانيه شيء لأنني لم أذهب إلى السينما في مساء ذلك السبت، حينما شعرت بالسوداوية وأصبحت جاهزا للإقدام على ارتكاب خطيئة. كما تعلمون لن أقتل نفسي. ثقوا بي. سأستمر في هذه الحياة مثل نصف مجنون حتى أبلغ مائة وخمسة، ثم بعد أن تتحرر روحي سأتهم الموت بجريمة غير أخلاقية، فأنا أريد أن أبقى حيث أنا على وجه هذه الأرض.

 ***

................................

الترجمة من” قصص جديدة ومختارة”. منشورات Early Bird Books. 2016.

نسخة Open Road Integrated Media.   

 ألان سيليتو Alan Sillitoe كاتب بريطاني من مواليد نوتنغهام. عمل بالجيش البريطاني في ماليزيا. وأصيب بذات الرئة. عاد للحياة المدنية وعمل بالكتابة. تجول في أوروبا وزار الاتحاد السوفياتي. وكتب في أدب الرحلات والخيال العلمي. له عدة مسرحيات ومجموعات شعرية. اشتهر بكتابه الأول “مساء السبت صباح الأحد - 1958” وفيه سيرة نصف ذاتية تنقل معاناة الطبقة العاملة وظروف الحياة في شوارع نوتنغهام في فترة الحربين. دافع عن حق إسرائيل بالوجود، وأيد غزو أمريكا للعراق عام 2003. وتسبب له ذلك بعدد من الإحراجات مع بقية زملائه اليساريين. يعتبر سيليتو واحدا من أفراد “الجيل الغاضب الشاب”. لكنه لم يكن يحب هذا التصنيف. وتابع الكتابة منفردا وجرب عدة تقنيات وأساليب لكتابة تاريخ سردي لأبناء الطبقة العاملة وفقراء أوروبا. في بواكيره استعمل اللهجة الدارجة ولغة كلام الشوارع. من أهم أعماله “الجنرال” 1960، “الباب المفتوح” 1989، “مفتاح الباب” 1961، “الترحال في نهيلون”1971، “شجرة تحترق”1967، “عيد الميلاد” 1999، “رجل مناسب لعصره” 2004 ....

 

 

 

2786 إليف شافاقبقلم: إليف شافاق

ترجمة: صالح الرزوق


 مر أسبوع على ليلة رأس السنة، وكانت حبال أضواء الاحتفالات لا تزال تتدلى من الأشجار والنجوم الفضية تزين النوافذ، وحينها اكتشفوا وجود عصافير ميتة. في البداية دستة منها ثم أكثر. بالإجمال أربعة آلاف وستمائة وثمانية وعشرون عصفورا. حساسين ذهبية. حساسين خضر. طيور الدغناش. عندليب مهاجر. درسة الغاب. درسة صفراء. الذيل الفضي. وجشنة الحلق الأحمر - تلك الطيور التي تهاجر لمسافات طويلة بصدرها البرونزي وصوتها العالي. كان المفتش السلوفيني الذي اكتشف ذلك رجلا بعينين بنيتين ناعمتين وكومة من الشعر الأبيض الذي لحقه المشيب. وكان اسمه ماركو. وهو بوظيفته منذ خمس سنوات خلت، ولم تعد له مهمة رسمية، ولكن شكليات، حبر على ورق وبروتوكول. لكن في أوروبا لا تعرف ماذا يخبئ لك المستقبل - كان يقول لنفسه: الخطوط القديمة يمكن إحياؤها. والخطوط الجديدة يمكن أن تتغير دون إنذار. والماضي في هذه القارة ليس ببساطة شيئا مضى وانتهى أمره. هنا التاريخ يشبه أحد الأقارب المزعجين وتتمنى لو تستطيع أن لا تزوره ولكن لا يمكنك أن تتخلى عنه نهائيا.    

وقد تدهور نظره مؤخرا. ولم يذكر ذلك أمام أحد. لا لزملائه ولا زوجته. لم يكن يجد مشكلة في قراءة أرقام لوحات الشاحنات القادمة والذاهبة، وكانت المسافات القريبة هي التي تزعجه. ولذلك حينما رأى الأجساد الميتة والصغيرة، مصفوفة بخطوط الواحد بعد الآخر، اعتقد أنها ديكور جديد. كان قد اكتشف منذ عدة سنوات قمرية شيئا من هذا النوع، حينما كان شابا ويمكنه أن يبدل باتجاه حياته في العالم. داخل صندوق خشبي اكتشف بعض الحلي الأثرية وبيوض فابرجي، وكانت مرتبة بأناقة في جيب سري، وتلمع مثل ذبابة التنين في الظلام. وأصبح من الواضح أنها تعود بملكيتها لزوجة قائد آسيوي شرير من آسيا الوسطى معروف بقمع الأعداء، وإسكات الإعلام وسحق المعارضة، ولكنه اشتهر في الغرب لأنه حليف قوي.

وأغلقت القضية بعد فتح ملفها سريعا. ولم يتلق ماركو جائزة ولم تطبق عليه عقوبة، وربما كان هذا هو الجزء المخزي من المشكلة، أن تفهم أنك سواء أديت واجبك على أتم وجه أو أغفلته، لن يتغير شيء. ثم منذ خمس سنوات، بعد تعرضه لأزمة قلبية أنهكته، تم إرساله لهذه المحطة على الحدود بين سلوفينيا وإيطاليا. وأخبروه أنه سيؤدي مهمة أبسط. عمل لا يجهد قلبه. وأدرك معنى هذا الكلام: إنهم يجهزونه للتقاعد، وبالتدريج. ولربما كره الفكرة، مع أنه لم يبق منه غير نصف رجل بالمقارنة أيامه السابقة، لكن لم يعد أمامه لا الوقت ولا الطاقة اللازمين للغضب. مثل أي شيء آخر في الحياة، الغضب فن.

وليكون بأفضل حالاته، كان عليه أن يتمرن. أضف لذلك لديه طفلة يتوجب رعايتها. وهي ابنته الوحيدة. نور عينيه. كان يخطط هو وزوجته لإنجاب أولاد آخرين ولكن لم تنجح الخطة. ومن حسن حظه أن الناس توقفوا عن طرح الأسئلة عليه. وهذا جانب طيب من جوانب التقدم بالعمر. لم يعد أحد يهتم بحياته الجنسية بعد الآن. وربما يعتقدون أنه بلا حياة جنسية. كانت سوزانا تعيش في لندن. وهي طالبة في الجامعة الإمبراطورية. وكان ماركو يحب أن يردد ذلك بأعلى صوته وكان يستغل كل مناسبة ليقول لأصدقائه وللغرباء على حد سواء: ”ابنتي تدرس في إنكلترا. يا لها من بنت ذكية”.

وكان ينتظر منهم أن يلقوا عليه بعض الأسئلة. وإن فعلوا أو لم يفعلوا، يتابع قائلا باعتزاز:"ابنتي سوزانا تدرس في كلية الطب. نعم يا سادة. ذلك هو مكانها”.  

كانت تخرج الكلمات هامسة وعذبة من لسانه. الإمبراطورية.. الطب... لندن.. كانت سوزانا تبتسم في الصور التي أرسلتها إليه، ومعها حلقة من الصديقات. وكلما ورد المزيد من هذه الصور الثمينة، كان ماركو يتمنى لو أنها تلتقط غيرها مع بيغ بن أو برج وجسر لندن أو قصر الملكة أو على الأقل حافلة حمراء من طابقين. ليعرضها على الآخرين بمثابة رموز قوية وواضحة. ولذلك حينما سافرت حافلة من بوخارست إلى لندن ووصلت لمحطته الحدودية قرابة منتصف الليل، قفز ماركو فورا على قدميه، ليفتش حمولتها، وليتكلم مع السائق، الذي قد تكون لديه فكرة عن الحياة في المملكة المتحدة. وتحت الضوء الضعيف القادم من مصباح الشارع، اقترب ماركو من الحافلة الخضراء، وتأمل وجوه المسافرين. رآها شاحبة ومرهقة ويغلبها النعاس وكل شخص في عالم منفصل.

رجال يعملون في المطاعم، والفنادق، ومغاسل التنظيف الجاف. القليل منهم في مجال البناء. ونساء أيضا. نادلات، ومرافقات، وراقصات في النوادي. نساء تعلمن أن لا تنظرن للأخريات بغاية المقارنة، ونساء لا تقبلن القذارة من الآخرين، ونساء تتركن أولادهن، بعضهم أطفال، برعاية الجيران أو الأقارب الكبار بالسن، مع وعد بإرسال النقود شهريا، ونساء تركن عاطفتهن خلف ظهورهن. ليس كل مسافر في الحافلة سيصل إلى إنكلترا. العديد منهم سيهبط على الطريق. وهكذا تصبح أوروبا واسعة وضيقة. راقصة النادي يمكن أن تربح 900 يورو في كل ليلة في ألمانيا، ولكن بعض الليالي قد تكون قاسية أكثر من سواها. بهذا المبلغ يمكن أن تعيل نصف دستة من أقاربها - الوالدين والأخوة وأبناء العم. كل مسافر يعيل جماعة.

ثم لاحظ ماركو في نهاية الحافلة امرأة شابة ومتحفظة، وكان شعرها الكستنائي مسرحا بأناقة فوق رأسها. ربما كانت بعمر سوزانا. وفكر ماركو لعلها طالبة أيضا. ولكن هذا شيء غير محتمل. لم تفهم سوزانا أنها كانت محظوظة. في الأحد الماضي عندما اتصلت بالبيت، مثل كل أسبوع، كان صوتها مضطربا. وقالت الظروف أصعب مما تخيلت. كانت لندن مرتفعة التكاليف ومتطلبة. “ربما أعود أدراجي. أعلم يا أبي أن النقود محدودة. سمعت أنك بعت عقد الجدة”. وتبع ذلك صمت طويل وكان من الواضح أنهما غير قادرين على الكلام. ثم أضافت همسا:"لا أريد يا أبي أن أزيد من متاعبك”. ولكن هذه المكالمة أقلقت ماركو. ولا يزال يشعر بالاختناق في صدره وهو يفكر بكلامها. كيف يمكنها أن تصبح عبءا يفاقم من متاعبه.

هي نور حياته. نعم، وهو يأسف لبيع العقد. لأنه أصلا من ممتلكات جدة زوجته، وتناقلته الأجيال في ليالي الزفاف. وهو يعلم أنه كسر قلب زوجته حين حمله لحانوت المضارب، ولم تكن قادرة على مسامحته تماما. كان حلية جميلة، عقدا بقلادة لم يشاهد ماركو مثلها. ذبابة تنين بجسم يلمع، عينان ماسيتان وجناحان كريستاليان بمنتهى النعومة والرقة حتى أنك تعتقد أن الحشرة ستطير في الجو وتنزلق أمام عينيك. إنه إرث عائلي مرت عليه المحن، وتنقل كثيرا، وعاصر الحروب العالمية، والنازية، والجوع، والفاقة... ولكنه الآن ليس لهم.

مع ذلك ليس على سوزانا أن تقلق بسببه. ألا تعلم أن الطب هو هدفها في هذه الحياة، وأنها مختلفة عن والديها، ومصيرها شيء أكبر وأفضل من مصير أبناء قريتها أو المسافرين الآخرين على متن هذه الحافلة. وفي أحد الأيام - ولم يكن يوما بعيدا - ستجد سوزانا العلاج للأمراض المعدية أو فشل القلب أو السرطان. وسيسجل اسمها في كتب الجامعة، وستذكره الصحف، وستعقد محاضرات لتكريمها. وحينما يحين أجل ذلك اليوم، سيعلم ماركو أن عناءه لم يكن بلا هدف، وكل هذا التعب، وتعب زوجته أيضا، والسعادة التي لم يشعر بها لفترة طويلة، ستشتعل في روحه مثل الألعاب النارية في السماء المظلمة، مثل ماس براق، وكريستال، ولآلئ.

***

حينما ركب ماركو متن الحافلة لاحظ وجود رائحة في الجو - بيض مسلوق وخنزير مدخن، وعلكة للمضغ وأوراق الملفوف. رائحة يعلم أنها ستتفاقم. استمرت الرحلة من بوخارست إلى لندن 44 ساعة. وهذا ما صرحت به الشركات في مواقعها على الإنترنت. ولكن في الحقيقة قد تستغرق فترة أطول، حسب الطريق والطقس وظروف الحدود. أحيانا يجمع الركاب النقود لتقديمها للموظفين خلسة. ومع أن الرشوة ليست سهلة كما كان الحال سابقا لكنها ليست مستبعدة. طوال هذه السنوات لم يقبل ماركو مبالغ من وراء الظهر، لكنه يعلم أن زملاءه، لا سيما الشباب، يفكرون بطريقة مختلفة.

سأل ماركو السائق:”هل ستنتظر في لندن لفترة طويلة؟. أنت رجل محظوظ. ابنتي سوزانا هناك. وتدرس في الجامعة الإمبراطورية”.

كان السائق أصلع متين البنية وبالخمسينات. أشعل سيجارة وأخذ نفسا عميقا منها. ورد بحركة بطيئة تظهر عدم اهتمامه بالموضوع أو الدخول في محادثة جانبية. وحاول ماركو أن لا يشعر بالإهانة. وحينما فتحوا حقيبة الحافلة كان ماركو يزمع أن ينظر للحقائب المكومة نظرة عابرة، ويتأكد من أوراق السائق بسرعة، لتعود الحافلة إلى مكانها على الطريق، ويعود المسافرون لنومهم على المقاعد، الواحد بعد الآخر. ولكن شيئا لفت انتباهه. شعور غريب استيقظ في صدره. نوع من جرس الإنذار. طرف بعينيه أمام الحقائب. بين حين وآخر يتلقون تحذيرات، وفي هذه المرة لم يبلغ مسامعه شيء. ليس في هذه الرحلة. ولم يكن لديه سبب لينتقي حقيبة بنية من الجلد ويطلب فحصها. ولكنه فعل ذلك. وتسارعت دقات قلبه كما لو أنه يتوقع شيئا لم تشاهده عيناه. تقدم خطوة، يقوده حدس غير مؤكد.

قال:"افتح هذه”. نفخ السائق سحابتين من الدخان من منخريه. وتردد لحظة. ثم ببطء وهدوء نفذ ما طلبه منه. لم يجد شيئا غير عادي، من أول نظرة، داخل الحقيبة. قمصان وبلوزات. مطوية بعناية. ربما بعناية فائقة. سأل السائق بقليل من العصبية:”هل يمكن أن أغلقها الآن؟”.

ولكن ماركو كان قد ارتدى قفازيه. ولم يستغرق طويلا ليجد الجيب السري. هناك حيث كانت العصافير. كانت مثبتة وراء أعواد ليمونية وشبكة ضبابية من الصمغ. كانت قد نفقت بطريقة مؤلمة. محاصرة وليس أمامها خيار سوى أن تنتظر. حمل ماركو عصفور نقشارة الغاب، كان مثبتا بالصمغ بالمقلوب، ولمس منقاره، وكان مفتوحا عند منتصف أغنية يغنيها. هذا ما كانوا يسمونه “طعام الذواقة”. يقدم في المطاعم الفخمة ذات المطابخ الآثمة بنفس الوقت. كان هناك كثير من الناس الذين يرغبون بدفع مبلغ إضافي لقاء مقبلات نادرا ما تظهر في القائمة وتكون فقط لخاصة الزبائن. ملايين من العصافير المغردة كانت تقتل بهذه الطريقة كل عام. وتوفرها السوق السوداء، التي تتوسع باستمرار. وقد ربحت منها عصابات المافيا أرقاما ضخمة، لفترات طويلة، طالما هناك زبائن لا يسألهم أحد عن مصادر الطعام الذي تراه في أطباقهم. قتل العصافير سياحة أيضا مع أنها ليست قانونية. ويلتقي الصيادون ويتناقشون على صفحات الفيس بوك. ويتواصلون بالواتس أب، ويطيرون بأسراب جماعية إلى قبرص ومالطا ورومانيا، وهي بلدان عند تقاطع طرق هجرة الطيور. يسافرون بحقائب فارغة سوف تمتلئ سريعا بأجسام صغيرة ميتة. ويحصلون على بنادق وبواريد أوتوماتيكية لدى وصولهم، وتكون جزءا من برنامج العطلة. توجد ثغرات في القوانين وفروقات في المعايير بين بلد وآخر. ولا يهتم بها أحد. وبصراحة في هذه الأيام العالم مشغول بأشياء كثيرة قاتمة وكئيبة - من لديه الوقت أو حرية التفكير لينفقه على عدد من أموات الجو؟.

انحنى السائق واقترب منه قليلا وقال: “آه. حضرة المفتش. هل يمكن أن نتبادل الكلام؟”. كانت ابتسامته مصطنعة. وأخرج علبة سجائر بجزدان من الفضة وقدم لماركو سيجارة.

هز ماركو رأسه وقال:”كلا. شكرا. لا كلام بيننا. أريد أن تفتح كل هذه الحقائب”.

“ولكن هذا سيؤخرنا. كثيرا. من فضلك لا تفعل ذلك. اسمع. هؤلاء الشباب لديهم مقابلات للعمل. ارحمهم. أشفق عليهم. سيفقدون فرص عملهم إن لم يصلوا بالوقت المناسب”.

“قلت لك افتح”.

بدقائق معدودات ارتفعت كومة من الحقائب فوق الرصيف. وكانت متراصة دون انتظام. واجتمع المسافرون مثل قطيع من الأغنام في عاصفة، ووقفوا بالدور على الرصيف، وراقبوا المشهد بعيون قلقة. وفي كل مرة تنتقى فيها حقيبة كان صاحبها يقترب ثم يتراجع بخطوات مترنحة عجيبة. بعض الحقائب كانت ملفوفة مثل مومياء بأحزمة من البلاستيك التي توجب قطعها بالمقص. لم يكن أصحابها سعداء على الإطلاق، وكانوا يغمغمون بأصوات خافتة، ويشتمون.

وكانت المتعلقات الشخصية تظهر للعيان - صور الأحبة، لحظات عائلية، أغذية مغلفة، قلائد وتعاويذ، ثياب داخلية ومجلات بصور جنسية عارية.. ثم حان دور الطيور المغردة. مئات تلو المئات. بعد سنوات عديدة من العمل، فهم ماركو أن الناس تعبر الحدود لأنهم يشعرون برغبة قوية ومكتومة أن يكونوا مثل العصافير - أحرارا ولا يقف أمامهم مانع. ولو صح ذلك ماذا عن هؤلاء السفاحين الذين يطاردون هذه العصافير لقتلها؟. ما هو أملهم؟.

قال ماركو:”حسنا. لدينا هنا مشكلة. من صاحب هذه الحقائب؟”.

حول السائق نظراته وقال:”لا أعرف يا سيدي. انظر. أنا لدي اهتمامات كثيرة. الناس يلقون متاعهم في صندوق الحافلة بأنفسهم. وإن لم يكونوا هنا، هذا يعني أنهم غير موجودين. كيف يمكنني ملاحظة تصرفات كل شخص؟”. 

وقف ماركو بلا حراك. وهو يقضم شفته السفلى.

هو متأكد أن الرجل لن يكشف ارتباطاته. ولكنه مؤمن أن العميل موجود بالحافلة، وهو أحد المسافرين، ربما تلك المرأة اليافعة ذات الابتسامة البريئة. يمكنه أن يكون أي شخص. وواجبه أو واجبها التأكد من وصول الحقائب إلى محطتها الأخيرة بأمان. 

كل شيء مرتب له بعناية فائقة. لا يمكن أن يكون الشخص الذي وضع هذه الطيور في هذا الصندوق إنسانا يعمل بمفرده. ولا بد أنه ينتمي لشبكة واسعة. كان بوسع ماركو أن يهدد المسافرين بالاحتجاز لفترة من الوقت بمحاولة لإجبارهم على الاعتراف، لكنه لم يتوقع نتائج باهرة من هذه الطريقة. لا أحد يريد أن يعبث مع عصابات المافيا التي تقتل الطيور المغردة داخل بلدان الاتحاد الأوروبي.

قال السائق وطبقة رقيقة من العرق تغطي جبينه:”يا سيدي. أعتذر عن هذه الفوضى. وسأحاول أن أتأكد أن لا تتكرر. من فضلك، لا تحمل نفسك أكثر مما تحتمل”. وعرض عليه بتهذيب مظروفا وضعه بيد ماركو قسرا. أمسك ماركو أنفاسه، وشعر بثقل النقود بين راحتيه. وفكر بسوزانا. إمبراطوري.. طب.. لندن.. وابتسامتها التي ترصع بها صورها، وكيف تبدو أكبر من عمرها الطبيعي. وعبارتها: لا أريد أن أكون عبءا ثقيلا عليك. وفكر بزوجته. كان كلاهما يافعا حينما تزوجا. واستغرق منهم تسوية الخلافات وسوء التفاهم فترة طويلة. لقد تأخر الوقت على الحب الآن، ولكن الحياة المريحة تنبسط أمامهما حاليا. وفجأة شعر بالتعاسة من نفسه. لماذا يجب أن يأخذ موقفا رومنسيا من الطيور مع أن الكثير من البؤس والألم والظلم موجود حوله في كل الأرجاء. ولماذا عليه هو المفتش في محطة حدودية منسية، أن يزعج نفسه؟. طبعا هو يشعر بالأسف على هذه الطيور المغردة، ولكن ماذا ينفعهم أسفه؟. لقد ماتت بالفعل. وهي تغرد الآن في جنة الطيور والعصافير.

هي ليست غلطته. إذا قبل النقود، سيستخدمها لهدف طيب. لا يوجد أنانية بالموضوع. فقط لمصلحة غيره - لابنته وزوجته. وربما أمكنه مد يد العون لأصدقائه القدامى. ومع أنه توقف عن التدخين من سنوات، ندم على التفريط بتلك السيجارة. كان السائق يراقب كل حركة من حركاته، بمحاولة لقراءة تعابير وجهه. صالب ماركو ذراعيه على صد ره، واختفى المظروف وراء قبضته اليسرى. وتقريبا ظهرت ابتسامة رفيعة وخفيفة على وجه السائق، ابتسامة تقول: لا يوجد أحد في هذا العالم ليس له ثمن.

تجمد ماركو. وتطلب منه الكثير من الصبر كي لا يصفع الرجل. ثم فك ذراعيه المعقودين وأعاد له الظرف قائلا:”لقد سقط منك هذا”. واضطرب وجه السائق. عبس والتقى حاجباه.

سأله:“هل تري المزيد؟”.

قال ماركو كأنه لم يسمع:”سأخبرك علام عزمت؟. سنكتب تقريرنا. لا يمكن لهذا الحادث أن يمر بلا تقرير. وهذا يعني أنني سأحجزك لبعض الوقت. سنستجوبك - ومعك الركاب”.

وبتشنج وقف السائق كالعصا المستقيمة، وفي عينيه لهيب يلتمع. ثم التفت برأسه نصف التفاتة وبصق على الأرض. وحافظ على صمته. لم يهتم ماركو. وشعر بلمسة في قلبه ذكرته بليلة مظلمة لم يشرق فيها القمر مثل هذه الليلة. حينما وجد ممنوعات تخص زوجة حاكم في آسيا الوسطى.

ولأول مرة منذ سنوات بعيدة شعر بالعطف على نفسه الشابة. أشار لزملائه. فاقتربوا من الحافلة، وجلس هو على طرف الممشى. ربما لا توجد قرارات هامة في الحياة. ولا نظريات ذات وزن. ولا هويات ملوكية. لا شيء من ذلك حقا. هناك فقط لحظات طافية يمكن خلالها للإنسان أن يذهب بهذا الاتجاه أو ذاك، أن يسير لليسار أو اليمين أو أن يختار الممر الذي يعبر من بين الجهتين. في تلك اللحظات الوجيزة تتشكل هوياتنا وأقدارنا. هكذا خلقنا وأصبحنا على ما نحن عليه، وهكذا خلق العالم وأخذ صورته النهائية. وهذا كل ما يهم في النهاية. القرارات صغيرة وبسيطة وفاترة ولكنها في خاتمة المطاف اضطرارية ومؤثرة مثل الطيور المغردة.

***

.......................

الترجمة عن السبيكتاتور. عدد 25 نيسان 2020.

 

إليف شافاق  Elif Shafak  كاتبة تركية مولودة في ستراسبورغ.

 

      

سالم الياس مدالوكتابة وترجمة : سالم الياس مدالو

the sad rose

in the neck of the lover bird

and in the wing of beautiful butterfly

is complaining from the wind

brought to it s beautiful petals

black thirst and thorns of the fire,

and to it s roots mist of darkness

and rock harshness

the rose

the rose

the sad rose

in the heart

of that sad deer

is complaining

from the black thirst

from the chattering

of the thistle and locust

and yearing to the bright

cloud, cloud of love

and rain

 ...........................

القصيدة مترجمة الى اللغة العربية

الوردة الحزينة

في عنق الطير الحبيب

وفي جناح الفراشة

الجميلة

تشكو من الرياح

التي جلبت الى

بتلاتها الجميلات

العطش الاسود

واشواك النار

والى جذورها

ضباب الظلام

وقسوة الصخور

الوردة الوردة

الوردة الحزينة

في قلب تلك الغزالة

الحزينة تشكو من

العطش الاسود

ومن ثرثرة

الشوك والجراد

تتوق الى سحابة

 سحابة  مشرقة

سحابة الحب

 والمطر .

***

كتابة وترجمة سالم الياس مدالو

 

2779 اليشيا اوستريكربقلم: اليشيا اوستريكر

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


غزل: أميركا الجميلة

أ تتذكرون جديتنا صدقنا

في الصف الأول حين كنا نتعلم الغناء لأميركا

 

الجميلة وللعـَلم المرصع بالنجوم

وترديدنا قسم الولاء لأميركا

 

كنا نضع أيدينا على قلوبنا في الصف الأول

ونشعر بالفخر اننا مواطنو أميركا

 

كنت أقول "امة واحدة غير مرئية" حتى يتم تصحيحي

ربما كنت محقة حول أميركا

 

أيام الدراسة أيام الدراسة أيام القاعدة الذهبية القديمة العزيزة

حين كنا نتعلم كيف نتصرف في أميركا

 

ماذا نلبس، كيف ندخن، كيف نحتقر والدينا

الذين لم يفهمانا او يفهما أميركا

 

ولم نتعلم الا فيما بعد ان (العلـَم) و(الجميلة)

يسكنان على الجهتين المتقابلين للشارع في أميركا

 

ولم نكتشف الا فيما بعد ان المال السلطة اللون الجندر الجنس

يمكنها ان تقسم أمة أميركا

 

نفهم ذلك الآن ان هذه الأرض أرضان

واحدة متنمرة منتصرة وواحدة لا تزال الواعدة أميركا

 

أتخيل أمواج القمح الذهبية تهب في الريح

جبال قرمزية وما من مشردين في أميركا

 

لم ازل احيانا اضع يدي برفق على قلبي

لم ازل بطريقة او بأخرى تأسرني أميركا

***

.......................

اليشيا اوستريكر: شاعرة أميركية من مواليد بروكلين بنيويورك لعام 1937، تلقت تعليمها في جامعة برانديس ونالت شهادة الدكتوراه من جامعة ويسكونسن-ماديسن ليكون أول كتاب تنشره أطروحتها للدكتوراه عن الشاعر الرومانسي البريطاني وليم بليك. نشرت أولى مجموعاتها الشعرية تحت عنوان (أغنيات) عام 1969. نالت أشعار اوستريكر العديد من الجوائز وترجمت الى عدة لغات. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (مرة أخرى خارج الظلام) 1974؛ (امرأة تحت السطح)1982؛ (الصدع في كل شيء) 1996؛ (ما من جنة) 2005؛ (كتاب السبعين) 2009؛ و(بانتظار النور) 2017.

 

جمعة عبد اللهميكيس ثيودوراكيس وداعاً

ترجمة : جمعة عبدالله

 قصائد وأغاني


 قصيدة: ايها الإغريقي لا تبكي

هنا الطيور صامتة

الأجراس صامتة

مرارة الإغريقي صامتة

مع الأموات

من الحجر الصامت

ينحت بأظافره وحده دون غيره

معبداً للحرية

أيها الاغريقي لا تبكي أينما ذهبت

لا تنحني للسكاكين حين تصل الى العظم

تشد الحزام على البطن

ها هي بداية الشرارة تنطلق

تنمو وتكبر

تصيد الوحش

بحربة الشمس .

***

وهذا رابط الاغنية:

https://youtu.be/fLh9IxuW00M

...................

معزوفة زوربا

ميكيس ثيودوراكيس

هذه الاغنية أقيمت في برلين الشرقية عام 1987.

***

الطريق مظلم

 حين نلتقي سوية

لابد أن يظهر وسيطاً لنا الاثنين

أضع يدي في يديك

افرش البساط لنا

لك ولي

نتعانق من البداية

حتى القيامة

اعانقكَ وتعانقني

أخذكَ وتأخذني

أتيه في عينيك

هذا قدر الحكمة

افرش البساط لنا

نتعانق من البداية

حتى القيامة .

***

...................

* رحل الموسيقار اليوناني العالمي (ميكيس ثيودوراكيس) عن عمر يناهز 96 عاماً، كرس حياته للنضال في سبيل الوطن منذ نعومة أظافره، واعتنق الفكر اليساري . شارك في المقاومة الوطنية ضد الاحتلال النازي. تعرض في حياته الى الاعتقال والتعذيب والسجن والنفي طوال حياته منذ بداية الاحتلال النازي، وآخرها في زمن الدكتاتورية العسكرية . وقد أفلحت حملة التضامن العالمي في مقدمتهم فرنسا في إطلاق سراحه من سجون النظام العسكري الدكتاتوري، ولم يعد الى اليونان إلا بعد السقوط النظام الدكتاتوري عام 1974، عقب انتفاضة كلية الهندسة في أثينا ، التي امتدت شرارتها الى بقية القطاعات الاخرى، بانتفاضة شعبية عارمة أجبرت الدكتاتورية على الانهيار .

* بعد زمن الدكتاتورية فاز عدة مرات بمقعد عضو في البرلمان اليوناني . سواء عضواً من جبهة اليسار، أو عضواً من جانب حزب الديموقراطية الجديدة (يمين وسط) .

 * اشتهرت الحانه الغنائية الشعبية والثورية بشهرة على نطاق واسع في الداخل والخارج .

* فاز عدة مرات بجوائز الأوسكار الموسيقية، واشتهر أسمه على النطاق العالمي سمفونياته الموسيقية . ومنها معزوفة فيلم (زوربا) وكذلك موسيقى فيلم (Z) الذي يتحدث عن اغتيال السياسي البرلماني اليساري (لامبراكيس) عام 1963 .

* لقد اخترت الأغنية الاولى وهي الحفلة الجماهرية الاولى في ملعب كبير ، مباشرة بعد سقوط الدكتاتورية. واخترت من احدى قصائد الحفلة، القصيدة الثورية للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس بعنوان (ايها الاغريقي لا تبكي) وقد اشتهرت على نطاق شعبي واسع .

وهذا رابط الاغنية: معزوفة زوربا

https://youtu.be/Xjnlcs-3xDM

 

2767 لوركافريديريكو قارسي لوركا

الشاعر والروائي الاسباني

(1898-1936)

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي


أنشودة الماء

وأنشودة الماء

تظلّ شيئا أبديا...

كلّ أنشودة

هي ماء ساكن

للحبّ.

كلّ نجم ساطع

هو ماء ساكن

للزمن.

عقدة

للزمن.

وكل تنهّد

ماء ساكن

للصّياح.

فريديريكو قارسي لوركا ، شعر 1

......................

رقصة "الصوليا"

مكسّوة خُمْرٌ سوداء

تظنّ أن العالم صغير جدّا

والقلب كبير

مكسوّة خمْرٌ سوداء.

تظنّ أنّ التنهّد الرقيق،

والصيحة، تختفي مع الريح.

مكسوّة خمْرٌ سوداء.

تركت نافذتها مفتوحة

وفي الفجر من النافذة

تسلّلت كلّ السماء

آه!

مكسوّة خمْرٌ سوداء!

***

فريديريكو قارسي لوركا

...............................

Et la chanson de l’eau

Reste chose éternelle…

Toute chanson

est une eau dormante

de l’amour.

Tout astre brillant

une eau dormante

du temps.

Un nœud

du temps.

Et tout soupir

une eau dormante

du cri.

Federico Garcia Lorca, Poésie I

 

La soleá

Vêtue de voiles noirs,

elle pense que le monde est bien petit

et le coeur immense

Vêtue de voiles noirs.

Elle pense que le tendre soupir,

le cri, disparaissent

au fil du vent.

Vêtue de voiles noirs.

Elle avait laissé sa fenêtre ouverte

et à l'aube par la fenêtre

tout le ciel a débouché.

Ah!

Vêtue de voiles noirs!

Le livre Cac cante jando

do comprend quatre poèmes introduits par le poète intitulé «Petite ballade des trois rivières».   Le premier de ces grands poèmes est le «Poème de la Seguiriya»,  dans lequel l'un des petits poèmes fait une référence explicite au mot.

Cante Jondo

Federico García Lorca

(1898-1936)

 

2761 doyleبقلم: رودي دويل

ترجمة صالح الرزوق

كان في الشاعر عائدا من الجبهة البحرية، ونظر للأعلى، فشاهد امرأة تقترب منه. كان يراقب أوراق النباتات. وهبت عاصفة أوفيليا على دبلن وبدأت الأوراق تطير بعكس الاتجاه. كانت الأوراق تتجاوزه. وتمر كالسهم من جانبه، وتصعد على سفوح الهضبة. ولم يبق على توقيت منع التجول غير نصف ساعة. كان يفكر بها مسبقا، قبل أن تغادر زوجته لعملها. هل يعتقدون أن الحرب الأهلية ستندلع؟. إنه مجرد طقس عابر. عمليا كان يحب الدراما التي ترافق مثل هذا الجو. وحتى الآن وهو يعود إلى البيت - بخطواته الواسعة، كان يباعد بين خطواته، مثل إنسان لديه مهمة - شعر أنه صاحب علاقة، وهو جاهز، ويسابق الكارثة. وقد نفعه ذلك. كان يحمل الدواء في حقيبة من الورق، ولكن شعر أنه رجل لا يحتاج لدواء. كان قد طوى كراسي الحديقة ونحاها جانبا، ووضع علبة النفايات ذات الدواليب تحت الساتر. ووزع الشموع في أرجاء البيت، فقط من باب الاحتياط. وقام بواجبات إضافية أيضا. لقد أستعد تماما.

وأغرم بالكلمة - منع التجوال. وأغرم بأهميتها الخرقاء. سيترتب عليها وجود دوريات عسكرية ترعى الشوارع، وستتردد أصوات بمكبرات الصوت تحذر المواطنين للبقاء في الداخل ليتهربوا من المطر. الزموا بيوتكم - وإلا ستواجهون الموت!. وسيعقب ذلك رشات رصاص. والدم سيسيل على الجوانب، وينحدر من الهضبة، بينما الأوراق تتسابق وتتطاير على السفوح.

لن يتوجب عليه أن يزور أمه. ولا أن يعمل. ولا أن يخبر زوجته عن ما يعانيه وعن انسداد الأرملة. سيكون بمأمن أثناء منع التجوال لبعض الوقت.

قال بأعلى صوته: هيا. لم يكن هناك غيره في الشارع. لتهب الرياح، ولتصفع خديك.

ثم نظر إلى الأعلى وشاهد المرأة. كانت ترتدي واحدا من حمالات الأطفال، وكان وجه الولد للخارج، ينظر نحوه، من تحت ذقن أمه تماما. والآن يرى وجهين ييممان شطره. لم يكن طفلا.

**

سأل: ماذا يجب أن أفعل؟.

قالت الطبيبة: لا شيء.

- لا شيء؟.

أجرى فحصا طبيا قبل أسبوعين. فحص روتيني، وفرته شركة الضمان الصحي - بالمجان. القلب. البروستات. العينان. الأذنان. ولا يمكنه أن يتكر ماذا أيضا، وكل ما يذكره اختبار البروستات. كان الطبيب امرأة. ولم يهتم. استلقى على جانبه وقبض على ركبتيه كما أخبرته، ولم يشعر بالامتعاض، كان مسرورا، وحينما لاحظ كيف تخلصت من قفازيها المطاطيين في سلة المهملات وهي تقول له أنه بوسعه أن يجلس الآن. وشعر أنه إنسان حديث. وهذا شيء لم يخبر بناته عنه، لكنه لا يزال يتذكر، وهن تلقين عليه محاضرة حول الهوية الجنسية وسقف الزجاج في جامعات إيرلندا. وشعر بالرغبة أن يقول: لدي فكرة عما تتكلمن عنه. فقد وضعت طبيبة أصبعها على مؤخرتي، وكانت ماهرة جدا.

أعجبته محاضرات بناته.

بعد أسبوع من الفحص الطبي، اهتز هاتفه في جيبه. ولم يعرف الرقم المسجل على الشاشة.

- ألو؟.

كانت الطبيبة.

سألته: كيف أنت اليوم؟.

قال: عظيم. و أنت؟. أخبرته أنه مصاب بمرض في الأوعية القلبية.

- آه.

قالت: لا تقلق.

سألها: ماذا يعني بالضبط؟.

أخبرته بوجود نسبة عالية من الكوليسترول في الأوعية. وأحدها مسدود بنسبة سبعين بالمائة.

- سبعون بالمائة؟.

- نعم.

قال: هذا تقريبا ثلاثة أرباعه.

قالت: نحتاج لمزيد من الاختبارات. ومجددا لا ضرورة لإرباك نفسك حقا. بالمناسبة الحالة معروفة باسم انسداد الأرملة.

كان صوتها حذرا، وأعجبه ذلك.

سألها: الأوعية المسدودة؟.

قالت: نعم. الحالة. ولذلك يسمونها بهذا الاسم. انسداد الأرملة.

أعجبه جرس الكلام. وارتاح لفكرة وجود زوجة بالموضوع. جعلت لوضعه معنى ما. شيء وراءه فكرة نبيلة. وأنه يتألم بسببها. ولكن لم يكن يتألم. ليس هناك ألم. ولا حتى وجع، ولا حتى القليل منه. كل ما يعاني منه هو مشكلة بالقلب. حالة قلبية. مرض لعين.

- وماذا يتعين علي أن أفعل؟.

- لا شيء.

- لا شيء؟.

قالت: حاليا أنت بوضع جيد. وسنقوم بفحوصات إضافية، وسندبر لتصوير. وربما قثطرة. ولكن لا شيء الآن. ولا ترهق نفسك بالبحث في غوغل.

- حسنا.

قالت: لو فعلت ستجن.

سألها: ما هو التصوير؟.

قالت: تستطيع أن تبحث عنه في غوغل. ستجد معلومات وافية.

وشعر بعاطفة نحوها. لكنه لم يتذكر كيف كانت تبدو.

- وهل يمكن أن أبحث عن “قثطرة”؟.

- يمكنك ذلك. لكن لا تذهب لما هو أبعد.

أعاد الهاتف إلى جيبه وتابع العمل.

كتب كلمة “تصوير” على مغلف. وكتب “قثطرة”. وكتب “أوعية”  “قلبية”. و“لا شيء”. و“مرض”.

**

لم يكن طفلا في الحمالات. كان دبا دمية. وبلغه كلاهما - المرأة والدب - تقريبا. ولم يتوجب عليه أن يتحرك، أو أن يميل - لا أن يميل لليسار ولا اليمين - كما يفعل غالبا حينما يقابل الناس القادمين من الاتجاه المعاكس. كانوا بين الأشجار، هو وهي، ولذلك يوجد مجال واسع في الممر.

دب دمية - كبير، وقد امتلأت به الحمالة. دب بحجم طفل - طفل كبير. وكان يرتدي بلوزة فضفاضة، ولكنها ليست جديدة. وكانت أوسع من أي طفل يمكن أنه ارتداها. نظر للمرأة رغما عنه.  ولم يكن ينتظر أن ترد له النظرة بنظرة مثلها. ولم يكن يريد أن تنتبه له. وكانت تنظر أمامها. وشعر كأن جمهورا يتابعها من وراء النوافذ. ولم يكن معها، ولا قربها، ولا خلفها.

 وتجاوزته. ولم ينظر للخلف. وتابع مسيره نحو البيت. كان منع التجوال يقترب، والعاصفة في طريقها إليه. ورغب أن يتأكد من دواليب العلبة. وأن يضبط النوافذ و يتقين أنها محكمة الإغلاق. كانت تلح فكرة أن لا يتواجد في الشارع.

لم تكن تبدو مثل أم. وعمليا لم يفهم معنى ذلك. وكان بوسعه أن يسمع نفسه يقول لزوجته ذلك وكانت تسأله. يمكن أن تقول إنها كانت رفيعة. لا تبدو مثل امرأة حملت حديثا. كان لديهما أربعة أولاد. لقد عاش بجو الحمل و الأطفال. ولم يكن جاهلا بذلك تماما. ويمكنه أن يقول إنها نحيفة. نحيفة جدا بطريقة غير معتادة. كان وجهها - ماذا يقول عنه، الكلمة على رأس لسانه - فارغا. كان وجهها فارغا. هذا ما يعنيه. دون تعابير. ويمكن القول إنها مرت من جانبي، كما لو أنني غير موجود.

أخرج مفاتيحه. ليجهز المفتاح المناسب قبل أن يصل للباب.

وتذكر وزن كليونا، أصغر بناته حين يضعها في أحد تلك الحمالات. لكن لم يكن لديه حمالة، وربما لم تكن موجودة بعد، بالنسبة لبقية الأولاد، الصبي والبنتين الأكبر بالعمر. كان لديهم حقيبة على الظهر. مثل جعبة، لحمل الصغار.

كم كره حقيبة الظهر، ست أو سبع سنوات متواصلة وهي على ظهره، وليس بمقدوره مشاهدة الطفل وهو يمشي. كرهها حتى أصبح الطفل بعمر ليسمح له بالقبض على شعره أو ياقته ليتأكد أنه على ظهره وبحالة ممتازة. وذات يوم على شاطئ كيري منذ سنوات، كان يحمل البنت الكبيرة كيارا على ظهره. نهض باكرا في الصباح. كان دوره. وضعها في الحقيبة، وقبلها من جبينها، ورفعها على ظهره، وبدأ بالمسير. لم يتأكد من الطقس ولم ينظر من النافذة قبل المغادرة. قال له شخص، ولد كبير بقبعة على راسه: إن تمكنت من رؤية براندون في المساء ستكون بحالة عظيمة. شاهد الجبال في الليلة السابقة - بالتأكيد شاهدها. وهكذا أطعم كيارا، وألقى قطعة من الخبز في فمه، وغادر من الباب الخلفي للبيت الذي استأجره لمدة أسبوع. كان هناك حوت ميت على الشاطئ، كما علم وهو يتناول طعامه في البار المحلي - ولم يتمكن من تذكر اسم البار أو اسم الشاطئ. سار على طول زقاق، وعبر الشارع الرئيسي، وتقدم لمدة عشر دقائق إضافية على طول طريق يودي نحو الشاطئ. كانت كيارا بعمر ثماني سنوات، ولم يكن قد بدأ يكلمها من فوق كتفه كما فعل مع البقية، أو يكلم نفسه، ويسأل أسئلة لن يردوا عليها. كان الوقت باكرا - باعتقاده حوالي السابعة. لأنه كان قد تخلص من ساعته مع بداية العطلة - لكن كان الحر واضحا. وبلغ الرمال. كان الشاطئ مهجورا، ولا أحد غيره. وأدرك أن الحوت على يساره.

قالوا حوالي عشرين دقيقة على طول الممشى. بالتأكيد لن تفوت هذه الفرصة. وبدأ يسير على الرمل القاسي على حافة البحر، وفي مكان ما، بعد عشر دقائق، اعتقد أن كيارا ماتت. وتابع المشي حتى شاهد الحوت، وشم رائحته. وخاف أن يتوقف، واستسلم لمشاعره، مع أنه متأكد أنه مخطئ.  واقتنع أنه لم يعد نفسه، كان يقفز على الرمل كالأحمق. منطق الأبوة الجنوني. وتوقف حينما اشتم رائحة الحوت. هه محطته. ولم يتذكر الرائحة. ولم يتذكر الكلمات التي وصفها بها بعد عودته إلى البيت. نفاذة. ربما قال نفاذة لعينة. شيء لا يصدق - يا للمسيح. لا يعلم. ولكنه يعلم أنها كانت فظيعة لدرجة أنها منعته من المتابعة.

وتمكن من أن يشعر بها على جلده، أضافت الزيت لعرقه. وكان على مبعدة خمسين ياردة من الجثة. وتوقف لينظر لها. لكنه لم يهتم. كانت ظلالا متدرجة من اللون الرمادي. وهذا كل ما بقي في ذهنه. تخلص من حقيبة الظهر. وألقاها على الرمل. كانت كيارا بخير.

كانت نائمة. وكان يرتدي قبعة الشمس. فقد وضعها قبل أن يغادر البيت. وكانت رقبتها مغطاة. لم يخبر أحدا أنه اعتقد أنها ماتت. وأنه حملها وهي ميتة، لمدة عشرين دقيقة.  وهي الآن في فانكوفر. ستراسله بالسكايبي لاحقا. لم يفكر بالموضوع لعشر سنوات بعد. موضوع يومه على الشاطئ. ولم يخبرها - ولا يعرف لماذا. أصبح عند الباب الأمامي. ولكنه ابتعد عن الشرفة وعاد أدراجه للخلف من خلال الحديقة باتجاه الحاويات - بنية وخضراء وسوداء - ثم الإفريز. نظر مجددا. وتأكد أنها تحت طرف الحافة. وأن الريح القادمة لن تحملها. دفعا لمسافة أبعد. ولم يكن يعلم ماذا يفعل سوى ذلك. كان بمقدوره أن يضعها في البيت. لكنه لا يريد. ولم يكن يود أن يرصفها بصف واحد في الردهة لتراها زوجته. ربما ينظر من نافذة غرفة النوم ويراقب كيف حملتها الزوبعة مثلما فعلت ببيت دوروثي في “ألعاب الساحر” هذا شيء يمكن أن يرويه لكيارا. البنية سقطت على الساحرة العجوز في عرض الشارع.

وسمح لنفسه بالدخول.

  **

كان البيت خاليا. كما تركه. وستعود زوجته سريعا. لا بد أن تعود. لا بد من العودة للبيت قبل بداية منع التجول. وإلا ستضبطها دائرة الضوء، وتصبح هدفا لعسكري شاب من الجيش. تابع في البيت نحو المطبخ. تناول دواءه، العلب الرقيقة الثلاثة، من كيس الصيدلية الورقي. حبوب جديدة. نظامه. وضع كل شيء في صف واحد. كانت تبدو ناقصة. وكان بحاجة لمزيد من العلب. ستون هنج. يمكنه أن يسخر من نفسه وسيخبرها بهذه النكتة لاحقا. أخذ نظارة القراءة من الطاولة. كان يتركها على كتاب يقرأه. دائما يفعل ذلك. “الطريق إلى اللاحرية: روسيا، وأوروبا، وأمريكا”. لتنتظر ريثما يتناول دواءه. ويتأكد ماذا تناول عمليا.

كان يحب حمل ابنته الصغيرة كليونا. وعند أي عذر، تقريبا بالمعنى الحرفي، يعيدها إلى الحمالة، وجهها للخارج نحو العالم. ويبدأ - إلى المخازن، البلدة، الشاطئ، أي مكان لا على التعيين. كان يأنس للوزن الموجود على صدره وحقيقة أنه يرى ما تراه هي. ويشعر ببهجتها، وساقيها تتحركان، والوجوه التي تقترب وهي تبتسم - لها، ثم له. رائعة. جميلة. وهو فخور بابنته، وفخور بنفسه. كليونا في الحمالة، وكونور في العربة، كيارا وماييف على الجانبين يمسكان القبضتين. نحو وسط المدينة، عبر الزحام، ثم هنري ستريت، وغرافتون ستريت. وكان الناس يفسحون لهم الطريق. وهو لم يفقد طفلا رغم ذلك.

أرسل له الطبيب أوراقا بالبريد. كتب في إحداها:” دهون الحياة - تخفيف مستوى الكوليسترول العالي”. لم يكن بدينا. ولم يقرأ المحتويات. فقط أخذ نظرة منها. هناك مقال عن ممثل مبتسم من “مدينة المعارض” استطاع أن يتحكم “بكوليستروله” وهناك صفحة عنوانها “زاوية الأطعمة”. هناك ورقة أخرى. “القسطرة وفتح الأوعية”.

لم يجد صورة في تلك. تعريفات، أجوبة على أسئلة. واستمارة موافقة منفصلة في الخلف. لم يقرأها أيضا. تخلص من نظارته وعاد إلى ستون هينج. أصغى للريح التي تصفر. والأغصان المتساقطة، وأحجار السطح وهي تكشف المسنين.

وتذكر زوبعة شارلي - في عام 1986 حسب معلوماته. جلس على سريره طوال الليل وانتظر أن تطير النوافذ وتلطمه، وأن تمزق الستائر، وأن تدفعه نحو الجدار. عاش وحيدا. كانت هذه آخر مرة شعر بالخوف الفيزيائي، واعتقد أن هذا صحيح. كان ذلك قبل ثلاثين عاما.

نظر للعلب الثلاثة.

قالت مختصة القلبية حينما التقى بها هذا الصباح: الجرعة القصوى. لتكون على الجانب الآمن.

- حسنا.

- ولك مني نصيحة.

- نعم؟.

قالت: لا تنظر في غوغل.

_ أخبرتني زميلتك بذلك أيضا.

قالت: جيد. لديك معلومات كافية. وسنخبرك بالمزيد مع تطور العلاج.

كانت تنظر نحوه من فوق نظارتيها، كما لو أنها توقفت أن تكون طبيبة وأصبحت زميلته. وتساءل لاحقا، حينما كان يتأمل البيض المخفوق الذي طلبه في الكافتريا المقابلة للمستشفى، وقطعة الزبدة الفضية التي تغطي الخبز المحمص، إن كان ذلك هو من يراها هكذا، أم إن كانت هي، مدربة بهذا الشكل أم أن هذا جزء من شخصيتها. تقبل نصيحتها. ولم يلجأ للغوغل. “أمراض الأوعية التاجية”.

نظر للعلب. وتناول أكبرها. روزوفاستاتين تيفا فارما. كأنه اسم نجم في السماء. أربعون ميليغراما. الجرعة القصوى. كما قالت طبيبة القلبية. تلك الحقيقة أثرت به.

- علينا تخفيض الكوليسترول لوضعه الطبيعي.

- حسنا.

معظمها يسبب الدوار. قرأ العبارة على العلبة. تناول أحد العلب الأخرى. الشيء نفسه - قد يسبب الدوار. إن تأثرت لا تعمل ولا تشرف على الآلات. هل هذا يشمل الكومبيوتر؟. أو الطابعة. وسخر من نفسه أيضا، وهو يخبر زوجته بالنكتة. سأسقط من فوق الكومبيوتر - بعد ثوان من تناول الدواء.

وهناك في العلبة ورقة - ورقة أخرى. الموت للأوراق اللعينة - فتحها. كانت تبدو مثل تعليمات استعمال ترافق الغسالات أو الخلاطات: اقرأ كل هذه الورقة بعناية قبل أن تتناول هذا الدواء لأنها تتضمن معلومات تهمك. لم يقرأ ورقة إعلانات في كل حياته. ولذلك حمل التحذير على محمل الجد.

قالت له طبيبة القلبية: حدد موعدا في يومك، صباحا أو مساء. ما يناسبك.

لم يكن يريد أن يكون إنسانا ينسى تناول حبات دوائه، أو إنسانا يتذكر حبوب دوائه باستمرار. أين هي الحبوب، أين تركت الحبات؟. هذه العبارة كانت تحمل أحفاده - أولاده - على الضحك كلما سمعوها. ولا زالوا يذكرونها، بعد عشر سنوات من جنازة أبيه، حينما يبحثون عن الملح على طاولة الطعام أو عن جورب مفقود تحت السرير - كلما كانوا في البيت.

لم يكن لديه أحفاد ليسخروا من حبوبه. وقد تناولها على كل حال - الحبات - في الصباح، مع الحلوى. أخبر طبيبة القلبية أنه يتناول الحلوى يوميا في الصباح. آه، هذا عظيم. شيء يساعدك. ثلاثة أقراص - يسميها الأقراص. هذا أفضل، تعبير ناضج، بالمقارنة مع الحبة.  أين هي أقراصي، أين تركت أقراصي؟. واحد من كل منها، مرة في اليوم. اثنتان ستاتين، واحدة اسبرين. لا شيء معقد. وسيتدبر أمره. فتح العلبتين الأخريين. واحدة من مربعات الحبوب تحمل أسماء الأسبوع بمربعات محددة - الإث. الثلا. الأرب. هل هذا يعني عليه الانتظار حتى يوم الاثنين قبل أن يبدأ؟. لو بدأ الآن، يكون قد تناول حبة يوم الإثنين. قرص يوم الاثنين - ولكن في يوم الأربعاء. يا له من أرعن أحمق. نهض وتناول كأس ماء. نظر من نافذة المطبخ حينما كان يفكر. شاهد ثلاثة أغصان على شجرة بيت الجيران تهتز. ثم تنحني. وسمع الصفارة. انطلقت في مكان ما. وسمع خشيش الأسلاك. واعتقد ربما حصل ذلك.

**

- أين هي حبوبي؟.

جاءت أمه تركض. تركض بخفها المنزلي. قادمة من المطبخ.

- أين هي حبوبك؟.

- هذا هو سؤالي اللعين. أين هي؟.

كانت تخشى أن يسقط زوجها ميتا إن لم يجدوا الحبوب. تقريبا سيموت. وستشاهد ما سيجري. سيصاب بأزمة قلبية. وبعدها عملية جراحة في القلب. كان أمامها على طاولة المطبخ. ثم وضع وجهه في حسائه وأمكنها مشاهدة العرق يسيل من جبينه.  مثل حنفية. مثل مسيل مائي. اتصلت به - ابنها - وأخبرته عن وصول سيارة الإسعاف، كان رجال النقالة يدخلون للبيت. تحرك وقادها بالسيارة إلى بومونت - المستشفى. نظر إلى وجهها، جانب وجهها - الخوف، التوتر. لم تكن تشبه أمه.

سألها: ماذا كان نوع الحساء؟.

قالت: قشدة الخضار.

وابتسمت.

- نفايات مزعجة.

وجد حباته، كان يعلم أين هي بالضبط - وهذه أهم نقطة بالموضوع. أنفقت سنوات تبحث عن حبوبه، وتحفظ أباه على قيد الحياة. حتى بدأ الأحفاد بالسخرية منها، والطاغية المسن اللعين قرر التآمر معهم.

ولكنه رآها قبل أن تكون جزءا من طرائف مساء الأحد. شاهد وجه أمه ووالده. رعبها ومتعته، قبل أن يحول الأولاد ذلك لجزء من طرائف كل أسبوع.

- أين هي حباتي؟.

لم يكن لديه حبوب. كانت أقراصا. وهو يعلم أين يحتفظ بها. فهو ليس مثل أبيه.

كان يضعها فوق الثلاجة. سجل ملاحظة في هاتفه يقول فيها: الأقراص = الثلاجة.

**

جلس على السرير. أمكنه أن يشاهد الأشجار في الشارع. وكانت الأوراق تسقط منها، أوراق السنديان - بحجم يد سمراء كبيرة - تتساقط، وتطير، وتمسكها الريح وتسوقها لأعلى الهضبة. لو رفع نفسه قليلا، سيشاهد علبة النفايات تحت الإفريز. مر شاب على دراجة. كان غطاء رأسه منفوخا، تهب فيه العاصفة. وتلك هي كل الدراما - شاب على دراجته.

بلغت الساعة الثانية والصنف. واستمع لأخبار وقت الظهيرة. كان الطقس يقضم غرب البلاد. ورافقه انقطاع بالكهرباء. وأغلقت الطرقات. وسقوف من المعدن خلعتها العاصفة وجعلت الأكواخ الريفية مكشوفة. في الخارج - هنا، في دبلن - كان اليوم عاصفا. وهذا كل شيء. كان جالسا على السرير، ينتظر. ورغب لو يشاهد سيارة تطير في الهواء، أو سنديانة بعمر مائة عام تتدحرج. أراد أن يشاهد شيئا جسيما - أي شيء.

لكن لم ير أي شيء.

**

كانت الأوراق هي كل الحكاية. والحقيقة أن شيئا هاما لم يحصل. وكانت الأوراق تطير بالاتجاه المعاكس. وكذلك المرأة صاحبة الدب الدمية. تلك هي حكايته.

استلقى على ظهره فوق السرير. وسقط في مساحة بيضاء ثم في العدم. لا تفكير أو أي شيء. وغلبه النوم.

**

استيقظ و ذراعه الأيمن يتألم. الألم - الوجع - أيقظه. هل تلك إشارة؟. هل الألم بيمناه أم بيساره وهو تمهيد لذبحة قلبية؟. أم أنه الكتف؟. لا يعلم. لم يتأكد. كانت ذراعه مخدرة. دون إحساس فقط. كأنه يستلقي عليها. أخبرته زوجته أنه نام و ذراعه مطوية، كما لو أنه يجلس على كرسي وسقط منها على السرير. ولكنه لم يصدقها.

اعترض بقوله: ليس كل ليلة.

- نعم - كل ليلة.

- كيف تعرفين؟.

- رأيتك.

- هل كنت مستيقظة؟.

- أحيانا.

- لماذا؟.

- يا للمسيح. ما هذا السؤال.

وهي هناك الآن. كانت تجلس بمكانه قبل أن يغلبه النوم. وشعر بثقلها على الفراش أولا. ثم شاهد ظهرها. كانت تنظر من النافذة. والجو مظلم.

- أي شيء يجري هناك؟.

قالت: ليس تماما. الزوابع ليست كما كانت في الماضي.

- مثل كل شيء آخر.

عليه أن يخبرها. لديه انسداد الأرملة، وستكون أرملة.

قال: لقد وصلت للبيت قبل منع التجول.

قالت: بصعوبة.

لم يتحرك. لم يرغب بالنهوض. وأراد أن ينظر إليها. من مكانه. إلى مكانها. كان دائما يحب أن يتبادل معها النظر.

سألته: هل لدينا طعام؟.

- كميات كثيرة.

- ممتاز.

- سأشعل الشموع في أرجاء البيت. على سبيل الاحتياط.

- يمكننا أن نتخيل أنه حمام بخار.

لم تتحرك. ولم تلتفت لتأخذ منه نظرة. مال قليلا - تلاشى الخدر من ذراعه - وضع يده على ظهرها. وشعر بها تتحرك. ولامست يدها يده. لمسة فقط.

قالت: انهض. لنستمع للأخبار. الغرب بحالة استثنائية. في غالواي وكيري وبقية الأماكن الحبيبة.

- بطريقة المحيط الهادر.

- الآن أنت في الطريق الصحيح.

ونهض.

قال: شاهدت شيئا.

أخبرها عن المرأة التي التقاها، المرأة ذات الدب الدمية.

قالت: قصة محزنة.

وسمع صوت حذائها يسقط على الأرض. والآن أصبحت قربه.

سيخبرها حالا. سيخبرها عن أقراصه وقلبه.

قال: أشتاق للأولاد.

وانخرط ببكاء مرير.

***

.........................

* منشورة في النيويوركير. عدد 2 كانون الأول 2019.

* رودي دويل  Roddy Doyle روائي إيرلندي من مواليد 1958. يستعمل الحوار على حساب الوصف و خبايا الشخصيات. من أهم أعماله “الإلتزام” 1987، “الشاحنة” 1991، ” ثلاثية مدينة باري”. حاز على المان بوكر عام 1993 عن روايته “بادي كلارك، ها ها ها”.

 

 

بهجت عباسالمسرح،

للشاعر عبد الستار نور علي

 ترجمها إلى اللغة الألمانية

د. بهجت عباس

 

Das Theater

Dichter: Abdul Sattar Nur Ali

Übersetzer: Bahjat Abbas

Ich schreibe um zu leben

Ich rieche die Seite der Luft, des Staubes und des Regens,

Ich übergebe Menschen

meine Hand, die vom Körper der Bäume ist,

Ich öffne das, was in der Seele ist, aus dem Tor der Sicht,

 

Ich schreibe, um den Älteren seine Stimme zu schenken,

Und für den Kleinen ein Spielzeug,

Alles von meinem Finger

die Früchte des Mondes,

Licht,

und Liebe,

Begleitung

Für einen Puls jedes Atoms im Boden und im Fluss,

 

Ich schreibe, was in meiner Biografie steht

ihre Geschichte,

Deren Linien Brunnen und Rosen sind,

Einwanderung,

Forschung,

Und Schnitzerei im Stein.

 

Ich trug über meine Schulter Träume und Schmerzen,

Den Weg und schlaflose Nacht.

 

Ich trug, was in der Biographie des Universums steht

Und im Epos der Menschheit,

 

Versprochene Freude ist ein schwaches Licht

Am Ende des Tunnels,

Steigt nachts ab

Tropfen ....

Und Tropfen...

Und die Traurigkeit ist ein endloses Grollen,

Säcke .... Säcke .....

Die, wie der Regen, stark ausgießt.

 

Ich schreibe, um den Hungrigen eine Speise anzubieten

Und den verlorenen Mann

Und den Experte

In Funkenzündung,

Ich erschüttere diese abwesende Welt

Von Bewusstsein der Gefahr,

 

Vielleicht grüßt mich das Publikum

Im Theater

Mit Jubel

Mit Applaus

Und mit den Blumen,

Oder vielleicht regnete es über meine Buchstaben mit Steinen,

 

Das Leben ist ein Theater,

Und der Text ist eine Komödie

Mit Spielleitung der Menschen,

***

Abdul Sattar Nur Ali

Montagsmorgen, 14. September 2009

 

...............................

المسرح – عبد الستّار نور علي

أكتبُ كي أحيا،

أشمُّ صفحةَ الهواءِ والغبارِ والمطرْ،

أناولُ البشرْ

يدي التي من جسدِ الشجرْ،

أفتحُ ما في الروحِ من بوابةِ البصرْ،

 

أكتبُ كي أهديَ للكبير صوتَهُ،

وللصغيرِ لعبةً

منْ كلِّ ما في اصبعي

منْ ثمرِ القمرْ،

نوراً،

وحبّاً،

صحبةً

لنبض كلِّ ذرةٍ في التربِ والنهَرْ،

 

أكتبُ ما في سيرتي

تاريخَها،

سطورُه نبعٌ ووردٌ،

هجرةٌ،

بحثٌ،

ونحتٌ في الحَجرْ،

 

حملْتُ فوق الكتفِ الأحلامَ والآلامَ

والطريقَ والسهرْ،

 

حملْتُ ما في سيرةِ الكونِ

وفي ملحمةِ البشرْ،

 

الفرحُ  الموعودُ ضوءٌ باهتٌ

في آخر النفقْ،

يهبطُ ليلاً

قطرةً ....

فقطرةً ...

والحزنُ صوتٌ هادرٌ لا ينحسِرْ،

زكائباً.... زكائباً.....

كالغيثِ ينهمِرْ،

 

أكتبُ كي أقدِّمَ الوجبةَ للجائعِ

والضائعِ

والضالعِ

في قَدْحِ الشّرّرْ،

أهزُّ هذا العالمَ الغائبَ

عن وعي الخطرْ،

 

لربما استقبلني الجمهورُ

في المسرحِ

بالتصفيقِ

والتهليلِ

والزهَرْ،

أو ربما أمطرَ فوق أحرفي الحَجَرْ،

 

إنَّ الحياةَ مسرحٌ،

والنصُّ ملهاةٌ

بإخراجِ البشرْ،

***

عبد الستار نورعلي

صباح الاثنين 14 سبتمبر 2009

.....................

للاطلاع على القصيدة في المثقف

https://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/957812

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمها عن اللغة المجرية: عامر كامل السامرّائي


حين نهضت، لفتح الباب،

أسقطت على الأرض سلَّة خيوطها:

فتناثرت الأزرار، والشِللُ، تحت الطاولة، وتحت الكراسي،

في زوايا مُستبعدة- شِلّة خيط أحمر، قُرابة البرتقالي

دخلتْ في زجاجة المصباح؛ وأخرى بنفسجية،

دخلتْ عميقاً في جوف المرآة؛ والذهبية –

لم تكن لديها أبداً شِلّة خيطٍ ذهبية – من أين أتت؟

جَثتْ، هكذا حاولت التقاطها، واحدة تلو أخرى،

وترتيبها قليلاً، قبل أن تفتح الباب.

لم يكن لديها وقت. طرقوا ثانية.

وقفت ساكنة، عاجزة، بذراعين متهدلتين.

وحينما تذكرتْ أن عليها أن تفتح الباب، لم يعد هناك أحد.

أليس هذا هو الحال مع الشِعر؟

أليس هذا بالضبط؟

***

 

مادونا عسكرمقطع من قصيدة "لوحات الطّبيعة"

للشاعر الفرنسي مارنيزيا المتوفى سنة ١٨٠٠م

ترجمة مادونا عسكر/ لبنان


هوراس* ما عاد حيّاً إلّا في معبد الذّاكرة.

ما بقي منه إلّا أبياته ومجده.

للصّديق النّاجي، راحة حزينة،

ماسيناس* في حدائقه شيّد نصباً!

في غاباته المرتادة من رجال مشهورين،

ما عاد يبحث إلّا عن السّرو الجنائزيّ.

في ظلّه الكئيب يرضخ لآلامه

ويستسلم للذّة ذرف الدّموع.

ملاذ الموت، اعتزال صامت،

أنتم ترفعون روحه! متكئاّ إلى جرّة،

من حلم الحياة، يرى الغرور،

ومن أجَلِه أخيراً، لم يعد مرعوباً.

قريب من حافة الهاوية، يقيسها ويريد

أن يتّحد برماد صديق؛

يجمّل إثم الموت المؤلم ،

ويؤمن أن في قبره سيشعر بقلبه.

لكنّه عبثاً يسعى لِصَون غباره

من سطوِ الزّمن على كلّ مادّة:

لا يبقى منّا شيء، حين نفنى،

 إذا لم ننجُ بإشراقة الفضائل.

***

..........................

*هوراس: شاعر غنائي وناقد أدبي لاتيني من رومانيا القديمة. ٦٥ق.م-٢٧ ق.م

* ماسيناس: رجل سياسي روماني، اشتهر بتكريس ثروته وتأثيره للفنون والأدب.

............................

Horace ne vit plus qu'au  temple  de  mémoire.

Il n'est resté de lui que ses vers et sa gloire.

Pour l'ami qui survit, triste soulagement, 

Mécène en  ses jardins élève un monument !

De ses bois fréquentés par  tant d'hommes célèbres, 

Il ne recherche plus que  les cyprès funèbres.

Sous leur ombre lugubre il cède à ses douleurs

Et se livre au plaisir de répandre des pleurs.

Asile de la mort, retraite taciturne,

Vous élevez son âme ! Appuyé sur une urne, 

Du songe de la vie, il voit la vanité, 

Et de son terme enfin, n'est plus épouvanté.

Il mesure l'abyme et veut, près d'y descendre, 

Aux restes d'un ami qu'on unisse sa cendre ; 

Il embellit la mort dans sa touchante erreur, 

Et croit que dans la tombe il sentira son coeur.

Mais c'est en vain qu'il veut préserver sa poussière

De l'empire du temps sur toute la matière : 

Rien ne reste de nous, quand nous ne sommes plus, 

Si nous ne  survivons par l'éclat des vertus.

Essai sur la Nat. champ, poèm. Ch. 2.

 

2746 روبي كوربقلم: روبي كور

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


انكليزية ركيكة

أفكر بالطريقة التي انتشل بها والدي العائلةَ من الفقر

دون ان يعرف ما هو حرف العلة.

ووالدتي ربت اربعة أطفال

دون ان تتمكن من تكوين جملة تامة بالانكليزية

زوجان مرتبكان حطا في العالم الجديد

بآمال تركت طعم الرفض المر في فمهما.

لا عائلة لا أصدقاء، زوج وزوجة حسب،

شهادتان جامعيتان لا تعنيان شيئا،

لغة أم واحدة ركيكة الآن،

بطن منتفخة في داخلها طفل.

أب قلق بشأن الوظيفة والإيجار

لأنه مهما حدث فهذا الطفل آت.

 

وفكرا مع نفسيهما للحظة

أ يستحق الأمر ان نضع كل مالنا

في حلم بلد يبتلعنا بالكامل.

وابي ينظر في عيني امرأته

ويرى الوحدة تسكن حيث توجد الحدقة.

يريد ان يمنحها منزلا

في بلد ينظر اليها وكلمة زائر تطوق لسانه.

في يوم زفافهما تركت قرية بكاملها لتصبح زوجته

والآن تركت بلدا بكامله لتصبح محاربة.

وحين حل الشتاء لم يكونا يملكان شيئا،

سوى حرارة جسديهما لتقيهما البرد.

ومثل معقوفين يواجهان بعضهما

ليحتضنا اعز أجزائهما،

أطفالهما.

 

لقد حولا حقيبة مليئة بالملابس

الى حياة وشيكات نظامية

ليتأكدا من ان أطفال المهاجرين

لن يكرهوهم لكونهم أطفال مهاجرين

كدّا وكدحا—يمكن ان ترى ذلك على يديهما،

كانت عيناهما تتوسلان كي تناما

لكن أفواهنا كانت تتوسل كي تطعم،

وذلك اشد الأشياء التي رأيتها فنية.

انه شعر بالنسبة لهاتين الأذنين لم تسمعا قط

كيف يكون إيقاع الشغف

وفمي يمتلئ بكلمات (أعجبني) و(هممم)

حين انظر الى تحفتهم،

اذ ليس هناك كلمة باللغة الانكليزية

يمكنها ان تنطق هذا النوع من الجمال.

 

لا يمكنني ان اضغط وجودهما في ست وعشرين حرفا واسميه وصفا

حاولت مرة لكن النعوت التي احتجتها لوصفهم لا توجد حتى

فبدلا من ذلك وبعد صفحات وصفحات مليئة بالكلمات

تتبعها فواصل ومزيد من الكلمات ومزيد من الفواصل

لم انته الا لأدرك ان هناك بعض الأشياء في العالم

لا نهائية الى حد انها لا يمكن ان تستعمل النقطة مطلقا.

 

اذاً كيف تجرؤ ان تسخر من أمك

حين تفتح فمها

فتنسكب منه انكليزية ركيكة.

 

لهجتها كثيفة كالعسل،

فتشبث بها بحياتك،

انها الشيء الوحيد الذي بقي لها من الوطن.

لا تدس على تلك الثروة،

علقها بدلا من ذلك على جدران المتاحف

بجانب دالي وفان كوخ

حياتها مشرقة ومأساوية.

قبّل صفحة خدها الناعم.

انها تعلم مسبقا كيف تبدو الحال

حين تضحك امة بكاملها اذا تكلمت.

انها أكبر من علامات ترقيمنا ولغتنا.

قد يكون بإمكاننا ان نرسم صورا ونكتب قصصا،

لكنها صنعت عالما كاملا لنفسها.

فكيف ذلك بالنسبة للفن؟

***

.....................

روبي كور: شاعرة ورسامة ومصورة فوتوغرافية ومؤلفة كندية من اصل هندي ولدت في عام 1992 في اقليم البنجاب بالهند لأبوين من السيخ هاجرا وهي في الثالثة من العمر الى كندا هربا من الاضطهاد الديني. بدأت في عام 2009 بتقديم قراءات لشعرها على موقع انستغرام لتصبح واحدة من اشهر شاعرات هذا الموقع. نشرت ثلاث مجموعات شعرية هي (حليب وعسل) 2014؛ (الشمس وأزهارها) 2017؛ و (جسم المنزل) 2020.

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: كاروي باري

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرّائي


كوخي ينفث فقراً بغيضاً

بجدار يكاد أن ينْهدَّ، وسقف مزَّقته الريح

مُتشبثاً بالدهر، توثِقه المصائب حد عرشه.

 

عذابي أطلقني على الدرب

إلى حقول احرقتها الشمس،

وعبر أعماق وديان باردة،

لابتليتني

أسأفجِّر من الدم والعَرَقِ نجماً،

أم انتزع من اعوامي الستة عشر المسلوبة

لعنات أمي الشتّامة.

 

محموم-كالسعير دمي، أُحرقتْ سرابيله

فالبستني غَرابة،

وسنا الدار لوميضٍ مِنْ سابقِ عُمري

حيثما أدركت نحِلَتي، فما لبثت تطاردني،

حتى صيرتني للعزلة،

وساقتني للدهر مختوماً بالضْنكِ،

مسرعاً كحدأة عبر المفازات.

 

كل نبضة من فؤادي تغزل قَدَراً،

تُرفرف لها خِرق الذكريات،

يعتلي وجهي برد طفولتي،

ويعشعش هاجعاً في أيامي مُرها،

ليحزنني مرة تلو أخرى

بماض مضطرم، من ذكرياتي البالية.

***

...................

نبذة عن حياة الشاعر:

ولد الشاعر كاروي باري (Bari Károly) عام 1952 في جمهورية المجر، في قرية جبلية صغيرة تابعة لمحافظة بورشود تدعى بوك أرانيوش، من أبوين غجريين لهما سبعة أطفال كان كاروي خامسهم.

بعد إنهاء مرحلة الدراسة الابتدائية التحق بالمدرسة الثانوية في مدينة ميشكولتس (مركز المحافظة التي ولد فيها)، ومن ثم درس في معهد الفنون المسرحية في محافظة ديبريتسن. وبعد التخرج درس الآداب في جامعة كوشوت لايوش في العاصمة بودابست.

كان لا يزال طالباً في الثانوية عندما صدرت له أول مجموعة شعرية وقد لاقت نجاحاً عاصفاً بحيث طبعت مرتين خلال عامٍ ونصف العام تقريباً.

في منتصف السبعينيات تم منع طباعة ونشر قصائده بسبب محتواها السياسي، وسجن على إثرها في واحد من أشد السجون حراسة في المجر، يدعى (نجمة سَكَد). بعد إطلاق سراحه تم تهميشه في المجتمع الأدبي لسنوات.

كان شاعراً وفناناً تشكيلياً ومترجماً للشعر المعاصر. كتب عن الفولكلور، والتقاليد الغنائية والقصيدة الملحمية الشعبية الغجرية. عرضت لوحاته الفنية لأول مرة في معرض بمدينة غودولو بالقرب من العاصمة بودابست، وفي وقت لاحق، عرضت في العاصمة بودابست أيضاً، وفي مدينة ديبريتسن ومدينة سَكَد وباريس وبرلين وستراسبورغ.

تنشر قصائده بانتظام في عدة لغات أجنبية وفي العديد من المجلات والمختارات الشعرية الأجنبية. نشرت أعماله أيضاً في طبعات خاصة مستقلة ومن قبل جامعة بولونيا في إيطاليا، وفي فرنسا، ومؤسسة روتردام الهولندية، وباللغة الألمانية في برلين، كما طبعت بعضها باللغة الإنكليزية في سان فرانسيسكو.

حصل على جائزة الشاعر المجري "يوجيف أتيلا" عام 1984، وجائزة الأديب "ديري" عام 1992 من مؤسسة الملياردير المجري "شورش"، والجائزة الأدبية لجمعية وسط أوروبا C.E.T عام 2000، وجائزة "زولتان كوداي" عام 2001.

أهم أعماله الشعرية:

- فوق وجوه الموتى" صدرت عام 1970

- النار المنسية" عام 1973

- كتاب البكم" عام 1983

- إحدى وعشرون قصيدة" عام 1993

-  وله كتاب فخم صدر عام 2019، يحتوي جميع أعماله الشعرية مع جزء كبير من لوحاته الفنية، وقصص من تراث الغجر.

 

زهرا نصريترجمة قصيدة يحيى السماوي ( ياسيدي الحسين) الى الفارسية

ترجمة: زهرا نصري


(يا سيدي الحسين)

سرورم  حسین

1- عُصِمْتَ فَلَیْسَ تقربُکَ الظنونُ   کأنّکَ للهُدی والدّینِ: دِیْنُ

پناه داده شده¬ای و نزدیکی¬ات به خدا وهم و گمان نیست گویا برای هدایت و ادای دِین آمده¬ای.

2- فیا مَنْ «حاؤُهُ» حَقٌّ وحِلمٌ    ویا مَنْ «سِیْنُهُ» مُنْجٍ سَفینُ

ای کسیکه «حاء» او حق و بردباری است و ای کسیکه «سین» او کشتی نجات است.

3- ویا مَنْ «یاؤُهُ» یُسْرٌ ویَمٌّ     ویا مَنْ «نونُهُ» نورٌ مبینُ

و ای کسیکه «یای» او آسانی و دریاست و ای که «نون» او نور تابان است.

4- ویا ابْنَ (الدُّرِّ والذَّهَبِ المُصَفّی)   ومَنْ أوصی ببیعتِهِ «الأمینُ»

ای پسر مروارید و طلای ناب و ای کسیکه «پیامبر(ص)» سفارش به بیعت با او نمود.

5-  ویا مَنْ حُبُّهُ تقویً ورِبحٌ      ویا مَنْ بُغضُهُ خُسْرٌ مُشینُ

ای کسیکه عشق او تقوا و تجارتی سودمند است و ای کسیکه کینه¬اش زیانی ننگین است.

6- ویا مَنْ أعْجَزَ الدُّنیا ببَذلٍ      غداةَ اسْتُهدِفَ «الحبلُ المتینُ»

ای کسیکه با بخشش، دنیا را ناتوان ساختی، بامدادان به ریسمانت چنگ زده می¬شود.

7- ویا ابْنَ الأطهَرَینِ: أباً وأمّاً         وتخشی نورَ غُرَّتِهِ الدُّجونُ

ای فرزند پدر و مادری پاک سرشت و ای که تاریکی¬ها از نور پیشانی¬اش می¬ترسند.

8- ویا مَنْ لن یکون لهُ شبیهٌ  علی الأرضینِ ما مرَّتْ سنونُ

ای کسیکه در زمین بی¬همتاست تا هنگامیکه سالها سپری می¬شوند.

9- حَباهُ اللّهُ دون الخلقِ أمراً   یدومُ الدّهرَ  مادامَ الیقینُ

پیش از آنکه خداوند به کسی امر کند به او عطا نمود تا هنگامیکه یقین وجود دارد و روزگار باقی است.

10- هو الشمسانِ لکنْ لا غروبٌ     لنورِهِما وما لهما قرینُ

حسین همچون دو خورشید است که نورشان خاموش نمی¬شود و همانندی ندارند.

11- ویا مَنْ لا یُرَدُّ له دعاءٌ     ویسْترجي شفاعتَهُ المکینُ

ای کسیکه دعایش مستجاب می¬شود و شفاعت محکمش پذیرفته می¬شود.

12- إذا ذُکِرَ الحسینُ أصاخَ کونٌ      وجلجلَ في تهجّدِهِ السکونُ

اگر نام «حسین» آورده شود، هستی به خروش درآمده و آرامش در شب زنده¬داری¬اش به غرش در می¬آید.

13- فدیً لترابِ نعلکَ یا إمامي:      أنا .. وأبي وأمي ... والبنونُ

ای پیشوای من، من، پدر، مادر و پسرانم فدای خاک نعل تو باشیم.

14-أخفتَ الموتَ حتی خرَّ ذُعراً      فأنتَ الحيُّ والموتُ الدَّفینُ

مرگ را ترساندی تا اینکه هراسان فروافتاد و تو زنده¬ای و مرگ پنهان است.

15- جهادُکَ آخِرُ الآیاتِ خُطّتْ       بنور العرشِ سُورَتُها«حُسَینُ»

ای «حسین»، جهادت آخرین نشانه¬هایی است که با هیبت نور عرش گرفته شده  است.

16- فأنتَ لکلِّ ذي عزمٍ حسامٌ         وأنت لکلِّ مذعورٍ حُصونُ

تو برای هر همت کننده¬ای شمشیری و برای هر ترسیده¬ای دژ مستحکمی.

17- أبا الأحرارِ هلّا قمْتَ فینا؟        فقدْ عَمَّ البلاءُ ... ولا مُعینُ

ای پدر آزادگان، آیا نزد ما اقامت می¬کنی؟ بلا بسیار است و پناهگاهی نیست.

18- ولا «حُرٌّ ریاحيٌّ» بقومي        ولا العبّاسُ والقدّیسُ «جُونُ»

در میان قومم، نه «حرّ ریاحی» هست ... نه «عباس» نه «جون بن حوی» پاک سرشت.

19- تأسَدَتِ الأرانبُ... فالرَّزایا       حُبالی والنوائبُ والمنونُ

خرگوش¬ها جسور شده¬اند... و مصیبت¬ها، بلاها و مرگ ریسمان شده¬اند.

20- تقنَّعتِ الوجوهُ فلیس ندري        أشوکٌ حولنا؟ أم یاسمینُ؟

چهره¬ها نقاب زده¬اند و نمی¬دانیم آیا اطرافمان خار است یا یاسمن؟

21- «یزیدٌ» بات هذا العصرَ جمعاً  یُناصِرُهُ المُهَتَّکُ واللعینُ

در این روزگار، همه «یزید» هستند و اشخاص بی¬حرمت و نفرین¬شده به یاری¬اش می¬شتابند.

22- وفینا ألف «حرملةٍ» و «شمرٍ» تفخَّخَ فیهمُ الحقدُ الدَّفینُ

در میان ما هزاران «حرمله» و «شمر» هست که در میان آن¬ها کینة پنهان تنیده شده است.

23- وفینا من «آبي جهلٍ» عشیرٌ     ولـ «ابْن زیادَ» من جذرٍ غصونُ

در میان ما قبیلة «ابو جهل» است و نسل «ابن زیاد».

24- وفینا آکلو الأکبادِ غصّتْ          بهم دارُ الخلافةِ لا السّجونُ

در میان ما جگرخورها حاکم گشته¬اند و خلافت از آنِ آنهاست نه زندان¬ها.

25- حُسینیون إنْ نطقوا ... وأمّا      فعالُهمُ فأبعدُ ما تکونُ

پیروان اگر سخن به میان آورند ... لکن رفتارشان دورتر از اخلاق و رفتار «حسین (ع)» است.

***

زهرا  نصري

باحثة إيرانية، تستعد لمناقشة أطروحتها لشهادة الدكتوراه في جامعة أراك حاليا .

 

 

2734 بيط نامبقلم: بيك نام نيونغ

ترجمة: صالح الرزوق

كانت المحكمة العليا تأوي بين جبال على مشارف المدينة. وصف من أشجار الشوح الطويلة تحرس الطريق حتى بوابات المحكمة. وبعد البوابات تستقبل الزوار باحة هادئة ومترامية الأطراف. وهذه الباحة، المحاطة بأشجار المخروطيات، توفر للزوار كفايتهم من الهواء المنعش، وهم يتأملون السلالم الطويلة والعريضة التي تقودهم لقاعة المحكمة. أما النوافذ الكبيرة، والأعمدة ذات الرؤوس، والأبواب المرتفعة، فتمنح المدخل مهابة واضحة. ومع أن المحكمة العليا تعالج قضايا جنائية ومدنية، فإن الواجهة العميقة للمبنى تعطي الانطباع  بالأهمية والمهابة والترفع. لا يعرف العديد من سكان المدينة موضع المحكمة العليا ولم يسمعوا بوجودها أصلا. وأولئك الملتزمين بالقانون أو الذين يعيشون في كنف عائلة محترمة، لا يوجد لديهم أي سبب ليأتوا إليها.

حلت الكآبة على القاضي جونغ جن وو وهو ينظر لطلب طلاق موجود أمامه على الطاولة. كان مثل أي صياد يحاول فك عقدة سنارة الصيد، لكنه امتعض من عبء التعامل مع بؤس عائلة لا يعرفها.

احتفظت امرأة في الثلاثينيات برأسها منكسا أمامه لتتجنب نظرة القاضي جونغ جن وو. وكان يأتيه عبير عطرها الخفيف وذكي الرائحة، المناسب لثوبها الرقيق والحديث والذي كشف عن رقبة بيضاء ملتفة. كانت سكرتيرة القاضي جونغ جن وو قد تعبت من طرد المرأة بحجة أنه غير موجود وهو مشغول برحلة عمل و سينظر بطلبها حالما يعود بعد بضعة أيام، ولكن المرأة انتظرت في ممرات المحكمة لعدة ساعات كما لو أن قدميها مسمرتان بالأرض. ولم يبق أمام القاضي جونغ جين وو مفر من أن يستدعيها لمكتبه.

ارتجفت المرأة وبدأت تبكي. وانتظر جونغ جين وو حتى تتمالك نفسها قبل أن يقدم لها استمارة طلاق.

الاسم: شي صن هيي.

العمر: 33.

العنوان: منطقة جانغ أن، # 19.

المهنة:

عند رؤية “المهنة”، شعرت صن هيي بقلبها يخفق باليأس، ولم يبق لديها قوة لتتابع، وألقت قلمها جانبا.  ولاحظ القاضي جونغ جن وو اضطراب المرأة، وقرر أن يستكمل كتابة الاستمارة بنفسه. كان يعرف مهنتها جيدا. فهي مطربة محترفة، وقائدة فرقة ميزو سوبرانو في شركة فنون المقاطعة. وكان يزور المسرح، مرة كل عدة شهور، ليستمع لغنائها. كان لدى صن هيي قوة لجذب الجمهور لعالمها الموسيقي لما امتلكته من صوت ملائكي. وكانت تتلقى التهاني وباقات  الزهور كل أمسية - تلك هي حياة الشهرة لمن هو على شاكلة صن هيي.  في كل حال اليوم أحضرت معها مشاكل زواجها لقاعة المحكمة، شيء لا يمكن لمحبيها أن يتوقعوه أبدا. وفكر القاضي جونغ جن وو: لماذا ترغب بالطلاق؟. هل هي وزوجها لا ينعمان بحياة جنسية طيبة؟. أو لعل زوجها عاجز. لا، لا يمكن ذلك. فهي لديها ابن.

رأى القاضي جونغ جن وو، في طريق عودته إلى البيت في إحدى الأمسيات، صن هيي وابنها المتجهين لمنطقة جانغ أن، وهو مجمع سكني من بيوت بطابق واحد، ولم يكن موضعه بعيدا عن شقته.

لا بد أن زوجها متورط بعلاقة غرامية مع امرأة غيرها. وأمل جونغ جن وو أنه ليس غراما جادا. أو ربما المشكلة  خلاف لم يمكن حله مع أهل زوجها. وخامره الأمل أنه كان جدلا عقيما حملها لسلالم هذه المحكمة. العديد من المتزوجين حديثا، ممن كانت لديهم أحلام مخملية عن الزواج والعائلة في زمن الشباب، دخلوا من أبواب هذه المحكمة وليس لديهم غير مشاكل تافهة، متوهمين أنها تراجيديات لا يمكن تحملها.  لكن بدأ القاضي جونغ جن وو يفهم بالتدريج أن صن هيي لم تأتي إليه بموضوع صغير. كانت هيئة صن هيي كلها - عيناها الفارغتان، ملامحها المنهارة، وروحها المتهدمة، ووضعها العصبي - ينم عن هم عميق تراكم لعدد متواصل من السنوات. سحبت صن هيي منديلها لتمسح معالم يأسها وقلقها. وبيديها الناعمتين، أبعدت الشعر المنسدل على وجهها وحاولت أن تتماسك أمامه. وسمحت بخروج تنهيدة بسيطة ونظرت إليه نظرة ملؤها الاعتذار وطلب المغفرة.

قالت:”مهنتي هي...”.

“أعرفها مسبقا. أخبريني من فضلك باسم زوجك”.

“اسمه لي سوك شون”.

“عمره؟”.

“هو في الخامسة والثلاثين”.

“مهنته؟”.

قالت:”يعمل في مصنع جانغ آن للآلات. وهو المشرف على المخرطة”. وارتعش صوت هيي من النحيب، ومع ذلك، لم يخامره الشك أنه صوت المطربة الرقيقة. بعد أن دون المعلومة على الاستمارة، سألها:”لديك ابن، هل أنا محق؟”.

بكت صن هيي مجددا وقالت:”ابن؟ ابني. آه يا عزيزي...”. وآلم قلبها التفكير بمصير ابنها البائس. كان جونغ جن وو يعلم جيدا بعد سنوات من التجارب أن النساء اللواتي تطلبن الطلاق عموما تجدن صعوبة بالغة في مناقشة موضوع أبنائهن. والزوجان المطلقان، غالبا يتجاوزان ويهملان ويهجران الابن حينما يتفاقم القلق والحنق واليأس من شريك الحياة. ولكن كلما وقفت امرأة أمام القاضي، تستيقظ غريزتها الأمومية. الأم تكافح من أجل الحضانة وتخاف بنفس الوقت على مصير ابنها البريء. ولكن هناك نساء لا تنظرن للطفل على أنه ضحية بلا ذنب، وتكون الأولوية للطلاق دون أي اهتمام بالمصير البائس الذي ينتظره الابن. وأمل جونغ جن وو أن لا تكون صن هيي من هذا النوع من الأمهات.

سأل بصوت ناعم:”كم يبلغ عمر ابنك؟”.

“سبع سنوات”.

“إذا له الأولوية”.

“في الحقيقة ولدته بوقت مبكر، لذلك سينتهي من الروضة في هذا الخريف”.

توقفت صن هيي عن النحيب و بدأت ترتب شهرها المبعثر بيدها.  وتوقف صوتها عن الارتعاش، وبدا أنها هدأت.

سألها:”متى تزوجت؟”.

سألته صن هيي مع تقطيبة خفيفة:”هل هذه نقطة هامة؟”.

“الزواج عقد قانوني. وعليه لا بد من معرفة تاريخه”.

تلعثمت صن هيي تقول:”أعتقد... في 10 أيار... 1974”.

التفتت صن هيي  برأسها  بعيدا، ونظرت لزاوية الطاولة. وأيقظ هذا التاريخ دون شك العديد من الذكريات الطيبة، ولكنها مختلفة تماما عن ما تشعر به الآن. وحاولت جهدها أن لا تفكر بالأيام التي رحلت. وعندما أوشك جونغ جن وو أن يسجل التاريخ، نظر للتقويم المعلق على الجدار وراء صن هيي. وفكر بسره: تاريخ اليوم هو 24 نيسان، وفي غضون أسابيع قليلة، سيكون قد مر على زواج هذه المرأة عشر سنوات.

قال لها:”حسنا يا رفيقة صن هيي. هل بمقدورك أن تبرري لي طلب هذا الطلاق؟”.

وأصاب سؤال القاضي صن هيي بالصمم. فقد كان من الواضح لها لماذا يأتي شخص إلى المحكمة ويسجل طلب طلاق. وأعاد القاضي صياغة سؤاله قائلا:”لماذا تفكرين بالطلاق من زوجك؟. بتعبير آخر ما هو الدافع وراء طلب الطلاق؟”. وأشار جونغ جن وو للاستمارة بقلمه وأضاف بهدوء:”هنا في هذه الوثيقة القانونية، يوجد فقرة تدعى: ملخص طلب الطلاق”.

وتابعت صن هيي الكلام بصوت جازم:”كما ترى، أنا وسك شون لسنا على علاقة حسنة. وكانت هذه أحوالنا منذ سنوات”. وارتعش صوتها وهي تضيف:”حاولت جهدي أن أتمسك بالصبر، ولكن نفدت حيلتي”. وكان على ما يبدو أنها أوشكت على متابعة النحيب.

سألها جونغ جن وو:”كيف حصل أنك لست على ما يرام مع زوجك؟”.

لم ترد صن هيي.

قال القاضي بمحاولة للتفاهم معها:”لا يمكنني إقناع المحكمة أن تدرج النظر بطلاق دون سبب مشروع”.

فجأة انفجر غضب لا يمكن التحكم به داخل صن هيي، ورفعت صوتها تقول:”لا يمكنني أن أعيش معه أبدا!. ببساطة انقطعت كل السبل!. ولا توجد حكمة من الاستمرار. طباعنا مختلفة تماما”.

كان القاضي جونغ جن وو معتادا على هذه الفورات العصبية بعد سنوات من طلبات الطلاق والنظر بها. استغرق لحظة قبل أن يتابع. ثم قال:”ما هي طباع زوجك؟”.

“معدوم الإحساس و أبكم كأنه صخرة صماء”.

أكد لها جونغ جن وو:”قلة الإحساس ليست أخلاقا طيبة. ولكن رجل قليل الكلام من الصفات الحسنة”.

وجادلت صن هيي تقول:”لو أنه رجل قليل الكلام لتمكنت من التأقلم معه. لكنه لا يعرف كيف يدخل بحوار مقنع دون أن يشتمني خلاله. إما يعاملني بصمت أو يتذمر من أتفه الأمور”.

وبدلت صن هيي تعابيرها مباشرة لتكسب عطف جونغ جن وو. وقالت:”أيها الرفيق القاضي، أناشدك أن تساعدني. كنت أعيش حياة محرومة من الحب مع سوك شون لعدد من السنوات. ويحرجني أن أبدو كذلك بعيون الآخرين. وكنت أنوي القدوم للمحكمة قبل فترة، لكن ابني، كما ترى ..”.

صب القاضي جونغ جن وو كوبا من الماء لصن هيي وقال:” رفيقة صن هيي، من فضلك اشرحي لي ظروفك بأسلوب هادئ ومتزن”.

“كما ترى، أسلوب حياتنا لا يحكمه إيقاع واحد”.

“ماذا يعني إيقاع واحد؟”.

“مثل الموسيقا. الزواج يشبه ألحان الموسيقا”.

أصغى جونغ جن وو باهتمام. وركزت صن هيي نظرها بعينيه وقالت:”فقط فكر بالموضوع أيها الرفيق القاضي. هل يمكن للطبلة والفلوت أن يكونا صوتا واحدا؟. أليس من المستهجن أن تجمع في رباعية صوت المذكر والمؤنث؟”.

“هذا في الموسيقا من ناحية فنية..”.

وقاطعته صن هيي بقولها:” لا يوجد حياة دون فن. والزواج فن. وحينما لا تكون الأمور على ما يرام. تتحول لفظاعة. سوك شون يمقتني ولا يعاملني معاملة كائن بشري. علاوة على ذلك هو ينتقد طريقة اختياري للثياب!. وإذا حضر زملائي من المسرح لبيتنا، إما نغلق الباب و نذهب لغرفة أخرى أو يغادر فقط لأنهم لا يرغبون أن يقتربوا منه. أيها الرفيق القاضي، كيف يمكنني أن أعيش مع رجل من هذا الطراز؟”.

لم يمكن جونغ جن وو أن يستوعب ردها، لذلك قال:”لا يمكن لزوجك أن يفعل ذلك مع امرأة لطيفة مثلك دون سبب وجيه. فما هو السبب برأيك؟”.

خفضت صن هيي نظرها وتمسكت بزاوية من ثوبها. قالت:”لا أعلم حقا. ليس لأنني لا أحبه. حاولت جهدي أن أحترمه وأستوعبه”.

لم يقتنع القاضي جونغ جن وو. واقترب أن يفقد أعصابه. فأصر:”كيف من الممكن أن تحبي زوجك وتعيشي حياة زوجية محرومة من الحب في وقت واحد؟”.

فتحت صن هيي عينيها على وسعهما ونظرت بالقاضي نظرة عميقة. وصدمتها نظرة القاضي الباردة وسؤاله المباشر. وفقدت عيناها بريقهما وغلبها الحنق. وردت:”كنت مخلصة لزوجي!. وقفت بجانبه وضحيت من أجل نجاحه بالعمل في مشروع واحد استغرق منه خمس سنوات كاملة. وكنت صبورة معه.  ولم أهتم إن لم ينفق راتبه على البيت ولم يساعد بالشؤون المنزلية. تحملت كل ذلك - الإهانة، والعنف الجسدي - وعشت معه كل تلك السنوات. لقد بذلت كل ما باستطاعتي لينجح زواجنا”.

وصمتت صن هيي لدقيقة من الوقت لتلتقط أنفاسها وأضافت:”لا. لا. لم يعد بمقدوري تحمل المزيد. لا يمكنني تحمل ذلك!. أنا مغنية. وأحب الغناء، وأحب جمهوري. ولن أضحي بأحلامي، ولا بمستقبلي، فقط من أجل مزاج زوجي”.

“ولماذا لم يكن زوجك ينفق على البيت؟”.

أدرك القاضي جونغ جن وو من خبرته الطويلة أن المصاعب المالية قد تودي بالزوجين لطلب الطلاق. ولكنه أمسك نفسه من القفز لنتيجة دون مزيد من التفكير، وسألها هذا السؤال فقط ليفهم الحقيقة وراء قضية الطلاق وأسبابها. امتعضت صن هيي وأبدت حنقها من زوجها قائلة:”ارتكب أخطاء مهنية وأفسد عمله، وكلف ذلك المصنع ثروة. وانتابه الشعور بالذنب، وحاول أن يعوض عن أخطائه بغرامة من راتبه. وهو لا يزال يدفع لقاء تلك القطع التي أفسدها”.

وحاولت صن هيي أن تستند بأصابعها على طرف الطاولة. واحتقنت الدموع في زوايا عينيها، ولكن استمرت نظرتها ثابتة ومستقرة.

“حسنا يا رفيقة صن هيي. الآن، لماذا لم يرافقك زوجك اليوم؟”.

“قال سوك شون إنه من المهين أن يحضر للمحكمة. وقال إنه ليس لديه الوقت ليتكلم عن مشاكله العائلية. ولكن أنا موقنة أنه موافق على فكرة الطلاق”.

سجل جونغ جن وو ملخص وجهة نظر صن هيي حول طلب الطلاق، ولكنه كان يعلم أن هذا جانب واحد من المسألة.

نظرت صن هيي للاستمارة الرسمية وأمسكت أنفاسها بشيء من التفاؤل. وبعد تنهيدة قصيرة، سألت بلباقة:”متى تعتقد أن جلسة الاستماع لطلب الطلاق ستنعقد؟”.

رفع جونغ جن وو نظره عن الاستمارة وقال:”الطلاق ليس تمثيلية. ويمكنك الظهور بها على المسرح والانصراف كيفما اتفق. يجب أن اقابل زوجك وأستمع لوجهة نظره، ثم يجب أن أستشير اللجنة الشعبية وإدارة مصنعه، وبعد ذلك..”.

قاطعته صن هيي بقولها:”أنت غير مقتنع بما قلته؟”.

توجب على جونغ جن وو أن يدخل بثقله لحسم هذا الموضوع. قال:”القانون لا يقر بدعوى طلاق استنادا على ادعاء طرف واحد. المداولة تقوم على أساس العدل والموضوعية”.

تمسكت صن هيي بطرف ثوبها كما لو أنها ارتكبت فعلا شائنا، وبعد دقيقة، نهضت من كرسيها. وقالت:”أيها الرفيق القاضي. اسمح لي بالطلاق من زوجي. أتوسل إليك. فقد بينت لك موقفي بكل أمانة، لكن يبدو أنك لا تفهمني”.

كانت هذه لهجة متوقعة و شائعة من طالبي الطلاق. أغلق جونغ جن وو ملف القضية، وبصوت هادئ قال:”يا رفيقة صن هيي. من فضلك تماسكي قليلا. قضايا الطلاق تأخذ وقتا طويلا. عودي إلى بيتك و تابعي ما كنت مشغولة به. الطلاق شيء، وابنك الذي هو بحاجة لك شيء آخر”.

مسحت صن هيي الدموع من رموش عينيها الطويلة لمرة أخيرة، وانحنت باحترام للقاضي جونغ جن وو، وغادرت مكتبه. وأغلقت الباب وراءها بهدوء، وابتعد صوت رنات كعبها العالي على امتداد الممر. واستعاد المكتب نظامه. ودخل نور الشمس الدافئ من النوافذ المرتفعة، ولكن جونغ جن وو لم يشعر بالطمأنينة. فقد ألقت تفاصيل حياة صن هيي الكئيبة ومشاكلها العائلية ظلا قاتما على قلبه. انتقل لجوار النافذة ليتابع بعينيه صن هيي وهي تغادر المحكمة. وقاطع جونغ جن وو ذراعيه على صدره وذرع الغرفة بخطواته للأمام والخلف في عرض مكتبه. وأنت ألواح الخشب في الأرض تحت كل خطوة. وكل أنة كانت مثل وتد يغرس في قلبه. عاد ليتربع على كرسيه، وهنا رن جرس الهاتف.

قال: “القاضي جونغ جن وو يتكلم”.

وسمع من الطرف الآخر صوتا متماسكا وعميقا يقول: ”معك شي ريم من مجلس هيئة التكنولوجيا الصناعية للمقاطعة. أين ذهب كبير القضاة؟ كنت أحاول الاتصال به، لكنه لا يرد”.

رد جونغ جن وو:”هو في بيونغ يانغ برحلة رسمية”.

ولسبب ما اعتقد أن الاسم شي ريم مألوف له.

“هل سيعود عاجلا؟”.

“لا يبدو أنه سيعود قبل الأربعاء”.

“نعم..”. رد شي ريم بخيبة أمل ثم تنهد. وشعر جونغ جن وو بالإزعاج الذي يثقل على الرجل لذلك  سأله:” هل بوسعي أن أسأل ماذا تريد؟”.

“حسنا. كما تعلم... أنا رئيس مجلس الهئية”.

” حقا، وماذا يعني؟”.

“لا شيء. لكن أريد أن أستفسر هل تصادف وسجل أحد دعوى طلاق؟”.

“نعم. كثيرون”.

“هل بينهم شي صن هيي؟”.

رد جونغ جن وو بمزيد من الانتباه:”نعم”.

“أيها الرفيق القاضي. لا أعلم كيف أقول هذا، لكن...”.

“حسنا. أنا كلي آذان صاغية”.

“حسنا. هل قررت كيف ستتصرف بقضيتها؟. سوف توافق على الطلاق، صحيح؟”.

صدمت جونغ جن وو هذه الأسئلة لأنها كانت بنبرة أوامر.

قال:”أيها الرفيق رئيس المجلس، أنا لا أعرف ما هو نوع العلاقة التي تربطك بشي صن هيي، ولكن يبدو أنك مهتم للغاية بموضوع قانوني. نصيحتي لك أن لا تتدخل بمشاكل عالئة غريبة عنك ولا سيما في مجال القانون”.

لم تصدر استجابة من الطرف الآخر من الخط. وتابع جونغ جن وو:”لا يمكنني البت بقرار استنادا على ادعاء شي صن هيي. لا بد من الاستماع إلى لي سوك شون أيضا للوصول لحل نهائي. وهذا، طبعا، سيستغرق بعض الوقت”.

قال شي ريم:”أفهمك أيها الرفيق القاضي. هل يناسبك أن أزورك في مكتبك في وقت ما غدا أو بعد غد؟”.

“تفضل بأي وقت”. ومع هذه العبارة أغلق جونغ جن وو الهاتف. وخيم عليه القلق الناجم من الفضول الذي أبداه رئيس الهيئة في الهاتف. كان أول انطباع لجونغ جن وو عن شي ريم غير إيجابي بكل تأكيد. كان مندفعا جدا بخصوص قضية الطلاق وتطورها، وكان يبدو كأنه معتاد على استعمال منصبه لحل بعض المسائل بطريقته. وفي هذه الحالة، يبدو أن لشي ريم علاقة شخصية بحيثيات طلاق صون هيي. وتبين له ذلك على وجه الخصوص عندما طالب بتحويلها لكبير القضاة. مرت على جونغ جن وو عدة شخصيات من النوع الأخرق. كانوا يعتقدون أن استعمال سلطتهم السياسية أو شبكة معارفهم يمكن أن تؤثر على سير القانون والنظام باتجاه يخدم مصلحتهم. وأمل أن يكون هذا الشخص الذي كلمه للتو ليس من هذه الزمرة، لكن لم يبرأ من الشك.  فكر جونغ جن وو بتلك النوعيات من البشر الذين ينظرون للمبادئ باستخفاف، ورجح أنهم مزعجون وضارون أكثر من قضايا الطلاق. جر جونغ جن وو قدميه باتجاه الكنبة وسقط عليها. أغلق عينيه وحاول أن يركن للراحة. ولكن ذلك الاسم المألوف ومض في ذهنه.

شي ريم. وذكره ذلك الاسم المزعج بحالة فظيعة.  أين و متى سمعت بهذا الاسم من قبل؟. يا له من اسم عجيب.. آه، صحيح!.

تذكر جونغ جن وو. شي ريم!. كان طويل القامة ووسيم الهيأة. يعمل مدير مبيعات في معمل الأدوات الكهربائية الثقيلة. وتقدم بطلب طلاق بدعوى تورط زوجته بعلاقة محرمة، ولكن بعد أن ثبت أن الادعاء كاذب، بدل السبب إلى الاختلافات المستعصية. وتكفل بالطلاق القاضي جونغ جن وو ذاته. جرى ذلك قبل ست سنوات...

كان يوجد عدد قليل من الأشخاص في قاعة المحكمة في ذلك اليوم. وكانت مقاعد المشاهدين تقريبا خالية، باستثناء المقاعد التي يشغلها أعضاء العائلة. لم يكن يوجد كثير من المهتمين بالاستماع لطلاق زوجين. على المنصة، جلس جونغ جن وو بين قاضيين آخرين. وكان هناك الادعاء، وجلس قرب الكاتب. وفي أول صف جلس شي ريم برأس مرفوع، وهو ينظر بعزم وثقة للقضاة ولعلم الدولة المعلق فوقهم تماما. وكانت له نظرة ملؤها التحدي تتنكب في عينيه. ولم يجد أثرا لليأس أو الشفقة على وجهه. وبقربه جلست زوجته ورأسها منكس، وتنتظر بعصبية قرار المحكمة. كان هذا اليوم هو آخر يوم لهما يجلسان فيه معا.

سجل شي ريم طلب الطلاق بتهمة علاقة مزعومة بين زوجته ومديرها. وفكر جونغ جن وو بسره وهو ينظر للزوجين: ما هي الجريمة في العودة للمنزل برفقة مدير الانتاج لمرة أو اثنتين؟. طريقهما واحد. أليس هما رفيقين وبوسعهما الكلام حول المشاكل الشخصية أو مشاكل المعمل؟.

مر جونغ جن وو بآخرين على شاكلة شي ريم. واستنتج أن شي ريم كان يطالب بطلاق مخطئة ليس لأ زوجته عادت للمنزل برفقة مديرها ولكن لسبب آخر. الحقيقة أن شي ريم، وهو خبير تقني وله مستقبل واعد، لم يجرؤ أن يظهر بالعلن وبرفقته ثمرة يقطين قروية مثل زوجته.  كان شي ريم يقلل من شأنها لهذا السبب. فقد انتقد كل شيء في شخصيتها وضخم كل المعايب والنقائص. ورماها بالإهانات مثل قوله “أنت غبية وتسخنين البيرة للضيوف”، “أنت قصيرة ودميمة”، “ليس لديك مهارات اجتماعية”، “أنت معوقة عقليا”. حتى أنه اعتدى عليها جسديا، وترك بصمات غضبه على جسمها.

وأصدر جونغ جن وو تعليماته بالتحقيق في العنف المنزلي الذي ارتكبه شي ريم، ولكن إدارة معمل شي ريم تدخلت وأجبرت جونغ جن وو على إلغاء تعليماته. ولا زال جونغ جن وو تحت الشعور بالمرارة من هذا الحادث واقتنع أنه يجب عدم الموافقة على التماس الطلاق. ورغب بمعاقبة شي ريم بسبب شخصيته العنيفة والعنيدة. ولكنه كان يدرك أن المحكمة لن توافق على حبس شخص دون دليل. ورمى شي ريم بنظرة غاضبة ثم نظر لزوجته.

ولم يكن لدى زوجة شي ريم أي جرأة لتنظر نحو أفراد العائلة الجالسين على المقاعد. كان الزوج يدرس في المدينة، أما هي كانت تزرع الغراس في الجبال وتعمل في شركة الغابات. في الصيف، كان جسمها يحترق من الشمس بسبب الحرارة اللاهبة. في الشتاء، كان جلدها يتشقق من البرد والريح القاسية. ويغمر المطر كل جسمها، وترتجف من الثلج، ولكن أصبح ذلك روتينا بالنسبة لها. لقد كانت تكافح في حياتها. وعندما تلقت راتبها المتواضع، كانت تدخر مقدارا صغيرا لنفسها ولأولادها وترسل المتبقي لزوجها في المدينة. وبالعكس من بقية النساء العاملات، لم تكن تشتري مواد التجميل أو الثياب المناسبة لتقلب الفصول والظروف الجوية المختلفة. وأقنعت نفسها، أنها لا تحتاج لأكثر من بذة رسمية واحدة، ولا سيما بسبب طبيعة عملها. كان الدافع الوحيد لزوجها أن ينتهي من الجامعة ويصبح خبيرا ماهرا. كانت تنام وهي تأمل بالعثور على مأوى في المدينة قرب مكان عمله ليعيشوا حياة عائلية مريحة. وبظل هذه الأحلام تابعت زراعة الأشجار، وتربية ابنتها وابنها بجهدها وتعبها. مع ذلك كانت أحلامها البسيطة تنكسر عندما تواجه الواقع المزري وموقف زوجها غير المبالي. لم يكن شي ريم هو الإنسان الذي أغرمت به وكافحت من أجله. ولم تسمع منه كلمة غرام واحدة. ولا حتى أية لمسة عاطفية. وعندما تزور المدينة قادمة من القرية، لم يكن يشتري لها أي ثوب لتحسين هيئتها ولتصبح مثل سكان المدن. ولم يعبر عن حبه لها، ولم يفتح لها باب قلبه. وإذا فتح لها قلبه ظاهريا، يبدو مثل خزانة فارغة يعصف فيها نسمات خامدة. وشعرت أن زوجها لا يعتبر أنها زوجته، ولكن مجرد مدبرة منزل أو مربية أطفال. مع ذلك كانت تطمئن نفسها أنه مشغول جدا، وعمله يتطلب منه المتابعة. ثم بلغت النهاية المحتومة حينما وصلتها أوراق الطلاق. واتهمها فيها بارتكاب الزنى وتوقع منها أن تحترم نفسها وتوافق على الانفصال. وعندما نجحت بإنكار التهمة، بدل الأسباب إلى خلافات مستعصية كي يأخذ القانون مساره.

خلال الاستماع أعلنت مطالبها بصراحة. وذكرت بهدوء أنه لا يمكنها أن تعيش مع زوجها، ثم انخرطت بالبكاء. لم تكن تتوقع الحب من هذا الزوج - لقد يئست من ذلك منذ فترة بعيدة. وأرادت ببساطة أن يحترمها وينظر لها كإنسانة، ولكن حتى هذا بدا ميؤوسا منه. لم تنتظر منه غير الاعتداء والتمادي، إهانة لا يمكن احتمالها بعد الآن.

وأشفق القاضي جونغ جن وو على الزوجة بعد أن أدرك ما فعلت في سبيل راحة شي ريم  وولديهما. ووافق على الطلاق لسبب إنساني واحد، وهو حقها بالحماية من الشعور بالاغتراب. كان من المؤكد له أنها ضحية لهذا الزواج. كانت عيناها في محجريهما الداكنين تبدوان تقريبا فارغتين من البكاء والنحيب المستمر. فقد بكت بدموع الندم الحارقة، دموع سوء حظ حياتها البائسة. اليوم كل شيء مختلف. لا توجد دموع تدل على الضعف أو الهزيمة، هذه هي دموع العزم الأكيد من أجل مستقبلها. كانت إنسانة تقف صامدة بوجه الظرف السيء، ومثل زنبقة برية ستخرج من ركام الغابة الميتة.

وقرر جونغ جنغ وو أن يحترم حقها المدني ويدافع عنها بكل قدراته القانونية. وشعر أن واجبه القانوني يفرض عليه حماية حقوق هذه المرأة من سلوك زوجها المهين، والذي اعتدى على كرامتها. طلق جونغ جن وو الزوجين. ولكن آلم ذلك قلبه، فهو يعلم أنه يحطم عائلة، وحدة أساسية من بنية المجتمع. ماذا عن أبناء الزوجين؟. لم يتمكن جونغ جن وو من تحرير نفسه من الذنب الثقيل الناجم عن نقل خبر الطلاق للولدين.

قبل يومين من المحاكمة، استدعى الولدين إلى مكتبه. وقدم لهما جونغ جن وو كرسيين، لكن الولدين لم يفترقا وجلسا على كرسي واحد. كانت البنت بعمر عشرة سنوات، والصبي بعمر سبع سنوات. وكلاهما يدرس في نفس المدرسة الابتدائية. ولم يرغب جونغ جن وو أن يهدر الكثير من الوقت، لذلك فعل ما بوسعه ليكون كلامه وجيزا.

قال جونغ جن وو:”أمكما وأبوكما يا أولاد سيفترقان، ولكما الحق باختيار أي بيت تفضلان ؟”.

لمصلحة الولدين ولرعاية ميولهما، كان جونغ جن وو يعلم أن الأفضلية للأم. ولكنه وفر لهما فرصة اتخاذ قرار. لم يرد الولدان على سؤال القاضي الذي سيحدد مصيرهما. لم يتخيل الولدان أن العلاقة بين أبويهما وصلت لهذه الدرجة المؤسفة.

بعد فترة تكلمت البنت ودموعها تسقط كالمطر:”أنا... أنا أريد أن أعيش مع أمي”.

ورد الصبي بخوف بالغ:”وأنا أيضا!. مع أمي. لا أريد أن أترك أختي”.

كانت قد مرت ست سنوات على ذلك الحادث. نهض القاضي جونغ جن وو من الكنبة. وحاول أن لا يتذكر تلك اللحظة التي تعصر قلبه. ولكن صورة الولدين الخائفين لم تفارق ذاكرته. والقرار الذي اتخذه في المحكمة كان يقضي أن تعيش البنت مع أمها، والابن مع أبيه. كان من الأفضل لكليهما أن يكونا بحضن الأم، ولكن لم يكن جونغ جن وو مستعدا لمضاعفة أعبائها، فهي الآن بحكم أم غير متزوجة. وفكر جونغ جن وو بمستقبل الابن، و اقتنع أن الصبي بحاجة لنموذج ذكوري يقتدي به. لهذا السبب عزل الأخ عن الأخت.

لم يكن جونغ جن وو يعلم ماذا حصل لتلك العائلة بعد جلسة الاستماع. لكنه سمع أن شي ريم اقترن بزوجة شابة، وتابعت زوجته السابقة الحياة مع ابنتها دون أن تكرر تجربة الزواج. وقال جونغ جن وو لنفسه: لا بد أن الابنة بلغت السادسة عشرة والابن في الثالثة عشرة.  ولم يقابل جونغ جن وو تلك العائلة مع أنهم يعيشون بنفس المدينة. ومن فترة قريبة، صادف الزوجة السابقة، ولكنها تهربت منه. ولم يجد مناسبة للكلام معها. وفكر إن لم يطلب الزوجان إعادة ترتيب شأن الحضانة، لا يوجد سبب للقاضي أو القانون أن يتدخل في حياتهما الشخصية. وحتى لو تقدما بطلب، لن يمكنه معالجة القضية بسبب التراكم الذي يعاني منه.

لم ينس القاضي جونغ جن وو أبدا كل حالات الطلاق التي نظر بها في الماضي. فقد تركت انطباعا مؤلما لديه لأنه لم يكن ينظر بحالات رسمية فقط ولكنها شؤون تخص حياة الناس. كل حالة تتطلب قرارا وسببا وجيها لاتخاذ النتيجة المناسبة، لكن قلب الإنسان، ضعيف وهش ورقيق أمام الطلاق، فهو يتطلب التعاطف والتشجيع من نظام العدالة.

وفكر جونغ جن وو يقول: شي ريم، رئيس مجلس هيئة التكنولوجيا الصناعية في المقاطعة. هل هذا من كلمني حقا؟. هل سيأتي ليقابلني بعد الذكريات الكئيبة التي تعود لست سنوات مضت؟. هل هو نفسه شي ريم الذي حكمت له بالطلاق؟. لا، شي ريم الذي نظرت بطلاقه قبل ست سنوات كان مديرا في معمل الكهربائيات الثقيلة.

وهز جونغ جن وو رأسه باستنكار. لا بد أنه شخص آخر. من يمكنه أن يمر بطلاق من ذلك النوع ويعود للمحكمة كأن شيئا لم يحصل؟. لكن إن عرفته، لن تستغرب. هل له علاقة بشي صن هيي؟. كلاهما له نفس اسم العائلة. لا، على الأرجح هو شخص آخر.

وحاول جونغ جن وو أن يمحو من رأسه الأفكار غير السارة والمتكلفة عن شي ريم، وهو يذرع الغرفة للأمام والخلف. وكان الخشب الصلب يئز تحت خطواته بصوت أعلى من أي وقت مضى.

بيك نام نيونغ Peak Nam Nyong روائي وقاص من كوريا الشمالية. متزوج وله 3 أولاد. توفيت زوجته عام 2003. من أهم أعماله رواية “الصديق/ 1988”. وهذه الفقرات هي الفصل الأول منها.

***

  

بهجت عباسموت مؤجّل: قصيدة بثلاث لغات،

للشاعر العراقي يحيى السّماوي 

ترجمها إلى الإنجليزية والألمانية

الدكتور بهجت عباس


 موت  مؤجّل

أمضَيتُ نصفَ العمرِ

مُبتَدَءاً ..

أُفَتِّشُ في المنافي عن خَبَر

هـيّـأتُ قـصـدي لـلـقـصـيـدةِ

غـيـرَ أنَّ الأبـجـديـةَ غـادرتْ قـلـمـي ..

وهـيّـأتُ الـحـقـيـبـةَ لـلـسـفَـرْ

*

Deferred Death

Poet – Yahia Al-Samawy

Translator – Bahjat abbas

 

I spent one half of my life as

a subject..

looking in the exile for a predicate.

I prepared my intention for a poem

But the alphabet has left my pen ..

And I prepared my bag for the trip.

*

Deutsch

Aufgeschobener Tod

Dichter: Yahia Al-Samawy

Ubersetzer: Bahjat Abbas

 

Ich habe eine Hälfte meines Lebens verbracht

Als Anfänger..

Nach einem Prädikat im Exil zu suchen.

Ich habe meine Absicht für ein Gedicht vorbereitet,

Aber das Alphabet hat meinen Stift verlassen ..

Und ich habe meine Tasche für die Reise vorbereitet.

*

أوروكُ بـعـدَ ربـيـعِ " إيـنـانـا " خـريـفٌ (*)

فـالـضـفـافُ الـى جـفـافٍ

والـغـيـومُ بـلا مَـطَـرْ

*

Uruk after "Inanna’s" spring is Autumn* .

The shores are dry

and the clouds are rainless.

*

Uruk nach dem "Inannas" Frühling ist Herbst (*)

Die Ufer sind trocken

Und die Wolken sind regenlos.

*

وأنـا الـظـمـيءُ الـسـومـريُّ الـصَّـبُّ ..

والـمـوتُ الـمـؤجَّـلُ ..

والـقـتـيـلُ الـمُـنـتَـظَـرْ

*

And I'm the thirsty longing Sumerian,..

And the deferred death,

And the expected slain.

*

Und ich bin der durstige, sehnsüchtige Sumerer..

Und der aufgeschobene Tod

Und das erwartete Todesopfer.

*

أمـضَـيـتُ نـصـفَ الـعـمـرِ مُـبـتَـدَءاً

أُفَـتِّـشُ فـي الـمـنـافـي عـن خَـبَـرْ

*

I spent one half of my life as a subject

Looking for a predicate in exile.

*

Ich habe eine Hälfte meines halbes als Anfänger verbracht..

Nach einem Prädikat im Exil zu suchen.

*

لِأُتِـمَّ مـعـنـى جُـمـلـتـي الـعـذراءِ

فـي بـحـثـي عـن الـفـردوسِ

والـخـوفِ الـمـوبَّـدِ مـن سَـقَـرْ

*

To complete the meaning of my blank sentence

In my search for paradise

And the eternal fear of hell

*

Um die Bedeutung meines leeren Satzes zu vervollständigen

auf meiner Suche nach dem Paradies

Und nach der ewigen Angst vor der Hölle

*

كـيـفَ الـهـروبُ ؟

يـدي مُـكَـبَّـلــةٌ ..

وإصْـبـاحـي بـلا شــمـسٍ

وليلي لا قـمَـرْ

*

How is the escape?

My hand is tied..

And my morning is sunless

And my night without moon

*

Wie ist die Flucht?

Meine Hand ist gebunden..

Und mein Morgen ist sonnenlos

Und meine Nacht ohne Mond

 

*

والـدربُ وعـثـاءٌ**

وســاقـيَ مـن حَـجَـرْ !

*

And the road is very hard

And my leg is of stone!

*

Und der Weg ist sehr hart

Und mein Bein ist aus Stein!

 

*

بـيـنـي وأوروكَ الـذي بـيـنَ الـفـراشـةِ والـزهـورِ

وبـيـنَ فـاخـتـةِ الـسـمـاوةِ والـشـجَـرْ

Between me and Uruk is between the butterfly and the flowers

And between the pigeons of Al - Samawah And trees

*

Zwischen mir und Uruk ist zwischen dem Schmetterling und den Blumen Und zwischen der Taube von Al - Samawah und Bäumen

*

فـأنـا وأوروكُ:

الـوفـاءُ مـن الـسَّـمَـوْألِ

والـوُضُـوءُ مـن الـصـلاةِ

و " ميمُ " آصِـرةِ الـمـروءةِ مـن " مُـضَـرْ "

*

I and Uruk:

Faithfulness of Al-Samawal  (Honest man before Islam)

And the ablution from prayer

And “M”,  the bond of chivalry from “Mudhar.” - Tribe

*

Ich und Uruk:

Treue von Al-Samawal -   (Ehrlicher Mann vor dem Islam)

Und die Waschung aus dem Gebet

Und „M“, das ritterliche Band von „Mudhar“. –( Stamm)

*

وأنـا وإيـنـانـا:

الـهـديـلُ مـن الحَـمـامـةِ ..

والـتـبـتُّـلُ مـن تـسـابـيـحِ الـسَّـحَـرْ

*

Me and Inanna:

Coo of a dove

And the celibacy of the Twilight’s Glorification

*

Ich und Inanna:

Gurren einer Taube

Und das Zölibat der Verherrlichung des Zwielichts

*

وأنـا وإيـنـانـا كـمـا شـرقٌ وغـربٌ:

حُـلـمُـنـا ريـشٌ

ويـقـظـتُـنـا وَبَـرْ

*

And me and Inanna are like east and west:

Our dream is feathers

And our awakening is fur.

*

Und ich und Inanna sind wie Ost und West: \

Unser Traum ist Federn

Und unser Erwachen ist Pelz.

*

لـكـنَّ " إنـلـيـلَ " الـجـديـدَ أقـامَ مـا بـيـنـي وأوروكَ: (***)

الـذي بـيـنَ الـغـزالـةِ والـسـهـامِ

وبـيـن أنـكـيـدو وخـمـبـابـا

فـعَـزَّ الـمُـسْـتَـقَـرْ

*

But the new "Enlil" has settled in Between me and Uruk: (**)

What between the deer and the arrows

And between Enkido and Khimbaba,

So, residence was scarce.

Aber der neue "Enlil" hat sich zwischen mir und Uruk eingelebt: (**)

Was zwischen dem Reh und den Pfeilen

Und zwischen Enkido und Khimbaba,

Wohnen war also Mangelware.

*

أطـلِـقْ سَــراحَـكَ مـنـكَ

أنـتَ أسـيـرُ نـفـسِـكَ ـ قـلـتُ لـيْ ـ

فـاخـتـرْ لـخـيـمـتِـكَ الـقـصِـيَّ مـن الـبـلادِ ..

الأرضُ واسـعـةٌ ..

فَـدَعْـكَ مـن الـوقـوفِ عـلـى تِـلالِ اللامَـفَـرْ

*

Free yourself from you,

You are a prisoner of yourself- I told myself-

Choose for your tent the furthest from the country ..

The earth is wide.

Let yourself not standing on the hills of unavoidableness.

*

Befreie dich von dir,

Du bist ein Gefangener deiner selbst- sagte ich mir-

Wähle für dein Zelt das am weitesten vom Land entfernte ..

Die Erde ist breit.

Lasse dich nicht auf den Hügeln der Unvermeidlichkeit stehen.

*

فـأجَـبْـتُـنـي:

مـا عـدتُ أمـلـكُ أمـرَ نـفـسـي ..

مـنـذُ أدْمَـنـتُ ارتـشـافَ رحـيـقِ إيـنـانـا

غـدوتُ لِـخِـدرِهـا الـمـائـيِّ عـبـداً يُـؤتَـمَـرْ

*

I answered myself:

I have no control over myself ..

Since I was addicted sipping nectar from Inanna,

I became an obeying slave to her watery narcotic.

*

Ich habe mir selbst geantwortet:

Ich habe keine Kontrolle über mich..

Da ich süchtig war, Nektar von Inanna zu schlürfen,

Ich wurde ein gehorsamer Sklave ihres wässrigen Betäubungsmittels.

*

جَـرَّبـتُ يـومـاً أنْ أُسـامـرَ غـيـرَهـا

فـاغـتـاظَ مـن عـيـنـيَّ قـلـبـي

واشـتـكـى أُنـسـي ولـذّاتـي الـسَّـمَـرْ

*

One day I tried to talk to someone else

My heart got angry with my eyes

And my amicabilities complained and my pleasures of the night entertainment.

*

Eines Tages habe ich versucht, mit jemand anderem zu sprechen

Mein Herz wurde wütend auf meine Augen

Und meine Freundlichkeit beschwerte sich und meine Freuden der Nachtunterhaltung.

*

مَـرَّ الـربـيـعُ ولـيـس مـن عُـشـبٍ ..

وَمَـرَّ غـدي عـلـيَّ ..

ولـم يـمُـرْ أمـسـي !

وهـا أنـذا شِــتـاءٌ مُـثـكَـلٌ بـالـدِّفءِ

أنـفـخُ فـي رمـادِ الـعـشـقِ

أسـتـجـديـهِ ثـوبـاً مـن شَـرَرْ

*

Spring has passed and there is no grass ..

My Tomorrow has passed..

But my Yesterday didn’t pass!

I am so a winter without warm

I blow in the ashes of love

Begging it a cloth of sparks.

*

Der Frühling ist vorbei und es gibt kein Gras ..

Mein Morgen ist vergangen..

Aber mein Gestern verging nicht!

Ich bin so ein Winter ohne Wärme

Ich blase in die Asche der Liebe

Um ein Hemd aus Funken zu betteln.

* * *

..................

(*) إينانا: إلهة الجمال والحُب والجنس والخصوبة في ملحمة كلكامش .

(**) وعثاء : شدّة المشقّة.

(**) إنليل: رئيس الآلهة في ملحمة كلكامش.

 (*) Inanna: the goddess of beauty, love, sex and fertility in the epic of Gilgamesh.

(***) Enlil: the head of the gods in the epic of Gilgamesh.

 (*) Inanna: die Göttin der Schönheit, Liebe, Sex und Fruchtbarkeit im Epos von Gilgamesch.

(***) Enlil: das Haupt der Götter im Epos von Gilgamesch.

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: شاندور تشوري

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرّائي


لماذا أكتب شعراً

إذا كان بإمكاني أن أكون معكِ؟

أليس إلا،

لأُشذب الوقت،

وأن أسهب في القول؟

بل أُؤثر الإمساك بالشمس،

مثل كرة الكردحة *

فأهوي بغابات الأفق

واكدسها لأجلك كومة.

 

لماذا أكتب شعراً

إذا كان بإمكاني أن أكون معكِ؟

نهداكِ أجمل من أندى التشبيهات غرابة،

وفمكِ مثل قافية عارية.

انه الصيف،

كفك يَحرق مثل عدسة مكبِّرة،

ويغلي رمل ساحل البحيرة

حالما يلامسه بطنك.

 

طيور تسير نحوك

وقطارات.

للحظة، للحظة واحدة، إذا ما أكتنفك الدخان،

فستعريك عيني بلهفة -

لا أدري، لمَ أتوق لرؤياك طيلة الوقت؟

فلو كنت قصباً: لتقت إلى القصب

ولو أرضاً: فللأرض.

 

لماذا أكتب شعراً

إذا كان بإمكاني أن أكون معكِ؟

فالكلمات تضحى فارغة،

كما تقفر المنتجعات في الخريف،

تُفنى، مثلما الناس،

لكن إذا لمَستُكِ

فستبقى اللمسة خالدة:

لا تريد أن تصبح لما هو مُقبل

ولا لِما مضى -

 

لماذا أكتب شعراً

إذا كان بإمكاني أن أكون لكِ وحدكِ؟

قدماكِ،

يداكِ

أنفاسكِ!

***

.........................

* كرة الكردحة هي كرة البولينج  (المُترجم)

نبذة عن حياة الشاعر:

ولد الشاعر شاندور تشوري، في الثالث من فبراير من عام 1930. كان شاعراً وصحفياً وكاتب مقالات سياسية.

أكمل دراسته في الإعدادية البروتستانتية التصحيحية عام 1950، التحق بعدها بمعهد ألتا، لكنه ترك الدراسة بسب المرض. عمل في العديد من المجلات والجرائد مثل الجريدة الأدبية خلال الفترة ما بين 1953 و 1954، ومن 1955 إلى 1956 كان محرراً لقسم الشعر في دورية "الصوت الجديد".

 ظهرت قصائده الأولى في عام 1953، مما أثار ضجة كبيرة وانتقاداً لعصر الرئيس راكوتسي. وسرعان ما لاحظت السلطات أن الشاعر لم يكن من أنصارها. ففي كتاباته كان ينتقد تأثير الديكتاتورية على شخصية الإنسان ومصيره خصوصاً على السكان في الريف. كان تحت المراقبة، بل استمرت مراقبته في بعض الأحيان لسنوات. لم يحصل على جوائز. عاش في بودابست، حيث كان يلتقي بأصدقائه، وبالأخص المخرج السينمائي المشهور ميكلوش يانتشو، والشاعر أوتو أوربان، وجورج كونراد، و فيرينس كوشا.

توفي الشاعر عن عمر يناهز 86 عامًا بعد صراع طويل مع المرض في 12 سبتمبر 2016.

 

وعد الله ايلياترجمة قصيدة (موت مؤجَّل) للشاعر العراقي يحيى السماوي الى اللغة الفرنسية

ترجمة: وعد الله إيليا


Mort differée

J'ai passé la moitié de ma vie

A commencer ..

A chercher des nouvelles en exil

J'ai préparé mon intention pour un poème

Mais l'alphabet a quitté

Mon stylo ..

Et j'ai préparé mon sac pour le voyage

*

Uruk après le printemps" Inanna"

Automne (*)

Les bergers sont sèches

Et les nuages sont sans pluie

*

Et je suis le sumérien assoiffé,

Le versant ..

Et la mort differée,

Le meurtrier attendu

*

J'ai passé la moitié de ma vie

A commencer ..

A chercher des nouvelles en exil

*

Pour compléter la signification de ma phrase vierge

Dans ma recherche du paradis

Et la peur éternelle de l'enfer

*

Comment s'évader ?

Ma main est mouillée ..

Et mon matin est sans soleil,

Ma nuit sans lune

*

Et le chemin est dur (* *)

Et ma jambe est en pierre !

*

Entre moi et Uruk qui est entre

Le papillon et les fleurs

Et entre les pigeons et Al _ Samawah

Et des arbres

*

Moi et Uruk :

Le loyalisme d'Al_ Samawah

Et l'ablution de la prière

Et " M ",(le lien de la virilité des acides )

*

Moi et Inanna :

Roucoulant d'une colombe

Et le célibat des hymnes de la magie

*

Et moi et Inanna sommes àl'est et à l'ouest :

Notre rêve est plumes

Et notre éveil est laine

*

Mais le nouvel" Enlil " s'est installé

Entre moi et Uruk :(***)

Qui est entre le cerf et les flèches

Et entre Enkido et Humbaba ,

Il a renforcé l'écurie

*

Libère_toi ,

Tu es ta propre prisonnière _ je me l'a dit _

Choisis pour ta tente la plus éloignée

Du pays ..

La terre est large ..

Oublies debout sur les collines

De l'infini

*

Tu m'a répondu :

Je n'ai aucun contrôle sur moi_ même ..

Depuis que j'étais acro à siroter le nectar

D'Inanna,

Je suis devenu esclave de sa narcolepsie

Aqueuse

*

Un jour, j'ai essayé de parler à quelqu'un d'autre

Mais mon cœur s'est mis en colère à cause de mes yeux

Et s'est plaint de ma convivialité et mes plaisirs

De la nuit

*

Le printemps est passé et il n'y a pas d'herbe

..

Mon avenir est passé ..

Mais mon passé n'a pas passé !

Je suis un hiver plein de chaleur

Je souffle sur les cendres de l'amour

Mendiant une robe du mal

* * *

(*) Inanna : la déesse de la beauté, de l'amour, du sexe et de la fertilité dans l'épopée de Gilgamesh.

(**) Fatigue : sensation désagréable de difficulté.

(***) Enlil : la tête des dieux dans l'épopée de Gilgamesh.

Yahya Al_ Samawi

Traduction : Waadallh Iliya

...........................

(موتٌ مؤجّل)

يحى السماوي

أمضَيتُ نصفَ العمرِ

مُبتَدَءاً ..

أُفَتِّشُ في المنافي عن خَبَر

هـيّـأتُ قـصـدي لـلـقـصـيـدةِ

غـيـرَ أنَّ الأبـجـديـةَ غـادرتْ قـلـمـي ..

وهـيّـأتُ الـحـقـيـبـةَ لـلـسـفَـرْ

*

أوروكُ بـعـدَ ربـيـعِ " إيـنـانـا " خـريـفٌ (*)

فـالـضـفـافُ الـى جـفـافٍ

والـغـيـومُ بـلا مَـطَـرْ

*

وأنـا الـظـمـيءُ الـسـومـريُّ الـصَّـبُّ ..

والـمـوتُ الـمـؤجَّـلُ ..

والـقـتـيـلُ الـمُـنـتَـظَـرْ

*

أمـضَـيـتُ نـصـفَ الـعـمـرِ مُـبـتَـدَءاً

أُفَـتِّـشُ فـي الـمـنـافـي عـن خَـبَـرْ

*

لِأُتِـمَّ مـعـنـى جُـمـلـتـي الـعـذراءِ

فـي بـحـثـي عـن الـفـردوسِ

والـخـوفِ الـمـوبَّـدِ مـن سَـقَـرْ

*

كـيـفَ الـهـروبُ ؟

يـدي مُـكَـبَّـلــةٌ ..

وإصْـبـاحـي بـلا شــمـسٍ

ولـيـلـيَ لا قـمَـرْ

*

والـدربُ وعـثـاءٌ (**)

وســاقـيَ مـن حَـجَـرْ !

*

بـيـنـي وأوروكَ الـذي بـيـنَ الـفـراشـةِ والـزهـورِ

وبـيـنَ فـاخـتـةِ الـسـمـاوةِ والـشـجَـرْ

*

فـأنـا وأوروكُ:

الـوفـاءُ مـن الـسَّـمَـوْألِ

والـوُضُـوءُ مـن الـصـلاةِ

و " ميمُ " آصِـرةِ الـمـروءةِ مـن " مُـضَـرْ "

*

وأنـا وإيـنـانـا:

الـهـديـلُ مـن الحَـمـامـةِ ..

والـتـبـتُّـلُ مـن تـسـابـيـحِ الـسَّـحَـرْ

*

وأنـا وإيـنـانـا كـمـا شـرقٌ وغـربٌ:

حُـلـمُـنـا ريـشٌ

ويـقـظـتُـنـا وَبَـرْ

*

لـكـنَّ " إنـلـيـلَ " الـجـديـدَ أقـامَ مـا بـيـنـي وأوروكَ: (***)

الـذي بـيـنَ الـغـزالـةِ والـسـهـامِ

وبـيـن أنـكـيـدو وخـمـبـابـا

فـعَـزَّ الـمُـسْـتَـقَـرْ

*

أطـلِـقْ سَــراحَـكَ مـنـكَ

أنـتَ أسـيـرُ نـفـسِـكَ ـ قـلـتُ لـيْ ـ

فـاخـتـرْ لـخـيـمـتِـكَ الـقـصِـيَّ مـن الـبـلادِ ..

الأرضُ واسـعـةٌ ..

فَـدَعْـكَ مـن الـوقـوفِ عـلـى تِـلالِ اللامَـفَـرْ

*

فـأجَـبْـتُـنـي:

مـا عـدتُ أمـلـكُ أمـرَ نـفـسـي ..

مـنـذُ أدْمَـنـتُ ارتـشـافَ رحـيـقِ إيـنـانـا

غـدوتُ لِـخِـدرِهـا الـمـائـيِّ عـبـداً يُـؤتَـمَـرْ

*

جَـرَّبـتُ يـومـاً أنْ أُسـامـرَ غـيـرَهـا

فـاغـتـاظَ مـن عـيـنـيَّ قـلـبـي

واشـتـكـى أُنـسـي ولـذّاتـي الـسَّـمَـرْ

*

مَـرَّ الـربـيـعُ ولـيـس مـن عُـشـبٍ ..

وَمَـرَّ غـدي عـلـيَّ ..

ولـم يـمُـرْ أمـسـي !

وهـا أنـذا شِــتـاءٌ مُـثـكَـلٌ بـالـدِّفءِ

أنـفـخُ فـي رمـادِ الـعـشـقِ

أسـتـجـديـهِ ثـوبـاً مـن شَـرَرْ

* * *

..................

(*) إينانا: إلهة الجمال والحُب والجنس والخصوبة في ملحمة كلكامش .

(**) وعثاء : شدّة المشقّة.

(***) إنليل: رئيس الآلهة في ملحمة كلكامش.

يحيى السماوي

...................