3275 نجوى الغزال ونيلز هافترك الفراعنة المصريون القدماء الأهرامات لأحفادهم. ماذا نترك ورائنا للجيل القادم؟ النفايات البلاستيكية والأضرار المناخية؟ دعونا نحقق شيئًا عظيمًا معًا، دعونا نتشارك موارد الكوكب بشكل عادل ونعيش في وئام مع الثقافات والأديان المختلفة. من السابق لأوانه الاستسلام. ربما يجب أن نبني هرمًا عظيمًا واحدًا للاحتفال بعصرنا الذهبي من الاحتمالات يجب أن نترك شيئًا جميلًا لأحفادنا.

1- لماذا تحب اللغة العربية وما هي الجماليات الأدبية التي وجدتها فيها ولم تجدها في لغتك الأم؟

نيلز هاڤ: بالنسبة لي، فإن صوت اللغة العربية هو موسيقى تشمل جميع ألحان الروح، من حزن عميق وشوق وحنان وحضور وسعادة متلألئة. وقفت مهد الثقافة في الشرق الأوسط، وتحتوي اللغة العربية على دلالات تعود جذورها إلى أقدم الأساطير والحكمة القديمة. علينا الاستماع.

أنا لا أفهم العربية، للأسف ولدت في بلد خاطئ. في مصر وفي جميع أنحاء الشتات العربي، يرقد الأطفال حديثو الولادة في المهد، يستمعون إلى النساء السعوديات يضحكن ويتحدثن معًا باللغة العربية. يكبرون مع رنين هذا الصوت في آذانهم، ويحملون اللحن معهم مثل حلم السعادة.طوال الحياة، يتوقون إلى صوت المرأة السعيدة تتحدث وتضحك.

اللغات البشرية مثل أصوات العصافير. كل طائر يغني بمنقاره. قبل أن نفهم لغة ونعرف معنى الكلمات، نستمع إلى موسيقى الكلمات، اللحن. اللغة العربية لها دلالات على الفارسية القديمة والعصور القديمة، وجماليات الشعر العربي الكلاسيكي متأثرة بالقرآن. حتى لحن الشعر العربي الحديث يستلهم من الخدمة في المسجد.3276 Niels Hav

2- ما سبب حبك لنجيب محفوظ والمعري؟

نيلز هاڤ: لست خبيرًا في الأدب العربي، أتحدث كرجل أعمى يتحدث عن الألوان. عالمنا مبني من الكلمات والقصص. نجيب محفوظ بحكاياته بنى مصر القرن العشرين. نجيب محفوظ علم المصريين معنى أن تكون مصريًا. عندما حصل على جائزة نوبل عام 1988، قالت الأكاديمية السويدية في دافع: "نجيب محفوظ شكل فن سرد عربي ينطبق على البشرية جمعاء". هذا هو أعلى مدح يمكن أن تقدمه لأي مؤلف.

أعتقد أن صديقي الروائي شاكر الأنباري هو الذي أطلعني على أبو العلاء المعري الشاعر العربي الكلاسيكي الكفيف والمعروف بتأليف الشعر المتميز. وأدان ظلم ونفاق الحكام وعلماء الدين منذ ألف عام. لسوء الحظ، لا تزال كلماته ذات صلة ؛ الحكام وعلماء الدين لم يتحسنوا كثيرا، ويبدو أنهم طلاب بطيئون وسيئون. وعليهم أن يدرسوا أبي العلاء المعري بتواضع واحترام.

3- ما هو دور الشعر وأنواع الفنون الأخرى في الحياة الاجتماعية؟

نيلز هاڤ: عندما تم تنصيب جو بايدن كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، كانت الشاعرة أماندا جورمان تقرأ في الحفل. قد يقوم الشاعر بدور مماثل في ثقافات مختلفة. لكن في الحياة اليومية، وفي معظم الأوقات، يكون الشاعر دخيلًا. لصوص وحيد في الصحراء. نحن عازفون منفردون، نحتفل بنفس فضائل البدو: المثابرة والكرم. يعرف بعض الشعراء من زملائنا المعاناة والجوع. يبدو أن القوة والمال يحكمان العالم. لكن على مستوى أعمق، هذا مجرد وهم. هناك قيم أعلى من الذهب والثروة وسفن الفضاء. إن تذكر هذا والاحتفاظ بهذه المعرفة من مهام الشعر نحن جميعنا نحمل كلمات قيمة في قلوبنا، ممكن ان تكون اغنية او سطور مكتوبة من شاعر فكل هذه القيم تبقينا على قيد الحياة.3275 نجوى الغزال ونيلز هاف

4- هل من ينعم بالإنسانية في مستواها الرفيع يستطيع أن يكتب الشعر أم العكس هو الصحيح؟

نيلز هاڤ: شكرا لك، هذا سؤال رائع. الهوية هي موضوع مركزي طوال هذه السنوات. مواجهة مع الغطرسة الثقافية. تحتوي الثقافة في جميع القارات على نفايات من الماضي. نحن مثقلون بالهوية، فأنت روسي أو مصري أو هندي أو إنويت كندي قبل أن تصبح إنسانًا. تلك هي المشكلة. لقد ولدنا عراة، لكننا على الفور نرتدي ملابسنا وثقافتنا وديننا. علينا أن نتخلى عن أجزاء من لباسنا الثقافي ونلتقي ببعضنا البعض كبشر. ثم نحن على نفس المستوى.

القصائد الجيدة تنمو في الأماكن المتواضعة. لا توجد قواعد، نحن نعلم ذلك. القصائد الحقيقية أناركيون. لهذا يخاف بعض الحكام من الشعر، والشعراء لا يحترمون السلطة السياسية. هذا هو السبب في أن بعض الطغاة الضعفاء لا يستطيعون النوم في الليل، فهم خائفون. قد يُمنع الشعراء من تلاوة الشعر، ولكن الريح تهمس بالحق.

5- ما هو الدرس الذي تريد من قرائك أن يستخلصوه من كتابك "لحظات السعادة"، وهل تكفي لحظات قليلة من السعادة لإعطاء روح العطاء والحب مرة أخرى؟

نيلز هاڤ: آمل أن يأخذ القارئ القصائد التي يحتاجها ويستخدمها في حياته. لقد كتبت القصائد، والآن لم تعد تخصني، فكيف تُقرأ القصائد خارج عن إرادتي. أحب ذلك.

بعد قولي هذا، من الواضح بالطبع أنني آمل أن يلتقط القارئ المزاج الأخلاقي والإنساني الأساسي لقصائدي.

أنا فخور بترجمة بعض أشعار "لحظات السعادة" إلى العربية للشاعر سليم العبدلي. إن الترجمة من قبله هي متعة خاصة لأن سالم هو صديقي، ولكن أيضًا لأن سالم دنماركي ويفهم الفروق الدقيقة في اللغة الدنماركية، وفي نفس الوقت يتقن اللغة العربية إلى حد الكمال، لأنه هو نفسه شاعر و يكتب باللغتين، كما أنه يترجم أدونيس إلى الدنماركية.

6- هل الأعمال الأدبية المترجمة إلى لغة أخرى غير اللغة الأم تؤثر على الناس كما تفعل اللغة الأصلية؟

نيلز هاڤ: لا نعرف أبدًا. أشعار وأغاني السفر. عند ترجمتها، فإن القصائد لها حياتها الخاصة. انه جميل. الوباء والكورونا يغلقان العديد من الحدود هذا الشتاء، نحن نجلس في عزلة منفصلة حول العالم. لكن قصائدنا تسافر. مثل الاحلام. دعونا نكتب شعرا عظيما ونحلم بأحلام كبيرة.

7- ما هو الدافع وراء مشاركتك في كتاب "ازاهير الأدب" الذي يصدر عن ملتقى الشعراء العرب برئاسة الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد؟

نيلز هاڤ: كتاب "ازاهير الأدب" مشروع مثير للاهتمام ومنصة جديدة بالنسبة لي. دائمًا ما أتوق للعودة إلى القاهرة وربما أحضر يومًا ما معرض الكتاب هناك. مصر دولة قديمة بها عدد من الشباب، ومن بين الشباب هناك تعطش كبير للكتب لمزيد من الحياة والسعادة والتبصر في ألغاز الكون. إنها معجزة أن الطاقة البرية والبراعة الملهمة تولد من جديد في كل جيل جديد. كوكبنا، الذي نشاركه، يدور من خلال الكون. هناك مشاكل مناخية ومشاكل سياسية وكوارث يومية وجوع وفقر. لكن الحماس الحيوي لحياة الشباب يسمح لنا أن نأمل في أن تنتظرنا أيام أجمل.

ترك الفراعنة المصريون القدماء الأهرامات لأحفادهم. ماذا نترك ورائنا للجيل القادم؟ النفايات البلاستيكية والأضرار المناخية؟ دعونا نحقق شيئًا عظيمًا معًا، دعونا نتشارك موارد الكوكب بشكل عادل ونعيش في وئام مع الثقافات والأديان المختلفة. من السابق لأوانه الاستسلام. ربما يجب أن نبني هرمًا عظيمًا واحدًا للاحتفال بعصرنا الذهبي من الاحتمالات يجب أن نترك شيئًا جميلًا لأحفادنا.

***

حاورته من لبنان الصحفية: نجوى الغزال

........................

بقلم: نزار سرطاوي:

نزار سرطاوي"يعتبر الشاعر وكاتب القصص الدنماركي نيلس هاو واحداً من الأصوات البارزة في المشهد الأدبي الإسكندنافي المعاصر. يميل شعر هاو إلى البساطة، ليس في الأفكار التي يطرحها والتيمات التي يتناولها فحسب، وإنما أيضاً في المفردات والصور والإيقاع. فهو يتناول قضايا الإنسان وهمومه وتفاعله مع الحياة المعاصرة دون أي تكلف أو تعقيد. كما أن الكثير قصائده تسودها روح الدعابة والسخرية.

ولد هاو في مزرعة ريفية في بلدة ليمفيغ الواقعة على الساحل الغربي لشبه جزيرة يوتلانت غربي الدنمارك عام 1949. وقد تحدث هاو في مقابلة صحفية عن طفولته في المزرعة فوصفها بالحياة الريفية التي "تفتقر إلى الكثير من متع الحياة،" كما ذكر أنه في السادسة عشرة من عمره ترك المزرعة وسافر إلى أوسلو ليصبح بحّارًا، لكنه لم يتمكن من تحقيق حلمه. وقد التحق فيما بعد بالجامعة، حيث درس اللغتين اللانينية واليونانية ,واطّلع على التراث الكلاسيكي.

بدأ هاو كتابة الشعر في سن المراهقة. فكتب قصائد قال عنها هو نفسه إنها كانت "شديدة الحساسية وغير مكتملة،" إذ لم تكن لديه "تجربة كافية عن الحياة." استهلّ حياته الأدبية في عام 1981 بإصدار مجموعة قصصية بعنوان "الضعف ممنوع." وقد صدرت له بعدها عدة دواوين منها "جغرافية الروح" (1984)، "سيارة الرّب الموريس الزرقاء" (1993)، "حين أصير أعمى" (1995)، "نحن هنا" (2006)، "نساء كزبنهاجن" (2013)، كما صدرت له مجموعات من القصص القصيرة منها "اللحظة هي افتتاحية"(1983)، "صيف إيراني" (1990). كذلك نشرت قصائده في العديد من المجلات الأدبية والأنثولوجات الشعرية والمواقع الأدبية.

شارك هاو في العديد من المهرجانات الشعرية في أنحاء العالم وفاز بجوائز أدبية متعددة في الدنمارك. كما فاز عام 2011 بـ "جائزة المهاجر العالمية للفكر والآداب والفنون" من ميلبورن في أستراليا، فرع القصة القصيرة، مناصفةً مع الكاتب المغربي محمد سعيد الريحاني.

ترجمت أشعاره إلى الإنجليزية، الإسبانية، البرتغالية، التركية، الألمانية، الإيطالية، المقدونية، العربية، الصينية، الصربية، والكرواتية.

قوبل هاو بالترحيب من قِبَل القراء العرب. فقد دعته مؤسسة البابطين للمشاركة في ملتقى "الشعر من أجل التعايش" الذي رعته المؤسسة في دبي عام 2011. كما شارك في مهرجانات شعرية في أكثر من دولة عربية. وقد أجريت معه عدة لقاءات صحفية تناول فيها هموم الأدب والشعر في الدنمارك والعالم، وعبر من خلالها عن إعجابه باللغة العربية وما تتمتع به من ثراء.

كذلك قام عدد من المترجمين العرب من بينهم جمال جمعة وسليم العبدلي ونزار سرطاوي بترجمة العديد من قصائده إلى العربية. وصدر له في العربية ديوانان مترجمان: الأول بعنوان "حين أصير أعمى" (2010) وقد ترجمه الشاعر العراقي جمال جمعة. والثاني "الروح ترقص في مهدها" (2015) وقد ترجمه نزار سرطاوي. يعيش هاو مع زوجته عازفة البيانو كريستينا بيوركي في إحدى ضواحي العاصمة الدنماركية كوبنهاجن. "

 

3266 ابو الرجاء والقاسميالدكتور علي القاسمي مفكر أديب مترجم عراقي جاء إلى المغرب بعد أن حصل على الدكتوراه في المعجمية والمصطلحية بجامعة تكساس بأوستن في الولايات المتحدة الأمريكية، ليدرّْس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سنة 1972، فوقع في حب المغرب: أهلاً وحضارة وطبيعة، فأقام فيه.

كتب في القصة والرواية والنقد والتنمية البشرية وحقوق الإنسان، وتُرجِم عددٌ من أعماله الأدبية إلى بعض اللغات كالإنكليزية والفرنسية والرومانية والفارسية وغيرها. وفي الشهر الماضي صدرت روايته " مرافئ الحب السبعة" باللغة الفرنسية Les Sept Ports de l’amour

عن دار لارماتان L’Harmattabn في باريس. كما كتب بحوثه المتخصصة باللغتين الإنكليزية والعربية. ومن أهم أعماله كتاب Linguistics and Bilingual Dictionaries (اللسانيات والمعاجم الثنائية اللغة) الذي نشرته دار بريل في لايدن بعدّة طبعات، إذ تعتمده الجامعات الناطقة بالإنكليزية مرجعاً في الموضوع. ويعدّ القاسمي رائداً في صناعة معاجم الاستشهادات.

ألَّف القاسمي أكثر من خمسين كتاباً، وأُنجِز عن أعماله أزيد من خمسين رسالةً جامعية وكتاباً.

وقد آثرتُ أن يتناول حواري الأول معه بعض قضايا الترجمة.

إلياس أبو الرجاء

**

س1: تلقيت تعليمك في جامعات مختلفة حول العالم بين العراق ولبنان والنرويج وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. هل لهذا التنوع في المشارب الثقافية أثر على شخصية علي القاسمي الأدبية؟

ج1: ما تفضلت به هو عين الصواب. كان لذلك التنوع أثر إيجابي عليَّ. وهذا قانون كوني. ففي التنمية البيئية، مثلاً: كلّما تنوعت نباتات البيئة وحيواناتها وطيورها، كلّما ازدادت نمواً وتطوراً. وهذا ينطبق على البشر وعلى ثقافتهم كذلك، فقد ورد في الحديث النبوي الشريف: " اغتربوا لا تضووا" في النهي عن زواج الأٌقارب". وحث القرآن الكريم الناس على التعارف: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ...). والتعارف هنا لا ينحصر في التعرّف على الآخر، بل يعني كذلك اكتساب المعرفة منه وتبادلها معه.

وفي الدراسات العليا في الجامعات الأمريكية، يُشجَّع الطالب الذي يريد مواصلة دراسته بعد الماستر، مثلاً، على دراسة مرحلة الدكتوراه في جامعة أخرى، ليطلع على طرائق مختلفة، وأراء متباينة، تجعل معارفه أشد متانة. والتنوع الثقافي في البلاد يزيد فيها الإبداع والابتكار.

 س2: ذكرت في دراسة عنوانها "في إعادة ترجمة الأعمال الأدبية المترجمة سابقا" أن أمانة المترجم ليست مرهونة بنقل المضامين فقط، بل بنقل الأساليب أيضا. كيف للمترجم أن يجمع بين هذين الفعلين دون تطاول على النص الأصلي؟

 ج2: إن إنجاز التكافؤ في الترجمة يتطلّب تحقيق ثلاثة أنواع من التماثل بين النص الأصلي والنص المُترجَم:

1ـ التكافؤ اللغوي، أي نقـل العناصر اللغوية للنصِّ بصورة جيّدة. وهذا يشمل المضامين.

2ـ التكافؤ الثقافي، أي نقل العناصر الثقافية الظاهرة والمضمرة للنص، وهذا يشمل ثقافة الكاتب الأصلي.

3ـ التكافؤ الجمالي، أي نقل الأثر الجمالي الذي يحدثه النص الأدبي الأصلي على متلقّيه في لغته، بحيث يُحدِث هذا الأثرُ الجماليُّ الوقعَ ذاته على متلقّي الترجمة، وهذه المرحلة الأخيرة أصعب مرحلة في الترجمة الأدبية. وهذا يشمل الأساليب.

وشرط التكافؤ بين النص الأصلي والنص الهدف في الترجمة، بأبعاده الثلاثة: اللغوي والثقافي والجمالي، أصعب بكثير وأشد تعقيدا من شرط التكافؤ بين الزوج والزوجة في الفقه الإسلامي.

س3: هناك من يعتبر أن تأليف كتاب أصعب من ترجمته. أنت زاوجت بين الكتابة والترجمة، أيهما أصعب في نظرك؟

ج3: تنتج الصعوبة في أي عمل من أحد أمرين:

الأول، النقص في التأهيل اللازم للقيام بذلك العمل، وهذا يتضمَّن الخبرة المطلوبة لتأديته.

والثاني، عدم محبة العمل وعدم الاستمتاع به. فبالحب ينفعل الوجود.

ولكي تكون سعيداً في حياتك، ينبغي أن يكون تفكيرك إيجابياً، وتحبّ البلاد التي تعيش فيها، وتحبّ الناس الذين تخالطهم، وتحبّ العمل الذي تزاوله.

س4: سبق وكتبت أن الترجمات العربية السابقة لقصة "الشيخ والبحر" لم تنقل مضامين القصة بدقة. ما الذي يميز ترجمتك لهذا العمل عن باقي الترجمات العربية السابقة؟

 ج4: إن مقالي الذي تفضَّلتَ بذكره في سؤالك الثاني، " في إعادة ترجمة الأعمال الأدبية المترجمة سابقاً،" وهو بحثُ أعددتُهُ استجابة لطلب من كلية الآداب بجامعة القاهرة لنشره في مجلتها " لوغوس"، كان عليَّ أن أقوم بترجمة عمل أدبي سبق أن تُرجم كثيراً إلى اللغة العربية. ودلني الاستقصاء أن أهم الأعمال الأدبية التي نُقلت إلى اللغة العربية في العصر الحديث هما: " رباعيات الخيام" التي تُرجمت إلى العربية أكثر من خمسين مرة، و" الشيخ والبحر" لهمنغواي الذي تُرجم إلى العربية أكثر من ثلاثين مرة. وبما أنني لا أجدي اللغة الفارسية، ولا أحبذ الترجمة عبر لغة وسيطة، فقد وقع اختياري على ترجمة " الشيخ والبحر". وبعد أن ترجمتُ الكتاب قارنته باثنين من الترجمات السابقة، فوقفت على ما يأتي:

قبل كل شيء، لا توجد ترجمة كاملة، لا ترجمتي ولا ترجمة الاخرين، لأن الترجمة عملية معقدة. فالمترجم وسيط بين لغتين مختلفتين، وبين ثقافتين غير متطابقتين، وبين شخصيتين متباينتين هما الكاتب الأصلي، والقارئ المُترجم له. والنجاح في الترجمة نجاح نسبي، يعتمد على نسبة التكافؤ الثلاثي الذي يتمكن كل مترجم من إنجازه.

ففي التكافؤ اللغوي مثلاً يختلف المترجمون في اختيار الألفاظ من بين ألفاظ مترادفة أو شبه مترادفة، وفي تركيب الجملة، أي نظم تلك الألفاظ في عبارات يُقدَّم بعضها على الآخر، من أجل تيسير فهم النص المُترجَم.

وفي التكافؤ الثقافي، يسلك المترجمون طرقاً مختلفة، فإذا ورد اسم " طارق بن زياد" في نص عربي يُراد ترجمته إلى اللغة الرومانية، مثلا. ماذا يفعل المُترجم بهذا الاسم الذي يشكّل جزءً من الثقافة العربية الإسلامية، ولكنه ليس كذلك في الثقافة الرومانية؟؟! هل يضيف جملة اعتراضية للتعريف بهذا الاسم في متن النص؟ أم يضعها في الهامش؟ أم يدمجها دمجاً في النص المترجَم كما لو كانت موجودة في النص الأصلي؟ وأي طريقة أفضل.

في الشهر الماضي، نوقشت أطروحة دكتوراه وأجيزت، قدّمها في جامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس الباحث مصطفى سنون بإشراف الدكتور يونس لوليدي، عنوانها " الترجمة والتأويل وتحديات ترجمة النصوص الأدبية؛

ترجمة منير البعلبكي وعلي القاسمي لرواية الشيخ والبحر لإرنست همينغواي نموذجا".

وكان المرحوم منير بعلبكي ناشراً فهو صاحب دار العِلم للملايين، وكان يُلقَّب بشيخ المترجمين العرب، وهو مؤلّف أفضل معجم إنكليزي ـ عربي حديث، وقد ترجم " الشيخ والبحر" حال صدورها في أمريكا قبل قرابة خمسين عاماً. وأنا أعّد نفسي مجرّد واحد من طلابه والمنتفعين بعلمه ومعجمه، رحمه الله. ومع ذلك فإن الباحث الفاضل وجد إخفاقات في ترجمة شيخ المترجمين العرب، وفي ترجمتي كذلك ذكرها في أطروحته. وأحسب أن الذائقة الأدبية كذائقة الطعام تختلف من شخص إلى آخر. فالأسلوب ليس معادلة في الجبر أو الهندسة.3266 ابو الرجاء والقاسمي

س5: كما هو معلوم، للنص حرمته التي يجب على المترجم ألا ينتهكها، وهوية ينبغي ألّا تضيع، وبالتالي فالمترجم هنا مقيد بمجموعة من المسؤوليات الأخلاقية. ألا يؤثر استحضار كل هذه الهواجس على المترجم أُثناء عملية الترجمة؟

ج6: إن المترجم يدرك جسامة مسؤولياته، بيدَ أن الفجوات المعجمية والثقافية والجمالية بين اللغة الأصلية واللغة الهدف تضطره أحياناً إلى اقتراف خروقات في النقل . ولهذا يوجد مثل إيطالي مشهور هو: Traduttore, traditore

" المترجم خائن". وقرأتُ دراسة ذات مرة لباحث أكاديمي كندي يتساءل فيها لماذا لا تمتلئ السجون بالمترجمين الذين يقترفون جرائم الخيانة، والاحتيال، والسرقة والكذب والحذف والإضافة وغيرها!

دعني أضرب لك مثلاً عمليا عايشته بنفسي: عندما انعقد مؤتمر تأسيس " المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكوـ" بفاس سنة 1982 حضره ممثلو البلدان الإسلامية، ومنها إندونيسيا. وعندما أُرسِل ميثاق المنظمة لتلك البلدان للتوقيع عليه، تأخرت إندونيسيا في الاستجابة. وبعد مدة تساءل المدير العام للمنظَّمة المفكر السياسي المرحوم عبد الهادي بوطالب، عن سبب التأخير. أكتشفَ أن النص الإنكليزي الذي أرسل إلى وزارة الخارجية الإندونيسية في جاكارتا، يتكلّم عن الدول الإسلامية Islamic States وليس عن البلدان الإسلامية . Islamic Countries  وفي الدستور الإندونيسي، لا تُعدّ إندونيسيا دولة إسلامية على الرغم من كونها بلدا إسلامياً. والفرق كبير بين المصطلحين قانونياً وسياسياً.

س6: لماذا إرنست هيمنجواي بالضبط وليس غيره من الكتاب الأمريكيين الكبار، بول أوستر مثلا؟

ج6: لأنه لا توجد في البلدان العربية مؤسسة مسؤولة عن الترجمة إلى اللغة العربية: أهدافها، ومجالاتها، وكمياتها، ونوعياتها، وحقوق المترجمين، إلخ. بلى توجد مؤسسة بالقاهرة أسسها الصديق المرحوم الدكتور جابر عصفور، ولكنها صغيرة خاصة بمصر.

ولهذا فإن الترجمة تخضع لذائقة المترجم وتقديره وميوله. ومن ناحيتي، ترجمتُ بضع روايات أمريكية، اثنتان منها لهمنغواي. والسبب في ذلك أن همنغواي، في تقديري، أشهر روائي وقاص في تاريخ الأدب الأمريكي، اضطلع بتجارب عديدة في لغة السرد عندما كان مراسلاً صحفياً مقيماً في باريس في أوائل العشرينيات من القرن الماضي، واستطاع تغيير اللغة الأدبية في أمريكا وتبسيطها، كما تمكّن من ابتكار " أسلوب " خاص به يُسمونه " أسلوب جبل الجليد"، لأنه يستدعي مشاركة القارئ في الإبداع. فالقارئ يرى قمة جبل الجليد في البحر ولا يرى قاعدته الضخمة المغمورة في الماء، وعليه أن يتخيلها، ويملأ الفراغات في النص. ولقد تعلمتُ كثيراً من همنغواي وتأثرتُ به، وبغيره من كبار الكتاب، في قصصي ورواياتي.  - هل هناك محددات تتحكم في اختيارك للعمل الذي ستترجمه دون غيره من الأعمال الأخرى؟ (تمت الإجابة عليه في ج6 السابق)

س7: أثناء استعدادك لترجمة "الشيخ والبحر"، أمضيت ليلة كاملة في مركب شراعي صغير بمدينة الصويرة. ماهي المدينة المغربية التي تساعدك على الإبداع أكثر؟

ج7: جميع المناطق المغربية جميلة ملهمة تساعد على الإبداع والكتابة. ولكني في الوقت الذي كنتُ أستعد لترجمة "الشيخ والبحر" كنتُ ضيفاً على طبيب صديق في مدينة الصويرة الجميلة. وكنا نتناول بعض وجباتنا في ميناء الصيد التاريخي في المدينة. وشعرتُ بأن من المفيد جداً لي أمن أقف عملياً على مجريات صيد السمك ليلاً. وينبغي أن أتفق مع أحد الصيادين الذي يملك قارب صيد شبيه بقارب همنغواي الذي كان يمارس به الصيد في شواطئ هافانا بكوبا. قارب يتسع لراكب أو لراكبين فقط، ويحتوي على مجذافين للتجذيف عند الخروج من المرفأ كما أنه مزود بشراع يساعد على التنقل وسط البحر أثناء انشغال الصياد بشباكه. وعندما تحدثت إلى الصياد صاحب القارب المطلوب عن إمكان مرافقته وشرحت له السبب، قال بأريحيته المغربية:

ـ مرحباً بك.

فسألته:

ـ وكم أدفع لك؟.

أجاب مع ابتسامة كريمة:

ـ لا شيء . أنا الذي أدفع لك، لأنك ستؤنسني.

وخرجنا من المرفأ قبيل منتصف الليل وعدنا مع الفجر محملين القارب بالسمك. وهذه من الليالي التي لن أنساها ما حييت، وزادتني حباً بالمغرب وأهله الكرماء.  

س8: ما مشروعاتك القادمة في الترجمة؟

ج8: تشكّل الترجمة جزءاً صغيراً من اهتماماتي العلمية والأدبية. ففي الشهور القليلة الماضية كنتُ منشغلاً في كتابة قصص قصيرة، أَطلقَ عليها الشاعر الكبير الناقد الدنماركي (الدكتور قصي الشيخ عسكرـ عراقي الأصل يقيم في لندن) اسم " قصص السيرة" واعتبرَ أنها نوع جديد من أنواع القصة القصيرة. وستصدر هذه القصص في مجموعة قصصية عنوانها " الآنسة جميلة وقصص أخرى" عن دار الثقافة في الدار البيضاء، هذا العام إن شاء الله.

كما أكملتُ كتاباً جديداً عنوانه " قصص همنغواي الإفريقية: ترجمة ونقد مقارن" وهو لدى أحد الناشرين اللبنانيين، وقد تأخر صدوره بسبب الجائحة وظروف لبنان، التي نأمل أن يتجاوزها بنجاح.

س9: معظم ترجماتك كانت من الإنجليزية إلى العربية. ألا تشكل الترجمة من العربية للإنجليزية أهمية بالنسبة لك؟

ج9: جميع ترجماتي من الإنكليزية (ونادراً من الفرنسية) إلى العربية. فأنا لا أترجم إلى الإنكليزية، بل أكتب بالإنكليزية بعض مؤلَّفاتي العلمية عن المعجمية والمصطلحية. وفي درس الترجمة، يُفضَّل أن يُترجِم الفرد إلى لغته الأم، وليس إلى اللغة الأجنبية. وهذا ما تسير عليه منظمة الأمم المتحدة، والمنظمات المتفرعة عنها كاليونسكو، وغيرها. فالإنسان أقدر على التعبير في لغته الأم عن الأفكار التي تدور في ذهنه. والاستيعاب والتعبير مهارتان لغويتان، بيدَ أن التعبير أصعب من الاستيعاب. ولهذا يفضل أن يضطلع المترجم بالتعبير عن الأفكار إلى لغته الأم، تخفيفاً من صعوبة التعبير.

س10: ساهمت في إغناء المكتبة العربية بعشرات المؤلَّفات في علم المصطلح وصناعة المعجم والترجمة والقصة والرواية. هل علي القاسمي راض عمّا أنجزه أم أنه لازال يتطلع للأفضل؟

ج9: شكراً على لطفك، فأنا لا أحسب أنني أغنيتُ المكتبةَ العربية، فهي مفتقرة إلى كثير من الجهود لتبلغ ما تستحق بوصفها أمَّ اللغات العالمية جميعاً. فقد أثبت بحثٌ علميٌّ حديث اضطلعت به جامعتا ليدز في بريطانيا وجامعة بورتو في البرتغال، واستغرق سنوات طويلة، واستخدم تقنيات عديدة مثل تحليل الجيات، وتحليل الخلايا، وتحليل الحمض النووي، للإجابة على سؤال واحد: هل البشرية من سلالة واحدة أم من سلالات مختلفة؟

فقد كان العلماء في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية خلال القرن التاسع عشر وحتى أواسط القرن العشرين يزعمون أن البشرية انحدرت من ثلاث سلالات: البيضاء في أوربا، والسوداء في إفريقيا، والصفراء في آسيا؛ وأن السلالة البيضاء أذكاها وأرقاها، وعليها واجب استعمار بقية الشعوب لتمدينها وترقيتها. ولكن هذا البحث العلمي الجديد أثبتَ أن البشرية جميعها من سلالة واحدة نشأت وترعرعت في جنوبي جزيرة العرب. وقبل حوالي 70 ألف سنة انطلقت رحلات، مما يسمى اليوم بسلطنة عُمان، واتجهت شرقا إلى آسيا بحرا، وإلى أوربا براً عن طريق إفريقيا والشرق الأوسط، وهكذا سُكِنت المعمورة. ونشِرت نتائج هذا البحث المدهش مجلتان اطلعتُ عليهما سنة 2012 هما المجلة الأمريكية للجينات البشرية، American Journal of Human Genetics

في عددها لشهر فبراير 2012، وكذلك مجلة لوبوان الفرنسية Le Point التي نشرت مقالاً للعالِم الفرنسي لوينو بعنوان مثير " كلنا عرب" Nous Sommes tous des

arabes” (تستطيع أن تطلع على المقال بواسطة هاتفك المحمول المتصل بالشابكة.

ولهذا فإن اللغة العربية الأم واللغات التي تفرّعت منها وتسمى باللغات الجزيرية كالأكدية والعبرية والسريانية والكنعاية والأمازيغية وغيرها، هي التي انتقلت إلى بقية أنحاء المعمورة وتحولت إلى لغات جديدة بسبب الظروف الجغرافية والمناخية وغيرها، وبقيت كثيرٌ من المفردات ألأساس للغات الجزيرية في اللغات الجديدة. والمبدأ في علم التأثيل أن هجرة اللسان من هجرة الإنسان.

وعلي الرغم من هذه المكانية التاريخية السامقة للغة العربية الفصيحة (وهي الأقرب إلى اللغة العربية الأم، كما أثبتَ علماء اللسانيات المقارنة، فإن العربية تحتل الرتبة 17 في مقياس "مقدار المحتوى الشابكي" (أي محتويات أكبر 10 ملايين موقع على الشابكة). أي أن رتبة العربية تقع بعد اللغات البرتغالية والإيطالية والفارسية والصينية والبولونية والهولندية والتركية والتشيكية والكورية والفيتنامية. والسبب في ذلك أن الدول التي تستعمل تلك اللغات تعلِّم بلغاتها الوطنية جميع العلوم والآداب، أما لبلدان العربية فتعلم العلوم اليوم بلغات المستعمِر القديم كالإنكليزية والفرنسية والإيطالية، وأية لغة أخرى ما عدا العربية. وهكذا فأطباؤنا ومهندسونا وعلماؤنا لا يستطيع أغلبهم إنشاء مواقع شابكية في مجال تخصصاتهم، أسوة بنظرائهم في تلك البلدان، إما لعدم فهمهم لتلك العلوم فهما عميقاً عندما درسوها بلغات أجنبية في جامعاتهم، أو لعدم تمكنهم من التعبير بتلك اللغات الأجنبية. وهذه ظاهرة خطيرة على التنمية البشرية، لأن العلم يبقى محصوراً في نخبة تجيد لغة التعليم العالي، على حين أن المعرفة في تلك البلدان المتقدمة تكون مفتوحة للجميع لأنها باللغة الوطنية.

وعلى كل، فجواباً على سؤالك الكريم: أنا لم أفعل شيئاً يُذكر. أنا مجرد طالب علم يجد راحته في القراءة والكتابة.

انتهى.   

 

حاوره: إلياس أبو الرجاء 

 

3257 لقاء بكر السباتينفي إطار مشروع تطوير العلاقة بين طلاب قسم الآداب في جامعة العلوم الإسلامية والمبدعين الأردنيين في كافة التخصصات* الذي يشرف عليه الدكتور عمر الربيحات أستاذ النقد الأدبي، نطل على تجربة أحد هؤلاء المبدعين، الأستاذ بكر السباتين.

وهو باحث وروائي وفنان تشكيلي شامل، كتب الرواية والقصة القصيرة والشعر والمسرح بالإضافة لكونه فناناً تشكيلياً.

بداية أرحب بالأستاذ بكر وسنترك له المجال لتعريف القارئ العربي بتجربته الحياتية والأدبية من خلال عدة أسئلة نبدأه بالسؤال التقليدي التالي:

1-هل لك أن تطلع القارئ العربي على حياتك من خلال نبذة قصيرة؟

- ولدت في الأول من يناير عام 1963 لأبوين عانى نتائج النكبة. فبعد مذبحة الدوايمة الشهيرة التي اقترفتها العصابات الصهيونية في قرية الدوايمة غرب الخليل؛ انتهى بهما الأمر في عمان حيث ولدت في جبل النظيف (مخيم محمد أمين سابقاً) وعشت حياتي وأنا أقتات على ذاكرة لا تبور ومترعة بالوجع الفلسطيني، وأحلام فتى دفعته الخيبة السياسية ليتحدى الصعاب على الصعيدين الحياتي والثقافي.. وقد ساعد على ذلك ترعرعي في حاضنة أردنية ما لبثت تنعم بالاستقرار ومنحتني مواطنتها.. فقلب اللاجئ يتسع لقضيته وللبلد التي يحمل جنسيتها ويساهم في بنائها بانتماء حقيقي.

2- حدثنا عن البدايات كيف كانت وكيف خرجت من إرهاصاتها؟

- كان الظمأ إلى المعرفة يرافقني منذ الصغر، خرجت طفولتي تعربد مع أخيلة الحكايات العتيقة التي ترويها الجدات أو تنشرها المكتبة الخضراء وحكاياتها الآسرة. كنت أشعر بهذا الحراك البريء يشتد نضوجاً إلى أن صار هذا الكائن الحي أمامك يدير بلسانه ساقية الكلام ويغرف من معين خياله حكايات استحوذت على عقله الباطن. فيطلُّ من خلال نوافذ التأمل على حدائق الشعر وصنوف الأدب الأخرى.. فما أن نضج عقله، راح يكتشف تجارب عمالقة الأدب العربي والعالمي كالسيًاب ومحفوظ وصلاح عبد الصبور وكنفاني ولوركا وبوشكين وكامي وغيرهم.

كانت ساقية البحث في عقلي الفتي آنذاك تعينني في تلمس طريقي نحو ينابيع الكبار، ومن ثم الارتواء بما يتاح من معطيات الوعي والإبداع فتستيقظ الأسئلة الوجودية والناقدة.

ليس هذا فحسب، بل أن اطلاعي على نسبية أينشتاين كان له عظيم الأثر في إبداعاتي فقد أذكت في عقلي القدرة على الارتحال إلى أقصى ما يفضي إليه الخيال.. وقد تأثرت كغيري من المثقفين بذلك.

أما استحواذ هاجس القضية الفلسطينية على أهم أعمالي الأدبية فيعود ذلك إلى كوني عانيت من ارتداد هزيمة نكسة حزيران المخيبة للآمال.

لكنني أيضاً استيقظت على صوت أجراس الأمل التي يحملها هذا الجيل الواعد الذي سجل انتصاراته في مواجهة الاحتلال على الأرض وعبر الفضاء الرقمي.. وانعكس ذلك على كتاباتي برمتها وبالتالي انبثاق رؤيتي الثقافية في أنه لا بد من دور فاعل للكاتب في التصدي لرؤية الاحتلال الإسرائيلي العنصرية.

3-  وماذا عن مسيرتك الثقافية.. في أي بحر تعوم؟

- لكل كاتب هويته الثقافية.. ومحورها بالنسبة لتجربتي، القضية الفلسطينية ذات الأبعاد القانونية والتاريخية والإنسانية والقومية.. ومن هذا المنطلق اتخذت تجربتي طابعاً إنسانياً وتأملياً واستشرافياً يربط الحاضر بالذاكرة التي لا تبور وتتصل بالمستقبل.

4- هذا يأخذنا إلى السؤال عن منجزك الثقافي ومن ثم الحديث عن أهم اعمالك؟

- صدرت لي عدة كتب سياسية وعلمية وأدبية. ومن أهم مؤلفاتي التي دعمتها وزارة الثقافة:

– رواية ثلوج منتصف الليل( من قتل خليل الجيباوي عام2009م، ورواية”واختفت مهيرة- الرحيل إلى الذاكرة الأخرى” تدور حول الأزمات المتفاقمة التي تعصف في الوطن العربي وبالذات ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ثم رواية صخرة نيرموندا نشرت عام 2016 وتتحدث عن نكبة فلسطين من خلال سقوط يافا عام ثمانية وأربعين، مع إظهار طابعها الحضاري العالمي وهي من أقرب الأعمال إلى قلبي إذْ لاقت رواجاً جيداً وكتب عنها أهم النقاد العرب، فهي تتحدث عن هزيمة العقل العربي لكنها أيضاً تشع طاقة إيجابية وتحرض على المقاومة والأمل.

ونشرت لي العديد من الدراسات المتنوعة مثل:

– علم المخازن، (دورة المشتريات في الشركات الكبرى بين الشراء والتخزين) – دار المناهج /2003م) ويتضمن الكتاب نموذجا ًرياضياً قمت باشتقاقه وتصميمه. أيضاً كتاب” تعدد المفاهيم في عقل الإنسان- البرمجة العصبية واللغوية”.. والذي صدر في مارس 2017 بألمانيا عن دار نور نشر. ولا ننسى كتابي الذي بات معروفاً تحت عنوان “الفلسطينيون وتجربة النماء عبر العالم” والذي يتناول بالبحث والتحليل أهم النجاحات التنموية المتميزة للفلسطينيين في أنحاء العالم . وأخيراً كتاب “الفنان عبد الحي زرارة (رائد الفطرية والترقين). ثم “مسرحية الرجل الذي تحرر من القماط” والتي عرضت في جامعة ديالى العراقية من إخراج الدكتور وضاح طالب دعج أستاذ الإخراج المسرحي في جامعة ديالى. وتم اختيارها لتشارك في مهرجان ديالى الدولى للمسرح. ولي أيضاً قصة وسيناريو الفلم القصير ” الملائكة لاتخيف” إخراج أماني أوغلو.3257 لقاء بكر السباتين

5- هل كرمت في حياتك.. وهل حصلت على جوائز أدبية..وما موقفك من هذا النوع من التكريم؟

- كرمت في العديد من المناسبات المحلية والعربية.

أما الجوائز رغم أهميتها المادية والمعنوية إلا أنها ليست مقياساً للنجاح ما دامت تضع معايير سياسية واجتماعية تفرض قيوداً على المبدع.. فثقتي بها مهزوزة وباتت ترتبط بالسياسات المبهمة في عالمنا ولا أريد أن أقول بأنها تفرض بعض التنازلات عن الثوابت وترهن موقف الأديب لسياسة الدول الحاضنة لها.. وقس على ذلك البوكر! مع أن الحاصلين عليها قامات أدبية ذات مكانة في المشهد الثقافي العربي.

6- المشهد الثقافي الأردني مكتظ بالغث والسمين فهل تصف لنا هذا المشهد وهل من نظرة استشرافية للمستقبل؟

- العالم الافتراضي سمح للتجارب الثقافية كي تتكاثر دون ضوابط فنية؛ ولكن للأسف على حساب الجودة وانتشار المعايير غير المضبوطة فنياً والاهتمام بالشكل دون المضمون أحياناً.

فلو تتبعت ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي من غث الشعر وسمينه لوجدت ذلك الاهتمام الطاغي بالكتابة.

وهنا نحن نتحدث عن التجارب الناضجة للشعراء الأردنيين وقد صار صوتهم مسموعاً على صعيد عربي بل وعالمي من خلال الترجمة وقد برز في هذا المجال الشاعر المترجم نزار سرطاوي.. وعمواً فإن الصوت الأردني تفرد أكثر بحمل هموم الأمة وأوجاعها، وخاصة القضية الفلسطينية التي ما لبثت تدخل في صميم وجدانه.

أما بالنسبة للمستقبل فالمثقف بات أكثر نضوجاً من حيث الوعي؛ ليوفر معطيات الأمان الثقافي للأجيال القادمة.. فقد تقلبت الظروف من حولة وهو يواجه عواصف التغيير بمرونة دون أن تنتزعه من مبادئه.

7- ماذا عن اهتمام الدولة ممثلة بوزارة الثقافة بالكاتب الأردني؟

- الدعم الرسمي للكاتب يأتي منقوصاً رغم ما تقدمه وزارة الثقافة الأردنية من دعم مشهود قد لا تجد نظيره في الدول العربية الأخرى.. فمثلاً وزارة الثقافة تقوم بدعم المؤلف بنشر كتاب له كل عامين، وقد فعلت ذلك معي.. لكنني أطمح بأن يكون الدعم سنوياً، وأن تعود الوزارة إلى برنامج التفرغ الأدبي.

ولا ننسى إطلاق الوزارة مشروع إصدارات مكتبة الأسرة الأردنية في إطار استراتيجية التنمية الثقافية عام 2008، الذي يهدف إلى توفير الكتاب بسعر زهيد للمواطن في جميع محافظات المملكة. وتوصيل الكتاب من دون مشقة إلى المواطن، عبر إقامة مهرجان القراءة للجميع. وتغطية قطاعات المعرفة الإنسانية بسلاسل من المعارف المختلفة التي تخدم جميع أفراد الأسرة، والمساعدة على تنمية مهارات القراءة لدى كل أفراد المجتمع الأردني، وتشجيع إنشاء المكتبات المنزلية. وهذا دور تفاعلي يسجل للوزارة كبادرة حداثية تستحق التقدير.

أما بالنسبة لرابطة الكتاب الأردنيين فإنني أتمنى هي الأخرى أن تفعل دورها النقابي لصالح الكاتب.

فالرابطة منوط بها نظام التأمين الصحي والعودة إلى مشروع إسكان الكتاب الأردنيين.. ناهيك عن دورها الأهم في نشر الكتاب الأردني بشكل مكثف وفق معايير فنية عالية بعيداً عن المصالح .. وأن تظل ملتزمة بالشروط الصعبة لقبول الكتاب حتى لا يختلط الغث بالسمين واجتثاث الفساد الإداري الذي لا تخلوا منه أي مؤسسة في عالمنا العربي.

وفي المحصلة تمثل الرابطة بيت الكاتب الأردني المقتدر فنياً وهذا لا يضع الحواجز في طريق الكثير من الكفاءات غير المنضوية تحت جناح الرابطة، فالأردن أرض ولادة للمبدعين في كافة المجالات.

 

8- متى ادركت قيمه الكتاب؟.. حدثنا عن البذرة الأولى التي انغرست في قلبك وعقلك وأنت صغير؟

- منذ نعومة أظفاري حينما قرأت "القطار الأزرق الصغير" ومن ثم مطالعاتي لما كانت تنتجه المكتبة الخضراء.

وكانت بشائر الخير تتجلى بتفوقي في مادة التعبير.. وأثناء ذلك كان خيالي جامحاً وأدواتي تتبلور وتمنحني ميزات شخصية.

9- من هم الأشخاص الذين كانوا علامة فارقه في حياتك؟

- المثل الأعلى نموذج يزرع في العقل الباطن خلاصة تجارب الآخرين فبدونة ستجد صعوبة في تحديد البوصلة. فقد يكون شخصية اعتبارية معنوية أو قضية جادة.

وقياساً على ذلك تأتي شخصية أبي الذي ما زال يحضنا على الالتزام الأخلاقي إزاء القضية الفلسطينية.

وكان الشهيد غسان كنفاني ممن رسخوا الهَمَّ الفلسطيني في وجداني حتى صارت شخصياته الروائية والقصصية كظلي ترافقني حتى توقظ وجداني الوطني كلما غافلني النسيان، وأخذتني الحياة إلى أزماتها الأخرى.

كذلك الأب الروحي بالنسبة لي وأبو الرواية العربية نجيب محفوظ.

حتى أغاثا كريستي التي عززت لدي أسلوب التشويق والمفاجأة في سياق التخطيط لنهاية رواياتي ولو أن رواياتها مدرجة في قائمة أدب التسلية.. فلا ضير.

أما التأثير الأكبر على تجربتي الإبداعية فقد تجلى في تجربة الواقعية السحرية لأدب أمريكا اللاتينية وخاصة ماركيز.

وأردنياً تأتي في المقدمة رواية "أنت منذ اليوم" للروائي الأردني تيسير السبول.

أما بالنسبة للشعراء فكان محمود درويش وسميح القاسم منذ تجربتهما الرومانسية وصولاً إلى مرحلة درويش الوجدانية ذات النزعة الفلسفية الأخيرة. وكانت تعجبني رمزية صلاح عبد الغفور.

ناهيك عن عموم تجربة بدر شاكر السياب الريادية.

10- ما هي العقبات التي واجهتك في مسيرتك؟

- من الطبيعي أن تعترض البدايات لكل أديب جملة من العقبات التي تتخذ طابعاً اجتماعياً ومسؤولية أمنية فيما يتعلق بحرية التعبير الحسي والفكري ناهيك عن صعوبة النشر من الناحية المادية.. في المحصلة تغلبت على كل هذه العقبات وبنيت قاعدة انطلاقي بأمان. حتى أنني دخلت عالم اليوتيوب للتعبير عن آرائي من خلال قناتي الخاص "قناة سباتين" وتتضمن عدة برامج من إعدادي وتقديمي وإخراجي تتصدى للقضايا السياسية والثقافية بجدية والتزام.

11- كم ساعة تقرأ في يومياً؟

- أقرأ يومياً قبل النوم دون تحديد للوقت.. ولكنني أقرأ بنهم أثناء التحضير لمادة أسعى للكتابة فيها.. وقد أتاحت لنا التكنلوجيا إلى الاستماع إلى الكتب المقروءة أثناء الاسترخاء.

12- ما هو الكتاب الذي تأثرت فيه بشدة؟ من خلال منجزه الأدبي وبخاصة في الرواية؟

- لا يوجد عمل بحد ذاته ولكن كتجارب أدبية ففي المقدمة تجربة غسان كنفاني القصصية والروائية وأخص بالذكر رواية "عائد إلى حيفا" ناهيك عن تجربة نجيب محفوظ الواقعية والرمزية والأدب الروسي الواقعي مثل تجربة مكسيم غوركي وأنطون تشيخوف صاحب رواية الدون الهادئ، والواقعية السحرية التي اتسم بها أدب أمريكا اللاتينية المليئة بالأساطير وقد تبدى أثر هذا اللون الأدبي في روايتي الأخيرة "صخرة نيرموندا".

13- ما هي أهم الأعمال التي ساهمت في تكوين رؤيتك الفكرية والأدبية؟

- عائد إلى حيفا التي أثرت في أسلوبي ورؤيتي للعلاقة بين شخصية الجاني والضحية.

أيضاً كتاب الاستشراق الذي ألفه البروفيسور إدوارد سعيد عام 1978م، ويتناول جملة المؤلفات والدراسات والمفاهيم الفرنسية والإنجليزية، وفي فترة لاحقة الأمريكية عن الشرق الأوسط والتي يجزم البروفيسور سعيد أنها السبب الرئيسي في الشرخ الحاصل بين الحضارة الغربية والثقافة الشرقية عموماً والشرق .

ورواية "مئة عام من العزلة" للكولومبي جابرييل مركيز أبو الواقعية السحرية.

14- هل أنت مع أو ضد الكتابة باللهجة العامية؟ ولماذا؟

- لا يمكن عزل المجتمع عن لهجته الشعبية في إطار التعامل اليومي.. بحيث تدرج في سياق اللهجات المنبثقة عن اللغة الأم؛ لكنها شديدة المحلية.

وينبغي العلم بأن اللهجات المحكية تغذي بعض الشعراء للتعبير عن وجدانهم من خلال الشعر الشعبي كالزجل والشعر النبطي.

ومن مقتضيات الإشارة إلى محلية العمل يمكن للروائي مثلاً الاستعانة باللهجة المحكية في المسرح والرواية فقط في الحوار في تداخل فني سليم وحذر مع اللغة العربية الفصحى كما كان يفعل نجيب محفوظ.

ولكن كتابة السرد باللغة العامية فهذا يعد سلخاً عن العربية الفصحى وابتعاداً عن لغة القران الكريم التي على أساسها وضعت معايير قواعد الصرف والنحو والإملاء، واللغة القومية التي منحت العروبة هويتها.

وعليه فإن دعاة العامية المطلقة يأخذون الثقافة العربية باتجاه العزلة القطرية؛ لذلك لجأ دعاة الفرعونية واللبننة، على نحو ما فعل المفكر اللبناني سعيد عقل، إلى وضع قواعد جديدة للغات المحكية. وهذا يعد فصلاً كلياً عن اللغة العربية. وقد باءت تجاربهم بالفشل الذريع. وللتذكير فإن هذا التوجه ساهم في دعمه الاستعمار الفرنسي وخاصة في الدول الفرنكفونية من باب الاستحواذ على العقل والعبث في الثقافة الموروثة وتأويلها وفق رؤية الاستعمار.. وقد تطرق المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد إلى ذلك في كتابه الشهير الاستشراق.

أخيراً نشكر الأستاذ بكر السباتين الذي أعطانا من وقته لإجراء هذا اللقاء القيم الذي أدخلنا إلى المشهد الثقافي الأردني والعربي من خلال تجربته الخاصة.. مع تقديري لاهتمامكم الجاد.. فالثقافة للجميع.

***

الكاتبه: سماح محمود ابو حسين

جامعة العلوم الإسلامية العالمية – الأردن

22- يناير 2022

 

 

3247 عبد العزيز الگواطريعبد العزيز الگواطري قاص مغربي من مدينة تاونات يكتب بشغف للطفل الذي خبر عوالمه الخاصة عن تجربة حياتية ومهنية كأستاذ للتعليم الإبتدائي لأكثر من ربع قرن بكل تأن وإنصات للطفل وأسئلته البريئة وأجوبته الذكية .

ولأنه يملك عين المبدع الثاقبة والحادسة والصبورة كعين الذئب التي يطبعها الصبر والدقة في إقتناص القصة المناسبة للطفل وتقديمها له في أبهى حلة حكائية ولغوية تجعل عين الطفل لا تغفل عن الحدث الذي يطبعه التشويق والمتعة والمعرفة وإذكاء الرغبة في التعلم .

ولأنه أخرج الوجود مجموعة من القصص في مجموعة تحت عنوان رحيق الجبل خاصة بالطفل كان لنا معه هذا الحوار الذي هم هذه الباقة المكونة من القصص التالية:

البط الحكيم والدجاج المزركش المصلح والفأر الأبيض المغرور وورطة باز وحيلة ذئب والذئب الموسيقي وإشاعة ثعلب وعدنان يتعلم القفز ومصارعة الثيران.‏

وتجربته في الكتابة والعمل الثقافي وكان هذا الحوار التالي: 

س: لنبدأ معك السيد عبد العزيز الگواطري هذه الدردشة الثقافية لماذا اخترتم الكتابة للطفل وما الدافع إلى هذا الإختيار وما هو الحافز إلى الكتابة إلى للطفل؟

ج: أولا لا أدعي الفطرية في اختياري الكتابة للطفل لكني لا أجد حرجا في القول أن الكتابة للطفل هي الموقع الذي وجدت فيه نفسي بشكل طبيعي ففي مستهل "قصة البط الحكيم" أول قصة كتبتها ألمحت لماذا هذا الاختيار بالإضافة إلى كوني كنت مدرسا وعشت مع الطفل واحتككت بعالمه حيث درّست المستوى الأول ابتدائي ربع قرن بالتمام والكمال وبكل محبة وتفان والطفل في تصوري مشروع أمة فكم يكبر الأطفال أمامي وكم أفرح بالمستقبل المزهر الذي ينتظرنا لما أرى الأطفال يقرأون بنهم وبحماس أنا مازلت حتى اللحظة أتابع خطوات تلاميذي وأفرح بتفوقهم وكل إجابات الأطفال تدعوني للتأمل لأني أعرف أن الأطفال لا يخطئون لأنهم يمتحون أجوبتهم من المجتمع وبكل براءة.

س: في أغلب قصصكم تحضر الشخصيات الحيوانية كأبطال ونماذج وقوى فاعلة ما الذي تحاولون قوله ضمنيا من خلال الإتكاء على الشخصية الحيوانية التي تتميز في المخيال الشعبي ببعض الأبعاد والقيم ؟

ج: قصص الأطفال تدعونا لتأثيث عالم الطفل بما تميل إليه نفسه فإقبال الأطفال على الحيوانات له طعم وشعور خفي بالتملك فيبذل من أجل ما يملك فتتولد لديه قيمة السخاء التي هي أم القيم فيتحرر من السلبية والأنانية والأخذ من الكبار فقط ورغم إتكائنا على البطولة في ثوب حيوان ما فإننا حاولنا تخليصها من بعض القيم السلبية الماضوية المتجاوزة وشحنها بالقيم الإنسانية والأخوة الكونية فالقيم النبيلة من تسامح وتعاون ورفق وتعلم وذكاء هي التي قادت وحركت أبطال قصصنا التسعة بأبعاد المستقبل الذي ينبش في المخيال الشعبي ليهذبه ويهيمن عليه ولا ليحذو حذوه أو يتمثل أبعاده وقيمه.3248 عبد العزيز الگواطري

س: كذلك تحضر في تجربتكم القصصية التي بين أيدينا بعض الملامح والسمات الخاصة بالحكاية الشعبية هل الأمر له علاقة بالخلفية الثقافية لديكم أم الأمر مجرد آلية جمالية وفنية من جانبكم لإعطاء لمستكم الخاصة لفعل الكتابة من جانبكم؟

ج: حاولت مراعاة عناصر قصة الطفل من خلال قصص المجموعة القصصية ككل فنيا وجماليا ومن ناحية القيم ومن حيث السرد والحوار الذي يدور على ألسنة الأبطال ولم أغفل دور الشخصيات الثانوية في تطوير الحبكة للوصول إلى أهداف القصص بشكل واضح وإن لاح هناك تقاطعات مع الحكاية الشعبية فهو في الظاهر فقط ولا يزيد على النهل من بعض مضامينها وهو أمر لا يختلف عن النهل من كل رصيدي في القراءة من كل الآداب من  روايات وقصص ومنها قصص الأطفال فكما قيل إذا أردت أن تكون شاعرا عليك أن تحفظ ألف بيت من الشعر ثم تنساها وبعد أن تحصل لك الملكة ستنظم الشعر وليس بمجرد حفظ العروض بعلله وزحافاته ستقول شعرا فلمستي لم تكن حبيسة جنس الحكاية الشعبية بل لمستي كانت في بناء عالمي الصوري بعيدا عن الخلفيات الموروثة والقيم الماضوية العتيقة وفي ثقتي بقدرة الطفل على التحليق في أرحب فضاءات المحبة والخير والخيال إذا طوعنا له اللغة طبعا ومكناه من معجمها وأساليبها.

س: يبرز بشكل جلي الاهتمام من جانبكم باللغة  العربية الفصحى وعناصر غناها المعجمي والجمالي هل هذا الاهتمام باللغة العربية نابع من محبة للغة العربية أم أملته ضرورات واختيارات الكتابة؟

ج: لا تحتاج لتقص للطفل بلغة مكتوبة فتستعمل حينها أصوات الأشياء أو صورها وتساعده على الوصول إلى الهدف لكن لما تفكر  بأن تنقل له قصة باستقلال عنك كليا أو نسبيا لا مناص من البحث عن وسيلة لتقص له والوسيلة لن تكون سوى اللغة وكل اللغات تبقى معبرة عند الناطقين بها ولها جماليتها ومعجمها ونحن بحكم تواصلنا باللغة العربية نستشعر بعدها الجمالي ونحب جرس وموسيقى كلماتها كما قد يحب بلزاك أو فكتيور هيكو أو مولير ورامبو ودوسوتفيسكي أو سارتر لغتهم فليس هناك تمايز بين هذا وذاك  قد تترجم هذه المجموعة  رحيق الجبل على سبيل المثال إلى لغات أخرى وإذا كانت الترجمة بعين حدقة سوف تكون بلغة جميلة وبمعجم مناسب المهم أن تكون بلغة أدبية تخضع للجمالية الداخلية لأي لغة وأن تحمل القيم الكونية وتحافظ على نقاء الرؤية التي أعالجها كمؤلف ومجموعتي القصصية تنقسم إلى   قسمين قسم يروج القيم كهدف وقسم يروج بالإضافة إلى القيم معجما أرى بأنه ضروري للأطفال حتى ينمو رصيدهم اللغوي ويتسع أفقهم في التعبير عن ذاتهم وما حولهم بكل دقة وحرية.3249 عبد العزيز الگواطري

س: لننتقل مما هو خاص بتجربتكم للكتابة للطفل إلى واقع أدب الطفل كيف ترى واقع أدب الطفل وطنيا وعربيا وماهو التقييم والصورة التي يمكن وضعها من جانبكم لأدب الطفل هل هي صورة إيجابية أم صورة سلبية خصوصا في العلاقات التي تحكمه واقع القراءة والنشر والفاعليين فيه؟

ج: في العالم الثالث ينصب اهتمام الرجل أولا  بعالم أشيائه فيهتم بثوره أو جمله في المرتبة الأولى ثم يهتم بالمرأة ثانيا ويأتي الطفل في المرتبة الثالثة والأخيرة هذا الرأي هو للزعيم التركي كنت قرأته في صفحة لمجلة ما منذ 1992 عندما كنت بمركز تكوين المعلمين بميسور- بولمان بقي عالقا في ذهني من غير نصه ربما زدت فيه شيئا أو نقصت منه شيئا لكني أعتقد بأنه رأي مازال سار في واقعنا للأسف فأتا تورك أو أبو الأتراك تكلم في عصره وصنع لبلده كل شروط نهضتها الحالية لأنه كان يعرف ما يقول نحن رغم كل الحمولة التي نتكلم عنها فنحن وطنيا وفي العهد الجديد وضعنا القدم على الطريق فهناك أقلام في أدب الطفل لها باع طويل وتجارب ناجحة وتتعامل مع دور نشر وطنية وعربية وعالمية وأما عربيا لا يمكن أن نعدم الفضل لأهله في بعض الدول الرائدة عربيا ولا سيما على مستوى التشجيع ودور النشر لكن الانطلاقة الحقيقية تحتاج إلى مجهودات إلى تشجيع المؤلفين مباشرة إلى تشجيع نوادي القراءة وتشخيص وضع أدب الطفل من الجهات العليا لتضع له لبنة النهوض فنهضة أدب الطفل يترتب عليها نهوض الآداب بعامة.

س: تنشطون في العمل الجمعوي الثقافي منذ عدة سنوات كيف تقيمون تجربتكم الجمعوية في هذا المجال وما هي الخدمة والإضافة التي يمكن أن يقدمها العمل الجمعوي للإبداع عموما وأدب الطفل خصوصا؟

ج: العمل الجمعوي كان أحد الواجهات التثقيفية المضمونة المردودية التي يقبل عليها الشباب ففي الفترة التي كنت تلميذا وكان ارتيادنا دار الشباب بتاونات متنفسا ومتعة لحضور الندوات واللقاءات التي كانت تنظم هناك من جمعيات مختلفة كجمعية الأمل للثقافة وجمعية أوراش الشباب المتطوع وجمعية النادي السينمائي...  ومن هنا اكتسبت شغف الانخراط في العمل الجمعوي وفي 1997 كنت من حاملي لواء تأسيس جمعية تنموية ثقافية بالزريزر والتي يرأسها حاليا الأخ والصديق المثقف أحمد السامري وظللت منخرطا فيها وعضوا وجاءت بعدها العضوية في منتدى الوحدة للدراسات والأبحاث في العلوم الإنسانية الذي أسسه صديق الطفولة والشباب الأخ عبد العزيز بنعيش وحاليا فأنا عضو مؤسس في جمعية مقدمات للإبداع والثقافة بتاونات والتي جمعتنا بثلة من خيرة المهتمين بالفعل الإبداعي وعلى رأسهم الأخ والصديق والمثقف العضوي إبراهيم ديب وأخريات وآخرون ليس أمامي إلا أن رفع لهن ولهم القبعة فالعمل الجمعوي كما أعايشه هو رئة ومتنفس للإبداع فالمبدع في أمس الحاجة لفضاءات لتلقيح تجاربه والبوح للمهووسين بالفعل الثقافي فإذا كنت تريد شراء عطر لا محالة ستذهب إلى العطار وإذا كنت تريد أن تتنفس إبداعا فعليك بالعمل في الحقل الجمعوي وماذا يمكن أن يقدم للإبداع ولاسيما لأدب الطفل فأنا في تجربتي الأولى مع أدب الطفل وتواصلي مع الجمعيات أعطني أكثر من إرهاصات إيجابية ورغبة أكيدة في تشجيع التجربة فمدينة فتية لا تتوفر على مرافق لعرض الإبداع فجمعيات المجتمع المدني هي ذلك البديل ليرفع التحدي ويرفع التهميش ويعبر عن حرقة الإبداع والتعطش للكلمة.

كلمة أخيرة

ج: في الأخير أقدم لكم الأخ والصديق العزيز محمد العزوزي بتشكراتي على هذا الحوار وهذه الدردشة، وأتمنى لكل مهتم بمجال المستقبل مجال الإبداع الذي هو تطلع لبناء مستقبل زاهر للأجيال القادمة لأطفالنا الذين هم ثروتنا الحقيقية وهم مشروع نجاح هذا الوطن الغالي الذي لا يستسلم أبدا لهذا نقول الغد لنا الغد للإبداع للثقافة محبتي للجميع.

 

حاوره محمد العزوزي

 

علي محمد اليوسفحوار فلسفي اجراه الباحث الاستاذ مراد غريبي مع الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف


 س12: ا. مراد غريبي: ذكرت انه جرى احتدام شديد بين كلا من بيركلي وجون لوك وديفيد هيوم حول مسالة الادراك والوعي، علما ان ثلاثتهم ينتمون الى الفلسفة المنطقية المثالية التجريبية. هل من اعطاء لمحة سريعة حول الموضوع؟

ج1: ا.علي محمد اليوسف: أننا نفهم الوعي المثالي المتطرف عند كل من بيركلي وهيوم وجون لوك في أعتبارهم موضوعات العالم الخارجي الحسيّة ما هي سوى أنطباعات في الذهن وأفكار العقل المجردة، وأنكر بيركلي وجود المادة ليتبعه هيوم بتطرف أكثر في الغائه وجود العقل ونظام السببية معتبرا أياها خبرة متراكمة تجريبية يتعوّدها العقل بالتكرار المستمر ليجعل منها قانونا يحكم نظام الاشياء في العالم الخارجي والطبيعة.. ليصبح التكرار عادة وليس سببا لنتيجة.

وينتقد جون سيرل ديفيد هيوم حول مفهوم السببية بشراسة قائلا (في الفلسفة التحليلية عانت المناقشات حول مفهوم السببية تقليديا من المفهوم الهيومي – نسبة الى ديفيد هيوم – القاصر على نحو سخيف، فمن هذا المنظور التقليدي تكون السببية دائما علاقة بين أحداث منفصلة تعمم قانونا، وأما العلاقة السببية وهي العلاقة الضرورية فلا يمكن معايشتها أبدا، هذا الرأي غير كاف فنحن نعيش في بحر من السببية التي نعايشها بصورة واعية، وعلى العكس تماما في كل مرة تدرك فيها أي شيء أو تقوم بأي شيء عن قصد فانك بذلك تمارس وتشهد علاقة سببية).

والصحيح أيضا أن العقل وتحديدا وسيلته الادراكية الحواس والدماغ لا يتعامل مع مواضيع مدركاته المادية أو الخيالية الا بتجريد فكري تصوري ذهني داخل الدماغ، والحقيقة التي لا يجهلها العديدون أن النظرة او المنهج المثالي هو نفسه ينطبق عليه التفكير المادي بالاحتكام كليهما الى مرجعية العقل، فالمثالية التجريبية تعطي العقل أرجحية قصوى في الادراك، ومثلها وربما أكثر تنحو المادية في أعتمادها العقل كمنهج وحيد في المعرفة العلمية والحقيقية... أشتراك كل من الفلسفتين المادية والمثالية في مرجعية العقل في أختلاف جوهري لا يمكن طمسه أو أغفاله، فالمثالية تعتمد العقل في أنتاجه الواقع المجرد فكريا بالذهن، بينما المادية تعتمد العقل أنعكاسا للوجود المادي لعالم الاشياء في أنتاجية الفكر المتعالق جدليا مع الواقع بعرى وثيقة من الديالكتيك المتخارج بينهما..ولا وجود مادي مدرك لا يتعالق مع فكرأنساني...

لكن يبقى العقل في أي نوع من التفكير الادراكي والمعرفي بحاجة الى متعّين مادي يكون مادة خام لوعيه الادراكي يمثّل موضوعه... وهذا ما تتوفر علية الاشياء في عالم الموجودات الواقعي عبر الحواس أو عالم الموضوعات في وجودها الافتراضي المستمد من الذاكرة التخييلية الاسترجاعية وهذا يقاطع مقولة سيرل التجربة الواعية ليست موضوعا للادراك، بل هي في الواقع تجربة الادراك.

س12: ا. مراد غريبي: نود التركيز على قضية الوعي القصدي في فلسفة جون سيرل، وبماذا يختلف سيرل عن الفلاسفة الانجليز اصحاب الوضعية المنطقية التجريبية؟ وهل اعطى سيرل معان محددة لمفردات تجريدية متعالقة مع الوعي القصدي؟

ج12: ا. علي محمد اليوسف: في هذه المقولة الغامضة لسيرل (التجربة الواعية ليست موضوعا للادراك، بل هي بالواقع تجربة الادراك ) نعجز عن فهم محدّد ماذا يعني لنا الوعي، وماذا تعني لنا القصدية في السلوك؟، وماذا يعني لنا الادراك العقلي،؟ وماذا يعني لنا موضوع الادراك؟، فجميع هذه الفعاليات الادراكية وتوابعها تجمعها تلك المقولة في ما أطلق عليه سيرل (تجربة) الادراك.. التي هي ليست موضوعا للادراك فهي آلية تنفيذية مكتفية بذاتها غنيّة ان تكون موضوعا يدركه العقل.

الوعي الادراكي القصدي يحتاج الى أشباع معرفي ومادي لمدركاته لا تنفصل عن مواضيعها الادراكية من خلال التجربة الادراكية لموضوعات معرفية تختلف تماما عن أشباع القصدية لغرائز أدراكية بيولوجية مثل أشباع العطش والجوع والجنس..في هذا النوع من الادراك البيولوجي يكون الاشباع استهلاكيا بمعنى نهاية تجربة الادراك في الاشباع البيولوجي لحاجات النفس والجسم، بخلاف الاشباع الادراكي المعرفي فهو يدّخر خزينا أستراتيجيا معرفيا في الذاكرة في تجريد فكري غير مستنفد في تموضعه الادراكي..

التجربة الادراكية في المعرفة فعالية من فعاليات العقل (الدماغ) لكن موضوع الادراك هو في كل الاحوال شكل ومضمون (محتوى) لموجود متعّين في عالم الاشياء غير مرتهن وجوده بأهمية الادراك العقلي له..ولا يمكن للادراك القصدي المباشر الفصل بين محتوى الشيء ومضمونه، فالمرتبة الاولى للادراك هي في معرفة الشيء كوجود حسي ظاهراتي فينومينولوجي موّحد بصفاته البائنة الخارجية التي ربما تكون معرفتها هي معرفة ماهيّة الشيء المحتجبة خلفها.. وفي نفس المعنى تقريبا فعل منهج الفينامينالوجيا في أدراك الظواهر الخارجية فينومين والماهيات غير المدركة للوجود بذاته (نومين) وجاء هذا التمييز الذي كان تقليديا راسخا في فلسفة كانط ومن ثم في الفلسفة الوجودية لدى هوسرل تحديدا..

فأدراكنا وجود كرسي هو أدراك شخصاني أنفرادي لموضوع يتألف من شكل ومحتوى متعيّن أنطولوجيا، ولا يوجد مضمون من دون شكل يلازمه..كما لا يوجد شكل من دون مضمون يلازمه ويفصح عن ماهيته الانطولوجية كجوهر.. والادراك يكون قصديا هادفا لاشباع رغبته الفطرية الغريزية أو في الاشباع المعرفي، فأشباع غرائز فطرية عند الانسان مثل الجوع والعطش والجنس هي من باب الاشباعات البيولوجية لاهداف الادراكات القصدية، وهذه القصدية الادراكية الاشباعية أنما تكون بعفوية بيولوجية طبيعية تختلف عن قصدية الادراك المعرفي للاشياء..

فالفعاليات الادراكية القصدية الغريزية العفوية البيولوجية كما في حالات أشباع العطش والجوع والجنس وغيرها لا يكون العقل المدرك لاشباعها ملزما بتجربة أدراك قصدي هي أبعد من المتحقق الاشباعي البيولوجي لها..وتكون القصدية هنا شخصانية مكتفية ذاتيا.. وهذه تختلف عن قصدية أشباع الموضوع غير الفطري الغريزي في الالمام بتفسيره كمعرفة خالصة تبغي معرفة الشيء المدرك بخصائصه البائنة أوماهيته المحتجبة لما يجعله العقل خزينا معرفيا أستراتيجيا في الذاكرة.. ويختلف الوعي بحقائق الموجودات في ألادراك المعرفي عنه في الاشباع البيولوجي وفي هذا النوع من القصدية المعرفية (لا يكون الوعي بالشيء وعيا حقيقيا ألا بمقارنته الشخصانية الفردية بغيره من حالات الوعي الاخرى كجزء من الوعي الشخصاني الكلّي) وهذا لا يتم بغير أعتماد الخزين المعرفي الاستراتيجي في الذاكرة التي هي بنك المعلومات المكتسبة بالخبرة العقلية والتجربة... فقد تكون موضوعات الوعي هي أدراكات تتم في الذهن والخيال ألاسترجاعي من الذاكرة ولا يقابلها وجود متعيّن وحضورموضوعي في عالم الاشياء (وتمثل الاحلام شكلا من اشكال الوعي المختلف تماما عنه في حالات اليقظة ) أي ألادراك في موضوعات الخيال المستمد من الذاكرة جميعها تعتمد الشعور المسيطر عليه عقليا بينما لا يكون الشعور ساكنا حضوريا في الاحلام لذا يكون الادراك الحلمي اللاشعوري تداعيات متقطعة لا ينتظمها أدراك تحسّسي مترابط ولا زمن تنظيمي لها..

س13: ا.مراد غريبي: نحن لا زلنا نرغب معرفة فلسفة الوعي التي اشتهر بها جون سيرل عالميا كفيلسوف العقل واللغة والوعي، ما هي خصائص الوعي القصدي في فلسفته خاصة تعتبر من انضج المباحث الفلسفية التي تدرسها الجامعات الامريكية؟

ج13: ا. علي محمد اليوسف: سوف استعين بالاجابة عن السؤال بما كنت كتبته في احدى مقالاتي المنشورة وتعقيبي عليها. اقصد خصائص الوعي القصدي عند جون سيرل وهي:

- (الوعي حقيقي غير قابل للاختزال). بمعنى غير قابل للقفز من فوق آليات السياق الادراكي الذي يبدأ بالحواس ولا ينتهي بالدماغ والجملة العصبية..

- (الوعي نوعي.) بمعنى هناك نوعية تجريبية لكل حالة واعية، والوعي شخصاني أنطولوجي لا تتم معايشته ألا من قبل موضوع بشري أو حيواني..

- (جميع ملامح الوعي ناتجة من دون أستثناء عن عمليات بيولوجية – عصبونية داخل الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي.) (لاتعليق)

- (الوعي القصدي المعروف الوحيد هو الموجود في الجهاز العصبي للانسان او الحيوان)..(لاتعليق)

- (تجربة الوعي الادراكي القصدية النوعية الشخصانية بكاملها هي جزء من مجال وعي ادراكي كلي). بمعنى أشتراك أكثر من حاسة واحدة في تجربة الادراك من جهة، وكل تجربة شخصانية تعتبر محدودة بالنسبة لتجارب لا حصر لها من أدراكات وعي كلي متنوع بتعدد موضوعاته من جنبة أخرى.

- (مضمون الوعي مضمون الوعي القصدي يفيد معنى شروط الاشباع) بمعنى غاية وهدفية الادراك هو أشباع الرغبة في تحريك القصد نحوتحقيق غاية محددة يتوجب بلوغها..والوعي القصدي وعي هادف يتحدد بالذهن سلفا..

س14: ا. مراد غريبي: كيف يتحدد الادراك بضوء تجربة الوعي في فلسفة جون سيرل؟

ج14: ا. علي محمد اليوسف: يأخذ سيرل على الفيلسوف أ.ج. آير صاحب كتاب (اسس المعرفة التجريبية) في معرض بناء حجته على آراء مستمدة من هيوم بأن ما ندركه هو بيانات حسيّة .. ليطرح سيرل بضوء ذلك تساؤله:ما الموضوع الذي نحن واعون به مباشرة في حالة الادراك اذا لم يكن جزءا من أي شيء مادي؟ طبعا هنا كان تركيز سيرل على الادراك والوعي القصدي الناتج عن رغبة الاشباع المعرفي التي تفترض سلفا تحقق الوجود الانطولوجي لمواضيع العالم الخارجي للاشياء كمجال أدراكي واقعي، وأغفل أمكانية قيام الادراك على غير متعيّن مادي يحضر كموضوع كما ألمحنا له سابقا، فالعقل يقوم بفعل الادراك القصدي في معالجته مواضيع أدراكية غير مادية مستمدة من الذاكرة التخييلية الى جانب أدراكه مواضيع الواقع المادي الحسية، ولا وجود في حالة الادراك القصدي التخييلي شرطا لموضوع يكون جزءا من شيء مادي كما في رغبة سيرل في عبارته السابقة..ليس شرطا أن يكون الوعي الادراكي بموضوع يمّثل جزءا من واقع مادي حصرا، فالخيال الادراكي يستطيع التعامل مع موضوعات لا وجود لعلاقة أنطولوجية لها تربطها بحواس الادراك ..

ينقل جون سيرل عن الفيلسوف الامريكي (الفا نوي ) في مقال لهذا الاخير بعنوان (تجربة من دون رأس) الى أن الوعي الادراكي القصدي يمكن أن يتم خارج الدماغ، موضحا قوله (أن تجربتنا في الوعي غير معتمدة فقط على ما يتمّثل في أدمغتنا، بل يعتمد على تفاعلات دينامية بين أقطاب الوعي – الدماغ - والجسم - والبيئة) .

الوعي القصدي عند سيرل يشمل جميع حالات الذهن ولا ينفك عنها، حتى أنه يرى في تصّور حالة ذهنية غير واعية، عبارة متناقضة ذاتيا، وبحسب رأيه الوجود مادة صماء فمن أين يأتي الوعي؟ ويرى أن الوعي لا بل العقل كله واقعة بيولوجية مادية بالكامل وهو المذهب المعروف بالطبيعانية البيولوجية..

نلاحظ للمرة الثانية سيرل يكرر فهمه الفلسفي أن موضوع الادراك القصدي هو المتعّين أنطولوجيا في عالم الاشياء فقط، وقد قمنا توضيح هذه المسألة في سطور سابقة من هذه الورقة البحثية في المحاورة..لكن مقولة الفانوي ممكن حدوث وعي خارج الدماغ تحتاج حجة إثبات قوية باعتقادي.

س15: ا.مراد غريبي: ما علاقة الوعي القصدي باللغة؟ وهل لك تعقيبا اضافيا حول هذا المبحث عند جون سيرل. باعتباره فيلسوف العقل واللغة؟

ج15: ا.علي محمد اليوسف: ابرز فيلسوف معاصر اهتم بالعلاقة الثلاثية التي تربط العقل والوعي واللغة في توليفة فلسفية واحدة هو جون سيرل بلا منازع. وسعى سيرل الى اكتشاف طبيعة الارتباط بين اللغة والعقل فهما يتوّجهان الى أدراك الاشياء معا، فيتمّثل العقل الشيء ويقصده بالتزامن مع أستحضار لغة التعبير فيه، تزامنا يكاد يكون آنيا،، ويطرح سيرل بهذا المعنى سؤالا لمن تكون الاسبقية للعقل أم للغة؟ ويجيب على تساؤله عن الاسبقية للعقل مؤكدا وجهة نظره التي ضمنها مقدمة كتابه (القصدية) حيث جاء في فلسفة العقل من الكتاب المنشور عام 1983، أن الافتراض الاساسي القائم وراء تناولي لمشكلات اللغة هو أن فلسفة اللغة هي فرع من فلسفة العقل.. وهي نظرية صادقة تحمل حقيقتها المقنعة تماما.

ويطلق سيرل على أن الهلوسة الادراكية (الواعية) لا تمتلك موضوعا من أيّ نوع كان، وتعقيبنا أن هلاوس الادراكات غير (واعية) تماما بموضوعها وليس كما ورد أنها (واعية) في أمتلاكها مضمونا ولا هي تمتلك موضوعا، ويتعّذّر التفكير في وعي أدراكي لا يحمل موضوعه المتعيّن كمادة أدراكه الملازمة له، ولا يشترط في موضوع الادراك أن يكون متعينا أنطولوجيا بل من الممكن أن يكون الموضوع مستحدثا من الذاكرة الاسترجاعية، وبخلاف الهلاوس غير المنتجة تكون أدراكات الاسترجاعات التذكرّية واعية تحمل موضوعها معها في ملازمة تخليق الادراكات المجردة في الذهن.. وحالة الادراكات الهلاوسية تكون حالة من تداعيات الصور الذهنية المرتبطة الدلالة بغيرموضوع واحد محدد، وتجارب الهلوسات الادراكية التي لا تحمل موضوعها الادراكي معها بوعي كاف لا تعبّر عن تجربة واقعية من الممكن تصديق حدوثها الواقعي..والا كيف لنا تعليل سلسلة الادراكات التي يمتزج بها اللاشعور الهلاوسي مع الوعي الشعوري التام باكثر من موضوع تخييلي كما نجده في معظم الابداعات الفنية والادبية وبالتحديد في الشعر؟؟ ففي مثالنا هذا لا نستطيع القطع أن تلك التجارب الادراكية هي من نوع الهلاوس غير المنتجة التي تفتقد موضوعها..بل هي تمتلك موضوعها بكل جدارة وأستحقاق.

س16: ا.مراد غريبي محور هذه الحلقة كان حول موضوعة الوعي القصدي هل تتوفر على تلخيص شامل لمبحث الوعي بضوء فلسفة جون سيرل نختم به هذا المحور من الحوار؟

ج16: ا.علي محمد اليوسف: تعودت كما اخبرتك في محاور سابقة اني اتبع منهجا نقديا لا احيد عنه، وهو المنهج المادي لا اسميه الجدلي في المعرفة، ورغم صرامة وانضباطية طرح جون سيرل الفلسفي حول اشكالية فلسفية مزمنة تجنب الخوض بها غالبية الفلاسفة الا اني اجد في طرح سيرل ثغرات ساتناولها بالتعقيب النقدي الموضوعي ارجو التوفيق به.

يذهب سيرل أن الوعي الادراكي القصدي ظاهرة بيولوجية، أي أنه وعي شخصاني نوعي أنطولوجيا وهو جزء من مجال وعي كلي شامل. هنا بضوء هذا التعريف يجب التفريق بين موضوع الادراك المعرفي الذي لا يشترط حسب فهمنا أن يكون أشباعا بيولوجيا كما في مثال الاشباع الغريزي الجنسي والجوع والعطش وغيرها، وبين الموضوع المدرك في الوعي القصدي في مجال المعرفة والسعي لاكتسابها.. الذي يكون أدراكا نوعيا يخص بيولوجيا الانسان كركن أساس تحديدا في أكتسابه المعرفة شخصانيا.. فهوأدراك بيولوجي على مستوى الشخص المدرك للاشياء وليس بيولوجيا على مستوى موضوع أدراكه..ومواضيع الادراك القصدي نوعين موضوع أدراك معرفي، وموضوع أدراك غريزي فطري..وكلاهما يشكلان هدفين متمايزين لتجربة الادراك في أشباعهما...

ينطلق سيرل من نظرة أحادية فينامينالوجية في الادراك، تقوم على مرتكز محوري أن موضوع الادراك هو المتعيّن أنطولوجيا في عالم الاشياء المادية فقط، ويهمل الادراكات الفكرية التي يكون منشؤها الذاكرة الاسترجاعية في أدراك موضوعاتها الخيالية، ولا يناقشها في صفحات كتابه الموسوم (رؤية الاشياء كما هي) كفعالية أدراكية لا يمكن أهمالها..وعنوان كتابه رؤية الاشياء على صعوبته الفلسفية المعقدة.. أنما تقوم في تركيزه على المدركات الحسّية في الواقع فقط..علما أن مدركات مواضيع الادراك المستمد من الذاكرة أنما تنتج عنها جميع ضروب الابداع في الادب والفكر والثقافة والفنون وجميعها أدراكات قصدية حيوية في حياتنا وهكذا..

يحدد سيرل أن محددات أي أدراك قصدي تتألف من ثلاثة عناصر فقط يؤكد عليها هي المدرك (بكسر الراء) أي الشخص، وثانيا موضوعه، أي موضوع الادراك، وثالثا حاسّة الابصار العين، التي تكون البداية منها في أستقبالها ضوء الشيء المدرك الصادر منه، أي ضوء الموضوع المنبعث منه في تجربة الادراك الساقط على شبكية العين.. ولا نعرف أهمية الادراكات الناجمة عن بقية الحواس عند الانسان كالسمع واللمس والتذوق والشم فجميعها تعتبر مصادر الاحساسات الاولية في عمليات الادراكات لم يعرها سيرل أهتمامه..كما لم يعر أنتباها الى الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي الفاعل في أتمام عمليات الادراكات..ركّز كثيرا على أهمية العين فقط في تجربة الوعي الادراكي المادي..وعنونة الكتاب هو (رؤية) بمعنى الابصار في العين وعلاقتها بالوعي الادراكي القصدي فقط هو محتوى الكتاب كاملا...

ورد على لسان سيرل أن علاقة الادراك في الهلوسة لا تنطبق على حالات الادراك الحقيقي السليم، كون أدراكات الهلاوس لا تمتلك موضوعا حتى وأن أمتلكت (وعيا) أدراكيا في مضمون متعيّن أدراكا، وناقشنا هذا الغموض في أسطر سابقة، فالوعي القصدي في أدراكات الهلاوس لا يمتلك وعيا مثمرا لكنه لا يعدم أمتلاكه موضوعات أدراكية لا يشترط أن تكون مستمدة انطولوجيا من واقع الاشياء بل يمكن أن تكون مواضيع الادراك الهلاوسي منطلقها تداعيات الفكر الصادرعن الذاكرة والمخيلة اللاشعورية التفكيرية غير المنظمّة لغويا...والوعي هو وعي بموضوع يتألف من شكل ومضمون ولا وعي من غير موضوع يدركه، لكن الموضوع المستقل لا يشترط بالوعي ملازما له..

لكي يقوم سيرل في تأكيد رغبته أن أدراكات الهلوسة السيئة لا تمتلك (موضوعا) وقد تمتلك (مضمونا)، الى التفريق بين الموضوع ومضمونه في تجربتي الادراك الحقيقية والسيئة أي بين تجربة الادراك السليم وتجربة الهلوسة، وهذا التفريق لا يلغي ولا يلعب دورا حاسما بين التجربتين ويعبّر عن هذه الاشكالية المفتعلة قوله (في التجربتين – يقصد الحقيقية والهلاوسية - يتكرر لدينا نفس الموضوع القصدي بالضبط ولكن في وجود موضوع قصدي في أحدى الحالتين فقط دون الاخرى ) .

لا نعتقد العبارة سليمة من ناحية ترابط المعنى في خلوّها من التناقض بمعنى توفر الموضوع القصدي في التجربة الحقيقية وأنعدامها في تجربة ألهلوسة حتى وأن أمتلكت مضمونا وليس موضوعا.. علما أن عبارة سيرل تشي باشتراك التجربتين في أدراكهما موضوعا واحدا....كما لا يمكن أستساغة التفريق بين الموضوع ومضمونه في تجربة الادراك الخطأ الذي زرعته الفينامينالوجيا في تكريسها ثنائية أدراك الظاهراتية هذا وأستحالة أدراك النومين ذاك، عندما فصل منهج الفينامينالوجيا أدراك الاشياء في ظاهرياتها البائنة عنها في عدم أمكانية أدراك ومعرفة ماهياتها التي كان رسّخها كانط قبل هوسرل..، وفي العودة الى علاقة شكل الموضوع مع مضمونه نرى أستحالة أدراك مضمون متحرر عن موضوعه في (شكل) أنطولوجي يمكن أدراكه منفصلا غير متعالق بموضوعه، فالمضمون هو محتوى ملازم لموضوع محدد في شكل..وأدراك موضوع كشكل أنطولوجي لا ينفصل عن مضمونه حتى وأن لم يدرك المضمون مباشرة كماهية أو جوهر..ولا يمكننا تصورأدراك مضمون بلا شكل وموضوع يؤطرهما..ما يدرك كموضوع يدرك وحدة واحدة شكلا ومحتوى والثالث مرفوع على حد تعبير الفلاسفة..

يطرح سيرل تساؤلا أشكاليا صعبا، يذهب الى تدعيم صحته وصوابه كلا من فلاسفة الشكيّة التقليديين ديكارت وبيركلي وهيوم ولوك وكانط، هو أن كل ما يمكننا أدراكه هو تمثّلات تجاربنا الشخصية الفردانية صوريا عن الواقع، فهل يمكننا تعميم حقيقة مدركاتنا على الجانب الأخر(مجموع الاخرين) .

لن نأخذ بتفنيد سيرل لهذا الادعاء لأن تفنيده يقوم على حجّة أشكالية قوامها مرتكز حاسة البصر (العين) في التجربة الادراكية عنده فقط أي لا يفند سيرل رأي فلاسفة التجريبية المنطقية المثالية بمنطق فلسفي في حين نجد هناك أجماعا على حقيقة ثابتة لا يمكننا العبور من فوقها هي لا تتمكن الحواس من أدراك الاشياء على حقيقتها بصورة كاملة، كما لا يمكن للعقل تكوين أفكاره عن مدركاتنا كحقيقة قاطعة، وتبقى على الدوام أدراكاتنا ناقصة في معرفة العالم وهو ما ينطبق على حاسة البصر العين .. من جهة أخرى سحب سيرل التساؤل المار ذكره الى مضمار التعبير اللغوي الالتباسي المعقد كما يطرحه فينجشتين، وهذا ما لا يعتمده فلاسفة الشكيّة الكلاسيكية بدءا من ديكارت وليس أنتهاءا بفلاسفة التحليلية الانجليزية جورج مور وبراتراندرسل وايتهيد، كارناب من حيث أن الحواس خادعة ولا تحمل أكثر من نصف الحقيقة على الدوام كما هي اللغة أيضا خادعة ومخاتلة ومعرفة الواقع على حقيقته أمر غير متيّسرلا بالادراك ولا بتعبير اللغة...

كذلك فأن مخاتلة اللغة تنسحب على التعبير عن التجربة الفردية كما تنسحب على تعبير الادراكات الجماعية أيضا ولا منجاة لأحد مما يعرف بخيانة اللغة...التجربة الحقيقية في الادراك الشخصاني يمكننا تعميم بعض أستنتاجاتها، من حيث أن مواضيع الادراك في غالبيتها تكون متعّينات أدراكية ثابتة أنطولوجيا تقريبا، بينما يكون الادراك الذاتي متغيّرا ومتعددا بالنسبة لموضوع وجوده في حكم الادراك الثابت أو ظاهرة تتسم بالثبات النسبي، وكذلك فالادراك الفردي لا يتوّصل الى حقائق علمية قاطعة بل الادراك قسمة مشاعة أمام الجميع في ممارستها ضمن الامكانيات المتعددة في تنوع ألادراكات الشخصانية لتحقيق حالة الاشباع القصدي، عليه تكون نتائج الاستدلال الادراكي لا تلزم غير صاحب التجربة من الأخذ بها لدى أصحاب زوايا رصد متباينة أخرى..يوجد تفاوت أدراكي بين شخص وآخر لكن لا يوجد تفاوت في أدراكنا حقيقة الوجود يسبق أدراكاتنا الفكرية عنه..مما يجعل أمكانية الخطأ الجمعي متراجعا في أدراك الموضوع الواحد..

جون روجرز سيرل: فيلسوف امريكي ولد عام 1932 ويشغل ألآن درجة أستاذ فخري في فلسفة العقل واللغة، وأستاذ طلبة الدراسات العليا في جامعة بيركلي – كالفورنيا، معروف على نطاق واسع في مساهماته في فلسفة اللغة والعقل والفلسفة الاجتماعية، بدأ التدريس في جامعة بيركلي عام 1959..

انتهى

 

 

2916 علي اليوسف ومراد غريبيحوار فلسفي اجراه الباحث الاستاذ مراد غريبي مع الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف

س1: مراد غريبي: في احدى مقالاتك الفلسفية تساءلت هل الوعي مادة؟ ما توضيحك الاجابة على هذا التساؤل.؟

ا. علي محمد اليوسف: هل الوعي يمتلك خواص المادة مثل الحركة والإمتداد والأبعاد ألثلاثة الطول والعرض والارتفاع واضاف انشتاين البعد الرابع الزمن؟ وهل تمتلك المادة خاصية التفكير الواعي منفردة على خلاف خاصية تفكير الوعي في تعبير اللغة عن مدركات العقل المادية ؟ هل المادة عقل مفكر ذاتيا يعي تفكيره؟ وهل الفكر جوهر مادي مستقل عن منظومة العقل المتعالقة بإدرك الموجودات؟ وبأي وسيلة تعبير تمتلك المادة الإفصاح الإستدلالي عن وجودها الانطولوجي دونما إدراك الوعي العقلي لها في غيردلالة اللغة؟. (نقصد بالمادة هنا كل موجود غير عاقل يمتلك صفات وماهية المادة كمتعّين أنطولوجيا يدركه العقل الانساني ولا يدرك هو العقل).

لقد "وضع هوبز النزعة الآلية في الإمتداد، وأضاف جوهرا آخر للمادة هو التفكير لكي يفسح في المجال لوعي الانسان الذاتي، وجعل من هذين الجوهرين – يقصد المادة والوعي -  يعتمدان على الله " .

س2. مراد غريبي: اذن بماذا تحدد انت الاجابة على التساؤلات التي طرحتها؟.

ا. علي محمد اليوسف: الوعي ليس مادة بالمعنى الحسّي المتعين أنطولوجيا بل هو ادراك معبّر عنها، وصفات ألإمتداد والحركة الآلية في المادة لا غبار عليها،والوعي لا يمتلك خواص المادة ولا صفاتها بإستقلالية عن منظومة العقل الإدراكية من ضمنها تعبير اللغة، ولكي يكون الوعي متعّينا مدركا أنما يكون في إمتلاكه قابلية التحول من موضوع لافيزيائي الى لغة تعبيرفيزيائي في التفكير بشيء مادي أو بموضوع خيالي.وإلا أصبح الوعي من إفصاحات النفس تجريدا التي هي ليست موضوعا مدركا بإستقلالية عن العقل.بل النفس مفهوم سلوكي بتعبيرلغة العقل عنه. بمعنى لكي يكون الوعي موضوعا مدركا عقليا علينا ربطه باللغة في موضعتهما ألاشياء التي يعبرّان عنها. وبغير تلازم الوعي مع لغة التعبير لا يبقى وجود له في عالم الموجودات الخارجية في التعبير اللغوي المتموضع معه الوعي في كل شيء يدركه العقل بوعيه فيه وتعبير اللغة عنه. وبغير هذا التلازم بين الوعي واللغة وبين الوعي والعقل يكون الوعي صمتا تفكيريا بألذهن داخليا استبطانيا فقط. بعبارة ثانية الوعي هو تموضع لغوي صامت في التعبيرخارجيا عن مدركات العقل، واللغة تموضع إفصاحي عن مواضيع إدراك الوعي لها. الوعي حلقة ضرورية داخل منظومة ألإدراك العقلي لا يمتاز بخصائص المادة ولا يمتلك خاصية أن يكون موضوعا تجريديا أو ماديا يدركه العقل.

س3: ا. مراد الغريبي: كيف يكون الربط بين علاقة تجريد كلا من الوعي واللغة ببايلوجيا العقل؟

ا. علي محمد اليوسف: الوعي حلقة تجريد يمتاز بها العقل ويمارسها وسيلة تجريد معرفية شأنه شأن اللغة، وليس الوعي جوهرا ماديا مستقلا ذاتيا ايضا. فكلاهما الوعي واللغة حلقتان تجريديتان في منظومة العقل الإدراكية. وكما لا يستطيع العقل جعل اللغة موضوعا مستقلا في إدراكه لها دونما أن تكون اللغة تعبيرا عن موضوع مدرك، وكذا يعجز العقل أن يجعل من الوعي موضوعا يدركه بإستقلالية لوحده خارج منظومة الإدراك. الوعي أو اللغة تجريدان تعبيران يرتبطان بعملية الإدراك العقلي ولا قيمة لهما في إستقلاليتهما عن موضوع مدرك. بمعنى لا يمكن للعقل أن يدرك الوعي أو اللغة تجريدان مستقلان من غير تعالقهما بمعنى قصدي يلازمهما.

ولا يكون الوعي موضوعا مستقلا لإدراك العقل له، فالوعي شأنه شأن الزمن ليس موضوعا لإدراك العقل بل وسيلة إدراكه لمواضيعه، كذلك اللغة هي تجريد تعبيري للعقل لكنها ليست موضوعا مستقلا في إمكانية إدراكها مجردة عن موضوع يلازمها، وعندما نفكر بشيء ما أو موضوع ما فنحن نفكر به لغويا تجريديا –  وتموضعيا ماديا، أي بمقدار ما تكون اللغة تجريدا في تعبيرها الفكري عن الاشياء بمقدار ما تكون جزءا متموضعا ماديا في التعبير عن تلك الاشياء كموجودات تحمل لغة إفصاحاتها معها.. اللغة ليست خاصية الفكر التجريدي في التعبير فقط بل هي لغة تمثل جزءا متموضعا في كل شيء يدركه العقل. اللغة ليست إدراكا تجريديا فقط وإنما هي صفة ملازمة للاشياء التي يدركها العقل ليس بلغته بل في إكتشافه تموضع اللغة بها ويقرأها العقل وعيا تجريديا لغويا في انطولوجيا الموجودات المدركة..

وحينما يدرك الوعي العقلي المادة كتجريد لغوي فهو يكتسب خصائص الموضوع المادي المدرك المنفرد بلغة الذهن الصامت. بمعنى الوعي لا يكون ماديا حسّيا في تعبيره اللغوي عن الاشياء وأنما يبقى الوعي تجسيدا لغويا تجريديا في التعبير عن مدركات العقل المادية والخيالية. الوعي أكثر تجريدا صامتا من تجريد اللغة الصامتة والإفصاحية معا، كون الوعي فهم معرفي صامت وليس تعبيرا إدراكيا تصوريا مثل اللغة يمكن معرفته من خلال تعبيره عن موضوعه الذي يجري التفكير فيه ويعيه العقل.. وفي كل هذه الخصائص التي نتصورها خطأ أنها مستقلة عن بعضها في الوعي واللغة إلا أن حقيقتهما البايولوجية جوهران ينتظمهما ألإدراك العقلي.

وحينما يعي الوعي ذاته بمعنى حينما يعي الانسان وعيه  لذاته فهذا لايخرج عن أصل التعبير في معنى مرادف هو إدراك العقل لذاته كموضوع الذي هو ماهية الانسان الفردية التي لايدركها سوى صاحبها، في مطابقة الوعي المجرد مع كينونة العقل الفيزيائية التجريدية لغويا في تعبيره عن مدركاته وفي تعبيره الواعي عن كينونته الذاتية. وفي كلتا الحالتين لا يكون الوعي موضوعا منفصلا لإدراك العقل بل وسيلة إستدلالية له في معرفته الاشياء. الوعي لغة عقلية صامتة واللغة وعي ناطق في تعبيرات العقل عن مدركاته.

س4: ا. مراد غريبي: هل تجد هناك موضعة تكوينية للوعي في المادة المدركة؟

ا. علي محمد اليوسف: ليس هناك من علاقة إدراكية حسّية ولا حتى علاقة تخييلية ميتافيزيقية، تربط بين (المادة والوعي) في أمتلاكهما خاصية الحركة والامتداد والأبعاد الثلاثة لكل مادة . فالمادة والوعي جوهرين متكاملين في وظيفة الإدراك العقلي لكنهما جوهرين منفصلين كموضوعين في إدراك العقل لهما كماهيتين منفصلتين. ولا يمتلكان(المادة والوعي) الإستقلالية التأهيلية الإنفصالية أحدهما عن الآخر ليدخلا في علاقة معرفية وإدراكية مع الله كما ذهب له هوبز. إختلاف المادة عن الوعي أنها تمتلك صفاتها الانطولوجية كمتعيّن مادي يدركه العقل، وهذا ما لا ينطبق على الوعي كونه غير مادة لذا فهو ليس موضوعا مستقلا في إدراك العقل له.فأينما وجدت المادة وجد الوعي الملازم لها في إمكانية إدراكها. وهناك فرق جوهري كبير بينهما سبق لي ذكره هو أن المادة تكون موضوعا للعقل بينما لا يكون الوعي موضوعا مدركا للعقل، لذا فالحركة والامتداد والأبعاد الطول والعرض والارتفاع والزمن ألإدراكي لها هي صفات للمادة فقط ولا تكون صفات ماهوية أو خصائصية للوعي الذي هو تجريد لا مادي حاله حال اللغة والزمن كمفهوم مطلق في تعبيره عن الشيء وهو ليس جزءا مدركا يلازمه.

التفكير ليس آلية خاصية تمتلكها المادة أية مادة، فالمادة لا تفكر نتيجة الوعي الإدراكي العقلي لها الذي هو جوهر لغوي تجريدي لا مادي، بل الوعي ينوب عن لغة تفكيرالعقل في موضعته الاشياء المادية ويبقى إدراك اللغة المتموضعة بالشيء تجريدا تفكيريا للعقل وتبقى المادة وجودا أنطولوجيا في ذلك الإدراك مستقلة وجودا. بمعنى لا توجد خصائص معينة تجمع المادة بالوعي على أنهما جوهرين غير منفصلين وليسا جوهرين متداخلين داخل منظومة العقل الإدراكية الواحدة.

س5: ا. مراد غريبي: هل تنطبق صفات المادة التمدد والحركة والتقلص على الوعي ايضا مع فارق التجريد بينهما في تعبير اللغة عنهما؟

ا. علي محمد اليوسف: صفتا الحركة والامتداد اللتان تمتلكهما المادة كجوهر، لا يمتلكهما الوعي كتفكير مجرد في تعبير اللغة عن مدركات العقل إلا فقط بإرتباط الوعي بموضوعه المادي ويكتسب منه الحركة والإمتداد بتجريد منفصل عنه.. وهنا يكون الوعي الملازم لإدراك الشيئ في مجمل تحولاته وتغييراته هو (زمن) إدراكي ملازم للشيء بفارق أن الوعي زمن مفارق لموضوعه بعد الإدراك العقلي له بخلاف الزمن الذي يلازم الموجودات ولا ينفصل عنها إلا بوسيلة واحدة حينما يكف العقل عن إدراك شيء يكون إستغنائه عن زمن إدراك ذلك الشيء قائما بالإنفصال عن العقل وليس بالإنفصال الزمني عن الموجودات المادية، الزمن ملازم دائم للاشياء فكل مدرك مكانا هو مدرك زمانا وبغير هذا التعالق الزمكاني لا يقوم العقل بوظيفة إدراكه الاشياء، ولا يكون الزمن ملازما العقل الا وقت حاجته إدراك الاشياء، لذا فالانسان يكون متحررا من سطوة الزمن الإدراكي عليه في حالة اللاشعور وفي أثناء النوم.

وعندما نؤشر على وجود شيء أنما يكون تأشيرنا مرادفا متعالقا مع زمن إدراكنا له، في حضور الوعي معه زمنيا إدراكيا. الوعي بالشيء مرتهن بملازمة زمن الإدراك لذلك الشيء،  والزمن  يلازم العقل في حضوره الإدراكي فقط ويلازم الشيء مكانا في كل الحالات وجميع الإنتقالات والسيرورة والحركات. وجود الشيء هو زمن وجوده الانطولوجي، بينما الوعي تعبير لغوي صامت لا علاقة مركزية دائمية تربطه بالتبعية بالشيء المدرك خارج تبعيته لمنظومة العقل الإدراكية..

أما أن يكون الوعي منفردا بأستقلالية  كجوهر ميزته حركة أمتدادية في الاشياء فهذا ما لا يقبله علم وظائف وفسلجة الاعضاء كون الوعي هو حلقة غير منظورة ولا محسوسة ولا تمتلك إستقلالية تفكيرية دونما إرتباطها بمنظومة العقل الإدراكية في معرفة الاشياء والتعبير لغويا تجريديا عنها.. فالوعي يبقى حلقة تجريدية تفكيرية لا مادية يتوسط الحواس والذهن ولا يمتلك الاستقلالية ولا قابلية أن يكون موضوعا مدركا انطولوجيا متعينا بأبعاد المادة مثل الحجم والكتلة والارتفاع والطول والعرض وحالات المادة الصلابة السيولة والغازية وغيرها من خصائص مادية ممكن إدراكها بالحواس.

س6: ا. مراد غريبي: ما علاقة الوعي الذاتي بالمادة؟ وهل الوعي تخليق عقلي ام تخليق انطباعات الحواس؟

ا. علي اليوسف: علاقة الوعي بالمادة علاقة ادراكية هي من تخليق الدماغ وليست من تخليق الحواس. الوعي ليس انطباعات مصدرها الحواس في علاقة ارتباطها بالذهن، بل الوعي ناتج ردود الافعال الارادية التي يصدرها الدماغ في تفسيره لمدركات الحواس.

والوعي الذاتي هو وعي العقل لكينونته الأنوية المرتبطة بفيزياء الجسم وليس الوعي المرتبط بموضوعه المادي خارجيا في تجريده اللغوي الذي هو خاصية الوعي المجرد وليس خاصية المادة كموجود أنطولوجي شيئي. وعي الذات يختلف جوهريا عن وعي الأشياء والموجودات الخارجية والمحيط.

الوعي الذاتي هو جزء إدراكي في لغة تفكير العقل فهو يعي ذاته والمواضيع الخارجية لكنه لا يكون موضوعا لذاته الذي هو تفكير العقل، أي لا يكون الوعي موضوعا مستقلا لتفكير العقل به، إلا في إرتباطه كحلقة في منظومة الإدراك العقلي، أي الوعي جوهر مجرد لامادي ويكتسب ماديته الخصائصية غير الجوهرية من المادة التي يعيها في تعبير اللغة عنها... فالوعي جوهر تفكيري صامت ويكون فكرا لغويا تعبيريا عن ذاتيته وعن مدركات العقل المادية بتعبير اللغة عن الاشياء خارجيا. الوعي هو تفكير العقل اللغوي الصامت.

س7: ا. مراد غريبي: قام سبينوزا كي ينسجم مع فلسفته في وحدة الوجود بشخصنة ذات الخالق ماهية وصفات بوحدة موجوداته الموزّعة على الطبيعة والانسان والكائنات وكل ما يقع تحت طائلة الإدراك العقلي، معتبرا كل هذه الاشياء تفقد فرادتها "كونها تمثل جوهرا واحدا هو الله. الذي يكون الفكر والإمتداد مجرد صفتين له." ما تعليقك على ذلك؟

ا. علي محمد اليوسف: في تعبير سبينوزا الذي ذكرته نجده يشخصن الله ماديا طبيعيا في وحدة موجوداته الموزعة في الطبيعة والانسان والكائنات وكل الموجودات التي يطالها العقل بالإدراك، وهذه الشخصنة عند سبينوزا مادية وليست روحانية كما نجده عند الصوفية الدينية في شخصنتها الذات الإلهية روحانيا ميتافيزيقيا على عكس من شخصنة سبينوزا الذات الإلهية ماديا طبيعيا، وبذلك جعل الله يتحكم في موجوداته المخلوقة بقوانين الطبيعة التي ندركها نحن ولا يمتلك هو- الله -  قوانينه الخاصة به في قدرته تجاوز كل قوانين الطبيعة وكل معجزات الانبياء وهذا خطأ مريع في أن يكون ما هو خارج قوانين الطبيعة لا يمثّل القدرة الإلهية المعجزة في أعتبار قوانين الطبيعة والموجودات ومعجزات الانبياء لا تقف عند حدود الإعجاز الإلهي مثلما يقف أمامها عجز الإدراك الانساني لها. ولم يكن سبينوزا موفقا في تعبيراته شخصنة ذات الخالق في إمتلاكه صفتين هما (الفكر والامتداد) اللتين هما صفتين ماديتين تحكم الموجودات الطبيعية في قابلية الحركة بإستثناء الانسان الذي يمتلك الفكر الذي لا تمتلكه بقية الكائنات. من الخطأ تصنيف مذهب وحدة الوجود عند سبينوزا في تشييئه الذات الإلهية انه يلتقي الصوفية الدينية التي تقوم ايضا على تذويت الذات الالهية وشخصنتها بإستقلالية عابرة للطبيعة وقوانينها الثابتة المحكومة بها من ضمنها الانسان.

سبينوزا فيلسوف ليس صوفيا ماديا ولا صوفيا دينيا ميتافيزيقيا. ومذهب وحدة الوجود لا يبيح للصوفية الدينية تذويت الخالق بمخلوقاته في الطبيعة . سبينوزا في مذهب وحدة الوجود أراد تخليص اللاهوت المسيحي واليهودي على السواء من تذويت الخالق ميتافيزيقيا غيبيا بالإنصراف الى تذويته ماديا من خلال الاحساس المباشر بأعجاز مخلوقاته في الطبيعة وهذا ما لا تقر به الصوفية الدينية التي لا تعمل بمذهب وحدة الوجود من منطلق تذويت الذات الإلهية من خلال الماديات والاشياء والظواهر الموزعة بالطبيعة. بل من خلال تذويت الذات الالهية بروحانية نورانية لا علاقة لأي شيء مادي محسوس بها.

بمعنى لا تمتلك المادة خاصية الفكر بأستثناء أمتلاك عقل الانسان قابلية التفكير اذا ما أعتبرنا العقل تكوينا فيزيائيا يرتبط في جسم الانسان جزءا عضويا منه ويمتلك ملكة التعبير اللغوي تجريديا عن مدركات العقل.. الفكر ملكة خاصيتها تعبير اللغة وبغير هذا التعبير يفقد الفكر حضوره الإدراكي. ولا نجد في ربط خاصيتي المادة في الفكر والإمتداد موفقا مقبولا، فالإمتداد صفة حركية للمادة انطولوجيا بخلاف الفكر الذي هو ليس مادة مستقلة كجوهر انطولوجي قائم بذاته فكيف يتسم بصفة الإمتداد والحركة المادية وهو ليس مادة؟ نجد عند عديد من الفلاسفة الغربيين عندما يريدون التوفيق تلفيقيا بين المتضادات يستعينون بمرجعية الخالق التي تتوازى ميتافيزيقا الطرح الفلسفي مع منطق العقل ماديا ولا يلتقيان في تمرير تلك المتناقضات بمنطق التلفيق الافتعالي للخروج من المأزق أو المعضلة التي وصلت الطريق المسدود فلسفيا.

س8: ا. مراد غريبي: منذ القرن السابع عشر عصر ديكارت أخذ مبحث (الوعي) في الفلسفة أهتماما أستثنائيا في أعقاب أطلاق كوجيتو ديكارت أنا أفكر.... الذي كان قمّة الوعي الذاتي المثالي في جعل الواقع الخارجي وجودا لا أهمية له في أمتلاك الوعي الفردي القصدي لمعرفة الذات .. هل تحدثنا عن هذه الاشكالية الفلسفية وكيف نشات وتطورت؟

ا. علي محمد اليوسف: في أعقاب مجيء فلاسفة عديدين على مراحل زمنية متباعدة ظهر الفيلسوف  برينتانو بمقولته (أن اللاوجود القصدي هو ككل هدف قصدي موضوع ومضمون مختلفان) وسنجد تأثيرهذه العبارة على جون سيرل لاحقا..ليعقب – برينتانو -  تلميذه هوسرل مستعيرا قصدية الوعي منه في شرح معنى أدراك الذات على أنها أشباع لوعي معرفي هادف في شيء محدد مقصود سلفا في وجوب الادراك بلوغه.. وبذلك تأثر تلميذه من بعده، هيدجر في أعتباره الوعي القصدي هو نتاج الواقع المادي الذي لا يكون له معنى ما لم يكن وعيا ديناميكيا– في – عالم مؤكدا أهمية الوجود المجتمعي ومقصّيا وعي الفردية الذاتية في سلبيتها، وجاء سارتر ليتوّج ذلك في الوجودية أن الوجود سابق على الوعي به ليلتقي بالفهم المادي الماركسي من غير رغبة منه بذلك وأنما مكرها لخلاصه من مثالية ديكارت الذاتية المقفلة في علاقة الأنا بكل من الفكر والوجود..وخروج سارترلاحقا على الماركسية نفسها في جوانب فلسفية خلافية عديدة أفادت منها الفلسفة البنيوية كثيرا في نقدها القاسي للماركسية لدى كل من التوسير، وشتراوس، وفوكو، وبياجيه..وغيرهم

س9ا: ا. مراد غريبي: كيف انتقل مبحث الوعي القصدي الى الفلاسفة الاميركان مثل جون سيرل، وسيلارز، ورورتي وغيرهم، من اقطاب فلاسفة العقل واللغة؟

ا.علي محمد اليوسف: مبحث الوعي القصدي كان مثار اهتمام الفلاسفة قرونا طويلة، وكان التهيب من الخوض به هو الدخول في نفق ميتافيزيقي. مع ظهور فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية فائض المعنى التي ركز على هذه الاخيرة بتطرف فلسفي كلا من امبرتو ايكو في التاويلية وجاك دريدا في التفكيكية. ما جعل الفلاسفة الاميركان يستضيفون الفلاسفة الفرنسيين والالمان من هواة فلسفة اللغة ويستلموا الراية منهم. يذهب سيرل أنه أستنادا الى تقليد معرفي في الفلسفة المثالية يوجد فرضية خاطئة معتمدة تلك هي أننا لا يمكننا أدراك العالم الحقيقي بصورة مباشرة، وهي تشبه محاولة شخص تطوير علم الرياضيات على أفتراض عدم وجود الارقام.

هذا المعنى الفلسفي كان مثار جدال حاد جدا بين الثلاثي جون لوك، ديفيد هيوم، وبيركلي، وقد تناولت اشكالية الادراك الانطولوجي في مقالتي المنشورة بعنوان (اشكالية الادراك: الاصل والصورة). وليس هنا مجال البحث في تفاصيلها لأنها تحتاج شرحا مطولا.

س10: ا.مراد غريبي: هل الوعي يرتبط بعلاقة تجريدية مع الادراك ام بعلاقة عضوية بايولوجية مصدرهما منظومة الدماغ؟ ولمن تكون الاسبقية للادراك ام للوعي؟

ا. علي محمد اليوسف: بالحقيقة السؤال معقد ويحتاج عرضا توضيحيا يقوم على الثوابت التالية:

- الادراك الحسي لانطولوجيا الوجود يسبق تشكيل الوعي عنه.

-  الادراك يرتبط بعلاقة تجريدية بالوعي.

- باستثناء الحواس والجهاز العصبي والدماغ لا توجد مفردة واحدة إدراكية ترتبط بهذه المنظومة لا تكون تجريدا مصدره الدماغ عضويا.الذهن، الانطباعات، الادراك، الوعي، الذاكرة، المخيلة جميعها مفردات تجريدية مصدرها منظومة العقل الادراكية ومركزها الدماغ.

- صحيح جدا ان هذه المفردات التي مررنا بها تجريد عقلي وظائفي لكنه لا معنى لواحدة منها ولا لاكثر من واحدة منفردة قيمة يعتد الاخذ بها ما لم تكن مرتبطة بمنظومة الادراك العقلي ومركزها الدماغ والخلايا العصبية المليونية المختصة بكل واحدة من هذه المفردات الادراكية المجردة.

- يوجد إختلاف ليس بالبسيط بين فهم الفلسفة لهذه العلاقة الاشكالية وبين المنظور العلمي التخصصي التجريبي في معرفة وظيفة الخلايا الدماغية المسؤولة عن كل مفردة من هذه المفردات التجريدية.

- ترتبط هذه المفردات التجريدية فيما بينها بصيغة التكامل الوظيفي الادراكي ولا يمكن ان يكون هناك قيمة لواحدة منها لا ترتبط مع غيرها. بمعنى لا وجود لذهن بغير حواس، ولا وجود لادراك من غيرمادة او موضوع، ولا معنى لخيال لا يرتبط بمخيلة، ولا معنى لذاكرة من دون استرجاعات تذكرّية وتداعيات فكرية وهكذا.

س 11: ا. مراد غريبي: هل تجد ان ادراك الشيء هو غير الوعي به وغير معرفته؟

ا. علي محمد اليوسف: في عبارة لجون سيرل أن أدراك العالم الحقيقي لا يتم عبر الاحساسات المنقولة للدماغ بصدقية يعتمدها الادراك العقلي المباشر وهو طرح سليم ودقيق، ومن هنا يكون الادراك العقلي منقوصا ويفقد الواقع الحقيقي كموضوع للادراك الكثير من مزاياه، هذا من جهة.. من جهة أخرى يتمّثل عدم امكانية معرفة الواقع على حقيقته في تعّذر الادراك الحقيقي المباشرله، أن وسيلة العقل الادراكية للعالم الخارجي تقوم أساسا على تأطير صادرات الاحساسات المنقولة الى الدماغ بزمن أدراكها الذي يجعلها متعيّنا مكانيا – زمانيا في بنية واحدة لا تنفصم، وبغير هذه الآلية يتعذّر على الادراك العقلي أن يكون واقعيا وسليما في أدراكه الأشياء المنّظم فكريا بعيدا عن الادراكات الهلاوسية الناقصة، فجوهر الادراك هو الوعي بموضوع يأتي الدماغ ويستلمه عبر منفذ الحواس، أي بمادة خام يكون مصدرها بالنسبة للعالم الخارجي الحواس والزمن الذي يحتويها وجودا،أو بالنسبة لموضوع الخيال المستمد من الذاكرة تأمليا أسترجاعيا في فعالية ذهنية تجريدية لا يكون فيها الموضوع متعّينا وجودا في عالم الاشياء.. وبخلاف هذين الآليتين لا يكون هناك أدراك للواقع الحقيقي سليم يعتمده العقل أو الدماغ تحديدا.. ويبقى ألادراك القصدي ناقصا تماما في تعّذر أدراك العالم الحقيقي مباشرة بفهم يمّكن العقل من معالجته لمواضيع أدراكاته بالمقولات التي تجعل من المدركات مواضيع معرفية وليس مواضيع أشباعات بيولوجية خالصة..ويوجد فرق بين الادراك المعرفي والادراك الغريزي.. فالادراك المعرفي هو معرفة العالم الخارجي كوجود انطولوجي، والادراك الاستبطاني الداخلي فهو يتمثل بردود الافعال لمثيرات أجهزة أحاسيس الانسان الداخلية في اشباع حاجات الانسان الغريزية مثل الحاجة للاكل والحاجة للنوم او الحاجة للجنس وهكذا، وتدخل مواضيع الادراك الخيالية في تلبية اشباع رغبة استبطانية تراود الانسان اشباعها.

س12 : ا.مراد غريبي: ذكرت انه جرى احتدام شديد بين كلا من بيركلي وجون لوك وديفيد هيوم حول مسالة الادراك والوعي، علما ان ثلاثتهم ينتمون الى المنطقية المثالية التجريبية. هل من اعطاء لمحة سريعة حول الموضوع؟

ا. علي محمد اليوسف: أننا نفهم الوعي المثالي المتطرف عند كل من بيركلي وهيوم وجون لوك في أعتبارهم موضوعات العالم الخارجي ما هي سوى أنطباعات في الذهن وأفكار العقل المجردة، وأنكر بيركلي وجود المادة ليتبعه هيوم بتطرف أكثر في الغائه العقل ونظام السببية معتبرا أياها خبرة متراكمة تجريبية يتعوّدها العقل بالتكرار المستمر ليجعل منها قانونا يحكم نظام الاشياء في العالم الخارجي والطبيعة.. ليصبح التكرارعادة وليس سببا لنتيجة.

وينتقد جون سيرل ديفيد هيوم حول مفهوم السببية بشراسة قائلا( في الفلسفة التحليلية عانت المناقشات حول مفهوم السببية تقليديا من المفهوم الهيومي – نسبة الى هيوم – القاصر على نحو سخيف، فمن هذا المنظور التقليدي تكون السببية دائما علاقة بين أحداث منفصلة تعمم قانونا، وأما العلاقة السببية وهي العلاقة الضرورية فلا يمكن معايشتها أبدا، هذا الرأي غير كاف فنحن نعيش في بحر من السببية التي نعايشها بصورة واعية، وعلى العكس تماما في كل مرة تدرك فيها أي شيء أو تقوم بأي شيء عن قصد فانك بذلك تمارس وتشهد علاقة سببية).

والصحيح أيضا أن العقل وتحديدا وسيلته الادراكية الحواس والدماغ لا يتعامل مع مواضيع مدركاته المادية أو الخيالية الا بتجريد فكري تصوري ذهني يتم داخل الدماغ، والحقيقة التي لا يجهلها العديدون أن النظرة او المنهج المثالي هو نفسه ينطبق عليه التفكير المادي بالاحتكام كليهما الى مرجعية العقل، فالمثالية التجريبية تعطي العقل أرجحية قصوى في الادراك، ومثلها وربما أكثر تنحو المادية في أعتمادها العقل كمنهج وحيد في المعرفة العلمية والحقيقية....أشتراك كل من الفلسفتين المادية والمثالية في مرجعية العقل في أختلاف جوهري لا يمكن طمسه أو أغفاله، فالمثالية تعتمد العقل في أنتاجه الواقع المجرد فكريا بالذهن، بينما المادية تعتمد العقل أنعكاسا للوجود المادي لعالم الاشياء في أنتاجية الفكر المتعالق جدليا مع الواقع بعرى وثيقة من الديالكتيك المتخارج بينهما..ولا وجود مادي مدرك لا يتعالق مع فكرأنساني...

لكن يبقى العقل في أي نوع من التفكير الادراكي والمعرفي بحاجة الى متعّين مادي يكون مادة خام لوعيه الادراكي يمثّل موضوعه.... وهذا ما تتوفر علية الاشياء في عالم الموجودات الواقعي عبر الحواس أو عالم الموضوعات في وجودها الافتراضي المستمد من الذاكرة التخييلية الاسترجاعية وهذا يقاطع مقولة سيرل التجربة الواعية ليست موضوعا للادراك، بل هي في الواقع تجربة الادراك.

 يتبع في ج2

 

 

3187 نجاح ابراهيم وعصام شرتحناقدٌ يمتلك من الوعي الجمالي، والحساسية الجمالية الكثير، وعلى رأس ذلك يمتلك الخبرة الجمالية التي تعدُّ أس القيم، الواجب توفرها في الناقد المؤثر. أتابعه كما غيري من المهتمين بالنقد الجمالي، فأجدُ خبرته الجمالية تتنامى شاقولياً وتتطور حتى لترقى زقورات عالية. إنه مصنع جمال بحد ذاته، لا يأنف من التجريب والممارسة والمتابعة في ملاحقة كل ما هو جديد ضمن دائرة الابداع النقدي إنه الدكتور عصام شرتح، العاكف في عرزاله على نسج الدراسات الجمالية في الشعر. ولا يخفى على أحد اصداراته في النقد الجمالي والتي فاقت على التسعين مؤلفاً أذكر منها: فتنة الخطاب الشعري عند جوزيف حرب- الفكر الجمالي في قصائد أولئك أصحابي- فتنة الازاحة في النص الحداثي... يشوقني الإبحار في عالم النقد الجمالي مع قامة إبداعية سورية تجاوزت الحدود الجغرافية

س1- نبدأ من مؤلفاتكَ النقدية في شقّها الجمالي، ما هي أهم المؤلفات الجمالية التي صدرت لك؟ والتي شكّلت منعطفاً مهماً في تجربتك النقدية في شقّها الجمالي؟

ج1- النقدُ كما تعرفين مناهجٌ ومدارس، ولكلِّ منهج طريقة، ولكلِّ مدرسة أسلوبها الخاص وطريقتها الخاصة في الكشفِ الجمالي، وأنا في بحثي عن الجمال كان منطلقي الأساس الكشفَ الجمايَّ الذي هو كشف عن كلِّ مظاهر الإبداع المثيرة في النصّ، وقد وجدتُ في علم الجمال العلمَ المثيرَ الذي يكشفُ عن خصوصية التجارب الإبداعية في شقّها الجمالي، وقد انطلقتُ في كشوفاتي الجمالية من خبرتي الجمالية التي امتدتْ قرابة عشر سنوات أصدرت خلالها الكتب التالية: علم الجمال الشعري، 2018- الصادر عن دار الخليج الأردن. المكونات الجمالية في شعر الحداثة، 2020- الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر. الشعرية بين فعل القراءة وآلية التأويل، 2018- دار الخليج للنشر، عمان، الأردن. حداثة الشعرية، 2018-النادي الأدبي الثقافي بجدة، العدد(222). توترات النص الشعري ( قراءة جمالية في شعرية النص)، 2020- دار الخليج، الأردن، ط1. هذه المؤلفات تبيّن حجمَ الجهد النقدي المبذول في الجانب التطبيقي لشعر الحداثة بين جماليةِ الأسلوب وجماليةِ الرؤية

س2- ترى ماقيمة هذه الدراسات من وجهة نظرك؟

 ج2- قيمة هذه الدراسات نابعة من الفكر الأسلوبي الجديد في النهج الإبداعي، ناهيك عن تعدّد الأساليب البحثية في تناولِ النصِّ، وهذا يعني أنَّ الكشوفات النقدية المتتابعة وراءَ هذا الجهد الإبداعي في الاختيار والكشف، واستخلاص الأحكام النقدية.

س3- كيف تنظرُ للحركة النقدية في سوريا في هذا الزمن العصيب والظروف التي تعيشها بلدنا؟

ج3- النقدُ يَضمرُ كباقي القوى في الحياة إن لم يمارسْ نشاطه، والنقد - بطبيعته بحاجة بالإضافة إلى الموهبة- يحتاجُ إلى جدية الكشف والبحث والرؤية العميقة، وهذه متطلبات لا يستطيعها كلُّ ناقد؛ وهي لا توّرث، ولا يمكن أن يمتلكها الناقد بسهولة، وأكبر مأزق عاشه النقادُ في سورية هو الانقطاع، والانقطاعُ الذي يدومُ سنوات يجعلُ الناقد يتراجعُ كثيراً ومستواه ينحدرُ ويتدهورُ، وهذا ما واجهه النقدُ والنقاد، وطبيعي حيال هذا الانقطاع أن يغيبَ النقد، وتغيب معه الأسماء اللامعة.

س4- كيف ترى واقعَ الشعرِ الراهن في سوريا تحديداً؟

 ج4- حالُ الشعرِ ليس أرقى حالاً من حالة النقد، ليس من ناحية الكمِّ، ولكن من ناحية الكيف، لقد زادَ الإنتاج الشعري ومعه زاد الإفلاس الشاعري، أي ضعفت الجودة والفنية واللذة الإبداعية، ومن هنا، ارتدَّ النقاد إلى النماذج الشهيرة ليلتقطوا بعضَ الجماليات من قصائد ما قبل الأزمة، بحثاً عن الجمالية، طبعاً هذا الحكم يخصُّ الغالبية لا الجميع، فثمة استثناءات ومواهب فردية لا تعكرُها الأزمنة، وهي تقفزُ فوقَ حاجز الزّمن والواقعي والرّاهن، وهذه المواهب نادرة إذا ماقيست بالتجارب اليومية التي تنشر كل ما هو دوني، أو يقعُ ضمن دائرة السرد الممطوط ولغة القصِّ التي دخلتْ النّهج الشعري وليست من الشعرية في من أيِّ جهة أخرى.

س5- لقد هاجمت الكثير من الأسماء الشعرية التي تركت إرثاً شعرياً حافلاً، هل نفهم من هجومك هذا استفزازاً للقارئ أم استفزازاً للجمالِ ليس أكثر؟

ج5: النقدُ أمانة ورسالة، والناقدُ هو رسولُ الإبداع، وهذا الرّسول غايته إيصال رسالته التي تنيرُ، وليس الرّسالة التي تظلمُ أو تعمي. من السهل التمجيد وقد ألِفت أذواقنا العربية على التمجيد كثيراً، وإنَّ أي نقدٍ يطالُ الشاعر لاسيما إذا كان النقد سلبياً فهو نقدٌ باطلٌ، أو غير مؤهل للاستماع له، وأخذه بعين الاعتبار. بصراحة الشعوب العربية قاطبة لا تتقبل النقد إلاَّ بجانبه التمجيدي أو الإطرائي، تتقبل النقد الذي يطري، النقد الذي يصبُّ في خانة تمجيدِ الأنا الشاعرة، وهذا نقدٌ مميتٌ للشاعر، وقتل لبذرة الجمالية التي يمكنُ أن تولد وتظهر في مرحلة ما من مراحل الحياة المستقبلية، النقد التمجيدي هو المبيد للجمالية التي يمكنُ أن تظهرَ في نتاج الشاعر في مراحل قادمة.

س6- حسناً ماهو النقد الحقيقي والمثمر برأيك ؟

ج6- النقد الحقيقي هو النقد الذي يبحثُ عن الجمال ويؤسسُ له، فإنْ غابَ الجمالُ في النقد غابَ النقد كفنٍّ وإبداعٍ جمالي، لأنَّ النقدَ الحقيقيَّ هو النقد الذي يؤسس للجمال في الحكم النقدي. وكلُّ نقدٍ توصيلي ليس إلاَّ.. يمكنُ أن نطلقَ عليه ( هوامش نصية) يبتعد كلَّ البعد عن النقد، النقد هو هدم وبناء وتركيب، وليس استجماماً أو رحلة ترفيه، ومن هذا المنطلق يختلفُ النقد المؤسس عن النقد الغوغائي الفانتازي الذي يضخّم الأشياء ولا يقف على تفاصيلها وحقيقتها التي تنطوي عليها.

س7- لم تتطرق إلى سؤالي عن هجومك للبعض من الشعراء الكبار ؟

ج7- لم يفتني ذلك، سأجيب لا ريب.. هجومي على بعض الشخصيات الشعرية المهمة كمحمود درويش والماغوط وأدونيس، وغيرهم، أنا لا أنكرُ إبداعهم في مرحلةٍ من المراحل، وإنما أستهجنُ بعض كتاباتهم النثرية التي يطغى عليها طابعُ السّرد الممطوط الذي يخلو من الشعرية، أستهجن النصَّ الذي تغيبُ فيه الجمالية، وأكره النصَّ الذي يخلو من الانزياحات الفنية الصادمة، أنا مع النصِّ الذي يحرّك في نبضي الشعرية، وأنفرُ من النصِّ السردي الممطوط الذي يشبه القص، أو العمل القصصي؛ إن كل من نادى بالسردية في الشعر؛ واستحسن هذا الأسلوب، وشجع على إقحام النثر السردي بالشعر دمر الأصالة والفن في الشعر؛ فلا قيمة للسرد شعرياً إن لم يتضمن انزياحات فنية تصويرية شائقة، وللأسف استغل الكثيرون السرد بالمجان، واستسهلوا الكتابة؛ فصارت هذه التقنية السم الزعاف في قتل الشعرية؛ ولا يخلو شعر أدونيس، والدرويش، والعدوان، من هذا النهج في بعض قصائدهم؛ مما جعلني أعيد النظر في شعرية هؤلاء الشعراء بعدما وجدت هذا الاستسهال في تقنية السرد الممطوط عند الكثير من الشعراء التي تخلو حقيقة من بذور الشعرية؛ وإن كل من فهم إن السرد يغذي الشعرية يضحك على نفسه وقارئه، فتضيع الحدود بين الفنون، وينكسر الرتم الشعري المؤثر، وتضعف قيمته.

س8- كيف تنظر إلى النقد العربي المعاصر، وهل ترى أنه مازال بخير؟

ج8- النقد العربي كله في أزمة مصالحة مع الذات ومع القارئ؛ ثمة أزمة في المفهوم العربي ككل للنقد، إن النقد العربي بالإجماع نقد يختلف عن النقد الغربي أو العالمي، جملة وتفصيلاً، في الجمالية والمنهجية والإبداع، والأحكام النقدية؛ النقد العربي يحتاج إلى إعادة صياغة؛ وهذا يعني أن النقد العربي رغم الكثير من الأسماء اللماعة يبقى( نقد اللا نقد)؛ ويمكن أن نضعه في خانة( هوامش النص) لاتتعدى الشرح، وتعداد الصور، والقضايا المجازية واللغوية والإيقاعية؛ وهذه كلها أمور ضرورية في النقد، لكنها ليست كل العملية النقدية؛ فللنقد آفاق رؤيوية غابت عن النقاد العرب؛ في حين كانت الركيزة الأساسية في العملية النقدية في الغرب؛ إذ اكتفى النقاد بكتاب نقدي حقيقي قد يساوي مئات الكتب العربية التي ننطلق عليها نقداً، وهي من النقد براء؛ لايمكن أن نقول عن العرب انهم عرفوا النقد، العرب منذ القديم إلى الآن ماعرفوا النقد، عرفوا ذيل النقد الذي يتمثل في الشروح والتعليقات والإشارات الذوقية هنا وهناك، واتباع ما اتفق من آراء وملحوظات، وكل مايمت إلى الذوق بصلة؛ فللنقد الحقيقي مدارسه ومناهجه الخاصة ورواده الحقيقيون، وللأسف نحن العرب لسنا منهم.

س9- ما هو منظورك النقدي الجديد لحركة الحداثة الشعرية؟ وكيف ترى واقع القصيدة اليوم؟!!

ج9- لاشك في أن النقد اليوم يمر بمراحل جديدة، هذه المراحل تارة تشتغل على النص، وتارة تشتغل على ما هو خارج النص، وتارة تشتغل على المصطلحات الجديدة والمنظورات الغربية في دراسة النص الشعري، مما يعني أن الحركة النقدية تطورت في رؤيتها، ومجالات اشتغالاتها لتشمل ما هو داخل النص، وما هو خارجه، وبتقديرنا : إن اعتماد المنهج الجمالي في الآونة الأخيرة في النقد التطبيقي وتركيز الكثير من النقاد على هذا الجانب قد أسهم في تطور الحركة النقدية لاسيما في إصابة القشعريرة الجمالية التي تحرك النصوص الشعرية؛ فالشعر ليس مجرد كلام موزون في قالب شعري جمالي مموسق، إنه الطاقة الخلاقة التي تلون الرؤى والدلالات، وتكثف منتوجها الإيحائي داخل النص، وهذا يعني أن من واجب النقد أن يكتشف الطاقة النابضة في النص، ويكشف عن الوجه الجمالي فيه، فكم من الدراسات النقدية لا تمت إلى النقد الحقيقي بصلة، وما هي إلا عبئاً على النص أكثر مما هي مصدر إغناء له، ووفق هذا التصور، لا يمكن أن تتطور الدراسات النقدية الحديثة إلا إذا تغلغلت إلى عمق الرؤيا ومكمن حراكها الجمالي. وباعتقادي أن واقع القصيدة اليوم لا يقل تطوراً عن واقع الحركة النقدية في واقعنا المعاصر، فكما تطورت الحركة النقدية في إبراز منتوجها الجمالي، فكذلك تطورت القصيدة اليوم لتثبت منتوجها الشعري المؤثر، لاسيما في تخليق الشعرية التي افتقدناها في الكثير من النصوص الشعرية التي تدعي الشعرية، دون أن تملك القسط الأدنى من الحس الجمالي والخبرة الجمالية في التشكيل النصي.

وأعتقد أن الوعي الجمالي في التشكيل الإبداعي من أبرز ما أضفى على الحركة الشعرية بعض النتاجات المهمة التي لا تنسى لاسيما تلك التجربة الشعرية الفذة (تجربة الشاعر اللبناني جوزف حرب)، والشاعر سعيد عقل، والشاعر محمد علي شمس الدين، وغيرهم، وهذا يعني أن الحركة الشعرية تطورت ليس على صعيد الإفرازات الفردية، وإنما على صعيد الحركة الشعرية، في بلداننا العربية.

ومن الممكن أن تتطور القصائد الحداثية اليوم أكثر من ذلك بكثير لو انفتحت على الفنون البصرية في الحركة والصوت والصورة، والإيقاع، لاسيما الحركة السينمائية في المشاهد واللقطات السريعة التي ترصد الأحداث بتفاصيلها الجزئية وحراكها البصري.

وبتقديرنا: إن دهشة الصورة مرتبطة بدهشة القصيدة، وخصوبة الرؤيا الشعرية التي تبثها، ولا يمكن أن تتطور الرؤيا الشعرية جمالياً إلا بتطور الحساسية الجمالية، وتطور المنظورات الجديدة إليها، فكم من النصوص الشعرية لاتملك من الجمالية إلا الصوت والحركة المموسقة لبعض الكلمات والأنساق الشعرية، ولو بحثت عن مصدر جمالية الرؤيا فيها لوجدتها عقيمة أو ضحلة، وهذا يعني أن جمالية القصيدة أو الإبداع هي كل متكامل، في هيكلها النصي ورؤيتها الخلاقة التي تموج بالحساسية، والوعي والحس الجمالي الخلاق وهذا لاتنتجه إلا موهبة جمالية خلاقة وطاقة إبداعية لايستهان بها. ولهذا، فإن ولادة نص إبداعي حقيقي لاتأتي إلا من مبدع خلاق واعِ بعملية الخلق والإنتاج الشعري الوهاج أو المؤثر.3187 نجاح ابراهيم وعصام شرتح

س10-هل من شعرية للنقد من منظورك؟ وكيف تراها من منظور الشعراء؟

ج10- لاشك في أن مسألة شعرية النقد من المسائل المهمة التي ينبغي الاحتفاء بها، لاسيما في ظل ما نراه اليوم من لغة النقد المعاصر، وما فيها من تجاوزات، لدرجة بات النقد من النقد براء، والكثير من الدراسات النقدية التي تزعم أنها نقدية، ماهي في المحصلة إلا مجرد ارهاصات، وإسقاطات لا تنم عن وعي وخبرة نقدية إبداعية حقيقية في الكثير من الدراسات التي تحمل اسم النقد، لأن النقد بمعناه الحقيقي ما فهمته الذائقة العربية فهماً حقيقياً مؤسساً، لأن النقد الحقيقي يؤسس، ويبني، وينتج، وليس ذلك فحسب، بل إنه يحقق ثمرته اليانعة من خلال دقة مكتشفاته النقدية وفاعلية هذه المكتشفات في البناء النقدي الحقيقي المؤسس الذي تنبني عليه النتائج والقيم النقدية الجمالية الحقيقية فيما بعد، أي ثمرة النقد الحقيقي النتائج المحكمة التي تنبني عن خبرة وتمحيص وإدراك معرفي شامل.

ولا أبالغ في قولي: ليس المطلوب في النقد أن تكون النتائج نهائية بمثابة قوانين رياضية فيزيائية تطبق كما تطبق في العلوم الرياضية؛ وإنما المطلوب في الدراسة النقدية جمالية الفكرة، والرؤية، وعمق ما تصيبه من نتائج دقيقة تخدم الرؤية النقدية المؤسسة لتكون هذه الدراسات؛ منطلقاً لدراسات مستقبلية عميقة في مدلولها ومنتوجها الجمالي الإبداعي الحقيقي.

وقد لا أبالغ في قولي: إن للنقد شعريته كما للشعر شعريته، ومتعته الجمالية، وهذه الشعرية تتأتى من جمالية اللغة النقدية التي يكتسبها الناقد بعد خبرة طويلة في التركيب، والتحليل، والاستقصاء، والإمتاع الكشفي، وهذه الخبرة الجمالية التي يمتلكها الناقد في كشف الظواهر والقيم الجمالية بلغة ماتعة هي ما يحقق للدراسة النقدية شعريتها وألقها وسحرها المدهش.

فكما للشعر سطوته الجمالية، فكذلك للنقد سلطته الجمالية التي تجعل النص الشعري يكتسب قيمته وأهميته، وبهذا المقترب النقدي يقول الناقد علي جعفر العلاق:[ إن القصيدة عمل خاص جداً، لا تذهب إلى الآخرين دائماً. ولا تفتح مغاليقها لهم جميعاً، وفي كل وقت، فهي ليست أغنية، أو حكاية، أو إعلاناً. بل هي عملٌ غائمٌ ومشعٌّ في آن واحد؛ ولذلك فإن ما فيها من ضوء يظلُّ كامناً أو مؤجلاً في انتظار قارئ مرهف؛ لا قارئ عام، قارئ قادر على إحداث ذلك التماس المقلق بينه وبين النص، وليس كل القراء قادرين، بطبيعة الحال على الوصول إلى نقطة التماس تلك: حيث مكمن الضوء، أو الرعد، أو الإثارة. وهكذا، كلما ازدادت القصيدة إحكاماً أو تعقيداً قلَّ عدد قرائها المتميزين؛ أعني القادرين على الوصول إلى نقطة الاندماج بالنص، وتفجير مكنوناته الفكرية، والوجدانية، والبنائية. وتأسيساً على ذلك، يظل عدد المرهفين، من قراء الشعر، قليلاً في العصور كلها، فالشعر، كما يقول الشاعر الأمريكي اللاتيني (خوان رامون جيمينز) هو فن الأقلية الهائلة).

وهذا القول – على ما فيه من تشكيك- يبدو صحيحاً، لأن الشعر حقيقة فن الأقلية العظمى، والقليل من يتذوق الشعر، ويدرك مراميه، وقيمه الجمالية، وتقنياته المؤثرة، فالإنشائية لا تصنع نقداً جمالياً، وإن انساق الكثير منا إلى دراسات (الناقد يوسف سامي اليوسف) الذي غلبت على معظم دراساته النقدية النزعة الإنشائية الراقية؛ واللغة الرشيقة، فشعرية النقد ليست في إنشائيته الماتعة بقدر ماهي في المكتشفات الخلاقة المبدعة؛ وبهذا المعنى المقارب يقول العلاق:[ إن أدبية النقد لا تعني إنشائيته، أو غرقه في لغة الانطباع، أو الخاطرة، أو الرأي المنفعل. ولا تعني الاحتفاء بما تقوله النصوص أو التغني بحمولاتها الفكرية، ومن ناحية أخرى فإن عملية النقد لا يقصد بها جفافه، أو خلوه من بلل الذات، وهي لا تعني تجنب الاحتكاك بالنصوص، أو التماس مع شحنتها الخطرة. بل تعني ارتفاع الناقد إلى أهوائه وانحيازاته، وتعني أيضاً إقباله على تلك النصوص مدفوعاً بقوة الوعي وتوهج الروح معاً].

وبهذا التصور الدقيق، نقول: إن شعرية النقد، أو أدبية النقد تتحدد بمكتشفات الناقد للنص المنقود، ومدى أهمية هذه المكتشفات في الإضافة إلى النص، والارتقاء به إبداعياً؛ فليست من مهام الناقد تشويه النص، ومسخه، أو الحط من قدره ومصدر كفاءته، فهذه تنأى بالناقد عن مهمته الإبداعية الرئيسة، وهي اكتشاف المضمر فيه، ومحاولة التغلغل إلى أعماق النص، وتفكيك جزئياته للخلوص إلى رؤية جديدة وقيمة جمالية أو حكم نقدي جديد، فالناقد الحق يكتشف ما خفي من النص لدرجة يكتشف مالا يراه الشاعر المنتج للنص ذاته؛ وهذه الكفاءة هي التي تجعل النقد شعرياً أو أدبياً، وبهذا المعنى يقول العلاق :[تتجلى أدبية اللغة النقدية في مستوى آخر هو أنها ليست أداة نفعية. قد تكون كذلك في أحيان نادرة لكنها تظل دائما جزءاً من الطقس النقدي، وعنصراً فائق الحيوية من نسيجه، وبذلك، فهي ليست ذرائعية، جاهزة لتحقيق خدمة ما. وهي أيضاً ليست وسيلة محايدة، تنتهي الحاجة إليها بعد أن تنجز هدفها الأساسي أو الوحيد: أعني التعبير عن الموقف النقدي، أو نقله، أو إيصاله. لهذا، كله لابد من أن تزدهر في هذه اللغة ذات الناقد، لا بمعنى الانحياز، أو الميل، أو الهوى، بل ذاته التي تنغمر في موضوعها، وتستدرجه إلى الداخل: تسقط عنه خارجيته، وتتلبسه، وتتماهى معه، لتكشف عن شحنته الداخلية، وما يحتمل في داخله من أهواء، وذوات، ورؤى. وفي هذه الحالة لا يعود النص الأدبي مجرد أبنية وتكوينات لغوية فقط، بل شبكة من الدوال التي تستفز الناقد، وتُستفز به أيضاً، فيشتبك معها في منازلة حميمة خصبة].

فالناقد الحق لابد له من لغة تميزه، وهذه اللغة هي التي تجعله يقترب من حساسية الشاعر؛ من حيث البلاغة، والقيمة، والأثر الجمالي المقنع في كل مكتشف نقدي، أو رؤية نقدية، وهذا يعني أن الناقد الحق يمتلك أعلى القيم البلاغية في كشفه للظواهر، ومعالجتها بلغته المتفردة التي تخصه وحده دون سواه، وقد أشار إلى ما أكدنا عليه العلاق قائلاً[ أنا لا أرى النقد الحق إلا بوصفه نشاطاً لغوياً من طراز خاص؛ فالعملية النقدية لا تفصح عن ذاتها إلا من خلال اللغة؛ وفي اللغة أيضاً. وبدون لغة جذابة وثاقبة لا يستطيع الناقد مهما كان وعيه النقدي عالياً، أن يجسد موقفه من النص وانفعاله به تجسيداً بارعاً ومؤثراً، وبكلمات أخرى؛ فإن الناقد يظل، بدون هذه اللغة الخاصة، ناقداً بالقوة أ كثر منه ناقداً بالفعل، ويظل مسعاه النقدي مشاريع، أو محاولات، أو نوايا نقدية أكثر منها إنجازات مكتملة].

وهذا يعني أن الكفاءة النقدية العالية لا تتأتى إلا من خبرة جمالية في التشكيل؛ ناهيك عن الموهبة الخلاقة، واللغة، والصوت الخاص الذي يميزه عن غيره من النقاد، فكم من ناقد قد ماتت لغته واضمحلت ولم يستطع أن يترك بصمته النقدية الخاصة، وهذا القول يؤكد ما ذهب إليه العلاق قائلاً:[ لابد للناقد الحقيقي من نبرة خاصة، أعني صوتاً شخصياً يدل عليه، ويميزه عن سواه، ويفصح عن اهتماماته: صياغات، وأبنية، ورؤىً، وهكذا، فإن أدبية النقد، تتجلى، بشكل ناصع، في امتلاك الناقد صوته الفردي المميز، وكما تدل القصيدة على صاحبها فإن لغة الناقد المتفرد تكشف عن شمائله التعبيرية، وميوله ولوازمه التي يجد أنها أقدر من سواها على بلورة نزوعه النقدي، أو منحاه في التأمل، والكشف، والتحليل. ومن ناحية أخرى، إذا كانت القصيدة، مثلاً تجسيداً لغوياً للحظة إنسانية خاصة فإن العمل النقدي، وبمعنى من المعاني، قبض على تلك اللحظة اللغوية، ومحاورتها، والارتقاء بها، ومعها من التأمل إلى الوعي، ومن الوعي إلى التجسيد، أو من العماء إلى التشكل]

وبهذا المعنى، نقول: إن أدبية النقد تتمثل في كل ما يجعل من الممارسة النقدية قيمة جمالية في الكشف، والمغامرة، وبلاغة الاستنتاج، ولا عجب أن القليل من الممارسات الشعرية ما تحقق شعريتها ليس بلغتها الإنشائية الجياشة الموهومة كما في دراسات الشعراء أنفسهم التي تطالها اللغة المشرئبة بالإنشاء، والإطراءات الزائدة، فهذه لا تصنع لغة نقدية مؤثرة، أو ما أسميناها ب(لغة نقدية شعرية أو شاعرية)، فمسألة شعرية النقد لا تقتصر على اللغة الجذابة التي يبتدعها الناقد ليجذب القراء إليه مشفوعاً بلغته الأدبية الراقية، كما لاحظنا عند الناقد الفلسطيني يوسف سامي اليوسف التي نالت دراساته الشريحة الكبرى من جمهور قراء الشعر والشعرية، فهذه الدراسات رغم استحسانها عند البعض لا تشكل ما أسميناه ب( شعرية النقد)، فالشعرية النقدية ليست في المتعة والمجاذبة اللغوية بقدر ما تكمن في المهارة والحنكة في اكتشاف الحكم النقدي والتدليل عليه.

ويرى العلاق أخيراً حقيقة مهمة في محاولاته النقدية، إذ يقول:[ لابد من الإشارة إلى أنني، ومنذ محاولاتي النقدية الأولى، كنت أولي شكل القصيدة، وبناء الفكرة الشعرية عناية خاصة، كانت كيفية القول الشعري لا ماهيته هي ما يستحوذ على اهتمامي كله. ومع ذلك، فإن الوعي وتجلياته في الممارسة لا انفصال بينهما. النضج في وعي الكتابة، لدي، لا يجد اكتماله إلا في نضج أدوات الإفصاح عن التجربة؛ وهذه الأدوات، بدورها، تزيد التجربة حدة وصفاء، لذلك؛ فإن التحول في مستويات التعامل مع النصوص محصلة طبيعية لفائض الخبرة أولاً، وللتعالق الحاد بين الملكة الشعرية، و الاستعداد النقدي في الذات الواحدة ثانياً، ونتيجة لهذا التلاحم القاسي والحميم بين هاتين الطاقتين، كان لي، أو حاولت أن يكون لي، منحاي الخاص فيما أكتب من نقد منحىً يكون فيه النقد أدخل في باب الخلق الأدبي منه في باب العلم، أو البحث الجاف المحض. وتكون فيه اللغة النقدية على قدر عالٍ من النقاء وترف التعبير، والبعد عن الترهل، كأنها مصدر نبيل لرهافة القول، ومجده القائم بذاته، ولذلك، فإن اللغة ليست مجرد وسيلة للتوصيل، أو خادمة لقول أول أرفع منزلة منها، بل هي جزء حي من جمالية الأداء النقدي، وأحد تجلياته الخلاقة.].

وبهذا التصور، تبدو لغة النقد – من منظور العلاق- لغة انسيابية جمالية غضة تشي بإشعاعاتها الجمالية وبعدها الدلالي؛ و لذلك، فإن النضج الجمالي في الكتابة النقدية يبدو من سلاسة اللغة، ونداوتها لا في تعقيدها وتعقيد مصطلحاتها النقدية.

وقد حاولت في لغتي النقدية أن أصل إلى بلاغة الحكم النقدي ودقته؛ فالجمالية الحقة ليست في تعقيد الرؤى، وتغريب اللغة بالمصطلحات الغامضة المعقدة، ولا في اتباع المدارس النقدية بمصطلحاتها الجافة، وإنما بتسريب روح النقد الجمالي في اللغة النقدية لتثمر إبداعياً. لأن النقد الحقيقي الذي يبقى ويستمر هو النقد الإبداعي الذي ينافس الحالة الشعرية ويرقاها دائماً، ويخطئ من يظن لغة النقد لغة تابع لمتبوع، وإنما لغة خلق لمخلوق لترقى درجات فوق المخلوق لتحاكي جمالية الخالق، هذه الجمالية التي تصيب وتدهش وتحقق غايتها الجمالية الحقة.

ونخلص أخيراً إلى القول: إن شعرية النقد فهمها الكثير من نقادنا ومبدعينا فهماً خاطئاً حتى هذا الفهم طال ناقدنا العظيم علي جعفر العلاق وناقدنا الفلسطيني يوسف سامي اليوسف، وحتى ناقدنا الجليل صلاح فضل، فالجميع صبوا آراءهم حول شعرية اللغة، والرشاقة، والسلاسة في إصدار الحكم النقدي حتى ولو كان الحكم النقدي مغلوطاً، فالنقد لا يكتسب قيمته إلا من شعرية مكتشافاته، وعمقها؛ فالكثير من دراسات الناقد الجليل صلاح فضل إذا ما استثنينا كتابه (أساليب الشعرية المعاصرة) تبتعد كل البعد عما أسميناه بـ(شعرية النقد)، إن دراساته تنطوي على المقارنات، والمحاججات التنظيرية التي لا تستحوذ على أية قيمة شعرية، فالنقد الحقيقي فن جمالي ككل الفنون الجميلة، فالذي لا ينظر إلى النقد كفن وممارسة كمن يتحدث عن الفحولة وهو عنين- رحمك الله يا ناقدنا الفذ خليل موسى- الذي أدرك اللعبة النقدية وخلق من لغته الشعرية لغة نقدية مدهشة، واستطاع أن يغير من مسار الخريطة النقدية في سوريا، بدراساته الجمالية التي أهمها ماثلة في كتابه جماليات الشعرية، والقليل القليل من نقادنا من أدرك ذلك واعترف للرجل بأهميته عربياً فيما أسميناه بـ(شعرية النقد).

ونخص إلى القول أخيراً: ما زالت دراساتنا النقدية على المستوى العربي تفتقر إلى ما أسميناه بـ(شعرية النقد)، لأن شعرية النقد عكس شعرية القصيدة؛ وإن اتفقتا في الجانب العام، فإنهما تختلفان في الجانب الخاص، فلغة النقد تكمن شعريتها في دقة الحكم النقدي، وبراعة الاكتشاف النقدي في حين أن شعرية القصيدة تكمن في تجاوزها الفني، ورؤيتها الخلاقة، وصورها المبتكرة؛ و هذا ما تنأى عنه لغة الناقد الإبداعية التي تهتم بالجانب الكشفي، والحكم النقدي الجديد، والمدلول العميق، فليس الناقد مطالباً بلغة جياشة بالعواطف، والإطراءات، والإعجابات الكثيرة المترامية من هنا، وهناك، فكما قلنا فإن الإطراءات الزائدة تقتل الناقد والمبدع معاً، وتجرهما إلى هاوية لا قرار لها، فهذه الإطراءات قد جرت ناقدنا الفذ يوسف سامي اليوسف إلى هاوية لا قرار لها وكذلك ناقدنا صلاح فضل وغيرهم كثير من نقادنا الكبار، فهذه الإطراءات لا تصنع لغة نقدية شاعرية تقترب من روح النص وجوهره العميق، وكما قلت أن الطاقة النقدية التي يمتلكها الناقد يوسف سامي اليوسف تؤهله أن يتبوأ أعلى الدرجات لكنه شأنه شأن غيره سقط في هاوية إقناع الجمهور، وإمتاعهم على حساب براعة المكتشفات النقدية، وأهميتها، وعمقها، وهذا خطر يهدد ساحتنا النقدية العربية بكاملها، ومن يطلع على النقد الغربي بعمق لا نكاد نجد كلمة إطراء واحدة في دراسة نقدية تتجاوز مئات الصفحات تهتم بما هو داخل النص من تقنيات وقيم، ومكتشفات نقدية مازلنا إلى الآن نلهث وراءها باحثين عن هداها في دراساتنا النقدية المعاصرة.

س11- كيف ترى الشعرية اليوم، وهل بمنظورك اختلفت الشعرية اليوم عن الشعرية فيما مضى؟

س11- الشعرية اليوم شعريات، وليست شعرية واحدة، كل يوم تتولد شعرية جديدة بإحساس جمالي إبداعي متجدد، مادامت الإفرازات الشعرية متغيرة فإن الشعريات متغيرة كذلك، ولهذا تبقى مسألة الشعرية ذات أفق مفتوح متجدد، مع تجدد الحياة وآفاقها المعرفية والوجودية، فما نجده اليوم من إفرازات شاعرية قد يأتي في يوم غد ما يناقضها وينافيها ويغير المنظور الجمالي إليها، ولهذا تتغاير الشعرية وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ومن أجل هذا نجد الأحكام النقدية متغيرة ومتناقضة في مسألة الشعرية والشاعرية كذلك، فلا يمكن الخلوص إلى نتائج دقيقة نهائية في مسالة الشعرية والشاعرية والجمال والجمالية، لأن هذه الأشياء متغيرة زئبقية في حركتها الوجودية ومسرحها الإبداعي.

وتأسيساً على ذلك، تختلف الشعرية اليوم عن الشعرية فيما مضى، وستختلف شعرية اليوم عن الشعرية في المستقبل، قد تختلف أدواتها وقيمها الجمالية ومنظوراتها الرؤيوية، وهذا بالتأكيد يؤثر على العملية الإبداعية مستقبلاً، فالشعرية ولادة من مخاضات عدة، ولهذا ينابيعها متجددة مع كل ولادة نص شعري جمالي هناك شعرية مغايرة وشعرية متحولة على الدوام.

س12- ماهو طموحك النقدي؟ وهل ألفت كتابك النقدي الذي تحلم؟

ج12- دائماً أبحث في النقد عن الإبداع؛ ولا أمارس النقد إلا إذا وازى نقدي النص المنقود؛ أو فاقه؛ لأني أؤمن أن النقد فن جمالي مؤسس للجمال والإبداع؛ وما دام يتحدث عن الإبداع ينبغي أن يكون النقد- في جماليته- بمنزلة النص المبدع أو يفوقه. لقد أفدت من النظريات الغربية أن أحترم النص الذي بين يدي، وأجهز له بكامل عتادي النقدية وأدواتي اللغوية والتعبيرية، ما استسهلت نصاً، كل نص أمامي شبح مرعب علي أن أخوض معركتي مع النص منتصراً لنفسي وللنص وللقارئ؛ ولهذا كانت دراساتي النقدية محط إعجاب الطلبة في الماجستير والدكتوراه، لاسيما في الجزائر والعراق والأردن، لقد كرمني القارئ العربي بوعيه وحسه النقدي العالي، أن كانت مؤلفاتي من أكثر المؤلفات احتفاء بها قراءة ونقداً واستشهاداً في أطاريحهم الجامعية، وهذا المنجز النقدي حقق طموحي وانتشاري العربي الواسع.

س13- هل تعتقد أن النقد فن جمالي ككل الفنون المؤثرة في الحياة؟

ج13- لاشك في أن النقد الحقيقي فن إبداعي مثير، لا يختلف عن فن الشعر، أو القصة، أو الرواية، إنه فن يقوم على فن، ولهذا فإن فن النقد فن مركب، وبما أن النقد فن مركب فهذا يعني أن أهميته مضاعفة، والقلة القلة من نقادنا من مارس النقد بوصفه فناً جمالياً مبدعاً ككل الفنون؛ لأن فن النقد الإبداعي الحقيقي فن جمالي يقوم على مثيرات الرؤيا الجمالية الخلاقة، وهذا يعني أن النقد الجمالي المثير نقد جمالي مركب يحقق غايته الفنية والجمالية من كشوفاته النقدية الدقيقة ومراميه البعيدة التي تشف عما خفي من مضمون النص وتقنياته ومؤثراته الفنية.

ومن يطلع على حركة النقد العربية في الكثير من كشوفاتها لا يلحظ فنية النقد أو جماليته، وإنما يجد عبثية النقد وفوضاه، وهشاشة منظوراته الإبداعية، وضحالة النتائج والرؤى المكتشفة، القلة النادرة من النقاد من مارسوا النقد بوصفه فناً من خلال الكشوفات الدقيقة والبنى العميقة والتطلعات الجمالية المبتكرة. وهذه من النوادر جداً أن نجدها في نقدنا المعاصر الذي يغط بالسطحية والهشاشة والقضايا النقدية المستعادة التي ملها النقد حتى صارت مستهلكة.

س14-هل أقول إنك وصلت إلى القمة في نقدك؟

ج14- لا، لم أقصد ذلك، يظل ثمة كتاب في نفس المبدع يحاول دائماً البحث عنه، وأعتقد أنني ما أنجزت الكتاب النقدي الذي أحلم؛ وأحمد الله أنني حققت شخصيتي النقدية المميزة، وبصمتي النقدية الحقيقية، متجاوزاً كل ما قيل في السنوات السابقة على أيدي الظلمة في جامعة حلب؛ وما بثوه من ادعاءات باطلة واقتناص بعض الهفوات وترويجها لدحر اسمي محلياً، ودفن أي إشراقة قد تبرق من هنا وهناك، وأعتقد انهم نجحوا في سورية نجاحاً ساحقاً في ذلك، إذ استطاعوا إغلاق كل المفاصل الحساسة لنشر منتجي النقدي، وأنا أبارك لهم نجاحهم الذي حققوه، واعتبره نصر أصحاب النفوذ والسلطة وهؤلاء ما أكثرهم في أوطاننا العربية، لكن المواهب الحقيقية ستظهر رغم أنوفهم، وأنا أحمد الله أنني حققت الأهم في الخارج في الوطن العربي فأورثني محبة القراء هذه البقعة الواسعة لاسيما في العراق والجزائر والأردن.

 

حوار الدكتورة نجاح إبراهيم مع الدكتور عصام شرتح

 

3163 كارلو روفيليمقابلة مع العالم المشهور الموهوب، الفيزيائي كارلو روفيلي بمناسبة صدور كتابه الذي يروي فيه نشأة ميكانيكا الكم ...

ولد في 3 مايو 1956 في فيرونا، يدرس كارلو روفيلي في جامعة إيكس مرسيليا. كما تتم دعوته بانتظام للتحدث في العديد من الجامعات في كندا

 أجرى المقابلة بودوين إشباس

نشر بتاريخ 12/20/2021

ترجمة د. جواد بشارة


 مُنظِّر الجاذبية الكمية الحلقية (مع لي سمولينLee Smolin)، مدرس في جامعة إيكس مرسيليا، ولكن أيضًا في كندا، كارلو روفيلي Carlo Rovelli ليس فقط أحد أهم العلماء في عصره، بل هو أيضًا مؤلف غزير الإنتاج، وعالم الفيزياء والمنظر المتخصص في ميكانيكا الكم، هو أيضًا فيلسوف في العلوم. يقسم وقته بين مرسيليا ولشبونة وفيرونا ولندن (في أونتاريو). في عام 2015، نشر كتاب سبعة دروس مختصر في الفيزياء Seven Brèves Leçons de physique chez Odile Jacob، قبل أن يخصص سيرة ذاتية للفيلسوف الإغريقي أناكسيماندر دي ميليت Anaximandre de Milet (دونود)، وهو عالم ما قبل سقراطي دربه تاليس والذي كان يفرك الكتفين بمفهوم اللانهاية في القرن السادس قبل الميلاد. بعد كتاب لامع بعنوان نظام الزمن The Order of Time (Flammarion)، يروي كارلو روفيلي الآن، في كتاب جديد * الظروف التي ولدت في ظلها فيزياء الكم. لقد تمت صياغته بطريقة الرواية التاريخية، حيث كانت صفحات الفلسفة ستنزلق بسلاسة، ويعلمنا كتابه عن واحدة من أكثر المفاهيم تعقيدًا في الفيزياء المعاصرة.

"كانت الساعة حوالي الثالثة صباحًا عندما ظهرت نتائج حساباتي أمامي. غادرت المنزل مضطربًا وبدأت أمشي ليلًا. بعد صعودي إلى قمة صخرة تطل على البحر، انتظرت شروق الشمس. كنت منزعجة للغاية. كان لدي إحساس بالنظر، من خلال سطح الظواهر، نحو الداخل من جمال غريب ... "إنه من خلال كلماته التي وصفها فيرنر هايزنبرغ، في ذكرياته (Der Teil und das Ganze)، ولدت ميكانيك الكموم أو الكوانتوم.

المقابلة:

لو بوان: بدأ كل شيء في صيف عام 1925 في جزيرة هيلغولاند في بحر الشمال. تصور فيرنر هايزنبرغ Werner Heisenberg، البالغ من العمر 23 عامًا في ذلك الوقت، فكرة أن قفزات الإلكترونات les sauts des électrons من مدار إلى آخر تستجيب لمنطق لا يمليه متغير فيزيائي ثابت variable physique constante، ولكن من خلال مجموعة من الأرقام المتطورة التي تجعل من الممكن التنبؤ بشكل مرضي أكثر بهذه الأشياء التي كانت موجودة حتى الآن حركات غير مفهومة. ما رأيك كان القادح في ذهن هايزنبرغ لهذه الفكرة؟

-  كارلو روفيلي: أعتقد أن "ال زنادle déclic"، أو القادح كما قلت، كان عبارة عن مزيج من عدة مكونات: أولاً، الانغماس الذهني الكامل لهيزنبرغ في المشكلة، ولكن أيضًا طريقته المادية والملموسة في مواجهة هذا اللغز. فهو لا يعتمد على العروض الرياضياتية المعقدة، بل بالأحرى على خياله الحر وفحص طبيعة الواقع. كان انفتاح هايزنبرغ على الأفكار الفلسفية الراديكالية (لا سيما أفكار إرنست ماخ Ernst Mach) مهمًا أيضًا. سأضيف تأثير ماكس بورن Max Born وبشكل غير مباشر تأثير لألبرت أينشتاين Albert Einstein، الذي فهم الحاجة إلى قفزة كبيرة في الفيزياء. لكن يمكن للمرء أن يضيف المحادثات الفيزيائية الفلسفية مع نيلز بور Niels Bohr، والد الكوانتا quanta، وأيضًا، على الأرجح، عمر هايزنبيرغ الشاب ... كل هذه المعلمات تشكل مزيجًا متفجرًا. كان هذا الكوكتيل هو الذي سمح لهايزنبرغ بإلقاء نظرة جديدة على المشكلة التي تواجهه.

س: هذا الاكتشاف هو ذروة تأملات مجموعة من العلماء، بما في ذلك، كما قلت، ألبرت أينشتاين وماكس بورن، وأيضًا إروين شرودنغر Erwin Schrödinger وولفغانغ باولي Wolfgang Pauli. ما هو القاسم المشترك بين هؤلاء الرجال؟

ج: إنهم يتشاركون الشغف المشتعل: السعي إلى الفهم. نقطة أخرى مشتركة: عدم وجود أفكار ثابتة. فهم كلهم على استعداد لتغيير رأيهم. بالنسبة للبقية، لديهم شخصيات ومهارات وقدرات مختلفة تمامًا عن بعضهم البعض.

س: على الرغم من كل شيء، هل هي طريقتهم المشتركة في فهم العالم التي تسمح لهم باستكشاف هذا المسار الكمومي؟

ج: على العكس تماما! إن خلافاتهم هي التي تسمح بنجاح قبضتهم وأهميتهم الجماعية العظيمة.

س: إن اكتشاف فيرنر هايزنبرغ، الذي سيُطلق عليه قريبًا "ميكانيكا الكم mécanique quantique"، يفتح الباب أمام مجموعة كاملة من الاختراعات: إتقان الذرة، والحوسبة الكمومية، على سبيل المثال لا الحصر. أيهما تعتقد أنه الأكثر إثارة للإعجاب؟

ج: أكثر من اختراع محدد هو حقيقة أن جميع خصائص العناصر، بما في ذلك بنية الجدول الدوري للعناصر، تتبع معادلة واحدة!

س: تأخذ فيزياء الكم La physique quantique اسمها من هذه الكمات quanta، أو حبيبات الطاقة grains d’énergie، التي يُقال إنها تفسر السلوك الغريب للإلكترونات. كما أنها تملي الطريقة المذهلة التي تنتقل بها الموجات الك هرومغناطيسيةles ondes électromagnétiques. كتب ريتشارد فاينمان Richard Feynman أنه لا أحد يستطيع فهم الكوانتوم ...

ج: لم يكتب ريتشارد فاينمان أنه لا أحد يستطيع فهم الكوانتوم، فقد كتب أنه لا أحد يفهمها. الفرق كبير. إنه شيء ألا تكون قابلاً للفهم، وشيء آخر القول إنه لا يمكن فهمه في لحظة معينة. في هذه الحالة الثانية، يبقى الفهم ممكناً...

3162 رواية فيزياء الكمس: في حالة عد الفهم، كيف يمكنك تمثيلهم إذا طُلب منك تقديم تشبيه؟ حبيبات ماذا؟

ج: يتوقف الأمر على التوضيح. فالفوتونات هي حبيبات الضوء. كميت مجال الجاذبية وهي بذور الفضاء أو المكان أي بذور الفراغ. التفصيل الحبيبي ليس هو الجانب الذي يصعب فهمه: فالرمال حبيبية. الجزء الصعب الذي يجب فهمه هو "علاقاتهمrelationnalité". هذه الكمات ليست كيانات. هذه أشياء تظهر نفسها: يتجلى الضوء في شكل حبيبات، مثل الفوتونات.

س: هذه الطريقة في فهم الواقع من خلال اللجوء إلى نهج أو مقاربة أكثر دقة من ملاحظة المادية التبسيطية للجسيمات في الفضاء تقود العقل إلى الاعتراف (مثل أنطون زيلينجرAnton Zeilinger) بأن العلاقات المعقدة يمكن أن توحد كيانات تفصلها أحيانًا مسافات هائلة.

ج: نعم، هو كذلك بالضبط.

س: كيف، إذن، يمكن النظر إلى هذه الحقيقة العلمية دون الوقوع، في وقت أو آخر، في اعتبارات غير منطقية أو لا عقلانية irrationnelles على ما يبدو: أحدها هو التعايش بين عوالم متوازية mondes parallèles حيث تحدث أحداث مختلفة (في نفس الوقت)؟ يمكنها التفاعل فيما بينها؛ والآخر هو حقيقة أن المتغيرات الخفية variables cachées تمنعنا من قراءة واقعنا. نحن نتدفق في المصفوفة Matrix... هل هذا يعني أن المخيلة والأحلام والخيال فقط يمكنها أن تسمح لنا بفهم ميكانيكا الكم la mécanique quantique؟

ج: أعتقد أن العلم قد أعطانا الكثير وكشف لنا الكثير من الأشياء الجديدة التي تبدو غريبة، لكنك بعد ذلك نطور حدسًا جيدًا ونعتاد عليه. هذه هي قوة العادة. لا أحد يشعر بالذهول اليوم من حقيقة أن الأرض تتحرك، وأنها تدور حول الشمس. لكن كان ذلك من الصعب هضمه عندما تم وضع النظرية عليه لأول مرة. أعتقد أن الشيء نفسه سيحدث مع نظرية الكم. سنستوعبها ... تدريجيًا.

س: ومع ذلك، فإن التشابك الكمومي L’intrication quantique الذي يقع في قلب حقيقة هذه الفيزياء "الجديدة" يفتح آفاقًا مذهلة ناتجة عن ارتباطات لا يمكن تصورها على ما يبدو. علينا أن نقبل فكرة ليست واضحة بأي حال من الأحوال: اللاحتمية l’indétermination أو على الأقل التفسير الذاتي للاحتمالية بفضل أو بموجب "النظرية الكمية الكيوبية البانيزيانية quantum Bayesianism" التي تعطي نظرية QBiste اسمها. هل هذا يعني أننا يجب أن نتمسك بنوع من النسبية المطلقة حيث تكون الحقيقة مختلفة لكل مراقب، اعتمادًا على وجهة النظر التي يتبناها؟ ألن يكون هذا مرعبًا؟

ج: أعتقد أنك تبالغ هنا. عندما اكتشفنا أن الأرض تتحرك، بدا الأمر مرعبًا أكثر. العقلانية الكمومية ليست ذاتية، ولا تتحدى المفاهيم المعتادة للموضوعية les notions usuelles d’objectivité. فالحجر الذي يسقط على رؤوسنا سيؤذينا كما كان الأمر من قبل.

س: تتطلب قصة قط شرودنغر الشهير chat de Schrödinger المسجونة في علبة مغلقة والتي هي في آن واحد ميتة وحية ما يجبرنا أن نفكر في إمكانية تواجد أكثر من واقع في نفس الوقت!

ج: تحدث بورBohr عن "استحالة الفصل الواضح بين سلوك الأنظمة الذرية والتفاعل مع جهاز القياس الذي يعمل على تحديد الظروف التي تحدث فيها هذه الظاهرة". تلتقط هذه الملاحظة الاكتشاف الذي يكمن في قلب نظرية الكم: عدم القدرة على فصل خصائص كائن ما عن التفاعلات التي تظهر فيها هذه الخصائص نفسها والأشياء التي تتجلى فيها.

س: في طريقنا إلى التعرف على الكوانتا، نلتقي بعدد قليل جدًا من الفرنسيين (لويس دي بروجلي Louis de Broglieهو الأكثر شهرة). لماذا؟ هل يتعلق الأمر بالطريقة الديكارتية التي يتدرب بها ويتأهل وفقها مهندسونا؟

ج: أعتقد أن تدريس العلوم الفرنسي صارم للغاية. مبالغ في "التكوينية". إنه ينتج مهندسين جيدين وآلات حاسبة جيدة وحتى علماء رياضيات جيدون جدًا. لكن لا يخرج علماء الفيزياء النظرية جيدين. من أجل ذلك، نحتاج إلى شكليات أقل، والمزيد من حرية العقل.

س: تدين فيزياء الكم كثيرًا للعلماء المنغمسين في الفلسفة، والذين غالبًا ما يكونون منخرطين سياسيًا (أدلرAdler أو  بوغدانوفBogdanov، على سبيل المثال لا الحصر). هل كان على المرء أن يكون مثاليًا لولادة ميكانيكا الكم هذه؟

ج: ربما نعم. عليك أن تعرف كيف تحلم. ربما كان هذا هو السبب في أن الفترة الأكثر خصوبة للعلم الفرنسي كانت الثورة.

 

 

"كانت الساعة حوالي الثالثة صباحًا عندما ظهرت نتائج حساباتي أمامي. غادرت المنزل مضطربًا وبدأت أمشي ليلًا. بعد صعودي إلى قمة صخرة تطل على البحر، انتظرت شروق الشمس. كنت منزعجة للغاية. كان لدي إحساس بالنظر، من خلال سطح الظواهر، نحو الداخل من جمال غريب ... "إنه من خلال كلماته التي وصفها فيرنر هايزنبرغ، في ذكرياته (Der Teil und das Ganze)، ولدت ميكانيك الكموم أو الكوانتوم.

* هيلجغلاند، معنى ميكانيكا الكم، بقلم كارلو روفيلي، طبعات فلاماريون، 249 صفحة، 21.90 الفراغ. التفصيل ليس هو الجانب الذي يصعب فهمه: فالرمال حبيبية. الجزء الصعب الذي يجب فهمه هو "علاقتهم". هذه الكميات ليست كيانات. هذه أشياء تظهر نفسها: يتجلى الضوء في شكل حبيبات، مثل الفوتونات.

هذه الطريقة في فهم الواقع من خلال اللجوء إلى نهج أكثر دقة من ملاحظة المادية التبسيطية للجسيمات في الفضاء تقود العقل إلى الاعتراف (مثل أنطون زيلينجر) بأن العلاقات المعقدة يمكن أن توحد كيانات تفصلها أحيانًا مسافات هائلة.

نعم، هو كذلك بالضبط.

كيف، إذن، يمكن النظر إلى هذه الحقيقة العلمية دون الوقوع، في وقت أو آخر، في اعتبارات غير منطقية على ما يبدو: أحدها هو التعايش بين عوالم متوازية حيث تحدث أحداث مختلفة (في نفس الوقت)؟ من يمكنه التفاعل مع كل منها آخر؛ والآخر هو حقيقة أن المتغيرات الخفية تمنعنا من قراءة واقعنا. نحن نتدفق في المصفوفة ... هل هذا يعني أن الخيال والأحلام والخيال فقط يمكن أن يسمح لنا بفهم ميكانيكا الكم؟

- أعتقد أن العلم قد أعطانا الكثير من الأشياء الجديدة التي تبدو غريبة، لكنك بعد ذلك تطور حدسًا جيدًا وتعتاد عليه. هذه هي قوة العادة. لا أحد يشعر بالذهول اليوم من حقيقة أن الأرض تتحرك، وأنها تدور حول الشمس. لكن كان لا يزال من الصعب هضمه عندما تم وضع النظرية عليه لأول مرة. أعتقد أن الشيء نفسه سيحدث مع نظرية الكم. سنستوعبه ... تدريجيًا.

اقرأ أيضًا "المصفوفة": تتابعات يساء فهمها أو آثار لا تزال حية

ومع ذلك، فإن التشابك الكمي الذي يقع في قلب حقيقة هذه الفيزياء "الجديدة" يفتح آفاقًا مذهلة ناتجة عن ارتباطات لا يمكن تصورها على ما يبدو. علينا أن نقبل فكرة ليست واضحة بأي حال من الأحوال: اللاحتمية أو على الأقل التفسير الذاتي للاحتمالية بفضل "النظرية الكمية البايزية" التي تعطي نظرية QBiste اسمها. هل هذا يعني أننا يجب أن نتمسك بنوع من النسبية المطلقة حيث تكون الحقيقة مختلفة لكل مراقب، اعتمادًا على وجهة النظر التي يتبناها؟ ألن يكون هذا مرعبًا؟

أعتقد أنك تبالغ هنا. عندما اكتشفنا أن الأرض تتحرك، بدا الأمر مرعبًا أكثر. العقلانية الكمومية ليست ذاتية، ولا تتحدى المفاهيم المعتادة للموضوعية. الحجر الذي يسقط على رؤوسنا سيؤذينا كما كان من قبل.

- تتطلب قصة قط شرودنجر الشهير المغطى والذي مات وما زال على قيد الحياة أن نفكر في إمكانية تواجد العديد من الحقائق في نفس الوقت!

تحدث بوهر عن "استحالة الفصل الواضح بين سلوك الأنظمة الذرية والتفاعل مع جهاز القياس الذي يعمل على تحديد الظروف التي تحدث فيها هذه الظاهرة". تلتقط هذه الملاحظة الاكتشاف الذي يكمن في قلب نظرية الكم: عدم القدرة على فصل خصائص كائن ما عن التفاعلات التي تظهر فيها هذه الخصائص نفسها والأشياء التي تتجلى فيها.

في طريقنا إلى التعرف على الكوانتا، نلتقي بعدد قليل جدًا من الفرنسيين (لويس دي بروجلي هو الأكثر شهرة). لماذا ا ؟ هل يتعلق الأمر بالطريقة الديكارتية التي يتدرب بها مهندسونا؟

- أعتقد أن تعليم العلوم الفرنسي صارم للغاية. جدا "التكوينية". إنه ينتج مهندسين جيدين وآلات حاسبة جيدة وحتى علماء رياضيات جيدون جدًا. لكن علماء الفيزياء النظرية ليسوا جيدين. من أجل ذلك، نحتاج إلى شكليات أقل، والمزيد من حرية العقل.

تدين فيزياء الكم كثيرًا للعلماء المدربين في الفلسفة، والذين غالبًا ما يكونون منخرطين سياسيًا (Adler أو Bogdanov، على سبيل المثال لا الحصر). هل كان عليك أن تكون مثاليًا لتلد ميكانيكا الكم هذه؟

- ربما نعم. عليك أن تعرف كيف تحلم. ربما كان هذا هو السبب في أن الفترة الأكثر خصوبة للعلم الفرنسي كانت الثورة.

 "كانت الساعة حوالي الثالثة صباحًا عندما ظهرت نتائج حساباتي أمامي. غادرت المنزل مضطربًا وبدأت أمشي ليلًا. بعد صعودي إلى قمة صخرة تطل على البحر، انتظرت شروق الشمس. كنت منزعجة للغاية. كان لدي إحساس بالنظر، من خلال سطح الظواهر، نحو الداخل من جمال غريب ... "إنه من خلال كلماته التي وصفها فيرنر هايزنبرغ، في ذكرياته (Der Teil und das Ganze)، لحظة حدسه!

 

...........................

* هيلغولاند، معنى ميكانيكا الكم، بقلم كارلو روفيلي، طبعات فلاماريون، 249 صفحة، 21.90

 

3123 بشرى البستانيفي الطريق إلى بيتها عليك أن تعبر دجلة الذي يُجاورها والذي تحبه بشغف، وأن تجتاز غابات الموصل بجمالها العريق وشجرها وعبيرها الخالد. على بابها نخلة وشجر زيتون، وفي الداخل تستقبلك كتب، أديان، تفاسير قرآنية،تصوف، دواوين قديمة، حديثة، معاجم،موسوعات فنون،رسم، نحت، سمفونيات،، نقد، فلسفة، تاريخ،علوم، ومعارف شتى، ومكتبة خاصة لأطاريح ورسائل طلبة الدراسات العليا،بيت هو في الحقيقة مكتبة شاملة تعيش فيها باحثتان شقيقتان أد.بشرى البستاني في النقد العربي والدكتورة.منال البستاني في النقد الفرنسي هناك كان لنا معها هذا الحوار:

1 – لا يزال الواقع العربي، الثقافي خاصة، يحاصر بقوالبه وقيوده حياة المرأة العربية عامة، عبر تاريخٍ ٍ منح الذكورة سلطة شبه مطلقة على المستويات كافة . والمرأة الشاعرة بوصفها ذاتا واعية ثقافة وحضورا، هل تمكنت برأيك أن تؤسس لنص شعري أُنوثي من شأنه تفكيك هذا الواقع، وتحطيم هذا الإطار، أعني نصا له حضور فاعل وقيمة شعرية انثوية في الخطاب الشعري العربي؟

ج1: د. بشرى البستاني: الواقع العربي الثقافي لا يشكل نفسه من فراغ، فالثقافة ومحمولاتها القيمية ومفاهيمها ببنيتها الفوقية هي الإفراز الحقيقي للبنى التحتية وللحراك المادي الإنتاجي الذي يرتكز عليه المجتمع. وإذا كانت هذه البنية التحتية استهلاكية متخلفة تابعة وغير منتجة فمن غير الطبيعي أن تنتج حراكا ثقافيا تقدميا. فالديمقراطية التي تحتل مركز الصدارة في العالم اليوم ؛ما يزال الوعي بها وبالحرية محاطا في المجتمع العربي بأقسى أنواع القهر على المستويين الذاتي والجمعي وعلى مستوى الهوية الوطنية والقومية والاستقلال وحرية الرأي والفعل، لكن المرأة في هذه المنظومة البالغة التعقيد تتحمل القهر مركبا، مرة من المجتمع وأخرى من الأسرة ومن الرجل الذي يفرغ عليهما ردود فعل استلابه هو الآخر، ولما كان الإبداع ثورة ضد الظلم لأنه وليد الحرية، وثورة ضد التقليد والموروث المتخلف لأنه ابن المستقبل، فإن المرأة المبدعة تحتاج لمقومات عدة وأسلحة وعي ثقافية نشطة من أجل أن تكون قادرة على مواجهة هذا القهر المركب والواقع المعقد، ونحن نظلم الشعر والفنون حين نسند إليهما مهمة تفكيك عُقد هذا الواقع الذي يحتاج تغييره لفعل جهادي اقتصادي وسياسي واجتماعي وتخطيط حضاري ينسف البنى التحتية التي وطدتها القرون وتعهدتها قوى خارجية وداخلية من أجل إدامتها لإدامة منظومات المصلحة وكراسي الذرائع المرتبطة بالقوى الأجنبية. لكن البنى الثقافية وهي تتشكل من إفراز تلك القواعد، ستظل في جدل دائم معها، فالكتابة شيء والواقع شيء آخر،الأدب كلمات على ورق والواقع مجابهات حقيقية بين فكر يحمله أناس على الأرض وفكر آخر مضاد، ولذلك فإن الحراك الثقافي الواعي بمنجزات الحرية وقيم الإبداع وهو يعمل على تفعيل خياراته لابد له من تنشيط أجواء التفكيك بإشاعة روح التذوق الجمالي الحر لدى القارئ والاستجابة للجديد الثائر على الأطر القديمة، وتهيئة الأجواء لتشكيل قيم جديدة تقتلع قيم التخلف لا لتزيحها فحسب، بل لتعمل على إزاحة كل نتائجها وما نجم وينجم عنها من استمرار الركود والسكونية وعلاقات القمع في المجتمع. وإذا علمنا أن هذه المحاولات محاطة أكثر الأحيان بالرفض والتصدي والنكوص والردات المتكررة كما حدث في "الخريف العربي"، فإن المبدعة الحقة تحتاج لشجاعة مبهرة وتضحيات جمة من أجل تحقيق هذه القضية. وهذا الأمر ليس في الوطن العربي حسب، بل في كل أرجاء العالم.

إن الشاعرة العربية وقياسا بالأجواء القسرية التي تعيشها ومجتمعها تمكنت من فتح الأبواب التي كانت موصدة على موضوعاتها الخاصة بها مرة،والتي كان الشاعر يقولها نيابة عنها لصمتها وتغييبها أخرى. كما تمكنت لحد لا بأس به من التعبير عن مشاعرها الخاصة وإطلاق صوتها في الأمور العامة وتدوين رأيها فنيا على كل المستويات الثورية والوطنية والإنسانية، وقول أحاسيسها في الرجل إيجابا وسلبا وفي الوطن وقضايا الإنسان عموما، مجربة في ذلك كل الأشكال الشعرية. لكن لا أخفيك حقيقة أن كل ذلك لا يكفي. فالشعر لم يعد (وما كان الأصيل منه من قبل) ذلك الغناء الذي يُطرب بايقاعاته العالية فحسب. الشعر الحقيقي كان وما يزال فناً ذا حساسية خاصة وروح مرهفة تمتزج فيها المعرفة وجوهر الحضارة بالجمال. وهل بقي من جهد الانسان وحضاراته الماضية غير بهاء الجمال. إنه فن يحتاج لحس نقدي ومعارف متنوعة راقية وعميقة تراثية ومعاصرة معا. وعلوم تغذيه وذوق رفيع يجيد تنسيقه وتجارب حياتية حادة تتطلب خوض غمار الحياة بعنفوان، وبما لا يتاح لمجمل الشاعرات العربيات لأسباب لا مجال لذكرها هنا، لعلَّ في طليعتها عدم توفر الظروف الموضوعية في الأسرة والمجتمع التي تساعدها على تحقيق هذا الهدف. وإذا كانت المبدعة الأوربية النمساوية الفائزة بجائزة نوبل للآداب الفريدة جلينيك تقول: "أما المرأة فهي على الأكثر الهدف الصامت للنظرة الذكورية وليس معادلا أنثويا مكافئا"، فماذا تقول المرأة العربية ..!

إن الشاعرة العربية يعوزها الكثير من الجرأة والعلوم والمعارف والفعل والخبرة المعمقة كي تقول كل ما يجب قوله شعرا. وقصور هذه الجرأة ليست جبنا ولا ضعفا أو انكفاء على الدوام، لكنه في الغالب اشتراط قسري وموقفُ تحسّبٍ واع لما يحيط بها من سلطة ثقافة ذكورية وقيم عشائرية وقبلية ما زالت للأسف تهيمن على المجتمع يؤازرها تطرف المد المتدين المؤدلج الذي حل بنا مع أجندات الواقع العربي الأخير وارهاصاته الممتدة الى قرن مضى او يزيد.

2- المراة كائن يهب الوجود معنى، كونها رحِمٓه ومستقبله، تهبه معنى الحياة نفسها، أو كما يعبر نيتشة : الحياة امرأة. فالشاعرة إذاً وجود لذات تصنع حياتين، حياة تنتج وجودا لا يمكن أن يقوم بدونها، وحياة ثانية ليس أقل أهمية تنتج عالما ثقافيا خاصا من خلال نص ينتج انوثة بتمام القصد والمعنى،نص يعمل على تغيير واقعها ويؤسس لوجودها ..؟

ج2: د. بشرى البستاني: نعم، المرأة كائن يهب الوجود معنى بطريقتين، الأولى تواصل إنساني لا يتم إلا بمعاناتها التي تصل حد التضحية بحياتها، فهي رحم الكون ومستقبله،كونها منتجة الحياة ؛لأنها تضمر الرجل والأجيال القادمة في دمها أولاً،وهي قدوة الطبيعة والكائنات الحية في الخصب والديمومة وإشاعة قيم الايثار والعطاء ثانيا. والمرأة في هذه العملية التواصلية تحتاج لطاقة تعينها على الاحتمال والصبر،وعلى الاستمرار، لذلك كانت الحياة أنثى قوية وبهية لأنها القادرة على الحضور والبذل بما يمنح الوجود قيمته الإنسانية والجمالية الحافزة على تحقيق قيمته الواقعية، كون الأمومة لديها ليست سمة بايولوجية ميكانيكية، بل هي طبيعة فيها تمكنها من القدرة على الاحتواء بشمولية، حتى احتواء مَنْ هم أكبر منها سنا من الرجال والنساء واحتواء محن الحياة وعذاب الفقدان، ولذلك كانت الحياة امرأة ولذلك أكد أراجون "أن المستقبل امرأة"، لكني أصر على أنها امرأة تضمر رجلا كما يضمرها الرجل. فالكون لا يستكمل بهاءه في رؤية المرأة الواعية والمتصالحة مع أنوثتها إلا بوجود الرجل الواعي المؤازر والمشارك،والوجود لا يكون متوازنا الا بوجودهما معا، إنهما منتجا الحياة، بوعيهما الفاعل يشكلان الجمال ويمنحان الطبيعة معناها، والأشياء الجميلة قيمتها. أما الحياة الثانية التي تنتج عالما ثقافيا من خلال نص ينتج أنوثة بتمام القصد والمعنى، نص يعمل على تغيير واقعها ويؤسس لوجودها، فإن السؤال الذي يُثار حول هذا الموضوع سؤال ذو أبعاد شتى وهو: هل يستطيع النص الأدبي أن يغير حياة ذات أبعاد واقعية متشابكة ..؟ لا أعتقد ذلك، لكن لمثل هذا الطرح مقاصد عدة،منها الرجوع لما ذكرنا في الجواب الأول من نسف البنى التحية لتحويلها من استهلاكية إلى منتجة ومنها ما يعود لطروحات النسوية على اختلاف مرجعياتها ولا سيما المتطرفة منها. فالثقافة انتماء للحرية واحتفاء بالطاقات الكامنة التي تستفزها حركية الملامسة، ملامسة الحياة بصفائها وهوائها النقي وبكل نتائج معتركاتها الايجابية والسلبية، والكتابة حضور وهوية وانتماء، حضور في قلب الحياة وتفجير للمقموع والمسكوت عنه وكشف عن الإشارات الذاهبة إلى الداخل والمتمركزة في الخفايا،وغرفٌ من مرجعيات لم تستطع المختبرات بأنواعها: التشريحي والنفسي والنقدي والابداعي الكشف عن كيفية تفاعلها واشتغالها لتظهر فيما بعد بأشكال لغوية ترميزية منزاحة هي الشعر والفنون اللغوية الأخرى. وإذا كان الإبداع لا يتشكل الا في جو من الحرية، وكانت الحرية ما تزال مفقودة ومحاصرة في الوطن العربي ليس على النساء حسب، بل وحتى على المبدعين والمفكرين والعلماء عموما، فكيف ستكون المرأة حرة في التعبير وفي إنتاج عالم ثقافي خاص يغير ويؤسس لوجود. إن نظرة متأنية لحجم المبدعين والعلماء العراقيين والعرب وشتاتهم في المنافي تجعلنا ندرك حجم القهر الذي يعيشه الإبداع والمبدعون، وحجم القيد الذي يجثم على الفضاء الإبداعي الذي لا يمكن ان يعيش إلا في صميم الانفتاح والحرية . ألا يوحي إنتاج نص أنثوي خالص بعزل وفصل ..؟ وأنا لا أومن بفصل الأنثى عن رفيق عمرها وصديق مكابدتها حتى لو كان منه ما كان عليها من قسوة وما يزال،وهذا الغفران يجعلني مؤمنة بلغة إبداعية تنتج نصا يسمو ويتعالى على التمييز الجنسي القسري للطرفين رجالا ونساء. نص كلما فارق النوع المحدد انتمى لكينونة الإنسان بشموليتها وهذا منتهى الرقي الإبداعي،كون المرأة بانتمائهاالإنساني هذا تثبت وجودها الأنثوي المتسامي ولا تلغيه،لأن إلغاء وجود الرجل يعني إلغاء وجودها وإلغاء سيرورة الحياة وتغييب تواصل الإنسانية مع المستقبل. إن محاولة عزل قضية المرأة عن قضية المجتمع باعتقادي من أخطر القضايا التي يمكن أن تواجهها الإنسانية في الوقت الحاضر، لأن المجتمع الإنساني اليوم يواجه أخطار إبادة حضارية من قبل حضارة استعلائية متغطرسة مادية وعدوانية لا بد من التكاتف رجالا ونساء ومجتمعات من اجل التصدي لها وإحلال مبادئ التوازن والانسجام محلها. إن وجود أدب انوثي خالص بالرغم من حضور المصطلح تداوليا يقتضي افتراض وجود أدب ذكوري خالص، وهذا لا يمكن أن يتحقق ضمن حياة مشتركة وعلاقات مشتبكة من غير الممكن فصلها على الاطلاق. لان هيمنة النص الانثوي يعني خلق تمركز جديد ليس هو المطلوب في المجتمع الانساني الذي نبغيه.3124 بشرى البستاني

3 – يقع النص الأنوثي تحت طائلة مظلة من الألم والقنوط والانا المقهورة والحس المفرط بالانجراح، بمعنى أن نصها كثيرا ما يكون تهريبا للذات إلى النص،وممرا لأناها وذاتها القلقة المستلبة بتجل جمالي من ناحية أن " الشعر هو الشكل الجمالي للأسئلة القلقة كما يرى الناقد محمد العباس .."

ج3: د. بشرى البستاني: نعم، يقع النص الانوثي تحت طائلة كل ما طرحه السؤال صحيح، لكنه ليس حكما خاصا بالمرأة الشاعرة حسب، بل هو الحكم العام الذي ينطبق على الشاعرات والشعراء في مجتمع يفتقد التوازن عموما ولا يختلف إلا بحجم المكابدة، كون معاناة المرأة فيه أشمل وأكبر من معاناة الرجل نتيجة الشروط القهرية التي عاشتها وتعيشها فنصها فسائل لتجذر تاريخي يعيش داخلها بوعي شديد الشقاء، ولأن الجروح كثيرة وقد مرت عليها دهور طويلة ولما يزل كثير منها للأسف ماثلا في الواقع حتى اليوم، فإنها تحتاج زمنا طويلا كي تشفى، يُضاف لذلك أسباب مهمة يمكن تلخيصها بأن مشكلة المرأة الحقيقية في الأمس واليوم هي أن الحب والاهتمام المتاحين لها من الرجل ومعه الأسرة لا يكفيان حاجتها، نعم، الحب الممنوح لها لا يكفيها، سواء كان هذا الرجل أبا أو أخا أو حبيبا أو زوجا وإبنا، وأنها تحتاج لقدر أكبر من الحب يوازي ما أعطت وتعطي لتتمكن من إحداث توازنها النفسي المطلوب وانسجامها مع ذاتها ومع الآخر، وهذه الحاجة شكلتها عوامل وأسباب عدة ليس لأن الرجل مهموم بذاته ومصالحه حسب، بل لأن أسبابا أخرى نفسية واقتصادية واجتماعية وتربوية تتواشج لتبعد الرجل عن الاهتمام بتخصيص زمن حميم تستحقه المرأة . فضلا عن كون نشأتها الاجتماعية تحتم عليها أن تكون مرغوبةعلى الدوام مما يلغي حاجتها وحقوقها الإنسانية الفاعلة في أن تكون راغبة وأن تكون رغبتها موضع تقبل واحترام واهتمام، فعلى المرأة في العرف الجمعي ألا تُقبِلَ ولا تختار، ليس لها أن تكون فاعلة ولا مبادرة،وهناك فرق شاسع بين الفاعل والمفعول، الفاعل منتج والمفعول مستهلك، الفاعل مثابر والمفعول به ساكن متلقٍ، ينجم عن ذلك قضية مهمة هي شعورها بأن جسدها هو المطلوب وليس فكرها ومشاعرها ومعارفها وروحها النبيلة، بل على العكس قد تكون مواهبها ومعارفها وإقبالها على تطوير ذاتها عقبة في طريق تحقيق حياتها الشخصية، فبينما تفخر المرأة بالرجل الموهوب وتؤازره نجد الكثير من الرجال يبتعدون عن المرأة الموهوبة، فهي للحوار والزينة والزمالة فقط ؛ كونها غير قادرة على التفرغ كليا للخدمة ومتطلبات البيت والأطفال في مجتمع لم يُدرج في إعتباره أصلا أن هناك بيتا وأسرة وطفولة تحتاج لخدمات توكل للدولة ولمؤسساتها . فضلا عن أن المرأة وأخص الشاعرة هنا بما لها من حس مرهف تدرك بعذاب هذا الاضطراب وانعدام التناسق والجروح التي تنزف من حولها بشدة في مجتمع انعدام العدالة على كل المستويات، مما يجعل البحث عن الحلول يثقل كاهلها في ضرورة الاعتماد على الذات ؛ وذلك بأن تعمل بكل مثابرة على تفعيل طاقاتها الكامنة من أجل تشكيل قوة حصينة في داخلها تستمدها معينا وقت الحاجة . كل ذلك جعل المدى بين واقع المرأة الشاعرة وحلمها شاسعا، وربما مستحيلا مما جعل الحاجات الروحية التي تعاني من فقدانها ما تزال تحفر في روحها خنادق للألم والقنوط لتكبر الأنا المقهورة ويتسع الجرح .

نعم، الشعر هو الشكل الجمالي للأسئلة القلقة منذ أول قصيدة كتبها الإنسان وحتى اليوم، ومنذ أن وقف الإنسانُ مرتلا خوفه أمام قسوة الطبيعة، ومذ وقف الشاعر العربي القديم على الأطلال وحتى آخر طلل إنساني، إنه جواب امرئ القيس وطرفة وعروة بن الورد والمتنبي وابي العلاء وسواهم على الجراحات الداخلية التي كرسها ويكرسها الاغتراب والفقدان وألم المصير، فما الشعر في صيرورته إلا السؤال الوجودي الآخر الذي يتشكل لغةً جماليةً داخل تلك الأسئلة الوجودية الجارحة ليمرَّ عبرها في رحلة انعتاق نحو الخارج. إنه محاولة للتخفيف من عذاب المسكوت عنه وترويض تناقضاته. وإذا كان الرجل الشاعر قد عانى ويعاني من هذه المكابدة المُرة فكيف للمرأة المرهفة بكل استلابها وما ورثته من رواسب العلاقات التراثية القامعة أن تواصل الحياة دون عملية تسريب لاشتباكات الحزن والحرمان وضيق الفضاء المفروض عليها والشعور العميق بالغبن الذي يلازمها. إن الشعر وبقية الفنون التي صنعها الرجال والنساء معا ما هي إلا وسائل تسريب ومقاومة ثقافية وجمالية ليس لمكبوتات الداخل حسب، بل لمشاكل الرصد التي تقف أمامهما متمثلة بالرقيب النفسي والثقافي والمجتمعي والسلطوي، مما يجعلها تعيش معاناة أخرى هي كيفية إلباس نصوصها طاقية الإخفاء والتقنع بأقنعة لانجاز أدب يجيد الترميز بحيث يعبِّر عن معاناتها ويخفي، ويقول ولا يصرح معا. إن اندماج الأنثوي بالشعري أمر بغاية الأهمية في شعر المرأة، إنه أبلغ خطورة من نصوصها الأخرى سواء الروائية أو القصصية، ذلك لعمودية الفن الشعري واشتغاله السري وسطوته على المكبوت وما خفي في الضمير أكثر من الأنواع الأدبية الأخرى .

 4 –حسب مقولة مدام دي ستال " الحب هو كل حياة المرأة " بمعنى أن المرأة لا تبلغ كمالها الأنثوي إلا عندما تحب، فكيف برأيك تتحرك نصوص المرأة – الشاعرة وفقا لهذا المفهوم .؟ وهل الحب لديها مجرد فكرة افتراضية؟. أو هو المعنى المثالي الخيالي في واقعية حياتها ..؟ من يقرأ نصوص بشرى البستاني يجد وثيقة حضورها في مفردات الحب (للوطن، للحبيب، للمكان، للطبيعة، للجمال ..) .

3129 بشرى البستانيج4: د. بشرى البستاني: الذين اتخذوا من مقولة مدام دي ستال هذه منطلقا لتجريح المرأة لم يفهموا للأسف مرامي المقولة الشاملة والعميقة التي أوجزت فلسفة المرأة كأنثى في الحياة، لأنهم ما كانوا يؤمنون بان الحياة بشموليتها – اقتصادا واجتماعا وسياسة وثقافة ومحمولات متنوعة - هي الحب لو كانت منطلقات الحياة إنسانية، جمالية حقا، وذات رؤىً إيجابية فعلا، وأن الحب برحابته هو الحياة كلها. إنهم فسروا المقولة على أنها شهادة امرأة بأن المرأة لا تصلح إلا للمنح العاطفي وعطاء المشاعر والجسد كونها قاصرة عقل وما ينتج عن العقل من فعل وقرارات. ولما كانت القرارات تحتاج لعقل متأنٍ بعيدا عن الانفعالات، فما على المرأة إلا أن تترك الحياة العامة وتتفرغ في البيت لتمنح العاطفة للرجل وأولاده. من الطبيعي أننا لن نحاور مثل هذه الآراء التي دحضتها الحقائق العلمية والعملية معا، إذ لا توجد مشاعر مجردة ولا انفعالات خالصة ومنفصلة كليا عن العقل كما لا يوجد عقل خالص لا تلامسه الانفعالات والمشاعر ولو بنسب متفاوتة. تلك الأقاويل التي كرستها أساليب التنشئة الاجتماعية التي ربت أجيالا من النساء في ظل الرعب والخوف وتكريس الشعور بالضعف والتبعية للرجل القوي عضليا. لكن بالرغم من كل ذلك يمكن القول إن من الفخر الشديد للمرأة أن يكون الحب كل حياتها، ولو تسنى لها بهذا الحب النبيل أن تحكم العالم لما تعرض لهذا الدمار الفادح والحروب الإجرامية على يد الطغاة من الرجال. وهنا بودي أن أصلح المقولة التي وردت في السؤال لأقول : المرأة لا تبلغ كمالها – الإنساني - الخلاق وليس الأنثوي حسب، ولا تتجلى إبداعيا إلا عندما تحب.أليس الرجلُ كذلك.؟ لكن كلام الناقد محمد عباس لا ينطبق بالضرورة على كل الشاعرات، بل هو حكم قد نجده موقفا لدى بعضهن،ويكمل العباس معقبا على هذا الحكم " وهنا سرُّ الوله المؤدي بها إلى الرهبنة، أو منع ذاتها من التداول، فهي كذات عشقية مغالية في النرجسية لا تهب نفسها إلا لذات تشبهها وتستحقها، أو تموت دون ذلك " نعم، الحب لدى الشاعرة البالغة الرهافة ليس فكرة افتراضية،بل هو فعل إبداعي يسمو بها نحو الإيثار والإبداع والسمو والتعالي على مجرد الرغبة. إنه دافع لها نحو التقدم وتطوير الذات والعمل على تطوير الآخرين من حولها والارتقاء بمنجزهم والحرص على تنمية فعل القيمة لديهم من أجل تطوير الحياة وتعزيز بنائها. كما تعمد الشاعرة وهي في حالة الحب إلى توظيف أسمى قيم الجمال في الحياة لتكون بهيةً بفرح الإنسان وسعادته. وما تعبير " منع ذاتها من التداول " إلا تمجيد لبهاء موقف حميم من الحب واحترام خصوصية الجسد والروح إلا للحبيب. لكن الباحث محمد عباس نسي حقيقة مهمة هي أن الرجل النبيل كذلك لا يبلغ كماله الرجولي والإنساني الخلاق ولا يتجلى إبداعيا وجماليا وعملياً إلا عندما يحب بأصالة وصدق.

نعم، تشخيصك لحركية الحب في شعري تشخيص يقترب من الموضوعية كثيرا، لأن كل منجزي الإبداعي والأكاديمي والثقافي والإنساني لم ينجز منذ طفولتي وحتى اليوم إلا في حالة حب دائم مندمج بوعي كان وما يزال يشتغل اشتغالا مكابدا ومتواصلا لتطوير جوهر أدواته بالعلم والمعرفة والخبرة والوعي بالضعف الإنساني القائم للأسف على العجز والحسد والترصد للتفوق الأصيل. والحب عندي شبكة متألقة من العلاقات لا أستطيع الحياة إلا في فضائها، بدءاً من أفراد أسرتي ومَنْ حولي من طلبة وزملاء وناس وطبيعة ووطن وأمة وأشياء، ثم كبرت موجات الحب واتسعت بتطور المعرفة لتشمل الإنسانية المسالمة في أطراف الكون كله، فالشعر لا يعيش إلا في جدلية حب دائم، وعبر اشتباك هذه الجدلية ينتج نصوصه عارمة بالحياة والجمال ومفعمة بحوارية لا تكف عن التطور والاشتعال .

5– قصيدة النثر العربية منذ أكثر من ستين عاما ويزيد تحولت بقوة الى نوع شعري،وهناك آراء كثيرة تقول بان اصول هذه القصيدة عربية، ويستشهدون بنصوص للنفري والتوحيدي وعدد من شعراء وناثرين متصوفة، لا بل هناك من يذهب أبعد من ذلك ويقول، أصولها عراقية المنشأ، مستندا إلى النصوص البابلية التي كانت تتلى في المعابد القديمة فضلا عن الشعائر الدينية . ماذا تقولين في هذا النوع الشعري؟

ج5: د. بشرى البستاني: من الطبيعي أن تتطور الأنواع الفنية، وأن تولد من خلال عملية التجريب الواعي أنواعٌ جديدة، فتلك طبيعة الحياة الحرة السليمة وطبيعة الثقافة والإبداع غير المقيد بأغلال الموروث، وطبيعة التراكم الفني الذي لا بد أن يؤول للتجاوز. وإذا كانت مرحلة الشعر العمودي قد طال انفرادها في الساحة الشعرية العربية زمنا، فإن هذا شأن الفنون الكلاسيكية التي استغرقت هيمنتها أمدا طويلا، وما ذلك الاستغراق في الحالين الا نتيجة طبيعية لسمات الزمن الذي عايشته وخصائص إيقاعه، والذي يختلف اختلافا جذريا عن زمننا المعاصر الذي انفجرت قواه وصارت المعرفة تتطور فيه تطوراً هائلاً وبتسارع مدهش مما جعل للفنون حوافز متوثبة على مواكبة ذلك التطورالمتصل بمنظومة المعلومات في زمن سريع التقدم، فكان شعر التفعيلة ثم قصيدة النثر الأكثر جرأة على كسر القواعد والأطر. وإن كنا على قرب من بداية هذا الفن عربياً فإن المرجعية الغربية التي نقلت لنا نصوص الشعر الغربي وترجمت لنا كتاب سوزان برنار الذي ظل زمنا مصدر الثقافة العربية في تأصيل وتعريف قصيدة النثر حتى استطاعت طروحاته أن تهيمن على ما كتب عنها في الربع الأخير من القرن العشرين. وكان لتأخرنا في التنظير والتأصيل أثر كبير في سلب حق النثر العربي القديم وجمالياته التي اصابها غبن كبير على مر العصور، تلك العصور التي انهمكت بدراسة الشعر وابراز صوره الجمالية وتحليل رؤاه. بينما كان الاهتمام بذلك النثر الرائع مركونا في الظل،صوفياً وأدبياً وتوقيعاتٍ والتماعاتٍ زاخرةً بالشعرية، وخطباً ووصايا. وحتى هذا اليوم لا أجد الاهتمام بهذا التراث العظيم موازيا لأهميته وروعة مراميه. وهذا القول ينطبق على النصوص العراقية القديمة التي تفوق الكثير مما يكتب تحت عنوانات قصيدة النثر. ولنعد الى ملحمة جلجامش والتراتيل الدينية العراقية ونصوص الرثاء والحب البابلية لنجد أروع البُنى الشعرية في أجمل رؤاها. لكن - وكما أسلفت قبل قليل وفي أجوبتي لكتاب في (الشعر والنقد والسيرة) - تأخر تنظيرنا الموضوعي لقصيدة النثر العربية ؛ فسادت تنظيرات برنار، بينما كانت النماذج الاولى لمحمد الماغوط رائد قصيدة النثر العربية لا علاقة جذرية لها بقصيدة كتاب برنار، بل كانت عربية الروح، عربية الرؤى إنسانية المرامي. ومن يقرأ نصوص ملحمة جلجامش والنصوص البابلية سيجد بُنى شعرية تفوق الكثير الكثير مما يكتب اليوم باسم قصيدة النثر. إن كل نوع أدبي جديد يولد لن تكون ولادته شرعية الا حين تكون طالعة من صميم التغيرات التي اشتبكت وانتجت في مخاضها هذا الوليد الذي حمل تغيرا صميميا في طرائق تشكيل النص وفي جوهر مخاضه. نعم للأثر الخارجي تأثيره حين تفتح الابواب على الثقافات الاخرى، شرط أن يكون الارهاص الاول أو الناتج ناهضا من الداخل. إن مشكلة رفض الجديد بشدة لدينا في واحد من جوانبها هي أن الحداثة الشعرية لم ترتبط بحداثة شمولية ثقافية وسياسية واجتماعية حقيقية، حداثة تعمل بجد على تغيير الحساسية ورفع مستوى الذوق وتغيير وجهة التقبل من الصوت العالي والإيقاعات المتدفقة إلى الخافت والهادئ الذي يحتاج التأمل الصامت أكثر مما يحتاج الضوضاءَ والتصفيق. علما أن النص الجديد الأصيل لا يدير ظهره للتراث بل يتعامل معه باحترام رصين حين يستوعبه ويعبر عن ذات الأهداف الجمالية والإنسانية بمهارة..

6 –وهل يمكن في المسار المزدوج لقصيدة النثر في شكلها وتناقضاتها الخطيرة والعميقة من نثر وشعر،حرية وصرامة، فوضى وتنظيم .... سر تألقها وخطورتها ومستقبلها معاً ..؟ هل تعتقدين أن العقلية الثقافية العربية ستنصرف بقوة الى قصيدة النثر مستقبلا ..؟

3125 بشرى البستانيج6: د. بشرى البستاني: قلتُ في مدخل كتابي " الحب واشكالية الغياب " الذي صدر عن دار "التنوير" في الجزائر ما معناه أن الحرية المتاحة لقصيدة النثر وغياب المعايير التي تشكل لها منظومة نقدية قضية ذات حدين، الأول سلبي، جعل الباب مفتوحا لكل من أعجبه دخول عالم الأدب بلا مواهب ولا مؤهلات ولا معارف ولا أدوات، ساعده على ذلك إتاحة النشر ورقيا وألكترونيا وغياب الخبير الأدبي المسؤول فامتلأت الصحف والمجلات والمواقع الألكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، الفيس بوك والتويتر وغيرهما من وسائل الإعلام بجمل مفككة وعبارات سائبة ونصوص لا تنتمي إلى أي معيار لأي نص أدبي بصلة مما أساء كثيرا لقصيدة النثر وجعل مهاجمتها أمرا مبررا من قبل الحريصين على علوم العربية أولاً، والمصرّين على المعايير الشعرية المتعارف عليها وزناً وقافية، أو تشكيلا ورؤى.أما الحد الايجابي فذلك الذي هيأ للموهوبين الواعين باشتراطات الشعرية الحقة المؤمنين بأن الحرية الأدبية مسؤولية كبيرة تُلزم الأديب باحترام اللغة وعلومها، والفنون واشتراطاتها، أقول، تلك الحرية هيأت لهم فضاء مفتوحا للتجريب الواعي والتعبير الرؤيوي والالتزام بضرورة تحويل الحرية لمنجز فني فيه من الجدة والابتكار ما يعمل على اكتشاف مديات جمال أبعد وبهاء أوفى وعلاقة جديدة وجديرة بتراثنا الابداعي، بحيث نجد لكل قصيدة نثر يكتبونها معاييرها الشعرية الخاصة بها فهي تخلق ايقاعها الجديد بذاتها، وتشكل تحولاتها الترميزية برؤاها، وتفعّل تناقضاتها المزدوجة في الشعرية والنثرية والحرية والالتزام والتنظيم والفوضى لصالح جوهر الشعر تشكيلا،وليس لصالح انفراد مفهومها وعزلتها وانفصامها وانغلاق إبهامها داخل النص، لأن في تلك العزلة وذلك الانفصام يكمن مقتل هذا الفن حقا. أماعن الشطر الأخير من السؤال، فإن الحاضر المعاصر بما يكتنفه من تطور معرفي وإشكالي معا يجعلنا غير قادرين على الاستشراف ولا التكهن بما سيكون، لأن التحولات أسرع من تأملاتنا والمفاجئات خطيرة تبزغ دون توقع. ولا بد من الإشارة إلى أن قصيدة النثر الجيدة هي فن النخب الثقافية، فأين سيكون مصير هذه النخب غدا،وما المانع من بزوغ نوع فني لغوي جديد الى جانب قصيدة النثر ما دامت مصطلحات النصوصية والكتابة وانهيار الحدود بين الأجناس تشتغل باطراد، وما دام الحوار سيبقى قائما بين الفنون فإن التعايش بين الاجناس صار أمرا واقعا. المهم أن على قصيدة النثر ومبدعيها وعلى كتاب كل الأشكال الأخرى أن يقبلوا الحوارية مع الفنون التي تلتزم بالقيمة الفنية هدفا. على أنها اليوم وإن استطاعت أن تحضر وتتواصل وتهيمن على جوانب من الساحة الثقافية في الوطن العربي إلا أنها مع تطور الحياة والثقافة والإبداع لابد من تطور الأنواع الأدبية والفنية،و تطور الاساليب التي تشتغل داخل مصطلحي النص والكتابة، والانفتاح على فنون وتسميات جديدة. المهم في الأمر كما أسلفتُ هو القيمة الأدبية لكل نص جديد. ذلك هو ما سيبقى للمستقبل، القيمة المستندة على مواهب وأسس معرفية وعلمية وانسانية جمالية خالدة .

 

7- هل تؤمن بشرى البستاني بابتكار ما يسمى بـ "المخيلة الانثوية" المستقلة القادرة على الفكاك من سطوة التصور الذكوري ..؟

ج7: د. بشرى البستاني: لا شك أن المصطلحات الخاصة بما تكتبه المرأة من أدب ونقد تعددت وتنوعت حتى أصابها الكثير من التشتت؛ كونها لم تصدر عن مرجعية بينة ووعي محدد وواضح الهدف. وفيما يخص قضية أي مصطلح، أجدني مؤمنة بكل مصطلح يولد من صلب الحاجة اليه وفي صميم ما يبرره، لأن المفاهيم واسعة وحالما تنضج وتقرّها الأعراف الثقافية وتتمتع بما يقرب من إجماع الجو المعرفي المختص، في ذلك الحين تنتج رمزا يعبر عنها. هذا الرمز المعبر عن المفهوم والمبلورله والمُقرّعلمياً من قبل المختصين هوالمسمى بـــ"المصطلح". وحين يكون للنص خصوصية أنثوية تتعلق في شأن من شؤون الأنثى الخاصة بأنوثتها وبجسدها وتحولاته ومشاعرها وهواجسها ومعاناتها فإن مخيلتها حتما ستشتغل اشتغالا خاصا يختلف عن اشتغال مخيلة الرجل لو عبر عن ذلك الموضوع ذاته؛ لأنه اشتغال يتصل بالإحساس المباشر.هنا لا بد من الحاجة إلى مصطلح المخيلة الأنثوية، أما في الموضوعات العامة أو المشتركة وطنية وانسانية واجتماعية، فإن الاختلاف قائم حتى لدى الجنس الواحد بما يسمى الأسلوب، ولكل أديب أو شاعر أسلوبه، كما أن لكل شاعرة أسلوب صياغتها. إن العزل في مؤسسة يعمل فيها اثنان يحتم وجود أحدهما وجود الآخر أمر لا يمكن أن يكون موضوعيا على أرض الواقع، وإن صح حضوره تداوليا في الأدب والنقد والثقافة. لكن لو حدث وفاجأنا التقدم العلمي بسمات خاصة بالمخيلة الانثوية تباين سمات المخيلة الذكورية لتغيرت موجهات البحث كما حدث في قضية القدرات اللغوية وقدرة الانثى على مزجها بالعاطفة أكثر من الرجل .

8– فيما يخص اللغة نجد اغلب الكاتبات والشواعر واقعات تحت وطأة ضمير المذكر في كتابتهن دون ان يشعرن وهذا على ما يبدو هو الذي دفع غادة السمان الى القول : ما أروع وما أسوأ أن تكون امرأة ..

ج8: د. بشرى البستاني: يهمني التأكيد هنا على أن الرؤى هي التي توجه اللغة وهي التي تشكلها. وامرأة تمتلك رؤية حرة ووعيا فاعلا بقضية الإنسان لابد من امتلاكها اللغة التي تعبر بامتياز عن قضيتها. مرة أخرى أقولُ ليس العزل وفصل قضية المرأة ولغتها عن الرجل هو الهدف، بل الهدف المهم هو بناء مجتمع إنساني حر وخالٍ من العقد والاستلابات التي تهدد سعادة الإنسان رجلا وامرأة وأسرة. تقول جوليا كرستيفا " اللغة مفتاح التغيير " لكن الخلاف ما يزال قائما حول قدرة اللغة على إحداث تغيير حقيقي بدون الموجهات الأخرى. ذلك ان الإمساك بالواقع الاجتماعي من خلال اللغة امر ليس من السهولة بمكان، إذ يؤكد باختين أن أي عضو من الجماعة الناطقة بلغة واحدة لا يجد أبداً كلمات من اللغة تكون محايدة، معفاة من تطلعات وتقويمات الآخرين، وغير مسكونة بصوت جمعي، وهذه الكلمة المحملة بماضيها الدلالي باقية فيه. إنها تتدخل في سياقه الذاتي انطلاقاً من سياق آخر هو سياق الجماعة واهتماماتها، ولذلك قيل إن اللغة متحيزة لأهلها. إن تحويل اللغة إلى أداة جامدة يقيدها ويفقدها الكثير من حيويتها وطاقتها الحركية فضلا عن كون الجمود دليلا على سكونية الفكر. فالعلاقة جدلية بين اللغة والتفكير لأنها لا تتشكل إلا بإشارات من الفكر الناجم عن التفكير الذي يشتغل في فضاء العقل الإنساني. وإذا كان العقل الإنساني عبر التاريخ قد اشتغل في حيز الرجل ومصالحه، فان المرأة في اللغة غالبا ما تظهر في ظلال الرجل وضمن حضوره في ما أشرنا إليه بظاهرة التغليب في اللغة والانضواء في ظلال تراكم تاريخي طويل لا يمكن الإفلات منه بسهولة. تغليب التذكير على التأنيث سمة في لغتنا لكنها ليست سمة بنيوية في طبيعتها،بل سمة متوارثة تداولياً،فقد كان لطبيعة الموطن في تلك البيئة الصحراوية الصعبة التي تحتاج عضلات الرجل وقوته للتنقل وتدبير حمولات الخيام ومستلزمات العيش والرعي والغزو،فضلاً عن حقيقة كون التذكير مصاحبا للأنثى في الإسناد لا أجده يتم إلا بصمت المرأة عن المطالبة باستعادة صيغ التأنيث التي تنسجم وواقع اللغة وطبيعة الحال. فالتطورات التي شهدها القرن العشرون ولاسيما الربع الأخير منه في الميادين كافة ولاسيما العلمية والحقوقية وفي الأنتاج الأدبي حققت قفزة نوعية للمراة العربية في ميداني العلم والاستقلال الاقتصادي معا بالرغم من المجازر وأجندات الردة التي صاحبت نمو الوعي الثقافي والتحرري للمرأة في المنطقة العربية مؤخرا.إن أيديولوجية اللغة القياسية كما أطلقت عليها "لوزيتالبي غرين" تعني الانحياز الى لغة مجردة ومتجانسة، وذلك لا يمكن الركون له كما أرى حتى في المجتمعات النشطة حضاريا. فاللغة هي ابنة الحياة وناتج حضارتها، والعلاقة جدلية بين الأدب والحياة والأدب والسياسة وبين اللغة والحضارة. وما دامت الحياة قائمة على التطور والحركية في كل تلك الجوانب، فان اللغة ستأخذ مداها في التطور هي الأخرى مطردة مع التطور الحضاري لكنها بالنسبة للمرأة تحتاج لمزيد من المثابرة والجرأة كي تبادر بجرأة ومثابرة وتقنع مجتمعها بقضيتها وبالأساليب التي تعبرعنها وعن مشاعرها وحاجاتها.فالأستاذة التي تستلم أمر مناقشتها لأطروحة جامعية ومكتوب أمام اسمها الأستاذ الدكتورفاطمة بالتذكير وتصمت إنما يعني صمتها أنها راضية بهذا التذكير، لكنها لو أصرت على استعادة أنوثتها الكتابية لتمكنت من ذلك، وقد مررنا بهذه التجربة كثيرا ونجحنا، فاللغة عموما إنسانية مشاعة للجميع ووجودها في المعاجم بثراء يتيح لمستعمليها النهل من ثرائها. لكنها تتباين حين تكون كلاما أو كتابة كما أكدت اللسانيات، لان لكل متكلم وكاتب أسلوبه الخاص. والمبدعة الحقة هي التي تتمكن من تطويع اللغة لمقاصدها. وهذا التطويع هو الذي يشخص طريقةً عن طريقة ويميز بين أسلوب وأسلوب. المهم هنا رحابة الرؤيا وكيفية التعبير عنها فضلا عن العلمية وسعة الأفق الذي يجب أن يتوفر للمبدعة لتجيد التعبير عن قضاياها. من هنا ستظل اللغة الأنثوية في علاقة جدلية مع الحياة لا تنفصل عنها والحياة امرأة ورجل. لذلك كان انخراط المرأة في الحياة هو الركيزة الأساسية لإطلاق طاقتهاومواهبها وتفعيل خبرتها ووعيها بالعالم والأشياء من حولها، ومن ثم تطوير وتحقيق تلك المواهب والطاقات . فضلا عن كون الاندماج الأنثوي بالشعري أمر بغاية الأهمية في شعر المرأة كما سبق القول، أكثر من الخطاب السردي مثلا. ولذلك أطلق على الرواية حالما اقتربت من البوح المعمق والغوص داخل الذات واصطناع الترميز مصطلح رواية شعرية. فاللغة إنسانية محايدة لكن طرائق التعامل معها هي التي تميل بها نحو الانحياز أو التوازن. وإذا كانت الثقافة الذكورية قد وظفت قوانينها اللغوية بانحياز للذكورة؛ فعلى المبدعات العربيات وعالمات اللغة - وهن كثر – أن يجتهدن في الإصرارعلى اصطناع صيغ جديدة تعطي المرأة حقها اللغوي في الحضور، وذلك متاح في قوانين التشكيل مرة، وفي استعمال الضمائر المؤنثة وهي موجودة باللغة، وفي قوانين الاشتقاق اللغوي وصياغاته الثرية في اللغة العربية المعروفة بمرونتها وثرائها وقدرتها على التواصل .3128 بشرى البستاني

هنا لا بد من الإشارة إلى كثرة التجارب التشريحية التي توصل اليها أكثر من عالم وأكثر من مختبر – من ذلك ما توصل اليه العالمان "ريتشارد هير وروبين جون" من أن الرجل يستخدم الجانب الأيسر من المخ للتعبير اللغوي فهو مسؤول لديه عن اللغة بينما تستخدم المرأة الجانبين في آن واحد، الأيمن مسؤول اللغة والأيسر المسؤول عن العواطف معا،ولذلك تظل المرأة اقدر من الرجل على مزج اللغة بالمشاعر – حسب العالمين - مما يزيدها قدرة على التعبير، فضلا عن كون الجانب الأيسر المسؤول عن الكلام والقدرات اللغوية لدى المرأة يحتوي على حزم عصبية أكثر مما لدى الرجل مما يساعد المرأة على التعبير أكثر من الرجل. وأثبتت تجربة أخرى أجرتها "العالمة لورا آلان والعالم روجر جورسكي" عزلة الجانب الأيمن في المخ عن الأيسر لدى الرجل فلا يعرف الأيمن ما يدور في الأيسر بينما يدور حوار عصبي دائم بين الجانبين لدى المرأة . وتؤكد هذه التجارب – حسب العالمين - ان مخ المرأة كالغرفة الواحدة يستطيع ان يركز في موضوع واحد بكفاءة عالية تتسم بالشمولية ليحقق انجازا كبيرا، بينما مخ الرجل صندوقي فهو كالبيت ذو غرف عدة. مما يجعل خلايا المرأة المخية تشتغل بتواشج وتركيز على القضية الواحدة بشمولية وبما يجعلها صانعة قرار جيدة،بينما يفصل الرجل بين قضية وأخرى. ويطول البحث وتكثر آراء العلماء في هذا الموضوع،ويرى معظم المفكرين والباحثين في هذا الأمر أن نتائج هذه البحوث تؤكد ألا أفضلية لأحد الجنسين على الآخر، بل هناك تكامل إنساني مبهر بين الطرفين يدعوهما للتعامل بالعدل والإحسان والمحبة من خلال حاجة احدهما للأخر.

 إن الشعر واحد من أبرع وسائل المقاومة الثقافية لأن اللغة هي أداته البنيوية التي تعد من ابلغ أدوات البنى الفنية قدرة على التواصل الإنساني لكونها الأداة الأكثر تداولا من وسائل الفنون الأخرى. لذا فإن نص المرأة ليس محايدا، بل هو نص مقاوم يناضل على أكثر من نسق. يقاتل سلطة الخارج بأزماته المركبة ويقاوم سلطة الداخل المجروح بالأسئلة النفسية والوجودية المحكومة بالتوتر الدائم. لذلك فإن الشعر يعمل على التفريغ والخلاص والاستبدال معا. وهو فضلا عن ذلك يشكل انهماكا في لعبة فنية تشتغل بذروة الدقة والجد لتستنفد مداها بين أمرين بغاية الأهمية هما قمة اللذة مندمجة بجوهر القيم في شبكة من العلاقات المعقدة تشكلها صناعة الشعر المثابرة للكشف والتصدي معا .

9– بوصفك شاعرة وناقدة كيف تنظرين الى رأي جاك دريدا القائل : ان الشاعرة من الذوات الفردية التي تسكن المناطق الأكثر تعذرا على التجاوز، أي هي كائن ذاتي النزعة تريد أن تفصل نفسها عن جسد تعيش فيه، كونها تعدها صيغة من صيغ التحدي،وأن لها أحقية امتلاك القوة والكفاءة إزاء الآخر ..؟

ج9: د. بشرى البستاني: أرى أن مثل هذه الأحكام لا تصح على الشاعرة العربية ولا المرأة العربية لاختلاف ظروفها الحياتية اختلافا جوهريا عن ظروف الشاعرة أو المرأة الغربية. ان ما وقعت به بعض الناشطات العربيات من أخطاء هي محاولة تطبيق التنظيرات الغربية على واقع المرأة العربية المختلف. فبينما تتهيأ ظروف الغربية المجتمعية والعملية والمعاشية والحقوقية والقانونية لصنع قرار حياتها الذاتي بحرية تامة في العيش وحيدة أو مساكنةً مع رجل أو امرأة، نجد ما هو أحقّ من ذلك متعذرا على العربية التي ما يزال قرارها يعاني من ارتباطه المصيري بقرار الرجل (ولي الأمر) والأسرة حتى في أدق أمورها الشخصية المتمثلة بالزواج. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا أرى في حكم دريدا إلا ردا أو تعقيبا شخصيا على تطرف المنظمات النسوية الغربية الراديكالية شاعرات وناقدات. تلك المنظمات التي دعت إلى فصل قضايا المرأة عن الارتباط المصيري بالرجل ومنظومات قيم العائلة فيما يخص الزواج وتشكيل الأسرة وأعباء الأمومة، مما يشكل عوائق كبيرة – برأيها - أمام تحقيق ذاتها وتشكيل مواهبها بحرية كما هو متاح للرجل، وكأن المرأة الغربية حتى هذا اليوم لم تستطع أن تغفر للرجل أزمات اضطهادها وقمع إرادتها وحرمانها حقوقها في كرامة روحها فهي تعمل ساعات أطول من زمن الرجل وتتقاضى أجورا أقل منه وحقها في صنع القرار ضئيل جدا، إذ يبلغ عدد الوزيرات مثلا في أوروبا 57 وزيرة فقط مقابل 515 وزيرا. وأن نسبة 2 في المئة فقط من الإداريين ذوي المستوى العالي هن من النساء فضلا عن كون المرأة الغربية ولاسيما في امريكا تُضرب وتهان حتى يومنا هذا مما يذكرني بقول المؤرخ الكبير توينبي " لم اجد في التاريخ ما يدل على أن الإنسان المتحضر كان يوما ما اقل همجيةً منه في عصر الغاب " ذلك أن كل تلك القوانين الجائرة هي من صنع الرجال الذين شكلتهم قيم الاستهانة بالأنوثة وإنسانيتها وبقدراتها التي ضاعت في خدمة الرجل.تقول المفكرة مارجوري نيكلسون من جامعة كولومبيا : " ان السبب الرئيس لعدم إنتاج النساء إنتاجا يعدل في عظمته إنتاج الرجال هو أن النساء ليس لهن زوجات " مشيرة في ذلك إشارة بليغة لتخصيص الرجل زوجته خادمة لأمجاده متناسيا كونها إنسانة تمتلك طاقات وقدرات تحتاج مثله زمنا ومكانا وتفرغا لتحقيقها.و لذلك كانت الشاعرات والناقدات النسويات مصراتٍ على هجر الرجل وإلغاء قوانين الزواج والأسرة، تخلصا من التحيزات السافرة ضد المرأة لصالح الرجال ولو على المستوى الشخصي لا العام. لكني أخالف دريدا القول في فردية المرأة وكونها الأكثر تعذرا على التجاوز وأنها كائن ذاتي النزعة - وهنا أشير لغياب لا النافية قبل الفعل تريد لكي ينسجم المعنى – فذاتية النزعة هي التي لا تريد أن تفصل نفسها عن جسد تعيش فيه كونها متحدية. وقد راجعت النص ووجدته كما ذكرتُ فعلا، ولها حق امتلاك القوة والكفاءة أمام الآخر. إن معظم الأحكام التي أطلقها دريدا في هذه الفقرات التي راجعتها تعد أحكاما ذاتية لا تندرج في ظل اشتراطات علمية او نفسية أو واقعية حقيقية. إن دريدا يحكم على الشاعرة النسوية الغربية "المتطرفة حصرا"، لأن الحقيقة التاريخية عبر العصور تؤكد عكس هذه الطروحات تماما فيما يخص المرأة عموما. فالمرأة في العالم كله عبر التاريخ كانت مخلوقا كادحا وأُماً مضحية وزوجة صابرة وربة أسرة مسؤولة مما أغرى الرجل بعطائها فأوكل إليها واجب العطاء العاطفي وحرمها معظم ميادين الحياة الأخرى. أسكنها بيته حارسة أمينة وأخذ منها الدنيا وصنعَ القرار وكتابةَ التاريخ وتفسيرَ الأديان والخطابات حقبا طويلة. فلما أفاقت ورفضت الواقع نسي الكثيرون تاريخ عطائها الطويل واتهموا قراراها الذي هو مطلب حقيقي وليس رد فعل على الاستلاب- بالأنانية. أما حق امتلاك القوة والكفاءة أمام الآخر فذلك حق مشروع ظل مضمونا للرجل عموما. لكني أحرص على أن تكون القوة والكفاءة متشكلة مع الآخر وبشراكته وبمؤازرة الطرفين ولا تتم من خلال فصل أو منافسة وتحديات أوصراع يؤذي ثنائية الحياة الأساسية المؤتلفة : المرأة والرجل فهما يشتغلان داخل مشروع واحد هو تمجيد الحياة. وإلا عدنا لخلق تمركز جديد هو تمركز الأنوثة الذي سيؤدي الى خلق هامش آخر هو هامش الذكورة وهذا باعتقادي ليس هو الحل الذي تسعى إليه الإنسانية المتوازنة.3127 بشرى البستاني

 10–في النص الشعري الانوثي تتجلى مهمة الشاعرة لإعادة المرأة الى الكتابة بوصفها حضورا في قلب الحياة فكرا وتجربة وعاطفة وحرية، فهل حققت الشاعرة العربية حضورها بحرية الشعر المعهودة ومثلت الكتابة بوعي وتحرر وقيمة نوعية وهل توافقينني الراي بان للشاعرة نصا سرياً لم يأخذ دوره بعد؟ تقول سيليفيا بلاث : أكتب وحسب، لانه في داخلي ثمة صوت لن يهدأ أبدا.

ج10: د. بشرى البستاني: نعم، الكتابة حضور وتحرر ومسؤولية وانتماء. والمرأة في هذه الكتابة تضيف متعة أخرى لحضورها الأنثوي المرهف والمفعم بالحنو هي متعة العطاء الإبداعي والمعرفي والجمالي، في الكتابة الأنثوية تكشف المرأة عورة التاريخ وموروثاته المتخلفة بشجاعة، وتزيح الغطاء عن ظلمٍ جعل الإنسانية تهدر نصف طاقاتها عبر القرون. وتدحض بقلمها الجهل الذي أدام تلك التشوهات. وهي في مواهبها الحقيقية تضيف لخصوبتها البايولوجية خصوبة أخرى تلقحها بجهدها الذاتي وسهرها المعرفي والثقافي، وهي بذلك تزيد من بهائها وجمال حضورها حين تضاعف أنوثتها بالشعرية وسطوة الكتابة. لان الجسد يحضر عبر كل مفردة وكل تركيب من تراكيب النص المكتوب بأنامل الأنثى. الكتابة عنفوان لأنها وليدة الحرية وخلاص من الوأد وسلطة الحجب ووحشة الجدار. والكتابة الأنثوية ليست تعرية للاستلابات حسب، بل هي تفجير لكل القوى الكامنة في صميم إنسانة عاشت قرونا من الكبت والقهر والحرمان. فالكتابة قوة وثورة وحب وولع وانعتاق وتشكيل للجمال وبداية لعصر جديد يحمل في رياحه بذور أملٍ بغد أفضل. فالمرأة بالكتابة تقاوم عوامل السلب في المجتمع. لأن الكتابة من أهم وسائل المقاومة الابداعية. إنها إصرار على الحضور وتدوين الأثر. هذا الأثر الذي كانت تنجبه للرجال بوجع ومعاناة كي يخلد أسماءهم عبر العصور بينما يختفي اسمها في سجلات ميلاد يعلوها الغبار. لكنَّ هذا المنجز الجديد الذي يتشكل جنينا في دمها وخلايا رأسها وعصبها، ومن ثمَّ بأناملها غدا اليوم أثرا وليدا يُنسب إليها ويحمل اسمها ويحقق ذاتها وسمات هويتها. إن المرأة في الكتابة تنجز أمرين لا أهمَّ منهما، الأول إعلان المساءلة للتاريخ والمجتمع وكشف عن جبن النساء وتبعيتهن لتسلط الثقافة الذكورية الحريصة على إدامة موروث فظ وجامد وقبلي لا علاقة له بالتراث الحي، بل مهمته الوقوف عقبة أمام مستقبل أفضل. والثاني عقد المصالحة والانسجام مع ذاتها التي تحولت من السكون الى الحركة ومن الرضوخ الى الثورة. فالثورة ان لم تكن انوثة مخصبة ستصاب بالعقم والقطيعة والموت حتما. لذلك فالشاعرة الثائرة تشعر بالرضى عن ضراوة فعلها المتحرر وسط ظلام الجهل والقطيعة.

نعم، أوافقك وسيليفيا بلاث على أن للشاعرة نصا سرياً لم يأخذ دوره حتى الآن. وأتساءل دون حذر، كيف تكتب الشاعرة والشاعر كذلك ان لم يكن في داخلهما صوت مقيد ملهوف لا يكف عن طلب الإغاثة بالانعتاق والبوح،فالإبداع صرخة سرية في الظلام يقول الناقد الامريكي أرشيبالد ماكليش، في الداخل صوت يولد عن إشارة سرية او أخرى منظورة ثم ينمو بصمت وغموض كذلك عبر تجربة معاناة داخلية، فإذا اكتمل النمو تشكلت التجربة في بنية فنية هي القصيدة او اللوحة أو أية بنية أخرى. وإن لم تكتمل فإنها لا تموت أبدا بل تذوب لتندرج في غمار تجربة أخرى ستنجح في تشكيل ذاتها. ولذلك فإن هذا النص السري باعتقادي ما هو إلا الرصيد الفاعل والمحرك للنص المعلن. لكن الفرق بين المبدعة والمبدع أن المباح والمتاح للرجل أوسع دوما من المباح للمرأة،ولذا فإن مكبوت المرأة ظل هائلا عبر القرون. وان الثقافات الإنسانية التي دونها التاريخ كلها تعاملت بارتياب مع القضايا التي تخص الأنثى جسدا وحرية وهواجس ونظرت بارتياب الى الأنثى المتحدية التي تعمل بقصدية على كشف المكبوت والتصريح بالمضمر. من هنا نجمت قضية التصادم بين جرأة المرأة المبدعة ومطالبتها بحقوقها الإنسانية وحرص المجتمع على تصميتها،ذلك التصادم التي أنتج نصوصاً مشتبكة بأنواع الرفض كما أنتج منظمات نسوية متطرفة عدة وأطلق أصواتا عالميةعالية مطالبة بإحداث التوازن في الحقوق والواجبات، والمبدعة تدرك بوعي أن اشتغالها أصلا قائم على التصادم بين السكونية والحركة بين التقليد والتحرر، بين الإتباع والإبداع، وبين القدامة والحداثة وهكذا في جدلية دائمة. وقد نتج عن ذلك حضور مفاهيم أخرى لا مجال للحديث عنها الآن.

 

حاورتها الشاعرة: بيداء حكمت

 

 

3095 فوزي حامد الهيتيأقام قسم الفلسفة في جامعة الكوفة مؤتمره الفلسفي الاول. وكان ضمن محاوره دراسة المشهد الفلسفي العراقي المعاصر. وكلفت حينها بكتابة بحث تعريفي عن الفيلسوف العراقي المغترب نمير العاني الذي لم أكن اعرف عنه ساعة اقتراح الموضوع سوى اسمه. وعند الشروع بجمع المادة العلمية عنه صار لنا اتصال مباشر معه جرى خلالها طرح اسئلة استفسارية للالمام الكافي بجوانب فلسفته، كان من نتائجها إثارة موضوعات فلسفية مهمة منها آرائه النقديه للقراءة الماركسية لعدد من الفلاسفة السوفيت المعاصرين ونقده للمدرسة العقلانية النقدية ممثلة بكارل بوبر فضلا عن تصوراته لمفهوم النظرية العلمية ومعاييرها. ولاهمية هذا الحوار إرتأينا نشره منفصلا بصيغة مقابلة او حوار فلسفي. ونزولاً عند رغبته في نشر هذا الحوار في مجلة الثقافة الجديدة حيث كان يعمل في تحريرها خلال عقد السبعينات من القرن الماضي تم نشره في فعلا فيها بعددها في عددها المزدوج (398 – 399) لشهر تموز 2018. ولأهمية موضوع الحوار ورغبتنا بنشره على نطاق أوسع، نعيد نشره مرة أخرى. والاستاذ الدكتور نمير مهدي العاني. حاصل على شاهدتي دكتوراه في الفلسفة الحديثة كلاهما من جامعة سان بطرس بيرج الحكومية الروسية (جامعة لينينغراد سابقاً) الاولى سنة 1971 موضوعها في (العلاقات الاجتماعية) والثانية دكتوراه علوم في الفلسفة وهي اعلى شهادة تمنح في روسيا. سنة 1983 والموسومة (الديالكتيك المادي.. النظرية الاعم للتطور). عمل تدريسيا في قسم الفلسفة جامعة بغداد في سبعينات القرن الماضي ومن ثم استاذا زائراً في جامعة عدن خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي واخيرا استاذ كرسي الفلسفة في جامعة الدولة لتكنولوجيا المعلومات والعدسات والميكانيكا الدقيقة (إيتمو) في سان بطرس بيرج – روسيا الاتحادية، الى أن وصل السن القانوني للتقاعد عام 2002، ولكنه واصل العمل (كمتقاعد عامل) في الجامعة نفسها حتى الأول من كانون الثاني عام 2017 حيث استقال من عمله وتفرغ تماما للبحث العلمي. لديه عدد كبير من الابحاث العلمية قاربت المئة بحثا, فضلا عن عدد كبيرمن الكتب والدراسات الفلسفية المنشور أغلبها باللغة الروسية وللأسف الشديد.

- سؤال: خلال قراءتي لمشروعكم الفلسفي اثرتم في بداية حديثكم قضية مهمة تتلخص في تقديمكم قراءة جديدة للديالكتيك يعيد له طابعه الثوري المتمرد هذه الصفة التي غابت في قراءة المدرسة السوفيتية الرسمية للديالكتيك والمدرسة الماركسية بعامة وأحالتها (الفلسفة الماركسية) من فلسفة وظيفتها بحسب الفهم الماركسي تغيير الواقع الى فلسفة تبرر الواقع ووصفت هذه القراءة بفلسفة الركود او الجمود بحسب توصيفكم. ومن ثم شرعتم بشرح مقومات فهمكم للديالكتيك بعده بردايم للوجود يمكن من خلاله تفسير كل مظاهر الوجود وحركته التفاعلية التطورية. ولكن لم نلاحظ خلال عرضكم اي مقارنة ومقابلة بين فهمكم للديالكتيك المادي وبين الفهم السوفيتي له الذي قاد الى حالة الجمود والتبرير. هل بالامكان ايضاح ذلك اكثر وبخاصة في جانب العلاقات الاجتماعية؟. هل القراءة التبريرية السوفيتية للماركسية هي التي افضت الى انهيار التجربة السوفيتية ؟. الحديث بالعموميات لا يفسر. وما طرحتموه من قراءة مخالفة أمر مهم يمكن أن نحدد من خلاله فهمكم للديالكتيك الماركسي إذا ما جرى مقابلته بالقراءة الاخرى التبريرية. وبصراحة اكثر اين تكمن القراءة التبريرية للديالكتيك الذي احاله من منهج ثوري مغيّر للواقع الى منهج مبرر له؟.

* نمير العاني: في دراستي عن الديالكتيك لم تكن غايتي التحليل النقدي الشامل للمدرسة الفلسفية السوفياتية. فقد إنصب كل إهتمامي في هذه الدراسة على بلورة فهمي الخاص والمتميز للديالكتيك الماركسي. وبطبيعة الحال إنني عند صياغة هذا الفهم وجدت نفسي مضطراً ان اتناول بالنقد هذه او تلك من تصورات الكثيرين من الفلاسفة السوفيات، والتي شكلت في تقديري خروجاً عن روح المنهج الجدلي. ولهذا استطيع ان اقول بان نقد هذه التصورات كان نتاجاً عرضياً للدراسة، ولذا فإن القارىء يجد هذا النقد منثوراً في اماكن مختلفة من الدراسة وليس ممركزا ومكرساً في احد فصولها دون غيره. فعلى سبيل المثال لا الحصر، اشير هنا إلى إنني عند صياغة تعريفي للتطور تعرضت بالنقد للفكرة التي كانت طاغية في الفلسفة السوفياتية والقائلة بالتطابق التام بين مفهومي التطور والتقدم. لقد رأيت في هذه الفكرة خروجاً فاضحاً عن المنهج الجدلي، معتبراً إياها فهماً وحيد الجانب، اي فهماً ميتافيزيقياً (إنني هنا وفي بقية اجزاء إيضاحاتي الحالية اردد هذا المصطلح بمدلوله المنهجي وليس النظري، اي أعني بالميتافيزيقا المنهج المناويء للمنهج الجدلي،... اللا ديالكتيك). فالتطور ليس بحركة صاعدة على الدوام، ليس بسيرورة إلى امام على طول الخط. إنه، وكاي شيء في الوجود، ذو طبيعة متضادة داخلياً. ولذا ففي المنحى الذي نتحدث عنه هنا يشكل التطور وحدة جدلية للتقدم والتقهقر (التراجع، الإرتداد..إلخ). إنه، إذن، ليس بعملية خطية تجري بخط مستقيم، بل هو سيرورة متعرجة تجري في كافة الإتجاهات (صعوداً وهبوطاً، إلى الأمام وإلى الخلف). ومما له دلالة علمية في هذا الصدد ما اثبتته مثلاً، الدارونية حتى في صيغتها الكلاسيكية في ان تطور بعض الكائنات الحية من الممكن ان يتم من خلال تبسيطها لبنيتها، اي بإنتقالها من المعقد (الأرقى) إلى البسيط (الأوطىء)، لأن تبسيط البنية يساعد هذه الكائنات على التكيف الأفضل للبيئة المتغيرة. وبهذا يصبح التقهقر شكلاً من اشكال التطور الحيوي. كما انه يتجلى ايضاً في الصيرورة التاريخية وفي التطور الإجتماعي. وليس ثمة ما هو غريب في ذلك إن اخذنا بعين الإعتبار ان التقدم والتقهقر هما ضدان جدليان لا يمكن لأي منهما ان يوجد بمعزل عن الآخر. فلا تقدم بلا تقهقر ولا تقهقر بدون تقدم. وبالفعل، إننا نجد ان اية ظاهرة في مجرى تطورها تتقدم في بعض جوانبها وتتقهقر في جوانب اخرى. كما واضيف إلى ذلك إن الصراع بين هذين الضدين بشكل عام لابد من ان يحسم في كل طور من اطوار تطور الظاهرة لصالح احدهما. ففي هذا الطور يطغي التقدم على التقهقر وبذلك تكتسب السيرورة التطورية للظاهرة دلالة تقدمية، وفي طور آخر يصبح التقهقر هو الغالب، الأمر الذي يضفي طابعاً تقهقرياً على تطور الظاهرة. فما هو غالب في طور يتحول إلى مغلوب في طور آخر، وبالعكس، ما كان مغلوباً يصبح غالباً. إننا نشاهد ذلك في كل مكان وزمان. فإن كانت الحياة على سطح كوكبنا تعيش في طورها الحالي فترة إزدهار وتقدم بشكل عام مع تقهقر محدود هنا وهناك، فهذا لا يعني إنها ستبقى كذلك إلى الأبد. فلا بد لهذا التقدم والإزدهار ان يخلي مكانه في طور لاحق لتقهقر عام للحياة، من الممكن ان يؤدي إلى تلاشيها من على سطح الأرض حتى قبل نهاية كوكبنا والمنظومة الشمسية. وليس هذا بالأمر الغريب في عالمنا. فهنالك، مثلاً، فرضبة تقول بان الحياة قد اقبلت، ومن ثم ادبرت على سطح المريخ، اي إزدهرت وبعدئذٍ تقهقرت وإندثرت اخيرا هناك. وما قلناه حول التقدم والتقهقر من الممكن ان يؤكد ايضاً بخصوص المجموعة الشمسية، بل وعموم الكون. فإن إعتبرنا إن الحالة الراهنة لكوننا، والتي بدأت بنشوءه وبداية توسعه بعد الإنفجار العظيم، هي حالة تقدم وإزدهار، فهنالك العديد من الفرضيات في علم الكون (الكوزمولوجي) تذهب إلى إن هذه الحالة لا بد وان تخلي مكانها في الطور اللأحق في مسيرة الكون لنقيضها، اي لحالة التقهقر والإرتداد. ومن بين هذه الفرضيات اشير إلى تلك التي تقول بان توسع الكون لا يمكن ان يجري بلا نهاية، وإنه عاجلاً ام آجلاً لا بد وان ينتهي في ذلك الى حد له، الذي عنده يبدأ الكون حركته المعاكسة، اي حركته إلى الوراء او سيرورته التقهقرية، التي تتميز بجريان الزمن فيها إلى الوراء من الحاضر إلى الماضي. وقد دعيت هذه السيرورة ب "الإنكماش العظيم"، والذي سينتهي بالكون إلى الحالة المتفردة، التي من غير المستبعد ان يحدث فيها إنفجار عظيم جدبد.

هذا وهنالك العديد من التصورات الآخرى للفلاسفة السوفيات التي اختلفت معهم فيها واخضعتها للنقد، اذكر من بينها مفاهيم الحركة والتغير والسببية والقديم والجديد والإبداع البشري وغيرها. وفي سبيل الإلمام باوجه الإختلاف بيني وبين هؤلاء الفلاسفة ينبغي عليك قراءة دراستي من بدايتها وحتى نهايتها، او في الأقل الإطلاع على كتابي حول " "مبدأ التطور وعلاقته المتبادلة مع مبادئ وحدة العالم والتشارط المتبادل والتعاكس العام. منشورات مركز الدراسات الإشتراكية في العالم العربي، دمشق، 1988 " والذي في متنه تمت الإشارة إلى جزء من هذه التصورات. وقد وجدت من اللازم ان اقف في مقدمة هذا الكتاب وقفة موجزة على خلافي المنهجي مع الكثير من الفلاسفة المعاصرين الذين بحثوا وكتبوا في مشكلات الديالكتيك المادي. وهنا اسوق لك المقطع التالي الذي اقتبسه من هذه المقدمة، والذي يسلط بعض الضوء على هذا الموضوع، توخياً للإفادة، إذ من غير المستبعد إنك لم تحصل على هذا الكتاب حتى الآن:

"إن السمة الأساسية، بل واقول الخصيصة الماهياتية التي ينماز بها البحث الذي اقدمه إلى القارىء الكريم بين دفات الكتاب الحالي، بل وتنماز به مجمل الدراسة التي استل منها هذا البحث، من الممكن ان تلخص في إستخدام الديالكتيك المادي كمنهج فلسفي لبناء الديالكتيك المادي كنظرية فلسفية. او بكلمات اخر، استطيع ان اقول بان البحث الحالي (شأنه بذلك شأن الدراسة المذكورة برمتها) يشكل في حقيقته الفعلية خلاصة لإنعكاس الديلكتيك المادي في ذاته ومن خلالها، اي خلاصة لعكس الديالكتيك المادي لذاته في ذاته وعبرها. فهو، كما عبر بدقة احد الأساتذة السوفيات الذين إطلعوا على الدراسة المشار إليها وشاركوا بتقييمها، اقرب ما يكون إلى " ديالكتيك عن الديالكتيك نفسه ".

واود ان اشير بالإرتباط مع ذلك وان اؤكد على إن إعتمادي الفعلي على الديالكتيك المادي كمنهج اساسي كامل السيادة في تحليل ومعالجة وحل مشكلات الديالكتيك نفسه (اي، إستخدامي للديالكتيك منهجاً لبناء الديالكتيك نظريةً) هو الظرف الذي مكنني بالتحديد من الوصول في دراستي التي اشرت إليها آنفاً إلى ما إنتهيت إليه من إستنتاجات وخلاصات مهمة تخرج في العديد من دلالاتها ومضامينها على ما هو شائع ومألوف من تصورات باتت اقرب إلى التقليد الفلسفي في ادبنا الماكسي المعاصر. وإنني إذ اشير إلى ذلك واؤكد عليه، لا يسعني في الوقت نفسه إلأ ان الاحظ إن الكثير من الأعمال الفلسفية لمفكرين وفلاسفة معاصرين، والتي تتناول بالدراسة والبحث مشكلات الديالكتيك المادي (و احياناً مشكلات فلسفية اخرى تخرج عن دائرة هذا الأخير المباشرة) تعتمد في الواقع الفعلي (و بالرغم من التصريحات والتوكيدات اللفظية) المنهجية الميتافيزيقية في معالجاتها النظرية. وفي هذا بالذات يكمن، كما أرى، سر (سبب) زوغان هذه الأعمال في العديد من موضوعاتها وأطروحاتها وإستنتاجاتها عن درب الحقيقة بشكل عام وحيودها عن النظرة الديالكتيكومادية الحقة على وجه التحديد.

و من الغريب، بل ومن باب المفارقة حقاً، ان نلاحظ في هذا السياق ان الوزن النوعي لإعتماد وإستخدام المنهج الديالكتيكومادي في البحث هو اعلى في الدراسات العلموطبيعية منه في الدراسات العلموإجتماعية عموماً والدراسات الفلسفية على وجه الخصوص. اما سبب ذلك وتفسيره، فيعود في التحليل الأخير، كما يبدو لي، إلى حالة الركود في السيرورة الإجتماعواقتصادية. وبالفعل، ان المنهج الوحيد الذي يستطيع ان يعبر باصالة عن هذه الحالة ويجسدها او يلخصها تجسيداً (تلخيصاً) حقيقياً، اي المنهج الأصيل ل"فترة الركود" لا يمكن ان يكون إلأ منهجاً ميتافيزيقياً في مضامينه ودلالاته الفعلية.

إنني لا انوي هنا، بل ولا افكر إطلاقاً نفي القيمة الإيجابية (العلمية) للمنهج الميتافيزيقي سواءً في بعدها التاريخي ام في مدلولها الوضعي. بيد ان هذه القيمة تبقى قيمة محدودة (بل ومحدودة جداً في بعض مجالات البحث والدراسة)، ومن غير الجائز إطلاق معناها باي حال من الأحوال. هذا يعني إن المنهج الميتافيزيقي في البحث لا يمكن ان يضطلع في عصرنا إلأ بدور ثانوي ووظيفة هامشية. ولذا، فإنه يبقى (و مهما بلغت "قيمته العلمية" في هذا المجال او ذاك من مجالات البحث العلمي المعاصر) عنصراً منقاداً ومقهوراً ("منزوعاً") في بنية منهجية عامة تظل ذات اصالة ديالكتيكية ببعدها العام وبدلالاتها الخاصة". (د. نمير العاني. جدلية العلاقة بين مبدأ التطور ومبادىء وحدة العالم والتشارط المتبادل والتعاكس العام. دمشق: مركز الابحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، 1989، ص. 6-7).

لقد وجدت من المناسب ان اورد هنا هذا المقتبس الطويل من مقدمة كتابي المذكور تحسباً لعدم توفر المصدر تحت يديك، وإعتقاداً مني إنه سيعينك ولو بعض الشيء على تفهم مشروعي الفلسفي بصورة افضل.-

- سؤال: خلال رسائلكم السابقة تحدثتم وبإيجاز ايضا عن العقلانية النقدية وبخاصة لفلسفة كارل بوبر وتحديدا حول مسألتين هما أ- معيار العلم لديه (معيار التكذيب) وقلتم أن هذا المعيار مثله مثل معيار التثبت لا يكفي لتمييز بين القضايا العلمية عن غيرها وقلتم أن معياركم هو (التثبت والتكذيب) وهذا ايضا كلام مبهم يحتاج الى ايضاح بأمثلة مقارنة. أنا افهم سبب تقديم بوبر لمعياره فهو جاء استجابة لفهمه وتصوره لمفهوم النظرية العلمية وتحقيقا لغاية الابستملوجيا كما يقول هو ويحددها بالنمو والتطور فغاية الابستملوجا هي النمو والتطور وهذا لا يتحقق كما يقول كارل بوبر إلا من خلال اكتشافنا لأخطاءنا لذلك اشترط في صياغة الفرضية العلمية أن تكون قابلة للتكذيب اي يمكن تكذيبها تجريبيا والقضية القابلة للتجريب لا تعني بالضرورة هي كاذبة فهي تخضع لاختبارات مستمرة وكلما اجتازت الاختبار يكون ذلك تعزيز لها. أما سبب رفضه لمعيار التثبت او التحقق الذي قالت به الوضعية المنطقية فإن هذا المعيار يبرر معارفنا ولا يعيننا على اكتشاف الاخطاء فكل قضية يمكن ان نجد لها تبرير ومؤيدات في الواقع ولكن حالة واحدة مكذبة تكفي لاعادة النظر فيها والبحث عن فرضية خرى. وبجعة واحدة سوداء تكفي لهدم القضية القائلة كل البجع ابيض كما يقول هو.

* نمير العاني: لقد سبق لي وان اشرت في رسالة سابقة إلى ان المصيبة الأساسية للفلسفة الغربية المعاصرة تكمن، كما ارى، في منهجيتها الميتافيزيقية. وعقلانية كارل بوبر النقدية لا تشكل إستثناءً في هذا الخصوص. فهذا الفيلسوف ينحو في اعماله منحىً ميتافيزيقياً يرى العالم من خلاله رؤيةً وحيدة الجانب. إنه، كغالبية زملائه من الفلاسفة الغربين، يفكر ويبحث وفق مبدأ "إما وإما". فإن كان الوضعيون الجدد، على سبيل المثال، قد إختزلوا الإختبار (البرهان) العلمي بإرجاعه إلى الإثبات فقط، نجد إن بوبر يفعل العكس تماماً برده الإختبار إلى الدحض تحديداً (إني افضل إستخدام هذا المصطلح بدلاً من "التكذيب"، لأن الكذب والصدق هي مفاهيم منطقية تعبر عن صفات الحكم المنطقي). هذا في حين إن البرهان العلمي، كما ارى، يجمع الضدين معاً، بحكم كونهما كاضداد جدلية متلازمين مع بعضهما البعض، بحيث لا يمكن لأي منهما ان يوجد بمعزل عن الآخر. فلا إثبات، إذن، بدون دحض، ولا دحض بلا إثبات. وعليه، فإن بوبر برفضه للاثبات، من خلال مطابقته الإختبار مطابقة تامة مع الدحض، يرفض في الواقع الدحض ايضاً، بالضبط كما ان الوضعين الجدد برفضهم للدحض يرفضون الإثبات ايضاً. وبحكم العلاقة الجدلية بين الإثبات والدحض، فإن إختزال الإختبار اي البرهان العلمي برده إلى اي من هذين الضدين لا يعني في الواقع سوى إلغاء الإختبار (البرهان) نفسه. وبهذا اخلص إلى القول: اولاً، بان البرهان العلمي يشكل في حقيقته إثباتاً بدحض ودحضاً بإثبات، وثانياً، بان الإثبات نفسه ينقلب دحضاً والدحض نفسه يتحول إلى إثبات في مجرى هذه العملية. فالبرهان، إذن، هو إثبات بدحض ودحض بإثبات. وتأسيساً على ذلك استطيع ان اقول بإن بوبر بعثوره على بجعة سوداء لم يدحض الفكرة القائلة ب"إن جميع البجع أبيض" وحسب، بل واثبت صحة الفكرة التي تؤكد على "إن بعض البجع أبيض" او "إن ليس كل البجع أبيض". فدحضه يصبح، كما نرى، إثباتاً. اما لافوزيه، مثلاً، فبإثباته تجريبياً النظرية الأوكسيجينية للإحتراق كان قد دحض بلا شك نظرية الفولجستون التي كانت سائدة وقتذاك. في هذه الحالة نجد إن الإثبات نفسه ينقلب دحضاً. ومن بين المنجزات العلمية الكبيرة التي عاصرناها والتي تشهد على ما تقدم من المناسب ان اذكّر هنا بالأبحاث التي قاموا بها في تسعينيات القرن المنصرم العالمان الأمريكيان شاوؤل برلموتتر وآدم رايس والعالم الإسترالي براين شميدت في مجرى دراستهم للمستعرات العظمى، التي فازوا بسببها بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2011، الدراسات التي توخوا من خلالها ليس الإثبات التجريبي لفكرة تباطىء إتساع الكون، التي كانت سائدة آنذاك بلا منازع في علم الكون وحسب، بل وإحتساب وتيرة هذا التباطىء. ولدهشتهم ودهشة المجتمع العلمي برمته إن ابحاثهم قادتهم في المطاف الأخير إلى دحض هذه الفكرة، التي كانوا ينون إثباتها. ولكن هل إن دحضهم في هذه الحالة كان دحضاً مجرداً، خالصاً، دحضاً مطلقاً لا يبقي ولا يذر كالدحض البوبري؟ لا ابداً. إن دحضهم للفكرة المذكورة جاء، على الضد من ذلك تماماً، دحضاً جدلياً ملموساً، دحضاً متحققاً من خلال ضديده كإثبات. وبالفعل، إن دحض فكرة تباطىء إتساع الكون تم بإثبات نقيضها، اي بإثبات فكرة تسارع هذا الإتساع. إن تاريخ العلم زاخر بالأمثلة والأدلة التي تؤكد على الطبيعة المتضادة داخلياً للبرهان العلمي وتثبت صحة فهمنا له كوحدة جدلية لا يمكن فصم عراها للإثبات والدحض.

إنني بما تقدم من توضيحات آمل في إزالة ما بدى لك من غموض في كلامي الوارد في رسالة سابقة لي عن فهمي لطبيعة البرهان العلمي ومعياره المتثل بالإثبات والدحض معاً، وليس في الإثبات وحده كما ذهبت الوضعية المنطقية، ولا في الدحض فقط، كما يؤكد كارل بوبر، الأمر الذي وصفته في رسالتك الحالية بانه "كلام مبهم".

- سؤال: المسالة الثانية تتعلق بنظرية التطور لديه (كارل بوبر) حيث نفيتم أن تكون لكارل بوبر نظرية تطور. وهذا أمر يحتاج ايضا الى تفسير اكثر.ان نظرية بوبر للتطور وحسب تصوراتي البسيطة والتي اسماها هو بنظرية العوالم الثلاثة (العالم الاول هو العالم المادي والعالم الثاني هو العقل او النفس والعالم الثالث هو منتجات العقل اي كل ما انتجه العقل البشري مثل الاساطير والاديان والفلسفات والنظريات العلمية ويصفها بالمعرفة الموضوعية) هو البردايم الذي اعتمده بوبر في بناء تصوراته للنظرية العلمية ومنهجه العلمي وبوبر لا يدعي أن نظريته للوجود وتصوراته التطورية الانبثاقية له هي حقائق علمية بل هي تصورات ميتافيزيقية للوجود تعيننا على بناء تصوراتنا العلمية وبما يحقق هدف الابستملوجيا في النمو والتطور الدائم اما سبب تبنيه لمفوم التطور الانبثاقي (emergent evolution) أن هناك حلقات في سيرورة التطور لا يمكن تفسيرها علميا مثل تطور الوعي عن المادة وتطور اللغة ومن ثم المعرفة العلمية عن الوعي لذلك لجأ الى القول ان هناك لحظات في مسار التطور حصلت انبثاقا وهواشبه بالقول بالطفرة. وهو بالطبع يتبى التصورات العامة التي جاء بها داروين (الصراع من اجل البقاء والبقاء للصلح) بعد اجراء تعديلات عليها بما يبعدها عن الجانب الاستقرائي الذي يرفضه بوبر تماما.

ان تكون لبوبر نظرية تطور صرح بها في كتبه هذا امر لاشك فيه ولكن يمكن ان نخالفه في تصوراته لهذه النظرية. هو لم يقل مثلا الطابع الديالكتيكي لهذا التطور، أو على الاقل لم يصرح بذلك بل قال هناك صراع وان سيرورة هذا التطور ناتجة بسبب هذا الصراع فالكائن الحي مثلا في صراع دائم مع محيطه والمتغيرات الحاصلة فيه وقدرته على البقاء تكون بحسب قدرته على التكيف والتفاعل مع هذه البيئة وعندما يفقد الكائن القدرة على التكيف سينقرض لا محالة فالباقي هو الاكثر قدرة على الانفتاح والتفاعل وتطوير مهاراته بما يعينه على الاستجابة لكل المتغيرات البيئية.

* نمير العاني: إن تصور كارل بوبر عن العوالم الثلاثة لا يمكن ان يدرج، كما ارى، تحت طائلة النموذج النظري العام (الباراديجما) للتطور باي حال من الأحوال. فالتطور هو سيرورة يولد من خلالها الجديد. ولا من جديد بدون القديم الذي يشكل حاضنة اولية له. إنه ينشأ في رحم هذا الأخير بصورة بوادر اولية تنمو وتتكامل تدريجياً حتى تصل إلى تلك الحالة من النضج التي تمكنها من نقض حاضنتها (القديم)، وذلك بالإبقاء على ما هو إيجابي فيها، بالإحتفاظ به وتطويره ورفض ما هو سلبي فيها وفقد قدرته على الحياة. فالتطور هو إذن، سيرورة تنطوي في محتواها الداخلي على علاقة إتصال وإنفصال بين الحاضر والماضي، علاقة إبقاء وإلغاء بين الجديد والقديم. فالحاضر ينفصل عن الماضي بقدر إتصاله به والجديد يبقي من القديم بقدر ما يلغيه منه. وعليه، فإن إلغاء الإنفصال بين الحاضر والماضي وإضفاء صفة مطلقة على الإتصال بينهما، او رفض علاقة الإبقاء بين الجديد والقديم وإطلاق علاقة الإلغاء بينهما يقودان إلى إلغاء السيرورة التطورية ذاتها. وهذا بالتحديد ما تقدم عليه الوضعية وما بعد الوضعية، اللتان تعتمدان المنهج الميتافيزيقي نفسه في معالجة هذه القضية ايضاً. فالوضعية تفهم التطور كعملية تراكمية خالصة تتم بصورة تدريجية خالية من اي طفرات. وهذا بالضبط ما يعنيه مبدأ التجميع او المراكمة (الكومولاتيفيزم) الذي صاغته هذه الفلسفة، والذي يفهم نمو المعرفة العلمية كسيرورة يتم من خلالها إضافة المعرفة الجديدة إلى جانب المعرفة القديمة دون اي تغيير في هذه الأخيرة. وبهذا، فمن الممكن تشبيه المعرفة العلمية في سيرورتها وفق التصور الوضعي ككرة الثلج التي تكبر وتزداد حجماً كلما تمت دحرجتها. فعن اي تطور من الممكن الحديث عندما يتم إطلاق التراكم الكمي وإلغاء الطفرة النوعية؟ اما ما بعد الوضعية فتقع في النهاية الأخرى، او في الطرف الأقصى الآخر، حين تقوم بإطلاق ما تلغيه الوضعية وإلغاء ما تطلقه هذه الفلسفة. إنها تضفي على السيرورة العلمية طابعاً ثورياُ، بل واستطيع ان اقول، طابعاً تدميرياً على وجه التحديد. إن توماس كون وبقية رواد ما بعد الوضعية بما فيهم كارل بوبر يفهموا الثورة العلمية كسيرورة يتم من خلالها تحطيم التصورات العلمية السابقة بصورة كلية. فوفق توماس كون إن الثورة العلمية كحل لإشكالية الحالة التي يسميها بالإستثنائية (إكستاوردينال) في العلم هي سيرورة يجري من خلالها إستبدال البراديجما السابقة، والتي ترمى جانباً، ببراديجما جديدة تضع بداية لحالة العلم التي يدعوها بالإعتيادية. وبهذا تصبح المسيرة العلمية مجرد مجموعة من الطفرات البراديجمية غير المتصلة مع بعضها. إن بوبر إذ يتبنى هذا التصور بشكل عام يضفي في الوقت نفسه على الثورة العلمية طابع الإستمرارية او الإستدامة. ولهذا، استطيع ان اقول بان العلم، في تقديره، يعيش على الدوام في حالة اقرب ما تكون إلى ما دعاه كون بالحالة الإستثنائية، اي بحالة الأزمة. فالعلم، إذن، يعيش في حالة ازمة مستديمة يجري حلها بثورة مستديمة. وبهذا تصبح السيرورة العلمية مجرد فرضيات تترى يجري دحضها الواحدة تلو الأخرى. وهذا ما يشهد عليه ويؤكده ما يدعوه بوبر بالفاصل الفكري والذي يدحض به نمو المعرفة في سيرورة عالمه الثالث. إن هذا الفاصل يبدأ بالمشكلة العلمية التي يتطلب حلها صياغة نظريات ما يجري إخضاعها للنقد الفاحص والذي يؤدي إلى دحضها ورميها جانباً، الأمر الذي يقود بدوره إلى ظهور مشكلة جديدة، وهكذا دواليك. إنه يرمز لهذا الفاصل بالمعادلة التالية:

P - TT - EE - P

اي: م (مشكلة اولية) – ن ن (نظريات) – نقد فاحص – م (مشكلة جديدة). وبهذا تصبح السيرورة العلمية مجرد سلسلة من النظريات المدحضة، المفندة، لا غير. فالدحض هو المصير المحتوم، هو قدر كافة النظريات العلمية بلا إستثناء. إن النظريات التي لا يجري دحضها مباشرةً تصطف بالدور (الطابور)، منتظرةً اللحظة التي ستدحض فيها، والتي ستحل إن عاجلاً ام آجلاً. فمن النظريات العلمية، إذن، "ما قضى نحبه، ومنها ما ينتظر". بهذه الصورة يقوم بوبر بإلغاء الطابع اليقيني للمعرفة العلمية، محولاً إياها إلى معرفة إفتراضية بشكل خالص. وهذا يعني إنه ينكر في واقع الأمر الحقيقة الموضوعية. إنه يعترف إعترافاً شكلياً بالحقيقة كهدف نهائي للمعرفة، لا تقوى على تحقيقه هذه الأخيرة باي صورة كانت. إنها افق المعرفة الذي كلما إقتربت منه يبتعد عنها. إنه لا يرى في هذه الحقيقة سوى حافزاً او قوة محركة للمعرفة، ليس إلأ. فعن اية موضوعية لمعارفنا وعن اي تطور او حتى نمو بسيط للمعرفة العلمية من الممكن ان نتحدث بعد كل هذا؟ إن بوبر يفرغ معارفنا في واقع الحال من مضمونها الموضوعي ويحول السيرورة العلمية إلى ثورة مستديمة لا تبقي على ما هو إيجابي في هذه السيرورة، ولا تخلف وراءها سوى مقبرة للحطام المعرفي.

اضيف إلى ذلك سبب آخر يدعوني ان لا اعتبر "نظرية" بوبر في العوالم الثلاثة نظريةً في التطور. وهذا السبب يعود إلى إن كل من هذه العوالم يشكل في حقيقته واقعاً قائمأً بذاته. فليس ثمة علاقة جوهرية تقوم بين هذه العوالم، التي لذلك لا تنجم عن بعضها ولا تتفاعل فيما بينها. وعليه، فمن المستعصي رد هذه العوالم إلى اساس او مصدر مشترك نشأت عنه (تطورت منه)، او إعتبار إن اي منها هو حصيلة لتطور الآخر. كما ولدي ملاحظات اخرى على هذه "النظرية" لا يتسع المجال لإدراجها في هذه العجالة.

اما فكرة التطور الإنبثاقي التي اشرت إليها في رسالتك موضوع ردي، فاجدها فكرة خالية من المعنى الملموس. فإن كانت هذه الفكرة تعني النشوء من العدم، فهذا مجرد هراء، إذ إن من العدم لا يمكن ان ينشأ إلأ العدم. اما إن كانت الفكرة تعني النشوء من او عن مصدر او اساس ما، فعندئذٍ ينبغي تحديد ماهية هذا المصدر (الأساس). إن العلم يرفض رفضاً قاطعاً اي طرق غيبية في تفسير الواقع، وما لا يقوى العلم على تفسيره بمناهجه ووسائله اليوم سيقوم بتفسيره غداً لأن السيرورة العلمية هي سيرورة مستمرة لا تعرف التوقف ولا تعرف النهاية ما دام موضوع هذه السيرورة وذاتها موجودان.

و بصدد "تطور الوعي عن المادة"، والذي لا يمكن تفسيره علمياً، كما تقول، فاود ان اشير إلى إن من الخطأ الحديث عن تطور الوعي من المادة كتطور شيءٍ من شيءٍ آخرٍ. فالوعي ليس بشيءٍ موجود إلى جانب المادة، مختلف عنها، بالرغم من نشأته في مجرى تطورها. إن الوعي انطولوجياً ما هو إلأ مادة واعية. إنه محمول لحامل هو المادة الواعية. اي، بكلمات اخرى، إنه صفة تميز مادة عالية التنظيم والتطور. فالمادة في سيرورتها التطورية لا بد من ان تصل إلى تلك الحالة لها، اي إلى ذلك الشكل الراقي من اشكال وجودها والذي تظهر فيه صفة نوعية جديدة لها هي الوعي. فالوعي لا يمكن مقابلته بالمادة انطولوجياً كواقعٍ متميزٍ عن هذه الأخيرة بصورة مطلقة. إن التمايز بينهما هنا هو تمايز نسبي ملموس، هو تمايز بين المحمول والحامل، بين الصفة والموصوف. إن التعارض بين الوعي والمادة من الممكن ان يكتسب دلالتة فقط على الصعيد الجنوسيولوجي (المعرفي). إننا هنا نجد إن الوعي كذات يقابل المادة كموضوع من الخارج، اي إنهما يصبحان ضدين متخارجين ومتلازمين في آن واحد. ولكن حتى هنا لا يقوى الوعي إلأ ان يكون مجرد إنعكاس للمادة. نعم، إنه إنعكاس ليس خاملاً، بل إنعكاس فعّال يؤثر تاثيراً نشيطاً في المعكوس، يستطيع من خلاله ان يغير هذا الأخير. وبهذا نستطيع ان نقول بان الوعي لا يعكس العالم فحسب، بل ويغيره.

اما حقيقة ظهور الوعي كنتاج لتطور العالم المادي، فهي امر لا يعجز العلم عن تفسيره، كما تعتقد. على الضد من ذلك تماماً، نجد ان العلم المعاصر قد قطع اشواط مهمة في هذا الشأن. فعلم الإنسان (الأنثروبولوجي) وعلم الحياة (البايولوجي) وعلم فسلجة الجهاز العصبي المركزي وعلم الوراثة وعلم الجينوم وعلم الهندسة الوراثية وعلم النفس وطائفة اخرى من العلوم المعاصرة حققت إنجازات مهمة في تفسير كيفية نشوء وتطور الدماغ البشري، وكيفية تبلور وعي الإنسان بفعل عوامل ليس بايولوجية فقط، بل وإجتماعية ايضاُ كالعمل واللغة والتواصل الإجتماعي، وفي الكشف عن الأساس الفسلجي (المادي) للعمليات السايكولوجية (الروحية).. إلخ. وبفضل هذه الإنجازات وما سيلحقها من نجاحات تتكشف تدريجياً الصورة العلمية لنشأة الوعي الإنساني وتطوره.

- سؤال: ماهي المعايير العلمية في بناء النظرية العلمية لدى العاني؟ هل لدى العاني معايير محددة تميز بين القضايا العلمية والقضايا غير العلمية وما هي معايير المفاضلة بين الفروض العلمية التي تنطبق عليها معاييره؟؟ عند بوبر مثلا المحتوى المعرفي.

* نمير العاني: إنني اشخص اربعة معالم اساسية او جوهرية تميز المعرفة العلمية عن سواها من المعارف الإنسانية. واول هذه المعالم هو العقلانية. فالمعرفة العلمية هي، إذن، معرفة عقلانية، اي معرفة مستمدة من العقل وليس من الإيمان. وبهذا نجدها تختلف جوهرياً عن المعرفتين الإسطورية والدينية، والتي هي معارف حسية عاطفية تنبع من الإيمان. إن عقلانية المعرفة العلمية هي ما يقربها من المعرفة الفلسفية، والتي هي الأخرى معرفة عقلانية. وهنا لا بد لي ان اشير إلى واؤكد على إن العلم والفلسفة، كما ارى، هما شكلان متباينان للمعرفة العقلانية. فالعلم معرفة عقلانية - تجريبية، في حين إن الفلسفة هي معرفة عقلانية - تأملية خالصة لا تعتمد الدليل التجريبي باي صورة كانت. إن الفلسفة لا تستخدم المناهج التجريبية في البحث ولا تمتلك قاعدة تجريبية لها، كما هو الحال في العلم، الذي يستخدم هذه المناهج ويمتلك مثل هذه القاعدة. إن هذا الفرق الجوهري بين المعرفة العلمية والمعرفة الفلسفية لا يسمح باي حال من الأحوال بالإرتقاء بالفلسفة إلى مصاف العلم، اي بإضفاء طابع علمي عليها. فالفلسفة ليست علماً، في تقديري، بل هي، كما ارى، معرفة لا علمية. او بتعبير ادق إنها احد اشكال المعرفة الخارجعلمية، اي واحدة من المعارف الموجودة خارج دائرة المعرفة العلمية. والجدير بالملاحظة إنني بتصوري هذا اختلف مع غالبية الفلاسفة بما فيهم الفلاسفة الماركسيين المعاصرين الذين يعتبرون الفلسفة علماً.

اما المعلم الجوهري الثاني الذي تتميز به المعرفة العلمية، فهو نظامية هذه المعرفة. إن المعرفة العلمية هي نظام متناسق داخلياً من المفاهيم والتصورات، موحد على نفسه ومتوافق مع ذاته بشكل صارم، بحيث لا يدع اي مجال لأي تعارض (لاتوافق) او تناقض بين العناصر التي يتالف منها. ومن هذا المنطلق يبدو العلم احادي النزعة، احادي الخيار، بحيث لا يتيح للأفكار المتضاربة والنظريات التي تستثني بعضها ان توجد وتعيش بسلام تحت خيمته. إن المعرفة الخارجعلمية هي وحدها التي تجيز لنفسها إعتماد افكار متضاربة والقول بتصورات تناقض بعضها بعضاً. اما المعرفة العلمية، فلا تجيز ذلك، لا من بعيد ولا من قريب. ففي علم الحياة، مثلاً، لا يمكن لفكرة التطور ولفكرة ثبات الأنواع ان توجدا جنب بعض وتعتمدا معاً كتصورات علمية مسلم بها. إن إقامة الدليل العلمي على صحة فكرة التطور حولها إلى مسلمة علمية تم في ضوءها دحض فكرة ثبات الأنواع، والتي بسبب ذلك رميت خارج دائرة العلم. إن الإختلاف في العلم مجاز، والنقاش مباح، بل ومحبذ على صعيد الفرضيات فقط. ولكن ما ان يتم إثبات فرضية من بين الفرضيات المتناحرة باقامة الدليل العلمي الصارم على صحتها وتحولها من جراء ذلك إلى مسلمة علمية ملزمة، حتى يتم نبذ كافة التصورات المخالفة لها كتصورات لا علمية.

إن المعلم الجوهري الثالث المميز للمعرفة العلمية هو برهانية هذه المعرفة. إن المعرفة العلمية ليست معرفة إعتباطية، بل هي، على العكس من ذلك، معرفة مبرهنة، اي معرفة تم إثباتها بالبرهان والحجة. فعلى العلم ان يثبت صحة مفاهيمه وقوانينه ونظرياته بالدليل العقلي (البرهان المنطقي) و/او بالدليل التجريبي (البرهان بالتجربة العلمية). فهنالك، إذن، شاهدان او سلطانان وحيدان في العلم، هما العقل والتجربة، ولذا فكل ما يتعارض ويتنافى معهما من تصورات يلفض خارج دائرة المعرفة العلمية. وعليه، استطيع ان اقول بان المعرفة العلمية ليست معرفة قابلة للبرهنة وحسب، بل هي معرفة تمت البرهنة على صحتها بإثباتها بالدليل العقلي و/او بالدليل التجريبي. فهي، إذن، معرفة ليست إفتراضية، كما يدعي بوبر، بل يقينية بكل ما في هذه الكلمة من معنى. فلو كان قانون الجذب العام، مثلاً، معرفة إفتراضية وليس يقينية، لما إستطعنا بإستخدام فعله ان نسير طائراتنا ونطلق مركباتنا الفضائية، ان نصل إلى القمر او المريخ، او ان نحدد بدقة عالية موقع الأجرام السماوية. فالمعرفة العلمية، إذن، هي معرفة مبرهنة، معرفة يقينية، لا يمكن لبوبر او لغيره دحضها مهما حاولوا ذلك. إنها معرفة لا تقوى السيرورة العلمية اللاحقة على تفنيدها وإلغائها بالكامل. إن جل ما تستطيعة هذه السيرورة هو تدقيق هذه المعرفة اكثر فاكثر.

واخيراً، المعلم الجوهري الرابع المميز للمعرفة العلمية يتلخص في موضوعية مضمونها. إن مضمون هذه المعرفة لا يخضع، إذن، لا لوعي ولا لإرادة صناعها وحامليها، واعني بذلك العالم والمجتمع العلمي. او بكلمات اخرى، إن هذا المضمون لا يخضع لوعي وإرادة الإنسان او الإنسانية بشكل عام. ومن هنا اخلص إلى القول بان مضمون المعرفة العلمية ما هو في الواقع سوى تجسيداً للحقيقة الموضوعية بعينها. إن هذا المضمون والحقيقة الموضوعية المتجسدة فيه ومن خلاله هما تحديداً اللذان يشكلان، في تقديري، الأساس الموضوعي لعلمية ويقينية ما ندعوه بالمعرفة العلمية. ولذا، فبدونه لن تقوم للعلم قائمة. إن غالبية فلاسفة العلم في الغرب ينكرون وجود الحقيقة الموضوعية، ولهذا نجدهم يستبدلون المضمون الموضوعي للمعرفة العلمية بما يدعونه بالذاتية المشتركة (إنترسبجكتف) للعلم. إن الذاتية المشتركة تتجاوز الذات الفردية وصولاً إلى الذات الجمعية، ولكنها لا تتجاوز الذات وصولاً إلى الموضوع. فمن يقول بالذاتية المشتركة للمعرفة العلمية يجرد في واقع الأمر هذه المعرفة من موضوعها. ولكن من يجرد العلم من موضوعه لا يقوم في الحقيقة إلأ بإلغاء العلم نفسه.

وبناءً على ما تقدم اخلص إلى تعريف العلم نشاطاً إنسانياً هادفاً إلى إنتاج وإستخدام وخزن ونقل بواسطة مناهجه ووسائله الخاصة المعرفة العقلانية المنظمة المبرهنة والموضوعية في مضمونها عن الواقع الموضوعي والذاتي.

فوزي حامد الهيتي: باسمي وباسم جميع قراء العربية نتقدم بوافر التقدير والاحترام لفيلسوفنا نمير العاني على ما تفضل به من حوار وإيضاحات حول بعض ملامح فلسفته... أملي أنني وفقت في إثارة انتباه المهتمين بدراسة الفلسفة العربية المعاصرة وعسى أن يكون هذا الحوار دافعا لهم لدراسة فلسفته وبخاصة في مجال فلسفة العلم لقلة المتفلسفين في هذا المجال في عالمنا العربي.

***

اجرى الحوار: الدكتور فوزي حامد الهيتي

 

 

 

3094 رجب عبد المولىعرفت الأستاذ الدكتور رجب علي عبد المولي العميد السابق لكلية الآداب بجامعة المنيا، ورئيس قسم التاريخ بها، منذ ربع قرن حينما كان معيداً في كلية الآداب جامعة المنيا،  وكنت في السنة الأولى بالكلية وحضرت أول مناقشة لرسالة علمية في حياتي عام 1994، وكانت رسالته للماجستير التي أعدها تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمود حلمي مصطفى أستاذ التاريخ الحديث بآداب المنيا والعميد الأسبق لكلية الآداب بسوهاج جامعة أسيوط في هذا التوقيت، وكان عنوان الرسالة "قضايا الصعيد أمام البرلمان المصري من 1924-1952"، وسعدت برؤية الأساتذة الكبار الذين قاموا بمناقشة الرسالة وهما: الأستاذ الدكتور رأفت غنيمي الشيخ أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة الزقازيق، والأستاذ الدكتور شوقي عطالله الجمل أستاذ التاريخ الحديث بمعهد الدراسات الأفريقية، وحصل عليها بتقدير ممتاز.

ثم واصل الدكتور رجب  دراسته العليا بعد ذلك فذهب إلى فرنسا في مهمة علمية استغرقت عامين، لجمع مادة رسالة الدكتوراه وهي بعنوان "الجامعة العربية ودورها في مساندة قضايا العرب السياسية في الفترة من 1945- 1967"، بإشراف الأستاذ الدكتور عاصم الدسوقي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة حلوان، وحصل عليها عام 2000 بمرتبة الشرف الأولى ثم واصل أبحاثه العلمية التي أضافت إلى المكتبة التاريخية الحديث بما اكتسبه من خبرات مختلفة في مصر وفرنسا والبلاد التي عمل بها مثل الجماهيرية الليبية، وقد سعدت بالتواصل المباشر معه منذ خمس سنوات نلتقي ونتجاذب أطراف الحديث معه في قضايا تاريخية وفكرية عديدة، ثم أردت أن نقترب منه أكثر في حوار صحفي يجمع أحاديث الذكريات مناقشة بعض القضايا كدور مدرسة جامعة المنيا في التاريخ وعطائها في هذا المجال.

*حدثني عن نشأتك وتعلمك قبل الفترة الجامعية وأثرها على مسيرتك العلمية بعد ذلك؟

- من مواليد قرية البهنسا مركز بني مزار محافظة المنيا انتمي لأسرة متوسطة الحال تعلمت في كتاب القرية على يد شيوخ افاضل منهم المرحوم الشيخ مصطفى فتح الباب ثم التحقت بالمدرسة الابتدائية بالبهنسا وبالمدرسة الاعدادية بصندفا وهي مدرسة غطاس بباوي الاعدادية وبعد إتمام المرحلة الاعدادية التحقت بالمدرسة الثانوية ببني مزار وفي خلال المرحلتين الابتدائية والإعدادية كنت متفوقا دراسيا وكان بهاتين المرحلتين.

* الدوافع التي جعلتك تختار مجال التاريخ وقدوتك في هذا المجال وتأثير اساتذتك ومن هم؟

- أساتذة عظام اذكر منهم الأستاذ أحمد حاكم مدرس اللغة العربية، والأستاذ مرسي رجب مدرس المواد الاجتماعية، وغيرهما الكثير من الأفاضل، وبعد إتمام المرحلة الثانوية التحقت بكلية الآداب بجامعة المنيا، ومنذ اليوم الأول بالتحاقي بالجامعة والتحاقي بقسم التاريخ وضعت نصب عيني التفوق والنجاح في هذا القسم؛ لأني محب التاريخ، وكان فضل الله علينا عظيماً، فقد عينت معيداً في العام ١٩٨٩، وكان التعيين في قسم التاريخ من الصعوبة أن تحصل على تقدير جيد جداً في هذه الأيام.

بعد ذلك حصلت على الماجستير بتقدير ممتاز، وكان المشرف المرحوم الاستاذ الدكتور محمود حلمي مصطفى، والمناقشين الاستاذ الدكتور رأفت الشيخ، والمرحوم الأستاذ الدكتور شوقي الجمل، ثم سافرت الي فرنسا عام ١٩٩٧ لجمع المادة العلمية الخاصة برسالة الدكتوراه وعدت في عام ١٩٩٩، وناقشت الدكتوراه وحصلت عليها بتقدير مرتبة الشرف الأولى، وكان المشرف عليها الأستاذ الدكتور عاصم الدسوقي، والمناقشين الأستاذ الدكتور جاد طه، والأستاذ الدكتور محمد عبد الرؤوف.

* ما الدوافع التي جعلتك تختار مجال التاريخ كتخصص رفيع ومن قدوتك في هذا المجال؟

- هناك مجموعة من الدوافع جعلتني اختار مجال التاريخ، أولها أستاذ المواد الاجتماعية في المرحلة الابتدائية، ثم الموضوعات التي كانت تحتويها الكتب التاريخية التي كانت تتحدث عن الوطنية ومقاومة الاحتلال بأنواعه، وقدوتي في هذا المجال كان المرحوم الاستاذ الدكتور محمود متولي -رحمه الله-، والأستاذة الدكتورة عفاف صبره، والمرحوم الاستاذ الدكتور محمود حلمي مصطفى، وأيضا المؤرخ الكبير الاستاذ الدكتور عاصم الدسوقي.

*حدثني عن رسالتك للماجستير والدكتوراه وهل طبعا ومن المشرف؟

- رسالتي للماجستير كانت بعنوان "قضايا الصعيد في البرلمان المصري ١٩٢٤ وحتى عام ١٩٥٢"، وهي هي نفس المشكلات التي يعاني منها أهالي الصعيد حتى الآن؛ من مشكلات صحية وأمنية واقتصادية وتعليمية وغيرها من المشكلات كالمواصلات والسكك الحديدية، أما الدكتوراه فكانت بعنوان "الجامعة العربية ودورها في مساندة قضايا العرب السياسية في الفترة ١٩٤٥ وحتى العام ١٩٦٧"، مشرف الماجستير كان استاذي المرحوم الدكتور محمود حلمي مصطفى ومشرف الدكتوراه كان الاستاذ الدكتور عاصم الدسوقي.

* جهودك في مجال التاريخ عموما والحديث والمعاصر على وجه الخصوص؟

- أما عن الجهود في مجال التاريخ فإن مهموم بالقضايا والمشكلات القومية والعربية ومنها موقف الجامعة العربية ودورها مواجهة الاستعمار الفرنسي لحصول لبنان وسوريا على استقلالهما، وأيضا دور المرأة الليبية في مواجهة الاستعمار الإيطالي، وأيضا دور المناضل عبد الرحمن عزام في مساندة النضال العربي ضد الاستعمار من خلال مذكراته الشخصية كمصدر من مصادر التاريخ المعاصر، وأيضا الجامعة العربية ودورها في مواجهة الاطماع الإيرانية في الخليج العربي، وأيضا دور محمد صالح حرب في مساعدة حركة المقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي، وأيضا كتبت عن الشواشيد وهم الجواسيس ودورهم في الحرب الإيطالية الليبية إبان فترة الاحتلال الإيطالي لليبيا، وأيضا المناضل سليمان الباروني ودوره في الحياة السياسية الليبية وأيضا الاعتداءات الإسرائيلية على المياه العربية ببلاد الشام"، وأيضا المساعدات الاقتصادية الخارجية ودورها في استمرار حركة المقاومة الليبية ضد الطليان، وأيضا نواب المنيا في البرلمان المصري ١٩٢٤ وحتى العام ١٩٥٢.

وقد قمت بعمل ندوتين أثناء تولية قسم التاريخ، كما أشرفت على العديد من الاطروحات الخاصة بالماجستير والدكتوراه، وناقشت أيضا أطروحات للماجستير والدكتوراه في جامعات جنوب الوادي وأسوان ودمياط والقاهرة والإسماعيلية والأزهر بأسيوط، وشاركت في إعداد اللوائح بقسم التاريخ جامعة عمر المختار فرع درنة ولوائح كليات جامعة المنيا والانشغال بالمناصب يبعدك كثيراً ولو لفترة عن العلم وخاصة الفترة الماضية فترة كورونا والتاريخ ليست كتابة السلام لأنه يحتاج إلى وثائق.

* دور مدرسة جامعة المنيا في مجال التاريخ؟

- أما عن دور مدرسة جامعة المنيا في مجال التاريخ فهي مدرسة متميزة وفريدة ومتنوعة بين المدارس التاريخية في جامعات مصر بما ضمته من أساتذة وعلماء تميزوا بتنوع أفكارهم وموضوعاتهم التي خدمت القضايا الوطنية والعربية .

 

حوارك أبو الحسن الجمال – كاتب ومؤرخ من مصر

 

3087 علي لفتة سعيد- كنت احلق مع حكايات ابي الجنوبية التي تمنحني طاقة في تصوير ما أسمعه منه من قصص خيالية لا ترتبط بالواقع بصلة

- أنا رجل مخيال.. أمتلك الكثير من الأفكار التي تسبح في رأسي مثل بحر وليس مثل حوض أسماك

- كلما نجحت زاد (الحاسدون) وكلما أصدرت ما لم يتمكن هو من إصداره زادت عملية الطعن من الخلف

- أتحدث عن البدايات التي وجدت فيها (الطاولات) وما يقوم به أديب المحافظات من (صرف) و(تملق و(مد رقبة) كي يبقى في بقعة الضوء

 تعلمت ان اكون واضحا في طبيعيتي وصادقا في رايي لذا أطرح ما اراه ولا أجامل

- لو خرج السياب الان وصاح بأعلى صوته انه سيكتب القصيدة الحديثة لما اشتهر


 منذ أن بزغ نجم عبد الرحمن مجيد الربيعي صاحب القمر والاسوار في سماء الناصرية وحتى ظهور علي لفتة سعيد صاحب حب عتيق امتدت مساحة خالية من روائي مشاكس يحول همومه الذاتية ومعاناة المجتمع جسرا يتلاقى عليه مع قراء اللغة العربية رغم وجود العشرات من الكواكب التي توهجت في مكانها او على مقربة منه مكتفية بمحليتها او التوسع قليلا وعلي لفتة سعيد المولود في مكان مكتظ بالفقر والجوع والحرمان والعوز وإهمال السلطة وطغيان الأعراف العشائرية وعادات المجتمع كان عين مشاكسة مبصرة تعشق المشاكسة وتجيد المقارنة وتحلم وهي مفتوحة وكأني به استهلم سيرة (همنغواي) الروائي القادم من ضجيج امريكا الذي عشق الصحافة وتابع الأحداث حد حشر نفسه في أتون الحروب يوم عمل سائق إسعاف مع قوات الحلفاء في ايطاليا ابان الحرب العالمية الثانية ونتج عن ذلك روايته المثيرة (وداعا للسلاح) ثم انتقل إلى اسبانيا ورسم لنا ما دار في مرحلتها الفرانكونية في رواية (لمن تقرع الأجراس) وقد تكون هناك أكثر من وشيجة نسب بين رواية علي لفتة سعيد (حب عتيق) ورواية (الحب في زمن الكوليرا) للروائي ماركيز القادم من قاع أمريكا اللاتينية كصحفي إلى أضواء باريس المزدحمة بكل متع الحضارة والتكنلوجيا حينها وقد يتقارب وضع على لفتة سعيد مع أوضاع همنغواي والماركيز لكن باختلاف الحظوظ اذا حظيا هما بما لايحلمان به من الترحيب والانتشار من الأوساط الأدبية والثقافية وترجمت اعمالهما إلى أغلب لغات العالم وحصلا جراء ذلك على الكثير من المجد والمال والجوائز ومنها (نوبل) في حين حرم سعيد حتى من الاحتفاء الرسمي به من قبل الدولة ودوائرها الثقافية ولم يحظى باهتمام إعلامي ولم يسلط الضوء على بعض أعماله التي احتفت بها بعض الدول العربية من دون أن يثير هذا الاحتفاء غيرة او فرح مواطنيه سلطة ومثقفين وقراء ولم تنصفه حتى الصحافة التي عمل فيها طويلا الا من شذرات تناثرت عنه هنا وهناك ..

عموما احب ان أثبت هنا ان علي لفتة سعيد هو روائي عراقي لا يقل موهبة ودراية بالرواية عن من حصلوا على الشهرة والمجد والجوائز وان تأخرت عنه اليوم ستاتيه منقادة تجر اذيالها شرط ان لاينال منه الانكسار او يوهن العزم منه جراء إهمال الدولة الذي يكاد ان يكون مقصودا وتغاضي كبار النقاد عن تسليط الضوء على تجربته الروائية ذات الحميمية العراقية الأصيلة. وعلي لفته سعيد المولود في مدينة سوق الشيخ تلك المدينة التي تناظرها في الجانب الشرقي من الجنوب مدينة (سوق جنديل) وهما مدينتان كانتا في بداياتهما مدينتان مترفتان حيث اختصر السكن فيها على كبار مالكي الاراضي والاقطاعيين من شيوخ القبائل والعشائر واحتوت على اماكن لهو بريء وغير بريء ليقضي هناك أصحاب الثروات والسلطة الإقطاعية أوقات لهو وملذات لكن بمرور الزمن وغروب شمس الإقطاع والشيوخ أفلت شمس المدينتين وانضمتا إلى قوافل مدن الفقر والعوز في الجنوب واحتفظت سوق الشيوخ باسمها وذكرياتها في حين استبدلت الأخرى اسمها من سوق جنديل إلى ناحية (شيخ سعد) وتبعت لمحافظة واسط إداريا ومن أعماق سوق الشيوخ وليالي شتائها ومواقد النار والتفاف العوائل حولها حمل علي لفتة سعيد قلة ما يملك من متاع وضخامة ما فيه من احلام نازحا إلى مدينة الثورة والعشق والقباب الذهبية مستبدلا جوار وذكريات سوق الشيوخ بجوار الحسين وقبابه الذهبية والقدسية التي يقسم بها أهل الجنوب وقد مرت على ذاك الرحيل قرابة الثلاثة عقود من السنين فهل نسى بن سعيد سوق الشيوخ وهل احتلت ذكريات سنينه المنصرمة في كربلاء مكان ذكريات سوق الشيوخ حيث الطفولة والصبا وبواكير الشباب؟ هذا ما سنحاول التأكد منه من خلال حوارنا معه.

- ايهما كان أكبر من الاخر خيالك او عمرك عندما كنت طفلا ويافعا في سوق الشيوخ؟ وهل من جناية او تهمة الحقها بك هذا الخيال؟

* نولد ويولد قبلنا الخيال او يرافقنا.. هكذا ارى الامر من الناحية السيكولوجية وليس العلمية .. فالخيال روح لا تتنفس بل تحلق.. تأخذ المرء الى مديات اوسع من المكان الذي يعيشه.. ولكن الاحساس به قد لا يكون مبكرا، ولا يكون متاحا، وإن كان كذلك فان الواقع لا يقبل لك أن تسافر معه وتحلّق وتمارس ما يمنحه لك من علامات دالة على وجوده.. خاصة واني مولود في بيئة مخيالية .. بيئة حكائية، حين كان الاب الذي أخذ زمام الام والاب معا بعد موت والدتي المبكّر فكنت يأخذني لأحلق مع خياله.. مع حكاياته الجنوبية التي تمنحني طاقة في تصوير ما أسمعه منه من قصص خيالية لا ترتبط بالواقع بصلة.. قصص تجعلني مرات أنام من خوفي منها، ومرات ألتصق به كي لا أهرب من قدرته على سبك الحكايات.. قصص رائعة من المخيال الشعبي والفولكلور وكذلك الفنتازيا وحتى الكوميديا السوداء.. كنت مندهشا ومرعوبا من قصص (الطنطل) و(أبو مرايا) لذا فاعتقد على الصعيد الشخصي، كان الخيال مرافقا لي منذ البدء، كأن القدر يرسم لي طريقا ان أكون في هذا المضمار.. مضمار الادب والخيال والحرف.. لذا وبعد هذه السنوات الطويلة من الكتابة والاغتراف من الأدب أشعر أن هذا تهمة تلاحقني وجناية ارتكبتها حين أسطر حياة الناس في الكتابة وإن كانت مخالية، ارتكب جناية تحورهم وتحولهم وتناسلهم وقتلهم وموتهم.. أحاول أن أصدق إن ما أكتبه لا يمت الى الجريمة بصلة.. ليست الجريمة المادية التي يعرفها الجميل بل جريمة التنصّت والتلصّص على دواخلي لانتزع منها حيوات الآخرين.. حتى ابي حولته في بعض الروايات الى شخصية أخرى غارقة في الخيال لكنها طافحة من الواقع.

- نحت في جدار الرواية ودندنت في الشعر ودلوت في بئر القصة القصيرة وحاولت في النقد لكنك أبحرت مع الصحافة .. أين وجدت نفسك؟ وكيف؟ وهل وظفت بعض هذه الضروب من الأدب في خدمة بعضها الآخر؟

* كثيرا ما أسأل وكأنها تهمة مثلما سألتني.. لذا أنا أقول دوما.. الأديب الذي يغترف من روح الحرف لا يقف عند حدود معينة وكأنه اختصاص علمي دقيق.. فأنا خياط ماهر.. الفكرة هي نوع القماش، لذا أنا أمتلك خاصية تحويل الفكرة الى المراد.. بمعنى لا يمكن لقماش بدلة رسمية أن يتحول الى قميص، ولا يمكن لقماش دشداشة أن يتحول الى لباس سباحة.. أنا رجل مخيال.. أمتلك الكثير من الأفكار التي تسبح في رأسي مثل بحر وليس مثل حوض أسماك.. والذي يتعرض على كتاباتي المتنوعة فأنه أما لم يقرأ لي أو إنه عاجز عن المجارات.. لذا فان السؤال هو ليس لماذا أتعدّد، بل السؤال لماذا لا أتعدّد، وأنا أديب اتعامل مع الحرف.. وكل أدباء العالم عبر التاريخ يتنوّعون ليس في الأدب فحسب، بل في تخصصات أخرى مرافقة للأدب.. وهو الامر الذي ساعدني كثيرا على ان تكون هناك استفادة من هذا التعدّد في المجالات الكتابية.. فالصحافة تمرين والأدب خلاصة.. ومن عملية دمج الحالتين أكون قد اتممت الفاعلية التدوينية بقدرة غير هادئة أو لأقل بلا غرور أن الاخرين الذي لا يعرفون علي لفتة سعيد وخاصة العرب فهم ينظرون الى النتائج، أما بعض الداخل العراقي فانه ينظر الى اسمي وصفتي الأولى ولا يقرأ لكي يرمي التهم، كما قال أحدهم مرّة بطريقة غير مستساغة ولا أقول غير مؤدبة.. إن علي لفتة سعيد يدخل الى الحمام وحين يخرج ينجز كتابا.. فهو يقرأ الإعلام ولا يقرأ ما اكتب

- انت كثير الشكوى وشعورك بالحيف يكبر مع كل منجز لك من أهل الإعلام والمختصين في الأدب..ماهو السبب؟ هل يعود لك لأنك فشلت في إقامة علاقات ودية مع مراكز القرار الأدبي والإعلامي؟ او ان لك غرورا ونرجسية تجبر الآخرين على الابتعاد عنك؟ او انهم وجدوك منافسا خطرا فضربوا عليك سورا من العزلة؟ او ان ما قدمته في مجال الرواية والقصة والشعر والنقد يخالف الذائقة فجافاك الآخرون؟

* لا هذه ولا تلك.. ثم لا أحد لا يشتكي ولا يشعر بالحيف.. رغم أن هذه الشكوى كان عمرها عشرين عاما، منذ أن فزت بجائزة الابداع العراقي عام 1988 عن مجموعتي القصصية (بيت اللعنة) ولأني بعيد كما هم أدباء المحافظات الذين لا يتواجدون في بغداد، وليست لهم رحلات مكوكية بين مدينتهم وبغداد، فان الامر يبدو مشابها للمثل (البعيد عن العين...) لهذا فان مثل هذه العلاقات هي علاقات هشّة تعتمد على تلك اللقاءات التي وجدت فيها من الزيف ما يجعل الامر أكثر اشمئزازا.. أتحدث عن البدايات التي وجدت فيها (الطاولات) وما يقوم به أديب المحافظات من (صرف) و(تملق و(مد رقبة) كي يبقى في بقعة الضوء.. انا هنا لا اقول الكل، بل هم المؤشر في الخارطة الادبية التي زادت حدتها بعد عام 2003 وزادت معها الغيرة والحنق.. فكلما نجحت زاد (الحاسدون) وكلما أصدرت ما لم يتمكن هو من إصداره زادت عملية الطعن من الخلف.. بل ان البعض يصل الى النقاد ليتهمني بعدم الثقاف، الادهى من ذلك ان آخرين (من الداخل) تبرع بطعني لدى نقاد عرب من اني لا أشكل شيئا في الثقافة العراقية لان الناقد العربي كتب عني ووصفني بخليقة نجيب محفوظ الرواية العربية الحديثة.. لذا أنا اقول .. من لا يحترم أدبه فانه بلا أدب.. والعلاقة التي تقود الى شهرة زائفة لا اريدها، لذا تأخرت لدي هذه الشهرة بسبب تقاطعي مع هكذا سلوكيات.. وهو امر لا أنفرد به وحدي، بل هناك العشرات من الادباء العراقيين المخلصين لفنهم يعانون منه.. وبعضهم ترك مدينته لينتقل الى بغداد ليكون وسط بقعة الضوء، وهو أمر محمود.. لأننا لو اخذنا خارطة المبدعين في بغداد لوجدنا ما نسبته تزيد على 90 بالمائة منهم هم من أدباء المحافظات

- التمسك بأكثر من ضرب من ضروب الابداع قد ينتج تشتتا وتلاشي .. لماذا الإصرار على الإمساك بتلابيب الشعر والرواية والقصة والنقد الم يكن من الأفضل أن تكون مبرزا في ضرب واحد من الأدب خيرا من الضياع في دروب متعددة؟

* هي ذات الإجابة صديقي.. في داخلي بحر من الحروف.. والادب فن مخيالي وليس علما وجدول ضرب.. أنا مثل المخترع الذي بإمكانه ان يخترع العديد من الآلات فلا يمكن القول له تخصص في مختبرات الطب واترك الهندسة مثلا... والتشتت الذي اراه هو الذي لا يستطيع الكتابة في ضروب مختلفة من الادب، لأنه وحسب رأيي لا يمتلك مفاتيح عديدة لفتح أقفال الابداع واسراره.. انا منحني الله القدرة على فتح الابواب.. لي القدرة على تطويع الكلمة لكي تكون قصة او شعرا او رواية وحتى مقال نقدي او تقرير صحفي وحتى أغنية.. فانا متعدد المواهب كما هم أجدادي الكبار من العلماء والادباء العرب عبر التاريخ.. فانا لم أكتف بما ذكرت بل كتبت المسرح والسيناريو لفيلم طويل درامي أبحث عمن ينتجه وهو سبيل محاصر من قبل مجموعة لا تسمح لك بولوج هذا العالم.. لان السينما ليست فعلا كتابيا فقط بل هو انتاج متعدد.. اما من افضل فلا ارى تفضيلا لأدب على ادب أو لجنس على جنس.. فكل الحروف تمور في داخلي وتريد الخروج.. ولي من الافكار ما يمكن ان انتج عشرين كتابا في سنوات العشر المقبلة ان ارد الله لنا البقاء.,. لذا لا ارى نفسي ضائعا بل العكس ارى من يطالبني بالتخصص انه ضائع وانه لا يفقه من الادب سوى ما ينتجه..

- هل مارست النقد لتنال من اخرين او لإثبات الذات او رغبة في تقويم نصوص نالت إعجابك او رأيت فيه نافذة ترمي بها زجاج النقاد في حالة تناولهم نصوصك بما لا يرضيك؟ وهل مارست (الاخوانيات) والمجاملة في النقد؟

* الكتابة ليست مواجهة اجتماعية، أو أنها رد فعل لتكوين آخر وذات أخرى، الكتابة استخراج المعادن اللغوية وتبويبها والتمكن من تدوينها.. والنقد جهد ادبي استكشافي، لا يقبل ان يكون في موضع رد الفعل. وهي ليست اثباتا للذات رغم ان جزءا من مفعولها هو المطاولة لإثبات القدرة على الاكتشاف الجديد في الكتابة النقدية التي بدأت معي منذ البداية الاولى في دخولي لعالم الكتب والانبهار بها.. حيث كنت اسأل: كيف يكتب الاديب نصه وهو ما ولد لي مصطلح خاص بي وانا من أجتحه (بنية الكتابة) وفيه ثلاثة كتب نقدية.. ولهذا ابتعد كل البعد عن رمي الاخر او الترقب ليكون لي رد فعل، بل انا ابحث عن فعل لكي يكون ثابتا وهو الذي ينتظر رد فعل الاخرين وإن تأخروا.. اما موضوعة الاخوانيات.. فهو امر صحيح.. ليس بمعنى إعادة طلاء ما هو غير صالح من الكتابة، بل التأثير العاطفي مرة او الأسم.. هناك اسماء تتحول بمرور الزمن الى طريقة كتابة خاصة تقترب من الاخوانيات مثلما تقترب من المجاملة.

- بعض من هم قريبين منك يصفونك بالنرجسية وحدة الطباع وعدم قبول الرأي الآخر في مجال الأدب.. هل أثرت هذه الصفات على علاقاتك بزملائك الأدباء ومن يمارسون نفس الهم الأدبي؟

* هذا رأي اجتماعي.. نتعرض له جميعا.. فانا لا اعرف سلوك ماركيز ولا رامبو ولا هيتشكوك ولا نزار قباني او محمود درويش ولا اعرف ماذا كان طبع السياب.. ما اعرفه هو ما اقراه لهم وقد تعود الاخر على ان يكون رايه هو الصحيح.. وهو هنا السؤال.. لماذا يطلق على من يناقشه انه نرجسي في حين انه هو النرجسي الذي لا يقبل راي الاخر.. أنا تعلمت ان اكون واضحا في طبيعيتي وصادقا في رايي لذا أطرح ما اراه ولا أجامل؟ وتعلم ويعلم الناس ان انقسام الراي أمر طبيعي فلا أحد يحبه الجميع ولا أحد يكرهه الجميع.. ولكن من يكره ان صح القول هو الذي لا يملك القدرة على التحليل والتنقيب والمطاولة ويريد فقط ان يشير له الاخرون بالصواب.. لأنه تعود من المتلقين ان يهزوا له رؤوسهم.. وأنا لن افعل هذا سواء رضي أم لم يرض.. فنحن لا نقع إلا تحت اطاري الراي.. فلنا من الاحبة الكثير ولنا من المنتقدين الاقل لكن صوتهم اعلى لانهم اينما يجلسون يتحدثون عن الاخر ولو بنميمة

- لمن تكتب؟

* سؤال لم يجب عليه من هم اقدر مني واقدم.. اكتب لاني هذا هو قدري وحظي كما يقال.. مثل الذي يلعب كرة القدم او هو صباغ بيوت.. او هو لاعب دومينو.. هو القدر الذي صاغنا الى ان نكون من الكتاب. فالإنسان يولد وهو عبارة عن مجوعة مواهب.. والقدر يقوده الى موهبة او يبقى في مكانه بلا سبيل

- منهم قرائك؟

* القراءة عملية ليست اجتماعية.. بل هي مخاض انبثاقي.. لذا فان الفعل الثقافي ليس فعلا جماهيريا.. فكل الفنون غير المباشرة مع الناس متلقوها أقل من الفنون الاخرى.. مثل حفلات الغناء او المسرح او السينما.. والفعل الكتابي فعل يقال عنه نخبوي وأنا لا أحبذ هذه المقولة كونها تعني الاقلية في حين هي تعني الجمهور الخاص.. ولكل فعل جمهوره.. وجمهور الادب هو الاقل.. ليسي لأنه بلا فائدة بل لكونه يحتاج الى عقل وتفكير وتأمل، ومتلقي الحفلات مثلا لا يريد التفكير بل يريد (الراحة). لذا احمد الله ان لي قرّاء ولي من يشتري كتبي من المكتبات. وانا لست الوحيد في ذلك.. اما قراء الفيس بوك فهو امر آخر لأنه ليس مقياسا صحيحا

- نجحت في وضع موطئ قدم لك في مصر وتونس وربما في غيرها وحصلت على جوائز لكنك هنا في بلدك لم تحصل على ماحلمت به ولم تحقق مبتغاك ولو تحججت بجنوبيتك لواجهناك بمن جاء قبلك من الجنوب ولاحقتهم الأضواء مثل عبد الرحمن مجيد الربيعي ومحمد خضير وقبلهما السياب وكثير غيرهم .. بماذا تعلل هذا التباين؟

* الزمن اختلف صديقي.. من ذكرتهم كانوا في مجتمع لم يولد فيهم بعد هذه الكثرة الكاثرة من الادباء لو خرج السياب الان وصاح بأعلى صوته انه سيكتب القصيدة الحديثة لما اشتهر.. تعلمت ان اكون واضحا في طبيعيتي وصادقا في رايي لذا أطرح ما اراه ولا أجامل.. كان الاديب حين ينشر في صحيفة عربية فانه سيكون مشهورا.. الان لو كتب في أعرق صحيفة عالمية لا احد يشير له.. لأننا نعيش زمن الفقاعات التي تنتفخ سرعان ما تنفجر.. ولكن يبقى الاجتهاد في الوصول.. نحتاج الى فعل يزيد خمسين مرة عما كان يفعله الأولون في الوصول الى الخارج.. نحن في الداخل وصلنا الى الخارج بمجهودنا وعلاقتنا الشخصية، لان الاخر ليست لديه عقدة النجاح والغيرة والحسد كما طرحت في سؤالك السابق، بل له عقدة الابداع.. وهو الامر ينطبق ليس في العراق بل في كل البلدان العربية. لذا اقول ان العراقيين الذين خرجوا من العراق كان وصولهم اسرع منها.. ولكن نحن سافرنا وحققنا وعدنا.. اما ما حصلت عليه في العراق.. نعم حصلت على من يشير لإبداعي ولكن متأخرا.. وكما ذكرت ان الارم يحتاج الى مطاولة وسنين.. مرة قلت لزميل لي انتقل الى بغداد .. انك ستختصر 20 عاما من العمل لتكون اسما معروفا ولكن اياك ان يضيع ابداعك على حساب شهرتك الشخصية .

***

وهكذا ابحرت مع الروائي والقاص والناقد والشاعروكاتب السيناريو والمسرحي علي لفتة سعيد على مدار قرابة نصف قرن من السنين في دروب الابداعوكان اجمل مافيه صراحته ووضوحه الشديدين ومعرفته التامة بقدر نفسه ومكانته الادبية وماقدم من منجز خلال مسيرته الادبية .

 

حوار: راضي المترفي

 

سميرة بنصر"ويظل النص الإبداعي: شعر.. نثر.. قصة.. رواية.. إلخ في تشكله ملتقى كلّ رفيفٍ روحيّ أو لغـويٍ: اللذةُ وشحنةُ العذاب، الذاتُ والعالم، حركةُ الحياة ونضحُ المخيلة.. " (سميرة بنصر)

"الشعر- في تقديري- هو الحياة، موسيقى الروح وديدنها، رئة أخرى للجسد، الشعر يعني الإنفلات من عقال الزمن، التعبير الحقيقي عن مواجع الإنسان في زمن ضللنا فيه الطريق إلى الحكمة.." (سميرة بنصر)

لقد شدتني هذه الانسانة الشاعرة في جل ما قرأته لها وسحبتني الى قرار الكتابة عنها بكل اعجاب وحب.. إلا أنني أجد بعض ما كتب عنها من دراسات نقدية ظل يدور حول أطراف معينها ولم يبلغ عمق اسرار نصها الذي يحتاج الكثير من الامعان والتوقف والكشف لجماليات ما تكتب أو تشيد من معماريات..

ترافق الحرف والقلم، لتكتب للفرح والشجن، تصافح الورق بين بهجة وألم، في رحاب عشقها للأرض، الإنسان والوطن، بقضايا البلاد ملمة، بحسن العبارة فطنة، بإتبلاج صبج جميل تحلم..

تأخذنا عباراتها نحو الأعماق فنلمس الوجع و الأمل، من إحساسها ننهل الحنين والأشواق..

تحملنا نحو اشراقة لا بد لها أن تكتمل، هي الشاعرة التونسية المتميزة سميرة بنصر..

بعد هذه المقدمة المختصرة أقدم هذه المبدعة الكبيرة من خلال هذه المقابلة التي سعيت لآن تكون من قلب تجربتها الحداثية وأطر خصوصيتها الكتابية بعيدا عن السرد الصحفي والمديح الاجتماعي والاسفاف اللغوي الانشائي .

فلنكن مع الشاعرة سميرة بنصر في بوحها الجديد..

- قيل لي أن الشاعرة سميرة بنصر تكتب شعرها بحبر الروح ودم القصيدة.. ما مدى صحة هذا الرأي ؟ ثم.. من اين يمكن فتح مغاليق رحلتك مع الشعر وماعنوان شفرتها.. ؟

* أنا أحب الإنحناء على عجينة قصيدتي، شرط ألا تأتي نتيجة هذا الإنحناء افتعالا شكلانيا مجانيا لا يؤدي إلى أي تجديد شعري، بل إلى دوران في حلقة مفرغة، حلقة البحث عن الشكل المختلف الصادم على حساب مستوى النص الشعري.فالتجديد الثوري (ونحن نعيش بتونس تجليات ثورة لا تخطئ العين نورها وإشعاعها) لا يكمن بالضرورة في القطيعة مع ما سبق، وثمة دائما خيط يربط ما كان بما سيكون، مهما كان مختلفا عنه ومتعارضا معه.أنا أكتب بكل بساطة القصيدة التي تناديني، ولم أكن أبحث عن استفزازات شكلانية”بالقوّة”من خلال طرائق مشيي نحو القصيدة، لأن استفزازي هو قصيدتي في ذاتها، لا في قطيعتها أو عدم قطيعتها مع الأشكال التي سبقتها أو سوف تليها.”

- ماذا يعني لك الشعرُ في اللحظة الراهنة ؟.. ماذا أعطاك الشعر.وهل عبّرت قصائدك عبر أعمالك الشعرية عن شخصيتك وتجربتك ورؤيتك الإبداعية؟

* الشعر- في تقديري- هو الحياة، موسيقى الروح وديدنها، رئة أخرى للجسد، الشعر يعني الإنفلات من عقال الزمن، التعبير الحقيقي عن مواجع الإنسان في زمن ضللنا فيه الطريق إلى الحكمة.. لذا، فقد أعطاني(الشعر) الكثير من معنى الحياة وحب الناس والتسامي، منحني حالة من الكشف في اللغة وتراكيبها والبناء المحكم للمفردات وقراءة الكون والكائنات والإبحار في عوالم جديدة، وجعلني بالتالي أرى العالم بلغة مختلفة تعبر عن مكنونات الروح والنفس البشرية، كما جعلني أيضا أعبّر عن شخصيتي بمفاتيح رؤيوية جديدة وأقترب أكثر منيّ لأكون اكثر جرأة في الكشف عما هو مستور في دواخلنا.

- كيف تتشكّل القصيدة لديك.انفعال، عزلة، انكسار، أم لحظات صفاء.. ؟

* النصّ يتشكّل من مجموع هذا وذاك، بمعنى أنّ حالة الكتابة تكون تتويجا لإرهاصات تقدّمت عليها بصمتٍ بالغٍ، وترقُّبٍ مصحوبٍ بارتفاع تأمُّليّ.ما يهمُّني هو اللذّة التي تنتجُ عن هذا الكلّ، باتصالي مع عمق ذاتي والبُعد الإنساني اللذين تنصهرُ بهما الأشياء والأسماء والأفعال.. الخ.وهذا يعني أنّ- القول الشعري- لا يتشكّل لديَّ إلاّ بوصفه استجابةً جماليةً بالغة التعقيد لعاملين متداخلين:لحظة الحياة ولحظة الشهادة عليها.ضغط اللحظة الواقعية، كونها الباعث الأول على القول، وضغط اللحظة الشعرية، بما تشتمل عليه من مكوناتٍ ذاتيةٍ وثقافيةٍ وفنية.في اللحظة الثانية تتجلّى فاعلية التشكيل الشعريّ حين يتلقّف اللحظة الواقعية، أو لحظة الإنفعال بالحياة التي لا تزال مادةً خاماً، ليلقي بها في مصهره الداخليّ، ويعرّضها لانكساراتٍ عديدةٍ، وتحولاتٍ جمّة، حتى يخلصها من شوائب اللحظة ومن تلقائيتها الساذجة، أو غبار اندفاعها الأول المتعجل.ويظل النص الشعري في تشكله ملتقى كلّ رفيفٍ روحيّ أو لغـويٍ:اللذةُ وشحنةُ العذاب، الذاتُ والعالم، حركةُ الحياة ونضحُ المخيلة.

- لو اتيح لك اعادة رسم خارطة الشعر العربي، ماهي الثوابت التي ترينها وماهي المتغيرات، ثم مَن من الشعراء جذب اهتمامك وشعرت عبر أعماله بنكهة التجديد والأصالة والعمق؟

* ليس الشعر وحده ما يحتاج لإعادة تنضيد و تنقيح، بل الثقافة العربية بكامل شكلها بعد أن مورست عليها إكراهات يطول الخوض في تفاصيلها، أفقدتها وعيها و جعلتها تترنح في حالة من اللاوعي و أشركت معها أيديولوجيا عبثت بها مفاهيم عقيمة توقف سيرها منذ أكثر من ألف عام فأصبحنا الآن ندور في عالم التيه بانتظار عصا سحرية تشق لنا لجج العبور إلى سهول الممكن والمتاح .

خريطة الشعر العربي ما زالت واضحة المعالم على الرغم من محاولة بعض المتشائمين طمسها، فللخارطة رموزها وتضاريسُها الإبداعية، وهناك شعراء رواد شكّلوا قمماً إبداعيَّة لهذه الخارطة لا تطالها رياح التعرية المحملة بغبار العولمة، من أمثال السياب والبياتي والفيتوري والماغوط وصلاح عبد الصبور والجواهري.. وغيرهم.

- من وجهة نظرك، كشاعرة، كيف يكون الشعر، وما هي وظيفته، وما هو مفهومك الخاص للحداثة بعيداً عن تنظيرات الأخرين؟

* من وجهة نظري، لا يخضع لوظيفة بعينها، وقد اختلف الفلاسفة في هذا الأمر من أرسطو وغيره من المفكرين والفلاسفة الكبار، هذه مسألة يضع لها معايير كل حسب رأيه ورؤيته ومعايشته للحياة وتقلباتها، أما أن نضع وظائف معينة فأعتقد أن هذا ليس منطقيا، الشعر أيضا حالة يعيشها الشاعر وهذه الحالة ربما تستمر أشهر حتى تتمخض عنها قصيدة بعد مخاض طويل، بمعنى آخر القصيدة ليست متاحة في أي وقت، القصيدة كما قلت سابقا هي التي تقتحم الشاعر وليس الشاعر، هكذا أنا أتعامل مع قصيدتي وهكذا أفهم القصيدة وأدعها تتسلل إليّ وأفرد لها مساحة كبيرة من التأمل كي تستريح في داخلي مغلفة ببطانة المعنى والفكر الثقافة كي تخرج إلى القارىء بكامل أناقتها وفضاءاتها الشاسعة.

أما الحداثة، فهي خلخلة السائد في الراهن الشعري العربي، من خلال الإكتشافات اللغوية وبناء العلاقات بين المفردات وصياغتها بقوالب شعرية جديدة بشكل جمالي آخاذ، وهذا بالطبع لا يعني أن نتخذ من الحداثة الغموض المنغلق، بهذا الشكل أو هذا المعنى افهم الحداثة، وكذلك أن لا نكون منغلقين في قوالب جاهزة متعارف عليها سابقا في النص الشعري، علينا أن نفهم ماضينا وآصالتنا بلغة حداثية تواكب التطور، لغة عصرية فيها الكثير من المغامرة الجمالية.

- سميرة بنصر، إنسانة وشاعرة تونسية، أية مقارنة ؟

* لا مقارنة بين ما يسكن في القلب، وبين تونسيتي، وما أبوح به لهذا العالم المليئ بالتناقضات.. الكتابة التي تسكنني بدون إذن ولا جواز سفر ولا تأشيرة أريدها تحدي من أجل قوة لا تقهرها الظرف.. للوطن قلب يسع الكون، وللكتابة فكر يحمل ثقل هذا الكون، وكلاهما تضحيات كبيرة ووجهة واحدة للنجاح .

- أين موقع الرواية العربية في الأدب العالمي من وجهة نظرك، ولماذا لم ينل روائي عربي حظه من العالمية منذ جائزة نوبل التي فاز بها المصري نجيب محفوظ؟

* هناك جهود كبيرة تبذل في سياق الكتابة الأدبية والعديد من النصوص التي فرضت نفسها عالميا، منها الراحل نجيب محفوظ وكاتب ياسين وعلاء الأسواني وغيرهم، وهذا يدل على أن النص العربي ليس أقل النصوص العالمية، خصوصا في السنوات الأخيرة عندما تجرّد من الثقل الأيديولوجي والتضخم اللغوي واتجه وجهة إنسانية وعالمية.كما أن حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب ليس دليلا قاطعا على أن ما جاء بعده ليس صالحا لنيل الجائزة في نماذجه المتعالية الراقية، فقد رشح للجائزة كتاب عرب كالراحلة الجزائرية آسيا جبّار عضو الأكاديمية الفرنسية والراحل محمود درويش وأدونيس ولم يحصل أحد على الجائزة لأسباب قد تكون سياسية أو لحسابات أخرى.لكن هذا لا يمنع من أن نصوصهم حققت إنسانيتها الواسعة من خلال الترجمة، وهو ما يضمن عالميتها أكثر من جائزة نوبل.

- حين تنادي:"سميرة بنصر "أيكون في النّداء معان قويّة كتلك التي قالها الفلاسفة عن شعر هولدرلين؟

* لأنني لازلت أجهل- سميرة بنصر- لم يحدثْ أن فعلتها.ولكنني دائماً ما أقرأها بوضوحٍ على البياض، ذاهبة بها نحوَ اعترافاتٍ أعمق، كي يتسنى لي قراءتها بشكلٍ أوضح.حينَ أعرفها تماماً، وقتها سوف أفعل، وأخبرك ما إذا كانت معانٍ قويّة كائنة في ندائي عليها، أم لا، دون تشبيهٍ بأيّ آخرْ.

ـ اللغةُ هي ركنٌ أساس في بنية النّص الأدبي كيفما كان جنسه ولونه، وقد انتبه لهذه الظاهرة اللغوية منذ عصر ( أبو تمام)، و(المتنبي)، ومن ثمّ (محمود سامي البارودي)، (فالجواهري) اللغة كإحدى اللبنات في النص الشعري كيف تنظرين إلى دورها في نصوصكِ الشعرية ؟

* اللغة بنظري هي ترجمة للمشاعر والأحاسيس، وصورة معبّرة عن الفكر وما يجول فيه، بالإضافة إلى الانفعالات النفسية والاجتماعية، أي الوعاء الذي يصب فيه الشاعر كل ما يحتوي من مشاعر وأحاسيس وانفعالات، فعن طريق هذا الوعاء أستطيع إيصال كل ما يحتويني إلى المتلقي أو القارئ أي هو الصورة التي اقترب بها بكل ما يكون في الذهن والأعماق، وعليه يجب على كل شاعر وأنا من ضمنهم أن نحسن في التعامل مع المفردة أو الكلمة الشعرية باعتبارها هوية الابداع وهوية الانتماء والتي تجعل الشعر متميزاً عن غيره، وهذه الكلمة مرتبطة بثقافة الشاعر وبمرجعياته الفكرية وبكل العوامل الذاتية له، فالانتباه إلى الغرض الشعري ومتطلباته في استخدام الكلمات وتوظيفها لخدمة القصيدة فقد نجد كلمة في حدث شعري لها دلالة مختلفة مع استخدامها في حدث آخر، فعلينا بالقراءة والمطالعة لإثراء لغتنا الشعرية، وبالنسبة إلى دور اللغة في نصوصي الشعرية أحاول بكل جهد توظيفها لما يلائم كتاباتي واغراضها وبالآخر نحن مازلنا نحتاج إلى الكثير، فاللغة وعاؤها كبير جداً لنطالع ونقرأ للوصول إلى الكلمة التي نصل بها إلى المتلقي.

- شهد العالم العربي ميلاد جيل جديد من الروائيين، فهل يمكن اعتبارهم امتدادا لروائيي الجيل السابق من حيث الاستلهام وطرائق السرد؟

* في الوطن العربي ميراث في غاية الأهمية، أنشأه الرعيل الأول وفرض به النوع الروائي وأعطاه كل مبررات الوجود، وعلى رأس هؤلاء نجيب محفوظ وحنا مينة وعبد الرحمن منيف وغيرهم.أما الجيل الثاني، فقد أضاف الكثير لكي يرسخ هذا النوع ويصبح رديفا لما ينشأ عبر العالم ليس أقل وليس أكثر، ومنح الرواية فرصة لكي تخرج من يقينيات تاريخ التحرر العربي إلى الانغماس في دائرة الحاضر العربي من ناحية الحياة والإدراك الروائي، كنبيل سليمان وغالب هلسا والطاهر وطّار وغيرهم من الروائيين الكبار.

وتعاقبت الأجيال حتى وصلنا إلى سؤال الحاضر، وهو الذي يشغل الوطن العربي كحالة داخلية كالثورات أو ما سمي بالربيع العربي الذي أصبح جزءا من انشغالات النص الإبداعي، كشخصية الدكتاتور التي دمرت النسيج العربي وجعلت منه مجتمعات لها تقاطعات كثيرة، وحتى عندما يحضر الاختلاف فهو حالة تنوعية وليس تمزقية.وهنا أود الإشارة إلى أن الرواية على سبيل الذكر مست المعضلات التي تعيشها المجتمعات العربية كالصراعات الطائفية والعنصرية والتاريخية وحتى اللغوية في بعض النصوص، وتناولت قضايا شائكة ومتداخلة، وشكلّت بالتالي مادة أدبية للجيل الجديد الذي انتقل من المستوى العربي إلى الإنساني لأن الرواية في نهاية المطاف بوصفها جنسا موسعا جعلت من القضية الإنسانية مدار منجزها الأدبي، كالحب والكراهية والضغينة والحروب والظلم، فخرجت بنصوصها من دائرة السياسي لدائرة الإنساني بحيث من يقرؤها في بعض نماذجها يشعر بأن ما يحدث عندنا لا يختلف عمّا يحدث في اليابان أو نيكاراغوا أو الصين أو أوروبا رغم الفوارق الحضارية.لذا أنا متفائلة بما تصنعه اليوم الرواية العربية التي خرجت من ضيق الرؤية إلى اتساعها، فهناك الكثير من النصوص التي بالإمكان وضعها أمام أي نص عالمي وفرض نفسها بسهولة لأن التقنيات المستعملة أو القضايا المندرجة روائيا لا تختلف كثيرا عما هو موجود عبر العالم.

- كيف يتشكّل - النص الإبداعي-  لديك:انفعال، عزلة، انكسار، أم لحظات صفاء؟

* النصّ يتشكّل من مجموع هذا وذاك، بمعنى أنّ حالة الكتابة تكون تتويجا لإرهاصات تقدّمت عليها بصمتٍ بالغٍ، وترقُّبٍ مصحوبٍ بارتفاع تأمُّليّ.ما يهمُّني هو اللذّة التي تنتجُ عن هذا الكلّ، باتصالي مع عمق ذاتي والبُعد الإنساني اللذين تنصهرُ بهما الأشياء والأسماء والأفعال…الخ.وهذا يعني أنّ- النص الإبداعي في تجلياته الخلاقة- لا يتشكّل لديَّ إلاّ بوصفه استجابةً جماليةً بالغة التعقيد لعاملين متداخلين:لحظة الحياة ولحظة الشهادة عليها.ضغط اللحظة الواقعية، كونها الباعث الأول على القول، وضغط اللحظة الشعرية، بما تشتمل عليه من مكوناتٍ ذاتيةٍ وثقافيةٍ وفنية.في اللحظة الثانية تتجلّى فاعلية التشكيل السردي- مثلا- حين يتلقّف اللحظة الواقعية، أو لحظة الانفعال بالحياة التي لا تزال مادةً خاماً، ليلقي بها في مصهره الداخليّ، ويعرّضها لانكساراتٍ عديدةٍ، وتحولاتٍ جمّة، حتى يخلصها من شوائب اللحظة ومن تلقائيتها الساذجة، أو غبار اندفاعها الأول المتعجل.ويظل النص الإبداعي:شعر.. نثر.. قصة.. رواية.. إلخ في تشكله ملتقى كلّ رفيفٍ روحيّ أو لغـويٍ: اللذةُ وشحنةُ العذاب، الذاتُ والعالم، حركةُ الحياة ونضحُ المخيلة.

- في - بعض نصوصك الإبداعية المتنوعة- كما وكيفا-  نشعر بطاقتك على السرد، وخزينك الوافر من البوح والسرد، مع ذلك تلتزمين بالجملة القصيرة فلا تسترسلين .جملة رشيقة كما لو كاميرا تتنقّل سريعا على وجوه ومكامن ومواجع.هل تقصّدت التكثيف كشرط ينهض بفنية النص السردي الحديث؟

* صارت علاقتي مع السرد مختلفة كلياً عن فكرتي السابقة عنه، السرد ليس منظومة أخلاقية وعقائدية جاهزة لنطلقها على القارئ، وفي نفس الوقت ليست هناك الرغبة في استعراض المهارات اللغوية في صياغة الجملة التي تنتابنا في الأعمال الأولى، أنظر إلى السرد الآن كمتعة، متعة للكاتب وللقارئ في نفس الوقت، لذلك كنت أجتهد لخلق عالم سرد مختلف عما كتبته من قبل.أجتهد في صنع جملة قصيرة، كثيفة ذات دلالة وبلاغة.أجتهد وسأفعل هكذا دائماً، فكرتي عن- نصي السردي- محكومة بخلق سرد مختلف وفكرة جريئة في مشهدية بسيطة سرد يبتعد عن المحلي، ويمكن أن يكون مشروع حكاية يستمتع بها أي قارئ في العالم، مهما كان انتماؤه الجغرافي أو الديني أو…بالإضافة إلى شعوري أن السرد الروائي العربي بحاجة لنقلة نوعية على صعيد التكنيكك الفني.

- في الأخير: بمَ تنصحين الكاتب الشاب ؟

* أهم شيء هو التواضع.فليس كل من كتب-  سطرين-  يتخيّل أن على العالم أن ينحني له.. أغلب الأدباء الذين اشتهروا بدؤوا متواضعين، خاصة وإنهم يقدرون أعمالهم، ويقيمونها قبل أن يتناولها النقاد، ويعتبرونها وصلت حدا معينا من الجودة .الكاتب الشاب ينبغي أن يعمل على تطوير عمله، فلا يمكن أن يصدر الكاتب مجموعة قصصية صغيرة، ويريد من النقاد أن يصفقوا له، وأن تقام له طقوس الاحتفال .هذا غير ممكن .فالتواضع مطلوب، وكذلك الإنتظار والصبر.إضافة إلى أن الكاتب الشاب لابد أن يلتفت الى بيئته المحلية.فالمحلية مسألة أساسية، وخاصة في موضوع الرواية.وأنا شخصيا أعتبر تجربتي قائمة على المحلية.فإذا كنت تحيا في بيئة تعرفها وتعايشها، يمكنك أن تكتب عنها عملا فنيا ذا قيمة .

- كلمة أخيرة..

* مازلت أنحت نصي الإبداعي على الصخر بالأظافر وأشكر كل من ساعدني وشجعني على الإبداع في زمن ضللنا فيه الطريقَ إلى الحكمة..

- دمتَ لامعة الحرف.. وذائقة لمعانيه العميقة

 

حاورها: محمد المحسن

 

3008 محمد المحسن(الشعرَ هو الكون ذاتهُ.. وهو جوهر كل الكائنات.. والزّمن غير قادر على إلغاء لغة هي حاجة طبيعية لإستمرار التوازن..)

قد لا أجانب الصواب إذا قلت أنّ الحوار مع الشاعر التونسي محمد الهادي الجزيري يمثّل فرصة للاقتراب من العوالم الشعرية لواحد من أصفى وأعمق الأصوات في تونس على مستوى الإبداع الشعري، وسبيلا لطرح الأسئلة العميقة للشعر بما هو تخييل ولغة وتجربة ومخزون صور وتمثيلات وجسور موصولة بين خبرات جمالية متباينة من حيث تاريخيتها وجغرافياتها. راهن محمد الهادي الجزيري على الاحتفاظ للقصيدة بمتعة الدهشة وتحفيز الذوات القارئة على التفاعل الإيجابي مع النص بإعتباره محصلة - زواج- سعيد بين وهج التجربة الحياتية والإستدعاء الواعي والذكي لصور وتمثيلات تجد أساسها في الموروث الشعري العربي القديم أو التجارب الشعرية الغربية. وهو يرى أنّ الشاعرَ الحقيقي دائم القلق، وأكثر قرباً من واقعه، وملتزم بما يدور في فلكه، يحاول دائماً أن ينبش في الأشياء، ويحفر في الأرض ويمضي حاملاً أوجاع الحياة ومرارة الواقع، ليرسم لوحةً من الكلام الشاهق، ويلُّم ما تناثر في الكوكب من رخاوة في المشهد المعاش، ويتعارك مع الكائنات ليعود لنا رافعاً تلويحة أملٍ في غبش الحياة المحاصرة بالدياجير والمواجع. وفي حوارنا معه فإننا ندخل في المسافة بين الجمالية الفنية والفعالية الفنية التي تمتلكها جل قصائده، ونتقصى أبعاد تمسكه- أحيانا- بقصيدة النثر ومدى مشروعية- هذه الأخيرة- وهيمنتها على المشهد الشعري العربي المعاصر، ونستشرف بالتالي جدوى الكتابة في حياة المبدع..

* يفترض الإقتراب من تجربتك الشعرية بمختلف تجلياتها النصية صوغ سؤال البدايات. ويهمني بإعتباري ذاتا قارئة أن أسألك حديثا عن بواكير أو إرهاصات الوعي بأهمية القول الشعري:هل كان للأمر تعلق برغبة في التعبير بطريقة تتسم بالمغايرة والاختلاف؟

- سؤالك هذا أيقظ أشياء جميلة تقتنيها الذاكرة.. وأعادني إلى لقائي الأوّل بالشّعر، ذاك اللقاء الذي كان يُوشِكُ أن يكونَ سطحِيّاً في البداية، وذا طابع عاطفيّ إلى حدّ بعيد.. ولكن يبدو أن اعتمالا مضطرما يضارع الإختمار كان يجري في داخلي مبكّرا، تفجّر هكذا في لحظة - صفاء- لا أكثر، في شكل- ومضات- شعرية تمخضت عنها قصائد فدواوين.. وقد حاولت منذ البداية في أعمالي الشعرية أن أمزج ما بين الشعر والنثر، وهذا يظهر جليّا في أعمالي الأمر الذي جلعني أكتب قصيدة نثر تحمل رؤية مغايرة عما هو سائد في قصيدة النثر العربية، ومن ثم فأنا أحاول جاهدا في كل عمل شعري أن أقدّم شيئا جديداً ومختلفاً عما أصدرته سابقاً..3008 محمد المحسن

* في رأيك هل استطاعت قصيدة النثر أن تنتزع لها مكانا في منظومة الحس العربي؟ وهي التي أتاحت لعدد غير قليل أن يدخلوا مدينة الشعر بدون حق؟

- قصيدة النثر ليس فقط أنها استطاعت أن تنتزع لها مكانا في خارطة الشعر العربي المعاصر، بل انها تتصدر الآن المشهد الشعري وبجدارة. واذا كان الشكل القديم المنظوم عموديا أو بالتفعيلة ما يزال يجد أنصارا له، فإنّ أولئك الأنصار شعراءا وقراءا في تناقص. لقد تم نزع “القداسة” عن “نظام”القصيدة القديم. وتلك من أجمل الثورات التي حققتها الأجيال الجديدة من الشعراء.

* ماذا يعني لك الشعرُ في اللحظة الراهنة؟ماذا أعطاك الشعر؟وهل عبّرت قصائدك عبر أعمالك الشعرية عن شخصيتك وتجربتك ورؤيتك الإبداعية؟

- الشعر- في تقديري- هو الحياة، موسيقى الروح وديدنها، رئة أخرى للجسد، الشعر يعني الانفلات من عقال الزمن، التعبير الحقيقي عن مواجع الإنسان في زمن ضللنا فيه الطريق إلى الحكمة.. لذا، فقد أعطاني(الشعر) الكثير من معنى الحياة وحب الناس والتسامي، منحني حالة من الكشف في اللغة وتراكيبها والبناء المحكم للمفردات وقراءة الكون والكائنات والإبحار في عوالم جديدة، وجعلني بالتالي أرى العالم بلغة مختلفة تعبر عن مكنونات الروح والنفس البشرية، كما جعلني أيضا أعبّر عن شخصيتي بمفاتيح رؤيوية جديدة وأقترب أكثر منيّ لأكون اكثر جرأة في الكشف عما هو مستور في دواخلنا.

* كيف تتشكّل القصيدة لديك. انفعال، عزلة، انكسار، أم لحظات صفاء؟؟

- النصّ يتشكّل من مجموع هذا وذاك، بمعنى أنّ حالة الكتابة تكون تتويجا لإرهاصات تقدّمت عليها بصمتٍ بالغٍ، وترقُّبٍ مصحوبٍ بارتفاع تأمُّليّ. ما يهمُّني هو اللذّة التي تنتجُ عن هذا الكلّ، باتصالي مع عمق ذاتي والبُعد الإنساني اللذين تنصهرُ بهما الأشياء والأسماء والأفعال…الخ. وهذا يعني أنّ- القول الشعري- لا يتشكّل لديَّ إلاّ بوصفه استجابةً جماليةً بالغة التعقيد لعاملين متداخلين:لحظة الحياة ولحظة الشهادة عليها. ضغط اللحظة الواقعية، كونها الباعث الأول على القول، وضغط اللحظة الشعرية، بما تشتمل عليه من مكوناتٍ ذاتيةٍ وثقافيةٍ وفنية. في اللحظة الثانية تتجلّى فاعلية التشكيل الشعريّ حين يتلقّف اللحظة الواقعية، أو لحظة الانفعال بالحياة التي لا تزال مادةً خاماً، ليلقي بها في مصهره الداخليّ، ويعرّضها لانكساراتٍ عديدةٍ، وتحولاتٍ جمّة، حتى يخلصها من شوائب اللحظة ومن تلقائيتها الساذجة، أو غبار اندفاعها الأول المتعجل. ويظل النص الشعري في تشكله ملتقى كلّ رفيفٍ روحيّ أو لغـويٍ: اللذةُ وشحنةُ العذاب، الذاتُ والعالم، حركةُ الحياة ونضجُ المخيلة.

* من وجهة نظركم، كشاعر، كيف يكون الشعر، وما هي وظيفته، وما هو مفهومك الخاص للحداثة بعيداً عن تنظيرات الأخرين؟

- من وجهة نظري، لا يخضع لوظيفة بعينها، وقد اختلف الفلاسفة في هذا الأمر من أرسطو وغيره من المفكرين والفلاسفة الكبار، هذه مسألة يضع لها معايير كل حسب رأيه ورؤيته ومعايشته للحياة وتقلباتها، أما أن نضع وظائف معينة فأعتقد أن هذا ليس منطقيا، الشعر أيضا حالة يعيشها الشاعر وهذه الحالة ربما تستمر أشهر حتى تتمخض عنها قصيدة بعد مخاض طويل، بمعنى آخر القصيدة ليست متاحة في أي وقت، القصيدة كما قلت سابقا هي التي تقتحم الشاعر وليس الشاعر، هكذا أنا أتعامل مع قصيدتي وهكذا أفهم القصيدة وأدعها تتسلل إليّ وأفرد لها مساحة كبيرة من التأمل كي تستريح في داخلي مغلفة ببطانة المعنى والفكر الثقافة كي تخرج إلى القارىء بكامل أناقتها وفضاءاتها الشاسعة. أما الحداثة، فهي خلخلة السائد في الراهن الشعري العربي، من خلال الاكتشافات اللغوية وبناء العلاقات بين المفردات وصياغتها بقوالب شعرية جديدة بشكل جمالي آخاذ، وهذا بالطبع لا يعني أن نتخذ من الحداثة الغموض المنغلق، بهذا الشكل أو هذا المعنى افهم الحداثة، وكذلك أن لا نكون منغلقين في قوالب جاهزة متعارف عليها سابقا في النص الشعري، علينا أن نفهم ماضينا وآصالتنا بلغة حداثية تواكب التطور، لغة عصرية فيها الكثير من المغامرة الجمالية.

* أيّ العوالم ترتّب من خلالها هواجسك الشّعريّة؟

- أتقصد طقوس الكتابة؟! أومن بذلك ولا أومن. ولكنّ حالة الكتابة تختزل كلّ شيء، تضغطهُ في اللحظة، فيها تختلفُ المفاهيمْ، ويُصبحُ الانسجام- في الكائن- لا مفرّ منه. عدا ذلك، أستطيعُ أن أخبركِ أنّ (الهدوء، السجائر، فنجان القهوة، - رهاب- الورقة البيضاء..)، طقس أنسجم معه، وأجدني مُتصالحاً مع ذاتي ومع العالم ضمن هذا السياق.

* ما يفتأ العديد يقول أنّ الشّعر لغة ما عادت صالحة لهذا الزّمن.. ماذا تقول أنتَ؟

- أرى أنّ الشعرَ هو الكون ذاتهُ، وهو جوهر كل الكائنات، والزّمن غير قادر على إلغاء لغة هي حاجة طبيعية لإستمرار التوازن، ولغة الكون دائماً ستبقى واضحة في إشراقها من “صباح الخير” التي نهديها للأحبّة بداية كل نهار، وستبقى واضحة في ابتسامةٍ تُطرّزُ “خاصرة الصباح”التي تتراقص أمامك.. نهاية أقول: سينتهي الشعر حينَ ينتهي كلّ شيء!

* كيف يقيّم - محمد الهادي الجزيري- حركة الشّعر الحديث؟

- هي حركة، كما التي نعرفها مسطرة في كتب التاريخ الروحاني للإنسانية، تشتمل على الجيد المُغاير، والسيئ الرديء، والزمن سيكونُ حاكماً عادلاً يفرزُ ويفصل، ويحكم بالإستمرار والخلود لكل ما يستحق ذلك، الجميل في الحركة الشعرية الجديدة أنها تنحى منحى تجريبي يُنتج أحياناً ما هو مُدهشْ، وقادر على التواصل مع روح عالم جديد، ومُستمر في تجدّدهُ، والشّعر كذلك.

* حين تنادي:”محمد الهادي الجزيري “أيكون في النّداء معان قويّة كتلك التي قالها الفلاسفة عن شعر هولدرلين؟

- لأنني لازلت أجهل- محمد الهادي الجزيري- لم يحدثْ أن فعلتها. ولكنني دائماً ما أقرأهُ بوضوحٍ على البياض، ذاهباً به نحوَ اعترافاتٍ أعمق، كي يتسنى لي قراءتهُ بشكلٍ أوضح. حينَ أعرفهُ تماماً، وقتها سوف أفعل، وأخبرك ما إذا كانت معانٍ قويّة كائنة في ندائي عليه، أم لا، دون تشبيهٍ بأيّ آخرْ.

* كيف تنظر إلى خريطة الشعر العربي اليوم؟ومَن من الشعراء جذب اهتمامك وشعرت عبر أعماله بنكهة التجديد والأصالة والعمق؟

- خريطة الشعر العربي ما زالت واضحة المعالم على الرغم من محاولة بعض المتشائمين طمسها، فللخارطة رموزها وتضاريسُها الإبداعية، وهناك شعراء رواد شكّلوا قمماً إبداعيَّة لهذه الخارطة لا تطالها رياح التعرية المحملة بغبار العولمة، من أمثال السياب والبياتي والفيتوري والماغوط وصلاح عبد الصبور والجواهري.. وغيرهم.

* ما أقصى أنواع الظّلم الّتي تراها تمارس في حقّ الشّعر العربي؟

- دائماً سيبقى من يحفظ للشعر حقّهُ. وبما أنّ الشّعر كائن حيّ، فهو يحتاجُ لمزيدٍ من الاهتمام، ومزيدٍ من الإنفتاح به على الجهات، وكسر للقوالب التي تخنقه، ليفرد جناحيه محلقاً متنفّساً ما يشتهي.. هكذا نضمن لهُ حقّهُ في الحرية.

* أما من قصيدة صدأت في درج مكتبك بعد أن صدأت في دواخلك؟

- سأبحثُ في الدرج، لأجدَ نصوص مال لونها إلى الأصفر المحروق، رائحتها تُسعدني، وتُعيدني إلى لحظات كتابتها، وما قبل الكتابة، لأجدَ بها جزءاً منّي، أتذكّرهُ ولكن يُصيبني الحنين إلى مشاركة الآخر بهذه الذاكرة.. بهذا الشّعر.

* دمتَ لامعَ الحرف.. وذائقا لمعانيه العميقة

***

 أجرى الحوار الكاتب الصحفي محمد المحسن من تونس

 

 

3010 استرق عزاويالناشط الثقافي المغترب مهيمن مقداد مسلم: هدفنا ترسيخ الثقافة العراقية في المغرب العربي الكبير .

الشاب مهيمن مقداد مسلم أحد الشباب العراقيين الطموحين من الذين يسكنهم حب الثقافة والفن وقد لا يكون ذلك مصادفة فهو نجل الفنان د. مقداد مسلم أحد الاسماء المسرحية العراقية التي قدمت للمسرح العراقي تجارب كثيرة إتسمت بخطها الأسلوبي الخاص وتميزها الى جانب كونه أستاذا للفنون المسرحية في معهد الكاف بتونس . مهيمن مقداد مسلم الشاب الطموح ينظر الى تراث بلده الثقافي بوصفه ثروة لابد من تعزيز إمكانيتها وتنشيطها بعد فصول الحروب والحصار، فأخذ على عاتقه إنشاء تنسيقية ثقافية في تونس البلد الذي يقيم به منذ سنوات، إلتقيته في مناسبات ثقافية وأمسيات ثقافية في تونس فكان معه هذا اللقاء.

من هو مهيمن مقداد مسلم؟

- مبرمج حاسبات عراقي مغترب عملت في رئاسة الجمعية الوطنية العراقية ثم استاذ تعليم ثانوي خارج العراق في المدرسة العراقية بتونس ثم المدرسة البريطانية الخاصة بتونس.. ناشط بالمجال الثقافي وحقوق الانسان منسق عام للتنسيقية التونسية العراقية للثقافة .

ماهو مشروعكم الثقافي الذي تتبنونه؟

- العراق بلد الابداع والثقافة ومهد الحضارة التي أهدت العالم الفنون ...لكن للاسف منذ فترة النظام السابق تحولت الثقافة العراقية الى اداة لنشر وتبيض صورة النظام السابق في الخارج والداخل ... وبعد تغيير النظام قاد العراق مجموعة اخرى من الاحزاب التي لم تكترث بمسألة الثقافة العراقية ونشرها لانها ليست على سلم أولوياتها ... انا اتبنى مشروع اعادة التميز والهيبة للثقافة العراقية وحلم اقامة بيت ثقافي عراقي في كل عاصمة في العالم لاظهارهوية العراق بالصورة الصحيحة والموضوعية بعد أن تعرضت لتشويه النظام السابق والحالي .3010 استرق عزاوي

كيف تقيّم المشهد الثقافي العراقي في الداخل والخارج في ظل تجاذب الاطراف السياسية ومحاولة استيلائها على حقيبة الثقافة؟

- اصبحت وزارة الثقافة العراقية وزارة اللا ثقافة بسبب ساحة للمحاصصة بين الاحزاب لكي تتم سرقة التخصيصات المالية من الميزانية وتجييرها للحزب الذي يديرها، فلم نر اي وزير للثقافة الا وكان هدفه ارضاء حزبه .. فلم تنجح في اعادة صورة العراق الثقافية الى وضعها ةحجمها الطبيعي من خلال مشروعات ثقافية مهمة ذات بعد أقيمي ودولي، الى جانب تعثر الكثير من المشروعات الأساسية مثل مشروع بناء دار الاوبرا الذي أثير حوله لغط كبير كما أن الوزارة لم تعمل على استقطاب الطاقات العراقية المغتربة او احتوائهم كخبرات متميزة لتساهم ببناء المشهد الثقافي والفني لعراق اليوم مع زملائهم من فناني ومثقفي الداخل فظهر المشهد الثقافي العراقي باهتا لم يرتق لاسم العراق ولم يقدم سوى الصورة الرديئة التي لا تتناسب مع ما يملكه العراق من أرث ثقافي وكوادر ومثقفين كبار ... الامر الذي يحتم وجود ثورة حقيقية تتخلص من البروتوكولات المفصلة على قياس المافيات والبروتوكولات الحزبية وتعطي المثقف العراقي حقه كونه ثروة وطنية لا تقل اهمية عن النفط دون النظر الى طائفته او دينه .

نظمّتم مؤخرا في تونس الاسبوع العراقي التونسي بعنوان تونس تحتضن بغداد وهي فعالية غير حكومية .ماهو الهدف من هذا الحراك الثقافي؟

إنطلقت فكرة إقامة أسبوع ثقافي عراقي تونسي بمعية إعلاني تونسي شاب وهو (محمد وليد الجوادي) كخطوة لتميتن عرى الثقافة بين الشعبين التونسي والعراقي على أن تكون التظاهرة الثقافية المذكورة تقليد سنوي وبشكل دوري .

ا لهدف من هذا الحراك هو اعادة الثقافة العراقية الى المشهد الثقافي في المغرب العربي الكبير انطلاقا من تونس حيث ان الشعوب في المغرب العربي الكبير متعطشة للإطلاع على نتاجات الثقافة العراقية والانفتاح على العراق بعد عقود من العزلة وخاصة أن العراق لا تربطه علاقات اقتصادية او سياسية كبيرة بهذه البلدان لذا تعد نافذة الثقافة والفنون فضاءا رحبا ً لتعزيز حضور الثقافة العراقية وحاليا أعتقد أن العلاقات الثقافية هي البارزة بين العراق وتلك الدول ... وللمفارقة لم ينجح العراق في تنظيم مثل هذه الايام الثقافية منذ ثلاثين عاما بل لا يملك العراق لاملحقا ثقافيا ولا مركزا ثقافيا في اي من هذه البلدان ... فقط بنايات مهجورة كانت في يوم ما تنشر الثقافة العراقية... فتحركنا لأجل التعاون الثقافي من خلال منظمات المجتمع المدني وبمعزل عن أي سلطة حكومية وبوصفي ناشطا في الشأن الثقافي أسعى لتعزيز الجهود لتوسيع نطاق التفاعل الثقافي بما ينعكس إيجابيا ً على الطرفين ولن يكون حراكنا الاخير وسنعمل بكل جد لاعادة الثقافة العراقية في المغرب العربي الكبير الى وضعها الحقيقي .

كلمة أخيرة .

- في الختام لكم جزيل التقدير والشكر والامتنان

واملي وحلمي الكبير ان يعيد العراق الهيبة لمثقفية الكبار وهم الثروة الحقيقية للعراق.. وان لا يتركوا للغربة تاكلهم ... اكرر شكري وامتناني.

 

حاورته إستبرق عزاوي

 

راضي المترفيانا بنت العراق اعمل لكي اترك اثر ايجابي في المجتمع من خلال اعداد وتقديم البرامج التي تخدم الاسرة بجميع افرادها

غالبا ما يتم اختيار المذيعة ومقدمة البرامج وفق معايير جمالية معينة وهذه المعايير تشترط اللباقة وسرعة البديهية وقدرة على اتخاذ القرار إضافة لجمال الوجه واعتدال القوام وحسن المظهر وقوة الحجة وجمال المنطق وبما أن الصدفة اليوم حطت بي على رحاب مذيعة ومقدمة برنامج تحت عنوان (سنة أولى زواج) تزاحم في نفسي الفضول الصحفي وارتفعت مناسيب المشاكسة الصحفية وحاولت الدردشة معها من دون استئذانها وقد انجح في جرجرتها إلى زوايا معينة لتسليط الضوء عليها ..

- صباح الخير أيتها الجميلة

- صباح السرور ورضا الله سبحانه

شهرزاد احتلت مكانها بجدارة في حكايات الألف ليلة وليلة.. فهل انت سليلة او نظيرة او امتداد لها؟

- انا بنت العراق اعمل لكي اترك اثر ايجابي في المجتمع من خلال اعداد وتقديم البرامج التي تخدم الاسرة بجميع افرادها

- أين يقف شهريار خلف المذياع أو امامه؟

- ليقف في المكان الذي يناسبنه فلسنا في قاعة امتحان .

- لك صوت البلابل وجمال النجمات وحنان الأمهات.. كيف اجتمعن بك؟

- هذه نعمة من الله فشكرا لله

- هل تتعرض الجميلات امثالك إلى التحرش الجنسي في أروقة الإذاعة ومن من الزملاء او المسؤولين؟

- لا لم اتعرض لهكذا مواقف

- لماذا اخترت هذا الاسم لبرنامجك؟

- بسبب ارتفاع نسبة الطلاق في المحاكم وازدياد نسبة عزوف الشباب (كلا الجنسين) عن الزواج

- كيف تعدين البرنامج؟ وهل هناك من يساعدك؟

- بالبداية تقدح الفكرة عندي ثم استعين بالكتب والمراجع والاشخاص المختصين

- يتكرر ظهور رجل دين يتحدث عن الزواج في أغلب الحلقات فهل كل رجال الدين ناجحون في زيجاتهم؟ او ان الآخرين لا يصلحون لإبداء رأيهم؟

- طبعا الامر نسبي.. كل انسان من حقه ابداء رايه وطبعا نستفاد من جميع الاراء واكيد اذا حضرتك متابع البرنامج ستجد العديد من الضيوف الذين تم استضافتهم في البرنامج .

- هل انت تختارين مواد البرنامج او تقدمينها فقط؟

- انا من يختار ويعد ويقدم البرنامج .

- ماهي اهم اسباب الزواج الناجح؟

- كثيرة هي الاسباب لكن اهمها التفاهم والصراحة بين الزوجين .

- ايهما أسرع في تهديم الزواج خيانة الزوج ام الزوجة؟

- كلاهما .

- ماهي الأهم في الاختيار عند الزواج بالنسبة للرجل .. الجمال .. الحب .. النضج.. المال.. المركز.. العائلة؟ وماهي اختيارات المرأة الراغبة بالزواج؟

- بالنسبة للرجل والمراة اعتقد كل ما ذكرت لكن تتقدم وتتاخر بعض الصفات على بعض حسب شخصية الرجل او المراءة .

- ماهي اهم الأسباب في الفشل عدم اهتمام الزواج او عدم التزام الزوجة؟

- عدم اهتمام الزواج بالزوجة والاسرة هو اكيد احد اسباب الفشل وقد يكون هو سبب عدم التزام الزوجة والعكس صحيح .

- بعد الطلاق يستطيع الزوج تكرار التجربة بدون عوائق لكن المطلقة تعاني كثيرا في التكرار بسبب نظرة المجتمع .. هل هناك حل ينصف المطلقة؟

- اعتقد هناك تغيير في نظرة المجتمع للمراءة المطلقة تختلف عن قبل ٢٠ سنة بسبب التطور الحديث والبرامج التي تقدم في الاذاعة والتلفزيون ومنظمات المجتمع المدني والاعلاميين والمثقفين .

- في هذه الأيام تتناسب أرقام الطلاق مع أرقام الزواج .. ماهي الأسباب؟

- ارجو ا متابعة جميع حلقات برنامج سنة اولى زواج على اليوتيب لمعرفة الاسباب وارجوا ابداء الاراء والمقترحات والافكار لتطوير العمل مع شكري وامتناني للجميع.

- كيف تتعاملين مع زوجك وكيف تحبين ان يعاملك؟

- بما يرضي الله ويحفظ حق الطرفين .

- هل الجميلات هن الاكثر حظوظا ونجاحا في الزواج من غيرهن ولماذا؟

- ليس من شروط نجاح الحياة الزوجية الجمال فبعد التقدم بالعمر يختفي الجمال وتبقى الاخلاق والمودة والرحمة بين الزوجين .

- الجمال نعمة ام نقمة؟

- هو نعمة من الله اذا احسنا استخدامه

- هل فعلا الزواج شر لا بد منه؟

- كيف يكون شر وهو اتمام الدين؟

- بماذا تنصحين المقبلين على الزواج وبماذا تنصحين من هم على قيده؟

- متابعة البرنامج

- اخيرا هل هناك كلام لم تنطقي به بعد؟

- شكري وامتناني وعرفاني لمعلمي واستاذي الاستاذ راضي المترفي على هذه التفاته الجميلة واهتمامك وان شاء الله اكون عند حسن ظن الجميع .

. شكرتها مودعا على ماجادت به من وقت واجابات رغم قصرها كانت واضحة ومليئة بالتفائل والرضا وحبها لعملها ورغبتها في تقديم ماينفع المستمعين وتمنيت لها ولبرنامجها النجاح .

حوار / راضي المترفي

 

2180 علي الربيعي ونابي بوعليهذا حوار يجريه مع عليّ رّسول الرّبيعيّ نابي بوعلي.

لقد اخترت لهذا الحوار عنوان" الحب من منظور الأخلاق". كنت قد اجريت حوارا عن عاطفة الحب سابقا لكني شعرت بالحاجة الى المزيد من النقاش حولها لما اجد من اهمية لهذا في عالم بلا قلب حيث يفتقد الحب حضوره في مجتمعاتنا العربية ويهيمن العنف (الذي تناوله دكتور الربيعي في مرات عديدة) والكراهيات (التي كنا نقاشناها في حوار خاص بها ايضا نُشر على شكل دراسة في حلقات)؛ اقول في أجواء الأضطراب الاجتماعي والسياسي نحتاج التفكير في الحب، هذه العاطفة التي تحولنا الى كائنات يتجلى بينها السلام والوئام.

الدكتور نابي بوعلي سؤال: ألاً ترى أن لدى الناس سبب للتصرف أخلاقيا، وأن هذا التصرف يجعلهم في نوع معين من العلاقات مع الآخرين: العيش وفق شروط يعتقدون أن بإمكانهم تبريرها! أشار ميل إلى هذه الفكرة على أنها "الوحدة مع زملائنا المخلوقات".

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// أود أن أقول إن دافعنا للفعل الأخلاقي هو أننا لا نريد أن نكون مهملين أو منبوذين. نحن نعتمد بشكل كبير منذ عند الولادة، وما زلنا نعتمد، بدرجة أو بأخرى، رغم نضجنا. وهذا الشعور بالاعتماد قوي للغاية. لذلك نحن قلقون للغاية إذا بدا أننا لا نستطيع الاعتماد على أي شخص وتُركنا وحدنا. هنا، أنا لا أشير إلى التبعية الجسدية فقط ولكن إلى التبعية النفسية أيضًا. الوحدة هي حالة مؤلمة للغاية- بالنسبة للعديد من الناس، فهي تهدد إحساسهم بواقعهم. يعتمد مدى حقيقية وواقعية شعورنا على الطرق التي يتفاعل بها الناس معنا. نرى أنفسنا فيها، في ردود أفعالهم تجاهنا، في ردودهم علينا. إذا لم نحصل على مثل هذه الردود، فإن إحساسنا بواقعنا يصبح مهتزًا للغاية. لذا فالوحدة هي حالة مزعجة للغاية تؤدي الى اختلال التوازن.

الدّكتور نابي بوعلي سؤال: هل يمنحنا الخوف من الشعور بالوحدة سببًا لنجد أحباء من حولنا، وصداقات، ولإقامة علاقات جيدة مع هؤلاء الأشخاص الذين نتفاعل معهم. لكن يبدو أن الأمر ليس له علاقة بالأخلاق، التي تنظم سلوكنا تجاه الجميع، وليس فقط تجاه الأشخاص المقربين منا.

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// حسنًا، أعتقد أن هذا الدافع هو بالفعل أقوى بكثير على مستوى العلاقات الشخصية أو الوثيقة، إلى حد كبير. لا أعرف مدى انتشار الإحساس الكوني وغير المتحيز للأخلاق الذي يواجهه المرء في الفلسفة خارج الدوائر التي نتحرك فيها. لكنني أعتقد أن ما يحركنا في اتجاه الأخلاق الكونية هو أننا لا نحب أن نفكر في أنفسنا على أنه لدينا علاقات عدائية مع أي شخص. وهذا يأخذ حياة خاصة به. تصبح مؤسسية ؛ نحن نصنع مبادئ عامة لأنه من الأسهل الاعتماد على مثل هذه القواعد بدلاً من الاقتراب من كل شخص متسائلاً عما إذا كان من الجيد أن تكون على علاقة جيدة معه.

الدّكتور نابي بوعلي سؤال: يبدو أنك تقترح أن كل ما يهمنا هو أن نكون على علاقة جيدة مع الآخرين. لكن أن تكون على علاقة جيدة قد تكون متسقة مع وجود علاقة استغلالية.

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// هذا صحيح في الحالات الفردية، ولكنه ليس صحيحًا بشكل عام. لذا فإن أسهل شيء هو اتباع بعض المبادئ العامة للسلوك الجيد الخير والتي يمكن توقعها بشكل معقول أن تؤدي إلى علاقات منظمة وسلمية وودية.

الدّكتور نابي بوعلي سؤال: أود أن أتساءل عن وجهة نظرك حول الصراع بين الأخلاق والأهداف الشخصية من ناحية أخرى. فكما أطلعتني في سياق حوارنا على كتاب جادل توماس سكانلون "ما ندين به لبعضنا البعض"، وجدت أن العديد من المساعي والعلاقات القيمة لا تحتاج إلى التعارض مع ما تتطلبه الأخلاق، نظرًا لأن لديهم حساسية مبنية على هذه المطالب. يجادل سكانلون، على سبيل المثال، بأن لدينا نموذجًا للصداقة يتضمن الاعتراف بالمزاعم الأخلاقية للأصدقاء بصفتهم أشخاصًا، أي كأشخاص تكون ادعاءاتهم الأخلاقية تجاهنا مستقلة عن علاقتنا الخاصة بهم. لن يطلب مثال الصداقة هذا أبدًا أن ننتهك استحقاقات الآخرين من أجل الصداقة. قد تتوافق القيم الشخصية الأخرى بالمثل مع متطلبات الأخلاق

أنت تحدد هويتنا من خلال الرغبات التي نؤيدها أو نقر بها ونوافق عليها. لكن يمكنني أن أصف نفسي كشخص لديه رغبات أفضل أن أكون بدونها. على سبيل المثال، قد تكون لدي رغبة في أن أكون مطبوع على حب الخير أو خيرًا، ولكنني انظر إلى هذه الرغبة محبطة من دوافعي الأنانية وأقول، "حسنًا، أليس هذا أنا عادةً !"

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// حسنًا، أعتقد أن هذا صحيح. إن مفهوم الهوية بأكمله فضفاض للغاية. هناك عدة طرق يمكنك التحدث من خلالها عما أنت عليه حقًا، وإحدى الطرق هي وصف بعض الخصائص والشمائل التي تمتلكها فقط. جزء من المشكلة الآ، هو أنه عندما وصفت عملية التعرف على رغبات المرء وتحمل مسؤوليتها، انا استخدمت للأسف كلمة " تأييد أواقرار وموافقة" عبينما كان يجب أن أستخدم مصطلحًا مختلفًا. يشير مصطلح "التأييد أو الأقرار" إلى الموافقة، أو بعض المواقف الإيجابية تجاه موضوع المصادقة. لم أقصد ذلك أبدًا. ما قصدته كان شيئًا مثل قبول ما أنا عليه حقًا.

قد أعرّف نفسي على أنني أمتلك خصائص معينة وأتخلى عن محاولة محاربتها، لأنني أفهم أنها خصائصي، على الرغم من أنني أتمنى ألا تكون كذلك. لذلك، على الرغم من أنني لا أؤيدها بمعنى الموافقة عليها، إلا أنني أؤيدها بمعنى الاعتراف بها أو قبولها كشيك خاص بي مثل الشيك الذي أؤيده بوضع اسمي عليه. هذا هو "الاستحواذ على"، أو "الإلزام"، أو "التماهي مع" الأمر الذي كان يدور في ذهني، وليس أي شكل من أشكال الموافقة. غالبًا ما تأتي الموافقة الآن، بالطبع، لأننا كثيرًا ما نرغب في تعريف أنفسنا بالأشياء التي نوافق عليها. لكن هذا لا يحدث دائمًا ؛ أستطيع أن أدرك أنني ضعيف الإرادة، على سبيل المثال، وأعرف نفسي بضعف الإرادة، بمعنى أنني لا أعتبرها غريبة بالنسبة لي. هذا ما أنا عليه حقًا، وأنا اقف ضده.

الدّكتور نابي بوعلي سؤال: ماذا لو وقفت ضده؟

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// حسنًا، إذن فأنا لم أعرّف نفسي به حقًا. هذا ليس ما أنا عليه حقًا - أحاول إظهار أنني لست ضعيف الإرادة حقًا. صحيح أنه لا يزال لدي هذا الميل للاستسلام للأشياء، لكني أعتبر ذلك شيئًا أحاول التخلص منه. هذا ما أنا عليه، بمعنى ما، لكنه ليس جزءًا مني الذي أتماثل معه.

الدّكتور نابي بوعلي سؤال: أنت تجادل بأن الشخص مسؤول أخلاقياً فقط عن تلك الدوافع التي يعرفها. لكن يمكن للمرء أن يتخيل بسهولة شخصًا لديه خصائص معينة يكافح ضدها يشعر مع ذلك أن هذه الخصائص هي أشياء مناسبة للإدانة الأخلاقية. على سبيل المثال،يمكن أن يشعر شخص ما بالذنب تجاه هذا النوع من الأشخاص، على الرغم من أنه لا يريد أن يكون من هذا النوع ولم يقبل بعد أنه سيكون دائمًا من هذا النوع من الأشخاص. لذا لا يبدو أن المسؤولية الأخلاقية محصورة في الحالات التي يقبل فيها شخص ما الرغبات التي تشكل إرادته على أنها إرادته.

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// بالطبع، لدينا الكثير من الخصائص التي لسنا مسؤولين عنها بشكل خاص، ولكنها جذابة أو بغيضة، وهذه هي الأساس لكيفية معاملة الناس لنا وكيف نفكر في أنفسنا. إن مسألة المسؤولية الأخلاقية غامضة للغاية، ولست متأكدًا حقًا مما يدور حوله الأمر. غالبًا ما يكون إلقاء اللوم على شخص ما على ما فعله مجرد طريقة للغضب منه - تمامًا كما أن الشعور بالذنب هو وسيلة للغضب من نفسك ومعاقبة نفسك. إلقاء اللوم على شخص ما لشيء ما - إطلاق العنان للإهانات الأخلاقية - هو طريقة لإيذائه.

لست متأكدًا حقًا من الهدف من إلقاء اللوم. ربما ليس لديها أي مغزى حقًا؛ ربما يكون مجرد شيء نميل إلى القيام به بشكل طبيعي. نحن لا نلوم الحيوانات على السلوك الشرير. ربما نفترض فقط أن الناس يجب أن يكونوا قادرين على التحكم في أنفسهم. لكنني أفترض أنه إذا اعتقدنا أن الشخص لا يستطيع التحكم في نفسه، فنحن لا نغضب. بدلاً من ذلك، نميل إلى معاملته بالطريقة التي نتعامل بها مع الحيوانات: ندافع عن أنفسنا ضده، وربما نسجنه. العار الأخلاقي سيكون مفقودًا في مثل هذه الحالة. أعتقد أيضًا أن لدينا مواقف مختلفة تجاه الشخص الذي يعرّف نفسه بميل ضار معين أكثر من مواقفنا تجاه شخص لا يعرّف نفسه بهذا الاتجاه، لأنه بقدر ما يتخلى الشخص عن الجزء منه الذي يتسبب في هذا السلوك، فهو على ' "جانبنا" بدلاً من الجانب "المعارض". حقيقة أنه يقف إلى جانبنا تخفف من إحساسنا به كعدو. لذلك، إذا لم يكن الشخص مخلصًا حقًا بشأن الشيء السيئ الذي فعله، إذا كان يتمنى لو لم يفعل ذلك ولم يرغب في القيام به، لكنه وجد نفسه متحركًا ضد إرادته، فإن موقفنا تجاهه أقل قسوة، لأنه، بطريقة ما، حليف لنا. بعد كل شيء، كان يحاول منع ما حدث.2180 علي الربيعي ونابي بوعلي

الدّكتور نابي بوعلي سؤال: يمكن أن تتحقق حرية الإرادة من خلال غسل الدماغ - من خلال قيام شخص ما بتشكيل رغبات شخص آخر بطريقة تجعل هذا الشخص يؤيد الرغبات ذاتها التي تم حثه على الحصول عليها. ألا يبدو هذا مخالفًا للحدس؟

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// لست متأكدًا مما تقصده بـ "غسيل الدماغ". غسل الدماغ، في حالة وجود مثل هذا الشيء، هو ببساطة محاولة متعمدة غير مألوفة لتشكيل بنية ومحتوى عقل شخص ما. لكن هناك شيئًا ما أو شخصًا ما يحدث دائمًا لفعل هذا فقط. نأتي إلى العالم مرنين، وتعمل القوى والتأثيرات المختلفة على تشكيل عقولنا وتجعلنا من النوع الذي نحن عليه. نحن لا نتحدث عن "غسل الدماغ" ما لم تتم هذه العملية من قبل شخص لديه هدف محدد في ذهنه. لكن هذا هو الشيء نفسه من الناحية الهيكلية - تتشكل شخصية شخص ما بواسطة قوى خارجية

الدّكتور نابي بوعلي سؤال: لكن ضع في اعتبارك حالة شخص ما يعاني، بسبب سوء المعاملة والضغط النفسي الشديد، من تدني احترام الذات لدرجة أنه يعتقد أنه يجب أن يكون لديه تصرف خاضع ومذل. افترض، علاوة على ذلك، أنه يكتسب الشخصية التي يريد أن يكون وأنه مُنِح الفرصة للتصرف بناءً على رغبته الصادقة في خدمة سيده. قد تقول إنه حر بقدر الإمكان. لكن هذا يتعارض مع فكرة عامة عن الحرية تفرض مطالب معينة على الظروف التي نشكل فيها أهدافنا ورغباتنا.

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// لدي إجابة بسيطة على ذلك، على الرغم من أنني لا أعرف ما إذا كان أي شخص سواي يجدها مقنعة. توضح الأمثلة من هذا النوع ببساطة أن هناك قيمًا أخرى إلى جانب الحرية. كل ما أقوله هو أن الشخص الذي يفعل ما يريد أن يفعله ويريد ما يريده يتمتع بأكبر قدر ممكن من الحرية لفهمه. قد تكون حياته سيئة من عدة نواحٍ: قد يكون غبيًا أو محدودًا. ونتيجة لذلك، قد لا يعيش حياة خيرة جيدة. لكنه لا ينقصه الحرية. بشكل عام، هناك رغبة شعارية في حشر كل ما نعتقد أنه خير وجيد في مفهوم الحرية. لكن هذه مجرد طريقة للاستفادة من القوة البلاغية للكلمة. يبدو لي أنها فكرة خير وجيدة أن نضع بعض الفروق وأن نرى أن الحرية ليست الشيء الخير الجيد الوحيد.

الدّكتور نابي بوعلي سؤال: لقد لاحظت من خلال الحوار ان السؤال "هل يجب أن أهتم بما يهمني؟ يسبب نوعا من الدوخة. لكن السؤال له معنى في الحياة اليومية، عندما نسأل أنفسنا، "هل يجب أن أهتم حقًا بهذا الشيء الذي كرست نفسي له؟ هل يجب أن أكرس نفسي لذلك بشدة؟

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// يمكنني بالطبع تقييم موضوع محتمل للعناية من منظور كائن آخر أكثر جوهرية إلى حد ما أو أكثر اهتماما به. لذا فإن السؤال منطقي تمامًا إذا كنت أعني "بالنظر إلى أنني أريد أن أعيش نوعًا معينًا من الحياة، فهل هذا أمر جيد بالنسبة لي أن أهتم به وأكرس نفسي له؟

يمكن أن يكون السؤال منطقيًا أيضًا إذا كنت أعني "هل أنا مهتم به حقًا؟" إذا سألت نفسي على سبيل المثال، "هل يجب أن أهتم بالبقاء على قيد الحياة؟"، فباستثناء أنني أرى حياتي مجرد أداة في خدمة أهداف أخرى، يجب أن أعني "هل هذا شيء أهتم به حقًا؟ وفي هذه الحالة، فإن الإجابة الإيجابية الوحيدة التي يمكنني الحصول عليها هي: "لا يسعني الأ الأهتمام به". السؤال هو: هل يجب أن أهتم به لأنه ليس لدي بديل.

على أي حال، من المستحيل أن تسأل "هل يجب أن أهتم بما يهمني دون الإشارة إلى شيء أهتم به. لأنني بحاجة إلى معايير لتحديد أسلوب الحياة الذي يستحق العيش. أنا بحاجة إلى مثل هذه المعايير، على سبيل المثال، لتقييم ما إذا كان العيش بطريقة ممتعة ولكن في تناقض مع المبادئ الأخلاقية أفضل من عيش نوع مختلف من الحياة. وامتلاك مثل هذه المعايير يعني ببساطة معرفة ما يهمني.

الدّكتور نابي بوعلي سؤال: لقد أوضح سارتر بشكل مشهور فكرة "الاختيار الجذري" (حيث يتعين على شخص ما اختيار قيمه الأساسية) في حالة يجب على الشاب فيها أن يقرر ما إذا كان سينضم إلى المقاومة ضد الاحتلال الألماني أو البقاء قريبا مع والدته التي تحتاجه. هل تقول أن فكرة الاختيار الجذري هذه خاطئة؟

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// حسنًا، لا يمكن للشاب أن يخلق قيمه من العدم. لذا إذا كان هذا هو ما تعنيه فكرة "الاختيار الجذري"، فهذا يعني أنها مشوشة. أما بالنسبة لقرار الشاب، فكل ما يمكنه فعله هو محاولة اكتشاف ما يعنيه أكثر. إذا لم يكتشف أن أيًا منهما يعني بالنسبة له أكثر من الآخر، فربما ما يجب أن يفعله هو قلب عملة معدنية. وإلا فإنه سيجلس هناك مثل حمار بوريدان ولن يكون قادرًا على التحرك في أي من الاتجاهين. ما نفعله عادةً في مثل هذه الحالة هو محاولة اكتشاف الخيار الذي يجعل قلبنا يقفز أكثر. وقد نكون مخطئين في فعل ذلك. لأننا لسنا مهتمين بالاندفاع اللحظي، ولكن بالتنبؤ بما ستكون عليه الحياة - نحاول أن نتخيل ما إذا كنا نريد هذا النوع من الحياة أو ذاك. وقد نرتكب أخطاء في هذا الأمر بسهولة.

الدّكتور نابي بوعلي سؤال: فهل معرفة الذات هي الشيء المركزي الذي توصي به عندما نختلف حول ما نهتم به؟

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// نعم هذا صحيح. تلعب معرفة الذات دورًا أساسيًا للغاية لأنه من خلال معرفة نفسي اكتشفت ما أهتم به حقًا. الباقي هو العمل على التفاصيل: أن تكون عقلانيًا في السعي أو متابعة الأشياء التي تهمني ومحاولة تجنب الصراع بينها كلما أمكن ذلك.

الدّكتور نابي بوعلي سؤال: نحتاج أيضًا إلى الثقة في الأهداف التي التزمنا بها من أجل القضاء على الشكوك والخلافات الداخلية. أنت تجادل بأن هذه الثقة لا يمكن أن تأتي من جمع أدلة مقنعة عقلانية على صحة مواقفنا. بدلاً من ذلك، تقول إنه مشتق من الحب، الذي تعرفه على أنه نمط من الرعاية غير حساس لأي من هذه الحجج، وهو أمر خارج عن سيطرتنا الطوعية تمامًا وكما تقول: إن مصدر ثقتنا في الاهتمام بالأطفال والحياة هي أن الىباء يحبون اطفالهم ويحبون الحياة. يحبون هذه الأشياء حتى عندما تخيب آمالهم، وحتى عندما يعتقدون أنه من غير المعقول منهم ان يحبوها. لكن ألا يتضمن الحب للأشياء رؤية أسباب حبها؟

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// حسنًا، فهم ما يدور حول هذا الشيء الذي أستجيب له يتطلب تحقيقًا عقلانيًا. يكون الأمر واضحًا أحيانًا، وأحيانًا أخرى يكون من غير الواضح ما الذي يدور حول موضوع الحب الذي يجعلنا نحبه. لذلك قد أنظر في الأمر لتحسين فهمي لذاتي. ولكن بمجرد أن أفهم ما أستجيب له، فإن حقيقة انجذابي إليه ليس شيئًا يمكنني شرحه.

الدّكتور نابي بو علي سؤال: قد يكون حب الأباء لأطفالهم وللحياة أمرًا غريزيًا بالفعل، وبالنسبة لكثير من الناس، لا مفر منه. لكن بالتأكيد عندما نختار صديقًا أو حبيبًا أو هدفًا ما كموضوع حب، فإننا نستجيب لقيمة الشخص أو الهدف الذي نقرر أن نحبه.

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// الحب ظاهرة طبيعية. إنه شيء يحدث لنا. وله أسبابه مثل الأحداث الأخرى في العالم الطبيعي. لا يوجد شيء في تفسيري يستبعد احتمالية أن يكون الحب ناتجًا عن الاستجابة لقيمة الكائن. أنا أصر فقط على أن هذا ليس شرطًا أساسيًا، لأنه قد يكون ناتجًا عن أشياء كثيرة.

الدّكتور نابي بو علي سؤال: لذلك، من وجهة نظرك، من الممكن أن نحب شخصًا ما أو شيئًا ما دون أن ندرك مسبقًا أي قيمة في موضوع حبنا. في الواقع، أنت تدور حول فكرة كون الحب قائمًا على الاعتراف بالقيمة وتجادل بأن أشياء حبنا ذات قيمة بالنسبة لنا لأننا نحبها- والسبب هو أن التزاماتنا الصادقة بالاهتمام بها تمنحنا الثقة في أهدافنا، مما يعطي حياتنا الأتجاه والمعنى. ذكرت، على سبيل المثال، الأطفال الذين تنبع قيمتهم لوالديهم، كما تدعي، من حب الوالدين لهم.

هذا يثير تساؤلاً حول إمكانية المحبة غير الحكيمة. يمكننا أن نقول عن شخص ما أنه ليس من الحكمة أن يحب ما يحبه، أو أن تستخدم تعبيرًا قديمًا، أفنقول مثلا أنه "استثمرت نفسها بشكل غير حكيم". ومع ذلك يبدو، في تفسيرك، أن هذا التعبير ليس له أي معنى. إذا كانت حقيقة أن شخصًا ما يحب شخصًا معينًا قد جعلت هذا الشخص ذا قيمة بالنسبة له، فكيف يقال إنه ليس من الحكمة أن يحبه؟

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// حسنًا، يستلزم حبه أنه يهتم بما يحدث لهذا الشخص – إنه يريده أن يزدهر. لكن بعض الناس سيئون جدًا في الازدهار- فهم دائمًا ما يوقعون أنفسهم في المشاكل. قيل لي إن بعض الأمهات تنصح بناتهن بأن الزواج من أجل المال ليس فكرة جيدة، ولكن من الجيد الذهاب إلى حيث يوجد المال، لأن هذا يزيد من فرص الوقوع تلقائيًا في حب شخص غني. وهنا يأتي دور الحكمة.

الدّكتور نابي بوعلي سؤال: ماذا عن فكرة أن شخصًا ما أو شيئًا ما قد لا يستحق حبي! على سبيل المثال، قد يحكم اب على أن أطفاله لا يستحقون حبه إذا وجد أن سلوكهم أو شخصيتهم تتعارض مع أشياء أخرى يهتم بها لدرجة أنه يحكم على حبي على أنه خطأ.

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ جواب// إذا كان حبي لشئ ما يتعارض مع حبي لأشياء أخرى أكثر أهمية بالنسبة لي، فهذا في حد ذاته لا يضمن القول بأن الأول لا يستحق حبي. قد يتطلب الأمر مجرد قول أنه سيكون من غير الحكمة، أو المكلف للغاية، بالنسبة لي أن أحبه. لا أنكر أنه قد يتم إعطاء بعض الإحساس لفكرة أن شيئًا ما لا يستحق حبي، إذا كان حبه مهينًا بطريقة ما. ولكن، كما تقترح، فإن حقيقة أنه مهين ستكون دالة على حبي لأشياء أخرى.

 

حاوره الدكتور نابي بوعلي

 

 

2837 موج يوسف وعلي الربيعينتوجه تحت هذا العنوان باسئلة الى موج يوسف الأكاديمية والناقدة العراقية . حوار أجراه الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

س// الحب عاطفة محيرة. نريد أن نكون محبوبين  لكن ينشأ اللغز عندما نسأل ما هو أساس هذا الحب.؟

ج// إنّ مفهوم الحبّ أشبه بالزئبق تراه وبين يدك لكنّ صعب التمسك به، وكلّ محاولاتنا لوضع أساس له تتناثر بذورها مع الريح بالمقابل قد تنبت هذه البذور في أماكن قد لا نرغب بها أو كنا ننزعج منها فنجبر على حبّها . وقد يكون أساس الحب هو الشعور لكن فتغنشتاين رأى (إنّ الحب ليس شعوراً) لأن هذا الأخير لا يدوم طولياً فيكون ألماً وليس حبّاً . وأرى أن أساسه يبدأ من الإختلاف بكلّ شيء، فأبوانا آدم وحواء تحبّا وأنجبنا هذه البشرية بسبب اختلافهما وفي يوميات آدم وحواء لمارتك توين قال على لسان آدم (خيرٌ لي أن أعيش خارج الجنة وهي بجانبي من أن أعيش في داخلها بدون حواء). فهذا مفهومه .

س// س: هل الحب الذي هو استجابة لشيء ندركه بدقة في شخص ما يتعارض مع مايعتقده البعض من أن الحب أعمى !؟

ج// مقولة الحبّ أعمى تبدو فضفاضة لكنّ هناك من يؤمن بها وتبرز عند ما قاله الدكتور أنيس منصور عن حبّ الفلاسفة والشعراء (شيء غريب لكلّ معشوقات الفلاسفة دميمات أو لسن جميلات إبتداءً من أستاذ الجميع سقراط وأرسطو) ويضيف (حتى سالومي التي أحبّها الجميع وأنهار أمامها الفيلسوف نيتشة وعالم النفس فرويد والشاعر ليكة لم تكن جميلة كانت جذابة) وهذا القول يضعنا أمام معيار اتخذه العامة بالحب هو الشكل فكلّما كانت المرأة جميلة أو العكس الرجل كانت حظوظهما بالحبِّ أكبر، ويبدو هذا المفهوم (الشكلي) عند المجتمعات الشرقية أكثر من الغربية فهذه الأخيرة نفت الشكل واهتمت بالجاذبية ولا نذهب بعيداً بودلير مثلاً كانت معشوقته دميمة وسوداء وأحبّها وكانت الملهمة لقصائده بأزهار الشر حتى قال عنها : لكنها كانت ذئبة بقلب يفيض بالحنان الوافر تُرضِع الوجود من حلمتيها السمراوين. بقناعتي لا يوجود شيء أسمه الحب أعمى .2838 لوحة موج

س// هل  الحب مستقلًا إلى حد ما عن سماتنا، رغم ان كثيرًا من يحبوننا يخبروننا انهم يحبوننا  لأننا نمتلك  هذه السمات أوتلك؟

ج// على أدنى تقدير نحاول أن يكون الحبّ مستقلاً عن السمات الشخصية وهذه شبه مستحيلة لكنها ممكنة، اتفق معك أن الكثيرين يقولون أحببناه؛ لأنه جميل ولطيف ومهذب ووسيم وكلها سمات مرتبطة بالشكل وهذه نابعة من تفكير سطحي، أرى أن الحب الذي يتربط بالمضمون هو الأوثق والأكثر إيجابيا فمثلا جالا الروسية الفاتنة حبيبة وزوجة الفنان العالمي سلڤادور دالي عندما أحبته قالوا لها إنه شاب معدم (قبل أن يصبح فناناً) فقالت أرى أنه عبقري وصار دالي الفنان العظيم حتى أصبح يوقّع لوحاته بأسمها . الجواب 4

س4// كيف تحل وجهة نظرك الألغاز التي تنشأ من فكرة أننا محبوبون لكوننا قيمين بشكل فريد للشخص الذي يحبنا؟

ج// هذا السؤال مرتبط بالذي سبقه بل ومكملاً له فمن ناحية ارتباط الحبّ بالسمات المميزة التي يراها المحبّ فينا، ومن ناحية أخرى أننا محبوبون لأننا نمثل قيمة عالية عند الذي يحبنا، لكن كل مافي الموضوع أن المحبّ حين تنزلق أقدامه يرى كل ما هو اعتيادي عند حبيبه مميزاً، ويكون بنظره نبياً او ملاكاً فلا يرى اي عيوب بمعنى أدق يمكن أن نصف هذا الحب بكلمة الشاعر بيرس : أن حبي قوياً كحمار .

س// قد يرى فيك من يحبك خصائص لا تمتلكينها حقًا، هل هذا أمر مريح أم لا، الا يبدو  أمر غير مريح، لأنه يعرضك لخطر أن يتخلى عنك حبيبك أ إذا كان سيراك على ما أنت عليه فعلا؟

ج// المحب يرى خصائص من متخيلة في حبيبه لذلك يقول جيجيك : لا يمكنك أن تقع أبداً في حب شخص كامل . لو تأملنا هذه المقولة نكون قد فهمنا الحب بمعناه الدقيق وهو لابد من وجود شيء مزعج صغير بالآخر لا نتقبله وبهذا يمكن أن تقول بالرغم من ذلك العيب مازالت أحبه إذن (العيوب وحدها تمثل برهاناً قوياً على صدق عاطفتنا) أما الذي يبنى صفات متخيلة فيّ ويقع بوهم مستمر حتى تأتي ريح عاصفة وتكشف عن الصفات الحقيقية الموجودة بينا ثم يتخلى فهذا لا يسمى حبّاً .فكونك ترى عيوب من تحب ثم تقرر حبّه فهذا الذي يؤكد صدق العاطفة .2837 موج يوسف وعلي الربيعي

س// هل لإذا أحببنا شخصًا لما شاركناه معه وحده من ايام، وعندها لن يتمكن أحد من امتلاك الخصائص التي نقدرها فيه. بمعنى هل أنه يمكن للتاريخ المشترك أن يجعله ذا قيمة فريدة بالنسبة لنا بطريقة من شأنها، إثبات خصائص الحب النموذجي؟ 

ج// الحياة لا تسير بشكل نموذجي والحبُّ جوهرها اذن تمحى المثالية والنموذجية منه ومن الشريك نفسه فعالم النفس لاكان قال : نحن لا نرى أو لا نفهم حقاً من نحب بل نقوم بإلصاق خيالتنا عن الحبيب المثالي، فلا مثالية ولا نموذجية فحتى التاريخ المشترك غير قادر على ذلك . سأوضح الفكرة من من نظرية الحب التي تقدمها كتب الأطفال. يحب الأمير الصغير ويهتم بوردة وحيدة تنمو بالقرب من منزله، لأنه يعتقد أنها أجمل زهرة في الكون. ولكن، عند مغادرته منزله، وجد حديقة بها خمسة آلاف وردة، وكلها جميلة مثل وردته. إن إدراك أن وردته ليست جميلة بشكل فريد يأتي بمثابة صدمة كبيرة له، فويواجه الأمير الصغير أزمة، ويتساءل عما إذا كان حبه لها منطقيًا. ينجح الثعلب الودود في حل أزمته ببأخباره إلى أن وردته "فريدة من نوعها في كل العالم" بسبب الوقت الذي أمضاه معها، اي تاريخه معها.

س// يعتقد الكثيرون أن الأخلاق الكانطية تتطلب منا أن نتبنى وجهة نظر محايدة تمامًا عن الآخرين وأن هذا يقف في طريق حب بعض الناس بكل إخلاص، اي يجب ان لانفضل شخص على اخر بينما عندما نحب نقوم بالتفضيل. هل تعتقدين أن هذا المنظور لفكر كانط خاطئ أم صحيح؟

ج// بحياة أغلب الأفراد هناك شخص يخرج عن قانونهم الحياتي وبمجرد خروج هذا الشخص عن القانون يعني أنه ذو مكانة سامية تختلف عن الباقين وهذا بحدّ ذاته ينفي ما ذهب إليه كانط لأنه استند على برهان عقلي من دون تطبيق واقعي .

 

حاورها: د. علي رسول الربيعي

 

ناجي ظاهرتضرب جذوره في قرية فلسطينية مهجرة منذ عام 48، تدعى سيرين. ولد في مدينة الناصرة بعد سنوات من تهجير اهله القسري. نما وترعرع في الناصرة. قاص وشاعر وصحفي عمل في الصحافة، الادبية خاصة، منذ شبابه الاول وما زال يعمل فيها. ابتدأ الكتابة عام 1965 وهو لما يزل على مقاعد الدراسة الا انه يعتبر عام 1968 بدايته الحقيقية في عالم الكتابة. صدر له حتى الآن اكثر من ستين كتابًا. ترجم عدد من كتاباته إلى لغات اجنبية. حصل على جائزة الابداع الادبي عام 2000. ناشط في الحياة الادبية والثقافية ويُعلّم الابداع الادبي للطلاب منذ سنوات بعيدة. انه الكاتب الاديب ناجي ظاهر. يعرف فيما يلي بحياته الشخصية والعامة ايضًا ويُلقي المزيد من الاضواء على جوانب غير معروفة في حياته وتجربته.

- الحديث عن سنة ومكان الولادة، الاهل والعائلة، مكان السكن ...

* ولدت بعد سنوات من التهجير القسري لأبناء عائلتي من قريتهم الوادعة سيرين.. واشير إلى ان اسم قريتي مأخوذ من كلمة يونانية قديمة هي السارونة وتعني حورية الماء.. وهي امرأة نصفها سمكة ونصفها الآخر بشر. اما مكان الولادة فقد كان في الناصرة. تنقلنا في اكثر من حي منها حي النبعة في سوق البلدة القديمة. والحي الشرقي وقد شهد شطرًا من يفاعتي وحي الصفافرة. قبل سنوات، بعد وفاة الوالدة تحديدًا، تشتت ابناء اسرتي ايدي سبأ، فأقام كل منهم في واحد من احياء الناصرة.. اقيم حاليًا في حي شنلر.

- من اين بدأت فكرة الكتابة لديك؟ كم كان عمرك؟ هل كان هناك من دعمك ؟ من هو ولماذا؟...

* في الطفولة الاولى كنت طفلًا شقيًا.. لم اعش طفولتي.. وكانت والدتي رحمها الله تطلق علي وانا لما ازل في الثالثة او الرابعة صفة الختيار، فكانت تطلب من نسوة الحارة أن يصمتن عندما ادخل الغرفة. لاعتقادها انني سأفضحهن وسأروي كل ما تحدثن به وتفوهن لأبناء الحارة. في البداية شاهدت عند الجيران كتلة خشبية تطلق اجمل الانغام. عرفت فيما بعد انها آلة العود.. فهِمتُ بها. إلا أن الحلم مات فور ولادته بسبب فقر الاهل. بعدها اكتشفت طاقة على التمثيل والاخراج، وكان هذا عندما كنت اروي ما استمع إليه من حكايات ترويها جارتنا قادرية الملا رحمها الله، لأبناء الحارة وكنت اوزع عليهم الادوار ليقوموا بتمثيل ما أرويه من قصص. عندما بلغت الثالثة عشرة من عمري طرق باب بيتنا من يستعطينا طالبًا المساعدة فردت عليه امي قائلة إننا فقراء ولا نملك شيئًا واقترحت عليه أن تعطيه رغيف خبز ساخنًا فهزّ رأسه موافقًا.. وضع رغيف الخبز في جيبه وانطلق غير ناظر إلى الوراء. تأملته وهو يمضي غير عابئ بما وراءه، انتابتني حالة قاتلة من الحزن فتوجهت إلى اوراقي واقلامي ابثها ما شعرت به من حزن والم.. لكن على لسان ذلك الشخص الفقير. كانت تلك اول قصة كتبتها في حياتي. بعدها مررت بفترة اعتبرتها تمرينًا على الكتابة تواصلت مدة ثلاثة اعوام.. في عام 1968 كتبت قصتي الحقيقية الاولى.. ونشرت آنذاك كما يعلم الكثيرون في مجلة "الجديد" الحيفاوية. في طفولتي كنت وما زلت في كهولتي عاشقًا مُحبًا للكتاب. لهذا اعتقدت دائمًا وما زلت اعتقد أن محبة الانسان للكتاب تعني في بعض من جوانبها غرامه بالكتابة. وان في داخل كل قارئ جاد مشروع لكاتب رائع. حبي للقراءة كان المشجع الاول على الكتابة. لم يشجعني احد. انا من شجعت نفسي. وقد ترسّخ لدي منذ البداية أن الانسان هو من يُشجع نفسه وأن تشجيع الآخرين ما هو الا تتميم معاملة.

- ما هي مواضيع كتاباتك من البداية حتى الآن؟!

* امس كنت اتناقش مع صديق مثقف. قلت له إنني احب الكتابات الاجتماعية. فحاول اقناعي بان الكتابات السياسية اهم. بعيدًا عن تفاصيل ذاك النقاش اقول اعرف ان السياسة يمكن أن تدخل في كل تفاصيل حياتنا. إلا أنني أرى انه يوجد هناك الكثير من الفرق بين السياسة والابداع الادبي وقد اختصرت هذا الفرق بما مفاده أن الادب استراتيجية ورؤية في حين أن السياسة تكتيك وتخطيط وشتان ما بين الامرين. منذ كتاباتي الاولى كما قد تلاحظين ركزت على الجوانب الاجتماعية في الحياة ولم اكتب القصة السياسية بالمرة علمًا أن كل من قرأ قصصي لمس البعد السياسي الذي حضر ربما دون وعي مني. أنا مؤمن أن التقدم الاجتماعي هو الاهم واننا عندما نتقدم اجتماعيًا لا بد أن نتقدم سياسيًا لأن الانجاز السياسي في حالة التقدم الاجتماعي سيكون تحصيل حاصل. لقد دفعت مقابل اختياراتي الادبية الواعية ثمنًا غاليًا تمثّل في عدم وصول كتاباتي إلى آفاق واسعة من القراء. وقد كنت اعرف منذ البداية انه بإمكاني أن انضم إلى هذا الحزب السياسي او ذاك فأعرف أكثر وتنتشر كتاباتي اكثر.. إلا أنني فضلت أن اكسب استقلاليتي حتى لو كان مقابل ذلك محدودية الانتشار الذي يسعى إليه الجميع. لست نادمًا على اختياري هذا ولديّ شعورٌ أنني سأقرأ كما حلمت في المستقبل.. يسرني أن أقول إن العديد من اعمالي الادبية ترجم إلى لغات اخرى وادخل في مناهج التدريس المقررة. . وفي هذا السياق اذكر ان مترجم كتابي القصصي "النبي المهجّر"، إلى الانجليزية اخبرني أن الكتاب يدرّس حاليًا في خمس او ست جامعات امريكية.

- هل استعنت بشيء معيّن حلال كتاباتك ؟ (كتب، اشخاص، مؤسسات...)

* في طفولتي كنت اتصور الجنة مكتبة. وحتى هذه الايام ما زلت أرى أن الكتاب هو اجمل ما في حياتي واكثر ما حببني بهذه الحياة. القصص الشعبية في الطفولة والكتب في مرحلة تالية من مراحل العمر الاولى كانت هي مدرستي. وما زلت حتى هذه الايام طالبًا مُجدًا في عالم الكتب. بالنسبة لتشجيع الاشخاص اقول إن الكثيرين شجعوني عندما رأوا اهتمامي الشديد بالكتاب وعالمه ولمسوه بأيديهم تقريبًا، وقد انطبق عليّ فيما يتعلق بمسألة تشجيع الناس هذا ما قاله بول كويليو في روايته "الكيميائي"، ومفاده اننا عندما نريد شيئًا من اعماق قلوبنا فإن العالم كله سيتآمر معنا لنحققه وننعم به. هذا القول منقول بتصرف عن الكتاب المقدس/ الانجيل لا سيما عندما يذكر الايمان الحقيقي وحبة الخردل.. وهو ما يزيد في قيمته. فيما يتعلّق بالمؤسسات وتشجيعها اعترف أنني لم اسع إليها لعلمي انها "لن تعطيني نعجتها إلا لتأخذ مني الثور والجملا"، كما اشار ابو العلاء المعري في قول شعري آسر. لقد فضلت أن اربح نفسي على أن اكون تابعًا لهذه المؤسسة او تلك. لقد ولدت حرًا ومستقلًا وسوف ابقى كذلك إلى آخر يوم لي على هذه الارض. التشجيع الحقيقي يأتي باختصار من داخل صاحبه اولًا وقبل كل شيء. ولا يأتي من الخارج بالضرورة.

- لمن كنت تقرأ في بداية مسيرتك ؟ اي من الشعراء/ كتاب / نقاد كنت تقرأ؟

* لم تكن في طفولتي كتب. وكثيرًا ما كنت أعثر على هذا الكتاب او ذاك مُلقىً في هذا الشارع او سواه. فكنت اطير به إلى البيت لأقرأه بنهم. ذات يوم أهداني بائع فلافل كتابًا شبه ممزق اكتشفت فيما بعد بمساعدة مدرس اللغة العربية الاستاذ محمود كناعنة رحمه الله انه كتاب "مثالب الوزيرين" لابي حيان التوحيدي، فقرأته قبل أن أعرف من هو مؤلفه وقد اذهلني وادخلني في مطارحة غرامية ثقافية من نوع رائع مع صاحبه ما زالت دماؤها تجري في عروقي حتى هذا اليوم. واذكر بالمناسبة انني كرّست مجموعة شعرية كاملة لابي حيان التوحيدي حملت عنوان "قصائد الى ابي حيان التوحيدي"، وقد صدرت في اوائل الثمانينيات ضمن منشورات جامعة حيفا. بعد أن دخلت المدرسة مباشرة تقريبًا تعرّفت على الكاتب المصري العربي كامل كيلاني، فانبهرت به وبكتاباته وما زلت حتى هذه الايام اعتبره الرائد الاول والحقيقي لأدب الاطفال في ادبنا العربي المعاصر. كان هذا قبل عام 67 وقد اكتشفت في تلكم الفترة مكتبةً عامةً عامرةً في مجلس عمال الناصرة على اسم فرانك سيناترا، فأقمت فيها سنوات، اقرأ في مختلف الضروب الثقافية، في الفلسفة، الموسيقى والعلوم المختلفة. واذكر أنني قرأت في هذه الفترة المئات من الروايات الاجنبية المترجمة إلى اللغة العربية. بعد عام 67 انفتحنا على العالم العربي المحيط بنا فتدفقت علينا الكتب لتزيدنا علمًا. وقد كتبت عن هذا الانفتاح في كتابي " حياض غثيم- سيرة ذاتية من خلال آخرين". وبإمكانك العودة اليه للتوسع.

- هل كنت تقرأ مواضيع معينه حيث كانت تقربك من الكتابة اكثر؟ ما هي؟

* قرأت في معظم المواضيع كما قلت لك.. اذا لم يكن في كلها. كنت في تلك الفترة نهمًا شديد النهم للكتاب وعوالمه الرحيبة. بيد أن القراءات الاساسية انصبت منذ البداية على الفن القصصي والروائي. صحيح انني قرأت الكثير في الشعر وعنه، إلا أن قراءتي الاساسية تمحورت في فن السرد. اعتقد أن هذا يعود إلى ثقافتي الاولى في القصة الشعبية. فقد بهرتني هذه الحكاية وما زلت مبهورًا بها حتى هذه الايام. مؤكد ان قراءاتي هذه قرّبتني من الكتابة.. لا سيما قراءتي المتجددة دائمًا للسفر الادبي الرائع "الف ليلة وليلة" وللكتب المقدسة كلها.

- كيف تقبّل المجتمع والعائلة موضوع كتابتك (في بداية مشوارك)؟

* قلت في اكثر من مقابلة وكتابة إنني نبتت في صحراء وانني اشبه ما اكون بنخلة نبتت من نواة القى بها مسافرٌ لاهٍ في عرض الصحراء وسمقت دون ري اوماء. لقد شققت طريقي بأظافري، مشيت على الاشواك وما زلت وسوف اواصل إلى ما لا نهاية. فقد وقر لدي انني صاحب رسالة وعلي ان امضي في طريق ادائي لها متحديًا كل العقبات والمصاعب. كان اهلي مهتمين بتوفير المطالب الاولية لنا. ولم يكن بإمكان احد أن يهتم بالآخر. حتى أن أمي رحمها الله عندما لاحظت مدى اهتمامي بالكتاب سألتني عن السبب فقلت لها اريد أن اكون كاتبًا، عادت تسألني عمّا اذا كنت اريد ان اكون كاتب عرض حال اساعد الاميين في كتابة رسائلهم، فقلت لها لا أنا أريد أن اكتب القصص عنك وعن عذابات كل ابناء الاسرة. فقالت والله ما انا فاهمة بس على الله يطلع من بيت المطبلين مزمر. عندما عُرفتُ كاتبًا واصبح اسمي يتردّد في المحافل العامة والخاصة زهت امي بي وارسلت نحوي نظرة ذات معنى مفادها.. الآن عرفت ماذا عنيت عندما قلت انك تريد ان تكون كاتبًا.. انني فخورة بك.

- اول كتابة لك نشرت في مجلة "الجديد" الحيفاوية. كيف تم هذا؟

* كان عنوان تلك القصة " الكلمة الاخيرة"، وكتبتها عن مدينتي، امي وحبيبتي، عبّرت فيها عن مشاعر وجلة بالمحبة لكل هؤلاء، بعد الفراغ منها شعرت أنني كتبت ما يستحق القراءة والبقاء، فأرسلتها إلى مجلة الجديد التي كانت آنذاك تصدر في حيفا ويحررها الشاعر سميح القاسم الذي سيغدو فيما بعد صديقًا غاليًا واعتز به وبصداقتي له، وفوجئت في العدد التالي بقصتي تنشر في موقع محترم من المجلة، عندها حملت المجلة وطرت إلى امي لأريها اياها.. فابتسمت دون ان ترد. كانت تلك القصة الاولى الحقيقية لي وقد مثّل نشرُها ذاك تحديًا ما زلت اعيشه كل ليلة وكل يوم واكاد اقول كل دقيقة وكل ساعة. فقد اشعرني نشرُ القاسم لتلك القصة انني اضحيتُ كاتبًا وانني ينبغي ان اتحمّل المسؤولية كاملة.. منذ ذلك العام حتى هذه الايام بإمكاني أن أقول إنني لا انام الا حينما يهدني التعب وتملؤني القراءة. يهمني أن اقول إن تلك القصة انطلقت من مشاعر انسانية صرفة لولد مهجر. وانها مثلت الانطلاقة لمفهومي القائم على العمق الانساني في كتابتي القصصية. وما زلت سائرًا على هدي تلك القصة وسأبقى. الكتابة باختصار تحولت مع مضي الايام الى قدر لا فرار منه إلا اليه. علمًا أنني لم أعد نشر قصتي الاولى تلك في كتاب.. حتى الآن.

- من أين استوحيت كتاباتك؟

* من الحياة بالطبع. فقد قُيّض لي أن أعيش واقعًا اشبه ما يكون بالخيال. في كل مكان حولي كنت اواجه قصة جديرة بالكتابة، بيد انني لم اتنازل ولا في اي من كتاباتي عن عنصر التخييل الذي يجعل العمل الابداعي ابداعيًا.. مهما استمد مادته من الواقع اليومي المعيش.. انني الآن وانا في هذا العمر المتقدم نوعًا ما في السنوات، الشباب إلى حد بعيد في المشاعر والاحاسيس، انظر إلى الوراء فأرى حياتي مجموعة من القص كل منها تأخذ بيد الاخرى وتمضي في طريقها باتجاه قصة في ظهر الغيب تريد الحضور بأسرع ما يمكن من وقت.

- هل ابطال القصص هي انعكاس لواقعك ام متخيلة؟

* ابطال قصصي يولدون من رحم الواقع ويشبّون في عالم الخيال.. اذ لا كتابة قصصية او شعرية.. وانا بالمناسبة شاعر أيضًا ، بدون خيال او تخييل، ولعلها مناسبة لأن اوضح أن من ينقل عن الواقع هو الصحفي وان مهمة الكاتب المبدع أن يعيد صياغة الواقع بعد وعيه به وامتلاكه له جماليًا.. أضيفي إلى هذا انني مؤمن أن التجربة الانسانية العميقة تختلف كثيرًا عن المُشاهدة التي يتصف بها الكثيرون. أنا كاتب يمر على الاشياء بعمق وتأمل ولا أمر عنها مرور الكرام.

- ماذا يميز قصصك عن باقي قصص الآخرين؟

*هذا السؤال يطرح قضية الاصالة والتجديد بكل ثقلها. ما يميز قصصي عن قصص سواي هو أن قصصي لها مساحتُها الخاصة بها كابن لعائلة من المهجرين. وأنها تنطلق من رؤية صادقة جدا. اؤكد اننا كلما كنا نحن بصدق وعمق كنا مميزين.. وأن التميّز لا يُقصد وإنما ينبع من اعماق رؤيتنا وفهمنا للعالم ولأشيائه المحيطة بنا. تريد أن تكون مميزًا باختصار؟ كن انت.. انت بكل ما لديك من صدق وعمق.

- ماذا تعني لك "سيرين" ؟

* إنها طفلة باكية في الخيال. احاول دائمًا أن أزيل دمعتها لكن دون ان افلح. طوال عمري وأنا احاول أن ابعث الفرحة الهاربة في عروقها.. وسوف اتابع إلى اليوم الاخير.. إنها مسقط راس الاحباء وهي مرابع الطفولة المتخيلة.. إنها جذوري وعالمي.

- ماذا تعني لك "الناصرة" ؟

* لأقل لك بداية إنني أحد العشاق المغرمين بهذه البلدة. انا لم اطلع منها ولم اغادرها طوال ايام عمري. ولي جملة اعتقد انها باتت معروفة هي:" انني صغرّت العالم حتى اصبح الناصرة وكبّرت الناصرة حتى اضحت العالم". الناصرة بالنسبة لي كما قال ناقد صديق تعتبر المكان البديل لسيرين الخالدة. كثيرًا ما قلت لمن التقيت بهم من ناس وطلاب إن العالِم الاغريقي القديم ارخميدس عندما سئل أين مركز الارض أجاب سائله هنا حيث اقف، وأنا لو سألني احدهم مثل هذا السؤال لأجبته هنا مركز الارض حيث اقيم في الناصرة. الناصرة بالنسبة لي ليست الطرقات والبيوت وإنما هي تاريخي الوجداني بكل ما حفل به من محبة وأمل. في كل من شوارعها واماكنها الخفية توجد ذكرى ومحبة. هي باختصار عالمي كله ولا اتصور العالم بدونها.. إلا خرابًا. وهي تقيم فيّ اكثر بكثير مما اقيم فيها.

- ما هو عدد قصصك التي كتبت حتى الآن؟

* لا اعرف. كتبت القصص طوال حياتي. ما يمكنني أن اقوله حاليًا هو أنني كلما جلست إلى حاسوبي لأكتب قصصي اشعر أنها المرة الاولى التي اكتب فيها.. وكأنما انا كاتب ما زال يتلمس طريقه نحو القصة الاحلى والاجمل التي لما يكتبها بعد.

- الراوي في القصص التي كتبت هي بلغة المتكلم "الانا"، لماذا؟

* هذا الكلام ليس دقيقًا فقد كتبت بمختلف الضمائر (قد يكون ابرزها المضارع)، كما كتبت بمختلف الاساليب بدءًا من اسلوب الحوار مرورًا بأسلوب السرد العادي انتهاء بأسلوب الرسالة. وقد وصفني الناقد الصديق الدكتور نبيه القاسم بأنني كاتب تجريبي وانا اعتز بانني كاتب تجريبي. اما فيما يتعلّق بضمير الانا فهذا يعود إلى سببين احدهما انه الضمير الاكثر حميمية والآخر انني عشت جرحًا ما زال مفتوحًا وسيبقى.. هو جرح التهجير القسري من سيرين الحبيبة.

 

حاورته: مي عودة

 

 

2814 رانيا عدليفي التاريخ عبرة وعظة وفكرة ومنهاج، البحث فيه شاق، ولابد لمن يتصدى لكتابة التاريخ أن يتسلح بأدواته التي تعينه على البحث والاستقصاء في التاريخ، وأول هذه المقومات أن يكون محايداً وموضوعياً ومتجرداً من الأهواء والعواطف والميول الذاتية، ويتميز المؤرخ باستقلال شخصيته وعدم تسليمه الكامل بكل ما يقرأ ويطلع عليه من وثائق وأوراق، والمشقة تزيد عندما يقرر المؤرخ أن يكتب لعامة المثقفين والقراء العاديين، ويبذل في هذا قصارى جهده ويضهم المادة التاريخ ويقرأها مرات ومرات حتى تستوى إليه، ثم يبرزها للمتلقي في لغة جامعة مانعة، مع الحفاظ على الصدق والحقيقة التاريخية.

وفي السطور التالية نلتقي مع الباحثة رانيا عدلي؛ التي تنتمي إلى مؤسسة عريقة هي مؤسسة الأزهر الشريف، فدرست العلوم العربية والإسلامية والتي تخّدم على مجال التاريخ، فتكّون لديها زاداً كثيراً أعانها على كتابة الفصول التاريخية فيما بعد، ووقعت في حب الأندلس، وهو حب سيطر عليها وطغى منذ أن كانت في المرحلة الثانوية وعندما التحقت بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، اختارت مجال التاريخ، ولما حصلت على الليسانس لم تكتف بهذا القدر من التعليم ولكنها أكملت دراساتها العليا في مجال التاريخ الأندلسي، وحصلت على الماجستير، وهي الآن باحثة دكتوراه، وخلال رحلتها القصيرة أمدت المكتبة العربية بالعديد من الكتب التي تماست مع شريحة كبيرة من القراء فأقبل الناس علي هذه النوعية من المؤلفات، يدفعهم شوق إلى الأندلس "الفردوس المفقود" وحاضرته الزاهرة مدينة قرطبة، مشعل التنوير في أوربا كلها في العصور الوسطى، ثم انتقلت لتحدثنا عن "رجال صنعوا التاريخ الأندلسي" على مدار ثمانية قرون في هذه الجنة الوارفة التي مازالت تعبق بعطر الحضارة الإسلامية المعطاة، رغم ما بذله الإسبان من الجهود المضنية في اقتلاعها على مدار خمسائة عام وخاب سعيهم، وختمت الثلاثية الأندلسية مع مملكة غرناطة، أخر معاقل دولة المسلمين في الأندلس والتي استمرت قرابة قرنين ونصف فكتبت "الوراقة والوراقون ومجالس الآمالي ودورها في الحياة العلمية بغرناطة"، ولم تنس المشرق الإسلامي في خضم هذه الرحلة، فكتبت كتاب "دروب ومسالك"، حيث تحدثت عن عدد من أعلام المشرق الذين كان لهم بصمة واضحة في ازدهار الآداب والعلوم الإسلامية من أمثال: الجاحظ، وابن خلدون، وفي جعبتها الكثير فهي مشعل نشاط، ولديها الكثير من المشروعات في قابل الأيام والشهور...

ولع بالأندلس..

* متى بدأت رحلتك مع الأندلس ولماذا اخترت مجال الإبداع مع انك باحثة بالأساس؟

2815 قرطبة- الولع بالتاريخ الأندلسي بدأ منذ كنت في المرحلة الثانوية، كان أحد البرامج التلفزيونية يتحدث عن التاريخ الأندلسي، من يومها أحببت القراءة والتعمق في هذا التاريخ، ولكن لم يتثنى لي القراءة والتعمق فيه إلا عقب دخولي الجامعة، حيث اخترت الانتساب لكلية الدراسات الإنسانية - قسم التاريخ، وعقب انتهاء المرحلة الجامعية اخترت الانتساب لتخصص التاريخ الإسلامي باعتبار أن التاريخ الأندلسي ينضوى تحت لواءه، ثم كانت رحلتي في رسالة الماجستير في التاريخ الأندلسي، وكذلك الدكتوراه التي ما زلت بصدد العمل عليها

*هل الإبداع والبحث العلمي وجهان لعملة واحدة أم بينهما تضاد؟

- الكتابة الأدبية أو ما تطلق عليه حضرتك الإبداع يختلف بكل تأكيد عن الكتابة الأكاديمية ممثلة في منهج كتابة البحث العلمي، ووجه الاختلاف بينهما أن الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية غالبا لا يقرأها إلا المتخصص أو من يرغب أن يتخصص في التاريخ، وذلك نظرا لصعوبة أسلوبها بالنسبة القارئ العادي وغير المتخصص، أما الكتابة الأدبية فالهدف منها أن يستطيع كل شخص أيا كان تخصصه قراءة التاريخ والاستفادة منه والاستمتاع بالتعمق فيه، ونظرا لذلك تأتي الكتابة الأدبية مبسطة قدر المستطاع مع عدم إغفال ربطها بالواقع الذي نعيشه، لأن في النهاية إن لم يكن الهدف من قراءة التاريخ: الاستفادة والتعلم من تجارب من سبقونا فهذا يعني أننا نضيع وقتنا وجهدنا فيما ليس منه فائدة ولا من ورائه طائل..

* قرطبة.. لماذا قرطبة بالذات؟

- لم يكن كتاب "قرطبة عروس الأندلس" هو العمل الوحيد عن الأندلس، بل سبقه كتاب "رجال صنعوا التاريخ" وهو يتحدث عن مجموعة من حكام الأندلس الذين كان لهم بصمة واضحة في صناعة التاريخ الأندلسي، وشمل الكتاب الإشارة إلى إيجابيات وسلبيات كل شخصية من شخصيات هؤلاء الحكام .. أما كتاب "قرطبة عروس الأندلس" فهو بداية للحديث عن المدن الأندلسية باعتبار إن قرطبة كانت عاصمة الخلافة في الأندلس، بمعنى هذا لا يمنع أن كان في العمر بقية سيكون لي بإذن الله جل وعلا أعمال تتحدث عن المدن الأندلسية الأخرى، مثل غرناطة، وإشبيلية، وطليطلة وغيرها.

* من قدوتك في هذا المجال؟

- أساتذتنا الأفاضل الذين تتلمذنا على مؤلفاتهم مثل د. محمد عبد الله عنان صاحب الموسوعة الزاخرة دولة الإسلام في الأندلس وغيرها من الدراسات الأندلسية الرائدة ود. حسين مؤنس صاحب المؤلفات القيمة والتي لا زلنا وسنظل لا غنى لنا عنها في أي دراسة أندلسية، مثل "فجر الأندلس"، و"معالم تاريخ المغرب والأندلس" وغيرها من المؤلفات ود. الطاهر مكي، ود. أحمد مختار العبادي، و د. عبد الرحمن الحجي وغيرهم من القامات العلمية التي كانت لها بصمة واضحة وبارزة ولا زالت بصمتها موجودة عن طريق ما سطرته يداها في التعريف بدقائق التاريخ الأندلس.

* اقصد من مبدعي الرواية التاريخية؟

- أنا لم أكتب في الرواية التاريخية، أعمالي كتب تاريخية بصياغة أدبية وليست أكاديمية حتى يستطيع فهمها واستيعابها ومن ثَمَٰ يستفيد منها أي شخص أيا كان مجال تخصصه، بمعنى الهدف من أعمالي هو انزال التاريخ لأرض الواقع، وذلك عن طريق ربطه بالواقع الذي نعيشه، حتى لا تكون قراءة التاريخ مجرد المباهاة بأننا نعرف قصة هذا الأمير أو ذاك، أو نعلم تاريخ هذه البلدة أو تلك، كما أنه ليس الهدف من قراءة التاريخ هو البكاء على اطلال ماضي عفى عليه الزمان، وإنما الهدف من دراسة الماضي بالدرجة الأولى هو فهم واستيعاب الحاضر ومن ثَمَٰ استشراف المستقبل

*هل تنوين الكتابة عن جغرافيا أخرى من حقب التاريخ؟

- نعم وبدأت ذلك بالفعل، حيث أن كتابي "دروب ومسالك" الصادر عن دار كتوبيا للنشر والتوزيع في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2021 أول عمل لي يحلق بعيدًا عن الأندلس، حيث يتحدث عن عدد من أعلام المشرق الذين كان لهم بصمة واضحة في ازدهار الآداب والعلوم الإسلامية مثل، الجاحظ، وابن خلدون، وسيكون هذا العمل بداية لسلسلة تتحدث عن أعلام المسلمين في المشرق بإذن الله جل وعلا.

 

أبوالحسن الجمال