ناجي ظاهرتضرب جذوره في قرية فلسطينية مهجرة منذ عام 48، تدعى سيرين. ولد في مدينة الناصرة بعد سنوات من تهجير اهله القسري. نما وترعرع في الناصرة. قاص وشاعر وصحفي عمل في الصحافة، الادبية خاصة، منذ شبابه الاول وما زال يعمل فيها. ابتدأ الكتابة عام 1965 وهو لما يزل على مقاعد الدراسة الا انه يعتبر عام 1968 بدايته الحقيقية في عالم الكتابة. صدر له حتى الآن اكثر من ستين كتابًا. ترجم عدد من كتاباته إلى لغات اجنبية. حصل على جائزة الابداع الادبي عام 2000. ناشط في الحياة الادبية والثقافية ويُعلّم الابداع الادبي للطلاب منذ سنوات بعيدة. انه الكاتب الاديب ناجي ظاهر. يعرف فيما يلي بحياته الشخصية والعامة ايضًا ويُلقي المزيد من الاضواء على جوانب غير معروفة في حياته وتجربته.

- الحديث عن سنة ومكان الولادة، الاهل والعائلة، مكان السكن ...

* ولدت بعد سنوات من التهجير القسري لأبناء عائلتي من قريتهم الوادعة سيرين.. واشير إلى ان اسم قريتي مأخوذ من كلمة يونانية قديمة هي السارونة وتعني حورية الماء.. وهي امرأة نصفها سمكة ونصفها الآخر بشر. اما مكان الولادة فقد كان في الناصرة. تنقلنا في اكثر من حي منها حي النبعة في سوق البلدة القديمة. والحي الشرقي وقد شهد شطرًا من يفاعتي وحي الصفافرة. قبل سنوات، بعد وفاة الوالدة تحديدًا، تشتت ابناء اسرتي ايدي سبأ، فأقام كل منهم في واحد من احياء الناصرة.. اقيم حاليًا في حي شنلر.

- من اين بدأت فكرة الكتابة لديك؟ كم كان عمرك؟ هل كان هناك من دعمك ؟ من هو ولماذا؟...

* في الطفولة الاولى كنت طفلًا شقيًا.. لم اعش طفولتي.. وكانت والدتي رحمها الله تطلق علي وانا لما ازل في الثالثة او الرابعة صفة الختيار، فكانت تطلب من نسوة الحارة أن يصمتن عندما ادخل الغرفة. لاعتقادها انني سأفضحهن وسأروي كل ما تحدثن به وتفوهن لأبناء الحارة. في البداية شاهدت عند الجيران كتلة خشبية تطلق اجمل الانغام. عرفت فيما بعد انها آلة العود.. فهِمتُ بها. إلا أن الحلم مات فور ولادته بسبب فقر الاهل. بعدها اكتشفت طاقة على التمثيل والاخراج، وكان هذا عندما كنت اروي ما استمع إليه من حكايات ترويها جارتنا قادرية الملا رحمها الله، لأبناء الحارة وكنت اوزع عليهم الادوار ليقوموا بتمثيل ما أرويه من قصص. عندما بلغت الثالثة عشرة من عمري طرق باب بيتنا من يستعطينا طالبًا المساعدة فردت عليه امي قائلة إننا فقراء ولا نملك شيئًا واقترحت عليه أن تعطيه رغيف خبز ساخنًا فهزّ رأسه موافقًا.. وضع رغيف الخبز في جيبه وانطلق غير ناظر إلى الوراء. تأملته وهو يمضي غير عابئ بما وراءه، انتابتني حالة قاتلة من الحزن فتوجهت إلى اوراقي واقلامي ابثها ما شعرت به من حزن والم.. لكن على لسان ذلك الشخص الفقير. كانت تلك اول قصة كتبتها في حياتي. بعدها مررت بفترة اعتبرتها تمرينًا على الكتابة تواصلت مدة ثلاثة اعوام.. في عام 1968 كتبت قصتي الحقيقية الاولى.. ونشرت آنذاك كما يعلم الكثيرون في مجلة "الجديد" الحيفاوية. في طفولتي كنت وما زلت في كهولتي عاشقًا مُحبًا للكتاب. لهذا اعتقدت دائمًا وما زلت اعتقد أن محبة الانسان للكتاب تعني في بعض من جوانبها غرامه بالكتابة. وان في داخل كل قارئ جاد مشروع لكاتب رائع. حبي للقراءة كان المشجع الاول على الكتابة. لم يشجعني احد. انا من شجعت نفسي. وقد ترسّخ لدي منذ البداية أن الانسان هو من يُشجع نفسه وأن تشجيع الآخرين ما هو الا تتميم معاملة.

- ما هي مواضيع كتاباتك من البداية حتى الآن؟!

* امس كنت اتناقش مع صديق مثقف. قلت له إنني احب الكتابات الاجتماعية. فحاول اقناعي بان الكتابات السياسية اهم. بعيدًا عن تفاصيل ذاك النقاش اقول اعرف ان السياسة يمكن أن تدخل في كل تفاصيل حياتنا. إلا أنني أرى انه يوجد هناك الكثير من الفرق بين السياسة والابداع الادبي وقد اختصرت هذا الفرق بما مفاده أن الادب استراتيجية ورؤية في حين أن السياسة تكتيك وتخطيط وشتان ما بين الامرين. منذ كتاباتي الاولى كما قد تلاحظين ركزت على الجوانب الاجتماعية في الحياة ولم اكتب القصة السياسية بالمرة علمًا أن كل من قرأ قصصي لمس البعد السياسي الذي حضر ربما دون وعي مني. أنا مؤمن أن التقدم الاجتماعي هو الاهم واننا عندما نتقدم اجتماعيًا لا بد أن نتقدم سياسيًا لأن الانجاز السياسي في حالة التقدم الاجتماعي سيكون تحصيل حاصل. لقد دفعت مقابل اختياراتي الادبية الواعية ثمنًا غاليًا تمثّل في عدم وصول كتاباتي إلى آفاق واسعة من القراء. وقد كنت اعرف منذ البداية انه بإمكاني أن انضم إلى هذا الحزب السياسي او ذاك فأعرف أكثر وتنتشر كتاباتي اكثر.. إلا أنني فضلت أن اكسب استقلاليتي حتى لو كان مقابل ذلك محدودية الانتشار الذي يسعى إليه الجميع. لست نادمًا على اختياري هذا ولديّ شعورٌ أنني سأقرأ كما حلمت في المستقبل.. يسرني أن أقول إن العديد من اعمالي الادبية ترجم إلى لغات اخرى وادخل في مناهج التدريس المقررة. . وفي هذا السياق اذكر ان مترجم كتابي القصصي "النبي المهجّر"، إلى الانجليزية اخبرني أن الكتاب يدرّس حاليًا في خمس او ست جامعات امريكية.

- هل استعنت بشيء معيّن حلال كتاباتك ؟ (كتب، اشخاص، مؤسسات...)

* في طفولتي كنت اتصور الجنة مكتبة. وحتى هذه الايام ما زلت أرى أن الكتاب هو اجمل ما في حياتي واكثر ما حببني بهذه الحياة. القصص الشعبية في الطفولة والكتب في مرحلة تالية من مراحل العمر الاولى كانت هي مدرستي. وما زلت حتى هذه الايام طالبًا مُجدًا في عالم الكتب. بالنسبة لتشجيع الاشخاص اقول إن الكثيرين شجعوني عندما رأوا اهتمامي الشديد بالكتاب وعالمه ولمسوه بأيديهم تقريبًا، وقد انطبق عليّ فيما يتعلق بمسألة تشجيع الناس هذا ما قاله بول كويليو في روايته "الكيميائي"، ومفاده اننا عندما نريد شيئًا من اعماق قلوبنا فإن العالم كله سيتآمر معنا لنحققه وننعم به. هذا القول منقول بتصرف عن الكتاب المقدس/ الانجيل لا سيما عندما يذكر الايمان الحقيقي وحبة الخردل.. وهو ما يزيد في قيمته. فيما يتعلّق بالمؤسسات وتشجيعها اعترف أنني لم اسع إليها لعلمي انها "لن تعطيني نعجتها إلا لتأخذ مني الثور والجملا"، كما اشار ابو العلاء المعري في قول شعري آسر. لقد فضلت أن اربح نفسي على أن اكون تابعًا لهذه المؤسسة او تلك. لقد ولدت حرًا ومستقلًا وسوف ابقى كذلك إلى آخر يوم لي على هذه الارض. التشجيع الحقيقي يأتي باختصار من داخل صاحبه اولًا وقبل كل شيء. ولا يأتي من الخارج بالضرورة.

- لمن كنت تقرأ في بداية مسيرتك ؟ اي من الشعراء/ كتاب / نقاد كنت تقرأ؟

* لم تكن في طفولتي كتب. وكثيرًا ما كنت أعثر على هذا الكتاب او ذاك مُلقىً في هذا الشارع او سواه. فكنت اطير به إلى البيت لأقرأه بنهم. ذات يوم أهداني بائع فلافل كتابًا شبه ممزق اكتشفت فيما بعد بمساعدة مدرس اللغة العربية الاستاذ محمود كناعنة رحمه الله انه كتاب "مثالب الوزيرين" لابي حيان التوحيدي، فقرأته قبل أن أعرف من هو مؤلفه وقد اذهلني وادخلني في مطارحة غرامية ثقافية من نوع رائع مع صاحبه ما زالت دماؤها تجري في عروقي حتى هذا اليوم. واذكر بالمناسبة انني كرّست مجموعة شعرية كاملة لابي حيان التوحيدي حملت عنوان "قصائد الى ابي حيان التوحيدي"، وقد صدرت في اوائل الثمانينيات ضمن منشورات جامعة حيفا. بعد أن دخلت المدرسة مباشرة تقريبًا تعرّفت على الكاتب المصري العربي كامل كيلاني، فانبهرت به وبكتاباته وما زلت حتى هذه الايام اعتبره الرائد الاول والحقيقي لأدب الاطفال في ادبنا العربي المعاصر. كان هذا قبل عام 67 وقد اكتشفت في تلكم الفترة مكتبةً عامةً عامرةً في مجلس عمال الناصرة على اسم فرانك سيناترا، فأقمت فيها سنوات، اقرأ في مختلف الضروب الثقافية، في الفلسفة، الموسيقى والعلوم المختلفة. واذكر أنني قرأت في هذه الفترة المئات من الروايات الاجنبية المترجمة إلى اللغة العربية. بعد عام 67 انفتحنا على العالم العربي المحيط بنا فتدفقت علينا الكتب لتزيدنا علمًا. وقد كتبت عن هذا الانفتاح في كتابي " حياض غثيم- سيرة ذاتية من خلال آخرين". وبإمكانك العودة اليه للتوسع.

- هل كنت تقرأ مواضيع معينه حيث كانت تقربك من الكتابة اكثر؟ ما هي؟

* قرأت في معظم المواضيع كما قلت لك.. اذا لم يكن في كلها. كنت في تلك الفترة نهمًا شديد النهم للكتاب وعوالمه الرحيبة. بيد أن القراءات الاساسية انصبت منذ البداية على الفن القصصي والروائي. صحيح انني قرأت الكثير في الشعر وعنه، إلا أن قراءتي الاساسية تمحورت في فن السرد. اعتقد أن هذا يعود إلى ثقافتي الاولى في القصة الشعبية. فقد بهرتني هذه الحكاية وما زلت مبهورًا بها حتى هذه الايام. مؤكد ان قراءاتي هذه قرّبتني من الكتابة.. لا سيما قراءتي المتجددة دائمًا للسفر الادبي الرائع "الف ليلة وليلة" وللكتب المقدسة كلها.

- كيف تقبّل المجتمع والعائلة موضوع كتابتك (في بداية مشوارك)؟

* قلت في اكثر من مقابلة وكتابة إنني نبتت في صحراء وانني اشبه ما اكون بنخلة نبتت من نواة القى بها مسافرٌ لاهٍ في عرض الصحراء وسمقت دون ري اوماء. لقد شققت طريقي بأظافري، مشيت على الاشواك وما زلت وسوف اواصل إلى ما لا نهاية. فقد وقر لدي انني صاحب رسالة وعلي ان امضي في طريق ادائي لها متحديًا كل العقبات والمصاعب. كان اهلي مهتمين بتوفير المطالب الاولية لنا. ولم يكن بإمكان احد أن يهتم بالآخر. حتى أن أمي رحمها الله عندما لاحظت مدى اهتمامي بالكتاب سألتني عن السبب فقلت لها اريد أن اكون كاتبًا، عادت تسألني عمّا اذا كنت اريد ان اكون كاتب عرض حال اساعد الاميين في كتابة رسائلهم، فقلت لها لا أنا أريد أن اكتب القصص عنك وعن عذابات كل ابناء الاسرة. فقالت والله ما انا فاهمة بس على الله يطلع من بيت المطبلين مزمر. عندما عُرفتُ كاتبًا واصبح اسمي يتردّد في المحافل العامة والخاصة زهت امي بي وارسلت نحوي نظرة ذات معنى مفادها.. الآن عرفت ماذا عنيت عندما قلت انك تريد ان تكون كاتبًا.. انني فخورة بك.

- اول كتابة لك نشرت في مجلة "الجديد" الحيفاوية. كيف تم هذا؟

* كان عنوان تلك القصة " الكلمة الاخيرة"، وكتبتها عن مدينتي، امي وحبيبتي، عبّرت فيها عن مشاعر وجلة بالمحبة لكل هؤلاء، بعد الفراغ منها شعرت أنني كتبت ما يستحق القراءة والبقاء، فأرسلتها إلى مجلة الجديد التي كانت آنذاك تصدر في حيفا ويحررها الشاعر سميح القاسم الذي سيغدو فيما بعد صديقًا غاليًا واعتز به وبصداقتي له، وفوجئت في العدد التالي بقصتي تنشر في موقع محترم من المجلة، عندها حملت المجلة وطرت إلى امي لأريها اياها.. فابتسمت دون ان ترد. كانت تلك القصة الاولى الحقيقية لي وقد مثّل نشرُها ذاك تحديًا ما زلت اعيشه كل ليلة وكل يوم واكاد اقول كل دقيقة وكل ساعة. فقد اشعرني نشرُ القاسم لتلك القصة انني اضحيتُ كاتبًا وانني ينبغي ان اتحمّل المسؤولية كاملة.. منذ ذلك العام حتى هذه الايام بإمكاني أن أقول إنني لا انام الا حينما يهدني التعب وتملؤني القراءة. يهمني أن اقول إن تلك القصة انطلقت من مشاعر انسانية صرفة لولد مهجر. وانها مثلت الانطلاقة لمفهومي القائم على العمق الانساني في كتابتي القصصية. وما زلت سائرًا على هدي تلك القصة وسأبقى. الكتابة باختصار تحولت مع مضي الايام الى قدر لا فرار منه إلا اليه. علمًا أنني لم أعد نشر قصتي الاولى تلك في كتاب.. حتى الآن.

- من أين استوحيت كتاباتك؟

* من الحياة بالطبع. فقد قُيّض لي أن أعيش واقعًا اشبه ما يكون بالخيال. في كل مكان حولي كنت اواجه قصة جديرة بالكتابة، بيد انني لم اتنازل ولا في اي من كتاباتي عن عنصر التخييل الذي يجعل العمل الابداعي ابداعيًا.. مهما استمد مادته من الواقع اليومي المعيش.. انني الآن وانا في هذا العمر المتقدم نوعًا ما في السنوات، الشباب إلى حد بعيد في المشاعر والاحاسيس، انظر إلى الوراء فأرى حياتي مجموعة من القص كل منها تأخذ بيد الاخرى وتمضي في طريقها باتجاه قصة في ظهر الغيب تريد الحضور بأسرع ما يمكن من وقت.

- هل ابطال القصص هي انعكاس لواقعك ام متخيلة؟

* ابطال قصصي يولدون من رحم الواقع ويشبّون في عالم الخيال.. اذ لا كتابة قصصية او شعرية.. وانا بالمناسبة شاعر أيضًا ، بدون خيال او تخييل، ولعلها مناسبة لأن اوضح أن من ينقل عن الواقع هو الصحفي وان مهمة الكاتب المبدع أن يعيد صياغة الواقع بعد وعيه به وامتلاكه له جماليًا.. أضيفي إلى هذا انني مؤمن أن التجربة الانسانية العميقة تختلف كثيرًا عن المُشاهدة التي يتصف بها الكثيرون. أنا كاتب يمر على الاشياء بعمق وتأمل ولا أمر عنها مرور الكرام.

- ماذا يميز قصصك عن باقي قصص الآخرين؟

*هذا السؤال يطرح قضية الاصالة والتجديد بكل ثقلها. ما يميز قصصي عن قصص سواي هو أن قصصي لها مساحتُها الخاصة بها كابن لعائلة من المهجرين. وأنها تنطلق من رؤية صادقة جدا. اؤكد اننا كلما كنا نحن بصدق وعمق كنا مميزين.. وأن التميّز لا يُقصد وإنما ينبع من اعماق رؤيتنا وفهمنا للعالم ولأشيائه المحيطة بنا. تريد أن تكون مميزًا باختصار؟ كن انت.. انت بكل ما لديك من صدق وعمق.

- ماذا تعني لك "سيرين" ؟

* إنها طفلة باكية في الخيال. احاول دائمًا أن أزيل دمعتها لكن دون ان افلح. طوال عمري وأنا احاول أن ابعث الفرحة الهاربة في عروقها.. وسوف اتابع إلى اليوم الاخير.. إنها مسقط راس الاحباء وهي مرابع الطفولة المتخيلة.. إنها جذوري وعالمي.

- ماذا تعني لك "الناصرة" ؟

* لأقل لك بداية إنني أحد العشاق المغرمين بهذه البلدة. انا لم اطلع منها ولم اغادرها طوال ايام عمري. ولي جملة اعتقد انها باتت معروفة هي:" انني صغرّت العالم حتى اصبح الناصرة وكبّرت الناصرة حتى اضحت العالم". الناصرة بالنسبة لي كما قال ناقد صديق تعتبر المكان البديل لسيرين الخالدة. كثيرًا ما قلت لمن التقيت بهم من ناس وطلاب إن العالِم الاغريقي القديم ارخميدس عندما سئل أين مركز الارض أجاب سائله هنا حيث اقف، وأنا لو سألني احدهم مثل هذا السؤال لأجبته هنا مركز الارض حيث اقيم في الناصرة. الناصرة بالنسبة لي ليست الطرقات والبيوت وإنما هي تاريخي الوجداني بكل ما حفل به من محبة وأمل. في كل من شوارعها واماكنها الخفية توجد ذكرى ومحبة. هي باختصار عالمي كله ولا اتصور العالم بدونها.. إلا خرابًا. وهي تقيم فيّ اكثر بكثير مما اقيم فيها.

- ما هو عدد قصصك التي كتبت حتى الآن؟

* لا اعرف. كتبت القصص طوال حياتي. ما يمكنني أن اقوله حاليًا هو أنني كلما جلست إلى حاسوبي لأكتب قصصي اشعر أنها المرة الاولى التي اكتب فيها.. وكأنما انا كاتب ما زال يتلمس طريقه نحو القصة الاحلى والاجمل التي لما يكتبها بعد.

- الراوي في القصص التي كتبت هي بلغة المتكلم "الانا"، لماذا؟

* هذا الكلام ليس دقيقًا فقد كتبت بمختلف الضمائر (قد يكون ابرزها المضارع)، كما كتبت بمختلف الاساليب بدءًا من اسلوب الحوار مرورًا بأسلوب السرد العادي انتهاء بأسلوب الرسالة. وقد وصفني الناقد الصديق الدكتور نبيه القاسم بأنني كاتب تجريبي وانا اعتز بانني كاتب تجريبي. اما فيما يتعلّق بضمير الانا فهذا يعود إلى سببين احدهما انه الضمير الاكثر حميمية والآخر انني عشت جرحًا ما زال مفتوحًا وسيبقى.. هو جرح التهجير القسري من سيرين الحبيبة.

 

حاورته: مي عودة

 

 

2814 رانيا عدليفي التاريخ عبرة وعظة وفكرة ومنهاج، البحث فيه شاق، ولابد لمن يتصدى لكتابة التاريخ أن يتسلح بأدواته التي تعينه على البحث والاستقصاء في التاريخ، وأول هذه المقومات أن يكون محايداً وموضوعياً ومتجرداً من الأهواء والعواطف والميول الذاتية، ويتميز المؤرخ باستقلال شخصيته وعدم تسليمه الكامل بكل ما يقرأ ويطلع عليه من وثائق وأوراق، والمشقة تزيد عندما يقرر المؤرخ أن يكتب لعامة المثقفين والقراء العاديين، ويبذل في هذا قصارى جهده ويضهم المادة التاريخ ويقرأها مرات ومرات حتى تستوى إليه، ثم يبرزها للمتلقي في لغة جامعة مانعة، مع الحفاظ على الصدق والحقيقة التاريخية.

وفي السطور التالية نلتقي مع الباحثة رانيا عدلي؛ التي تنتمي إلى مؤسسة عريقة هي مؤسسة الأزهر الشريف، فدرست العلوم العربية والإسلامية والتي تخّدم على مجال التاريخ، فتكّون لديها زاداً كثيراً أعانها على كتابة الفصول التاريخية فيما بعد، ووقعت في حب الأندلس، وهو حب سيطر عليها وطغى منذ أن كانت في المرحلة الثانوية وعندما التحقت بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، اختارت مجال التاريخ، ولما حصلت على الليسانس لم تكتف بهذا القدر من التعليم ولكنها أكملت دراساتها العليا في مجال التاريخ الأندلسي، وحصلت على الماجستير، وهي الآن باحثة دكتوراه، وخلال رحلتها القصيرة أمدت المكتبة العربية بالعديد من الكتب التي تماست مع شريحة كبيرة من القراء فأقبل الناس علي هذه النوعية من المؤلفات، يدفعهم شوق إلى الأندلس "الفردوس المفقود" وحاضرته الزاهرة مدينة قرطبة، مشعل التنوير في أوربا كلها في العصور الوسطى، ثم انتقلت لتحدثنا عن "رجال صنعوا التاريخ الأندلسي" على مدار ثمانية قرون في هذه الجنة الوارفة التي مازالت تعبق بعطر الحضارة الإسلامية المعطاة، رغم ما بذله الإسبان من الجهود المضنية في اقتلاعها على مدار خمسائة عام وخاب سعيهم، وختمت الثلاثية الأندلسية مع مملكة غرناطة، أخر معاقل دولة المسلمين في الأندلس والتي استمرت قرابة قرنين ونصف فكتبت "الوراقة والوراقون ومجالس الآمالي ودورها في الحياة العلمية بغرناطة"، ولم تنس المشرق الإسلامي في خضم هذه الرحلة، فكتبت كتاب "دروب ومسالك"، حيث تحدثت عن عدد من أعلام المشرق الذين كان لهم بصمة واضحة في ازدهار الآداب والعلوم الإسلامية من أمثال: الجاحظ، وابن خلدون، وفي جعبتها الكثير فهي مشعل نشاط، ولديها الكثير من المشروعات في قابل الأيام والشهور...

ولع بالأندلس..

* متى بدأت رحلتك مع الأندلس ولماذا اخترت مجال الإبداع مع انك باحثة بالأساس؟

2815 قرطبة- الولع بالتاريخ الأندلسي بدأ منذ كنت في المرحلة الثانوية، كان أحد البرامج التلفزيونية يتحدث عن التاريخ الأندلسي، من يومها أحببت القراءة والتعمق في هذا التاريخ، ولكن لم يتثنى لي القراءة والتعمق فيه إلا عقب دخولي الجامعة، حيث اخترت الانتساب لكلية الدراسات الإنسانية - قسم التاريخ، وعقب انتهاء المرحلة الجامعية اخترت الانتساب لتخصص التاريخ الإسلامي باعتبار أن التاريخ الأندلسي ينضوى تحت لواءه، ثم كانت رحلتي في رسالة الماجستير في التاريخ الأندلسي، وكذلك الدكتوراه التي ما زلت بصدد العمل عليها

*هل الإبداع والبحث العلمي وجهان لعملة واحدة أم بينهما تضاد؟

- الكتابة الأدبية أو ما تطلق عليه حضرتك الإبداع يختلف بكل تأكيد عن الكتابة الأكاديمية ممثلة في منهج كتابة البحث العلمي، ووجه الاختلاف بينهما أن الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية غالبا لا يقرأها إلا المتخصص أو من يرغب أن يتخصص في التاريخ، وذلك نظرا لصعوبة أسلوبها بالنسبة القارئ العادي وغير المتخصص، أما الكتابة الأدبية فالهدف منها أن يستطيع كل شخص أيا كان تخصصه قراءة التاريخ والاستفادة منه والاستمتاع بالتعمق فيه، ونظرا لذلك تأتي الكتابة الأدبية مبسطة قدر المستطاع مع عدم إغفال ربطها بالواقع الذي نعيشه، لأن في النهاية إن لم يكن الهدف من قراءة التاريخ: الاستفادة والتعلم من تجارب من سبقونا فهذا يعني أننا نضيع وقتنا وجهدنا فيما ليس منه فائدة ولا من ورائه طائل..

* قرطبة.. لماذا قرطبة بالذات؟

- لم يكن كتاب "قرطبة عروس الأندلس" هو العمل الوحيد عن الأندلس، بل سبقه كتاب "رجال صنعوا التاريخ" وهو يتحدث عن مجموعة من حكام الأندلس الذين كان لهم بصمة واضحة في صناعة التاريخ الأندلسي، وشمل الكتاب الإشارة إلى إيجابيات وسلبيات كل شخصية من شخصيات هؤلاء الحكام .. أما كتاب "قرطبة عروس الأندلس" فهو بداية للحديث عن المدن الأندلسية باعتبار إن قرطبة كانت عاصمة الخلافة في الأندلس، بمعنى هذا لا يمنع أن كان في العمر بقية سيكون لي بإذن الله جل وعلا أعمال تتحدث عن المدن الأندلسية الأخرى، مثل غرناطة، وإشبيلية، وطليطلة وغيرها.

* من قدوتك في هذا المجال؟

- أساتذتنا الأفاضل الذين تتلمذنا على مؤلفاتهم مثل د. محمد عبد الله عنان صاحب الموسوعة الزاخرة دولة الإسلام في الأندلس وغيرها من الدراسات الأندلسية الرائدة ود. حسين مؤنس صاحب المؤلفات القيمة والتي لا زلنا وسنظل لا غنى لنا عنها في أي دراسة أندلسية، مثل "فجر الأندلس"، و"معالم تاريخ المغرب والأندلس" وغيرها من المؤلفات ود. الطاهر مكي، ود. أحمد مختار العبادي، و د. عبد الرحمن الحجي وغيرهم من القامات العلمية التي كانت لها بصمة واضحة وبارزة ولا زالت بصمتها موجودة عن طريق ما سطرته يداها في التعريف بدقائق التاريخ الأندلس.

* اقصد من مبدعي الرواية التاريخية؟

- أنا لم أكتب في الرواية التاريخية، أعمالي كتب تاريخية بصياغة أدبية وليست أكاديمية حتى يستطيع فهمها واستيعابها ومن ثَمَٰ يستفيد منها أي شخص أيا كان مجال تخصصه، بمعنى الهدف من أعمالي هو انزال التاريخ لأرض الواقع، وذلك عن طريق ربطه بالواقع الذي نعيشه، حتى لا تكون قراءة التاريخ مجرد المباهاة بأننا نعرف قصة هذا الأمير أو ذاك، أو نعلم تاريخ هذه البلدة أو تلك، كما أنه ليس الهدف من قراءة التاريخ هو البكاء على اطلال ماضي عفى عليه الزمان، وإنما الهدف من دراسة الماضي بالدرجة الأولى هو فهم واستيعاب الحاضر ومن ثَمَٰ استشراف المستقبل

*هل تنوين الكتابة عن جغرافيا أخرى من حقب التاريخ؟

- نعم وبدأت ذلك بالفعل، حيث أن كتابي "دروب ومسالك" الصادر عن دار كتوبيا للنشر والتوزيع في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2021 أول عمل لي يحلق بعيدًا عن الأندلس، حيث يتحدث عن عدد من أعلام المشرق الذين كان لهم بصمة واضحة في ازدهار الآداب والعلوم الإسلامية مثل، الجاحظ، وابن خلدون، وسيكون هذا العمل بداية لسلسلة تتحدث عن أعلام المسلمين في المشرق بإذن الله جل وعلا.

 

أبوالحسن الجمال

 

 

2812 شاكر واسراءكان لي هذا الحوار مع الكاتبة إسراء عبوشي من مدينة جنين القسام - فلسطين، حول تجربتها الإبداعية وقضايا ثقافية مختلفة ومتنوعة:

* من هي إسراء عبوشي؟

- كاتبة روائية، مديرة ومؤسسة ملتقى رواد المكتبة في مدينة جنين، معلمة في مدرسة المغير الثانوية للبنات

* حدثينا عن تجربتك الإبداعية وتشابكها مع تجربتك الحياتية؟

- نشأت حين كانت جنين جنة وبساتين، الأرض الخضراء أنبتت روحًا خضراء تتجدد مع الفصول وتزداد عشقًا للأرض مع كل نهار جديد، إلى أن أتى صباح يوم طفولي أليم فقدت فيه والدتي، فلجأت إلى أوراقي لأعبر عن مشاعر الفقد وصادقت الكتب التي صارت سلواي، من مكتبة والدي، فكأن القراءة والكتابة الحضن الدافئ والحصن المنيع لمواجهة أحزاني، صادقت الكتاب والقلم، وعشقتهم واجتهدت لتطوير أدواتي.

* ما هي الدوافع والعوامل التي أسهمت في ابراز موهبتك؟

- القراءة أولًا علاوة على المشاركة في الأنشطة الأدبية حيث أتاح لي مجال الخوض في النقد الأدبي تنمية مهاراتي الكتابية، والتركيز على مكامن القوة التي تقييم النصوص الأدبية.

* ما هي القضية المركزية التي تؤرقك وتدور حولها موضوعات قصصك ورواياتك؟

- الحرية بشكل عام حرية الوطن والمرأة، عشت في فلسطين ولم أتذوق طعم الحرية في وطن مقيد محاصر ينظر للمرأة كصنف ثاني، في وطني فلسطين يجب أن تكون المرأة أولا فهي أم الشهداء وزوجة الأسير والمناضل، تراودني فكرة من لم يتمتع بالحرية ولم يعرفها يوماً قد لا يفهمها وتضيع فيه السبل في طريقها.

* ما هي الأمكنة التي تتحرك فيها نصوصك السردية؟

- يجب أن أعيش في الأماكن التي تتحرك فيها شخصيات نصوصي، كتبت عن فلسطين والأردن ومصر المحور الوطن، حيث بصمة الوطن الحزين تبقى عالقة في مجريات حياتنا نحمل ألمنا أينما اتجهنا.

كيف ترين علاقة المرأة بالأدب، وعلاقة المرأة بالرجل؟

بنظري خلق الله المرأة ضمن تصنيف الإنسانية كلاهما واحد بنظري، النظرة للمرأة هي التي تصنفها فقط، الأفعال مقياس التقييم لا التصنيف رجل أو امرأة، النظرة تحدد العلاقة، أما عن العلاقة بين الرجل والمرأة يجب أن يحرسها الاحترام وتكللها الثقة.

* كيف تنظرين إلى من تناول ونقد تجربتك القصصية، وهل للنقد من أثر في نصوصك الجديدة؟

- الناقد يجلي جمال النصوص ويضع يده على مكامن القوة والضعف، تناول النقاد مؤلفاتي ونصوصي فكان لهم دور هام في الإضاءة عليها، فكان لي شرف تناولك لمسيرتي الأدبية منذ البدايات أنت الأديب الناقد شاكر فريد حسن إغبارية، ومن أبرز من قدموا قراءات نقدية لما كتبت الأديب جميل السلحوت، والباحث الأستاذ عمر عبد الرحمن نمر، والأستاذ عمر غوراني، والناقد رائد الحواري، والأستاذ إبراهيم يوسف من لبنان، والأديبة الشابة قمر منى، رؤيتهم النقدية إبداع آخر وتعبير راقٍ في علاقة تكاملية.

2812 شاكر واسراء

* من أين تستمدين قوة وحبكة نصوصكِ؟

- من وجوه الناس، أطيل النظر في عيونهم، وآخذ حكايتي من ملامحهم، بكل خشونة يد وتجعيده وجه قصة مختلفة، وبكل دمعة تراق على الخد أو بسمة تنير الوجه قصة أخرى، تحرضني لتأمل مشاعرهم، أعبر عما يجول في خاطرهم، وأرى ما حولي بنظرة مختلفة وبانطباع جميل، فقد خلقنا الله على فطرة.

في بعض المواقف تبرق فكرة أبني عليها حكاية أو تتشكل شخصية أعيش معها بخيال يشوقني لأغوص في كنهه واستمد منه أفكاري، وأكتب وأكتب.. ويخبرني بالمزيد.

* بماذا تحلمين بعد هذه السنوات من الإبداع الكتابي، وما هي تصوراتك للمستقبل؟

- حلمي الشخصي أن أكتب فيض مشاعري، وتفاعل عواطفي مع كل ما عشت بالحياة، وحلمي العام أن تستمر من بعدي أفكاري وخططي التي أحاول بها إيجاد عالم مختلف أساسه الكلمة الصادقة الحقيقية التي تصنع الإنسان وترتقي بالحياة، احلم بأن يعود للمثقف والكاتب مكانته الحقيقية ودوره في الحياة السياسية والاجتماعية، لهذا أسست ملتقى روّاد المكتبة لفرض المثقف في الحياة اليومية والأمر الآخر الاهتمام بالقراءة ومكافحة العزوف عن القراءة، وكذلك تنمية المواهب لنجد من يحمل أفكارنا من بعدنا.

* من يعجبك من الكاتبات العربيات المحدثات؟

- غادة السمان ومي زيادة، رغم الاختلاف الكبير بينهما، قصة مي زيادة ما زالت تتكرر مع بعض الكاتبات والشاعرات في وطننا العربي.

* ما تقييمك للرواية العربية المعاصرة بشكل عام، والفلسطينية على وجه الخصوص؟

- الفلسطينية يجب أن تحمل الهم الوطني خاصة وهي توضع على رفوف معارض الكتب وتمثل فلسطين، ويجب أن تكون صادقة مقابل زيف التاريخ، أما العربية المعاصرة يجب أن يكون هناك قيود على الطابعة يخفف من ازدحام السوق الأدبي بما لا يستحق البقاء.

* ما هي التحديات التي تواجه الروائي والمثقف الفلسطيني عمومًا؟

- الحياة الروتينية أول ما يقتل الروائي والمثقف الفلسطيني، حيث يحرم من ترف الكتابة والاهتمام بطقوسها التي تنمي إبداعه، متطلبات الحياة المادية والاجتماعية تحرمه من ذلك.

وكذلك استغلال دور النشر له.

يقال أن الثقافة العربية في الوقت الراهن في أزمة، ما رأيك؟

وزارة الثقافة الفلسطينية واتحاد الكتاب الفلسطيني تقف مكتوفة الأيدي عما يحصل، الحرية ليست طليقة ولن تكون "الانخراط في بوتقة القوانين" من هنا تنبع الأزمة، الكاتب يجب أن يكون حراً ويحرض على الحرية ووطننا حريته مسلوبة وأفكاره في إدراكها منقوصة

* كيف تتلمسين الواقع السياسي في كتاباتك، وكيف تتعاملين معه؟

لقد كتبت عن الواقع كما يراه الشارع الفلسطيني ويدركه، لم أتعمق لأن المنطق مختل وبداياته مشوشة، حاربت دائما الأفكار التي زرعها فينا المحتل، وكيف غير مفهوم الكلمة وروج لثقافته، وساعده الكثير من الكتاب في ذلك، في مجموعتي القصصية " ياسمين" كتبت عن واقع الحياة الاجتماعية في ظل الانتفاضات والاحتلال، وكتبت عن الوحدة وهي أولى أسباب النصر، وعليها يجب أن يبنى الواقع السياسي.

* هل تتقيدين بمنهجية معينة في كتاباتك؟

الحب منهجي لو احببننا أنفسنا وما حولنا لسهلت علينا الحياة

* ما هي أقرب كتابات اسراء عبوشي إلى نفسها؟

أضع شيء من روحي في نصوصي، أعبر عن مشاعري النابعة من قلبي مشاعر تحرك الوجدان وتثير الشجون، تلك الجزئية هي الأقرب إلى نفسها أعود إليها بين حين وآخر فتسري معانيها بنفسي من جديد وتجدد مشاعري، سينتهي مشروعي الكتابي إن نفذت، أو استطعت التعبير عنها كلها، إلى الآن ما زالت تتدفق، وما زالت تتجسد في شخصيات رواياتي وتحركها وتخلق لها فضاء تتماها معه.

* ما هو مشروعك الأدبي القادم؟ وما هي الأعمال التي صدرت لك حتى الآن؟

- أسرانا البواسل وأسرهم واللحمة الاجتماعية والنفسية بينهم، كتبت مسرحية عنهم عرضت في مدرستي، سأحولها إلى رواية.

الأعمال التي صدرت لي " مجموعة قصصية بعنوان "ياسمين"

وقيد الطباعة روايتي " رادا " و "لما تلاقينا"

* المشهد الثقافي الفلسطيني كيف تقرئينه، وكيف تنظرين إلى العلاقات الأدبية بين المبدعين والمنتجين في الوطن المحتل؟

- هدف ملتقى روّاد المكتبة، إعادة تشكيل المشهد الثقافي في محافظة جنين يكون حاضنة للمبدعين، لا يمكن للفكرة أن تتم إلا بتعاون الأدباء والشعراء والمثقفين، عنوان المشهد إبراز الجيد، والاهتمام بالكلمة الجيدة لتكون الأثيرة، ودعم المواهب والارتقاء بالعلاقات، هناك مجموعة من الأدباء والشعراء تسعى معي وتناصرني في تحقيق هدف الملتقى، أتجاوز معهم المعيقات الكثيرة.

أما عن سلبيات العلاقات فهناك فئة تحارب المبدعين، فقط لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا مثلهم يلجؤون إلى السرقات الأدبية والفكرية التي تدمر العلاقات، أما المنتجون فهم تجار لا علاقة لهم بالأدب.

* أدب الأطفال هل أصبح في أيامنا تجاريًا؟

- ما أصعب أن تكون إجابتي نعم، فالأطفال جيل الغد يجب التنزه عن التجارة بأدبهم، يجب أن نهتم بقصص ترتقي بأحلامهم وتحسن لغتهم وتنمي خيالهم وتكون بجودة عالية من حيث الكلمة والرسومات.

* الأزمة النقدية التي يعيشها عالمنا، ما هي الوسائل التي ترينها مناسبة لحلها، وما هي انعكاساتها من وجهة نظرك على كلّ من يتعاطى الكتابة في مجالات الشعر والقصة والرواية؟

- على اتحاد الكتاب ووزارة الثقافة أن تمنع طباعة الكتب وتداولها إلا بعد أن تعرض على لجنة متخصصة، فلا يكون بمتناول النقاد إلا ما يستحق النقاش، ويقدم للحركة الأدبية كل جديد، ويحد من المجاملات الأدبية التي صنعت أدباء بالمجان.

* ما هي الكلمة الأخيرة للقراء؟

- ملكة الكتابة جعلت من إسراء إنسانة نقية محبة للحياة متصالحة مع الذات، فإذا حباك الله تلك الملكة اهتم بها، واعمل على تنميتها وتطويرها ففيها روحك جميلة وقلبك كبير

 

حاورها شاكر فريد حسن

 

2809 هبة جمال الدينأتقدم الى جناب الدكتورة هبة جمال الدين المحترمة بإجراء حوار صحفي متسلسل حول مشروع "مسار إبراهيم" الذي تحدثت حوله بأكثر من مناسبة، وإيصال الرأي والمخرجات والاستنتاجات التي خرجتِ بها الى الرأي العام وبالخصوص، فيما يعني الشأن العراقي، للوقوف على شروحات وتفصيلات تكشف ماهية هذا  المشروع والدورالدولي والإقليمي المؤثر في بلورة هذا الأمر.


 تحية طيبة دكتورة هبة جمال الدين المحترمة

ارحب بحضرتكِ، وبجميع السيدات والسادة القراء الأفاضل. ونؤكد على ان حرية الرد مكفولة. وما يرد من تفاصيل ضمن الإجابات هي من وجهات نظر الضيف، والحقائق والاستنتاجات التي يعرضها كمختصبهذا الشأن.

س: من هي هبة جمال الدين؟

ج: مدرس علوم سياسيه بمعهد التخطيط القومي وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية متخصصة في الشأن الإسرائيلي لها العديد من الكتب في هذا الشأن مديرة مراكز الفكر في صنع السياسة العامة بإسرائيل حاصلة علي اربعجوائز بحثية.

س: ما هو مسار ابراهيم؟

ج: مشروع خطير أنشأته مبادرة مسار ابراهيم في المنطقة العربية والإسلامية ما يسمى بالشرق الأوسط يدعوا فيه رغبة،في ربط الدول العشرة التي مر بها رسول الله وفقا لجغراقيا الأديان والتي تبدأ "بأور" في محافظة ذي قار جنوبالعراق، وتنتهي بمكة والمدينة ويمر لإيران وتركيا.

المسار خطير لانه يؤكد في وثائق تأسيسه أنه خطوة مبدئية لتدويل وإنشاء الارض الابراهيمية العالمية المشتركةللاديان.

والخريطة للمسار المخطط له هي خريطة ارض إسرائيل الكبري.

وفي بداية دراسة المسار بدأ الباحثين في جامعة "هارفارد" برصد عدة تحديات للمسار يقوم على اساس إزالة الحدودالسياسية وارساء رؤية ذات مصداقية للمسار عن طريق جامعة هارفارد كمظلة له نظرا لايمان شعوب المنطقة بالمؤتمر أنكما يدعون ووجدوا أن أهم تحدي أمامهم هو رفض التطبيع مع إسرائيل والخلل كان خلق هوية إبراهيمية جديدة كبديلعن الهوية العربية والإسلامية والوطنية فالكل أسرة ابراهيم واحدة وسيحدث ذلك: (عبر أنشطة الحكي وتغير وضعوهوية الصراع مع إسرائيل عبر إنشاء صراع بنيوي وليس هيكلي صراع يؤكد أن الاحترام المتبادل اهم من الحصول عليالارض والتاريخ).

س: هل له وجود على ارض الواقع كتطبيق ووثائق ومندوبين وممثلين لهذا المشروع؟

ج: للاسف نعم موجود في أغلب الدول بالمنطقة في كردستان ومصر وسوريا ولبنان والاردن وفلسطين وتركيا وبالطبعإسرائيل وقد أدخلته جمعيات أهلية تعمل في السياحة والاعشاب والثقافة وبداية إنشاؤه جاءت عبر شخصيات تنفيذيةتعمل في مجال السياحة والفندقة.

جمعيات أهلية تنظم رحلات بإسم المشي أو الجمال تم إدخالها عبر إقامة مشروعات للمجتمعات المحلية كالبدووالقبائل وانشاء مشروعات ريادة أعمال تخلق دخل تجعلهم يدافعون عن الفكرة رغما عن الدول.

للاسف يتم علي الارض وبدايته الان في المدينة "الابراهيمية بالعراق" فالتسمية مريبة ويجب الإنتباه لها.

تضمن كشف المخطط عبر مسمى جديد تم البدء فيه عبر مفهوم الدبلوماسية الروحية تقوم علي البحث عن المشتركبين الأديان وتنمية المختلف عليه وإعادة قراءة النص الديني وتفسير المعاني السرية ووضع ما يتفق عليه رجال الدينعلي الخريطة السياسية بعد الاتفاق وتنمية الاختلاف وتتم في ساحات من الدبلوماسية غير الرسمية وكما تعلمون أنالإسلام يعترف بكافة الأديان السماوية ويختلف حوله باقي الأديان والمسيحية تعترف باليودية التي تنكر كلا منالإسلام والمسيحية واعترف بالماجوسية والبوذية والهندسية باعتبارها أسهمت في بناء الثقافة اليهودية

وتري الدبلوماسية الروحية أن ذلك سيحقق السلام الديني العالمي الذي سيتحقق عبر إعطاء الشعوب الاصلية الحقعلي الخريطة السياسية وبالطبع يحاول الصهاينة الدعاء أنهم الشعوب الأصلية ويزيفون التاريخ.

(وللاسف يعملون علي اتفاقية الشعوب الأصلية المسجلة بالامم المتحدة ليعودوا ليتحكموا في مقاليد الدول العربية مرةأخرى).

س: ماذا تضمن الكتاب البحثي الذي اصدرته الدكتورة هبة جمال الدين؟.

ج: تضمن الكتاب المخطط ومشروعات تسيس الابراهيمية المتحدة في مخطط الولايات المتحدة الابراهيمية "صفقة القرن " باقتدار وفقا للنتائج البحثية بالكتاب.

س: لماذا ألغى بايدن "ألرئيس الامريكية الحالي" اسم المشروع الإبراهيمي؟

ج: لان المخطط انكشف فربط ترامب الابراهيمية باتفاقيات التطبيع مع إسرائيل جعل الكثير يرفضها وينتبه لخطورة المخططخاصة أنني بالكتاب توصلت بالتحليل الشبكي أن المخطط مازال ضعيف غير مكتمل الأركان فيحتاج الي مزيد من الدعموهذا ما تعمل عليه الان الإدارة الأمريكية فهي مشروع دولة المؤسسات منذ التسعينيات تم الإعداد له عبر برنامج دراساتالحرب والسلام بالبنتاجون الذي جاء بعد " ترامب "

س: إتفاقيات المسار؟ وهل إنتهت ام بقيت سارية المفعول وتحت اي مسمى؟

ج: سارية تحت مسمي اتفاقات التطبيع ولكن جهود الابراهيمية مازالت على الارض لم تكتمل دون إعلان الدولة الأمريكيةتبنيها رسميا لها.

س: كيف يؤثر هذا المشروع على العراق تحديدًا؟

ج: العراق مستهدفة كبداية للمسار التدويل كجزء من ارض إسرائيل الكبرى.

س: هل هناك بوادر تخص مشروع المسار او " التطبيع" في العراق ، ماهي وكيف؟.

ج: الصلاة الابراهيمية ثم المدينة الابراهيمية والصلوات الابراهيمية وبعثات" التنقيب التي ستأتي معها@ كل ذلك خطيروللاسف يتم الآن على الارض.

س: كيف تقرأ الدكتورة هبة جمال الدين زيارة بابا الفاتيكان الى العراق؟.

ج: نحن نحترم البابا كرمز ديني كبير لكن استعمال الابراهيمية في الصلاة وإطلاق دعاء جديد على الاذان ن والحديث عنأرض الخلاص وعودة الشعوب المضطهدة يدعو للحذر.

س: نسبة الخطر الفعلية اين تكمن على الشعوب وعلى العراق تحديدًا ضمن مشروع " التطبيع " او مشروعمسارابراهيم؟.

ج: الخطر بدا بتغير مسمي الاديان من سماوية الى الابراهيمية ، فالهدف للشعوب لتقبل بالهوية الجديدة، لتقبل فيما بعدبحكم الصهاينة، كأسرة ابراهيمية واحدة، وأن الأرض ليست ملكا لنا لأن سيدنا ابراهيم ملك للعالم ككل، عبر خلق دعمدولي للمشروع وهذا ما يتم الآن.

س: (السعودية العربية وتركيا والاردن) كيف تقرأ الدكتورة هبة هذه الخريطة؟

ج: للاسف تركيا شريك مرحلي في المشروع. والأردن هي ما تمنع جغرافيا إسرائيل من التوسع لذلك محاولة الانقلاب الفاشلةأحد خطى المخطط للوصول للسعودية التي يتم الآن التدمير بنظام الحكم للموافقة علي السلام الابراهيمي كبدايةلمخطط تدويل المقدسات والبدء بخلق مقدسات جديدة لنزع القدسية عن المقدس تمهيدا لهدم المقدس!.

س: اين تجد الدكتورة هبة الشعب المصري والشعب اللبناني من كل هذا؟

ج: مصر حكومة وشعبا ضد المخطط وعلى الشعب اللبناني الإنتباه لما يحاك ضده بإفشال الدولة وإعلان موتها كجزء منالمخطط اللعين للوصول للاتحاد الابراهيمي المسمي بالولايات المتحدة الابراهيمية التي ستضم كل الدول العربية وايرانبرءاسة إسرائيل وتركيا.

س: ماهي علاقة الربط المنطقي بين العراق وإيران ضن مشروع مسار ابراهيم؟ اي بمعنى لدى حضرتك علا رابطة في إحدى اللقاءات تحدثت عن محاولات تفعيل دور العراق " الشيعي تحديدًا " ضمن مساع انجاح هذا. المخطط ماهوالدور المقصود بذلك؟ وماهي العلاقة المؤثرة او الرابطة في هذا الدور باتجاه إيران ؟

ج: العراق بها المرجعية الشرعية بالنجف ق مذهبية قوية للشيعة كبداية لقبول ودخول الدول الإسلامية الشيعيةبالمخطط لاكتمال مسار ابراهيم بدخول إيران واليمن ومن ثم يكتمل التدويل.

س: ما هي الآليات والوسائل التي تراها هبة جمال الدين للوقوف ضد هذا المشروع؟

ج: رفض تغير مسمي الأديان من سماوية الو الابراهيمية، اصدار فتوي من المرجعية الشرعية بحرمة الابراهيمية وكذلكمن الازهر

رفض الشعوب العربية.

رفض السياحة الدينية فلا تدولوا الارض بحجة الدخول والتسامح،

التمسك بالأرض والدين والتعاون بين السنة والشيعة وحل المشكلة بين إيران والدول العربية، فلقاءنا معا مرتبط ببعضهالبعض لمجابهه المخطط الصهيو امريكي ، وتوعية شبابنا بالمخطط اللعين.

شكرا لوقتك الممنوح في الاجابة مع التقدير ..

 

حاورها الكاتب والصحفي

انور الموسوي

 

 

2808 ليلى الطيب* هل لك ان تقدمي نفسك للقراء؟

 - ليلى الطيب مواليد 7 أغسطس بالجزائر وتحديدًا شرق العاصمة في  قسنطينة، مدينة الجسور المعلقة والعلم والعلماء، التي ولد فيها العلامة الشيخ عبد الحميد ابن باديس عضو جمعية العلماء المسلمين، وهي الجمال وفيها كل السحر، وتجعل منك شاعرًا رغما عنك.

* متى بدأت الكتابة، وإلى لون أدبي تميلين، وما الذي يستفزك للكتابة؟

- انا ما اخترت الحرف وإنما هو اختارني، ومنذ دخولي المدرسة في سن 6 سنوات ظهرت ميولي للتعبير والمحادثة، وبدأت الكتابة الحقيقية في سن 12سنة. كانت مجرد رسائل، بعدها نصوص قالوا انها شعر نثري أو هي سرد أحيانًا، ولم اصنف نفسي في زاوية محددة، وباقي الفنون الأدبية كالقصة والرواية اعشقها وطُلب مني مرارًا محاولة الكتابة وربما سأفعل يومًا. ويستفزني في الكتابة لو قرأت نصًا ولامسني أتمنى الكتابة مثله أو أن يكون لي والحرف مني، علاوة على اختيار مفردة موجزة تصل لعمق المعنى المراد بشكل مكثف. 

* الشعر، ماذا يعني بالنسبة لك؟! وأي المضامين تركزين عليها؟

 - الشعر هو الباب الذي أطرقه للفرح والتعبير عما يجول بمخيلتي

وبما أريده واقعًا، أو التعبير عن حالة رأيتها او قرأتها، فهو ما منحني جديد حياتي، وفسح لي مجال العيش ومحاورة الذات بعد أن كنت احتضر.

 * أين الوطن في شعرك، وما هو حيز الحب في قصيدتك؟

 - الوطن أسكنه رغم أني مقصرة في حرفي معه لأن كل حروف الأبجدية لا تفي التعبير عنه. أحس مشاعري متذبذبة ناقصة لا تتنفس ما نحن فيه وتوصيل معانيه، أما الحب في قصائدي فهو صمامها الأبدي ومحورها الرئيسي.

 * هل توجهت وجهة معينة في ثقافتك الشعرية، وما دور الثقافة في جودة الشعر؟

 - وجهتي للحرف لا غيره أكيد، رغم مطالعتي لبعض الكتب وما اكثرها الا إنني أظل تواقة للقراءة أكثر والتعلم بقدر كافٍ حتى استطيع تجديد مفرداتي وخروج نصي بالجودة المطلوبة التي يحبها القراء.

 *هل تسيرين في شعرك ضمن إطار اجتماعي أو فكري، أم إنك تتفاعلين مع التجربة الآنية؟

 - مع كل ما ذكرت يحكمنا مجتمع وفكر وتجارب، وإلا يظل النص حبيس الجدران ومستهلكًا.

 * ما رأيك بقصيدة الومضة التي لها حضورها في الوقت الحاضر؟

 - في مرحلة من عمري اقتصرت كتاباتي على الومضة واتقنتها والحمد للـه بمساعدة أساتذة وبشهاداتهم. والومضة هي قصيدة العصر، وأصبح الكل يلجأ لها لقصر أحرفها وغزارة معانيها واصابتها الهدف بإيجاز.

* ما رأيك بوجود أدب نسائي وآخر رجالي؟

 - الصراحة لا أحب وضع فروق،  فالأدب أدب لا يدخل فيه جنس ذكر أو أنثى، كل منهما يكمل الآخر ويبدع فيما يكتب.

 * كيف ترين الواقع الثقافي في بلدك بشكل خاص، وفي العالم العربي على وجه العموم؟

- الواقع الثقافي للأقلام الجزائرية عمومًا وافرة ومتمكنة، ولها باع في كل المجالات والألوان. صحيح يوجد نقص أو عدم انتشار واسع، لكن الحرف الجزائري لا يستهان به، ولكل واحد من المبدعين مدرسته الخاصة وموجود على الساحة الثقافية الجزائرية والعربية بغزارة، وهنالك الكثير من الشعراء والكتاب المتميزين، والواقع الثقافي في العالم العربي لا يختلف عن الواقع الثقافي في الجزائر، ورغم وجود نشاطات شبابية ومبادرات أدبية الا أن النقص مازال قائمًا في عدد من المجالات.

 * كيف يبدو النقد العربي في الوقت الراهن، ومن يعجبك من النقاد، وهل أنصفك النقد؟

 - النقد قائم على حسب الحرف، وثمة نقاد منهم من يلفت انتباهه حروف الشاعر فيقدمه على طبق متشكل به كل ألوان التقييم والتحليل والقيمة البنيوية للنص والتفرد والسقوط، ومنهم من يقدم نقدًا لنص من صنف حرفه وفكره وقربه كنوع من الترضية لصاحبه ومفاخرة به ، أو كرد جميل، أو أنه يراه نابغة متجدد يقدم الإبداع دائمًا، ويظل النقد لبعض الأقلام زيادة في العمل ومحاولة تصحيح مساره ومنهم من لا يعني له النقد شيئًا طالما نصه يرضيه وهو مقتنع بسلامة ما يكتب حتى لو رأى غيره ضعفًا في نصه. ولي تجربتان فقط كتبت بحفاوة عن حرفي رغم أنني هاوية حرف لا غير، من الناقدة العراقية الأستاذة الأديبة إنعام كمونة نسغ التأمل، والناقد الأديب المغربي عبد الرحمن بكري، وإنني من هنا أقدم لهما خالص الشكر لوقوفهما على حرفي ومتابعته.

 * كيف تفهمين الحرية، وما رأيك بما وصلت إليه المرأة في الوطن العربي من تحرر اجتماعي؟

- ما دمت اتنفس فأنا حرة، والمجتمع مازال ذكوريًا 100%، لا تغريك العناوين والشعارات عن المساواة بين الرجل والمرأة، من قال أن الرجل ترك لها المكان، ومن قال أن المرأة تعيش بعيدة عن ضلعه، ما زالا في الدائرة، وكل منهما يدور على الآخر.

* هل لك إصدارات ورقية، وما هي مشاريعك الأدبية المستقبلية؟

 - اصداراتي هي:

ديوان حروف حائرة صدر سنة 2016

وديوان مشترك تحت عنوان "كلمات فرسان الخيمة" صدر 2021

ولي ديوانان تحت الطباعة، الأول "الروابي تستمطر حبًا"، والثاني "اسئلة التوت".

 *من يعجبك من الشعراء القدماء والحداثيين، نساءً ورجالًا؟

 - إنني مولعة بالمعلقات وبطرفة بن العبد، زهير بن ابي سلمى، والبحتري،  وابن زيدون، ومن الجزائر ابو القاسم خمار، الأخضر السائحي، والفلسطيني محمود درويش.

* ما هي القصيدة الأحب إلى نفسك، من قصائدك؟

 - عندي حرف أحبه لا قصيدة أحب

* ماذا تختارين للقراء من قصائدكِ؟

 - اختار قصيدة "امرأة من نار"

تمطر السّماء من ضحكته

وأهمس لشفتيه:

أنا الحلم المتمرد

وأنت الواقع على أعتاب العُمْر

أنا الحرف العذري

يتوضأ بالحب ويُعَمَّدُ بأنامل جمر

انا امرأة من نار

لحظات انصهار الروح

تخمد جذوتها

تهدهدُ العشقَ أنفاساً

بين أغصان عارية

تحيا بقبلة لقاء.

وتكتب على صدرك بلمعةِ عين

لا بنبيذ حبر

كنتُ ســ أُخبرك!

أنّ صلاتي قصيدتك

وان طالت متاهات صمتك

سأتوضّأ بعطرك

إذا نطق نبضي:

حقّ آلاء الغياب

وهذا المساء القلق

‏ثمةَ حرفٌ..!

عنوانه انتَ..

زاهي الزّهرات

بعضه منك وبعضه مني

* ما هي الكلمة الأخيرة للقارئ؟

 - أحبّوا بعضكم وكونوا أوفياء، فالوفاء اصبح عملة نادرة.

وألف شكر لك أستاذ شاكر فريد حسن على هذا الحوار الشائق.

 

 

2806 سعد وحنان- بالشجرة أستدلُّ على الحياة، والشَّجرة هي أنا والوطن والحبيبة...!!!

- تعدد القراءات في النَّصّ الواحد سمة مهمة من سمات الحداثة .

- لا تجديد يأتي من فراغ والتجديد هو سرّ الحياة وديمومة الإبداع.

- الإبداع الحقيقي هو ما يبقى .

للحروف لهفة يستمد منها روحه لعزف نشيد الريح وهي تراقص قامات أشجاره الباسقات بموسيقى تواشيح الطبيعة فتسقسق أشواقها أخاديد شوق وحنين وتبث الوهج النابع من أعماق وجدان شاعرنا وضيفنا الدكتور سعد ياسين يوسف قصائد رائعة للغاية .

عراقي المولد عام1957 في مدينة العمارة . عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. أصدر سبعاً من المجموعات الشعرية. وهو باحث أكاديمي حاصل على درجة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر للعلاقات الدولية وله دراسات وأبحاث ومحاضرات واسعة جدا ومشاركات شعرية في مهرجانات وتجمعات ادبية محلية وعربية ودولية كثيرة . يجيد صياغة الحرف بأسلوب ممتع له أسلوب رائع في كتابة القصيدة النثرية بطريقة خلاقة.. قصائده تحمل كماً كبيراً من الأحاسيس الوجدانية والإنسانية بصور رائعة تخدم المعنى وتعمقه وكانها لوحة فنية رسمها فنان بريشته الجميلة. أبدع الدكتور سعد ياسين يوسف وتوفق في الوصف والتشبيه وتوظيف الانزياحات اللغوية في التشكيل الشعري واعتمد الشجرة رمزاً له وأنسنها ولذلك لقبه النقاد بشاعر الأشجار.

قال عنه الناقد الكبير فاضل ثامر " إنَّ الشّاعر سعد ياسين يوسف تألق في قصيدة النثر ببنيات مهمة ومن خلال انتماء الشّاعر لفضاء الطبيعة وأنسنتها وقد استطاع أن يخلق منها كياناً إنسانياً لتصبح رمزاً و(آخراً) حينما يقيم حواراً مع افتراضي آخر هو الشَّجرة الذي قد يكون قريناً له أو الوجه الآخر مشدداً على إنَّ تجربة الشّاعر سعد ياسين يوسف تجربة غنيّة تندرج ضمن المتن الثقافيّ لما حظيت به من تكريم وجوائز عالميّة وتتطلب قراءة جادّة".

س1: يلقبك النقاد ب (شاعر الأشجار) ما قصة الأشجار في أغلب

قصائدك دكتور سعد؟ وما سرّ هذا التعلق بها؟

- بالشجرة أستدلُّ على الحياة، الشَّجرة هي أنا ..هي الإنسان هي العائلة هي الوطن هي البيت والقيم وهي الحبيبة والملاذ وهي الشَّاهد وهي المقتول بحزن الفصول ... أليس لكلِّ شيءٍ في الحياة شجرته، أقصد جذرا وساقا وفروعا ..؟ ولذا كانت الشَّجرة وبدون وعي مني تتألق في قصائدي وتتوهج معي لتعلنَ عن وجودها.

لقد أنسنتُ مفهوم الشَّجر بانزياحات لغوية عديدة وقد تنبه الكتّاب والنُّقاد لذلك وأطلقوا عليَّ لقب (شاعر الأشجار) في أكثر من مقال ودراسة نقدية ومقابلة تلفزيونية، فيما أقام لي الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق أُصبوحة احتفائية سُميت حينها (الأشجار ثيمة في شعر الدكتور سعد ياسين يوسف) تحدث فيها عدد من النُّقاد والأكاديميين الذين أكدوا فيها أنَّ منجزي الشِّعري قد تفرد باعتماد هذا الرَّمز ومنحهُ عمقاً عبر النّصوص التي يتشظى فيها معنى الأشجار ويكبر ويصبح ثيمة واسعة وعميقة تستدعي الدِّراسة النقديّة الأكاديميّة والفكريّة.

ولو تأملنا الآية القرآنيّة التي ورد فيها أسم الشَّجرة وهي 24من سورة إبراهيم (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ ..) .... يالها من شجرة هذه التي أجلس كل َّ يومٍ تحت معانيها لأنهل منها صوراً شعريّة باذخة الجمال والعظمة .

وحتى في الفلسفة للشَّجرة أهمية كبيرة فهذا ابن عربي يقول :" إني نظرت ُ إلى الكون وتكوينهِ، وإلى المكنونِ وتكوينه، فرأيت الكون شجرة".

أما سرّ التعلق بهذا الرَّمز لأنَّه مشروعي الفكريّ والفلسفيّ في الكتابة الشِّعريّة وأنا سعيد ومُطلَق العنان في معانيه الرَّحبة .

س2: خلف العناوين الظاهرة في قصائدك الرائعة الكثير من الرّموز العميقة المختبئة تملأ أبجدية اللّغة العربيّة بدهشة قلمك .. كيف لهذه الأحاسيس أن تترابط فيما بينها؟

- مجموع هذه الرّموز هي أنا، حياتي، مشاعري ما أحب ومن أحب، والعنوان عتبة مهمة للدِّخول إلى عالم القصيدة والعتبة كما يُجمع النّقاد ومنهم (جيرار جنيت) حيث يؤكد أنَّ العنوان (ما يَصنع فيه النَّصُّ من نفسه كتاباً مفتوحاً ويقترح ذاتَهُ بهذه الصِّفة على قرائه وعلى الجمهور عموما،أي ما يحيط بالكتاب من سياج ٍأولي وعتباتٍ بصريّةٍ ولغويّة .)

وهكذا فالعنوان نصٌ يوازي النَّصَّ الأصلي لإنتاج المزيد من الدِّلالات الشِّعريّة التي تُفعّل دائرة التلقي وفنّ التَّأويل وتشكّل علامات دالة تلخص الفكرة وتكثفها وتُظهر الأبعاد الرَّمزية لها، لتمثل مفاتيح دلاليّة تؤدي وظيفة إيحائيّة باتجاه المعنى ومقترباته .

لذلك فأن العنوان عندي هو تكثيف لبؤرة ضوء القصيدة والجهد الذي أبذله في اختياره يوازي جهد كتابة القصيدة، وأحيانا تولد القصيدة حاملة اسمها .

س3: عندما تتألم أشجارك، كيف تدفن أكداس الحزن؟ وكيف تلتقط حبات ضياء الأمال لتمنحها لعصافير المعنى المغرد على أغصانها؟

- هذا سؤال جدُ رومانسيّ وعذب، نعم أشجاري تفرح وتتألم وينعكس ذلك على مرايا قصائدي كضوع بخور لا يمكن أخفاء عطره كلّما أشتعل وتوهج زاد عبيره وأنتشر شذاه، وأنا على تواصل مع أشجاري كلّ يوم أستمع لحفيفها في الليل حينما أخرج بعد أن يؤوب النَّاس إلى منازلهم وتخلو الشَّوارع والأزقة من كلِّ شيء إلا من نسمات مشاكسة بلَّلها نثيث مطر خفيف وعطر الياسمين، وأحيانا أنشدها بعضاً من قصائدي فيزداد الحفيف ليصبح تصفيقا ً هو الأصدق من تصفيق أي جمهور .

س4: الكثير من الأمنيات تتجسد بحروف تخرج من مكنون القلب .. والحرف يتوهج قصيدة بإحساس عالٍ يستمد منا روحه، بماذا تحدّث القصيدة الشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف؟

- للقصيدة حديثان، حديث لحظة تشكلها وقد يمتد للحظات وساعات وأيام وقد يطول لأكثر من عام بكل تحولات الجنين في رحم أمه، تلازمني ألوانها ومساراتها وشكل عينيها، وحديث بعد ولادتها حينما أُداعب خدودها وشعرها المنسدل على كتفيها وبهذا تكون قد باحت لي بأسرار جمالها، أضع وردة على غرتها وأزين شفتيها بحمرة الرِّوح وأضع بعض أسراري بين نهديها، وقد صَوَرتُ معاناة الولادة في قصيدة (شجرة القصيدة) وأسمحي لي أنْ أقتبس منها :

((هيَ الغيثُ النازلُ فوقَ يبابِ الأرضِ

ينبتُ اكواناً من سحرٍ

ومواسمَ أعيادِ الأرضِ

هي حزني المتفجّرُ صمتاً ببريقِ عيوني

وصهيلِ خيولي النافرةِ من برزخ ِصدري

لسماواتٍ سابعة ٍ.. .. ..

خلفَ سنابِكها نُثْارُ نجومِ الدهشة ِ

تَمْوّجُ أوراقِ الآياتِ الأولى

وهي تحلقُ عائدةً

لتحطَّ على أشجارِ حديقتيَ المسكونةِ

برفيفٍ لا أعرفُ سره ...))

2806 سعد وحنان

س5: كيف تنظر لمستقبل اللغة العربية في ظلّ التحديات الكبيرة التي يطغى فيها صخب الإنترنت، وخاصة مستقبل جيل الشباب والغيمة المثقلة بالتكنولوجيا الرقمية؟

- للّغتنا العربية ربٌّ يحميها لكِ أنْ تطالعي التأريخ الذي مرت به اللُّغة العربية والهجمات التي تعرضت لها بفعل الفرنسة والتتريك والتفريس، لكنها بقيت صامدة تستمد عمقها وجزالتها من كتاب الله (القرآن الكريم) ومن تراثها الهائل الذي تمتلكه على مرِّ العصور، فلا خوف عليها على الإطلاق، وما أوجده الإنتريت ومواقع التَّواصل الاجتماعيّ لا ينال من جرف اللُّغة بدليل أن هذه المقابلة وبلغتنا العربية الفصحى تمت عبر الإنترنيت، لكن ثمة شريحة من الذين تركوا الوطن وهاجروا إلى المنافي وجدوا أنفسهم أمام معضلة الأبناء الذين ولدوا هناك وقد فرضت عليهم ظروف البلاد الجديدة لغتها، وهنا لابد أن يتدخل الأهل ليزرعوا في قلوبهم حبّ اللّغة العربيّة لما فيها من مميزات لا تتوفر في أيّةِ لغة أخرى من حيث عدد مفرداتها وثراء اشتقاقاتها وجزالة معانيها، فتلك حقا مسؤولية الأسرة .

س6: في قلب أشجارك (قصائدك) كرنفال من المعاني يتردد صداه بانزياحات مدهشة وشخوص نصية أنزياحية وطبيعية .. كيف تنظر لضرورة تعدد القراءات في النصّ؟

- تعدد القراءات في النَّصّ الواحد سمة مهمة من سمات الحداثة في القصيدة الحديثة فلا قيمة إبداعيّة لنصٍّ بمعنى مباشر واحد لا يتشظى فيه المعني لمعانٍ تتسع كدوائر الماء عند إلقاء حجر في بركة، وهذه مهمة الجملة الشِّعرية الحيّة أن توسّع مدارك المتلقي وتترك فيه اتساع دوائر المعنى فأنا أرى أنَّ القصيدة يجب أن ترتقي بمدارك المتلقي لا أن تهبط به إلى ما هو سائد ومستهلك أو أن تجعله يصفق كما صفق الآخرون، التصفيق لم يعد قياساً لجودة القصيدة قدر ما تحققه من ارتفاع في درجة حرارة فكر المتلقي وهو يعيد تشكيل المعنى وصولاً إلى الدهشة .

س7: حصلت قصيدتيك (قذائف وشناشيل) و(قيامة بابل) الرائعتين على المركز الأوّل في مهرجانين للشعر في بلغراد بالرغم من عدم حضورك الأوّل، ماذا يعني ذلك لكَ.

- حزت على جائزة يوم الشِّعر العالمي لمرتين الأولى في تموز عام 2012بقصيدة قذائف وشناشيل التي كانت صرخة بوجه العدوان الأمريكي الغاشم على العراق، وهذا يعني أنَّ الإبداع الإنساني هو ما يصل عابرا إلى الضّفة الأخرى حتى بدون وجود الشَّاعر بجسده،وذلك حينما يحمل نصّه قضية إنسانيّة يتفاعل معها الإنسان في كلِّ مكان.

أما المرة الثانية التي أحرزت فيها الأولى أيضا في عام 2013 بقصيدة (قيامة بابل) كنت موجودا وقد قوبلت بحفاوة كبيرة من قبل الأدباء والمفكرين والإعلاميين في بلغراد وأحتفت المكتبات بتوقيع نسخ من مجاميعي الشِّعرية لتكون أول كتب عربيّة تدخل لمكتبة بلغراد في حينها.

وقد أقيمت لي جلسات شعريّة في أكثر من مدينة صربيّة ومقابلات تلفزيونية للاحتفاء بمنجزي وبحضارة بابل، وحضارة بابل معروفة في كلِّ أرجاء المعمورة والقصيدة كانت تبشر بقيامة بابل من جديد ونهوض العراق بعد كلِّ الحروب والنَّكسات التي مرّ بها لأنَّه بلد الحضارات التي مهما تكالب الأعداء على إطفاء نوره يعود ليتوهج نوراً يهدي الإنسانية من جديد .

س8: كيف تقبَّل الجمهور الأجنبي في مهرجانات بلغراد ومدن صربيا لقصائدك باللغة العربية؟ وهل ترجمة هذه النصوص أفقدها الجانب الأيقاعي والشعري؟

- أنا أومن بأنَّ الأحساس لغة، وكان ثمة مترجم رائع وشاعر هو الأستاذ صباح الزبيدي  يريد أنْ يترجم القصيدة أثناء القراءة، لكني طلبت منه أن أكملَ قراءة القصيدة باللّغة العربيَّة كاملة كي لا أتوقف وتفقد وهجها، وهذا ما حصل توقفت التَّرجمة وكان الجمهور ينصت بشغف لي ويتفاعل مع إحساسي الذي حاولت أنْ أوصله بتموجات الحزن والفرح واللَّهفة والألم وحالما أنهيت القصيدة صفق ليَ الجمهور بحرارة قام بعدها المترجم بقراءة القصيدة باللّغة الصربيّة .لكن مما أثار فرحي أنَّ أحدى الأديبات الحاضرات أستأذنتني بحديث على إنفراد لتقول : إنَّها فهمت معاني القصيدة بأكملها من خلال قراءتي وإنَّ الشُّحنة التي أكتنفتها القصيدة قد وصلت إليها قبل أنْ تستمع إليها مترجمة ً .

س9: ما هي فلسفتك في الحياة، هل هي روحية، ام واقعية؟

- الواقع يفرض شروطه علينا، شروطه القاسية الموجعه ومآلاته ومتغيراته فنلوذ بندى الرُّوح لنخفف قليلا من قسوة الواقع وجفافه وما يتركه من ندوب وجراح عميقة في قلوبنا، الواقع مفروض علينا، لذا لابد أنْ نخوض غماره متسلحين بكلِّ دفاعات الرُّوح من قيم أرضيّة وسماويّة يسمو بها الإنسان وينتصر بها على واقعه، والشِّعر هو القيمة الروحيّة التي ألوذ بها من هول قساوة هذا الكون .

س10: جلسات الحوارات الأدبيّة التي تحتفي بكَ دوماً شاعراً مبدعاً في بقاع الأرض أجمع، والدِّراسات النقديّة التي يقدمها الكتّاب والنُّقاد في مضامين دواوينك وتقدمك كحلقة وصل بين رواد الشّعراء و جيل الشّباب .. بماذا يُشعرك ذلك ؟

- أغلب من قدمني في الجلسات الحواريّة وجلسات الاحتفاء بي وكتب عن منجزي الشعري قراءةً ونقداً كانوا قد اطلعوا على بداياتي الشِّعرية التي تمتد لسبعينيات القرن الماضي لذلك وجدوا هذه الصفة التي (لا أدعيها لنفسي)، أما فيما يخص جيل الشّعراء الشّباب فنعم، وقفت معهم ودعمتهم من خلال وجودي في عضوية منتدى الشِّعر في الاتحاد العام للأدباء والكتاب ومن خلال اشرافي على حملة الإشارة هذا هو الشَّاعر العراقيّ هذا الموقع الذي احتفينا من خلاله بقامات شعرية سامقة وكذلك بالعديد من الشّعراء الشَّباب وبشّرنا بهم كشعراء واعدين وهم الآن شعراء مميزون في الحركة الشِّعريّة العراقيّة، وهذا ما يشعرني بالفخر لأني ساهمت بمدِّ يد العون للجيل الذي أعقبنا .

س11: تندفع الاجيال الجديدة وراء التجديد، هل يدعو دكتور سعد ياسين لمبدأ التجديد مع الأصالة وما هي حدود التجديد لديك؟

- لا تجديد يأتي من فراغ والتجديد هو سرّ الحياة وديمومة الإبداع هذا ما يعلمنا إياه تعاقب الليل والنهار ولولا التجديد الذي طرق أبوابه المبدعون الذين سبقونا انطلاقاً من عمق أصالتهم، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم، وبالتأكيد ينطلق التَّجديد من أصالتنا وهذه مسؤولية تقع على عاتقنا وعاتق جيلنا لنواصل مسيرة الإبداع ونمنح الأجيال المقبلة شعلته .ومع ذلك أنا لست مع التجديد الذي يُفقد الإبداع جمال الصورة والقيم الجماليَّة التي ترسخت في ذواتنا ولست مع التجديد الذي يسلب القصيدة دهشتها ولا يُنقّي المفردات والجمل في القصيدة ويمسخ الهوية العربيّة والإنسانيّة.

س12: في قصيدة( عيون الصّبار) و (شجرة العروج) من ديوان

أشجار لاهثة في العراء خرج أنين وصرخة مدوية لترثي العصافير

المذبوحة التي رقدت على أشجار بغداد .. " فوق نافورة الدم ..

كيف تحمل بقلبك كل هذا الصخب المؤلم لتنهض من رمادك فتقول " خذي ثلجك أيّتها العاصفة .. ودعي لنا شمس أحزاننا التي تمرّست بالبقاء " كما قصيدة (أشجاري تعرفك) .

- القصيدتان الأولى والثانية كانتا على إثر فاجعة الكرادة، والكرادة : حيٌّ في بغداد تعرض لتفجير انتحاري اجرامي في أهم مجمعاته التجارية في شهر يوليو عام 2016 بينما كان المدنيون الأبرياء يتبضعون أستعداداً لعيد الفطر المبارك .. راح ضحيته أكثر من (1500) شهيد وجريح من النساء والأطفال والشَّباب، ولذا وجدتني أكتب قصيدتين عن هذه الفاجعة وأنا ألوذ بالشِّعر من هول الفجيعة، وقد لقيتا أهتماما من قبل الشُّعراء العرب حتى حينما دُعيت لتونس للإحتفاء بي في بيت الشِّعر التابع لوزارة الثَّقافة وجدت من يتحدث عنهما بألم ومن بين الذين تحدثوا عنهما وأشاد بهما الشَّاعر التونسيّ (سوف عبيد) حينما كنا في جلسة شعرية حضرها أ. د . عبد الرضا عليّ وأ.د . خضير درويش والروائي الكبير عبد الرحمن مجيد الرُّبيعي، مما يؤكد أنَّ النّصوص الصَّادقة تصل إلى القلوب رغم بعد المسافات .

أما (أشجاري تعرفك) فتتناول موضوعة الوفاء، فكثيراً ما نزرع أشجارنا ونزينها بالقصائد وورود القلب لكن العيد لن يمرَّ، ولو مرَّ وأنحنى تحت مهابة أغصانها يبدي نكرانا لخضرتها ...

س13: أعتمدت الرمزية في الكثير من كتاباتك،لماذا تستدعيها. وما هي حدودها لديك؟

- الرَّمز في قصائدي يعمق لغة الكتابة ويرتقي بالمعنى من المباشرة إلى معنى أعمق والرَّمز كما يقول المبدع صلاح عبد الصَّبور" يتيح لنا أنْ نتأمل شيئاً آخر وراء النصّ، فالرَّمز قبل كلِّ شيء معنى خفي وإيحاء" والرَّمز يحيلنا إلى فهم العلاقة الداخليّة التي تربط الدّال بالمدلول، أما نازك الملائكة فوصفته في كتابها قضايا الشِّعر المعاصر بأنّه "شيء حسّي يعتبر كإشارة لشيء معنوي لا يقع تحت الحواس "

أما اعتمادي الرَّمزيّة فهو لإبعاد النَّصّ عن المباشرة المملة المستهكلة وكتابة نصّ مغاير للّسائد مليء بالمعاني والإشارات الخفية التي توسع دائرة التلقي وتحتفي بعقل القاريء وتدفعه إلى الإكتشاف والتفكير وأستدعاء مرجعياته الثقافيّة وبذلك نضيف شيئا جديدا ً للقارئ ونرتقي بثقافته من خلال أستمتاعه بالربط بين الرَّمز والمرموز أو من خلال سعيه لفك رموز النَّصّ بالعودة إلى ما يضعه النَّصّ من تحدٍ سيميائيّ أمامه عبر الرّموز الأسطوريّة أو التَّأريخيّة أو الحياتيّة أو الطبيعيّة وصولا إلى لذة الإكتشاف والدَّهشة، بعيداً عن التَّعمية والانغلاق في المعنى الذي يضع حواجز بين القارئ والنَّص ّ .

س14: كتبت عن الحلم كثيرا، فمتى يكون الحلم وعداً؟ هل هو شمعة الفرح المؤجلة؟ ام هو في حفيف أجنحة الفراشات التي توشح الافق بغدٍ أفضل؟

- الحلاج يقول "إنَّ الحلم جنين الواقع" فلا واقع مرتجى لولا الحُلم بتغييره نحو الأحسن والحُلم هو ما يمنحنا الطاقة لإيقاد شمعة الفرح لنضيء دروب الظَّلام بنورها،والحلم بالزَّهرة هو ما يمنح أجنحة الفراشات رفيفها،والحياة البشريّة تدفقها وزخمها اليومي المتفجر بكل ما هو جديد وبكل المنجزات التي تحققت، فلا حياة بلا حُلم والعمل هو ما يمنح الحُلم تَحققه .

س15: أي وهج يضيء من مجموعتك الجديدة الأشجار تحلّق عميقا؟

- إنما هو وهج الرُّوح الذي سيضيء في كلِّ قصائد المجموعة الشِّعريّة وهي السَّابعة وعبر أثنين وثلاثين نصّاً،والمجموعة دعوة بضرورة أنْ يعمّق الإنسان جذوره في الأرض ليحلّق في فضاءات العطاء الإنسانيّ، فلا تحليق بلا ترصين الرُّوح والقيم النبيلة،وبالتأكيد تناولت موضوعاتها همّ الإنسان العراقيّ وتطلعه للحياة الحرة الكريمة إنطلاقاً من حضارته والقيم السّماويّة والإنسانيّة التي آمن بها، ومواجهته للصعوبات والحروب والظروف الحياتيّة والسياسيّة القاهرة التي أثقلت كاهله .

كما تضمنت رؤيتي للأسئلة الكونيّة والفلسفيّة التي تواجهنا ومنها الحياة والموت والفراق والغربة والنّشوء.

فائق الشكر والتقدير دكتور سعد ياسين يوسف لهذا الحوار الممتع، أتمنى لك مزيدا من النجاح والتوفيق .

أجرت الحوار: الشاعرة والأعلامية حنان جميل حنا

جواد كاظم البيضانيتشكل منطقة القوقاز عقدة مواصلات مهمة في الحد الشمالي للعالم العربي، وهي واحدة من اهم المناطق ذات التأثير المباشر في ميزان القوى، والمحرك الفاعل للصراعات  المستحكمة بمنطقة الشرق الأوسط، فهي السكين  المؤقت لاي انفجار ربما يحدث، او نزاع ينشب بين طرفي النقيض، لان أيدلوجية الحرب بمفاهيمها التقليدية توصلنا الى قناعة بحتمية التصادم بين بلدان هذه العقدة، ولعلنا نفاجئ اذا ما علمنا ان اقليم متناهي في الصغر يشكل تهديد كبير في وقوع مثل هذا التصادم الذي وصفه البعض بالحتمي.  انها (قرباغ) او ما تسمىناغور نيقرباغ وسكانها يسموها (ارتساخ) وهذا الاقليم له وقع مؤثر في القراءة الاستراتيجي لثلاث دول مهمة في المنطقة هي ايران وتركيا وروسيا، فضلاً عن المحيط العربي القريب جداً، وهي قريبة من بؤرة نزاع مستحم في المنطقة بين تركيا وروسيا ودول اوربا طرف فيه، فضلاً عن الإستراتيجية الغربية التي تعتمد القضم والتطويق للضغط على روسا وايران وتحجيم إستراتجية الصين في بعدها الاقتصادي .

وللوقوف عن حجم هذا التهديد كان لنا لقاء موسع مع وزير خارجية قره باغ الجبلية الأستاذ الدكتور دافيد بابايان الذي يحلوا لبعض وكالات الانباء ان تسميه بـ(اقليم قرباغ المتناع عليه).

وقبل الحوار مع الدكتور دافيد بابايان لا بد ان نُعرف بموقع جمهورية قرباغ، فهي منطقة جبلية وعرة تقع وفق المعاهدات الدولية في الخاصرة اليسرى على الطرف الجنوبي الغربي من دولة اذربيجان، عاصمة هذه الجمهورية مدينة استيبانا كيرت، وربما سميت بهذا الاسم نسبتاً إلى الزعيم الأرميني ستيبانشو ماهان، يعتمد نشاط هذه الجمهورية غير المعترف بها دولياً على الزراعة وتربية المواشي وبعض الصناعات التقليدية. وهي منطقة شهدت نزاعات بين القوى الاقليمية الثلاث في المنطقة، وكان سؤالنا الاول للدكتور بابايان عن: السبل التي مكنت هذه الجمهورية المحاصرة من اذربيجان بان تحافظ على كيانها رغم عدم التوافق الكبير بين ارمينيا واذربيجان؟

قال السيد بابايان بعد الترحيب والشكر: "الحقيقة ان اذربيجان لم تقاتل بمفردها، بل كانت هناك غرفة عمليات تركية اذرية واشتركت معها دول اخرى، وعليك ان تتصور الفرق الكبير ان تقاتل بدولة سكانها بكل شرائحهم لا يتخطون (150) الف وبين دولتين يتجاوز نفوسهما (100) مليون تملك التقنيات العسكرية المتطورة والاسلحة الفتاكة . نعم قاتلت اذربيجان والارهابيين المجندين من دول متعددة الذين تطوعوا للقتال الى جانب اذربيجان مقابل المال، وهذا يوضح لنا حجم التفاوت العددي الكبير. لقد خسرنا الكثير وهذا امر وارد في الحرب لكننا حافظنا على استقلالنا وهذا الامر المهم.

وهنا تبادر الى ذهني سؤال: " في ضوء هذا التهديد الذي وصفتموه ما هو الضامن لاستقلالكم ؟

يجيب الدكتور بابايان: "إن نهاية الحرب بين اذربيجان وارتساخ كانت فيها بصمة روسية. فعلاقتنا مع روسيا علاقة وثيقة، وودية ونحن اخوة، وروسيا هي الضامن، ونحن نقدر تقديراً كبيراً الدور المميز الذي تضطلع به في فرض حالة الاستقرار في المنطقة ومعالجة اي تدهور فيها، ولكم ان تعلموا ان علاقاتنا مع الاشقاء في روسيا هي علاقات تاريخية متينة، وقوات حفظ سلام روسيا ساهمت في اعادة اعمار ما خلفته الحرب، فضلاً عن تعزيز الأمن والاستقرار في جمهوريتنا.

وعن علاقات جمهورية ارتساخ مع دول العالم، والدول التي اعترفت بجمهورية ارتساخ، قال؟

لدينا علاقات واسعة مع بعض الدول، وهناك تمثيل دبلوماسي لنا مع بعضها، فمثلاً هناك اعتراف متبادل مع جمهورية جمهوريةابخازيا وجمهورية بريدنيستروفيا وجمهورية أوسيتيا الجنوبية وهي جمهوريات مستقلة،  وأيضا تم الاعتراف بجمهوريتنا من مجالس بعض الولايات الامريكية وفي اوسترالية وبعض المدن والبلديات الاميركية وفي أوربا ايضاًأوروبية.والحق ان للجالية الارمنية في الشتات دوراً في ذلك. فدعمهم لأشقائهم لا ينقطع لأنهم يدركون جيداً حجم التهديم الذي يتعرض له شعبنا.

وعن العلاقات مع العالم العربي قال الدكتور دافيد بابايان؟

من غير ادنا شك ان الوطن العربي يمثل لنا أهمية كبيرة، ويعود تاريخنا مع العرب الى قرون خلت، وهناك نشاط اقتصادي، وتاريخي وبنيوي تربطنا مع العرب، لقد ابطل شعبنا اكبر تحدي على المسلمين وهو ثورة بابك الخرمي على العباسيين في فترة ٨٢٦ - ٨٣٧. وكما هو معلوم فان انتصار هذه الثورة لو حصل لكان له اثر خطير ومدمر في مسيرة الحضارة الإسلامية التي شعت في هذه المرحلة. وهناك تلاقع فكري ومعرفي مع المسلمين، فالإسلام هو دين عظيم انتج حضارة عظيمة، نحن نكن لها الاحترام والتقدير.

ويتابع بابايان القول أن للعرب موقف مشرف في التاريخ الحديث عندما وقفوا إلى جانب شعبنا بفعل الإبادة التي ارتكبت بحق الأرمن، فكانت بلادهم مواطن لشعبنا الجريح، وعاش الأرمن في كثير من البلدان العربية كمواطنين كانت لهم انجازاتهم في حقول معرفية وعلمية وصناعية .

في الختام قال الدكتور دافد بابايان: " نحن من خلالكم نريد ان يطلع الشعب العربي على حجم التهديد الذي يتعرض له شعبنا، وشعوب الإقليم من تركيا التي تشكل تهديد حقيقي للعراق ومصر وسوريا وليبيا ودول الخليج العربي، لأنها حالة عدم استقرار بسبب اطماعها التي اعلن عنها المسؤولين الاتراك في اكثر من مناسبة. متمني ان تعيش المنطقة بأمن وسلام بعيداً عن التهديدات التي تفرضها الدول القوية على الدول الأقل منها قوة.

2758 لقاء البيضاني

 

اجرى اللقاء الدكتور جواد كاظم البيضاني

 

 

2756 الزمن والحزنحاوره: غرانت بارتلي

تقديم وترجمة: حاتم حميد محسن


نبذة موجزة

وُلد ريموند تاليس عام 1946 وهو فيلسوف بريطاني وفيزيائي طبي عمل في جامعتي اكسفورد ومانشستر. كتابه الحالي عن فلسفة الزمن.غموض الزمن يبدو عصيا على الفهم عندما يتم تجريده من الأوصاف والاستعارات الشائعة. المؤلف يرتقى الى مستوى التحدي ويستطلع طبيعة ومعنى الزمن وأفضل طريقة لفهمه. كتاب الزمن والحزن شكّل ذروة 20 سنة من التفكير والكتابة والتساؤل حول الزمن، انه عمل جريء وأصلي ومثير للتفكير . تاليس يسعى بلا خوف الى استعادة الزمن من فكّي الفيزياء. بالنسبة لمعظم الناس، الزمن مركب من الصباح، الظهر، المساء ويُعبّر عنه بالاستعجال، الأمل، الشوق، الانتظار، التحمل، التخطيط والتوقعات المرحة والمؤسفة. التفكير في الزمن يعني التأمل في فنائنا. لكن الفيزياء تقول القليل او لا تقول شيئا عن الزمن كما يُعاش. القصة التي تحكيها الساعات او نظرية الكوانتم بحاجة الى دعم من طحالب الصخور، ودموع العينين والقصص الطويلة لرحلتنا الانسانية. حياتنا القصيرة تستحق انتباه اكبر مما تقدمه معادلات الفيزياء الرياضية. كل من أصابته الحيرة حول الزمن وطبيعته يتسائل ما اذا كان الزمن غير منفصل عن التغيير، او ان كان نقطة ام مستمر، او ما اذا كان هو ذاته حقيقي. الكاتب يضع وعي الانسان في قلب الزمن ويبيّن اننا "اكثر من مجرد جسم صغير في ساعة كونية، مجبرين على التعاون مع التقدم الذي يدفعنا نحو منتصف الليل".

في المقابلة التي نشرتها مجلة الفلسفة الآن لشهر حزيران/ تموز 2017 يبدأ المحاور غرانت بارتلي في مقابلته مع المؤلف بالقول:

 رائع ان أرى البروفيسور تاليس للحديث عن عمله الجديد والعظيم حول الزمن والحزن. ما الدوافع التي دفعتك لكتابة هذا الكتاب؟

- حسنا، انه جزء من مشروع كبير. كإنساني علماني، انا أشعر نجحت في تحرير نفسي من التفكير الما فوق طبيعي للانسانية، لكن البديل للعديد من الناس هو التفكير الطبيعي – فكرة اننا فقط "أجزاء من الطبيعة". أحد مظاهر هذا هو فكرة ان العلوم الطبيعية هي بالنهاية ستعطينا وصفا تاما، ليس فقط لبقية الكون، وانما لأنفسنا ونحن نعيش فيه. هذه العلموية كانت احدى أهدافي لعدة سنوات، وهي احدى الدوافع لكتابة هذا الكتاب حول الزمن. هناك دوافع اخرى. لكن الاختزالية العلمية للزمن الى "زمن صغير"(ت) هي مثال جيد عن المكان الذي ستأخذنا اليه العلموية، والذي سيكون مكانا كئيب.

بـالرمز (ت) انت تعني تمثيل الزمن كقيمة بدلا من شيء واقعي؟

- انا أعني ككمية خالصة من متغير، كمجرد بُعد، أحد الأبعاد الأربعة، الأبعاد الثلاثة الاخرى هي المكان (عرض وارتفاع وعمق) – كنتيجة لفكرتنا عن الزمن والتي هي فكرة فقيرة بشكل خطير. الوصف العلمي للزمن مفيد بالطبع. انه مكّننا من التنبؤ بالأحداث الفيزيائية والسيطرة عليها بطريقة لم تكن متاحة قبل العصر العلمي. الخطر هو ان هذا النجاح يقودنا للاعتقاد ان فيزياء الزمن، او الزمن كما يُرى في الفيزياء، هو آخر كلمة في الموضوع – ان فيزياء الزمن هي ميتافيزيقيته ايضا.

تأمّل في الأشياء التي تستطيع عملها في الزمن (ت). انت تستطيع ضربه بذاته. تستطيع وضعه تحت عامل متغير آخر كمقام، كما في حالة قياس السرعة. انت تستطيع استخدامه في سرعة الضوء لقياس المسافات النجمية وهكذا. الآن هذه انواع الاشياء انت تستطيع عملها في الزمن عندما يتم تجريده من كل ما ارتبطنا به اثناء حياتنا . لكن فكّر في محاولة وضع إجازة نهاية الاسبوع كمقام، او ضرب ظهيرة يوم سعيد في ذاتها. انه غير ممكن ، وسيجعلك تدرك ما تجرّد من الزمن عندما اختُزل اليه.

معنى ذلك ان التصور العلمي للزمن ككمية لايرتبط بتجربة الانسان له؟

- نعم ، وفي عدة طرق نحن عادة نعتقد ان ساعة الزمن هي الكلمة الاخيرة – بمعنى لو تخاصمت مع الساعة حول مقدار الوقت الذي مر، عندئذ فان الساعة بالنهاية يجب ان تكون صحيحة. ولكن بالطبع، الساعة تقيس فقط الكمية بينما الزمن اكثر غنى وتعقيدا من ذلك. لذا فان الكتاب يعالج اولا اختزال الزمن الى بُعد شبه مكاني، كما في نظرية النسبية، التي تتضح في الأبعاد الاربعة للفضاء. بالنهاية هذه الهندسة للزمن تختزله الى هندسة فضاء – وبالتالي يضيع الكثير. في الكتاب، انا افحص كيف يبدو الوقت مختزلا الى (ت) فقط عندما نزيل المراقب، عندما ننسى ان قياس الوقت يجب ان يتم بواسطة شخص ما. لذا حتى في عباراتها الخاصة، فيزياء الزمن تعطي وصفا غير تام لعملياتها. انا اريد ان أضع تجربة الانسان للزمن في مركز "الزمن". ذلك يبدو صعب جدا، لأنك حينما تقول ان وجود الزمن يعتمد على الانسانية، عندئذ انت ترفض الكثير مما نعرف عن العلم، خاصة ان هناك سلسلة زمنية من الأحداث قبل ان يكون هناك اي وعي، الوعي الانساني لا يهم. الانفجار العظيم جاء قبل ظهور الكواكب، والارض جاءت قبل ان تكون هناك حياة، والحياة جاءت قبل ان تكون هناك حياة واعية. لذا من الواضح ان الزمن كان قبل الوعي الانساني. انا لا أعني ان الزمان الفيزيائي هو باطني للوعي الانساني لأن ذلك سيضعني في موقف صعب بشأن ما نعرف عن تاريخ الكون.

كيف ترتبط الصورة الرياضية الفيزيائية بالواقع نفسه؟

- ذلك سؤال مثير للاهتمام يجب ان أعالجه، لأنني عندما أقول ان (ت) ليست حقا جوهر الزمن، انا ادّعي ان الاتجاه الكمي للعالم، رغم انه فعال بشكل استثنائي، لكنه لايستوعب تماما الواقع. في الكتاب انا أستكشف ثلاث رؤى عن السبب الذي جعل الرياضيات ناجحة جدا في الفيزياء، ولماذا الفيزياء كانت علما مؤثرا. الاول هو ان الرياضيات فقط اداة مفيدة جدا للتعامل مع مظهر معين من الواقع، أعني كمياته. الثاني هو ادّعاء اكثر جرأة في ان الرياضيات اساسا ليست وصفا جزئيا للعالم، وانما هي وصف تام له، وصف اكثر اخلاصا. واخيرا، هناك قوة صناعية فيثاغورية تقول ان العالم بالاساس يتألف من أشياء رياضية. بالنهاية أعتقد انا مع غالبية الفيزيائيين في رؤية الرياضيات فقط كأداة مؤثرة جدا، تعطي أجوبة كمية لأسئلة كمية. العالم ، لا يتألف فقط من أجوبة كمية لأسئلة كمية. الرياضيات فعالة جدا لأنها تختزل الأماكن لأماكن عشرية، لكن الأماكن ليست أماكن عشرية، انها اكثر من ذلك. اولئك الذين يعتقدون ان العالم يتألف من أشياء رياضية يرتكبون خطأ شهير في الخلط بين الخارطة و التضاريس.

لماذا يصر العلماء جدا على التمسك بالزمن ككمية خالصة؟

- انه جزء من مشروع كلي للعلم الفيزيائي من غاليلو فصاعداً، في ان يأخذ الكميات كحقيقة، كما كانت، ويرفض النوعيات باعتبارها أشياء فقط للذهن وليست واقعية كليا. ارجو ان لا تسيء فهمي، انا اعتقد ان الفيزياء أعظم انجاز فكري للانسانية، وانها حققت العديد من المنافع التطبيقية لنا من حيث توقعات الحياة، توقعات الصحة وما شابه. لكنها لم تعط وصفا تقريبيا للعالم المادي، وحتى أقل من عالم الانسان، العالم الذي يعيش به الفيزيائيون ويؤدون فيه أعمالهم الفيزيائية. ذلك يوضح لماذا الجزء الثاني من الكتاب خُصص كليا للزمن المعاش. انا أنظر في ثلاثة أزمان، الماضي ، الحاضر والمستقبل، وايضا نظرة على الأبدية ، لأني أعتقد ذلك مهم جدا. انا انظر الى الازمان بالتعاقب، بعد الدفاع عن الزمن الظرفي tensed time(الماضي والحاضر والمستقبل) مقابل الادّعاء العلمي بان الأزمان هي وهم، وضد بعض الفلاسفة الذين يعتقدون ان الزمن الظرفي هو فقط نتيجة ثانوية عرضية للعلاقة بين اللغة والعالم. هم يعتقدون انه عندما نتحدث عن الماضي فنحن في الواقع نتحدث عن حدث سبق القول في ما ندّعي. فمثلا، عندما أقول ان شيئا ما حدث في الاسبوع الماضي، فان ما أقوله حقا هو ان حدثا وقع قبل اسبوع من اللحظة التي اتحدث بها حاليا. انا لا أعتقد بصحة الاختزالية وذلك للعديد من الاسباب التي أطرحها. لذا انا ادافع عن الزمن الظرفي ضد الفلاسفة، وضد الفيزيائيين، ومن ثم أفحص الأزمان بالتعاقب. انا ابدأ بما يبدو لأول وهلة اسهل الأزمان وهو الحاضر.

هل هناك حاضر، واذا كان هناك حاضر، فهل هو خادع؟

- بالنسبة لي الفكرة الأكثر خداعا هي فكرة اللحظة اللامحدودة durationless instant او ذرة الزمن. انا اعتقد ان وليم جيمس هو الذي أشار بأن لا أحد تلقائيا يعتقد ان الزمن صُنع من لحظات بلا حدود. اللحظة، كما يقول A.N، هي بناء خالص.

اذا انت تنظر للحاضر بـ "الان"، سيكون محير جدا. منذ الأزمان الكلاسيكية، قال الناس ان الحاضر هو الخط بين ما لم يحدث بعد وذلك الذي حدث سلفا، والخط ، كما معروف، ليس له عرض. واذا انت تنظر للزمن كما رآه الفيزيائيون، فهو مركب من نقاط غير متسعة. لكن الحاضر لم يُصنع من لحظات لا محدودة. اي لحظة من الوعي هي سلفا تصل الى المستقبل وتستفيد من الماضي. هذا شيء طُوّر كثيرا من جانب الفينومينولوجيون مثل هسرل، لكني اطوّر هذه الفكرة لمدى أكبر.

هل تستطيع ان تخبرني ماذا تعني بـ "تصل الى المستقبل وتستفيد من الماضي"؟

- عندما انظر نحوك الآن انا اميّز وجهك. وجهك يجعل معنى لي بسبب تجرتي الماضية وبسبب الغرض الذي جئنا لنلتقي من أجله، والذي يجعل معنى لما يحدث. وضوح الحاضر يستفيد من الماضي. ولكن بالاضافة الى ذلك، وضوح الحاضر يبرز من كونه يحمل ما سيحدث لاحقا. كوني هنا يعطيني إحساس بما سيحدث بالدقائق القادمة وما ورائها. وضوح الحاضر لا يستفيد فقط من الماضي وانما ايضا من استمرارية الحاضر، وما سيحدث لاحقا، وفي الحقيقة، لما متوقع لي.

كيف يرتبط الماضي والمستقبل بالحاضر؟

- هذا أحد أهم الأسئلة: ما مكانة الغد، اليوم؟ ماذا لو كان الغد هو هنا سلفا؟ هناك أشياء معينة هي بالتأكيد موجودة هنا سلفا. فمثلا، هناك عمليات مستمرة، ستبقى مستمرة في خمس دقائق من الوقت. هناك مكان نجلس فيه، والذي سيكون آثاث الغد بالاضافة الى اليوم. ما لا يوجد سلفا هو مستقبل الأحداث. كتاب الزمن والحزن يناقش "القدرية المنطقية". هذا يُشتق من جدال مثير عرضه ارسطو يذهب كالتالي: اما انه صحيح ستكون هناك معركة بحرية غدا، او انه صحيح سوف لن تكون هناك معركة بحرية غدا. اذا كان احد هذين الادّعائين صحيح، فيجب ان يكون صحيح سلفا-  وفي أي حالة، المستقبل هو ثابت سلفا. السؤال هو هل نحن خُدعنا منطقيا؟ بكلمة اخرى، هل المستقبل تقرر سلفا؟

الطريقة التي يتعامل بها المرء مع هذا هي ان ينظر نقديا للادّعاءات التي تُطرح في الجدال. الحقيقة هي، عندما تتحدث انت عن معركة بحرية في المستقبل، انت لا تتحدث عن أي حدث حقيقي، انت تتحدث عن صنف من أحداث محتملة، وتلك الأحداث لايمكن ان تكون جميعها ممكنة، لأن معركة بحرية واحدة ربما تتضمن ان يموت فيها البحار جون ومعركة اخرى لا يموت فيها البحار جون . لذا من الواضح، ان المشار اليه في اقتراحات الجدال لايمكن ان يكون حدث واقعي. لكن المستقبل لايزال يمتلك حقيقة بالنسبة للاشياء الثابتة الحاضرة، والعمليات المستمرة.

لكي نرجع للحاضر، تماما كما يبدو احيانا يتقلص الحاضر بالماضي والمستقبل، الخطر المقابل هو ان الحاضر يبتلع الأزمان الاخرى. هناك حركة فلسفية قوية تسمى "الحضورية" presentism، والتي هي الفكرة بانه فقط منْ يوجد في الحاضر هو واقعي، ولذلك هناك فقط زمن واحد، زمن الحاضر. ولكن اذا كانت الحقيقة فقط هي الحاضر، عندئذ كيف يمكن ان تكون هناك أشياء صحيحة، او زائفة عن الماضي؟ كيف استطيع القول ان سقراط اكان اثنيا، وأقول زيفا ان سقراط كان انجليزيا؟ اذا كان الماضي لا يمتلك حقيقة، فلن تكون هناك حقائق حوله، لأن "الحقيقة تحدث لاحقا على الوجود". لهذا فان الماضي له حقيقته الخاصة به، وانها حقيقة معقدة جدا. هناك ماضي من التذكّر المباشر، ومن ثم ماضي من شبكة كلية من الحقائق التي نحن، كعرق انساني نعتني بها جماعيا – ماضي التاريخ.

هل الزمن الظرفي يتطلب بالضرورة مراقب انساني، او مراقب واعي على الأقل؟

- نعم، بالتأكيد، لكن ذلك لا يعني هو نوع من الدرجة الثانية للوجود. انه لا يجعله درجة ثانية اكثر من الألوان، مثلا، والتي تعتمد ايضا على المراقب.

هل هناك معنى للسؤال عن "الزمن ذاته" كمضاد للإحساس بالزمن؟

اظن ان هذا أصعب سؤال والأكثر اثارة للاهتمام. انا فعلا استكشفه بشكل مطول، وبالنهاية، انا لم أصل الى حل. لكن دعني القي الضوء على بعض الافكار. يبدو لي ان افكار "المبكر" و "اللاحق" يجب ان تفترض مسبقا الوعي. الرعد ليس واعيا في كونه أبطأ من البرق. انه لا يربط نفسه بالبرق. الرعد يحدث عندما يحدث، والبرق يحدث عندما يحدث، لا وجود هناك "للمبكر" او "اللاحق". لا وجود هناك للتعاقب عدى عندما يُلاحظ ذلك التعاقب من قبل الفرد الذي يربط بين الحدثين. اذا كان المبكر او اللاحق خاصية مكوّنة وباطنية للأحداث، عندئذ سيصبح العالم فوضى حقيقية، لأن كل حدث سيكون أبكر من ملايين الأحداث وأبطأ من ملايين الأحداث الاخرى. لذا، حتى الزمن المبكر والزمن اللاحق والتي تُسمى من قبل جون تاغرت John Mc Taggart بـ (B-  series time) تبدو حقا تتطلب وعيا لتجلب حدثين مع بعضهما، وتحددهما في علاقة زمنية. انه أسهل بكثير التعامل مع الزمن الظرفي: من الواضح تماما ان الماضي والحاضر والمستقبل يبدو فعلا يتطلبون وعيا انسانيا. كوننا قلنا ذلك، نحن نعرف ان هناك سلسلة موضوعية من الاحداث التي تحدث قبل الوعي، كما ناقشنا. لذا، لدينا مشكلة الزمن الانساني الذي يتم احتوائه في زمن فيزيائي، والزمن الفيزيائي يتم انتزاعه من الكون بواسطة وعي الانسان. هذا هو الموقف الذي يشير له كن (quine) بـ "الاحتواء المتبادل".

في كون غير مُراقب، هل يمكن ان يبقى هناك ترتيب للأحداث، ولكن ليس كترتيب زمني كما نفهمه؟ انت تستطيع القول ان الأحداث هي مرتّبة في زمكان في تعاقب معين، ولكنها فقط عندما تضع الكائن الانساني في ذلك ستحصل على ما نسميه زمن؟ . يبدو انك اذا تحاول ازالة المراقب الانساني ، وانت تحاول الافتراض ما اسماه ناجل "رؤية من لا مكان" – رؤية مستحيلة، لأنها ستكون رؤية بدون مكان للمراقبة – انت سوف تمتلك المجموع الكلي لاستمرارية الزمكان.

لكن المرء لا يعرف ما هي استمرارية الزمكان في غياب المراقب. بعض الفلاسفة قالوا ان كل شيء يتعايش في استمرارية الزمكان، والذي هو بلا معنى، لأن ذلك يعني ان فتح الباب وغلق الباب يحدثان في نفس الوقت، او ربما لايحدثان في أي وقت محدد، او كما يقترح Herman WeyI لايحدثان ابدا.

ماذا عن تجربة الأبدية؟ هل هذه الفكرة متماسكة؟

- فكرة الأبدية كلها فكرة صعبة. كل من الافكار الدينية وغير الدينية للأبدية فيهما الكثير من المشاكل. اولا، ماهي الأبدية؟ هل هي استمرارية أبدية – وقت لا متناهي – ام هي لازمنية؟ هذا الغموض يصبح ضاغطا خصيصا عندما نفكر حول الناس الذين يدخلون الأبدية، اما في لحظة معينة، او في نهاية حياتهم – لأنك عليك ان "تدخل" الأبدية، والتي ربما بلا زمن، في وقت معين، و هو بالتأكيد مغالطة. وبالمناسبة، الحياة في الأبدية هي عمل كئيب جدا لأنه لكي تستمر الأشياء الى الأبد هي يجب ان لا تتغير، واذا لم يكن هناك تغيير، لا شيء مثل التمثيل الغذائي يمكن ان يحدث، ولا شيء مثل الشعور بالحاجات يمكن ان يحدث. انا لا اعتقد ان الذين لا يؤمنون بالأبدية يخسرون الكثير.

ألا تعتقد ان هناك معنى بوجود بُعد أعلى للزمن يمكن ان ترى منه تدفق الزمن؟

- هذا يستدعي السؤال: "اذا كان الزمن يتدفق، فما سرعة تدفقه وما الذي يتدفق فيه؟" والجواب هو " حسنا، انه يتدفق في ثانية لكل ثانية، انه يجب ان يتدفق في ترتيب زمن للثانية". وهو امر غير مقنع ابدا. انت لا تستطيع امتلاك قياس له نفس البُعد على المقام والبسط (t/t) لأنهما سيلغيان بعضهما. أحدُ ربما يقول، "اذاً كان الزمن لا يتدفق: ذلك يجب ان يعني انه ثابت، وفي الحقيقة، الكون ثابت". الجواب كلا: فقط لأن شيء ما لا يتدفق لا يعني القول انه ثابت. لذا انت ربما تسأل، لماذا نجد فكرة الزمن كتدفق لا تُقاوم؟ ذلك بسبب اننا نُدخل في الزمن ذاته دينامية الأحداث، بما في ذلك الأحداث التي بواسطتها نقيس الزمن. لذا نحن نشاهد ساعة اليد تتحرك، ونعتقد ان الوقت يتدفق.

اذا كان "التدفق" استعارة غير جيدة، ما هي الطريقة الجيدة للتعبير عن التغيير او الحركة من خلال الزمن؟

- انا استطيع ان اعطيك العديد من الاستعارات السيئة: فكرة الزمن ككتلة نامية (growing block)(1)، او الزمن كبقعة ضوء متحركة، وهكذا، ولكن جميع هذه لا تصلح كأسباب أعتمد اليها في هذا الكتاب. انا اعتقد علينا ان نعمل بدون استعارات. اساسا، نحن نهمل الاستعارات، و سنرى ما يبقي معنا. ثم نبدأ بالبحث عن بعض التعريفات للزمن الضئيلة والشديدة التضييق،  وفي الحقيقة، نحن نفشل مرة اخرى. انظر في بعض التعريفات التي عُرضت: الزمن هو تصورنا لسلسلة الأحداث، الزمن هو اتجاه السببية، او الزمن هو ذلك الذي يجيز التغيير دون تناقض بحيث استطيع القول انك في لندن وانت في ادنبرة، وذلك ليس تناقضا لأنك في لندن مرة وفي ادنبرة مرة اخرى. لكن اذا انت تنظر لكل تلك التعريفات، كلها تنتهي بكونها دائرية. فمثلا، الذي يقول ان الزمن هو الذي يجيز التغيير لأن العالم لايمكن ان يمتلك وضعين في وقت واحد، انت اعترفت بـ "وقت واحد"، كفكرة زمنية. فكرة ان الزمن هو تصورنا لتعاقب الاحداث هو اكثر دائرية: "السلسلة" هي "سلسلة زمنية". لا وجود هناك لتعريف غير دائري للزمن . هذا لا يقلقني بسبب حقيقة ان شيء ما واقعي وفريد من نوعه يعني لايمكن اختزاله الى أي شيء آخر.

ربما نحن نستطيع القول اننا نعرف ماهي حركة الزمن لأننا نمارسها؟ انا غير متأكد جدا اننا فعلا نمارس حركة الزمن. نحن نلاحظ احداثا ديناميكية، ونحن ايضا نلاحظ مجموعة فرعية معينة من الأحداث تكون فيها الحركات مرتبطة بقياس الزمن – في الساعة. لكن انا لا اعتقد نحن لدينا تجربة مباشرة بحركة الزمن بنفس الطريقة التي نمتلك فيها تجربة مباشرة بالحركة في المكان. بدلا من ذلك، نحن نرى ان اشياء معينة تحدث في وقت معين، وان اشياء معينة تأخذ وقتا معينا، وان شيء ما حدث قبل شيء آخر، وان شيئا كان في الماضي وان شيئا آخر كان في المستقبل. لكن لاشيء هناك غير زمني .

هل الزمن مرتبط بشكل وثيق بالتغيير؟

- هناك الكثير من التجارب الفكرية تتصور عالما تتوقف فيه كل أشكال التغيير، بما فيه بعض التغييرات الماكرة، وهي تستلزم تصورا فيه تستطيع النظر الى ما يحدث في ذلك العالم. اذا توقفت كل الاشياء عالميا في وقت واحد، عندئذ لا أحد يستطيع عمل ملاحظات ، لذا يقترح (سدني شومنكر) اننا يجب ان نتصور موقفا فيه ثلث العالم يتوقف دوريا، ومن ثم ثلث آخر يتوقف دوريا، و ثلث الثلث من العالم يتوقف دوريا، لكن كل من تلك العوالم له تجميد مختلف دوريا، مثلا كأن يكون مرة في 60 سنة كل العالم يتجمد. السؤال هو هل هناك اذاً تغيير في الزمن؟ هناك اسباب تدعو للإعتقاد بالنفي. اولا، سوف لن تكون هناك قياسات للزمن المتغير. ثانيا، سوف لن تكون هناك طريقة لتقرير الفترة التي يتجمد بها الزمن: سوف لن يكون هناك فرق بين الفوري والأبدي. لذا سيبدو الزمن بمعنى ما غير منفصل عن التغيير – مع قبول حقيقة ان الزمن هو بنفس المقدار حاضر في الاشياء التي هي ثابتة.

كيف ترتبط حرية الانسان بالزمن؟

- أعتقد ان الزمن الظرفي هو مركزي جدا لحرية الانسان. المخلوقات التي تعيش وتمارس الزمن الظرفي – خاصة الكائن البشري-  ليست متطابقة مع اللحظة الفيزيائية التي هو فيها. لذا، عندما أجلس هنا الآن، فان وضوح التجربة التي أمتلكها تعني انا متجذر لمدى معين في ماضيي، وسوف أصل نحو المستقبل. ان عدم التطابق مع لحظة معينة في العالم الفيزيائي هو البذرة وأصل حريتنا.

بالنسبة لي هذا يرتبط بما ذكره سارتر عن وجود الكائن البشري "لأجل ذاته" وليس "في ذاته"، يعني ان الوعي هو نوع من التحرر من الواقع المادي.

هناك ارتباط أكيد. لكن رؤيته كانت عامة جدا، انا أنظر الى الحرية بخصوصية أكبر، وفي الحقيقة انا أنظر الى أفعال حقيقية وقوة حقيقية. اولا، ان أي فعل واقعي يجب ان يكون ذو معنى للفرد، وثانيا، الفعل سوف لن يحدث لو لم يعمل معنى للفرد. اساسا، عندما أتصرف، انا أقوم بتجميع عدد كبير من الأحداث الفيزيائية التي ما كانت لتحدث لولا الشعور من الماضي بما أريد عمله، وشعور بالمستقبل الآتي الذي أريد تحقيقه. هذا هو "ليس وجودا متطابقا مع اللحظة".

 كيف تأثر تفكيرك حول الزمن بأفكار آخرين مثل عمانوئيل كانط، جون تاغارت، وايتهد او دي اتش ميلور؟

- انا وجدت ان افتراض كانط بان الزمن هو أحد "أشكال البداهة المعقولة" لا يصمد امام حقيقة اننا نعرف ان هناك تعاقب زمني حقيقي قبل وعي الانسان. عندما نأتي الى تاغارت ، انا لا اوافق على رفضه للزمن الظرفي وكذلك استعماله لذلك الرفض لإنكار حقيقة الزمن. دي اتش ميلور كان احد المحاورين المفضلين لدي، لأنه يكتب بأناقة عالية و باقتضاب. نحن لم نتفق على الزمن الظرفي، وانا ايضا لا اوافق على فكرته بان الزمن هو بُعد سببي للزمكان.

اخيرا قبل ان اسأل عن ما هو الزمن، هل لي ان اسأل عن اللا زمن؟

- كوننا أهملنا جميع الاستعارات واحتفظنا بالزمن المعاش، دعنا ننظر في بعض التعاريف. أحد هذه التعاريف هو، الزمن هو تصورنا لسلسلة من الأحداث، لكن هنا تكمن مشكلة، كما ناقشنا. ثانيا، الزمن هو شيء ما يسمح بالتغيير. هنا الزمن هو مرن خالص لأسباب منطقية: انه يسمح لشيء ما ليكون في كلتا الحالتين مستدير ومربع من خلال كونه مستدير في زمن ومربع في زمن آخر. لكن هذا التعريف يفترض ان لدينا فكرة عن الزمن بُنيت سلفا: اساسا تقول الفكرة ان الشيء (س) يمكن ان يكون احمر في وقت وازرق في وقت آخر. لذا نحن سلفا استعملنا الزمن في تعريفنا. ايضا، فكرة "الزمن المرن" قريبة وبشكل خطير لفكرة ان الزمن ذاته هو سبب. اذا كان الزمن له فعالية سببية عندئذ كل حدث سيكون له سببان: واحد سيكون سببه الخاص به، والآخر سيكون زمن. وبذلك يحصل تقرير مفرط للأسباب. تعريف آخر هو كما يقول ريتشارد فايمان ان الزمن هو ما يحدث عندما لاشيء آخر يحدث. هذا غير مفيد، لأنه بالأساس يفترض اننا نمتلك زمنا في غياب التغيير والأحداث. وهناك عدد آخر كبير من التعريفات للزمن. فشل تلك التعريفات يجعل اتجاه فيتجنشتاين لتعريف الزمن مقنعا. مع ذلك، انا اصر على فكرة ان الزمن كلمة تشير الى عدد من المفاهيم لها تشابه عائلي لكنها لا تضيف "بذاتها" الى أي شيء. اتجاه فيتجنشتاين اكثر اقناعا عندما نطبقه على اشياء مثل الألعاب. سؤاله كان ما هو المشترك بين ألعاب الاولمبك ولعبة اللودو الذي يجعل كلاهما ألعاب؟ جوابه كان ، ليس كثيرا، لذا نحن حمقى للاعتقاد ان هناك شيء مشترك بين كل الألعاب يجعلها ألعابا، حتى عندما تمتلك حقا تشابه عائلي بين واحد و آخر. ولكن انا اعتقد هناك شيء مطابق للزمن. انه بناء من الظلال التي تلقيها الكلمات . ولكن ليس فيه تلك الاشياء التي ناقشتها توا. في نظرتي الطويلة للزمن انا احاول ان أضع مجتمعة كل الاشياء المختلفة التي ربما نقولها حول الزمن، جميع الطرق في الاقتراب منه، وأرسم صورة منصفة لتعقيديته. انا أستنتج ان الزمن واقعي وغير مختزل لأشياء اخرى. انا أتفق مع (لي سمولن) الذي قال اذا كان هناك شيء اساسي جدا في الكون، فهو الزمن.

الزمن لا يُختزل الى اي شيء آخر، ولذلك لايمكن حصره في تعريف. له عدة مظاهر ولا يمكن ترجمته الى مجرد بُعد كالطول. حتى اولئك الذين ينكرون اهمية حقيقته المعاشة يجب ان يقبلوا انه لن يكون شيئا بسيطا ابدا ولا هو مجرد شيء واحد. معظم المتحمسين من الاختزاليين يجب ان يقبلوا بالفرق بين ترتيب زمني، ومدة زمنية، وموقع زمني. هذا يتضح عندما ننظر الى أحداث واقعية. معركة اجينكور حدثت بعد معركة هاستنك، اجينكور استمرت يوما واحدا، وحدثت عام 1415. التعقيدية تتجاوز الزمن القليل(ت).

 

حاتم حميد محسن

...................

* (الزمن والحزن: تفكير في المؤقت) للبروفيسورالبريطاني ريموند تاليس، صدر عن دار اجندا في شهر مايو 2017 في 672 صفحة.

الهوامش

(1) طبقا لنظرية الكتلة المتزايدة، يوجد كل من الماضي والحاضر بينما المستقبل غير موجود. الحاضر خاصية موضوعية يمكن مقارنتها بضوء متحرك. بمرور الزمن المزيد من العالم يأتي الى الوجود، ولذلك، تتضخم كتلة الكون. نمو الكون يُفترض ان يحدث في الحاضر، في جزء صغير جدا من الزمكان، حيث المزيد من الزمكان يأتي دائما الى الوجود. رؤية الكتلة المتزايدة هي بديل لكل من الأبدية (القائلة ان الماضي والحاضر والمستقبل جميعها توجد) والحضورية (القائلة ان الموجود هو فقط الحاضر).

 

هدلا القصارحوار شعري ونقدي


بين الشعر والنقد حبل سري يغذي كلاهما الآخر.. فالنقد يتنسم روائح الأدب، والأدب يعطر النقد بروائحه الفواحة، وكلاهما سند للآخر فلا أدب بلا نقد، ولا نقد بلا أدب.. ونحن اليوم نلتقي بعلم من أعلام الأدب والنقد نتحاور معه حول إشكاليات الأدب وتوقعات النقد:

 س1- الشاعرة والناقدة هدلا القصار قارئنا المعاصر يحب أن يتعرف أولا على مسيرة الطفولة والشباب من خلال مذكراتك الشخصية .

- يبدو أن على الكاتب أن يبحث دائماً في دفاتر طفولته وبداياته محاولا استذكار الجانب الخفي في شخصيته.. لكن أسلوب المحاور المتمكن يجعلنا نستحضر آخر ما لدينا.. لتعترف هدلا القصار أنها لم تعش طفولتها، كما يجب كفتيات جيلها، بل تختلف عنهن..، ليست أفضلهن، بل كان اهتمامها أكثر حبا وتفرغا لسماع الموسيقى والقراءة والكتابة التي كانت تعتقد أنها مجرد مذكرات شخصية، لاكتشف بعد ذلك أنها نصوص أدبية بدأت كتاباتها منذ الصفوف الابتدائية، لترافقني عزلتي التي اخترتها مع الكتاب والقلم، بعد أن وجدت بين الأسرة من لا يهتم بغير السياسة المسيطرة في ذلك الوقت على أحاديث العامة ووسائل الإعلام. وكثيراً ما أهرب من هذه النوافذ إلى نافذة القراءة، لأختلي بشخصية شاعر أو شاعرة والحالة التي كتبت فيها القصيدة، بغض النظر عن قوة النص أو عدمها، لأن مفهومي للأدب في ذلك الوقت كان بحجم المعرفة العمرية لدي، فيما تستحضرني تلك الدهشة التي لطالما دعتني للتفكير العميق بما يتملكني بعد قراءة قصة أو رواية، اعتقادا مني ما هي إلا قصة الكاتب/تبة، إلى أن أدركت فيما بعد، أن تلك القصص والروايات كانت تجعل القارئ يعيش داخلها بكل ما فيها من ألم وهزات نفسية وإنسانية.. هذا ما كان من تفكير طفلة لم تتجاوز الخامسة عشر ة من العمر.. إن مثل هذا التصور كثيرا ما كان يدفعني للتساؤلات المتكررة، ما ج6مجلات وصحف محلية.. إلى أن انتقلت قراءاتي من الأدب العربي، إلى الأدب الغربي، تاركة ورائي ما قرأته من حركة الروايات وقصص الشرق بعد أن شبعت من رجات الروح، وشد الأعصاب، ورسم صور الاضطهاد المجتمعي، والألم، والصراخ والنواح.. ومن الموضوعات التي نقرأ عنها دون أن نجد نقطة ضوء للخروج من الحزن ومآسي المجتمع.. ومن العنصرية الذكورية، والدونية التي شاعت وأبحرت في المجتمع العربي حتى اليوم . وعلى ما يبدو كانت شخصيتي تحمل هرمون وراثة قوة الإرادة والتصميم لأصل إلى ما أريد الوصول إليه، لذا بقيت كالنحلةفي الحروب التي كانت بالنسبة لي كما قال المتنبي : "مصائبُ قَومٍ عندَ قوم فوائدُ " لأنها منحتني الوقت الكافي أثناء إغلاق الجامعات والمؤسسات لفترات متباعدة، التخصص بـ " سيكولوجية الإنسان المقهور " والوصول للعقل البشري.. بعد الهدنة الموقوتة . ومن خلال هذه المادة أدركت أن ما كان لدي ليس إلا موهبة فطرية دفعتني للتمرد على ما لا أرغبه والتعاطي مع ما يحثني لتوسيع المعرفة والعلوم التي تمثل مربع اتجاهاتي الفكرية المرتبطة بهذه العلوم الثلاثة . وهذا ما كان يجول في ذائقتي بالاستدراج التلقائي، إلى أن حققت الوصول لتركيبات الفكر والمجتمع بطريقة عملية "دياليكتية" ما أضاف لي مميزة التعاطي مع النقد.. وصياغته على أوارق النشر في الصفحات الورقية التي تحولت فيما بعد إلى الكترونية. في النهاية يمكنني القول أن شخصية هدلا القصار تجاوزت حدود حاضرها منذ الصغر إلى أن أعلنت ذاتيتها وخاصيتها واستقرارها الفكري إلى حد ما . بهذه السيرة أختم بداياتي المخبأة بتفاصيل العزلة التي نقلتني من إلهام الشعر إلى الإعلام المجتمعي.. إلى الإبحار بما يكمل استقرائي النقدي وتحليل الخطاب الأدبي وما يندرج من منابع الأدب والغوص في مناهج علم النفس.

س2- الشعر بالرغم من سوقه الراكدة هذه الأيام إلا أنه يبقى الطفل المدلل.. ما رؤيتك لمستقبل الشعر بين الفنون الأدبية الأخرى؟

- كان الشعر وما زال علما من أعلام تاريخ الأدب عامة، والأكثر حضورا بين الكتابات الأدبية الأخرى، ما دامت الكرة الأرضية والمجتمعات في حراك دائم.... وما دام هناك استمرار للظلم والألم النفسي والمعنوي، والهزائم.. وتقلبات البيئة.. وتوتر شرائح المجتمعات، وتغيير المناخ الجغرافي والاجتماعي والثقافي، والهجرة وتغيير المكان، باعتباره أهم عوامل ارتقاء لغة الشاعر . خاصة بعد أن خرج الشعر من الصحراء إلى الحياة والطبيعة.. واتجه نحو البحث في القيمة الوجودية والإنسانية التي هي مصدر حركة الواقع الثقافي والمجتمعي الذي تطرق له الشعر في العصر الحديث، بالإلهام الشعوري بما تماشى مع سجية الشاعر واستجابته لأهواء المخيلة التي دفعته لتوثيق أيديولوجية حركة المجتمع الذي عزز مكانة الشعر المعاصر، و تبادل ثقافات الشعوب وغيره من عوامل الحياة، دون الإغفال عن العامل التاريخي، وارتباطه بأحداث الحياة، من خلال أدوات الشاعر وثقافته ولغته، وتصويره المعبر عن المحسوس والملموس الذي أثقل موهبته ومسار قلمه لإحياء ما عجز عنه البعض. ولنرى العالم من خلال هذا الطفل الذي يعيش في داخلنا، ويكبر مع الزمن.. بكل ما يحمل من ألم وظلم وكبت المشاعر، التي لعبت دورا مهما لإفراغ هذا المخزون من خلال الشعر، وبالتالي نقل الصور الحية للمتلقي، بكل ما فيه من شريان الطبعة الشعورية.. فمن الطبيعي أن يبقى الشعر المخلوق الأجمل والأنقى هذا إذا ابتعد بعض الشعراء عن تراكيب الكلمات، والرتوش، والفبركة اللغوية.. والفذلكة الشعورية، والصور المجانية المبالغة.. كالتي يتبعها بعض المتطفلين على الساحة الشعرية.. الذين تسببوا بالاختلاف بين الشعر الالكتروني، والشعر الورقي. لهذا ننصح بعدم خروج أوراق القصائد من حضن الشاعر إلا لطباعتها.. ليبقى الشعر الحقيقي إلى حد ما بأمان، في ظل الشعر الالكتروني. أما بالنسبة للمسرح المرتبط منذ البدايات بدواخل الذات الإنسانية التي صاغت لغة العالم بطرق متعددة.. ما دفعنا القول " تعددت المدارس والمذاهب" والجوكر واحد " وحده الذي سبق وأجاد اللعب على جوهر الإبداع خاصة في "المسرح المجتمعي الحر" وأشدد على كلمة "المسرح الحر"، الذي لا يتبع بلاط الملك، لأن مثل هذا الفن مرتبط بنتاج جماعي جدلي متنقلاً من دلالات الممارسة الإبداعية، إلى ممارسة اجتماعية معرفية.. ليكون بريد المجتمع لعمليات الإرسال والتلقي.. ووسيلة تلقين ونقل المعرفة " البيولوجيا " من أجل رسم ديمومة الحياة واستمرارها.. ولأنه يبقى الحوار الدائم والثابت والمتغير، الذي يعيد إنتاج الحياة بصور مستمدة من مسرح العقل وحوار المجتمع والفئات والطبقات المتعددة.. بوصفه أحد الأجناس الأدبية التي تستنطق السمع والبصر وحركة الجسد المتفاعل مع المعارض والمؤيد . وهذا ما يضعنا في زاوية تضيق بشرح ما لم تسعه مساحة 6اهتمام بدراسة الإنسان في الحاضر والماضي)، المبني على العلوم الحياتية و المعرفة والاجتماعية.. لكن اليوم لنا مآخذ على المسرح العربي المحلي الذي بات يمثل طبقات معينة أو فئات تمثل تسييس السياسة التابعة لقناعات فردية.. كما في دور المسرح الكوميدي الذي تحول من سخرية موضوعية إلى حركات بهلوانية مصحوبة بالضحك المبالغ والمفتعل، لإضحاك الجمهور إلى أن ينسى الموضوع الذي يجب أن يمثل أدوار المجتمع وما لها وما عليها بطريقة كوميدية . وأيضا مسرح "الدراما " الزاخر بالحوادث المثيرة المتسمة بالانفعالات في تعبير العواطف المبالغة في حركة الممثل، إلى أن تحول المسرح الدرامي إلى " ميلودراما" ناتج من الصراخ والنواح أكثر مما يتحمل الدور أو الموقف المراد إيصاله بطريقة موضوعية كوميدية مؤثرة.. ويعتمد على صوت الممثل وليس على مدى تأثير الموضوع على المتلقي، خاصة المسرح المصري رغم عراقته.. أما مسرح الطفل الذي لم نعد نقرأ عن مساره " البيداغُوجِي" (الذي يعتني بفنون تربية الطفل وعنايته).. على خلاف ما يجب أن يكون في المقدمة، بما أن الطفل يمثل هرم المجتمع على المسرح الذي كان فيما مضى يحقق له أهداف الحركة الفكرية والوجدانية والمعارف التعليمية والتربوية بوسائل إبداعية تعني بتنميته من خلال المسرح الذي يجمع بين العلم والتطبيق.. لنتعرف على إنتاج عقل الطفل وحتى الجيل الشاب، الذي يجب أن تعرض أدواره على مسرح الحياة بما يفيد تطور ذائقته الفنية والاجتماعية والتربوية وبلورة شخصيته.. لكن للأسف مثل هذا المسرح لم نعد نراه إلا في مدارس مسرح الغرب . أما فيما يخص مطاعم القصص والروايات، التي انقسم مؤلفوها إلى أقسام منهم من يزاحم الآخر لتكديس منشوراتهم وكأنهم في سباق مع الزملاء الكتاب، ومنهم من سجل التاريخ من وجهة نظر منفردة،.. ومنهم من وثق قصص رواياته الشخصية بشكل فردي، والبعض الآخر قد ينقصهم معرفة فنيات النص الأدبي المميز قبل أن يسردوا روايات القصص دون أن يمرر استنتاج الكاتب ورؤيته، من خلال إحدى الشخصيات المطروحة في القصة أو الرواية بطريقة أو بأخرى . وهذا ما يطلق عليه "الجندي المجهول" أو "الملك " الذي يبحث عنه المتلقي في قصة الرواية من خلال النقاش والحوار داخل القصة.. للخروج من مأزق الحالة التي تمثل الحاضر والجرائم التي ترتكب بحق المجتمع والإنسانية.. خاصة في هذا العصر المتوتر، ليبدو لنا أن الكاتب لا يهتم بالحاضر أو المستقبل.. وهذا ما يسجله النقد بأدب التايك اواي " taek away إلى أن أصبحت القصة والرواية في الوطن العربي أقل حظا من الناحية التفاعلية مع المجتمع.. بالطبع هذا الرأي لا يشمل الجميع ولا ينفي كتاب أبدعوا بدمج هذه العوامل المخالفة لتوثيق غير هذا النبط. ومنهم من يؤلف رواياته وقصصه بدافع الحشد وكأن الكاتب أو المؤلف يحسب بالكمية وليس بالنوعية، والبعض الآخر انفرد بمؤلفاته للحديث عن تاريخ قراه أو بلداته او مدائنه.. ومنهم ما زال يوثق أسباب الحروب والاحتلالات والثورات، و غيرها من قصص الروايات التي لم تعش الحياة بما فيها . علما أنه من السهل المؤكد أن نعرف أسباب الحروب والاحتلالات والثورات التي نريد، من خلال عالم التكنولوجيا الحديث، لكن من الصعب أن نحدد خصائص أو مزايا المجتمع وتحركاته معرفة صحيحة إلا عن قرب، أو من خلال كتاب تدفعهم أمور الحياة الكشف عن الأحداث الكامنة بالمفاجآت والمجاهل التي نتعرض لها في حياتنا العادية، مستذكرين الواقع الإنساني وتأثيره على المجتمع، مخاطبين الفرد من خلال عالمنا الأدبي، ناقلين له تفاصيل الواقع، معبرين عن لحظات أوجاعنا من خلال القصص والروايات، ليتسنى لنا تعديل عروض سيرها بعد عرضها على المتلقي، والناقد، والمبدع الشاهد على مجتمعات تتعدد فيها الظواهر والموروثات، كتعدد اللغات والموضة، أو كالأنظمة التي تعكس اتجاهات شأنها شأن المؤلف، الذي لم يعد يتابع حيثيات الحداثة، بطريقة ايجابية لتنعكس على مستقبلنا الأدبي.. وللاستفادة من تقنيات العصر وتطور الإبداع، في قصص وروايات تحمل فلسفة العالم، بصور "فوتوغرافية" لداعم القلم الذي يجلس ملكا على أوراقنا المتعبة من التاريخ وروايات واقع الحياة، لأجل أن نجد لنا قلماً يراهن على جمالية أوراقنا الأدبية العربية، فالعالم يعيش في عصر السرعة والحداثة، لا بد للمؤلف من متابعة ما يجري في المجتمعات بعد أن نتفق على أن الكتابات الروائية والقصصية الأدبية، هي العماد الذي تعتمد عليه أهمية الموضوعات في منطقتنا التي لا تخلو من التطورات . لعلنا نصل إلى ما وصلت إليه الأديبة الفرنسية فرانسو ساغان، والروائية الكندية مارجريت أتوود، وغيرهم/هن من أدباء الغرب، الذين اشتغلوا على ترميم الجراحات الإنسانية، والقضايا الاجتماعية.. من خلف جدران تابوهات الجماعة والمجتمعات . بدل أن تتكاثر مؤلفات كتب الشعوذة التي انتشرت فجأة بشكل لافت،و الكتابات عن الجسد.. وهي الأكثر رواجا.. وكأن الحياة ليس فيها سوى " الجسد " الذي يشغل المجتمعات المليئة بالمشكلات السياسية والاقتصادية والمهنية وما يلحق بهم من أمراض نفسية ومعنوية.. بخلاف روايات الغرب كرواية " الأمير" للمؤلف ميكافيلي، التي أخذت بعين المعرفة لما تحتويه الرواية من موضوعات منسجمة مع واقع المجتمعات من الناحية الجنسية و السياسة، والدين والمجتمع والعلاقات الإنسانية والبيئة وغيرهم بسبك إبداعي نوعي دون تحديد لأي هدف مما رواه المؤلف، بعد أن منعت روايته من نشر من قبل دولته ايطاليا بحجة كشف أوراق التعسفات المجتمعية والسياسية الغائبة عن المجتمع الايطالي.. كما في " كتاب الملكية والنخبة السياسية في المغرب" الذي أعتمد كمرجع لفهم تاريخ السياسة والحياة في المغرب، " . وكذلك رواية "الأم" للمؤلف "مكسيم جوركي" التي تدفع الفرد للمطالبة بالديمقراطية و حقوق الفرد في الحياة، ومحاربة الفساد، كما طرحت قصص السياسة والأحزاب وأفكارهم، وعن المبادئ الاجتماعية.. أنها قصة عالمية شاملة . أما رواية أو مسرحية " احدب نوتردام " التي طرحت الحلول بالتصميم للمطالبة بالحرية والمساواة.. وعن ازدواجية الكاهن الذي يمثل مبادئ البشرية، وعن المرأة الغجرية "البوهيمية" التي كان يحاول اصطياد الرجل لجسدها لكنها لم تكن لأحدهم ولم يكن هدفها سوى الحرية والتعامل معها إنسانيا وليس جنسيا.. وكذلك "مسرحية الملك" للمؤلف وليم شكسبير، التي ترجمها جبرا إبراهيم جبرا، لم تترك هذه المسرحية آفة في مصير المجتمع الا وتطرقت لها، وكذلك في كتاب "غراميات مضحكة " للمؤلف ميلان كونديرا، القصة تدور حول العلاقات الإنسانية وخاصة بين الزوجين وما يدخلهما من مواقف وأفكار سلبية وكيفية معالجتها عبر التفكير المنطقي والهادئ والصراخ الداخلي وليس بالصوت الذي يخرم الاذان ويبعثر الموضوع أو ينفر ذائقة المتلقي.. لنسال اليوم أين كتابنا من هؤلاء الروائيين الحقيقيين كـ ( هوميروس وفرجيل، في ثلاثية الاوذيسة والإلياذة الذين حولوا عصور الآلهة إلى عامل أنساني اجتماعي يحمل عبر ما زالت سارية حتى هذا التاريخ، كما في " تراجيديا سوفقليس " هل قال أحد أن هذه المجموعة لا تعالج قصص الحياة للخروج المؤقت عن الواقع بطريقة تفيد عقل الفرد في مجتمعة؟! بيد أننا أردنا أن نضع مرآة الفكر ومقارنته بين قصص وروايات الغرب الذين كانوا يحاولون البحث في قصصهم عن الموضوعات الإنسانية وشروط التربية الصحيحة فكريا واجتماعيا وعمليا.. كما يركزون على كيفية العلاج النفسي وارتفاع المعنويات.. وعلى أهمية العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة، والاحترام المتبادل الذي يهذب النفس.. وعلى الأنظمة والتاريخ.. والجغرافيا والأساطير.. والوطن وسياسيات الدول و العلاقات الاجتماعية والعنصرية الفردية، والحروب والموساد.. والأفلام البوليسية التي تحرك المشاهد او المتلقي للبحث عن الفاعل قبل أن يكشفه المخرج عبر الممثل للجمهور ليستفيد المتلقي بتوسيع المخيلة وتنميتها بطريقة عقلانية.. وهناك العديد من أفلام الرعب للمراهقين لإفراغ طاقتهم الانفعالية.. وغيرها من أشكال الوعي إضافة إلى الأفلام المخصصة للأطفال وتنمية تصوريهم لمن يمثل فكر الطفل الذي لا يعرف سوى التأمل بالصوت والصورة. ولن يفوتنا أن هناك روايات لا بد من الاستشهاد بها كرواية ( الوطن كمرادف للفراغ أو الموت) للروائي باسم سليمان، الذي وضع موت الحياة واليأس في تجلي رواية مليئة بالمشاعر الحقيقية التي قد يعيشها البعض في واقع يحكمه الكبت الاجتماعي والوجداني.. برواية شملت المستوى الموضوعي والواقعي والنفسي والمعنوي.. ووضعهم بمحاولة التغلب عليهم بشتى الطرق . قبل أن يستسلم الكاتب ويفكر بالهروب بما يحمل من مبادئ إنسانية واجتماعية إلى الهجرة أو اللجوء إلى أي مكان آخر . وما زال كتابنا غافلين عن توثيق إيديولوجيا الحياة" وسيكولوجية المجتمع" ومعاناة الجيل الجديد الذي نشأ مع الحروب المؤثرة على تنمية الفرد في مجتمعه، هذا الجيل الذي لم يعد يهتم سوى بترتيب أعمدة مستقبله وقضاياه، وأهمها: التعليم والزواج والعنوسة وغلاء المهور والعيش برفاهية والعمل.. وما يعيق احتياجاته المادية والعاطفية والإنسانية والنفسية.. ونموه الوجداني الذي ينبثق من مستجدات العصر الذي يبحث فيه الفرد عن استقراره والعيش بسلام . والآن بعد هذا الشرح أود تعريف العالم أن لدينا من كتابات الجيل الشاب ما يغني ويثمر في المجتمع العربي على الساحة الأدبية، واعتقد انه يجب أن نسلط الضوء على كتابات الجيل الشاب ومؤلفاته الأقدر على توثيق حالاته.

س3- الشعر في عصرنا الحاضر يتشكل بأشكال متعددة خلع عباءته الخيالية وإرتدى الزي الغربي.. ما موقفك من الشعر العمودي.. الشعر التفعيلي.. الشعر المنثور.. شعر النص المفتوح

 - عامة احترم كل من يحمل صوته وأنفاسه.. وعبق المخيلة والطبعة الشعورية.. من جميع الأنماط الشعرية، وأجناسها، وميادينها.. لأنها عبارة عن طاولة مملوءة بالفاكهة المتنوعة الشكل والطعم واللون..، ما على المتلقي سوى أن يختار ما يرغب تناوله، لأنهه بمثابة دواء لكل داء . لكن علينا قبل أن نفكك عناصر السؤال و نرمي نرد الرؤية، يجب أن نفهم دراسة الحياة وتأثير دورتها وتطورها على الفرد،لأننا لوعدنا إلى الوراء، ونظرنا لتاريخ الأدب والفن، لوجدنا أن الإبداع الحقيقي سيظل يثير جدلا لا ينتهي كالسؤال حول "ارتداء الشعر الزى الغربي" أو الشعر العمودي وموقفنا من أجناس الشعر النثر والحر والشعر المفتوح . وبما إننا لسنا من أنصار أسلوب التنظير، سأبسط التعبير والشرح ببساطة الإجابة عن الشعر الذي خلع عباءته الخيالية وارتدى الزى الغربي" لكن قبل الإجابة أريد أن اسأل: أليس الأدب الغربي أدباً؟! ولم ندرس المواد الانجليزية والفرنسية كلغة إجبارية في المدارس منذ الابتدائية؟ ولماذا نلهث وراء أسماء أدباء الغرب، ونتفاخر بآرائهم ونترجم فلسفتهم؟ الم نحتفظ في مكتباتنا العامة والخاصة بالعديد من نتاج أدباء وفلاسفة الغرب إلى يومنا هذا؟ ولماذا تتفاخر الشعوب العربية بتحصيل شهادات عليا من جامعات الغرب أليس لتوثيق اعتمادها؟ ولم نذهب لترجمة أعمالنا؟ أليس لنتفاخر بأسلوبنا المنفرد بشاعريتنا حسب اعتقاد البعض؟ وكذب كل من قال ليرى الغرب نتاجنا الأدبي.. ! الم نذهب إلى دول الغرب طالبين اللجوء وتوفير المناخ الآمن؟ ولم يتفاخر العرب بالتزاوج من الغرب؟ أليس أعجابا بانفتاحهم على أفكار وحضارات بعيدة عن الأنظمة المتسلطة، وإمبراطوريات المجتمع الذكوري، والقبلي ومن العقائد والأعراف المجتمعية.. المعيقينة لتطور الفرد اجتماعيا وعلميا ومهنيا؟ أليس لان العلم الحديث سبق الفكر الإنساني؟ بعد أن توصل إلى ما يسمى بـ "اثنولوجيا المجتمعات " التي تمثل اختلاف الشعوب وخصائصها وتوزعها واختلاطها ببعضها البعض، لتأثيرها على مجتمعنا العربي؟ أليس لان الإنسان كائن اجتماعي تتبلور معرفته من نشاط أيديولوجي؟ ومن هذا المنطلق أخذ الشعر الحديث ـ أو لنقل المعاصرـ مكانته في العالم العربي وفرض وجوده على خارطة الإبداع.. ويجب أن لا ننسى إن التغير الجغرافي وتاريخ الشعوب، هو من غير وفرض على مخيلة الشاعر ولغته الشعرية الواقع الحداثي، أو التهجين، أو الزى الغربي.. يستحضرنا بهذا الحديث ما تعلمناه عن إيديولوجيا تاريخ الشعوب وجغرافيتها.. ومحطاتها في كراساتنا المدرسية، عن شعوب كانت تسمى بالآشوريين والكنعانيين، والفينيقيين، والفراعنة، وغيرهم من أسماء دول استقلت تاريخيا وجغرافيا وحدثت أسماءها وأصبحت ( لبنان وسوريا وفلسطين والأردن والعراق)، وهذا أيضا ينطبق على الشعر العمودي الذي أطلق عليه قديما "ديوان العرب" وبعد هذا التغير التاريخي والجغرافي والمجتمعي ألا يحق للشاعر أن ينحني للأفضل؟ لتحريك جمود الماضي.. أو تهجين الصور الشعرية أو التناص، أو استخدامات رموز التاريخ بمجمله !؟ أرى أن شعر التفعيلة والمنثور والحر والشعر المفتوح، جميع هذه الأجناس، اعتبرها كلون بشرة الشعوب المختلفة، وشكل الجسد، وسمات الفرد الذي يتشكل بإشكال المجتمعات والبيئة والثقافة والعلوم والمفاهيم وغيرهم من العلوم الحديثة.. إذا فلم لا تبدع هذه الكائنات الأدبية؟! ولا يفوتنا أيضا أن الشعر العمودي، سبق وتجاوب منذ الثلاثينات مع شعر التفعيلة وما لحق به من تفاعل في الخمسينيات، حين خرج بشكل فعلي من قيود القافية والوزن، إذ لم نقل تحرر بشكل ملحوظ واتجه إلى ميدان الشعر الحر الذي نقل القصيدة العربية من الرتابة والجمود إلى النشاط الفكري والتصوير الحيوي، ليتماشى مع الحضارة التي صدرت الشعر المعاصر، كما أنه لا يمكن للشعوب أن تتقدم إلا إذ خرجت " إلى بيوغرافيا الحياة" وإستراتيجية" التعبير عن الوجه الحقيقي للواقع المتنقل من قافلة إلى قافلة ومن عالم إلى عالم ومن جغرافية إلى أخرى. اننا هنا لا نعني إنكار الشعر العربي قديما بل ما هي إلا نبذة عن التطور الطبيعي للماضي، الذي تناسب مع أجناس الشعر المعاصر إلى أن أصبح مشروعا مرتبطاً بالواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي.. مما اتسع فضاء فلسفة الوجود الإنساني الذي أخرج الشعور من أعماق الذات.. وأنهضها من الموت وأعادها إلى حقيقة وجودنا المؤقت على أرواق الشعر المعاصر الذي فتح الأبواب على مصارعيها للصور الشعرية والرمزية وإيقاظ التاريخ وتوظيف الأساطير.. الذين ناموا في عهد الشعر الذي سيطر عليه عصر الملوك وألزمه الصنعة الشعرية وانشغاله بنظم القوافي والبيانات المملحة بالمدح والهجاء والغزل . من هنا بدأ الشعر بنقلة نوعية إلى العالم عبر رواد الشعر المعاصر الذين تعاطوا مع حالة الشاعر بالروح والتأمل والإلهام، معبرين عن الواقع الذي ولد الطبعة الشعرية الأكثر تدفقا وحضورا وانسجاما مع الذائقة العامة، مما دفع الشاعر لاستحضار الأجمل، والأفضل، والأرقى.. لتوثيق ترجمة الحياة وإعادة ترتيب تطور البيت الثقافي للشعراء المبدعين . إذا لا بد من تثقيف المتلقي ليتناسب مع رقي المجتمع هذا إذا أردنا السعي وراء التقدم والوعي في غياب الأهداف والغايات التي نبحث عنها في انسنة الحياة للرقي بالمجتمع النامي من خلال كتاباتنا الأدبية الحديثة.. وبعد هذا الحراك الشعري والنوعي يجب أن لا نتساءل عن وجود هذه الأجناس الشعرية لأنها أتت من الشعر العامودي وزوجاته اللواتي استقبلن بذرة هذه الأجناس المتدفقة من أصابع الشاعر الذي ملك مخيلة أوسع من نطاق القوافي.. واعتمد على الطبعة الشعرية التي جمعت اللغة والأداة والوصف والتصوير..

س4- ينشر الشعراء المعاصرون الكثير من النصوص ويعجز النقد عن مواصلة قراءتها ما رأيك بهذا الكم الهائل من النصوص.. وكيف يمكن لنا تقديمها قبل أن نسال عن عجز الناقد؟

- يجب أن نسال أولا لم لم نعد نرى في النقد سوى المديح والتأييد والممالقة مما خلط الحابل بالنابل . في البدء يجب انتقاء مقياس أيديولوجية علاقتنا بالنصوص الشعرية كي لا نصل إلى مرحلة التساؤل حول ما وصلنا إليه من ضعف النقد، من انزوائه الذي يعود إلى الشبكة العنكبوتية، التي أتت بمولود متطفل يسمى " الأدب المرئي" هذا المولود المتوحش الذي فتح نوافذ بضاعته للمستشعرين، والمستثقفين، والمستكتبين، المحملين بموهبة التسلق على حساب الأدب الحقيقي، ليصبحوا شعراء أدباء بين ليلة وضحاها، إلى أن نسوا حقيقتهم وصدقوا كذبتهم بعد ان فرضوا أنفسهم كشعراء على أضواء المواقع الإلكترونية للتباهي بما لديهم من قص ولصق والنشر بأسمائهم/هن معتمدين على قُبَل الإعجاب والمحاباة والمبايعة.. او تبادل الأدوار.. دون التصدي لما ينشر من سطور تتغذى من ري الصفحات الالكترونية التي لا يمكن مراقبة ما ينشر عليها.. ليصبح الكاتب هو الناشر والمروج لنتاجه المنقول.. مما تسبب بابتعاد الشاعر الحقيقي والناقد المتابع.. فمنهم من توارى عن مثل هذه المواقف ووظف إبداعات مناهج النقد.. لأقلام شعراء حقيقيين على الساحة الأدبية . وهناك من سخر علومه لصالح العلاقات والمحاباة محاولاً وضع جميع مناهج النقد في نص لا يحتمل فرد عضلات النقد لحساب التوصيات والمصالح المشتركة . ومنهم من توجه للتعليم الأكاديمي لحفظ ماء الوجه . والبعض أخذ منحنى آخر واعتمد نشر النقد في صحف او مجلات تصرف مكافأة مالية للكاتب الذي الأمر الذي أوجد النقد العشوائي لنصوص خالية من تركيبات المنهج الأساسي للنقد.. إلى أن تحول النقد العلمي إلى دخل مالي . والبعض الآخر وضع وجه الكاتب في مرآة نقده.. بدل أن يضع علومه في حبر القلم ومبادئه.. لهذا تراجع النقد أو تقلص حضور النقاد الحقيقيين خوفا أن يقعوا في فخ الإحراج مع الكاتب أو الصديق، مما يراه من عيوب في النص.. وخاصة إذا كان الناقد اسم لامع في سماء الأدب الخالص . دون أن يدرك الناقد أن مثل هذا الهروب أو الانزواء ساهم بانتشار حالة التردي التي نعيشها عبر شبكة الانترنت التي دفعت العديد السقوط في طحين الاستنساخات، طالما وجدوا غطاء إفلاسهم الفكري الذي يلف غموض كتاباتهم، وشخصياتهم، وأفكارهم المعجونة من أقلام كتاب أسياسيين وما لحق بهم من عوامل تفتح المجال للمستنسخين أن يسبحوا في بحر الساحة النتية بنصوص لقيطة أو غير شرعية.. مما زاد من ظهور كتابات ساهمت بالفوضى الأدبية، التي تجاوزت حدود المنطق الأدبي.. ليسكننا اليوم عدم التوازن المهني والعملي والثقافي، الذي يسوده حالة مرضية توهم كل من يبدع يتصفيف نص مركب.. انه آخر الاكتشافات.. يبد أنه كان يجب على الناقد أن يملك خبرة "سيسوثقافة مهنة النقد" وان يستنفذ أداوته النقدية والتحليلية لما يحمل النص من خلال دوره المشروع في النقد المبني على الموضوعية، والناقد الحقيقي يجب عليه أن يلملم المسميات الأدبية ووضعها على طاولة التشريح للبحث عما قد يستفز ذائقته والتعمق بما يكتشفه لدي الكاتب من ايجابيات أو سلبيات بطريقة بناءة موضوعية علمية.. لتكون بمثابة امتحان للناقد لإظهار مدى خبرته وقدرته على التعاطي مع مناهج النقد لمثل هذه الإشكاليات المطروحة على الساحة الأدبية بكثرة دون خوف او هروب . كما يجب على النقاد ان يتكاتفوا ويجتهدوا لمواجهة هذه الفوضى بمادة نقدية موضوعية و بروابط موثقة تثبت شخصية الكاتب الحقيقي، لكي يتعظ السارق ومن سيفكر من بعده، ولكي يبقى الأدب محاطا محصناً من هذا الانتشار الذي لن يفيد الكاتب أو المتلقي أو حتى الأجيال التي ما زالت تحبوا على أبواب الشعر والأدب عامة، كما يجب على الإعلام أن يتكاتف مع الناقد بملاحقة الكتابات المرسلة للمواقع الالكترونية، وأن نضع مثل هؤلاء الأشخاص تحت المجهر لعلنا نصلح ما أفسده المفسدون حفاظا على مجهودات أفكارنا وحبر أقلامنا …..

2705 هدلا القصار

س5 - إذا تعارض النقد مع الشعر كفن.. أين تقفين أنت؟

- الوظيفتان لا يبتعدان عن بعضهم البعض فالنقد يدفعني لتسجيل فكرة الرؤية، وما يندرج عنها.. والنقد يأخذ رجفة الفكرة، وما يليها من رؤى.. بالنهاية الاثنين يعبران عن الشعور بالإبداع لدي الشاعر الناقد . ما دمنا متفقين أن لكل منا فرح وحزن، ينام ويصحو، يموت ويعيش، على ما تنتجه المشاعر الإنسانية والنفسية.. وأنه سيأخذ القلم إحدى هاتين الجنسين ليسجل تلك الشحنات كوسيلة تعبيرية.. عن رؤية أو دهشة ما، ليطلع المتلقي على ما أفرغه القلم من خلال الشعر أو النقد، لذلك لا يمكن أن ينفصل الشعر عن النقد.. وبما ان الشعر يرسم الحالة النفسية والوجدانية والإنسانية المبنية من مجموعة مشاعر وعلاقات تتعلق برؤية الشاعر، أما النقد يأتي ليلملم الوعي والعلم وما يلحق بهم من حالات ومعطيات فنية مهنية.. ولدينا ما يثبت " حين تناولت قلم النقد لأكتب حول قصة حقيقية تأثرت بها.. وإذ بي أرى استرسالي بالموضوع النقدي تحول إلى قصيدة نثرية بعنوان " الشهقة الأخيرة " . وهذا يؤكد أن الاثنين بالنسبة لي شخصيا يحملان نفس الشعور والقبول، بكل ما لدي من مشاعر وصور شعرية وتناقضات وتساؤلات.. لذا اتبع اتجاه القلم الذي ينساق وراء التأثير الداخلي أو الهام العقل الباطن، الذي قد يتجاوز وضع النقاط المنوي الحديث عنه

س6- أصدرت الشاعرة هدلا القصار بعض أنتاجها الشعري.. هل هي راضية عنه؟

- بالطبع راضية من ولادة النصوص بما أن لكل ديوان سماته وعمره وأحداثه.. ولأنه في النهاية يمثلني في الزمن واللحظة واليوم والحالات.. التي وثقت بعفوية الشعور المنفرد باللحظة الانفعالية.. لكني لست راضية من الفترات الزمنية التي اصدر فيها وخاصة المولود الأول بعنوان " تأملات امرأة " الذي كان يعني لي الكثير، ولان من اشرف عليه و أشار على العديد من نصوص الديون كان أستاذي في اللغة والتعبير الذي كان يدرس في مدرسة "الادفنتست الإنجيلية" التي بدأت التعليم منها حتى انتقالي للجامعة.. كذلك بعض الشعراء الذين كنت اهرب من الالتزام العائلي لحضور أمسياتهم خلسة لاستمع إليهم وبيدي دفتر كتاباتي التي كنت اعرض بعضها على إحدى الشعراء بعد انتهاء الأمسية ليطلبوا مني إلقاء ما يختارونه في اللحظة.. فألبي طلبهم متلهفة لاستقبل تجلي إعجابهم بما يرضي ذاتي المصحوبة بفرح تصفيق الحضور حتى الانتهاء . لكن الاجتياح الإسرائيلي للبنان كان اقوي من فرحتي على ما يبدو هذه الفرحة التي لم تدم سوى شهرين إلى أن أصبت بإحباط وانكسار داخلي.. وتركت الشعر وعدت للعمل الإعلامي، حتى وقت صرخت فيه كتاباتي اختناقها من أوراق الدفاتر طالبة الخروج إلى النور لأصدر ديواني الثاني بعنوان "نبتة برية " الذي جهز منذ العام 2003 لكن بسبب انشغالي الوظيفي صدر في 2008 وحديثا خرج إلى النور الديوان الثالث بعنوان "مهرة الحكاية" الذي عانى الويلات جراء سرقة جهاز تخزين المستندات الذي احتفظت بداخله نصوصي غير المنشورة مما أضاع من ولادته سنتين ما بين الاكتئاب ولملمة ما تبقى من مسودات، وإعادة ترميمها من خلال محاولات استرجاع لحظة كتابة النص الذي أنقذ من موت اللحظات الجميلة والمريرة

 س7- ماذا ننتظر من ناقدتنا الكبيرة من كتب نقدية جديدة؟

- اعمل على تنقيح ديوان بعنوان " ترانيم الهديل" والتحضير لطباعة مجموعة مقالات نقدية تستحق الطباعة حسب تقييم بعض النقاد الزملاء وأصحاب مؤسسات أدبية.. اعمل على إصدار كتاب" بعنوان مقترح " إبداعات بين التهجين وسوسيولجية النص الأدبي " . كما أحاول لملمة أوراق دراسة أهملت لسبب أو لآخر، وهي حول " تأثير اللكنة المحلية على إلقاء الشاعر" مهما حاول إخفاء جنسيته بلحاف اللغة .

 

س8- هل ترى ناقدتنا الكبيرة هدلا القصار أن النقد العربي المعاصر ما زال يحبو على يديه؟

- بداية لن أخوض في مناهج النقد ومفاهيم تداوله، وبالتأكيد لا أؤيد التخمين بان النقد العربي ما زال يحبو.. بعد أن قطع شوطا كبيرا من المفهوم الشامل لمناهج النقد وتطوره.. لكن يمكننا أن نقول أن النقد الحديث ذهب للتنزه في طرقات غير معبدة ليضع بيوض علومه بمحطات غير صالحة لتسجيل مراحل تاريخ الأدب الحديث الذي من المفترض أن يكون " ما بعد الأدب المعاصر " لكن على ما يبدو أن بعض النقاد حاولوا الاجتهاد بوضع مناهج نقدية حديثة ربما لتناسب مع الشعر العمودي بشكل سري، لكنهم لم يخرجوا سوى بالنقد الغربي بأسلوب عربي، مما أربك الناقد هذا الخليط غير المجدي لا بل أتى باعتكاف النقاد للأساليب النقدية الملتفة.. وعدم استيعاب طلاب الأدب العربي، لكثرة السياقات والمناهج الفلسفية المتشابكة، والتي لم تقدم جديدا لمدارس النقد العربي مقارنة بمدارس النقد الغربي، الذي لم يترك منهجا إلا وتطرق له وخاصة فيما يناسب الشعر المعاصر الذي اكتسح الساحات الأدبية، وكما ذكرنا فرض نفسه وسط المعارضين الذين يغالطون الواقع الحديث الذي وزع الأدوار بحسب الولادات الشعرية المتعددة الأجناس والمناصب . وأننا ندرك تماما أن كل ما ينضوي على فضاء ما، يولد معه النقد الأدبي والإعجاب والاجتهاد وهذا ما يحصل على الساحة الأدبية حول النقد ومدارسة التي تتداول وتدور وبالنهاية اعترف به، وهذا ما كان عند العرب القدماء حينما كانت أوروبا تعارض عصور الظلام، كان عند العرب سوق عكاظ وهو سوق للشعر بامتياز من قراءة ولفظ، على حدا سواء، وهذا واقع حال اليوم لان مناهج نظريات النقد الأدبي من الأساس جاءتنا من الغرب بأساليب أظهرت نظريات النقد ومدارسه وأجناسه.. إلى أن أصبحت عالمية، وليست حكرا على مكان أو ناقد.. خاصة بعد أن حدث تحول جذري وكبير في أنماط القصيدة العربية من الشعر العمودي والشعر الحر والحدث الذي يقترب ويتماها مع نمط القصيدة العالمية.. فعلى سبيل المثال هل يمكننا التفريق بين قصائد بدر السياب و البياتي ونازك الملائكة/ أحمد سعيد/ وادونيس/ واحمد عبد المعطي حجازي/ وصلاح عبد الصبور/ وخليل حاوي/ و فدوة طوقان/ ويوسف الخال /ومحمود درويش/ و ادموند وشعراء عالميين مثل اركون الفرنسي/ وناظم حكمت التركي/ وغيرهم من رواد الشعر المعاصر؟ ومن هنا نقول يجب على الناقد العربي أن يعود للنقد الغربي لأنه يتناسب مع جميع أجناس الشعر وخاصة المعاصر . لنستنتج أخيرا أن مناهج النقد الغربي أفضل من الآداب الأخرى علميا بعد اجتهادات لم تأت بغير ما لدينا .

س9- الشاعر الكبير يحتاج إلى ناقد كبير.. من من الشعراء والشواعر النساء ترشيحات لنيل جائزة الشعر المتفرد ومن من النقاد يستحق ان ينال لقب الناقد الفنان..

- وكأنك تريد أن توقعني بسهو الذاكرة، هناك شاعرات وشعراء ونقاد وناق : الشاعر اللبناني وديع سعادة الشاعر والناقد التونسي يوسف رزوقة الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين الشاعر والناقد الليبي خليفة التليسي الشاعر والناقد والباحث العراقي كريم القاسم الشاعر والناقد الفلسطيني عز الدين المناصرة، الشاعر والناقد الجزائري ميلود حميدة الشاعر والناقد المصري نجيب سرور الشاعرة والناقدة المغربية نجاة الزباير الشاعر والإعلامي عياش يحياوي الشاعر المغربي محمد السرغيني الشاعر اللبناني فوزي المعلوف الشاعر المصري احمد شوقي الشاعر اللبناني فوزي بزيع الشاعر اللبناني فوزي المعلوف الشاعرة والقاصة اللبنانية د مريم الترك الشاعر والإعلامي رمزي عقراوي الشاعرة والناقدة السورية ندى محمد عادله الشاعرة مي زيادة الشاعرة الليبية عزة رجب الشاعرة السورية رندة حيدر الشاعرة والإعلامية فاطمة بوهراكة الناقد المغربي احمد العربي الناقد السعودي عبد الله الغذامي الناقد الفلسطيني الأردني على البتيرى الناقد المغربي دكتور حمام محمد زهير الناقدة اللبنانية يمنى العيد الناقد والباحث المغربي جميل حمداوي الناقد «المشرقي» السعودي عبدالله الغذامي الناقد الفلسطيني الأردني على البتيرى الناقد المغربي دكتور حمام محمد زهير الناقدة المصرية مريم نعوم مرسيدس وهناك العديد العديد ممن أبدعوا واجتهدوا بأقلام تسجل في تاريخ الأدب .

س10- هل بمقدور أديبتنا هدلا أن تسمعنا نصا شعريا لها يمثل أعماقها من الداخل .دمت أخت هدلا وبانتظار لقاءات شعرية ونقدية جديدة.

- هذه بعض تجلياتي الشعرية

الكلام أولاً.. والقصيدةُ فيما بعد

ما معنى الشِّعرُ يُكتبُ

وَهُو لا يقبلُ الكذبَ

ولا يصدِّقُ الحقيقةَ؟

كيف أطرقُ أبوابَ القصيدةِ !؟

وطبيبُ الشِّعرِ

يَضَعُ قانوناً للكتابةِ

ويقول بالكذبِ تتجمَّلُ الكلماتْ؟!

العاقلُ منا يفكِّرُ ويكتب

ُ ليكسر صُورَ الحزنِ

ِبالحقيقةِ نفسي لا ترضى بمكانِها

ولا ترضى أن تكتبَ الشعرَ وحدَها

ماذا أفعل؟

هنا رمتني العواصفُ والسنونُ

ولم تعنيني الصداقةُ وحدَها

ولم تتركْني للتفكيرِ وحدي..

. إذَن سأسلك الطريقَ التي أريدُ

وأُطلقُ الكلمات

تَحكُمُ بين الخيالِ والحقيقة

هناك جنسٌ يكادُ يُشبهني

فيه أنسجُ الحزنَ بكاءً

وهناك بكاءٌ ينسجُ الحزنَ

بالحقيقةِ .

هنا كلماتٌ لها أظافرٌ

تدخلُ صمتَ الأفكار

وهناكَ بينَ الأرواحِ والكلمات

خطوةٌ تكمنُ فيها السعادةُ

لِتُرْعِدَ أصابعي القصيدةَ

وفي نفسي خوفٌ

كأن الحياةَ ليستْ سِوى حبلٍ

يَشدُّنا لِلْوراءِ والأمام

سأسيطرُ على القصيدةِ

حتى لو وضعتِ السنونُ على رأسي

قبعةَ الشيبِ

***

حنين إلى لبنان

يُلاحقُني تفكيري

بينما أَكنِّسُ أوراقَ وجودي

تهزّني خواطرُ الذكرياتِ

يجتاحُني شعورٌ

كحنينِ الطيورِ لأوطانِها

منذ أنْ غادرْتُ ساحِلَكَ

وكوكبَ أُمسياتِك

أَجلسُ كلَّ يوم

أُذّرِرُ نهرَ اغترابي

داخلَ حدودِ ملعبي

لأفجر معاناتي المخبأة

أتهيأُ للشقاءِ المتدرجِ

تنهالُ أظافرُ هذياني

أتلاشى لِلَحظاتٍ الجنونْ

وبريشةٍ موحشةٍ أُدَوِّنُ كلماتي

ثُمَّ أُعالجُ رموزَ السطور

ِ لأجعلَها كالمعابدِ المغلفةِ بالخرافاتْ..

يبحثُ عَنِّي تفكيري!

حينَ أُغادرُهُ لِبوابةِ النسيانِ

يلاحقُني كصديقِ وجودي

كالثائرِ المبشِّرِ يأتي بمفرداتِهِ

يلهو داخلَ نيراني

يضعُني بين غيابِ الوطنِ

كلَّ يومٍ كلَّ شهرٍ

وساعةٍ بساعةٍ من السنة

وكلما شردَ خاطري

كساعةِ سَكينةِ الأسودْ

وحين أُصوِّبُ عَيني

على مرورِ الطيورِ المجنحةِ

فوق صمتِ الصخور

هنا تموتُ كلُّ الأشياءِ حولي

كالمنازلِ التي لا تُشرع نوافذُها

كالمراكبِ التي لا تُبْحِر

بينما أُحاولُ مقاومةَ الحياةِ

كالعشبة التي لا تموتْ

قبل أنْ تبدأَ علاماتُ الشيخوخةِ

وأعزفُ على أوتارِ غُربتي

أَرْقصُ على طبولِ أَحْلامي

وقبل أن ينتهيَ مِشوارُ كلِّ سنةٍ

أَصرخ

ُ أشجارُ الأََرْزِ ضُميني بينَ أغصانِكِ

وبين أوراقِكِ

خبئيني وفي صفحاتِ تاريخِِكِ

ضَعيني وبين حروفِكِ الفينيقيةِ

اِبْحثي عن غيابي

ومع رياحِ الشرقِ أَرسلي لي ابتساماتِكِ

حتى لا أتجاوزَ حدودَ سريري

لا تتركيني أتجوَّلُ كالمهاجرينَ في الوطنِ السِّرِّي

لا تتركيني أستسلمُ لضَياعِي

وأتأملُ أهوالَ البشر

لا تتركيني بين عالمٍ مِنً الخشبِ

ألاعبُ ستائرَ الظلامِ أدخلُ ركنَ استسلامي

أسجلُ أيامَ بُعْدَكِ

وأُكَوِّرُ أرقامَ هويتي

بحباتِ الصنوبرِ المجففة

هنا لا السماءُ خيمتي

ولا الشوارعُ وطني

ولا الكواكبُ عائلتي

وليس الزمانُ مَأْمَنِي

ولا الشواطئُ مَرْفَأي

هذه الأرضُ ما زالتْ تجهلُ نيراني

فكيف أكونُ أو لا أكونْ!؟

أدخليني بين ركعاتِ صلاتِك

رتّليني بتلاوةِ كلماتِكِ

قبل أن تبتلعَني أقراصُ الشِّعْرِ المهدئة

***

حاورها المستشار الأدبي حسين علي الهنداوي

..

سيرة ذاتية للشاعرة والناقدة هدلا قصار

هدلا القصار:

البلد الأم: لبنان /بيروت

الإقامة الحالية: فلسطين

- أنهت دراستها الجامعية في الصحافة والإعلام من الجامعة الأمريكية اللبنانية

- بكالوريوس في "سيكولوجية الإنسان المقهور" جامعة بيروت العربية

ماجستير في النقد، وتحيل الخطاب الأدبي وأهميته.

بدأت رسالتها الأدبية أواخر السبعينات نشرت العديد من النصوص النثرية والمقالات الاجتماعية والأدبية في مجلات لبنانية محلية منها، مجلة الحسناء/ ومجلة الشبكة/ وصحيفة وصوت المرأة المحلية/ وصوت العدالة .

إلى أن تزوجت من كاتب فلسطيني ناقد مسرح وسينما

- عملت في مجلة الحرية سنة 1982 في بيروت

- عملت مدير العلاقات العامة في القنصلية الفلسطينية في دمشق 1982/1984

- علمت " باحثة اجتماعية " في سوريا دمشق 1982/1984

- عملت في وقت واحد محررة في مجلة فلسطين، وصحيفة " الجزيرة" المختصة بالجالية العربية في جزيرة قبرص سنة 1985/1992

- عملت مدير دائرة التحرير لمجلة "قضايا فلسطينية" التابعة لوزارة التخطيط والتعاون الدولي، . سنة 1994 .

- نائب المدير العام لدائرة الإعلام في وزارة الشؤون الخارجية لدي السلطة الوطنية

- عملت لصالح الوزارة على إصدار نشرة بعنوان "الحقيبة" الموجه إلى السفارات والقنصليات الفلسطينية في الخارج) . سنة 1996

نشرت العديد من الكتابات السياسية والدراسات الإعلامية ضمن نطاق العمل .

شاركت في العديد من الندوات والأمسيات الشعرية في عدة دول عربية

- صدر لها ديوان بعنوان " تأملات امرأة " عن دار الساقي بيروت سنة 1982

- ديوان بعنوان " نبتة برية " عن دار الشروق بيروت. سنة 2008

- ديوان بعنوان "مهرة الحكاية" برعاية المركز القومي للبحوث الفلسطينية 2016

- العمل على تنقيح ديوان بعنوان " ترانيم الهديل"

- التحضير لطباعة كتاب عن النقد حول " المهجر وتهجين لغة الشعر "

- التحضير لطباعة مجموعة مقالات نقدية خاص بالكاتبة بعنوان "سوسيولجيا النص الأدبي . ( بالطبع العنوان قابل للتغيير

- نشرت الكترونيا وورقيا العديد من النصوص النثرية والسردية والدراسات النقدية والاجتماعية في عدة صحف ومجلات أدبية تصدر في دول عربية وعالمية، منها: صحيفة إيلاف / صحيفة الزمان الالكترونية / الإمبراطور / فضاءات / ديوان العرب / صحيفة المثقف /مجلة الندوة العربية / مجلة ألوان /عراق الكلمة / مجلة أنانا /مجلة ليلى اللبنانية/ ومجلة الغربة الثقافية والإعلامية/ والموقع الدولي والعلماني " الحوار المتمدن" وغيرهم العديد..

* عضو " الموسوعة الكبرى لشعراء العرب " الموسوعة الأولى .

* عضو رابطة شعراء العالم 2006

* عضو اتحاد كتاب العرب 2007

* عضو رابطة أدباء العرب 2008

* عضو في نقابة الصحفيين العرب 2008

* عضو اتحاد الكتاب الفلسطينيين 2009

* عضو اتحاد مدونين العرب 2009/ 2010

* عضو كتاب الانترنت 2010

عضو اتحاد الكتاب الفلسطيني .

عضو اتحاد المدونين العرب .

عضو صالون القلم الفلسطيني .

* عضو لجنة التحكيم في النقد الأدبي في ملتقى الأدباء القاهرة

* رئيسة ومديرة صالون المواهب الشعراء والمبدعين

* مديرة وسفيرة البيت الثقافي العربي في الهند ( لدي فلسطين)

* دكتورة فخرية من المجلس الأعلى للإعلام فلسطين/ فرع الأردن

* وأخيرا كان لي شرف الفوز بـ " جائزة الشاعر شربل بعيني لعام 2016"

آخر نشاطاتها وفعالياتها الأدبية

عملت على تكريم خمسين إعلامية لم يأخذن حقهن على الساحة الغزية برعاية " مركز رؤية للدراسات والبحوث " 2015

* علمت باجتهاد شخصي على " إقامة برنامج شامل لـ ( مواهب الشعراء والمبدعين ) والتركيز على نقاط الضعف والقوى لدي المواهب وتقويتهم من خلال دورات شاملة فما يخص خصصت دراسة ومفهوم " الإطار العام للقصيدة المميزة"

* شاركت في العديد من المؤتمرات السياسية والفعاليات الشعرية والنقدية الإبداعية

كما جري معها العديد المقابلات الإذاعة والتلفزيونية والمجلات والصحف الدولي

حول كتاباتها الادبية الشعرية والاجتماعية والدراسات النقدية

أهم ما كتب عن نصوصها :"

- كتب الباحث والناقد العراقي عن قصيدة " بحر الأبدية مقالة بعنوان " في حر الأبدية.. لهدلا القصار"

- كذلك كتب الدكتور الناقد حمام محمد زهير " قياس اللذة في بحر الأبدية " للشاعرة هدلا القصار

- كتب الشاعر والناقد والمترجم ميلود حميدة،ضمن كتابُ بَوتقةِ المِسك.. حَلقاتٌ بينَ الأدب وَنُضوجِ الصَّدى" باب " صدى الدراسات النقدية"

- كتب الشاعر والناقد عبد الوهاب المطلبي دراسة بعنوان " قراءة مرآوبة لنصوص الشاعرة الفذة هدلا القصار

- كتب الباحث والناقد المصري حازم حداد " التنوع في الأسلوب الشعري في قصائد الشاعرة هدلا القصار

- علي شبيب ورد/ كتب " ورود تٌكتب بالقصائد"

- كتب الشاعر دراسة والكاتب الجزائري أحمد مكاوي، النبوءة في نص سردي بعنوان (قصص لمدينة) لهدلا القصار

- وكتب دراسة الشاعر والكاتب الجزائري أحمد مكاوي عن قصيدة (ظل منقار) هوى على منحدر حلم عاقر

- كتب الباحث والناقد الدكتور كريم القاسم رؤية بعنوان (جولة ٌ في جذور نبتة برية

- ترجم بعض من نصوصها الشعرية إلى الإنجليزية والفرنسية، منهم نص بعنوان " لن أبوح" "نشوة الرهبان" بحر الأبدية / علبة الأصابع / نبتة برية..

كما ترجم بعض من دراساتها النقدية

ترجم بروفايل للشاعر يوسف رزوقة بعنوان: من سحر الأمكنة الأدبية، نذهب إلى انسكلوبيديا "الشاعر التونسي يوسف رزوقة،المقيم في فرنسا

ترجم إلى الفرنسية بروفايل للشاعر والفيلسوف اللبناني روبير غانم،بعنوان

من بين كهناء الشعر نتوقف أمام تجربة الشاعر - دانتي- اللبناني وارتباطه الميتافيزيقي بالفكر والواقع .

ترجم إلى الرومانية بروفايل للشاعر الفلسطيني منير مزيد بعنوان: " من أجيال كهنة الشعر نذهب إلى الشاعر الكنعاني المقيم في رومانيا منير مزيد"

بعض من كتابات الشاعرة الرؤيوية التي أخذت حيزا كبيرا من تأييد واهتمام نقاد كبار والمواقع الأدبية (علما هذا غير مالوف بين اصحاب المهنة)

1- بروفايل (1) – ساحات لا تحتمل أقلام كهنة شعراء العالم العربي والعالمي المتسلحين بمحراب حروفهم الهاربة من ببلوجرافيا الأدب

2- بروفايل (2) من الساحات التي لا تحتمل أقلام كهنة شعراء العالم العربي والعالمي والشاعر والمترجم التونسي يوسف رزوقة

3- بروفايل (3) من بين كهنة الشعر يدعونا يسوع الأقدار قاسم حداد، إلي جلسة حميمة مع محراب حروفه المهجنة

4- بروفايل (4) من بين كهناء الشعر نتوقف أمام تجربة الشاعر - دانتي- اللبناني وارتباطه الميتافيزيقي بالفكر والواقع

5- بروفايل (5) من مسقط رأس الهجرات الثقافية نطوف بالنجم البريري الشاعر العماني سيف الرحبي

6- بروفايل (6) من العائلة الكهنية نصطاد البلبل الفرعوني الشاعر شربل بعيني،و ملفوظاته السيميائية

7- بروفايل (7) نتجه نحوى طائر الفينيق اسعد الجبوري ومخزونه المكتظ بالمعرفة الابستمولوجية في الشرق الأوسط والعالم العربي

8- بروفايل (8 ) من أجيال كهنة الشعر نذهب إلى الشاعر الكنعاني المقيم في رومانيا منير مزيد

9- روايات القصة الفلسطينية بين المرأة والرجل

10- الرقص على وتر العاطفة وعاصفة العقل التي تطول وتقصر في سيسولوجية الشاعر عثمان حسين

11 – فيكتور هوجو الفلسطيني - علاء نعيم الغول- يغرق بين اللغة وصياغة الشعر الحديث في ديوان – قصائد العشق المائة-

12 – أرصفة الذات بين الانكسار،وسراج العقل في ديوان –شمس الليل- للشاعرة اللبنانية دلال غصين

13- فاطمة بوهراكة بين الأسئلة والمبررات في هذيان –جنون الصمت- والبوح

14- نقطف من تراتيل الكنائس - دادئيات- الشاعرة السودانية - ابتهال محمد مصطفى تريتر-

15- حين يجتمعون الشعراء في عزاوات الحبيبة

16- رؤية نقدية حول نصوص الشاعر العراقي وهاب الشريف

17- سماح الشيخ الطفلة التي ترتدي لباس الراشدين

18- بين ديوانية الحريم والمكاشفة الفذة

19- هل بإمكان النقد أن يوقف الأخطاء المتوارثة والاقتباسات النتية؟

20 – بين الذاكرة والذاكرة يعيش الشاعر اللبناني - جورج جرداق – في مربع الشعراء

21- البحتري الصغير، الشاعر الجزائري أحمد مكاوي

22 - ادكـار ألـن (السعودي) القاص عبد الرحمن الدرعان الذي يرضع طفولته من حقائبه القصصية السردية

23 – من أوراق' زهايمر خفيف' نتجه إلى عقلانية الشاعر الفلسطيني الشاب محمود ماضي

23 – الجريفاني.. شاعر سعودي يتنفس الحب من تحت عباءته

24- سعد جاسم يعيد اكتشاف وطنه عبر الأنثى

25 – شاعر لم تقولبه القصيدة ولم تصنفه الكلمات الشاعر الفلسطيني منير مزيد

26 من هرمونات الحركة الإبداعية الحديثة لجيل الشباب الهارب من الأبيض والأسود الاجتماعي

27 - من مطاعم روايات القصة الفلسطينية بين الرجل والمرأة وبين استنساخ الماضي واستحضار الحاضر

28 – سماح الشيخ الطفلة التي ترتدي لبـاس الراشين في منولوج متأرجح بين الصغر والكبر

29 – تفرد الأناة الجمعي في قصص نهيل مهنا في قصص" حياة في متر مربع" المشبع بقضايا هموم المرأة الفلسطينية

30 - أفـــلام فلسطينية للتجارة..

31 - شـاعر الماركة المسجلة الشاعر اللبناني "شربل بعيني "

32 - شاعر لم تقولبه القصيدة ولم تصنفه الكلمات الشاعر منير مزيد

33 – قراءة في قصيدة الشاعر العراقي يسعد جاسم "لا وقتَ إلاّ لابتكارك"لعنوان ديوانها الثاني

لبست هذه النبتة ثوب الصمت إلى أن خرج صراخها بعد أن ضاق الهمس في صدرها.. حيث أيقظت هذه النبتة غربتها عن الوطن في الفكر والمشاعر.. لتذهب الى الإبداع الذي شجعها على الصمود وترميم البقاء من خلال أوراقها..، كانت وما زالت تبحث عن من يشبه غربة روحها التي خرجت بها إلى الطبيعة لتبحث عما فقدته بين الكائنات اللحمية فوق اليابسة، وفي أعماق التاريخ وصولا إلى نقطة العودة.. ذهبت لتسال سكان الغابة عن موطنها الذي كان يناديها.. وحدها من كان يسمع ذاك النداء القادم من ارض الفينيق توقفت لتنفض ملابس العبارات.. ومن يسكن حنين قلبها لتلقي برأسها على وسائده.. بعد أن فقدت برعمها.. ذهبت إلى الغابة التي لا يوجد فيها من يعاقب أو يلام.. لتستكشف داخلها الزمني في الذاكرة، وتبحث عن مسامير أرضها في الطبيعة لتبحث عن من يكتشفها أو يشبهها.. يدنو منها.. نشرت هذه النبتة غربة نصوصها خارج ارض الوطن الأم..

وما زال الاغتراب يزاحمها، مشكلات الواقع، والخداع، والزيف، وتعدد الوجوه المزيفة.. كما يزاحمونني على النجاح.. وما زلت اهرب إلى عرش الشعر، وهمس المحبين.. ليضيء الحلم الذي يرقص بجناح ملكوت الشعر لاحتفل معه بــ "عرس بلا رقص"

 

 

2608 نبيلة متوجالسورية نبيلة متوج: تجربتي الشعرية متفردة بذاتها، بسيطة كبساطة الريف وعميقة بعمق الحب والمشاعر التي تربطني بالآخرين

نبيلة متوج شاعرة مرهفة الإحساس، تكتب بصدق ولغة أنيقة، وبأسلوب نثري متين ورصين، تغرد مع البلابل والحساسين في سماء الوطن وفضاء القصيدة. كان لي معها هذا الحوار:

س: هل لك ان تقدمي نفسك للقراء؟

ج- اسمي نبيلة متوج، من موطن الأبجدية الاولى ... من بلاد الياسمين سورية الحبيبة. خريجة كلية العلوم فرع رياضيات. أهوى الجمال في كل شيء ... أعمل في القطاع الصحي كإدارية جامعية. أعشق الكلمة الجميلة ولكنني مازلت أحبو على دروب الشعر

س: حدثينا عن بداياتك الشعرية؟

ج- بدايتي كانت منذ خمس سنوات تقريبا عندما رحلت امي رحمها الله ففاضت عبرتي كلمات

خذيني إليك . . .

آه يا امرأة

رسمتني عيناها قبل التكوين

أرهقني بعدك أرهقني

لو تمنحني قدماك الطاهرتين

هنيهة أمن ......

من محراب الروح أناديك

أسمع همس نجواك

يملأ أرجاء الكون دعاء

يناجي الله كل فجر

أن يحفظ فلذات الأكباد

أعلم أنك هبة الله

لديك الرحمة وكل الحب

الجنة حيث تكونين

خذيني إليك ......

إلى جنتك .......

أنا منذ ولدت

عرفت الله بعينيك

عبدت الله بفضلك

صرت نبتة طهر

هذا الفجر أضناني

الشوق إليك

قمت . .صليت . . بكيت

ناديت خذيني إليك

اشتعلت لغتي

حرفا".... حرفا"... شوقا"

احترقت نبضات قلبي

بخورا" ......

أمي أضم صورتك

أمسح عينيك بدمعي

ينبت قلبي

فوق طهر ثراك

ريحانًا وقمحًا

يا امرأة بحجم الكون

لو خيروني اختار

وطن

أختار قلبك

س: يقال ان بعض الشعراء يكتبون قصائدهم والبعض الآخر تكتبه القصيدة، فمن أي الشعراء أنت؟ وكيف تولد القصيدة لديك؟ وهل من طقوس معينة للكتابة؟

ج- أنا من الشعراء الذين تكتبهم القصيدة، فقصائدي وليدة آلام الناس ومعاناتهم وفرحهم واللحظات الجميلة التي يمرون بها، وليس لدي أي طقوس معينة للكتابة ...ربما أكون أسير في الطريق فأرى موقف أو منظر يستهويني فتولد قصيدتي. دائما اصطحب معي قلمي وأوراقي ...وأخط ما يمر أمامي وأرسمه بالكلمات فتولد قصيدة.

س: مَنْ كان له النصيب الأوفر في التأثير على تجربتك الشعرية خلال مشوارك الإبداعي؟

ج- أعشق كل شيء جميل من كلمة وزهرة ومنظر طبيعي، أحببت منذ طفولتي الشاعرة العراقية نازك الملائكة وتأثرت بالشاعر الكبير نزار قباني وقرأت للشاعر الكبير محمود درويش، لكني أظن أن تجربتي الشعرية متفردة بذاتها فهي بسيطة بساطة الريف، عميقة بعمق الحب والمشاعر التي تربطني بالآخرين.

س: هل الاعلام العربي يقوم بواجبه في نشر الثقافة والشعر، والتعريف بالمبدعين، وكيف ترين تجربة النشر على مواقع التواصل الاجتماعي؟!

ج- برأيي أن الاعلام العربي مقصر جدًا في نشر الثقافة والشعر والتعريف بالمبدعين من شعراء، وأدباء، وعلماء. أما تجربة النشر على مواقع التواصل الاجتماعي فهي تجربة جيدة وناجحة، ولولا هذه المواقع لما سمعنا بأكثر الشعراء ولا قرأنا إبداعاتهم.

فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت العالم أسرة قرية صغيرة ، تستطيع من خلالها أن تجوب العالم وأنت في مكانك ولها الأثر الكبير في انتشار الأدب والعلم والمعارف، والتكنولوجيا ساهمت مساهمة كبيرة في ابراز واشهار الشعراء وتعرفت الناس على نتاجهم الادبي، وقد فتحت أمامهم هذا الفضاء الأزرق، ولولا وسائل التواصل الاجتماعي ما عرفنا بعضنا البعض ولا استمتعنا بروائع الشعراء والأدباء، لذا أحببت النشر في الفيسبوك على صفحتي الشخصية وفي ملتقيات أدبية  كثيرة ومنتديات ومجلات عربية وحصدت قصائدي الثناء من القراء والكثير من شهادات التكريم.

س: هل تعتقدين بوجود كتابة نسائية وأخرى ذكورية؟ وهل هناك فرق بينهما؟

ج-الأدب والشعر لا ينقسمان بين الذكور والاناث. لا يوجد أدب نسائي أو أدب ذكوري، إنما الأدب واحد، وإن كان هناك أديبات وشاعرات كثيرات على الساحة ربما يكون الاختلاف بأن المرأة أكثر حساسية وتأثرًا بالموضوعات التي تطرحها في قصيدتها.

س: هل لك ان تحدثينا عن ديوانيك الالكترونيين، وماهي أبرز المحطات فيهما؟

ج- صدر لي ديوانان الكترونيان، الأول صدر عن منتدى نسمة ياسمين للأدب والشعر، وهو من إعداد واخراج الأستاذة غادة السيد، والثاني بعنوان (حورية) مجموعة قصائد بطعم الشجن، صدر عن منبر الأدب الليبي والعربي والعالمي. وفي كلا الديوانين قصائد تصور الحياة العامة والشخصية وقصائد وجدانية وواقعية بلغة سهلة من يقرأها يظن أنها كتبت خصيصًا له، تحاكي واقعه وأحاسيسه وفيهما قصائد محاكاة لقصائد شعراء عالميين.

س: ما رأيك بالحال النقدي الراهن؟ وهل أنصفك النقد والنقاد؟

ج- لا يوجد في أيامنا هذه نقد بمعنى النقد البناء ...والذي كلنا نسعى اليه ...أما بالنسبة لي فقد رأيت العديد من النقاد سلطوا الضوء على مجموعة من قصائدي وإن كنت أتمنى لو تحظى كتاباتي بالنقد أكثر، كي أمكن من السير قدمًا في طريق الأدب والشعر. وإنني مدينة بالشكر للناقد الاستاذ شاكر فريد حسن اغبارية، والأستاذ الناقد حميد الخويلدي، والاستاذ صاحب ساجت.

س: كيف ترين واقع المرأة السورية بشكل خاص، والمرأة العربية بشكل عام؟

ج- الحقيقة المرأة السورية تُرفع لها القبعة احترامًا وتقديرًا، كانت ومازالت الجمال والخصب والعطاء ...حاربت على جبهات القتال وصمدت ...وزفت أبناءها شهداء وزغردت وزرعت الأرض ...علمت الأجيال. المرأة في سورية حصلت على كثير من حقوقها فتراها في كل مكان وكل المجالات (معلمة ...قاضية ...محاربة.. مزارعة..شاعرة، لكن المرأة العربية بشكل عام مازالت تعاني الكثير، وواقعها متردٍ  تتزوج باكرًا وتمتلك كأنها قطعة أرض يتحكم بمصيرها الرجل سواء كان أبًا أو أخًا أو زوجًا.

س: هل تعتبرين جمال المرأة له أثر على شهرة الشاعرة وسطوعها؟

ج- لو تكلمنا عن الجمال فمن منا لا يعشق الجمال. لكن في مجال الشعر لا أظن أن جمال المرأة له أثر في سطوعها وشهرتها، إنما جمال احساسها وكلماتها المنمقة الجميلة ربما يكون لهما الدور الأهم في شهرتها وسطوع نجمها.

س: بعض القصائد ترتبط بموقف معين وتكون بمثابة انعكاس وتوثيق لهذا الحدث، فما هو الحدث الذي أثر فيك وكتبت عنه؟

ج-كل الأحداث التي مرت على بلادي سورية أثرت بي وجعلتني أكتب أحرف حمراء بلون دماء الشهداء وبلون دموع الأمهات، فكتبت عن سنوات الحرب، وعن أحداث مرت على بلاد العرب كلبنان والعراق وفلسطين اثرت بي وكتبت عنها، وكذلك جائحة كورونا التي هددت العالم، وعلى الصعيد الشخصي وفاة أمي وأبي رحمهما الله أثرا عليّ كثيرًا وبكيتهما قصائدًا موجعة الحروف.

س: ماهي أحلامك وطموحاتك ومشاريعك المستقبلية؟

ج- أحلم بأن تنتشر قصائدي ويقرأها الجميع وأن تصبح عالمية وتترجم الى لغات العالم. أما مشاريعي إن وفقني اللـه أن أطبع قصائدي ورقيًا.

س: هل هنالك قصيدة تعتزين بها أكثر من غيرها، وما هي؟

ج- كل قصائدي هي جزء مني، أحبها وأعتز بها لأنها تحمل نبضات قلبي ووجعي وأحلامي، ولكن هنالك قصيدة أحبها وأقدمها للقراء، وهي بعنوان (اعترافٌ متأخرٌ):

لا المسافاتُ

وَلا الأيّامُ تُؤرِّخُ

غَيرَ المَحبَّةِ!

هدِيلُ حَمامٍ

قِبابٌ مِنْ غِيُومٍ وَعَسْجَدٍ

تَرْتيلةُ صَلاةٍ مِنْ بَنَفسَج

جُسُورٌ مِنْ رُؤىٰ

قَداسَةُ نَدًىٰ

صُبْحٌ لَمْ يُولَدْ!

وَجهُكَ الوّضَّاءُ...

صَيَّرَني...

في زَمَنِ الوَغَىٰ..

حُبًّا مَمْنُوعًا

وَ في لَيالي الشِّتاءِ،

دِفْءً لَذِيذًا

عَلَّمْتَني:-

لِلْصَّمْتِ حَكايَا

تُطَرِّزُ الأوْقَاتِ...

بَراعُمٌ تَغْزُو قَلْبًا مُعَنَّىٰ

تَضْحَكُ لَها المَرايَا

غمزةُ عَيْنٍ

تَنْثِرُ في تُرْبَةِ قَلبِي

حُرُوفًا...

تُزْهِرُ  قَصائِدَ!

أنْتَ يا صَخْبَ الهدُوءِ

وَ صَمْتَ اللَّذَّةِ

يا سِرًّا وَ خَفايَا

أعوامٍ مرت

نَثَرْنا في الوُجُودِ

أجْمَلَ هَدايَا

امْطَرَتْ فَراشاتِ حُبٍّ

أَمانِينا...

وَ لَوْعَةَ الياسَمِين!

س: كلمة أخيرة تقوليها في نهاية هذا الحوار!

ج - لقد سررت جدًا بأنني كنت ضيفتك استاذ شاكر فريد حسن في هذا اللقاء، وكنت المحاور اللطيف الهادئ، فكل الشكر وباقة من الورد والرياحين لك استاذنا الانيق.

وهذه القصيدة هديتي لكم في نهاية هذا اللقاء، وهي قصيدة أضاءها الكثير من النقاد ونشرت في الكثير من المواقع، تقول كلماتها:

حوريَّةٌ أَنَا...

سَبِحْتُ في بَحْرِ كلماتِكَ

مَعَ حُرُوفِ اللَّازُورْدِ

لَبِسْتُ غِلَالَتي،

وَ أَطْلَقْتُ أَجْنِحَتي

عِبْرَ مَداكَ

كَمْ كَتَبْتَ قَصائِدَ وَردِيَةً!

حُلمُكَ المُقَدَّسُ أَنَا

صَلاتُكَ لِلرَبِّ

تَدْفَعُنِي لَهْفَتي،

فَأَنْسَلُّ بَينَ حُرُوفِكَ

أَتراقَصُ...

فراشاتٍ

أمْلَأُ عالمَكَ ياسَمِينًا

أَظْمَأُ وَ أَرْتَوي

تَمْتَلِىءُ بي

بِهَمسي وَ عَذْبِ حُضُوري

أَدمَنْتَني وَ..كَفَىٰ!

أَنـا إبْنَةُ أفكارِكَ

وَ مَلاذُكَ الآمِنُ

حُورِيَّتُكَ أَنَا

أُبْحِرُ في زَحْمَةِ إبْداعِكَ

أَنسَلُّ كالدَهشَةِ

بَينَ سَكَناتِكَ

أرْجُوكَ...

غَنِّ لِي بِنَبضِ قَلبِكَ

قَصِيدًا بَدَوِيًّا

وَ عَلِّقْني في خَيْمَةِ رُوحِكَ!

***

حاورها: شاكر فريد حسن

 

 

علي محمد حسن2562 ايمان اليوسفربما لم يأتِ الاهتمام أو التركيز على علاقة المرأة والكتابة بشكل مباشر في البدء، لكنه فرض نفسه. بمعنى، حين بدأت الكتابة (ولا زلت) كان أكثر ما يشغلني هو الانسان. القضايا التي تهز الإنسان، التي تؤثر فيه ويتأثر بها والتي تبنيه ويبنيها. العالم قائم في تاريخه وجغرافيته على وحدة أو قطعة الموزاييك الأعظم فيه وهو الإنسان. هذا ما صرحت به الكاتبة إيمان اليوسف في الحوار الذي اجريته معها كما اخبرتنا عن تأثرها الكبير بالثقافات الغربية بدرجة كبيرة . كما اعربت إيمان عن ايمانها بعدالة الأدوار للجنسين وبانها فلسفة أعمق وأصدق من المساواة. بالاضافة الى انها اخبرتنا برأيها عن ماذا تحتاج المرأة لتكتب.

ولدت الكاتبة في عام ١٩٨٧ في دولة الامارات العربية المتحدة. مدربة جرافولوجي ومهندسة كيميائية. درست في الجامعة الأمريكية في الشارقة وحصلت على دبلوم في الدبلوماسية الثقافية في عام ٢٠١٧ في برلين. وهي أيضاً عضو إداري في إتحاد كُتاب وأُدباء الأمارات.

صدرت لها روايتين (النافذة التي أبصرت) و(حارس الشمس) بالإضافة إلى ثلاث مجموعات قصصية. وقد فازت روايتها (حارس الشمس) على جائزة الإمارات للرواية لعام ٢٠١٦ والتي ترجمت الى سبع لغات. ومن الجدير بالذكر أن إيمان اليوسف أول إماراتية إختارتها جامعة آيوا في الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على الزمالة في الكتابة الإبداعية.

الحوار:

يقال أن "الكتابة نوع من الترجمة والنص الذي يجب ترجمته هو أنت" ويقال أيضا أن " الكتابة ليست الا حلما موجها"

1- ماذا تعني لك الكتابة؟

- مررت مع الكتابة بأكثر من مرحلة مختلفة. جاءت في البداية كنوع من أنواع البحث عن الذات. إذ حين بدأت القراءة في عمر مبكرة جدًا كنتُ من خلالها أبحث عن إجابات للكثير من الأسئلة التي لم يكن بإمكان الأسرة أو المنظومة التعليمية الرد عليها. كنت طفلة شديدة الفضول، أتساءل عن كل شيء طوال الوقت. ومن حسن حظي اكتشفت المكتبة العامة التي يفصلها عن بيتنا شارعان فقط.

لم آتِ من أسرة توفر مكتبة في بيتها ولا شغوفة بالقراءة، لذا قضيت الكثير من الوقت في المكتبة أقرأ كل ما يطيب لي. في فترة مبكرة أيضًا وجدتني أبحث عن ملاذ. أحببت أن أصنع عالمًا أغرق فيه كما العوالم المختلفة التي كانت تسحبني كحفرة أليس في بلاد العجائب من الروايات التي قرأتها في المكتبة. أردتُ أن أصنع عالمًا من اختياري. أصب فيه جنوني كله. اكتشفت لاحقًا مع تتابع إصداراتي الأدبية، أن الكتابة بالقدر الذي كانت فيه الملاذ والمأوى والمهرب، كانت الرحلة إلى الذات. وجدتني أكثر وعرفتني عن قرب مع كل سطر خطه قلمي.

الكتابة بالنسبة لي أساسية، كما المأكل والمشرب. طوال مسيرتي المهنية قدمت الكثير من التضحيات، لأتمكن من الاستمرار بالكتابة. وحين كُنت أُخير بين الكتابة وأي شيء آخر على مختلف مراحل عمري، كانت الكتابة تفوز دائمًا.

هي ببساطة غايتي وهدفي ورسالتي في الحياة.

2- من هو/ هي مصدر الالهام لإيمان اليوسف؟

- تُلهمني التفاصيل التي يغفل عن رؤيتها الناس. في روايتي الأولى "النافذة التي أبصرت" ألهمني لكتابة مدخل الرواية رجلٌ يحمل باقة من الزهور البرية. كان يعبر الشارع. تساءلت يومها، هل هذه الباقة بداية العلاقة أم نهايتها؟ أعني، هل هي لمصارحة امرأة بحبه، هدية لزوجته؟ أم أنها اعتذارٌ لها ورحيل؟ وأدركت أن في التفاصيل الكثير مما لا يُقال. في التفاصيل، كل الحكاية. في الوقت ذاته، أُصاب بالإلهام حين يستفزني أمرٌ ما كما حدث معي قبل كتابة روايتي الثانية والحائزة على المركز الأول لجائزة الإمارات للرواية "حارس الشمس"، إذ كنت حينها أتابع الأخبار، واستفزني بل وأغضبني بشدة ما يحدث في الموصل على يد الجماعات الإرهابية خاصة حين أقدموا على تفجير جامع النبي يونس عليه السلام. ضياع الأثر الذي يشكل ثروة للإنسانية جمعاء، القصة التي تقف شاهدًا تاريخياً، الظلم الذي يتجرعه العراق كله أحزنني جدًا حتى لم أتمكن من النوم جيدًا لمدة أسابيع بعدها.

بحثتُ في أمر الكنوز التي توجد مدفونة تحت جامع النبي يونس كما توضح بعض رحلات التنقيب البريطانية في العراق قديمًا. كنوز تعود إلى سرجون الأكديوسنحاريب. ثيران مجنحة ضخمة بعيون من ياقوت وزمرد. حدائق بابل المعلقة المدفونة تحت هذه الأرض المباركة. كله دفعني للكتابة. أردت للعالم أن يعرف الحقيقة. وبالفعل فازت الرواية بالجائزة وتمت ترجمتها إلى ما يقارب السبع لغات عالمية.

إذًا، فإن ما يُلهمني ليس بالأشخاص تحديدًا بقدر ما تُلهمني التفاصيل والقضايا الإنسانية والوجع البشري بالدرجة الأولى.

3- هل حققت المرأة الاماراتية كل أو بعض من طموحاتها فيما يخص دورها الاجتماعي؟

- المرأة الإماراتية امرأة قوية بطبيعة تكوينها وبما جادت عليه بيئتها وتاريخها. كانت تتولى مهام التجارة والأسرة كاملة حين غياب الرجل في رحلات الصيد والغوص من أجل اللؤلؤ قديمًا والتي كانت تمتد شهورًا طوال. اليوم، وبفضل هذه القوة بالإضافة إلى دور الحكومة الرشيدة والداعمة للمرأة بكل قضاياها وشؤونها، تطورت حقوق المرأة ووضعها سواء الاجتماعي أو المهني من التمكين إلى تمكين المجتمع من خلالها.

أصغر وزيرة في العالم هي من وزيرة الشباب الإماراتية، الوزيرة شما المزروعي. وزارة السعادة تقودها وزيرة هي معالي عهود الرومي. بالإضافة إلى تولي وزيرة العلوم المتقدمة معالي سارة الأميري مهمة مسبار الأمل الذي تم إطلاقه إلى كوكب المريخ منذ عدة شهور ويُعد الوصول الأول للعرب جميعًا إلى الفضاء. إن الإمارات تثق بالمرأة، توليها الحكومة والقيادة الحكيمة مهام عظيمة. تعمل المرأة بشكلٍ مساوٍ للرجل في شتى الميادين مع الحفاظ على حقوقها من إجازة للوضع وتسهيلاتٍ في حضانة الطفل وتسهيلات حديثة فرضتها مهامهن برعاية وتدريس أطفالهن بعد تحول التدريس من الحضور الشخصي في المدارس إلى الدراسة عن بُعد تحت الظروف الصحية الاستثنائية التي يشهدها العالم.

في المشهد الأدبي والثقافي، تتصدر المشهد المرأة من خلال غزارة الإصدار والنتاج وصولًا إلى الجوائز وحتى ريادة حركة النشر والترجمة.

4- أغلب وسائل الاعلام تسلط الضوء على البناء العمراني في دولة الامارات. جئت الى هنا لأسلط الضوء على دور الدولة في بناء شخصية المرأة الاماراتية.كيف ساهمت الدولة في هذا الامر؟

- تم الرد على هذا السؤال ضمن إجابتي على السؤال قبله (سؤال 3)

5- عندما أطلعت على سيرتك الذاتية، كما نقول باللهجة العراقية " عين الحاسود بيها عود" لاحظت انك قطعتي اشواطا طويلة في البحث والدراسة عن دور الكتابة وعلاقته بالمرأة والطفل. ما أهمية هذه العلاقة؟

- ربما لم يأتِ الاهتمام أو التركيز على علاقة المرأة والكتابة بشكل مباشر في البدء، لكنه فرض نفسه. بمعنى، حين بدأت الكتابة (ولا زلت) كان أكثر ما يشغلني هو الانسان. القضايا التي تهز الإنسان، التي تؤثر فيه ويتأثر بها والتي تبنيه ويبنيها. العالم قائم في تاريخه وجغرافيته على وحدة أو قطعة الموزاييك الأعظم فيه وهو الإنسان. حين أكتب فأنا آتي بالأحداث السياسية (كما في رواية حارس الشمس)، التاريخية (كما في رواية النافذة التي أبصرت) أو النفسية والسايكولوجية والميثولوجية (كما في قيامة الآخرين) أو حتى السوريالية والفانتازية كما في مجموعتيّ القصصيتين _طائر غي حوض الأسماك وبيض عيون) ثم أسلط الضوء على الحلقة الفاصلة والنقطة الأهم في هذا كله، الإنسان. ولأن بذرة الإنسانية الأكثر خطورة وحساسية والتي تحمل في جوفها الطاقة الأكبر هي الطفل، ولأن المرأة عانت وتعاني بصورة أكبر في كل المتغيرات من حولنا وغالبًا هي العنصر الذي لا يملك أن يقرر كما يحدث للرجل، فإن علاقة المرأة والطفل بالإنسانية وبالتالي الكتابة والأدب أقوى.

لكل من يكتب لإيصال صوت الضعيف أو لمن يود نقل القضايا الإنسانية الأعمق سيجد نفسه في مواجهة صريحة مع قضايا المرأة والطفل بالصورة الأكبر وهذا ما حدث معي.

أيضًا، فقد درست الكتابة كعلاج وجزء كبير منها قائم على نشأة الإنسان وبدايته في مراحل الطفولة المتقدمة بالإضافة إلى دول المربي الذي غالبًا يكون الأم أي المرأة وهنا نفتح بوابة قضايا المرأة والطفل من جديد.

2562 2ايمان اليوسف

6- من خلال دراستك في أميركا، هل تأثرت بالثقافة الغربية وكيف؟

- كلنا متأثرون بالثقافات الغربية بدرجة كبيرة. كلنا كقراء وكتاب نقرأ وقرأنا كلاسيكيات الأدب والكثير من الأدب المترجم هذا بالإضافة إلى تأثر الفرد في الوقت الراهن بالثقافات وخاصة الغربية لانفتاح العالم وقربه الشديد. كل ما يحدث حولنا إنما يقربنا أكثر من بعضنا البعض، أكبر مثال على ذلك الظروف الاستثنائية التي عشناها منذ عام 2020 والتي سهلت تقارب العقول وقصرت سبل الحوارات والنقاشات وتبادل الأفكار من خلال عدم الاحتياج للسفر لحضور ندوة ما أو لدخول متحف أو معرض بعد أن قدمت الكثير من الصروح الثقافية والفنية والأدبية فرصة التجوال الافتراضي داخلها متاحة للجميع.

لكن، من خلال تجربتي في البرنامج الدولي للكتاب والذي تقيمه جامعة آيوا في الولايات المتحدة الأمريكية والذي يعد أعرق وأقوى برنامج كتابة إبداعية في العالم حيث تأسس وبدأ نشاطه منذ عام 1967 وأُعد أول كاتبة إماراتية وخليجية يتم اختيارها في هذا البرنامج عام 2018، من خلاله تمكنت من الاطلاع على أعمال ونتاج وفكر ثلاثين كاتبة وكاتب من مختلف دول العالم. تعد هذه التجربة ثرية بشتى المقاييس. تعرفت من خلال تدريسي للغة العربية في جامعة وسترن كنتاكي في الولايات المتحدة الأمريكية بموجب منحة الفلبرايت العريقة للعام الدراسي 2020 – 2021 أيضًا على الكثير حول الثقافة الأمريكية والأدب الأمريكية، الأمر الذي يعد استفادة عظيمة لي كأديبة وكمتخصصة وباحثة في مجال الدبلوماسية الثقافية. أيضًا، فإن التأثر يخالطه التأثير، أي أنني أثرت في طلابي وفي الكتاب والأدباء والأكاديميين ونقلت لهم تجربتي وثقافة وطني وهويتي، وهذه هي القوة الناعمة في أبهى صورها.

7- ما هو رأيك بالروائيات العربيات واسهاماتهن؟

- لست بموضع النقد والتقييم ولا أملك حق ذلك. لكن، كأديبة وقارئة أعبر عن ذائقتي الشخصية ورأيي الشخصي ببساطة، فمن الصعب حصر تجارب الكاتبات العربيات جميعهن. المرأة حين تكون كاتبة فهي انعكاس لقضيتها وقضية بيئتها وهويتها، والوطن العربي يتسع ليشمل العراق من شرقه إلى دول الخليج العربي والشام ومصر والسودان ودول المغرب العربي. يمكنني الحديث عن الكاتبة الإماراتية، التي أثبتت بجهودها وقلمها ما أثبتته سابقًا بدورها في غياب الرجل من تحمل للمسؤولية المجتمعية والاقتصادية وتكيف مع بيئة صعبة وشاقة كبيئة الإمارات. هناك عدد من الأقلام القوية الإماراتية التي ترجمت أعمالهن لمختلف لغات العالم وتستحق إصداراتهن الاطلاع والقراءة منهن نادية النجار والتي غطت الكثير من القضايا الإنسانية في رواياتها كما تحدثت عن قضية غرق السفينة دارا في ستينات القرن الماضي في روايتها ثلاثة الدال وتعد من أروع من كتب للطفل. أيضًا الكاتبة ريم الكمالي والتي كتبت في مجال الرواية التاريخية وأبدعت مثل رواياتها: سلطنة هرمز وتمثال دلما وصدر لها مؤخرًا يوميات روز. بدرية الشامسي من أروع الكاتبات خاصة في خط الكتابة للطفل وفي أدب اليافعين الكاتبة أميرة بوكدرة. هناك أيضًا، الكاتبة عفراء البنا والتي نشرت مجموعة قصصية فيها سلطت الضوء على الكثير من القضايا الإنسانية المسكوت عنها في مجموعتها القصصية "سرير أبيض" كما وتملك دار نشر ومكتبة باسم "غاف". هناك من القاصات الجيدات الكاتبة مريم الساعدي وباسمة يونس ومن الروائيات المتمكنات من قلمهن الكاتبة لولوة المنصوري وزهراء موسى وصالحة عبيد وميسون صقر ووداد خليفة لرائعتها زمن السيداف ومن الكاتبات من جيل الرواد مريم جمعة فرج رحمها الله وشيخة الناخي وغيرهن كثيرات، ومن الرائدات والمتفردات في أدب الخيال العلمي نورة النومان. القائمة تطول وهناك الكثير من الكاتبات الإماراتيات اللاتي تركن بصمات متفردة في خارطة الأدب العربي والعالمي.

8- كيف واجهت إيمان اليوسف التحديات الاجتماعية والاعراف لتصبح كاتبة لها صدى واسع؟

- كنت موفقة ومحظوظة بأسرة داعمة ومتفهمة وبدولة ذات قيادة تدعم الكاتبة والمرأة في شتى الميادين وتذلل له العقبات والصعوبات، ولولا دعم قيادتنا الرشيدة وثم وأسرتي المتمثلة بشكلٍ أكبر بوالدتي لما كنت الكاتبة التي أنا عليها اليوم. لكن، لا يخلو الأمر من التحديات والصعوبات التي يجدها كل من يختار أن يمتهن الكتابة. الكتابة والأدب للأسف لا تُعد وظيفة، لذلك فإن إيجاد الوقت والتفرغ للعمل الأدبي باهظ ومكلف وصعب، هذا بالإضافة إلى عدم وجود فكرة الوكيل الأدبي في عالمنا العربي، وبالتالي على الكاتب الخوض وحيدًا في هذه المياه الصعبة للمشهد الأدبي والثقافي بالإضافة إلى حمل مسؤولية عمله ونتاجه الأدبي منفردّا، بمعنى آخر أنا حين أكتب مسؤولة عن تسويق عملي الأدبي والمتابعة بحفلات التوقيع والندوات والأمسيات والتي غالبًا لا توفي الكاتب والأديب حقه وقد تحدثت عن هذا بشكل مباشر ومستفيض في سلسلة فيديوات أقدمها عبر قناتي على اليوتيوب.

أملك في شخصيتي الكثير من الإصرار والمواظبة على العمل الدؤوب والبحث والكفاح. ولو لا هذه الصفات، لما تمكنت من النجاح ولله الحمد. مهنة الكتابة شاقة ومجال الأدب صعب والتحديات فيه متواصلة.

9- يقول الراحل نزار قباني: أريد أن اسأل " لماذا في بلادنا تقف النساء ضد حرية النساء؟" . هل تؤمن إيمان اليوسف بمناصفة الادوار الاجتماعية والسياسية مع الرجل؟

- أؤمن بعدالة الأدوار للجنسين وهي فلسفة أعمق وأصدق من المساواة. للمرأة حقوق وواجبات ودور لا يمكن لغيرها أن يلعبه ويقوم به، كما أن لها حرية الاختيار وتقرير ما تريده. لا يمكن لأي مجتمع أن يقوم إلا بتكامل دوريّ الجنسين معًا. هما يكملان بعضهما البعض في أدوارهما الاجتماعية كذلك، إذ لكل منهما تكوينه ومساحته وتناغمه والدور الذي لا يمكن للآخر أن يلعبه بالطرق أو الكيفية ذاتها.

10- دولة الامارات العربية المتحدة منفتحة على العالم وتمتاز بتنوع الثقافات أي ان هناك تلاقي بين الثقافات الغربية والافريقية والاسيوية والعربية، كيف ترى إيمان اليوسف تأثير هذا التنوع على شخصية المرأة العربية بصورة عامة؟

- دولة الإمارات تتصدر وفقًا للمؤشرات العالمية المراتب الأولى في القوة الناعمة والسعادة. من استراتيجيات ودعائم القوة الناعمة التي تقوم عليها هي التسامح وقد خصصت عامًا لذلك ومبادرات منها البيت الإبراهيمي. تعيش وتتعايش في دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من 220 جنسية مختلفة بانسجام وتسامح وهذه معادلة صعبة التحقيق في كثير من دول العالم.

هذا يشكل ثراءً للكاتب والأديب والمبدع خاصة في ظل الاهتمام المتزايد للدولة في هذا المجال بعد العمل على الإقامة الذهبية والاقتصاد الإبداعي. أثناء نشأتي ومن خلال مسيرتي التعليمية والأكاديميةوثم المجال الوظيفي والأدبي والثقافي، كنتُ محظوظة بالاختلاط والاحتكاك بالعديد من الجنسيات المختلفة والثقافات من مختلف دول العالم مما لعب دورًا فاعلًا وهامًا سواء في مقدرة قلمي على رؤية "الآخر" وفهم "المختلف" والقدرة على رؤية القضايا الإنسانية على تعددها واختلافها وتنوعها. كما وقد أسهم في مقدرتي على البحث في مجال الدبلوماسية الثقافية الذي أتخصص فيه.

11-  تقول الراحلة فيرجينيا وولف" لكي يكتبن،النساء بحاجة الى دخل مادي خاص بهن وغرفة مستقلة ينعزلن بها للكتابة". إيمان اليوسف مختصة في الكتابة الابداعية " Creative Writing"، وهنالك الكثير من النساء اللاتي يحملن فلسفة خاصة ورغبة في كتابة الرواية. برأيك ماذا تحتاج المرأة لتكتب؟

- هذه المقولة الخاصة بالكاتبة فيرجينيا وولف والمقتبسة عن مقالة لها، هي من أقرب الاقتباسات الأدبية إلى قلبي وأصدقها إلى اليوم. للأسف، لا تزال الكتابة وهي من أنبل وأهم ما قد يُمارس، لا تزال لا تُعد وظيفة بمعنى أنها لا تُوفر الاستقرار المادي لصاحبها وهذا ينطبق على الجنسين ممن يرغب في امتهان الكتابة.

الكاتب الجيد بحاجة للكثير من الوقت والتفرغ والانقطاع ليتمكن من البحث والكتابة وإعادة الكتابة والتدقيق، كما ويحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد بعد صدور مُنتجه الأدبي للعمل عليه ومناقشته وتسويقه وذلك لغياب الوكيل الأدبي وضبابية دور الناشر في أغلب الحالات. في الوقت ذاته فإن الكتابة والكاتب والفن من الدعائم الهامة والمحورية التي يقوم عليها المجتمع والدولة. أدركت هذه الحقيقة الدول العظمى اليوم، لذلك تخصص ميزانية ومبادرات وجهود خاصة للعمل على زيادة الناتج المحلي العام الخاص بقطاع الأدب والفن. بالإضافة إلى أن الآداب والفنون توثق وتسوق وتخلد ثقافة وهوية الشعوب وتلعب دورًا حساسًا جدًا وهامًا في الكثير من القضايا العالمية وفقًا لتخصصي في مجال التسويق الأممي والدبلوماسية الثقافية. بعد هذا كله، فإن الكاتب وإلى اليوم بحاجة إلى الاستقرار المادي ولا أعني الوظيفي، ليتمكن من الإنتاج بفاعلية وجودة وبحاجة إلى مساحته الشخصية المخصصة له وهو ما تعنيه فيرجينيا وولف بقولها "غرفة" خاصة. بالطبع، فإن الوضع في حالة المرأة أكثر صعوبة وتحديًا لكي يتحقق، فنحن نعرف الكثير من الشعراء والكتاب ممن وقفت زوجاتهم معهم لدعمهم وتوفير المساحة الخاصة والوقت الخاص للكتابة، لكن لا نسمع عن المثل في حالة المرأة.

على النساء المبدعات من فنانات وأديبات حمل مسؤولية بيوتهن وأبنائهن وأزواجهن، مسؤولية اجتماعية شاقة دون دعم مما يصعب عليهن مهمة التفرغ للإنتاج الأدبي. قليل منهن من يحصلن على دعم معنوي واجتماعي ومادي مع الأسف.

أذكر كاتبة بدأت مدخل مسرحيتها التي فازت بالمركز الأول لجائزة مجلة دبي الثقافية خلال سنوات صدورها بـالشكر لزوجها وولديها "على كل ما فعلوه بها، كلما أمسكت بالقلم لتكتب" وهي عبارة ساخرة ومؤلمة في الوقت ذاته.

12- هل من الممكن ان تخبرينا عن طقوسك في الكتابة؟

- أنا كاتبة ليلية. حاولت الكتابة في فترات مختلفة من اليوم، لاكتشف أنه لا شيء يضاهي عندي سكون الليل والاحساس اللذيذ الذي يعطينيه بملكية الذات والوقت. فكرة أني استيقظ وحدي مع النجوم والسماء والظُلمة والناس نيام.

أيضًا، فأنا أخاف أثناء الكتابة، خاصة في المراحل الأولى من كل عمل أدبي، لذلك من طقوسي تشغيل التلفاز وكتم صوته، إذ أكتفي بالصور التي تُشعرني بالاطمئنان. 

13-  تقول أحلام مستغانمي: " ما نريده من الرجال لا يباع ولا يمكن للصين تقليده وإغراق الاسواق العربية ببضاعة رجالية تفي بحاجة النساء العربيات". من خلال تأثير الحركات النسوية،هل بدأ الرجل العربي يدعم المرأة في تحقيق اهدافها؟

- هناك تزايد في وعي الرجل والمرأة بأهمية المشاركة في نجاحات بعضهما البعض وفي الدور الهام الذي يلعبه كليهما في تكامل الآخر وتكامل العلاقة وفي مسيرتهما معًا مما يعود بالنفع على الطرفين وعلى الأسرة ككيان. لذلك، فاليوم نجد نسبة الرجال الداعمين لزوجاتهم وأخواتهم وبناتهم في ازدياد. مع ذلك، وحتى نكون منصفين وواقعيين، هذا الوعي المتزايد والنماذج الإيجابية لا تزال قليلة ولا تزال أغلبية النساء تعاني من ضعف دعم الرجل لها، خاصة في مجالات الإبداع من كتابة وفنون وسينما.

14- لو لم تكن ايمان اليوسف روائية، ماذا ستكون؟

- شاعرة. بدأت مجال الأدب بكتابة القصائد بالفعل، ثم انتقلت إلى كتابة القصص القصيرة والرواية وهي التي حظيت بالنشر بينما بقي الشعر مساحة حميمة وخاصة بيني وبين نفسي. أجد نفسي بين الحبر والأوراق والكلمات. تفتنني وتُلهمني اللغات والشعر والحكايات ولا يمكن أن أتخيل نفسي في مجالٍ آخر أبدًا.

15- هل انت مشغولة الان بكتابة شيء ما؟

- أنا في مرحلة البحث حاليًا والتي تسبق الكتابة. أبحث في حقبة زمنية محددة بصدد الكتابة عنها وهي فترة وجغرافيا قليل جدًا من تناولها أدبيًا. أيضًا، أعمل وبشكلٍ حصري على ملف الدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة في صحيفة البيان وأحضر لكتاب متخصص في هذا المجال بالإضافة إلى مجال التسويق الثقافي.

16- في الختام،ما هي الرسالة التي توجهها إيمان اليوسف للمرأة العربية؟

- أنتِ الحكاءة الأولى، منذ شهرزاد، وأنتِ المُلهِمة والقوية. لا تنتظري دعمًا أو تشجيعًا من أحد. كوني كل شيء لكِ وآمني بنفسكِ وستنجحين. أنتِ قادرة على تحقيق كل ما تتمنين، أثق بذلك. لا تفقدي الإيمان بقوتكِ أبدًا مهما حصل، ولا تسمحي لأحد مهما كان بتقييمكِ أو بالحط من عزيمتكِ أو بالتقليل من أحلامكِ. أيضًا، لا تخشي المجازفة. لو لا تضحيتي وشجاعتي في التخلي واقتحام الصعب والإصرار على ما أريد، لما وصلتُ إلى ما وصلتُ له اليوم من تفوق ونجاح – بالطبع بعد توفيق الله ورعايته- - ، له الحمد والفضل.

أنتِ تستطيعين.

 

إعداد المُحاور- : د. علي محمد حسن

 

2452 شمس 1لا يكاد يمر حدث جلل ما في فلسطين الحبيبة من البحر الى النهر والتي تعاني الامرين تحت حراب المحتل الصهيوني الغاشم، الا ووجدته سباقا على المستوى العربي والعالمي ليترجم جانبا من تلكم الاحداث بريشته محولا إياها الى لوحات تشكيلية لافتة للانظار تحظى بالاعجاب والمتابعة محليا ودوليا، ففلسطين الابية الصامدة، والاقصى المبارك، اولى القبلتين وثالث الحرمين، هاجسه الدائم وقلبه النابض على الدوام طوال سني حياته، ولسان حاله يردد مع كل حدث يتفاعل بمعيته ويتماهى معه لاسيما الأحداث الأخيرة المتمثلة بجرائم تهجير الفلسطينيين الابرياء العزل من منازلهم بمنطقة الشيخ جراح بالقوة تمهيدا لإهدائها الى قطعان المستوطنين الصهاينة، علاوة على اقتحام الاقصى المبارك، ومحاولة تهويد القدس،وقصف غزة بالمدافع والطائرات والاسلحة المحرمة دوليا بما فيها العنقودي والنابالم والفسفور الابيض، وحيث الجرائم الصهيونية البشعة ماضية على قدم وساق تنتهك عن سبق اصرار وترصد كل المواثيق الدولية والقيم الدينية والاعراف الانسانية، تهتك الاعراض وتنتهك الحرمات في زمن الخنوع والتطبيع وصفقة القرن او بالأحرى " بصقة القرن " وحيث ما يسمى بـ" الديانة الوهمية"التي يراد تعميمها بإرادة ماسونية خابوا وخسئوا، قائلا " اذا لم نكن هناك سوية في بيت المقدس واكناف بيت المقدس بأجسادنا لنقاسي ما يقاسيه اخوتنا المحاصرون شيبا وشبانا، نساء ورجالا، من ظلم واضطهاد واقصاء وتهميش وتهجير قسري وتغيير ديمغرافي وقتل متواصل بدم بارد على يد شذاذ الافاق من الصهاينة الغاصبين وجلهم من الاشكناز والسفارديم الذين جاءت بهم القوى الاستدمارية الغاشمة من اوربا لتمنحهم ارضا عربية لا تملكها، ليهب بذلك من لايملك لمن لايستحق، فلا اقل من ان نكون معهم بقلوبنا، بألسنتا، بضمائرنا، بأكفنا الضارعة، بأقلامنا، بقصائدنا، بخطبنا، بمقالاتنا، بلوحاتنا " ولعل الريشة واللوحة والالوان هي سلاح الفنان التشيكلي الجزائري شمس الدين بالعربي، الذي فتح صدره لنا في لقاء مفتوح من القلب الى القلب لم يكن الأول ولا اظنه سيكون الاخير، مضيفا:

2452 شمس 2ان " القضية الفلسطينية قضية كل الجزائريين فقد تربينا على حب فلسطين، وعلى الفنان العربي وفي أي مجال من المجالات أن يسهم بكل ما حباه الله تعالى من مواهب، وان يوظف كل طاقاته وامكاناته وان لايدخر وسعا ولا يألوا جهدا لنصر المظلومين ولهذا فقد عقدت العزم وشرعت بإنجاز عدة اعمال وفي مناسبات مختلفة، احدى جدارياتي رسمتها بمناسبة فوز المنتخب الوطني بكأس افريقيا والذي تم أهداؤه الى الشعب الفلسطيني الصابر المحتسب هدية من الشعب الجزائري الشقيق .

وتابع بالعربي "بالنسبة الفنانين الجزائريين خاصة والعرب عامة فكلهم كانوا سندا لقضيتهم الأم فلسطين

  كذلك الحال مع بعض الفنانين الغربيين ممن وجدوا انفسهم أمام هذه القضية العادلة التي تتطلب منهم موقفا حازما ووقفة حاسمة فترى هذا البعض وهو يجتهد لتقديم كل عمل رصين بحكم إنسانيته وضميره، ذاك ان نصرة القضية الفلسطينية بالنسبة لهؤلاء الفنانين الغربيين هي قلادة ووسام شرف على صدورهم ترمز الى إنسانيتهم، واذكر من الفنانين الغربيين الذين نصروا القضية الفلسطينية الممثل الأمريكي نجم هوليوود المسلم عبد السلام عبد الرزاق الذي تعمد لبس الكوفية الفلسطينية في المحافل السينمائية الكبرى وهو صاحب الادوار المميزة في أضخم الأفلام بما مجموعه 59 فيلما ومسلسلا ولعل من ابرزها  دور قائد المشاة في فيلم (مالكوم اكس) وأفلام آخرى، ونذكر أيضا الممثلة إيما تومسون والمغنية سيلينا جوميز، والكاتبة رولينج مؤلفة سلسلة " هاري بوتر"، والكاتبة الأمريكية توني موريسون الحاصلة علي جائزة نوبل والقائمة طويلة جدا .

واردف بالعربي " أما بالنسبة الى الفنانين العرب فجلهم كانوا سندا لقضيتهم الام فلسطين ومن منبع هذه القضية تولدت فلسفات وحركات ومدارس فنية في مضمونها وتصنيفاتها بما يسمى بالفنون السبعة، والفنون المائة كما على وصف الرسام الإيطالي ليوناردو دافنشي، بحسب تصنيفه لمفهوم انواع الفنون، فكم من مسرحية أرخت للقضية الفلسطينية، وكم من أغنية تغنت بها الشعوب لنصرة فلسطين، وكم من فيلم عرَّف العالم بمعاناة الفلسطينيين، وكم من قصيدة شعرية ولدت من رحم معاناة الشعب الفلسطيني، وكم من استعراضات جماعية شكلت العلم الفلسطيني على خشبات العالم، وكم من اناشيد تغنت بها الفرق الكورالية في مسارح الهواء الطلق، وكم من ترانيم تغنت بالسلام لفلسطين الحبيبة، وكم من لوحة فنية شكلت بألوانها الوان العلم الفلسطيني الذي سيظل يرفرف في سماء البشرية ما دامت الحياة قائمة" .

2452 شمس 3وزاد الرسام الجزائري العالمي " ومن هنا دعني اتحدث عن البقع اللونية التي وضعتها لتأدية واجبي نحو فلسطين والتي لا استطيع رؤيتها من بين الألوان التي أفرغت في سبيل هذه القضية المحورية، فانا ومنذ الصغر رسمت لفلسطين بالطباشيرعلى الجدران وبالاقلام الجافة واللوحات الزيتية فجمعت الكثير من اللوحات التي توجزمنظوري لأمي الحنون فلسطين باختلاف مناسباتها بما يمثل يوم القدس العالمي، ويوم الارض، يوم الاسير الفلسطيني، وكل المناسبات الوطنية الفلسطينية، وقد رسمت الكثير من قامات الفكر والاعلام الفلسطيني مثل الدكتور مصطفي نادر القنة، وتعرفت على المخرج نور الشمالي مدير تصوير الفنان محمد عساف " .

ويسترسل قائلا " اما عن أهم أعمالي في هذا المضمار فلاشك هي اللوحة الفنية التي جسدت معاناة الصحفي معاذ عمارنة، وهو مراسل ومصور فلسطيني أُصيب برصاصة صهيونية غادرة في عينه اطلقها عليه احد جنود الاحتلال الصهيوني عام 2019 خلال تصويره للمواجهات بين الشبان الفلسطينيين وجيش الاحتلال جنوبي الضفة الغربية،عنوان اللوحة (أرادوا أن يطفئوا عينه ففتحوا أعين العالم على معاناة الشعب الفلسطيني) وقد نالت هذه اللوحة شهرة واسعة وعندما شاهدها الصحفي معاذ عمارنة  ارسل لي رسالة أنشرها هاهنا لأول مرة جاء فيها (اشكركم على كل الامل الذي تزرعونه في قلوبنا، اشكركم على هذه الروح التي تبعث فينا طموحا بغد افضل، شكرا لكل من يطبب ويرعى ويسير في خدمة كل مصاب وصاحب امل، شكرا لكل من يعمل ليجعل من غدنا اجمل ..في لحظات اصابتي الأولى احسست بأن العالم كله قد انتهى ولكن عندما وقفتم الى جانبي بدأت المعادلة تتغير وبدأت اشعر بأني اولد من جديد.. انا مصاب بمرض اسمه مرض الصحافة، والمصاب بهذا المرض يعيش مع متلازمة الخبر والصورة. وحتى وان دفعت عيني ثمنا له الا انكم الان انتم جميعا بمثابة عيني الثانية التي اكمل بها الصورة" وهذه هي خلاصة الرسالة التي عنونها بـ" من اخوكم الصحفي المصاب معاذ عمارنه إلى الفنان شمس الدين بالعربي " .

يشار الى ان الفنان العربي الذي وصل الى العالمية كان قد افاض في حوار سابق معه عن بداياته قائلا " البداية كانت في مرحلة الطفولة اذ كنت مهتما بالرسم، وفي طريق عودتي الى المنزل يوميا كنت أرمق بعض الصحف وهي ملقاة على جانب الطريق وكانت تجذبني صور نجوم السينما فيها فألتقطها واتأبطها لأرسمها في منزلي المتهالك الذي يضم بين جنباته عائلة مكونة من ستة أفراد أنا أكبرابنائها سنا ولعل عيشي بكنف عائلة فقيرة جدا إضطرني لإمتهان الرسم كحرفة بدأت بتزيين المحال التجارية والديكور أولا، الا انني تعرضت لكثير من المضايقات وواجهت كما هائلا من الغبن نتيجة لذلك وهكذا كانت البداية!

2452 شمس 4وتابع بالقول " بكل تأكيد فالسينما بالنسبة لي كانت حافزا كبيرا لرسم ملصقات ولقطات الأفلام حتى عقدت العزم على بناء ورشة عمل صغيرة الى جانب المنزل وبدأت أبعث برسوماتي الى شركات الانتاج السينمائية الامريكية برغم ان تلكم اللوحات كانت مرسومة بأدوات بسيطة وهكذا لسنين حتى تبسم لي القدر وتواصل المنتج الارجنتيني خوان مانويل اولميدو معي بعد أن شاهد أعمالي وأعجب بها وطلب مني عمل ملصق لفيلمه (الضربة القاضية) من بطولة الممثل العالمي محمد قيسي، الشهير بدور (Tong po) والمعروف ضمن الشخصيات السينمائية في عقد الثمانينات، وهكذا حتى تم تسجيل إسمي في القاموس العالمي للسينما العالمية IMDB

كنت أمر بصالات السينما وأشاهد الافيشات وأتمعن بالصورالضخمة لنجوم السينما وبخاصة افلام الاستاذ محمد قيسي وجان كلود فان دام واهمها فيلم قلب الاسد وفيلم bloodsport وkickboxier

بدأت الاتصال من خلال مواقع التواصل الاجتماعي مع الممثلين فنالت إعجاب المخرجين والمنتجين وبدأوا بالتواصل معي وأخذت حياتي المهنية في الفن وصناعة الملصقات بالطريقة التقليدية أي عن طريق الرسم وفن رسم الملصقات تتواصل، مع ان الافيش هو فن كلاسيكي قديم انتهي زمنه لأن التكنولوجيا المتطورة الرقمية وهي رائدة هذا العصر قد ازاحته جانبا، ولكن وبحمد الله نجحت في إعادة هذا الفن الى الساحة الفنية أما بالنسبة الى الاضافات التي اسهمت فيها لإثراء هذا الفن فكانت عبر الرسم الزيتي والتركيز على المبالغة الفنية في الظل والنور والكتابة بخط عصري جميل واستعمال الالوان الجذابة الممزوجة بطريقة الذوبان اللوني لإبرازها قريبا من الصورة الواقعية، لقد أعدت تركيب الملصق المرسوم وأخرجته من دائرة اللوحة التشكيلية الى رسم مركب بأبعاد مختلفة لتقريب فكرة الفيلم للمتلقي والتعريف بمضمون الفيلم وفي بعض الأحيان استعمل الصورة الحقيقية واضيف لها تزيينات فنية بالريشة بما تعجز الآلة الرقمية عن اضافتها، اتمني أن أفتح مدرسة عالمية للشباب العربي لإبراز مواهبهم وانا مستعد لإعطاء كل ما عندي من خبرة وتجربة وقد وجدت اذانا صاغية لتبني هذا المشروع وانا على ثقة بأني اذا ما وفقت لفتح هذه المدرسة فسوف ننتشل الكثير من المواهب الشابة الحالمة من الركود والبطالة .

 

حاوره / احمد الحاج

 

 

2428 شعبان وعبد المجيدرشعبان في خصوصياته.. بعيداً عن الإنشغالات الفكرية قريباً من واقع الحال – أحمد عبد المجيد

- روحي في بيروت وان سكنت النجف في قلبي

- الحب يأتيني كشلال ضوء ويكون له سلطان على القلب

مضى على آخر لقاء مباشر لي مع الدكتور عبد الحسين شعبان، اكثر من 18 شهراً . رأيته في بيروت التي كانت تشع بأنوارها وتغرق بلون البحر، الذي تحتضن امواجه كثيراً من الذكريات وتخفي اسرار ما كان يدور في حجرات فندق (سان جورج)، وحديثاً في شرفات فندق فور سيزونز، وفي احدى جولاتي مع الدكتور شعبان اطربني صوت فيروز المنبعث من مذياع سيارته، فتذكرت ان المفكرين وكبار الباحثين بشر ايضاً، تأخذهم العواطف الى تخوم الشباب وايام (الشقاوة)، ولم يكونوا بالجدية التي هم عليها اليوم، وبالانشغالات التي تصرفهم عن العناية –  احياناً –  بألوان اللوحة الماضوية التي هرب بريقها، فتحول الى حلم باهت لا ملامح له ولا اثر .

* ما يجمع اساتذتي في الإعدادية طيبة القلب وحب التلاميذ

* شغفي بالمرأة ينبع من رائحتها وابتسامتها وغنجها

* استمع الى فيروز ووردة وام كلثوم وأستمتع بالموسيقى الكلاسيكية

* إحتفظت بعلاقة ودية بالبياتي يوم تعرفت اليه في القاهرة مطلع 1969

* انا تعددي بإستثناء فلسطين والفقراء

* الأسفار ثلاثة والأخيرة سفر  التيه والحيرة

* حب الناس سعادتي والعمل وأسداء الخير مصدرها الأساسي

* هاجسي لا يتجسد بشخص بل بظاهرة الغدر

* السيرة الذاتية شديدة القسوة لكنها ليست هتكاً للاسرار.

2428 حوار شعبان 1

وقلت، في نفسي، ان هذا الرجل، وانا صامت جالس الى جواره في المقعد الامامي في السيارة، يعيش على اطياف من الذكريات، لكن لا احد نبش فيها ولا حاول اخراجها من القمقم يقول الاديب اللبناني جبران خليل جبران (أحترس من ذكرياتك، فالوجع يزورك مرة واحدة ولكنك لا تتوقف عن زيارته). وغالبا ما يعمد الذين يجرون حوارات صحفية معه، يستنطقونه بقصد استدراج فكره ورؤاه السياسية والفلسفية، متناسين ان قلبه مازال ينبض، وهو مفعم بالالم وسهر الليالي والحرمان، وان ملائكة الحب تحوم حوله، ولاسيما في خلوته او تحت تأثير كأس من النبيذ احتساه في ركن من اركان شارع الجميزة البيروتي، الضاج بالحركة والعنفوان والمزدحم بالسكارى والصبايا . وعملياً فان شعبان دأب على اختيار زاوية عند مطعم شعبي اسمه (مشاويش مار مخايل) يضع مناضده على قارعة الطريق، ويحرص شعبان على دعوة المقربين منه الى هذا المكان، لنفض متاعب القدوم من بغداد او الشام الى المدينة التي اتخذها محطته الاخيرة بعد ان جاب مدناً وعاشر عواصم .

* * *

بعض الاشخاص تتمنى لو انك لم تصادفهم في حياتك، وبعضهم تتعرف عليه وتمضي معه رهطاً من حياتك، ويمض وتمضي دون ان يترك في مشاعرك اثراً او في روحك بصمة . اما افضلهم على الاطلاق فهم الذين تهبط صداقتهم عليك من السماء، فترتبط بعلاقة وطيدة بهم فيتركوا في روحك عطراً وفي نفسك شذى الوفاء والقصص الحميمة . وعبد الحسين شعبان من هذا الطراز . وذات مرة قلت له، وانا على تواصل شبه يومي معه عبر الهاتف، (دكتور .. اعاتب نفسي احياناً بالسؤال، لماذا لم اتعرف اليك قبل عقود من الزمان ؟) . ويضحك معبراً عن سمات شخص نادر الوفاء يمزج المرح بصدق الكلام .

ويوم كنا نتجه الى (الجميزة)، الشارع الذي يروق له وسط بيروت، راودني فضولي الصحفي فرفعت عن علاقتنا بعض (الكلفة) واقترحت عليه اجراء حوار غير تقليدي، ليس كعشرات وربما مئات الحوارات التي اجريت معه واتسمت بجدية مفرطة تنظر فيها الاسئلة الى الحياة وكأنها فواجع بشرية وعنف مفرط وثأر تاريخي حسب، او كأنها تقتصر على رؤى ما ورائية، لا حيوية فيها ولا صفاء انساني أو كما يظنون انها حكاية تراجيدية تكشف وجودنا البشري الضعيف . رأيت ان يكون حواري مع عبد الحسين شعبان، الانسان والمفكر، صائد المفردات والمصطلحات والعابر من الكفاح بانواعه، الى المرح واللا شقاء بانماطه والسخرية من الاقدار، حلوها ومرها . وهكذا ولد جزء من هذا الحوار، بينما كان شعبان يمارس رياضة المشي، قرب انتصاف الليل، على رصيف كورنيش بيروت، تاركاً لساعة الكترونية يرتديها، قياس خطوات المسافة التي يقطعها ذهاباً واياباً كل يوم، اما الجزء الاخر فقد ولد في حضن الحجر الصحي من الجائحة، بعد اشهر من بقاء الاسئلة في الادراج، وسفر شعبان الى لندن، لتلقي الجرعة الثانية من اللقاح ضد كورونا:

2428 حوار شعبان 3

* ما الذي تركته من عقلك الباطن في النجف؟

–  الروح تسكن هناك، حتى وإن سكنت النجف في قلبي. وعلى غرار الموسيقار البولوني شوبان “العقل في باريس والقلب في وارشو”، أقول القلب في النجف والعقل مهاجرٌ. وإذا كانت باريس قد منحت شوبان الشهرة حيث تربّع على عرش البيانو والإبداع الموسيقي الكلاسيكي في القرن التاسع عشر، بعد باخ وموزارت وبيتهوفن، فإن وارشو منحته تلك الروح المتوهّجة، حتى توزّعت بين عشقه وموسيقاه.

* ما شكل الصف الدراسي الذي جلست فيه للمرّة الأولى؟

– مدهش بخشوع وناطق بالبهاء ومفعمٌ بأريج الأمل… إنه اللبُّنة الأولى التي قادتني لعالم المعرفة الشاسع والبلا نهايات.

* ما هو أول كتاب قرأته؟

– اعترافات أرسين لوبين “اللصّ الظريف”، ولاحقاً عرفت أن المؤلف هو الكاتب الفرنسي موريس لوبلان.

* ما هي أول قصيدة حفظتها؟

– ربما للشاعر معروف الرصافي التي يقول فيها:

أنا بالحكومةِ والسياسة أعرف/ أَأُلام في تفنيدها وأعنّف

عَلَمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمةٍ/ كل عن المعنى الصحيح محرّفُ

* ما هو أول وجه رأيته وما زال عالقاً في عقلك ووجدانك؟

– وجه الوالدة المنير نجاة حمود شعبان ووجه الوالد المشرق عزيز جابر شعبان، وحين أستعيد المشهد، فكأنهما انفلقا عن تكوينٍ واحد، وأصبحا جسمين ولكن بروح واحدة.

* صف لي معلماً تأثّرت به؟

– سأصف لك ثلاثةً لأنهم يكمّلون بعضهم البعض:

الأول – عبد الرزاق الساعدي، وهو أوّل مَن علّمني فك رموز الحرف (الصف الأول الابتدائي).

والثاني – رؤوف الشيخ راضي، الذي حبّبني باللغة العربية وبدرس الإملاء (الصف الثالث الابتدائي) وكلاهما في مدرسة السلام.

والثالث – الشيخ يحي الجواهري وهو أحد المتمكنين من اللغة العربية وفقهها، وقد درست على يديه في الاعدادية: النحو والصرف والاعراب وكتابة الشعر (الصف الرابع الثانوي).

وكان الأول سمحاً جداً، والثاني حازماً جداً، والثالث عصبياً جداً، وما يجمعهم طيبة القلب وحبّ تلاميذهم وتفانيهم من أجل تعليمهم.

2428 حوار شعبان 2

* أي الطيور أحببتها في صباك ولماذا؟

– الحمام والبلابل والعصافير وما زلت أحبّها لأنها أليفة وتغريداتها جميلة.

* ما الذي يُذكّرك بامرأةٍ شغفت بها؟

–  رائحتها وابتسامتها وغنجُها.

* هل تستمع إلى أغنيات الريف، ومَن هو مطربك الريفي الأول؟

– أحياناً… أحب الاستماع إلى مطرب الريف الأول داخل حسن، ثم إلى المطرب الشعبي للأغنية الحديثة الياس خضر.

* ما أنواع الموسيقى التي تستمع إليها؟

– الموسيقى الكلاسيكية وبشكل خاص سمفونيات بيتهوفن وموزارت وباخ وتشايكوفسكي ودفورجاك… وبالأخص أحب الاستماع دائماً إلى السمفونية التاسعة لبيتهوفن، والسمفونية الخامسة لتشايكوفسكي، والسمفونية الرابعة  لدفورجاك.

* وأي المطربين تستمع إليهم عادةً؟

–  فيروز بالدرجة الأولى، وأحب الاستماع إلى عبد الحليم حافظ وعبد الوهاب وأم كلثوم ووردة الجزائرية.

* لماذا تميل إلى الشاعر الجواهري من دون سواه؟

–  أميلُ إلى الأدب بشكلٍ عام والشعرُ بشكلٍ خاص، وميلي إلى الجواهري الكبير لأنه أحد أبرز أركان الشعر الكلاسيكي في القرن العشرين، بل آخر عمالقته. وهذا الميل محكوم بالذائقة الشعرية من جهة، وبالعلاقة والصداقة التي ربطتني مع أبو فرات لنحو ثلاث عقود من الزمان من جهة أخرى. وقد سبق لي أن قلتُ وقبل التعرف المباشر على الجواهري أنه عاش في بيتنا (لأن كلُّ ما يخصّه وما كان ينشرُه من قصائد ودواوين وما يكتب عنه موجود في بيتنا، ويتداوله الأعمام والأخوال) كما كان معنا في مدرستنا الخُورنَق حيث كانت قصيدته التي حيّا فيها ثورة 14 تموز/يوليو 1958 مفتتح فصلنا الدراسي الأول، وهو موجود في مدينتنا النجف (واقعاً وليس مَجازاً) حيث نشأ فيها.

وللأسرة الجواهرية مكانة علمية منذ جدّه الأقدم محمد حسن صاحب كتاب “جواهر الكلام في شرائع الإسلام”، الذي اكتسبت منه الأسرة إسمها.

والأكثر من ذلك أننا عشنا في مدينتين حبيبتين لسنوات عديدة هما براغ في السبعينات، ودمشق في الثمانينات، وكنا على تواصلٍ مستمر، مثلما التقينا في لندن في التسعينات.

وقد أصدرتُ عنه كتاباً بعنوان: الجواهري في العيون من أشعاره” في العام 1986) بالتعاون معه)، كما أصدرتُ عنه كتاباً في العام 1997 الموسوم “الجواهري – جدل الشعر والحياة” (طُبع ثلاث طبعات).

* وماذا عن علاقتك بشعراء آخرين؟

–  احتفظت بعلاقة ودّية مع الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي تعرّفت عليه في القاهرة في مطلع العام 1969 وبلند الحيدري حيث عملنا معاً في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وكان عضواً في المجلس الاستشاري، وكذلك بعلاقة وثيقة مع الشاعر مظفر النواب والشاعر كاظم السماوي والشاعر رشدي العامل والشاعر والروائي فاضل العزاوي، كما ارتبطت بصداقة مديدة مع الشاعر سعدي يوسف، وهو “شاعر التفاصيل الصغيرة”، وقد غيّرت قصيدته منذ مجموعته الشعرية “الأخضر بن يوسف ومشاغله” 1972 ذائقتنا الشعرية، وآمل أن يتسع الوقت للكتابة عنه وهو المبدع الذي لا تُدرك بوصلته، وهو في نظري أحد أبرز شعراء الشعر الحديث بعد بدر شاكر السيّاب  وجيل الروّاد، ويشكّل مع محمود درويش وأدونيس أهم ثلاث شعراء عرفتهم اللغة العربية، منذ ستينات القرن الماضي، علماً بأنه غزيز الانتاج، شعراً وترجمة ونقداً، إضافة إلى رواية واحدة بعنوان “مثلث الدائرة”، وعشرات الدراسات ومئات المقالات.

كما كانت علاقتي وثيقة بعدد من الشعراء الشعبيين مثل شاكر السماوي وعزيز السماوي وكاظم اسماعيل الكاطع وعريان السيد خلف.

وأود هنا أن أنوّه إلى العلاقة المتميّزة مع عشرات من الأصدقاء من جيلنا والجيل الذي أعقبنا  وهم شعراء مرموقون، وبشكل عام اطلعت على الشعر العراقي بمدارسه المختلفة.

* كيف شربت كأسك الخمري الأول؟

–  مثل الريح الخفيفة المعطرة والمنعشة، وما زال طعم الكأس الأول لذيذَ المذاق وأشتاق إليه.

* هل تحنّ إلى صديق قديم أَثير إلى قلبك؟ من هو؟

– السيد صاحب جليل الحكيم صديق العمر والشيوعي الأول والأنقى متمنياً له الصحة وطول العمر.

* عدّد لي ثلاث صفات تتمنّى في كل إنسان؟

–  الشجاعة والأمانة والوفاء، وهي منظومة متكاملة وأي اقتطاعٍ لجزءٍ منها يخلُّ بالآخر.

* أيام السجن، ماذا كان يشغل بالك فقط؟

–  لم أسجن. بل اعتقلت عدّة مرات، وما يشغلني كان وما يزال هو المستقبل.

* أيّهما أقرب إلى قلبك… ابنتيك أم زوجتك؟

–  الإبنتان قطعة من قلبي وروحي، والزوجة من خارجه، ويمكن أن تدخل وتخرج، وهكذا هي الحياة. وتبقى مكانة الأبناء متميّزة.

* ماذا يمثّل الشقيق بالنسبة إليك، وهل وجدته فعلاً فيه؟

– التكامل والوفاء… نعم هو ما وجدته فيه.

* أي البلدان أحبّ إلى نفسك؟

– أنا تعددي كما تعلم باستثناء فلسطين والفقراء فأنا أحادي كما قال صديق عني. فبعد العراق (النجف وبغداد، الروح ومسالك الطير) الأقرب لي هي سوريا، وفي دمشق المدينة الناعمة كحرير الصين كان تكويني الثاني، وقد كتبت عنها نصاً أدبياً بعنوان “الشام هي التي علّمتني حب الصباح”، وأنا أردّد دائماً أنني “سوراقي”.

أما بلاد التشيك، ففي براغ تتقاطع طرق الحب وتلتقي جداوله، وكتبت نصاً أدبياً عنها بعنوان “براغ وثمة عشق”، ويبقى لبنان مانحاً الحواس عطراً وجمالاً، حيث الخزامى واللافندر، وفي بيروت يتجدّد العشق، هكذا هي أرخبيلاته وشواطؤه، وقد كتبت نصاً أدبياً عن بيروت حين تم تكريمي من الحركة الثقافية في أنطلياس.

* ألهذا السبب أنت في بيروت؟ ولماذا غادرت لندن؟

–  بيروت أقرب إلى المزاج، وأكثر دفئاً وألفة وحميمية، وهي ملتقى المثقفين والمنفيين والصعاليك والعشاق، أما لندن فرغم أيجابياتها خصوصاً الحرية والأمان، فإنها أبعد وأبرد، إضافة إلى ارتباطي بعقود عمل جامعية في بيروت منذ سنوات طويلة.

2428 شعبان وعبد المجيدر

* أنت كثير الترحال والأسفار.. أيهما تفضل ركوب البحر أم البرّ أم الجو؟

–  حسب ابن عربي فالأسفار ثلاثة:  “سفر من عنده وسفر إليه وسفر فيه”، وهذا الأخير سفر التيه والحيرة، وهو لا معنى له، وسفري شخصياً هو سفر الروح التي ظلّت معلّقة هناك، وهكذا تراني هائماً وغير مستقرّ، مرتحلاً مع كتبي وأسبابي ولواعجي.

وفي السفر فوائد كثيرة، فإضافة إلى المغامرة والاكتشاف ففيه الاطلاع على ثقافات الشعوب وحضاراتها. وهو تمنحك مرونة في التعامل مع الآخر، وقدرة أكبر على التسامح والتواصل والصداقة وكل ما هو مشترَك إنساني. وفي السفر اكتشاف للذات أيضاً وحسب الإمام الشافعي ففيها تفريج همٍّ، وقد يكون طلب علمٍ.

* ما أحسن رواية قرأتها؟

–  دونكيشوت لسرفانتس، وهي مصنفة من أعظم الروايات العالمية.

* ومن هو أعظم روائي؟

–  أستطيع القول دوستويوفسكي وتولستوي وماركيز. وهؤلاء من أفضلهم.

* وأفضل روائي عربي؟

–  نجيب محفوظ بالطبع، كما يعجبني عبد الرحمن منيف.

* وماذا عن أفضل روائي عراقي؟

–  أحب قراءة غائب طعمه فرمان ويشدّني فؤاد التكرلي وأستمتع بقراءة شمران الياسري “أبو كاطع”، وأقصوصاته وحكاياته.

* أي همٍّ يغمرك بالألم والأسى والحزن؟ وكيف تستطيع الهرب من انشغالاته؟

– أكبر الأحزان هو الظلم على المستويات كافة، وأشعر براحة نفسية حين أنتصر لمظلوم أو أساعد ضحية، وكم كنت منسجماً مع نفسي حين تمكّنت من مساعدة لاجئين فارين من العراق أو من عدد من البلدان العربية.

* مرأة… صحيفة… أم صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي؟

– تعدديتي متواصلة مع الكتاب والمرأة والنبيذ ورياضة المشي والصديق وهي متداخلة ومتفاعلة ومتراكبة، يكمّل بعضها بعضاً.

* ماذا تقول في الصداقة والصديق؟

– حسب أرسطو: الصديق إنسان هو أنت… إلاّ أنه بالشخص غيرك. والصداقة أفضل العلاقات الإنسانية. وأساسها كرم العهد والتضحية.

* هل أنت سعيد وما أبرز سمات السعادة في رأيك؟

– نعم سعيد جداً، وحبّ الناس وحب العمل وحب الخير هي مصدر سعادتي الأساسية.

* أي أغنية تطاردك أينما حللت؟

-أغنية الياس خضر والتي هي من ألحان طالب القرة غولي والكلمات قصيدة لمظفر النواب:

روحي ولا تگـلها شبيج ..وانت الماي

مگطوعة مثل خيط السمج روحي

حلاوة ليل محروگة حرك روحي

وعتبها هواي ما يخلص عتب روحي

ولا مريت ولا نشديت ولا حنيت

گالولي عليك هواي

ياثلج اللي ما وجيت

وأحياناً أغنية سعدون جابر وألحان كوكب حمزة، والكلمات للشاعر زهير الدجيلي:

عيني ياعيني ياهوى الناس

قداح وشموس وعصافير

ياليل ومعاشر نواطير

مرات ياخذنه الهوى اثنين

مرات تحضنه البساتين

ومرات تنسانه الدواوين

ومرات نسأل عالوفه وين

لكن هوانه .. هوى الناس

* والأغاني الأجنبية؟

– أغنية فرانك سيناترا Stranger in the night.

وأحياناً أغنية كارل غوت المغنّي التشيكي O MAMI وهو المعروف بصاحب “الصوت الذهبي”.

* وأنت تقود سيارتك هل ندمت على عدم الوقوف إزاء مشهد صادفك؟

– نعم، حين يعتدي رجل على امرأة تسير معه وسط الشارع أو يعنّف أحدهم متسوّلة سورية اقتربت منه، وهي التي قذفتها ظروف الحرب والحصار إلى الهجرة.

* هل ثمة شبح يطاردك أحياناً؟ صف لي شكله أم هواجسك منه؟

– لا يتجسّد بشخص، بل بظاهرة هي الغدر، وهي وسيلة الجبناء، ومنعدمي الضمير.

* كم مرّة وقعت بالحب؟

– لا يوجد تصنيف للحب وليس ثمة أرقام أو أعداد بالنسبة لي. الحب واحد، فقط تتقاسمه عدّة نساء، ولكل امرأة زمانها ومكانها، وحتى وإن تداخلت الأزمنة والأمكنة أحياناً، فيبقى الحب واحداً، وهو الذي ينتصر.

* وماذا عن الحب الأوّل؟

– لا يوجد حب أول وحب أخير، فكل حب هو أول بالنسبة إليّ، والحب واحد تتقاطع فيه الطرق وتتقارب المصائر وتتشابك العواطف وتختلط الأحاسيس.

* ما علاقة القلب والعقل بالحب؟

– العشق بالقلب وهو بالعين أيضاً، وحسب بشار بن برد بالأذن أحيانا، والقلب والحاستان أول العاشقين، أما العقل فهو يؤنسن العشق ويؤطره، فليست كل عين ترى، على حد تعبير ابن عربي، ويمكن القول وليست كل أذن تسمع.

وهكذا فالعشق ندى الروح وعطر القلب.

* كيف يأتيك الحب؟

– مثل شلال ضوئي وسرعان ما يكون له سلطان على القلب وفيه تتطهّر الروح، ويدخل العقل في حوار مع القلب، واتحادهما على موقف موحد، يبعث في المرء نوعاً من الطمأنينة والرضا، وحين أكون في مثل هذه الحالة تراني أنام بعمق، وأتنفس بعمق، وأعمل بعمق.

* هل هناك دين متسامح وآخر غير متسامح.

– الأديان أكثر رحمة وتسامحاً من البشر، والإنسان هو من يحاول أن يوظّفها باتجاه الشر والتعصب والتطرف والعنف والارهاب.

* هل تؤمن بالله؟

– علاقتي بالسماء قوية، وتأتيني إشارات غامضة باستمرار وأشعر معها بالطمأنينة والسلام، وكل ذلك خارج دائرة الطقوس والشعائر والغيبيات، وإنما هي علاقة روحية وجدانية عقلية.

* متى تكتب سيرتك الذاتية؟

– السيرة الذاتية شديدة القسوة على كاتبها وكذلك على القارىء وهي ليست هتكاً للأسرار أو انتقاصاً من الآخر أو فضحاً لخفايا النفس أو تلميعاً للصورة، إنها خلاصة تجربة قيمية وصميمية، وقد تكون فرصة للمراجعة خارج دائرة الإساءة للأموات أو إيذاء للأحياء. إنها فرصة تأمل وهدوء ونقد موضوعي.

* ماذا تتمنى؟

– أن يسود السلام واللاّعنف، وأن تنعم بلادنا العربية، بل والعالم أجمع، بالحرية والتنمية وأن نستطيع التعايش فيما بيننا على أساس المشترك الإنساني، وأن نسـهم كما كان أسلافنا في ركب الحضارة الكونية.

 

حاوره: أحمد عبد المجيد

 

2424 عبد الرحمن زيارة 1حوار مع الباحث العراقي الذي دحض خمسا من قواعد أرسطو الاستدلالية واشتق أخرى بدلا عنها وزيادة !

ضجت العديد من الصحف والمجلات الورقية والالكترونية فضلا عن منصات ومواقع التواصل الاجتماعي العراقية والعربية على سواء طيلة الأيام القليلة الماضية بخبر مهم لايمكن أن يمر مرور الكرام وليس بوسع المهتمين بقضايا الفكر والمنطق والفلسفة وبأي حال من الأحوال غض الطرف عنه أوتجاهله البتة، الخبرالذي تناقلته على صفحاتها بإهتمام كبير جاء بعنوان مثير وبالمانشيت العريض (باحث عراقي يدحض خمس قواعد استدلالية لأرسطو ويشتق تسع قواعد بدلا عنها)، وذلك في معرض نشر خبر اصدار كتاب جديد بعنوان (المنطق الموحد- تحديث المنطق الأرسطي) على صفحاتها الثقافية والذي تناول فيه مؤلفه مباحث منطق ارسطو بمنهج جديد وغير مسبوق، دحض فيه خمس قواعد استدلالية قال بها ارسطو، واشتق بدلا عنها تسع قواعد، كما تضمن الكتاب مباحث مستحدثة منها طرق استدلال مباشر، هذا الكتاب القيم الفريد في بابه يمثل اضافة معرفية وفكرية وثقافية غير مسبوقة بما ضمه بين دفتيه من كنوز وطروحات وافكار جديدة وجريئة في ذات الوقت وقد اثرى المكتبة العربية ولاريب ومثل اضافة في غاية الاهمية سينهل من معينها الثر الدافق الباحثون ولأمد طويل مقبل، الكتاب من تأليف الباحث العراقي المعروف عبد الرحمن كاظم زيارة، الذي التقيناه بناء على الحاح القراء عامة، واصرار الكتاب والمثقفين خاصة، لنحاوره عن الكتاب والسيرة الذاتية وعلم المنطق في آن واحد، فرحب بنا مشكورا وكان سؤالنا الأول له في رحلة شائقة عبر محطات ماتعة تنقلنا خلالها بين حدائق غناء عدة فقطفنا من كل بستان زهرة لنرفل بعبقها ونشم اريجها الفواح:

* لنتحدث بداية عن بطاقتك الشخصية ومسيرتك التربوية، ماذا تقرأ؟

- أنا مواطن عراقي عربي من قبيلة شمر وهو وسام اعتز به أيما اعتزاز، ولدت في ظهيرة يوم جمعة من شهر رمضان عام 1960 في مدينة السماوة مسقط رأس والدي وأجدادي، على بعد 25 كم من مدينة أوروك التاريخية التي اكتشف فيها العراقي لأول مرة في التاريخ أبجدية الكتابة في الألف الثالث قبل الميلاد، وكنت أصغر الأبناء الذكور الثمانية، جميعهم متعلمون، منهم الاستاذ الجامعي والمعلم والمهندس والمدرس، وكان لهم دور في الحركة الوطنية والحركة الثقافية . تخرجت من الجامعة المستنصرية، كلية التربية، قسم الرياضيات (بكالوريوس رياضيات) عام 1986. انتدبت من الخدمة العسكرية للعمل في دائرة الاذاعة والتلفزيون من عام 1987 حتى عام 1991، مذيعاً ومحرراً في اذاعة صوت الجماهير للبرامج السياسية وبرامج التنمية (غير معين وبراتب الجيش) . لم أكن استسيغ العمل في التعليم الثانوي بصفة مدرس، إذ كنت ابحث عن أفق أوسع فحصلت على فرصة عمل في المعهد التقني / السماوة بصفة محاضر غير معين، ثم دخلت بمنافسة مع عشرين مدرسا من حملة البكالوريس للظفر بالتعيين كتدريسي بتخصص الرياضيات في المعهد وبلقب مدرس مساعد بحسب قانون هيئة التعليم التقني وحصلت على الدرجة عام 1992، وبدأت مسيرتي العلمية بنشر البحوث الاكاديمية في المجلات المحكمة وكانت الحصيلة قبول ثلاثة بحوث في مجال الرياضيات، أضافة الى العديد من البحوث والدراسات الأخرى ذات الصلة بواقع التعليم التقني في العراق . وعلى خلفية انتشار أحد بحوثي التخصصية باللغة الانكليزية انتدبتني بعض المجلات الاجنبية المحكمة بإجراء التقييم على البحوث التي ترد إليها للنشر، لقبولها أو رفضها، وهذه حالة نادرة أن يكلف من يحمل درجة بكالوريوس بتقييم بحوث يجريها اساتذة من حملة شهادة الدكتوراه في الرياضيات والاحصاء ليقرر صلاحية قبولها للنشر أو رفض قبولها.

* قبل أن نخوض في غمار هذا البحر اللجي، متلاطم الامواج، وقبل أن ننهل من هذا العلم الضارب في القِدم، عالي الكعب، راسخ القَدم، والذي قد يبدو عصيا على فهم الكثيرين، لابد لنا من أن نمهد للقراء الكرام ونقدم لهم تعريفا ولو موجزا عن ماهي علم المنطق وفوائده ودوره في تطور مجمل الفلسفات والمعارف والعلوم عبر التأريخ؟

- لا يمكن الاحاطة بفكرة موجزة تنفع القارئ الكريم عن ماهية المنطق، لكن دعنا نرسم اطارا عاما للمنطق. المنطق هو علم الفكر، يقرر صدق أو كذب القضايا التي تواجه المنطقي، ويستخرج قضية صادقة من أخرى صادقة، ويستنتج قضية صادقة من قضايا عدة صادقة هي الأخرى . وله طرق للوصول الى ما ذكرت تسمى طرق الاستدلال، التي تخضع جميع المقولات سواء كانت خطابا إنسانيا كالفلسفة والفقه وعلم الاجتماع وغيرها، الى قواعده فتقرر صدق أو كذب المقولات . ولي تعريف خاص للمنطق وهو أن المنطق بنية علاقات، وكان هذا التعريف منطلق أساس لبحوثي المنطقية . يقسم الاستدلال الى مباشر وغير مباشر، أما المباشر فله طرقه الخاصة وهي: أحكام القضايا (التناقض والتضاد)، فالمتناقضتان هما القضيتان المختلفتان بالسور والكيف، نحو؛ (كل جوهر ثابت) و (بعض الجوهر ليس بثابت) متناقضتان، أما التضاد فهو اختلاف الكليتين بالكيف، نحو (كل حواء متشاكل) و (كل حواء ليس بمتشاكل) متضادتان . وهنالك الدخول تحت التضاد . أضف الى طرق العكس المستوي والنقض وعكس النقيض، فلكل طريق من هذه الطرق قاعدة عامة وقواعد للمسورات الأربع (الكلية الموجبة، الكلية السالبة، الجزئية الموجبة، الجزئية السالبة) . كل ما تقدم يدخل في حيز متبنيات المنطق الأرسطي التقليدي. أما الاستدلال غير المباشر فيشمل الاستقراء والقياس، وهما طريقان يعملان على مجموع قضايا . فالاستقراء هو استنتاج قضية كلية من قضايا جزئية، وعكسه الاستنباط فهو استنتاج قضية جزئية من قضية كلية . أما القياس فإن أهم اقسامه بحسب أرسطو هو القياس الحملي الاقتراني، تتألف هيأته من مقدمتين تنتجان قضية واحدة هي نتيجة القياس.

والمنطق بصفته علم التفكير يشمل أيضاً متبنيات المنطق الرياضي، والفرق بين المنطق الأرسطي والرياضي هو أن مادة الأول القضايا الحملية البسيطة وأمثلتها كما تقدم ذكره، بينما مادة المنطق الرياضي القضايا المركبة، وتتألف من قضايا حملية عدة تربط بينها أدوات ربط وليس علاقات كما في القضايا الحملية .

2424 عبد الرحمن زيارة 2

*متى اختمرت الفكرة في رأسك، وأعني هنا فكرة دحض خمس قواعد استدلالية قال بها فيلسوف الاغريق الكبير ارسطو طاليس، وتابعها شراحه، لتشتق بدلا عنها تسع قواعد في العكس المستوي والنقض وعكس النقيض لاسيما وانك قد طرزت كتابك بمباحث، تطرق لأول مرة في تأريخ المنطق، حدثنا عن ابرز ما نقضته بمنهج استدلال ارسطو وأهم ما اضفته ولماذا؟

- قبل سنين خلت وقع بين يدي كتاب المنطق للشيخ العراقي محمد رضا المظفر (ثلاثة أجزاء)، وهذه أول مرة أطلع فيها على المنطق الأرسطي، وفيما سبق درست المنطق الرياضي أثناء دراستي الجامعية في كورس واحد فقط، والمنطقان مختلفان في مادتيهما وبأسلوبيهما. ولا أخفيك سرا وجدت صعوبة في فهمه لسببين: الأول، لم اعتد على لغته . والثاني، الخلط بين الفلسفة واللغة من جهة وقواعد المنطق من جهة أخرى . انتبهت الى السبب الثاني ومنه حددت موضوع المنطق بالضبط، وشرعت بكتابة سلسلة من المقالات بعوان (نقد المنطق الأرسطي) ونشرتها في موقعي الثقافي (فضاء أوروك) وفي مواقع أخرى. كانت أوجه النقد محدودة وليست بالشمول الذي أدى الى نقض قسم من قواعد أرسطو ومنهجه . وبعد عامين من قراءتي لكتاب الشيخ المظفر حصلت على كتاب المنطق لأرسطو باللغتين العربية والانكليزية وعكفت على مطالعتها، فوجدت أن جميع كتب المنطق الأرسطي هي في الحقيقة شارحة لمتن كتاب أرسطو، ولم تضف شيئاً، سوى التفنن بطرق العرض، وهذا لا يقدح في العلم كما هو معروف. قررت عندئذ أن انهض بتأليف كتاب يعرض المنطق الأرسطي بفك التداخل الفلسفي واللغوي معه، وفي أثناء تأليفي للكتاب أخذت باكتشاف الاحالات المنطقية (الاخطاء) في منطق أرسطو، ووضعت قواعد جديدة وأضفت مباحث وطرق استدلال غير مسبوقة في تاريخ المنطق.

* وماذا عن كتابك الثاني (منطق القضايا الحملية) هل لك ان تحدثنا عنه قليلا؟

- ضم منطق القضايا الحملية – قواعد الاستدلال المنطقي – نتائج المباحث التي ضمها الكتاب الأول (المنطق الموحد – تحديث المنطق الأرسطي) بطريق عرض غير موغلة بالتحليل المنطقي والمناقشة والاختبارات والاستقراء، ولم أتطرق فيه إلّا الى القضايا الحملية البسيطة دون القضايا المركبة . وقد ألفته لتكون قواعد المنطق ميسرة للقارئ المتعلم . والفرق بين الكتابين أكثر من هذا .

* قلت في معرض تقديمك لكتابيك بأنك انهيت تأليف الكتابين منذ زمن بعيد الا ان طبعهما قد تأخر لأسباب تتعلق بالنشر داخل وخارج العراق ما جعلك تلجأ الى المطبعة مباشرة بعيدا على الوسطاء وبجهد خاص، نرجو من جنابك الكريم ان تلخص لنا مجمل معاناتك مع دور الطباعة والنشر والتوزيع واسباب تأخر صدور الكتابين المهمين كونها تلخص معاناة المثقفين العراقيين والعرب مع تلكم الدور حتى بات الكثير منها يشكل عبئا حقيقيا على كواهلهم وعائقا كبيرا امام نشر ابداعاتهم وطباعة مؤلفاتهم ما تسبب في تلكؤ اصدار عشرات العناوين المهمة .

- للأسف لا توجد في العراق دور طبع ونشر بالمعنى الذي تتولى طباعة المخطوطات وتوزيع ونشر وبيع المطبوع، بل تكتفي بدور الوسيط بين المطبعة والمؤلف، وعلى المؤلف القيام بتوزيع نسخ كتابه وبيعها بعد تسلمها من (الدار) مطبوعة ومعبأة بكراتين، ناهيك عن عدم الاشتراك بمعارض الكتاب، أي أن المطبوع يولد ميتاً . هنالك ثلاثة انواع من (دور الطبع والنشر) في العراق والدول العربية، كلها تتقاضى كلفة الطبع كاملة من المؤلف، أولاها تكتفي بكلفة الطبع ولا تطبع عدداً آخر من النسخ المطلوبة، وثانيها تنهج اسلوب النشر المشترك حيث يطبع الناشر ضعف عدد النسخ التي يطلبها المؤلف، تسلمه النسخ التي طلبها وتقوم هي ببيع النسخ الأخرى لحسابها . وثالثها تكتفي بعدد النسخ المطلوبة للمؤلف وتطبع ما يحلو لها من النسخ فتبيعها لحسابها . لاحظ في كل الأحوال ليست هناك ضمانة لنشر وتوزيع وبيع الكتاب وعرضه . في تجربة سابقة صدر لي كتاب في الفلسفة من قبل (دار طباعة ونشر) مقرها مكتبة وهذا هو حال هذه الدور، وفي زيارة للمكتبة لم أجد نسخة واحدة من كتابي في رفوف المكتبة ! وفي أشهر لاحقة وجدت كتابي أضافة الى كتب أخرى قمت بتأليفها تباع في بسطيات شارع المتنبي بسعر أقل من كلفة طباعتها !

حقوق التأليف، ونشر المطبوع غير متاحة في العراق للأسف . وما يهمني هو نشر أعمالي وايصالها الى من يهمه أمرها، ويبدو أن هذا الأمل بعيد للأسف . ولكي لا تبقى أعمالي العلمية طي النسيان اضطررت للتعامل المباشر مع مطبعة، وعليّ أن أوزعه بنفسي، ومن المؤكد سأوزع أغلبه مجاناً داخل العراق !

2424 عبد الرحمن زيارة 3

*ماهي رؤيتكم للمناهج الدراسية الحالية للمراحل المتوسطة والاعدادية والجامعية، العربية والعراقية، هل لديكم مقترحات ما لتحديثها أو تطويرها بما يتماهى مع التطور المعرفي ويتناغم مع السمو الثقافي الحديث لنحلق معها الى مديات ارحب، لاسيما مع تراجع العالم العربي على مستوى التربية والتعليم الى مستويات متدنية حتى صار معظمها يتذيل قوائم التصنيفات الدولية بهذا الشأن، وآخرها وليس أخيرها قطعا خروج العراق اسوة بسورية وليبيا واليمن والصومال والسودان من التصنيف العالمي لجودة التربية والتعليم اساسا؟

- للأسف مخرجات التعليم لم تعد كفوءة كما كانت سابقة، وهنالك مشاكل ذات أوجه متعددة تتعلق بأركان العملية التعليمية:المدرس والمنهج والطالب. وفي تقديري أن المشاكل المتعلقة بالمنهج هي أهون بكثير من المشاكل التي تتلبس طرفي العملية التعليمية: المدرس والطالب . فيما سبق كان تقييم المعلم في المدارس الابتدائية والمدرس في المدارس المتوسطة والثانوية يستند الى نسبة النجاح والدرجة المعيارية التي تقيس التحصيل الدراسي للطلبة بدلالة الدرجات، فليس لأهمية نجاح الطلبة بنسبة عددية متقدمة إذا كانت درجاتهم أقل من متوسط، فهذا خلل في العملية التعليمية، وبالعكس إذا كانت نسبة النجاح منخفضة ودرجات الطلبة فوق المتوسط، فهو خلل أيضاً في العملية التعليمية . يتحدد مستوى اسئلة الامتحان بأنواعها ومنح الدرجات وطرق تعامل المعلم والمدرس بضوء أوجه تقييم أداءه . وأرى أن يعاد النظر بمعايير تقييم الأداء . لقد استجدت عوامل أضافية أضعفت المعلم والمدرس هي من تداعيات الاحتلال الامريكي للعراق وهي معروفة للقاصي والداني . والأمر مشابه في التعليم الجامعي .

يمكن أن نلخص مسار انخفاض مستويات التعليم بعبارة السلوك الجمعي السلبي للطلبة . فعندما يكون أغلب الطلبة لا يلون أهمية لتحصيلهم الدراسي والتفوق العلمي يضطر المعلم والمدرس الى خفض معايير النجاح .

وبصدد المناهج قمت بتأليف بحث علمي، بأدوات رياضية، كشفت فيه أن درجات الدروس العملية في المعاهد التقنية هي التي تقرر نجاح الطالب، أما درجات الدروس النظرية فمكانتها متدنية جداً في تقرير نجاح أو رسوب الطالب، وبالرغم من الأهمية النسبية لدرجات العملي إلا أن الطالب الذي يتخرج من قسم الكهرباء مثلاً غير قادر على تأسيس نقطة كهرباء في بيته !

* هل في جعبتكم مؤلفات قيمة أخرى في طريقها الى النور؟

- نعم لدي كتابان جاهزان للطبع: الأول، (علم البنى – التأصيل الرياضي للبنيوية)، أرد فيه المقولات البنيوية الى أصلها الرياضي، والكتاب يجمع بين علم اللغة – علم اللسان بالمعنى السوسري – والثاني، مجموعة ومنطق الحواء، يهتم بالكشف عن مجموعة جديدة غير مسبوقة ومنها نؤلف منطقاً يستوعب المنطق الأرسطي والمنطق الرياضي والمنطق الضبابي والمنطق البوولي . وهنالك أعمال أخرى تتعلق بالفلسفة .

* لو لم تكن انت الان، ماذا كنت تتمنى أن تكون؟

- لا اتمنى غير ما أنا عليه الآن، فأنا راض عن وضعي الاجتماعي فأولادي ثلاثتهم أطباء يحظون باحترام الوسط الصحي والوسط الاجتماعي، أما عن وضعي العلمي فإني عملت وانتجت بأكثر مما تتيح له درجتي العلمية ولقبي العلمي، سوى أني كنت اتمنى اكمال دراستي العليا ولم تسمح الظروف العامة بذلك .

* حكمة تؤمن بها؟

- أعمل لدنياك كأنك تموت غداً، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبد الدهر .

 

* شخص تدين له بالفضل لما وصلت إليه؟

- والدي رحمه الله، رغم أنه توفي وأنا بعمر السابعة، إلّا أن صورته تحفزني لكل ما هو ايجابي في الحياة .

*ماذا تحب وماذا تكره؟

- في الفنون أحب الموسيقى والرواية والشعر، وأحب الشطرنج. وأكره الكذب لأنه عدم، معه لا تستقيم الحياة، وتزعجني المسكوكات الكلامية المتكررة التي يتداولها هواة الكلام من الناس .

* ماذا تشكل المرأة في حياتك؟

- المرأة هي الأمومة والحب، واناقة الحياة .

* كلمة توجهها الى ابنائك الطلبة وللمراحل الدراسية كافة؟

- اقول لهم: أنتم صورة المستقبل فانظروا كيف يكون مستقبل بلادكم، واعلموا أن ديدن الانسان الناجح هو الصدق والاخلاص، واجعلوا القيم السامية والاخلاق الحميدة قاعدة سلوك ومنهاج حياة، ولا تخوضوا مع الخائضين وإن كثروا، واتقوا الله تعالى حق تقاته .

* كلمة أخيرة لمحبيك ولمتابعيك؟

- في العراق مبدعون في جميع حقول المعرفة وفي العلوم والفنون والآداب، إلا أنهم لا يحصلون على فرصة للإفصاح عن اعمالهم، وتطبيقها في بلدهم . العراقيون في البلدان المتقدمة فيهم من أمهر الاطباء، وأمهر الاساتذة والمهندسين والعلماء، ويديرون حلقات مهمة ويؤدون اعمال تخصصية عالية المستوى في الدول المتقدمة، فأين بلدهم عنهم؟

 

حاوره / احمد الحاج

 

2397 فهمي الشيخو 1نواجه الواقع بالكتابة ونهرب منه أحياناً.. الرّوائي التّركماني فهمي سعيد الشيخو: من الصّعب جدّاً على الكتّاب الجدد الإتيان بالجّديد أو خلق اضافة نوعية

لم يقتصر ابداعه على مجاله الهندسي، بل كان صاحب قلم وقضية وانموذجا للسعي والمشاركة في إشاعة ثقافة الإبداع في مشهد القراءة من خلال تنظيم مهرجان القراءة الأول والثاني في مدينة تلعفر، فهمي سعيد الشيخو من مواليد محافظة نينوى تحديداً قضاء تلغفر 1992، الحاصل على بكالوريوس في الهندسة جامعة الموصل 2014، وعلى الماجستير في الميكانيك التطبيقي جامعة تكريت 2021، كاتب وروائي وعضوا في الأكاديمية الدولية للقيادة والتنمية في اسطنبول، صدر له روايتين أولى بعنوان "كل ذكرى ذائقة الموت" عن دار سطور للنشر والتوزيع في بغداد سنة 2017، والثانية بعنوان "جينوسايد" عن دار ماشكي في الموصل سنة 2020.

عن بداياتك بمن تأثرت من الأدباء وكانوا يعيشون في مكتبك؟

- في الحقيقة بداياتي كانت بالتأثر في اللغة نفسها، لأن اللغة العربية ليست لغتي الأم .. فسحرتني هذه اللغة وسحرني جمالها وعمقها وغناها المفرداتي ومدلولاتها الواجدانية التي تمكن الانسان في ايصال ما لا يمكن ايصاله بأي لغة اخرى باعتقادي ..

بعد تعلمها كتابةً وقراءة بدأت اتأثر ببلاغة شعراء الجاهلية والاسلام كأُمرؤ القيس وزهير بن ابي سلمى والمتنبي والحطيئة وقيس بن الملوح وغيرهم الكثير .. ومن ثم بدأ التأثر بالكتّاب منهم بالتأكيد إليف شافاق و نجيب الكيلاني ورضوى عاشور وعلي الوردي و غيرهم ..

هل الكتابة هروب من الواقع ام مواجهة الواقع؟ ماذا يقول للعالم فهمي سعيد الشيخو عندما يكتب؟

- باعتقادي لا يمكن تحديد غاية الكتابة.. فاحياناً تكون هروباً من الواقع واحياناً اخرى مواجهة له وكذلك لربما تكون لغايات اخرى، كأن تكون اصلاح الافكار الخاطئة الشائعة بين الناس او توضيحها او محاولة التركيز على الجوانب المظلمة للمجتمع او البيئة او حتى الانسان نفسه.

بصفتك كاتب رواية أيهما الأقرب إليك الرواية العربية اما الغربية ولماذا؟

2397 فهمي الشيخو 2- الحقيقة هنالك نوع من الظلم للرواية العربية عند مقارنتها بالرواية الاجنبية، لعدة اسباب يمكن اختصارها بالتالي: يجب ان ندرك ان الروايات الغربية لا يتم ترجمتها الا اذا كانت روايات لها صيتها وتأثيرها على مستوى بلدانها لأن المترجمين لا يصرفون اوقاتهم لترجمة الروايات الرديئة وبالتالي نحن عندما نتكلم عن الرواية الغربية فنحن نتكلم عن الروايات الجيدة التي استحقت الترجمة ومن ثم نأتي لنقارنها مع الروايات العربية التي تداخلت فيها الرديئة مع الجيدة او كست الاولى على الثانية فنرى هذا الفارق الكبير بين الرواية العربية والرواية الغربية بالتالي المقياس غير عادل كأننا نقوم بمقارنة بضاعة مختارة بعناية مع بضاعة مختارة بعشوائية فنقع في الاشكال ونظلم الرواية العربية.. هذا جانب، في الجانب الآخر الروايات الغربية هي نتاج بيئات ولغات وثقافات مختلفة كالادب الانكليزي والروسي والاسباني والياباني والامريكي بمقابل الروايات العربية التي تتشابه بيئاتها وثقافاتها تشابهاً كبيراً .. بالنهاية لابد ان تتميز الروايات الغربية على العربية وتشد القارئ اكثر وانا منهم بالتأكيد لكنني اقرأ الروايات العربية ايضاً دون مقارنتها مع غيرها..

كل ذكرى ذائقة الموت الرواية الاولى التي صدرت عام 2017،كانت وليد المعاناة والحروب، هل استطاعت ان تنقل في روايتك ماحدث في مدينك؟

هي كانت محاولة لنقل المعاناة جراء الحرب ضمن قصة حقيقية حدثت قبل داعش وتأثرت بالاحداث المصاحبة له وتداخلت فيه. كما حاولت فيها طرح و معالجة الافكار الاجتماعية الخاطئة كالطبقية والمناطقية والقومية ونظرة المجتمع لبعضها البعض اعتماداً على مكان الولادة او اللغة المختلفة او الثقافة المغايرة.. وكذلك تطرقت الى فكر داعش والمغالطة الكبيرة بين احكامها المنسوبة للاسلام وتطبيق تلك الاحكام تطبيقا خاطئاً في اصولها وغاياتها، وكذلك الموقف الحرج لابناء الموصل في تلك الفترة الذين عاشوا ما بين المطرقة والسندان فهم في نظر داعش خونة ومرتدين ومنافقين لانهم لم ينضموا اليهم وفي نظر آخرين هم دواعش!!

جينوسايد مصطلح يطلق على الإبادة الجماعية بكافة مسمياتها، مالذي أردت توظفه في روايتك التي أطلقت عليها (جينوسايد)؟

جينوسايد هي رواية ثلاثية تتحدث عن مجازرٍ ثلاث وقعت في النصف الاول من القرن الماضي، الاولى مجازر الارمن على يد العثمانيين سنة ١٩١٥ والثانية الهولوكوست المحرقة اليهودية على يد النازيين ابان الحرب العالمية الثانية ١٩٣٩- ١٩٤٥ والاخيرة مجزرة دير ياسين على يد المجاميع الصهيونية سنة ١٩٤٨.. حاولت في هذه الرواية توظيف مسألة ان المسلمين والمسيحيين واليهود قاموا بهذه المجازر ضد بعضهم البعض والكل اصبح ظالم ومظلوم ومهجِّر ومهجَّر ومجرم وضحية في الآن نفسه، وآن للاطراف اجمع ان يتوقفوا عن المجازر والقتل ويعيشوا حياتهم مع بعضهم البعض بسلام و وئام.

برأيك ساهمت الرواية العراقية بالتسليط الضوء على الواقع المزري الذي عاشه الإنسان العراقي؟

- الى حدٍ ما الروائيين العراقيين قد كتبوا كثيراً عن معاناة الانسان العراقي منذ بداية الثمانينات اي بداية الحرب الايرانية العراقية الى السقوط والاحتلال وايام الطائفية ولربما لا أبالغ ان قلت لا يوجد كاتب عراقي معروف إلا وقد كتب عملاً واحداً على الأقل عن هذه الحقبة، بالتالي نستطيع القول انهم ساهموا كثيرا بتسليط الضوء على معاناة الانسان العراقي لكن في حقبة معينة بتركيز كبير ..

الروائي العراقي يعيش ليكتب ولا يكتب ليعيش، هل تؤيد هذه المقولة ولماذا؟

2397 فهمي الشيخو 3- لا يمكن الجزم ان الروائي العراقي يعيش ليكتب او العكس لأن الروائيون من مشارب مختلفة وثقافات واراء متنوعة تجد فيهم النوعين وهذا حسب نظرة كل منهم على ما يقدم من نتاجات ادبية وكذلك على الهدف او الغاية من الكتابة لديه سواءً كانت مادية بانواعها او معنوية بتشعباتها ..

مواقع التواصل الاجتماعي اتاحت للمثقف والكاتب زاوية واسعة من التنقل في نقل ابداعاته، مالذي إضافته هذه المواقع لنتاجتك الأدبية وعلاقاتك مع الأدباء والمثقفين؟

- بالتأكيد المساحة التي توفرها هذه الوسائل تعطي فرصة للكاتب بتسويق كتاباته ونتاجاته الادبية التي لولاها لربما واجه الكثير من الصعوبات في الوصول الى القارئ، وكذلك وفرت للكاتب والقارئ على حد سواء معرفة الطرفين فالقارئ يطرح اراءه عن الكتاب الذي قرأه ويقدم العمل باختصار مفيد للقراء الاخرين وهذا مما يعطي عادة دوافع كبيرة للكاتب بالاستمرار وتجعله ايضا قريباً منهم يعرف معاناتهم واهتماماتهم ومشاكلهم ثم يعكسها في كتاباته فيحصل التجانس الجميل بينهما..

ما الدوافع التي تعجل الروائي يكتب ويبحر في الرواية؟ مالطابع الذي يغلب عليه في رواياته؟

الدوافع كثيرة لا حصر لها، احيانا تكون عاطفية واحيانا فكرية او عقائدية دينية او فلسفية او حتى مادية كما يُذكر عن الكاتب الروسي الشهير ديستوفيسكي عندما كتب احدى رواياته في غضون اشهر قليلة لانه كان في ضائقة مادية ..

كذلك الطابع لا حصر له، ويعتمد على فكرة الرواية واحيانا على الراوي نفسه ..

 ما الذي أضافهُ كتّاب الرواية الجدد في رواياتهم وهم بين يقطنون في فوضى الحروب والصراعات؟ وهل استطاعو خلق تجربة جديدة؟.

- الحقيقة من الصعب جداً ان الكاتب الجديد يكون قادراً على الاضافة او خلق مجال جديد الا ما ندر، هم بالعادة يحاولون قدر الامكان الوصول الى مستوى الكتّاب المؤثرين في الساحة الثقافية ومن ثم يكونوا باعتقادي قادرين على أن يضيفوا شيئاً او يخلقوا تجربة يحتدى بها .. الكتّاب الجدد يواجهون عادة صعوبات في تقبل القراء لكتاباتهم فترى اغلب القرّاء يبتعدون عن قراءة نتاجات الكتاب الجدد ويرون في ذلك مضيعة للوقت؟! وعبور هذه المرحلة وكسب ثقة القراء لمهمة صعبة يحتاج فيها الكاتب الى الكثير من الصبر والاصرار والتحمل والاستمرار دون ان يُحبط من التجربة الاولى عندما يتكدس النسخ لديه ولا يجد من يقرأ له!

 

حاوره عمر الصالح

 

2388 فاطمة بوهراكةيغيب صاحب المنصب المحارب وتبقى الأعمال الشاهقة

شاعرة وأدبية معاصرة... تنبش في القديم.. تحفر في التراث.. لا تيأس من البحث والسؤال، آثرت التعريف بالآخرين من الأدباء والشعراء من كل بلدان العالم العربي على خدمة نفسها هي الشاعرة فاطمة بوهراكة من مواليد 1974 بفاس المغربية، اقتحمت الساحة الأدبية اقتحاما فعرفت من المحيط إلى الخليج.... كما عرف اسمها لدى العديد من الأدباء المعاصرين الأجانب بحكم ترجمة أشعارها إلى لغات عديدة كالفرنسية، الإسبانية، الانقليزية، الألمانية، التركية والكردية وحتى العبرية.. غير أن اسمها مازال مخفيا نسبيا عن الكثيرين من الأدباء والشعراء، اخترتها أن تكون شخصيّة اللقاء لجملة من الحوارات التي أجريتها مع بعض المبدعين.. فتوجّهت إليها بالأسئلة التّالية:

السؤال الأول: الشاعرة فاطمة بوهراكة سألت عن اسمك في الوسط الشعري التونسي وحتى العربي من خلال علاقاتي فكان نسبيا معروفا... هل لك أن تعرّفي بنفسك أكثر للقراء وذكر ما سبب عدم شهرة اسمك بالرغم من انجازاتك وتكريماتك والشهادات العديدة التي نلتها والمحبّة التي حصدتها..؟

فاطمة بوهراكة

- من مواليد فاس في 13 فبراير 1974 م .

- رئيسة دارة الشعر المغربي منذ عام (2007 - 2019 م)

- مديرة مهرجان فاس الدولي للإبداع الشعري (2010م إلى 2018 م.)

- معدة ومقدمة برنامج رنين الكلم بإذاعة فاس الجهوية عام 2013 م .

- مشرفة نادي المكتبة التابع للمركب الثقافي والاجتماعي والرياضي عين النقبي (2013-2014 م) .

- مديرة عامة لمؤسسة صدانا الثقافية في الفترة الممتدة مابين (2008 – 2018م)

- عضو اتحاد كتاب المغرب .

- شاركت في العديد من الملتقيات والمهرجانات الشعرية والفكرية منذ عام 1996م وإلى يومنا هذا في كل من: المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، السودان، العراق، لبنان،الإمارات، البحرين، سلطنة عمان، فرنسا،الهند .

- شاركت إلى جانب الشاعرة الدكتورة الشيخة سعاد الصباح في إنجاز مسرحية شعرية تحت عنوان '' فيتو على نون النسوة '' عرضت بالمركب الثقافي بمدينة فاس المغربية يوم السبت 28 يوليوز 2007م .

- معدة الموسوعة الكبرى للشعراء العرب التي انطلق العمل عليها بتاريخ 1 يوليوز2007 وتم إصدارها كمجلد شمل 2000 شاعرا وشاعرة عام 2016 م .

- معدة كتاب 100 شاعرة من العالم العربي / قصائد تنثر الحب والسلام 1950/2000 صدر عام 2017 م بأربع لغات هي: العربية , الفرنسية (ترجمة الأستاذة فاطمة الزهراء العلوي) , الإنجليزية (ترجمة الدكتورة سعاد السلاوي) الإسبانية (ترجمة الأستاذة ميساء بونو).

- معدة كتاب77 شاعرا وشاعرة من المحيط إلى الخليج 2007 /2017 صدر عام 2018 م .

- معدة كتاب شعراء سياسيون من المغرب (1944/2014م) صدر عام 2019 م.

- معدة موسوعة الشعر السوداني الفصيح (1919/2019 م) صدر عام 2019 م .

- معدة كتاب 50 عاما من الشعر العماني الفصيح في ظل السلطان قابوس (1970/2020) . صدر عام 2020 م .

- ساهمت في إنجاز أربع مجموعات شعرية مشتركة رفقة ثلة من الشعراء وهي:

- احتراقات عشتار 1995م،غدائر البوح 1996م، وشم على الماء 1997م، بهذا وصى الرمل 1998م .

- لها ديوان شعر تحت عنوان: اغتراب الأقاحي طبع عام 2001 م مترجم للغة الفرنسية .

- لها ديوان شعر يحمل عنوان: بــوح المــرايا طبع عام 2009 بثلاث لغات: العربية، الفرنسية، الاسبانية .

- لها ديوان شعر تحت عنوان نبض طبع بسبع لغات هي: العربية،العبرية ،الإنجليزية،الفرنسية، الإسبانية، الكردية، التركية طبع عام 2012م.

- لها ديوان تحت عنوان جنون الصمت طبع بالرباط ثم بالقاهرة عام 2015 م .

- تم ترشيحها لنيل لقب أفضل شخصية ثقافية لعام 2012م ضمن جائزة الشيخ زايد للكتاب .

- تم تكريمها من قبل المهرجان الثقافي الوطني للشعر النسائي بقسنطينة الجزائرية تحت رعاية فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة في 13 أكتوبر 2012 م.

- أنجزت على دواوينها الشعرية العديد من الدراسات النقدية منها دراسة باللغة الفارسية من قبل الدكتور جمال نصاري طبعت عام 2014 م في كتاب تحت عنوان فاطمة بوهراكة تتكلم بصمت .

- كتبت عنها العديد من الشهادات والأشعار من قبل شعراء ونقاد جمعت وطبعت في كتاب تحت عنوان: شراع المحبة عام 2014 م .

- صاحبة مبادرة (تبرع بكتاب ... تحمي الألباب) والتي جمعت من خلالها أكثر من 5000 كتاب قدمت هبة لبعض المكتبات العمومية التابعة لجمعيات فاس والتي انطلق العمل عليها مند عام 2014 م .

- فاعل جمعوي لأكثر من عشرين عاما حيث خلقت العديد من الأفكار والمشاريع الثقافية داخل وخارج المغرب نذكر منها:

ملحمة في حب السودان عام 2019 م

ملحمة في حب لبنان عام 2020 م

- اشتغلت على تحقيق عدة أفكار ثقافية منها: مشاكسة الشعر للفن التشكيلي عام 2001 ومشاكسة الشعر للغناء عام 2013 م كما سجلت عدة حلقات تعريفية لرائدات الشعر العربي من حيث طباعة الدواوين في لقاءات معهن عبر اليوتوب تحت عنوان: رائدات لازلن على قيد الحياة .

- أجريت معها عدة لقاءات إذاعية وتلفزية نذكر منها: القناة الأولى المغربية، قناة الثقافية السعودية، قناة عشتار العراقية، قناة النيل المصرية، قناة النيل الأزرق والشروق السودانية .

- أجري معها حوار صحفي عربي عبر قناة اليوتيوب شارك في إنجازه ثلة من الصحفيين المتميزين: الدكتورة فاطمة برودي وسعيد معواج (المغرب) الدكتور عبد البديع فهمي وشرين نبيل (مصر) غادة أبشر ومحمد آدم بركة وأحمد خضر (السودان) ضحى عبد الرؤوف المل (لبنان) عبد الوهاب العريض (السعودية) زهراء غريب (البحرين) يوليوز 2019 م .

- تم اختيار مسارها في مجال التوثيق الشعري للحديث عنه في العديد من القنوات الفضائية منها: قناة الظفرة الإماراتية في برنامج الرقم 1 وقناة TRT التركية من خلال برنامج قصتي .

- كتب عن مسارها الإبداعي الأديب المغربي حميد بركي كتابا أطلق عليه اسـم: فاطمة بوهراكة امرأة من ذهب طبع عام 2018 م .

- ضيف شرف ملتقى الخرطوم لنقد الشعر السوداني في دورته الثانية بتاريخ 25،26 غشت 2019 م المنظم من قبل بيت الشعر بالخرطوم إلى جانب الأديب المصري أحمد فضل شبلول .

- تم إدراج بورتريه لها ضمن معرض (بورتريهات لشخصيات مهمة) في كلية الفنون بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا بريشة الفنان والأستاذ السابق بالكلية بدر الدين محمد النور، يناير 2020 م .

أما ما يتعلق بعدم انتشار إسمي بشكل كبير عربيا ووطنيا فأعتقد أن السبب الأول يرجع لطبيعة شخصيتي التي تحب العمل في صمت وثانيا أنني لست صديقة مقربة للإعلاميين حتى أكون مادة دسمة في مجلاتهم وصحفهم .

2388 فاطمة بوهراكة

السؤال الثاني: بدأت صغيرة بكتابة الشعر.. لكنك اشتغلت على البحث في أسماء الشعراء والشاعرات ليس في المغرب فقط.. ألمْ يُؤثّر هذا على موهبتك كشاعرة..

الجواب: هذا الاختيار كان صعبا للغاية لكنه مهم بالنسبة لي وللساحة التوثيقية العربية فهناك شعراء كثر لكننا نحتاج لمن يوثق لهم بكل مصداقية وحيادية حتى لا تضيع أثرهم الشعري والنتيجة أن إنتاجي الشعري تراجع بشكل كبير بعد دخول مجال التوثيق .

السؤال الثالث: هل واجهت عراقيل وأنت تنجزين أعمالك الكبرى كتلك الموسوعة التي ضمت 2000 شاعر وشاعرة وأخذ من عمرك ووقتك الكثير.؟

الجواب: هناك العديد من الصعاب والعراقيل التي لا تعد ولا تحصى أوجزها فيما يلي:

- غياب الدعم المالي لهذه الأعمال التوثيقية فتبقى الطباعة شخصية محدودة الانتشار .

- التواصل مع عدد كبير من الشعراء مختلفي الطباع والثقافات .

- اختلاف الثقافات المجتمعية بين الدول مما يؤثر سلبا على الظهور الشعري لدى النساء .

- ضرورة السفر للبلد الذي سيتم التوثيق لشعرائه بعد اختيار الفترة التاريخية لذلك .

- وجود قصائد مسروقة بين الشعراء .

- فبركة بعض السير الأدبية من قبل أصحابها .

- خلق مجموعة عراقيل من قبل بعض الجهات أو الشخصيات لظهور هذه الأعمال .

- تقديم أسماء شعرية دون غيرها من قبل الشعراء أو النقاد الذين أتوجه إليهم كمتقرحات فيفضلون إرسال أسماء تربطهم بهم علاقة دينية أو مذهبية أو شللية على حساب الشعر نفسه .

السؤال الرابع: كيف كنت تحصلين على المعلومات التي قمت بتجميعها في موسوعاتك.؟

الجواب: أنا لا أعمل على تجميع المعلومات وإنما التنقيب عليها من خلال التواصل المباشر مع الشاعر الحي أو مع عائلته وأصدقائه في حالة وفاته وهذا ما مكنه لي وجودي في الساحة الشعرية العربية لحوالي ثلاثين عاما ومعرفتي الشخصية بالشعراء والشاعرات .

الشيء الذي جعلني أكتشف أسماء شعرية مهمة بالساحة العربية لكنها مغيبة ولم تذكر في أي كتاب من قبل .

السؤال الخامس: اهتممت اهتماما خاصا بالشعر السوداني الفصيح فأعددت موسوعة له من 1919 إلى 2019، كذلك اشتغلت على الشعر الفصيح العماني خمسين عاما... كيف جاءتك الفكرة أن تبحثي في تراث شعري ليس من بلدك؟

الجواب: انطلاقتي الأولى في مجال التوثيق الشعري كانت عام 2007 م من خلال الموسوعة الكبرى للشعراء العرب بين سنوات 1956 و2006 م حيث اشتغلت على شعراء العالم العربي بمختلف جنسياته وعرقياته ودياناته بعدها جاءت فكرة الاشتغال على توثيق وترجمة الأعمال الشعرية لمائة شاعرة من العالم العربي بهدف التعريف بالانتاج الشعري النسائي عالميا ثم اشتغلت على كتاب 77 شاعرا وشاعرة من المحيط إلى الخليج بطلب من عدة باحثين بالجامعيات العربية بعدها عملت على كتاب مغربي مخض هو شعراء سياسيون من المغرب ثم انتقلت للعمل على مستوى الأوطان فكانت فكرة الاشتغال على الشعر السوداني الفصيح بعدما زرته عام 2018 م بدعوة كريمة من بيت الشعر بالخرطوم بعدها جاءت فكرة الاشتغال على التوثيق لشعراء سلطنة عمان في عهد السلطان قابوس رحمه الله باني نهضة عمان الحديثة في ذكراه الخمسين وحاليا اشتغل على موسوعة الشعر النسائي العربي المعاصر بين سنوات 1950و2020 م .

السؤال السادس: كل المنجزات التوثيقية التي قمت بها تتطلب منك جهودا جبارة مادية وجسدية وفكرية... إلى غير ذلك.. ماذا حصدت منها؟

الجواب: إذا كنت تقصدين الجانب المالي فلا شيء يذكر باستثناء مبلغ 500 دولار مع تكريم ببيت الشعر بالخرطوم .

أما إذا كنت تتحدثين عن الجانب المعنوي فهناك أشياء كثيرة على رأسها محبة الناس .

السؤال السابع: كل بحوثك ودراساتك نخبويّة... موجّهة إلى فئة معينة من القراء أو الأدباء والباحثين في الغرض.. ألا توافقينني أن كل من رام اليوم بحثا توجّه إلى الشّيخ ڨوڨل أو اليوتيوب أو المواقع الإلكترونية.. فهل سيبحث عن الورق في المكتبات؟

الجواب: هناك فرق شاسع بين ما يقدم لنا بالعالم الافتراضي من بيانات وبين ما هو موجود على أرض الواقع وشخصيا لا أميل للبحث عن أكاذيب منشورة بالانترنت حيث تجدين العديد من السير الأدبية المزورة.

فما يقدمه الانترنت لا يجب الوثوق به وعلى الباحثين أن يحتاطوا منه ويبحثوا عن المعلومة من أصحابها مباشرة ثم التحري عنها من غيرهم .

السؤال الثامن: لو سألتك عن شأن بحثك في الشعر النسائي.. من هي أقدم شاعرة في التاريخ؟ في أي عصر ظهرت..؟

الجواب: الشاعرة أنخيدوانا ابنة الأمير سرجون الأكدي ببلاد الرافدين عاشت في الألفية الثالثة قبل الميلاد .

السؤال التاسع: بعد النتائج المبهرة التي حققتها في موسوعاتك هل باستطاعتك ان تقدمي لنا قائمة بأسماء أول الشاعرات العربيات من كل بلد أو كنّ صاحبات أول ديوان؟

الجواب: أول الإصدارات الشعرية النسائية العربية جاءت على الشكل التالي:

وردة اليازجي / حديقة الورد، عام 1867م / لبنان .

مريانا مراش / بنت فكر،عام 1893 م/ سوريا .

جميلة العلايلي / صدى أحلامي،عام 1936 م/ مصر.

نازك الملائكة / عاشقة الليل،عام1947م/ العراق.

ثريا ملحس / النشيد التائه،عام 1949 م/ الأردن .

فدوى طوفان / وحدي مع الأيام، عام 1952م / فلسطين .

سلطانة السديري / نداء عبير الصحراء،عام1956م / السعودية .

سعاد الصباح / ومضات باكرة،عام 1961 م / الكويت .

كوثر نجم / فجر وغيوم،عام 1965 م / ليبيا .

صفية الشيخ الأمين / إيحاء،عام 1966 م / السودان .

زبيدة بشير / حنين،عام 1968 م / تونس .

مبروكة بوساحة / براعم،عام 1969 م / الجزائر .

فاطمة الزهراء بن عدو الإدريسي / أصداء الألم،عام 1975 م / المغرب.

حمدة خميس / اعتذار للطفولة،عام 1978 م / الإمارات .

ميمونة أبو بكر الحامد / خيوط في الشفق،عام 1978 م / اليمن .

إيمان أسيري / هذي أنا القبرة،عام 1982 م / البحرين .

زكية مال الله / في معبد الأشواق،عام 1985 م / قطر .

سعيدة بنت خاطر الفارسي / مد في بحر الأعماق،عام 1986 م / عمان.

مباركة بنت البراء / ترانيم لوطن واحد،عام 1991 م / موريتانيا .

و قد ورد ذلك في كتابي 100 شاعرة من العالم العربي: قصائد تنثر الحب والسلام الصادر عام 2017 م .

السؤال العاشر: كيف تقيّمين الحركة الشعرية في العالم العربي؟

وما نسبة حظوظ المرأة الشاعرة المبدعة من ذلك؟

الجواب: إذا تحدثنا بشكل عام فهي في تراجع كبير مقابل الرواية التي تجد دعما من قبل المؤسسات والشخصيات حتى كدنا نؤمن أن الرواية ديوان العرب اليوم عوض مقولة الشعر ديوان العرب . لكن هذا الأمر ليس عاما فهمنا ك بعض الدول لازالت متشبثة بالشعر وتحتفي به يوميا على أساس أنه مرجع الفرد تاريخا وحضارة .

أما المرأة الشاعرة فوجودها التوثيقي ضعيف مقارنة بالرجل الشاعر وهذا أمر طبيعي بالنسبة لي ورجع لسبيين إثنين:

- أولا عملية التوثيق ظلت حكرا على الرجال فوثقوا لأنفسهم بشكل أكبر.

- ثانيا التعليم لدى المرأة جاء متأخرا جدا مقارنة مع الرجل باستثناء بعض الأسر الغنية والعريقة التي علمت بناتها في وقت مبكر .

السؤال الحادي عشر: في أي بلد عرفت حركة الشعر النسائي نهضة أكبر؟ وماذا تعرفين عن الشاعرات التونسيات وحركة الشعر النسوي في تونس؟ .

الجواب: هناك العديد من الدول التي ظهرت فيها المرأة الشاعرة بشكل قوي منها لبنان وسوريا وفلسطين والعراق وسلطنة عمان والسعودية ومصر.و هذا ما انعكس إيجابا على بدايات الظهور الفعلي لدواوينهن المطبوعة .

أما المشهد الشعري النسائي التونسي فبخير ويعتبر من الدول الرائدة في الطباعة بشمال إفريقيا من خلال الشاعرة الراحلة زبيدة بشير صاحبة ديوان حنين الصادر عام 1968 م لتسلم المشعل بعدها للعديد من الشاعرات أمثال: جميلة الماجري، فوزية العلوي،رقية بشير وغيرهن كثير .

السؤال الثاني عشر: هل سمت كتابات المرأة في الشعر إلى مستوى نقول صارت تزاحم صوت الشعر الذكوري وتخيفه؟

الجواب: الشعر منتوج إنساني كلما نضج فكر صاحبه بثقافة سامية وقراءة خاصة جعلته أكثر قوة ولا يمكننا الحكم القطعي أن التجربة (الذكورية) أهم من التجربة النسائية على اعتبار أن الشعر آت من الشعور وهو فضاء يحتمل الجودة وقلتها بالنسبة للطرفية .

السؤال الثالث عشر: ماذا تفضلين أن تكوني مستقبلا فاطمة بوهراكة الشاعرة، أم فاطمة بوهراكة الباحثة في مجال التوثيق الشعري؟

الجواب: لا أذكر السنة الحقيقية لمعانقتي الحرف لكني أذكر أول نص شعري نشر لي بجريدة الميثاق الوطني عام 1991 م حيث كانت الانطلاقة الفعلية لي كشاعرة بعدها تم نشر العديد من النصوص الشعرية في منابر وطنية وعربية عدة كما شاركت في ملتقيات كثيرة إلى أن جاء عام 2001 م عندما رغبت أن أطبع أول ديوان شعري لي تحت اسم اغتراب الأقاحي والذي أنجزت له المقدمة الشاعرة المقتدرة أمينة المريني في طبعته الأولى حيث أثنت على التجربة ومدحتها مما جعلني أختار في الطبعة الثانية قلما نقديا صارما هو قلم الدكتور الشاعر والناقد محمد السرغيني الذي يصعب على المبدع إرضاء ذائقته الشعرية فكان هذا الإختيار بالنسبة لي تحد كبير نجحت فيه والحمد لله حيث قبل كتابة المقدمة وأشاد بحرفي الشعري هذا الحرف الذي ستؤثر فيه عملية البحث والتوثيق سلبا وتجعله يصبح جافا ونادر الظهور .

أعشق الشعر الذي انطلقت به ومنه لكني أفضل مهمة البحث والتوثيق لبقية الشعراء لما لها من مسؤولية تاريخية يصعب ركوبها

السؤال الرابع عشر: ما هي المواضيع التي تتناولينها في قصائدك أكثر.. هل هي قضايا تهم الإنسان والإنسانية أم هي قصائد وجدانية؟

الجواب: أعتقد أنني توغلت أكثر في الجانب الوجداني الشخصي مع وجود بعض النصوص الشعرية الإنسانية التي تحدثت عن هموم وأحزان البشرية لكنني لم أستطع أن أصل على مستوى صناعة الشعر ومجاراة البقية بسبب اعتكافي التوثيقي الذي يحتاج إلى عقل دائم التساؤلات والعمل بدل الشعر الذي يجنح إلى الخيال والعاطفة .

السؤال الخامس عشر: لقد جربت المسرح من خلال مسرحية "فيتو على نون النسوة" سنة 2007.. لماذا لم يتكرر عرض هذا الحدث في عدة مدن وبلدان؟ كيف وجدت هذه التجربة؟

الجواب: كانت تجربة مميزة وناجحة جدا وقدمت لي دعما نفسيا مهما في مساري الشعري لكن الجهة التي احتضنتها تنظيميا لم تفكر مع الأسف الشديد بإخراجها خارج أسوار فاس حيث تم عرضها للمرة الأولى والأخيرة .

لكني حاليا اشتغل على تنسيق عمل مسرحي شعري لشاعرات عربيات مجيدات يشتغل عليه باحترافية كبيرة الدكتور إدريس الذهبي مشكورا رفقة طلبة جامعة سيدي محمد بن عبد الله بمدينة فاس .

السؤال السادس عشر: نالت فاطمة بوهراكة عدة جوائز وكتبت عنها العديد من المقالات والدراسات والشهادات وكتب منها: فاطمة تتكلم بصمت الصادر بإيران وكتاب فاطمة بوهراكة امرأة من ذهب طبع بالمغرب وحصدت عدة ألقاب منها: فاطمة بوهراكة = المرأة المؤسسة، وجمعت الآراء التي قيلت في حقك في كتاب شراع المحبة 2014 م ما هو الاسم أو الدرجة التي تطمحين الوصول إليها…؟

الجواب: في السابق كنت أطمح للوصول إلى منصب وزيرة الثقافة ظنا مني أن الكفاءة وحدها تقدم لنا هذا الحق الذي يخول لنا الاشتغال من خلاله على الحياة الثقافية الوطنية بشكل جيد وفق رؤية واضحة وعميقة لتقوية المشهد الثقافي بالبلد وبعدما أصبحت أكثر نضجا علمت أنه مجرد حلم بعيد المنال وعليه أشتغل حاليا في صمت وبطاقة إيجابية رغم سوداوية الحياة ..

السؤال السابع عشر: ما هي مشاريعك المستقبلية؟

الجواب: أشرفت على نهاية كتابي التوثيقي السابع: موسوعة الشعر النسائي العربي المعاصر بين سنوات 1950 و2020 م والذي يضم 1011 شاعرة من عالمنا العربي ليكون قيمة حقيقية للمشهد الشعري النسائي وطنيا وعربيا .

السؤال الثامن عشر: ألا توافقينني أن الشاعر أو الشاعرة يصل صوته إلى قلوب الجماهير والقراء عامة بمشاركاته في المهرجانات والفضاءات الثقافية هنا وهناك أكثر من الباحث والدكتور والأكاديمي؟

الجواب: الباحث أيضا يمكنه المشاركة في ملتقيات وطنية ودولية متخصصة في مجاله .لكن ملتقيات الشعر تبقى الأكثر حضورا على ارض الواقع وعبر المنصات الاجتماعية . وأعتقد أن الغاية ليست هي كثرة المشاركات بل نتيجة هذه الأعمال وعددها بالإضافة إلى تأثيراتها حاضرا ومستقبلا .

السؤال التاسع عشر: ما هي نصيحتك لجيل اليوم عامة وللشاعرات بصفتك شاعرة معاصرة وصوت أنثوي خاصة؟ .

الجواب: علينا أن نشتغل أكثر على ذواتنا وأن ننصت للغير بشكل أكبر قبل أن نعمل على المجازفة وإظهار العمل في أي مجال أدبي أو علمي فالمهم هو أن تنمو تجربتنا بشكلها الطبيعي لا بولادة قيسرية .

سؤال: نرى أن البعض قد استطاع الظهور والنجاح دون أي دعم مادي للمؤسسات الثقافية فما تحليلك لهذا الأمر؟:

الجواب: العزيمة وحدها من تصنع المشاريع الكبرى والمال تابعا لها قد يقويها ولكنه لا يطمسها ومن هنا أقترح على رؤساء المؤسسات الثقافية بالعالم العربي أن يكونوا أكثر ذكاء ويعملون على ضم مثل هذه الكفاءات المؤمنة بمشاريعها بدل تهميشها لأن هذا التهميش لن يبق مدى الدهر أكيد يغيب صاحب المنصب المحارب وتبقى الأعمال الشاهقة .

شكرا جزيلا الأستاذة الباحثة الشاعرة المغربية فاطمة بوهراكة على رحابة صدرك في تقبّل مساءلتك التي أردت بها التقرّب منك كمبدعة وكفاطمة بوهراكة المرأة والإنسان المكافح الناشط عربيا ودوليا في حقل الثقافة عامة والشعر خاصة.. على أمل اللقاء بك قريبا في تونس لتكريمك والاستمتاع بشهاداتك حول الشعر النسائي العربي المعاصر..

 

حاورتها الأديبة سونيا عبد اللطيف

تونس 2021

 

2378 محمد النابتالكلام عن الشاعر المغربي محمد النابت

"محمد النابت من مواليد مدينة زايو إقليم الناظور، شاعر عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وعضو مؤسس لجمعية أصدقاء الشعر، عضو الصالون الأدبي التابع لمركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة حاصل على الإجازة في الدراسات الإسلامية بجامعة محمد الأول بوجدة. حاز جائزة الشعراء الشباب لاتحاد كتاب المغرب والمديرية الجهوية للثقافة بوجدة سنة 2012. وجائزة القلم الذهبي الوطنية سنة 2014،وجائزة حسان في مدح خير الأنام سنة 2015 وجائزة الصالون الأدبي الوطنية سنة 2016 شارك في مجموعة "أنداء تنيسان" الجماعية 2016، وديوان "تنطفئ الأيقونات لكنها لا تموت" سنة 2020، ووردت نصوصه في موسوعات شعرية منها "موسوعة الشعراء الألف التاريخية". كما شارك في مجموعة من الملتقيات الوطنية والبرامج الإذاعية."

محمد النابت في كلام أثير، كونوا معنا .

س- ورطة، نُسجت لك عمداً، أو نسجتها الأيام لك، وكيف تخلصت منها؟

-  الحجر الصحي، بالنسبة لي كانت بمثابة موجّه لي -

ج- كل ورطة تخلصت منها فهي درس مهم في الحياة لا تقدمه المدارس والمناهج التعليمية، أما آخر ما عشناه جميعا فكان ورطة الحجر الصحي، بالنسبة لي كانت بمثابة موجّه لي في كل ما تبقى من حياتي، فالمعروف أن الانسان لا يفرغ من وتيرة الحياة المتسارع ولا يحصل له الفراغ التام إلا عندما يعجز، وينتهي به العمر على كرسيه المتحرك إن أطال الله في عمره، فكان طارئ الحجر الصحي بمثابة درس تطبيقي لما سيؤول إليه الأمر إذا تقدم بنا العمر، فشخصيّا وجدت أن لا شيء يسلي ويذهب ضيق الوحدة مثل التعلم والبحث وقراءة كل شيء كتب، خاصة السّير وأخبار السابقين، وهذا جعلني أدرك أني إذا عجزت عن السفر والاستمتاع بالحياة في الخارج فإن هناك حياة موازية لا تقل متعة بين دفتي الكتب، وفي أحضان المكتبة.

س- هل حصل أن استيقظت، صباح يوم ما، وأنت تنظر في المرآة، فمددت لنفسك لسانك ساخراً من خطأ ارتكبته؟

- "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور"-

ج - عدد الأخطاء التي أرتكبها مع الأيام أكبر من أحصيها ساخرا، لكن لا أخفيك سرّا أني  أذاكر أخطائي وزلاتي قبل أن أنام، أما فترة الصباح فهي مقدسة عندي وكثيرا ما أحاول أن أبدأ كأني شخص جديد، وكأنها ولادة جديدة، بل وهذه هي الفلسفة التي علمتنا إياها أذكار الصباح "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور".

س‌- أسوأ تعليق عما تكتب، أو رأي غريب وطريف، عنك، سواء سمعته مباشـرة، أو كُتب عنك في تدوينة،أو مقال،أو حوار؟

-  أنا لمن أشهد بداياتك، لكنك ولدتَ شامخاً -

ج- حقيقة أسوأ تعليق عما كتبت كان في أول بداية لي حرفيا، عندما فزت بالمرتبة الأولى في جائزة للشعراء الشباب على المستوى الجهوى، فوجدت مقالا في اليوم الموالي يسخر من تسليم الجائزة لشاعر يكتب العمودي، في إشارة إلى أن شعر التفعيلة أو النثر أولى، وأقول هنا أسوأ تعليق ليس لأن كاتب المقال جرح مشاعري، أو أنني استأت من هذا النقد، بل لأنه الرأي الوحيد الذي على الأقل أشار إلي بشكل سلبي ربما، أما الآراء المشجعة فما أكثرها، وكان آخرها من العلامة الشاعر حسن الأمراني حفظه الله وقد خاطبني بعد إحدى الأمسيات قائلا :"أنا لم أشهد بداياتك، لكنك ولدت شامخا".

س‌- ما هو القرار الذي اتخذته بعد تفكير عميق، أو بعجالة، فندمت عليه ندماً شديداً؟

ج- أنا على استعداد لتقبل كل خيبة آتية -

كثيرة هي قراراتي الخاطئة وأكثر منها أخطائي، لكني لا أندم على أي منها، لأني أعتقد أن كل خطأ وكل فرصة ضيعتها، هي التي جعلت مني هذا الشخص الحريص على التطور، والقابل للتغيير، والمنفتح على النصح، فعلا أخطأت وخاب أملي مرات عديدة، وأنا على استعداد لتقبل كل خيبة آتية.

س‌- سر  تكشفه، لأول مرة؟

- أتحرج بشدة عندما أدعى لأي لقاء صحفي أو نقدي أو غير ذلك، فيطلب مني أن أقول شيئا آخر غير الشعر -

إن كان سرا فيجب ألا يقال، أما السرّ الذي لا يعرفه أحد وأريد أن يعرفه الجميع هو أنني أتحرج بشدة عندما أدعى لأي لقاء صحفي أو نقدي أو غير ذلك، فيطلب مني أن أقول شيئا آخر غير الشعر، وأنا زادي قليل، وتربتي محدودة، ومسيرتي في أولها، فأشعر بالخجل الشديد، وأشعر أني أخوض فيما ليس لي به شأن، وأحاول جاهدا حتى في الأمسيات الشعرية أن لا أنطق إلا بالتحية ثم أبدأ في إلقاء الشعر.

س‌- كلمة استثنائية منك.

ج - بل هي القاعدة وكل ما قلته من قبل استثناء، تقبل تحيتي الصادقة أخي المبدع ميمون حرش، وشكراً لأنك فكرت أني أستحق أن أكون من ضيوفك ولو كان رأيي معاكسا لذاك، كما أحيي كل من سيمر من هنا، ووقعت حروفه على هذه الدردشة الحميمة بيننا، أسعدكم الله وأسعد بكم أحبابكم، وجعلكم مباركين أينما كنتم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

سلسلة "كلمني عن" الجزء الثاني_

الحلقة الثالثة – إعداد ميمون حرش

 

 

اتساع المشهد الثقافي الموصلي بعد التحرير...

يولد الإبداع من أنين المعاناة ولعنات الحروب، ولايقتصر على فئة أو أخرى، من حقبة الظلام وركام المنازل المدمرة والتشريد، استطاعت الكاتبة والروائية الموصلية علياء عبد الباري الحاصلة على شهادة البكالوريوس من كلية الهندسة جامعة الموصل، من اصدار مجموعة قصصية بعنوان (العلياء) عام 2018 وتلتها رواية بعنوان (لعنة اسراء) عام 2021.

2374 علياء عبد الباري 3

* البدايات دائماً تبهر الكل سواء كتّاب او أناس عاديون. حديثنا عن بداياتكِ؟

** بداياتي كانت منذ الطفولة حيث اني اتمتع بخيال صاخب والقابلية على تأليف السيناريوهات، فقد تكون مجرد جملة قالتها معلمتي او مجرد رسمه صغيرة على حائط احدي البيانات تثير مشاعري وتلهب حواسي وتحفزني للكتابة.

كنت حريصة على أن يكون لي دفتر مذكرات وأكتب فيه مختلف المواقف والمشاهد الحقيقية التي حصلت لي او لغيري حتى تطور الأمر في أن أمزج ما بين الواقع والخيال والقدرة على السرد في صفحات متعاقبة حتى صقلت موهبتي بالقراءة في مختلف العلوم حتى تكون لكتاباتي رسالة عميقة مفيدة للقارئ، الى ان وصلت مرحلة التأليف والنشر.

* بمن تأثرتِ من الأدباء في بداياتكِ؟

** تأثرت بالمفكر والأديب اللبناني "ميخائيل نعيمة" والكاتبة السورية غادة السمان اضافة الي الدكتور مصطفى محمود والدكتور علي الوردي والكاتب البرازيلي باولو كايلو .

* لكل كاتب قضية يحاول الوصول اليها من خلال نتاجاته؟ فما هي قضيتك ِالأولى؟

** تبنيت في كتاباتي مختلف القضايا، فمجموعتي القصصية (العلياء) تحتوي على ثمان قصص لكل قصة تتبنى قضايا منها قضية عمالة الاطفال في قصة "النجم الثاقب" وضحايا الحرب في قصة "الخوف من المطر" وقيمة الثقة بالنفس وتقبل الذات في قصة "البنت المتذمرة والبالونات" وقصة "اليرقة الخضراء " و"ملكة جمال" وقضية مساعدة الفقراء والمحتاجين في قصة "ندى والفئران" وقيم اخرى كالصبر والاجتهاد في قصتي "بائع المصابيح" و"الباب السحري".

أما في رواية لعنة اسراء فالأمر مختلف فكانت تجسيداً لقضايا الوطن وركزت على الوحدة والترابط بين أبناء الشعب وقضايا الخير والشر والحب اضافة كنت فيها كالمؤرخة الحقبة الزمنية ما بين 2003 الى 2017 بعد التحرير من تنظيم داعش فالبعض عندما سيقرأها خصوصاً القارئ العراقي سيتذكر معي مراحل وأمور كثيرة مماثلة حصلت في حياته وسيشعر بشخصيات الرواية!.

2374 علياء عبد الباري 1

* الكتابة عالم فيه من التشويق والآثار والمتعة، كيف يمكن للكاتب ان يجعل القارئ يبحر في هذا العالم؟

** أعتقد أن هذا يعتمد على أسلوب الكاتب في الكتابة وكيف يمكن أن يوصل أفكاره للقارئ، وكلما كان أسلوب الكاتب حقيقي غير متصنع وغير مقلد لغيره من الكتاب ممكن أن يجعل القارئ يشعر بالتشويق وسيتأثر بكتاباته، اضافة الى الثقة بالنفس والقدرة على اتقان المحاورة والمناورة بين شخصيات الرواية بمهارة وفن والتحدي والاستمرار، عن نفسي عندما أكتب أكتب من كل قلبي حيث أستطيع أن انقل المشاعر الإنسانية المختلفة للقارئ ففي نفس الرواية سيشعر بالحب والكراهية واليأس والأمل وغيرها من المشاعر.

أغلب القراء أخبروني أن مجموعتي القصصية (العلياء) ورواية (لعنة إسراء) تحمل افكار جديدة لم يسبق لهم أن وجودها في أي عمل ادبي أخر.

* في عام 2018 صدرت مجموعتك القصصية الأولى (العلياء)، ماذا أرادت ان تقول علياء عبد الباري عبر مجموعتها؟

** مجموعتي القصصية كانت تجربتي الاولى في عالم النشر، تحتوي المجموعة ثمان قصص كل قصة تقول رسالة مختلفة ففي قصة "بائع المصابيح "نجدها تحث الشباب على الابداع والصبر من أجل التميز في اعمالهم، اما في قصة "اليرقة الخضراء "و"البنت المتذمرة والبالونات" و"ملكة جمال "توضح اهمية الجمال الداخلي والثقة بالنفس بأسلوب خيالي ابداعي، اما قصة "الباب السحري "فهي قصة نابعه من الخيال تجعل القارئ يسافر عبر سطورها الى عالم ثان واحداث شيقة، اما قصة "النجم الثاقب "و"الخوف من المطر" ففيها رسالة أمل للأطفال الذين فقدوا احباءهم واجبرتهم الحروب والارهاب على ترك الدراسة وشردوا ودمرت مدنهم، أما قصة "ندى والفئران "فهي قصة طريفة وخيالية توضح وراء كل شيء يحصل رسائل ربانية خفيه.

2374 علياء عبد الباري 2

* أيهما الأقرب إليكِ القصة ام الرواية ولماذا؟

** القصة القصيرة، لأننا في عصر السرعة وعالمنا يركض مسرعاً في اتجاهات مختلفة، وهناك أسرار كثيرة في هذا العالم والاحداث المتسارعة فيه فمن الرائع تجسيد كل حدث بقصة قصيرة مع رسائل جوهرية.

* ترفض الكاتبة المصرية إيمان البكري فكرة أن الكتابة كانت ذكورية في الأساس، برأيك ما الذي اضافته المرأة الكاتبة للمجتمع في كتاباتها؟

** أعتقد أن المرأة والرجل وتران لسمفونية واحده وكلاهما يكملان الاخر في عالم الكتابة والثقافة، المرأة الكاتبة ممكن تضيف للمجتمع الجمال والحب والرحمة والصبر عندما تتحدث عن قضايا الوطن والمجتمع والوجود.

* (لعنة اسراء) الرواية التي صدرت في عام 2021، إلى أين تأخذنا هذه الرواية، وهل هي وليدت الحروب والدمار؟

** فكرة رواية (لعنة إسراء) كيف ممكن ان يتحول الظلم الذي يتعرض له الانسان الى لعنة تلاحق الظالمين وفيها خيال خصب قد يأخذكم الى الميتافيزيقية والواقعية، كانت أوراقها بمثابة مساحة لسرد الذكريات والصدمات لشخصيات مختلفة حتى نظمت في فصول ابتدأت بالبصرة وصولاً الى نينوى ومن تاريخ 2003 م الى 2017 م سيعيش معها القارئ الموت والقتل والتعذيب والحب والفرح والأمل والعدالة والظلم.

* ماذا عن الموصل ومشهدها الثقافي بعد تحريرها؟ وهل اتساع المشهد الثقافي المرأة الموصلية واتاح وسائل الدعم والمشاركة؟.

** الموصل تشهد تطور ثقافي متجدد وواسع بعد التحرير، حيث كثرت منتديات القراءة واقبال الناس لاقتناء الكتب والكتابة، فبعد سنوات ظلام جاء التنوير بالثقافة.

سأتحدث لك عن اتساع المشهد الثقافي للمرأة العراقية بصورة عامة، هناك العديد من الاقلام الشابة العراقية التي تنتج اعمال ادبية رائعة سواء تتعلق بالشعر والخواطر او فن القصة القصيرة والرواية التي اقف احياناً عندها مذهولة من روعة سردها وابجديتها المنتظمة.

* الكاتب او الشاعر مترجم الكلمات، ماذا تترجم علياء عبد الباري هذه الكلمات (الايام، الام، الموصل، ألم، الفراق، الكتابة)

الايام : هي مساحتنا لعيش ادوارنا المختلفة في هذهِ الحياة.

الام: هي مصدر طاقتي الايجابية ومعلمتي الاولى لكيف اعيش بسلام بهذا العالم المعقد!

الموصل: سأكون صريحة معك بالرغم من اني ولدت في البصرة وزرت وعشت في مدن مختلفة حتى استقريت بالموصل. الراحة التي اشعر بها عند دخولي لحدود مدينة الموصل لا يمكن وصفها اعتقد السبب ان للموصل سحراً واسراراً تجعلها مختلفة وغير قابلة للترجمة!.

ألم: هو ذلك الصوت الذي يجعلني أستيقظ من عالم الوهم لأكون أكثر قوة!

الفراق: كابوس واسوء ما يمكن ان يوجهنا بهذه الحياة !

الكتابة: وسيلة للوصول الى حالة النقاء والسلام الداخلي وترجمة افكاري ونقلها للعالم.

 

حاورها: عمرالصالح

 

2365 نبيل ياسين 2هذه الأسئلة يوجهها الأستاذ الدكتور نابي بوعلي (استاذ فلسفة جامعة مصطفى اسطمبولي، معسكر،الجزائر) الى د. نبيل ياسين

س - ماهي الأسباب التي دفعتكم للأهمام بفلسفة الأخلاق؟ ومن هي المذاهب والنظريات الأخلاقية التي أثرت في تفكيركم سواء الاتفاق معها او نقدها، اقصد مثل مذهب المنفعة، أخلاق الواجب، مذهب التطورية الأخلاقية، مذهب النسبية في الأخلاق، المذهب البرغماتية، وهكذا...؟

ج- فلسفة الأخلاق موضوع تم اغفاله في عالمنا العربي. وحتى لو عدنا الى تراثنا العربي والإسلامي سنجد ان موضوع الاخلاق قد توقف باغلاق باب الفلسفة بحجج دينية منذ عصر الوزير السلجوقي نظام الملك. وحتى على المستوى الديني فان الاخلاق والعدالة والحق لم تبحث بالمستوى المطلوب. وما تفضلت به من ذكر المذاهب والنظريات الأخلاقية هي جهود غربية ماتزال معزولة عن واقعنا العربي والإسلامي. فمن يبحث اليوم، من الباحثين الإسلاميين، أخلاق الواجب، باعتبارها جزء من نظرية الأوامر الإلهية على الأقل.

الاهتمام بفلسفة الأخلاق يقتصر على الأقسام الفلسفية في الجامعات باعتبارها درساً. ونادرا ما قدم لنا هذا الدرس تيارا مهتما بفلسفة الاخلاق، او انتج تطويرا لفلسفة الاخلاق بعيدا عن شرحها وشرح ما قدمه الفلاسفة الغربيون. ولكن لا يمكن الاهتمام بفلسفة الأخلاق بمعزل عن الفلسفة نفسها، الفلسفة التي يفتقر اليها عالمنا العربي والإسلامي على صعيد ترابطها مع شبكة منظمة ومتواصلة مع التطور الإنساني سواء في النظام السياسي الحديث او في المبادئ الليبرالية او في القوانين الأخلاقية التي تحقق المساواة والعدالة والتسامح الديني والتعايش الاثني بعيدا عن (الفرضيات) الدينية والايديولوجية التي تروج لمثل هذه المبادئ دون ان تحققها.

لا استطع ان انتمي لمذهب محدد او نظرية بذاتها لسبب بسيط جدا وهي انني باحث في فلسفة الأخلاق. كما انني لا أحبذ الإنتقائية والميل الى أفكار محددة او نظريات، وانما أسعى لمعرفة ظواهر الوجود بما في ذلك الوجود الغيبي الذي اوجدته الفلسفة في تاريخها لما اسمته الميتافيزيقا. ان الاخلاق الميتافيزيقية ليست نقيضا للأخلاق الطبيعية من حيث كونهما افتراضا، وانما تتحدد الفروق بما بعد هذا التصنيف قدر تعلق كل من الاخلاق الميتافيزيقية والأخلاق الطبيعية بالحقوق وموقع الفرد في كل منها، إما باعتباره فردا مستقلا يملك الارادة او فردا يتطوع في سياق الأيمان بواجب الخضوع لإرادة خارجية.

هذا يتعلق أيضا بالدين باعتباره ملزما لفرض الأوامر الإلهية التي يعطي ضرورة بسطها لسلطة مشتركة من السلطة السياسية وسلطة رجال الدين، لنصل الى مفهوم للدولة مرتبط بهذه الأوامر بغض النظر عن جوهر الفضيلة والخير.

ينطلق ارسطو من مفهوم الخير ويعتبر الدولة اجتماعا خيـرا او اجتماعا من اجل الخير

(كل دولة هي بالبديهة اجتماع، وكل اجتماع لا يتألف الا لخير مادام الناس، أيا كانوا، لايعملون ابدا شيئا الا وهم يقصدون الى ما يظهر انه خير، فبين إذن ان كل الاجتماعات ترمي الى خير من نوع ما) (ارسطو، السياسة، ترجمة احمد لطفي السيد، المركز العربي للابحاث، الطبعة الاولى للمركز ٢٠١٦ صفحةً١٣٥).

في هذه الحالة تنطلق الدولة من الفضيلة، وهذا افتراض لأن الخير في الدولة، على الصيد الواقعي. قليل او معدوم. هكذا نتوصل الى إن الاخلاق افتراض يسعى الى الخير ويفترض الالتزام بهذا الافتراض من اجل ان يعم الخير وبالتالي ان تتقلص الى اقصى حد الشرور والآثام.

س ـ هل تنكرون أم تؤيدون أن هناك معرفة أخلاقية موضوعية، وإذا كان الأمر هكذا ما هو تبرير ذلك أوما هو ردكم على من ينكرها أو يؤيدها؟

ج- الأخلاق فعل. ولكن هذا الفعل ليس إلزاميا. انه سلوك طوعي طبيعي للفرد يتناسب مع العرف الاجتماعي السائد عن الأخلاق باعتبارها خيرا وفضيلة لصالح ضمان تفوق الخير على الشر. لكن ذلك الفعل يحثنا على التساؤل المشروع عن ميزان قوى الخير مقابل ميزان قوى الشر. إذ يبدو، من خلال تأثير الأخلاق على الواقع البشري إن الأخلاق كانت وماتزال حالة دفاع ضد قوة الشر السائدة في الحياة. سواء في مؤسسات الدولة أو في مؤسسات المجتمع.هذا، ربما يجعلنا نعتقد ان هناك معرفة أخلاقية موضوعية بما في ذلك تقييم اخلاق المنفعة.

الوظيفة الأساسية للأخلاق هي فعل الخير كذلك؟ أي ان تكون الدولة أخلاقية، لا تنتج القيم الأخلاقية، وإنما تلتزم بها وتحرص على ان تكون سياستها ضمن الخير الأخلاقي. لكن ما هو الخير بحد ذاته أيضا؟ هل هو كل مظهر او فعل مقبول من اغلبية الناس، باعتباره يعود عليهم بالفائدة؟ فهل تكتسب الأخلاق مشروعيتها من إجماع إجتماعي، يشبه ما نطلق عليه العقد الإجتماعي المختلف عن عقد روسو؟

لماذا نبدأ بالدولة ونحن نتحدث عن الاخلاق؟ لأن الدولة نتاج تجمع بشري، وهذا التجمع او الاجتماع يكشف لنا طبيعة التوظيف الأخلاقي بشكل أوضح. فالمجتمع، في هذه الحالة، هو الذي يعطي الأوامر الأخلاقية. ولذلك فان العقد الاجتماعي هو عقد أخلاقي ملزم. وروسو حين يصف التحول من دولة الطبيعة الى الدولة المدنية بانه علامة بارزة على التحول في الانسان (jean -Jacques Rousseau. On The Social Contract.Dover Thrift editions.2003.p12) فإنه يفترض ان الخروج من حالة الطبيعة هو خروج الى أخلاق مرتبطة بالعقد، أي مرتبطة بالتاريخ الملازم لتحول الانسان. لكن التاريخ اذا كان ثابتا ويسير على هيئته المستقرة فان الاخلاق تصبح خارج التاريخ، وبالتالي لا يمكن ان ترتبط بالدولة لان الدولة، باعتبارها تجربة تاريخية ثابتة لم ترتبط بالأخلاق، فالتاريخ باعتباره محركا للحاضر لا يتطلب حضور الأخلاق، لأنه كان لا يملك فلسفة أخلاقية.

لكن ما هو معيار التمييز بين الخير والشر في الأخلاق؟ هل هو العقل أم الأوامر الإلهية التي توجه نحو الخير؟ هل الاخلاق (عدوى) على حد تعبير نيتشه (نيتشه. جينالوجيا الاخلاق. ص ٨٤) وان هناك (فعل) لبث عدوى الاخلاق؟ بمعنى أن هذه العدوى هي فعل توافقي مشترك لعقد بين الناس لفعل ما هو خير قدر ارتباط الأخلاق بالخير. ان (العيب) هو نقيض الأخلاق

في هجائية نيتشه المسماة (جينالوجيا الأخلاق) لا يصف الأخلاق الا بكونها (كل ما احتفي به على الأرض بوصفه أخلاقا)(ص٣٣). ورغم تهكم نيتشه فالأخلاق هي الاحتفاء بالخير باعتباره عقدا مشتركا بين الناس وبين مجتمعهم.وهو يميز بين حكمين مسبقين: الحكم المسبق اللاهوتي، والحكم المسبق الأخلاقي (ص٣٤). وبمان الحكمين سابقين للإطلاق على السلوك الإنساني المرتبط بقيم مسبقة فانهما حكمان افتراضيان، نبعا من اتفاق افتراضي عن (منظومة) معيارية.

س ـ هل تعتقد أن مشكلة المعيارية ستُحل إذا تمكنا من إيجاد مبادئ تفسر حقيقة وحال أحكامنا التي تعبرعن أفكار مهمة من الناحية الأخلاقية. ولكن ماذا لو فشلت المبادئ التي تفسر بشكل أفضل حقيقة وحال أحكامنا في تجسيد الأفكار المهمة من الناحية الأخلاقية؟

ج- بما ان المعيارية ليست مطلقة، وفي بعض الأحيان فإن المعيارية اذا ما تعلقت بأخلاق المنفعة، فإنها لا يمكن ان تقيس لنا مدى الشرعية الاخلاقية التي ترافق الحرب والغزو والاحتلال. والمعيارية هنا هي قاعدة تبريرية، وهذه القاعدة تقوم عليها (مبادئ العنف) اذا جاز لنا هذا الاستخدام. ليست الأديان وحدها ما تتحمل المنطقية المعيارية، فالأنسان يشن الحرب ثم يقوم بالسبي والقتل والاغتصاب واباحة ما نعتبره اخلاقا خيرة وعامة، اي الاخلاق التي احتفينا بها كأخلاق بتعبير نيتشة او كأخلاق باعتبارها امرا إلهيا. وفكرة نيتشة واقعية وهي تحيل الى أنساب الاخلاق، باعتبارها صناعة انسانية، او عقد بين افراد المجتمع للإتفاق على منظومة معيارية. ومن هذا الاتفاق تنشأ مشكلة المعيارية. اما الأخلاق في الدين فتحصل على معيارية مزدوجة، فما هو احتفاء دنيوي بالأخلاق يتحول الى احتفاء ديني. وتتحول الأخلاق من معيارية خيرية فضائلية الى معيارية تجارية.وموضوع الاستعباد او الاسترقاق وبيع الانسان الحر كعبد لقاء المال لا يجد استهجانا او تحريما دينيا تبريرا لهذه المعيارية.

تنطوي العدالة في المنظومة الاخلاقية باعتبارها خيرا يحقق المساواة ويحفظ الحقوق. وبذلك تدخل الاخلاق، من هذا الجانب، في مقاصد الشريعة. لكن ما نراه هو العكس، فما هو موقع المعيارية في هذا الشأن؟ فالشريعة في هذه الحالة تتحول الى معيار فضفاض. فالمقاصد موجودة بمعيار الشريعة ولكنها ليست موجودة كمبادئ قادرة على حل شرعية واخلاقية احكامنا.

يحفظ لنا تاريخ الاسلام ورقتين مهمتين سميتا محنة القضاء في الإسلام. الأولى في العهد الاموي حين رفض كثير من المثقفين المسلمين تولي القضاء للأمويين باعتبارهم يمثلون سلطة غاشمة لا تحترم استقلال القضاء وتتدخل فيه، منهم سفيان الثوري والحسن البصري وإياس بن معاوية وعامر الشعبي وغيرهم. والثانية في زمن مزدهر هو العهد العباسي حين تعرض القضاة، بسبب الفكر الإعتزالي، الى ان يقبلوا شرط المعتزلة، الذين تبنى المأمون افكارهم، بالإيمان بخلق القرآن. فأين دور المبادئ القادرة على تحسين أفعالنا او دور المعيارية في تحسين العدالة واستقلال القضاء؟

فحين نقول عن فعل ما انه عمل انساني فنعني انه عمل أخلاقي. وحين نقول لا انساني نعني انه لا أخلاقي. وبذلك نحيل الاخلاق الى الطبيعة الإنسانية. فالإنسان مصدر الاخلاق الطبيعية.

هنا نعثر على (معيار). فالأخلاق معيارية (ثابتة عند الغزالي). فلا يمكن ان يرتبط الشرف بالطغيان، ولا يمكن ان يرتبط الانسان النبيل بالسرقة والاستيلاء على حقوق الاخرين ولا بالتمييز والعنصرية وممارسة عدم المساواة بأي شكل. فمن الاخلاق ومن العدالة معا احترام الهويات رغم أهمية اندماج المهاجرين مثلا في المجتمعات التي هاجروا اليها. وهناك انشغال بهذا الشأن من قبل المفكرين المعنيين بسياسات الاختلاف

(Brian Barry. Culture &Equality.. Polity.Cambridge-Oxford 1998.P77)

ليس هناك تجزئة بين عناصر المنظومة الأخلاقية في الفكر الليبرالي المعاصر. انها منظومة مترابطة إلزامية للنظام السياسي بالدرجة الأولى، باعتباره مسؤولا عن الالتزام بالعقد الاجتماعي. وفي الوقت الذي ماتزال (الاحكام) الدينية تمارس التمييز في المجتمعات الدينية الإسلامية، مثل حكم (الذمي) و(الردة) وزواج القاصر، فان الاخلاق الدينية نزلت الى الحضيض تجاه الكرامة والحرية والاعتبار الإنساني وانعدام العدالة والمساواة وممارسة التمييز والاحتفاظ بأشكال مختلفة من العبودية والقهر وتعظيم وتمجيد الاستبداد والدكتاتورية بمختلف مصادرها العائلية والعشائرية والعصبوية المدنية والعسكرية والحزبية وتصرف الزمر بمختلف أنواعها بالقانون وفق مصالحها اطماعها وأهوائها..

س ـ كيف يبدو لكم سؤال الأخلاق في عالمنا اليوم؟

ج- اعتقد ان سؤال الأخلاق سؤال أنطولوجي اذا صح التعبير. لنأخذ ورطة آدم في السردية الدينية ودلالتها الأخلاقية.. اراد آدم ان يصنع بشرية وأن يواصل النمو البشري فوقع في المحظور الأخلاقي. فقد كانت البشرية مكونة من آدم وحواء وابنائهما، ذكورا وإناثا. يخبرنا الفقهاء، وليس القرآن، انه زوّج ابناءه وبناته من بُطُون مختلفة. بمعنى انه زوج الإبن من البطن الأولى للبنت من البطن الثانية، وهكذا. اي انه جعل فارقا زمنيا لا غير. ويكون الزمن بهذا التسلسل قد حل الورطة الأخلاقية بسبب الضرورة. ومعيارية آدم هذا انتفت الحاجة لها فيما بعد. لكننا لا نعرف على وجه الدقة، وفق نظريات الأنثربولوجيا، ما اذا كان زواج الاخوة قائما قبل التاريخ الأمومي؟ فاذا كانت البشرية بحاجة الى أخلاق فان المزاج النفسي في هذه الحالة قد لعب الدور الحاسم، اي الشعور النفسي بانه ليس هناك انتهاك، أو فعل لا أخلاقي. اي ان الأخلاق الآدمية هي للتخلص من الشعور بالذنب الناتج عن الدنس. اي فعل الفضيلة. ومن جهة اخرى، نعلم، من السردية الدينية ذاتها، إن آدم قام بانتهاك الوصية الإلهة، او الأمر الإلهي، وارتكب معصية. اي انه لم يلتزم بالأوامر الالهية ونواهيها، انه انتهك الجانب الأخلاقي. وبموجب هذا الانتهاك استحق العقوبة. فالأخلاق من ناحية، شعور بالراحة النفسية لعدم الشعور بالذنب، ومن الناحية الأخرى فان العقوبة هي تكريس الشعور بالذنب.

يبدو اننا نعيش ورطة آدم اليوم. وعلينا ان نجتهد لخلق معيارية من نوع ما. فنحن ورثنا معيارية الاستبداد باعتباره أساس الحكم، وباعتباره الذي يحقق مقاصد الشريعة. فكيف نجمع معيارية الاستبداد ومعيارية الاخلاق ونحن نتحدث عن ضرورة الدخول في الحداثة التي وضعت الاخلاق في وظيفة ضميرية وقانونية. أي ان الحداثة جمعت بين الطوعية الاخلاقية والالزامية الاخلاقية. وفي الحالين تربط الحداثة بين الأخلاق والقانون. سواء كان القانون الطبيعي او القانون الوضعي.اذ يذهب عدد من فقهاء القانون الى ان القانون مجموعة من النصوص المتعلقة بسلوك الانسان والتي يفرضها الله او الطبيعة، وان الهيئات البشرية التي تضع القواعد المعينة وتنفذها ينبغي ان تقترب من الأسس الأزلية والثابتة عن الخير والشر (اوستن رني. سياسة الحكم. ترجمة د. حسن علي الذنون. المكتبة الاهلة. بغداد ١٩٦٦. ج٢ ص٢٠٧).

ولذلك تضمن الدستور الأمريكي في ديباجته الحرية باعتبارها هبة إلهية. أي معطى أخلاقي لا يجوز انتهاكه دنيويا. الحرية جوهر أخلاقي. وبهذا يكون انتهاكها فعلا لا أخلاقيا. يدفعنا هذا التفكير الى أهمية الأخلاق ومكانتها الجوهرية في عصرنا باعتبارها (معيارا) لحقوق الإنسان السياسية والاجتماعية والإقتصادية. فصكوك فيينا الخاصة بهذا الشأن والصادرة عام ١٩٦٦ ملزمة أخلاقيا للجميع. لكن هذا الإلزام كان في ذهن المشرع وفي فكره وتفكيره، ولكننا لم نشهد مرحلة، خاصة خارج حداثة الغرب، قد التزمت بالمسؤولية الأخلاقية، بما في ذلك توفير المستلزمات الأساسية للعيش مثل الطعام، وللطفال، بشكل خاص، في زمن السلم فكيف بتوفيرها في زمن الحرب؟

ان مكانة الأخلاق في عصرنا متدهورة. هي موجودة في النصوص ولكن ليست هناك ضمانات متوفرة لتحقيقها وتطبيقها. فلا يكفي النص في القانون (والقانون هنا بمثابة الأخلاق) على الحق دون ان تتوفر الضمانات اللازمة لتحقيق القانون، مثل سيادة القانون واستقلال وعدالة القضاء، والأيمان بالتعددية والتسامح وقوة الرأي العام وسلطته وقوة المجتمع المدني بدون هيمنة المجتمع السياسي على نشاطاته كما يحدث في عدد من تجاربنا العربية. فمجال المجتمع المدني ضرورة قصوى لجعل المجتمع السياسي ملتزما بالقانون والأخلاق.

أليست صفات الاخلاق هي صفات القانون أيضا؟ ولكن ماذا يعني ذلك؟ ان علينا دراسة الاخلاق والتخصص بها مثل دراسة القانون والتخصص به. فنحن مازلنا، على كثرة من درسوا القانون وتخصصوا به نفتقر الى العدالة. مثلما نفتقر الى الأخلاق.

2365 نبيل ياسين

س - لماذا لا يزال الإنسان يعاني من المآسي بالرغم من كل هذا الإرث الأخلاقي الذي خلفه التاريخالبشري؟

ج- في دراسة سابقة لي عن التاريخ والفرد تبحث في هيمنة التاريخ، بما يمكن ان اسميه The Hegemony of History بمفهوم الهيمنة الغرامشي والذي تبناه فوكو حول الهيمنة الأيديولوجية في اجهزة الدولة الأيديولوجية، فأننا، في المنطقة التي تعيش خارج الحداثة، مازلنا نعيش في التاريخ. ونعاني من القدسية التي يتمتع بها التاريخ. فالتاريخ لا يتركنا ويهيمن على وجودنا، بحيث يتم محاكمتنا وتصنيفنا وفق منطق التاريخ. ان احد اهم أسباب رفض الحداثة، بما فيها النظام السياسي، الديمقراطي والعلماني، هو التاريخ. وخاصة تاريخ الخلافة الذي كرس نفسه في النظام السياسي العربي الحديث من خلال شخصية الخليفة المتسلطة والاستبدادية والمتفردة والذي يملك، دينيا وسياسيا، حق السلطة التنفيذية وحق السلطة التشريعية معا. وهذا مجسد في نظام الطغمة الحزبية والعشائرية والعائلية والعسكرية، وهذا، بذوره، كرس ما اسميه (الأخلاق الطغيانية) في الحكم وامتدت الى العائلة والمجتمع الذي يملك سلطة الاخلاق الطغيانية في فرض الاخلاق.

ان موضوعية الأخلاق او ذاتيتها موضوع نسبي. لنأخذ امثلة واقعية وتاريخية. في اثينا كما يذكرمونتسكيو هناك اخلاق ذاتية فرضتها الأرستقراطية اليونانية. وفي عالمنا المعاصر، وبعد الحرب العالمية الاولى والثانية ظهرت مباديء القانون الدولي، وهو يعتبر قواعد أخلاقية بين الأمم والدول. في اتفاقيات جنيف لعام ١٩٤٩ وضعت قواعد أخلاقية، لنأخذ واحدة منها وهي اتفاقية الحق في مشاركة المصادر الطبيعية بين المتحاربين، ومنها حق الحصول على مياه الشرب. هذه الاتفاقية تنتمي للأخلاق الذاتية التي تطورت لتكون أخلاقا موضوعية. وقد ظهرت في معركة صفين حين استولى معاوية وجيشه على مصادر المياه في نهرالفرات لاستخدام التعطيش كسلاح إبادة جماعية ضد جيش الخليفة علي بن أبي طالب. وحين علم الخليفة بذلك طلب من أحد قواده، وهو مالك الأشتر، ان يقود خمسمائة من المقاتلين لإجلاء جيش معاوية عن مشرعة الفرات. وقد نجح الأشتر في اجلاء جيش معاوية وقرر حرمان الجيش الأموي من الماء، مستخدما سلاح الإبادة الجماعية نفسه الذي استخدمته الأخلاق الذاتية. ولكن الخليفة علي بن أبي طالب استخدم الأخلاق الذاتية كأخلاق موضوعية فقرر حق جيش معاوية في الحصول على المياه.

لكن هذا لا ينفي الموضوعية عن الأخلاق. فموضوعية الاخلاق قاعدة، وذاتية الاخلاق استثناء يحدث في مراحل معينة ولدوافع معينة لا تتصل بدوافع نيتشه عن القيمة الاخلاقية.

ولكن لا توجد في الحروب قيمة أخلاقية رغم التمجيد بالأبطال والمآثر العسكرية. فالحرب هي (بؤس)، وهذا البؤس ينتج عن انعدام الاخلاق وفقدان وظيفتها كرادع للشر.

إن هيجل مثلا، لم يكن يملك الشجاعة دائما مثل معظم رجالات عصره. لقد ارتضى أحيانا بالأوضاع القائمة آنذاك، ومثال ذلك الموضوع المتعلق باقطاعيات البكر Majorads والذي كان يرفضه مبدأيا، لكنه كان يقبله لأسباب ترتبط بالسياسة العليا، ولم يركز دائما على النقاط التي كانت تسبب له المضايقات والمشاكل من قبل وزارة العبادات (هيجل والدولة. آريك وايلي. المكتبة الهيجلية ١٣٣. ترجمة نخلة فريفر. ار التنوير. بيروت. الطبعة الثالثة ٢٠٠٧ ص١٩)

يقول توماس بين في كتابه (Rights of Man)، وهو من كلاسيكيات الحقوق المدنية وفلسفة حقوق الانسان منذ القرن الثامن عشر، وبين اشترك في الثورة الامريكية وفي حركة الاستقلال وفي تقديم المساعدات الامريكية للثورة الفرنسية (لقد رأيت في الحرب ما يكفي من البؤس بحيث صرت ارغب بان لا تجد الحرب اية امكانية للحدوث في العالم، وان يكون هناك اسلوب اخر لتسوية الاختلافات التي لابد ان تحدث بين مدة واخرى بين الامم).

يعتقد ارسطو ان الدولة هيبتها، وبذلك كون الدولة اخلاقا، ولكن متى كانت الدولة، على مر التاريخ، دولة اخلاقية؟ فتاريخ الاستبداد، وهو طابع غير اخلاقي، كان الممارسة الأكثر شيوعا للدولة في التاريخ،

دعنا نأخذ مصير اثنين من الفلاسفة فيما يتعلق بالأخلاق، ديكارت ونيتشه.

هل يتناسب الطغيان، بأساليبه المختلفة ومنها التخطيط للإغتيال مع الاخلاق باعتبارها السعي لوصول الإنسان الى الخير لتحقيق سعادته كما يعتقد اوغسطينوس مع كثير من فلاسفة الاخلاق، وبضمنهم المروجون لنظرية الأوامر الالهية؟

هل التقبيح والتحسين الأخلاقي من فعل البشر وإرادتهم وهم يقومون بها مع ايمانهم بالله وأوامره؟ رأينا كيف قام الفقهاء ورجال الدين المحيطون بالملكة كرستينا، ملكة السويد، بتدبير عدد من المكائد، وآخرها كانت خطة لقتل ديكارت بفعل الطبيعة،لا بفعل الإنسان المباشر. فقد طلبت الملكة من ديكارت ان يعطيها دروسا في الفلسفة. فدبر له الفقهاء، الذين يطلبون من المؤمنين اتباع الأوامر الإلهية والإبتعاد عن غوايات الدنيا،، مكيدة فحواها ان تكون الدروس في الساعة الخامسة صباحا وفي شتاء جليدي قاس جدا وفي قصر بعيد جدا عن مكان اقامته. فأصيب بذات الرئة ومات بعد تسعة أيام. (معجم الفلاسفة.. إعداد جورج طرابيشي. دار الطليعة. بيروت. الطبعة الأولى ١٩٨٧ص٢٧٥).

س - لقد دعا المفكر المغربي في كتابه "سؤال الأخلاق مساهمة في نقد الحداثة الغربية" إلى تخليق الحداثة، بمعنى البحث عن أخلاق تتجاوز سطحية الحداثة الغربية لتمتد إلى أعماق الإنسان، فكيف يتسنى ذلك؟ وهل ذلك ممكن في ظل هيمنة الحضارة الغربية؟

ج- كان الفيلسوف طه عبد الرحمن قد طرح شرطا دينيا لنقد الحداثة بينما كانت الحداثة طرحت آفاقا لنقد الدين. ان النقد الديني الحداثة محدود ومقيد بينما النقد الحداثي جدلي وله خصوصية الاختلاف Argument. لاشك ان طه عبد الرحمن فيلسوف عقلاني وينطلق من اسلاميته، وهذه الإسلامية تتميز بعيب كبير هي انها تعتقد ان الحل للمشكلات الانطولوجية يكمن في هذه الإسلامية وحدها. ولذلك نجد دائما مفردة (نقد) في اغلب ما ينتجه المفكرون العرب عن الغرب. نعم يجوز نقد العلمانية بالإسلام. كما جاز نقد الإسلام بالعلمانية. لكن الأمر يتجاوز الشعور بالحق في النقد الى محتوى هذا الحق وراهنيته.

ان الحق في (نقد) الغرب لم ينقطع منذ ظهور حركة الإصلاح الديني. وهذا النقد موجه من خير الدين التونسي الى محمد عبده مرورا بالأفغاني وليس انتهاء بمحمد رشيد رضا. ان هذا الحق في النقد حق متعسف. فنقد الغرب لا يزيل عن تراثنا القروسطي جماده وعدم راهنيته وانعدام فعاليته في مجتمعاتنا العربي والاسلاية. وقد اشرت في دراستي عن (تألق وتدهور حركة الإصلاح الديني) الى عجز لغة الإصلاحيين عن تقديم محتوى عقلاني وواقعي في التجديد الديني. فقد اجمع الإصلاحيون تقريبا على استبدال لغة الحداثة الغربية بلغة سلفية فقدت محتواها منذ زمن بعيد. فاستبدلوا الديمقراطية بالشورى، والبرلمان باهل الحل والعقد والانتخابات بالبيعة. وفي الوقت الذي كانت وماتزال المفاهيم الغربية في الحداثة السياسية فاعلة ومقررة لطبيعة النظام السياسي وعلاقته بالمواطنة وحقوقها دستوريا وقانونيا وثقافيا فان مفاهيم الخلافة لم تعد حية وقد ماتت خلال عهود الخلافة منذ الأمويين مرورا بالعباسيين وانتهاء بالسلاطين العثمانيين، وهم الأقرب لظهور حركة الإصلاح. لقد اختصرت (الحداثة) لدى خير الدين التونسي وغيره بتحديث الأسلحة ونظام الجيش فحسب.

لقد ارتبت حركة الإصلاح إثما قاد الى تدهورها وانتهائها على يد رشيد رضا الى ان تكون مشاريع الإصلاح فردية لم تشكل تيارا او جبهة منذ علي عبد الرازق، لذلك يأتي مشروع طه عبد الرحمن فرديا هو الآخر رغم بهاء أفكاره.

ان شغب العرب والمسلمين بمفردة نقد قادت ان توضع قبل عنوان هيغل (فلسفة الحق) فاصبح العنوان (نقد فلسفة الحق) وكأننا لانريد من فلاسفة الغرب سوى انتقاد انفسهم. ومن ذلك نقد مفاهيم الحق والعدالة والأخلاق.

الأخلاق هي عقد قانوني بين الدولة والمجتمع. في كتابه (Philosophy of right) يستعرض هيغل بعد الفقرة الرابعة والسبعين من الفصل الثاني المعنون (Contract) فكرة العقد قائلا: عام 1821، (انها رؤية شائعة في الازمنة الحديثة ان الدولة هي عقد الجميع مع الجميع، الجميع يعقد ويتفق , وبعد هذا تنطلق منظومة التعاليم للعمل). اطلق روسو مصطلح العقد الاجتماعي على مثل هذا العقد. لكنه في الواقع عقد أخلاقي ملزم قانونيا. ينطلق من المسؤولية الأخلاقية التي تتحملها الدولة تجاه الطرف الأول من العقد. هذه المسؤولية هي ضمان وحماية حقوق الطرف ا لأول من العقد وهو الشعب الملزمة للطرف الثاني وهو الدولة.

يغيب هذا الالتزام في العقد الديني. ان المدونات الفقهية الإسلامية تستنتج بنفسها من نفسها. انها تعيش في دائرة مغلقة من التراكم الزمني خارج الزمن الذي تعيش فيه. وصلت هذه المدونات الى طريق مسدود ومغلق بفقه (الاحكام السلطانية) الذي يوجب حقوق السلطان بدلا عن حقوق البشر. وقد تراكمت هذه المدونات المغلقة، والتي استمرت منذ القرون الوسطى، فأخذت طابع التشريع المقدس. وهي مدونات ادعت اخذ احكامها من الشريعة بحيث أصبحت هي الشريعة. وهذه الشريعة تعيش خارج النص رغم انها تدعيه.

ليس لدينا، في التاريخ الإسلامي، مدونات عن الحقوق. الحقوق الوحيدة هي الواجبات. وحين كانت اوروبا تقدم لوائح الحقوق منذ القرن الثالث عشر، على شكل اتفاقات ومساومات بين السلطة والطبقات، كان العالم الإسلامي يقدم مزيدا من القيود عازيا كل ازمة الى ضعف التمسك بالشريعة دون إعادة النظر أصلا بتعريف الشريعة. كان التدهور قد تكرس قبل سقوط بغداد بيد المغول عام ١٢٥٨ فقد كان هذا السقوط الفاجع نتيجة لتدهور استمر ثلاثة قرون بدأت منذ خلافة المتوكل وتغلب الطابع العسكري على السلطة واهمال الجوانب العلمية السابقة منذ منتصف القرن التاسع وتغلب القادة الاتراك على السلطة، هذا التغلب الذي اضعفها وجعلها مسرحا للغزوات والاحتلالات البويهية والسلجوقية وفروعهما المختلفة فيما بعد.

س -هل يمكن الحديث عن أخلاق شاملة ذات قيًم كونية أو عالمية من باب احترام البشر دون استثناء سواء يتعلق بالعرق او الدين وغيره...؟

ج- كانت العولمة مشروعا يقدم نفسه أخلاقيا في البداية. بدأت العولة مبشرة بأخلاق عالمية معززة بالإعلان العالمي لحقوق الانسان.

الواضح ان الأديان سعت الى تحويل الحقوق الطبيعية الى أوامر فأحالتها الى مصدر إلهي. لكن توما الأكويني أعاد إحياء فلسفة الحقوق الطبيعية التي أخذت تظهر، في قراءات دينية على ضوء الفلسفة اليونانية، وهو ما فعله الفلاسفة العرب بشأن اتباع خطى أرسطو.

وضع اتحاد أوتريخت أساسا لانطلاق حقوق الانسان من جديد بالتأكيد على الحرية الدينية. في عام ١٥٧٩ تم الإعلان عن (إن كل مواطن سيكون حرا في أن يقيم على دينه)، وكان والد سبينوزا اليهودي البرتغالي الذي تعرض للاضطهاد قد احتمى بهذا الإعلان حين انتقاله الى هولندا. وحرية المعتقد هذه أصبحت المادة ١٨ من الإعلان العالمي لحقوق الانسان(لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته او عقيدته، وحرية الاعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء كان ذلك سرا ام مع الجماعة).(موقع الأمم المتحدة. إدارة شؤون الاعلام ٢٠٠٣)

هل جاء الإعلان العالمي لإلغاء الاستلاب عن البشر؟ اعتبر فويرباخ الاستلاب فاعلا لتأسيس الظاهرة الدينية. أما جورج لوكاج (يلفظ باللغة المجرية لوكاج، بجيم فارسية ويلفظ بالعربية لوكاتش) فقد اطلق على الاستلاب مفردة (تشييء)، وفي كلا الحالين فان الاستلاب شعور سلبي يقود الى فعل سلبي. انه الشعور بعدم القدرة على اتخاذ قرار واضح وحر وإرادي. والاستلاب، سواء كان دينيا او اجتماعيا- اقتصاديا أو سياسيا هو ظاهرة يمكن ان تنشأ عن مختلف الأسباب ومنها الخضوع لاحتلال او سجن او تعذيب أ عجز من مختلف الأنواع. بمعنى نزع القدرة على التصرف الحر والارادي، وبهذا المعنى تكون نظرية الأوامر الإلهية تكريسا للاستلاب وفاعلا لجعل الانسان مأسورا من قوة غيبية. وبهذا الشكل يتشيأ الانسان ويتصرف كأسير لأوامر عليا بدون إرادة وتفكير عقلي.لأن الفاعل الأخلاقي أمر إلهي يصدر لائحة إلزامية غامضة الأصل والمنشأ ولكنها مقررة بالقوة العليا التي كشف عن جبروتها أنبياء ورسل زعموا انها هي من أمر بهذه اللائحة التي تحتاج الى حراس للآلهة كي يتم تطبيقها، وانيطت مهمة حراسة هذه الأوامر لتنظيمات متعسفة بصفة دينية.

يقود الاستلاب الى التعصب لتعويض حالة الاستلاب بفعل عنيف متى ما شعر الفرد بان الدين هو قوته الوحيدة. فالتفاوت الطبقي بين الأغنياء والفقراء هو أمر إلهي كما ورد في القرآن مختصرا هذا التفاوت بانه إرادة الهية، كما ورد في الآية ٧٠ من سورة النحل (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق، فما الذين فُضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيها سواء أفبنعمة الله يجحدون). فالفقر الطبيعي هو استلاب فكيف اذا اصبح قرارا يلغي إرادة وطموح الفرد بأمر الهي؟

يأتي الإعلان العالمي لحقوق الانسان تتويجا لأخلاق العالم الحديث، ويبشر بأخلاق جديدة تكاد تكون ملزمة حالها حال الأوامر الإلهية. وقد وقعت الدول كافة تقريبا، ومنها دول عربية وإسلامية على الالتزام ببنود وفقرات الإعلان العالمي، ولكن لم يتحقق هذا الالتزام. فقد مارست الدول الديكتاتورية طغيانها المطلق على الرغم من توقيعها على الإعلان.

والاعلان العالمي لم يظهر فجأة، فقد كان عمل ثلاثة قرون تقريبا منذ الثورة الفرنسية التي أصدرت حقوق الإنسان والمواطن، التي عاد اليها الحقوقي الفرنسي رينيه كاسان لاختصار مسودة الإعلان الطويلة التي اعدها الكندي جون همفري. ومواد (العهد الأعظم) الماكنا كارتا الذي أصدره نبلاء بريطانيا مع الملك وليم عام ١٢١٥والثورة الامريكية ولوائح الحقوق البريطانية اللاحقة، وساهم في الصياغة الإنجليزية اللبناني شارل مالك الذي كان مقرر لجنة إعداد الإعلان وكان وقتها يشغل وظيفة رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة. والإعلان هو نتاج العلمانية والليبرالية في تجلياتها الحقوقية.

الإعلان العالمي لحقوق الانسان عمل غربي. أوروبي وامريكي. انه عقل غربي أيضا. انه نتاج المستوى العقلاني لليبرالية. لم يأت من فراغ، وانما كان نتيجة لتطور فلسفي وسياسي كان متجانسا مع التطور في البنى الاجتماعية -الاقتصادية التي انتجت الرأسمالية. لذلك يبدو عملا غربيا، خاصة وانه يقف من الدين موقفا حياديا لضمان الحريات الدينية. ان الاعلان العالمي هو اعلان الحداثة التي تسعى لأن تكون عالمية.

يتكون الإعلان من ثلاثين مادة سنرى انها الحقوق الطبيعية قبل التدخل التعسفي للسلطة والدين.

وهذا سيكون عائقا إمام تبني الدول الإسلامية للإعلان العالمي خاصة في ما يتعلق بحق حرية العقيدة، وحرية الرأي، كما أقرته المادة ١٨ المذكورة آنفا والمادة ١٦ الفقرة (١) التي تلغي أي قيود دينية او جنسية على الزواج. والفقرة (٢) التي تنص على عدم ابرام الزواج الا برضى الطرفين. والمادة الثانية التي تنص على (حق كل إنسان التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان دون تمييز، كالتمييز بسبب العنصر او اللون او الجنس او اللغة او الدين او الرأي السياسي، أو أي رأي آخر.أو الأصل الوطني أو الاجتماعي او الثروة او الميلاد او أي وضع اخر، دون اية تفرقة بين الرجال والنساء، وفضلا عن ذلك فلن يكون هناك تمييز أساسه الوضع السياسي او القانوني او الدولي لبلد او البقعة التي ينتمي اليها الفرد سواء كان هذا البلد او تلك البقعة مستقلا او تحت الوصاية او غير متمتع بالحكم الذاتي او كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود)

صوت لصالح الإعلان ثماني واربعون دولة وامتنعت ثماني دول هي الاتحاد السوفياتي وجمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية وجمهورية بيلاروسيا الاشتراكية السوفياتية وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا وبولندا وجنوب افريقيا والمملكة السعودية.

هذا الامتناع يعني شيئا واحدا وهو سيادة النظام الشمولي في تلك الدول. وبذلك تضل موضوعة الاخلاق الكونية امرا مشكوكا به وربما متعذر التحقيق. فكم دولة إسلامية او قومية ستعارض اخلاقا كونية ينتقل فيها الانسان وفق حريته من دين لآخر وفق رؤيته واختياره؟

هل يتطلب الحديث عن أخلاق شاملة ذات قيًم كونية أو عالمية من باب احترام البشر دون استثناء سواء يتعلق بالعرق او الدين وغيره المضي بفصل الدين عن الدولة في اغلب دول العالم؟ قد يكون ذلك أمرا مستبعدا بعد فشل أوروبا وامريكا في فرض نظام عالمي يقوم على احترام حقوق الانسان من جهة، ومن جهة أخرى، ماتزال معظم الدول العربية والإسلامية تضع الرسلام في مواجهة العولمة وتعتبر الدين حارسا للدولة، والدولة ضامنة لتطبيق الشريعة.

كرس الإعلان العالمي لحقوق الانسان علمانية الدولة وحياديتها تجاه الحرية الدينية.كما كرس حيادية الدولة تجاه الأعراق والثقافات. كان هذا الامر قد تحقق فعليا قبل الإعلان العالمي. وهو أمر واجه حركة الإصلاح الديني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كانت الحريات السياسية والاجتماعية والدينية قد أمام أعين الإصلاحيين خاصة الذين زاروا وتعلموا في باريس مثل رفاعة. الطهطاوي وخيرالدين التونسي، اللذين رأيا عيانا اختلاط الجنسين ووجود الملاهي الراقصة وشرب الخمر، هي رفض الشريعة الإسلامية لهذه الممارسات غير الأخلاقية، وكانت النتيجة هي رفض الشكل الحداثي للدولة والمجتمع والإبقاء على الاستبداد والعودة للسلفية التي كان عمرها آنذاك ثلاثة عشر قرنا واعتبار الخلافة الشكل الوحيد المرتبط بالأخلاق.

سعت لين هانت في كتابها المؤثر Inventing Human Rights الى العثور على تاريخ العمل الفلسفي والثقافي لحقوق الانسان. انها تتابع مبدأ المساواة في رواية، تعتقد، هي لين، إنها مهدت للعقد الاجتماعي لروسو. وهي رواية روسو نفسه التي تعيد قصة حب من القرن الثاني عشر بعنوان (جوليا)، فصل بعنوان جمالي هو (سيول العاطفة: قراءة روايات وتصور مساواة) يتابع موقف النقاد في القرن الثامن عشر من الرواية ومن القيم الانسانية الكبرى التي اسهمت في تحول القيم الثقافية الانسانية إلى قيم حقوقية وقانونية. فالرواية ارست مبدأ المساواة كحق اساس من حقوق الانسان.

2365 نبيل ياسين 2

س - ما وظيفة الأخلاق أمام التحديات مثل الحروب وخطاب الكراهية والتعصب والطائفية الدينية والمذهبية؟ وهل هناك فهم متطابق وموحد لوظيفة الأخلاق؟

ج- في الحياة الواقعية فان الاخلاق معزولة عن القرارات السياسية، وهي ضحية لها. لذلك لا تملك الاخلاق وظيفة مادية قادرة على مواجهة التحديات. فالحروب تتكاثر رغم كثرة منصات الحديث عن الأخلاق. فالدول الديمقراطية، التي تقوم على أسس أخلاقية، تنتهك هذه الأسس خارج حدودها القومية. بدءا من فرنسا التي عبرت حدودها الى الجزائر على سبيل المثال، الى بلجيكا التي عبرت حدودها الى الكونغو، مرورا ببريطانيا التي عبرت حدودها البحرية متجهة الى الهند وامريكا التي اجتازت حدودها على المحيط الأطلسي لتتجه الى قارات العالم الأخرى.

فالعولمة، الكولونيالية التقليدية سابقا، والأمبريالية الألكترونية الحديثة، تؤديان دورا موحدا في نفي الاخلاق عن العالم. فالأخلاق النفعية هي اخلاق مصالح متغيرة، وهي السائدة الآن في حقل الاخلاق.

طبيعي ان لايكون هناك فهم متطابق لوظيفة الأخلاق. ويظهر ذلك في تكييف الأخلاق لنظرية الأوامر الإلهية من جهة ونظرية الأخلاق الطبيعية من جهة أخرى.

لنتساءل، ايهما كان في أولويات إنسان الكهف، التنظيم العائلي ام اكتشاف الأخلاق؟، من المرجح جدا ان التنظيم العائلي وتوفير الطعام للأسرة عن طريق الصيد كان يتفوق على الاهتمام الأخلاقي، الا اذا اعتبرنا ان توفير الطعام للأسرة هو مسؤولية أخلاقية دون ان يتم اظهارها كمسؤولية أخلاقية.

قبل ان تظهر الحروب وتظهر الكراهية والتمييز الديني والمذهبي والعرقي كانت الأولوية هي العيش بسلام، سوى شن الحرب على الطرائد الحيوانية من أجل توفير لقمة العيش. قد يكون اكتشاف الزراعة بداية للخلاف البشري (هناك تفسير للصراع بين قابيل وهابيل بانه صراع بين الرعي والزراعة) وظهور الحرب والكراهية والتمييز بين الآلهة التي ظهرت بداية من أجل توفير الحماية لممتلكات الإنسان. لذلك فإن ارتباط الأخلاق بالأوامر الإلهية يقوم بفعل سلبي وليس إيجابيا. لنلقي نظرة على وظائف الآلهة في بلاد الرافدين فقد كان للسومريين آلهة مختلفة من أجل الحماية. فهناك إله الصيد وإله الرعد(الإله أدد) وإله المطر وإله الرعي (سموقان) وإله المياه(أنوناكي) وغيرها من ثلاثة آلاف إله تم ذكرها في الحوليات الرافدينية. وقد كانت هذه الآلهة تشن الحروب بعضها ضد بعض مقلدة أفعال البشر.

إن تأويل الدين يعتبر مصدرا من مصادر الحرب وبث الكراهية بين الأديان والمذاهب والقوميات. وبدل ان تقوم الاخلاق الدينية بنشر السلام ومنع الحروب ونبذ الكراهية، فإننا نعثر على احد مصادر العنف الشائعة اليوم في الاخلاق الدينية نفسها الناتجة عن التأويل. ان تاريخ الأديان والعنف الذي رافقه يجعلنا نشكك بأصل نظرية الأوامر الإلهية باعتبارها من اختراع الفقهاء ورجال الدين في كل الأديان. فاذا كانت هذه الأوامر مشتركة،وهي من الله، فلماذا تتعطل بين الأديان المؤمنة بهذه الأوامر وأصلها الإلهي واعتبارها دافعا لفعل الخير؟ بينما تمارس الأديان فعل القتل، وهو فعل غير أخلاقي ورد النهي عنه في الوصايا العشر. ان القتل هو عنف ينتهك الاخلاق. وتكسب التأويلات الأخلاقية اعمال العنف بطابع عقلاني وحيد مفتعل على الرغم من انه ينافي العقلانية. ذلك ان المنطق الأخلاقي مختلف عن المنطق الديني، وإن المنطق العقلاني ينفصل عن المنطق العقلي.

يحاول الفيلسوف الأخلاقي بيرنارد جيرت  Bernard Gert الذي قضى خمسين عاما في فحص احدى النظريات الأخلاقية المرتكزة على المفهوم المعتدل للحيادية وتوضيحها وتطويرها، الإجابة على سؤالين محددين: ماهي اعمال العنف وكيف يتم تبريرها؟. وفي تعريفه لأعمال العنف يصفها بانها الانتهاك المتعمد لخمس قواعد أخلاقية أساسية تجاه الأشخاص الذين ليست لديهم رغبة عقلانية لخرق القوانين لصالح نفسه او نفسه وتنحصر تلك القواعد في : لا تقتل. لا تتسبب في إحداث ألم. لا تحدث إعاقة. لا تحرم شخصا من حرية اغتنام الفرصة. لا تحرم شخصا من السعادة (فيتوريو بوفيتشي. العنف. مختارات فلسفية. ترجمة ياسر قنصوه.المركز القومي للترجمة. ٢٠١٧ ص١٣١)

لكن التبرير، يرتكز على مفهوم السبب (ولهذا فأن التبرير في صورته الأساسية – تبرير أحد الأعمال -هو إيضاح ان ذلك العنف يعد عقلانيا (نفس المصدر والصفحة). لكن هذه العقلانية لا تكمن في جوهر الفعل وانما في تسويغه وتبريره.

 

س -هل تعتقد أن الأخلاق تلعب دورا في الفضاء العمومي من أجل التأسيس لديمقراطية حقيقة في العالم العربي، وتعمل على إعادة ترميم انهيار منظومة القيم الاخلاقية في الممارسة السياسية؟

ج- خلال سنوات طويلة، وبدافع من اهتمامي بالعدالة لم اجد مؤلفا عربيا إسلاميا بهذا الموضوع في تراث الفكر الإسلامي. واذا كانت الفلسفة المعاصرة تتحدث عن العدالة بتفاصيل جديدة وتسوية عقلانية من أجل الإنصاف مثلما يشير رولز في كتابه نظرية العدالة (A Theory Of Justice.الصادر عن The Belknap Press Of Harvard University Press. Cambridge. Massachusetts. 1999)، والصادر بالعربية بعنوان نظرية في العدالة) حين يؤكد في التفاتة مهمة وكأنها شرط قائلا: من احدى خصائص العدالة إنصافا ان نفكر بالأطراف في الوضع المبدئي على انهم عقلانيون ولا توجد مصالح متبادلة بينهم (جون رولز. نظرية في العدالة. ترجمة ليلى الطويل. الهيئة العامة السورية للكتاب. دمشق ٢٠١١)، فإننا نفتقر تماما الى نظرية في العدالة وبالتالي نفتقر الى دور الأخلاق في انشاء مثل هذه النظرية. فتاريخنا لا يفكر بأطراف وانما بطرف واحد ونتيجة لذلك نفتقر الى العقلانية. لان العقلانية وفق رولز بحاجة الى عقد او تعاقد.

إن ما وردنا عن الأخلاق في الفلسفة الإسلامية يشكل فهما عميقا، ولكن مشكلتنا اننا توقفنا عن انتاج الفلسفة، واعتبر الفقهاء، عموما، ان انتاج الفلسفة لا يتوافق مع الشريعة، ونحن نعرف النكبات التي تعرض لها الفلاسفة المسلمون، ففي زمن المعتضد على سبيل المثال، تم تحليف الوراقين على عدم استنساخ كتب الفلسفة في اسواقهم. فقد كان الفلاسفة المسلمون يؤكدون على العلاقة بين الفلسفة والشريعة للوصول الى الحقيقة، وهو ما رفضه الفقهاء.

س - من الشائع أن يتقاطع القانون والأخلاق ويتداخلان في جميع مجالات صنع القرار القانوني؛ فيجبمن أجل فهم مسائل الدستور أو التشريع أو القانون العام، على القضاة وغيرهم من صانعي القرارالقانوني أولاً حل بعض القضايا الفلسفية التي تشمل الأحكام الأخلاقية للصواب والخطأ. يتضح هذا بشكلخاص فيما يتعلق بالتفسير الدستوري، ولاسيما عندما تعطي الدساتير تفويضًا لحماية المعاير أو القواعدوالقيم الموضوعية - الجوهرية كحقوق دستورية في هذه المواقف، كما لاحظ ذلك رونالد دوركينالفيلسوف القانوني المعاصر الرائد في كتابه " أخذ الحقوق على محمل الجد"، يدمج الدستور القضاياالقانونية والأخلاقية، من خلال القضايا أو المشاكل. بالطبع لا تقتصر الحاجة إلى توضيح القيًمالموضوعية الجوهرية على التفسير الدستوري بموجب وثائق أو مشاريع قوانين الحقوق فقط. يثير هذافورًا معضلة متأتية من التنوع الأخلاقي والتعددية في المجتمعات الحديثة. كيف يمكن أن يظل القانون حساسًا لهذه التعددية ومع ذلك يقدم إجابات واضحة للمشكلات التي تتطلب حلًا قانونيًا؟

ج- يدين مونتسكيو الترف باعتباره ينتهك الاخلاق في الجمهورية. (فحين فسد الرومان اتسعت شهواتهم ويمكن تقدير ذلك مما وضعوه ثمنا للاشياء ٠ومن ذلك ان دن خمر فالرن كان يباع بمئة دينار روماني،.. وان ثمن الطاهي الماهر أربعة تلنتات، ولا ثمن للخدم.واذا ما اقبل جميع الناس على الملاذ بصولة شاملة فماذا تصبح الفضيلة؟(مونتسكيو. المجلد الأول. الباب السابع. الفصل الثاني. ص١٤٧). وهو الاعتقاد الذي سبق اليه ابن خلدون بقوله ان الاخلاق الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد، لان الانسان انما هو انسان باقتداره على جلب منافعه ودفع مضاره واستقامة خلقه للسعي في ذلك، والحضري لايقدر علـي مباشرته حاجاته، اما عجزا لما حصل له من الدعة، او ترفعا لما حصل له من المربـي في النعيم والترف، وكلا الامرين ذميم. ابن خلدون. المقدمة. ج ٣ ص ٨٨٠-.نقلا عن جوامع الاخلاق والسياسة والحكمة. ج ١. منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة.١٩٩٣ ص٦٨.

لدى شرائع مونتسكيو نعثر على مفهوم للأخلاق يرتبط بالقانون الوضعي. ومن ذلك كيف تدير قوانين المصالح الأخلاق ادارة متعسفة لصالح افراد او مجموعات.

فالربا، على سبيل المثال، انتقل من فعل لا أخلاقي الى فعل أخلاقي عن طريق تشريعه ضمن قوانين المصارف. فالربا لم يعد، أخلاقيا، خرقا او تصرفا مذموما.فقد تحول الى خرق أخلاقي مشروع.

لقد تطورت أوروبا الى الديمقراطية بصعود البرجوازية. وكان الربا شائعا، ولكنه كان يواجه معارضة أخلاقية. وكانت البرجوازية التي تسعى الى السيطرة بحاجة الى تشريع الربا وجعلة مقبولا أخلاقيا، وتم هذا عن طريق تأسيس البنوك وجعل الربا مشروعا، وتحول الربا الى (فائدة) قانونيا.

ان المرابين الذين كانوا يُنظر اليهم نظرة لا أخلاقية اصبحوا يحكمون عن طريق الربا القانوني، وتحول حكم النهي عن الربا في سفر التثنية (لا تقرض أخاك بربا. ربا فضة. أو ربا ذهب، أو ربا طعام. أو ربا شيء مما يقرض بربا. لأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا، لكي يباركك الرب إلهك)(التثنية.٢٠:١٩:٢٣). وورد مثل ذلك في سفر المزامير،(السالك بالكمال، والعالم بالحق والمتكلم بالصدق في قلبه، فضته لا يعطيها بالربا ولا يأخذ الرشوة في البري)(مزمور ٥:٢:١٥) وكذلك في سفر حزقيال ونحميا.

وحرم القرآن الربا في ثلاث مواضع في السور الطوال الجامعة لكثير من الاحكام، هي البقرة وآل عمران، والروم. (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ذلك بانهم قالوا انما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره الى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)(البقرة ٢٧٥، ثم تتبعها الآيات ٢٧٦و ٢٧٧و٢٧٨).

قامت فكرة البنوك اذن على خلق تسويغ مقبول لتحويل فعل لا أخلاقي الى فعل أخلاقي يرعاه القانون.

يقوم المؤمنون من اتباع الأديان الثلاثة، بالطقوس الجسمانية كالصلاة والدعاء اكثر بكثير من الالتزامات الروحية الأخرى ومنها السلوكيات الأخلاقية. لقد عبر الغرب والمجتمعات المسيحية التي كانت تشهد نمو عمليات الربا عبر مرابين يهود في الغالب، الذين يؤمنون، حسب التثنية، بإقراض الأجنبي بالربا، هذه المشكلة بأن حولتها الى عملية شرعية وقانونية، فيما لاتزال المجتمعات الإسلامية تناقش حتى الآن الطريقة التي يمكن فيها تشريع الربا عبر ما يطلق عليه البنوك اللاربوية. ويحضر في هذا الشأن محاولة الفقيه الإسلامي محمد باقر الصدر (البنك اللاربوي في الإسلام: أطروحة للتعويض عن الربا ودراسة لكافة أوجه نشاط البنوك في ضوء الفقه الإسلامي).

لقد أصبحت البنوك إدارة أساسية من مستلزمات الاقتصاد العالمي، الذي يقوم على الإقراض والفائدة ولذلك لم تعد مشكلة الربا في العالم غير الإسلامي مشكلة معوقة للنمو الاقتصادي. فما هو الدور الأخلاقي الذي انهى التحريم بتحويل الربا الى مؤسسات بنكية كبرى تدير اقتصاديات العالم؟ هل هي الأخلاق الجديدة أم ان الوصايا الإلهية يمكن تكييفها وتسويغها بتغيير شكلها والإبقاء على اسلوبها؟

ما يشير الى طبيعية الاخلاق قبل ان يأتي دور الفقهاء والمفسرين. وقبل ان يقدم لنا الفقهاء اوامرهم باعتبارها أوامر الهية يشددون فيها على العفة للمرأة باعتبارها (لقلق الخلاص) على حد تعبير ماكس فيبر حين بث الكالفينيون المذاهب الطهرية من اجل النجاة من الهلاك.

تخضع المرأة في الأديان الى سلسلة طويلة من الأوامر والنواهي تنبع من منطلقات متعددة ومتناقضة. فالعفة لا تخص الرجل في الأديان بقدر ما تخص المرأة. وتسربت هذ الإشكالية الى المجتمعات المختلفة، ليس بالضرورة كالتزام ديني وانما كترسبات اجتماعية تقوم بتأويل الفضيلة ونقلها من الدين الى الفرد والمجتمع. فالأخلاق، في جوهرها اجتماعية.. يقول جون ستيورات ميل في كتابه The Subjection of Women)) الى ان كثيرا من القطاعات الاجتماعية والدينية نالت حقوقها عدا المرأة التي لم تنل حقوقها بسبب الدين والإخضاع الاجتماعي في المؤسسات الحديثة وبقيت تعاني من الحرمان والعزلة حتى لو تم انتهاك ما اصبح قانونا أساسيا (Penguin Classic 2006. p153) فهل هذا الإخضاع إخضاع اجتماعي آم إخضاع ديني؟ في كلا الحالين يعتبر هذا الإخضاع خرقا وانتهاكا مشتركا بسبب الترسبات الدينية والاجتماعية المنافية للحق الطبيعي التي كرستها الأديان.

 

............................

د. نبيل ياسين

* دكتوراه فلسفة من أكاديمية العلوم الهنغارية عام ١٩٨٦ عن اطروحته (التشكيلات الاجتماعية -الاقتصادية وتأثيرها على الدولة والمجتمع في العالم العربي ١٨٠٠-١٩٨٠

* عمل باحثا في معهد العلوم الاجتماعية في اكاديمية العلوم الهنغارية ١٩٨٦-١٩٨٩

* عمل أستاذا لدراسات الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الانسان في العراق ٢٠٠٨-٢٠١١

* كاتب وشاعر نشر العديد من الدراسات حول الدولة والدستور والعولمة في صحف مثل (الحياة) اللندنية خلال أعوام ١٩٩٢-٢٠١٨ وفي صحف ومجلات أخرى

* مؤلف كتاب (الأصول الاجتماعية والفكرية للتيارات الإسلامية المعاصرة). لندن ١٩٩٤

* مؤلف كتاب (التاريخ المحرم) دراسة في الفكر السياسي. العراق نموذجا. لندن ١٩٩٨

* صدرت اعماله الشعرية في مجلد عام ٢٠١٧ عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.

* له مؤلفات أخرى في الشعر والسيرة والتاريخ.

 

 

2230 علي الربيعي ومحمد ابو العلاحوار مع الأستاذ الدكتور محمد أبو العلا يجريه علي رسول الربيعي

الدستور وكيف يعالج مسألة العلاقة بين الدين والدولة، وكذلك قضية الفضيلة، أيً قضية العلاقة بين الفضيلة والدستور. هذا هو محور الأسئلة المتواترة وأن بصوغ مختلف في الفلسفة السياسية التي نتوجه بها الى الأستاذ الدكتور محمد ابو العلا لنستطلع رايه فيها أو جوابه عنها.

د. علي رسول الربيعي س//: هناك خمسة نماذج مختلفة لإدارة العلاقة بين الدولة والدين بموجب الممارسة الدستورية الحالية. وهي (1) النموذج العلماني المتشدد المصمم على إبقاء الدين خارج المجال العام تمامًا (مثل اللائكية/ العلمانية الفرنسية؛ (2) النموذج العلماني اللا أدري، الذي يسعى إلى الحفاظ على موقف محايد بين الأديان ولكنه لا يخجل من تفضيل الاعتماد على الإلحاد وغيره من المنظورات غير الدينية (نجد هذا، على سبيل المثال، قريب من الفقه الدستوري الأمريكي الحالي). (3) النموذج العلماني "المذهبي" المعترف بالنظم العقائدية، الذي يتضمن عناصر من دين الأغلبية السائدة في النظام السياسي، وذلك لأغراض  الهوية في المقام الأول، ويعرضها كجزء من مراسيم الدولة الدستورية بدلاً من كونها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالدين الرئيسي للبلاد (مثل إيطاليا أو بافاريا، كاعتماد الصليب كرمز علماني للهوية الوطنية)؛ (4) دين رسمي مع التسامح المؤسسي لنموذج أديان الأقليات (على سبيل المثال، المملكة المتحدة والدول الاسكندنافية واليونان)، و(5) النموذج القائم على الملل حيث يتم إعطاء أولوية للحكم الذاتي الجماعي من قبل كل مجتمع ديني داخل النظام السياسي (مثل الكيان المغتصب لفلسطين إسرائيل).  هل يمكن ان يكون أيً من هذا النماذج الدستورية حلا لإدارة العلاقة بين الدولة والدين؟

د. محمد أبو العلا: ج// أعتقد أنَّ الفصل الجذري بين الدين والحياة العامة محاولة مستحيلة أو شبه مستحيلة؛ لأن الدين جانب أصيل لا يمكن إنكاره من جوانب الحياة الاجتماعية والثقافة الإنسانية، فضلا عن أنه جزء لا يتجزأ من مكوِّنات الشخصية الإنسانية، إلا إذا أنكرنا البُعد الروحي في الإنسان، الذي يمثِّل الدين أحد تجلياته. وبالنسبة لمن يرددون أنَّ الدين شأن فردي خاص، فأعتقد أنَّ هؤلاء ينسون حقيقة مفادها أنَّ الحياة الفردية الخاصة لا يمكن فصلها عن الحياة الاجتماعية العامة. وبالتالي، حتى لو كان الدين تجربة ذاتية، فهذه التجربة الذاتية تؤثر وتتأثر بالحياة العامة بكافة جوانبها. فما المانع أنْ يؤثر الدين في الحياة السياسية والفقه القانوني والدستوري طالما أنَّ هذا التأثير تأثيرا إيجابيا، أيْ يخدم تطور وازدهار الاجتماع الإنساني. فكما يمكن توظيف الدين بطريقة خاطئة تخدم مصالح وأيديولوجيات ضيقة، فمن الممكن توظيفه توظيفا صحيحا يخدم الصالح العام وتطبيق حقوق الإنسان. أليست هناك قيم وفضائل مشتركة بين جميع الأديان السماوية يرضى عنها الجميع، بما في ذلك الملحدون أنفسهم؟! أعتقد أنَّ السبب الحقيقي الذي يقف وراء اعتراضات الملحدين ليس هو الدين ذاته، بل الممارسات المشينة للمتدينين، والأهم من ذلك الممارسات المنحرفة للسلطة السياسية باسم الدين. فهل بوسع أيّ إنسان، حتى لو كان ملحدا، أنْ يرفض أو يعترض على المحبة في المسيحية، وحق الحياة في اليهودية، والعدل والتكافُل في الإسلام. والدين الإسلامي نفسه أقرّ بحوار الحضارات والثقافات من خلال التأكيد على العيش المشترك مع الآخر واحترام خصوصيته وحريته في الاعتقاد. ويشهد على ذلك العديد من الآيات القرآنية، مثل:

- (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنِّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنَّ الله عليمٌ خبير) [الحجرات: 13].

- (وَلَوْ شاء ربك لآمن مَنْ في الأرض كلُّهم جميعًا أفأنت تُكره النَّاس حتى يكونوا مؤمنين) [يونس: 99]

- (وقُل الحقُّ من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) [الكهف: 29].

وهكذا يمكن أنْ يكون الدين، بالمعنى الواسع، مجالا لتماسُك وازدهار المجتمع السياسي. والدين بالمعنى الواسع الذي أقصده هنا يقترب من الدين بمفهومه عند كانط في كتابه "الدين في حدود العقل فقط" أو عند الأب شاتل في كتابه "قانون الإنسانية". فالدين، بحسب كانط، هو الشعور بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية. وبحسب الأب شاتل، هو مجموعة الواجبات التي تقع على عاتق الإنسان نحو الإله، ونحو الجماعة، ونحو نفسه.

إذا نظرنا إلى الدين من هذا المنظور الواسع والمنفتح، فمن الممكن أنْ يكون الدين جزءا مما أطلق عليه جون رولز العقل العام public reason، ذلك العقل الذي يمثِّل عند رولز الأساس الذي يجب أنْ تقوم عليه الدولة العلمانية. فبحسب رولز، يقبل جميع الناس العقلاء في المجتمع العلماني المتسامح الخضوع لبنود، أو قيود، العقل العام، تلك البنود التي يمكن لكل واحد منهم أنْ يفهمها ويقدِّر قيمتها مهما كانت معتقداته الشمولية، سواء أكانت تنتمي للأخلاق الشخصية، أم الأخلاق العامة، أم الدين.

يمثِّل هذا، من وجهة نظري، تصوُّرا عريضا جدا للدولة العلمانية في صورتها المثالية؛ وهو تصوُّر لا ينطبق، بالطبع، على أيٍّ من النماذج العلمانية التي تفضَّلتْ حضرتك بذكرها. ومع ذلك، فهناك بعض النماذج التي تقترب منه كثيرا، مثل النموذج العلماني في المملكة المتحدة، ثم النموذج العلماني في الولايات المتحدة الأميركية.

2230 علي الربيعي ومحمد ابو العلا

د. علي رسول الربيعي: س//  إن ما تدعو إليه الفضيلة المدنية هو احترام الناس من كل نوع، وتقدير إنسانيتهم وحقهم في تنمية واستخدام مواهبهم والاستفادة منها مهما تنوعت تلك الاستخدامات والمواهب الجيدة. "هل تشمل الفضيلة المدنية احترام وتقدير التنوع؟" إذا كان "التنوع" هنا هو رمز للاستعداد للانخراط في السلوك الجنسي المثلي وتعزيزه، كما هو الحال في المجتمعات العربية/ الإسلامية، فإن الإجابة، كما أرى، هي: لا. إن احترام مثل هذا الاستعداد، أو رغبة أي شخص في الانخراط في أي شكل آخر من أشكال الأفعال الجنسية غير الزوجية، هو أمر سيئ مهما كانت هناك ايً ادعاء انها جيدة للإنسان، ثم أنه يساهم في انهيار الزواج كمؤسسة مدنية المؤسسة وواقع شخصي، وإيذاء الأشخاص الذين سيعانون كالأطفال وبالتالي كبالغين من خلال تربيتهم في بيئات غير زوجية.

وعليه، بما أنه من المنطقي التفكير في الغايات قبل النظر في الوسائل لها، فقد يكون من الأفضل أن نبدأ بتوجيه السؤال اليكم: ماهي الفضيلة أو ما هو مضمونها الذي يتطلب غرسه وتنميته في ظروف الخلاف الأخلاقي، وكيف يرتبط بالفضيلة الأخلاقية التقليدية؟ كيف يتأثر مضمونها بظروف التنوع؟

د. محمد أبو العلا: ج//  أعتقد أنَّ الفضيلة التي يجب أنْ تسود في ظل التعددية الثقافية والتنوع العرقي والديني، باعتبارهما السِّمتين الأساسيتين لأي مجتمع علماني ديمقراطي، هي فضيلة التسامح. وأقصد بالتسامح هنا قبول العَيْش مع الآخر الذي نختلف معه في الرأي، أو الدين، أو العرق؛ هذا فيما يتعلق بمبدأ التسامح على المستوى الأخلاقي. أما على المستوى السياسي، فإن التزام الدولة بالحياد إزاء التصورات الفردية المختلفة للحياة الكريمة، أو الخيِّرة، هو نتيجة حتمية لمبدأ التسامح، ذلك المبدأ الذي لا يمكن تصور مجتمع عادل بدونه. فتحيُّز الدولة لطرف دون آخر، حتى لو كان هذا الطرف يتمثل في الأغلبية، هو تصرف غير مشروع ولا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، لأنه يتعارض مع حق الجميع في المساواة في الاهتمام والاحترام، على حدّ تعبير رونالد دوركين.

د. علي رسول الربيعي س// هل يتطلب الدستور أو يفترض مسبقا، أو يحبط أو حتى يمنع، تشكيل مشروع للحكومة لتغرس أو تنمي عند المواطنين الفضيلة المدنية اللازمة لتعزيز وإدامة مجتمع جيد التنظيم؟

د. محمد أبو العلا: ج//  بالطبع، فالدستور هو أبو القوانين التي تنظِّم كل صغيرة وكبيرة في حياتنا، والذي منه تستمد الحكومات صلاحياتها، بل وشرعيتها أيضا (هذا على افتراض أنَّ الدستور يمثِّل تعبيرا حقيقيا عن الإرادة العامة؛ على حدّ تعبير روسو). فالمبادئ الدستورية العامة يجب أنْ تُلزم الحكومات بالفضيلة المدنية، بل يجب أنْ تكون جميع مبادئ أيّ دستور علماني ديمقراطي بالمعنى الحقيقي تعبيرا واضحا عن هذه الفضيلة. فالفضيلة المدنية بالمعنى الذي ذكرته حضرتك هي فضيلة أخلاقية بالمعنى الخاص والمعنى العام في آن واحد. وغرس هذه الفضيلة في نفوس المواطنين يتطلب التزام الدولة أولا بهذه الفضيلة كأساس للحُكم.

د. علي رسول الربيعي س// إلى أي مدى يمكن لمؤسسات المجتمع المدني أن تدعم أو حتى تحل محل الحكومة في غرس وتنمية الفضيلة المدنية برأيكم؟

د. محمد أبو العلا: ج// لا يمكن ولا ينبغي لمؤسسات المجتمع المدني أنْ تحلّ محل الدولة في الاضطلاع بهذه المهمة، لأن الاضطلاع بهذه المهمة هو وظيفة الحكومة في المقام الأول. بل أرى أنَّ تفعيل دور المجتمع المدني بشكل عام، سواء في هذا الأمر أو غيره، مرهون بمدى التزام الحكومة (أو الدولة) ذاتها بالفضيلة المدنية في ممارساتها وسياساتها العامة.

د. علي رسول الربيعي س// هل ينبغي أن يتضمن تشكيل المشروع تشجيع المواقف التي تنتقد الممارسات التي تنكر الحرية والمساواة؟

د. محمد أبو العلا: ج// نعم، ينبغي، بل يُعَدّ ذلك أمرا ضروريا، وإلا اِنْهارَ المشروع بأكمله.