علي محمد اليوسفتمهيد: عبر مراجعة سريعة في الاجابة عن تساؤل ربما لم يكن تقليديا هو هل مفهوم الثورة العلمية هو نفس مفهوم الثورة الاجتماعية والسياسية؟ وهل آليات قيام الثورات العلمية بماهي الاسلوب النوعي التجديدي نفسه في آليات تحقيق الثورات السياسية؟ هل الثورة في مصطلح الدلالة تعني الخروج على النمط السائد في خرق نظام تراكم الخبرة والبدء بتهديم كل القديم قبل انشاء مرتكزات ثورة معرفية وعلمية أوسياسية إجتماعية جديدة غير مسبوقة تبدأ من درجة الصفر في مغادرة تسوية ارضية تهديم الماقبل ومن ثم يعقبها بدء الشروع الجديد بالظهور؟ هل الثورة العلمية وغير العلمية تبدأ من مرحلة صفرية معرفية قديمة سابقة عليها والجديد لا يسبقه مرتكزتراكم خبراتي تجاربي قديم؟ وهل الجدل التخارجي بين ماهو قديم خبرة تراكمية وماهو جديد تصورات ونظريات وآليات تطبيقية لا وجود تمهيدي سابق عليه في انبثاق طفرة نوعية على شكل ثورة متجددة على الدوام؟ ثم اخيرا مالفرق بين الثورية الاختزالية للمراحل التطورية في إختلاف مجالات اشتغالها عن فرق النمو التطوري التقليدي البطيء المسار الذي لا تتخلله طفرات نوعية في مساره الرتيب يطلق عليها الانتقالات الجديدة؟

كارل بوبر ومفهوم الثورة

يرى بوبر أن تقدم العلم يتم سلسلة من التحولات أو الثورات التي تحدث بغير رابطة داخلية، ورفض كارل بوبر النظرية التقليدية التي ترى في التقدم العلمي خبرة تراكمية من المعارف وقال أن التقدم العلمي سلسلة من الثورات التي تقوم بهدم القديم بكل بناءاته ومعارفه وتعيد البناء عن طريق فروض جديدة دائما1.

تعقيب

- من المتعذر في نظريات التقدم العلمي تجاوز سلسلة الترابطات الداخلية التي ينتظم داخلها السائد القديم كتراكم خبرة معرفية يتوجب الثورة عليه باساليب هدم ثورية غير تقليدية نوعية تلغيه تماما. جاستون باشلار يعتبر نقطة الصفر في الشروع نحو بناء معرفة علمية جديدة تتجاوزها هي مرحلة بدئية تحمل معرفة صحيحة يمكنها رفد ما بعدها ولا يمكن إنكار تخطئتها بالكامل ومحاولة دفنها تحت تربة التسوية الارضية لانطلاق ثورة الجديد عليها..

- المعرفة تراكم خبراتي ينبني الجديد فيها على انقاض تهديم بعض ركائز تلك الخبرات التراكمية القديمة وليس جلهّا. التي كانت حقائق واقعية مسلم بصوابها وصحتها. لكن يبقى قديم المعرفة متداخلا بشكل وآخر متواصلا متسقا مع امتداد تخليق الجديد النوعي  من رحمه المتفاعل معه. الجديد في العلم والمعرفة لا يولدان من فراغ معرفي علمي غير تجانسي سابق عليهما.

-  كل بناء جديد يراد تشييده على بنى قديمة تجاوزها الزمن حضوريا هو شروع من منطلق ثوري نوعي على تجاوز البناءات القديمة وتبيان اسس تخلفها من منطلق إصطراعي غير جدلي، والبناء لا يقوم بغير هدي فروض  نظرية جديدة يضبطها ايقاع البناء الجديد في مقاربة النقد المقارن مع السابق القديم الذي توجبت الثورة عليه كونه اصبح حضورا خاطئا معرفيا وزمنيا.. الثورة بلا نظرية وآليات تهتدي بها هو نوع من الفوضوية المتمردة التي لا تعرف مستقبلها اين يكون وما حصيلة ما تقوم به على أنه ثورة علمية في مجال تخصصات العلوم الطبيعية أو ثورة علمية إجتماعية في مجال العلوم الانسانية على حد سواء. لذا تكون ثورية صدق الثورة في مختلف مناحي الحياة لا يتحقق بقيامها والاعلان عنها بل في حاصل ناتج ما حققته من تبديل وتغيير لبنى استهلكت نفسها غادرتها الثورة عليها.

- تراكم الخبرة التي لا يعيرها بوبر إهتمامه الجدير بها هي ليست مثل تراكم رصف رفوف من الكتب النظرية الموضوعة في مكتبة لا تحرك ساكنا من غير ارادة الانسان بعث الحياة فيها. تراكم الخبرة فعالية مستمدة من واقع الحياة وتعود له بتكرار نوعي متجدد على الدوام. تراكم الخبرة هي خلق حياة جديدة بارادة قبلية انسانية لها أو بغيرها. ولا يمكن لثورة في مجال العلم وحتى في مجال السياسة وعلوم الانسانيات والسيسيولوجيا لا تقوم على سلسلة من الخبرات التراكمية التي ينتظمها رابط متسلسل من المسار الخطّي حتى لو كان ذلك المسار خاطئا.

تراكم الخبرة التي يتجاوزها الزمن هي في بعضها مرتكزات بنيوية الجديد. في حال افتراضنا تراكم الخبرة القديمة التي  تتكون من عدة روابط داخلية وموضوعية تجعل منها خبرة نسقية منتظمة حتى لو كانت مجدبة خاوية المضمون والمعنى تماما في محصلتها النهائية قياسا لما سيعقبها من تجديد فهي تمثّل تخليقا مساهما في ولادة تجديد الثورة عليه.

- كل صحيح يولد من رحم قديم بغض النظر عن اللاحق الذي يتجاوزه أفضل منه أو أسوأ منه. ولا فرق أن يكون التجديد هو ردة رجعية الى الوراء بالقياس مع القديم السائد. فهذه من طبائع الثورات التجديدية والسبب في أن كل تجديد نوعي يسبق الوعي الجمعي المتمسك بالقديم دوما.

الحياة لا تتقدم باضافة الجديد الصائب على جديد قديم كان يجانسه الصواب غير المتقاطع معه بل بالحتم يجب لكي يكون الجديد جديدا عليه مفارقة قديم متخلف خاطيء عليه يسبقه بالمقارنة المعيارية التجانسية مع الجديد وإلا فما معنى الجديد إذا لم يكن يحتوي رفض القديم الخاطيء في مقارنة معيارية بينهما؟ وما معيار تقدمية الجديد سوى مقارنته مع تخلف القديم؟ الحياة التي يراد الثورة عليها هي التي تخلق نقيضها الجديد وليست الرغبة والارادة لها في إعطاء البديل من دون توافر عوامل وظروف موضوعية تجعل من افكار وقيم التجديد حالة من فقدان الحضور في وجوب إحداث التغييرات المطلوبة على قديم إنتهى وجوده الحضوري بالحياة.

كارل بوبر والثورية

يعترف بوبر بوجود صراع خفي يحكم مناحي الحياة لكنه لا يصفه بالصراع الجدلي كما في الفهم الماركسي التقليدي في اصطراع الاضداد في انتاج الظاهرة الجديدة المستحدثة وإن كان بوبر يعتمد منطلقات ماركسية نمر عليها لاحقا بلا ادنى تحفظ عنده اذا ما كانت تقاطع بعضا من ارائه ومفاهيمه الفلسفية العلمية والاجتماعية. وإلا أين نضع تعبير بوبر هذا " لا بد للتقدم أن يكون ثوريا، وأن يكون شعاره حقا هو شعار ماركس الثورة على الدوام."2. هنا بوبر يعتمد الجدل الماركسي في تعاقب ولادة الثورات وانتهاء دورة حياة اولى لتعقبها ثانية وهكذا. وبهذا المنطق بوبر يعترف ضمنا أن تراكم الخبرة لا يزول تأثيره في تخليق ثورة التجديد.

هنا بوبر يعتمد مرتكز الثورة الجديدة يقوم على الغاء أي رابطة قديمة معها اولا. وثانيا البدء في الثورة التي يعقبها نوع من توالي سلسلة تعاقبية الثورات  المتمثلة بعدم إعتماد أي سابق عليها منطلق ارتكاز جديد من جهة، وفي إعتبار منهجية حرق المراحل في مساراتها هو الابداع الحقيقي في تخليق قيم جديدة تكون بدورها مراكز وثوب نحو سلسلة من ثورات التجديد اللاحقة عليها. الثورة تلغي ما قبلها في تناقض متضاد بين قطبين متجانسين ومتداخلين في تخليقهما إستحداث الظاهرة الجديدة..

هل الثورة رغبة وارادة في وجوب استمرارها على الدوام لمجرد أن تبقى تحمل تسمية ثورة بلا إمتداد غائي يسيّرها نحو تحقيق أهداف معينة تصلها؟ وهل لا يوجد قطوعات في مسارها الثوري تتوقف فيه أية ثورة مرحليا في مراجعة نفسها قبل إستيلادها بناء ثورة من مخلفات بنى ثورية قديمة كانت سائدة  سابقة عليها؟

هل مسار الثورة مسار تهديم لا ينتهي مرحليا في حصول نتيجة معرفية أو علمية أو سياسية تضع أهدافها موضع التطبيق المقبول.؟ إستمرار تقويض كل قديم هو الذي يعطي لكل ثورة مراحل متعددة تتكامل مع بعضها في نسق تجديدي يراد له الاستمراربالاضافة النوعية على الدوام بحكم الضرورة المستجدة.

إستدرك بوبر في محاولته وضع مقولة ماركس ضمن سياق تاريخي مقبول قائلا  يجب أن تكون الثورات (عقلانية) أي ليست الثورة عملية تقويض وتهديم متواصل مستمر لا يتوقف ولا يهتدي بنظرية وآليات تؤشر أمامه مرتكزات بنى ثورية الثورة في تطبيقات مسارها الصحيح وفي الوقاية من الانزلاقات نحو فوضوية تدميرية لا قرار ولا نهاية لها.

نص ما يقوله بوبر الثوري حول أهمية العقلانية في الثورة نجده" لا بد للثورات ان تكون عقلانية سواء اكانت النظرية الجديدة – حتى على صعيد العلم -  افضل من سابقتها أم لا "3. طبعا لا نقاش حول بديهية معرفية أن كل عمل يتسم بالثورية والتجديد يكون محكوما بمنطق العقل في وجوب التغيير.

عقلانية الثورة تقوم على ماذا؟ هل تقوم على التهديم والتقويض المستمر الذي لا يهتدي بنظرية تتصف بالعقلانية في التطبيق ومتابعة نتائج تجارب التطبيق وتحقيق النتائج المرجوة منها؟ الثورة في كل مجال بالحياة هي مجموعة أفكار نظرية ينتظمها نسق علمي عقلاني عملي تسير بهديه وإلا أصبحت الثورة فوضى لا تحمل وسائل تحققها ولا تحمل آفاق أهداف تروم الوصول لها حتى على مراحل متصاعدة يكمل سابقها لاحقها مراحليا وهكذا.

من الناحية النظرية العملية لا نقاش أن كل الثورات التي تحمل اهدافا تجديدية ثورية تطاول البقاء الافضل لا بد أن تكون متجاوزة قديما لم يعد صالحا للحياة. والاخطاء والارتكاسات والتراجعات التي ترافق بعض الثورات هي مسائل طبيعية الحدوث حتى لو لم تكن تسبقها ارادة ما يطلق عليه التكتيك الذي يسبق استئناف المسار الثوري الصحيح استتراتيجيا.

تجديد المسارات الثورية تختزل المراحل البطيئة المعرقلة في رغبة الوصول لاهدافها باقرب فرصة متاحة عقلانيا. هنا التراكم الذي تتجاوزه الثورة وتلغيه النظريات الثورية في العودة المستمرة الانتقالية من مرحلة متقدمة الى أخرى أكثر تقدما، لا يكون بالحتم والضرورة التراكم السابق عليه يشكل معوقات تعترض مسار تقدم وثبات التجاوز التجديدي المستمر بل يكون روافد إستفادة في مراجعة ألاخطاء وتصحيحها بضوء مقارن..

توماس كون والعلم

توماس كون فيلسوف معاصر في تاييده كارل بوبر رفضه هو الاخر الصورة النمطية القديمة "التي تضع التطور العلمي في الاطار التراكمي"4 ونجده متنكرا لهذه المقولة العلمية الصحيحة لكل من زميله كارل بوبر والجدل الماركسي نوضحها لاحقا.

اقام توماس كون اسس الانتقالات التطورية الثورية خارج الاطار التراكمي بعدة اسس نستعرضها مع بعض التعقيب عليها كلما إقتضى الامر.

1- "الواقعية بمعنى العلم محاولة لاكتشاف عالم واقعي واحد ثابت، وأن الصدق مستقل عن فكر الناس".5 

 الواقعية هي اكتشاف علم واقعي واحد ثابت. المراد بعلم واقعي واحد ثابت هو (مفهوم) علمي واحد لا يتقبل غيراملاءات العقل والتجربة العلمية المتطورة على الدوام. المفهوم مطلق غير متبلور تماما وليس (مصطلحا) متفقا ومجمعا عليه. هنا ثبات ما هو علمي يعني ثبات ما يقبله العقل، وفي العلم تخصصات لا يشملها ولا يحتويها الثبات لكنها علمية في حدود مقبولية العقل لها. حقائق التجربة العلمية ليست ثباتا علميا بل هي سلسلة من التغيرات الطارئة الواجبة على نسبية حقائق علمية كانت في مرحلة معينة مسّلم بثباتها في مقارنتها بماض انتهى وليس بمقارنتها بمستقبل قيد التصورات والصيرورة التنبؤية الدائمية..

العلم واحد على صعيد المفهوم أو القانون الطبيعي الثابت فعندما نقول الزمان واحد ثابت بمعنى هو مفهوم مطلق لا يتقبل الادراك التجاربي عليه في محاولة عبث إثبات عكس هذه الحقيقة في محاولة البرهنة الخاطئة ان الزمان هو غير كلية واحدة مطلقة لا يدركها العقل الانساني بدلالة جسم يحتويه زمن. ومثلها عندما نقول الجاذبية قانون علمي واحد بمعنى هو ثابت لا يتقبل النقض في بديل يعقبه ويلغيه. وعندما نقول فسلجة علم وظائف الاعضاء الدماغ علم واقعي واحد بمعنى لا يقبل النقض أن يكون غير كتلة رمادية داخل جمجمة الانسان والحيوان فهي كتلة ثابتة عضوية لكنها تقبل إجراء ما لا حصر له من حقائق جزئية تحسب على الدماغ في مراجعتها ونقدها إنما نتوخى ضرورة معرفية افتراضية غيرها. المفهوم هو مطلق ميتافيزيقي غائم يحتمل التأويلات الاختلافية وهو غير الشيء الانطولوجي المدرك تجريدا معرفيا. كل مصطلح متفق عليه هو جزء من مفهوم غير متفق عليه. ومرجعية الاتفاق على مصطلح أو مجموعة مصطلحات هو المفهوم الاشمل منها والذي يحتويها.

أما صدق كل حقيقة علمية وغير علمية لا تتوقف على قبول الناس لها أو رفضها فهي مقولة صحيحة تماما لا تحتاج برهان تحققها. فالحقيقة واقعة تفرض نفسها بالعقل والتجربة ولا مجال الطعن بمصداقيتها من قبل الناس حسب أهوائهم وأمزجتهم. فلغة العلم هي عبر كل الازمنة والعصورغير لغة الناس. والعلم وتفكير الناس يتقاطعان في ثبات صدقية تجارب العلم وتخلف تفكير الناس دوما.

2- "الفصل أي القول بالتمايز الحاد بين النظريات العلمية وبين غيرها من معتقدات".6 طبعا لا يمكن تصور تداخل النظريات العلمية مع المعتقدات الدينية والاجتماعية التي لها شأن آخر لا تقترب من منهج العلم الطبيعي التجريبي. لذا دائما ما تكون حقائق العلم خاصة وليست مجتمعية عامة يفهم أهميتها مجموع الناس التي وجدت من أجل خدمتهم. بل هي خاصية مجهودات فردية لعلماء في مختلف التخصصات.

3- " التراكمية : التطور المعرفي حسب توماس كون هو عملية اضافات حيث تضاف معارف جديدة الى معارف قديمة على نحو ميكانيكي وكانها اضافات عددية يكمل البناء باطراد"7. هذه العبارة تنسف جذريا مقولات زميله كارل بوبر التي ثبتناها في سطور سابقة بمرجعية توثيقها. ونحن كنا اشرنا توضيح صحة هذه المقولة العلمية التي جاءت متأخرة على تصحيح فكرة كارل بوبر.. الذي ينكر أن تكون هناك نسقية علمية في سلسلة ترابط لا يلغي الجديد خبرة التراكم القديمة.

4-  "النظريات النهائية استدلالية "8. بمعنى نسبية النظريات العلمية في حمولة امتلاكها الصواب والخطأ معا، فهي تمتلك قدرة الاستدلال التنبؤي السابق بغيرها القادم. ولا بد أن يكون لكل نظرية علمية آفاقا مستقبلية تتقبل النقد وتفتح قابلية الاستدلال بها على غيرها من حقائق علمية تكملها أو نوعية تتجاوزها.

5- "المفاهيم العلمية دقيقة ومحددة ذات معنى اصطلاحي ثابت"9 . الفرق بين المفهوم والمصطلح بصورة عامة هو أن المفهوم مطلق غير متحقق. المصطلح فقط له دلالة علمية قطعية ثابتة زمكانية. المفهوم لا يتحول الى مصطلح ثابت بل يكون هو أي المفهوم على الدوام مرجعية كل مصطلح. سبق لنا توضيح هذا في اسطر مررنا بها.

6- "في النظريات العلمية يوجد سياق للتبرير وسياق للاكتشاف. اي هناك تمايزا بين الملابسات النفسية او الاجتماعية للاكتشافات، وبين الاساس المنطقي لتبرير الاعتقاد في الوقائع المكتشفة ".10

دائما ما تحدث سياقات الاكتشافات العلمية خرقا كبيرا في سياق تقاطع التبريرالسيسيولوجي القائم على اختلاف معتقدات الناس وتقاطع اكتشافات النظريات العلمية معها ومع نفسيات واستيعاب تفكير وامزجة افراد المجتمع. والعلم غالبا ما يتحاشى التقاطع معها لكنه لا يعطي تنازلات لاخطاء مجتمعية متخلفة. فالمعتقدات الخاطئة معركة عوامل إعاقة في تضييع مجهودات العلم. لكن تبقى حقائق العلم تفرض نفسها بمرور الوقت بغض النظر عن تقاطع التبريرات المجتمعية لها وحتى رفضها.

مفهوم الثورة في العلم

يؤكد برنار كوهن جذورا تاريخية لمفهوم الثورة في العلم، حيث ومنذ ثلاثة قرون مضت يوصف التغيير العلمي بوصفه تتابعا في الثورات، وبعد قيام الثورة الفرنسية عام 1789 سيطر المعنى الجديد للثورة "اي التغيير الجذري البعيد عن الانماط التقليدية المقبولة من الفكر والاعتقاد والعقل والسلوك الاجتماعي أو التنظيم السياسي أو الاجتماعي"11

كما ويؤكد فلوريس كوهن "هناك اتجاهان مختلفان حول مفهوم الثورة في العلم، الاتجاه التراكمي، والاتجاه التغير والانتقال الثوري" 12

اشرنا سابقا الى أن الاتجاه التراكمي يقوم على سلسلة ترابط الخبرة التراكمية القائمة على وسائل اضافات علمية وخبرات جديدة وتحسينات مستمرة لما سبق وكان مراحل من مسلمات علمية سادت فترات زمنية قبل حلول إندثارها وتجاوزها بعد أن كانت لا يطالها الشك والنقد من قريب أو بعيد. وهذه النظرية على خلاف أفكار كارل بوبر في فلسفة العلم لها العديد من الفلاسفة المؤيدين لهذه النظرية.

وفي تاكيد تاريخية هذا الاتجاه في فلسفة العلم ظهر في ثلاثينيات القرن التاسع عشر الفيلسوف وليم هيول 1866 – 1794 في كتابته سفر فكري تنظيري في فلسفة العلم يقع في ثلاثة مجلدات بعنوان " تاريخ العلوم الاستقرائية  وفلسفة العلوم الاستقرائية " حيث يرى "أن تقدم العلم يتم عن طريق التعميم المتوالي من الحقائق الجزئية الى الحقائق العامة بحيث لا يسقط الحقائق القديمة أبدا، بل يتم تعديلها عن طريق الاكتشافات المتتالية بحيث تصبح جزءا من المعرفة لا تلغي ولا تعارض الحقائق القديمة لكن تمتد ويتوسع فيها. وربما يظهر كل عام تاريخ من تتابع الثورات الذي هو في حقيقته سلسلة من التطورات" 13

وأظهر بيير موريس دوهيم 1866- 1916 تاكيده معارضة الوضعية المنطقية، أن النظرية العلمية لا تفسر فقط، بل وتصف القوانين التجريبية، واهم إنعطافة فلسفية جاء بها هو العلاقة الترابطية التخارجية بين التجربة العلمية والنظرية. اذ إعتبرهما دعامة كل ثورة تقدمية علمية في تخارج معرفي متبادل بين النظرية والتطبيق الذي يعتمد التجربة المتحقق منها. وبغير هذا الترابط في إعتماد هداية النظرية وقيادتها التجربة  تسقط إحداهما أو كلاهما في مطب الخطأ القاتل." 14. وهاجم بشكل محدد الفكرة القائلة أن العلم يتطور عن طريق سلاسل من الاكتشافات المفاجئة غير المتوقعة، مؤكدا أهمية تراكم الخبرة العلمية ودورها الكبير في استحداث كل تجديد.

أما أصحاب إتجاه التغيير الجذري في فلسفة العلم، فقد ذهبوا الى "أن الثورة بالعلم تتضمن كل الانفصال السابق بالعلم، والتحول الى نظام ونسق جديد مختلف تماما بالخروج على كل قديم مالوف. والثورة بالعلم تعني تقدما مكثفا شديد الفعالية. وانتقال جذري من مرحلة الى اخرى اعلى منها. وابرز علمين وفيلسوفين رفعوا راية هذا الاتجاه هما كارل بوبر وتوماس كون.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش:

فلسفة اللغة عند نعوم تشومسكي، د. هناء صالح.

1 – 14 اقتباسات نصية من الصفحات 57 – 61.

 

 

علي رسول الربيعيإنه من المهم أن ندرك عندما نتحدث عن "الخير" ليس الخير أو الخيرات الموضوعية عموما قيمًا أخلاقية، ولكنها أشياء تجعل الحياة جديرة بالاهتمام؛ صفات تجعل الأنشطة وأشكال الحياة مرغوبة؛ أنها، على حد تعبير فينيس، "أشكال من الازدهار البشري".

وأنه من المهم أيضًا أن ندرك ايضأ  أن "الموضوعية" هنا تعني شيئًا مثل "الخير بغض النظر عن الرغبة". الخير الموضوعي ليس شيئًا قد تتعثر فيه: إنه شيء خيًر، سواء كنت ترغب فيه أم لا. وهكذا يمكن أن نقول إن التعليم خير مثلا، وحقيقة أنه خير يعطي المرء سببًا للرغبة فيه، وبمقابل ذلك، فإن الخيرات الذاتية هي أشياء خيرة لأنك ترغب فيها فقط.

يسرد فينيس سبع خيرات موضوعية أساسية وهي: الحياة، والمعرفة، واللعب، والخبرة الجمالية، والصداقة (أو التواصل الاجتماعي)، والعقلانية العملية، والدين. لا تشكل هذه الخيرات تسلسلاً هرميًا وكلها أساسية بالقدر نفسه.

كيف نعرف أن هناك بالفعل هذه الخيرات الموضوعية المتنوعة؟ يعتقد فينيس أنه لا توجد طريقة لاستنباط الخيرات من شيء أكثر جوهرية منها، لأن هذه الخيرات تشغل موقفًا بديهيًا في عقلنا العملي بنفسها. بدلاً من ذلك، علينا أن نفكر مليًا في ارتباطاتنا الخاصة في العقل العملي، وأن نفكر فيما إذا كانت هذه الارتباطات ليست في الحقيقة مفهومة من خلال ارتباطها بالخيرات الموضوعية المختلفة. يجب أن نفكر في قراراتنا الخاصة للقيام بهذا أو ذاك، بناءً على أسباب الافعال التي نقدمها للآخرين ("يجب عليك الإقلاع عن التدخين" على سبيل المثال)، والطريقة التي نوضح بها تصرفات الآخرين (" لقد توقف عن التدخين حرصا على صحته "). سنرى بعد ذلك أن استدعاءات أسباب الفعل هذه مرتبطة كلها في النهاية، بطريقة أو بأخرى ، ليس بالرغبات، ولكن في الخيرات الموضوعية المتنوعة.

يدعي فينيس أن الخيرات الموضوعية بديهية. فمن البديهي، على سبيل المثال، أن المعرفة أفضل من الجهل. هذا لا يعني أن الأمر واضح بذاته، أو أن الجميع يتفقون على خيرية المعرفة. ولكن الخيرات  الموضوعية مفترضة مسبقًا بأي شيء يمكن اعتباره حجة للعقل العملي. تفترض التحقيقات النظرية للعلم مبادئ معينة للعقلانية النظرية؛ تلك المبادئ التي يفترضها أي شيء يمكن اعتباره دليلاً. وبالطريقة نفسها لا يمكن للمرء أن يثبت أنه يجب متابعة الصداقة: لأن خير مثل الصداقة ستفترضها مسبقًا أي حجة تسعى إلى تقديم أسباب للفعل. إن تقديم سبب لقيام شخص ما  بفعل هو دائمًا كشف كيف يرتبط الفعل بخير موضوعي. يترتب على ذلك أنه لا يمكن للمرء أن يقدم أسبابًا للسعي وراء الخيرات الموضوعية: أي شخص لا يستطيع حقًا فهم الأهمية التي يجب أن تتمتع بها مثل هذه الخيرات لسلوكه هو ببساطة غير معقول.

يقدم فينيس حجة إضافية فيما يتعلق بالخير الأساس للمعرفة، أنه يدعي أن إنكار كون المعرفة خير أساسي يدحض نفسه بنفسه. إذا أنكرت أن المعرفة خير، فلا بد أن أؤمن أن إنكارى  جدير بالأهتمام. وعندما أخبرك أن المعرفة ليست خير، يجب أن أؤمن أن موضوع المعلومات هذا (أي أن المعرفة ليست خير) يستحق الحصول عليها. وهكذا، في إنكار أن المعرفة خيرة، أفترض أيضًا أن المعرفة  خيرة: وبالتالي فإن إنكاري هو دحض ذاتي.

من المشكوك فيه أن تكون هذه الحجة الأخيرة (حول المعرفة) ناجحة. قد ألتزم بتقديم هذه المعلومات أو تلك، بالحكم على أنها  تستحق الحصول عليها. لكنني لست ملتزمًا بالحكم على أن المعرفة خير موضوعي. قد أعتبر أن المعرفة ذات قيمة مفيدة فقط، عندما تساعدنا في تحقيق أهدافنا الأخرى دون إهدار الجهود. قد أعتبر أن  من الجدير معرفة أن المعرفة في حد ذاتها ليست خيرة موضوعيا لأن هذا سيوفر الجهد الضائع في اكتساب المعرفة غير المجدية. إن افتراض أن موضوع المعرفة هذا خير (من الناحية الذرائعية) ، لايعني أنا ملتزمًا بالرأي القائل بأن كل المعرفة خيرة في حد ذاتها.

لنفترض، على سبيل المثال، أنني وجدتك تحفظ لوحات أرقام السيارات في الشارع ، وتشعر بقلق شديد لأنك تستمر في نسيانها. عندما أسألك عن سبب قيامك بذلك، فأنت تقول ذلك لأن المعرفة خير في حد ذاتها، ومعرفة لوحات أرقام السيارات هي مثال على المعرفة. أقول لك أن المعرفة ليست خير في حد ذاتها ، بل هي فقط خيرة من النحية الذرائعية؛ وأنك تضيع وقتك وتعاني الكثير من الألم في السعي وراء المعرفة التي لا قيمة لها. عندما  اقول لك هذا أخبرك، فأنا ملتزم بالتأكيد فيما يتعلق بالمعلومات التي قدمتها لك (أي أن المعرفة ليست خيرة في حد ذاتها) على أنها ذات قيمة. لكني أعتبرها ذات قيمة من الناحية  الذرائعية (فهي توفر عليك من إضاعة وقتك): أنا لست ملتزمًا برأي أنها خيرة في حد ذاتها.

  حتى لو فشلت الحجة الخاصة المتعلقة بخيرية المعرفة، فإن الحجة الأكثر عمومية التي يقدمها فينيس لديها قدر كبير من المعقولية. ننخرط بانتظام في التفكير العملي، فنحن نتداول بشأن ما يجب أن نفعله بعد ذلك، والأهداف التي يجب أن نسعى إليها على المدى الطويل؛ ونتساءل لماذا يتصرف الآخرون بهذه الطريقة أو تلك، ونسعى لفهم سلوكهم من حيث سبب تصرفهم؛ وأحيانًا نخبر الناس أنه "يجب" عليهم فعل هذا أو ذاك، سواء لأسباب أخلاقية أو احترازية. نعتمد في كل هذه السياقات، على فهمنا للعقل العملي، ونفترض مسبقًا معايير معينة غير مذكورة للعقل العملي. لتقييم حجة فينيس، يجب أن نفكر في هذه الارتباطات المألوفة في العقل العملي، ونحاول تكوين وجهة نظر حول المعايير التي يتم استدعاؤها ضمنيًا. عندما نفعل هذا، فمن الممكن تمامًا أن نجد بعض الخيرات الموضوعية لها مكانة بديهية في ممارسات العقل العملي. إن ادعاء فينيس بأن الخيرات "بديهية"  بذاتها هو في جوهره ادعاء بأن الخيرات تتمتع بمثل هذه الحالة البديهية.

يجب أن يسأل أولئك الذين يعترضون على أن فينيس لا "يثبت" أن هناك خيرات موضوعية أنفسهم ما الذي يعتبرونه دليلاً. إذا كانوا يعنون بالدليل أنه يجب استنتاج الخيرات من شيء أكثر جوهرية، فإنهم يعتمدون على فكرة "الدليل" التي تتعارض بوضوح مع فكرة أن الخيرات لها وضع بديهي: فلا يمكن استنتاج بديهية من أي شيء أكثر أهمية. لكن هذا لا يعني أن ادعاء فينيس هو مجرد تأكيد لا أساس له من أنه يمكننا إما قبوله أو رفضه كما نختار. لتقييم حقيقة نظرية الخيرات الموضوعية، يجب علينا أن نفكر مليًا وضميرًا في ما نفعله بأنفسنا عندما نفكر في أسباب الفعل التي لدينا نحن والآخرون: هل تستند هذه المطالبات إلى العقل العملي دائمًا في نهاية المطاف إلى مطالبة ضمنية لواحدة أو أخرى من الخيرات الموضوعية؟

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.......................

 المصادر

Finnis, J. Aquinas (Oxford: Oxford University Press, 1998).

Finnis, J. Fundamentals of Ethics (Oxford: Clarendon Press, Finnis, J. Natural Law and Natural Rights (Oxford: Oxford University Press, 1980(.

  George, R. In Defense of Natural Law (Oxford: Oxford University Press,

1999).

 George, R. Making Men Moral (Oxford: Oxford University Press,1993).

 Murphy,M.C. Natural Law and Practical Rationality (Cambridge: Cambridge University Press, 2001).

 Murphy, M.C. Natural Law in Jurisprudence and Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 2006).

 

حاتم حميد محسنيُطلق تقليديا على الفلاسفة المتخصصين بالميتافيزيقا بالانجليزية ميتافيزيقيون وبالفرنسية metaphysicien، وبالألمانية ميتافيزيكير. ربما أغلب الميتافيزيقيين الأنجلوامريكيين يعتقدون ان مشاكل الميتافيزيقا يمكن التعامل معها كمشاكل في اللغة، يمكن حلها بالتحليلات المفاهيمية. انهم فلاسفة في تحليل اللغة. آخرون متخصصون بمنطق الضرورة والاحتمال modal logic، حيث يعتقد البعض منهم ان منطق الضرورة والاحتمال هو ميتافيزيقا. لكن اللغة فيها من المرونة الشديدة والغموض الكبير والمجاز الكثير، بحيث لا ترقى لتكون أداة تشخيص ميتافيزيقية. لذا يجب ان نذهب الى ما وراء لعبة اللغة والألغاز المنطقية نحو المعلومات الأساسية المتضمنة في المفهوم، والى الشيء الذي يمثل مفهوما غير مادي.

الأغلبية الساحقة من الميتافيزيقيين اليوم هم طبيعيون naturalists. هم يعتقدون بان كل شيء يمكن توضيحه بما يسمونه "قوانين الطبيعة". هم يأخذون تلك القوانين باعتبارها قوانين الفيزياء الكلاسيكية، لأن هناك القليل منْ يفهم فيزياء الكوانتم الحديثة. حتى العديد من الفيزيائيين يُصابون بالحيرة والإضطراب تجاه مظاهر ميكانيكا الكوانتم الغير مألوفة، والتي قادت الى العشرات من التفسيرات لميكانيكا الكوانتم.

الشيء الأكثر إشكالية اليوم، هو ان الميتافيزيقيين هم ماديون، بما في ذلك الماديون الأقصائيون الذين يعتقدون ان لاشيء هناك سوى المادة. هم يعتقدون بان ما موجود هو الأشياء المادية فقط. الإستثناء الوحيد من هذا هم الميتافيزيقيون الدينيون الذين لازالوا يبحثون عن الله والأرواح الخالدة.

المادية هي الادّعاء بان لاشيء في العالم وراء المادة (بما في ذلك الطاقة)، وان كل شيء يتبع "قوانين الطبيعة" وان هذه القوانين هي سببية وحتمية. لذا فان "ما فوق الطبيعة" يعني "الغير مادي" و حرية خرق قوانين الطبيعة. فلسفة المعلومات تنكر مافوق الطبيعة. لكنها تدافع عن المعلومات غير المادية كتلك التي تشكل روح الانسان . وهي تدافع عن الحظ الانطولوجي كمولّد للإمكانات الجديدة التي لا تتقرر بـ "الماضي الثابت"، فاتحة الباب للرغبة الميتافيزيقية الحرة.

الخلفية التاريخية

تدل الميتافيزيقا على عدة أشياء في تاريخ الفلسفة، لكنها لا تبتعد عن القراءة الحرفية لـ "ما وراء الطبيعة". المصطلح جرى اختراعه في القرن الاول قبل الميلاد من قبل رئيس المدرسة المشائية الأرسطية، اندرونيكوس Andronicus . اندرونيكوس راجع ورتّب أعمال ارسطو، معطيا اسم ميتافيزيقا "الى الكتب التي جاءت في الترتيب وراء الفيزياء"، ربما هي الكتب التي تُقرأ بعد قراءة كتب ارسطو في الطبيعة، التي اسماها الفيزياء. الطبيعة لدى اليونانيين هي الفيزياء، لذا فان الميتافيزيقي هو ايضا "ما وراء الطبيعي".

ارسطو لم يستخدم ابدا كلمة ميتافيزيقا. بالنسبة لإفلاطون (معلم ارسطو)، اعتبر عالم الأفكار المجردة هو أكثر "واقعية" من الطبيعي او الأشياء المادية الملموسة، لأن الأفكار تدوم اكثر (وجود بارمنديس)، بينما الاشياء المادية تتغير باستمرار (تحولات هيرقليطس).

في القرون الأخيرة، أصبح الميتافيزيقي "وراء المادي". اصبحت الميتافيزيقا تعني دراسة الأشياء اللامادية مثل الذهن، الذي قيل بانه يشرف على الدماغ المادي. الميتافيزيقا نوع من المثالية، وهي في تناقض حاد مع المادية. والميتافيزيقا فشلت قياسا بالنجاح الكبير للمادية، وهي الفكرة بان قوانين الطبيعة وحدها توضح تماما محتويات الكون. بالنسبة للمادي الأقصائي والفيلسوف الحتمي، الذين يعتقدون ان لاشيء هناك عدى المادة، جرى رفض الميتافيزيقا كهراء.

ان كتب ارسطو التي اعتبرها اندرونيكوس "وراء المادة" تضمنت "الفلسفة الاولى لارسطو" – انطولوجي (علم الوجود)، الكوزمولوجي (العمليات الاساسية والاسباب الاصلية للاشياء المادية)، والثيولوجي (الإله المطلوب كـ "سبب اول"؟).

فيزياء ارسطو تصف الأسباب الاربعة او "توضيحات" التغيير والحركة في الاشياء الموجودة سلفا في الكون (السببان الشكلي والنهائي مقابل السبب المادي والسبب الفعال). ميتافيزيقا ارسطو يمكن النظر اليها كتوضيحات للوجود ذاته. ماذا يوجد؟ ماهي العمليات التي تجلب الاشياء الى (وخارج) الوجود؟ هل هناك سبب او توضيح للكون ككل؟

في الخطاب الفلسفي النقدي، كانت الميتافيزيقا مشوهة بترجماتها اللاتينية كـ "ما فوق الطبيعة"، مع مضامينها الثيولوجية القوية. ولكن منذ البداية، مؤلفات ارسطو حول "الفلسفة الاولى" اعتبرت الله من بين الأسباب الممكنة للاشياء الاساسية في الكون. في تعقّبه لسلسلة الاسباب رجوعا في الماضي كحلقات غير متناهية، افترض ارسطو السبب الاول او "السبب غير المسبب" – حيث كل حركة تحتاج الى محرك سابق لتوضيحها، هو افترض وجود "محرك أول غير متحرك". هذه الافتراضات اصبحت عنصرا رئيسيا في الثيولوجي نزولا الى العصر الحديث. الميتافيزيقا هي قسم من الفلسفة تتضمن انطولوجي، او علم الاشياء. المعنى الاساسي للميتافيزيقا مشتق من تلك النقاشات التي خاضها ارسطو الذي هو ذاته أطلق عليها سم الفلسفة الاولى او الثيولوجي، والتي تتعامل مع طبيعة الوجود ، ومع اسباب اولى، بدايات جديدة او أصلية، وهكذا مع وجود الله.

بالنسبة لفلاسفة القرون الوسطى، كانت الميتافيزيقا تُفهم كعلم ما وراء المحسوس. البرتوس ماغنوس Albertus Magnus سمىاها علم ما وراء الطبيعي. توما الاكويني اختزلها الى ادراك الله. جون دونس سكوت لم يوافق على ذلك، مجادلا ان دراسة العالم وحدها يمكن ان تنتج معرفة في الله. أغلب الفلاسفة المدرسيين أعاد الميتافيزيقا الى دراسة الوجود ذاته، او، انطولوجي، والذي مرة اخرى اليوم هو الحقل المركزي في النقاشات الميتافيزيقية. في آلمانيا النهضة، وسّع كرستيان وولف الميتافيزيقا لتتضمن علم النفس، الى جانب الانطولوجي، والكوسمولوجي، والثيولوجي الطبيعي او العقلاني. في انجلترا النهضة، ضيّق فرنسيس باكون الميتافيزيقا الى الدراسة الارسطية للأسباب الشكلية والنهائية، حيث فصلها عن الفلسفة الطبيعية التي اعتبرها دراسة الاسباب الفعالة والمادية. ديكارت تحول من التركيز على ما موجود الى معرفة ما موجود. هو غيّر التأكيد من دراسة الوجود الى دراسة شروط المعرفة او الابستيمولوجي. بالنسبة للتجريبيين في انجلترا مثل جون لوك وديفد هيوم، تتضمن الميتافيزيقا الاشياء "الاساسية" التي وراء علم النفس و التجارب الحسية "الثانوية". هم انكروا ان المعرفة ممكنة بعيدا عن التفكير التجريبي والرياضي. هيوم اعتقد ان الميتافيزيقا سفسطة ووهم.

"اذا أخذنا بأيدينا اي كتاب في الإلهية او المدارس الميتافيزيقية، مثلا، دعنا نسأل، هل هو يحتوي على أي تفكير تجريدي يتعلق بالكمية او الأعداد؟ كلا. هل هو يحتوي على أي تفكير تجريبي يتعلق بمسائل الحدوث الحقيقي والوجود؟ كلا. اذاً ضعه في النار لأنه لا يحتوي على أي شيء سوى السفسطة والوهم". (تحقيق يتعلق بالفهم الانساني، قسم 12). غير ان البعض يرى ان تحقيق هيوم ذاته حول الفهم الانساني لا يقع تحت أي من الصنفين الجيدين، فهل هو كان غافلا عن المفارقة التي وقع فيها؟

 

حاتم حميد محسن

 

مصدق الحبيبمفهوم الجمـال ونطاق دراستـه

يتمحور مفهوم الجمال Aesthetics في الدراسات الفلسفية حول كل ما يثير الحواس ويلهب المشاعر الانسانية، وهو بالتالي مفهوم ينبثق من صلب الادراك والتصوّر ليمثل عنصرا مهما من عناصر الرؤية الفنية للكون. وغالبا ما تؤلف جوانب الشكل والصياغة والبناء والعرض الحصة العظمى فيما يتعلق بإثارة الحواس من الاشياء والموجودات التي نراها ونتحسسها، بضمنها الاعمال الفنية والادبية وما تجود به الطبيعة وما ينتجه الانسان. ولاريب في ان هذه الجوانب الظاهرية تختلف اختلافا نوعيا عن الجوانب الداخلية المتعلقة بمحتوى تلك الاشياء ودلالاتها الضمنية وقيمها الاستعمالية. على ان تسمية علم الجمال، التي تُعرّب احيانا بـ "الاستطيقا" مشتقة من الكلمة الالمانية asthetisch المستعارة بدورها من الاصل الاغريقي الذي يعني "الشخص الحساس". اما حصة الفلسفة من الجمال فهي مهمة الاضطلاع بتقصي نشوء هذه الظاهرة (أي ما يعتبره ومالا يعتبره الانسان جميلا) وتفسير تغييراتها وحصر العوامل التي تؤثر في نشوئها وتطورها.

كان اول من استخدم مفهوم الجمال بمعناه الحالي هو الفيلسوف الالماني الكساندر بومكَارتن في كتابه الموسوم بنفس الكلمة والمنشور عام1750 . اما استخدام الكلمة في اللغة الانكليزية فقد جاء متأخراً نسبياً، وذلك عندما نشر جي برنارد ترجمته لكتاب الفيلسوف كانت Kant  الموسوم "نقد قوة الاحكام" عام 1892. كما يشمل المنهج الفلسفي للجمال دراسة طبيعة وعمل قوانين الظاهرة وتمحيص الاسباب المتعلقة بما يقرر ما هو جميل في الفن والطبيعة، اضافة الى دراسة الملكات الانسانية والاستعدادات الشخصية لتذوق الجمال ومديات التمتع به.

ولهذا ينقسم نطاق دراسة مفهوم الجمال الى قسمين رئيسين:

-الجانب الاستهلاكي: وهو الجانب المتعلق بالمتلقي، والذي يتركز على قضايا تذوق الجمهور وتقديره للقيمة الجمالية في الاعمال الفنية والادبية وفي الاشياء والموجودات الاخرى.

-الجانب الانتاجي: المتعلق بإمكانيات خلق وصناعة ما يدور حوله الجدل الجمالي، وهو الجانب الذي يضطلع به المبدعون من الفنانين والادباء والموسيقيين وغيرهم، بافتراض اقتصارنا على مفهوم الجمال في الفن والادب. ويتشعب هذان القسمان بدورهما الى اجزاء فرعية مترابطة من الدراسة والبحث: فيتفرع على سبيل المثال قسم المتلقي الى دراسة موضوع الذائقة وعملية التذوق وميكانيكية استلام التاثيرات الحسية والاستجابة لها، والانعكاسات النفسية المتعلقة بها، والذي بدوره يدرس من جانبين مختلفين:

- الجانب السايكولوجي المتعلق بطبيعة وأصل المشاعر و وتغير الاحاسيس وحالات الادراك، و

- الجانب الميتافيزيقي المتعلق بتحليل الشكل والمحتوى وعلاقة الجمال بالنوعية والجودة ومدى تمثيلهما للحقيقة وانطباقهما على الواقع.

اما القسم المتعلق بحقل الانتاج فيتفرع الى دراسة ظواهر الخلق والابداع والعبقرية والكفاءة والمهارات والتدريب والممارسة، ولابد ان يقود ذلك الى دراسة طبيعة ووظيفة الفن والادب، ومقومات ما هو مثالي او حقيقي أو زائف من الانتاج الفني والادبي. وتتعدى تلك الدراسات هذه الميادين لتصل الى تحليل الاخلاق والالتزام، فضلا عن دراسة اتجاهات ومدارس الفن وفلسفة التربية والتعليم في حقول الابداع، وفي مجالات تطوير الكفاءات والتنظيم والتدريب.

تطور الجدل الفلسفي حول مفهوم الجمال

تعتبر مساهمات الفلاسفة الاغريق من اولى المساهمات المسجلة تاريخيا في مناقشة موضوع الجمال ومعاييره. ولاتزال اغلب طروحاتهم تمثل مصدرا اساسيا للكثير من الافكار والنظريات في علم الجمال حتى يومنا هذا. كان سقراط اول من سبر اغوار هذا الموضوع بأفكاره القاضية بتطابق وتماثل وتزامن مفهومي "الجمال" و"الجودة"، فكل جميل يجب ان يكون جيدا، وكل جيد لابد ان يكون جميلا، على ان كليهما ينضوي تحت مظلة "الفائدة والقيمة". وبهذا يكون سقراط قد ربط الجمال بالقيمة الاستعمالية للاشياء واشترط فيه الاستجابة الى الحاجة العقلانية التي يسعى الانسان ابدا الى اشباعها. أضافة الى ان سقراط كان يؤمن بنسبية الجمال ، اذ ليس هناك جمالاً ذاتياً لديه من دون تدخل العقل المدرك.

أما افلاطون فقد كان يؤمن بالجمال المطلق المتأصل في الاشياء بشكل ضمني. وكان قد حدد عناصر الجمال الاولية بمجموعة من الصفات شملت التناسب والتناغم والانسجام والاتحاد والتكامل التي قد تجتمع وتتظافر معا، على سبيل المثال، في ظاهرة بسيطة مثل استقامة وسلاسة وانسياب خطوط شكل ما ونقاء لونه.

وقد مثل أرسطو مرحلة اكثر جدية في التحليل العلمي للجمال حين اختلف مع سابقيه في منطلق اساسي هو فصل الجميل عن الجيد وإبطال العلاقة المشروطة بينهما، ذلك انه لم يجد اية ضرورة لهذين المفهومين ان يلتقيا أو يشير احدهما الى الاخر. فالجيد لدى ارسطو يتطلب الفعل وغالبا ما يكون مقرونا بالعمل الوظيفي. وقد يكون الجميل جمادا لا فعل له ولا يمكن ان يناط به عمل ما. وبالنسبة لترتيب الاولويات، يضع أرسطو الجميل قبل الجيد، كما يضع كليهما قبل قيمة الاشياء وضروراتها. أما العناصر العامة للجمال فكانت تتمثل له في النظام والتناسق والتماثل والتحديد والوضوح اضافة الى نسبية حجوم الاشياء واولويات اهميتها. وقد مثل أرسطو قفزة نوعية عن سابقيه في صياغته لفلسفة الفن، إذ اعتبر وظيفة الفن الاساسية هي تزويد الناس بالمتعة الصافية دون اعتبار القيمة الاستعمالية، وصنف مجالات الابداع الفني حسب اهميتها واضعا الشعر في مقدمة القائمة ومعتبرا اياه اكثر جدية، بل حتى اكثر تفلسفا من الفلسفة. وقد رأى بلوتينس الجمال المطلق متركزا في مجالات الخلق والابداع، فهو الذي تصور بان الاشياء التي لا تطالها يد المبدع لا يمكن ان تكون جميلة بالمرة. وكان قد حدد ثلاثة مجالات لتجسيد الجمال: الجمال الانساني المادي الذي منحه أعلى الدرجات، والجمال الانساني غير المادي أو الروحي، وجمال الجماد المادي الذي أعطاه أدنى الدرجات. أما معياره الجمالي الاساسي فيكمن في بساطة وتماسك وتمامية الاشياء وعدم نزوعها الى التجزؤ والتقسيم.

القفزة النوعية الاخرى في فلسفة الجمال تحققت في افكار كانت الثورية التي رفض بموجبها الوجود الموضوعي للجمال معتبرا اياه مفهوما ذاتيا بالدرجة الاولى.  يعتقد كانت ان وعي المرء بجمال ما من حوله يتأتى اولا من تأمله الدقيق للاشياء، وثانيا من حصول التوافق والانسجام بين ادراكه وتصوره من ناحية وبين ميزات تلك الاشياء المادية وغير المادية من ناحية اخرى. فحين نتأمل الاشياء التي من حولنا ونقرّ بأنها جميلة او قبيحة، فإن مثل تلك الاحكام تترتب تبعا لما تقتضي طبيعة فهمنا لهذه الاشياء واتجاهات تصوراتنا لها. وعندئذٍ، يمكن التأكيد بأن مصدر الجمال ليس في الاشياء التي نرى بذواتها انما في انعكاس شأن تلك الاشياء في اذهاننا وبناءً على تصوراتنا. وأول مايترتب على ذلك هو ان الاحكام لابد ان تكون فردية شخصية لتمثل اختلافات تلك الانعكاسات تبعا لاختلافات الاشخاص. فما يراه فلان جميلا قد يراه علان اقل او أكثر جمالا، وبالإمكان ايضا ان يبدو ذلك الشيء نفسه قبيحا لشخص ثالث. ويتفق كانت مع بومگارتن في اعطاء اولوية الجمال الى الطبيعة التي تجسد عندهما اسمى آيات الابداع، فيما يأتي الفن في المرتبة الثانية باعتباره تقليدا للطبيعة. واستنادا الى هذه النظرة، يصبح، على سبيل المثال، مدى فوتوغرافية العمل التشكيلي المعيار الجمالي الاسمى في التشكيل. كما يصبح بنفس التحليل مدى تطابق احداث وشخوص الرواية او القصيدة على احداث الواقع هو المعيار الجمالي الامثل في الادب.

وكان المعيار الجمالي الاساسي عند هيگل هو معيار "المثالية" المتجسد عبر الوسائل الحسية. فالجميل هو الكامل التام المتحد. وهذه هي المرة الاخرى التي يتم فيها التأكيد على وحدة الاجزاء وتكاملها كمقياس لماهو جيد وجميل. فلا يمكن للمتجزئ والمتعدد والمتباين ان يكتسب صفة الجمال الا بالاتحاد والالتصاق والشمول الانسجامي باتجاه الصيغة النهائية المثلى التي تضفي على النتيجة النهائية صفتي الروعة والجودة. واذا كان هذا معيار المثالية، فان معيار الواقعية سيكون متمثلا بتعدد واختلاف وتباين الاجزاء وعدم ارتباطها او توافقها مع بعضها او انصهارها في وحدة واحدة. ويختلف هيگل عن سابقيه في موضوعة اسبقية الطبيعة على الفن وذلك بإعطاء المقام الاكبر للجمال الفني واعتبار جمال الواقع المستمد من الطبيعة تجسيدا فائقا للوحدة والتكامل بين الافكار والحقائق الواقعية.  وبالإضافة الى احاطة الفن بقدسية خاصة واعتباره اول مراحل الروحانية، فان هيگل يقدم الفن بموجب منهجه الدايلكتيكي باعتباره الحقل الذي يضطلع بمهام تعويض ما تفتقر اليه الطبيعة من جمال، الامر الذي يناط بالدرجة الاولى الى دور الافكار في الفن، وعلى وجه التحديد، دور الترابط بين المحتوى والشكل، ذلك الترابط الذي يأخذ درجات مختلفة يصنفها هيگل من أوطأها، كتلك المتجسدة في فن العمارة، الى أعلاها، المتمثلة في الشعر.

اما شوبنهاور فقد وضع ذاتية الجمال الكانتية على حدة، وركز على تأمل ظاهرة الجمال التي اعتبرها بمثابة الانعتاق التام للفكر من قيود الرغبة الذاتية ومحددات الاهواء الشخصية. وكان متحمسا لمسألة ان العقل النير غالبا ما يعج بالأفكار الجريئة النقية التي اطلق عليها تعبير "الهواجس الافلاطونية" والتي اذا شاء لها ان تتحرر من مداخلات الذات، فسيكون بالإمكان التمهيد للإطاحة بشقاء الحياة واطلاق العنان لأجنحة البهجة ان تسمو بانتصار باهر. وبذا يكون شوبنهاور قد اعتبر كل الاشياء في الوجود جميلة مالم تحتبس الافكار في صندوق الذات او تنطلق منه جريحة او مشوهة، وهذا ما يعرّف القبح لديه، كونه التجسيد الصادق لارتباط الافكار بالذات بطريقة مشوهة.

وبمنهج مشابه لكنه اقل بلاغة، عبر شيلر عن المعيار الجمالي كونه حالة التوفيق بين الحسي والعقلاني، طالما ان هناك ارتباطٌ مباشرٌ بين الجمال الفني وثقافة المجتمع.

وبخصوص المدرسة الفرنسية في الفلسفة، فقد نشأ الجدل حول الجمال وتطوّر عبر الحوار الطويل والمناقشة المستمرة بين الشعراء والفنانين والنقاد اضافة الى الفلاسفة. ذلك الجدل الذي احتدم اكثر فأكثر ابتداءً من نهاية القرن السابع عشر. وكان من أبرز اقطاب تلك المساجلات بوفييه وبيرو وفولتير وديدرو. ومن ابرز ماطرح في تفسير طبيعة الجمال كان من قبل الروحانيين الذين اعتقدوا بأن الجمال ظاهرة روحية لايمكن حصرها في الوجود المادي. ورغم انهم أقروا المعايير المادية مثل الحجم المناسب ووحدة البناء والتكامل وقوة تأثير اللون والمرونة الانسيابية في الشكل، الا انهم أصروا بانه لا يمكن لهذه العناصر ان تتظافر لإنتاج ما هو جميل الا اذا كانت تحت تأثير وسيطرة قوة عليا سامية غير مادية، الامر الذي أسبغ على كل طروحاتهم صفة الروحانية.

وبخلاف المدرسة الفرنسية، انصب اهتمام مفكري الجمال من المدرسة الانگليزية في الفلسفة على العملية السايكولوجية التي يتم بموجبها تفسير الجمال، فانقسم اولئك المفكرون الى قسمين:

- الحدسيون: اولئك الذين اعتبروا الجمال ظاهرة موضوعية يتم ادراكها بالبداهة.

- التحليليون، الذين اعتبروا الجمال ظاهرة اعقد بكثيرمما يمكن ان تعالج بالحدس والبديهة، بل يتطلب ادراكها الكامل التحليل العلمي الدقيق.

وكان اول الحدسيين شافتسبري الذي عرّف لنا الجمال بمفهومه العام الذي يكمن في دواخل الاشياء ويرتبط بأسس انظمتها، وذلك انطلاقا من ايمانه بأن للجمال مصدرا باطنيا، ذاتيا وروحانيا ومستقلا عما يوفره المظهر الخارجي للاشياء.  ولم ير شافتسبري في المادة اي جمال مالم تكن قد تكونت بموجب نظام دقيق محدد، وذلك على غرار الهيكل الكوني الذي يسير بنظام دقيق وتتجسد فيه الحركة والحياة بطاقة روحانية عليا، والذي اعتبره شافتسبري مصدرا أسمى للإلهام. ويتفق ريد مع شافتسبري في موضوعية الجمال غير المادية التي ترمز الى الجمال الروحاني للكون ونظامه المعقد المنسجم وتشير الى قدرة وحكمة خالقه. ويعتقد ريد ايضا بان القيمة الجمالية تتقرر باستقلالية وبمعزل عما تريد لها العقول البشرية، ذلك ان الجمال موجود من حولنا، شئنا ام ابينا، والسبب الاول في ذلك الحضور المستقل للجمال هو انعدام سيطرتنا على القوة الروحية الفوقية التي تخلقه. أما رسكن فقد ميز بين الجمال التقليدي الذي يخص المظهر الخارجي للأشياء ويمتاز بطبيعة سماوية قدسية، والجمال الحيوي النسبي الدنيوي الذي يعكس الانجاز الوظيفي الانساني. واختلف هجسن في هذا التقسيم، فصنف الجمال الى مطلق، وهو جمال المصادر الاصلية التي غالبا ما تكون مقرونة بالطبيعة، والجمال النسبي، الذي تقاس قيمته بمدى تشابه وتماثل وتقليد الاصول.

أما التحليليون فكان ابرزهم أدسن الذي اعتقد ان تأمل الاشياء بصريا هو المصدر الاساسي لمتعة التصور، تلك المتعة التي صنفها الى صنفين:

- الاستمتاع الاولي، الذي يُستحصل من التأمل المباشر للأشياء.

- والاستمتاع الثانوي، الذي يُستحصل من الافكار والخلجات والتصورات المستنبطة من جراء تأمل الاشياء.

وفي معرض تحديد ميزات الجمال المرئي يؤكد هوكارث مرة اخرى ومثل سابقيه على ضرورة انتماء الجزء الى الكل عن طريق اتساق الاجزاء المختلفة وتوافقها في إطار الكيان العام. وذلك بالإضافة الى تثمينه لمزايا الانتظام والتماثل والبساطة والتمايز والدقة، خاصة في معرض تعليقه على القيمة التشكيلية في رسم الخطوط. وكان بُرك قد أدرج هو الاخر معاييره في الجمال التشكيلي مثل صغر الحجم والنعومة والصقل والتدرج اللوني المنساب، وكذلك رقة الخطوط والنقاء والنصاعة جنبا الى جنب مع اعتدال وهدوء الدرجات اللونية.

الجمال والمتعة وقيمة الفن:

في صدد تقصي مصدر قيمة الفن ، اعتقد العديد من الفلاسفة ان ما يجعل الفن ذا قيمة هو المتعة التي يوفرها الفن للجمهور. وكان أبرز من تبنى هذا التفسير الفيلسوف الاسكتلندي ديفد هيوم في القرن الثامن عشر. على ان اقوى ما عزز هذا الاتجاه جاء بعد ظهور نظرية المنفعة في القرن التاسع عشر على يد اقطابها الاوائل جيرمي بنثم، اولا، وما تلا ذلك من تطوير تفصيلي من قبل الفيلسوف والاقتصادي الشهير جان ستيوارت مِل. وقد انطلق هذان الفيلسوفان من مسلمة ان الطبيعة وضعت الانسان بين قوتين مطلقتين متضادتين هما المتعة والالم، وفرضت عليه ان يكون باستمرار في مأزق المقارنة والخيار. وبذلك فان مبدأ المنفعة يقضي بأن" جودة ونزاهة الافعال تقاس طبقا لمديات المنفعة التي تسديها للناس وعدد المستفيدين منها". ومن هذا المنطلق توجب على الانسان النبيل والمواطن الصالح ان يسعى لتحقيق الهدف الأسمى وهو تعظيم منافع الخير للبشرية جمعاء. وكان مِل قد تفوق على بنثم بتوسيع تعريف المتعة من المعنى الفيزيائي الجسدي الى ما هو اشمل واعمق، من خلال تضمين الجوانب النفسية والروحية والثقافية والاجتماعية. كما انه صنف المتعة بحسب قيمتها الى درجات، فأعطى المتعة الذهنية والاخلاقية درجة أعلى مما اعطاه الى المتعة الجسدية الفيزيائية.

ومايهمنا في هذا المجال هو ان المتعة التي نستمدها من الفن والادب تختلف نوعيا عن المتع التي نستحصلها من اشباع حاجات الجسد والعقل مثل الجوع والحب والصداقة والامن والحرية والسلام وما الى ذلك. وإذا سلمنا بأن هذا الاختلاف يجعل متعة الفن والادب ان تكون أقرب الى متع التسلية واللهو، فهل يمكن ان نعتبر زيارة معرض تشكيلي او شراء لوحة أو قراءة رواية او قصيدة او الاستماع الى معزوفة موسيقية مساويا الى، او مقارنا مع المتعة المستحصلة من نزهة نهرية او لعبة شطرنج او مباراة بكرة القدم؟ وهذا ما دعا بعض المنظرين الى حل الاشكال بتقسيم مصادر المتعة الى خفيفة وثقيلة وتحديد مديات جديتها. وذهب بعضهم الى تدريج المتعة بتمييز العالية منها عن المتعة الواطئة، وهذا ما حفز مِل الى التركيز بأن مايحدد مدى المتعة المستمدة من الفن والادب هو النوعية وليس الكمية، الامر الذي يفسّر اختلاف التمتع المستمد مثلا من قراءة رواية لتولستوي او الاصغاء الى مقطع من سمفونيات هايدن عن التمتع الحاصل من قراءة تقرير صحفي او مشاهدة برنامج تلفزيوني. والسؤال الملح هنا هو: من ذا الذي يقرر بأن رواية تولستوي او سمفونية هايدن قادرة على تزويد القارئ بمستوى أكثر جدية او أرقي نوعية من المتعة المستحصلة من قراءة تقرير صحفي او متابعة برنامج تلفزيوني؟ وهنا يقدم مِل تفسيره لتفوق النوعية المستند على قبول الاغلبية، خاصة تلك الاغلبية المتمثلة بأولئك الذين يتمتعون بمعرفة وخبرة واطلاع في الموضوع قيد التقويم. وبموجب هذا التحليل، فأن بإمکان الرأي الجمعي أن يقرر إن كانت موسيقى چايكوفسكي أفخم وأرقى من موسيقى احمد عدوية أو أغاني سعدي الحلي لدى اكثرية الناس، خاصة اولئك الذين يمتلكون آذانا موسيقية حساسة ويواصلون سماع الموسيقى!! ولرب معترض منصف يقول ان الاغلبية في صعيد مصر أو في ريف العراق ممن لديهم آذانا موسيقية ممتازة سيفضلون عدوية والحلي على چايكوفسكي! وعندئذٍ يصعب الحكم على اي من الخيارين في ان يكون أحسن من الاخر بشكل مطلق، تماما مثلما يصعب التصريح في ان الشاي افضل من القهوة! وذلك بسبب نسبية الحكم واعتماده على من يشرب وفي أي وقت ومن أي نوعية. وفي هذا المفترق تدخل موضوعة نسبية وذاتية الاحكام الجمالية. فغالبا ما تختلف احكام الجمال، كما اشار هيوم، طبقا لاختلاف اذواق الناس وميولهم ومزاجاتهم وظروفهم. وقد تظهر هذه الاختلافات جلية في ثلاثة مجالات:

1) عبر البعد العمودي: أي ضمن مجموعة او مجتمع او ثقافة معينة

2) عبر البعد الافقي: أي فيما بين التجمعات المتعددة والمجتمعات والثقافات المختلفة، وكذلك عبر الزمن والظروف الاخرى

3) عبر البعد المتصالب: أي في مجال تطبيقات المعايير التي تضعها تلك التجمعات او الثقافات وفي تطابقها او انصافها وعدالتها لحقيقة تلك المعايير.

لنأخذ على سبيل المثال المجتمع العراقي والثقافة العراقية: يدرك المرء العاقل المطلع في ان هناك معيار جمالي ثقافي عام للتشكيل والادب يشيع في وسط المثقفين العراقيين ويتم بموجبه الحكم بصفة عامة على ما هو جيد او رديء من لوحات فنية وسط مجتمع الرسامين والنقاد التشكيليين، وما هو صالح او طالح من القصائد والقصص في وسط الشعراء والكتاب والناشرين. ومثل هذا المعيار كان قد تشكل عبر الزمن والظروف المتوالية والتجربة الطويلة والتعايش الاجتماعي والثقافي المتواصل فتناقلت الاجيال هذا المعيار وأصبح وثيق الصلة بهذه الثقافة وهذا المجتمع. ولكن إذا نظرنا الى نفس الثقافة ونفس المجموعات عبر امتداد الزمن فسوف نرى بعض الاختلافات البينة في تلك المعايير. فالنظرة على سبيل المثال لأعمال اسماعيل الشيخلي أو كاظم حيدر في الستينيات مثلا هي ليست نفسها الان، ومن الممكن جدا ان يكون تقییم هذان الفنانان لأعمالهما الستينية مختلفا تماما عن تقیيمهما لأعمالهما المتأخرة. وبنفس التحليل فأننا نشهد ظهور معايير جمالية جديدة للقصيدة النثرية مثلا ونقرّ باختلافها عن معايير قصيدة الشعر العمودي. ومن جانب الاختلافات التطبيقية في الحياة العامة فالمثال هو اختلاف تقییمات ثلاثة گاليريهات لأعمال فنان ما، او تباين تقييمات ثلاثة دور للنشر في بغداد على قصائد شاعر ما، أو اختلافها بين الموصل وبغداد والبصرة. ومن هنا ندرك بأن المعيار الجمالي لا يتغير فقط مع الاشخاص والثقافة والمكان والزمان، انما يتغير ايضا مع تغير مفهوم الفن وفلسفته والنظرة الى دوره واغراضه. ويمكننا القول بأمان بأن الزمن الحالي يشهد تراجع الفن التشخيصي والشعر العمودي والرواية السردية امام اساليب حديثة اخرى، بل انه يشهد تقادم وضمور المعايير الجمالية المتعلقة بتلك الفنون امام استحداث معايير جمالية اخرى. فلم تعد على سبيل المثال نظافة وسلاسة وهندسة الخطوط في العمل التشكيلي مهمة او مرغوبة بعد الان! بل ليس من المستغرب ان تعد من معايير النوعية الواطئة وحتى معايير القبح لدى بعض الاوساط المتطرفة! وليس غريبا ايضا ان توصف بالرداءة او الرجعية او السكونية أو التخلف عن مواكبة روح العصر كل القصائد ذات القوافي !! وهذا ما يشير الى دينامية المعايير الجمالية ويستلزم استخدامها في الظرف المناسب. كما يستلزم حظر خلط الموازين كاستعمال المعيار الاقدم مع الاسلوب الاحدث، وبالعكس. على ان تقرير اي معيار جمالي عام يكون معتمدا على الاغلبية الخاصة اكثر من اعتماده على الاغلبية العامة من الناس، بمعنى انه لابد وان تلعب الفئة المتعلمة العارفة والمتمرسة والمزودة بالفطنة والتجربة الدور الاول في رسم حدود تلك المعايير. فالفنانون ونقاد الفن التشكيلي والعارفون بالفن ومنظمو المعارض وامناء المتاحف ووكلاء العروض هم الفئة التي تقرر جمعيا وضمنيا وبشكل غير مباشر المعيار الجمالي التشكيلي في مكان وزمن ما، وليس عامة الناس. وهذه الفئات المتخصصة تكتسب وتبتكر وتحوّر عبر الزمن ادواتها الخاصة للتقييم والتي قد لا يستوعبها الجمهور العام الا في ظرف يكون فيه المستوى الثقافي والتعليمي متطورا ومنفتحا للحد الذي يسمح فيه بردم الفجوة الثقافية بين النخبة المتعلمة والسواد الاعظم. وغالبا ما تكون الاعتبارات التكنيكية هي المواد الاولية لمثل تلك الادوات الخاصة التي لا يتعامل معها الجمهور العام في معرض تمتعه بالفن.

ويستخدم حقل التشكيل، على سبيل المثال، عناصر الخط والكتلة والفراغ والتوازن الفضائي وتوزيع النور واللون بقوامه ودرجاته ودلالاته والايحاء والفنطازيا البصرية. اما الادب فقد يستعمل الادوات العروضية كالتفعيلة والوزن والقافية وموسيقى الكلام اضافة الى الصور الشعرية والتشويق واحادية اوثنائية الحوار والاشارة والاستعارة والتورية والتناص والبلاغة والبيان وتوظيف الفضاء الزمني والمكاني والسخرية والتهكم. كما يتسع تقييم النص الادبي الى تكنيكات اكثر تقدما واقل مباشرة مثل:

- تكنيك التفكير المسموع: الذي يمكّن القارئ من معرفة ما يدور في ضمير الشخوص دون الاستناد الى تصريحاتهم وحواراتهم المباشرة.

- تكنيك الكاثارسز: وهو التنفيس الفني او ما سماه ارسطو بالتطهير العاطفي والذي يحدث عندما يحسم الصراع الدرامي في النص بنفس الطريقة والتواتر التي يتمناها القارئ، وبذا يكون العمل الفني قد عبر خير تعبير عن احاسيس وهموم المتلقي وساهم في التخفيف من اعباء القارئ النفسية وازماته الداخلية.

- تكنيك الكيروسز: الذي يعبر عن حالة تكامل شخوص الرواية أو القصيدة خلال الافق الزمني المرسوم لتصبح اكثر كفاءة وفاعلية

- تكنيك الكينوسز: الذي يمكّن النص من تعظيم تأثير الغنائية الشعرية في خلق الفراغ الزمني واحداث الشعور بالسرمدية والخلود.

هناك اتجاه آخر لتصنيف المتعة المستقاة من مختلف النشاطات وهو تقسيمها الى المتعة التي تتطلب استخدام مستوىً عالٍ من الطاقات والكفاءات الذهنية، وهذه هي متعة الفن والادب, وتلك التي لا تتطلب سوى مستوىً اوطأ من التشغيل الذهني، وهي متعة الاسترخاء على شاطئ البحر مثلا. والانتقاد هنا هو: هل نساوي او نقارن قيمة الفن بقيمة لعبة الشطرنج او حل الالغاز اللتين تتطلبان طاقات ذهنية عالية؟

وبالرغم من الانتقادات العديدة التي توجه لكل جانب من جوانب هذه التفسيرات فإن طروحات نظرية المنفعة حول اقتران قيمة الفن بمستويات عليا من المتعة له ما يؤيده في نطاق واسع وعلى المدى البعيد، كما يرى كَوردن كَرام الاستاذ في كلية الملك البريطانية في ابردين في كتابه "فلسفة الفن" المنشور عام 1997، والذي يورد فيه ثلاثة هواجس حول إعتبار المتعة معياراً لقيمة العمل الفني، وعليه فإن الاغلبية من الناس عبر العصور والاجيال قد:

1) اصبح من العرف والعادة لديها اقران قيمة الفنون والآداب بمديات الاستمتاع بها.

2) وجدت بأن قيمة الفنون والآداب الجدية ذات الوزن الثقيل اعلى من قيمة الفنون والآداب العرضية ذات الوقع الاخف.

3) لاتزال غير قادرة على الحسم في ان ما يفسر قيمة الفنون والآداب العليا هو مجرد ارتفاع مستوى المتعة المستمدة منها.

ولهذا فان كَرام يستنتج بأن ما يفسر قيمة الفن الحقيقية لابد ان يكمن في مبرر آخر غير المتعة ومستوياتها.

نسبية وذاتية الجمال

دأب العديد من المنظرين على توصيف المتعة المستقاة من الفن بصفات خاصة تميزها عن سواها من ضروب الاستمتاع وتجعلها "متعة جمالية متفردة" كما يقول الفيلسوف البولندي رومن انكاردن في مقاله الموسوم "القيم الفنية والجمالية" المنشور عام 1972. وهذه الصفات الخاصة غالبا ما تكون متعلقة بالفتنة والسحرالاخاذ اللذين تشع بهما الاعمال الفنية الجادة والرصينة، مقارنة بسواها من الاعمال الفنية والأشياء والنشاطات الاخرى. وكان كانت قد اشار الى ان القيمة الجمالية للفن تتأتى من احتوائه على الفتنة وقابليته على افتتان وسحر الجمهور. وحيث ان حضور هذه الفتنة وذلك السحر يتعلق اصلا بالقدرة على التأمل والخلق والابداع من الجانب الانتاجي، فهو في نهاية المطاف يستلزم التصور والاستيعاب والادراك من الجانب الاستهلاكي. ولذا فإن الجمال، عند كانت، يتضمن صفات الذوق الرفيع والتفوق والسمو، وكل ما يسر العين والقلب والضمير، وهو بذلك لابد ان يكون خاضعا لأحكام فردية لا تقبل التعميم. فعندما نحكم على عمل ما بأنه عملٌ رائعٌ، فإنما نكون قد عبرنا عن مشاعرنا الذاتية المتبلورة عادة من تجاربنا الشخصية. على ان ايجابية الحكم غالبا ما تجسد الشعور بالمتعة والارتياح من ذلك العمل والاستجابة المرضية لانعكاساته النفسية على دواخلنا. وطبقا لكانت فإننا غالبا ما نتصرف وكأن تلك الاستجابة الشخصية للعمل الفني هي الحقيقة المطلقة، وهذا ما يحملنا على الاعتقاد بأن العمل جميل ليس لأننا نراه كذلك انما لأنه يحمل صفات الجمال والروعة الموضوعية المتأصلة فيه ولابد لكل فرد آخر ان يراه بنفس العين التي نراه فيها!

وهكذا فان مثل هذه الظاهرة العامة في تقدير القيم الجمالية قد تؤول الى اننا سنضفي دون وعي، صفة الموضوعية على الاشياء عبر احاسيسنا الشخصية. وليس ذلك هو عين الازدواجية في الحكم حسب، انما قد يقوم مثل هذا المنطق بتحويل الجدل من حيز المشاعر الى حيز الجوانب المادية ومن حدود الذات الى أبعاد المنتوج وخواصه الفيزيائية. ولنضرب مثلا بسيطا على ذلك: تصور ان رجلين يلتقيان إمرأه ما، فيعتقد احدهما بأنها في غاية الجمال الى حدٍ تسلب فيه عقله وتهز كيانه، فيما لا يرى الاخر انها جميلة الى ذلك الحد! التفسير الاكثر معقولية لمثل هذه الواقعة التي تحدث مرارا وتكرارا هو ان العامل الثابت هو شكل المرأة ومواصفاتها لكن العامل المتغير هو انعكاس ذلك الشكل وتلك المواصفات على دواخل شخصين مختلفين في العديد من ميزاتهما. وذلك ما يؤكد بأن جمال تلك المرأة يتقرر بموجب مشاعرالآخرين إزاءها وبشكل أدق مما يتقرر بموجب مقاسات جسدها ولون بشرتها وشكل شعرها! أو تصرفها أو ذكاءها أو إمكاناتها أو طريقة حديثها او نبرة صوتها.

وبالرغم من ان الجمال يمثل التقييم النسبي الذي يعكس ذوق المتلقي، فان ذلك لا يعني ان يكون الجمال عبارة عن مفهوم ذاتي مطلق! فطبقا لـ هيوم، لابد من وجود معيار قياسي عام ترجع اليه الاغلبية من المعايير الفردية والمقاسات الشخصية في مكان وزمان محددين. ولذا فهو يعتقد ان اهم ما يميز قيمة الفنون هي قبولها الاجتماعي وكونها سائغة بشكل عام ومثيرة لمتعة الاغلبية ، ذلك ان الناس وبحكم طبيعتهم البشرية يشتركون في الكثير من الميزات عبر الازمنة والامكنة، الامر الذي يفسر اعجاب وتقدير الاغلبية من الجمهور في مجتمعات وعصور مختلفة للاعمال الكلاسيكية الخالدة في الفن والادب. وكان كانت ايضا قد رفض الذاتية المطلقة في الحكم الجمالي رغم تأكيده على دور الرأي الفردي والتجربة الشخصية في تقرير جمالية الاشياء. وهو بذلك يكون قد وضع التقييم والحكم الجمالي في منتصف الطريق بين التحليل المنطقي العلمي، كما هو حاصل في البراهين الرياضية، وبين التفسير الذاتي البحت كما هو حاصل في تكوين الميول الشخصية. ولذا فان حكم الجمال لدى كانت يستند إلى خليط منسجم بين الموضوعية والذاتية، الامر الذي يجعل تقييم جمال تلك المرأة، على سبيل المثال، مختلفا عن تقييم صفات طولها اوعمرها. فحين نقول ان عمر فلانة اربع وثلاثون سنة فإننا نشير الى حقيقة فيزيائية لا تقبل الجدل. وحين نقول انها طويلة القد، فإننا نشير بالمنطق الى انها تتمتع بقامة اطول من المعدل العام لطول النساء، رغم ان مثل هذا الحكم يعتبر اقل ثباتا وتماسكا من حكم العمر. على ان حكم الطول هو الاخر اكثر عينية وصلادة من حكم الجمال. فحين نحكم بأنها جميلة فإننا لا نصف الخواص الفيزيائية بحياد تام، وذلك بسبب امتزاج الميزات الفنية في شكل المرأة مع البناء النفسي والتربوي والاجتماعي لذوي الرأي والذي يتعلق بخلفيات كثيرة ومعقدة مثل النشأة والتعليم والعمر والثقافة والتجربة وغيرها. وهذا هو السبب في ان يرى أحدنا صفة جمالية معينة في خاصية ما، كالصدر الكاعب أو الورك العريض أو الشعر الطويل، مثلا، ولا يرى الاخر منا في ذلك أي جمال! ومن هنا يأتي تصريح كانت بان الحكم الفني الجمالي ينبثق من النشاط العقلي المستقل الذي يسميه "الفعل الحر للتصور".

لقد اعتبر كادمر، الفيلسوف الالماني المعاصر، موضوعة "الفعل الحر للتصور" على انها اهم ما جاء به كانت في تفسير الجمال الى جانب رفضه للذاتية الصرفة للجمال، وربط القابلية على اتخاذ الموقف الحر بعبقرية وتفرد وخصوصية الرؤية الفنية التي يجب عليها ان ترتقي بالجمال الفني الى مثالية الجمال الطبيعي الذي اعتبره كانت النموذج الاسمى والامثل لكل ضروب الجمال. ويضيف كادمر بانه طالما كانت مبررات خلق العمل الفني تكمن وراء حاجة الناس اليه، فأن بإمكاننا التوسع في تعميم العبقرية والنبوغ من خالق العمل الفني الى المتلقي، الذي يفترض ان يمتلك التصور الكافي لاستيعاب جمالية واهمية العمل الفني. وهذا ما يؤكد حقيقة ان اعظم الاثار الابداعية في الادب والفن هي تلك التي تستحوذ على مشاعر الجمهور وتحفز مخيلته وتوسع من دائرة تصوراته، وربما تؤثر في اعادة ترتيب هيكل مفاهيمه. وبالمقابل فان فشل الاعمال الفنية والادبية واندحارها متحقق بعدم قابليتها على شد انتباه الجمهور واشعال حماسه وتحفيز تطلعه. وهذا التحليل هو الذي حمل كادمر الى الاعتقاد بان العلاقة بين الفنان والمتلقي تنبثق من الطبيعة البشرية الامر الذي يجعلها على العموم مسألة ذات جذور انثروبولوجية. وقد ذهب الى وصف هذه العلاقة ب "اللعبة" ، التي اشترط فيها ان تكون مفهوما بعيدا عن سياق الهزل والتسلية بل اراد لها ان تكون ضمن الاطار الفكري الجدي الذي ينطوي على انها اللعبة المنظمة ذات البناء الرصين، والتي ترفض ان تكون عفوية او لا غرض لها. وقد اشار بان من اهم مقومات هذه اللعبة هو التنافس والتحدي المتبادل بين الفنان والجمهور وكذلك التحدي الذاتي الذي يحفز كل منهما الى ان يرتقي إلى ما يرسمه الاخر من حدود عليا ومايحدده من مواصفات. ذلك السباق او الحرب الباردة التي تسفر في نهاية المطاف الى ان تكون مهمة الفن هي تقريب مسعى الانسان الى كل مالهُ معنىً واهمية، بل الى ما هو امثل في حياة الناس وتصوراتهم الجمعية.

وفي هذا السياق، يعلق كندل والتن الاستاذ في جامعة هارفرد في كتابه المعنون “المحاكاة والتظاهر" المنشور عام 1990، بأنه اذا قدر لنا ان نصف العلاقة بين الفن والجمهور باللعبة او المسرحية، فان من المنطق ان تتحدد قيمة الفن بقيمة تقمص الادوار ويتقرر جماله بروعة الاداء. فالفن يوفر فرصة "التظاهر" بمعنى تجسيد ما يصعب حصوله او ما لا يمكن تحقيقه في الواقع وذلك بالاستعانة في استخدام الخيال، كأن نرى حصانا طائرا او نشهد نجاة وانتصار بطل القصة رغم المصاعب والاهوال المستحيلة. او نقرأ الابيات الشعرية التي تجعل من عيون المرأة بحرا ومن شعرها ليلا. على ان اكبر مردود لتمثيل الحقيقة بالخيال هو اختزال الكلفة.. كلفة الالم والعزلة والفراق والتحطم والموت. ففي الخيال وحده نميت الاحياء ونحيي الموتى ونتخطى الحواجز ونمسك الآمال ونحقق الاحلام ونعمل ما نشاء دون دفع الكلفة الحقيقية. وبهذا فان الفن يوفر هذه الفرص الثمينة لاستحضار الوقائع الخيالية والتعامل معها كما لو كانت حقيقة. وهنا تكمن عبقرية الفن، ومن هنا ايضا يتوجب إعتبار اهميته وتقدير قيمته الجمالية. وبذلك يكون المعيار الجمالي معرّفا بمدى حصد المنافع دون دفع الكلف.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

  

حاتم حميد محسنسؤال ماهي "الحياة الجيدة" هو من أقدم الاسئلة الفلسفية، وجرى طرحه بطرق مختلفة – كيف يجب ان نعيش؟ ماذا يعني ان "تعيش جيدا"؟ - لكنه في الحقيقة يعني السؤال ذاته. بالنهاية، كل شخص يريد ان يعيش حياة جيدة، ولا أحد يريد "حياة سيئة". لكن السؤال لا يبدو كما هو عليه من البساطة. الفلاسفة سعوا الى توضيح التعقيدات المختبئة، وان مفهوم الحياة الجيدة هو من بين تلك المفاهيم التي تحتاج لشيء من التوضيح.

الحياة الأخلاقية The moral life

في الأساس، نحن نستعمل كلمة "جيد" للتعبير عن الموافقة الأخلاقية. لذا عندما نقول ان شخصا ما يعيش جيدا او انه عاش حياة جيدة، نحن ببساطة نعني انه شخص جيد، شخص شجاع، نزيه، جدير بالثقة، رقيق،غير أناني، كريم، نافع، مخلص، مبدئي وهكذا. هو يحوز ويمارس العديد من الفضائل الهامة، وهو لايمضي كل وقته في متابعة ملذاته الشخصية، هو يخصص جزءاً معينا من الوقت للنشاطات التي تفيد الآخرين، ربما من خلال مشاركته مع العائلة، الأصدقاء، او من خلال العمل او مختلف النشاطات الطوعية.

هذا التصور الأخلاقي للحياة الجيدة كان له الكثير من المناصرين. سقراط وافلاطون كلاهما أعطيا أفضلية مطلقة للفرد الفاضل على الأشياء الاخرى التي يُفترض ان تكون جيدة كالمتعة والثروة والسلطة. في حوار جورجياس لإفلاطون، تبنّى سقراط هذا الموقف الى أقصى حد. هو يجادل بانه من الأفضل ان تعاني الظلم دون ان تمارسه، وان الانسان الجيد الذي اُقتُلعت عيناه وعّذّب حتى الموت هو أسعد حظا من الشخص الفاسد الذي استعمل الثروة والسلطة بشكل مخزي. في تحفته الرائعة "الجمهورية" يطور افلاطون هذا الجدال بتفاصيل أكثر. هو يرى، ان الشخص الجيد اخلاقيا، يتمتع بنوع من الانسجام الداخلي، بينما الشخص الشرير، لايهم كم هو ثري او ذو سلطة  او عدد المتع التي يتمتع بها، هو غير منسجم،ويعيش في تضاد مع نفسه والعالم. من الجدير ذكره، ان افلاطون في كل من حوار جورجياس والجمهورية يدعم حجته بتفكير تأملي عن الحياة بعد الموت التي يُكافأ بها الناس الفضلاء  بينما يُعاقب فيها الناس الأشرار.

العديد من الأديان تتصور الحياة الجيدة بعبارات أخلاقية كحياة تُعاش طبقا لقوانين الله. الفرد الذي يعيش بهذه الطريقة – يطيع الوصايا ويؤدي الطقوس الصحيحة – هو تقي. وفي أغلب الاديان، هذا التقي سيُكافأ. من الواضح ان العديد من الناس لايستلمون مكافئتهم في هذه الحياة. لكن المؤمنين التقاة واثقون ان تقواهم لن تذهب هباءً. الشهداء المسيحيون  ذهبوا يغنون لموتهم واثقون انهم حالا سيكونون في السماء. الهندوس يتوقعون ان قانون الفعل (law of karma) سيضمن ان افعالهم الجيدة ونواياهم ستنال الجزاء، بينما الافعال الشريرة والرغبات سوف تُعاقب اما في هذه الحياة او في حياة المستقبل.

حياة المتعة The life of pleasure

الفيلسوف اليوناني القديم ابيقور كان اول من صرح بوضوح ان ما يجعل الحياة تستحق العيش هو ممارستنا للمتعة. المتعة هي ممتعة، مرحة، انها جيدة وسارة. الرؤية بان المتعة هي الخير، او بكلمة اخرى،ان المتعة هي ما يجعل الحياة تستحق العيش، تُعرف بمذهب المتعة hedonism . ان كلمة متعة، عندما تطبق على الفرد، لها بعض الدلالات السلبية. انها تشير الى انها تتعلق بما يسمى المتع "الهابطة" مثل الجنس والطعام والشرب والإنغماس الحسي . اعتقد معاصرو ابيقور انه دعا ومارس هذا النوع من اسلوب الحياة، وحتى اليوم "الايبيقوري" هو شخص ما يمجد الطعام والشراب. لكن هذا يُعتبر سوء فهم للايبيقورية. ايبيقور بالتأكيد مجّد كل انواع الملذات. لكنه لم يطلب منا ان نفقد أنفسنا في الملذات الحسية وذلك للأسباب التالية:

1- ان عمل كهذا يقلل من متعتنا في المدى الطويل طالما الإنغماس المفرط يميل ليسبب لنا مشاكل وأضرار صحية وسيضع حدا لما نستمتع به.

2- ان ما يسمى المتع "العليا" مثل الصداقة والدراسة هي بنفس أهمية "متع الجسد".

3- ان الحياة الجيدة يجب ان تكون فاضلة. رغم ان ابيقور لم يتفق مع افلاطون حول قيمة المتعة ، لكنه يتفق تماما معه حول هذه النقطة. اليوم، يمكن القول ان تصوّر مذهب المتعة للحياة الجيدة يهيمن على الثقافة الغربية. حتى في كلامنا اليومي، عندما نقول ان شخصا ما  "يعيش حياة جيدة"، نحن ربما نعني انه يتمتع بالكثير من الملذات الترفيهية: طعام جيد،خمر جيد، التزحلق، الغوص، الاسترخاء في الشمس على ضفاف البحيرات مع طعام ورفيق جميل. ما هو أساسي في هذا التصور "الممتع" للحياة الجيدة هو انه يؤكد على التجربة الذاتية . في هذه الرؤية، لكي تصف فردا "بالسعادة" يعني انه "يشعر بالخير"، وحياة سعيدة تحتوي على العديد من احاسيس "الشعور بالخير".

الحياة السعيدة The fulfilled Life

اذا كان سقراط يؤكد على الفضيلة وابيقور على المتعة، فان مفكر يوناني كبير آخر وهو ارسطو ينظر الى الحياة الجيدة بطريقة اكثر فهما. طبقا لارسطو، نحن جميعنا نريد ان نكون سعداء.

نحن نقيّم العديد من الاشياء لأنها وسائل لأشياء اخرى. فمثلا، نحن نقيّم النقود لأنها تمكّننا من شراء الأشياء التي نحتاجها، نحن نقيّم الترفيه لأنه يعطينا وقت لمتابعة اهتماماتنا. لكن السعادة هي شيء ما نقيّمه ليس كوسيلة لغايات اخرى وانما لأجلها هي. انها ذو قيمة باطنية وليست كوسيلة.

لذا بالنسبة لارسطو، الحياة الجيدة هي حياة سعيدة. ولكن ماذا يعني هذا؟ اليوم، العديد من الناس يعتقدون اوتوماتيكيا وبعبارات ذاتية ان السعادة  بالنسبة لهم، تعني ان الناس يكونوا سعداء اذا تمتعوا بحالة ذهنية ايجابية، وان حياتهم تكون سعيدة اذا توفر لهم هذا في  معظم الأوقات.

هناك مشكلة تبرز في هذه الطريقة من التفكير حول السعادة. لو تصوّرنا ساديا قويا يمضي الكثير من وقته في إشباع رغباته الوحشية. او شخصا كسولا يهتم فقط في التدخين والكحول ولايعمل اي شيء سوى مشاهدة التلفزيون وممارسة العاب الفيديو . هؤلاء الناس ربما لديهم المزيد من التجارب الذاتية الممتعة. ولكن هل من الجائز ان نصفهم  بانهم يعيشون " جيدا"؟ ارسطو بالتأكيد سيقول كلا. هو يجادل مع سقراط انه لكي يعيش حياة جيدة يجب على المرء ان يكون شخصا جيدا اخلاقيا. وهو يوافق مع ابيقور بان الحياة السعيدة  تستلزم العديد من التجارب الممتعة المتغيرة. نحن لا نستطيع حقا القول ان شخصا ما يعيش حياة جيدة اذا كان تعيسا باستمرار او لديه معاناة مستمرة. لكن فكرة ارسطو حول ما تعنية الحياة الجيدة هي موضوعية بدلا من ذاتية. انها ليست فقط مسألة كيف يشعر الفرد من الداخل، رغم أهمية ذلك. من المهم ايضا تلبية ظروف موضوعية معينة. فمثلا:

1- الفضيلة: يجب ان يكون الافراد فضلاء أخلاقيا.

2- الصحة: يجب ان يتمتعوا بصحة جيدة وحياة طويلة .

3- الرفاهية: يجب ان يكونوا في وضع مالي مريح  (بالنسبة لارسطو هذا يعني وفرة كافية من المال لكي لايضطروا مكرهين على اختيار شيء ما لأجل المعيشة)

4- الصداقة: يجب ان يكون لدى الافراد أصدقاء جيدين. طبقا لارسطو ان الانسان هو اجتماعي بالفطرة، لذا فان الحياة الجيدة لايمكن ان تكون كحياة الناسك او المنعزل او الكاره للمجتمع.

5- الاحترام: يجب ان يتمتع الافراد باحترام الآخرين. ارسطو لايعتقد بضرورة الشهرة او المجد ، في الحقيقة، التوق للشهرة يمكن ان يقود الناس الى الضياع، مثلما تفعل الرغبة المفرطة باكتساب الثروة. لكن من الواضح، ان صفات الفرد وانجازاته سيُعترف بها من الآخرين.

6- الحظ: هناك حاجة للحظ الجيد. أي حياة ستكون غير سعيدة اذا تعرضت لخسارة مأساوية او مصيبة. 

7- المشاركة: يجب ان يمارس الافراد  طاقاتهم و قدراتهم الانسانية المتميزة . هذا يفسر لماذا الفرد الكسول لا يعيش جيدا، حتى عندما يخبر الاخرين عن قناعته ورضاه . ارسطو يجادل ان ما يميز الكائن البشري عن الحيوانات هو العقل. لذا فان الحياة الجيدة هي تلك التي يربّي فيها الفرد  ويمارس قدراته العقلانية عن طريق المشاركة بأشياء مثل تحقيق علمي، نقاش فلسفي،إبداع فني،او تشريع. واليوم ربما تُضاف  بعض أشكال الابتكارات التكنلوجية.

اذا كان الفرد في نهاية حياته يستطيع تدقيق كل تلك المعايير المذكورة اعلاه عندئذ يمكنه الادّعاء انه عاش حياة جيدة. بالطبع،الغالبية العظمى من الناس اليوم لاينتمون الى الطبقة المرفهة كما فعل ارسطو. هم عليهم ان يعملوا لكي يعيشوا. لذا فان الناس الذين هم قادرين على متابعة حوافزهم الداخلية الحقيقية هم عموما يعتبرون محظوظين جدا.

الحياة الهادفة The meaning Life

هناك بحث جديد يبيّن ان الناس الذين لديهم اطفال ليسوا بالضرورة اكثر سعادة من الآخرين الذين هم بلا اطفال. في الحقيقة، اثناء سنوات تربية الاطفال، وبالذات عندما يصبح الاطفال مراهقين،يصبح لدى الآباء اقل مستوى من السعادة وأعلى مستوى من القلق والتوتر. ولكن حتى عندما يتسبب الأطفال بعدم سعادة آبائهم ،لكنه يبدو فعلا ذلك يعطي آبائهم  احساسا ان حياتهم اكثر معنى.

بالنسبة للعديد من الناس، رفاهية العائلة، خاصة أطفالهم وأحفادهم هو المصدر الرئيسي لهدفية الحياة. هذه االحالة  تعود بعيدا الى الماضي. في العصور القديمة،تعريف الحظ الجيد كان ان تمتلك الكثير من الاطفال.

ولكن من الواضح، ربما هناك مصادر اخرى لهدفية حياة الفرد. كأن تكون على سبيل المثال متابعة عمل معين بتفاني كبير، مثل بحث علمي،إبداع فني، او برنامج دراسي . كذلك ربما تكون انغماس تام  مع جماعة معينة مثل الكنيسة، فريق كرة القدم،او المدرسة.

الحياة المنتهية

اليونانيون القدماء لهم حكمة تقول: لا تسمي احدا سعيدا حتى يموت. لوقت معين قد يبدو الفرد يعيش حياة جميلة، وقادرا على فحص المعايير أعلاه – الفضيلة، الرفاهية،الصداقة، الاحترام، المعنى. ولكن في النهاية يتم الكشف عن أشياء غير التي كنا نعتقد بها. مثال على ذلك جيمي سافيل Jimmy Saville الشخصية التلفزيونية البريطانية الذي كان معجبا جدا بحياته ولكن بعد موته تم الكشف عنه كمفترس جنسي . حالة كهذه تُظهر المزايا الكبرى للفكرة الموضوعية بدلا من الفكرة الذاتية لمعنى الحياة الجيدة. جيمي سافيل ربما تمتع بحياته، ولكن بالتأكيد لا نريد القول انه عاش حياة جيدة. الحياة الجيدة الحقيقية هي المرغوبة جدا والمدهشة في جميع او معظم الطرق الموضحة أعلاه.

 

حاتم حميد محسن

 

 

زهير الخويلدي"نحن على حافة الديمقراطية أو نعيش الديمقراطية في مواجهة تناقضاتها"

مقدمة

هل حدودنا ديمقراطية؟ لا توجد ديمقراطية بدون عروض تجريبية، وهذه الديمقراطية تنطوي على حدود واضحة المعالم. لكنها أيضًا حركة من أجل بسط الحقوق التي تناضل من أجل الاعتراف بحق المواطنة للأجانب. من خلال استكشاف "حواف الديمقراطية"، يعالج مارتن ديليكشي واحدة من أكثر النقاط العمياء رعباً. بشكل عام، يُنظر إلى الحدود على أنها شرط لإمكانية الديمقراطية، ألا يجب أن تكون الحدود نفسها موضوعًا للتداول الديمقراطي؟ مسارها ليس حقيقة طبيعية، ولكنه يقع في إطار مؤسسة سياسية تحدد معايير الأهلية للحقوق الاجتماعية والسياسية الرئيسية، والتي تتجسد في ممارسات الإقصاء أحيانًا في قلب الأراضي الوطنية، أثناء عمليات التحقق من الهوية أو العمل عمليات التفتيش. كما تشير الحدود بالتالي إلى ما أسماه نانسي فريزر "الظلم الفوقي"، أي المظالم التي لا تكمن في محتوى المبادئ التي تنظم الحياة في المجتمع، ولكن، بشكل أساسي، في الخطأ أسئلة. تشير الحالة التي يُترك فيها العمال المهاجرون خارج المساحة الوحيدة التي يمكنهم فيها التعبير عن مطالبهم الاجتماعية، على سبيل المثال، إلى مشكلة التأطير بسبب الخط الحدودي، لأنه من خلال تحديد المجالات السياسية، تستبعد الحدود أولئك الذين يجب أن يشاركوا. في المناقشات حول المعايير والحصول على سبل الانتصاف القانونية. بعبارة أخرى، كلما كان هناك انفصال بين ترسيم المساحات السياسية وجغرافيا التفاعلات الاجتماعية، لم تعد الحدود بديهية ويجب أن تخضع للنقاش، وفقًا لفريزر. إن وجهة نظر السيد ديليكشي أكثر جذرية: إن الحاجة إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على الحدود ليست حتمية بالنسبة له بسبب المواقف "غير الطبيعية" حيث لا تتداخل مجموعة الأشخاص الخاضعين للمعايير مع مجموعة المواطنين الذين يتمتعون بحقوقهم بشكل كامل، ولكن مع وجود توتر.

هذا يقع في قلب الديمقراطية. من ناحية، تتميز الديمقراطية بإجراء تقرير المصير الجماعي، الذي يستمد شرعيته من الهوية بين واضعي القوانين ومتلقيها. هذا يفترض أن تكون قد قررت بالفعل من هو أو ليس جزءًا من الجسم السياسي: كسياج، فإن الحدود تجعل من الممكن تشغيل هذا التقسيم، ورسم الخطوط العريضة للعروض التوضيحية، هذا الشخص السياسي الذي يختار القواعد التي يخضع لها.  من ناحية أخرى، وفقًا لمفهوم استعاره المؤلف من إتيان بالجبار، تشير الديمقراطية أيضًا إلى العملية التاريخية المتمثلة في منح الحقوق للبشرية جمعاء. إن الحد من المساحة السياسية من خلال تأميم المواطنة والحقوق المرتبطة بها من أجل تثبيت الديمقراطية هو إذن خنق هذا الزخم غير المحدود المحتمل. في هذا الصدد، تشكل الحدود عقبة أمام الحركة نحو "العالمية الليبرالية للحقوق الذاتية الأساسية"، والتي عملت منذ البداية على العملية الديمقراطية. وترك المحيط، وبالتالي يتم رسم الحدود "على مقدمة المشهد السياسي "، حيث أن الصراع بين السمتين التأسيسيتين للديمقراطية يلعب دوره. من مجموعة غنية جدًا من النصوص (من التقليد الليبرالي، من النظرية النقدية أو حتى الماركسية)، المكشوفة بوضوح ودقة، يستكشف الكتاب محاولات مختلفة للمصالحة بين قطب السيادة، الضامن لتقرير المصير الجماعي، وقطب الحقوق الفردية، ونطاقها قابل للتوسيع. هذا لإظهار بشكل أفضل الحاجة إلى ترك السؤال دون حل، وإعادة التأكيد على أن الديمقراطية لا تزال غير مستقرة، في الوظيفة، في قبضة التحول الديمقراطي الدائم.

تضاريس العلاقة بين الديمقراطية وحدودها

يقدم الجزء الأول أربع محاولات نظرية لحل التوتر المذكور. فقط الأخير، مستوحى من كتابات اتيان باليبار. استطاع، بحسب المؤلف، تقليصه، من خلال تعريف المواطنة على أنها إبداع دائم، لا يمكن اختزاله في الوضع القانوني الصارم الذي تمنحه الجنسية، النطاق العالمي للحقوق. يتضح هذا بشكل خاص في نموذج "الاستبعاد التعسفي" الموروث من كارل شميت، حيث تعتبر مراقبة الحدود أداة من أدوات الحكومة التي يجب أن تظل خارج نطاق الاهتمامات القانونية والأخلاقية، لأنها تهدف قبل كل شيء إلى الحفاظ على النظام. تكون المهمة أكثر صعوبة بالنسبة للمؤلفين الليبراليين الرمزيين للإجابة الثانية، الذين يدركون البعد القانوني للمساواة الأخلاقية بين الرجال. ومع ذلك، فهم يواجهون هذا التحدي من خلال تقديم تبرير "مسبب" لـ "حقيقة" الاستبعاد. في فلسفة راولز، فإن الشؤون الداخلية والخارجية هي بالتالي موضوع عقدين أصليين متميزين، لأن قانون الشعوب يهدف فقط إلى توحيد الشعوب "المحترمة" حول مبادئ السياسة الخارجية المقبولة للدول غير الليبرالية وتقديم المساعدة إلى "المعوقين". " تنص على. يسعى ورثة راولز بعد ذلك إلى شرح التمييز بين المواطنين والأجانب، إما من خلال تقديم الحقوق كنظير لخضوع المواطنين للسلطة السيادية (بليك) أو من خلال التذكير بالضرورة القومي، أو على الأقل المجتمع، الذي يرسخ الإجراءات. تقرير المصير الجماعي (والتزر، ميلر). ومع ذلك، وفقًا لـديليكشي، فشلوا في مراعاة "التأثيرات عبر الوطنية لسياسات القبول عبر الحدود". ثم يتحول المؤلف إلى رد ثالث عالمي، يقلب التسلسل الهرمي بين قطب السيادة وقطب السيادة عالمية الحقوق. في الواقع، يدعو مؤلفون مثل تشارلز بيتز وتوماس بوج ودانييل أرشيبوجي إلى "استئصال" الحدود عندما تتطلب "طبيعة المخاطر". وبالتالي ينبغي نقل حل المشكلات السياسية أو البيئية أو الاجتماعية إلى المستوى (الوطني، الإقليمي، وحتى العالمي) الذي يرجح أن يقدم استجابة، بموجب مبدأ التبعية. لذلك لم يعد مكان ممارسة السلطة وتوزيع المسؤوليات السياسية مرتبطين بالضرورة بالفضاء الوطني. على وجه الخصوص، هذا يجعل من الممكن نقل سياسات القبول إلى مستوى أعلى، من أجل مراعاة رأي المهاجرين المحتملين، الذين يهتمون في المقام الأول بهذه التدابير، ولكنهم بحكم التعريف ليس لهم صوت في الفصل. البقاء خارج الساحة حيث يتم مناقشة هذه القضايا. ومع ذلك، فإن هذا الرد الأخير لا يقنع السيد ديليكشي أيضًا: من خلال التخلي عن الإمكانات الديمقراطية الموجودة في السيادة الشعبية، فإنه يمثل خطأً متماثلًا تمامًا مع الخطأ الأول والثاني، وبالتالي لا ينجح في تقليل التوتر بين التأسيسيين. خصائص الديمقراطية. يخلص المؤلف إلى أنه من الضروري عدم اتخاذ قرار لصالح أحد هذه المكونات أو بعضها، ولكن من الضروري إبقائها في حالة حركة، في الكفاح من أجل الحقوق الأساسية التي تحيي باستمرار الإيماءة الديمقراطية وتعيد تشكيل ملامح المجموعة. موضوعات. لذلك، فإن الوظيفة التمييزية للحدود، التي تحد من المساحة السياسية، ليست شرطًا مسبقًا للتعبير عن الإرادة الجماعية، حيث لا يُنظر إلى الناس على أنهم كيان مستقر. بدلاً من ذلك، إنه مبدأ يدركه الممثلون، اعتمادًا على رغبتهم في المشاركة في المداولات، كما يمكن للأجانب أن يفعلوا عندما يريدون إسماع آرائهم حول سياسات القبول.

من سياسة الضيافة إلى دمقرطة الحدود

يترك الجزء الثاني من الكتاب الأرضية المحايدة عمداً لعرض العقائد الفلسفية لبناء سياسة الضيافة. إنه عمل تفسيري بشكل أساسي، يسعى في كتابات عناصر كانط ودريدا لتوضيح حالة القانون الذاتي الذي من شأنه أن يشرف فكرة الضيافة، مع الحفاظ على وفائه للطموح، الذي سبق ذكره، لتوحيد القطب. السيادة وحقوق الإنسان. الهدف هو استخلاص حق أكثر جوهرية من حق الزيارة الوحيد، والذي يعترف كانط به بالتأكيد بعدًا قانونيًا، لكن نطاقه يظل محدودًا في عمله، لأنه يتعايش مع السيادة الكاملة للجمهوريات على أراضيها، وبالتالي على حدودهم. هل يجب أن ننتقل بعد ذلك إلى "الضيافة اللامحدودة" التي رسمها دريدا، والتي تأخذ شكل "الترحيب غير المشروط"؟ قد يخاطر المرء بالتخلي عن الضيافة في عالم الأخلاق، عندما يحاول المؤلف تصويرها على أنها سياسة حقيقية، بوساطة الدولة. إنه يفضل محاولة زيادة ثخانة القانون الكوزموبوليتاني الكانطي، وذلك بفضل إمكانية تحويل حقوق الزيارة إلى حقوق إقامة. يمكن أن تنشأ المواطنة، كمشاركة كاملة في المجال العام، من حرية التنقل التي تمارس على أساس مؤقت. لا يمكن لهذا الحدس أن يزدهر إلا إذا تخلى المرء عن النموذج الجمهوري الذي يظل كانط مخلصًا له. هذا هو مرة أخرى فكر اتيان باليبار الذي يسمح للمؤلف بالذهاب إلى ما هو أبعد من البديل بين الضيافة التي تأسست في القانون، ولكنها بالضرورة محدودة وغير متكافئة، ومبدأ أخلاقي غير مشروط، ولكنه غير سياسي بشكل قاتل.

الجزء الثالث، وهو أقصر للأسف من الأجزاء السابقة، يعرض الدور الذي لعبته الحدود في عملية "دمقرطة الديمقراطية"، كما يظهر في عمل باليبار. إن مسألة الاستقبال هي بلا شك سياسية، لأنها تتعلق بإدراج الأجانب في الفضاء العام، ومع ذلك فهي غير محدودة، لأنها لا تقتصر على العلاقة بين كيانين مختلفين يكونان من جهة. الدولة ذات السيادة، مقيدة بالفعل، ومن ناحية أخرى المرشح للدخول أو الإقامة على التراب الوطني. يسلط المؤلف الضوء على المقطع، عند باليبار، بين التفكيك الفلسفي لمفهوم "الأمة" ومشروع دمقرطة الحدود. من الضروري حقًا فهم الينابيع الرمزية للحدود (الداخلية الذاتية لخطوط تقسيم الهوية، المحددة بشكل مفرط من خلال الموروثات التاريخية وخاصة الاستعمارية، وكذلك دعوة الأيديولوجية الوطنية لتلطيف التناقضات الاجتماعية باسم الهوية المشتركة) معالجة آثاره التمييزية. طوال الرحلة السياسية لبليبار، اتخذ هذا البرنامج السياسي شكل النضال من أجل حق تصويت العمال الأجانب في الانتخابات المحلية والوطنية في الثمانينيات، ثم دفاعًا عن "التحرير الحازم. لحق الإقامة والعمل". اليوم. يجب بناء حقوق المواطنة للمهاجرين من خلال المفاوضات التي تشارك فيها الدول والمنظمات الدولية، وكذلك جمعيات المهاجرين، في مداولات عبر وطنية حول نظام الحدود نفسه. على الرغم من المشاكل المؤسسية والمعيارية التي أثارتها على الفور عمليات التمثيل السياسي في العمل في هذه المفاوضات، فإنها تشير، بالنسبة للمؤلف، إلى أفق دمقرطة الديمقراطية. وهذا يعني أن الانعكاسية التي لا غنى عنها لهذا النظام على "حدوده"

الديمقراطية في مواجهة تناقضاتها

أصالة الموقف الذي يدافع عنه هذا الكتاب تكمن في الصلة التي لا تنفصم المنسوجة بين سياسة القبول بالحدود والديمقراطية، لأن طبيعة الأول لا تنفصل عن الحكم الذي يمكن إصداره في الثاني. على مدار التفكير، تصبح حقوق الأجانب لا تنفصل عن الحقوق الذاتية المكفولة لمواطني الدول، والمؤسسة الحدودية هي أفضل مؤشر على صحة العملية الديمقراطية بين الديمقراطيات وسياستها الخارجية تحت ثقل بديل واحد : إما لتقديم مبرر للسيادة الكاملة للدول، أو لاستئصال الحدود. ومع ذلك، حتى قانون راولز للشعوب، الذي لا يعتبر طموحًا للغاية، يعكس مبادئ القانون الدولي التي يجب على الدولة مراعاتها من أجل استحقاق اسم الديمقراطية، مما يعني، قبل كل شيء، احترام حقوق الإنسان. وعلى العكس من ذلك، من التسرع فهم الكوزموبوليتانية الليبرالية على أنها رغبة في قمع الفصل التعسفي الناتج عن الحدود، لأن مشروع رولز الذي استوحيت منه لم يقم أبدًا بتحييد آثار الاستبداد البحت (لتوزيع المواهب أو الموارد، من أجل مثال)، ولكن لتقديم تبرير مقبول للمؤسسات الاجتماعية، نظريًا، ولا سيما الليبرالي، الذي يسعى في الالتزامات الداخلية للديمقراطيات الغربية إلى أدوات نقدية للكشف عن أوجه القصور في سياستها الخارجية، ولا سيما فيما يتعلق بالأجانب. عندما يأتي، كما ورد في خاتمة الكتاب، للاعتراف بجنسية الإقامة أو محاربة منطق الاستبعاد الخاص بالسوق، طرح شرط التوافق بين المبادئ الداخلية والخارجية بشكل متساوٍ. مقنع. بالنسبة للنقطة الأولى، يكفي أن نذكر أنه إذا رفضت الديمقراطيات الليبرالية تأسيس الحقوق على الامتيازات، فيجب فهم المواطنة على أنها تعبير عن المشاركة في الحياة الجماعية التي من المرجح أن تحدث بين مواطني الدولة، ولكن ليس لديها سبب لذلك. تنطبق عليهم فقط. فيما يتعلق بالنقطة الثانية، كشف التناقضات بين الحماية الاجتماعية التي تضمنها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والتهديدات التي تتعرض لها من حرية تأسيس الشركات المنصوص عليها في قانون الاتحاد (الذي يسمح للشركات بتسوية حيث تكون المعايير هي المعايير). الأكثر مرونة)، يخفي أيضًا قوة حاسمة لا جدال فيها.تناقضات واضحة بين القيم التي تحملها مبادئها الداخلية وسياستها الخارجية، ولا سيما الهجرة. يتضح هذا من خلال اقتراح مجلس وزراء تيريزا ماي بوضع قائمة بالعاملين الأجانب في الشركات البريطانية، وكأن امتياز الجنسية له الأسبقية على المشاركة في النسيج الاجتماعي لتحديد معيار الانتماء للشركة، أو حتى ذلك، الأكثر راديكالية، من دونالد ترامب، رفض دخول الأراضي الأمريكية للمسلمين بسبب كراهيتهم المزعومة للولايات المتحدة، في تحد لجميع متطلبات سيادة القانون. وهكذا، فإن سياسات الحدود، الظروف "غير الديمقراطية" لديمقراطياتنا، تسيء بالتأكيد إلى ارتباطنا بمبدأ المساواة الأخلاقية، ولكنها ستستفيد بلا شك من تقييمها بخصوصياتها، دون الانحلال في الصراع الأساسي ولكن المتميز لصالح. من انتزاع الحقوق. فكيف تتمكن الديمقراطية من مقاومة النزعات التدميرية التي تظهر ضمن حقولها التداولية ذاتها؟" بواسطة ماتيلد أنغر

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..............................

المراجع والمصادر

Martin Deleixhe, Aux bords de la démocratie, Garnier, Paris, 2016.

Archibugi Daniele, La démocratie cosmopolitique : sur la voie d’une démocratie mondiale, trad. fr. L. Lourme, Paris, Éd. du Cerf, 2009.

- Blake Michael, « Distributive Justice, State Coercion, and Autonomy », Philosophy & Public Affairs, 2001, vol. 30, no 3, p. 257-296.

- Derrida Jacques et Dufourmantelle Anne, De l’hospitalité, Paris, Calmann-Lévy, 1997.

- Fraser Nancy, Scales of Justice : Reimagining Political Space in a Globalizing World, New York, Columbia University Press, 2009.

- Kant Emmanuel, « Projet de paix perpétuelle », inŒuvres philosophiques III, trad. fr. H. Wismann, Paris, Gallimard, 1986, p. 333-384.

- Miller David, On Nationality, Oxford, Oxford University Press, 1995.

- Pogge Thomas, « Cosmopolitanism and Sovereignty », Ethics, 1992, vol. 103, no 1, p. 48–75.

- Rawls John, Théorie de la justice, trad. fr. C. Audard, Paris, Seuil, 2009.

- Walzer Michael, Sphères de justice. Une défense du pluralisme et de l’égalité, trad. fr. P. Engel, Paris, Seuil, 2013.

 

 

 

علي رسول الربيعيتعاملت النظريات السياسية الكلاسيكية التي قدمها الإغريق مع طبيعة الحياة الخيرة كمشكلة مركزية وأساسية للسياسة؛ لكن تميل العديد من النظريات الليبرالية الحديثة إلى النظر إلى العدالة والقانون والدولة على أنها تشكل إطارًا مثاليًا يمكن للأفراد من خلاله متابعة آرائهم الخاصة عن وجود مصالح خيرة وجديرة بالأهتمام. ينطبق هذا أيضًا على النفعية، فعلى الرغم من أن هذه النظرية تحدد الحق من حيث الصالح العام، الا إنها تنظر الى القيمة المركزية للسعادة أو الرفاهية على أنها قيمة شاملة، وواسعة بما يكفي لتغطية أي هدف أو مشروع قد يختاره المرء. لكن قد يفكر المرء في النفعية على أنها تسعى إلى تحويل جميع القيم إلى عملة واحدة، بحيث يمكن استيعاب التنوع الأخلاقي في إطار فكري عملي وتجميعي.

غالبًا ما تستند النظريات السياسية والتشريعية على آراء فلسفية أعمق تتعلق بطبيعة أسباب الفعل. نستدعي أسبابًا لاتخاذ فعل أو اجراء عندما نحاول أن نقرر ما يجب القيام به، وعندما نصف سلوك الآخرين، وعندما نحاول شرح سلوكهم. وهكذا سوف تحتل نظرية "العقل العملي" (يشير مصطلح "العقل العملي" إلى أسباب الفعل، في مقابل أسباب الاعتقاد) مكانًا أساسيًا بشكل غير عادي في فلسفة الشؤون الإنسانية. تتبنى الكثير من النظرية الليبرالية المعاصرة ضمنًا مفهومًا معينًا عن العقل العملي. سوف ندرس بالانتقال إلى النظريات التشريعية لجون فينيس، عمل مفكر يسعى إلى استعادة مفهوم قديم وراسخ للعقل العملي مأخوذ في النهاية من أرسطو والأكويني. هذا المفهوم الأرسطي أمر أساس في تفكير فينيس.

تقول إحدى الطرق المؤثرة في التفكير حول العقل العملي أن العقلانية هي مسألة ملاءمة الوسائل للغايات بطريقة ذرائعية أو آلية. يرتبط مفهوم العقل هذا تاريخيًا باسم ديفيد هيوم، الفيلسوف الاسكتلندي في القرن الثامن عشر. يعتبر موقف هيوم أكثر راديكالية وأكثر تعقيدًا مما يبدو للوهلة الأولى، ولكن هناك بعض الحق في الفهم التقليدي لنظريته، وهذه هي الصورة التقليدية التي سأصفها على أنها "المفهوم الهيومي للعقل".

جادل هيوم بأن العقل لا يمكن أن يخبرنا بما يجب أن نسعى إليه، ولكن فقط كيف نحقق الغايات التي اخترناها بالفعل. وهكذا يمكن أن يخبرني السبب إذا أردت أن أبقى جافًا في يوم ممطر، يجب أن أحمل مظلة. يمكن أن يخبرني العقل أيضًا أنه إذا كنت أرغب في الحفاظ على لياقتي وصحتي، يجب أن أتجنب البلل (وبالتالي يجب أن أحمل مظلة، وما إلى ذلك). لكن العقل لا يستطيع أن يخبرني ما إذا كانت اللياقة البدنية والصحة أمران يستحقان المتابعة. أنا ببساطة يجب أن أقرر بنفسي ما أريد: هل أريد أن أكون بصحة جيدة، وسعادة، وما إلى ذلك؟ إذا قررت أنني لا أريد أن أكون بصحة جيدة أو سعيدًا أو حتى على قيد الحياة، فلا يمكن لأحد أن يتهمني بأنني غير عقلاني، بشرط أن أكون على دراية كاملة بالحقائق ذات الصلة وألاً أسند تفضيلاتي إلى معتقدات خاطئة.

جادل بعض كتّاب القرن الثامن عشر بأن العقل يمكن أن يبرهن على بعض الافتراضات الأخلاقية الأساسية (مثل "يجب الوفاء بالوعود") لتكون صحيحة. رفض هيوم مثل هذه النظريات لأنها اعتمدت على فكرة مبالغ فيها بشكل كبير عما يمكن أن يحققه العقل البشري. في النهاية، قال هيوم، يجب أن تستند معتقداتنا الأخلاقية إلى التفضيلات، مثل تفضيل مجتمع منظم يتم فيه الوفاء بالوعود، وبالتالي تكون الحياة التجارية والازدهار المادي ممكنان. ليست هذه التفضيلات معقولة ولا غير معقولة في حد ذاتها: إنها مجرد حقائق من علم النفس الفردي أو الطبيعة البشرية. يرفض الأرسطيون مثل فينيس مفهوم هيوم للعقل العملي. لذلك، تتمثل مهمتنا الأولى في فهم أسباب رفضهم بذلك، وطبيعة البديل الذي يقدمونه.

الخيرات والرغبات

يرى هيوم في مفهوم للعقل أن كل سبب للعمل مرتبط برغبة لدى الفاعل. يمكن للعقل أن يخبرنا عن أفضل السبل لتحقيق هدف رغباتنا فقط. لا يمكن للعقل أن يخبرنا أنه يجب علينا أن نرغب في هذا أو ذاك: فمن وجهة نظر العقل، تكون رغبة معينة خيرة أو جيدة مثل الأخرى فلا يفاضل بينهما.

ومع ذلك، فإن الرغبة ليست حقيقة نفسية بسيطة. هناك حدود لما يمكن اعتباره رغبة معقولة. بمجرد أن نبدأ في تقدير هذه الحدود، نرى نقاط الضعف في نهج هيوم .

لنفترض أننا التقينا برجل أعلن أنه يريد صحن طين. ستحيرنا هذه الرغبة الغريبة ولا شك أننا نريد أن نعرف لماذا يريد طبقًا من الطين. قد يجيب: " بلا سبب"، "أريد طبقًا من الطين فقط". يمكننا أن نسأل "حسنًا"، "هل تدرس الطين؟ هل تريد إجراء اختبارات من نوع ما على الطين؟ "" لا، لست مهتمًا بأجراء اي اختبارللطين على الإطلاق. " هل تريد استخدام الطين لشيء ما؟ لعمل فطائر من الطين، أو لملء حفرة في الحائط؟ "" لا، لا فائدة لي من ذلك على الإطلاق." هل تجد الطين مبهجا؟ هل تحب الطريقة التي يلمع بها الضوء على سطحه؟ هل تذكرك رائحته بالعطل على شاطئ البحر؟ لا، لقد أخبرتك بالفعل، أريد فقط صحنًا من الطين. كما أوضح ديفيد هيوم، فإن رغبة واحدة جيدة مثل الأخرى من وجهة نظر العقل. لا يمكن القول بأن أي رغبة غير عقلانية ما لم تعتمد على معتقدات خاطئة، وهي ليست كذلك. أنا فقط أريد طبقًا من الطين وهذا كل ما في الأمر!"

كان على هيوم أن يجادل هنا بأن الرغبة في طبق من الطين تصدمنا على أنها غريبة لأنها ببساطة غير عادية. لكننا نميل إلى الشعور بأن هذه الرغبة ليست ببساطة غير عادية: إنها غير مفهومة. الأسئلة التي نطرحها عن هذه الرغبة الغريبة هي محاولات لفهمها، والأسئلة في الواقع تحاول اكتشاف ما يتعلق بالطين الذي يجعله مرغوبًا فيه. ما الذي يجعل الطين شيئًا جيدًا؟ إن الإصرار على أن المرء يريد فقط صحنًا من الطين دون سبب معين هو محاولة لفصل فكرة الرغبة عن فكرة أن تكون جيدة أو خيرة ومرغوبًة. بالنسبة لأي شخص متعاطف مع تفسير هيوم، تعتبر الأشياء جيدة بقدر ما هو مرغوبة أومطلوبة. لكن يشير مثال صحن الطين إلى أن الرغبة غير مفهومة ما لم تكن مرتبطة ببعض الخصائص الجيدة الموضوعية للشيء المطلوب أو المرغوب. يتعامل تفسير هيوم مع فكرة "الرغبة" على أنها أساسية ولا تحتاج إلى مزيد من الشرح. لكن يمكننا الآن أن نرى أن الرغبات ربما تكون منطقية فقط بالرجوع إلى فكرة أعمق وأكثر جوهرية: فكرة الخيرات الموضوعية.

يواجه تفسير هيوم للعقل العملي صعوبة في شرح كيف يمكننا أن نتداول بعقلانية بشأن ما يجب القيام به في تلك الظروف الشائعة جدًا حيث تتعارض رغباتنا. لنفترض، على سبيل المثال، أنك ترغب في التنزه على الشاطئ أثناء خروج المد، ولكنك ترغب أيضًا في مشاهدة لعبة كرة القدم على شاشة التلفزيون؛ نظرًا لأن الذهاب في نزهة ينطوي على عدم مشاهدتك اللعبة، فأنت مجبر على الاختيار.

من المحتمل أن يقول هيوم أنه يجب عليك التفكير في شدة رغباتك، ومتابعة أي خيار ترغب فيه أكثر. المشكلة هي، كما أوضح هيجل، أن الرغبة ليس لها " مقياس" في حد ذاتها، بالرجوع إلى أي شدة يمكن الحكم عليها؛ ولذلك فإن تفسير هيوم يجعل مداولاتنا تبدو وكأنها ممارسة تعسفية1.

عندما نحاول التفكير فيما نود أن نفعله أكثر من غيرنا، فإننا عادة لا نوجه نظرنا إلى الداخل للنظر في مشاعرنا: ولكننا نفكر في ظروف مثل جمال فترة ما بعد الظهر وفراغ الشاطئ، وأهمية مباراة الكريكيت وحالة اللعب الدقيقة. بمعنى آخر، نجد أنفسنا نفكر في الخصائص الجيدة المتنوعة للأشياء المرغوبة.

لا يستخدم فينيس هذه الحجج المحددة (على الرغم من أن لها مكانًا راسخًا في الأدبيات ولكنها تمثل الإستراتيجية العامة لهجومه على مفهوم هيوم. يجب أن يبدأ تفسير العقل العملي، ليس من الرغبات، ولكن من الخيرات؛ وكونها جيدة بصرف النظر عن الرغبة، فإن هذه الخيرات ستكون خيرات موضوعية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

....................

1- هيجل فلسفة الحق، الفقرة 17.

 

علي رسول الربيعيالتوترات المنهجية الأساسية

قد تكون هذه المقالة قصيرة لكنها مكثفة الفكرة عميقة المقصد. إن ما دفعنا للأهتمام بالفلسفة الإجتماعية هو لما لهذا الحقل المعرفي من أهمية فكرية لأنه يقدم وصفا ومعيًارا لتشكيل رؤية لمسار التغيير الاجتماعي المطلوب ولأرتباطه بالفلسفة السياسية ووباقي العلوم الانسانية. ولما له من راهنية تاريخية في الكشف عن سياق تشكيل الاجتماع السياسي والثقافي في مجتم الدولة العربية الحديثة.

تفتح الأسئلة الأساسية الأربعة حول الاجتماعي والمجتمع والمعياري والسياسي (التي شرحناها في المقال السابق) مجال الفلسفة الاجتماعية. وهناك أربعة توترات أساسية (منهجية)، إلى جانب هذه الأسئلة الأساسية، انعكست في العديد من المناقشات المختلفة لعقود من الزمن. لذا تستدعي هذه التوترات مزيدًا من التحليل.

يظهر التوتر الأولي بين الفلسفات الاجتماعية الاستدلالية والاستقرائية. تقوم المناهج الاستدلالية أولاً بتطوير مفهوم اجتماعي أو سياسي ثم تطبيقه على المجتمع وظواهره. تكون للنماذج النظرية الأسبقية على تحليل الواقع الاجتماعي في هذه المفاهيم. تختار المناهج الاستقرائية، في المقابل، إعادة بناء تنوع الممارسات الاجتماعية وبُناها المؤسسية كنقطة انطلاق لها. من المهم البحث أوالاستفسار عنها بأسلوب متعدد المنظورات وتطوير نموذج نظري على هذا الأساس. ثم يتم بعد ذلك فحص هذا النموذج تجاه الواقع الاجتماعي.

يتمثل التوتر الثاني في ذلك بين الجوانب المعيارية والوصفية للفلسفات الاجتماعية. لقد تم اعتباره سؤالًا أساسيًا للفلسفة الاجتماعية فيما يتعلق بالأبعاد المعيارية للاجتماع. أشار أرسطو الى هذا المعنى المزدوج للفلسفة الاجتماعية بوصفه فلسفة عملية. المطلوب أن تولي الفلسفات الاجتماعية اهتمامًا متساويًا لكلا الجانبين. ولذلك فهي مسألة إعادة بناء الخبرات والبُنى الاجتماعية وتوجه معياري للتصميم السياسي للفضاء الاجتماعي. ومع ذلك، لا يجب أن يحظى السؤال المعياري بالأولوية في الحجة الاجتماعية الفلسفية. لقد أشار هيجل بالفعل في فلسفته القانونية إلى أن الفلسفة الاجتماعية ذات التوجه المعياري بشكل خاص تعتمد على عمليات إعادة بناء دقيقة ومعقولة للممارسات المعيارية. هذا التوتر هو أيضًا مؤشر على أن الفلسفة الاجتماعية يجب أن تراعي دائمًا دراسات العلوم الاجتماعية ودمجها في اعتباراتها.

عملت العديد من الفلسفات الاجتماعية تاريخيا من خلال هذا التوتر الأساسي لبلورة خطاب متكامل. وتشمل هذه، على سبيل المثال، تأملات ماكس فيبر حول حرية الأحكام القيمية في العلوم الاجتماعية، والتي طالب فيها بأن يتضمن البحث في السياقات والديناميكيات الاجتماعية  بيانات وتعبيرات عن القيم خاصة بالفرد. اندلع في الستينيات ما يسمى بالنزاع حول المناهج بين ممثلي النظرية النقدية وكارل بوبر. بينما رأى بوبر أن هدف البحث في العلاقات الاجتماعية الوصف (الخالي من القيم) الموجه نحو حل مشكلات القضايا الاجتماعية الفردية، جادلوا المدافعون عن النظرية النقدية بوصفها تعيد بناء شاملة للعلاقات الاجتماعية المتبادلة التي لا تحدد المجتمع في تشابكها المتبادل فحسب، بل أن منظور البحث نفسه يفسر النقدً الشامل للظروف الاجتماعية1.

التوتر الثالث هو ما بين الفلسفات الاجتماعية التي تركز على الأفعال أو البنى. تستند نظريات الفعل الاجتماعية الفلسفية إلى الشخص الذي يتصرف كعضو في المجتمع، بينما تولي نظريات النظام (السستم) والبنية مزيدًا من الاهتمام للعلاقات البنيوية للمجتمعات الحديثة. يقدم أنتوني غيدينز نظرية تلفسير العلاقة بين هذين الموقفين. إنه عالم اجتماع وفيلسوف اجتماعي مهم في القرن العشرين. صاغ النقاش بكلمات مفتاحية رئيسية لإضفاء الطابع الاجتماعي على المجتمع والحداثة. يقدم في تحليله للحداثة الفرق بين نظريات البنية ونظريات الفعل. فبينما يرى معظم الفلاسفة الاجتماعيين أنهم يقررون جانبًا أو آخر بنظرياتهم، فإنه يدعو إلى مسار وسطي: يعيش الناس في بنى يتأثرون بها. لكن في نفس الوقت هم أيضًا ممثلون (يمكنهم) تشكيل البنى بأفعالهم. يعبر المفهوم الأساس للحداثة عن حقيقة أن الناس لديهم دائمًا معرفة بالبنى التي تؤثر على أفعالهم. يدمج الناس هذه المعرفة في حياتهم اليومية ويعلقون عليها. يتحدث غيدينز عن الطابع العودي للحياة الاجتماعية. إن الطبيعة المتكررة للأفعال التي يتم تنفيذها بنفس الطريقة يومًا بعد يوم هي الأساس المادي لما أسميه الطبيعة التكرارية للحياة الاجتماعية "2.

أخيرًا، يشكل التوتر بين الوحدة والتنوع العديد من النظريات الاجتماعية والفلسفية. تركز بعض المناهج بقوة على وحدة المجتمع، و يعالج البعض الآخر تعدده في المقام الأول. حتى لو كان المفهوم الموحد للمجتمع مطلوبًا كقوس نظري للفلسفة الاجتماعية، فلا ينبغي أن يعرض تنوع المجتمعات الحديثة بشكل وصفي أو معياري، كما هو الحال في بعض المناهج. لذلك تُسأل المقاربات الحالية دائمًا إلى أي مدى يمكنها تقديم فهم مقنع للعلاقة بين الوحدة والتنوع. يعتبر التفكير حول ثنائيات التمايز الوظيفي والتجانس المجتمعي أو الثقافي والتفاعل بين الثقافات مثالاً يحتذى به.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.......................

1- https://dl1.cuni.cz/pluginfile.php/494940/mod_resource/content/1/adorno-versus-popper.pdf

2- Giddens,A.The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration,‎ Polity,1986.

 

 

العواملُ المُحدِّدة لطبيعة السلوك الإنساني في المجتمع ترتبط بشكل وثيق بالدوافع النَّفْسِيَّة للأفراد، ومصالحهم الشخصية، وهذه العوامل لا تُوجد في ماهيَّة العلاقات الاجتماعية بشكل تجريدي هُلامي، وإنَّما تُوجَد بشكل منطقي انسيابي، لأنَّ المعنى الاجتماعي - جُزئيًّا وتفصيليًّا - يعتمد على التَّوليد لا التَّجريد، أي إنَّه يعتمد على اشتقاق الأفكار من الواقع المُعاش، وتكريسها في الحقائق الاجتماعية والتجارب الإنسانية من خلال طرح الأسئلة المصيرية، والبحث عن إجابات عقلانية، ودَلالات فكرية، وآليَّات عملية، من أجل الانطلاق من الذات الإنسانية إلى الطبيعة الماديَّة للأحداث اليومية، ومِن العَرَض الهامشي في البيئة إلى الجَوهر اللغوي في الوجود. لذلك، تُمثِّل عمليةُ التَّوليدِ مَنبعَ الدَّلالات الاجتماعية المركزية في الحياة، أمَّا التَّجريد فهو عملية فصل الأفكار عن الأشياء، والخُروج من الواقع إلى الذهن، والانتقال من الصوت إلى الصدى، والتَّحَوُّل من التفاصيل الجُزئية إلى الأشكال الصُّوَرية، وهذه العملية ذات الخُطُوَات المُتسلسلة شديدة الخُطورة، لأنَّها تُحوِّل العلاقاتِ الاجتماعية إلى أشياء ذهنية بلا امتداد واقعي ولا تطبيق عملي، كما أنَّها تُحوِّل الروابطَ بين الأشياء إلى كِيانات مُستقلة عن الشعور الإنساني والظواهر الثقافية والتجارب الحياتية. والعلاقاتُ الاجتماعيةُ إذا تحوَّلت إلى أشياء، فإن الإنسان سيتحوَّل إلى شيء، ويَخسر طبيعته، ويَفقد مَاهِيَّته .

2

فصلُ الأفكار عن الأشياء يُؤَدِّي إلى تحويل الإنسان إلى أداة وظيفية مَحصورة في حَيِّز مُغلَق، لتنفيذ مُهمات اجتماعية مفروضة عليه . وهذا يعني أن الإنسان صارَ شيئًا كالأشياء، يتلقَّى التعليماتِ ويُطبِّقها بشكل آليٍّ وفاعلية ميكانيكية، بلا فضاء إبداعي، ولا جُغرافيا معرفية، وهكذا ينشأ تاريخ جديد للإنسان الذي يُعاني من الغُربة في ذاته والاغترابِ في مُجتمعه، وهذا التاريخ قائم على التَّشَظِّياتِ في الهُوية الوجودية، والتَّمَزُّقَاتِ في بُنية الوَعْي الاجتماعي، مِمَّا يَجعل الأحلامَ الإنسانية تستقر حول الأشياء، دُون القُدرة على اقتحام حقيقتها، وهكذا يَعجَز الإنسانُ عن تجاوُز ذاته، والانطلاق إلى آفاق فكرية جديدة، لأنَّه مَحصور في زاوية ضَيِّقة، ومُحَاصَر بإفرازات عَالَم الأشياء. وبالتالي، يَدُور في حَلْقَة مُفرَغة، كالشخص الذي يَدُور حَول بَيته، لأنَّه أضاعَ مِفتاحَه، ولَم يَعُدْ قادرًا على الدُّخُول إلَيه، أوْ كالشخص الذي يرى الكنزَ أمامَه، ولا يستطيع الوُصولَ إليه، لأنَّ بينهما حاجزًا ماديًّا أوْ عائقًا معنويًّا .

3

صِفَاتُ الإنسانِ مَاهِيَّاتٌ قائمة بذاتها، تنتمي إلى عَالَم الأفكار، والمفاهيمِ الأخلاقية، والخصائصِ الروحية، والحقائقِ المادية، وهذه الصفات عناصر مركزية في كَينونة وجودية مُتغيِّرة باستمرار، بسبب تغيُّر المُسلَّمات الافتراضية في النسق الاجتماعي روحيًّا وماديًّا . والجديرُ بالذِّكْر أنَّ الدفاع عن المُسلَّمات الافتراضية ذات الطبيعة الاجتماعية لَيس دفاعًا عن جوهر المجتمع وحقيقته، والطريق إلى الحقيقة ليس هُوَ الحقيقةَ . وهذا التمييز ضروري في عَالَم استهلاكي يُسيطر على العلاقات الاجتماعية، وينتزع جوهرَها، ويُعيد إنتاجَها كي تصير سِلَعًا في موقع التبادُل ومركز المُقَايَضَة، وظِلالًا للأنشطة المادية الخالية من القِيَم الروحية، والرمزيةِ اللغوية . وهكذا، يُصبح التواصلُ بين الناس تواصلًا بين الأشياء، ويصير الشُّعورُ نظامًا آلِيًّا، وتَؤُول العلاقاتُ إلى صُوَر للاغتراب، فيفقد المجتمعُ حياته الوجودية وحيويته المعرفية، وتُصبح الظواهرُ الثقافية كِيَاناتٍ جامدة، لا تستطيع صناعةَ الأحلام في الحَاضِر، ولا تَقْدِر على زراعة الآمال في المُستقبل . وإذا عَجَزَ الإنسانُ عن رؤية ذاته في حياته، انكسرت إنسانيته، وتهشَّمت هُويته، وهذا هو المَوت البطيء في ظِل عَالَم سريع التغيُّر .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

عدنان عويدما أرمي إليه هنا بالنسبة لمسألة الثقافة ومضمونها، لا يعني الثقافة بمفهومها الشامل، على اعتبارها مجموع المعطيات الماديّة والروحيّة، بما فيها الرؤى الفكريّة والمهارات والقيم الداخليّة النشطة التي تشكل أساس التجربة اليومية الفرديّة والجماعيّة للناس الذين يعيشون هذه التجربة بأنفسهم. وإنما أعني بها الرؤى الفكريّة التنويريّة العقلانيّة التي تمثل في مجملها مجموعة الأنساق المعرفيّة ذات الطابع الإنسانيّ من أدب وفن وفلسفة.. الخ. هذه الأنساق المعرفيّة التي شكلت وتشكل في بعض مراحل تاريخ المجتمعات، عتلات أو حوامل نهضويّة عندما تكون هذه المجتمعات في حالات متدنيّة من التخلف، أو التحولات الثوريّة نحو مرحلة أكثر تقدماً، كما هو الحال لدى الشعب الفرنسي مثلاً قبل قيام الثورة الفرنسيّة، عندما لعبت أفكار التنوير التي طرحها العديد من فلاسفة عصر التنوير ومن سبقهم كروسو، ومنتسكيو، وفولتير وهلفسيوس وريكاردو، وغيرهم ممن ساهم في إنتاج وتسويق هذه الأفكار الثوريّة، دوراً كبيراً في تعبئة الجماهير للقيام بالثورة ضد الاستبداد والظلم وشموليّة الالدولة او النظام الحاكم، ممثلاً آنذاك، بالنظام الملكي القائم، وسلطتي الكنيسة والنبلاء. وكذا الحال في ألمانيا عندما أسست أفكار "هيجل" والهيجلين الشباب، على سبيل المثال المنطلقات النظريّة لمفهوم الدولة والدين والسلطة، والسير على هديها في توحيد ألمانيا وإقامة دولتها العتيدة. وهذا ما وجدناه أيضاً في تاريخنا العربي عندما أسست أفكار الأفغاني، والكوكبي، وعبده، وبطرس البستاني، وإبراهيم اليازجي، وشبلي شميل، وفرح أنطون واديب اسحق، وغيرهم من كتاب ومفكرين عرب منطلقات نظريّة تقدميّة نهضويّة في أنساقها السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، ضد الواقع الفاسد آنذاك، ودعت إلى تجاوزه، من خلال مقاومة المستعمر وقيمه الثقافيّة أو الحضاريّة والدعوة إلى دولة يسودها العدل والمساوة إن كان على مستوى الفكر الديني الاصلاحي ممثلاً بفكر الأفغاني وعبدو والكواكبي والزهاوي وغيرهم، أو الفكر الوضعي ممثلاً بأديب اسحق وشبلي شميل وفرح انطون وآل البستاني واليازجي وغيرهم أيضاً. هذا مع إيماننا بطبيعة الحال، بأن أفكار منظري الثورة الفرنسيّة، لم تكن العامل الوحيد وراء قيام الثورة الفرنسيّة بشكل مباشر، على اعتبار أن هذه الأفكار التنويريّة الثوريّة، جاءت نتيجة لتحولات عميقة في جملة الظروف الموضوعيّة والذاتيّة التي حدثت في فرنسا قبل قيام الثورة الفرنسيّة بكثير، ممثلة، بالثورة الصناعيّة والعلميّة والاقتصاديّة من جهة، وبالتحولات الاجتماعيّة، ممثلة بنشوء طبقتي البرجوازيّة والعماليّة اللتين راحتا تبحثان عن موقع لهما في الحياة الاقتصاديّة والسياسيّة من جهة ثانية. وبالتالي فإن أفكار منظري التنوير لم تكن في الحقيقة إلا جزءاً من هذه التحولات، بل هي نتاج هذه التحولات، غير أنها بفعل حواملها الاجتماعيّة والظروف التي سمحت بإنتاجها وتحويلها إلى قوة ماديّة، أو رافعة نهضويّة، ساعدت على أن تلعب تلك الأفكار دوراً كبيراً في توعية الجماهير ومعرفة مصلحتها، وبالتالي دفعها إلى الثورة.

وكذا الحال ينطبق على أفكار هيجل حول الدولة، وأفكار المنورين الألمان الذين تأثروا بأفكار الثورة الفرنسيّة وعملوا على تسويقها في ألمانية آنذاك. فبالرغم من أهمية هذه الرؤى الفكريّة، وبخاصة رؤية هيجل حول الدولة، لم تستطع هذه الأفكار لوحدها أن تخلق دولة ألمانيا الموحدة لولا توفر الظروف التي أوجدت بسمارك ومن سانده لتحقيق هذا حلم .

إن هذه المسألة تنطبق أيضاَ على أفكار عصر التنوير العربي في القرن التاسع عشر، مع فارق، أن هذه الأفكار التنويرية التي حملها المتنورون العرب، من حريّة وعدالة ومساواة، وتنمية اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة.. الخ. جاءت في معظمها مستوردة من الغرب المتطور من جهة، رغم أنها كانت وصفات حقيقيّة لتجاوز الواقع العربي المتخلف جداً، إلا أنها لم تستطع أن تتفاعل مع الواقع العربي المتخلف بكل مستوياته، فظل هذا الفكر(نغلاً) أو غريباً بكل معاني الغربة عن الواقع العربي الذي طُرح فيه، كونه لم يجد مقومات تطبيقه أو إنتاجه عمليّاً. ثم أمام خضوع البلاد العربيّة للاستعمار، وانتشار الجهل وأميّة الحرف في الساحة العربيّة آنذاك، ظل هذا الفكر محصوراً في محيط حوامله الاجتماعيّة من النخب المثقفة والمتعلمة التي درست في الغرب وتأثرت به، وبالتالي لم يكن لهذا الفكر ذاك الدور التعبوي للجماهير الذي لعبه الفكر التنويري في دول أوربا، بل كثيراً ما استخدمه المستعمر من أجل زيادة تفتيت اللحمة الوطنيّة داخل البلاد، كما جرى في مصر عندما اشتغل الانكليز على وتر الديمقراطيّة، من أجل تفتيت الموقف الوطنيّ لثوريّ مصر الذين راحوا يعملون لطرد المستعمر وتخفيف وطأته.

أمام هذه المعطيات نستطيع الوقوف قليلاً للنظر في مفهوم الانزياح الثقافي الذي ولد (الثقافة البذيئة) وكيفيّة تجليه على الساحة العربيّة، على اعتبار أن تلك الحالة الثقافيّة التي لم تعد فيها الثقافة في نسقها المراد هنا (الابستمي)، تشكل تلك الرافعة أو الحامل النهضوي الذي يعمل على تطوير المجتمع وتنميته من خلال منتجيه وحوامله الاجتماعيّة. يضاف إلى ذلك، عملية الاغتيال التي تتم في تاريخنا المعاصر، لآلاف المواهب والإبداعات القادرة على خلق مناخات تنمويّة للمجتمع على كافة مستوياته، بسبب وضع القرار الثقافي غالباً في يد غير يد أصحابه، ولا يشترك في صنعه منتج الثقافة ومستهلكها الحقيقيان.

ما هي أبرز العوامل التي ساهمت وتساهم في تحقيق الانزياح الثقافي على الساحة العربيّة؟:

أولاً الدولة الكليانيّة:

في دول العالم الثالث عموماً، ووطننا العربيّ على وجه الخصوص، لم يأت تشكل الدولة في معظم مؤسساتها وآليّة عملها، وبالتالي طبيعة علاقاتها مع المجتمع، نتيجة لتحولات تاريخيّة عميقة أصابت الوجود ألاجتماعيّ بكل مكوناته الماديّة والفكريّة معاً، وبشكل خاص الوجود السياسيّ منه، الأمر الذي ترك خللاً واضح المعالم حتى هذا التاريخ في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع من جهة، وبين الدولة والمشروع الثقافي التنويري بحوامله الاجتماعيّة من جهة ثانية، حيث تجلى هذا الخلل هنا واضحاً في انزياح الثقافة التنويريّة ومثقفها العضويّ عن دورهما في تحقيق التنمية، أو المساهمة في رسم ملامحها في دول العالم الثالث، وفسح المجال واسعاً أمام أشكال أخرى من الثقافة، مثل ثقافة المجتمع الاستهلاكي، أو الثقافة السلطويّة الهامشيّة والاستهلاكيّة بكل ما تحمله الكلمة من دلالة، إضافة إلى سيادة أشكال أخرى من المثقفين اللامنتمين، مثل مثقف السلطة، الذي غالباً ما يلتقي في الدولة الكليانيّة مع المثقف المهاتر، والمثقف الانتهازيّ.

إن هذه النماذج من الثقافة (البذيئة) وحواملها، تساهم في خلق مشروع الانزياح الثقافي في الدولة الكليانيّة أو الشموليّة، على اعتبار أن ما يُنتج ويُستهلك من ثقافة هنا، لا يصب في خدمة المجتمع وتطويره وتنميته، بقدر ما يصب في خدمة القوى الحاكمة لهذه الدولة بكل مرجعياتها التقليديّة من عشيرة أو قبيلة أو طائفة أو حزب، مضافاً إليها الحامل الاجتماعي الموالي لهذه المرجعيات، والمنتج لهذه الثقافة والمسوق لها معاً، بغية الحفاظ على بنية هذه الدولة المتخلفة، واستمرارها تاريخيّاً.

ثانياً: سيادة وسيطرة الفكر الأصولي والامتثالي

إن من يبحث في طبيعة الوجود الاجتماعي عند معظم مجتمعاتنا العربيّة، التي لم يزل فيها هذا الوجود الاجتماعيّ بقوى وعلاقات إنتاجه متخلفاً، سيجد أن معظم هذه المجتمعات محافظة على قسم كبير من هذا التخلف، حيث لم تزل تُستخدم الكثير من أدوات الزراعة التي استخدمها أجدادنا قبل التاريخ، ويأتي على رأس هذه الأدوات المحراث ذو السكة الحديديّة الذي يجره الحيوان، إضافة إلى حالات التخلف المزري في مجال الصناعة والتكنولوجيا العلميّة، وتدني مخصصات البحث العلمي المتعلقة بها، يرافق ذلك غياب واضح لأسس المجتمع المدني ودولة المؤسسة، وما يرافقها من تفكير تنويري قادر على التعامل مع معطيات العصر بعقلانيّة، بدلاً من الفكر الأصولي والامتثالي الذي لازال يعاد إنتاجه في مضمار الساحة الاجتماعيّة العربيّة بكل مستوياتها الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة، وبالتالي سيطرته على هذه الساحة وبخاصة الثقافيّة والتعليميّة منها، حيث نجد الكثير من جامعاتنا تزخر بحملة هذا الفكر الذي تحول إلى سيوف مسلطة على رقاب كل كاتب أو مفكر عقلانيّ حتى ولو كان إسلاميّ التوجه، كما جرى للراحل " حامد أبو زيد" وغيره الكثير من قبل ومن بعد.

نقول: أمام هذا التخلف البنيويّ الذي لم يزل يعيد إنتاج الفكر الأصوليّ ولامتثاليّ والخرافيّ والأسطوريّ، وفاعليته النشطة أيضاً، نجد ان هذا الفكر ساهم في تحقيق فعل الانزياح الثقافي للفكر التنويريّ والعقلانيّ النقديّ بالضرورة عن الساحة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة، وأفقد هذا الفكر- أي التنويريّ - دوره الفاعل في تنمية المجتمع وتقدمه، تاركاً المجال واسعاً للفكر الآخر ينشط بحريّة لجر المجتمع دائماً إلى الوراء تحت ذريعة العودة إلى الأصول أو النبع الصافي، بحثاً عن الفردوس المفقود.

ثالثاً: التأثير السلبي لأفكار ما بعد الحداثة

مع تحقق عملية تركز الرأسمال في أوربا بشكل عام، وأمريكا على وجه الخصوص، وتحوله إلى رأسمال ماليّ، (1). وبالتالي التحامه بالدولة وتحوله أخيراً إلى رأسمال احتكاريّ، أخذ هذا الرأسمال الاحتكاريّ بدوره تحويل الدولة ذاتها التي التحم بها إلى دولة رأسماليّة احتكاريّة، راحت تمثلها في تاريخنا المعاصر الولايات المتحدة الأمريكيّة، بما تحمل هذه الدولة من مشاريع قهريّة لشعوب العالم، يأتي في مقدمتها تشكيل ما سمي بالنظام العالمي الجديد، والعمل على إعادة هيكلة العالم (السوق العالميّة) وفقاً لمصالحها. فأمام هذه التحولات البنيويّة للنظام الرأسماليّ، رحنا نلمس انغلاقاً لتاريخ الأفكار، وولوج مرحلة ما بعد الحداثة، التي راحت مقولة (أدر جيداً أرصدتك) تفرض نفسها على كافة مستويات هذه المرحلة، وبخاصة القيميّة منها ممثلة بالفن والأدب والفلسفة والأخلاق..الخ

إن معطيات ما بعد الحداثة في شقها ألقيمي هنا، لم تعد في مضمار هذا النظام أكثر من جملة من السيرورات التراكميّة التي يشدّ بعضها بعضاً، والتي دخلت عمليّاً كما يقول "ماكس فيبر" في مضمار (بناء تحديث الموارد وتحويلها إلى رؤوس أموال، عبر تنمية القوى الإنتاجيّة، وزيادة العمل...وعلمنة القيم الأخلاقيّة.). (2).

إن قراءة أولية لأفكار " ماكس فيبر"، تشير لنا وبكل وضوح، إلى أن هناك حالات انزياح قد تمت لمسألة القيم الايجابيّة، ويأتي في مقدمتها النسق الثقافيّ موضوع بحثنا هنا، وذلك من خلال السعي إلى فصل المسائل القيمّة ومنها الثقافيّة، عن أصولها أو جذورها من جهة، ثم تحويلها إلى نماذج لسيرورات تطور حياديّة، وقطع صلتها بكل ما هو عقلانيّ، بحيث لم تعد الثقافة بصفتها عمليات تفعيل لتنمية المجتمع وتطوره، أي بوصفها التاريخ الموضوعي للبنى العقلانيّة، بقدر ما أصبحت مورداً للدخول (كم مليون دولار حقق هذا الفلم، وكم مليون دولار تساوي هذه اللوحة، وكم مليون دولار حقق هذا الكتاب.. الخ).

وهذا ما يدفعنا للقول أيضاً: إن الثقافة في معطياتها الما بعد حداثويّة، قد قضت على مقدمات التنوير، وأصبحت نتائج التحول في القيم التي أشرنا إليها وحدها تستمر في التأثير، وبالتالي هذا ما أدى بالمجتمع هنا أن يتحرر من إحدى الروافع الأساسيّة المحركة لتطوره الايجابي، وهي "الثقافة".

إن الثقافة في هذا السياق، تحولت إلى أسلوب عمل يساعد على تحريك القوانين الوظيفيّة لاقتصاد السوق المتوحش، وللتنمية والعلم الذين يخدمان هذه الوظيفة الاقتصاديّة، وخلق قيم اجتماعيّة وأخلاقيّة وسياسيّة جديدة كالتي أشار إليها "ماكس فيبر"، تخدم مصالح قادة النظام العالمي الجديد. أي تحويل هذه الثقافة إلى أداة لخلق قيم ونظام ربحيين بعيدين عن خدمة المجتمع، تتكئ على (عقل أداتيّ). (3) في التفكير والممارسة، كل ما يراد منه هو إدارة الأرصدة بشكل جيد.

إن (نمذجة الثقافة) في المجتمع الغربي والأمريكي في الصيغة التي تقدمنا بها أعلاه، دفعت بعلم أو دون علم، بعض الكتاب والمفكرين العرب لتسويقها في ساحتنا الثقافيّة، الأمر الذي زاد من حدّة وسعة الانزياح الثقافي في وطننا العربيّ، وبالتالي المساهمة أكثر في تعميم التخلف وتجذيره.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

.............................

الهوامش:

1- الرأسمال المالي: هو التحام الرأسمال التجاري والصناعي بالرأسمال المصرف، وبالتالي الزيادة في تمركز الراسمال في يد طغمة ماليّة قليلة العدد على مستوى الدولة الوطنيّة.

2- راجع القول الفلسفي للحداثة، "هبرماس"، ترجمة فاطمة ألجيوشي، وزارة الثقافة، دمشق، 1995، ص9).

3- العقل الأداتيّ: هو العقل عندما يوظف في تسيير التكنولوجيا ورسم الخطط والبرامج الإداريّة او الوظيفيّة لأصحاب الرأسمال بعيدا عن دوره في التخطيط لتنمية المجتمع وتطوره.

 

 

حاتم حميد محسنالانسان هو الحيوان الوحيد على الارض الذي يدرك انه سوف يموت في يوم ما. هذا الادراك لا يميل ليكون نوعا من المعرفة التي يُستمتع بها. على مر التاريخ سعى الناس نحو حياة خالدة، ومؤخرا علّقوا هذا الأمل على العلوم. ولكن المألوف أكثر هو الأمل بان الحياة سوف تستمر بعد الموت بدلا من الأمل بإمكانية تأجيل الموت الى الأبد.

يذكر البروفيسو (ستيف ستيوارت وليم) (1) ان الايمان بالحياة بعد الموت يأتي بأشكال وأحجام مختلفة. نحن نستطيع التمييز، مثلا، بين الرؤى التي تستلزم وجود مستمر في جسم مادي، وتلك التي ترى ان البقاء بعد الموت يحدث خارج الجسد. الفئة الاولى تتضمن التناسخ، والعقيدة اليهودية- المسيحية والاسلامية بان الله سوف يبعث أجسادنا في وقت ما من المستقبل. البقاء بعد الموت خارج الجسم المادي جرى تصوره بأشكال مختلفة كبقاء في جسم غير مادي (روح الميت)، او البقاء كذهن بلا جسد. هذه التصورات للحياة بعد الموت تشترك بحقيقة ان الشخص الفرد سيستمر في الحياة بعد الموت بمعنى ما. عقيدة اخرى هي في البقاء غير الشخصي. بعض تيارات البوذية، مثلا، تؤمن ان الذهن الفردي يتحد مرة اخرى في ذهن عالمي. في مقابل جميع هذه الرؤى هناك العقيدة باننا مع الموت لم يعد لنا وجود في أي معنى.

الحجج المؤيدة لنظرية الحياة بعد الموت

السؤال حول ما اذا كنا سنبقى بعد الموت هو من أكبر الاسئلة في حياة الانسان. سنستكشف هنا بعض الحجج والبراهين مع وضد البقاء. سنبدأ بالحجج المدافعة عن الحياة بعد الموت.

الدليل التجريبي عن الحياة بعد الموت

بعض الأدلة الأكثر إقناعا عن الحياة بعد الموت يأتي من العديد من القصص والتقارير عن الظواهر الخارقة. من بين هذه الخوارق هي تجارب الخروج من الجسد، وتجارب الاقتراب من الموت، ورؤية الأشباح، ووسائط الاتصال مع الميت، وذكريات الحياة الماضية. مثل هذه الحوادث، اذا كانت كما تبدو، سوف تشكل دليلا ميدانيا للايمان باننا سنعيش بعد الموت (رغم انها لا تبيّن اننا بالضرورة سنعيش بعد الموت الى الأبد). لذا، ما مدى صحة دليل ظاهرة الخوارق؟

على عكس الانطباع الذي تعكسه احيانا الميديا الشعبية، فان الدليل ليس قويا. الكثير منه يمكن توضيحه بسهولة في عبارات طبيعية naturalistic terms. فمثلا، رغم عدم وجود اساس للشك بان الناس احيانا يمتلكون تجارب خارج الجسد او تجارب الاقتراب من الموت، لكن هذه التجارب يمكن توضيحها بعبارات فسيولوجية وسايكولوجية. ونفس الشيء، ذكريات الحياة الماضية ربما تكون ذكريات زائفة، ومشاهد الأشباح قد تكون تفسيرات سيئة لدوافع غامضة. هذه الإمكانات لا تؤكد بذاتها ان التوضيحات الما فوق طبيعية مكتملة التبرير. اينما وُجد توضيح آخر معقول لجزء من الدليل، عندئذ لابد من الاعتراف بان ذلك الدليل لا يستطيع تبرير عقيدة قوية في التفسير المافوق طبيعي. كذلك، بعض الأدلة تُضعف كثيرا من مصداقية التوضيحات الخارقة. فمثلا، الوسائط التي كانت قادرة على الاتصال بالناس الذين لا معرفة لها بهم، كانت وسائط قصصية او انها لاتزال حية.

ولكن ليس كل ادّعاء بحدوث الخوارق يمكن توضيحه بعبارات طبيعية. نحن جميعنا سمع قصصا، مثلا، عن أقارب ميتين يعودون لنا، ينقلون معلومات لا يمكن الحصول عليها بطرق اخرى. اذا كانت مثل هذه الأشياء تحدث حقا، فان التوضيحات غير الخارقة للطبيعة ستكون غير معقولة. اذا كان لابد من إثارة الشك، فان الدليل على مثل هذه الأحداث الخارقة المؤكدة هو دائما ضعيف او مبني على أقاويل قصصية. التقارير القصصية هي غير موثوقة، وعندما تُتبع الطرق العلمية الموثوقة، فان الظواهر الخارقة تميل الى الزوال. لذا فان الموقف هو كالتالي: اينما وُجد هناك دليل جيد للحدوث (مثلا، تجارب الاقتراب من الموت، وتجارب الخروج من الجسد)، فان ذلك الحدوث يمكن بسهولة ان يُعطى توضيحا طبيعيا، ومتى ما كان غير ممكن اعطاء توضيح طبيعي للحدوث، فسيكون هناك ميل ليكون دليلا غير جيد لذلك الحدوث – بما يشير انه حقا لم يحدث ابدا. هذا هو بالضبط الشكل الذي نتوقعه لو لم تكن هناك حقيقة للظواهر الخارقة. باختصار، لا وجود لدليل تجريبي جيد للحياة بعد الموت.

حفظ الطاقة conservation of Energy

ان البحث عن دليل تجريبي ليس هو المحاولة الوحيدة لمنح الايمان بالحياة بعد الموت احتراما علميا. البعض يجادل ان المبدأ العلمي لحفظ الطاقة يدعم فكرة ان الذهن ينجو من الموت الجسدي. طبقا لهذا المبدأ، الطاقة لايمكن ابدا ان تقفز فجأة الى الوجود او تتوقف عن الوجود، انها ببساطة تتغير في الشكل. البعض يجادل انه يتبع هذا المبدأ ان الذهن او الوعي لايمكنه الخروج من الوجود او يختفي عند الموت. الانتقاد الأساسي لهذا الجدال هو ان مبدأ حفظ الطاقة ينطبق فقط على الطاقة الفيزيائية. وهكذا، اذا نُظر الى الذهن باعتباره غير مادي او طاقة روحانية، فلا سبب هنا للاعتقاد بتطبيق مبدأ حفظ الطاقة . كذلك، حتى لو كان الذهن شكلا من الطاقة الفيزيائية، فان المبدأ سوف لن يضمن البقاء بعد الموت. ومع ان الطاقة لن تختفي من الوجود ولا تتوقف عنه، لكنها بالفعل تتغير في الشكل. وهكذا، اذا كان الذهن طاقة فيزيائية، فهو بالنهاية سوف يتحول الى النقطة التي فيها لم نعد نستطيع القول ان الذهن الأصلي لايزال موجودا.

ولكن ربما اولئك الذين يستخدمون هذه الحجة حقا في ذهنهم مبدأ ذو عمومية اكثر من مجرد حفظ الطاقة الفيزيائية، مثل الادّعاء البسيط بان لاشيء يُخلق ولاشيء يتحطم. هذا المبدأ فيه القليل من المصداقية العلمية، ولكن ربما هو الطريقة الوحيدة لإنقاذ الحجة. ولكن مع افتراض انه صحيح، وهو عرضة للنقاش، هل سيضمن بقاء الذهن بعد الموت؟ بدايةً، المبدأ سوف لا ينطبق على الكينونات التراكمية – الاشياء المركبة من اشياء اخرى. الذرات المؤلفة لجسمنا، مثلا، سوف تستمر بالوجود بعد وفاتنا، لكن جسمنا ليس كذلك. بعض الفلاسفة البوذيين اعتقدوا ان الذهن هو تراكم من "ذرات ذهنية" – اذا كان الامر هكذا، فان انحلال الذهن سوف لن يتعارض مع المقدمة بان لا شيء يُخلق او يتحطم، اكثر من حقيقة ان شكلا من الرمال لم يعد له وجود عندما تذروه الرياح. المقدمة تضمن فقط البقاء لو استطعنا تأسيس ان الذهن منفرد، لايتقسم، ولا يتحطم. الدليل المتوفر لا يدعم هذا الموقف. ممارسات البحث السريري في سايكولوجيا الأعصاب تبيّن انه عندما يتضرر جزء من الدماغ، فان جزء من الذهن يتضرر. هذا يلقي ظلال من الشك على امكانية ان الذهن هو اما لايتجزا او لا يتحطم.

حجج من سلطة ما (مصدر خارجي)

ان محاولة ربط الايمان بالحياة بعد الموت بسلطة العلوم لم تكن ناجحة. هناك سلطات اخرى يمكن ان يلجأ اليها المؤمنون بالحياة بعد الموت. الحجة الشائعة تثق في سلطة الأكثرية. وهي حجة عادة يُشار اليها في الدفاع عن فرضية البقاء بعد الموت التي فيها آمن غالبية الناس . اولا، يجب التأكيد على ان الناس لم يؤمنوا كلهم بنفس أشكال الحياة بعد الموت، وهو الأمر الذي من شأنه ان يُضعف الدفاع عن الحجة. غير ان هناك جواب أكثر قوة. كما لاحظ بتراند رسل:" ان الايمان برأي على نطاق واسع هو ليس دليلا على ان الرأي ليس سخيفا تماما. في الحقيقة، بالنظر الى رؤية الأكثرية من البشر، فان عقيدة منتشرة على نطاق واسع يُحتمل ان تكون سخيفة اكثر مما تكون معقولة ".

اتجاه آخر، اذاً، سيكون إعتماد سلطة الناس الحكماء والأنبياء في الماضي، الذين اعتقد العديد منهم بالحياة بعد الموت. ولكن كيف نعرف ان هؤلاء الناس هم حكماء؟ ربما اذا اعتقدنا ان تعاليمهم كانت زائفة كليا، فسوف لن نعتبرهم حكماء. اعتبارهم حكماء يبيّن لنا اننا سلفا نعتقد ان تعاليمهم صحيحة. اذا اعتقدنا انهم حكماء لأنهم يؤمنون بعقائد معينة، عندئذ لا نستطيع اعتبار حكمتهم دليلا على عقائدهم. الجدال المنطلق من سلطة الناس الحكماء لايدعم الايمان بالحياة بعد الموت، انه فقط يكشف العقائد الموجودة سلفا لأولئك الذين يستخدمون الجدال.

الحجة من العدالة

جدال مختلف جدا حول الحياة بعد الموت يبدأ من ملاحظة ان الحياة لو كانت تنتهي بعد الموت، فسوف لن تكون هناك عدالة. في هذا العالم، نرى البريء يعاني، والخيّر عادة لا يستلم مكافأة بينما السيء يذهب بدون عقوبة. اذا لم يتم ضبط هذا اللاتوازن الأخلاقي فان الكون سوف لن يكون عقلانيا. سيكون غير عادل، بلا معنى، وسخيف. لذلك، فان لاعدالة الحياة في هذا العالم تشير الى ان الحياة يجب ان تستمر بعد الموت، لأن استمرار الحياة هو فقط منْ سيعيد التوازن لميزان العدالة.

هذه الحجة لها عدة مضامين عادة ما يتجاهلها الناس. اولا، انها لا تحدد الشكل الذي يتخذه البقاء بعد الموت. انها حجة جيدة بنفس مقدار نظرية (الفعل والتقمص) الهندوسية. وهكذا، فان هذه الحجة وحدها لاتبرر أي مفاضلة بين هاتين الرؤيتين. ثانيا، الحجة سوف تدعم البقاء بعد الموت لكن ليس بالضرورة الخلود. نظراً الى ان كل واحدة من حياتنا محدودة، فهناك فقط زمن محدود سيكون مطلوبا لإحداث التوازن في ميزان العدالة.

ولكن هل الحجة تؤسس بقاءً مؤقتا؟ عند تجريد الحجة الى شكلها الاساسي، فانها تتألف من مقدمة (اذا كانت الحياة تنتهي عند الموت، عندئذ فان الحياة سوف لن تكون عادلة) واستنتاج (الحياة لا تنتهي عند الموت). كما يتضح، هذه ليست حجة صالحة الإستدلال، لأن الاستنتاج لايتبع مباشرة من المقدمة. لكي تكون الحجة صالحة، يجب ان نضمّن مقدمة وسيطة. يمكن قراءة الحجة بالكامل كالتالي:

اذا كانت الحياة تنتهي بالموت، عندئذ سوف لن تكون الحياة عادلة.

الحياة عادلة. ولذلك، لاتنتهي الحياة عند الموت.

الحجة الآن صالحة. المقدمة الجديدة هي افتراض ضمني لم يُصرح به سابقا، ولكن الحجة تعتمد عليه. مع ذلك، كوننا جعلنا كامل الحجة واضحة، فان هذه المقدمة هي التي تبدو الأكثر عرضة للتساؤل. انه من غير الواضح ان الحياة عادلة، ولاشيء هناك غير عقلاني او متناقض حول الكون الذي هو غيرعادل بمعايير الانسان. ما لم يكن لدينا سبب جيد للاعتقاد بان الكون عادل، فان حجة العدالة ستفشل.

حجة المؤمن Theistic Argument

يعتقد البعض ان هناك سبب جيد للإعتقاد ان الكون عادل. هذه العقيدة تعتمد على وجود الله. طبقا للجدال الإيماني عن الحياة بعد الموت، فان اله خيّر سيكون قادرا على خلق أي كون يريده. وهكذا، اذا كان هناك اله خيّر وقادر على كل شيء، فهو لا يريد كونا غير عادل . وهكذا، اذا كان هناك اله كلي القدرة، فان الحياة ستكون عادلة ومنصفة وان حجة العدالة ستنجح اذاً، تؤسس للحياة بعد الموت كنتيجة ضرورية لوجود الله. لكن ليس كل شخص مقتنعا ان وجود الله يعني بالضرورة ان الحياة عادلة بمعاييرنا، ولذلك اننا سنبقى بعد الموت. ولكن مرة اخرى لأجل النقاش، دعنا نفترض ان الحياة بعد الموت نتيجة ضرورية لوجود الله. في تلك الحالة، الحجة في الله ايضا تكون حجة للحياة بعد الموت. (قبول هذه الرؤية تأتي على حساب المؤمن: نتيجة طبيعية للرؤية بان الحجج ضد الحياة بعد الموت هي ايضا حجج ضد وجود الله). هناك عدة حجج تحاول إثبات وجود الله. غالبية المفكرين اليوم يعتبرون هذه الحجج تفشل في تحقيق هدفها. ولكن حتى مع افتراض انها تؤسس لوجود الله، فلابد قبل ان نأخذ هذا كبرهان على الحياة بعد الموت، يجب ان نسال: هل هي تؤسس لوجود الله القدير الخيّر؟ لأنه فقط اذا كان الله لديه هذه الصفات سيكون لدينا تأكيد بعدالة الكون، ومن ثم استمرار الحياة بعد الموت.

ان غالبية الحجج الجيدة عن الله تؤسس بعض الصفات للاله، ولكن ليس الصفات التي تجعل الحياة بعد الموت ضرورة منطقية. فمثلا، الجدال من المصمم الذكي، اذا كان سليما، يؤسس لوجود المصمم، ولكن لايبيّن ان هذا المصمم كلي القدرة او خيّر لا متناهي. ونفس الشيء، جدال السبب الاول يبيّن، وجوب ان يكون هناك سببا اول، ولكن لا يقول أي شيء عن الخصائص الاخرى بحوزته . في تقييم امكانية الحياة بعد الموت، نحن لا نحتاج للنظر في ما اذا كانت هذه الحجج سليمة. وحتى لو كانت كذلك، فهي لن تؤسس للحياة بعد الموت. هناك حجج اخرى قد يراها المؤمنون ملائمة. لكن هذا ليس المكان الملائم للتعامل مع سؤال وجود الله. غير ان ذلك لا يعني اننا وصلنا طريقا مسدودا، او ان سؤال الحياة بعد الموت يجب ان يبقى مفتوحا الى ان نحقّق في كل الحجج حول الله. بالعكس، نحن نستطيع الاستمرار في التحقيق في قضية الحياة بعد الموت، لأننا بعمل كهذا نستطيع ان نبتعد عن الحجة الايمانية من اتجاه آخر. كما لاحظنا سابقا، لو قبلنا الرؤية بان الحجة في وجود الله هي ايضا حجة للحياة بعد الموت، يجب ايضا ان نقبل بان الحجج ضد البقاء هي ايضا حجج ضد وجود الله. مثل هذه الحجج، بمقدار ما هي سليمة، ستُضعف أكثر حجة المؤمن. هذه الحجج سننظر بها الآن .

الموقف المضاد للحياة بعد الموت

هناك عدد من الحجج ضد الحياة بعد الموت. سننظر هنا فقط بالحجج الأكثر اهمية.

التفكير الرغبي Wishful Thinking

احيانا يُقال ان السبب الوحيد الذي يجعل الناس يؤمنون بالحياة بعد الموت هو انهم يجدون الفكرة مريحة. الايمان بالبقاء يزيل او على الاقل يخفف من الخوف من الموت والانقراض، والشعور بالحزن عندما يموت حبيب، او عند الإحساس ان للحياة أمد محدود والذي يجعلها بلا معنى. هذه الحجة من التفكير الرغبي ايضا تتبنّى الأمل بان ميزان العدالة سيتوازن. ان الراحة التي يوفرها هذا الايمان يمكن ان يوضح تماما سبب ايمان الناس به. لاتوجد هناك أسباب اخرى للايمان ولهذا نحن نستطيع الافتراض ان الإيمان زائف.

تعرضت هذه الحجة الى نقد مباشر وهو ان الايمان بالحياة بعد الموت ليس دائما مريح: الملايين عاشوا في خوف من الجحيم والعذاب الأبدي. لكن هذا النقد هو في الحقيقة يجانب القضية. من الممكن اختراع دوافع مخفية او سرّية لتوضيح سبب ايمان الناس بأي عقيدة.

اضافة الى ذلك، قد يستخدم المؤمنون بالحياة بعد الموت بالضبط نفس الحجة ضد غير المؤمنين. بعض الناس ربما يرحبون بفكرة الإنقراض الذاتي عند الموت، لأنه يوعد بإنهاء البؤس وعدم القناعة في الحياة. بعض من غير المؤمنين اقترحوا ان الحياة بدون جسد ستكون كسولة وبلا معنى، نيتشة رأى ان الايمان بحياة اخرى بعد الموت يقلل من قيمة هذه الحياة. على هذه الأساس، قد يُقال ان الايمان بالانقراض عند الموت هو مجرد تفكير رغبي. لهذا فان حجة التفكير الرغبي يمكن ان تهاجم كلا وجهتي النظر. وبالنتيجة، لا تعطي أفضلية لأي جانب من النقاش، ويجب ان نتجاهلها كليا. بالطبع، اذا كانت لدينا اسباب اخرى للاعتقاد برؤية معينة زائفة، عندئذ نحن ربما نتأمل في سبب إيمان الناس بهذه الرؤية رغم زيفها. مثل هذه التأملات لايمكن استعمالها لجدال رؤية هي زائفة في المقام الاول.

اعتماد الذهن على الدماغ

ننتقل الآن من حجة ضعيفة الى ربما أقوى حجة ضد الحياة بعد الموت وهي الادّعاء بأن الذهن يعتمد على الدماغ. اذا أمكن تأسيس ان الأذهان لايمكن ان توجد بدون أدمغة، فان هذا سوف يُضعف ليس فقط امكانية البقاء خارج الجسد، وانما معظم نظريات البقاء الاخرى . فمثلا، بعض المؤمنين في البعث يؤمنون ان الذهن يستمر في الوجود بين لحظة الموت ولحظة بعث الاجساد من قبل الله. لكن هذا لن يكون ممكنا لأن الأذهان توجد فقط عندما تترافق مع أدمغة نشطة. ونفس الشيء، المؤمنون في التناسخ يؤمنون بالرؤية بان نفس الذهن الذي سكن جسدا معينا يأتي ليسكن جسدا آخر، لكن هذا سيتطلب وجودا مستمرا للذهن بدون وجود دماغ بين التناسخات. ان إمكانية البقاء اللاشخصي او العالمي للذهن سوف تُستبعد ايضا عبر إعتماد الذهن على الدماغ (ما لم نرغب بالادّعاء ان الكون المادي هو دماغ واحد كبير).

من الواضح، ان اعتماد الذهن على الدماغ سيكون مدمرا لفرضيات البقاء بعد الموت. لذا، ما هو الدليل مع وضد هذا الموقف؟ نحن نظرنا سلفا في الدليل ضده. الظواهر الخارقة مثل نشاطات الاشباح ووسائط الاتصال بالأموات، تقترح ان الأذهان توجد بدون أدمغة. وكما رأينا في الجدال، هذا الدليل هو ضعيف. كذلك، نحن يجب ان نقيّمه مقابل الدليل من علم الاعصاب الذي يشير الى استنتاج مضاد. وان هذا الدليل هو قوي وغزير و موثوق .

الافتراض المرشد لعلم الاعصاب هو انه لكل حالة ذهنية هناك حالة دماغ مطابقة. اساسا آلاف الدراسات بررت هذا الافتراض. علماء الاعصاب أظهروا، مثلا، انه عندما انت تنظر لشيء ما – حين تمتلك تجربة بصرية واعية – فان أجزاء معينة من دماغك تصبح اكثر نشاطا. وعندما تغلق عينيك وتتصور نفس المشهد البصري، فان نفس الأجزاء من دماغك تكون نشطة مرة اخرى. وعندما تحفز كهربائيا المناطق البصرية من الدماغ، هذا يخلق تجربة بصرية واعية. أيّ تحفيز لمناطق حسية اخرى يُنتج تجارب حسية اخرى. الاشياء الاخرى التي تؤثر على حالة الدماغ مثل المخدرات ايضا تؤثر على حالات الذهن. علماء الاعصاب يحققون تقدما عظيما باكتشاف المراكز العصبية للتصور والذاكرة والانتباه والتفكير والعواطف والحوافز، وجميع الظواهر السايكولوجية.

البعض قد يجادل ان هذا يبيّن فقط ان الفعالية الذهنية وفعالية الدماغ يسيران جنبا الى جنب في حياة الكائن البشري، وليس ان الأحداث الذهنية يمكن ان تحدث فقط بالتزامن مع الدماغ. جزء واحد من الدليل بالذات يجيب على هذا التحدي: عندما يتحطم جزء من الدماغ، فان جزء من الذهن يتحطم. بالتأكيد من المعقول الافتراض انه عندما يتحطم الدماغ كليا، كذلك ايضا يحصل في الذهن. ديفد هيوم لخص ذلك قبل عدة قرون عندما كتب " ان ضعف الجسد وضعف الذهن في مرحلة الطفولة هو بالضبط تناسبي، قوتهما في مرحلة الرجولة، اضطرابهما العاطفي في المرض، تآكلهما التدريجي في سن الشيخوخة. الخطوة الاخرى تبدو لا مفر منها، وهي انحلالهما العام في الموت".

البعث Resurrection

 ان إعتماد الذهن على الدماغ يستبعد كل من البقاء خارج الجسد، والبعث، والبقاء غير الشخصي. هناك، شكل واحد من الحياة بعد الموت لايتأثر باعتماد الذهن على الدماغ: بعث اجسادنا بواسطة الله. مرة اخرى، هذا ليس مكانا للذهاب للسؤال عن وجود الله. لكننا، نستطيع السؤال حول ما اذا كان، البعث حتى مع وجود الله ممكنا. اذا كان ذلك غير ممكن منطقيا عندئذ نحن نستطيع استبعاده، سواء كان من الله ام من غيره . نقد شهير لفكرة ان الله يبعث اجسادنا جرى توضيحه عبر مشكلة آكلي اللحوم . عندما آكل اللحوم يأكل شخصا اخر، فان مادة جسمه تندمج فيه. كيف يمكن لله ان يبعث كلا الجسمين في وقت واحد: جسم الشخص الآكل وجسم الشخص المأكول؟ المشكلة لا تنطبق فقط على آكلي اللحوم وضحاياهم. بل ان ذرات جسمنا اليوم ربما كانت في اجسام ناس آخرين في الماضي، وربما تكون ذرات في اجسام ناس آخرين في المستقبل. كيف يمكن ان نُبعث جميعنا؟ احد الاقتراحات هو ان الله سوف يعيد بناءنا من ذرات اخرى. ولكن بالتأكيد هذه الاجسام الجديدة ليست حقا اجسامنا ابدا، وانما ستكون نسخا . انت سوف تعتبر هذا كنسخة وليس حقا انت. سيكون دماغ اخر تقريبا مشابه لدماغك – وهكذا سيكون ذهن آخر، ليس بإمكانك الدخول اليه مباشرة. يبدو ان الصيغة المستنسخة للبعث لاتضمن البقاء بعد الموت اكثر من النسخة الأصلية.

استنتاج

يذكر الكاتب ستيف ان الناس يؤمنون بعقيدة معينة رغم زيفها لأنهم لايمتلكون سببا جيدا لرفضها. لذا سنحاول باختصار معرفة لماذا يؤمن الناس بهذه العقيدة. التفكير الرغبي وعوامل نفسية واجتماعية اخرى ربما توفر تفسيرا جزئيا. غير اننا، يجب ان لا نتجاهل تفسيرات واضحة اخرى مثل تلك التي تقول ان الناس يؤمنون بالبقاء بعد الموت لأنهم قيل لهم عندما كانوا صغارا انهم سيبقون، ومع تجارب الحياة اليومية نرى القليل مما يتعارض مع هذه الرؤية. وهناك عامل آخر ملائم، جذب القليل من الانتباه. هذا العامل يرتبط بحدود ما يُتصور. نحن لا نستطيع تصوّر العدمية، وهكذا لانستطيع تصوّر فناءنا الذاتي. وبالنتيجة، من الطبيعي لنا الاعتقاد ان أذهاننا تستمر بالوجود بعد الموت. وبصرف النظر عن مدى طبيعة هذا، يبدو هناك سبب ضعيف للاعتقاد بصحة هذا الاعتقاد.

 

حاتم حميد محسن

...............................

الهوامش

(1) كان استاذا في مدرسة علم النفس في جامعة Massey في نيوزيلاند، وحاليا يعمل كاستاذ علم النفس في جامعة نوتنكهام في ماليزيا، اهتمامه الاكاديمي الرئيسي هو في المضامين الفلسفية لعلم النفس التطوري. في عام 2010 صدر له كتاب (دارون، الله، ومعنى الحياة – كيف أحبطت نظرية التطور كل شيء كنت تعتقد انك تعرفه).

 

علي رسول الربيعيالمقدمـة: يتطلب تحديد مجال الفلسفة الاجتماعية بشكل دقيق اللجوء إلى التمييز الأرسطي بين الفلسفة النظرية والعملية أولاً. تهدف الفلسفة النظرية إلى ما يتعلق بنظرية المعرفة والميتافيزيقيا؛ بينما تسأل الفلسفة العملية عن الفعل بالمقابل. إن نقطة البداية، بالنسبة لأرسطو، هي الإنسان باعتباره حيوان سياسي يرتبط بالمجتمع كفرد دائما. لذا فإن موضوع الفلسفة الاجتماعية كفلسفة عملية هو المجال الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يشكله الإنسان من خلال أفعاله. ليس الفعل، بالنسبة لأرسطو، مجرد موضوعا للتفكير والتأمل فحسب، ولكنه هدف للمعرفة أيضًا. لذلك تقود الفلسفة العملية الانسان إلى الفعل الصحيح، بمعنى أدراك الخير. فمجال عمل الفلسفة العملية بهذا المعنى الثاني هو المجال السياسي العام.

تتبع الفلسفة الاجتماعية هذا المعنى المزدوج للفلسفة العملية عن أرسطو. فمن ناحية، تريد إعادة بناء المجال الاجتماعي (وصفيًا)، ومن ناحية أخرى تريد كشف خيارات للفعل في مواجهة مواقف المشكلات الاجتماعية المعقدة (معياريًا). إنها تعالج الفعل بقدر ما يؤثر على الفرد، وما يمكن فهمه بوصفه تعبير أو سبب للعلاقات الشخصية. محور هذا التفكير الاجتماعي الفلسفي هو مفهوم المجتمع، الذي لم يكن مألوفًا لأرسطو بعد في هذا الشكل، لأنه لم تُفهم المدينة (polis) على أنها تشكيل متمايز وظيفيًا للمجتمع انذاك.

لقد ظهرت، على مدار الثلاثين عامًا الماضية، العديد من المفاهيم التي ترتبط ارتباطا وثيقًا ببعضها البعض وتتبع بطرق مختلفة فهم الفسفة الاجتماعية بوصفها فلسفة عملية. وبالنظر إلى هذه الطرق المختلفة، يمكننا التمييز بين أربعة مجالات أساسية للفلسفة الاجتماعية مترابطة بشكل وثيق.

أولاً، تعتبر الفلسفة الاجتماعية نفسها انعكاسًا لما هو اجتماعي. ويمكن أن يشمل ذلك أن تُفهم بوصفها فعل أو تواصل أو بنية. فمن المهم تحليل كل من الجوانب المعيارية والوصفية للمجتمع.

ثانيًا، تفكر الفلسفة الاجتماعية في المجتمع بوصفه بنية إجتماعية. ويمكن العثور في تاريخ الفلسفة الاجتماعية على مجموعة واسعة من المفاهيم الاجتماعية التي تدل على ذلك. لقد طورت المناهج في العصور القديمة والوسطى مفهومًا للمجتمع يتم فيه وضع النماذج لذلك المجتمع بالفعل في ذلك الوقت. لقد فهمت الفلسفة ما قبل سقراط المجتمع بوصفه نظام كوني. وفي المقابل، تم تفسير المجتمع في العصر الحديث بأعتباره علاقة سببية منظمة بطريقة آليًة جزئيًا؛ وقد سادت وعلى هذا الأساس صورة للمجتمع كسياق وظيفي متعدد الأبعاد لمدة مئة عام.

تتبع الاعتبارات التالية صور المجتمع هذه وتريد المساهمة في زيادة توضيح مفهومه.

لابد من الإشارة في البداية إلى محدّدين في الخطاب الحالي حول النظريات الاجتماعية: تركز بعض المناهج على المؤسسات أبتداءً، التي تُفهم على أنها أنظمة قواعد تنطوي على توجه نحو المتاثرين في الفعل وتؤكد على عنصر الأكراه الاجتماعي. لكن لا يكفي أن يُفهم المجتمع بوصفه بنية مؤسساتية فقط فهو عمليًة ديناميكية ايضا، ومثال ذلك الخطابات المشتتة التي لا يمكن فهمها على أنها ترتيب مؤسسي فقط. فتفسر المقاربات الأخرى المجتمع بوصفه قصدية جماعية كما الأنطولوجيا الإجتماعية عند جون سيرل، ولكن يفشل أن هذا المنظور أيضًا، لأنه يتجاهل البنى والمؤسسات التي تشكل المجتمعات، ولأنه يفهم العلاقات الاجتماعية على أنها فعل مقصود فقط وحصريًا.

ثالثًا، الفلسفة الاجتماعية هي كشف الجوانب المعيارية للمجتمع، وهذا هو سبب قربها من الأخلاق الاجتماعية. إنها لاتعكس أفعال الفرد بقدر ما تعكس تصرفات الجماعة أو المجتمع على هذا النحو. لذلك، تعود الفلسفة الاجتماعية إلى المقاييس المعيارية. ومع ذلك، لا يتعلق الأمر بتأسيس المبادئ المعيارية (كما في الأخلاق) أو تطبيق المبادئ المعيارية على المجالات الاجتماعية. إنها تريد وصف الأبعاد المعيارية للعمليات والبنى الاجتماعية وأن تفكر بشكل نقدي فيما يتعلق بآثارها الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية.

يظهر الاختلاف في التخصصات التي تريد وصف القضايا الاجتماعية من منظور وصفي في هذا السياق بالتحديد فقط. لذلك يصف راحيل جايجي وروبن سيليكاتيس المنظور الاجتماعي الفلسفي باستخدام مثال العمل كظاهرة اجتماعية: لا تطرح الفلسفة الاجتماعية السؤال عن كيفية تنظيم ظروف العمل المعاصرة أو كيفية ارتباط الأفراد (تجريبيًا) بعملهم فقط؛ لكنها تسأل من الناحية المفاهيمية والتقييمية عن العمل والظروف الاجتماعية التي شكلها في الواقع وكيف ينبغي أن يُبنى التنظيم الاجتماعي للعمل".

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.....................................

1-

 Robin Celikates, Critique As Social Practice: Critical Theory and Social Self-Understanding (Essex Studies in Contemporary Critical Theory) Rowman & Littlefield International. 2019, 8.

[2] أنظر: جان جاك روسو، خطاب في أصل التفاوت وفي اُسسه بين البشر، تر،بولس غانم، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت،2009.

[3] مصدر نفسه

 

 

علي محمد اليوسففي هامش صفحة 75 من كتاب التصوف البوذي والتحليل النفسي ورد "الانبساط – يعني به انفتاح الذات على العالم الخارجي - هو اتجاه اهتمامات الشخص صوب الخارج بدلا من التوجه صوب افكار الذات ومشاعرها، وهذا عكس الانطواء والانكباب على مشاكل الذات والتاملات الباطنية". طبعا العبارة ركيكة المعنى فلسفيا في فصل الذات عن الكينونة الانسانية الفاعلة لذا نقوم بضوء مغادرة الصياغة الخاطئة لها في طرح تساؤلات مثل هل الذات غير النفس وكلاهما غير الكينونة؟ وما الفرق بينهم؟ وهل الذات لا تعرف حقيقتها الا في الانفتاح على الخارج ولا أهمية لانكفاء الذات نحو الداخل لاجترار افكارها العقيمة!؟ هل الذات هي الشخص (كينونة الانسان) بكامله كما ورد في نص العبارة؟

أعتقد الاجابة المباشرة على تساؤلاتنا الفرعية عن أصل عبارة الاقتباس تحمل ازدواجا تداخليا ايضا حيث تكون الاجابة هي الطبعة الثانية من الاشكالية الواردة في التساؤل. بمعنى الاجابة المباشرة الاختزالية لا تحل اشكالية الالتباس التساؤلي الوارد. فأولا يبرز لدينا أن جميع مدركات الذات هي في نفس الوقت مدركات نفسية وعقلية ايضا. بمعنى وحدة الموضوع المدرك من الذات والنفس وما تدركه الذات تدركه النفس ولا مجال التفريق الاعتسافي بين ادراكين مختلفين افتراضا لموضوع واحد قائم انطولوجيا بمحدودية موجودية معينة.

إذن بماذا نميز بين ادراك الذات وادراك النفس؟ اذا نحن حاولنا الاجابة من منظور علم النفس الفرويدي تقليديا نجد النفس هو ماتحتويه من ادراكات استبطانية منكفئة نحو الداخل الاحاسيسي يتصدرها يقظة الضمير وتحفيزالعواطف والغرائز بانواعها المكبوتة نفسيا والمتاح اشباعها منها على السواء وفي بعضها رغائب غير متاح اشباعها.

بهذا المعنى تكون النفس تخارجيا داخليا إستبطانيا مع عالم داخلي لا تستطيع التعبير عنه باللغة. وخارج هذا الفضاء الذي يجمع النفس مع العالم الخارجي ليس هناك سوى فضاء الذات المنبسط المفتوح الذي يمكن التعبير عنه لغويا ليس في معرفته الموجودية التكوينية وحسب بل وفي معرفة الذات إدراكها لذاتيتها الحقيقية واستيعاب رغائب النفس ونوازعها. من خواص الذات الانسانية أنها تمتلك لغة التعبير عن مدركاتها من العالم الخارجي بخلاف ذلك لا تستطيع النفس ممارسة هذا الجدل مع الخارج بلغة تعبير لاتكون خاصية الذات قبل خاصية النفس التي لا تمتلكها.

أما الذات فهو حصيلة تراكم خبرة ما يشكله العالم الخارجي من ضغوطات ومؤثرات ومساحات تماس مادية وتقاطعات مع الذات لا يمكن للعقل تجاوزها في عدم إعطائه ردود افعال الذات المدركة لها.

الحقيقة أن معطيات ومدركات اشياء العالم الخارجي هي التي تعطي الذات قدرة التحكم الادراكية في مرجعية (العقل) لها وبغير هذا التداخل لا تعي الذات نفسها ولا تعي المحيط من حولها ولا تستوعب أحاسيس النفس في رغائبها. الذات هي جوهر الانسان المحوري لكنها لا تمثله بكينونته الموجودية كاملة.

إثبات وجود الذات الحقيقية العقل الذي هو مدركات المحيط الذي تدركه الذات وتعيه. بمعنى توكيد الذات ليس كما هو توكيد النفس، فالذات خاصّية عقلية مفكرة في موضوعات العالم الخارجي، بينما تكون النفس هي الاستبطان الادراكي الداخلي ايضا المتكون من خبرات موجودات العالم الخارجي في حالة الكبت والكمون بعدم الافصاح عن نفسه من دون تعالقه التعبيري اللغوي الصادر عن الذات لا بما ترغبه النفس بل بما ترغب الذات تمريره في تعبير تجريد اللغة عنه..

في حال فقدنا اثبات وجود الذات في تحققها الحقيقي لنفسها يعني هذا تجريدها من جميع الخصائص التكوينية الفاعلة فيها وكذلك المفصحة هي عنها. خصائص الذات الحقيقية في تاكيد وجودها الفاعل هي كما نراها :

- الذات جوهر عقلي يعلو مدركات العالم الخارجي التي تشكله على الدوام في تجديد مستمر. بمعنى واضح الذات هي مدركاتها لموجودات العالم الخارجي في وعيها الذاتي التجريدي ووعيها لنفسها.

الذات لا تشكل نفسها ذاتيا بل تشكلها مدركات العالم الخارجي التي لها الافضلية والاسبقية في بناء الذات الحقيقية . والعقل الانساني هو ذات متكونة من تجريد إدراكات العالم الخارجي أي قدرة العقل التوليدية للافكار لا تستطيع صنع ذات بمعزل عن مدركات المحيط في تشكيلها.لا يوجد ذات يخلقها العقل بغياب مدركات العالم الخارجي لها ولا من غير تفاعل تخارجي معها.

- الذات تستوعب النفس وتحتويها ولا قدرة للنفس تحقيق خاصيتها الانفرادية الافصاحية التعبيرية بمعزل عن خاصية تحقق رغائب الذات في التناغم المنسجم معها. تعبير الذات عن نفسها وعن مدركاتها هو اللغة المفصحة عن الوجود الخارجي. والنفس تكتسب خاصية التعبير عن احاسيسها الداخلية والخارجية بلغة صامتة فقط. النفس سلوك بالحياة وليس من مهامها القيام بمعرفة العالم قبل معرفة الذات العقلية له.

- الذات قابلية تفكيرية عقلية متخارجة مع عالم خارجي وعالم داخلي نفسي على السواء، والنفس تراكم خبرة تكوينية مكتسبة مجردة. والفرق بينهما هو في قدرة الذات التعبير اللغوي عن ذاتيتها ، في حين تعجز النفس منفردة تحقيق ذاتيتها منفصلة عن تعبير الذات مثلما تستطيع الذات تحقيقه بمعزل عن النفس. الذات خاصية لغوية بمعنى بمقدورها التعبير عن ذاتيتها وعن رغائب النفس التي لا تمتلك خاصية لغوية مستقلة تستطيع التعبير بها عن نفسها مستقلة عن مداخلة الذات بها.

- الذات إتجاه نحو الخارج دوما فهي متشكلة منه منفصلة عنه تجريدا معرفيا. وإتجاه الذات نحو الخارج لتاكيد خاصيتين اثنتين هما اثبات حقيقتها كذات واثبات خاصيتها في معرفة انطولوجيا العالم الخارجي الذي تشكلت منه وانفصلت عنه. وهاتين الخاصيتين لا ينفيان إرتباط الذات عضويا بالعقل ولا ينفيان مسؤولية الذات عن عالم النفس الداخلي أيضا..

اذا نحن أجملنا كل المفردات التكوينية الفلسفية في تشكيل الانسان كموجود نوعي التي مررنا عليها نصل الى حقيقة جامعة واحدة هي الانسان وجود مجازي غير عضوي حقيقي في خاصية إدراكه ومعرفته ذاته والعالم من حوله القائم كموضوع قائم على التجريد في كل شيء بالحياة له علاقة إرتباط به. بمعنى حتى الجسد المادي للانسان هو محسوس وجودي مادي لا يمكننا إدراكه بغير تجريد التعبير عنه وبغير تجريد تكويناته وملحقاته الاخرى بلغة الفكر المعبّر عنه تجريدا لغويا. بالاخير الانسان كائن مادي مفكر بتجريد اللغة عن نفسه.

العالمان الخارجي والداخلي

بحسب ما توصلنا له نصل أن فضاء الذات هو الخروج من الداخل التفكيري المجرد الى الخارج المعرفي في تأكيد ذاتيته ومعرفة علاقته الموجودية بغيره. الذات لا يشكلها ولا يكوّنها العقل كما ولا هي معطى فطري يحتازه الانسان بالولادة.

الذات حصيلة تكوين مؤثرات العالم الخارجي بخلق ذاتيتها الانسانية لا يمكنهما العالم الخارجي والذات الانفصال عن بعضهما فمعرفة أحدهما هي معرفة بدلالة الاخر. الذات هي عقل مدركات العالم الخارجي. ومن غير الذات لا يتشكل العالم الخارجي بنظام نستطيع ادراكه.

السؤال الجدير بالتوقف عنده لماذا تحتاج الذات الانفتاح على العالم الخارجي بغية معرفته في وقت هي (الذات) محصلة تلك التكوينات الخارجية التي ساهمت بخلقها.؟ ما تختزنه الذات من خبرات تراكمية نتيجة العلاقة الجدلية مع العالم الخارجي تحتاج نوع مغاير من التنمية المتجددة ولا يكون مصدرها سوى معرفة التغييرات الطارئة المستمرة في العالم الخارجي. توجد مسالة عالقة أود الاشارة لها هي ربط ثبات الاشياء المدركة بثبات إدراكها. وهو خطأ مزدوج بسبب أن الذات تتطور وتنبني بتاثير مدركاتها، والمدركات هي الاخرى تتغير بظروف طبيعية خارجة عنها وبتاثير تخارجي معها من الذات.

النفس هي ناتج حصيلة فهم الذات للعالم الخارجي. النفس في جميع افصاحاتها من السلوك الى الضمير الى العواطف الى الوجدان الى الاخلاق وهكذا هي خبرات تراكمية مكتسبة من الذات في مدركاتها العالم الخارجي والمحيط. النفس خارج بيولوجيا الجسم هي معرفة وسلوك وليست معرفة ابستمولوجية ناتج مجموعة شبكة اعصاب مرتبطة جميعها بمنظومة الادراك العقلية بصورة عضوية. الذات والنفس كلاهما تجريدان تصوريان في فهم ذاتيتهما الخاصة وفهم العالم عامة. النفس مفاهيم مجردة تداخلها الذات في كل الافصاحات والرغائب التي تنوي النفس إشباعها.

الذات وعلم النفس

يذهب البعض "حين يذهب العلم لمعاينة الذات يجدها تكون منتبهة لان تدفع الى الخارج ما هو في الداخل، وبهذا تجعل من نفسها غريبة عن نفسها، وكأن ماهو في الداخل لا ينتمي اليها، فهي تخشى ان تكون ذاتية"1 

من مزايا التفريق الذي اشرنا له في سطور سابقة بين الذات والنفس فرويديا، أن خاصية الذات الخارجية في وجوب فهمها العالم المحيط بها، وتكوّن النفس داخلية لا يتاح أمامها الانبساط الخارجي دونما وصاية ومداخلة الذات بها وتسييرها، بمعنى النفس لا تمتلك ارادة الافصاح ولا امكانية تحقق مثل هذا التوجه في التعبير التخارجي مع العالم الخارجي. النفس هي أحاسيس داخلية لاشباعات غريزيو يحتاجها الجسم كتكوين بايولوجي وليست احساسات خارجية لفهم العالم كما هي عليه الذات.

هنا بضوء هذا التداخل الالتباسي بين الذات كخاصية خارجية وبين النفس كخاصية داخلية فايهما يكون في مصطلح تفسير علم النفس إنفصاميا على نفسه؟ هنا يكون الانفصام بكليهما، فلا يمكننا إعتبار النفس منفصمة لا يشترط انفصاما شيزروفينيا مرضيا عن ذات تمتلك خصائص ثبات سلامتها الطبيعية، فالنفس هي تعبير ناقص عن ذات كاملة ولا معنى التفريق بينهما في وحدة تخارجهما الادراكي مع العالم الخارجي.

لو نحن لاحظنا خاصية الذات الانبساط الخارجي وليس خاصية الانكفاء الداخلي على عوالم اجترارية لا فائدة منها كما هي خاصية النفس المريضة، انما نكون وضعنا ما يعرف بالنفس الطبيعية حبيسة خاصية الاستبطان غير المؤثر بالذات كمعرفة وسلوك بالحياة تخارجيا جدليا. ومن المهم هنا العودة التاكيد على أن الذات حصيلة تشكلات خارجية والنفس حصيلة تشكلات ذاتية إستبطانية داخلية.

هذا الاندماج التداخلي بين النفس والذات سايكولوجيا معرفيا يضعنا امام تساؤل هل تتوقف معرفة ذاتيتنا الحقيقية بمعيار صحة مدركات الذات للاشياء أم عدم صحة الاشياء في وجودها الانطولوجي الخارجي؟ أي بصيغة نفس المعنى متى تكون الذات حقيقية ومتى تكون وهما زائفا غير حقيقي؟ هل هو الادراك الشائه الشبحي للاشياء أم وهمية تصور الذات موجودات الاشياء غير الطبيعية بما يضلل الادراك الذاتي لها؟

في هذه الاشكالية لا نتوفر على حل سوى بالعودة الى (الذات - العقل) كمعيار قياسي تحكيمي وليس كطرف في معادلة تحتاج تفكيك معرفي. بغير هذا المعيار نكون اوقعنا الذات وانفسنا بالازدواجية الانفصامية المرضية المشكوك فيها معرفة حقيقة الذات من انفصامها الادراكي الوعوي المريض للواقع عن فرق سلامتها السوية الطبيعية في ادراكها لذاتها والمحيط..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهامش:

1- التصوف البوذي والتحليل النفسي /د. ت. سوزوكي /ت: ثائر ديب/تقديم وفيق خنسة ص 76

 

 

فلسفةُ السلوك الإنساني هي التعبيرُ الوجودي عن حركةِ الفِعل الاجتماعي الظاهري، والتفسيرُ المركزي للوعي الذهني المُستتر. وبما أن حركة الإنسان في تاريخه الشخصي وتاريخ المجتمع، لا تتم بمعزل عن العلاقات الاجتماعية الخارجية والخصائصِ النَّفْسِيَّة الداخلية، فإنَّ هُويةً إنسانية جديدة ستنشأ بشكل مُستمر، وتتولَّد مِن ذاتها لاكتشاف ذاتها. وهذه الهُوية تَجمع بين تاريخ الإنسان وإنسانية التاريخ، من أجل فتحِ التاريخ الاجتماعي على أسئلة الوجود وتحدِّيات الواقع، وأيضًا، تَجمع بين الماهيَّة الاجتماعية والطبيعة النَّفْسية، مِن أجل توحيدِ الزمان والمكان، وبذلك يتجسَّد الإنسانُ في التاريخ رُوحًا ومعنى، ويتجسَّد التاريخُ في الإنسان نظامًا ومعرفةً. وهذه التبادليةُ تعني أن كُل صِفة إنسانية لها امتداد تاريخي عميق، ولَيست وليدةَ اللحظة الآنِيَّة، وأن كُل عامل تاريخي له جُذور اجتماعية راسخة، ولَيس مقطوعًا عن الوَعْي الإنساني بالزمن المفتوح (حركة الماضي والحاضر والمستقبل معًا بلا فواصل في مكان يتشكَّل باستمرار ويُعاد صناعته مَعْنًى ومَبنى).

2

الزمنُ المفتوح يهدف إلى مَنعِ تحوُّل التاريخ إلى فَخ، ومَنعِ تحوُّل العلاقات الاجتماعية إلى مِصْيَدة. والتاريخُ لَيس وقائع حدثت في الماضي وانتهت، وذهبت إلى طوايا النسيان. إن التاريخ وُجد ليبقى، وهو في حالة صَيرورة مُستمرة، وانتشار مُتواصل في كُل الجهات، وتكوُّن دائم على الصعيدين : الخَطِّي البسيط، والدائري المُركَّب. ومنطقُ التاريخ كامن وشديد التَّشَعُّب والتعقيد، ويَصعُب السيطرة عليه. والتاريخُ يتحرَّك وفق مسارات مُتوازية ومُتقاطعة، وكذلك يتحرَّك على شكل دوائر مُتشابكة.والتاريخُ لَيس شيئًا يأتي مِن الخَلْف، وإنما هو شيء نجده أمامنا. ومُشكلةُ الإنسان الواقع تحت ضغط التفاصيل اليومية أنَّه يَبحث عن التاريخ وراء ظَهْره لاستدعائه، في حين أن التاريخ _ فكرًا وعاطفةً _ موجود أمام أعْيُن الإنسان، ولا داعي لاستدعائه، لأنَّه حاضر بكُل تجلياته، والاستدعاء لا يكون إلا للغائب، والتاريخ لا يَغيب، ولا يستطيع الإنسانُ تَغْييبَه حتى لَوْ أرادَ ذلك. وفلسفةُ حُضور التاريخ لا تعني الحديثَ عن الماضي، أوْ ذِكْر إنجازات الآباء والأجداد، أو دراسة الأُمم الخالية والشعوب السابقة. هذه أشكال للتاريخ، ومُلامَسَة للسَّطْح الزمني العَرَضِيِّ، وجوهرُ التاريخِ مُتمركزٌ في أعماق الشُّعور وإدراكِ الذاكرة، ومُتجذِّرٌ في الوَعْي المُسيطر على السلوك الإنساني المكشوف (الفِعْل ورَد الفِعْل)، وراسخٌ في اللاوَعْي المُهيمن على التفاعل الإنساني المَكبوت (الأحلام والذكريات).

3

كَينونة التاريخ تتشكَّل في كِيان الإنسان اجتماعيًّا وقِيَمِيًّا. والإشكاليةُ في فلسفة الوعي بالتاريخ هي أن الحضارة الإنسانية تبحث عن التاريخ في جسد الزمن، ولا تبحث عن التاريخ في جسد الإنسان، لأنها تعتبر الزمن هو الحاضن للأحداث والوقائع، في حين أن الإنسان مُجرَّد كِيان واقع تحت تأثير عناصر البيئة المُحيطة وإفرازات الواقع المُعَاش. وهذه نظرة قاصرة، لأن الإنسان صانع للقرار، وفاعل للتاريخ، وعُنصر مُؤثِّر ومُتَأثِّر بالتغيُّرات الزمنية، والتحولات التاريخية، والانقلابات الفكرية، ولَيس صفحةً بَيضاء يَكتب التاريخُ عليها مسارَه، أوْ مُمَثِّلًا على مسرح التاريخ. إنَّ الإنسان تاريخ يتحرَّك ضِمن التاريخ، ولَيس رَقْمًا مِن الأرقام، أوْ حَدَثًا عابرًا في سِجِلَّات الحياة العَامَّة، أوْ وثيقةً هامشيَّةً في أرشيف الحياة الخَاصَّة. وكما أن الجينات الوراثية تُوجَد في كِيان الإنسان، ولا تُوجَد في كُتب الطِّب والبيولوجيا (عِلْم الأحياء)، كذلك الصفات التاريخية تُوجَد في كِيان الإنسان، ولا تُوجَد في كُتب التاريخ والجُغرافيا.

4

التاريخُ حياةٌ مُوازية تُعاش لحظةً بلحظة، وتكمن سُلطته المعرفية في قُدرته على تجسيد الأفكار الإنسانية، والتَّجَسُّد فيها لُغةً رمزيةً تبني العلاقات الاجتماعية على الصِّيَغ العقلانية، وقُوَّةً توليديةً للمعاني في سِياق إعادةِ تعريف الشُّعور وإعادةِ إنتاج الوَعْي، وبُعْدًا وُجوديًّا يَستطيع صناعةَ الدَّلالات الإبداعية في هوامش المجتمع المنسيَّة. وهذا الحراك على جميع الأصعدة يُؤَدِّي إلى اكتشافِ بُوصلة الزمن في خريطة المكان، وبناءِ خريطة المكان في تشكُّلاتِ المعرفة،وتفسيرِ طبيعة الأنظمة الفكرية التي تصهر الأشكالَ والمضامين في بَوتقة الوجود، وكُلَّما اقتربَ الإنسانُ مِن ماهيَّة الوجود، امتلكَ القُدرةَ والجُرأةَ على تفسيره، لَفْظًا ومعنى، تركيبًا وتَخييلًا، شكلًا ونَوْعًا، تنظيمًا وتوظيفًا، تكوينًا وتأطيرًا، شرعيةً ومشروعيةً.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

حاتم حميد محسنحين نتحدث بلغة معينة، نتفق على ان الكلمات هي رمز للأفكار والناس والأماكن والأحداث. اللغة التي يتعلمها الأطفال ترتبط بثقافتهم وما يحيط بهم. ولكن هل ان الكلمات ذاتها تشكّل الطريقة التي نفكر بها حول الأشياء؟ السايكولوجيون حقّقوا طويلا في السؤال عما اذا كانت اللغة تشكّل الأفكار والأفعال، ام ان أفكارنا وعقائدنا هي التي تصوغ لغتنا. باحثان هما ادوارد سابير Edward Sapir و بنيامين لي وورف Benjamin Lee Whorf حقّقا في هذه المسألة في الأربعينات من القرن الماضي. هما ارادا ان يفهما كيف يمكن لعادات اللغة لدى جماعة معينة ان تشجع أعضاء تلك الجماعة على تفسير اللغة بطريقة معينة (سابير، 1941، 1964). اقترح سابير و وورف ان اللغة تقرر الفكر. فمثلا، في بعض اللغات نجد هناك العديد من الكلمات المختلفة التي تعبّر عن الحب. لكن، في اللغة الانجليزية يتم استعمال كلمة حب واحدة (love) لكل انواع الحب. هل ان تأثير هذا على طريقة تفكيرنا حول الحب يعتمد على اللغة التي نتحدث بها (وورف، 1956)؟ الباحثون منذ ذلك الحين أشاروا الى ان هذه الرؤية هي تجريدية جدا، كونها تفتقر الى التجريبية في ما افترضه سابير وورف (البير، 2013، بورودتسكي، 2011). اليوم، يستمر السايكولوجيون في دراسة ونقاش العلاقة بين اللغة والفكر.

اللغة قد تؤثر حقا على الطريقة التي نفكر بها، وهي الفكرة المعروفة بالحتمية اللغوية linguistic determinism. احدى التجليات الحديثة لهذه الظاهرة تطلبت اختلافا بالطريقة التي يتحدث ويفكر بها الانجليزي والمانديريني الصيني حول الوقت. متحدثو الانجليزية يميلون للتحدث حول الوقت مستعملين عبارات تصف التغيير على امتداد بُعد افقي، مثلا، القول " انا اركض متأخرا عن الجدول الزمني" او " لا تفعل الأشياء بسرعة اكثر مما تتطلب". وبينما يصف متحدثو المانديرينية الصينية ايضا الوقت بعبارات افقية، لكنهم من الشائع ايضا يستعملون عبارات ترتبط بترتيبات عمودية. فمثلا، الماضي ربما يوصف كونه "أعلى" (up) والمستقبل كونه "أسفل"(down). ان هذه الاختلافات في اللغة تُترجم الى اختلافات بالآداء في اختبارات معرفية صُممت لقياس السرعة التي يستطيع بها الفرد تمييز العلاقات الزمنية. كان المتحدثون بالمانديرينية الصينية أسرع في تمييز العلاقات الزمنية بين الشهور. في الحقيقة، برودتسكي (2001) يرى هذه النتائج تشير الى ان "عادات اللغة تشجع عادات التفكير" (ص12).

ان اللغة لاتقرر كليا أفكارنا – افكارنا مرنة جدا – لكن الاستخدامات المعتادة للّغة يمكن ان تؤثر على عاداتنا في التفكير والفعل. فمثلا، بعض الممارسات اللغوية تبدو مرتبطة بالقيم الثقافية والمؤسسات الاجتماعية. إسقاط الضمير هو مثال جيد على ذلك. الضمائر مثل "انا" و "انت" تُستعمل بالانجليزية لتمثل المتكلم او المستمع للكلام . هذه الضمائر في الجملة الانجليزية، لا يمكن إسقاطها لو جرى استعمالها كفاعل في الجملة. لذا، مثلا، عبارة "انا ذهبت الى الفيلم الليلة الماضية" صحيحة، لكن "ذهبت الى الفيلم الليلة الماضية" عبارة ليست مألوفة في الانجليزية الشائعة. مع ذلك، في لغات اخرى مثل اليابانية، الضمائر يمكن إسقاطها من الجملة. اتضح ان الناس الذين يعيشون في هذه البلدان وحيثما يسقطون الضمائر فان لغاتهم تميل لإمتلاك قيم جمعية أكبر (مثل ولاء العمال لمدرائهم) من اولئك الذين يستخدمون لغات لا تُسقط الضمير مثل الانجليزية (kashima,1998). قيل ان الاشارة الواضحة لـ "انت" و "انا" ربما تذكّر المتكلمين بالفرق بين الذات والآخر، والى الاختلافات بين الافراد. مثل هذه الممارسة اللغوية قد تعمل كتذكير دائم بالقيمة الثقافية، والتي بدورها، تشجع الناس على اداء الممارسة اللغوية.

حاول عدد من الباحثين التحقيق في الكيفية التي تؤثر فيها اللغة على التفكير، فقارنوا بين الكيفية التي يتحدث ويفكر بها الناطقون بالانجليزية وشعب داني في غينيا الجديدة حول اللون. الدانيون لديهم كلمتين للّون: كلمة واحدة للخفيف وكلمة اخرى للمعتم. بالمقابل، اللغة الانجليزية فيها 11 كلمة للّون. الباحثون افترضوا ان عدد مفردات اللون قد تحدد الطرق التي يتصور بها شعب داني لـ اللون. غير ان الدانيين كانوا قادرين على تمييز الالوان بنفس القدرة كالمتكلمين بالانجليزية، رغم امتلاكهم لكلمات قليلة (Berlin&Kay,1969). وهناك مراجعة حديثة لبحث سعى لتقرير الكيفية التي تؤثر بها اللغة على ظاهرة الادراك الحسي ، خاصة في نصف الدماغ الأيسر – للتذكير ان الجانب الايسر مرتبط باللغة لدى معظم الناس. غير ان الجانب الايمن من الدماغ تكون فيه التأثيرات اللغوية على الادراك قليلة.

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفالادراك الصوفي

هل يختلف الادراك الحسّي الطبيعي للاشياء عن الادراك الصوفي الروحي - النفسي لها؟ أم الادراك خاصيّة الحواس فقط ولا علاقة للنفس والروح بها؟

 الاجابة على هذا التساؤل نرى وجوب التفريق بين المدخلات التالية:

- الطبيعة في صوفية الاديان التوحيدية تأتي في مرحلة متأخرة لاحقة ثانوية على مركزية صوفية التقرب من الخالق (الله) فيما يسمى الحلول أو التواصل الصوفي الروحي الانجذابي نحو النور الالهي. بخلافه نجد الطبيعة تحتل مركزا محوريا في المذاهب الصوفية الوثنية بخاصة صوفية الزن البوذية التي لا تتطلع نحو السماء بل دائما يكون نظرها على الطبيعة الروحانية في الاشياء التي تترجمها بمفهومها المادي الفعلي على ظاهرة (التقمص). أي الحلول الروحي في المادة تموضعا تكوينيا داخليا فيها. هنا الاستعارة المجازية في صوفية الزن تعني المقصود المجازي لمعنى الروح في ظاهرة الحلول التقمصي هو (الذات).

- مرتكز الحلول الصوفي في الاديان التوحيدية هو تسامي الذاتية في إعتلائها العالم الخارجي بالانفصال عنه ومحاولة البحث عبر مدارج العرفان والاحوال عن خالق هذا العالم والاقتراب الذاتي منه. وفي طموح لاحق أكثر تسعى تحقيق مايسمى الحلول الصوفي الاتحادي بالذات الالهية.

- مرتكز الحلول في الصوفية البوذية هو الطبيعة بما تمتلكه من كائنات وموجودات كل منها يمتلك خصائص تكاملية مع ادراك البوذي الصوفي الذاتي لها. من خلال التقمّص الصوفي بها ومن خلالها فلكي تعرف حقيقة تاثير الزهرة على النفس وعلاقتك بها عليك أن تكون أنت الزهرة كذات وتمارس من خلالها الدور الصوفي في الطبيعة معا في تبادل متداخل لاشعوري حسّيا مع موضوع الطبيعة المختار..

- الادراك الطبيعي للاشياء هو في إنتظام إلانطباعات التي مصدرها الاحساسات الناقلة لاستشعارات الحواس الى الذهن ومن ثم الى الدماغ. هنا الادراك الاحادي الجانب الذي تمتلكه الذات الانسانية والذي لا تمتلكه الخواص الخارجية للاشياء يكون إدراكا (خارجيا) في العلاقة بينهما.

بمعنى ادراك الذات الانسانية لمدركاتها خارجيا لا يموضع الذات تكوينيا في موضوع إدراكها حتى لو كان على صعيد تجريد اللغة التصوري الادراكي...إدراك الشيء حسيّا وليس صوفيا لا تعني معرفته ولا تعني الموضعة التكوينية فيه، في الزن الصوفي أن تدرك الشيء يعني أن تكونه أنت هو. أما إدراك الشيء طبيعيا غير صوفي فهو تجريد تصوري لغوي انفصاليا بين الذات وبين موضوع إدراكها. ومن المهم فك شفرة الالتباس في القول أن كل ادراكات العقل الحسية للاشياء هي ادراكات تجريدية تعبيرها اللغة.

- والذات خارج التصوف البوذي تدرك حقيقتها في عدم المجانسة النوعية مع موضوعها في الجوهر والماهية. بما يبقي العلاقة الذاتية الصوفية وغير الصوفية بالاشياء علاقة انفصالية ويختلفان في عدم المجانسة النوعية بينهما.( نقصد في عدم المجانسة النوعية بين الذات والموضوع هو الاختلاف بينهما بالماهية أو بالجوهر).

بخلاف صوفية الزن التي ترى معرفة الذات الحقيقية تتم في التموضع بالموجودات في العالم الخارجي وفي كائنات الطبيعة في تداخل تكويني تكاملي معها وليس في ادراك مادي خارجي يكون فيه كلا الجانبين الصوفي والشيء لا يلتقيان في مجانسة نوعية ماهوية كيفية واحدة.. هنا التقمّص الصوفي البوذي بالاشياء والطبيعة هو تموضع تكويني مع مدركات الذات.

وهذا النوع من التموضع يبقى مختلفا تجريديا في علاقة الادراك الانساني لموجودات الطبيعية التي يمارسها الشخص العادي لمعرفة عالمه الخارجي.أي يبقى تموضع الادراك الخارجي للاشياء محتفظا بذاتيته الانسانية المنفصلة عن موضوع ادراكها.

- هل هذا يقودنا الى إستنتاج خاطيء أن مذهب وحدة الوجود في الصوفية يتطابق تماما مع الحلول الزن الصوفي التقمصّي في الكائنات والاشياء؟ مذهب وحدة الوجود يرى حقيقة المعبود في الاعجاز الطبيعي بالاشياء  أنها تتمركز حول (الجوهر) المستمد من جوهر الخالق وكلاهما جوهر الذات الالهية الازلية وجوهر الذات المتموضعة في الاشياء كلاهما مدلولان لا يدركان عقليا لا في إتحادهما المزعوم ولا في إنفصالهما القائم إفتراضا ، ونقول إنفصالا إفتراضيا عندما نصطدم بحقيقة تساؤل أين برهان إثبات موجودية جواهر الاشياء فيها بدلالة الجوهر الازلي الخالق لها في توزيعه على موجودات ومخلوقات الطبيعة؟ لا يمكن الجزم القاطع أن وراء كل صفات خارجية لشيء هناك جوهر يحتجب وراءها لا نتمكن من إدراكه. كما أن علاقة صوفية مبدأ وحدة الوجود بالطبيعة هو علاقة الذات انفصاليا خارجيا عن مدركاتها بالطبيعة. وهو ما لا تأخذ به صوفية الزن في حلول الذات في ابسط الاشياء الموجودة بالطبيعة وتقمص التعبير في ادراك الذات لمدركها بحيث يغدو الموضوع هو الذات ولا تفريق بينهما.

- بناءا على ما تقدم اذا جاز لنا تمرير الذات هو الموضوع في الصوفية ولا فرق بينهما، اذن مالفرق بين الذات والموضوع ادراكيا طبيعيا وليس حلولا صوفيا؟ الفرق يكون في لغة التعبير فقط في إختلاف الحالتين فلغة التعبير الصوفي الذاتي عن الموضوع ليس هو نفسه تعبير اللغة التجريدية المنفصلة عن موضوعها والمنفصلة في تعبيرالذات عنه لغويا.

- وتبقى مسافة الانفصال بين الموجودات بدلالة جوهرها بعيدا جدا عن الفهم الصوفي في الزن الذي يرى إدراك حقيقة الاشياء في الطبيعة هو إدراك حقيقة الذات المدركة لها من خلال التموضع في تقمصها الوجودي في صفات الاشياء الطبيعية الخارجية. بمعنى هنا ذات الانسان الصوفي البوذي تصبح هي ذات الشيء الموجود في الطبيعة الذي يتقمصه الصوفي. أن تريد معرفة شيء بالطبيعة صوفيا كما في الزن عليك أن تكون ذلك الشيء هونفسه وتتكلم عنه كهوية تمثلك لا هوية تمثّل موضوع الحلول الصوفي..

اسبينوزا في مذهب وحدة الوجود – وقد اشرت لذلك في اكثر من مقال لي - يناقض جميع الفلسفات السابقة عليه واللاحقة عليه أن الجوهر يسبق الوجود والكينونة وبدلالة أسبقية الجوهر نفهم ثانوية الوجود. هذا الفهم ينسف الوجودية من جذورها في إيمانها الوجود أو الكينونة تسبق الجوهر فيها، والجوهر أو الماهية هو ليس معطى يكافيء الوجود بل الجوهر لاحق على اسبقية الوجود وبدلالة الوجود نفهم وجود الجوهر.

علما أنه منذ كانط في كتابه نقد العقل المحض وفلسفة الفينامينالوجيا (الظاهراتية) عند هوسرل وتبعتهما الوجودية خاصة عند سارتر وحتى الماركسية كفلسفة وليس ايديولوجيا اقتصاد سياسي ماركسي لم يحسموا مسألة أن تكون الموجودات بذاتها تحمل جوهرا يختلف عن الصفات الخارجية لها. باستثناء سارتر الذي قال الانسان يمتلك صفاتا خارجية هي غير جوهره الذي لا يمكننا إدراكه. ولي تفصيلات توضيحية لذلك في مقالات لي منشورة عن الماهية والجوهر. ولعل عبارة سارتر (حقيقة جوهر الانسان أنه بلا جوهر) جعلت من مفهوم سارتر لجوهر الانسان مثل بندول الساعة الذي يؤشر الوقت في الدلالة عليه لا في معرفة ما هو.**

- اما الادراك في صوفية الزن البوذية هو إدراك تداخلي غير إنفصالي متموضع تكوينيا داخليا بالاشياء ولا يترابط معها خارجيا بإنفصال تجريدي عنها. بمعنى صوفية الزن لا تعتبر هناك حواجز انفصالية تجعل من ذات الانسان خارج موجودات الطبيعة وإنما تعتبر الذات الانسانية جزءا من الطبيعة يعرف بدلالتها الوعي الادراكي للاشياء في حقيقتها وليس في معرفة الصفات الخارجية لها..

- الادراك التموضعي في الصوفية زن في موجودات الطبيعة تموضع احساس تبادلي في الشعورالنفسي أن الشيء المدرك ذاتيا هو الذات الانسانية في تموضعها المادي فيه وليس موضوعها الذي تتحدث عنه. هنا الذات الصوفية لا تجد حضورها الحقيقي بمعزل عن تموضعها الطبيعي في شيء.

بمعنى إدراك الشيء هو أن تكون أنت ذلك الشيء المدرك. في حين نحن ندرك الاشياء والطبيعة بمنظومة الاحساسات التي تبدا بالحواس وتنتهي بالدماغ في نوع من التجريد التصوري الخارجي المنفصل ادراكيا عن موضوعات ادراكنا الاشياء في وجودها الانطولوجي المادي الخارجي المستقل. في الزن الصوفية الذات هي الموضوع وبالعكس ايضا في إنعدام خاصيتي الانفصال الاتحادي بينهما اولا ،وفي إنعدام خاصية التفريق والاختلاف في لغة التعبير الصوفي بين الذات وموضوعها ثانيا..

الحقيقة الصوفية والعلم

صوفية الزن البوذية تذهب الى أن المعرفة الحقيقية للاشياء في وجودها الطبيعي ليس هو الحقيقة العلمية التي تحققها التجربة، بل الوجود الطبيعي يمنح الانسان طاقة صوفية فنية جمالية استيعابية في التلقي تجعل من المدركات المتحققة علميا طارئا على طبيعة تفكير الانسان الصافي النقي حيث تكون الآلة المصنوعة في العلم تفكيرا بديلا عن الانسان وعملا تطبيقيا يغني الانسان عن صرف طاقته الجسمانية ويعوّده الكسل والخمول والحركة الفاعلة بدل ما تقوم به الآلة وتعفيه من القيام بماهي تفعله له.. هنا تكون الآلة هي النموذج المصنوع للاستغناء عن الانسان كوجود فاعل يقود الآلة ولا تقوده هي.

البوذية تعلم جيدا معاداتها العلم خسارة ما بعدها خسارة أفدح منها لذا عّبرت عن رؤية فلسفية مغايرة تهادن جوهر العلم وتعاديه في تصنيعه الآلة التي سلبت الانسان مزاياه الحيوية في العمل والارادة والخلق الذاتي والطبيعية والنزوع الفطري في اهمية العواطف والوجدانات في الحياة وغيرها.

اللاوعي في صوفية الزن

" اللاوعي في زن هو الغامض والمجهول بلا شك. ولذا فهو غير علمي أو قبل علمي، ولكن هذا لا يعني أنه بعيد عن متناول وعينا أو شيء لا علاقة لنا به."1. اللاوعي حسب صوفية زن هو تداعيات اللاشعور الذي لا تتمكن الوسائل العلمية " تجارب علم النفس" وليس تجارب العلوم الطبيعية المختبرية. التمكن من تحديده فاللاوعي هو مرحلة (قبلية) علمية لكنه في حقيقته في متناول ادراكاتنا الطبيعة والاشياء بصورة سليمة طبيعية وليست صورة تداعيات لاشعورية غير منضبطة. لذا اللاوعي في زن "هو التدريب تدريبا خاصا لمعرفة الوعي " مثال ذلك "الطبيعة تشق طريقها غير واعية بذاتها ثم يخرج الانسان الواعي منها" 2. اللاوعي في زن هو الفطرة الطبيعية في دخول عالم المادة بوسائل الادراك الشعوري الذي يجعل من اللاوعي متراجعا أمام الوعي به. أما أن يكون اللاوعي هو قبل علمي كونه يصبح لدى الصوفي لا تحققه التجربة العلمية بل تحققه النفس الشعورية. وهذا الفهم لجميع حقائق علم النفس الفرويدي وتوابعه الاجتهادية لا يشير أبعد من تكرار تأكيد ما ذهبت الصوفية عليه، فاللاوعي تجريد لا يتحقق بوسائل علمية بالنسبة للصوفية لذا هو قبل علمي بمعنى استباق الفطرة الطبيعية فيه على علمية التجربة في معرفته. في جميع المذاهب الصوفية تقاس اهمية الانسان بمعرفته الطبيعية بالفطرية واللاشعورية وتبتعد جدا عن تحويل فهم الانسان للطبيعة يتحتم أن لا يتم بغير تصنيعها من قبله وحسب أهوائه وأمزجته.

والتصور العلمي الساذج هذا لمجرد إثبات حقيقة الانسان هو يقود الطبيعة ولا تقوده هي ولا سيطرة لها عليه. هذا التصور العلمي ساذج في تحديده علاقة الانسان بالطبيعة أنها لا زالت معركة انتصار الاقوى بينهما والحقيقة التي يتجاهلها الانسان العلمي الذي يؤمن بتصنيع الطبيعة كل الطبيعة من اجل خدمة الانسان انجزت لنا الاختلال البيئي والاحتباس الحراري ودرجة ارتفاع حرارة الارض. ان الانسان في جميع مراحل تطوره التاريخي الانثروبولوجي كان منقادا للطبيعة غير قائد لها لأن كل اشكال الحياة في الطبيعة هي علاقة التكيّف معها من أجل إدامة بقائه هو وليس من أجل بقاء الطبيعة..

القفزة الصوفية

 ربما من المرجح أن أول من استخدم تعبير القفزة النوعية في المجهول الايماني الديني هو سورين كيركارد حين إعتبر الانتقالة الايمانية الدينية بالخالق تبدأ بقفزة التخلص من صرامة العقل الى دخول معترك الايمان القلبي بما يحتويه من تكوينات مثل العاطفة، الضمير، حب الخير،والاخلاق وغيرها، ومن ثم تبلور مفهوم القفزة النوعية التطورية في تطبيقها على المسار التاريخي حيث أكد كيركارد أن المسار التاريخي بلا قفزات نوعية – اطلقت عليها الماركسية فيما بعد الطفرات النوعية – لا يمكنه التطورالنوعي في الانتقال من حالة الى حالة اخرى متقدمة عليها ما لم تتخلل مساره التقليدي طفرات تنقله من حالة إعتيادية رتيبة الى حالة اخرى نوعية متقدمة تطوريا عليها.

ما يحسب لهذا السبق لسورين كيركجورد أنه جاء متقدما على الفهم الهيجلي المثالي القريب منه جدا على صعيد التاريخ بعد قرون، ومتقدما ايضا على الفهم الماركسي الذي جعل ماركس من القفزة النوعية في مسار التاريخ تتم ماديا على ارض الواقع وليس على صعيد الايمان الديني القلبي المثالي الذي سبق وقال به سورين كيركجورد. ولقى صدى كبيرا لدى فيورباخ.

صوفية الزن تحاول تطبيق مفردة القفزة التطورية النوعية التي اورثتها للوجودية ومن بعدها الماركسية في تفسيرهما التطور التاريخي. كان لسورين كيركارد قصب السبق قبل هيجل والماركسية القول بالقفزة النوعية وبالتاكيد لم يستقيها كيركارد عن الصوفية البوذية وإن كانت المطابقة معها واردة تماما.

سورين كيركارد يعتبر رائد مخترع الجدل الديالكتيكي المثالي الديني قبل مثالية هيجل. وحينما اراد هيجل تطبيق الديالكتيك لم ياخذ باهمية الطفرة النوعية التي تحكم المادة والتاريخ كما فعل ماركس ومعه انجلز بل أخذ ما اطلق عليه الفكرة المطلقة العقلية. بعدها أنضج ماركس مفهوم الطفرة النوعية في الجدل المادي والتاريخي، حيث جرى تخليصها من النزعة المثالية. أكد كل من ماركس وانجلز أن القفزة النوعية في المادة وفي التاريخ إنما تتم داخل جدل نسقي يجمع بين متضادين توحدهما المجانسة الماهوية الواحدة.

من هذا العرض السريع نرى "القفزة الصوفية لا تعني انفصالا بالمعنى الفيزيقي للكلمة، ذلك أن الوعي هو في اتصال دائم مع اللاوعي دونما انقطاع "3

عندما ننظر مفهوم القفزة في اللاوعي الصوفي البوذي (زن) نجدها قفزة ضمن تجانس نوعي يرتبط بفهم الوعي على صعيد تفسير علم النفس المتحرر من ميتافيزيقا الاديان التوحيدية من جهة ، والمتحرر من أحكام المنهج المادي الجدلي من جهة اخرى. فهو نوع من النقلة النفسية التي لا تربطها علاقة مع مفهوم القفزة النوعية الدينية لا عند سورين كيركارد، ولا النقلة المادية كما هي عند ماركس.

لو نحن حاولنا المقاربة بين مفهوم القفزة الايمانية لدى كيركارد ونقلة صوفية الزن نجدهما متطابقان تماما رغم الاختلاف الديني بينهما. وتجمعهما المجانسة النوعية الواحدة على صعيد الماهية التي هي إن صح التعبير القفزة من عالم اللادين الى دخول عالم جوهر الدين. حتى وإن وجدنا القفزة النوعية تخرجها عن الانتظام النسقي الخاص بالدين.

صوفية الزن وفن الحياة

حسب مفهوم صوفية الزن فالانسان موجود (فني) يدرك الطبيعة ويحتويها بطاقته الابداعية الفنية التي تتكامل مع اعجاز الطبيعة الفني الجمالي. الانسان ليس موجودا ملقى لا يعرف حقيقة نفسه ولا يعرف حقيقة مصيره، كما ولا يعرف كيف يعيش الحياة بدون ملازمة تانيب هاجس التعاسة الذي يلازمه طيلة سني حياته. فالانسان مزودا بكل الطاقات والامكانات التي تمكنه من جعل حايته وعلاقته بالطبيعة لوحة فنية تنبض بالحياة والجمال والتفاؤل.

الوجود الفني بالحياة في مذهب صوفية الزن ليس معناه ان يكون كل انسان متخصصا في انتاجية نوع من الفنون التي ينجزها اصحاب المؤهلات الفنية من موسيقى ورقص وغناء ورسم ونحت وادب.. الزن ترى في الجمال والفن اسلوبا يعيش الانسان الحياة بعيدا عن التعاسة ولازمة منغصات الحياة له. ولا يتم ذلك الا بالعودة الى الطبيعة واستلهام المعاني الروحية منها وحدها.

*** عبارة سارتر (جوهر الانسان الحقيقي انه بلا جوهر) هي تعارض وجهة نظره ان الانسان يصنع ماهيته وجوهره بقواه الذاتي المستمدة من خبراته التراكمية المكتسبة من الحياة طيلة سني عمره من الولادة وحتى الممات. لكن كيف لنا تمرير هذا التناقض أن الانسان لا يمتلك جوهرا حقيقيا، سبق لي في مقالة منشورة لا يحضرني عنوانها عللت العبارة تعليلا صحيحا اذا ما أخذنا معنى العبارة ضمن اشتراطين فلسفيين اثنين، الاول ان الجوهر حسب فلسفة سارتر تصنيع ذاتي يلازم الانسان سني عمره إذن الجوهر هو ليس معطى ثابتا غير متغير يمكن الاستدلال عليه بل هو سيرورة من الانتقالات والتحولات في حياة الانسان الاستبطانية الداخلية لذا لا يمكننا الحكم على جوهر لا يتسم بالثبات معرفيا. السبب الثاني وايضا بدلالة فلسفة سارتر الانسان نزوة طارئة بكل حمولتها الوجودية المأزومة بالحياة والمصير التعس بنهاية الموت لم يكن هناك حاجة لوجودها لذا فالانسان في كلتا الحالتين بجوهر وبلا جوهر هو وجود لا معنى له.مما يبدو أن عبارة سارتر تنطوي على تهكمية واضحة تفتقد برهان تحققها جديّا بما يعنيه.

 

علي محمد اليوسف - الموصل

.................................

الهوامش

1- التصوف البوذي والتحليل النفسي /د.ت. سوزوكي/ ت: ثائر ديب/ تقديم وفيق خنسة ص 60

2- نفسه نفس الصفحة

3- نفسه نفس الصفحة

 

علي رسول الربيعييبدو أننا نعتبر في العديد من السياقات أن سيادة القانون تمثل قيمة. ونعتقد أنها واحدة من أكثر القيم المألوفة والمركزية في الفكر السياسي الديمقراطي الليبرالي. لكن هل قيمة سيادة القانون مرتبطة حقًا بمحتوى القانون؟ خذ، على سبيل المثال، مطلب فولر "التوافق بين القاعدة المعلنة والعمل الرسمي". نعتقد أن التطبيق المنتظم والمتسق للقانون في سياق نظام عادل، ذو قيمة أخلاقية: يساعد، على سبيل المثال، في الحفاظ على القواعد كأساس منظم للحياة الاجتماعية، يجعل نتائج القرار الرسمي قابلة للتنبؤ، يقيد قدرة المسؤولين على إصدار قرارات تتشكل من التحيز الشخصي أو التحيز، ويضمن أنه ستم التعامل مع مثل هذه القضايا بالتساوي، وبالتالي تلبية متطلبات العدالة الشكلية. لكن هل نعتبر هذه السمات لسيادة القانون ذات قيمة أخلاقية إذا كانت تعمل في سياق نظام قمعي؟ هل نريد أن نرى قواعد غير عادلة مطبقة باستمرار، على سبيل المثال؟ أم أنه من الأفضل أن يحاول القضاة في نظام جائر تحريف وتعطيل تطبيق القانون كلما أمكن ذلك لضمان نجاح أكبر عدد ممكن من المواطنين في التهرب من الإكراهات الظالمة للطاغية الحاكم؟

بمجرد أن نفكر في أمثلة من هذا النوع، يمكننا أن نرى سبب رغبة بعض المنظرين القانونيين في إنكار أن يكون لسيادة القانون قيمة جوهرية، مع إسناد قيمة مشروطة إليها (تعتمد على محتوى القانون) في أحسن الأحوال فقط.

يتفاعل بعض فقهاء القانون مع هذه المشكلة بالسعي إلى إسناد محتوى أكثر ثراءً لسيادة القانون: يزعمون، على سبيل المثال، أن سيادة القانون لا تقتصر على الاعتبارات الشكلية والإجرائية التي حددتها مبادئ فولر الثمانية، ولكنها تتضمن اهتمامًا بـ حقوق الإنسان الأساسية، أو القيود الموضوعية الأخرى على محتوى القانون. يساعد هذا الخط  من المحاججة  في الحفاظ على الادعاء بأن سيادة القانون ذات قيمة جوهرية، لكنها تفعل ذلك بتكلفة معينة فقط. فكلما أضفنا محتوى ثريًا إلى مفهومنا لسيادة القانون، كلما بدا أن الفكرة متأصلة في مفهوم القانون على هذا النحو. بعبارة أخرى، من المرجح أن يتفاعل القانونيون الوضعيون بالقول إننا نرحب بتسمية مجموعة من حقوق الإنسان "سيادة القانون" إذا أردنا: ولكن تختلف هذه القيمة تمامًا عن مفهوم القانون الذي يخضع للتحقيق في المقام الأول في فلسفة التشريع وفقه القانون . إذا أردنا أن نؤسس تحليلنا لسيادة القانون على مفهوم طبيعة القانون، فنحن بحاجة إلى أن نكون قادرين على إبراز أن القوانين والأنظمة القانونية تعتبر على هذا النحو من خلال درجة تقاربها مع المثل الأعلى لسيادة القانون. بعبارة أخرى، نحتاج إلى أن نكون قادرين على إظهار أن المثل الأعلى لـ "سيادة القانون" هو النموذج الأصلي الذي يبني مفهومنا عن "القانون"؛ وسيزداد هذا صعوبة كلما قدمنا ​​المزيد من المحتوى لـ "سيادة القانون".

يتبع صعوبة أخرى ذات صلة. كلما انفصل مفهومنا عن "سيادة القانون" عن مفهومنا العام "للقانون"، سيبدو قرارنا أكثر تعسفًا لإعطاء هذا المحتوى أو ذاك لفكرة "سيادة القانون". سيتمكن النقاد من القول بشكل معقول إننا نخلط القيم المختلفة التي يجب ان تكون متمايزة ومنفصلة، من خلال بناء كل الأشياء الخيرة (مثل العدالة وحقوق الإنسان) في مفهومنا لسيادة القانون. ولكن يمكن القول إن هذا يهدف إلى طمس الأهمية المميزة لسيادة القانون وتعريضها للخطر، بدلاً من تحديد دورها الخاص بدقة في بيئة قيمنا المختلفة.

إذا أردنا تقييم حجة فولر، يجب أن نسأل ما إذا كانت سيادة القانون ذات قيمة جوهرية. لكنلا أن نبسط المهمة  من خلال تضمين مفهومنا لسيادة القانون قدرًا كبيرًا من المحتوى غير الموجود بشكل واضح عند فولر.[1]

لا أعتقد أن فولر قد حل المشكلة التي وضعها بنفسه بشكل مرضٍ. إلا أن حججه المتنوعة، على الرغم من كونها مثيرة للاهتمام وموحية، لم تنجح حقًا في إثبات أن الامتثال للمتطلبات الثمانية له قيمة أخلاقية جوهرية. ومع ذلك، أعتقد أنه من الممكن الدفاع عن رأيه ، حتى لو لم يتطرق هو نفسه إلى الحجة الحاسمة.

سيتمتع المواطنون، إلى الحد الذي يتم فيه الامتثال للمتطلبات الثمانية، بمجالات معينة من السلوك الاختياري يواجهون من خلالها مجموعة من مسارات العمل المسموح بها. هذا لأنه، إذا لم يكن الأمر كذلك، فلن يكون من الممكن الامتثال للقواعد التي تؤثر على سلوكهم: لا يمكن للمرء أن يكون لديه مجموعة من القواعد التي تلغي فرص الاختيار تمامًا، مع إمكانية الامتثال لها. علاوة على ذلك، فإن أي حكومة تسعى إلى تحقيق أهدافها ستحتاج إلى الاحتفاظ باحتكار استخدام القوة القسرية، إلى حد حظر استخدام القوة من قبل المواطن ضد المواطن. ونتيجة لذلك، سيتمتع المواطنون، إلى الحد الذي يتم فيه استيفاء المتطلبات الثمانية، بمجالات السلوك الاختياري التي يتمتعون فيها بدرجة معينة من الحماية ضد التدخل القسري للمواطنين الآخرين. دعونا نسمي هذه "مجالات الحرية".[2] قد تكون مجالات الحرية هذه واسعة إلى حد ما: وهذا يعتمد على محتوى القانون. ربما يقيد القانون حريتنا بشدة. وبالتالي، قد يكون هناك شك فيما إذا كان من الممكن الدفاع حقًا عن القيمة الجوهرية لسيادة القانون من حيث بعض الارتباطات المفترضة بالحرية. يمكن للمرء أن يقول، إذا كان القانون يمنحني حرية واسعة، أو قد يقيد حريتي أيضًا بشدة، فإن أي روابط بين القانون وقيمة الحرية تكون مشروطة.

يستخدم مثل هذا الاعتراض فهمًا ضيقًا للغاية ومبسطًا للحرية. وهو يفترض أن الحرية تكمن في مدى وعدد الخيارات المتاحة، وتخلص إلى أن هذا النطاق والعدد يقعان تحت رحمة محتوى القانون. لكن لا يعالج هذا سوى جانب واحد من جوانب الحرية، وهناك جوانب أخرى لا تقل أهمية عن تلك الفكرة الغنية والخصبة.

ما الفرق بين العبد والحر؟ لا يكمن الاختلاف في عدد ومدى الخيارات المتاحة لهم. لأنه من الممكن أن يكلف السيد العبد بواجبات قليلة ليقوم بها، أونادرًا ما يتدخل في سلوكه؛ في حين أنه من الممكن أيضًا أن يجد الرجل الحر نفسه محاصرًا بواجبات مقيدة من جميع الجوانب. ومع ذلك، لا نريد أن نقول إن العلاقة بين العبودية والافتقار إلى الحرية مشروطة بحتة، وتعتمد على الظروف، لأن العبودية هي ذروة الافتقار إلى الحرية. الفرق بين العبد  والحر هو أن الخيارات المتاحة للعبد تعتمد بالكامل على إرادة سيده، في حين أن الخيارات المتاحة الحر ليست كذلك.

هذه هي قيمة سيادة القانون: إنها جانب من جوانب الحرية يمكن أن نطلق عليها "الحرية كاستقلال عن سلطة الآخر". يتمتع الفرد، إلى الحد الذي يخضع فيه المرء لسيادة القانون (يُفهم من حيث مبادئ فولر الثمانية)، بمجالات معينة من السلوك الاختياري المحمي والمستقل عن إرادة أي شخص، ويعتمد على محتوى القانون فقط.

"ولكن ألا تعتمد هذه الخيارات على إرادة المشرع؟" نعم. ولكن علينا أن نتذكر أنه، إلى الحد الذي يتم فيه مراعاة التعاليم الثمانية، لا يمكن أن تكون هناك قوانين بأثر رجعي. وبالتالي، فنحن نستمتع في أي وقت بمجالات الحرية الملزمة للمشرع. يمكن للمشرع بالفعل أن يسلب مجالات الحرية المحددة هذه للمستقبل (على الرغم من أنه لا يمكن تغيير القوانين بوتيرة كبيرة ، إذا كان لابد من تلبية المتطلبات الثمانية) ولكني سنستمر في التمتع ببعض المجالات التي ستلزم المشرع والجميع آخر.

قد يُعتقد أن هذه القيمة ضعيفة بشكل مخيب للآمال وغير جوهرية. فمجرد القول أن "الحرية كاستقلال عن قوة الآخر" لا تمنحنا كل ما نريد: فهي، على سبيل المثال، لا تمنحنا القانون، ولا تمنحنا  تلك الحرية الواسعة. لكنها تعطينا جانبًا أساسيًا من جوانب الحرية، وجانبًا لا يمكن أن يتم تأمينه بأي طريقة أخرى، داخل المجتمع البشري . وهكذا يمكننا القول إن سيادة القانون تمثل مجموعة الشروط التي بموجبها يمكن ضمان الحرية كاستقلالية في سياق الارتباط بالآخرين. هذه هي القيمة الجوهرية لسيادة القانون.

قد يتساءل شخص الآن ما عما إذا كان التنفيذ المنتظم للقواعد المستقبلية المنشورة يظل ذا قيمة حتى عندما تسعى القواعد المعنية إلى ارتكاب مظالم جسيمة حقًا. قد يكون أحد الاحتمالات هو ألم الرصاصة والإصرار على ذلك، على الرغم من أن فضائلها الأخلاقية تتفوق بشكل كبير على المطالب التعويضية الفورية للعدالة. ومع ذلك، أن قيم العدالة والشرعية تقف في علاقة معقدة نوعًا ما مع بعضها البعض. إنها في الواقع قيم مستقلة وتتنافس في كثير من الأحيان، وفي بعض الأحيان  لكي ينفذ القاضي عدالة  موضوعية جوهرية  عليه أن ينتهك متطلبات الشرعية، على سبيل المثال. وعلى الرغم من ذلك ، فإن القيمتين من النوع الذي لا يمكن إطلاقهما بالكامل إلا بالتزامن. ومع ذلك ، على الرغم من ذلك ، فإن هاتين القيمتين كذلك أنه لا يمكن تحقيقهما بالكامل إلا بالتزامن. تشكل العدالة بهذا المعنى ، وإلى هذا الحد ، جزءًا من النموذج الأصلي للشرعية عندما تُفهم تمامًا.[3] وبالتالي، سيكون ممكنا لنا أن نستنتج أن الانحرافات المتطرفة حقًا عن العدالة قد تسرق تشريعاتها من شرعيتها.[4] لن يؤدي هذا إلى القضاء على الصراع المحتمل بين العدالة والشرعية، ولكنه سيزيل من المشهد الأخلاقي المواقف التي يبدو فيها الصراع أكثر تطرفاً.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................

[1] Simmonds, N. E., Law as a Moral Idea, (OUP Oxford; 2007), Ch 5.

[2] Simmonds, Law as a Moral Idea, pp.99-109.

[3] Simmonds, Law as a Moral Idea, Ch.6.

[4] أنظر:

Alexy, A. The Argument from Injustice.

 

 

التحولات الرمزية في اللغة تمنح العلاقاتِ الاجتماعية القُدرةَ على إعادة صياغة إفرازات العقل الجمعي. وإعادةُ الصياغة تعني توليد نظام معرفي يُوظِّف عناصرَ الفِعل الاجتماعي في سياق التحولات الشعورية للفرد والجماعة، ويُوازن بين التفاعليةِ الذاتية (صورة الذات في مِرآة الذات) والهُويةِ المُجتمعية (شرعية المجتمع في عملية توحيد الذات والموضوع). وتَصَوُّرُ الفردِ عن نَفْسِه يُحدِّد طبيعةَ التعامل معَ مُجتمعه، أي إنَّ الفرد ينتقل من شُعوره الوجداني الشخصي إلى شخصية المجتمع الذي ينتمي إلَيه، وهذا الانتقال ضروري لتكريسِ الخلاص الجماعي في السلوك الإنساني، وتجذيرِ المشاعر الفردية الجُزئية لإنقاذ الكُل المُجتمعي. وإذا نجح العقلُ الجمعي في تطهير المجتمع من ثنائية (الاستغلال / الابتزاز)، استغلال الفرد للمجتمع كرافعة للأحلام الشخصية، ووسيلة لتحقيق الخلاص الفردي، والهروبِ من المسؤوليات والتحديات، وابتزاز المجتمع للفرد من أجل تحويله إلى آلةٍ بلا رُوح، ومُجرَّد رَقْم مَنسي في أرشيف التغيرات الاجتماعية، فعندئذ ستتحوَّل أُطُرُ البناء الاجتماعي إلى تيارات ثقافية ديناميكية، تقوم على الحركة الفكرية والنشاط العقلاني والحيوية الواقعية من أجل تحقيق التكامل والانسجام بين الفرد والمجتمع، وهذا يَحمي الفردَ مِن التحوُّل إلى كَبش فِداء، ويحمي المجتمعَ مِن التحوُّل إلى خشبة مَذبح . والعلاقاتُ الاجتماعية لا تقوم على حسابِ أعداد الضحايا، وتحويلِ الضحايا إلى أرقام، وتأسيسِ ظواهر حياتية قائمة على المُتاجرة بالتضحيات، وإنما تقوم على بناءِ المفاهيم الأخلاقية وتطبيقها على أرض الواقع، وبناءِ المعنى الوجودي المُتماسك، والمُتَّصِل بتوحيد الزمان والمكان، وعدم الفصل بين التاريخ والجُغرافيا . والوجودُ الإنساني ينبعث في الماضي والحاضر والمُستقبل بشكل تزامني، لأن القوة الذهنية لا توجد فيها فواصل زمنية ولا حُدود مكانية، وهذا هو سِر أهمية الخَيَال، لذلك كانَ الخيالُ أهم مِن المعرفة، وهو أساس الفكر الإنساني، والطريق إلى الإبداع. والطريقُ أهم من الغاية، لأن الغاية معروفة، لكن كيفية الوصول إلَيها غير معروفة . ووظيفةُ البُنى الاجتماعية ليست البحثَ عن الغاية، وإنما البحث عن الطريق إلَيها . ومَن وَجَدَ الطريقَ الصحيح سيصل إلى غايته مَهما كان بطيئًا . وبِقَدْر ما يُؤَثِّر الفردُ في الزمان والمكان، يتأثَّر بهما نَصًّا ورُوحًا . والتأثُّرُ النَّصِّي ينبع من إشارات اللغة ورموزها والآليات المعرفية التي ينتهجها الخِطَابُ الاجتماعي، والتأثُّرُ الروحي ينبع مِن الدَّلالات المعنوية التي تتمركز في أعماق الأفكار العابرة للتجنيس بسبب تحرُّرها من القوالب الجاهزة والأنماط المُعَدَّة مُسْبَقًا .

2

يَنبغي النظر إلى العلاقات الاجتماعية من داخلها لا خارجها، لأنَّ الدَّاخل يشتمل على الجوهر الإنساني والبراءة الأصلية والفِطْرة النَّقِيَّة، أمَّا الخارج فهو خليط من الأضداد، ومزيج من الأهواء الذاتية والمصالح الشخصية، وكَومة من التناقضات المُشتملة على الحق والباطل، والصواب الخطأ، بسبب التأثُّر بإفرازاتِ البيئة المُحيطة، وضُغوطاتِ الواقع المُعاش، ومُشكلاتِ الحياة اليومية . وهذا التلوث الاجتماعي لا يمكن تنقيته إلا بتفعيل مركزية الخَيَال ورمزية اللغة، وإيجاد مكان لهما في جُذور الهُوية الثقافية للمجتمع بعيدًا عن إفرازات النظام الاستهلاكي، لأن الثقافة وَحْدَها هي القادرة على احتضان الخيال واللغة، وتوظيفهما في مُستويات التفاعل الإنساني، والقِيَمِ المِعيارية المُنعكسة عن طريقةِ تفكير الأفراد، وطبيعةِ مُكوِّنات الظواهر الاجتماعية، التي تربط بين شُعور الفرد بأهميته وتجربته الوجودية في أنساق المجتمع . ومركزيةُ القِيَم تستمد سُلطتها الاعتبارية من اتصال الأفراد بالأشياء، وتفاعلهم معها، لذلك كانت الأحكامُ في المجتمع نابعةً من تأثير الأفراد في الأشياء وتأثُّرهم بها . وكما أنَّ الخِبرة الحياتية لا تنفصل عن تجارب الفرد المعنوية والمادية، كذلك القِيَم الإنسانية لا تنفصل عن المنظورِ اللغوي، والتَّصَوُّرِ الفكري، والمَدلولِ العاطفي .

3

التأثيراتُ المعرفية المُتبادلة في أنساق المجتمع تَؤُول إلى أشكال إبداعية ومفاهيم تعبيرية، تَزرع الخَيَالَ في الفِعل الاجتماعي كَكَائن عُضوي، وتزرع اللغةَ في السلوك الإنساني كَكِيان وُجودي، مِمَّا يُؤَدِّي إلى إنتاج مناهج عقلانية تستطيع رؤيةَ الحقائق الاجتماعية مِن كُل الزوايا، وتكوينَ تفسيرات منطقية للصراعات الذاتية والأحداث الواقعية، والوُصولَ إلى مصادر المعرفة القادرة على تفكيك معاني الأشياء وإعادة تركيبها ضِمن نظام القِيَم الثقافية . وبما أن الثقافة نِيَّة مُبَيَّتة ووَعْي معرفي وفِعْل قَصْدِي لا تِلقائي، فإنَّ القِيَم الثقافية القادرة على إنقاذ المجتمع مِن مأزقه الوجودي، ستكون نابعةً مِن الإرادةِ الواعية، والإدراكِ الحِسِّي (المَلموس)، والدافعيةِ المعنوية (غَير المَلموسة) . وبالتالي، ينتقل المعنى الإنساني مِن الغَيبوبة الاجتماعية إلى الفاعلية الحياتية .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

حاتم حميد محسنجسّدت الآلهة، والنصب الفنية للآلهة التي تزيّن كاتدرائية  أثينا خلال القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد الرؤية المقبولة عن ماهية الجمال آنذاك. للوصول الى أي مكان في المجتمع الأثني كان يتطلب ليس فقط اسما جيدا وذكاءً وانما ايضا جاذبية جسدية . كان الاعتقاد السائد على نطاق واسع هو ان الجمال والخيرية يسيران جنبا الى جنب.

الافتراض بأن الجمال هو (اللياقة البدنية)  وان الخير والجمال  متلازمان جرى رفضه من قبل كل من ارسطو وسقراط. ارسطو قال أن " الشيء الخيّر دائما ينطوي على الفعل كموضوع له،بينما الجميل يوجد ايضا في الاشياء العديمة الحركة". الجمال طبقا لارسطو يمكن ان يوجد في الفعل والسكون على حد سواء، بينما الخير او الجيد يوجد فقط في الفعل.  سقراط يوافق على هذا ويقترح فكرة ان الجمال لم يوجد فقط في شيء يمنح السرور لأن السرور يمكن الحصول عليه  من الخير ايضا.

سقراط كان مقتنعا بأن الجمال الجسدي لا يمكن الوثوق به. فمثلا، الرجل القبيح الشريرالذي يلبس ملابس ثرية وجميلة ربما يبدو جذابا للعين لكن الملابس تخفي "الجمال" الحقيقي للشخصية. في تحليله للفن يجسّد ارسطو الرؤية بان هدف اللوحة هو ان تعطي فقط متعة مرئية مباشرة ولذلك كانت رغم جاذبيتها للعين،ليست جمالا حقيقيا. طبقا لأرسطو الجمال هو أعلى من المفيد والضروري. هو يرى ان المهارات المفيدة مثل القراءة والكتابة والرسم تسمح للمرء للإحساس بالجمال لكنها ليست جميلة بذاتها. وان الأشياء المساعدة في هذا،مثل الكتاب او القلم هي ليست جميلة في ذاتها  وانما هي تقود للعثور على الجمال. مقابل هذا يستعمل سقراط فائدة الاشياء في تعريف وترسيخ جمالها. فمثلا،الشجرة الكثيفة الأوراق هي جميلة ليس بسبب جاذبية الأوراق الخضراء او البراعم وانما بسبب انها تعطي الظل الى كل من يجلس تحتها. الوقاء الذهبي هو قبيح لأنه لايعمل جيدا كوقاء. سقراط يرفض فكرة ان شيء ما جميل لأنه يعمل جيدا، لأن الاشياء الشريرة رغم انها تعمل جيدا لكنها تبقى ليست اكثر من شريرة.

كل من الفيلسوفين وجدا الجمال في الرياضيات والعلوم . ارسطو قال ان "الهدف الرئيسي للجمال هو النظام والتناسق والوضوح" وادّعى ان العلوم أثبتت هذا في كل مكان . هو وجد جمالا كبيرا في "النسبة الذهبية" او الوسط الذهبي والتي هي صيغة رياضية موجودة في كل انحاء الطبيعة، مثل نمو الاصداف وجسم الانسان. سقراط جادل بان هناك بعض الاشياء الجميلة جميلة بفعل طبيعتها فقط. "الخط المستقيم والدائرة والأشكال المستوية والأجسام الثلاثية الأبعاد المتكونة من تلك باستخدام المقاييس  والمسطرة ونماذج الزوايا". هذه كما يقول ليست نسبية وانما هي دائما جميلة. انها تعطي المتعة، ولكن ليس كمتعة الشطب او الحك. انها ثابتة.

 

حاتم حميد محسن

سامي عبد العالدون منازع باتت (الصورةُ) ظاهرةً مؤثرةً عبر العالم الافتراضي، ومثلَّت في حد ذاتها (قيمة رمزية) تجتذب مزيداً من الأنظار، وتطلق أثيراً مكثقاً من الأغواء (الظهور- التجلي – الجاذبية – الفضول- التضمين- الفعل)، حتى أنّه بإمكانها (في ميدان السياسة) تحريك الجُموع بفضل (الصدى البصري) القابل للتردد والإستعادة بحجم الواقع. لأن الصورة في لحظة المشاهدة تسرق (العين) طاغية على كافة الجوانب الأخرى. فهي تعطى ما تجسد كافة الإنتباه والتأثير كأنه لا يوجد شيءٌ سواها.

وضمن هذا الإتجاه (لو نتذكر كما سأحلل تباعاً)، اعتمدت أحداث الربيع العربي (وهكذا تفعل كل الأحداث والأفعال السياسية) على تجليات الصورة وآثارها البعيدة. فلكّمْ مَثّل الحراكُ الشعبي آنذاك عملاً فنياً (تلفزيونياً وافتراضياً) كنّا نتعلق بمتابعته يومياً لأوقاتٍ طويلةٍ. ذلك بأثر المعاني (كرسائل خطابية ونصية مُوقّعَةٍ) على الهواء مباشرةً خلال بثِ المَشَاهِد من جميع الأطراف. كانت الشاشات والأسطح الافتراضية هي كل الواقع لا غير، حلبةَ الحياة الغاصة بالحركة والقابلة للأفعال وردود الأفعال على صعيد السياسة. وانتبهت إليها جماهير الكرة الأرضية على خريطة العالم متعلقة بتقلباتها المتسارعة. الصورة في حمأة الأحداث كانت فكرة وسلاحاً، وسيلة وغاية، استراتيجية ورصيداً للمعنى.

تقديم

"رأسمالية الكاميراً" capitalism of camera هي عبارة عن مجموعة القيم الرمزية التي تكمن في عمل الكاميرا. بدءاً من قدرتها الكاشفة بالتصوير وزوايا الرؤية، أي وضع الموضوع في حالة انكشاف كمعطى مهم، وليس انتهاء بأهمية الصور بوصفها عملية توثيقية وما يترتب عليها من معان إجرائيةٍ وحقوقية وقانونية واجتماعية وسياسية بالطبع. ونظراً لأنَّ الكاميرا (عين ثالثة) لحاملها، فهي مجانية اللحظة بلا مقابل وقوية التأثير دون حدود، وبخاصة مع وجود الصور في العالم الإفتراضي. ولذلك تحمل الصورة إغواءها الخاص مثل النقود والأرصدة العينية والمادية والمقتنيات النفيسة تماماً. وفي سياق الأحداث الثورية (بفضل الفعل العام) كانت الكاميرا مرجعاً أعطى صكاً لتصوير أي شيء واستعماله في أغراض إعلامية وحركية سياسية. بجانب ذلك منحت الثوار والمهمشين ملكية فعلية لحقوق الإدلاء بآراء معينة أو تجاوز الحدود تجاه المجالات العامة.

ظهر ذلك جلياً مع الأبعاد الأيديولوجية والثورية التي تنازعت المواقف والخطابات مع حركة الشارع في غير دولةٍ عربيةٍ. ولاسيما مع تغطيات الإعلام والوسائط الافتراضية التي سمحت لبعض القوى الإقليمية والدولية بالتدخل في توجيه الجموع أو لرسم صورة معينةٍ لها ارتباطاً بمصالحها وتأثيرها على الأرض. حاولت الفضائيات (صناعة الصورة)، حيث أدركت أهميتها القصوى، ليس أمام عيون العالم المنتظرة بشغف: ماذا سيحدث من تحولات سياسية؟، بل كان ذلك إزاء حواس ورغبات الفاعلين الثوريين والمتظاهرين أنفسهم. صناعة الصورة هي القوة النافذة التي تمثل أبرز أساليب (التدخل عن بعد)، هي استراتيجية الحرب الناعمة التي تقطع وتحسم الصراعات دون أثر مادي ملحوظ.

أثناء أحداث الربيع العربي، كانت اللقطات المتلفزة أو الديجيتال (كبسُولات بصريةً) تذهب إلى حواس المُتابع وإدراكاته في وقت واحدٍ. وهي ضمن المجال العام، تُسيِّسُ (نمطَ الرؤيةِ) الخارج لتوه من التغطية الإعلامية داخل وسيطٍ تقني جذّاب. فلا يُؤثر أيُّ عمل سياسي دون وسائط تُخْضِعه لمنطقها، جاعلةً المتلقي جزءاً من (حدوث) الحدث، حيث تتوالى تداعياته مع تفاعلها إزاء الواقع بمجمل أبعاده. بل كانت الأفعال السياسية والتظاهرات نفسها (نصوصاً مرئيةً)، تحمل (مع سياق أو غيره) معرفةً ودلالةً وقدرات على كتابة شفافة عبر اللاوعي، هي تحديداً كانت تشحن لا وعي المتلقي بما يجب اتخاذه من مواقف (مع أو ضد) الأحداث وخلفياتها السياسية.

تُرىَ .. كيف نقرأ (الاقتصاد السياسي) المنقُوش في جوانب المشاهد والصور؟ هل سنكمل نصّها السيميائي من خلفياتنا الثقافية؟! وهذان السؤلان سيركزان على الصور التي كانت بين أيدي الثوار القائمين بالأحداث والمحركين لأبعادها في الواقع. إذ وجدوا أنفسهم في أرض افتراضية تتماهي مع هذا الواقع ولا يوجد فاصل حقيقي بينهما. الإفتراض يخاطب الوعي واللاوعي مباشرة في آن واحد، يدفعهما عبر الشعارات والتظاهرات لتحقق الآمال وما تصبوا إليه الجماهير، وهو ما يريد هؤلاء تحقيقة في الحياة السياسة وتغيير الأنظمة وتداول السلطة وتحقيق العدالة والحرية والمساواة. بينما الواقع كئيب وينضح بالممارسات الغاشمة لسلطة سياسية لم تفِ بوعود الحياة الإنسانية الكريمة. فهؤلاء الثوار كانوا (فقراء الآمال والأموال والمآل) معاً، ورأوا أن فقرا مزرياً مفروض عليهم بفعل فاعل هم خارجون لتغييره.

اقتصاد افتراضي

كانت الفكرة السابقة تلّحُ مع لعبة " الصورة والمٌتظاهر" في شوارع الربيع العربي ومنحنياتها. لننظُر بدايةً: إلى أي مدى صنعت هذه اللعبة اقتصاداً افتراضياً للفاعلين في سوق الثورات؟! وكيف تبرز علاقة رأسمال الكاميرا بالرأسمال العيني، غرائزه وأسواقه؟! وهذه الأسئلة بطبيعة الحال تفترض أنَّ السياسة تعني (السوق العام) الذي يظهر فيها البائعون والمشترون للأحلام والأمال، وأنَّ الصور أشبه بالعملات النقدية التي تقرب أصحابها من المكانة وتمنحهم فرص التعبير عن متطلباتهم. لاحظنا في جميع الثورات العربية تسلُّل الكاميرا كإطار استثماري دائم. فلم تغب الكاميرات عن الأنشطة العامة دعماً أو رفضاً أو تسويقاً أو أدلجةً أو تآمراً أو ترويجاً أو قمعاً أو محاصرة. هذا نظراً لأهمية الصور كوسيطٍ فاعلٍ من جانبٍ، وبوصفها تقنيةً متاحةً لجميع الأطياف من جانبٍ آخر.

ذلك بناء على الاعتبارات التالية:

كانت اللقطةُ البصرية تحمل الوقائع وتُؤطرها. وفوق ذلك كانت تُدخلنا إلى صناعة السياق الثوري اليومي وكيف سيكون مؤثراً. ورأينا كمْ أخذ المتظاهرون شحناتّهم (بالتبادل الدلالي) مع الواقع عبر مخزون الكاميرا وقت انسداد الأفق السياسي. وبهذا كم عبرت الكاميرا عن (أرصدة رأسمالية رمزية) مهمةٍ لدى الثوار والنشطاء.

طرحت اللقطة نفسها بلغةِ النُدرّة. كانت ثمة " صُورة نادرة "، وأخرى " لقطة ساحرة "، وأخرى لقطة " مُعبرة "، وغيرهما" لقطة مُوحية" أو" لقطة صادمة " ... إلى مالا نهاية وفقاً لتحولات الأحداث. ونحن نعرف أن الندرة بُعدّ اقتصادي دالٌّ اجتماعياً وثقافياً بالنسبة لنوعية المشاهدات ارتباطاً بما يجري. نحن نطلق اصطلاحَ " عُملة نادرة " بالنسبة لقيمة الأشخاص أو للسلع الرمزية. إذن في (العالم الإفتراضي)، لاتقل اللقطةُ الثرية بالمعاني والدلالات عن سبيكة الذهب إنْ لم تزد عن الألماس النادر.

لئن كانت القيمة النقدية للسلع كامنةً بتداولها، فإنَّ الصورة بها تلك الخاصية التداولية. لأنَّ عالم الانسان نسيجٌ متفرد من الصور العالقةِ. وإذا تأملناها لوجدنا مفاهيم وقيماً وعيونًا لا حدود لها تنظر إلينا. كذلك تكتسب أهميتها من وتيرة الأحداث التي تتفاعل معها. فالصور سندات رمزية في بورصة التداول التي تدير أسواق الأفكار والأهواء والأحلام والرغبات والأفعال العامة في المجتمع ([1]).

الصورة تفترض مع عناصرها وجودَ الآخر. إنَّها تُضيفُ معانيه ومواقعه كمدخرات دون إرجاءٍ ولا استئذان. المعروف خلف كواليس الأفلام أنَّ فناناً كمحمود المليجي مثلاً كان يتمتع بحضورٍ قوي أمام الكاميرا. حتى أنَّ الفنانين كانوا يخشون الوقوف تجاهه وينسون السيناريو المكتوب والمعد سلفاً. لأنَّ أداءه التمثيلي غير التقليدي يسرق الكاميرا. ولنلاحظ هنا أنَّهم موجودون بنفس اللقطات وإلاَّ لا قيمةَ لأدائه ولا لأدائهم. لكن العبارة تبرز معنى آخر هو: اضافة المُتلقي وكثافة الشخصية إذ يقدمها فنان موهُوب للدور.

الصورةُ لا تتوقف عن الدلالةِ عقب طرحها، ولا تكتمل أبداً. هي تظل باقيةً رغم مرورها أو حتى رغم انصرافنا عنها، بل وتُواصِل استدعاءَ تأثيرها في الذاكرة البصرية. كان الثوار في إطار الصور واللقطات يعرفون ذلك جيداً. ما من نشاطٍ ثوري إلاَّ وتمّ بهذا الأثر السيميائي البعيد، لكي يقول ما لم يستطع قوله في الواقع ([2]). هم يدركون بذكاءعينَ المتلقي وشغفه بمتابعة الصراع السياسي بين الأطراف ويراهنون على هوسه بالتوقعات واستنتاج الأثر القادم.

لعلَّ صورَ سقوط الأنظمة العربية الواحد تلو الآخر قد عكست تحولات النبلاء المعاصرين. هؤلاء الثوار المسحوقون حتى الجمجمة وجدَوا أنفسهم فجأة ذوي أهمية على قارعة الشاشات الفضية. كل العيون تتعلق بهم ويتم النظر إليهم كأرصدة للزمن والحياة في جعبةِ الواقع. ذلك على خلفية (هتافات مرئية) أعطتهم أرصدةً سياسية طائلةً بلغة الإقتصاد. لأول مرةٍ في حياتهم المهمشة يقفون مزهُوين كأرستقراطيين متأخرين. تتلهف عدسات الكاميرات والحورات السياسية المنتظرة أن تلتقط ماذا هم فاعلون وكيف يرون الأحداث؟ وبينما كانوا في الأمس القريب (ضائعين وتائهين) بين الأقدامِ والظلال والأوحال الاجتماعية، فإذا بهم يستعيدون بريقّهم السياسي والحركي خلال التاريخ العربي المعاصر. وغدوا يُرْفعون من وقت لآخر عالياً فوق الأعناق ليُصبح رمزَ الموقف السياسي ببطولةٍ شبه مطلقةٍ.

سوق الألقاب

المهمش بلغة نجيب محفوظ هو ذلك " الفِتُوّة الجديد ". وكان " برتوكول الفِتُوّة " ضمن رواية الحرافيش أنْ يصعد أحدُهم بعد ذروة الصراع إلى موقعه المنتظر لحمايةِ الحارة المتروكة نهباً للفوضى والبلطجة وإذلال الناس ([3]). ها هو المُهمش المعاصر يحتل مسرح النجومية عقب معارك الربيع العربي. فكم كان يودُّ أنْ يسمعَ من نفسه ومن جوقة الثوريين أنيناً سياسياً حبسه لسنواتٍ. أيضاً أراد سماع الهتافِ بانتصار مدوٍ لم تسبقه إليه إلا ثورات العبيد قديماً. الفارق بينهما أنَّ أسلافه المهمشين ظلوا عبيداً. لحقتهم لعنة الاسم وهم في مجدهم الثوري، حتى احتفظ لهم التاريخُ بهذا التعبير القميء (ثورة العبيد).

بالمقابل نالَ المُهمشُ العربي المعاصر (ألقاباً تليفزيونيةً) شتى: ناشِط سياسي، مُتظاهر، ناشِط حقوقي، مُدافع عن حقوق الثوار، عُضو في مؤسسات المجتمع المدني، حَركي، مُدوّن الكتروني، راصد لفعاليات الثورة، مُحلل سياسي، معتصم في الميدان، محاور في برامج التوك شوtalk show، عضو روابط المفقودين والشهداء، متمرد سياسي، عضو حركات افتراضية، كاتب يوميات، خبير في الحركات السياسة، مُوثِّق أحداث، محلل سياسي، مُصور لمواقع التظاهر، مُراسِل صانع للخبر، مُعلِّق افتراضي، مُتجول ثوري، ... إلى أخر الألقاب الرأسمالية الرمزية. حيث وضعته اللقطات في قلب أسواق الحدث الثوري: كرّاً وفرّاً، مُصَاباً ومصِيباً، مقاوماً ومهزوماً، صاحب منصب ومسجوناً، شهيداً ومنتصراً.

هكذا أغدقَ الاعلامُ على المهمشين أثناء الربيع العربي ألقاباً دونما حسابٍ مثلما ستظهر أرستقراطيتهم مفتوحةً بلا نوافذٍ. وبخاصة أنَّ اللقب في تراثنا الثقافي يساوي (شيئاً ثميناً) إزاء الآخرين في الحياة العامة ([4]). شيءٌ لا يقدره حق قدرة الاجتماعي إلاَّ من يشعر بـ "تنميل الدماغ " مع ألقاب الباشا والبِك والأفندي والسيد والأب والقائد والرئيس. بتوصيف محمد حسنين هيكل كانت لأسماء وألقاب الباشوات والبكوات في مصر أصداءٌ ورنينٌ من نوع خاصٍ، بل كانت ذات معان شديدة الخصوصية لدى قطاع كبير من الناس ([5]). وإلى عهدٍ قريبٍ قبيل ثورة يوليو عام اثنين وخمسين، كانت الألقاب تُشترّى بآلاف الجنيهات وبأطيان زراعية وعيون عقارية باهظة القيمة. لدرجة أنَّه حينما أَلغت ثورة يوليو" الباشوية " مات البعضُ ممن كانوا يحملونها نتيجة صدمتهم النفسية من إختفاء الهيبة والمكانة المفترضة. ومنهم من رحل خارج مصر هروباً من مصيره الاجتماعي عارياً دون ألقابٍ، وهناك من انتحر اجتماعياً بالإنزواء والتخفي داخل أمور حياته الخاصة.

بيد أنَّ المُهمش المعاصر قد ازدادَ ثقةً مع رأسماله الافتراضي الجديد. لقد وضع ساقاً فوق أخرى أمام أعتى الرؤساء العرب محبوساً أو مقتولاً أو هارباً (حسني مبارك في مصر وزين العابدين في تونس ومعمر القذافي في ليبيا). بينما كان المهمش بالأمس القريب يتخفى من مجرد سماع خطاباتهم المتلفزة. كان يهرب من أي حلمٍ ثوري يراوده ليلاً وسط العشوائيات والأحراش والخرابات القاطن بها. بل كان ينتفض من غطيط منتمه مُستعيذا بالله من شيطانه الرجيم لو صادفته لحظات متمردةٌ أو لو تخيل أنَّه يمثل دور الكومبارس في حلم ثائر على الأوضاع القائمة.

ليست العبارة الدراجة في الحياة الشعبية: " اللهم اهديك يا شيطان " إلاَّ مقولة كأنَّها صيغت للمهمشين السياسيين. فعندما كان الناس يتسائلون حول ماذا فعل هذا المسئول السياسي أو ذاك أو لماذا يقرر رئيس الدولة سياسات بعينها يراها البعض مجحفة ومخلةً بميزان العدالة تجاه المواطنين، كان السامع يردد بلا توانٍ: اللهم اهديك ياشيطان. وتلك شريحة حطابية رأسية من (تراث الخوف) من السلطة في المجتمعات العربية، لدرجة أنَّ الكلام في الشأن العام (وهو جزء من الثقافة السياسية المعاصرة) يستحضر وسوسة الشياطين. والدلالة ذكية ومراوغة جنباً إلى جنبٍ: فهل المستمع يشيطّن القائل على أساس أنه قد يزج به إلى التهلكة واستنطاق المسكوت عنه في التفاصيل أم أنَّ دلالة النقد والغضب العام تستحضر شياطين السلطة المرعبة والجائرة؟

على الرغم من أنَّ سردية الشيطان في الإسلام لا تشيء بأن الله قد هدى الشيطان، وأنه لن يهديه فيما يبدو، مثلما نقول شعبياً في المثل (عشم إبليس في الجنة) إزاء حلم أو رغبة مستحيلة التحقق، لأن الواقع لا يبشر بقرب ذلك المأمول إطلاقاً. وعلى المنوال نفسه، تأتي مقولة (اللهم اهديك ياشيطان) كعبارة عن استحالة حل المعضلة السياسة في تصحيح الأحوال وتغيير الأوضاع وبالوقت نفسه مازال الشيطان يوسوس كلما فكرنا فيها وتحدثنا حولها. ولن يكف الوضع الراكد عن أفراز مزيد من الشياطين حول كل مسألة بهذا المعنى.

وكل ذلك في الأصل كان خوفاً من الشيطان الكامن في السياسة: ساسَ، يَسوسُ، سائِس، وسوسة، سياسةً. وهي استعاذةٌ من هذه المفردات أطلقها حديثاً الأمام محمد عبده بتفصيل الجذر المعجمي لكلمة سياسة قبل حلول الربيع العربي، لافتاً أنَّ الشياطين قابعةً في تضاعيفها سلُوكاً وخداعاً وأنظمة. ليرى محمد عبده في المقابل أنَّ السياسةَ على وجه الحقيقة عبارة عن حقوق تتقرر للناس دون أي تغرير بهم يحتمل النقص ([6]). وتلك العبارة يمكن إعادة طرحها راهناً لمنع المواجهة بين الاستبداد وبين الارستقراطي الجديد (الثائر المهمش) الآتي من أسمال المجتمعات العربية. جاء الأخير بالخلاص الثوري كما يرى وقد علَقت بأهدابه أتربة القاع الاجتماعي وغبار صعوده الشاق إلى السلطة الافتراضية. فكان هو وريثها الشعبي أمام الكاميرا ليس أكثر عبر الشاشات المصقولة.

الأرستقراطي الجديد

كيف سيتصرف المهمشُ المنبوذ كأرستقراطي معاصر؟ بأي منطق سيدير إقطاعيته الثورية revolutionary feudalism عبر الصور اللامعة؟ كيف سيتصرف بجانب أصوات الثقافة الهامسة حوله: " شبْعة بعد جُوعة "، " نّهم السلطة "، " شهوة الحكم "، " ويلّ لمن يتحكم فيه محرُوم" ؟ بأية صيغة بصرية سيطرح (أيديولوجيا الحرمان) التي جسدها خلال حياة الإقصاء والتهميش؟!

في دراما المُهمش المتمرد جاءت الثورةُ  (قيامةً صُغرى) على غرار المعتقدات الدينية. ظل ينتظر خلال دنياه حتى يأتي (بتعبير ابن عَرُوس شاعر العامية المصرية المؤصل في التاريخ): " يومٌ معلوم ترتدُ فيه المظالم، أبيضٌ على كل مظلومٍ وأسودٌ على كل ظالم". لقد شفت الثورات غليل المهمشين مع تحولها الدراماتيكي الذي لم يكف عن الحركة، وجعلوا يهتفون بالحرية والديمقراطية يومياً طوال شهور وشهور. قبل ذلك كانت أصوتُهة خفيضة، لا يتعدى كلامُهم تمتمات ساقطة أو لاقطة على النواصب وفي الطرقات العامة. وإن همَّوا بعمل شيء ملفت للأنظار، سرعان ما تأتيهم صور " الفلاش باك " flash back بعنف الحاكم وطغيانه المستطير. فيسترسلون خافضي الرؤوس بجوار الجدران هاشين مخاوفهم يمينا ويساراً كالذباب المُتطاير.

ولكي نهيئ كُراسيهم الرمزية الجديدة، كان يجب أن نعرِّف معنى الارستقراطي في القاموس السياسي. الشيء بالشيء يُذكر عبر أسواق الاقتصاد والسياسة الديجيتال. الأرستقراطيةُ aristocracy تعبيرٌ عن شكل الحكم النُخبوي الذي تتولاه طبقة خاصة في المجتمع. وهو شكل انتقائي يُغلَّب خواص الناس ويرفعّهم إلى مصافٍ أعلى دون البقية. ومن حينهم، يتمتع هؤلاء الخواص بفائضِ الثروة وتنوعها ويستمدون دماءهم من كرم الحسب والنسب والمكانة المرموقة. فضلاً عن امتيازاتٍ طبقية وسياسية متواطئةٍ لخدمتهم حصراً وقتما شاءوا. بالأخير سيعيشون وفقَ تقاليد تُرسخ سيادتهم فوق الطبقات الأدنى ([7]).

هنا تبدو المفارقة الساخرة واضحة البيان، فلم يكُن المُهمّش المعاصر ليملك أيَّ شيء من هذا الرصيد في المجتمع. لا يملك حسباً سياسياً ولا نسباً ولا مكانة اجتماعية أو غيرها. ليس برصيده الفارغ سوى كدِّ وغبار المظاهرات اليومية وسيادة الشوارع ومخزون القهر العالق به ليل نهار ومطاردة الأحلام المجهضة وأشباح الرغبات التي تم كبتها. ثم هناك شاشات فضية يملأها كلاماً غائما وصراخاً كالنحيب في مجالات الحقوق والعدالة والمساواة وتوزيع الغنائم السياسية. كان هتافه مناورات وراء مناورات وأمل وراء أمل للحاق بقطار الحياة المارق منذ سنوات.

ولكن بفضل المُنحنى الدرامي للربيع العربي عندما تنحى الرؤساء عن الحكم، آلت إليه "ثروة سياسية " ملعونة مع انهيار الأنظمة العربية، أصبح هو الغني الواهم حيت اختفى الأغنياء الفعليين. اُعتبر فجأة ارستقراطي الشوارع بلا منافس مع توالي سقوط الأنظمة. كان هو الملك في مملكة شبيهه بالفوضى الخلاقة التي بصقتها الوزيرة الامريكية كوندليزا رايس. هذا بعدما كانَ معلَّقاً من عرقوبه في سقف الحياة المتقلبة. ففي الخيال الشقي الدارج: " كل واحد متعلّق من عرقوبه". وعرقوب المهمشين هو القدر السياسي الإجتماعي المحكوم عليه به: أنْ يظل (عبداً) ولو بلغت أصواته عنان السماء أن يبقى (مقصياً) ولو سقطت الأنظمة السياسية المستبدة الواحدة تلو الأخرى.

عرقوب المهمش سيلاحقه أينما ذهب حتى بعد هذه السنوات ومع الأنظمة الجديدة. سيُعلَّق بأي خطافٍ (كُلَّاب) قريب كقدّر أوديب ملكاً قي الأسطورة اليونانية، كضحيةٍ في يوم عيدها. أوديب اليوناني قتل "الأب- الملك " وتزوج أمه، كذلك قتل المُهمش العربي الثوري "الأب – الرئيس " وتزوج " الثورة- السلطة ". أوديب الأول عاش بقيّة حياته أعمى بينما أديب الثاني وقع في فخاخ ثقافته الآسنة ([8]). كما يُقال شعبياً: " جاءت الحزينة تفرح لم تجد لها مطرح " ... أَلا يُعبر هذا المثلُ الشعبي عن هكذا حالٍ؟!

ولكن تذكيراً له كان يجب ألاَّ ينجرف المهمش وراء رغباته (المادية) الدفينة وراء فوضاه التي لا حدود لها!! فلم يكن ذلك محتملاً بالنسبة لبريق صورته وعوائدها باتساع العالم وكان يجب أنْ يتسق مع الآمال المعقودة عليه أمام المجتمع. على الأقل لكيلا يتناسى قيماً اجتماعيةً مازالت راسخةً، ولكيلا يراوغ حدوداً لثورات ربيعية كانت تحبو ولو بمعناها اليُوتوبي.

شريط سينمائي

المَشاهد التالية ستبوح بإساءة استعمال ارستقراطية الصورة لدى المهمشين في المجال العام. مشاهد جرت مع بداية القرن الراهن في العراق ولم تتوقف في غيرها من الدول، ولاسيما أنَّ الصور لم تبدأ الآن حتى تنتهي. فهي كانت متواترة كعمل فني شبه جمعي بالنسبة للمجتمعات العربية. لا تعني أعمال النهب والسلب المصاحبة للفوضى وسقوط الأنظمة حُكماً مسبقاً بقدر ما أثارت غرابة (استباحة عيون المتلقين)، وانتهاك دلالة الحقوق المرئية كذلك من نظافة المشاهد وعدم رؤية القبائح وأعمال التخريب والتدمير. كما أنها جسدت اضطراب مفاهيم الدولة والسياسة والمؤسسة والقيم والمجال العام في تاريخ المجتمعات العربية.

المشهد الأول: دخُول جحافل القوات الامريكية الغاصبة إلى مدينة بغداد بعد معارك دامية. كانت مسبوقة بتمهيد بصري لأكثر من أسابيع، إذ طرحت الشاشات صور القوات وجاهزيتها والترقب لبدء الهجوم. وعلى أثر الهجوم وأعمال الحرب تجاه القوات العراقية، ظهر الارستقراطي المُهمش ناهباً لقصور صدام ولبيوت وزرائه آنذاك. وجدناه شخصاً مُدمِراً لكلِّ ما يواجهه من أثاث ومعدات وأجهزة. كانت الصور صادمةً وقتها ولم نكن نعرف أنها (بروفات أولية) لما سيحدث لاحقاً في الدول الأولى. فهي لقطات كانت خافية عن العين العربية العابرة. ربما لم تكن لتُصدِّق حين رأت هذا التعدي على الممتلكات. كيف لمهمش مظلوم (وهو كذلك) يدخل قصراً ويحمل أثاثاً ومواداً منزليةً ولوحات وأدوات مطبخ فارّاً بها؟!

قبلها كان هذا السيد المهمش حاضراً بشكل لافتٍ حين سقط تمثال صدام حسين. بدا بارعاً في تسديد الضربات إليه بالحذاء. كان صدام طاغية حتى في تمثاله الهازئ بالفضاء المحيط، غير أنَّ السيد المهمش كان متكلِّفاً في عدوانيته. تركَ نفسه لفوضى الحشود المنفلتة ناحية الكاميراً.

المشهد الثاني: بعد تنحي الرئيس التونسي زين العابدين بن على، دخل الارستقراطي قصر بن على وإلى مخدع ليلي الطرابلسية زوجته. دخل القصور باحثاً عن غنائم الثوار ومن المنقولات الذهبية والتقنية الغالية. اعتبرَ نفسه في غياب رادع ثوري (قاضياً وحاكماً وصاحبَ حق) يتحتم نيلُه فوراً. وإذ ابرزته الشاشاتُ ملكاً متوجاً ذكرت الأخبار أعدادَ العملات النقدية وحجم المصوغات الهاربة بها زوجة الرئيس التونسي. وكررت الشاشات وزادت في كمية المجوهرات وبذخ الإنفاق مقارنةً بفقر (المهمشين الارستقراطيين) في تونس.

المشهد الثالث: عقب خلع الرئيس المصري حسني مبارك عن السلطة في مصر، تنادى الارستقراطيون المهمشون إلى حرق مقرات الحزب الوطني، الحزبُ الحاكم آنذاك. ولولا بقايا الشرطة لاقتحموا قصورَ الرئاسة المترامية الأطراف. رغم أنَّها تراث مصري أصيل مُهمل ليس لمبارك فيه إلاَّ الإقامة السياسية فقط. ولقد غرقت البلاد في فوضي السرقات وتم قطع الطُرق السريعة والاتصال. المشهد كان مزرياً داخل مقر الحزب الوطني المُطل مباشرة على النيل. فقد تمَّ احراقُه بالكامل ونهب محتوياته واخراج أمعائه الداخلية إلى الشارع. وظل الارستقراطيون المهمشون الجُدّد يقتلعون الأجهزة من الجدران والمكاتب إلى حيث غنائمهم بالخارج.

المشهد الرابع: عقب دخول قوات تحرير طرابلس إلى باب العزيزية في العاصمة الليبية. تجولت الكاميرا بين حامل لمقتنيات ملك ملوك أفريقيا وبين قافزٍ على الأسوار وبين غيرهما ظهر آخر محطماً لأثاث متناثرٍ هنا أو هناك. لقطة تالية رصدت الكاميرا آخرين يجوسون في قصر عائشة القذافي متأملين تمثالها الثمين وأجهزتها المنزلية الفخمة، ومنهم من قفز بحمام الجاكوزي الخاص بها.

المشهد الخامس: ....اليمن، حدّث ولا حرج....

المشهد السادس: ... سوريا، كوارث... وراء كوارث...

المشهد السابع: ......؟؟؟؟

السؤال الذي مازال بعد الأحداث الربيعية وأصدائها حتى الآن: هل أسسنا لقوانين تحقق غايات ومطالب الثورات المفترضة تحت بصر الرأي العام؟ لأن اللقطات بثت تأثيرها إلى نهاية المطاف مهما اُغلق جهاز الرؤية. فالعيون لا تغمض بمجرد غروب الصورة، لكنها تستمر كمقاطع سينمائية داخلنا وداخل الأجيال التالية ([9]). فتخضع الصور ثقافياً لمونتاج المُتلقي وتتفاعل مع قناعاته. قيمة الثورة إن كانت كذلك ليست في تغيرات مهمة فقط، لكن بآثارهاٍ على الأجيال اللاحقة أيضاً. هي ساكون ذاكرتهم البصرية التي تنفصل عن مصدرها وتستقر في تصرفاتهم اليومية. كانت المشاهد الأرستقراطية الطارئة من هذا القبيل سلبية. وصاغت نظرة بعض الناس العاديين بشكل مناقضٍ للحق العام. حيث أضعفت هالة التحول السياسي المأمول وقللت من قيمة الحراك الشعبي الحاصل وبررت الممارسات القمعية للأنظمة بعد الربيع العربي. وجميع ذلك على خلفية استبداد سياسي عريق، كانت ومازالت جذوره ضاربة في أبنية سلوكية وذهنية منعكسة تاريخياً.

كانَ حرياً بالنبيل المعاصر (الثوري المهمش) أنْ يكون نبيلاً مترفعاً عن الصغائر، عن عمليات النهب والسرقات. فما بالنا وهو هكذا باسم النُبل ذاته، باسم الثورة، باسم العدالة والحرية والمساواة، لقد أصبح أرستقراطياً متهوراً في أزقة العالم الافتراضي. يبدو أنَّ المُهمش قد غرقَ في إغواء الصورة. فالصُور بإمكانها رفعه إلى أعلى السحاب وباستطاعتها كذلك أنْ تهوي به إلى الأرض ثانيةً. إنَّها– أي الصور- عبارة عن عين الآخر حين يراه (الأنا)لا كما هو موجود فقط. أي أن كل صورة تمثل (الأنا والهو) في إطار واحدٍ حيث نصبح رائياً ومرئياً بالتزامن. وبالتالي هناك شيء ثالثٌ بالضرورة، خلافاً لكلينا، يجمعنا ويتجاوزنا معاً... إنَّه مسار الصورة إذ نظهر (أنا وهو) منعكسين مُضَافين إلى تراكمها، وإلى تصورات تالية ستنتجها عن الأحداث السياسية. وهذا ما يؤدي دوماً إلى الانحرافات نتيجة الإغواء بالمزيد من الصور، أي شهوة أخذ اللقطات والخيلاء بالمشاهدات وتعميم الأثر.

 

د. سامي عبد العال

.....................

[1]- في هذا الإطار يرى أودن Odin أنَّ البعد التداولي pragmatic في اللقطة الفلمية يرتبط بالبعد المعرفي cognitive.

Warren Buckland, The Cognitive Semiotics of Film, Cambridge, Cambridge University Press, 2003, P 79.

[2]- الصورة تُترجَم إلى نظام الكلام كما هو معروف ومؤثر. ولهذا مع تلقيها لا يشعر المشاهد كونها تستدعي إمكانية الفعل على غرار الامكانيات الموجودة في اللغة عموماً. فما بالنا بأن الصورة السياسية دوال كدوال الكلام الخطابي؟! وبذلك هي تتحدد بالأوامر والاحتمالات والشحن الدلالي الذي يبرز طابعها. وهذا ما يعرف في فلسفة اللغة بنظرية أفعال الكلام وانجاز الأشياء بالكلمات كما عند سيرل وأوستين.

-John Searle, Speech Acts, Cambridge, Cambridge University Press, 1969. PP 62-68.

-J.L., Austin, How To Do Things With Words, Oxford, Clarendon Press, 1962. Chapter one.

[3]- نجيب محفوظ، ملحمة الحرافيش، دار مصر للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الرابعة 1985.

[4]- أحمد تيمور باشا، رسالة لغوية عن الرتب والألقاب المصرية (لرجال الجيش والهيئات العلمية والقلمية منذ عهد أمير المؤمنين عمر الفاروق)، منشورات كلمات للترجمة والنشر، القاهرة 2013، ص 21.

[5]- يوسف القعيد، محمد حسنين هيكل يتذكر: عبد الناصر والمثقفون والسلطة، (حوارات)، دار الشروق، القاهرة د. ت، ص 138.

[6]- الإمام محمد عبده، الأعمال الكاملة، المجلد الأول، تحقيق وتقديم محمد عمارة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1993، ص 365.

[7]- David Robertson, The Routledge Dictionary of Politics, London and New York, Routledge, Third edition, 2004, P25.

See also: Roger Scruton, The Palgrave Macmillan Dictionary of Political thought, Palgrave Macmillan, London, 2007, P37.

[8]- هذا التفسير يوظف عقدة أديب ملكاً كما طرحها فرويد، فالثوري يشبه هذا الملك الذي ظل محكوماً بنبوءة قتل أبيه وزواجه من أمه. القدر هنا كان أكثر مكراً من الاحتراز الزمني الذي صنعه الملك بإبعاد ابنه أوديب مثلما أن الثقافة قدر بالنسبة للإنسان مهما يحدث تحول ثوري. لهذا يعتبر الأثر بالنسبة للاثنين متماثلاً. وبخاصة أن الاثنين أيضاً وصلا إلى مكانتهما بعد صراع وعقب حروب. وفي هذا الجانب لا تخلو الثقافة من نماذج باحثة عن المكانة وقتل الرموز بحثاً عن رمزية أخرى.

Abraham Drassinower, Freud: Theory of Culture, Eros, Loss and Politics, Oxford, Row man &Little field, INC, 2003. PP 90- 95.

[9]- الصور بهذا المعنى كما يرى شارلز بيرس Peirce ليست علامات مرئية visual ولا مرسومة pictorial فقط لكنها تمثل كيفيات حسية sensory qualities ومن ثم ارتباطات تستحضر represent موضوعات ما في مجالي الرؤية والسمع.

Jorgen Dines Johanson and Svend Erik Larsen, Signs in Use: An introduction To Semiotics, Translated by Dinda L. Gorlee and John Irons, London and New York, Routledge,2002.PP37-38.