صلاح حزامالشهادات العليا وإن تشابهت بالأسم، الّا انها تختلف في مستواها واهميتها وقيمتها العلمية بين شخص وآخر.

فالبحث للتحضير لدرجة الدكتوراه، مثلاً، يعتمد في مستواه وقيمته العلمية على عدة عوامل، من اهمها شخصية وطبيعة الباحث ومدى حبه وشغفه وايمانه بموضوع البحث . كذلك باقي طبائع هذا الباحث في حياته عموماً، كالدقة والتمحيص وطول البال والتأني والنزاهة والموضوعية واحترام النفس. واحترام التزاماته كشخص سوف يطالبه المجتمع بما هو جديد ويعتمد على آراءه في مجال اختصاصه ..

كذلك تلعب شخصية وطبيعة الاستاذ المشرف ومدى جديته واخلاصه في عمله ومدى علاقته بموضوع بحث الطالب وخبرته وعمق ودقة قراءته لبحث الطالب ..

كما ان مستوى الجامعة وارتفاع معاييرها وتوفر التسهيلات العلمية والادارية للطالب، يلعب دوراً مهماً في رسم ملامح الشخصية العلمية لذلك الطالب.

بناء على ذلك كله، تتشكل نظرة الطالب الى نفسه كحامل شهادة عليا.

وهل ستكون تلك بداية عمله كباحث متخصص ملم بشروط وقواعد البحث العلمي ام انها ستكون خاتمة البحث والقراءة.

في الحالة الاولى ستبدأ مرحلة الباحث الواثق المتخصص الذي يعرف ماذا يريد وكيف يعمل واين يجد معلوماته وكيف يستخدم المصدر والمعلومة وكيف يقتبس وكيف يحلل وكيف يربط الظواهر وكيف يخرج بنتائج مفيدة.

اما في حالة تحقق الاحتمال الثاني باعتقاد الطالب أنه قد ادّى ماعليه، فانه سوف يعتمد لباقي حياته المهنية على ما يتذكر من مرحلة البحث والدراسة . سوف تحصل له قطيعة مع التطور العلمي ومجريات الأحداث في العالم الاكاديمي والتطبيقي.

سوف ينعزل عن الوسط الجاد ويجد نفسه في خلاف مع الكثيرين الذين يتحدثون بلغة لايعرفها مع انه، نظرياً، منهم..

لايستطيع البحث والكتابة حتى لأغراض الترقية العلمية !! والبعض تم اخراجهم من الجامعات لعجزهم عن البحث اللازم لاغراض الترقية (عندما كانت المعايير العلمية تُحترم في العراق)..

يعتقد اليابانيون، ان نفس النوعية من الشاي اذا قام عدد من الناس بإعدادها، فأن الشاي المُحَضَّر سوف يكون مختلفاً بحسب شخصية كل شخص قام باعداده حتى وإن كان الشاي هو نفسه.

فما بالك ببحث الدكتوراه ؟؟

العنوان واحد لكن الطلبة مختلفون .

هنالك صنف ثالث من حملة الشهادات العليا وهو الأخطر على الاطلاق، حيث ان بعض الناس، ليس لدينا فقط بل في الدول الغربية ايضاً، يعجبهم العنوان وتتولد لديهم الرغبة في " امتلاكه" كأيِّ منزلٍ أو سيارةٍ او ساعة فاخرة، ويقوم باستئجار أحد تجار الشهادات لغرض اقتناء واحدة جميلة!!! لكنهم في العالم المتقدم لن يكونوا قادرين على العمل والنعيين بموجب تلك الشهادة بسبب اختلاف آليات الاختيار والتعيين select and recruit.

انهم سَواء امام القانون مع الذين اجتهدوا وحصلوا على شهاداتهم باستحقاق . كذلك هم سَواء امام المجتمع الذي يجهل كيفية حصولهم على الشهادة.

اصبح هؤلاء يشكلون خطراً على المستقبل لانهم يصبحون بمثابة مرجعيات علمية كاذبة ومزيفة . قد تعتمد الدولة ومؤسساتها عليهم وتستمع الى آرائهم الفاسدة والاعتباطية ..

كذلك قد يُصغي لهم عموم الناس في الحياة العامة باعتبارهم يمتلكون سلطة علمية منحتها لهم الشهادة المزيفة او التي يُساء فهمها والتصرف بها من قبل حاملها..

ان وجود هؤلاء يسبب التضليل وان الحياة بدونهم افضل ..

 

د. صلاح حزام

 

عبد الجبار الرفاعيفي معاشرةِ الناس نحتاجُ القلبَ أكثر من العقل، نحتاجُ لغةً تتقن مخاطبة العواطف أكثر من لغة المنطق والفلسفة والرياضيات والعلم، نحتاجُ المشاعرَ أكثر من الفكر، ‏نحتاجُ الكلماتِ الحيّة المهذبة أكثر من كلمات المجاملة المنطفئة، ‏ونحتاجُ المعاني الأصيلة الصادقة أكثر من الفائض اللفظي الذي يمكن أن تقول الألفاظُ فيه كلَّ شيء من دون أن تقول شيئًا جميلًا. الحكيمُ في هذا العالَم هو من يعمل من أجل أن تكون حياتُه والعالَمُ الذي يعيش فيه أجمل، ولا تكون حياتُه أجملَ إلا إن كانَ قادرًا على صناعة الجمال في حياة غيره. صناعةُ الجمال تتطلب أن ‏يعطي الإنسانُ ما هو أجمل في كلِّ كلمة يقولها، في كلِّ حرف يكتبه، في كلِّ فعل يفعله، وفي كلِّ قرار يتخذه، في كلِّ شيء يقدمه لغيره. وهذا سلوكٌ شاقٌّ على النفس.

الحُبُّ ليس صعبًا فقط، بل هو عصيٌّ على أكثر الناس، لا يسكن الحُبّ الأصيلُ إلا الأرواحَ السامية، ولا يناله إلا مَنْ يتغلّب بمشقةٍ بالغةٍ على منابع التعصب والكراهية والعنف الكامنة في أعماقه. حُبُّ الإنسان من أشقِّ الأشياء في حياة الإنسان، لأن هذا الكائنَ بطبيعته أسيرُ ضعفه البشري، يصعب عليه أن يتخلّص من بواعث الغيرة في نفسه، وما تنتجه غيرتُه من منافسات ونزاعات وصراعات، وما يفرضه استعدادُه للشرِّ من كراهياتٍ بغيضة، وآلامٍ مريرة.

مادام الحُبّ أثمنَ ما يظفر به الإنسانُ وأغلاه، فإن نيلَه يتطلب معاناةً شاقةً وجهودًا مضنية. الإنسانُ أعقدُ الكائنات في الأرض، وأغربُها في تناقضاته، وتقلّب حالاته. تناقضاتُه لا تنتهي، لأنها تتوالد منها تناقضاتٌ باستمرار، مالم يفلح الإنسانُ بالتغلب عليها بمزيدٍ من صلابة الإرادة، ووعي الحياة، واكتشافِ مسالكها الوعرة، والخلاصِ من ضغائنها، والعملِ على الاستثمار في منابع إلهام الحُبّ، ونحوٍ من الارتياض النفسي والروحي والأخلاقي الذي يسمو بالإنسان في مراتب الكمال.

حُبُّ الناس صعبٌ، حُبُّ الناس، إن ظفرَ به الإنسانُ، حالةٌ يعيشها الإنسانُ ويتحقّقُ بها في طور وجودي جديد، وهي لا تتكرّس إلا بالتربيةِ والتهذيب، والصبرِ الطويل بإكراه النفس على العفو والصفح، والتدريب المتواصل على إخماد نيران التعصب وتحطيم الأغلال المترسبة في باطنه، والعملِ الدؤوب على اكتشاف منابع إلهام الحُبّ وتنميتها. ومن أثرى هذه المنابع النظر لما هو مضيء في مَنْ تتعامل معه، والعفوُ، والصفحُ، والغفرانُ عن الإساءة، والانهمامُ بالذات، وعدمُ الانشغال بالغير وشؤونه وأحواله، والكفُّ عن التدخلِ في الحياة الخاصة للناس وانتهاكها، ومطاردتِهم بالأحقاد،كما يفعل البعضُ الذي ينصّب نفسَه وكأنه وصيٌّ على الناس، يترصد كلَّ شيءٍ يصدر عنهم فيحاسبهم عليه. وهو لا يعلم أن كلَّ فعلٍ يرتدُّ على فاعله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

الحُبُّ أنجعُ دواءٍ تحمي فيه نفسَك وتحمي فيه غيرَك من آلام وشرورِ البشر. الحاجةُ للحُبّ من أشدِّ الحاجات العاطفية للإنسان، غير أن اشباعها لا يتحققُ بسهولة. الاستثمارُ في الحُبّ أثمنُ استثمار في إنتاج معنىً للحياة. العفو والصفحُ والحُبُّ أيسرُ دواءٍ يشفي الإنسانَ من آلامِ القلبِ وجروحِ الروح، مَنْ يجرّب العفوَ والصفحَ في المواقف المتنوعةٍ يجدهما كثيرًا ما يتغلّبان على حنقِ الناس، والشفاءِ من أحقادهم.كان وما زال العفوُ والصفحُ والحُبُّ أنجعَ دواءٍ لشفاء الإنسان وشفاء علاقاته في المحيط الاجتماعي من الأمراضِ التي تتسببُ بها الضغينةُ والبغضاءُ والكراهية. يُنسب للقديس أغسطينوس القول: "الكراهيةُ كمَنْ يشرب السُمَ على أمل أن يموتَ الآخرَ، فأول مَنْ يتسمَّم بالكراهية صاحبُها".

أعترف أني جرّبتُ العفوَ والصفحَ مع بعض الناس الذين لا يعيشون إلا بالضغائن والأحقاد ففشلتُ، وجربّتُ العفوَ والصفحَ معهم ثانيةً وثالثةً ورابعةً وخامسةً وسادسةً وسابعةً ففشلتُ، وربما سأفشل لو كررتُ التجربةَ، لكني كنتُ وما زلتُ متشبثًا بقناعتي الراسخة التي تشتدّ كلَّ يوم بأن العفوَ والصفحَ هما الدواء الذي يشفي القلوبَ من الضغائن والأحقاد المتفشية في مجتمعنا، وهما الدواءُ الذي يكفل الشفاءَ من أغلب الظواهر المقيتة لسأم الناس من الحياة وجزعهم.

أعرفُ أحدَ الأشخاص المعقدين المغرورين المشاكسين، كان لا يطيقه الأقرباءُ والأصدقاءُ وجميعُ الناس الذين يتعامل معهم،كلُّ شيء يراه أو يسمعه من غيره ينقلب قبيحًا لديه. طالما سمعته يذم كلَّ شيء، لا يرى الجميلَ عند غيره إلا قبيحًا، وإذا استمع حديثًا من صديق، يعقّب عليه بقوله: "هذا خطأ، أنت تجهل هذه الأشياء"، وإذا قرأ نصًا لغيره سَخِرَ منه، بلا أن يفكِّر ويتثبت ويدقّق في مضمونه، ومتى رأى شيئًا جميلًا يزدريه. لا يبادر في العطاء، وعندما يتلقى هديةً جميلة يفتّش بعناية عن أيّ نقص أو عيب فيها، وإن لم يعثر على عيب يفتعل عيبًا كي يذمها.كان يترقب على الدوام أن يُقدِّم له الناسُ كلَّ شيء، ويمدحه الناسُ على كلِّ شيء، من دون أن يفكِّر يومًا أن يقدم شيئًا لأحد، أو يمتدح أحدًا على فعل حَسَن. انتهى مصيرُ هذا الإنسان في شيخوخته إلى أن يعيش منفيًّا في داخله، منبوذًا من الكلِّ، بعد أن نفر الكلُّ منه حتى أقرب الناس إليه.

سألني أحد تلامذتي: ما أجملُ لغة ومواقف أكسب بها قلوبَ الناس، وتترسّخ بها صلتي بهم، ويستطيع الإنسانُ من خلالها أن يعزّز الصدقَ والثقة والسلام والمحبة بين الناس؟ قلت له: الحُبُّ شفاءٌ للقلب من الغِلّ والضغينة، الحُبُّ عطاءٌ يسمو بمَنْ يحِبّ على مَنْ يعجز عن الحُبّ. إن أردت أن تعيشَ سلامًا في داخلك، وتعيشَ سلامًا في علاقاتك بالناس، حاول أن تمنحَ الإنسانَ أعذب ما يبهجه، حاول أن تكتشفَ الجميلَ في كلِّ إنسان ممن تتعامل معه، ‏وتعرب له عن جماله.كلُّ إنسانٍ يعيشُ سلامةً عقلية ونفسية وعاطفية نعثر على صفاتٍ حَسَنة في شخصيته ومواقفَ جميلة في سلوكه، وحين نترجم حضورَها لديه في كلماتنا بصدق نهديه أعذبَ ما يتمنى أن يسمعه منا. الإنسانُ بطبيعته يفرحُ كالأطفال ‏حين يرى أو يستمع إلى ما يكشف له عن جماله، ويتمنى أن تفرحَ الأرضُ وتحتفلَ بفرحه.

مادامت الطبيعةُ الإنسانية ملتقى الأضداد، فليس من السهل أن يعفو الإنسانُ عن إساءة الغير إليه. لأنه يتطلب أن يعملَ الإنسانُ سنواتٍ طويلةٍ بترويض نفسه على العفو، وإن كان هذا الترويضُ شديدًا مزعجًا مريرًا شاقًا مُنهِكًا، وليس سهلًا أبدًا. الترويضُ على العفو والصفح هو الأشقّ، خاصةً مع الأعداء المتطوعين، لا يمكن تجرعُه في بعض المواقف إلا كعلقم، إلا أنه كان وما زال يطهّر الإنسانَ من سمومِ الكراهية، وينجي من بعض شرور هؤلاء الأعداء، الذين هم كأشباح لا ملامح واضحة لهم. العفو والصفحُ يعكس أخلاقية رفيعة وسموًا نبيلًا، لا يظفر به كلُّ أحد، وإلا لتسامى إليه كلُّ الناس. العفو والصفحُ إحسانٌ، المُحْسِنُ يتسامى إلى مقام المحبة في قربه من الله، "فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".

لا دواءَ يخفضُ الآثارَ الفتاكةَ للشرّ، ولا سبيلَ لتخفيفِ آلام الكراهية، ولا وسيلةَ لتقليل النتائج المرعبة للنزعة العدوانية في أعماق الكائن البشري سوى المزيد من الاستثمار في العفو والصفحِ والحُبِّ، بالكلمات الصادقة، والمواقف الأخلاقية النبيلة، والأفعال المهذبة الجميلة، والإصرار على تجرّع مراراتِ العفو والصفحِ والغفران، على الرغم من صعوبتها، ونفور المشاعر منها.

العفو والصفح شديدان على النفس عندما تتكرّر الإساءة، ربما يجد الإنسانُ نفسَه يتلقى طعناتٍ غادرة متكرّرة ممن لم يتعامل معهم على الدوام إلا بالإحسان إليهم. الصفحُ عن هؤلاء صعب، ومحبتُهم أصعب، محبتُهم أشقُّ وأقسى المواقف وأشدُّها مرارةً في النفس، لا يطيقها الإنسانُ إلا في بعضِ الحالات الاستثنائية التي يرى فيها تحوّلًا في سلوكهم، وتلك حالات نادرة. طالما أشفقت على مثل هؤلاء، لحظةَ أكتشف أن حاجتهم للكراهية تفوق حاجتهم للمحبة، وأنهم لا يعيشون إلا بكراهية من حولهم، بل حتى كراهية أنفسهم، أثر اعتلالِ صحتهم النفسية، وانهيارِ حياتهم الأخلاقية، إنهم كحالة بعض الكائنات الحية التي لا تعيش إلا في الظلام أو في الأماكن القذرة.

الحريقُ لا يمكن إطفاؤه إلا بالماء، الحربُ لا يمكن إطفاؤها إلا بالسلام، الكراهيةُ لا يمكن شفاؤها إلا بالعفو والصفح والغفران، الصفحُ ممكنٌ وإن كان شاقًّا. المحبةُ أشقّ، وأحيانًا ليست ممكنةً، غير أن العملَ على إثراء منابع إلهام المحبة وتكريسها غيرُ مستحيل عبر الحرص على تغذية هذه المنابع باستمرار. أثرى منابع المحبة أن تكون صادقًا مع نفسك، صادقًا مع الناس، صادقًا مع الله. عندما تكون صادقًا في كلِّ كلماتك ومواقفك تكون معلِّمًا للأخلاق، وملهمًا للمحبة في هذا العالَم الموحش.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

من مظاهر عصرنا الحالي هو السرعة الفائقة للتغيير في كل شيء ولاسيما السلوك الانساني ليلبي متطلبات العصر ومظاهره وحاجاته المتعددة بسبب تقدم وسائل الاتصال والتواصل والاندماج في عصر التكنولوجيا والمعلوماتية التي تشكل ظاهره وثقافة وسياسه العولمة لكل مظاهرها وما انتجته من ثقافه الاستهلاك الاعلام والدعاية والتسويق الحر، التي جذبت جميع الشعوب والثقافات وتبنتها بشكل وباخر على الرغم من سعي هذه الشعوب للتمسك بثقافتها الخاصة وهويتها القومية والدينية والثقافية والتصدي لتياراتها ومظاهرها السلبية على سلوك أبنائها. ونجد اليوم سعي الانسان المحموم للكسب والثراء والاشباع وطلب الحاجات المادية ظنا منه انه يواكب العصر ويعيش مظاهرة بانسجام وان ما يقوم به يجلب السعادة والاطمئنان والراحة.

 لاسيما ان عالمنا العربي والاسلامي لم يكن بعيدا عنها وتطبيقا لها بل انه يعد من أكثر العوالم انسجاما مع العولمة واستجابة لها مطبقا حذافيرها مستهلكا منتجاتها المادية والثقافية محاولا التكيف معها ساعيا الى دمج ثقافته الدينية الإسلامية من طقوس وعادات وممارسات وشعائر وانشطه مختلفة مع مظاهرها.

واكثر ما تبرز هذه المظاهر في شهر رمضان شهر الصيام وما يعنه من قيمة تعبديه لله وما يتضمنه من منظومه أخلاقية وقيمية ومعرفية تنعكس على الفرد والمجتمع في ممارساتها الإسلامية وهي الغاية والهدف الاسمى الذي حدده الدين الاسلامي من الصيام والعبادة في هذا الشهر الفضيل وهو ركن الدين الاسلامي الخامس وما ينطوي عليه من الفوائد الصحية والنفسية والدينية والاجتماعية والأخلاقية على الفرد والمجتمع و تعبير عن آيات الصيام وسلوكياته الروحية والعملية، ولذا سمي هذا الشهر بشهر الصيام والقيام والعبادات والطاعات وترك ملذات الدنيا والتوجيه الى عبادة الله الخالصة ولجم الغرائز والشهوات او التسامي بها.

ومنذ سنوات عدة تحول شهر رمضان من شهر الصيام الى شهر الطعام ..استجابة لمتطلبات ثقافة العولمة واصبح مهرجاننا كبيا للتسوق وبشراهة قوية للشراء لاتقاوم، وحصول حالة من الطوارئ الاستهلاكية لدى كثير من الاسر والبلدان العربية والإسلامية عبر تكدس البضائع والسلع في المحال التجارية والأسواق باستنفار الجهود لتوفير الكم الهائل من سلع الطعام وتزاحم الناس في الأسواق للتبضع مما يستوجب الانفاق الكبير من الدخل المادي للسرة وارتفاع الأسعار والغلاء لبعض المواد الغذائية لاسيما المرتبطة بثقافة وعادات اجتماعية " رمضانية " مما يستنزف الموارد المالية للاسرة والمجتمع . وبذا يتحول شهر الصيام الى شهر الطعام وشهر الاسراف والاستهلاك.

ونجد امام هذه الظاهرة الاستهلاكية ان المسلم بتصرفه هذا يقع في تناقض سلوكي كبير، أي بين السلوك التعبدي الخالص للصيام والسلوك الاستهلاكي المسرف للطعام

بين اتباع أصول الصوم وسنته واحكامه وفوائده وبين سعيه لإشباع الرغبات والحاجات وتفتحها للأكل والشرب بأصنافه كافة، ويحصل هذا في جميع دولنا الإسلامية، وبدل تحقيق فوائد الصيام الروحية للفرد الصائم، ازدهرت صناعة الطعام والتسابق لتقديم افضل الاطباق والوجبات ولاسيما المرتبطة بالفلكلور الاجتماعي الشعبي والثقافة الخاصة وهويتها المحلية والتي وجدت في وسائل الاتصال الحديثة المتقدمة فرصتها في نشر وتبادل ثقافة الطعام والاستهلاك ونقل العادات والانماط الغذائية بعضها لبعض واختيار الأفضل من الاطباق المعدة لإفطار الصائم، دون توفر فرصة لراحة الجسم والتجديد والاكتفاء بالوجبات البسيطة

المتباعدة اوالشبع القليل، تمثلا بسنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يفطر على بضع حبات التمر مع قليل من الماء او اللبن ليعطي القيمة الحقيقية لفائدة الصيام الصحية وغيرها من الفوائد .

وهكذا استهدفت العولمة بثقافتها الاستهلاكية القائمة على الربح والمنافسة اشاعه القيم المادية و اضعاف القيم الروحية والإيمانية و تحطيم معاني الشهر الكريم وافراغ محتواه من العبادة والاحسان وقيام الليل وقراءه القران والاعتكاف وصلاه التراويح والصدقات وصلت الرحم وغيرها من اعمال تتجسد في هذا الشهر وغيرها من اعمال وغيرها من الممارسات المغرية والجذابة التي تقدمها قنوات التلفزيون والفضائيات تعبر عن غير المعنى الحقيقي لشهر رمضان والتهيئة النفسية للصيام واستقبال المسلسلات والبرامج المختلفة التي تأخذ وقت الصائم طول الليل

ان شهر رمضان يمثل ثقافه الروح لا ثقافه الجسد واللذة والمتعة والاستمتاع و يمثل ايضا ثقافه الاهتمام بالأخر والاندماج والاحساس به لا ثقافه الفردانية و العزلة والوحدة والأنانية لان رمضان يأتي فيحيى في نفوس المسلمين فكره التواصل وصله الرحم وقيام التجمعات الأسرية والعائلية وتبادل الزيارات والقيام بالعبادات الجماعية وزياره الاقارب والاطمئنان عليهم في هذا الشهر ومساعدة الفقير والمحتاج. 

بالإضافة الى قيمة الاجتماع العائلي على مائده الافطار و تخليص الانسان من الانعزال عن الأسرة والمجتمع والتمسك بالنظام الاجتماعي القائم على حب افراد العائلة بعضهم لبعض وسعيهم لما رضى رب العالمين في تحقيق اهداف الحياه الاجتماعية والإنسانية

ان عمليه اثقال الجسم بالطعام تعد من العادات السيئة التي يرفضها الاسلام حيث قال تعالى "كلوا واشربوا ولا تسرفوا" وتحقيق الحكمة والفائدة الصحية من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " صوموا تصحوا " وما لهذا الحديث من قيمه تربوية صحية واحكام وفوائد لان الغاية من الصوم هو العبادة والتقوى والزهد وتنمية قيمه الصبر وكبح او تأجيل اشباع الرغبات وضبط وتدريب الدوافع الأساسية لاسيما دافع دوافع الجوع والعطش والجنس وفق الشروط والسلامة الصحية من خلال منظومه القيم الرمضانية التي يتم ممارستها في هذا الشهر وتركيز الاهتمام للطقوس والممارسات الدينية التي تعمل على التجديد الروحي والنفسي وترويض الجسد ومنحه الراحة من عادات الاكل المتعددة .

ان الثقافة الاستهلاكية تمثل جمله من المعايير والسلوكيات والاهداف التي ترفع من قيمه النفعية والفردانية والأنانية واشاعة الاستهلاك والنزعة المادية الغرائزية المجردة من اي قيمه او محتوى انساني انها ثقافه العولمة ثقافه الجسد واللذة والمتعة والاشباع وقتل الروح والوجدان وتسحر المشاعر وتبلدها الامن رغباتها واضعاف النظام الاخلاقي والقيمي الانساني لسلوك الانسان، وهكذا تسهم اليات العولمة ومحتواها واهدافها الى غرس ثقافه في ذهن وعي الناس وقيمهم لا تقوم على صله بينها وبين النظام الاجتماعي والثقافي الذي ينتمون اليه بعد ان يتشرب الناس من خلال الضغط اليومي عبر الضخ اليومي بوسائل الاعلام الفضائيات و قنوات التلفزيون وما يوفره الزخم التقاني الكثير الذي يشهده ميدان التواصل وهو يستفيد في الوقت نفسه من اليات العولمة الاقتصادية ومن النتائج الكثيرة التي تحققها على صعيد توحيد وتحطيم الحدود وجعل العلم ينتمي ويتبنى منظومة ثقافية واحدة فضلا في جعل شهر رمضان الى مناسبه للترويج الكثيف والحاد لمختلف السلع وتسهم في ذلك بقوه وسائل الاعلام ولاسيما التلفزيون اضعاف المشاعر الدينية او استغلالها كوسيله من وسائل توسيع السوق والترويج اكثر لسلع بعيدا عن الدين ويجري المزج بين الدين والجنس في البرامج التلفزيونية على النحو الذي يبدو منفرا للغاية من شرائح واسعه من المجتمع، وتحويل شهر رمضان من ممارسات ايمانيه تعبديه الى ممارسه استهلاكيه ترفيهيه وافراغ من محتواه الروحي والقيمي والا يماني وهي ثقافه معادلتها بسيطة هي (سرعه زائد سهوله) وينطبق ذلك على وجبات الاكل والفنون والموسيقى والغناء والمظهر والملبس والآداب العامة وكل ما يتعلق بأنماط الحياه العصرية .

وبما ان الصورة أصبحت اليوم العنصر المهم في ثقافة العصر والوسيلة الاكثر اهميه وهي المفتاح السحري لنظام التعاقد الجديد، نظام وعي الانسان بالعالم وأنها المادة الثقافية الاساس التي يجري تسويقها على اوسع نطاق اجتماعي ذات التأثير الفعال في مستقبل هذا الانسان. فهي الوسيلة الفعالة لدى الشركات الفضائية والإعلامية التي تقدمها العولمة وتعمل على نشرها في البلاد العربية والإسلامية التي يسيطر عليها تجار المال والربح بدون ضوابط أخلاقية وهم اداه العولمة الفعالة وقادة نواياها السيئة من خلال حملات الدعاية والترويج لبضاعتهم التي تتنافى مع حرمته وافراغه من طقوسه الإيمانية والتعبدية التي تتعارض مضامينها مع المضامين الأخلاقية والقيمية لهذا الشهر الفضيل فيستغلوا أيام هذا الشهر الفضيل لتحقيق أغراضهم المادية والترويج للتمتع با لشهوات والتسلية من خلال البرامج والمسلسلات، وذلك بالهاء الصائم وصرف ذهنه عن ما كلف به من عباده، في حين ان شهر رمضان يمثل شهر شهر العبادة والتأمل ومراجعه النفس والذات والابتعاد عن ضجيج الاعلام المستهدف وتجنب حملات الدعاية والاعلام والمسلسلات والبرامج البعيدة الحرمة وقدسيه ومضمون الشهر الفضيل ونشر ثقافه الانحلال الخلقي والمجون عبره عرض الافلام والمسلسلات دون اي ضوابط و تحمل او تحمل مسؤوليه مدعين ان ذلك يقع ضمن حصول الانسان على حريته وسعادته التي يرغب فيها او يختارها وسائل وطرق جذابه مبهره للصائم في حين يقول الرسول عليه الصلاة والسلام " ما ملأ ابن ادم وعاء شر من بطنه يحسب ابن ادم لقيمات يقمن صلبه فان كان لا محاله ثلث  لطعامه وثلث لشرابه وثلثا لنفسه.

 

ا. د. نوال ابراهيم الدليمي

 

عادل خلف عبدالعزيزرب سائل يسألنا ما الذي دفعك للكتابة عن هذا الموضوع، هل مثلا عندما رأيت تغريدة فضيلة الإمام الأكبر غرد بخط يده ونوه إلي أن تراثنا لايقف حجرة عثرة ويحول دون التقدم الحضاري، اقول حفظ الله فضيلته لكن إذا لم نكن نحن أساتذة الفكر الإسلامي يتحدثون فمن الذي يتحدث، يا سادة قضية تراثنا الحضاري والحفاظ عليه قضية كل عربي حر يستطيع أن يمسك بقلمه ويكتب، كتبنا عن هذا الموضوع بل وكان شغلنا الشاغل منذ سنوات ولن نمل الكتابة عنه ولن نسأمها فهذه غايتنا والكتابة عن الحفاظ عن موروثنا الحضاري تناولها كثيرون اذكر علي سبيل المثال فضيلة العلامة عبدالحليم محمود ومن قبله شيخنا الجليل امين الخولي وكذلك من قبلهما سيدنا ومفكرنا مصطفي عبد الرازق ولم يغب عنا مؤلف زكي نجيب محمود تراثنا والتجديد والشرق الفنان وغيرهم كثير.فدافعنا واحد وتوجهنا واحد الوقوف والتصدي بمنتهي الحزم وبكل ما أوتينا من قوة الكلمة والحكمة وفصل الخطاب ضد من تسول له نفسه للعبث بتراثنا وتشويهه لمآرب لا يعرف نوايا أصحابها الا الله، يتحدثون بكلام يبدو أن ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب كمن يقدم لك كوبا من اللبن تستشعر حلاوته وجماله من أول رشفة ترتشفها إلي أن تتمعن في تذوقه فتجده مرا مدسوس به السم مثلما فعل بعض المستشرقون الذين يريدون أن يفرغوا التاريخ من محتواه ويستجهلون الناس بأسلوب سفسطائي قالبين الحق باطلا والباطل حقا ونحن من وراءهم نرد عليهم بكل ما أوتينا من فكر فلا يدحض الفكر الا الفكر.وللاسف هناك كثيرون وقلبي يدمي لقول هذا الكلام كثيرون من بني جلدتنا عربي الجنس مسلم بشهادة ميلاده ينقاد انقياد اعمي وينساق انسياق الأنعام بل هم اضل ينساقون وراء حملات التشويه هذه بل ويروجون لها وينصبون أنفسهم للأسف حماة لهذا التراث ويتصدرون للافتاء بفتاوي ضآلة مضلة ما أنزل الله بها من سلطان ، اقول لأمثال هؤلاء إن لم تستطيعوا قول الصواب فانصتوا لعلمائنا وتعلموا منهم، ان لم تستطيعوا الدفاع عن تراثنا وعقيدتنا فالتزموا الصمت فلن تنفعكم الأموال ولن تنفعكم الشهرة فالكل سيقف أمام المحكمة الإلهية وشهاداتنا سنسألون عنها الله لماذا زورتم شهادتكم لماذا كتمتوها، لماذا انقدتم انقيادا اعمي خلف شياطين الإنس.

بين الفينة والفينة يقيض الله لنا صوتا ييقظ الوازع الداخلي فينا أفق يا فلان ياهذا قم أمسك بمحبرتك واملأ قلمك مدادا ولا تجعله يجف واستمر في الكتابة ودافع عن موروثك الحضاري والفكري والعقدي، هذا ما فعلته بنا قصاصة ورق مكتوبة بخط اليد مكتوبة بمداد العلماء الحقيقيون الذين لا يرجون إلا الخير لهذه الأمة فبارك الله في كاتبها وبارك في كل من ساهم في نشرها فقد تكون وقودا يلهب حماسنا وسط هذا الخضم الهائل من هذه الترهات والخزعبلات .

ياسيداتي وسادتي يا من كل من ستقع عينه علي مقالتي ماذا فعلنا بهذا التراث هل أخذناه ومددنا أيدينا إليه واستخرجنا زخائره وكنوزه أم تركناه هملا تمتلأ به المكتبات وتعج به الدوريات ويكون طعاما للقوارض تنهش مجلداته .هل ازلنا الغبار الذي صار ركاما من التراب هل مددنا أيدينا إليه لنستخرج منه كنوز المعرفة في شتي المجالات وشتي العلوم النظرية والعملية والشرعية، هذا ما فعله الغرب حملوه إليهم وتعلموا منه ونسبوه الي أنفسهم ونحن الا من رحم ربي في سبات عميق، نائمون لا مخمورون بخمىر التغني بامجاد الماضي وحضارتنا وامجاد أجدادنا ولو عاد أجدادنا لأسفوا لحالنا ولضربونا بالنعال البالية، لماذا ضيعتم ما تعبنا فيه وقدمناه لكم علي أطباق من لؤلؤ، لتلألأوا بها وتزدهر حياتكم وتسيروا الي الأمام والي التقدم العلمي والتقني بدلا من الخنوع الذي صرتم إليه، ياليت قومي يفقهون مقالتي.وماذا فعلنا له لماذا لم نتصدي وندافع عنه جهاد الكلمة والكلمة أمانة ومسؤولية لماذا لم ندافع عنه ضد حملات التشويه من بعض المستشرقين، ضد عنصرية بعض المستشرقين ضد من نصبوا أنفسهم حماة للعالم وحراسا للفكر، هل يعقل أن نري شبهة تدعي علي حضارتنا وعلي موروثنا الحضاري تقول إن تراثنا الاسلامي يقف حجر عثرة أمام التقدم العلمي وأن الإسلام بقرآنه وسنته يدعوا إلي الرجعية والتخلف ويدعوا الي التبعية، يا من تفترون علي تراثنا كذبا وزورا وبهتانا نقول لكم قفوا عن منتهاكم وتأدبوا وقارعونا الحجة بالحجة والرأي بالرأي أن كانت حضارتكم في عصوركم البالية المظلمة، هل تراثنا الاسلامي بكل قيمه ومبادئه يحول دون حرية الفكر، لوبقليل من الحكمة راجعتم قرآننا لوجدتم كيف كان ديننا دعوة الي اعمال العقل والفهم والاستبصار، لو وجدتم كيف حفظ الله تعالي للعقل مكانته وكيف حفظه من التخريب والتيه والضلال، كيف رفع الله تعالي العلم والعلماء مكانا عليا وآيات القرآن كثيرة وأحاديث النبي كثيرة ألم يقل الله تعالي يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات.الم يقل النبي صلي الله عليه وسلم، مداد العلماء كدماء الشهداء.ثم الم يطلق الله سبحانه وتعالي للعقل العنان في البحث والتنقيب والفهم والدراسة حتي في الأمور الميتافيزيقية، والفيزيقية العالم الطبيعي، وكذلك في المسائل التشريعية الاجتهادية التي تعتمد علي القياس المنطقي الاجتهاد، وفي المسائل الأخلاقية حديثنا عن الخير وعن الشر ، عن الحق والباطل، القبح والحسن، وغيرها، الم يتناول الفلاسفة الحديث عن قضايا وجودية تحتمل الدليل العقلي وكذلك الدليل النقلي.

يا سادة لابد من الوقوف صفا واحدا كتفا بكتف قدما بقدم نتخنق جميعا في خندق واحد، فرشنا أرضنا، نلتحف السماء ولنجعل دأبنا وديدننا الدفاع عن هذه الحضارة وهذا التراث ولنجعل دثارنا حضارتنا ندثر بها ونحتمي بها ونتزود بها ونجعلها عدتنا وعتادنا ضد من تسول له نفسه العبث بمقدراتنا والنيل من هويتنا سواء بتشويهنا أو تغريبنا عنا اقصد عن هويتنا.شكرا تحاياتي لحضراتكم

 

بقلم الاستاذ الدكتور عادل خلف عبدالعزيز استاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفه بآداب حلوان

 

 

الحسين بوخرطةمنذ الأزل، شكل الطفل أساس المستقبل لأسرته ولمجتمعه. ليس هناك في الدنيا من لا يتمنى أن يكون أبناءه ذكورا وإناثا أحسن منه، وقدوة لجيلهم والأجيال السابقة. فالأسرة، نظريا، هي المؤسسة الأولى في التنشئة، والركيزة الأساسية لتكوين شخصية الأطفال منذ ولادتهم إلى سن الواحد والعشرين من عمرهم.

وعند الحديث عن التنشئة، نعني بذلك التأطير اليومي والمراقبة المستمرة للطفل في إطار الاحترام التام لحقوقه، كما هي مسطرة في الميثاق الدولي للأمم المتحدة. وبذلك، فالغيرة على مستقبل الطفل في المجتمعات الوطنية، وامتداداته الممكنة (المستقبل) إلى المستويين الجهوي والدولي، ليست مرتبطة بالمتمنيات، بل هي مشروع حياة يجسد مهام الآباء والأمهات.

إنه المشروع المضني والمتعب الذي يتطلب تركيزا معرفيا خاصا، وكدحا عقليا وجسديا متواصلا للحصول على النتائج المرجوة، أي تحويل الطفل كوجود إلى منتوج إنساني ذا جودة عالية. إن الحديث عن المعرفة في هذا المجال ليس دافعه الإثارة لمجردة الإثارة، بل لكون التربية علم جوهري في تكوين الفاعلين في المجتمع، علم تقدم من خلاله الأسرة إلى المدرسة طفلا مؤهلا للتعلم، لتتقاسم معها مسؤولية نجاح المراحل المتبقية لبناء شخصيته، بالشكل الذي سيمكنه من الدخول إلى المجال المادي (الاقتصادي) بمؤهلات الكسب الذاتي والمجتمعي.

في هذا الباب، قد نلاحظ منافسة ما بين الأسر والمؤسسات الخاصة والعامة التعليمية والتثقيفية في مجال إنتاج الجودة (تشتد هذه المنافسة في المجال الخصوصي لارتباطه بالسمعة والربح)، لكن التعبير على هذه القيمة البناءة والأساسية ليس عاما بقدر ما يقتصر على فئات معينة من المجتمع ومن الفاعلين. فالطفل الذي يدخل غمار المنافسة في التحصيل الدراسي المعرفي لا يعبر في العمق إلا عن مكتسباته المتراكمة ذات المصدر المؤسساتي، والذي يجب أن تحتل فيه الأسرة الصدارة في العطاء.

وفي هذا الإطار، ونظرا لأهمية الطفولة كونيا، ارتقت الحقوق الخاصة بها إلى مستوى حولها إلى ميثاق كوني ملزم. فوعيا منها بمتطلبات هذه الفئة العمرية والأهمية التي يجب أن توليها الدول لها، سجل التاريخ المعاصر التطوير الكوني للجانب المؤسساتي (المنظمات الرسمية وغير الرسمية) والقانوني (الأمم المتحدة) في الدفاع على حقوق الطفل الأساسية وتفرعاتها، وعلى رأسها المساواة وتساوي الفرص، ومواجهة كل أشكال التمييز، والإهمال، والتقصير، والعنف، والاستغلال. لقد أصبح البالغون، من أمهات وآباء وأساتذة ومؤطرين مجتمعيين بشكل خاص ومكونات الشعوب بشكل عام، مطالبون بإيلاء عناية خاصة للطفولة من خلال الاستثمار القوي في التربية والتكوين والصحة والتنمية الذاتية العقلية المجتمعية.

إن أهمية العناية بالطفولة وارتباطها الوثيق بالمستقبل التنموي للبلدان، خاصة دول الجنوب النامية، أبرزت إلى السطح رسميا وكونيا حقوقا أساسية ذات الأولوية القصوى، التي تستوجب الحسم الفوري فيها بالمسؤولية اللازمة والجهود المطلوبة لضمان ترسيخها ثقافيا في الحياة اليومية للمجتمعات المعنية.

أول هذه الحقوق، نجد الحق في شهادة الولادة كأساس يكتسب من خلالها الطفل انتماء هوياتيا لأسرة بيولوجية أو حاضنة وجنسية وطنية، وتمكنه من التسجيل في نظام الحالة المدنية لمكان ولادته، وتمتيعه باسمين الأول عائلي معبر عن التاريخ الأسري، والثاني شخصي دال بشكل رسمي عن مجهوده ومؤمن لتراكماته المعرفية والمادية والمعنوية. إن تبسيط المساطر في هذا المجال، وتجاوز الصعوبات التي تواجه المصرحين بالولادات القديمة من خلال تفصيل مسطرة الحصول على هذه الشهادة، سيمكن مجتمعات الجنوب من تجاوز العرقلة الأولى الأساسية في مجال تعميم الخضوع لنظام الحالة المدنية. وحتى في الحالة التي تثار فيها مسألة الحفاظ على النظام العام، يجب أن تكون المساطر مفصلة بالتدقيق اللازم المحدد للآليات وعلاقات المؤسسات في هذا الباب (البحث البعدي في حالة الشك). وهنا لا بد أن نذكر القارئ، من باب التكرار، بأهمية هذا التعميم في مجالي الهوية والتخطيط في كل المجالات الحية التي ترتكز عليها وحدة وكينونة وقوة الدولة واستمرارها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. وهنا كذلك، لا بد من الإشارة أن بلورة مشروع التعميم بشرط تحقيق نسبة مائة بالمائة لا يتطلب السرعة والتدرج، بل يتطلب تفكيرا عميقا يرقى من خلاله إلى مشروع وطني تفوق أهميته عملية الإحصاء العام للسكان والسكنى.

في نفس الوقت، ولتفادي العناية الهامشية والضعيفة التي توليها الهيكلة المؤسساتية لبعض الدول الجنوبية لنظام الحالة المدنية، يبقى توطيد المكانة المؤسساتية اللائقة بخدماتها إشكالية مطروحة تساءل مصادر القرار في إطار إعادة ترتيب الأولويات الضامنة لكرامة الشعوب والأمم. إن العزة الوطنية لدى الدول لا يمكن أن تكرس نوع من الإهمال للقضايا الجوهرية في حياة شعوبها، عزة تستدعي التجنيد بمنطق سيادي وبالقوة اللازمة والإمكانيات الضرورية من خلال بلورة السياسات العمومية الناجعة التي ستمكن المؤسسة الأولى لترسيم انتماء الطفل لأسرته ووطنه (الحالة المدنية) من الخروج من تخلفها أو النفق الضيق أو الهامشي المخصص لها.

ثاني هذه الحقوق، يتجلى في العناية الصحية القصوى بالأمهات والأطفال (الوقاية والعلاج الطبي والتغذية)، وتخفيض معدل وفيات الأمهات في سن الإنجاب وأطفال الفئة العمرية المتراوحة ما بين تاريخ الولادة وبلوغ خمس سنوات إلى أضعف المستويات في أفق رفع شعار وصوله إلى الصفر.

ثالث هذه الحقوق، ربط الأسرة بالمدرسة من خلال تعميم جمعيات آباء وأولياء التلاميذ في كل المؤسسات التعليمية العمومية والخاصة ومجالس دور التنشئة المختلفة، وتدبير انتخاب أجهزتها التدبيرية بشكل ديمقراطي من خلال فرض إجبارية حضور ومشاركة كل آباء وأمهات وأولياء التلاميذ في جموعها العامة. لقد تبين اليوم أن الأساليب المتبعة في مجموعة من البلدان المتخلفة، لتأمين المواقع بانتهاج الإقصاء، لم تنبثق على أساسها إلا تنظيمات شكلية تلغي إلى حد بعيد مبدأ المراقبة الذاتية والتعاون والتكامل والتضامن ما بين الأسرة والمؤسسات المعنية.

رابع هذه الحقوق، إيصال معدل الهدر المدرسي إلى الصفر من خلال تقوية العلاقة في مجال التوجيه ما بين المؤسسات التعليمية ومؤسسات التكوين المهني وإنعاش الشغل. وهنا، لا بد من التذكير أن هدف الرفع من القدرة عن الإدماج الاجتماعي للفئات العمرية المجتمعية بالنسبة لأي دولة "مواطنة" يعتبر من ركائز وجودها وشرعيتها بحيث يجب أن يحتل هذا الهدف، السامي إنسانيا، الصدارة في برامجها السياسية وأنشطتها اليومية. فكيف ما كانت الاعتبارات، يبقى واجب تمكين الطفل أو الشاب من المهارة المعرفية والدرابة اليدوية والتقنية والمهنية قبل سن الواحد والعشرين من أولوية الأوليات. فملاذ التلميذ في مختلف المستويات الدراسية الإشهادية (الابتدائية والإعدادية والثانوية)، في حالة فشله الدراسي، والذي لا يتحمل فيه نظريا أي مسؤولية، هو التكوين المهني وإنعاش الشعل.

خامس هذه الحقوق، تطوير البحث العملي من خلال الإكثار من وحدات البحث المعرفي في مختلف المجالات ما بعد شهادة الإجازة والماستر والدكتوراه. فكما سبق لي أن أشرت إلى ذلك في مقالات سابقة، يبقى كذلك، في إطار تدعيم ثقافة البحث والاطلاع، خلق المنصات الإلكترونية، وإغناء مضمونها بالمعلومات باستمرار، في مختلف المجالات والمستويات الدراسية والعلمية بالدروس، والتمارين والامتحانات وحلولهما، والمعلومات الهامة، والتجارب العلمية ونتائجها، من الركائز المحفزة على التعلم والتراكم المعرفي بالنسبة للتلاميذ والطلبة والباحثين.

إن التحقيق التام للحقوق السالفة الذكر، والتي لا تتطلب اعتمادات مالية ضخمة، سيترتب عنه بدون شك على مدى المتوسط والبعيد مرتكزات منعطف تنموي جديد، تتحقق من خلالها حقوقا أخرى كثيرة ومتعددة، وتجعل بطبيعتها من الرأسمال البشري رافعة دائمة للتنمية والتحديث والعصرنة.

 

الحسين بوخرطة

 

محمد كريم ابراهيمفي خضم زماننا الحالي الذي أمسينا فيه دائماً مشغولين بشيء أو بآخر، والذي جعلنا نرتبط بأشياء لا يمكننا أهمالها والتخلي عنها من العائلة وأغراض المنزل إلى مسؤوليات العمل. نحلم جميعنا أن يأتي يومٌ نتحرر فيه من تلك القيود ونسافر إلى أرجاء العالم من دون القلق عما تركناه في الخلف، أو ربما أن نأخذ الحياة بمنتهى المرونة، نتقلب مع ظروفها كما تتقلب سنابل القمح مع الرياح، دون الخوف من الانكسار والخسارة.

يتوارد في ذهن الجماهير تصور خاطئ عندما يسمعون بمذهب العيش بخفة والبساطة. فهُم لا يحبون أن يطبقوا هذه الفلسفة على أنفسهم، ربما يرونه كصفد يقيد حريتهم ورغباتهم في جمع الأشياء، ربما يرونه كالعيش مثل الفقير. لا يريدون أن يصبحوا مثل غاندي الذي عاش ببساطة تامة حتى بدأ بتخييط ملابسه بنفسه، أو لا يريدون أن يصبحوا مثل الفيلسوف الأغريقي دايوجنيز الذي أتخذ من جرة النبيذ منزلاً له وعاش كالحيوانات. لعلهم يرونه كفكرة دينية يشبه حالة الزهد في الحياة ومذهب للصوفية أمثال الإمام الغزالي والحسن البصري والرابعة العدوية. هؤلاء مع جل الأحترام لهم ولأختيارهم عاشوا حياة بسيطة ولكنها ليست البساطة التي نطمح إليها جميعاً. فمن الصعب أن يعيش المرء ببُعد عن الناس، وعدم إمتلاك أغراض ضرورية ناهيك عن المرغوبة، أو العيش من دون ملابس وأطعمة متنوعة.

العيش بخفة تعني أخذ من الحياة ما هو ضروري ومطلوب وترك ما هو مرغوب وثانوي. وكذلك ترك ما هو غير مفيد أو أمسى غير مفيداً في الزمن الحالي بعد إن كان مفيداً في يوم ما أو سيصبح غير مفيداً في الزمن اللاحق ولا ينتفع منه في الزمن الحالي. لا تأخذ هذا التعريف بشكل الخاطئ، فهو لا يمنع الانسان من الركض وراء شهواته ولا يمنعه من الرغبات، بل المراد منه ان يترك الاشياء الغير النافعة والزائدة في حياته.

العيش بخفة هو مجموعة من القرارات تتطلب وعياً لتنفيذها ولا يخرج من طبيعة الانسان او من فطرته، بل يعمل فطرة الانسان بعكسه حيث يثمن كافة الاغراض ويبغض زوالها، ناهيك عن التخلص من تلك الاشياء بنفسه. لكن العيش بخفة لا يقتصر على الاغراض المادية ايضاً، بل يندرج تحته الافكار والمشاعر الزائدة، والعلاقات الاجتماعية المفرطة، والاقوال والافعال الهادرة لطاقة الفرد ووقته.

ما هو مطلوب وما هو مرغوب يختلف قليلاً بين شخص واخر ومن حال الى حال. الحاجات الثابتة عند الانسان لا يمكن التخلص منها مثل الغذاء والماء والدواء، والحاجات الاخرى تأتي حسب حال الانسان وحسب حاجته المؤقتة كحاجته الى سلاح عندما يحتمل استهداف حياته، او حاجته الى قلم عند كتابة الرسالة. الاغراض المرغوبة هي الاغراض التي نرغب باقتناءها ونشتهيها بعد تحقيق حاجاتنا.

أنواع العيش بخفة

هناك عدة أنواع للعيش بخفة، فقد يختلف مقدار العيش بخفة بين نوع وآخر، هناك رجال مثلاً لديهم القليل من الوقت الفارغ، لكن تراهم خفيفين في الماديات غير مُحّملين بأعباء ثقيلة، وهناك آخرون لديهم أماكن بسيطة وجميلة وخفيفة، لكن تراهم مسرفين في اوقاتهم، ليس لديهم حتى وقت للاسترخاء.

1- العيش بخفة زمانياً: وهذه هي من أولى الأمور التي يجب أن تضبطها لتكون خفيفاً فيها. يوجد عند العديد من الناس في الوقت المعاصر مشكلة عدم توفر الزمن، فهم يعملون لساعات متأخر من اليوم من أجل المجتمع طبعاً، لكن بالكاد لديهم االوقت الكافي لأنفسهم أو لعائلتهم. ليس لديهم متسع من الزمن لتأمل أحداث الأمس أو لتغيير الجزء السيء من حياتهم وعادتهم، دائماً يكونون مشغولين بالنظر إلى ساعتهم وانجاز روتينهم اليومي. العيش بخفة زمانياً تعني إفصاح مجال وقتي لنفسك من أجل التطور من خلال ترك فعل الأعمال الغير الضرورية أو التقليل من الاشغال الضرورية وتقسيمها إلى لقمات بسيطة ،أسبوعية بدلاً من اليومية أو شهرية بدلاً من إنجازها أسبوعياً. وهي تعني محاولة ضبط الوقت دون مزاحمته بعدة أشياء بحيث ترك مجال للخطأ أو السهو من الاشغال الضرورية والمرغوبة (التي من المستحيل إنجازها دون أخطاء أو سهوات والتي تتطلب وقتاً أضافياً من الفرد لتصحيحها، مما يخلق عبئاً على الشخص الذي ليس لديه وقت للخطأ)، أو إزاحة زمان للراحة والحرية، حتى لو لم تكن تعمل شيئاً في ذلك الفترة المحددة للراحة، فهو ضروري لعدم تضييق جدول الاعمال إلى درجة مكثفة بحيث يصنع جواً كئيباً ووتيرة ذات نبرة واحدة بدلاً من المتنوعة والممتعة والشيقة.

2- العيش بخفة مكانياً: الفكرة من هذا هي تقليل من مساحة المستخدمة والحيز المحجوز من قبل الفرد إلى مكان ملائم وقابل للعمل فيه. وهذا يعني اختيار منزل مناسب حجمياً للعيش فيه، دون أن يكون كبيراً، أو العمل ضمن حيز معقول. الفلاحون يعلمون قيمة هذا المذهب عندما يختارون مساحة معينة للزراعة، فهم يعرفون حدود قدراتهم في الفلاحة حتى لا يسرفوا في زرع محاصيل لا يتمكنون من العناية بها وتحصيدها، لأن المساحة الزائدة هي جهد اضافي للفلاح. في العصر الحديث، معظمنا ليسوا فلاحين لكننا يمكننا أيضاً الاستفادة من هذه الحكمة بالعيش بمنزل بسيط واتخاض مكتب عمل مناسب، فحتى لو كانت فيها اشياء ثمينة ملفتة للنظر، ما دام المكان ليس كبيراً بشكل مفرط، فالانشغال باقتتناء اشياء ثمينة للمساحة لتزيينها سوف يقل لعدم وجود مساحة كافية لاستيعابهم. يمكنك شراء كل ما تحتاجه وترغبه من السوق، لكن يجب عليك ان تبيع شيئا من البيت بنفس حجم و وزن وقيمة الشيء الذي تشتريه. كثرة رحلات السفر ايضاً مذمومة، وزيارة الكثير من الاماكن تعتبر إفراطاً.

3- العيش بخفة مادياً: قد يبدو هذا الحديث معروف وشائع جداً، لكنه حقيقي بالرغم منه، كلما قل أغراض الفرد، كلما كانت حياته أكثر بساطة. نحن لا نتكلم هنا تقليل امتلاك الاغراض إلى حد المجاعة، مثلما يفعله بعض الزاهدين في الحياة، بل نريد أن نقع في وسط ما بين الإفراط والتقصير، دون أن نجتنب حاجتنا ورغباتنا في اقتناء الاشياء ولا أن نكثر منها بغير حدود، الزيارات يجب أن تقل إلى حد معقول.

4- العيش بخفة عقلياً: ينطبق مبدأ العيش بخفة أيضاً على المعلومات الذهنية وينقسم إلى ثلاث أقسام:

a. العيش بخفة فكرياً: يبحث الافراد في وقتنا المعاصر بيأس على طريقة لعدم التفكير كثيراً. بعضهم يلجأ إلى التأمل واليوغا والتركيز على التنفس للتخفيف من ضغوطات الحياة على الدماغ ومن أجل النوم هنيئاً في الليل، والآخرون يلجؤون للهرب إلى الطبيعة والعزلة أو اخذ حبوب مهدئة فقط للكبح من متطلبات الذهنية للحياة. التقليل من الماديات والمكانيات والزمانيات سوف تخفف بالطبع العبأ الذهني المفروض على وعي الانسان، لكن هناك بعض من الافكار التجريدية التي تنبع من العقل دون الارتباط بمحفزات الواقع مثل الخيال، وكذلك الافكار التحليلة القسرية التي نضع انفسنا فيه عند الدراسة أو العمل مثلاً. هذه الافكار التجريدية والتحليلية لا بد لنا من السيطرة عليها وتخفيفها بقدر الامكان، فعقولنا لم تُخلق لتعديد المهام والعمل شيئين أو ثلاثة في نفس الوقت مثل الحاسبات، لذلك من الضروري ترقيق افكار التحليلات والتخيلات طوال ما كنا واعيين في يومنا العادي. بعض التفكيرات المستقبلية البعيدة تجرنا نحو التعاسة غير الحقيقية، لاننا لا نعلم بالضبط ما هو قدرنا واحتمالية حدوث احداث في مستقبلنا البعيد، لذا ليس هناك داعي في اشغال عقولنا بها.

b. العيش بخفة شعورياً: كثيراً ما نرى في حياتنا أشخاص مفعمين بالمشاعر وتائهين في خضمها، هناك من يغضب بسرعة ويلقي اللوم على الآخرين، وهناك من يحزن بسرعة ويلقي اللوم على نفسه في كل حدث من احداث حياته، وهناك المتهور الذي يفقد السيطرة على ذاته ويسمح لمشاعره الحساسة بقيادة افعاله. نريد من هذا المذهب أن يرشدنا نحو إزالة كمية من تلك المشاعر – سواءاً كانت جيدة مثل الحب والسعادة أو سيئة مثل التعاسة والكآبة – لكي نعيش حياةً سليمة وطبيعية ونمنع أنفسنا في أن نكون ضحايا لِكم هائل من المشاعر المزيفة التي نستمدها من الافلام والمسلسلات وتطبيقات الهواتف، والمشاعر الحقيقية الزائدة ايضاُ من كثرة الاصدقاء والمعارف التي لم تكن لتتواجد لولا التقنيات الالكترونية وزيادة اعداد السكان. علينا أن نترك الماضي كذلك ولا نتشبت بها، ، وخصوصا الذكريات التي تجلب مشاعرا سواءا كانت تلك المشاعر جيدة او سيئة. يجب علينا ان نترك ما يسمى "بالذكريات الجميلة" وكذلك "الذكريات الحزينة والمؤلمة" بعد ان نأخذ دروسا منهم، ويستكره استحضارهم الى الوعي من دون فائدة، فهو عبئ على الذاكرة والوعي.

c. العيش بخفة حسياً: يمكن لأحاسيسنا من الرؤية واللمس والتذوق أن تربك أيضاً من شدة الافراط، من الافضل تقليل المعلومات الواردة الى عقولنا عن طريق احاسيسنا. الاصوات العالية والاضواء القوية تضر بآذاننا وأعيننا، فيجب علينا أيضاً أن لا نغض بصرنا في رؤية اشياء غير ضرورية، ونكتم اذاننا في سماع اصواتا لا تمت بصلة بنا أو بمساعينا، وأن لا نشتم روائح مفرطة في فترات زمنية قصيرة. لكننا لا نريد أيضاً أن نكون مملين وذات نمط واحد وقليلي التجارب، التنوع الفرط في الاحاسيس هو كلها نسبية زمنياً، فالتنوع بالطبع مستحب ولكن مع وجود فترات زمنية متفاوتة بين تنوع وآخر (الزمان هو عبارة عن معلومات، فالافضل تزييد معلومات مختلفة بين احساس واخر أو حتى بين فكر واخر حتى لا نمل من الاحساس النمطي الموحد البسيط). يجب ان نقلل من الاحاديث غير الضرورية او ما يسمى فقط بالتسلية، لكن ليس بالضرورة ان نبخل في ذكر هذه الاحاديث والمطارب، فلا بأس به ولكن بشكل اقل.

الحياة تشبه معادلة رياضية يجب عليك حلها، هناك رحلة طويلة ما بين بداية والنهاية، ما بين السؤال والجواب. ويجب ان تبسط الطريق بينهما وتختزل كل ما هو قابل للاختزال وغير ضروري حتى يتسنى لعقلك التفكير براحته والوصول الى نتيجة صحيحة وبالطريقة صحيحة.

العيش بخفة يعني التحضر لكل شيء، فهو يعني عدم الاعتماد على الحكومة وقوانينها ودستورها،  لان هناك اماكن وازمان لا يحميك فيه هذه القوانين، فمن الضروري ان تعرف كيف تعتمد على نفسك اذا اضطر الامر الى ذلك. وهذا جزء من العيش بخفة، لانك يجب ان تستثمر بعض من الوقت في فهم الاحتماليات التي ستحصل في حياتك وتستعد لفقد اشياء معينة في حياتك، ولكنها سوف تكون اقل ألماً من الاشخاص الذين يملكون الملايين، الذي سوف يأتي الامر لهم دفعة ثقيلة اذا لم يحميهم القانون.

يرتبط العيش بخفة مع ضبط النفس، وهو مهم عندما تريد اقتناء مذهب جديد مثل هذا وترك بعض الاشياء التي لا تحتاجها، والتي تعد مفرطة بالنسبة لك، يجب عليك ان تمنع نفسك من شراء وجمع حاجات زائدة، وكذلك علينا أن نضبط انفسنا من الافراط في الرغبات الاخرى كالاكل والجنس وبعض الاشياء المدمنة كالتكنلوجيات والانترنت والهواتف الذكية.

يرتبط العيش بخفة ايضاً مع فكرة الوسط الذهبي. في الحقيقية إنه يمثل جانب واحد من الوسط الذهبي، وهو عدم الافراط. الوسط الذهبي معناه أن لا تفرط في شيء ما ولا تقصر فيه، بل تأتيه بتوسط يلائمك ويلائم الظرف المفروض. العيش بخفة هو التوسط والتقصد في الامور جميعها، التقصد عن الزهد والتقصد عن الافراط، التقصد عن الجهل والتقصد عن التعلم، التقصد عن الاكل والتقصد عن الجوع، التقصد عن المشاعر وعن المنطق. فيجب عليك دائما ان تكون في الوسط، بل حتى أقل قليلاُ من الوسط، اي يجب ان يحمل عاتقك ثلاث ارباع ما يقدر أن يحمله عند التوسط.

نستطيع في زماننا الحالي مثلاً تحويل حاجاتنا الى رغبات، مثلاً يمكننا تحويل حاجة أجسادنا إلى الغذاء إلى رغبات يدمن عليه عقولنا من الاطعمة الشهية التي نأكلها حتى وإن لم نكن جائعين. لكن هذه القدرة الخارقة تعتبر شيئاً جيداً بالنسبة للذين يعيشون حياةً بسيطة وخفيفة، لأنه يمكن تحويل تلك المقتنيات القليلة التي نحتاجها إلى رغبات، يجب أن تتذكر إن الرغبات يحتاجها الدماغ ايضاً لكي يعيش الفرد بسعادة، فهو جزء ضروري ومن متطلبات الحياة البشرية، لذا حاول ان تحول ما تحتاجه الى ما ترغبه من دون التمادي.

مثلاً، نحن جميعاً نحتاج الى الاصدقاء لكي نذهب إليهم عند ضيق الاحوال ونطلب مساعدتهم في الشدائد، لكننا يمكننا ايضاً تحويل هذه الحاجة الى الاصدقاء إلى الرغبة فيهم وقضاء اوقات ممتعة معهم، وليس فقط التواجد معهم عندما نقع في المآزق، لكي لا تعد فقط صداقة مصلحة.

جميعنا نحتاج إلى الملابس ويمكن تحويل هذه الملابس الى رغبات عن طريق لبس ملابس جميلة ومثيرة. وجميعنا نحتاج إلى مأوى ويمكن تحويل هذه المأوى إلى شيء مرغوب يحسن الجلوس فيها ويطيب النفس اليها. هذا الفن في تحويل الحاجات الى رغبات يحتاج الى فنان ذات ذوق ولكن يجب ان لا ينقصه ايضا الزهد في هذه الأمور حتى يمكنه الابداع فيهم من دون تضييع الوقت في واحد منهم.

وأخيراً، يرتبط مبدأ العيش بخفة مع موضوع القوى الأربعة (البقاء على قيد الحياة، الجنس أو التكاثر، الرتبة الاجتماعية، التقليل من الطاقة وتقصير السبل. العيش بخفة مرتبط بالقوة الرابعة الذي هو تقليل الطاقات والمعلومات مع الحفاظ على الكفاءة والجودة، أي التخلص من الاشياء الجانبية التي تعيق عملية العيش في حياتك أو يرهقك من دون فائدة. ولا حاجة للتذكير إن القوة الرابعة هي من أسمى الاهداف البشرية وأعظمها.

فوائد العيش بخفة

نريد هنا فقط أن نحفز انفسنا للسعي اكثروبقوة وراء هذا المذهب المفيد، دعنا نركز على بعض الفوائد الشخصية والمجتمعية له:

1- فوائده على النفس:

a. يضمن بقاء حاجاتك الضرورية: من السهل جداً خسارة ممتلكاتك في هذه الحياة أو الانفجار نفسياً من كثرة الضغوطات والمشاكل التي تواجهك، العيش بخفة يجعلك تقتني اشياء قليلة وقتية ام دائمية تحتاجها ومن ثم تتخلص منها بعد عدم الحاجة الى استخدامها، يجعلك تركز على هذه الاغراض فقط دون الانشغال بالاخرى، مما يضمن – بطريقة غير مباشرة – بقاء تلك الحاجات القليلة الثمينة عندك عندما تتوقع خسارة اشياء اخرى. كذلك فهو أداة ماسحة للمشاكل الغير الضرورية من العقل، وهذا ما يجعل يومنا أكثر بساطة وتركيزاً.

b. الحرية والتحرر من الاغراض المقيدة: كلما تراكمت الاشياء، وازدادت المعلومات في الاذهان، وكثرت الاصحاب والاقارب، وتعددت ساعات العمل، كلما قلت الحرية وكبرت المسؤولية والانشغال. العيش بخفة يحررك من تلك القيود، يحررك من قيود الزمان والمكان، مما يمسيك متأقلماً مع كل مكان وزمان وحال، تكسب عندها القدرة على التغير ومجاراة الاحداث بسرعة إن لم تكن ثقيلاً مليئاً بالمسؤوليات والاغراض المقيدة.

c. التخفيف من التوتر والقلق: ترك بعض الامور في الوراء، يخفف عنك بالطبع عبأ التوتر والقلق على فقدانهم، بل يجعلك تُقيم الاشياء البسيطة التي تمتلكها، والحاجات التي ضاعت قيمتها في بحر من الادوات الفائضة. تقضي يومك منشغلاً فعلاً بحفنة من الامور الضرورية و الواقعية بدلاً من التفكير في شتى أمور فوضوية التي تملئ حياتنا بسبب كثرة الاصدقاء والاغراض والاعمال.

d. قليل الاعتماد على الآخرين: بالابتعاد قليلاً عن الناس، والإعتزال عن الأشخاص الغير الضرورين، يجعلنا أقوياء مستقلين غير معتمدين على الناس في التقدم نحو الأمام. ولكنه لا يعني ايضا الاعتماد الكامل على نفسك، البساطة يعني ان تتوسط في المسؤوليات وكذلك يجب عليك ان تتوسط في إن لا تصبح عالة على الآخرين.

e. جودة حياة أفضل: من ناحية جودة حياة الفرد المختار لهذا الدرب الخفيف وهذه الحياة المريحة، سوف يعيش شعورا افضل من الاخرين في المجتمع بقدرته على ضبط مشاعره وممتلكاته وصحته.

2- فوائده على المجتمع: ماذا لو تبنى الجميع مذهب العيش بخفة؟

a. التقليل من الخسائر المادية: لو تمكنا من تحليل نفايات مجتمعنا، لوجدناها مليئة بالاغراض الفائضة والاطعمة الزائدة التي نشتريها كل يوم دون القدرة على استهلاكها او الاستفادة منها، فإذا تبنى المجتمع بأكمله العيش بخفة، وتركوا ما لا يريدونه أو يحتاجونه من الاطعمة الفائضة والحاجات المشتراة التي لا تستخدم او نادرة الاستعمال، بالتأكيد سوف نرى القليل من هذه الخسائر المادية.

b. التقليل من المشاكل الاجتماعية الغير الضرورية: على مر التاريخ، حدثت عديد من المعارك العظيمة بسبب الاستحواذ على المصادر المحدودة والاراضي الغنية، والعديد منها لم تكن ضرورية للدولة المهاجمة بل كانت طمعاً للسيطرة على المزيد والسعي وراء المجد المعنوي، تماماً مثلما تفعله الدول المعاصرة من اثارة الصراعات بين الشعوب المختلفة. نقدر أن نجزم إن هذه الحروب المادية ستقل إلى اقصى حدها عندما يتبنى الشعوب مذهب العيش بخفة ويأخذ ما يحتاجه فقط دون التفريط في جمع ممتلكات الآخرين. كذلك الامر بالنسبة للصراعات السياسية داخل الدولة نفسها التي تورط مجاميع مختلفة من الناس مع بعضها بشكل سلبي.

c. تفكك الجدار بين الاغنياء والفقراء: الثغرة التي هي بين الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة تتوسع يوماً بعد يوم نتيجة تراكم ممتلكات الاغنياء على حساب الفقراء. مالم يقم الاغنياء بالتخلص لبعض من اغراضهم الفائضة الغير الضرورية لمعيشتهم ومعيشة عوائلهم، فسنشهد مشهداً محزناً في المستقبل. مذهب العيش بخفة يجعل الاغنياء يقتنون اغراض مهمة لحياتهم اليومية والمستقبلية ويتخلون عن الماديات المفرطة التي لا تفيدهم لحل معضلاتهم الخاصة.

كيف تبني مبدأ العيش بخفة

1- يجب أن نبدأ بالتدريج: العيش بخفة يتطلب بعض من الوقت لكي يرسخ في حياتنا اليومية الروتينية. فهو يتطور بالتدريج ويجب عليك أن تترقى بالتدريج، وفي البداية ستكون الرحلة شاقة لا شك فيها، وقد لا تفلحُ في العيش بخفة في جميع مجالات الحياة بدفعة واحدة أو بالمحاولة الأولى. العيش بهذه الطريقة ليس سهلا، واتخاذ هذا المذهب يعني ان تكون واعيا من نفسك ومن مشاعرك ومن افكارك ومن تصرفاتك. وبعد ان يتعود العقل والجسد على هذه الطريقة، سوف يهون الامر ويصبح روتينا عاديا في الحياة. فاذا غيرت شيء بسيط من حياتك كل اليوم فسوف تصل في النهاية الى حياة خفيفة.

2- تخصيص وقت لنفسك: تخصيص وقت لنفسك وعزل نفسك فقط لمدة قصيرة من اليوم او الاسبوع للتأمل في نفسك وحياتك التي قد تكون فيها إفراط في شيء ما.

3- البدأ من التخلص من الأغراض المادية أولاً: من السهل معرفة الاشياء الزائدة البديهية، لأنها حسية وموضوعية وقابلة للحكم على إنها زائدة أو غير ضرورية أم لا. يجب إذاً البدأ بالبحث عن أغراض لا تحتاجها في خزانتك وحول غرفتك ومنزلك.

4- التذكير بالمبدأ: هناك عديد من الطرق التي يمكنك تذكير نفسك بالعيش بخفة يومياً أو اسبوعياً أو شهرياً، من التطبيقات الهواتف الذكية إلى حل أغراض مادية بسيطة لتذكر بعض الاحداث. تعودْ النفس على تذكر بعض النصوص التي تشجع وتحفز الإنسان للعيش بخفة هو أيضاً مرغوب. الإذكار هي مؤقتة بالطبع حتى يتمكن العقل بتبني الأسس.

بعض الملاحظات الإضافية

الخفة تعني ايضاً أن تكون سريعاً في رد الفعل للاحداث التي تحصل في حياتك. فإن كانت هذه الاحداث والمواقف مؤثرة جدا بالنسبة لك ويصعب عليك تول الى ما بعدها، فاعلم انك استثمرت وثقلت في الحياة. اما سرعة التأقلم وسرعة الاستجابة على كل المشاكل التي تضربك، تعني انك في حال الخفة مثل الريش، تذهب اينما ذهبت الرياح. والحياة ليست ثابتة وصلبة في ظرف واحد، " دوام الحال لا محال " كما يقولون. لكي تعيش، عليك أن تتغير.

امتلاك تكنلوجيات سريعة وكفوءة أكثر من السابق هو من اهداف العيش بخفة، مثل اقتناء لابتوب المحمول بدل الكومبيوتر المنزلي الكبير، أو اقتناء هاتف ذكي اقوى من السابق عملياَ وأكفأ منها بالرغم من أنها تشغل نفس الحيز، يتسنى لك عندها من ترك أعباء زائدة بلا طائل وتجنب الآثار الجانبية الغير المرغوبة.

التخفيف من وزن الجسم هو أيضاً من متطلبات العيش بخفة، لأنك تترك وراءك أوزاناً غير قابلة للاستخدام في وقتنا المعاصر. وهنا يجب أن ننتبه إن العيش بخفة لا تعني إنقاص الوزن إلى حده الأدنى أو إلى درجة المجاعة، مثلما كان يفعله بوذا وغاندي، هذا لا يدخل ضمن المذهب.

العيش بخفة لا يعد شيئا مادياَ فقط، بل هو مذهب فكري أيضاً، ويملي عليك أن تقترب من مشاكل التي تواجهك بايجاد ابسط الحلول وأقلها تكلفةً.

الخاتمة

ما الذي تفعله في هذا الفراغ المكاني والزماني؟ بأي شيء تملي هذا الفراغ؟ الأمر برمته بيدك، يمكنك أن تفعل ما تريده ما دمت لا تفرط فيه، لعلك ستمضي أوقاتاً أكثر مع اشياء تحبها بدلاً من المضي في السعي نحو الإفراط والإلتهاء بأهداف غير قابلة لتحقيق. نريد أن نعيش خفيف العقل، خفيف الجسد، خفيف القلب. وخفيف القلب معناه ان لا تستثمرفي علاقات كثيرة مع عديد من الاشخاص، اقتصر علاقتك مع اشخاص مهمين في حياتك. العيش بخفة يتبين بوضوح عندما ترحل الى مكان ما او تسافر اليه، حينما تتوقع عدم رجوعك، وتدرك أن ما تركته في الديار غير ضروري لبقاءك، فهذه هي واحدة من أسمى درجات العيش بخفة.

أن تكون خفيفاً لا يعني أن تكون متصوفاً أو زاهداً في الحياة أو بوذياً، تاركاً كل ما تملكه لتذهب للعيش وحيداً في جبل ما. أن تكون خفيفاً معناه أن تعيش حياةً سلساً مرناً، خالياً من الأغراض المادية الزائدة والأفكار الإضافية، ستنتقل بعدها بسهولة بين الأنظمة (Systems) والإنتظامات (Orders) الأخرى القريبة من نظامك، ستصبح قادراً على التكيف مع جميع البيئات الأخرى، ومرتاح البال في شتى الأحوال والظروف، ستتجول بلا خوف  خارج فقاعتك وحدودك الشخصية، وعندما يأتي الموت المحتم، ستكون بالتأكيد أقل تشبتاً بالحياة من الآخرين الذين جمعوا الماديات وتحملوا مختلف المعنويات القاسية إلى حد الإفراط، ستنتقل من الأرض عالِماً أنك حققت أهدافك الرئيسية المهمة وتركت خلفك إرثاً لا ينسى و صفةً يُقتدى بها.

 

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

 

 

رحيم الساعديلا شك في أن الظروف السياسية والوقائع الاجتماعية التاريخية هي التي تقرّر مسيرة الحضارة، مع الفعل الثقافي فيها على وجه الخصوص، إن كان في نهوضها، أو في جمودها، وحتى في اضمحلالها وزوالها، والعوامل التاريخية .

 والتاريخ يدلّنا على أن ظروف نشوء الحضارة وازدهارها، أو اضمحلالها، متعلقة بعلاقتها مع بيئتها وموقعها ونشأتها، وطرق تعاملها مع ماضيها وحاضرها، وكيفية نظرتها إلى مستقبلها، مستمدة من روحيتها وإيمانها بعناصر الوعي لموقعها في العالم، ولبناء علاقاتها مع الآخرين وترسيم مستقبلها مع الآخرين لتأمين مصالحها، باعتبارها مصالح مجتمعاتها، أو مصالح كل فرد فيها أو باعتبار مصالح المجتمع هي محصّلة مصالح الأفراد، أو باعتبار مصلحة المجتمع تتجاوز مصالح الأفراد .

ويعلل بعض الباحثين من أنَّ الأسلوب المنظَّم الإيجابي الذي ينطوي عليه سلوك إنسان واحد يمكن أن يكون مؤثراً على آلاف البشر الآخرين سواء بشكل مُباشر أو غير مباشر، فكيف إذا ارتبطت الحالة بمجتمع إسلامي كبير، من هُنا نتفهم عدم غفلة الاتجاهات الأخرى المعادية وسعيها الدائب (كما تعترف بنفسها) في الكيد لإطفاء شعلة النور التي يأبى الله لها الانطفاء

وعندما شعر الغرب بخطورة المد الإسلامي في القرن الراهن توجس خيفة، فاخذ يخطط بجد لتحجيمه والقضاء عليه من موقع القوة والغرور والتعالي، ولقد عالج المفكرون الغربيون الكثير من القضايا السياسية التي ترتبط بمفهوم تأصيل وجودهم او تقويض الهوية الخاصة بالأمم الأخرى وكان ربما آخرها في 1989م في نظرية نهاية التاريخ في أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة .

وبرزت تيارات الفكر العربي الإسلامي حتى نهاية الحرب العالمية الأولى بشكل عام تتمثل بتيار التجديد الديني والتيار الثقافي الذي يمزج بين الشرق والغرب كما عند الطهطاوي وخير الدين التونسي والتيار الثقافي الغربي لليسوعيين وتيار الجامعة الإسلامية للأفغاني والكواكبي وتيار الجامعة العربية .

على انه يلاحظ ان التيار المازج بين الشرق والغرب أراد الاقتباس من الغرب بالترجمة والتعريب وخلق الرأي العام وتنبيهه بالصحافة ورفع مستوى الشعب بالتربية والتعليم وتبسيط اللغة العربية وتحريرها من السجع والزخرف والدعوة الى تعليم المرأة وتصحيح المناهج .

إن الغرب نفسه يطرح مفهوم تحدي الهوية المتداخلة مع حضارته فقد وجد (ريتشار كوك) و(كريس سميث ) في كتابهما (انتحار الغرب) أن الغرب مهدّد بالتلاشي والاندثار، ليس بموجب قوى خارجية تهدّده، بل بموجب تقاعس الغربيين عن نصرة حضارتهم الملهمة والرسولة في نشر عقيدتها الليبرالية على صعيد العالم كله، ولا بد من تدارك الموقف، والعودة بالحضارة الغربية إلى مجدها التليد، ويحدد المؤلفان المرتكزات الأساسية للحضارة الغربية ومنها أهمية وعي الغرب لذاته، ولهويته، بالإضافة إلى الفردانية والليبرالية والإحساس بهوية الجماعة، وهي صبغة الغرب، المركّبة بسحر ساحر من أوروبا كهوية قومية إقليمية وأميركا كهوية حليفة، ولا بأس من جمع أستراليا ونيوزيلندا، وبهذا الخليط، تقع مسؤولية تحضير العالم ورفعه، بالتبعية اللازمة، إلى المصاف الذي يقترب فيها من الغرب والحضارة الغربية، وان أي بديل (للهوية الغربية هو إما شكل من أشكال الهوية التي تقسّم الغرب وتقود إلى عالم كريه وخطر، أو هي هوية ليست هوية جماعية مشتركة).

وهذا الالتفات الى الهوية نجده عند هيكل عندما يقسم الحضارات الى أصناف عديدة منها الحضارات القديمة قبل اليونان والتي يرى فيها ان الوعي فيها ضعيف لفقدانها الحرية بسبب حكم الملوك الاستعبادي ثم الحضارة اليونانية والرومانية التي امتلكت الوعي والحرية ولكنها استعبدت غيرها اما العنصر المرضي عنه بحسب هيجل فهو الجرمان وهو انحياز لهوية موطنه .

وهو امر لم يبتعد عن فكر شبنكلر وتوينبي، فالكتابة لدى فلاسفة التاريخ مثلا إنما هو عملية إحياء لأممهم أو للفكر الإنساني وبالتالي فهو وان دخل تحت مسميات النهضة أو الإصلاح او الوعي، فان مرده الى مفهوم الهوية او بناء الصورة العامة المتشحة بمجموعة أسس وقواعد يتفق على أهميتها وضرورتها مجموعة من الناس وهؤلاء الفلاسفة والمفكرين يدافعون عن تلك الأسس، بتلافي الأخطاء ومحاولة استقراء أفضل الأفكار وتقديم كل ما يمكنه من تعزيز وجودهم وهوياتهم .

ولا شك ان مفهوم صراع الحضارات لهنكنكتون يمثل جرس الإنذار المهم للفكر والسياسية الغربية، والذي أشار الى دراسة استشرافية لصدام يخص حضارات لها وجود على الأرض و ضرورة الانتباه الى خصائص كل امة او خصائص كل حضارة من هذه الحضارات وان الصدام هو صدام هوياتي او صدام الهوية بشكل أدق .

وربما ترد إشكالية، ان هناك من تفزعهم عملية التجديد المستوحاة من الغرب ، ويعدونها حركة تمرد وشقاق على الأمة وهدفها الإطاحة بتراث الأمة وهويتها، لكنهم برأيهم هذا إنما يصدرون عن فهم يقرن التجديد بالاغتراب الفكري والإيديولوجي وهو فهم ينطلق من تشبع بعض النخب بالقيم والمفاهيم الغربية وانبهارها بكل شيء وافد من أوربا ودعوتها للتخلي عن الموروث وقطيعة الماضي وسلخ القيم والأفكار والتاريخ لاستبدالها بالقيم الوافدة من خارج الوطن .

إلا ان الانغلاق على الذات هي إشكالية تعم كلا الحضارتين فالتعالي والفوقية الذين ابتليت بهما الحضارة الغربية لا تسمح لها بالانفتاح على الحضارات المناوئة، وعلينا نحن أيضا ان لا ننغلق على الذات الى حد رفض كل ما لدى الغرب .

فان من المسلمين من يدعوا الى الالتحاق بالحداثة الغربية وهناك من يدعوا الى حداثة إسلامية ملائمة لخصوصية الإسلام وضرورة الانفتاح على الغرب وبينهم يشجب مفهوم الحداثة بالكامل ويصر على إقامة النظم الإسلامية بمعزل عن كل التجارب، وتميز مفهوم الحداثة للشهيد الصدر بالأصالة والشمول والهيكلية فهو ليس نهجا تحديثيا غربيا بل تضمن نقدا شاملا للحداثة الغربية في أسسها الفكرية والفلسفية وتجليات ذلك في السلوك والعقيدة، فنهجه لم يكن منغلقا بل يساجل وحاور الفكر الغربي وضمن بعض أفكارهم، ولم يكن انتقائيا تجميعيا فمنهجه يختلف لانه يتوافق و الترابط العضوي والبناء الهرمي الذي ميز كيانا حيا ناميا

ومع وجود هذا التخوف فان البعض يحاول ان ياطره بعدد من القواعد أو الأفكار الراهنية التي تفسر النزوع الغربي ومحاولته إثبات هويته بانتزاع أو جذب هويات الحضارات الأخرى .

ولقد عرضت قيادة العالم والمسيرة الحضارية الإنسانية، الاحتمالات الممكنة لنوعية العلاقة بين (الغرب والبقية) في ستة نماذج عقلية، يمكن أن تتلخّص بما يلي :

1- الشمولية الغربية، وهو الرأي الذي يقول بأن الغرب يمثل الحداثة، وأن العالم سيصير غربيًا لا محالة.

2- الاستعمار الإمبراطوري الليبرالي الذي عليه أن يصنع من العالم صورة عن الغرب ولو بالقوة.

3- العالم المبني على الطريقة الأميركية، بسلامه واقتصاده، وبمنطقه المعَوْلم .

4- الغرب (القلعة) الذي عليه أن يحمي نفسه ويتخلى عن رسالته تجاه العالم .

5- العالم الكوزموبوليتاني الذي لا بدّ أن يحلّ في حضارته الواحدة الغالبة.

6- العمل على دفع إستراتيجية التعايش إلى الأمام بتشعّباتها الأربعة: الاحترام المتبادل للحضارة، والقناعة التامة بالعيش المشترك، وتجديد المثل العليا الغربية، وجذب العالم إليها بدون قسر أو شعور بالتبعية.

في هذا النموذج الأخير، يمكن أن ينبني العالم على التفاهم والتعاون وترسيخ الاستقرار، بتبادل المصالح دون استعلاء أو تبعية .

ومن مجالات التغريب المنهج وهو اخطر مجالات التغريب سيما في مناهج الدراسات الإنسانية ومحاولة فرض مناهج العلوم المرتبطة بدراسة الإنسان والعلوم المرتبطة بالطبيعة، والتعليم وهو ما أدركته القوى التغريبية فاستثمرته ونظمت له المناهج والأموال لصياغة عقلية الأمة وروحها صياغة تتخلى فيها عن مقوماتها الشخصية الأساسية في الدين والقومية والعادات واللغة وتتعلق بمقومات حضارية طارئة .

ولابد من القول ان ثنائية التغريب والهوية تبادلا الشد والجذب في اغلب الحضارات والمجتمعات، وربما تداخلا أو دخلا بصورة النسبية لأنهما يعتمدان أحيانا على فهم جغرافي أو اجتماعي أو سياسي فالشرق باتجاهه للغرب ربما مكننا من تحديد التغريب إلا ان القضية ستختلف عند الحديث عن نسبة الجنوب والشمال .

على كل حال فالمعنى يتضح هنا في وجود كيان قوي يحاول السيطرة على آخر فيه نوع من الضعف وإذا فمسالة التغريب هي سياسية كما يلوح لي، وقد صنعتها عوامل شتى منها الاستشراق والعامل السياسي بمحاولة السيطرة على البلدان الإسلامية وغير الإسلامية اما مسالة الهوية والاستماتة بالدفاع عنها فهي إيديولوجية بشكل واضح .

 

د. رحيم الساعدي

 

محمد العباسيأنا شخصياً أعتبر الترتيب المتعارف عليه في ذِكر "الثواب" قبل "العقاب" في مجمل أدبياتنا معكوس.. حيث أن البشرية قلما تسن قوانين الثواب والمكافأة مقابل سن قوانين العقاب والمخالفات والتصيد لكل مخالف للقوانين والاشتراطات الموضوعة للتحكم في مسارات مجتمعاتنا، سواء في دولنا النامية أو تلك المتبجحة بمصطلحات الحرية والديموقراطية!

يقول "د. سعيد بن علي العضاضي" في موقع (الاقتصادية) أن "الثواب والعقاب" مبدأ مؤصل في موروثات الحضارات البشرية لدفع الناس لبذل مزيد من الجهد أو لتصحيح أشكال الانحراف في السلوك.. كما أنه يصنف كأحد أهم أنواع الحوافز أو الدوافع لتشجيع بعض الممارسات الايجابية أو للتصدي لتلك التي تعتبرها سلبية.. ويقول "ألان ويس" صاحب كتاب (الدليل غير الرسمي للمدير المتميز): "إن منهج الثواب والعقاب أصبح منهجا بدائيا وفظا ولا يليق أبدا بالمرحلة التي نمر بها".  ويضرب لنا مثلا عن الثواب فيقول: لو كان أحد أبنائك كسولا وغير جاد في تحقيق أهدافه وأهداف الأسرة وأردت استخدام الثواب متمثلاً في المكافأة المالية مثلاً كحافز لتغيير سلوكه ودفعه إلى ما تريد تحقيقه فإنه سيلبي طلبك بأقل مجهود ممكن وبأقل حماس.. وسيظل ينتظر منك أمراً آخر، ولكنه في الوقت نفسه ينتظر منك المزيد من المال، والنتيجة ستكون ابناً كسولاً بات لديه مزيداً من المال.. كما أن "العقاب"- الذي يطلق عليه "الحافز السلبي" - ليس حافزاً هو الآخر وقد يؤدي إلى نتيجة أكثر ضرراً من "الثواب" لأن "العقاب" يُشعر الفرد بالخوف، والخوف بدوره قد يحرك السلوك بشكل مؤقت أو بنتائج لحظية وقصيرة المدى والأمد.

ونريد في هذا المقال أن نلقي الضوء على مبدأ "الثواب والعقاب" من منطلق السؤال: هل هو بالفعل حافز، أم أنه مجرد محرك للسلوك؟   كما نريد معرفة تأثيره ليس فقط في مجال الأعمال مثلاً، بل في كافة مناحي الممارسات الحياتية والتربوية والمنجزات والإنتاجية والعلاقات الاجتماعية والحياة الزوجية وتربية الأبناء، وهكذا.. ويشرح "د. العضاضي" الوضع بالنظر إلى الاسلوب الروماني القديم في الحروب حيث كانوا يضعون صفوفاً من المقاتلين المدججين بالسلاح في الصفوف الأمامية ومن خلف كل مقاتل محارب آخر يحمل رمحين أمامه موجهين لظهورهم.. أما المحاربون في الصف الثاني فهناك رماح موجهة إلى ظهورهم أيضاً، وهكذا في جميع الصفوف الخلفية.. وبهذا يتحرك جيشاً بأكمله يقاتل أفراده بدافع الخوف على أنفسهم في المقام الأول، وهكذا تحرك لا يمكن اعتباره حافزاً ايجابياً لأن الجنود يتحركون من أجل إنقاذ حياتهم من الرماح الموجهة لظهورهم، وبهذا يتم دفعهم نحو سلوك معين، لولا الخوف ما فعلوه.

ومبدأ الثواب والعقاب ليس مقتصراً على العصور الغابرة بل مازال يستخدم حتى الآن في كثير من الاقتصادات والمنظمات والمدارس والجامعات لتحريك الأفراد ويُنظر إليه على أنه عامل محفز للدوافع.. فلو أخذنا العقاب مثلا فإننا نراه يستخدم بكثرة في تحريك الموظف في مقر عمله، والطالب في مدرسته، والمرأة في بيتها، والمواطن في بلده، الذي قد يختلف بين موقع وآخر هي الأدوات فقط.. ففي العصر الروماني كان يستخدم الرمح ليشعر المحارب بالخوف فيتحرك إلى الأمام ويقاتل، أما الآن فيستخدم بدلا من الرمح أمور كالخصم من الراتب للموظف، والتهديد بالطلاق للزوجة، والتشكيك في الوطنية للفرد.

وكذلك الأمر في مجال التربية مثلاً، فقد تنوعت الرماح الموجهة إلى ظهور البنين والبنات من قبل الآباء والأمهات والمربين والمعلمين ما بين ضرب مبرح، فتعنيف شديد، أو حبس، وقد يكون العقاب بالتهديد أو الحرمان من الكماليات كالترفيه مثلاً، أو الحرمان من المصروف، بل قد يتعدى الأمر إلى الحرمان من الضروريات في بعض البيئات.. وينبغي علينا معرفة أن الثواب والعقاب عبارة عن أداتين قصيرتي الأجل لتغيير السلوك فكل ما يفعلانه هو الشعور المؤقت بالطمع في حالة "الثواب" والشعور المؤقت بالخوف في حالة "العقاب" فيتحرك الفرد، وهذا التحرك لا يمكن أن يكون تحفيزاً.. فإذا استخدمنا الثواب لدفع الأبناء على نهج سلوك ما فإننا نحتاج إلى منحهم هذا الثواب في كل مرة نطلب منهم شيئاً.. وعند استخدامنا للعقاب فإننا نرغمهم بالقوة على اتباع سلوك ما فيتحركون نحو ذلك، وإذا أردناهم أن يفعلوا ذلك مرة أخرى فأننا مضطرون لتطبيق العقاب بشكل مستمر ولو بطريقة أخرى لأنهم سيفعلون ذلك دون رغبة أو رضى واقتناع، وهذا أيضا لا يعتبر تحفيزاً ناجعاً.

ففي دراستي لنيل الدكتوراة تحت عنوان "سيكولوجية تعلم اللغات" اكتشفت أن مسألتي المكسب والخسارة في عملية اكتساب وتعلم اللغات يؤديان بالضرورة لتحفيز الدوافع نحو التعلم.. وبينت نتائج الدراسة الميدانية أن الخوف من عدم كسب اللغة الإنجليزية كمثال هو الأقوى والأعم بين المتعلمين لما يجدون من أثر للتقاعس في كتساب مهارات اللغة الإنجليزية في مجتمعاتنا وكم التأثيرات السلبية في مستقبل حياتهم العملية وفرص الاستزادة من مناهل العلوم والتطور.. وفي الجانب الآخر بينت الدراسة أن من يقبلون على تعلم اللغات من منطلق حبهم ورغبتم الداخلية للتعلم وكسب لغات جديدة تكون دوافعهم ايجابية وبالتالي يكتسبون هذه اللغات بشكل أقوى وأكثر رسوخاً واقتناعاً.

قد يعتبر البعض بأن الحافز بالضرورة يجب أن ينبع من داخل النفس الإنسانية بفعل القناعة والرغبة وحب الشيء، أما "الثواب والعقاب" المفروضين فيبقى تأثيرهما خارجياً وقد لا يصل إلى أعماق النفس، ولهذا لا يمكن أن يطلق عليهما حافزاً طبيعياً.. وهذا قد لا يعني بالضرورة أن الثواب والعقاب لا يحدثان تغييراً في السلوك، بل هناك تغيير ولكن يظل هذا التغيير مؤقتا لأن تأثيرهما يظل خارجياً ولن يلامس المشاعر ويقتنع به المتلقي.. كما أنهما عرضة للانتكاس بمجرد أن يختفي المؤثر ولهذا فهما ليسا وسيلة تحفيز يمكن أن تستخدم لتغيير سلوك الأبناء بشكل عام وفي كل المواقع.. فالتحفيز يجب أن ينبع من داخل الفرد ويؤدي إلى تغيير سلوكي عميق وطويل الأمد وعندما يصل إلى هذا الحد فليس هناك حاجة إلى تكراره كما هو الحال في الثواب والعقاب، لذا ينبغي على الآباء والأمهات والمربين والمعلمين ألا يبالغوا في استخدام مبدأ "الثواب والعقاب" ويبقى للضرورة، وقد يتساءل البعض فيقول وما هو البديل؟

ويمكن هنا الاسترسال قليلاً في موضوع حاجة المجتمعات لسن القوانين العقابية بكل صورها.. فهل جل هذه القوانين تمنع تفشي السلوكيات المرفوضة كالجريمة والتعدي على حقوق الآخرين؟   وهل نجحت السجون مثلاً في التحكم أو في تقليص معدلات الجريمة في العالم؟   كل المؤشرات تدل على أن الجرائم في ازدياد وأن السجون لم تعد تعييد التأهيل أو تصلح في نفوس المجرمين واللصوص ليصبحوا بعد فترات العقاب أكثر إيجابية نحو ممارساتهم بشكل عام.. فيبدو الأمر وكأنما الأحكام القضائية بالعقاب لم تعد مجدية بالشكل المرجو منها.. بل أن معدل الإجرام والاغتصاب والسرقة وكافة أشكال العنف سواء كانت فردية أو على مستوى الدول في ازدياد مضطرد.. وكذلك الصراعات والمجازر والفظائع حول العالم.. حتى النوازع النابعة من الأديان في موضوع الثواب والعقاب في الآخرة لم تعد مجدية لثني الناس عن الممارسات المرفوضة ولا يبدو أنها تحثهم على الانخراط في ممارسات مطلوبة لبث الطمأنينة والعطاء وعمل الخير واحترام الغير.

بل يتمادى التفكير في الولوج في مسألة "الجنة والنار".. فهل نجحت الأديان في ترغيب البشرية في كسب الآخرة وكسب "الثواب" الأعظم بعد الممات، وهل نجحت الأديان عبر الترهيب من ويلات "النار" في دفعهم نحو الكف عن الممارسات المنهي عنها.. حتى قال البعض في هذا الشأن إن كان هنالك عقاب أو ثواب "إلاهي" و "أبدي" في فكرتي "النار" و"الجنة" فما حاجتنا إذن لسن القوانين العقابية الدنيوية "المؤقتة" في الأرض، و هي في أغلبها نابعة من الأديان؟   فأكثر المجازر والعنف والعنصرية البغيضة والكراهية المتفشية بين الأمم ومنذ أمد عمر البشرية نجدها نابعة ممن يحسبون أنفسهم مقتنعون بممارساتهم المشوهة من منطلق التدين والتعصب والطائفية والغلو في الممارسات والتفسيرات الدينية ومن منطلق رفض كل من لا يدين بذات الدين ويتبع ذات المذهب، وهكذا.. والمفروض أن يكون المتدينين هم أكثر الناس إيماناً بكسب الثواب الأعظم في آخرتهم عبر نشر الخير بين كافة ملل الأرض.

ويقال بأن "دلاي لاما" (القائد الديني الأعلى للبوذيين في ‏التبت) قال في رد عن سؤال يتعلق بالعقيدة الفضلى: العقيدة الأفضل هي تلك التي تجعلك أقرب إلى الله.. ‏هي تلك التي تجعلك شخصاً‎ ‎أفضل، أكثر رحمة، أكثر حساسية، أكثر ‏محبة، أكثر إنسانية، أكثر‎ ‎مسؤولية، أكثر جمالاً.. العقيدة ‏التي تفعل معك كل هذا تكون هي الأفضل‎.‎

فالكون هو صدى لأفعالنا وصدى لأفكارنا، وأن ‏قانون الفعل ورد الفعل ليس يخص فقط عالم‎ ‎الفيزياء، ‏بل هو أيضاً قانون يحكم علاقاتنا الإنسانية.. فإذا ما ‏امتثلنا للخير سنحصد‎ ‎الخير، وإذا ما امتثلنا للشر فلن ‏نحصد إلا شراً.. وسوف نجني دائماً ما نتمناه للآخرين، ‏فالسعادة ليست شيئاً يخص القدر‎ ‎والقسمة والنصيب بل ‏هي اختيار وقرار!

وتضيف في هذا الشأن الأستاذة "فاطمة ناعوت" على موقع (المصري اليوم) أن "دلاي لاما" قال: "انتبه جيداً لأفكارك لأنها سوف تتحول إلى كلمات.. ‏وانتبه إلى كلماتك لأنها سوف‎ ‎تتحول إلى أفعال.. ‏وانتبه إلى أفعالك لأنها سوف تتحول إلى عادات.. ‏وانتبه إلى عاداتك‎ ‎لأنها سوف تكوّن شخصيتك.. وانتبه ‏جيداً إلى شخصيتك لأنها سوف تصنع قدرك، وقدرك ‏سوف‎ ‎يصنع حياتك كلها...".

أما في مجتمعاتنا الإسلامية فنجد في "الثواب والعقاب" وسيلة من وسائل التربية التي يعتمدها القرآن لصيانة المجتمع من أهوال الانحراف ولمنع الإتيان بالمنهيات والمحرمات والمظالم والشذوذ عن الطريق القويم، ولتأديب الجناة والمخالفين وللترهيب من الجناية، ولحث المؤمنين على أن يتمسكوا بدينهم ودفعهم إلى الاستزادة من العمل الصالح رغبة فيما عند الله ورجاء عفوه ومغفرته في الدنيا والآخرة.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

عصمت نصاريبدو أن مفكرنا لم يستطع التخلص من مواطن الاضطراب والتناقض في خطابه؛ وذلك لأنه صرح مؤكداً - غير مرة - على أن علة عجز التراث العربي الإسلامي عن القيام بدوره كألية محافظة على النهوض والتجديد وإعادة البناء يرجع إلى بنائه وبنيته؛ فهو من وجهة نظره مجرد ركام من المعارف اللغوية البيانية أو المعتقدات الحدسية العرفانية أو العقائد البرهانية الدينية المتشابكة من حيث الشكل والمتضامنة من حيث البنية والمتون، وجميعها لا يقوى على اللحاق بالعلم المعاصر. ومن ثم؛ فالتراث لا جدوى من تقويمه وإحياءه، ويرجع ذلك لعطب بنيته وعجزها عن التواجد في ثقافة ما بعد الحداثة المعاصرة.

وأقصى ما يمكن فعله حيال هذه البنية الوافدة من الماضي هو التأويل والقراءة النقدية التفكيكية حيث العقل الحر الذي لا يحتكم إلا إلى (الواقع والوعي والشعور)؛ وذلك لأن مفهوم العلم البرهاني المعاصر أختلف تماماً عن مفهومه في كتابات الصوفية أو أقيسة الفقهاء أو أدلة المتكلمين أو مبررات الفلاسفة الذين حاولوا التلفيق بين المنقول والمعقول.

ويمضي "الجابري" في مغالطاته فيزعم أن التراث العلمي للحضارة العربية الإسلامية - كما أوضحنا سابقاً - قد نشأ منفصلاً ومعزولاً عن الفكر العقدي. ومن ثم كان هو الأجدر وحده بالإحياء والتواصل مع أليات التقدم؛ الأمر الذي يبرر إقبال مفكري أوروبا وعلمائها وفلاسفتها على ترجمته ودراسته ثم تطويعه وذلك منذ القرن الحادي عشر. ولعلَّ ابن رشد وابن الهيثم وأبو اسحاق البطروجي هم أفضل النماذج لهذا التراث الذي يجب علينا إحياؤه - دون غيره - في رأيه.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: من الذي زعم بأن التراث العلمي العربي الإسلامي كان بمعزل عن باقي أروقة الثقافة الإسلامية؟ ومن الذي ادعى أن ابن رشد جحد المنقول والشريعة انتصاراً للفلسفة والحكمة العقلية الخالصة؟ ولو سلمنا بهذا الاعتقاد الخاطئ فما هو العائق الحقيقي أمام "الجابري" حيال الفكر الموروث مادام هو يعتقد بأن العلم كان منفصلاً عن الدين، وأن الإسلام لم يعادي العلماء كما تصورت الكنيسة في العصر الوسيط؟

أضف إلى ذلك أن كتاب أبا حامد الغزالي (تهافت الفلاسفة) لم يقض على الفلسفة، ولم يعطل العلم كما ادعى الجابري - وعشرات المستشرقين من قبله - ولم تمنع الثقافة السائدة قلم ابن رشد للرد عليه في كتابه (تهافت التهافت).

والحق أن مشروع الجابري لم يستطع تبرير حملته على التراث الذي لا يخلو بطبيعة الحال من مواطن الإخفاق ومواضع الانكسار ومواقع التخلف وغير ذلك من معوقات النهضة وهي الأمور التي ناقشها وحللها وقومها وعمل على إصلاحها عشرات النهضويين المحدثين وقادة الفكر في الثقافة العربية الإسلامية بداية من حسن العطار، إلى ذكي نجيب محمود, فجميعهم لم يتطرف في نقداته بنفس القدر الذي وجدناه عند مفكرنا الذي ادعى بأنه صاحب مشروع نهضوي معاصر. ومن أقواله في ذلك: "إن هذا الاتجاه التجديدي الذي عرفته الأندلس والمغرب، والذي بقى لمدة تزيد على ثلاثة قرون, يغالب ذلك التيار الجارف، تيار التداخل التلفيقي المكرس للتقليد في عالم البيان، وللظلامية في عالم العرفان، وللشكلية في عالم البرهان. أقول أن هذا الاتجاه التجديدي قد بقى يتيماً في عصره. لقد كان بمثابة لهيب الشمعة الذي يتوهج لحظة انطفائها، أن رياح التاريخ، تاريخ العلم وتاريخ التقدم كانت قد تحولت إلى أوروبا فبقى العقل العربي محكوماً بنفس السلطات التي أفرزتها عملية البناء الثقافي العام التي شهدها عصر التدوين، والتي كرستها كـ "بنية محصلة" عملية التداخل التلفيقي التي دشنها الغزالي، واكتملت مع الرازي ومازال مفعولها قائماً إلى اليوم".

ثم ينتقل "الجابري" إلى قضية غاية في الأهمية ألا وهي ثنائية قراءة المتون واستيعابها ومعنى النص ودلالته ومقاصده التي أنتجها العقل الديني الظاهري، والمعنى الباطن العرفاني، والمقصد البرهاني للعقل الجمعي من جهة، والتأويل التفكيكي للنص الذي ينتجه الأنا الحر في ثقافة مغايرة وظروف مختلفة من جهة أخرى، ويقصد بذلك أن من شروط النهضة - المرجوّة في مشروعه - تمرد العقل الحر على تلك التفسيرات أو التأويلات السلفيّة للآيات القرآنية.

ويريد من ذلك اعتبار تفسيرات وشروح السلف قيوداً باليه يجب التحرَّر منها؛ ليظل النص المقدّس حياً بإلهام من تأويلات الأنا وقناعتها. ويقول في ذلك : " نعم، نحن نعرف أن العقل العربي قد تكوّن أساساً من خلال التعامل مع النص (في التفسير واللغة والكلام...) ونحن لا نطعن في هذا؛ لأنه على أية حال معطى تاريخي لا معنى للطعن فيه، ولكن الشيء الذي يجب أن يكون موضوعاً للفحص والنقد هو ذلك المسلك الذي سلكه الأقدمون في فهم النصوص والذي يقوم على أسموه ب "الاستنباط" بيانياً أو عرفانياً. لقد تعاملوا مع الألفاظ وكأنها منجم للمعاني وأخذوا يطلبون منها ما يريدون، أي ما يستجيب لآراء ونظريات جاهزة هى آراء المذهب سياسياً كان أو عقدياً أو فلسفياً أو عرفانيّاً. هنا تنتزع اللفظة أو العبارة من سياقها لتتضمن معنى جاهزاً، وبما أن مصداقية المذهب تتوقف على النجاح في جعل النص الديني يتضمن ما يقرره من وجهات نظر؛ فإن كل الفاعلية العقلية تتركز حينئذ في تطويع اللفظ لجعله يتضمن آراء المذهب, وذلك هو التأويل".

ويضيف "الجابري" أن تأويلات الأقدمين قد تعددت تبعاً لميول أصحابها (أشاعرة، معتزلة، مرجئة، شيعة، ظاهرية، خوارج) ويعني ذلك أن كل هذه التأويلات مجتمعة لا يمكن الحكم عليها بأنها برهانية عاقلة أو يقينية ثابته متفق عليها، ومن ثم فقيودها تخضع لقواعد الاحتمالات والممكن والظن. وعليه لا حرج على العقل التفكيكي - في عصر ما بعد الحداثة - التحرر منها كلية أو تعديلها أو نسخها. ويقول في ذلك : "هنا مع سلطة السلف يفقد العقل كل سلطة من عنده، ويفقد سلطته هو نفسه كفعالية قائمة على ربط المسببات بأسبابها ... هذا العقل لا يعرف اللزوم المنطقي، ولا يصدر عن مبدأ السبيبة؛ بل عن مبدأ التجويز ... وهكذا؛ فالفقيه أو النحوي أو المتكلم أو الناقد البلاغي أو العارف أو العرفاني أو غير هؤلاء ممّن تكون عقولهم داخل الثقافة العربية وحقولها المعرفية يخضعون في تفكيرهم، وبهذه الصورة أو تلك وبهذه الدرجة أو تلك، لسلطة اللفظ وسلطة السلف والقياس وسلطة التجويز".

وخلاصة الأمر أن مفكرنا يريد إخضاع النص المقدس المتمثل في القرآن، وصحيح السّنة للقراءة التفكيكية متجاهلاً بذلك خصوصية تلك النصوص. فإذا كان الهدف من القراءة استجلاء المعاني فهو من الأمور الميسورة ذلك بفضل المعاجم الدقيقة التي تحرت المعنى المختلف على دلالتهِ بمنهج استقرائي محاكي للواقع المعيش للنص؛ فالقرآن والحديث لم يكتبا بلغة مهجورة أو مطلسمة كما أن الإحالات الإشارية والاصطلاحات الرمزية وردت بها في أضيق الحدود. واذا انتقالنا لمقصد الآيات؛ فستكشف اجتهادات المفسرين أن غايتها مدركة ومراميها مفهومة كما أن تعدد اجتهادات المُفسرين والمؤولين لم تتباين أو تتعارض إلى درجة التناقض، وذلك بفضل النسق العام الشرعي الذي يحكمها. أضف إلى ذلك إعلاء المجتهدين لمنهج تفسير القرآن بالقرآن واتفاقهم على أنه لا يجوز إعمال الرأي أو الاجتهاد في تأويل نص قطعي الدلالة أي واضح بذاته.

ويبدو أن "الجابري" انتصاراً إلى نهج ما بعد الحداثة أراد التشكيك في علوم القرآن الضابطة لمفهوم نصوصه أو مقاصدها. أمّا الألفاظ المختلف على دلالتها في النص القرآني وصحيح السنة، فهي لا تشكل قضية على النحو الذي صوره مفكرنا، وقد فاته أن علة عظم قضية قراءة النصوص وتأويلها في الديانتين اليهودية والمسيحية ترجع إلى عدة أسباب لا نجدها في النص القرآني مثال (تحديد لغة الوحي، سلامة المتن، الغموض، الرمزية، وكثرة الإحالات الإشارية). ذلك فضلاً عن تباين الترجمات واختلاف الفرق والمذاهب حول بنية المتون.

ولعل كتابات شلاير ماخر (1768م - 1834م) ومارتن بوبر (1878م - 1965م) وكاي نيلسن (1925م - 2021م) في هذا السياق خير شاهد على أن تأويل النص المقدس يعد من أكبر القضايا في فلسفة اللغة، وفلسفة التاريخ، وفلسفة اللاهوت، وفلسفة الدين في الفلسفة الغربية المعاصرة.

وأعتقد أن "الجابري" تأثر تأثراً كبيراً بكتابات فلاسفة الدين اليهودي، والمسيحي، وخلافاتهم حول إشكالية الناسخ والمنسوخ، والوحي الإلهامي وغيبة الوثائق، وغير ذلك من الموضوعات غير مطروحة في ثقافتنا الإسلاميّة.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

حمزة بلحاج صالحإن الجوع والظمأ عند المثقف المبدع والباحث صاحب المشروع ليس بالضرورة فقرا مدقعا أو الحاجة الى لقمة عيش يومية في حدها الزهيد...

فقد باتت لقمة العيش في حدها البسيط لسد الرمق عموما ميسورة للكثير...

إن المثقف العضوي والرسالي يحتاج إلى إستقلالية في العيش والرزق تؤمن له مستقبله ومستقبل نسله وتحميهم وتمنحه هو وأهله الطمأنينة...

يكتب ويبحث ويتنقل ويؤسس مراكز البحث ويكتب للتأليف ويشرف على فرق البحث ومشاريع النهضة ويؤسس صهاريج الأفكار (ثينك تانك) ويشتغل على الجيوسياسة والاستراتيجيا والاستشراف بتحصيل المعلومة من مصدرها وفي زمنها بكلفتها الباهظة واليات تحصيلها المعقدة...

 يكون الأجيال أي ذات الإستعدادات للتشكل كنخب قرير العين هادىء النفس مطمئنا متفرغا كليا لصناعة العقول لا يشعر بنقص يتهدد راحته وتفرغه وعيشه الكريم...

إنني اتحدث هنا عن نخب قديرة ومثقفين سامقين ومفكرين كبار وقامات سامقة علميا ونادرة (النخبة - الأمة) "إن إبراهيم كان أمة" -قران كريم - لم تساعد المناخات السائدة إسلاميا وعربيا سنيا وشيعيا في ظهورهم بوفرة وانتاجهم وتشكلهم وتكاثرهم

كلما ارتبطت علاقة المثقف والنخب بالسلط الحاكمة وذوي النفوذ رزقا ووجودا ماديا ومعنويا إلا وعكر ذلك صفو عقله ونفسه وحالته الإبداعية ونال من إستقلاليته واتحضار كامل قدراته الإبداعية ... 

إن اقتراب المثقف المبدع من السلطة يبتلع ويلتهم نصف عمره وإمكاناته وأسثني حالات تقتضيها الضرورات كممارسة الحوكمة الراشدة لما يتوفر عليها هذا الأخير كما أنني أتحدث عن النخبة والمثقف القدير من جهة وجوده على رأس فرق بحث في مؤسسات يشرف عليها اشرافا علميا لا بمفرده لكن مع فرق بحث منسجمة ...

لا بد من إيجاد اليات لتأمين حال النخب المتميزة والقديرة على ندرتها وقلتها والمنفلتة من هيمنة الأنساق السائدة والفهوم الفاسدة ومن السلط والانظمة والمجتمعات أيضا هذاعلى ندرتها...

حتى يتفرغوا فقط للإبداع والتفكير في مخارج وخلاصات ومشاريع جادة للتحرر من التخلف لا تهويمات ويوطوبيات وترديدات وشعارات جوفاء وكتابات سطحية وكلام فارغ من قبيل الثرثرة أو مكرور...

هذا العمل لا يقدمه الفرد المتميز بل فريق بحث يقوده الفرد المتميز علميا من النخبة مرفوقا بالوسائل والأدوات المادية والإمكانات البشرية يحقق بها أهدافه ومرفوقا بتأمين وأمان للنفس والمال والعرض والقوت والمحيط وهامش حرية معتبر ولو خارج بلاد المسلمين...

إن المثقف العملي صاحب القضية والباحث المستقل الذي يتخبط في وحل نفسه ومع ذاته ويجد صعوبات في لقمة عيشه وأساسيات العيش الكريم وتأمين مستقبل أولاده كيف به ترى يبدع...

بل لن يبدع إلا كلاما فارغا أو مكرورا وثرثرة مستنسخة وولاءات بئيسة ومحنطة وتحصيل ريوع ومنافع مادية يلهث من وراءها على قاعدة " جوع كلبك يتبعك"...

لا يمنح المثقف الصدقات من يد عليا إلى يد سفلى ويطلبها ويلح على طلبها أو يطرق صباح مساء الأبواب لتمنح له من يد عليا في حالة من الذل والهوان بدل أن يتحسس حاله وتمنح له عن جدارة واستحقاق فينالها بعزة وكرامة وانتظام ويؤتاها ويقبض عليها كحق معلوم ومقنن يؤمن بصفة دائمة عيشه الكريم الشريف...

إن المثقف الذي يتخبط في وحل مصاريف بسيطة كاقتناء الكتب من معارض الكتاب ومن مختلف البلدان وكذلك الدوريات العلمية الجادة التي يقتنيها أو يشترك فيها فلا يستطيع...

 أو المثقف الذي لا يتمكن من توظيف ودفع مستحقات مترجمين قديرين الى جواره وكتاب لنسخ اعماله او مساعدين في انجاز وانتاج اعماله بل اعمال فريق بحث يشرف عليه إذ لم تعد الأعمال الفردية بقيمة اعمال البحث المعمقة لفرق البحث ..

أو المثقف الذي يجد من الصعوبات في طبع واستنساخ كتب يحتاج إليها فلا يستطيع وغيرها من الحاجات البسيطة ترى كيف ينتج جيدا وجديدا ومفيدا وعميقا بل سينتج مكرورا وسطحيا وهشا...

و كذلك المثقف الذي يجد صعوبة في تغطية مصاريف المشاركة في الورشات البحثية الجادة العلمية للملتقيات وورشات العمل والتربصات التي لا تتم المشاركة فيها الا بمساهمة مادية حتى في العالم عموما والعربي والاسلامي على ندرة جودتها...

و كذلك تفعل الجامعات ومراكز البحث في عالمنا العربي الاسلامي فما بالك عند الغرب رغم هشاشة ما يطرح عربيا وإسلاميا فتراه لا يستطيع...

إن المثقف الذي يجد صعوبة في تغطية مصاريف هاتفه واتصالاته وشبكة علاقاته المعرفية والعلمية والثقافية والسياسية ومصاريف تنقله إلى العالم لاكتشاف الإضافات العالمية المعرفية الحديثة واقتناء وسائل للاعلام الالي والنسخ وغيرها...

وأكرر وهذا مهم لا يملك مترجما في مؤسسة لو قدر له أن يديرها ليواكب بعض ما تنتجه وتقذفه مطابع الغرب ومؤسساته البحثية...

كيف تطلب من هذا المثقف والمفكر والباحث الذي يعاني من هذه المشكلات البسيطة أن يفكر بعمق في إشكاليات الراهن ويكون مانحا لأمته ولمؤسسات الأمة التي يلهيها الضجيج والتهريج عن مثل هذا المفكر الجيد على قلته وندرة أمثاله...

و العبرة بل التحدي هو كيف نستنسخه ونستنسخ بمعنى ننتج مثله ومن هو أفضل منه وتوليده كما تولد النخب في المجتمعات الحديثة لا يضرها أن تتأثر جماهيرها بالسياق العام...

المثقف والمفكر الرسالي الذي يعجز عن اقتناء الة طابعة وجهاز إعلام الي أو " لاب توب " بسعة تخزين محترمة و" طابليت " فائقة النوعية والة تصوير وجهاز سكانير لاستنساخ البحوث والكتب واقتناء الورق ووسائل التخزين والاقراص وغيرها...

بل الكارثة ومن اجل تصوير دقيق لهزالة المشهد أنه لو كسر زجاج نظاراته لاحتار كيف يقتني غيرها وهو من يقتني إطارنظاراته الهشة من السوق الشعبية بجودة معدومة لبؤس حاله وغيرها من الجزئيات البسيطة للأسف والتي ترتهنه وتستلبه وتحنطه وتقتله قتلا بطيئا وغيرها من المشاهد المحزنة والمخزية...

في وقت تستنبت وتشيد في دول الغرب التي تحترم عباقرتها ونوابغها قرى ومدن للمعرفة تتوفر على كل شروط وظروف الراحة والإبداع لأنهم فهموا مكانة المثقف والباحث والنخبة ومعنى وأهمية قول أحد أئمة المذاهب " لو كلفت بصلة ما تعلمت مسألة"...

 فشيدوا في كل بلدانهم وأوطانهم ما يشبه " سيليكون فالاي " فمنها ما نراها ومنها ما لا نراها ولا نسمع عنها...

كيف نطالب مثل هذا المثقف أن يكون معطاء ووضعه الصحي يتاكل يوما بعد يوم ومشكلاته الإجتماعية والمادية تتفاقم وتغزوه وتكبله وتلهيه وتشوش على تفكيره وعقله ونفسه...

عندما نتكلم عن نوع من المثقفين نعني" نفر/ قدوة " ونعني خبراء مقتدرين ونعني باحثين متميزين ونعني فلتات يكتشفون بالمجهرلا من تعودوا التطفل على المال العام ولعق

الاصابع وقضاء حوائجهم الدنيوية ولو حملوا الشهادات العليا...

ولا نعني أن يتم التكفل تكفلا رفيع الكلفة بكل جامعي فليس كل إمعة وحامل شهادة عليا إستثمار مفيد للمستقبل او في كل باحث بالاسم والعنوان والشهادة والرتبة...

و من الذين يسمون جامعيين من يسترزق وينتهز الفرص وتنفق عليه الدولة أو يدعمه اهل الخير في عالمنا الاسلامي بل السلط الحاكمة وتنفق عليه في تربصات في الخارج يعود منها فارغ اليدين بعد سياحة ممتعة...

إنما نعني مساحات وحصون الابداع متمثلة في عناصر قليلة العدد ومتميزة المنح مغيبة ومهملة نقتلها وهي حية كان يمكن أن تؤسس لميلاد النخب الكبيرة القامة حتى تحيا المجتمعات والشعوب والمؤسسات في بلاد المسلمين وأمة الاسلام في أمان وتنبعث من سباتها وتؤسس لمشروع نهضتها...

كفاكم بعثرة المال وإنفاقه في المكرور والمهترىء والسطحي والهش أو في مجالات لم تعد هي الثغور الاساسية ولا هي في أعلى هرم الأولويات...

و كفى النخب ذبح بعضها البعض وتخوين بعضها البعض واحتقار منجز المقتدرين منها بعضهم البعض خوفا من ظل بعضهم بعضا واحتباسا داخل منظومة من العلل النفسية والاخلاقية للأسف...

 حتى بات الفضاء العام والفضاء العربي الإسلامي حكرا بين أيدي البعض كأنهم مراكز الكون يحجبون الكفاءات القديرة بسبب غيرتهم وحسدهم وخوفا من ظلهم وهم يتواجدون في كل الفضاء العام العربي والاسلامي وحتى الغربي أحيانا...

يعترضون سبيل كل جيد حفاظا على سمعتهم ومكانتهم الهشة واعمالهم التي تبدو مبهرة عند كل ذي فقر وضحالة معرفية وعلمية...

حرروا واعتقوا الفضاء الرسمي في المجال الإسلامي والعربي خاصة من جامعات ومؤسسات بحثية من بعض الجماعاتيين والايديولوجيين والأصنام او الفضاء الحر من قيل وقالهم وحملاتهم وهجماتهم المرضية الهادرة للامكانات والمشوهة لذوي القدرة لا لشيء فقط خوفا من ظلهم وصراحتهم ونقدهم العميق وكفاءتهم النوعية...

إن أصلحتم حالكم هذا شققتم طريق النهضة وتحررتم من حالة التخلف...

و الله ولي التوفيق.

 

حمزة بلحاج صالح

 

صبحي عبدالنبيقال تعالى «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ»

  الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين وعشق الهايمين، مرت الكعبة في تطوير بنائها بعدة مراحل وليس الأصل، لأن أصل الكعبة فيها جزء من السماء وجزء من الأرض وأول من بنوا الكعبة هم الملائكة عليهم السلام ثم جاء جبريل عليه السلام بالحجر الأسود فلذا إلي يومنا لم يغير مكان الكعبة. والآن نستطرد أهم مراحل بناء الكعبة من حيث التعديل لا من حيث الأصل..

المرحلة الأولى: بناء سيدنا إبراهيم عليه السلام كما في قوله وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت واسماعيل) وكان سيدنا إبراهيم هو الإمام في بناء الكعبة وسيدنا إسماعيل هو المأموم لأن بناء الكعبة عبادة فبالتالي يحتاج لقائد ولذا لم يقل الله تعالى (وإذ يرفع إبراهيم واسماعيل البيت) إنما عطف سيدنا اسماعيل بعد المفعول..

المرحلة الثانية: بناء العمالقة وهم قوم سكنوا شبه الجزيرة العربية منذ زمن قديم من ذرية عمليق بن لاوذ.

المرحلة الثالثة: بناء قبيلة جرهم وهي قبيلة سكنت في مشارف مكة قادمة من اليمن وفيهم قال زهير بن أبي سلمى

فاقسمت بالبيت الذي طاف حوله،، رجال بنوه من قريش وجرهم.

المرحلة الرابعة: بناء قريش وقد جعلوا الباب عاليا كما أخرجوا جزء خارج البيت فسألت السيدة عائشة رسول الله صلى الله عليهم وسلم (عند الجدر اهو من البيت فقال صلى الله عليه وسلم (نعم) فسألته لماذا أخرجوه فقال إن قومك قصرت فيهم النفقة، وأما شأن ارتفاع الباب فقد قال صلى الله عليه وسلم إنهم رفعوه ليدخلوه من شاء ويمنعوه من شاء. ولو أن قومك ياعائشة حديث عهد بالاسلام لأدخلت الجدر في البيت ولألصقت الباب بالأرض.

المرحلة الخامسة: بناء عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وقد جعل بناء الكعبة بماكان يريده صلى الله عليه وسلم حيث ادخل الجدر وألصق الباب لأنه سمع من خالته السيدة عائشة ماكان يريده المصطفى صلى الله عليه وسلم من بناء.

وبعد استشهاد عبد الله بن الزبير، أعاد أحد خلفاء بني أمية بناء الكعبة إلى بناها قريش حيث رفع الباب مرة أخرى وأخرج الجدر..

   ثم ورد عبدالملك بن مروان حديث عائشه رضي الله عنها فندم وقرر ان يعيدها لما كانت عليه بناء عبد الله الزبير رضي الله عنه فاستشار الإمام مالك رضي الله عنه ونصحه بأن يتركها كما هي خشيه ذهاب هيبة البيت ....

 

الدكتور صبحي عبد النبي عبد الصادق. (كاتب سوداني)

مدرس لغة عربية بالمرحلة الثانوية بالإمارات العربية المتحدة.

 

 

عبد الجبار العبيديوأحزاب السلطة الباطلة

 الفقه: لغةً يقصد به الفهم، واصطلاحاً، هو العلم بالأحكام الشرعيةعن أدلتها التفصيلية.

والفقه الاسلامي الموروث جاء ليعكس المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مرحلة تاريخية معينة وكيفية معالجتها.. حتى ان التفاسير الفقهية عكست لنا الارضية المعرفية للمرحلة التاريخية التي كتب فيها التفسير القرآني، وأعطي له صفة الالزام الديني، وما دروا ان التفسير القرآني لا يحمل صفة القدسية، لأن القدسية هي للنص القرآني فقط. ولا غير..

ان النظرية القرآنية تؤكد ان لا يوجد أنفصام بين اللغة والفكرالانساني، ولا توجد آيات قرآنية غير قابلة للفهم كما يدعي بعض الفقهاء في الغيبيات، لأن كلها آيات بينات مادية مدركة وغير مدركة حتى الحروف التي جاءت في اول السور كانت آيات تعبر عن واقع لم يدركه الفقهاء لجهلهم بلغة القرآن العميقة .. لذا نرى ان الفهم للنص القرآني هو تاريخي نسبي مرحلي وليس فهم دائم .. لثبوت النص وتغير المحتوى. لأن الله رفع من مكانة العقل في التدبر كما في قوله تعالى: (لعلكم تعقلون) لذا فأننا ننطلق من ان:

لا يوجد تناقض بين الوحي والعقل. ولا يوجد تناقض بين الوحي والحقيقة.. نظرية لم تبحث الى اليوم.. لقلة مدركيها .

اي صدقية الخبرومعقولية التشريع يجب ان تكون متطابقة، فهل سيفهم الفقهاء ورجال الدين هذه الحقيقة؟ بعد أن مضى على التفسير عقودا طويلة اصبح بحاجة ماسة لاعادة نظر في غالبيتة المعتمدة الآن والتي ساهمت في توقف التقدم الحضاري عند العرب والمسلمين .

لا شك ان العقل يحتل مكانة التكريم في النصوص القرآنية وآحاديث السُنة النبوية المعتمدة حسب.. فالقرآن هو قراءة معاصرة للذكر وليس تفسيرا أوكتاباً في الفقه .. لذا ليس من حق الفقهاء ان يفسروا القرآن على هواهم، ولكن من حق علماء التخصص ان يوؤلوا القرآن طبقاً للتخصصِهم لقوله تعالى: (وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم، آل عمران 7). والايمان والألحاد كما يطرحها القرآن هي معاناة فكرية او قناعة وراثية اعتماداً على قوله تعالى: (وقل الحق من رَبكُم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر أنا أعتدنا للظالمين نارا، الكف29). ولم يقل تعالى للكافرين نارا، لان الظلم يرتكب من المسلم وغير المسلم، لذا فأن الفكر القرآني يحمل الطابع الانساني العالمي الشمولي وليس الفكر الديني المتزمت البحت.. وبذلك فأن القرآن يرفض الأكراه في الدين ويرفض الحزبية والطائفية والعنصرية ويرفض فكرة المذهبية، فالمذاهب وأجتهاداتها المختلفة هي اجتهادات شخصية وليست واجبات دينية فرضية مُلزمة، لان الاعتماد على النص الفقهي يجعل النص القرآني في مؤخرة التأويل، وهذا منافٍ لما جاء في شمولية القرآن.

ولا يمكن تحديد ازمة الفقه الاسلامي الا على ضوءالفهم الجديد للرسالة والسُنة، لوضع أسس جديدة لهذا الفقه لتجعل منه فقهاً متطوراً مرناً منسجماً مع فطرة الناس وصالحاً لكل زمانٍ ومكان، وهنا لابد من دراسة نظرية الحدود لتهدينا لكل ماهو جديد ونافع في القرآن الكريم، لذا لا توجد آيات غير قابلة للفهم كما أسلفنا.. وكما يدعي بعض المفسرين.

ان الرسالة المحمدية جاءت لكل الناس وليس لبعضهم لقوله تعالى: (وما أرسلناك الا رحمة للعالمين، الانبياء،

107). ويقول تعالى: (قل يا أيها الناس اني رسول الله أليكم جميعاً، الأعراف 158).

ان أغفال هذه الخاصية عند الفقهاء، جعل من التشريع الاسلامي تشريعاً متزمتاً متحجراً وحجب عنا السُنة النبوية، فليس كل ما عمله الرسول او تصرف فيه يعتبر سنُة محددة وانما تقتصر على الاحاديث القلة التي أتى بها عند الضرورة، أنطلاقاً من قوله (صً) عند دخوله مكة فاتحاً: (أيها الناس أتقوا الله ولا تنقلوا عني غير القرآن مخافة ان يختلط كلامي معه). أذن مفهوم السُنة الذي قدمه الفقهاء لنا مفهوم بحاجة الى مراجعة وتدقيق.

ان مفهوم السُنة مرتبط بهذه الشمولية التي تدعونا الى وضع مفهوم معاصر متجدد دائماً للشرع الاسلامي والسُنة النبوية، وبالتالي يجب وضع أسس جديدة للتشريع الاسلامي قائمة على نظرية الحدود كما جاءت في القرآن، وهي الحدود في التشريع، كحالة الحد الأدنى كما في آية المحارم، لقوله: (ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء الاماقد سلف أنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا النساء 22، 23). وحالة الحد الاعلى كما في نظرية العقوبات والقتل، لقوله: (من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض ف: كأنما قتل الناس جميعاً المائدة 32).

وحالة الحد الادنى والاعلى معاً لقوله: (من يعصِ الله ويتعدَ حدوده يدخله نارا خالداً فيها وله عذاب مهين، النساء 14). فهل سننتبه الى الفرصة الضائعة في الاسلام والتي أدت الى كل هذا الضعف العام في الشريعة الاسلامية التي غدت غير قابلة للتطبيق العملي، وحلول أزمة الفقه الاسلامي اليوم والتي سببها لنا فقه التزمت وأضاع علينا الاسلام ونهضته معاً. حينما حولوه من اسلام العقيدة الى اسلام العادات والتقاليد البالية.

يقول الحق: (فأقم وَجهَك للدين حنيفاً فطرتَ الله التي فطر الناسَ عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون، الروم 30)في هذا النص القرآني يتبين لنا ان الاسلام دين الفطرة وهو دين الحنيفية دين أبراهيم المتغيرة حسب الزمان والمكان وحسب الاحوال الاجتماعية والاقتصادية، وهو متطابق تماماً مع فطرة الناس والتي تحمل تشابهاً كبيراً مع قوانين الطبيعة. لقوله (لا تبديل لخلق الله). وان هذا الدين لهو الدين (القيم) اي صاحب السيطرة والقوة والديمومة، وأكد ان غالبية الناس لا تعرف هذه الحقيقة بأنه دين منسجم مع طبائعها ومع قوانين الطبيعة، لذا يجب معرفتها من قبل علماء التأويل، وهنا تكمن حقيقة ازمة الفقه الاسلامي الذي يجهله الفقهاء وبقي عائما دون حل. ان المرحلة الحالية تحتم علينا أمرين لا ثالث لهما، اما دين وشريعة فيهما الحل الامثل لحركة التغيير، واما علمانية متبعة كما عند الاخرين. أما أن نبقى بينَ بين فتلك مصيبتنا التي سوف لن نخرج منها الا بموتنا تدريجيا كما ماتت أمُم من قبلنا كثير.

ان هذه الحقيقة أول من أكتشفها وسلم بها في التاريخ هو النبي أبراهيم (ع). وبهذا كانت ميزته على الانبياء والمرسلين. أي أنه أكتشف الطبيعة الحنيفية (المتغيرة) وسلم بها بأعتباران كل شيء متغير ما عدا الله فهو حنيف.. وأن تثبيت أي ظاهرة أنسانية في الوجود خارج هذه النظرية فهو شرك بالله. لذا تم ربط الحنيفية بالتوحيد بأتباعه مصطلح حنيفاً بقوله (وما كان من المشركين)، الانعام 161). فالتوحيد حدي في الاسلام. ويبدو ان ابراهيم قد أكتشف هذه الحنيفية (المتغيرة) قبل ان يأتيه الوحي، لقوله تعالى: (ولقد آتينا أبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين الانبياء51) .

القرآن يؤكد على صدقية الديانتين اليهودية والمسيحية لكنه يؤكد ايضا أنهما ليس من الديانات الحنيفية كونهما يتصفان بصفة محدودية التطور، وأن الحنيفية انتقلت من ابراهيم الى محمد كدين عالمي شمولي، لقوله تعالى: (ما كان أبراهيم يهودياً ولا نصرانيا ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، آل عمران 67). وهذا يؤكد ان الديانة اليهودية والمسيحية كانت ديانات عينية وليست شمولية لقوله: (النفس بالنفس والعين بالعين، المائدة 45).

من هذا المنطلق يتنين لنا حقائق اساسية في الاسلام هي:

1-عالمية الرسالة الاسلامية وعلى مر الأزمان لقوله: (قل ياأيها الناس اني رسول الله اليكم جميعاً الذي له ملك السموات والارض لا أله الا هو، الاعراف 158).. وهي رحمة لعالمين لقوله: (وما أرسلناك الا رحمة للعالمين).

2- بالاسلام وصل الانسان الى درجة النضوج في المعرفة والتشريع وان الانسانية بمحمد كانت ايذانا بانها قد بلغت سن الرشد اي مرحلة تحمل الاعباء. فلا دين بعد الاسلام ولا نبي بعد محمد (ص) لقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) . ويقول سبحانه وتعالى: (ومن يتبع غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين، آل عمران 85).. لكن هذا يؤكد ان الديانتين اليهودية والمسيحية من الديانات السماوية التي علمتنا الكثير لقوله تعالى مخاطبا رسوله الكريم: "ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والأنجيل آل عمران 48".

وأنطلاقاً من هذا التوجه نقول: هل الاسلام جاء ليحيا الناس به، أم ليحيوا من أجله؟ فأذا جاء الاسلام ليحيا الناس من أجله فهذا يعني أنه لا يتناسب مع فطرتهم وفرض عليهم فرضاً وسيأتي يوم ليتركونه ويهربون منه. وأذا جاء الاسلام ليحيوا به فهو متناسب معهم في كل زمان ومكان.. فالاسلام اخلاق ودين وعدل وصراط مستقيم.. وليس كما يفهمه الفقهاء اجبار وتسليط.

من هنا يجب ان ننطلق في فهم أزمة الفقه الاسلامي الموروث والمفسر خطئاً والذي أصبح يشكل عبئاً علينا حيث أصبح غير متناسب مع معلوماتنا وظروفنا في القرن العشرين. فالأزمة تنطلق من خطأ في المنهج، لا ضعف في اللغة العربية، أو قلة في التقوى.

ان المفسرين والذين لا زالت تفاسيرهم هي المعتمدة الى الان كما هي .. هم الذين ظنوا ان القرآن على غرار التوراة فكلاهما فيه كونيات وقصص ففسروا القرآن بالتوراة غير آخذين بنظر الاعتبار خاصية التشابه. وقد ثُبت هذا التفسير الى يومنا هذا وهنا تكمن الازمة والخطأ المستمر دون أصلاح الخلل في كل المذاهب الدينية المخترعة منهم.. لذا يجب على المسلمين ان يناقشوا بالمنطق العلمي مبادىء التشريع الاسلامي المدونة وهي الكتاب والسُنة والقياس والاجماع والتعريف بمفهوم الجريمة حسب الزمان والمكان. والا سنبقى مكانك راوح الى ان يرث الله الارض ومن عليها.

ففي آيات أم الكتاب توجد الحدود، والعبادات جزء منها وكذلك الوصايا والتعليمات والآيات المرحلية، فعلينا التفريق بينها حتى لا تختلط آيات الحدود مع الآيات الاخريات، لأن آيات الحدود هي التشريع وليست عين التشريع ، لذا فالقول لا مجال للاجتهاد فيما ورد فيه نص بالنسبة للحدود قول لا يصح وهوعين الخطأ. أما الاشياء التي لم ترد في حدود الله علينا وضع حدود لها بأنفسنا وهذه الحدود بحد ذاتها متغيرة كتغير ضرائب الدخل .

أما السُنة لها نوعان هما:

 سنُة الحدود والوصايا هي طاعة متصلة. أما الباقي فهو ضمن الطاعة المنفصلة اي طاعة الرسول في حياته. وسنُنة هي منهج في الحركة بين الحدود أو الوقوف عليها أو وضع حدود مرحلية في أمور لم ترد في الكتاب، وهو بهذا كان مفهوم الاسوة الحسنة ويجب علينا ان نقلده في الاجتهاد لأنه فتح لنا الباب نفسه وبشروط الألزام .

أما القياس:

فعلينا مراجعته بكل تأكيد، لأن قياس الشاهد على الغائب هو قياس باطل ومجحف. فلا يصحُ ان نقيس أي مجتمع معاصر على المجتمع الذي عاش فيه النبي والا سوف نقع في الوهم. أما القياس الحقيقي فهو قياس الشاهد على الشاهد ضمن الحدود. فأما الشاهد الأول فهو البينات المادية والشاهد الثاني هو الناس الاحياء الذين سيقاس من أجلهم في الزمن المعين.

ويبقى الأجماع :

في المفهوم المطروح للكتاب والسُنة والقياس يعطينا مفهوم الاجماع الحقيقي. وهو أجماع أكثرية الناس على قبول التشريع المقترح بشأنهم. وهم سيلتزمون بهذا الاجماع بتطبيق هذا التشريع، لذا فأن المجالس التشريعية المنتخبة والمنابر التشريعية الحرة وحرية التعبيرعن الراي هي جزء لا يتجزا من النظام السياسي في الاسلام وذلك حتى يتحقق مفهوم الاجماع وهذا هو المفهوم الحقيقي للديمقراطية التشريعية وحرية الرأي ..

أي ضمن الحدود.. لذا لايجوزالتزوير فيها بنص محكم لا يقبل التآويل .. وهذا هو الذي خالفوه أجماعاً.

أما المفهوم الموروث بأن الاجماع هو ما أجمع عليه السلف أو جمهور الفقهاء - ولاندري من هم - هو مفهوم وهمي وغير عقلي ومرفوض .. فقد أجمع هؤلاء الفقهاء على أمور تخص الناس في حياتهم وضمن مشاكلهم الخاصة بها في أزمانٍ بعيدة عن أزماننا وليس لها علاقة الا بهم. لذا نرى ان المذاهب الفقهية الموروثة اذا كان فيها ما يناسبنا أخذناها ، واذا وجدناها لاتناسبنا تركناها دون حرج من أثم، ويمكن الاعتماد على الفقهاء في الامور المتعلقة في فقه العبادات ولا غير.. مع ترك العنت والتزمت..

يجب على المشرع الاسلامي تعريف الجرائم التي تتطلب تطبيق حدود الله"الحد الأعلى" ووضع توصيف واضح لها. وهذا التعريف والتوصيف يتغير من مكان الى أخر ومن زمن الى أخر . هذه الحالة يجب ألغاؤها والأكتفاء بالعقوبات الادنى، ويمكن في بعض الحالات الأستثنائية التأكيد عليها وتوسيع مجالها. وبهذا نكون قد اتبعنا سُنة الرسول (ص) في الحدود ويجب أخذ أجماع الاكثرية على هذا التعريف. وفي هذه الحالة يمكن ان تقع الف حالة سرقة ومخالفة دينية، والبقية تشملهم عقوبات الحد الأدنى وقد تصل في بعض الحالأت الضرورية الى الأعفاء، لأن الفقر والعوز قد يكونا العامل الاساس في السرقة، وهنا يقع الوزر على الحاكم الذي ينام ولم يقر بالكفاية للناس من العوز المادي، وكذلك في القتل وظروفه المتعددة وهذا ما نراه اليوم .. في ظل حكومات العسف والاجرام .

أمور كثيرة نحن بحاجة الى مراجعتها كما راجعت أوربا تفسيرات رجال الدين المتزمتين، عندها فوجدت العلة في تشريعاتهم وأجتهاداتهم الخاطئة وليس في أنجيلهم، وعندما أنتفضت عليهم تحولت أوربا الى ما نحن نرى اليوم. فهم لم يلغوا دينهم، بل تم ألغاء تعاليم رجال الكنيسة وصكوك غفرانهم الباطلة. فهل من معين لنا لننتفض على تشريعاتنا القديمة اليوم ونلغي ما تفرضه المرجعيات الدينية المتزمتةمن فتاوى هي اصلاً ليسوا مخولين بها.. ، ونستند الى قرآننا في التشريع وعلماؤنا في التأويل، لنخرج من عنق الزجاجة التي خنقتنا كل المرجعيات الدينية المتربعة على عرش المال في هذا الزمن الأغبر الطويل، وجعلتنا أسرى لهم، وننطلق نحو الحرية والتقدم الحضاري، بعد ان نجعل فقههم خارج التاريخ.. بعد ان دمروا حقوق المرأة ومصداقية النص الديني وحولوه الى تخريف.

 ان التأسيس القرآني للمجتمع يعني دراسة الظواهر في أنقى أشكالها. وفي أكثر أوضاعها تحرراً من أي تشويش خارجي، فالتأسيس القرآني لا يعني العودة للماضي القديم (لأن العودة عبر الزمن مستحيلة). لذا علينا أن نَعرف القانون الذي يحكم الظاهرة أو الشكل العام الذي يفرض نفسهُ على كلِ ميلاد مجتمع. وسيظل للتطبيق الرسولي مكانة المثل والأسوة، وسيظل هدى الأنبياء والرسل قدوة.. فهل يتعظ من يحكمون .. اليوم.. في دول الاسلام.. ؟..

 

د. عبد الجبار العبيدي

...............................

انظر الكتاب والقرآن للأستاذ الدكتور المرحوم محمد شحرور.

 

 

حاتم حميد محسنقيل لا يمكن للاقتصاديين الاتفاق على مسألة واحدة. ذلك بسبب عدة عوامل يتعلق بعضها بطبيعة الاقتصاد كعلم مختلف عن العلوم الطبيعية. الاقتصادي لا يستطيع اختبار فرضياته عبر التجارب المختبرية التي يمكن التحكم بعناصرها في المختبر، بل هو يعمل في مختبر كبير هو المجتمع. فالعالم الذي يعمل به الاقتصادي شديد التعقيد لأن هناك عدة اشياء تتغير في وقت واحد . عالِم الفيزياء حينما يدرس أثر العامل (س) على (ص) يستطيع إبقاء العوامل الاخرى ثابتة اما الاقتصادي لا يستطيع ذلك.

انقسم الاقتصاديون الى فئتين متصارعتين مختلفتين جذرياً حول الطريقة التي تتم بها إعادة الاقتصاد العالمي الى مسار النمو الثابت بعد الازمة المالية الاخيرة.

نحن اما نتفق مع (بول كروجمان) Paul Krugman، استاذ الاقتصاد في جامعة برنستون الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2008 لعمله المتميز في نظرية التجارة، ومعه عدد من الاقتصاديين المناصرين بقوة للنظرية الكنزية، او اننا نقف بالضد منهم. فلا يوجد هناك خيار وسط.

ان غالبية الناس يساوون بين التفكير الكنزي وسيطرة الحكومة على الاقتصاد. اما الاقتصاديون الذين يستلهمون افكارهم من اليد اللامنظورة لآدم سمث فهم بمثابة المناصرين لفكرة المشروع الخاص والأسواق الحرة.

الفرق الحقيقي هو ان الكنزية التي تعود في جذورها للكساد الكبير في الثلاثينات من القرن الماضي انما هي مرتبطة بالاقتصاد الحالي: عندما يرى الكنزيون الحرائق فهم يسعون اولاً الى إطفائها ثم يطرحون الأسئلة لاحقا.

اما اللاكنزيون يعتقدون ان الحاضر مرتبط بشكل وثيق بالمستقبل، ومالم تتغير التوقعات بشكل دائم حول المستقبل فان محاولات التحسين والتأثير بالحاضر لن تجدي نفعاً. إخماد النيران في أحد زوايا بناية محترقة لن يحول دون امتدادها الى الزوايا الاخرى.

ان العلوم الفيزيائية تستطيع البقاء مع وجود خلافات حادة في الرأي، حيث استمر النقاش القوي قرابة أربعة قرون حول ما اذا كان الضوء جُسيم ام موجة. ولكن بعد اختراع مصباح الضوء لتوماس اديسون  لم نعد بحاجة للانتظار لحين انتهاء ذلك النقاش.

بالمقابل، الاقتصاد هو علم اجتماعي يخصص الموارد بين افراد المجتمع وكذلك بين المواطنين الحاليين وأجيال المستقبل. ومع عدم وجود نظرية تبرر حرمان شخص ما والدفع للآخر، لم يعد هناك اساس للسياسيين المنتخبين كي يشرعوا السياسات.

الرئيس باراك اوباما مثلا كان في سعيه اليائس لتحفيز الاقتصاد، يواجه أحد خيارين. هو بامكانه انفاق مليون دولار امريكي في بناء الطرق عن طريق فرض الضرائب على المواطنين، او اعطاء المواطنين مليون دولار عبر خصم مؤقت للضريبة. على الرئيس اوباما اختيار الطريق الذي يحقق اكبر انتعاش للاقتصاد. ولكن هل ان خفض الضرائب له تأثير مضاعف multiplier effect (1) اكبر من تأثير الانفاق الحكومي؟

من المؤسف ان لا يتفق الاقتصاديون على ذلك. في الحقيقة، ان الاقتصاديين البارزين مثل جون تايلور الذي عمل مع ادارة الرئيس بوش رفض عام 2009 ما اقترحه فريق اوباما الاقتصادي بان زيادة الانفاق الحكومي بنسبة 1% تؤدي الى زيادة الانتاج المحلي الامريكي بمقدار 1.6%. التأثير حسب رأيه أقل بكثير من ذلك.

مستر كروجمان يكتب في الـ نيويورك تايمز ويهاجم من موقعه الالكتروني كل منْ لا يتفق مع ارشادات كنز في مواجهة الكوارث الاقتصادية. وكلما تعمقت الازمة الاقتصادية كلما تزايد الأعداء له.

من بين خصوم كروجمان بول فولكر Paul Volcker الرئيس السابق للاحتياطي الامريكي الفدرالي الذي كتب مؤخرا بان الاحتياط الفيدرالي كان يزرع بذور التضخم المستقبلي. أجاب كروجمان: مخاطبا فولكر، من المؤسف ان اقول اننا نصارع السبعينات بينما نحن في الواقع نصارع الثلاثينات.

في السبعينات، واجهت الولايات المتحدة ركوداً تضخمياً مصحوبا بارتفاع الاسعار. حيث قام فولكر برفع سعر الفائدة الى 20% للحد من التضخم.

وعلى الجانب الاخرهناك - اللاكنزيون- الذين لا يعتبِرون هجوم كروجمن كذبا. يقول جون كوشرن John Cochrane الاقتصادي في جامعة شيكاغو" ان (بول) لا يقوم بعمله كما ينبغي. هو يُفترض ان يقرأ، يوضح وينتقد ما يكتبه الاقتصاديون من كتابات مهنية واقعية، لا الاكتفاء بالمقابلات او الردود في الويب".

ان الولايات المتحدة تندفع نحو ركود اقتصادي آخر، اوربا تصارع وسط انهيار الديون السيادية، الصين تتباطأ وبقية العالم تتوقع من الاقتصاديين إنارة الطريق. انظر الى النقاش التالي الذي جرى بين كروجمن وكينيث روجوف الرئيس الاقتصادي السابق في صندوق النقد الدولي حسبما ورد في برنامج فريد زكريا في الـ CNN: يقول كروجمن:" لو اكتشفنا ان سكاناً غرباء في الكواكب يخططون لمهاجمتنا ونحن نحتاج لبناء مشاريع ضخمة كي نستطيع التصدي لهم، ومع اعتبار ان التضخم وعجز الموازنة يأتيان في المرتبة الثانية لذلك التهديد، فان هذا الركود سينتهي في غضون 18 شهر".

أجابهُ روجوف:" وسنحتاج ايضا الى مسرحي بارز مثل اورسن ويليز Orson Welles ليذكر ما تقوله". ردّ كروجمن: كلاّ هناك أحداث مشابهة لما ذكرت عرضتها مسلسلات تلفزيونية امريكية مثل Twilight Zone (2).

الآن، اذا كانت هذه الحروب الدرامية حول تهديد سكان الكواكب كما قصّها وأخرجها ويليز أخافت الامريكيين بواقعيتها، نجد يقابلها وبنفس القدر من الدهشة حرباً اخرى بين الاقتصاديين. انها تصبح اكثر سخافة يوم بعد يوم. الجدال يسير حبيساً وفق نتائج لايمكن الحياد عنها وهي ان الناس ذوي الافكار التطبيقية لا احد يستمع لهم، الامر الذي يشكل خطورة كبيرة على السياسة.

ان الاقتصاد العالمي يعاني من مرض عضال، والاطباء يجادلون ما اذا كان جون ماينرد كنز صائبا في الافتراض بان الاستهلاك هو وظيفة للدخل الحالي ام ملتون فريدمن في فرضيته بان الاستهلاك يعتمد على احساس المستهلك بالدخل الدائم(3) .

المجتمع بشكله الأعم يشعر بالاحباط، ربما من المناسب إلغاء جائزة نوبل في الاقتصاد. قد لا يحصل ذلك، ولكنه يجب ان يحصل، فالاقتصاديون لم يتركوا لنا خياراً آخر.

 

حاتم حميد محسن

........................

الهوامش

(1 ) يُعتبر المتعدد او المضاعف  من الافكار الهامة في الاقتصاد الكلي ويُستخدم لقياس حجم التغير في الدخل القومي استجابة للتغيرات في الانفاق المتراكم. ونسبة المتعدد تكون دائما اكبر من واحد. فاذا ارادت الدولة تحفيز الاقتصاد بانفاق مائة مليون دولار في بناء مصانع جديدة فان هذا الانفاق سيخلق طلبا بما يعادل مائة مليون دولار على السلع المنتجة وكذلك مبلغ مشابه كاجور اضافية للعمال وارباح للشركات. لن يتوقف الامر عند هذا الحد، فالعمال الذين يحصلون على دخل جديد من بناء المصانع سوف ينفقون جزء منه على شراء السلع الاستهلاكية  ذلك يؤدي بدوره الى زيادة الانتاج وزيادة الطلب على العمال لمواجهة الطلب المتزايد. وهكذا مع كل زيادة في الانفاق الحكومي تزداد المخرجات وتزداد العمالة. فاذا كانت الزيادة الاولى للمائة مليون دولار خلقت زيادة في الدخل القومي بمقدار ثلاثمائة مليون دولار هنا ستكون قيمة المتعدد 3.

(2) انظر The Straits Times عدد 6 اكتوبر 2011 .

(3) يرى كنز ان الانفاق الحالي يعتمد فقط على الدخل الحالي، فالفرد عندما يحصل على اجور عالية من عمله فهو سيزيد من الاستهلاك، وفي اوقات الركود سيقلل من انفاقه بسبب انخفاض دخله. اما بالنسبة لملتن فريدمن  حلّل سلوك المستهلك الحذر على مدى حياته، فهو اعتبر الفرد حذراً ينظر الى الامام ويفكر بالايام الصعبة فيضع الخطط على مدى سنوات حياته. هذا الفرد يجعل نفقاته مرتبطة مباشرة بمتوسط الدخل الدائم وان التغيرات في دخله الحالي لن يكون لها تأثير كبير على نفقاته الحالية ما لم تؤثر على توقعاته البعيدة المدى.

 

 

سامي عبد العالمن الجذر اللغوي الحديث" دَعِشَ"، تأتي مجازاً للتوضيح مفردات مثل: الدَاعِشيَّة، الاسْتدْعَاش، التَّدَعُش، المُسْتَّدعِش، الدَاعِش، الدَعْدُوش، الدَعْيِدش، التَّدْعِيْش، الدَّعْشنَّة، التَّداعُش، أي دَعِش دعْشاً فهو داعش... وجميعها ليست حُروفاً تتناوب الترتيب على خريطة الدولة الاسلامية في العراق والشام طبقاً لاشتقاق اسمها، بل هي معانٍ تقف على أرضيةٍ واسعةٍ من الثقافة التي تشكل الأفكار ورؤى الحياة. ناهيك عن الإشارةِ إلى تنظيم داعش العولمي الذي استباح القتل وإقامة الخلافة فوق خراب المجتمعات العربية.

إنَّ الداعشيةُ لا توازي النُتوء الجغرافي لجماعات يربطها بالديانة الإسلامية أو غيرها رباطٌ تأويليٌّ تكفيري للنصوص المقدسة وحسب. فكما جاءت المفردات السابقة آليات وممارسات تمرح على خريطة الدماء التي كانت مُراقة يومياً دون توقف، كذلك أظهرت جذورها الثقافية البعيدة والمتفرقة التي لا تنتمي إلي قطاعٍ واحدٍ حصراً.

من تلك الزاوية لا تعدُّ الداعشية ظاهرة محدُودة المعالم، لكنها نتاجٌ أخير لجوانب إضافية- زائد الجذور الدينية- في الثقافة العربية الاسلامية. يمكننا القول بوجود دواعش في السياسة ودواعش في الفن ودواعش في الفكر ودواعش في المجتمع ودواعش في المؤسسات ودواعش في التعليم ودواعش في الحياة الجارية بمسميات خادعةٍ وبراقة. هم يمارسون أدوارهم بتكتم مُريب وتوظيف أخبث ما يتصور المتابع لأفعالهم وأفكارهم. التعميم ليس قفزاً مُخلَّاً بالمعالم البنائية للتدعيش بمعناه الديني الإرهابي، لكنه يضعنا أمام الأساليب والمفاهيم العنيفة لانتهاك الآخر والمجتمع بضربةٍ واحدةٍ. الدواعش هنا وهناك (داخل الدين وخارجه) يؤدون المهام نفسها ويتماثلون في الاعتقاد ويتبادلون اعتماداً راجعاً إلى أوبئة الثقافة العربية التي تغذي تلك المعطيات.

وإذا كانت الداعشية هي التطور الأبرز انحرافاً لمسار الجماعات الإرهابية، ففي أحسن الأحوال ثمة جوانب من الحياة اليومية دفعتها إلى السطح كاتجاه له معالم دينية خاصةً. بحيث سيكون النظر مُركَّزاً نحو الارهابيين غافلاً عن سواهم الأشد فتكاً. إنَّ الحقيقة الثقافية أكبر من ذلك بكثير، الداعشية ظاهرة فكرية وأيديولوجية تُغرِق بنية مجتمعاتنا العربية وتنتج نفسها في مجالات ثقافية متباينة ليس أوضحها في مجالات الاعتقاد والتدين.

دوماً الثقافة العربية الاسلامية التقليدية تحصُرنا داخل زاوية ضيقة للاختيار بين بدائلٍ ما، حتى تمارس مركزية بعض معالمها العنيفة. وهذا لا يعني بالضرورة وجود بدائل بمعناها الحر والمفتوح، لكن من مكر واقعها أنَّه يحتم عادةً تفريغ صورته المأزومة في أشكال عينيةٍ هم جماعات العنف الديني ورموزها فقط وحصرياً. حتى إذا تم مواجهة الواقع بصورته الكئيبة كان برئياً مما يجري على المدى التاريخي الطويل. ويحدث أن تتحمل تبعات العنف كتل تنظيمية مثل الارهابيين بعينها إزاء مظاهر الحياة، إذ يأتي العنف دوماً مبرَّراً في غير أوانه. في حين أنه لا يوجد عنف ديني طازج كأنّه خارج لتوه بكل ملابساته وأسبابه. لأنَّه مشحون تاريخياً بأزمنة عميقة الأبعاد فيما لا نراه الآن من النكوص الحضاري والفهم الدموي للدين.

اتساقاً مع ذلك إذا حفرنا وراء العنف وصوره المراوغة نجده منتشراً في أكثر الاتجاهات نعومة واحتماء بمقولات التسامح والتنوير والعقلانية وحتى التمرد والثورة أيضاً، بحكم أنَّه وليد البيئة التي تضم الأفعال وتعيد انتاجها. معنى ذلك أنَّ مفارقة العنف في الثقافة العربية قد تجيئ برداء الانفتاح بالدرجة ذاتها التي تحمل انغلاقاً لتوجهات أخرى. على سبيل المثال تجد أحد المثقفين مهووساً بتكرار مقولات التنوير والنقد والتنوع تجاه استعمال العقل مع الإلحاح العنيف على ما يقول. وكأنَّه ينحت عقولَ متلقيه بشكل حتمي وقد تحول إلى فارز للأفكار بطريقة الأيديولوجيا. ولو حاد أحدٌ من أتباعه عن الطريق، سينال الجزاء الرمزي مثلما يحدث لأتباع الديانات حين يخرجون عن مسار شريعتها. وتباعاً يتعامل هذا الداعية الجديد مع الفكر، كأنَّه يمسك بمقادير الأشياء صانعاً من نفسه سلطةً فوقيةً لا تنزل إلاَّ في عبارات واجبة اليقين.

هكذا بتنا نرى في مجال التنوير إقصاءً باسم الفكر، حتى أنَّ دواعشه كوَّنوا طبقةً من اللاهوتيين الأقحاح الذين يتصرفون بالأفكار كما تتصرف جماعة الفقهاء والقساوسة والحاخامات بأمور الدين. وبتنا نسمع أنَّ هناك إلهاماً خاصاً من إيمانويل كانط الذي يأمرهم باستعمال عقولِّهم بجرأة دون سواهم. وقد اجتروا عنف الخطابات الميتافيزيقية غير سامحين بأي انفتاح للآخر ولا اعطائه مساحة للاختلاف.

وهذا الأمر يمثل شيئاً فاجعاَ:

1- يضع صاحب الأيديولوجيا والمُنظِّر لها معياراً مطلقاً دون مساءلة. والإطلاق قد يكون في الخطاب نفسه الذي يختزل الواقع والمتلقي معا في صور معينة.

2- يشرِّع نوعاً من العقاب الرمزي كوسيلة إدارة للأفكار والحوار بين المختلفين. على سبيل المثال قد يعتبر أحدهم أن الخطاب المضاد لليبرالية مثلاً خطاباً عنيفاً دون أن يدرك كونه يحول الليبرالية إلى لاهوت.

3- يجعل من الصراع الدموي هو الغالب بصورة أو أخرى في جوانب المجتمع. لأنه يرى في أن مصدر الصراع واحد وأن معايير التخلي عنها واحدة هي الأخرى.

4- يقضي تدريجياً على اختلاف العقول وينمطها وفقاً لقوالب واحدة. لأن الالحاح على شيء ما ولو كان يمثل مناط التنوع إنما هو تجميد له على وتيرة بعينها واستبعاد غيره بالوقت نفسه.

5- لا يسمح بما هو جديد مهما يكن. لأن هناك نموذج جاهر سلفاً على من يفكر أن يمتثل له وفقاً لمحدداته.

6- يجتر الماضي الغابر من التقاليد المستبدة والسلفيات القمعية. لأن التعددية لو كانت متصلبة بمنطق سواها بزعم أنه الحقيقة التي يجب الأخذ بها سرعان ما تنقلب إلى نقيضها تماماً.

في إطار كهذا قفز ما يمكن تسميتهم بـ" دواعش الفلسفة" كظاهرةٍ ناتجة عن غياب أصالة الفكر وادعاء المعرفة واستسهال الكتابة ونهب الفرص المتاحة للظهور، بالوقت نفسه تزامن ذلك مع احتياج الواقع العربي لملء الفراغ العقلي الراهن. إنَّهم أرتال من الأساتذة وكتاب الفلسفة ودارسيها الذين يلتزمون بأوهام متصلبة إزاء الواقع وداخله. وقد ظنوا أنهم يمثلون نحلةً هم انبياءها والناطقون وحدهم بلسان " الغيب الفلسفي " بعيداً عن آفاق الفكر الحر والتطور والإبداع الخلَّاق. وكأنَّ العِوز العقلي الذي نعيشه قد نَصَبَ " سوقاً ثقافياً" لتسليع الأفكار والعقول كبضائع تدخل من باب المواصفات العالمية لما يماثلها في ثقافات محلية أخرى!!

حقاً ينتدب " دواعش الفلسفة" أنفسهم ليقدموا الأفكار بصيغة الوصاية، فهم العارفون – من وجهة نظرهم- بالتنوير وهم حملة مشاعل العقل وآلهة الأوليمب الجُدد في ردهات العالم العربي. وحين يوجه لهم انتقادات ينتفضون باتهام سواهم بعدم فهم علاقات التنوير بالمجتمع كما يفهمونها هم، ولا يدركون أبعاد العقل كما يتمثلونها هم، ولا يتشوفون إلى الحرية كما جاءت إليهم وحيّاً!!

دواعش الفلسفة اخترعوا فكرة التنظير المباشر دون أنْ يعترفوا بتطبيقه على أنفسهم. هم ديكتاتوريون في سترات حمراء كإشارة إلى تفجير من يقترب من حدودهم. يمجدون تاريخهم العلمي وتوجهاتهم الفكرية كأنهم يؤدون شعائر علنية في إهاب الحقائق. وبذلك يهدرون أبرز ما في العقل من احتمال التنوع والتطور ومراجعة تاريخه بأكثر المعايير صرامة ونزاهة وموضوعية حتى تجاه نفسه وبصدد أخص ما ينتمي إليه.

على أي حال هؤلاء الدواعش كثيراً ما ينفُر منهم الناس، لأنَّ الثقافة تستدعي جوانبها في لحظات تاريخية وتعلن في زمن ما عن تصادم المصالح وصراع الرغبات. ولا سيما أنَّ مجتمعات العرب تمر بأقسى درجات الاختبار البنائي منذ نشأتها. فالتحولات الربيعية في بداية القرن الحادي والعشرين خلخلت أركانها وجعلت الدواعش بأنواعهم ينفرزون بسهولة أمام النظر النقدي. فهؤلاء يقعون في فخاخ " التكفير الثقافي " بموازاة " التكفير الديني". مما يعني أنَّ إمكانية تجنبهم أمر وارد طالما يطلع المتابع على نتاجات ثقافية أخرى وينوِّع رؤاه عارفاً خلفيات الأفكار الرائجة.

أما الفصيل الأشد خطراً وتدميراً من "دواعش الفلسفة"، فهم هؤلاء المحتالون الذين يتربحون من وراء الفكر والمعرفة إلى حد التسوق الرخيص وعرض الخدمات لكل مسئول قزم ونيل ما لا يستحقون من الحظوة التافهة. هم أشد قسوة من المجرمين المخادعين، فلا يعبئون بأيَّة مسؤولية تُمليها عليهم قيم النقد وحرية الفكر ويبتذلون في ترويج بضاعتهم لمن يشتري. يتساوى في ذلك انصاف المواهب (على أنهم عباقرة بغلبة ثقافة البهلوانيات) مع المتذللين للسلطة القائمة واللاهثين خلف المناصب أينما حلُّوا.

وهؤلاء يعتبرون التنوير مجرد حيلة لمجاراة السلطة، أي لاكتساب أكبر مساحة من النفوذ في الواقع الموبُوء. تجدهم في خدمة أية سلطة مقدمين قرابين الولاء والطاعة نتيجة تقزمهم الفكري. إنَّهم كارثة في مجتمعاتنا العربية التي تحاول لملمة وجودها المهترئ وإعادة صياغة تاريخها الذي انفرط عقده حد الجنون. ويزيفون قيم التنوير الحقيقي التي أسهمت في تطور المجتمعات، يعتبرونها " قوارير براقة" مثلها مثل المشروبات الغازية التي تسهل هضم الأكلات الدسمة من الاستبداد السياسي والديكتاتورية.

أفدح ما ينشرونه هو تلوين المواقف والقيم بحسب المصالح وإضاعة أهمية الفكر في نشر الوعي الحقيقي وتعرية الواقع بما يكافئ وجوده التاريخي الفعلي لا المزيف. ونظراً لتلاعبهم بقدرات العقل يؤكدون خفة الحقائق ويغطونها في دهاليز التزلف لمزيد من الرواج الدارج منتظرين مزيداً من الأرباح. إن التنويري الحقيقي يتحمل وطأة الواقع واستبداده وقد اختار الإنسانية فينا والعدالة والإنصاف وقيم الحق والتغيير لا احياء البهلوان داخل بطون عربية خاوية (الفقراء) وعقول فارغة.

حين أشار كانط إلى جرأة استعمال العقل في المجال العام، لم يستثنِ أيَّ فرد من ذلك ولا يعني أنه يدعم مراوغة الفكر الحر والتسلق على أكتاف البسطاء واستسهال طرق النقد وتغليب المحسوبية واتخاذ المواقف المائعة. إن التنوير قوة حقيقية في الواقع تحتاج إلى قدرات المقاومة والتحرر ومجابهة السلطة الغالبة وإن كان صاحب تلك المهمة جزءاً من وجودها العام.

إنَّ أكبر السلبيات على من يتحدث حول العقل وبناء الفكر هم أصحاب مهمة التفلسف، لأن التزييف لن ينتج إلاَّ مفاهيم متخلفة ستحتاج عقوداً لغربلتها والتخلص منها. كما أن اشتغالهم على أسس الوعي يدفعهم لتدمير بذور التحرر من قيوده. والثقافة العربية من تلك الجهة كانت وما زالت بنية تاريخية تكرر التزييف المؤسَّس بقوة الواقع الغالب. أخذت أشكالها المتنوعة من القبيلة إلى العقيدة إلى الخلافة إلى الولاية إلى الدويلات إلى حقبة الدول المستعمرة إلى الدول القومية ما بعد الاستعمارية إلى صورة الدول المتأرجحة الحالية التي تحمل ما سبق جميعاً. الميراث مترحل ومتزحزح إلى درجة الهيمنة، نتيجة تشوُّه المبادئ والقيم والأعمال والأحداث والأفراد والجماعات والمؤسسات.

ذلك كله ترسب في ممارسات دواعش الفلسفة والفكر تحت عناوين المعرفة أو الثقافة مستعيدين هياكل القبيلة والذود عن مصالح الراعي الذي يسوس عشيرته بعصى النفْرَّة والغلبة. ونتيجة أنَّ هؤلاء لا يترعرعون إلاَّ في عصور الغسق والانحطاط بلغة هيجل، فهم الديدان التي تطفو على سطح الجيف. هم بُوم بلا حكمةٍ إلاَّ من نعيق متواصل فوق الخرابات. ولا يمارسون أدوارهم إلاَّ بنخر قيم العقل والحياة الحرة.

لقد جسَد المثقف في مجتمعات العرب نظرية متحركة في تزييف الحرية والتكسب من كل الموائد ومداهنة المسؤولين واهدار الوعي الحر. لنراجع مثقف ما بعد الربيع العربي، هذا الحيوان الداعشي السياسي بامتياز، وكيف امتهن الخنوع والانبطاح وجعل من صهوته موضعاً مريحاً لكل الأقزام شرقاً وغرباً في العالم العربي. أصبح استاذاً في حياكة المؤامرات بين الأنظمة العربية (ظاهرة المنظرين السياسيين)، ذلك بدلاً من كونِّه مشعلاً يضيء لإنسانيتنا الراهنة مستقبلاً غامضاً لم يتجلَّ بعد.

 

سامي عبد العال

 

 

ترجمة: د. هاشم نعمة


يتضمن مفهوم الفقر أحكاما معيارية تتعلق بالهوية الاجتماعية ضمن رؤية ما يجب أن يشكل نظامًا اجتماعيًا عادلًا. في الواقع أن تحديد الهوية الاجتماعية عادة ما يكون مرتبطًا بالسياسات الفعلية ووسائل الدعم الاجتماعي، أنه يقع أيضًا في ميدان الاقتصاد السياسي ويخضع لعلاقات القوة التي تتغلغل فيه. تنطبق هذه النقطة على جميع الإحصاءات الاجتماعية إلى الحد الذي تعتمد فيه على الأصول الاجتماعية والمؤسسية. ومع ذلك، تعتبر إحصاءات الفقر أيديولوجية على وجه الخصوص بالنظر إلى الدور المركزي الذي تلعبه فكرة الفقر في الأيديولوجيات المعاصرة المرتبطة بالتطور الرأسمالي.

إن عدم تسييس ظاهرة الفقر، سواء من ناحية المفاهيم أو المقاييس نفسها أو من ناحية طريقة توظيفها في مختلف برامج التنمية، يعمل على حجب هذه الطبيعة الأيديولوجية المتأصلة. علاوة على ذلك، فإن محاولات الابتعاد عن الجوانب المالية لا تحل مشكلة عدم التسييس ولكن يمكن القول إنها تزيدها تعقيدا وتعسفا وغموضا. وقد أدى توافق الآراء في مختلف اجندات التنمية العالمية، ولا سيما الأهداف الإنمائية للألفية وأهداف التنمية المستدامة (العائدة للأمم المتحدة)* إلى خنق النقاش السياسي، ومن ثم منح اليد العليا للأصوات الأكثر قوة من الناحية المؤسسية والسياسية ضمن هذه الصراعات السياسية.

على وجه الخصوص، تم تنظيم مشروع إنشاء إحصاءات الفقر العالمية بطرق مختلفة لإضفاء الشرعية على المرحلة الأخيرة الخبيثة من الرأسمالية التي يشار إليها بشكل مختلف باسم "الليبرالية الجديدة" أو بشكل أكثر تلطيفًا باسم "العولمة". تشير الليبرالية الجديدة نفسها إلى المشروع السياسي لرأسمالية عدم تدخل الدولة. ومع ذلك، فقد امتزجت مع توجهات متزايدة ذات سمات محافظة والتي تكاد تكون فيكتورية بطبيعتها، من حيث أنها تركز على تأديب سلوك الفقراء في كثير من الأحيان، بأسلوب العقاب. في حين أن هذا الدافع  من التدخل ذي السمة العنصرية ليس ليبراليًا بشكل خاص، إلا أنه يتناسب مع ما يعرضه كيلي بوضوح على أنه الطريقة التي اعتمد بها المشروع النيوليبرالي الجديد على سلطة الدولة وتدخلها بدرجات كبيرة. والسبب في ذلك يعود إلى أن المشروع النيوليبرالي كان موجهًا بشكل أساسي نحو حماية حقوق الملكية الخاصة (إنشاءها واستخدامها بحرية، بما في ذلك الأصول المالية). وبالتالي فإنه يتضمن أيضًا سمات محافظة، لا سيما فيما يتعلق بحماية النظام الطبقي السائد على عكس الليبرالية الكلاسيكية التي كانت أكثر ثورية في سعيها إلى تفكيك النظام الأرستقراطي القديم.

شهدت الفترة النيوليبرالية المعنية تعرض أجزاء كبيرة من جنوب العالم لأزمات عميقة ومتكررة وتنفيذ برامج التكييف الهيكلي لأكثر من عقدين، إلى أن سمحت ظروف زمن الازدهار منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فصاعدًا ببعض التأجيل لهذه البرامج، وإن كان ذلك ضمن بيئة متغيرة تتسم بحركة رأس المال عبر الوطني بالكامل ووفرة التمويل. هذا هو النظام الجديد الذي تسعى الأيديولوجية السائدة إلى إضفاء الشرعية عليه من خلال سرديات الفقر. إذ جرى استخدام بيانات الفقر بطرق مشكوك فيها في كثير من الأحيان لتعزيز السرديات السائدة لهذا الماضي القريب كواحدة من آليات التحرير التدريجي المؤقت، وبالتالي فإن السياسات التي جاءت معها كانت واحدة من السياسات الناجحة لكن بحذر. في الواقع يمكن القول أن أعدادًا كبيرة من الناس حول العالم لا يشعرون أن هذا هو الحال، لذلك فإن هذا يغذي لديهم ردود الفعل السياسية ضد هذه الرؤية. ومع ذلك، تشير الاتجاهات الأخيرة إلى أن الحركات الشعبوية اليمينية الصاعدة كانت أكثر نجاحًا في التقاط هذا الشعور من اليسار (مع بعض الاستثناءات). لذلك فإن هذا التوجه له تأثير في تعزيز التوجهات المحافظة التي تتماشى بشكل مثير للسخرية مع المشروع النيوليبرالي، على الرغم من أن الكثيرين يزعمون أن هذا يمثل موتا لليبرالية الجديدة.

تتمثل المسألة الكبيرة الأخرى أيضا في هذه الفترة بالصعود الدراماتيكي للصين التي تقدم سردًا أيديولوجيًا مختلفًا. في الواقع، يجري تنظيم إحصاءات الفقر في الصين لدعم التنمية الحكومية. علما هناك بعض الجدل بشأن ما إذا كان ينبغي اعتبار الصين ذات توجه نيوليبرالي. لكن لم يكن لذلك تأثير كبير في المزيد من دراسات الاقتصاد السياسي وتأثيراتها على السياسة الاقتصادية الفعلية، حيث لا تعتبر الصين ذات توجه نيوليبرالي بالمعنى التقليدي. ومع ذلك  فقد تم نسج قصة الصين في الخطاب السائد عن الفقر بدرجة كبيرة من خلال التأكيد على تحريرها من اقتصاد ماوي مغلق. علما تتجنب هذه الرواية عمومًا الإرث والسيطرة المستمرة للدولة بدرجات قوية والنزعة التنموية التي تقودها والتي تفسر جزءًا كبيرًا من تجربة الحد من الفقر في البلاد (ومن المفارقات، أن سيطرة الدولة يتم استحضارها عندما يجري انتقاد البلد بسبب التلاعب بالعملة أو التجارة).

تتعلق المسألة المركزية الأخرى بالتركيز على المقاييس المطلقة المستخدمة في جداول أعمال التنمية العالمية الحالية - بما في ذلك ما يسمى بالمقاييس متعددة الأبعاد - وهو نتاج تحيز السياسة نحو استهداف الفقراء في توفير الخدمات الاجتماعية. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن العديد من هذه المقاييس قد جرى تصميمها لدعم هذا  الغرض. ومع ذلك، فإن السبب الأكثر دقة هو أن المفاهيم والمقاييس المطلقة ليست مناسبة تمامًا لتعكس قيمة أشكال التدابير الأكثر عالمية. علما يجري تبني أولوية سياسة الانتفاع على حساب المساواة، من خلال معالجة الفقر أولاً بدلاً من معالجة الآثار المؤسسية التي تحدثها هذه النفعية والتي تميل إلى تشجيع الفصل العنصري على حساب التضامن العابر للطبقات.

في الواقع، في ظل المناخ السياسي العالمي الحالي، يكمن الخطر في أن التوجه الأيديولوجي المحافظ المذكور أعلاه يصبح أسلوبا عقابيًا بصورة متزايدة باستخدامه أساليب استهداف الفقراء والتي من المفارقات كانت قد طورتها حكومات "اليسار الجديد" السابقة. هناك بالفعل مؤشرات على ذلك، ربما تم تمثيلها بشكل مثير للإعجاب من قبل إدارة ترامب.  وذلك من خلال استبدال المقاييس الحالية للفقر في الولايات المتحدة بمقاييس "الاستهلاك"، أي تلك المستخدمة بكثرة في برامج التحويلات النقدية في البلدان النامية (أي التحويلات المرسلة من المهاجرين في الخارج)**. فقد ادعت الإدارة مؤخرًا أنه لا يوجد أكثر من 250,000 شخص يعيشون في ظروف الفقر المدقع في الولايات المتحدة، إزاء تقدير بلغ 18,5 مليون ورد في تقرير للأمم المتحدة أو تقديرات تعداد الولايات المتحدة لعام 2016 البالغة 41 مليون شخص يعيشون في فقر (ليس فقرًا مدقعًا). إن التحرك الفاعل للقضاء على التوثيق الإحصائي الرسمي للفقر في الولايات المتحدة هو جزء من الجهود التي يبذلها الجمهوريون في الكونغرس لإضافة متطلبات العمل بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتلقون قسائم الطعام، والمساعدات الطبية، وإعانات الإسكان، ومن ثم العمل على إجراء تخفيضات في المساعدات الاجتماعية بشكل عام. في المملكة المتحدة، هناك اتجاه مماثل لجعل الائتمان الشامل الذي يجمع ست مزايا مختلفة، يتمثل بدفع مبلغ شهري واحد، ليصبح ذلك وبصورة متزايدة أسلوبا عقابيًا وأيضًا وسيلة لخفض فوائد الرعاية الاجتماعية بصورة مؤثرة. في الواقع أن "الائتمان الشامل" يشبه فكرة الدخل الأساسي الشامل ويوضح السهولة التي يمكن بواسطتها بأسلوب خبيث تخريب الأفكار السياسية العائدة لليسار الاشتراكي الديمقراطي من قبل اليمين. وبهذا المعنى، فإن التحيزات في مفاهيم الفقر ومقاييسه، والتي قد تبدو في بعض الأحيان غير ضارة، يمكن أن تتحول بسرعة إلى منحدرات خطرة عندما يتغير المناخ السياسي. لذلك علينا أن نأخذ التحيزات الضمنية على محمل الجد.

يتمثّل الدليل الآخر في أن مقاييس الفقر المطلقة ليست مناسبة تمامًا لتعكس الانتاج الديناميكي للفقر ضمن عمليات التحول الهيكلي الحديثة، وذلك لعدة أسباب تتعلق أساسا بالطبيعة النسبية للفقر في العصر الحديث. والنتيجة هي أن مثل هذه المقاييس المطلقة تنزع بصورة عامة إلى التقليل من شأن تزايد الفقر بمرور الوقت. إن عدم الملاءمة هذا يرتبط جزئيًا بالتعسف المتأصل في الاختيار الذي يتضمنه قياس الفقر، وهي معضلة متأصلة ومستعصية يجب الاعتراف بها علنًا بدلاً من الافتراض أنها يمكن أن تنتهي من خلال التطور التقني.

مع ذلك، فإن الأمر الأكثر أهمية هو أن الاتفاق الحالي لفهم الفقر المدقع وقياسه، بما في ذلك المقاييس متعددة الأبعاد، مثل تلك التي تم تبنيها رسميًا من قبل الأهداف الإنمائية للألفية ثم أهداف التنمية المستدامة، لا تزال متجذرة إلى حد كبير في تصور الحد الأدنى من الاكتفاء المعيشي، على الرغم من إدراج بعض المؤشرات عن عدم المساواة في أهداف التنمية المستدامة. في حين أن هذا التوجه لا يزال ساريًا في سياقات معينة أخرى، لا سيما فيما يتعلق بالمجاعات المعاصرة (مع التنبيه إلى أن تقييمات الجوع هي أيضًا نسبية وتعسفية). علما تغيرت سمات  الاحتياجات الاجتماعية الأساسية بشكل عام - غالبًا بشكل جذري - ضمن التحولات المرتبطة عادةً بالتطور الرأسمالي الحديث، والتحول الديموغرافي والتحولات الأخرى ذات الصلة، جنبًا إلى جنب مع تطور المعايير الأساسية المرتبطة مثلا بمعرفة القراءة والكتابة ومستويات التعليم، أو متوسط العمر المتوقع والجوانب صحية.

على سبيل المثال، من النتائج الأخرى، هي استمرار ظاهرة الجوع على الرغم من ارتفاع الدخل وتراجع فئة قليلي الدخل، وهي من بين مظاهر التنافر الأخرى أو عدم الانسجام التي كانت موضوعا لنقاشات متكررة في العقود الأخيرة. فبدلاً من إلقاء اللوم على الفقراء بسبب خيارات الاستهلاك السيئة، فإن التفسير الأكثر وضوحًا لهذا التنافر هو أن خطوط الفقر لا تواكب ببساطة التحولات الجارية في الاحتياجات الاجتماعية، حيث تكتسب الاحتياجات غير الغذائية الأسبقية بصورة متزايدة على الاحتياجات الغذائية. لذلك يتم الحد من استهلاك الطعام، لأنه من الاحتياجات التي يمكن الحد منها، مقارنة بغيرها من الاحتياجات الأكثر مرونة. وهذا هو الحال عندما يجري خصوصا تحويل سبل العيش إلى نقود وسلع بالكامل، كما هو الحال عمومًا في المناطق الحضرية. ونتيجة لذلك، يمكن أن يحدث استهلاك غير كافٍ للأغذية في سياقات بعيدة عن وضعية الكفاف في الوقت الذي يمكن للدخل أن يسمح تقنيًا باستهلاك كافٍ للغذاء، بعيدًا عن الاحتياجات الأخرى. وبالتالي، فإن خطوط الفقر المتأصلة في مفهوم الحاجة إلى الغذاء تميل إلى التقليل من أهمية هذه التحولات بمرور الوقت.

بعبارة أخرى، فإن المعايير التقليدية المستخدمة حاليًا في هذه المقاييس المطلقة (للفقر)*** يتم تعريفها بصورة ضئيلة للغاية لدرجة أنها تصبح قديمة أساسا بمرور الوقت في مجرى التحولات الهيكلية المرتبطة بالتنمية، خصوصا التحضر. لذلك، قد يكون تراجع معدلات الفقر، بدرجة أقل أو أكثر، انعكاسًا لواقع تأخر المقاييس المعيارية بصورة متزايدة عن مواكبة تطور الاحتياجات الاجتماعية الملحة للفقراء. إن هذه المسألة تعد مشكلة خصوصا عندما يتم استخدام هذه المعايير لتحديد عتبات "إخراج" الفقراء من نطاق الدعم والمساعدة. في الواقع، يمكن إثارة نقطة مماثلة تتعلق بالعتبات المستخدمة للتمييز بين البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل، وهي أن هذه العتبات منخفضة للغاية، ومن ثم تعطي مظهرًا زائفًا لما يسمى بالانتقال إلى الشريحة الدنيا للبلدان ذات الدخل المتوسط.

 

.........................

* المترجم

** المترجم

*** المترجم

الترجمة عن كتاب:

Andrew Martin Fischer, Poverty as Ideology: Rescuing Social Justice from Global Development Agendas (Crop: 2018).

 

 

صلاح حزاممعظم دول العالم وفي كل القارات تعيش ككيانات مستقلة وكأمة واحدة تبحث عن مصالحها ضمن محيطها وضمن العالم معتمدة على تحالفات اقتصادية وسياسية وعسكرية ..

تقوم تلك التحالفات على الاختيار المستقل والحر لكل الاطراف المشتركة فيه.

لا أحد يبحث ويستجدي روابط قومية عسى ان تفضي الى كيان واحد يضم كافة المتحدرين من ذلك العرق.

هنالك تحالفات ومنظمات واتحادات أقوى من الروابط القومية .. تقوم اساساً على المصالح والروابط الاقتصادية التي لا يمكن فسخها بسهولة (لايمكن تفكيك الاتحاد الاوربي بقرار يتخذه حاكم في لحظة انفعال وغضب)..

العملة واحدة وصناعتهم متشابكة ومتكاملة ويتشاركون في صنع معظم منتجاتهم وزراعتهم ايضاً، وكذلك قطاع البنوك والخدمات والتبادل التجاري.. ولديهم محاكم ودستور اتحادي الخ ...

لذلك ليس من مصلحة أحد تخريب ذلك فجأة ولايوجد سبب لذلك ولايستطيع أحد الخروج بمزاجية ونزق وانفعال .

القومية العربية اتخذها الكثير من الحكّام شعاراً وجعل السعي نحو الوحدة العربية هدفاً مركزيا .. بحيث يكون العرب دولة واحدة اكثر توحداً وتماسكاً من الاتحاد الاوربي نفسه (لانهم ليسوا من دمٍ واحد ونحن من دمٍ واحد ولغة واحدة وثقافة وتاريخ مشترك).

هذه الدولة اذا تحققت وخرجت الى النور سيكون ذلك انجازاً عظيماً .

ولكن هل هذا هدف واقعي؟ وهل ان من يرفعه جاد في الوصول اليه؟

عندما يرفعه طاغية يسحق شعبه ويعبث بمصيره بمزاجية ، فهل سيكون ذلك سبباً لإغراء الشعب العربي في الدول العربية الاخرى للمطالبة بالتوحّد مع دولة ذلك الطاغية؟

انهم نماذج سيئة للحكم ولاتصلح لأن يحتذي بها أحد.

كذلك فأن اختلاف ظروف البلدان العربية من حيث درجة التطور الاقتصادي والثقافي وطبيعة النظم السياسية ومستوى الثراء والقيم الاجتماعية والبنية السياسية والاحزاب العاملة فيها ، ذلك يجعل فكرة الوحدة والانصهار في نظام واحد ، تبدو مضحكة وخرافية وتحتاج الى مارد يخرج من القمقم..

أحد اكثر الحكّام صخباً وضجيجاً وثرثرةً في حديثه عن العرب والوحدة الخ... توّج جهوده الوحدوية بغزو دولة عربية صغيرة ، كان ذلك الحاكم قد تعهّد بحمايتها من المخاطر الخارجية..

لقد قتَلَ فكرة القومية والوحدة وماشابه .

هنالك دول عديدة في العالم يجمعهم اساس قومي واحد، بالمعنى الذي نتحدث عنه نحن كعرب، لكنهم لايفكرون بالتوحد لتكوين دولة قومية ابداً.. العالم يبحث عن القرارات الحرة والمستقلة والواعية للدول ولشعوبها ولايبحث عن ايديولوجيات لم تُختبَر في الميدان ابداً...

اذا كان البعض يتحدث عن الدولة العربية الاسلامية القديمة كالاموية والعباسية ، فتلك امبراطوريات عابرة للقومية ولم تكن تسعى لوحدة العرب

بل هي دولة ترفع شعار نشر الاسلام بين الأمم ، حتى وان كان ذلك الشعار سياسياً ، وكان معظم مسؤوليها وقادتها وفقهائها ومفكريها من غير العرب...

كان انتشارها يشبه انتشار الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية !!!

اذن اين هو النموذج التاريخي الناجح الذي يسعى هؤلاء الى احياءه؟؟

لازلت اتذكر قول كبير قاله السيد محمد مزالي رئيس وزراء تونس في وقتها ، حيث قال: " ان الادعاء بزعامة وقيادة العرب من قبل البعض، ادّعاء لا أخلاقي لانه يفتقر الى التفويض والشرعية، من استفتى العرب ليقول انهم اختاروا فلاناً زعيماً؟

 

د. صلاح حزام

 

 

قاسم حسين صالحتصريح

كشفت مفوضية حقوق الانسان في (4/5/2021) عن ارتفاع الوفيات في عام (2020) بنسبة (8.5) بالمئة، وأنها في تصاعد متكرر للعام الرابع على التوالي..  وعزت دوافع الآنتحار الى اسباب اجتماعية ونفسية واقتصادية.

من المسؤول؟

بوصفنا سيكولوجيين متخصصين في الانتحار فأننا كنا حذرنا ودعونا الحكومة والبرلمان لمعالجة تزايد حالات الانتحار في العراق عبر خمس مقالات ودراسات بينها (ما هكذا نقدم للعالم انتحار شباب العراق-8/1/2018) و(أربعة اسباب وراء ظاهرة الانتحار في العراق – 15/10/2020).. وعبر فضائيات (الشرقية، الحرة ، روداو..). وكالعادة فان البرلمان والحكومات لم تستجب وكأن الأمر لا يعنيها، الا مجلس محافظ بغداد الذي عالج الآنتحار بحل مبتكر هو (بناء اسيجة على جسور بغداد لمنع الشباب من الانتحار!)

ومع ان مفوضية حقوق الانسان معنية بهذا الشأن، وجهة رسمية تابعة للبرلمان، فانها اعلنت ان دوافعه اجتماعية نفسية واقتصادية دون ذكر من كان السبب في تضاعف حالات الانتحار.ولها وللبرلمان والحكومة نقول.. ان احزاب السلطة هي المسؤولة.. ليس فقط عن تزايدها، بل وعن الاستهانة بأرواح الناس في عدم معالجتها.

دوافع الأنتحار

في قراءتنا للادبيات والتحقيقات الصحفية، فان اسبابه تتلخص بثلاثة:

البطالة في قطاع الشباب،

تردي الأوظاع الاجتماعية والاقتصادية،

عادات وتقاليد اجتماعية متخلفة.

تلك هي الاسباب التقليدية للانتحار، والذي حصل بعد التغيير، تزايد شدة وحدة الاسباب التقليدية هذه، اذ اشارت التقارير الى ان نسبة البطالة بمحافظة ذي قار بلغت (34%)، فيما تعدى عدد من هم دون مستوى خط الفقر سبعة ملايين عراقي عام 2015، وصلوا في 2020  الى  13 مليون بحسب وزارة التخطيط.

أسباب عراقية جديدةّ!

والذي حصل أن أسبابا عراقية جديدة ظهرت  نوجزها بالآتي:

توالي الخيبات. صبر العراقي خمس سنوات بعد (2003) ثم خمسا، ثم خمسا.. ولأن للصبر حدود، وقدرة على التحمل، فان البعض من الذين نفد صبرهم عمد الى الانتحار بوصفه الحل الأخير لمشكلته.

الشعور بالحيف والندم.تجري لدى بعض الشباب مقارنة بين شخصه وقدراته وقيمه وبين آخرين يحتلون مناصب بمؤسسات الدولة يقلّون عنه خبرة وكفاءة وقيما، مصحوبا بشعور الندم على اضاعة الفرصة.. فيعاقب نفسه بقتلها.

الاكتئاب واليأس والوصول الى حالة العجز. حين يجد الفرد أن الواقع لا يقدم له حلّا لمشكلته، ويصل مرحلة اليأس والعجز، فانه يلجأ لانهاء حياته. وهنالك اكثر من حادثة بينها انتحار ست نساء في النجف قبل ثمانية أعوام جاءت بسبب وضع اطفالهن الصعب، ولأنهن لم يستطعن اعالتهم فإنهن اخترن الانتحار بشكل جماعي.

فشل السلطة واستفرادها بالثروة. تعرّف السياسة بأنها فن ادارة شؤون الناس، وما حصل في العراق ان الطبقة السياسية عزلت نفسها مكانيا ونفسيا في عشرة كيلومتر مربع لتعيش حياة مرفهة وتركت الناس يعيشون حياة الجحيم، ولم تستجب لمطالبهم وتظاهراتهم من شباط (2011).

القتل هو الردّ. تظاهر الملايين من الشباب مطالبين بشكل سلمي بمعالجة مشكلة البطالة على مستوى الخريجين وتأمين حياة كريمة (دعت لها الآن المفوضية!)، فتعاملت السلطة معهم وكأنهم أعداء غزاة، فقتلت منهم اكثر من ستمئة شابا وشابة في بغداد فقط.

اشاعة الأحباط. يعمد الأعلام ووسائل الاتصال الاجتماعي الى اشاعة الاحباط، بمواصلة العدّ التنازلي للأمل، لاسيما في تغريدات عبر الفيسبوك من قبيل:

- شعب سلبي رافض لكل فعل باتجاه خلاصه.

- تغيير الحال بالعراق.. حلم ابليس بالجنة.

- مع ان اغلب الفاسدين يعترفون بانهم سرقوا الشعب.. فانه سيعيد انتخابهم.

وبتزامن هذه الأفكار (القاتلة) مع مشاهد القتل اليومي والفواجع، فان الانتحار يكون نهاية محسومة لدى من تصل لديه الحال.. درجة الصفر.. في ظل نظام استفرد حكامه بالسلطة والثروة.

للموضوع تتمة علمية.. ان كنتم للعلم تكترثون.

*

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

علجية عيشيكثر الحديث عن الصحافة وتطورها كلما احتفل العالم بحرية الصحافة المصادف للثالث من ماي من كل سنة في ظل التعددية الإعلامية وفي ظل الثورات الشعبية فيما عرف بالربيع العربي، برزت فيها الصحافة الإلكترونية بقوة بعدما قطعت شوطا كبيرا لا يستهان به بحيث أضحت أكبر منافس للصحافة الورقية، ذون أن ننسى البروز القوي للقنوات الفضائية، وهذا بفضل التطور التكنولوجي الذي حَوَّلَ العالم إلى قرية صغيرة من السهل جدا الإطلاع على ما يحدث في الجوار، وفي ظل هذا التطور وما يشهده العالم من تغيرات وتحولات على كل الأصعدة، بات من الضروري رفع كل التحديات خاصة بعد مجيء الربيع العربي و"الحَرَاك " الذي حرك مشاعر الشعوب التي خرجت في مسيرات شعبية تنادي بالتغيير وتحقيق الديمقراطية، في هذه الورقة الصغيرة لا يسعنا الحديث عن الصحافة الحُرَّة أو ما يسمى بصحافة النقد وكشف العلاقة بين الصحفي والمسؤول، هذه العلاقة التي لا تخرج عن حدود المهنة هي في الحقيقة علاقة تكامل بينهما، فالصحفي في الصحافة المستقلة أو القطاع الخاص كما هو عين المواطن التي يرى بها وتحرس مصالحه، فهو كذلك عين المسؤول، لأنه بواسطة النقد يصحح أخطاءً ويكشف مواقع الخلل عندما يرافق المسؤولين ويقف على النقائص أو العيوب في المشاريع التنموية.

هذا الخلل أو العيوب قد لا ينتبه لها المسؤول، أو قد يتجاهلها لكثرة انشغالاته، وإن كان هذا الدور يتقاسمه الصحفي في القطاع العمومي إلا أن الصحفي العامل في مؤسسة إعلامية مستقلة له هامش صغير من الحرية في النقد، النقد البناء وليس النقد الهدام، عكس الصحفي في القطاع العمومي الذي لا يمكنه أن ينتقد برامج الحكومة، ولذلك يلاحظ أن بعض المسؤولين يفضلون التعامل مع صحافيي القطاع العمومي ويستثنون القطاع الخاص، رغم أن الاثنان مكلفان بنفس المهمة، فأن ينتقد صحفي لا يعني أنه ضد مسؤول ما ويريد الطعن فيه، إلا أن بعض المسؤولين ينظرون إلى الصحفي بنظرة الخصم، لأن هذا الصحفي وبكل بساطة لا يجامل ولا يغفل عن النقائص التي يقف عليها في مشروع من المشاريع، فهو قبل كل شيئ "مُلاحِظٌ "  observateur ومن واجبه أن ينقل ما يلاحظه للمسؤولين وللرأي العام، كما من واجبه أن ينقل انشغالات المواطن، فلا يقتصر دوره على المجاملة أو كتابة "كل شيء على ما يرام" tout va bien، وإن كان للصحفي المستقل هامش الحرية فهذا لا يعني كذلك أن يضرب أخلاقية المهنة عرض الحائط، فالنقد لا يعني السّب والشتم والقذف في الآخر والطعن في شرفه وعرضه فهو يعمل وفق ما يمليه عليه الضمير أولا، ثم القانون.

من واجب الصحفي الالتزام بأخلاقية المهنة لأنه قبل كل شيء فهو يحافظ على صورته كصحفي، والثانية أنه يمثل المؤسسة الإعلامية التي يتعامل معها ومن واجبه أن يحافظ على سمعتها، نتحدث هنا عن المؤسسات الإعلامية الملتزمة التي تحترم الرأي والرأي المخالف، لا عن الصحف التي حولت مكاتبها إلى دكاكين أو سوق تبيع وتشتري في المبادئ الإعلامية، وعلى رأسها النزاهة والمصداقية في نشر الأخبار وطرح المشكلات الاجتماعية، صحف تقودها عصابات أو مافيا من أجل الوصول إلى السلطة، أو أنها تلمع صورة مسؤول من المسؤولين من أجل الحصول على امتيازات، وجب هنا أن نفتح قوس (...) بأن الصحفي النزيه، كما ينظر إلى النقاط السلبية في المسؤول، من واجبه أيضا أن ينظر إلى النقاط الإيجابية التي يراها في المسؤول، الذي بجهده يكون قد حقق الأهداف المرجوة، فليس كل مسؤول توجه له تهمة اللامبالاة وسوء التسيير وخيانة الأمانة.

ما يمكن الإشارة إليه وبلغة الصراحة أن هناك هُوَّةٌ واسعة بين الصحفي والمسؤول، وغالبا ما تتسم العلاقة بينهما بالخصومة، تنعدم فيها روح التناغم الذي يحدث التكامل، رغم أن جل الصحف ترتبط برامجها ومناهجها مع الإدارة والمشاريع التي تقام هنا وهناك من أجل خدمة الصالح العام والتطلع إلى طموحات المواطن بالدرجة الأولى ثم المشاريع التي تساهم في تحريك عجلة التنمية وما يحدث في الساحة السياسية أيضا والعلاقة القائمة بين الإدارة والأحزاب السياسية والنقابات وعلاقة الإدارة بالطبقة المثقفة، لاسيما وهذه الأخيرة تعتبر العين الساهرة التي تحرس مكتسبات الدولة وحماية القيم الثقافية والهوية الوطنية من التفسخ، ما يمكن قوله أنه وجب اليوم إعادة النظر في العلاقة المهنية بين الصحفي والمسؤول وغياب الآليات لربط خيوط الاتصال بينهما،  حتى يلعب كل منهما دوره كما ينبغي لتحقيق المصلحة العامة وممارسة الديمقراطية بالشكل الصحيح والعقلاني، يكون ذلك بالتخلي عن النظرة الضيقة لكل طرف ووضع حد للبيروقراطية وتحقيق التوازن بين القيم الإدارية والقيم الإعلامية المرتكزة أساسا على الثوابت الوطنية لا على الجهوية والمحسوبية.

 

علجية عيش

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن النظرة الصوفية كما جسدها الدكتور كمال جعفر في كتابه " التصوف طريقا وتجربة ومذهبا"، وفي هذا يقول الدكتور جعفر:" إن التصوف البناء يفيض بعناصر أخلاقية تؤمن بفاعليتها علي مستوي الأمة، لا سيما إذا تأكد لنا أن هذه العناصر حصيلة التجربة الصادقة والإخلاص التام . ويجب أن تؤكد مرة أخري أن هذه العناصر إنما  توجد في التصوف الناضج (1)، الذي ينمي أواصر الأفة والمودة ويسعي إلي تماسك المجتمع ووحدته وصموده للعاديات من الزمن، وتفيض كتب التصوف كما يري الدكتور جعفر بالقصص التي تصور في وضوح الروح الصوفية الخالصة،والمفعمة بالتسامح  والود، والرحمة والمشاركة، ويقول الدكتور جعفر: استمع مثلاً إلي قول أبي سليمان الداراني القائل " إني للقم اللقمة أخاً من إخواني، فأجد طعمها في فمي"، ويسأل أحد الصوفية رجلاً عمن حوله فيجيب بأنهم إخوانه، فيسأل الصوفي: هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه، أو كيسه، فيأخذ منه ما يريد ؟ فيقال:لا . فيقول الصوفي: إذهبوا فلستم با إخوان  (2) .

وتبلغ المشاعر الصوفية كما يقول الكاتب ذروتها حتي لتود ان تشارك الناس آلامهم في الآخرة فنسمع هذا القول " إن لله عباداً ودوا لو فدوا المسلمين من الأعراض والأمراض في دار الدنيا، وفي الآخرة من أهوالها وأنكالها، فقيل للقائل: في الدنيا يطيقون ذلك، فكيف لهم في الآخرة، إذ لاقوه لهم علي شئ من ذلك ؟ فيقول علموا أن الله تعالي – عز وجل – بخلقه رحيم، فرحموهم برحمة الله لهم، وعلموا أن الله  تعالي هو المعين علي الدنيا والآخرة، ويريد هذا القائل أن يشير إلي أن المروءة تحظي برضا الله وتوفيقه، ولن يكون المرء أكثر فضلاً أو مروءة من بارئه (3) .

وتنص بعض كتب الصوفية كما يذكر الكاتب علي أن من أخلاقهم إدخال السرور علي غيرهم، والإعراض عن أذاهم، وأن للقبيح عندهم وجوهاً من المعاذير، وليس للحسن عندهم كبير موقع يعظمونك به، أي أنهم  لا يفسدون مكرمتك بالمبالغة فيها، حتي تقع في الزهو والخيلاء فيحبط عملك (4)، وأما فيما يخص ثبات الشخصية وصمودها فيقول الدكتور جعفر:" فنحن نعلم من أقوال الصوفية أنهم لا يرضون بأنصاف الحلول، وقد يفرضون علي أنفسهم عقوبات صارمة إذا تلكأتفي تنفيذ طاعة، أو تراخت في أداء واجب، كما أنهم كانوا مثابة للناس وأمناً إبان الفزع والرعب، فلم يؤثر عن صوفي حق أنه جبن، أو تراخي، أو تزعزت عقيدته، أو دعاه الحرص علي الحياة إلي التخاذل، فمن بعض صفات الصوفي الناضج أنه لو نصب له سنان في أعلي شاهق في الأرض، وهبت له الرياح .. ما حركت منه شعرة واحدة، وقصة الشبلي مع الثوري جد شهيرة، ومفخرة لإيثار الأصدقاء بالروح (5).

وكما امتدح الكاتب ثبات الشخصية الصوفية وتماسكها من أجل وحدة الأمة ورصانة بنيانها، فهو يؤمن أيضا أن الشخصية الصوفية تؤمن بضرورة القضاء علي أسباب الفرقة والاختلاف، وبأن نسترد الخارج عن المصلحة العامة، والمجانب لطريق الحق، إلي اجتماع الأمة والجماعة، وهنا نجده يستشهد بقول الإمام أبي حامد الغزالي الذين يقول بأن من عادة الصوفية إزاء ظاهرة الفرقة تظهر بظهور النفوس، وظهور النفوس من تضييع الوقت، فأي وقت ظهرت نفس الفقير، علموا خروجه من دائرة الجمعية، وحكوا له بتضييع الوقت، وإهمال السياسة، وحسن الرعاية، فيعاد بالمناقشة إلي دائرة الجمعية (6) .

وثمة نقطة جديرة بالإشارة يؤكد عليه الكاتب ألا وهي قوله والذي يقول فيه:"  فلعل القارئ يلاحظ حرارة الدفاع عن التصوف فيظن أن لي قدماً فيه، حيث أكتب من موقف المتحيز، والواقع أنني حين أقدمت علي دراسة التصوف كنت في وضع يسمح لي بالتمتع ببعض الشخصيات الممتازة الذين تفتحت بصيرتهم دون جلبة أو ضجة، فرأيت في هؤلاء ترجمة فطرية للحقائق الثابتة في التصوف، وأعانني ذلك علي تفهم بعض الجوانب التي لم يكن لي أن أهضمها لولا شرف هذه اللقاءات (7).

لقد ضربت هذه الشخصيات أروع الأمثلة وقدمت أبلغ البراهين علي تحقيق المعرفة والإلهام عن طريق الود مع الله وتقواه، ومن استقراء هؤلاء الأعلام كما يقول الكاتب يتضح لنا بما لا يدع للشك أن التصوف ينتمي فعلاً إلي الأشياء الصعبة التي تحدث عنها اليفيلسوف اليهودي النمسوي "أسبينوزا" عندما قال " كان الطريق الذي بينه صعباً جدا، فإنه رغم ذلك ممكن الارتداد والاكتشاف، ومن الواضح أنه يجب أن يكون صعباً، وأن يكون نادراً، وإلا ما تجاهله عملياً معظم الناس مع أنه طريق الخلاص، إن كل الأشياء الممتازة صعبة، كما أنها نادرة" (8)، ولهذا السبب أكد الدكتور جعفر أنه لا يمكن أن يجحد المرء أن التصوف – كتراص إنساني عام – كتراث إنساني عام – صوراً كثيرة منحرفة، ولكن الصوفية الخلص أنفسهم تولوا محاربتها، ورفضها والتنديد بأصحابها (9) .

ويتساءل الكاتب سؤالا مهما: هل استنفد التصوف قدراته، وفقد قوته، أم أن له املاً في المستقبل؟

والإجابة كما يذكر الكاتب ليست سهلة بالمرة كما يزعم الباحثين، فإن هؤلاء يتصفحون تاريخ عدد يقل أو يكثر من الصوفية، ثم ينظرون حولهم فلا يجدون شيئاً مما يتحدث عنه هؤلاء الصوفية فيمن حولهم فيظنون بذلك أن القيم الروحية الكبري آلت فعلا إلي الزوال، ولم يعد لوجودها وزن، ويشبه هذا رأي هؤلاء الذين انتهي حسن ظنهم بالوجود أو بالناس بناء علي ما يلقونه في حياتهم اليومية، حتي لتجد معظمهم يعتقد اعتقادا جازماً بأن الخير قد ولي إلي غير رجعة، ولو حسن عمل هؤلاء وطهرت سرائرهم، لرأوا في الوجود جوانب الخير وطغي، وإلا اختل ميزان الوجود وحدثت الطامة الكبرى (10) .

وإذا كان هناك من الباحثين كما يري الكاتب من تنبأ بتعميم الوجود الصافي بعد قدر كبير من السنين، فإننا ليسنا علي يقين من قوانين التطور ذاتها، سواء كان تطوراً بيولوجياً، أو غير بيولوجي، لأننا لا نملك كما يقول الكاتب أن نستنبط مما هو كائن ما سيكون فعلاً بكل ثقة، وإن كنا قد نملك أن نتنبأ بما قد يكون علي وجه الاحتمال، أي أننا لا يمكننا التنبؤ الصحيح (11) .

وكتاب " التصوف طريقة وتجربة ومذهبا" كما يري الدكتور جعفر في فضلة الأول والذي عنوانه "التصوف" يلمس ثلاثة اتجاهات في تعريفه: الاتجاه الأول: قول بعضهم في تعريف التصوف الإسلامي " التصوف خلق " فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء، أو قول بعضهم " التصوف هو الدخول في شئ سني والخروج من كل خلق دنئ "، لأنه لو كان رسما لأمكن تحصيله بالمجاهدة، ولو كان علما لأمكن تحصيله بالتعلم " هو إذن تخلق بأخلاق الله التي لا يمكن أن نقبل عليها بمجرد العلم أو الرسم، وقد نص الصوفية بالفعل علي مكارم أخلاقية خاصة، رأوا وجوب التحلي بها كما سجلها التاريخ المنصف، ولكن ذلك لا يدعونا إلي اعتبار أن الجانب الأخلاقي هو الممثل الوحيد للتصوف،وإن كان من أهم الجوانب من الناحية العملية الإيجابية (12) .

والاتجاه الثاني كما يري الكاتب هو ذلك الاتجاه الذي يربط التصوف بالزهد والتنسك والعبادة إنما يهتم بالوسيلة الذي قد يتخذها التصوف، وهو يخلط في الواقع بين الزاهد والعابد والمتصوف، وذلك لليبب البسيط، وهو أن الصوفية زهاد ونساك قبل كل شئ .. وهناك محاولة كما يذكر الكاتب للتفريق بين هذه الطوائف الثلاث قدمها الفيلسوف المسلم "ابن سينا" الذي رأي أن الزاهد: هو المعرض عن متاع الدنيا وطيباتها، والعابد: هو المواظب علي القيام بالعبادات من صلاة وصيام وقيام وغيرها (14)، ويلاحظ الكاتب أن هذا النوع الثالث الذي وصفه ابن سينا " بالعارف" يغلب عليه طابع ابن سينا الإشراقي الفلسفي، ولا يوجد اعتراض من الصوفية علي هذا، إذ يلاحظ الكاتب أن صوفية كثيرين حاولوا جاهدين أن يفرقوا بين زهدهم وطريقتهم وبين زهد وطريقة الفلاسفة، والمهم في تفصيلات ابن سينا هو النتيجة التي وصل إليها وهي اجتماع الزهد والعبادة وحدهما، فكل صوفي زاهد وعابد ضرورة، وليس كل زاهد وعابد صوفيا بالضرورة (15).

أما الاتجاه الثالث الذي يربط بين التصوف وبين المعرفة والمشاهدة ورؤية القلب وانفتاح البصيرة، فهو أكثر الاتجاهات روحية، وأمسها بجانب التجربة النفسية ذاتها، ويعزي الكاتب هذا الاتجاه إلي قول بعض الصوفية عن الصوفي إنه " من صفي قلبه، فأمتلئ قلبه نوراً، ومن دخل في عين اللذة بذكر الله " .. ويلاحظ الكاتب في هذا التعريف الإشارة إلي أن فعل التصفية والتطهير وهبي وليس مكتسباً، كما أن الجزء الأخير من التعريف يشير إلي الحالة النفسية التي يحتل فيها المذكور نطاق الشعور كله، بل ويضرب في أعماق الشعور نفسه، بحيث يكون مصدر حياة روحية، يعجز كل تعبير عن تصوير لذاتها وجمالها، وقد تتطور عملية الذكر من كونها مجرد قول أو نطق إلي حركة دائبة للقلب، مع تركيز مستمر علي الهدف حتي تصير حياة روحية كاملة تتمثل – إما في الغيبة بالمذكور كطرف ثان، أو بالحضور معه علي حساب قوة الشعور وظروف الصوفي، فإن قلت إن هذه حالة وجدانية صدقت، وإن قلت إنها حالة معرفية صدقت أيضاً، لأننا سنعرف أن كل تجربة تستدعي تأملاً وتقييماً خاصاً، وإن قلت إنها حالة سلوك لم تعد الحقيقة، فالجوانب الثلاثة تتعاون في صهر هذه التجربة (16).

وينتهي الكاتب من قراءة الاتجاهات الثلاثة إلي حقيقة هامة وهي أن أغلب التعريفات لا تصور التصوف في ذاته بقدر ما تصور ما يراه الصوفي مثاليا بالنسبة له، سواء وصل هذا الصوفي إلي هذا الصوفي إلي هذا المثال أو لم يصل، ومن أمثلة هذه التعريفات كما يقول الكاتب قول بعضهم إن التصوف " هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به "، أو قولهم " " التصوف صفاء ومشاهدة"، وهو كما يري الكاتب تعريف يتضمن الوسيلة ( الصفاء) والغاية ( المشاهدة) .. ونكتفي بهذا القدر في هذا المقال وللحديث بقية عن موقف الكاتب من التصوف والحضارة (17).

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

1- محمد كمال جعفر: التصوف طريقا وتجربة ومذهبا، دار الكتب الجامعية، القاهرة، 1970، ص 13.

2- نفس المصدر، ص 17

3- نفس المصدر، ص18.

4- نفس المصدر، ص 14.

5- نفس المصدر، ص 18.

6- نفس المصدر، ص 19.

7- نفس المصدر، ص 20.

8- نفس المصدر، ص 20.

9- نفس المصدر، ص 20.

10- نفس المصدر، ص 20.

11- نفس المصدر، ص21.

12- نفس المصدر، ص 29.

13- نفس المصدر، ص 29.

14- نفس المصدر، ص29.

15- نفس المصدر، ص29.

16- نفس المصدر، ص 30.

17- نفس المصدر، ص 31.

 

 

صلاح حزامالفيلسوف الوجودي الفرنسي الراحل، جان پول سارتر، يستخدم في كتاباته مصطلح يطلق عليه: السقطة .

وبشكل مختصر، يستخدمه سارتر، للأشارة الى ان السقطة تعني " قيام الانسان بفعل معيّن او اتخاذ قرار معيّن بشكل حر، لكنه يرفض تحمّل تبعاته السلبية مهما كانت ويبدأ بالتذمّر وإلقاء مسؤولية ذلك القرار على الآخرين".

ويرى سارتر ان الانسان عندما يُلقي اللوم على غيره فأنه يفقد انسانيته بالكامل، لأنه يعترف بفقدانه للحرية.

وسوف استعير التعريف ادناه الذي جاء في أحدى الدراسات عن الفلسفة الوجودية.

(فالسقوط (او السقطة) هو عندما يتخلّى شخصٌ عن خَلقِ نفسه وخَلق وجود حقيقي خارجًا عن الظروف التي وجد نفسه بها، فَيبتعدُ عن ذاتهِ الآنية، ويكرر فقط ما يُقال له، ويحولُ عن صنع القيمة والمعنى، أي سقط في "سوء النيّة" للحدّ الذي لم يعدْ يدرك أو يعترف بحرّيتهِ.)

اردت بهذا التقديم الموجز ان اجعله مقدمة لتناول موضوع سلوكي ونفسي لدى الكثير من الأفراد والمجتمعات، التي اعتادت إلقاء اللوم على جهة معينة او حدث معيّن، عند اتخاذ قرارات خاطئة تترتب عليها نتائج سيئة.

الرجل الذي يقول: ورّطني فلان او خدعني، هو في الحقيقة يُعلِن عن نقصه وفشله وفقدان حريته، وبالتالي انسانيته.

مجتمعات كاملة تعتقد ان مصائبها كلها من وراء جهة معينة (دولة او منظمة الخ ...)، دون ان تعي ان السماح لتلك الجهة بالتلاعب بها هو عَيب خطير ولايجوز للمجتمع ان يتغنّى به ويعلّق عليه خسائره.

نفي القصور الذاتي وادّعاء الكمال والقاء اللوم على الآخرين، سلوك خاطيء وخطير لأنه يمنع اي امكانية لمراجعة السلوك، سواء للفرد او المؤسسة، ولذلك تتكرر الاخطاء.

دولة تقوم بارادتها الحرة ومع سبق الأصرار والتخطيط (كما اعلنت قياداتها لاحقاً واعترفت)، بغزو واحتلال دولة أخرى مستقلة، لكنها عندما تتلقى صفعة المجتمع الدولي والقوى النافذة في العالم، تصرخ بقوة:

لقد غدر الغادرون !!

من غَدَرَ بِمَن؟

يفشل الطالب في جامعة اجنبية، فيبرر ذلك بوجود استاذ يكره العرب والمسلمين !!! مع ان الطالب فاشل وكسول ولايستحق الذهاب للدراسة في تلك الجامعة..

لقد تعبنا من تكرار القاء اللوم على المؤامرات الاجنبية واعداء الأمة الخ ..

الى متى تستمر حياكة المؤامرات ضدنا ونحن نتفرج؟ اذا كنا قد ادركنا الجهات التي تتآمر علينا، لماذا لانمنع تلك الجهات ونجعل مهمتها التآمرية غير ممكنة؟

بعضنا وصل به الأمر الى حد تفسير الاحداث العالمية الكبرى باعتبارها وقعت نتيجة مؤامرات خارجية او عمالة وخيانة شخص معين.. قالوا ان سقوط الاتحاد السوفيتي يعود الى مؤامرة ونتيجة خيانة غورباتشوف!!

هل يُعقل ان كياناً عملاقاً كالاتحاد السوفيتي يُسقطه تآمر فرد؟؟ بعد ان كان قائماً لأكثر من سبعين عاماً؟ وأي كيان هش هذا الذي يُسقطهُ فرد؟؟

قادة الاتحاد السوفيتي ومفكروه قالوا ان النظام نفسه ارتكب اخطاء ادت الى سقوطه، لكن البعض لدينا يرفض ذلك التفسير ويُصِر على فكرة المؤامرة الامبريالية !!! انهم لايمنحون انفسهم فرصة للتفكير لتفسير الأحداث واسباب وقوعها..لذلك تتكرر لدينا الأخطاء.

قال أحد المسؤولين الحزبيين في الثمانينيات، في ندوة للطلبة خارج العراق: هل تعلمون لماذا تُطيل ايران أمد الحرب؟ ولماذا يساعدها اعداء العراق والعرب؟ انهم يستهدفون تجربة العراق العظيمة، انها تخيفهم ويريدون سرقة التجربة !!!

في نفس الليلة اتصل بي صديق بعد منتصف الليل تلفونياً، وقال لي: أني أشعر بالأرق والقلق والخوف ولا استطيع النوم .سألته: سلامات، لماذا تقلق؟

اجابني بحزن: انه يخاف على التجربة!!بعد التحذيرات التي سمعها من ذلك المسؤول حول امكانية سرقة التجربة..

ضحكنا طويلاً، خاصة عندما قال ساخراً: ماذا سنفعل اذا ضاعت التجربة؟ ومن اين سوف نأتي بتجربة مثلها؟

يومها كانت مجازر معركة نهر جاسم تدور،،،،، دفاعاً عن التجربة!!!!

قلت له: اخشى ان تتكشف هذه التجربة اللعينة عن مهزلة ومأساة كبرى ..وهذا ماحصل ...

 

د. صلاح حزام