صالح الفهديأَقْعَىْ عَلَى الْكُرْسِيِّ، قَطَّبَ وَاقْشَعَرّْ

               مُتَكَبِّراً، مُتَغَطْرِساً لَمَّاْ زَجَرْ

مَاْ ضَاقَ كُرْسِيٌّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَاْ

          ضَاقَتْ عَلَيْهِ بَصِيْرَةٌ تُدْنِي الْبَشَرْ

مَاْ كَانَ يَعْرِفُ نَفْسَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ

         يَقْعُوْ عَلَىْ كُرْسِيِّهِ؛ كَيْفَ اسْتَقرّْ؟!

مَا ظَنَّهُ كُرْسِيَّ دَارَ بِغَيْرِهِ

           بَلْ ظَنَّهُ الْعَرْشَ الْعَلِيَّ الْمُبْتَكَرْ!!

وَرَأَى الْوَظِيْفَةَ سُلْطَةً مَوْرُوْثَةً

       عَنْ كَابِرٍ؛ وَهُوَ الْمُتَوَّجَ مِنْ مُضَرْ!

فَإِذَا هُوَ الطَّاوُوسُ يَنْفُشُ رِيْشَهُ

           تِيْهاً؛ كَنَشْوَانِ الْمُدَامَةِ إِنْ سَكَرْ!

مِسْكِيْنُ هَذَا الْغِرُّ فِيْ خُيْلَاْئِهِ؛

            لَمْ يَدْرِ أَنَّ الدَّرْبَ عُقْبَاهُ الْحُفَرْ!

وَلَوِ اشْرَأَبَّ بِرَأْسِهِ لَرَأَى الَّذِيْ

     حَمَلَ الْوِزَارَةَ لَيْسَ يَعْرِفُ مَا الْبَطَرْ!

وَرَأَى الْأَمِيْرَ وَقَدْ تَوَاضَعَ جَنْبُهُ

         لِلنَّاسِ، وَهُوَ ابْنُ الْأَكَارِمِ وَالْغُرَرْ!

مَا النَّاس فِيْ شَرَفِ الْمَكَانَةِ وَالْعُلَاْ

                 إِلَّاْ ذَوُوْ خُلُقٍ يُنَالُ بِهِ وَطَرْ

فَإِذَاْ تَذَاكَرَهُمْ أُنَاسٌ سِيْرَةً

               قَرَنُوْهُمُ بِالْفَرْقَدَيْنِ وَبِالدُّرَرْ!

أَمَّا الَّذِيْنَ تَبَطَّرُوْا أَمْثَالُهُ؛

          فَحَصَادُ مَنْ بَذَرَ الْمَظَالِمَ مَاْ بَذَرْ!

كَمْ مِثْلِهِ مُرِغُوْا كَأَيَّةِ ذَرَّةٍ

         وَالرِّيْحُ تَعْصِفُ بِالْغُبَارِ وَلَاْ تَذَرْ!

وَاللهُ يُمْهِلُ مَنْ يُصَعِّرُ خَدَّهُ

               لِلنَّاسِ كِبْراً، ثُمَّ يَطْوِيْهِ الْقَدَرْ

"إنَّ المناصبَ لا تدومُ لواحدٍ"

              وشَواهِدُ التَّاريخِ عِبْرَةُ معْتَبِرْ

مَهْلاً عَلَيْكَ، فَمَاْ عَلَاْ مُتَكَبِّرٌ؛

              إِلَّاْ وَجَاءَ بِسُوْءِ مَهْلِكِهِ خَبَرْ!!

           ***

د. صالح الفهدي

أَقْعَىْ عَلَى الْكُرْسِيِّ، قَطَّبَ وَاقْشَعَرّْ

               مُتَكَبِّراً، مُتَغَطْرِساً لَمَّاْ زَجَرْ

مَاْ ضَاقَ كُرْسِيٌّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَاْ

          ضَاقَتْ عَلَيْهِ بَصِيْرَةٌ تُدْنِي الْبَشَرْ

مَاْ كَانَ يَعْرِفُ نَفْسَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ

         يَقْعُوْ عَلَىْ كُرْسِيِّهِ؛ كَيْفَ اسْتَقرّْ؟!

مَا ظَنَّهُ كُرْسِيَّ دَارَ بِغَيْرِهِ

           بَلْ ظَنَّهُ الْعَرْشَ الْعَلِيَّ الْمُبْتَكَرْ!!

وَرَأَى الْوَظِيْفَةَ سُلْطَةً مَوْرُوْثَةً

       عَنْ كَابِرٍ؛ وَهُوَ الْمُتَوَّجَ مِنْ مُضَرْ!

فَإِذَا هُوَ الطَّاوُوسُ يَنْفُشُ رِيْشَهُ

           تِيْهاً؛ كَنَشْوَانِ الْمُدَامَةِ إِنْ سَكَرْ!

مِسْكِيْنُ هَذَا الْغِرُّ فِيْ خُيْلَاْئِهِ؛

            لَمْ يَدْرِ أَنَّ الدَّرْبَ عُقْبَاهُ الْحُفَرْ!

وَلَوِ اشْرَأَبَّ بِرَأْسِهِ لَرَأَى الَّذِيْ

     حَمَلَ الْوِزَارَةَ لَيْسَ يَعْرِفُ مَا الْبَطَرْ!

وَرَأَى الْأَمِيْرَ وَقَدْ تَوَاضَعَ جَنْبُهُ

         لِلنَّاسِ، وَهُوَ ابْنُ الْأَكَارِمِ وَالْغُرَرْ!

مَا النَّاس فِيْ شَرَفِ الْمَكَانَةِ وَالْعُلَاْ

                 إِلَّاْ ذَوُوْ خُلُقٍ يُنَالُ بِهِ وَطَرْ

فَإِذَاْ تَذَاكَرَهُمْ أُنَاسٌ سِيْرَةً

               قَرَنُوْهُمُ بِالْفَرْقَدَيْنِ وَبِالدُّرَرْ!

أَمَّا الَّذِيْنَ تَبَطَّرُوْا أَمْثَالُهُ؛

          فَحَصَادُ مَنْ بَذَرَ الْمَظَالِمَ مَاْ بَذَرْ!

كَمْ مِثْلِهِ مُرِغُوْا كَأَيَّةِ ذَرَّةٍ

         وَالرِّيْحُ تَعْصِفُ بِالْغُبَارِ وَلَاْ تَذَرْ!

وَاللهُ يُمْهِلُ مَنْ يُصَعِّرُ خَدَّهُ

               لِلنَّاسِ كِبْراً، ثُمَّ يَطْوِيْهِ الْقَدَرْ

"إنَّ المناصبَ لا تدومُ لواحدٍ"

              وشَواهِدُ التَّاريخِ عِبْرَةُ معْتَبِرْ

مَهْلاً عَلَيْكَ، فَمَاْ عَلَاْ مُتَكَبِّرٌ؛

              إِلَّاْ وَجَاءَ بِسُوْءِ مَهْلِكِهِ خَبَرْ!!

           ***

د. صالح الفهدي

 

 

علي القاسميبقلم الكاتب الأمريكي الهندي الأحمر: شيرمَن ألكسي

ترجمة: علي القاسمي


في يوم من الأيام، تمتلك داراً، وفي اليوم التالي لا تمتلكه، ولكني لن أخبرك عن الأسباب المخصوصة التي جعلتني مشرَّداً بلا مأوى، لأن ذلك هو السرّ في قصّتي، والهنود الحمر يجهدون أنفسهم لكتمان أسرارهم من الناس البيض الجشعين.

أنا هندي من قبيلة السبوكين، من ساليش الداخلية، وعاشت قبيلتي ضمن محيط مئة ميل حول بلدة سبوكين في ولاية واشنطن طوال عشرة آلاف سنة على الأقل. نشأتُ في سبوكين، وانتقلتُ إلى مدينة سياتل قبل ثلاثة وعشرين عاماً للالتحاق بالكلِّية، وبعد فصليْن دراسيَّين طُرِدتُ من الكلية، وزاولت أعمالاً مختلفة في وظائف كتابية؛ تزوَّجتُ مرَّتيْن أو ثلاث، وصرتُ والداً لطفليْن أو ثلاثة، وبعد ذلك جُنِنتُ. طبعاً، “ الجنون” ليس التعريف الرسمي لمشكلتي العقلية، ولكني لا أعتقد أن “ الاضطراب اللاإجتماعي”  يلائم حالتي، لأن ذلك يجعلني أبدو مثل قاتل مهووس أو ما أشبه. فأنا لم أُلحِق الأذى بأيِّ إنسان، أو، على الأقل، لم أُلحق أذىً جسدياً، بأي إنسان. لقد حطَّمتُ بعض القلوب في زماني، ولكنّنا جميعاً فعلنا ذلك، ولهذا فأنا لستُ وحدي في ذلك. وأنا محطِّمُ قلوبٍ مُملٌّ، أيضاً. فأنا لم أصاحب أو أتزوج أكثر من امرأة واحدة في كلِّ مرَّة. وأنا لم أحطّم القلوب إلى شظايا بين عشية وضحاها. كنتُ أُحطم القلوب ببطءٍ وعناية. ولم أسجِّل رقماً قياسياً في سرعة الهروب من المنزل. كنتُ أختفي شيئاً فشيئاً. ومنذ ذلك الحين وأنا مختفٍ.

الآن، أنا مشرَّدٌ بلا مأوى منذ ست سنوات. وإذا كان ثمّة مشرَّدٌ فعّال، فأفترض أنّني فعال. ولعلَّ التشرُّد هو الشيء الوحيد الذي أُجيده. فأنا أعرف أين أجد أفضل طعام مجاني. وربطتُ علاقات ودّية مع مديري المطاعم والمحلات التجارية الذين يسمحون لي باستعمال مراحيضهم. لا أقصد المراحيض العمومية، بل أقصد مراحيض المستخدمين، النظيفة المخفيّة خلف المطبخ أو الخزانة أو المبردة. أعلم أن التبجُّح بذلك يبدو غريباً، لكن ذلك يعني الشيء الكثير بالنسبة إليّ، فأنا أنال الثقة الكافية للسماح لي بالتبول في مرحاضٍ نظيفٍ يخصُّ غيري. لعلَّك لا تفهم قيمة المرحاض النظيف، ولكنّي أدرك ذلك.

من المحتمل أن لا شيء من ذلك يعنيك، فأنتَ تجد الهنود الحمر المشرَّدين في كلِّ مكان في مدينة سياتل. فنحن عاديون ومُملّون، وقد تسير بالقرب منا، وتلقي نظرة غضب أو اشمئزاز أو حتّى حزن على المصير الفظيع لهؤلاء الهمجيّين ذوي الشهامة. بيدَ أنَّ لنا عائلاتنا وأحلامنا. لي صديقٌ هنديٌّ أحمر من السهول له ابنٌ يعمل محرّراً في جريدةٍ كبيرة في الشرق الأمريكي الذي غادره. ولكنَّنا، نحن الهنود، بارعون في سرد القصص وفي الكذب واختلاق الأساطير، ولهذا فقد يكون ذلك الهندي الأحمر من السهول مجرَّد هندي عجوز اعتيادي بسيط. فأنا أرتاب فيه نوعاً ما، لأنَّه يعرِّف نفسه بكونه هندياً من السهول، وهذا مصطلحٌ عامٌّ، ولا ينتسب إلى قبيلةٍ معيّنة. وعندما سألته لماذا لا يخبرني بالضبط مَن هو، قال: “ وهل أيٌّ منا يعرف مَن نحن بالضبط؟”. نعم، رائع، هنديٌّ مُتفلسِفٌ. قلتُ: “ يا هذا، لا بدَّ أن يكون لك دارٌ لتكون أليفاً إلى هذا الحدّ.”. فضحك واستدار وانصرف.

أتجول في الشوارع مع عصبتي المعتادة ـ زملائي والمدافعين عني وأنصاري: أنا وروز أوف شارون وجونيور. ونحن نهمّ أحدنا الآخر، إذا لم نكن نهمّ أيَّ شخصٍ آخر. روز أوف شارون امرأة ضخمة، يبلغ طولها حوالي سبعة أقدام، إذا كنتَ تتكلَّم عن المظهر الجسدي فقط. وهي هنديّة من قبيلة الياكاما من عشيرة الوشرام. وجونيور من قبيلة الكولفيل، ولكن توجد حوالي 199 عشيرة ضمن قبيلة الكولفيل، ولهذا فهو يمكن أن يكون أيَّ شيء. وهو وسيمٌ مع أنَّه يبدو كما لو أنه خرج من بعض إعلاناتِ الإدارة العامة: “ لا ترمي الأزبال على الأرض!” عظام خديه كبيرة مثل الكواكب، مع أقمار صغيرة تدور حولها. وهو يجعلني أغار وأغار وأغار. فإذا وضعتَ جونيور بجانبي، يبدو هو مثل هندي قبل وصول كولومبس، وأنا هندي بعد وصول كولومبس. فأنا البرهان الحيّ على الضرر الفظيع الذي ألحقه بنا الآخرون. ولكنني لا أُطلعك على خوفي أحياناً من التاريخ وحبائله. أنا رجلٌ قويّ وأعرف أنَّ الصمت أفضلُ طريقةٍ للتعامل مع الناس البيض.

في الحقيقة، بدأت هذه القصة بأكملها وقت الغداء، عندما كنا أنا وروز أوف شارون وجونيور في سوق ميدان بايك. فبعد ساعتين من التسوُّل، حصلنا على خمسة دولارات ـ وهي كافية لاقتناء قنينة من الشجاعة من أفخر نوع في العالم، 7 ـ 11. وهكذا توجَّهنا في تلك الطريق ونحن نشعر مثل محاربين سكارى، ومررنا بدكانٍ للمرهونات  لم ألحظه من قبل. ولكنَّ أغربَ شيءٍ رأيتُه على الإطلاق كان بذلة رقص للمهرجانات الهندية بالنصر، معلّقة في واجهة الدكان.

قلتُ لروز أوف شارون وجونيور : " تلك هي بذلة جدّتي."

فسأل جونيور: " وكيف تعرف ذلك بصورة مؤكَّدة؟"

لم أكُن أعرف ذلك على وجه التأكيد، لأنَّني لم أرَ تلك البذلة بنفسي أبداً. كنتُ قد رأيتُ فقط صوراً لجدتي وهي ترقص بها. وكانت تلك الصورة قد التُقطت قبل أن يسرق البذلةَ شخصٌ ما قبل خمسين عاماً، وكان لها نفس الريش الملوَّن والخرز الذي كانت عائلتي تخيطه في بذلات الرقص.

فقلتُ: " هنالك طريقةٌ واحدة فقط لمعرفة ذلك بالتأكيد."

وهكذا دخلنا أنا وروز أوف شارون وجونيور في الدكّان وألقينا التحية على الرجل الأبيض الكبير الذي يعمل خلف النضد.

فسأل الرجل: " كيف أستطيع مساعدتكم؟"

قلت: " إنَّ تلك البذلة في واجهة دكّانك هي لجدتي. سرقها شخصٌ ما منها قبل خمسين عاماً. ولا تزال عائلتي تبحث عنها منذ ذلك الحين."

نظر إليّ صاحب الدكان كما لو كنتُ كاذباً. وأنا أعلم أنَّ دكاكين المرهونات تمتلئ بالكذّابين.

فقلتُ: " أنا لستُ كاذباً. اسأل صديقَيَّ، وسيخبرانك."

قالت روز أوف شارون: " إنَّه أصدقُ هنديٍّ عرفتُه."

قال صاحب الدكان: " طيّب، هندي صادق. نظراً لعدم وجود الأدلَّة الكافية، لا أتَّهمكَ بالكذب، ولكن هل تستطيع أن تبرهن على أنَّ البذلة هي لجدتك؟"

ولأنَّ الهنود لا يريدون أن يكونوا كاملين، الله وحده هو الكامل، فإنَّهم كانوا يتركون شقوقاً في بذلات رقصهم الاستعراضية. وكانت أسرتي تخيط خرزة صفراء في بذلاتنا. بيدَ أنهم كانوا يخفون تلك الخرزة بحيث لا تعثر عليها إلا بعد بحثٍ شاق.

قلتُ: "إذا كانت حقّاً بذلة جدتي، فستكون فيها خرزة صفراء مخفيّة في مكانٍ ما."

فقال صاحب الدكان: " طيّب، إذن لنلقي نظرة عليها."

سحب البذلة من واجهة المحل، ووضعها على النضد الزجاجي، وفتَّشنا عن الخرزة الصفراء، ووجدناها مخفية تحت إبط البذلة.

فقال صاحب الدكان: " ها هي." ولم تبدُ الدهشة عليه، " أنتَ على حقّ. هذه بذلةُ جدّتِكَ."

قال جونيور: " لقد كانت مفقودة منذ خمسين عاماً."

قلتُ: " يا جونيور، إنَّها قصَّة عائلتي. دعني أرويها."

قال: " طيب. أعتذر. تفضَّل."

قالت روز أوف شارون: " هذه هي قصَّة عائلته الحزينة. هل ستعطيه البذلة؟"

قال صاحب الدكان: " هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي أن أفعله. ولكن ليس في وسعي أن أفعل الشيء الصحيح. لقد دفعتُ ألف دولارٍ لقاءها. لا يمكنني أن أتخلى عن ألف دولار بهذه البساطة."

قالت روز أوف شارون: " نستطيع أن نذهب إلى الشرطة ونخبرهم بأنَّها مسروقة."

قلت لها: " اسمعي، لا تأخذي بتهديد الناس."

تنهَّد صاحب الدكان وقال:  " حسناً، أفترض أنَّ في استطاعتكم الذهاب إلى الشرطة.  ولكن لا أظنّهم يصدّقون كلمةً مما تقولون."

وبدا حزيناً بشأن ذلك، كما لو كان آسفاً لأنه يستغلُّ نقاط ضعفنا.

" ما اسمك؟" سألني صاحب الدكان.

قلتُ: " جاكسون"

" هل هذا اسمك الشخصي أم اسمك العائلي؟"

قلتُ: " كلاهما"

" هل أنتَ جاد؟"

" نعم، هذه هي الحقيقة. فأمّي وأبي سمياني جاكسون جاكسون. فلقب عائلتي جاكسون سكوارد. عائلتي مضحكة."

قال صاحب الدكان: " طيب، يا جاكسون جاكسون. هل لديك ألف دولار؟"

قلتُ: " لدينا ما مجموعه خمسة دولارات."

قال: " هذا سيءٌ للغاية." وأطرقَ يفكّر في الاحتمالات. " كنتُ سأبيع البذلة لك لو كان لديك ألف دولار، وتوخياً للعدل، سأبيعها لك مقابل تسعمئة وتسعة وتسعين دولاراً. سأخسر دولاراً. ذلك هو الشيء الأخلاقي الذي ينبغي أن أفعله في هذه الحال. خسارة دولار هو الشيء الصحيح."

فكرَّرتُ قولي: " لدينا ما مجموعه خمسة دولارات."

فقال مرّة أخرى: " هذا سيءٌ للغاية." وأطرق يفكّر في الاحتمالات. " ماذا تقول بهذا؟ سأعطيك أربعاً وعشرين ساعة لتأتي بتسعمئة وتسعة وتسعين دولاراً. فلتأتِ إلى هنا وقت الغداء غداً مع النقود، وسأبيعها لك. ما رأيك في ذلك؟"

قلتُ: " يبدو حسناً."

قال: " طيب، إذن. توصّلنا إلى صفقة. وسأجعلك تبدأ. هذه عشرون دولاراً."

فتح محفظته وسحب منه ورقة نقدية مجعدة من فئة عشرين دولاراً وأعطاها لي. وخرجنا أنا وروز أوف شارون وجونيور إلى ضوء النهار لنبحث عن تسعمئة وأربعة وتسعين دولارا أخرى.

الساعة 1 بعد الظهر:

حملنا أنا وروز أوف شارون وجونيور ورقتنا النقدية ذات العشرين دولاراً، ودولاراتنا الخمسة بالنقود المعدنية، وتوجّهنا إلى (7 ـ 11)، واشترينا ثلاثاً من قناني الخيال. فقد كنا في حاجة إلى تصوُّر كيفيّة جمع كلّ ذلك المبلغ المطلوب في يومٍ واحد فقط. وقمنا بتفكير جادٍّ ونحن نسير في ممشى تحت جسرِ طريق ألاسكا، وأتينا على القناني الثلاث ـ واحد، اثنين، ثلاثة.

الساعة 2 بعد الظهر:

عندما أفقتُ، كانت روز أوف شارون قد انصرفت. وسمعتُ لاحقاً أنّها سافرت مع سيارة مارة عائدة إلى توبنيش، وأقامت مع اختها في المحمية.

أما جونيور فقد أُغمي عليه بجانبي، وقد غطّاه قيؤه، أو ربما قيءُ شخصٍ آخر. وكان رأسي يؤلمني من شدّة التفكير، ولهذا تركته وحده وسرتُ منحدراً إلى الماء. فأنا أحب رائحة ماء المحيط. فرائحة الملح تشبه الذكرى دائماً.

عندما وصلتُ إلى رصيف تحميل السفن، التقيتُ مصادفة بثلاثة من أبناء عمي من قبيلة الأليوت، كانوا جالسين على مسطبةٍ خشبية ويحدِّقون في الخليج ويبكون. فمعظم الهنود المشردين في مدينة سياتل هم من الألاسكا. واحداً واحداً، كلُّ واحدٍ منهم، قفز إلى إحدى السفن العاملة في الكوارج أو بارو أو جونو، وأخذ طريقه إلى مدينة سياتل، وقفز من سفينته وجيبه مليء بالنقود ليحتفل بشدّة في إحدى الحانات التقليدية والمقدَّسة جدا لدى الهنود، وراح يفلس ويفلس، وصار يحاول أن يجد طريق العودة إلى السفينة وإلى الشمال المتجمِّد.

كانت تنبعث من هؤلاء الأليوت رائحةٌ مثل رائحةِ سمكِ السلمون. وخمَّنتُ وأخبروني أنهم سيظلّون جالسين على تلك المسطبة الخشبية حتى تعود سفينتهم.

وسألتهم : " منذ متى غادرت سفينتكم؟"

فقال الأكبر سناً : " منذ أحد عشر عاماً."

قلتُ: " هل لديكم أيها الرجال مالٌ أستطيع أن أقترضه؟"

لم يكُن لديهم شيء.

الساعة 3 بعد الظهر:

سرتُ راجعاً إلى جونيور. كان ما يزال في الخارج بارداً. قرّبتُ وجهي إلى فمه لأتأكد ما إذا كان يتنفّس. كان حيّاً، ولهذا أخذتُ أفتش في سرواله البلو جينز، ووجدتُ نصف سيكارة، فدخنتها بأكملها حتى نهايتها، وأخذتُ أفكّر في جدتي.

كان اسمها أجنز، وقد توفيت بسبب سرطان الثدي عندما كان عمري أربعة عشرعاماً. وطبقاً لما رواه والدي دائماً، فإنَّ أجنز أصيبت بالأورام السرطانية من منجم اليورانيوم الموجود في المحمية. ولكن أُمّي قالت إنَّ المرض بدأ عندما كانت أجنز عائدة ذات ليلة من مهرجانٍ دينيٍّ للهنود الحمر ودهستْها دراجةٌ نارية، وكسرت ثلاثة من ضلوعها. وكانت أُمي تقول دائماً إن تلك الضلوع لم تلتئم بصورةٍ صحيحة أبداً، وتتغلَّب الأورام السرطانية حينما لا تُشفى تماماً.

وفيما كنتُ جالساً بجانب جونيور، وأنا أشمُّ رائحة الدخان والملح والقيء، تساءلتُ ما إذا كان سرطان جدتي قد بدأ عندما سرق أحدهم بذلتها للرقص. ربما بدأ السرطان في قلبها المحطم ثم تسرَّب إلى ثدييها. أعلم أنَّه نوعٌ من الجنون، ولكنّي تساءلتُ ما إذا كان في وسعي إعادة جدتي إلى الحياة إذا اشتريتُ بذلتها المرهونة. كنتُ في حاجة إلى المال، مالٍ كثيرٍ، ولهذا تركتُ جونيور وسرتُ إلى إدارة "الصرف الحقيقي".

الصرف الحقيقي عبارة عن منظَّمة متعدِّدة الوظائف تقوم بنشر جريدة، وتدعم المشروعات الثقافية التي تمكّن الفقراء والمشردين، وتحشد الجمهور وراء قضايا الفقراء. إنَّ رسالة الصرف الحقيقي هي التنظيم، والتثقيف، وبناء التحالفات من أجل إيجاد الحلول لمشكلتَي التشرّد والفقر. إنها وُجِدت لتمنح صوتاً للفقراء في مجتمعنا.

لقد حفظتُ نصَّ رسالة الصرف الحقيقي عن ظهر قلب، لأنَّني كنتُ أبيع جريدتهم في الشوارع فترة من الزمن . فأنت تشتري الجريدة بثلاثين سنتاً وتبيعها بدولار، وتحتفظ بالربح.

قلتُ للرئيس الكبير:" أريد ألفاً وأربعمئة وثلاث نسخ من الجريدة."

قال : " هذا رقم غريب. وهذا عددٌ كبيرٌ من النُّسخ."

ـ " أحتاج إليها."

سحب الرئيس الكبير حاسبته اليدوية وأجرى العمليات الحسابية. وقال:

ـ " سيكلفك ذلك أربعمئة وتسعة وعشرين دولاراً."

ـ " لو كان لدي ذلك المبلغ لما اضطررتُ إلى بيع الصحف."

فسأل: " ما الذي يجري، يا جاكسون الصاعد القوة؟" وهو الشخص الوحيد الذي يدعوني بهذا اللقب، فهو رجل ظريف وحنون.

فأخبرته عن بذلة جدتي وكم من المال أحتاج لاستعادتها. فقال:

ـ " ينبغي أن تستدعي الشرطة."

فقلت: " لا أريد أن أفعل ذلك. إنّها مطلبي الآن، ويجب أن أستعيدها بنفسي."

قال: " أفهم، ولكن سأكون صادقاً معك: كنتُ سأعطيك الجرائد لتبيعها لو كنتُ أعرف أن خطَّتكَ ستنجح. ولكن الرقم القياسي لعدد الجرائد التي تُباع في يومٍ واحد من طرف بائعٍ واحد هو ثلاثمئة واثنين فقط."

قلتُ: " وهذا سيعطيني صافي أرباح قدره مئتي دولار."

استخدم الرئيس الكبير حاسبته الإلكترونية ثم قال:

ـ " مئتين وأحد عشر دولاراً  وأربعين سنتاً."

قلتُ: " وهذا لا يكفي."

ـ " وأكبر مبلغ استطاع بائعٌ أن يحصل عليه  في يومٍ واحد هو خمسمئة وخمسة وعشرون دولاراً، وذلك لأنَّ أحدهم أعطى بلو العجوز ورقةً نقدية قيمتها خمسمئة دولار لسبب أخرق. أما معدّل الربح الصافي في اليوم فهو ثلاثون دولاراً."

ـ " هذا لا ينفع."

ـ " لا."

ـ " هل في وسعك إقراضي بعض المال؟"

قال: " لا، لا أستطيع أن أفعل ذلك."

ـ " ما الذي تستطيع أن تفعله؟"

ـ " أعطيك خمسين جريدة مجاناً. ولكن لا تخبر أحداً بأنَّني فعلتُها."

قلتُ: " موافق."

جمع الجرائد وناولني إياها. ضممتُها إلى صدري. عانقني مودّعاً. حملتُ الجرائد ورجعتُ إلى البحر.

الساعة 5 بعد الظهر:

وفي رصيف التحميل في الميناء، وقفتُ بالقرب من محطة جزيرة بينبرج، محاولاً بيع الجرائد لرجال الأعمال الذين كانوا يستقلّون العبّارة.

بعتُ خمس جرائد خلال ساعة واحدة، والقيتُ ببقية الجرائد في الترعة. وسرتُ إلى مطعم مكدونالد وطلبتُ أربعة همبورغرات بالجبن، كلُّ واحدٍ بدولار، وأكلتُها ببطء.

وبعد الأكل، مشيتُ خارجاً وتقيئتُ على الرصيف، وكرهتُ أن أفقد طعامي بعد أكله مباشرة. فبوصفي هندياً مدمناً ذا معدةٍ قويّة، فإنّي آمل دائماً أن أحتفظ بما يكفي من الطعام لأبقى حيّاً.

الساعة 6 بعد الظهر:

سرتُ عائداً إلى جونيور وفي جيبي دولارٌ واحد. كان ما يزال فاقد الوعي، ووضعت أُذني على صدره مصغياً لنبض قلبه. كان حيّاً، فأخذتُ حذاءه وجواربه ووجدتُ دولاراً في جوربه اليسرى، وخمسين سنتاً في جوربه اليمنى.

وبدولارين وخمسين سنتاً في جيبي، جلستُ بجانب جونيور ورحتُ أفكّر في جدتي وحكاياتها.

عندما كنتُ في الثالثة عشرة من عمري، أخبرتني أمّي بقصَّةٍ عن الحرب العالمية الثانية. كانت ممرضة في مستشفىً عسكريٍّ بمدينة سدني في أستراليا. ولمدَّة عاميْن كانت تعالِج وتواسي جنوداً أمريكيّين وأستراليّين.

وذات يوم كانت تعتني بجنديٍّ ماوريٍّ جريح، كان قد فقدَ ساقيْه بعد هجومِ مدفعيّ. كان لونه غامقاً جداً، وشعره أسودَ ومجعداً، وعيناه سوداويْن ودافئتيْن، ووجهه مغطَّى بوشمٍ لامع. سأل جدتي: " هل أنت ماورية؟"

قالت: " لا، أنا هندية من قبيلة السبوكين."

قال: " آه، نعم. لقد سمعتُ بقبائلكم. ولكنكِ أوَّل شخصٍ ألتقيه من الهنود الأمريكيّين."

قالت: " هنالك كثير من الجنود الهنود الأمريكيين الذي يقاتلون للولايات المتحدة. فلدي أخٌ يحارب في ألمانيا، وفقدتُ أخاَ آخر في أوكيناوا."

قال: " أنا آسف. كنتُ في أوكيناوا. كان ذلك فظيعاً."

قالت جدتي: " وأنا آسفة بشأن ساقيْك."

قال: " الأمر مضحكٌ، أليس كذلك؟"

ـ " ما المضحك؟"

ـ " كيف نحن الرجال السمر يقتل بعضنا بعضاً ليبقى البيض أحراراً."

ـ " لم أفكِّر بتلك الطريقة."

ـ " طيب، أنا أفكر بتلك الطريقة في بعض الأحيان. أنا مشوَّش."

أعطته المورفين.

سألها: " هل تؤمنين بالسماء؟"

سألت: " أية سماء ؟"

ـ " أنا أتكلم عن السماء التي تنتظرني فيها ساقاي."

ضحكا.

قال: " طبعاً من المحتمل أن تهرب ساقاي بعيداً عني عندما أصل إلى السماء. وكيف أتمكَّن من القبض عليهما."

قالت جدتي: " عليك بتقوية ساعديْك لكي تجري على يديك؟"

ضحكا مرَّةً أخرى.

وأنا جالس بجانب جونيور، ضحكتُ من تذكُّر قصَّة جدتي. وضعتُ يدي قرب فم جونيور لأتأكَّد من أنَّه ما يزال يتنفَّس. نعم. كان جونيور حيّاً، وهكذا أخذتُ دولاريَّ والخمسين سنتاً ومشيتُ إلى مخزن البقالة الكوري في ميدان الروّاد.

الساعة 7 بعد الظهر:

في مخزن البقالة الكورية، اشتريت سيكاراً بخمسين سنتاً وبطاقتَي يانصيب بالحكِّ، لقاء دولارٍ واحدٍ لكلِّ بطاقة. وكانت قيمة الجائزة النقدية الكبرى خمسمئة دولار للبطاقة الواحدة. فإذا ربحتُ البطاقتين، سيكون لدي ما يكفي من المال لأستعيد بذلة جدتي.

كنتُ أحبُّ مريم، الشابة الكورية التي كانت أمينة الصندوق في المخزن، كانت ابنة صاحب البقالة، وهي تغنّي طوال النهار.

قلتُ لها وأنا أناولها النقود: " أُحبُّكِ".

قالت: " أنت تقول دائماً أُحبُّكِ."

ـ " ذلك لأني سأحبُّك دوماً."

ـ " إنتَ أحمقٌ عاطفيّ."

ـ " إنني رجلٌ كبير رومانسي."

ـ " كبير أكثر من اللازم بالنسبة إليّ."

ـ " أعلم أنني كبير أكثر من اللازم بالمقارنة بك، ولكنّي أستطيع أن أحلم."

قالت: " طيب. أوافق أن أكون جزءً من أحلامك، ولكني سأمسك يدك في الأحلام فقط.

بلا قبلات، وبلا جنس. ولا حتى في أحلامك."

قلتُ: " طيب. بلا جنس. الرومانسية فقط."

ـ " مع السلامة، جاكسون جاكسون. حبيبي."

غادرتُ مخزن البقالة، وسرتُ إلى الحديقة الغربية. وجلستُ على مسطبة، ودخّنتُ سيكاري حتّى نهايته.

بعد عشر دقائق من انتهائي من تدخين السيكار، حككتُ بطاقة اليانصيب الأولى، وربحتُ لاشيء. الآن يمكنني أن أربح خمسمئة دولار، وسيكون ذلك نصف ما احتاج إليه.

وبعد عشر دقائق من خسارتي، حككتُ البطاقة الأخرى، وربحتُ بطاقةَ يانصيب مجانيةً ــ مواساة صغيرة وفرصة جديدة لربح شيءٍ من المال.

سرتُ عائداً إلى مريم.

قالت: " جاكسون جاكسون، هل رجعتَ لتطلب قلبي؟"

قلتُ: " لقد ربحتُ بطاقة يانصيب مجانية."

قالت: " تماماً مثل الرجال، فأنتَ تحبُّ المال والسلطة أكثر مما تحبُّني."

قلتُ: " هذا صحيح، وانا آسف لأنَّه صحيح."

أعطتني بطاقة حكًّ أخرى، وأخذتها إلى خارج الدكان، فأنا أحب أن أحكَّ بطاقاتي وحدي. حككتُ تلك البطاقة الثالثة، بمزيج من الحزن والأمل، وربحتُ نقوداً حقيقية. أخذت البطاقة عائداً إلى مريم، وقلت:

ـ " ربحتُ مئة دولار."

فحصتِ البطاقة وضحكتْ.

قالت: " هذه ثروة." وعدَّت خمسَ ورقاتٍ نقديةٍ من فئة عشرين دولاراً. تماسَّتْ أطراف أناملنا وهي تناولني النقود، فشعرتُ بكهربة ورجفة.

ـ " شكراً." قلتُ ذلك، وأعطيتها إحدى الورقات النقدية.

قالت: " لا أستطيع أخذها. فهي نقودك."

ـ " لا، إنّها عادة قَبَليّة، شيءٌ هنديّ. عندما تربحين، يُفترَض أن تتقاسمي الربح مع أهلك."

ـ " أنا لستُ أهلك."

ـ " نعم، أنتِ من أهلي."

ابتسمتْ واحتفظتْ بالورقة النقدية. وبثمانين دولاراً في جيبي، قلتُ وداعاً لعزيزتي مريم، وخرجتُ من الدكان إلى هواء الليل البارد.

الساعة 8 بعد الظهر:

أردتُ أن يقتسم معي جونيور الأخبار السارة، فمشيتُ راجعاً إليه، ولكنَّه كان قد انصرف. وسمعتُ بعد ذلك أنَّه سافر مع بعض السيّارات المارّة إلى بورتلاند في ولاية أوريغون، وأنَّه لفظ أنفاسه في زقاق يقع خلف فندق هلتون.

الساعة 9 بعد الظهر:

شعرتُ بالوحدة. وحملتُ دولاراتي الثمانين إلى حانة القلب الكبير الواقعة جنوبي وسط المدينة. والقلب الكبير حانة لجميع الهنود. لا أحد يعرف كيف يهاجر الهنود إلى حانةٍ واحدة ويحوِّلونها إلى حانةٍ هنديةٍ رسمياً. ولكنَّ القلب الكبير أصبح حانة هندية منذ ثلاثة وعشرين عاماً. كان موقع القلب الكبير بعيداً في شارع الأورورا، ولكنَّ هندياً مجنوناً من قبيلة اللوي أحرقه، وانتقل مالكوه إلى الموقع الجديد الذي يبعد ببضعة شوارع عن حقل السافكو.

دخلتُ في القلب الكبير، وعددتُ خمسة عشر هندياً ـ ثمانية رجال وسبع نساء ـ ولم أكن أعرف أياً منهم، ولكن الهنود يحبون الشعور بالانتماء، ولهذا فنحن جميعاً نتظاهر بأننا أبناء عمومة.

ـ " بكم كؤوس الويسكي؟" هكذا وجهتُ السؤال إلى الساقي الواقف وراء النضد، وكان رجلاً أبيض بديناً.

ـ " هل تريد النوع السيء أو النوع الأسوء؟"

ـ " أسوء ما عندكم."

ـ " دولار واحد للكأس."

وضعتُ دولاراتي الثمانين على النضد، وقلت:

ـ " طيب. أنا وأبناء عمي هنا سنشرب ثمانين كأساً."

فصاحت امرأة من الخلف: " وأنتَ معنا سيكون نصيب كل واحد منا خمس كؤوس."

استدرتُ لأنظر إليها. كانت امرأة هندية شاحبة الوجه وغليظة الجسم، تجلس مع رجلٍ هنديٍّ طويل ونحيف.

قلتُ لها: " طيّب، أيتها العبقرية الرياضياتية." ثمَّ صحتُ ليسمعنى جميع رواد الحانة:

ـ " خمسة مشروبات لكلِّ واحد."

فأسرع جميع الهنود الآخرين إلى نضد الحانة، ولكني جلستُ مع الرياضياتية وصديقها النحيف. وأخذنا وقتنا مع كؤوس الويسكي.

وسألتُ: " من أيِّ قبيلة؟"

قالت: " أنا من قبيلة دوامش، وهو من كرو."

قلتُ له: " أنتَ بعيدٌ جداً من ولاية مونتانا."

قال: " أنا كرو، وأتيتُ إلى هنا بالطائرة."

وسألتهما: " ما اسمكما؟"

قالت: " أنا إيرين موس، وهو هوني بوي (الفتى العسل)."

وصافحتني بقوّة. ولكنّه قدّم إليَّ يده، كما لو كان من المفروض بي أن أقبّلها، ولهذا فقد فعلت. فضحك واحمرَّ وجهه خجلاً، بقدر ما يستطيع هندي كرو غامق اللون أن يحمرّ.

فسألته: " أنتَ واحد منهم بروحيْن؟ أليس كذلك؟"

فقال: " أنا أحب النساء، وأنا أحب الرجال."

وقالت إيرين: " وأحياناً كليهما في وقتٍ واحد."

وضحكنا.

وقلت للفتى العسل: " يا رجل، لآ بُدّ أن تكون لك ثماني أو تسع أرواح في داخلك، أليس كذلك؟"

قال: " عزيزي، سأكون ما تريدني أن أكون."

قالت إيرين: " آه، لا، الفتى العسل يقع في الحبِّ."

قال: " لا علاقة لذلك بالحبِّ."

ضحكنا.

قلتُ: " إني أشعر بالغرور، أيُّها الفتى العسل، ولكنّي لا ألعب في فريقكِ أبداً."

قال: " لا تقُل أبداً، أبداً."

قالت إيرين: " احذر فالفتى العسل يعرف جميع أنواع السحر."

قلتُ: " أيّها الفتى العسل، في وسعك أن تحاول إغرائي، ولكن قلبي تمتلكه امرأة تدعى مريم."

فسأل الفتى العسل: " وهل مريمك عذراء؟"

ضحكنا.

وأخذنا في شرب كؤوسنا حتّى اختفت، ولكن الهنود الآخرين اشتروا لي كؤوس ويسكي أخرى، لأنني كنتُ كريماً جداً بنقودي. وسحب الفتى العسل بطاقته البنكية وشرب وأبحر في ذلك القارب البلاستيكي.

وبعد دزينة من كؤوس الويسكي، طلبتُ من إيرين أن ترقص معي. رفضت. ولكن الفتى العسل جرجر رجليه إلى صندوق الاسطوانات الموسيقية، وأدخل فيه ربع دولار، واختار أغنيةَ ولي نلسون " ساعِدْني لأسهر الليل." وفيما أنا وإيرين جلسنا إلى الطاولة وضحكنا وشربنا مزيداً من الويسكي، راح الفتى العسل يرقص ويدور حولنا ويغني مع ولي نلسون.

سألتُه: " هل أنتَ تغني لي تحت نافذتي؟"

استمر في الغناء والرقص.

فسألتُه مرة أخرى: " هل أنتَ تغني لي تحت نافذتي؟"

قالت إيرين: " سيلقي بتعويذة سحرية عليك."

انحنيت على الطاولة، أسقطتُ بعض المشروبات، وقبّلتُ إيرين بقوة. فتجاوبت معي وقبلتني.

الساعة 10 بعد الظهر:

دفعتني إيرين على مقعد في حمام النساء، وأغلقت الباب خلفنا، وأقحمت يدها في سروالي. كانت قصيرة، ولهذا كان عليَّ أن أنحني لتقبيلها. أمسكتُ بها وضغطتُ على كل جزء استطعتُ أن أصل إليه في جسمها، وكانت سمينة بصورة عجيبة، وكلُّ مكان في جسدها مثل نهد طري دافئ كبير.

منتصف الليل:

كنتُ أعمى تقريباً بسبب الكحول. وقفتُ وحدي في الحانة وأقسمتُ أنَّني كنتُ أقف مع إيرين في الحمام قبل دقيقة فقط.

وصرختُ بالساقي: " كأس أخرى!"

فصرخ بي : " لم تعُد لديك نقود أخرى."

وصحتُ: " ليشترِ لي أحدكم مشروباً!"

ـ " لم يعُد لديهم أية نقود."

ـ " أين إيرين والفتى العسل؟"

ـ " انصرفا منذ وقت طويل."

الساعة 2 صباحاً:

ـ " هذا وقت الإغلاق." هكذا صاح الساقي بالهنود الثلاثة أو الأربعة الذين ما زالوا يواصلون الشرب بعد يوم طويل من الشرب. فالهنود الكحوليون إما عدّاءون في سباق قصير أو عدّاءون في سباق المارثون.

وسألتُ: " وأين إيرين والفتى العسل؟"

أجاب الساقي: " لقد غادرا منذ ساعات."

ـ " وأين ذهبا؟"

ـ " أخبرتك مئات المرات إنني لا أعلم."

ـ " ماذا ينبغي أن أفعل؟"

ـ " إنه وقت الإغلاق. ولا يهمني أين تذهب، ولكنَّك لن تبقى هنا."

ـ " إنك وغد عاق. فقد أحسنتُ إليك."

ـ " إذا لم تغادر حالاً، فسأشبعك رفساً."

ـ " تعال. فأنا أعرف كيف أقاتل."

أقبل عليَّ، ولا أتذكر ما الذي حدث بعد ذلك.

الساعة  4 صباحاً:

انبثقتُ من الظلام، ووجدتُ نفسي أمشي خلف مستودع كبير للسلع. لم أكن أعرف أين كنتُ. ووجهي يؤلمني. تحسَّستُ أنفي ، وبدا لي أنه قد يكون مكسوراً. سحبتُ قطعةً بلاستيكية من عربة نقل وتدثَّرتُ بها مثل عاشقٍ مخلص، واستغرقتُ في النوم على التراب.

الساعة 6 صباحاً:

ركلني أحدهم في ضلوعي. ونظرتُ إلى الأعلى فرأيتُ شرطياً أبيض.

قال الشرطي: " جاكسون، هل هذا أنتَ؟"

قلتُ: " الضابط وليمز." وكان وليمز شرطياً صالحاً، يحبُّ الحلويات فقد أعطاني خلال السنوات الماضية مئاتٍ من قطع الحلوى. وأنا أتساءل ما إذا كان يعلم بأنّني مصابٌ بداء السكّري.

وسأل: " ما الذي تفعله هنا بحقِّ الجحيم؟"

قلتُ: " كنتُ أشعر بالبرد والنعاس، فاضطجعتُ."

قال: " أيها الغبي، إنك ممدَّدٌ على قضبان السكَّة الحديد. "

وكان عمّال حوض السفن يحدّقون بي. كان من الممكن أن أصبح بيتزا السكة الحديد بالفلفل الهندي المضاعف مع كثير من الجُبن. انحنيتُ وأنا مريضٌ وخائفٌ وتقيأتُ وسكياً.

وسألني الشرطي وليمز: " ماذا بك بحقِّ الجحيم؟ لم تكُن بمثل هذا الغباء أبداً."

قلتُ: " إنّها جدتي. لقد ماتت."

ـ " آسف، يا رجل. متى ماتت؟"

ـ " سنة 1972."

ـ " وأنتَ تقتل نفسكَ الآن؟"

ـ " إنني أقتل نفسي باستمرار منذ أن توفيتْ."

هزَّ رأسه، وكان حزيناً من أجلي. وكما قلتُ فهو شرطيٌّ صالح.

قال: " وقد أوسعك أحدهم ضرباً، فهل تذكر مَن هو؟"

ـ " السيد كريف ( الحزن) وواصلتُ بضع جولاتٍ معه."

ـ " يبدو أن السيد كريف (الحزن) قضى عليك.

ـ " السيد كريف ينتصر دائماً."

قال: " تعال. دعني أُخرِجك من هنا."

ساعدَني على الوقوف وقادني إلى سيّارة الشرطة، ووضعني في المقعد الخلفي. وقال:

ـ " إذا تقيأتَ هناك، فعليك تنظيفه."

ـ " هذا من الإنصاف."

استدار حول السيّارة وجلس في مقعد القيادة وقال:

ـ " آخذك إلى مركز معالجة التسمم."

قلتُ: " لا يا رجل. فذاك المكان فظيع. إنه مليء بالهنود السكارى."

وضحكنا. وقاد السيّارة بعيداً عن أحواض السفن.

قال: " لا أعرف كيف أنتم الرجال تفعلون ذلك."

سألتُ: " أي رجال؟"

ـ " أنتم الرجال الهنود. كيف تضحكون كثيراً؟ فأنا قد سحبتك لتوي من سكَّة الحديد، وأنت تطلق النكات، لماذا تفعل ذلك بحقّ الجحيم؟"

ـ " أعرف قبيلتيْن مضحكتيْن: الهنود واليهود، وأحسب أنَّ ذلك يبيِّن شيئاً بشأن السخرية الكامنة في الإبادة الجماعية."

وضحكنا.

ـ "عندما استمع إليك يا جاكسون، أجدك ذكياًّ جداً، فلماذا بحق الجحيم تعيش في الشارع؟"

ـ " أعطني ألف دولار وسأخبرك."

ـ " تأكّد أنني سأعطيك ألف دولار، لو كنتُ أعلم بأنك ستصلح حياتك."

وكان يعني ما يقول، فهو ثاني أفضل شرطي عرفته في حياتي.

قلتُ: " إنك شرطيٌّ صالح."

قال: " اهدأ يا جاكسون. ولا تبالغ في مدحي."

ـ " لا حقيقةً، فأنت تذكّرني بجدّي."

ـ " نعم، هذا ما يقوله لي الهنود دائماً."

ـ " لا يا رجل. لقد كان جدّي شرطيّاً قبليّاً. كان شرطيّاً صالحاً."

ـ " لقد أعتقلتُ المئات من الحثالات، يا جاكسون، وأطلقتُ النار على اثنين منهم في المؤخرة."

ـ " لا يهم، فأنت لست قاتلاً."

ـ " لم أقتلهما، بل قتلتُ مؤخَّرتيهما. أنا قاتل المؤخَّرات."

ومضت السيّارة إلى وسط المدينة. وكانت التبشيريات الدينية والملاجئ قد لفظت المشرَّدين الذين أمضوا الليل فيها. ووقف المشرَّدون من الرجال والنساء في زوايا الشوارع وهم ينظرون إلى السماء الرمادية اللون. إنه الصباح بعد ليلة الأموات الأحياء.

وسألتُ الشرطي وليمز: " هل شعرتَ بالخوف مرةً؟"

ـ " ماذا تعني؟"

ـ " أعني هل يخيفك أن تكون شرطياً؟

فكّر في ذلك وهلة، وتأمَّله. وأعجبني ذلك فيه.

قال: " أحسب أنَّني أحاول ألّا أفكّر كثيراً في كوني خائفاً. فإذا فكّرتُ في الخوف، فسأخاف. فعملي مملٌّ في بعض الأحيان. مجرّد قيادة السيّارة والنظر إلى زوايا الشوارع، كما تعلم، ولا ترى شيئاً. ثم تصير الأمور أصعب. أنت تطارد شخصاً، أو تقاتلهم، أو تفتش منزلاً مظلماً، وأنت تعلم أنَّ شخصاً مجنوناً يختفي في منعطف، نعم إنه أمرٌ مخيف."

قلتُ: " لقد قُتِل جدي أثناء تأدية الواجب."

ـ " آسف. كيف حدث ذلك؟"

ـ " كان يشتغل في المحميَّة. وكلُّ واحدٍ فيها يعرف كلَّ واحد. وكانت المحميَّة في أمان. فنحن لسنا مثل هؤلاء المجانين من قبيلة السيوكس أو قبيلة الأباتشي، أو تلك القبائل المحاربة. فخلال المئة سنة الأخيرة لم تقع إلا ثلاث حوادث قتل في محميتنا."

ـ " هذه محمية آمنة."

ـ " نعم، فنحن السبوكين مسالمون، كما تعلم. قد نسئ استعمال الكلمات، فنلعن أيَّ شخصٍ، ولكننا لا نطلق النار على الناس، ولا نطعنهم. ليس كثيراً، على أية حال."

ـ " إذن ما الذي حدث لجدّك؟"

ـ " ثمّة رجلٌ وصديقته يتخاصمان عند الشلالات الصغيرة."

ـ " النزاعات العائلية هي الأسوء."

ـ " نعم ، ولكن هذا الرجل هو أخو جدي."

ـ " آه، لا."

ـ " نعم، كان ذلك مريعاً. دخل جدي المنزل. وكان قد دخله ألف مرَّةٍ من قبل. وكان أخوه وصديقته في حالة سُكر ويضرب أحدهما الآخر. ودخل جدي بينهما، كما سبق أن فعل ذلك مئات المرات من قبل. وعثرت الصديقة أو شيء من ذلك القبيل، فوقعت على الأرض وضربت رأسها وأخذت تبكي. وركع جدي بجانبها للتأكُّد من أنها على ما يرام. ولسببٍ ما انحنى أخوه وسحب مسدس جدي من قرابه وأطلق عليه النار في الرأس.

ـ " ذلك فظيع، آسف."

ـ " نعم، لم يستطع أخو جدي أن يفهم لماذا فعل ذلك. وحُكم عليه بالسجن المؤبَّد، كما تعلم. وظلَّ يكتب إلينا تلك الرسائل المطوّلة.  حوالي خمسين صفحة بالخطِّ الصغير. وظلَّ يحاول دائماً أن يفهم لماذا فعلها. وظلَّ يكتب ويكتب ويكتب ويحاول أن يفهم. ولم يفلح. فقد كان ذلك لغزاً كبيراً عظيما.

ـ " هل تتذكّر جدّك."

ـ " قليلاً. أتذكر تشييع الجنازة، ولم تدعْهم جدتي أن يدفنوه. واضطر والدي إلى سحبها من القبر."

ـ " لا أدري ما أقول."

ـ " ولا أنا."

وقفنا أمام مركز معالجة التسمُّم.

وقال الشرطي وليمز: " ها نحن هنا."

قلت: " لا أستطيع الدخول هناك."

ـ " يجب عليك."

ـ " لا، أرجوك. سيحتفظون بي مدَّة أربع وعشرين ساعة. وبعد ذلك سيكون الوقت قد فات."

ـ " فات على ماذا؟

فأخبرته عن بذلة رقص جدتي والموعد المضروب لاستعادتها.

ـ " إذا كانت قد سُرِقت، فعليك أن تقدّْم شكوى بذلك. سأُجري التحقيق بنفسي. وإذا كانت تلك البذلة تعود لجدتك، فسأرجعها إليك بصورةٍ قانونية."

قلتُ: " لا. هذا ليس من الإنصاف في شيء. فصاحب دكّان المرهونات لم يكُن يعلم أنَّها مسروقة. إضافةً إلى ذلك، فأنا في مهمَّة هنا. أريد أن أصبح بطلاً ، كما تعلم. أريد استعادتها بنفسي، مثل فارس."

ـ " هذا كلام رومانسي تلقيه على عواهنه."

ـ " ربّما، ولكنَّه يعني الكثير لي. فأنا منذ وقت طويل لم أهتمّ بشيء."

قال: " سأعطيك بعض النقود. ليس لدي الكثير. فقط ثلاثون دولاراً. فأنا خالي الوفاض حتى آخر الشهر. وهذا لا يكفي لاستعادة البذلة، ولكنّه شيءٌ ما."

قلتُ: " سآخذها."

ـ " أعطيك المبلغ، لأني أؤمن بما تؤمن به. فأنا آمل، ولا أدري لماذا هذا الأمل، أن يكون في مقدورك تحويل الثلاثين دولاراً إلى ألف دولار بطريقة ما."

ـ " أنا أؤمن بالسحر."

ـ " أظن أنك ستأخذ نقودي وتسكر بها."

ـ " إذن لماذا تعطيني إياها؟"

ـ " ليس هنالك شرطي ملحد."

وتركني أنزل من السيّارة. وناولني ورقتيْن نقديتيْن من فئة خمسة دولارات وأخرى من فئة عشرين دولاراً وصافحني. وقال:

ـ " اعتني بنفسك، يا جاكسون، وابتعد عن السكك الحديد."

قلتُ: " سأحاول ذلك."

وابتعد بسيّارته . ورجعتُ حاملاً نقودي إلى البحر.

الساعة 8 صباحاً:

وفي حوض تحميل السفن، وجدتُ أن الهنود الإليوت الثلاثة ما زالوا ينتظرون على المسطبة الخشبية.

وسألتهم: " هل رأيتم باخرتكم ؟"

قال أكبرهم: " رأينا كثيراً من السفن ولكن ليس باخرتنا."

جلستُ على المسطبة معهم. وجلسنا صامتين وقتاً طويلاً. وكنتُ أتساءل ما إذا كنا سنتحجَّر إذا ما جلسنا زمناً كافياً.

وفكّرتُ في جدّتي. فأنا لم أرَها ترقص ببذلتها مطلقاً. وأكثر من أيّ شيءٍ آخر، تمنّيتُ لو كنتُ قد رأيتها وهي ترقص في مهرجانٍ ديني.

وسألت الهنود الإليوت: " هل تعرفون، أيُّها الرجال، أية أغاني؟"

أجاب أكبرهم: " أعرف جميع أغاني هانك وليمز."

ـ " وماذا عن الأغاني الهندية؟"

ـ " هانك وليمز هندي."

ـ " ماذا عن الأغاني المقدَّسة؟"

ـ " هانك وليمز مقدّس."

ـ " أنا أتكلم عن أغاني المهرجانات، كما تعلم، ألأغاني الدينية. تلك الأغاني التي تغنونها في دياركم عندما تتمنَّون شيئاً أو تأملون."

ـ " ما الذي تتمنّاه وتأمله؟

ـ " أتمنى لو كانت جدَّتي على قيد الحياة."

ـ " كلُّ أغنية أعرفها تدور حول ذلك."

ـ " حسناً. غنّْ لي بقدر ما تستطيع."

غنّى الإليوتيون أغانيهم الغريبة والجميلة. وأصغيتُ السمع. وكانوا يشعرون بالوحشة والوحدة، ويفتقدون البرد والثلج. وكنتُ أنا أفتقد كلَّ شيء.

الساعة 10 صباحاً:

بعد أن انتهى الإليوتيون من أغنيتهم الأخيرة، جلسا في صمت برهة. والهنود يجيدون الصمت.

وسألتهم: " ما هي تلك الأغنية الأخيرة؟"

أجاب أكبرهم: " لقد غنينا جميع الأغنيات التي في مقدورنا. والأغنيات الأخرى خاصَّة بشعبنا."

فهمتُ. فعلينا نحن الهنود كتمان الأسرار. وهؤلاء الإليوتيون كانوا في منتهى السرية لدرجة أنهم لم يشيروا إلى أنفسهم كهنود."

سألتهم: " هل أنتم جائعون، أيُّها الأصحاب؟"

فنظروا إلى بعضهم البعض، وتواصلوا من غير كلام.

قال أكبرهم: " يمكن أن نأكل."

الساعة 11 صباحاً:

سرت والإليوتيين إلى " المطبخ الكبير" وهو مطعم كثير الدسم في المنطقة العالية.

سألتِ النادلةُ عندما دخلنا المطعم : " أربعة للفطور؟"

قال كبير الإليوت: " نعم نحن جائعون جداً."

فسألتِ النادلة : " هل تريدون حسابات منفصلة؟"

قلتُ: " لا. أنا الذي سيدفع."

قالت: " أنت الرجل الكريم؟"

قلتُ: " لا تفعلي ذلك."

قالت: " أفعل ماذا؟"

قلت: " لا تسألي أسئلة بلاغية، فإنّها تخيفني."

بدت عليها الحيرة ثمَّ ضحكت.

قالت: " طيب، أستاذ، سأسألك أسئلة حقيقية فقط من الآن فصاعداً."

ـ " شكراً."

ـ " ماذا تريدون أن تأكلوا، أيها الرجال؟"

قلتُ: هذا أفضل سؤال يوجهه شخصٌ إلى شخصٍ آخر. ما الذي لديكِ؟"

فسألتْ: " كم من المال لديكَ؟"

قلتُ : " هذا سؤالٌ جيّدٌ آخر. لدي خمسة وعشرون دولاراً أستطيع إنفاقها. اجلبي لي جميع أنواع الفطور التي تستطيعين زائداً بقشيشك."

وكانت تعرف الحساب.

ـ " حسناً. هذا يعني أربعة فطورات خصوصية مع أربعة فناجين من القهوة، وخمسة عشر بنساً لي."

وانتظرنا أنا والهنود الإليوت بصمت. وبعد قليل عادت النادلة وصبّت لنا أربعة فناجين قهوة، فأخذنا نحتسيها حتّى رجعت مرَّة أخرى وهي تحمل أربعة صحون من الطعام. البيض، اللحم، الخبز المحمص، البطاطا السمراء المطحونة؛ إنَّه من المدهش كم من الطعام الكثير تستطيع أن تشتري بقليلٍ من المال.

الظهر:

ودّعتُ الهنود الإليوت، وسرتُ نحو دكان المرهونات. وسمعتُ بعد ذلك أن الإليوتيين خاضوا في الماء المالح قرب الرصيف 47 واختفوا. وأقسم بعض الهنود أنهم ساروا على الماء واتجهوا شمالاً. ورأى هنود آخرون أولئك الهنود يغرقون. أما أنا فلا أعرف ما حلَّ بهم.

بحثتُ عن دكان المرهونات ولم أستطع العثور عليه. أُقسم أنه لم يكن في ذلك المكان الذي كان فيه من قبل. مشيتُ عشرين أو ثلاثين شارعاً باحثاً عن دكّان المرهونات، ودرتُ حول زوايا الشوارع، وقطعتُ تقاطعات الطرق، وفتّشتُ عن اسم الدكان في دليل الهاتف، وسألتُ المارّة بالقرب مني عمّا إذا كانوا قد سمعوا به. ولكن يبدو أن دكّان المرهونات ذاك قد أبحر مثل سفينةٍ شبح. أردتُ أن أصرخ. وكنتُ على وشك أن أتخلّى عن البحث عندما استدرتُ في زاوية أخيرة، وخطر على بالي أنَّني سأموتُ إذا لم أجد ذلك الدكّان، وإذا به هناك في المكان الذي أقسمت أنه لم يكُن فيه قبل بضع دقائق.

دخلتُ الدكّان وحييتُ صاحبه الذي بدا لي أصغر سناً مما كان عليه من قبل.

قال: " ها هو أنت."

قلتُ: " نعم، هذا أنا."

ـ " جاكسون جاكسون"

ـ " ذلك هو اسمي."

ـ " أين صديقاك؟"

ـ " سافرا، ولكن لا بأس، فالهنود في كلِّ مكان."

ـ " هل لديك المال"

سألته: " كم تحتاج مرة أخرى؟" وكنتُ آمل أن السعر قد تغيّر.

ـ " تسعمئة وتسعة وتسعون دولاراً."

السعر ما يزال نفسه. طبعاً إنّه نفس السعر. ولماذا يتغيّر؟

قلتُ: " ليس لدي ذلك المقدار؟"

ـ " ماذا لديك؟"

ـ " خمسة دولارات."

ووضعت الورقة النقدية المجعدة التي تحمل صورة الرئيس لنكولن على النضد.

نظر صاحب الدكان إليها متفحِّصاً.

ـ " هل هي نفس الورقة النقدية من يوم أمس؟"

ـ " لا، إنها مختلفة."

فكَّرَ في الاحتمالات.

وسأل: " هل عملتَ بجدٍّ للحصول على هذه النقود؟"

أجبتُ: " نعم."

وعندئذ دخل إلى مؤخَّر الدكّان وعاد ببذلة جدتي.

قال وهو يحملها إليّ: " خُذْها."

ـ " ليس لدي المال."

ـ " لا أريد مالك."

ـ " ولكني أردت أن أفكَّ رهنها."

ـ " لقد استعدتَها. والآن خذها قبل أن أغيّر رأيي."

هل تعرف كم من الناس الطيبين يعيشون في هذا العالم؟ أكثر مما نستطيع عدّهم.

أخذتُ بذلة جدتي وسرتُ خارجاً. وكنتُ أعلم أنَّ الخرزة الصفراء الوحيدة هي جزء مني. وكنتُ أعلم أنَّني كنتُ جزءً من تلك الخرزة الصفراء. وفي الخارج دثرتُ نفسي ببذلة جدَّتي وشممتُها فيها. ونزلتُ من الرصيف إلى تقاطع الطرق. ووقف المارَّة. وتوقَّفت السيارات. ووقفت المدينة. وشاهدني الجميع وأنا أرقص ببذلة جدَّتي. كنتُ جدَّتي في الرقص.

***

قصة قصيرة

.....................

شيرمَن أَلَكسي Sherman Alexie: شاعرٌ وقاصٌّ وروائيٌّ وسينمائيٌّ أمريكيٌّ من الهنود الحمر. ولد سنة 1966 ونشأ في محميةٍ للهنود الحمر من قبيلة السبوكين. ومن أجل متابعة دراسته، غادر ألكسي المحمية والتحق بمدرسة ثانوية في بلدة ريردان في ولاية واشنطن، وكان الهندي الأحمر الوحيد في تلك المدرسة. ولكونه متفوِّقاً وعضواً في فريق كرة السلة، حصل على منحة للدراسة في جامعة كونزاكا في مدينة سبوكين. نجح في دراسة الكتابة الإبداعية وامتهن الأدب. ويعيش الآن مع زوجته وابنيه في مدينة سياتل عاصمة ولاية واشنطن.

تُعدّ مجموعته القصصية " الشرطي والملاكمة في السماء" أشهر كتبه وتحولت إلى فيلم سينمائي بعنوان " علامات الدخان" (1998)، كما نالت روايته الأولى " أغاني المحمية الكئيبة" جائزة الكتاب الأمريكي لسنة 1996، وحازت روايته السيرذاتية " المذكرات الحقيقية لهندي نصف الوقت" (2007) جائزة الكتاب الوطنية لأدب الشباب. واختارته مجلة "نيويوركر" واحداً من عشرين أديباً وصفتهم بأنهم أفضل أدباء القرن الحادي والعشرين.

في كتاباته، يستلهم ألكسي خبراته الأليمة بوصفه هندياً أحمر نشأ في محميَّة، ويكتب عادة عن الهنود وثقافتهم الشعبية والظلم الذي عانوه بصورةٍ تثير الحزن والأسى، وفي الوقت نفسه تبعث على الضحك، وتترك القارئ بشعور من تفهُّم الهنود الحمر، والتعاطف معهم، واحترامهم، والأسى لمأساتهم.

ومعروفٌ أنَّ الهنود الحمر هم أهل أمريكا الأصليون. ويقدّر عددهم، قبل وصول كولومبس إلى القارة الأمريكية سنة 1492، بما بين 50 و100 مليون إنسان، لهم ثقافةٌ  وتقاليد عريقة، ولهم أراضيهم ومزارعهم وحيواناتهم. وقد عمل الأوربيون بطرائق مختلفة على الإبادة الجماعية للهنود الحمر والاستيلاء على أراضيهم وسلب ممتلكاتهم. وكانت السلطات البريطانية توزّع عليهم الأغطية الحاملة للأمراض التي لم يعرفوها ولم تكُن لأجسامهم مناعةٌ ضدَّها مثل الحصبة والجدري والطاعون والكوليرا والتيفوئيد وغيرها فقضت عليهم بالآف. وكانت بعض المعارض وحدائق الحيوانات، تعرض أحياناً هندياً أحمر أو زنجياً، بوصفه حيوانا في طريقه إلى الانقراض (في الحقيقة ليس في أمريكا فقط بل في عواصم الدول الاستعمارية الأخرى مثل بريطانيا وفرنسا وبلجيكا التي كانت تعرض بعض السود من مستعمراتها في إفريقيا).

 وأخيراً في القرن التاسع عشر، صادرت الحكومة الأمريكية ما تبقى من أراضيهم، ووضعتهم ـ ولم يبق منهم سوى أقلّ من مليونين ـ في معتقلات واسعة أطلقت عليها اسم المحميّات، وأغرقتها بالكحول والمخدرات، ويعيش سكانها في أسوء الظروف المعيشية في العالم، وتدفع الكآبة والبطالة والإدمان الكثيرين منهم إلى الانتحار.

وشاركت هوليوود، خاصة في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، في إنتاج عشرات الأفلام الشائقة التي تصوّر وحشية الهنود الحمر وغدرهم وخستهم، بالمقارنة مع بطولة وشهامة البطل الأبيض المغوار "جون وين" الذي كان يصطادهم ويقتلهم أفرادا وبالجملة.

تُعدُّ الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الهنود الحمر على يد المستعمرين الأوربيين والأمريكيين، من أفظع الجرائم بحقِّ الإنسانية، في العصر الحديث، وما أكثرها!

والقصة التي نترجمها هنا نموذج لأدب ألكسي، ويُلاحظ فيها الحزن، وفي الوقت نفسه الضحك الناتج من الاستسلام للقدر الغاشم والسخرية منه. وتلعب الأسماء ـ أسماء الأماكن والشخوص ـ في هذه القصة دوراً دلالياً يسهم في وحدة أثر القصة.

في سنة 2012، قررت حكومة ولاية أريزونا الأمريكية حظر كتبه ومنع تدريسها أو قراءتها في المدارس.

 

 

أراكَ تمخر

في عباب اليم وحدك

حتى تركت الريح تنثر

همسها المجبول

في زمن الغيابْ..

تنشد اللحن المدمى

فوق سارية النحيب

يا نسرنا المخذول

في مرمى  دهاليز السرابْ..

أحكي لنا كيف

أرتقيت إلى السحابْ..

أولست أنت وحدك

تشتكي زمن الخرابْ..؟

**

لا توقظ الموتى النيام

فما زالَ الرخامُ

ملطخاً بدمائهمُ

هي لعنة حرى وسخطًا..

كن، في حضرة الموت

رمزاً  وشموخاً لـرهطا

لمعاني الصحوة الكبرى

تحاكي الأرض شبراً بعد شبرا..

لا تلن عند الهبوط من الاعالي

تحمل نزف جرحك

وحاذر هدهدات الريح

وصرخات العقاب..

**

لا تكن سهماً يجافي

معتمات الحق

لا تمضي رهاناً زائفاً

حتى ولا وهماً

يداري سخطنا الغافي

بأحضان الرهاب ..

هذا سؤالك والجواب..

**

كن نسرنا العازف

عن سهل الهضاب

أنت العُقابْ

ما زلت في الأجواء

تمخر في عباب

السائرين

الساخطين

الثائرين

فكن العُقابْ

في كل اودية العصور

واوكار النسور

فكن الجسور

على الزمان

لقد انتهى زمن الرقاد..

**

لا تكترث لطبول من سقطوا

في عزف ألحان البغاء

فهو الشقاء

كن ساهراً مترقباً

زحف الجراد..!!

***

جودت العاني

05/05/2021

 

 

محمد المهديسَجِّـر يَراعكَ المُغمَـدَ في حِبــرٍ

مَحْموم كما الشَّـجَـن..

واحشُدْهُ بسِنان البوح المتوثب

من على العتبــات.

وكُن أولَ مَن ألقـى الأحرُفَ عن قَصْد..

أو – ربما عن غير قصد –

لتَميدَ بك الكلمـات عَبْـر حَشرجةِ الرّوح

و تَنَطُّـعِ الآهــات..

أشجانٌ تَنفلِتُ مِن أَصفادِ الوَثَن

القابِـع فينا منذ بدء الخليقة..

تَساوَقَتْ لتعبُـرَ  جِسْـرَ العَتمـة،

مِن قــــاعِ الغــابِ إلى أزهار المدائـنِ.

ولِــتُنبِأ المَـــــلأَ بما خَطَّ الموتُ

على صفائِحِ الرُّخــام.

هي ذي أَطيافُنا تَسير على أَجْداث الحُلُم

المُتَمَلِّص مِن سؤال الوُجود.

تَطوف حَول الأفُق المترامي

على ضفاف التاريخ.

تَسْتَرِق اللّحظات المُــتْـرَعَةِ على المجهول،

لَعلّ الأقــدارَ تَجود بِأمــلٍ مَسلول

نَخُطُّ به بَعضا من آهـاتِنــا،

ونَحضُـنُ به بعضا من آمـالنــا الدفينـة.

***

محمد المهدي – المغرب

 

محمد حمدصحراء في جسدي وأنا لستُ بدويّا !

ثمة عيون لا ترى في السماء

غير مرآة مقلوبة

تعكس آثار اقدام مكبّلة الخطى

مكسورة الخواطر

تعبر خلسة مسالك غير  سالكة

الاّ في الاحلام المجّانية فقط

لمن دأب

على النوم خارج قوانين اليقظة...

 

لا شيء على خارطة الرمال المتحرّكة

غير بقايا ذكريات تتحرّك

في حياء انثوي

تحت ضوء قمر مجهول الانتماء

شارد الذهن 

تبحث في اللامكان عن موطيء قدم

غير مكتظّة بالاقدام

وعن هواء طريّ قابل للمداعبة

عن كثب

ويمكن استدراجه إلى رقصة تانگو ماجنة...

 

ما زلت في انتظار بادرة غزل

بعيدة عن مبدأ العرض والطلب

وكتابنا وكتابكم...شائعة الاستعمال !

من أي عابر/ة سبيل

جرّدته مواسم الترحال المتقلّبة

من طبائع البدوي

ومن رمزية حضوره المألوف عند قلّة

من أصحاب القلوب الناطقة بالضاد...

***

محمد حمد

 

 

يحيى السماويجالَ في أرجاءِ أوروكَ طويلاً

باحِثاً عن أمسهِ المُشمِسِ في أحياءِ عدنانَ

وطيٍّ ومُضَرْ


 

بـعـدَ سـبـعٍ فـي نـعـيـمِ الـغـابـةِ الـعـذراءِ

حـيـثُ الـمـاءُ والـخـضـرةُ والـزيـتـونُ والـتـيـنُ

وحـيـثُ الـلابَــشَــرْ

*

شَــدَّ أنـكـيـدو الـى أوروكَ عـزمـاً  ..

حـاسِــراً عـن شَــبَـقِ الـفـحـلِ   لـ " شـامـاتَ "  (*)

وعـن زخَّـةِ لـثـمٍ مـن إلـهِ الـعـشـقِ والأمـطـارِ " إيـنـانـا "

وكـأسٍ مـن نـبـيـذِ الـعـقـلِ فـي حـانـةِ " ســيـدوري " ..

تـخـفّـى ..

سـارَ كـالـلـصِّ بِـخُـفٍّ مـن حَـذَرْ

*

خـوفَ أنْ يُـلـقـي عـلـيـه الـقـبضَ

حُـرّاسُ إلـهِ الـريـحِ والإعـصـارِ " إنـلـيـلَ " (**)

فـيـمـضـي الـعـمـرَ  فـي اللامُـسْـتَـقَـرْ

*

جـازَ فـي عـودتِـهِ ســبـعـةَ أنـهـارٍ مـن الـخـمـرِ

وسـبـعـاً مـن سـواقـي الـمَـنِّ والـسـلـوى

وغـابـاتِ  تـراتـيـلَ ووديـانَ سَــهَــرْ

*

خـلـعَ الـثـوبَ الـذي كـانَ مـن الـعـشـبِ

وأوراقِ الـشـجـرْ

*

وارتـدى مـايـرتـديـهِ الـنـاسُ فـي الأمـسِ بـأوروكَ:

ثـيـابٌ مـن حـريـرٍ تـحـتَ قـفـطـانٍ مُـوشّـىً

بـالـدُّرَرْ

*

طَـمَـغَ الـجـبـهـةَ  (***)

قـصَّ الـشَّـعـرَ

واخـتـارَ لـهُ إســمـاً جـديـداً

واكْـتـنـى غـيـرَ الـذي كـان يُـسـمّـى   ..

فـهـو  الانَ  "  أبـو الـخـيـرِ عـلـيٌّ "

و " أبـو الـعـدلِ عُـمَـرْ " ..

*

وهـوَ الـمُـنـقِـذُ  والـحـامـي / الـقـويُّ / الـزاهـدُ / الـمُـؤتَـمَـنُ / الـسَّـبـعُ

إذا هـدَّدَ أوروكَ خـطـرْ

*

جـالَ فـي أرجـاءِ أوروكَ طـويـلاً

بـاحِـثـاً عـن أمـسـهِ الـمُـشـمِـسِ فـي أحـيـاءِ عـدنـانَ

وطـيٍّ ومُـضَـرْ

*

راعَـهُ أنَّ دروبَ الأمـسِ لا تُـفـضـي الـى الـيـومِ

وشـامـاتَ  قـضَـتْ نـحـبـاً بـسـاطـورِ ولاةِ الأمـرِ بـالـمـحـشَــرِ

والـنـهـي عـن الـعـشـقِ ..

وإيـنـانـا اسْــتـخـارتْ غـيـرَ أوروكَ مـلاذاً ..

والـمـغـانـي لا أثـرْ

*

ورأى الـفِـتـيـةَ والـصـبـيـانَ يـمـشـون حـفـاةً ..

بـعـضُـهـمْ

يـبـحَـثُ عـن بُـقـيـا طـعـامٍ فـي بـرامـيـلِ الـنـفـايـاتِ  ..

وبـعـضٌ

يـبـسـطُ الـراحـةَ يـسـتـجـدي نـقـوداً  ..

وكـثـيـرونَ عـلـى أرصـفـةِ الـذلِّ يـبـيـعـونَ دخـانـاً ومـنـاديـلَ

وأشـيـاءً أُخَـرْ

*

ورأى بـعـضـاً مـن الـقـومِ ـ قـلـيـلـيـنَ ـ يـسـيـرونَ طـواويـسَ

ويـمـشـي خـلـفـهـمْ  جـنـدٌ كـثـيـرونَ  ..

رأى  مِـنْ بِـدَعٍ فـي  الـديـنِ ما لا تُـغـتَـفَـرْ

*

سـألَ الـمـاشـيـنَ عـن  " إنـكـي " و" أوتـو " (***)

فـأتـاهُ الـردُّ:

" أوتـو " مـنـذ  ســادَ الـشـرُّ فـي أوروكَ  فَـرْ

*

وإلـهُ الـحـرفِ والـقـرطـاسِ والأشـغـالِ " إنـكـي "

كَـرِهَ الـعـيـشَ أسـيـراً لـجَـهـولٍ

فـانـتـحَـرْ

*

فـزَّ أنـكـيـدو  ..

سَــرَتْ فـي قـلـبـهِ رعـشـةُ مـوتٍ

لـم يـعـدْ يـعـرفُ

هـل مُـبـتـدأً  أضـحـى لأوروكَ الـتـي شَـدَّ إلـيـهـا الـعـزمَ

أمْ مـحـضَ خـبـرْ !

*

كـلُّ حَـيٍّ دولـةً صـارَ

لـهُ جـيـشٌ وقـاضٍ وإمـامٌ مُـنـتـظَـرْ

*

كُـلُّـهـمْ فـي مـجـمَـعِ الآلـهـةِ الـزورِ

يـبـيـعـونَ عـلـى الـنـاسِ الأمـانـي والـخَـدَرْ

***

يحيى السماوي

أديليد الخميس 6/5/2021

...................

(* ) شامات: في ملحمة كلكامش هي  الحسناء التي أغوت أنكيدو فمكّنته من نفسها فتأنسن بعد توحّش . وإينانا إلهة الحب والجمال والمطر .. سيدوري: صاحبة الحانة المعروفة بالحكمة وسداد الرأي ، وهي التي نصحت كلكامش ببناء السور العظيم . 

(**) إنليل: إله الرياح والأرض  والعواصف وكان راعيا للوحش المدمّر خمبابا

(***) طمغ: ختمَ ، جعل له علامة ـ كوشم الجبين مثلا ـ وهي كلمة تركية معرّبة .. إكتني: إتخذ له كنية / إسما مستعارا غير اسمه الحقيقي .

(***) أنكي: إله  الحِرَف والصناعات والثقافة ، وأوتو إله الشمس في الملحمة .

 

سامي العامريلمستُ بغدادَ جســـــــماً خائرَ الوردِ

واحترتُ كيف يسير الماءُ فــــي قيدِ

 

إذا ســـــــــجينٌ فجدوى دمعتي أملٌ

لكنْ بكائي على الأحرار هل يُجدي؟

 

هديةً لكِ لـــــــــــــــم أحملْ ولا هِبَةً

إلا مـــــــــــــمازحةٌ في ساعة الجدِّ !

 

إنّ الهدايا إذا جاءت فـــــــــمن دنِفٍ

وأنت لم تعرفي ما جَدَّ فــــــي بُعدي

 

أُهدي اضـطرابي وتُهدين التريُّث لي

بغدادُ لم أدرِ مَــــــــن منا الذي يُهدي

 

لم يبق فــــــــــي القلب إلا كونُهُ قلِقاً

كالرمل يسرح فــــــي جزرٍ وفي مَدِّ

 

يَبِلَّ ريقَ اشـــــــــــــتياقي دائماً حلمٌ

بأن أراكِ.. وهــــــــــــذا غاية المجدِ

 

وأنْ تكوني كظبيٍ صيغَ مـــــن هَيَفٍ

حتـــــــى لتعشو عيونُ الذئبِ والفهدِ

 

وأن تمدّي إلـــــــى قلبي بساط هوىً

والعينُ بالعين ثُـــــــــــــــم القدُّ بالقدِّ !

 

لكـــــــــــن بدا ليَ أن الطامعين هُمُو

فـــي العد كالنجم عن قصد ولا قصدِ

 

بالأمس من نصف قرن كنتُ ذا شغفٍ

والغيمُ أحمله طفلاً علـــــــــــى زندي

 

فـــــــــــيا عراقُ ولو بالشعر تأمرني

بأن أعيدك مـــــــــــــن لحدٍ إلى مهدِ

 

إلـــــى البراءات، للصدق الجميل نعمْ

لا لـــــــ (ابن عمهِ) يا خالي ويا جدي!

***

سامي العامري

........................

(*) حين تتحدث عن العراق وعاصفته بغداد فأنت لا شك مسير لا مخير وما سيَّرني للحديث بعد أيام قلائل على وصولي إلى بغداد عنصران أساسيان هما الدهشة والتشتت وهكذا بعد غياب امتد لثمانية وثلاثين عاماً وجدتُ قلمي يهذي بهذه الأبيات قبل أن يستقر بين أصابعي.

(*) نقول في الثقافة الشعبية العراقية والشامية: تريد الصدق لو (ابن عمه)؟

 

 

عدنان الظاهر7ـ مع الوالدة في بيروت

[1965 ــ 1966]

هل تأتي

لتزورَ مرابضَ قريةِ مِحرابي

فصّلتُ مُقامي فيها فصْلاً فصْلا

ونشرتُ ثيابي لصدى أهوائي حَبْلا

ضمّتني غُصُناً في قبرِ

وبكتني برّاً في بحرِ

ومطاراً لعهودٍ طالتْ ... أفنتني ... كادتْ

من ثُمَّ رأيناها رأيَّ التُفاحةِ في العينِ

شَبَحاً أسودَ في ظلِّ جِدارٍ مُنهارِ

صَرَختْ ثم انهارتْ

جمّعتُ الأنفاسَ ولمْ تنهضْ

مَنْ ينهضُ والصوتُ العالي مأزومُ

يترددُ في مركبِ نُوحٍ في عَرْضِ اليمِّ

أُمّي ! آهٍ أُمّي آهٍ أُوّاها

خَفتَ الصوتُ ومرَّ المركبُ مرَّ الوهنِ

هل بقيتْ بيروتُ كما كانتْ

وكما شاهدتُ خطوطَ النملِ على رملِ الأهلِ ؟

بيروتُ حنينُ الناقةِ للحِمْلِ

حَمَلتني من بهوِ الطبِّ لبارِالجنِّ

شقَّ البدرُ جناحاً

يحملُ أُمّي بَرْقاً من جُندِ

وحلولِ الجسدِ النازلِ في ليلةِ قَبْرِ

قَدَري هذا .. قالتْ نَزَلَتْ تسقيني ماءَ الحُمّى

وأُعاطيها أخبارَ الجنِّ الحُمْرِ

تُبعِدُني ... تخشى العدوى !

بيروتُ مناجلُ عيدِ الإعصارِ

وبنادقُ شقِّ الأنفاقِ

تركتني أُحصي أنفاسَ البحريّةِ والطوقً الأمني

أُخفي دَمْعاتِ الموجِ بحبّاتِ الرملِ

أسمعُ فيها دقَّ طبولِ حِدادِ الأهلِ

فأقولُ سلاماً

تركتني عَظْماً يقرأُ آياتِ الفجرِ..

أوقفتُ خسائرَ فادحةً

في قلبِ الإعصارِ الضاربِ في سوءِ الظَنِّ

طارَ صوابُ الجاني والسادرِ في أنصافِ الحَلِّ

والغافي تحتَ الظُلّةِ في قيلولةِ عِزِّ الصيفِ

ما يعني شأني للضاربِ طُنبورَ أخاديدِ النسيانِ ؟

هيّا .. نبدأُ عصرَ التجديفِ المُرِّ

لا بحرٌ يبدأُ فينا لا ريحٌ لا قوسٌ لا بحّارُ

مِجدافُ البحرِ يُعطِّلُ موجاتِ الريحِ

أشرعةُ المدِّ قِصارُ ...

قلّبتُ الدُنيا فانقلبتْ بي

وتقلّبَ جرّاها منظورُ التعبيرِ

ما كانَ الوزنُ الصافي معروفا

أو كانَ الدِرعُ الواقي مصفوفا

وجّهتُ التوقَ لوجهةِ فوجِ التدريبِ الإجباري

لأُراقبَ ما يجري خلفَ متاريسِ الأنصابِ

هذا توق الماشي عَكْسَ التيّارِ

كُفّوا يا ناسُ خذوا رأسي مقصوصا

الحربُ سِجالُ

قاصيها دجّالٌ أحمقُ معزولُ

والنارُ سعيرُ سُعارِ الأبراجِ ..

جاءتْ تتخطّى ماضي الأشواقِ

تمشي الدُنيا تتوكّأُ شِبْراً شِبْرا

تُحصي السيّارةُ أنفاسَ هدوءِ الصدرِ

تفتحُ أنوارَ الشرقِ مصابيحا

هل وجدتني أنزلُ مِعراجَ النورِ حثيثا

وأصفُّ الدمعَ شموعا

لطريقِ العُزلةِ في الدربِ النائي

صَرَختْ أُمّاهُ تعالوا

هَفَتتْ غابتْ

سَقطتْ من بُرْجِ النوءِ العالي

قَمَراً ينزفُ مخسوفا.

***

د. عدنان الظاهر

 

 

بن يونس ماجنكمامات تزخر بشتى الالوان

ما عدى الاسود

امرأة منقبة في لندن

2

على ضفاف "التايمز"

حدائق "الهايد بارك"

جنة الرواة والخطباء والدعاة

وجماعة المشاغبين

3

في شوارع لندن

المكتظة بالضباب

والطقس البارد والمظلات

ثمة مطر سخي لا ينضب

4

صعلوك متشرد

سرق مقعد حديقة

ليطل على صناديق القمامة

لا شيء سوى تثاِؤب النفايات

5

تحت جنح الظلام

خفافيش "بج بن"

تخشى من ضربة عمود الانارة

قبل هبوط الليل

على مجلس العموم

6

في أعياد المسيح

أطفال لندن ينتظرون على احر من الجمر

خروج "بابا نويل"

من مداخن بيوتهم

7

كتابان متباعدان

على رفوف المكتبة البريطانية

ما للحجر الصحي

لا يحترم غبار الاغلفة؟

8

المتحف البريطاني

حفريات الثقافة البشرية

يا لها من السرقة الموصوفة

9

ميدان الطرف الأغر

حقل المجسمات

وفضلات الحمام

10

"ادجوار رود"

شارع الشيشة العربية

والكباب والشاورمة

وهز البطن الى مطلع الفجر

***

بن يونس ماجن

 

وليد العرفي النص

تعبيرٌ عنْ تجربةٍ لا تعني التَّعميم ولا التَّخصيص

حبرٌ في علمِ التَّنصيص

المعنى

المعنى ليسَ الظَّاهر في الكلماتْ

المعنى في قلبِ الشَّاعرِ ماتْ

التاريخ

التاريخُ كتابٌ عنْ ماضٍ لنْ يرجعْ

الحاضر

إحساسٌ بحياةٍ وعبورٍ موجعْ

المستقبل

؟ ؟ ؟

الجغرافيا

منظقةٌ يقبلُها العقلُ

ويعشقُها القلب

الحب

قاموسٌ تتشكَّلُ أحرفهُ منْ نبضْ

لغةٌ معناها وسعُ فضا ومساحةُ أرضْ

الفراق

موقفُ  فقْدٍ يُشبهُ  لحظةَ موتْ

ترجمةٌ لكتابِ الصَّمتْ

***

وليد العرفي

 

 

فتحي مهذبNothingness knocks on doors.

بقلم فتحي مهذب تونس.

مع ترجمة: د. يوسف حنا. فلسطين.

** العدم يقترب كثيرا من ضيعتنا

يقفز مثل كنغر في السافانا

السنة الفائتة

قتل شجرة لوز معمرة

ضربتها صاعقة من إصطبله السماوي

وبرغم موتها التراجيدي

لم تزل تأخذ هيئة صليب

سابلة جناحيها المتفحمين

كل طائر يمر بمحاذاتها

يرسم علامة الصليب في الهواء

ويمضي.

**

العدم لم يترك أحدا في البيت

ابتلع قارب شاوول الأشقر

في أعماق المحيط

شاوول إبتلعه حوت كبير

لكن ثمة موجة

تشبه سيارة ليموزين

بصفير متقطع

تنعاه بمحاذاة الشط.

**

العدم

يمنحنا عند الولادة قرصة لاذعة

ليكون زعيقنا أشبه بجراء الفقمة

نادمين على الهبوط الأرعن

يلعق دمنا في القماط

ثم يختفي في الجذور العميقة

متوعدا حياتنا بنقصان فادح.

**

كنا نتقاسم شطائر الهمبرقر.

نربط روحينا بحبل هواجسنا

نعبر جسر المرئيات

مثل فراشتين من النور الخالص

تذهبين إلى قلبي

تقلعين الأعشاب الضارة

ما خلفه الأصدقاء من أصداف ميتة

أذهب إلى قلبك مثل فارس شركسي

أطرد الشياطين التي تتربص بنا

الغراب الذي يلتهم سماءك المغمى عليها

كنا نمتطي الباص ونصعد إلى المستقبل

يتبعنا مطر من الموسيقى

تتبعنا كلماتنا المضيئة

مثل جواري توت عنخ أمون

والهواء كاهن يبارك صلواتنا

من شرفتها الكنسية

تطل العذراء مطوقة بمترين من الفراشات المتلامعة

لا نتكلم بل نحدق كالمجانين

في أرجوحة النهار

وعلى غرة

ونحن في قلب التجربة

هاجمنا العدم كقاطع طريق.

أنت ذهبت إلى المقبرة

وأنا ذهبت إلى وادي الملوك.

بحثا عن* كتاب الأموات*.

**

سأقتل برصاصة

أو بشظية قناص

أو ستدهسني عربة نقل الأموات

وأنا مستلق على سريري

أفكر في شراء إلاه طيب

من كاهن ثري

ليساعدني في رأب شقوق الميتافيزيق.

في الحرب التي أخوضها كل يوم

بكيس مليء بفواكه اللامعنى.

سأقتل بحبل مشنقة

في قاع النص

أو بضربة حمى

بين نهدين ثرثارين

يغردان بمنتهى العذوبة

سأقتل عمدا أو سهوا

في الهجرة

أو في حانة مليئة بالأرامل

أو في برج مائل يدفعه فهد

إلى التهلكة.

سيكون العدم شقيقي الأكبر

سيمنحني وساما ذهبيا

ثم يشيعني إلى العالم الآخر

بدم بارد.

**

تعبنا كثيرا

الدم يشرشر من أقدامنا

الحرب عجوز شريرة

لا تنام أبدا

تذهب إلى المبغى

لتقتل النهار الأشيب بعضة أفعى المامبا

تفرغ خراءها في جيوب القادة

يذهب الجنود إلى النسيان

والبيوت إلى الرماد

تعبنا كثيرا

الحرب

العجوز الشريرة

كانت صديقة نادرة جدا

لكلاب العدم.

**

حينما نتحول إلى عدم

ستتبعنا الأشياء بخطى متماسكة

لتنال وجبتها من الوليمة

سيبقى العدم وحده في المنفى

مالئا دورقه المثقوب بحجج هشة.

**

رأيت الوجود والعدم

يتحاوران بالإشارة

فوق الجسر .

***

فتحي مهذب

....................

 

Nothingness knocks on doorsيوسف حنا

By Fathi Muhadub / Tunisia

From Arabic Dr. Yousef Hanna / Palestine

Nothingness is very close to our estate

He jumps like a kangaroo in Savanna

Last Year

He killed a perennial almond tree

Was struck by lightning from his heavenly stable

Despite her tragic death

It is still taking the form of a cross

Letting down her charred wings

Every bird passes by

Paints the sign of the cross in the air

And goes on.

**

Nothingness left no one at home

Saul swallowed the blond boat

In the depths of the ocean

Shaul was swallowed by a large whale

But there is a wave

That resembles a limousine

With intermittent beeping

Mourns him along the beach.

**

Nothingness

Gives us a stinging pinch at birth

Making our squawk more like seals puppies

Regretful the reckless landing

He licks our blood in the swaddle

Then he disappears into the deep roots

Threatening our lives with serious omission.

**

We were sharing burger sandwiches.

Tying our souls to the rope of our obsessions

Crossing the Visuals' bridge

Like two pure light butterflies

You go to my heart

You take off the weeds

What friends left from dead shells

I go to your heart like a Circassian knight

Drive out the demons that lie in wait for us

The crow that devours your unconscious sky

We were riding the bus and ascending into the future

A rain of music follows us

Our luminous words follow us

Like Tutankhamun's maidservants

And the air is a priest who blesses our prayers...

From her ecclesiastical balcony,

The Virgin peeks surrounded by two meters of glittering butterflies

We don't talk, we just stare like crazy

In the swing of the day.

And by surprise

Whereas we were at the heart of the experience

Nothingness attacked us like a roadblock.

You went to the cemetery

And I went to the Valley of the Kings

In search of "The Book of the Dead".

**

I will be killed by a bullet

Or with a sniper shrapnel

Or I'd be run over by a dead carriage

While I'm lying on my bed

Thinking of buying a generous god

From a wealthy priest

To help me heal the cracks of metaphysics.

In the war that I fight every day

With a sachet full of meaningless fruits.

I will be killed with a noose

At the bottom of the text

Or by a fever stroke

Between two garrulous breasts

Twittering very sweetly.

I will be killed intentionally or inadvertently

In migration

Or in a bar full of widows

Or in a leaning tower pushed by a leopard

Into a punch.

Nothingness will be my older brother

He will award me a golden medal

Then he mourns me to the next world

In cold blood.

**

We got tired so much

Blood splatters from our feet

War is a wicked old woman

Never sleeps

She goes to the brothel

To kill the graying day with a bite of a mamba snake

Empties her shit in the pockets of the leaders.

Soldiers go into oblivion

And homes to ashes

We got tired so much

the war

The evil old woman

Was a very rare friend

Of the dogs of nothingness.

**

When we turn to nothing

Things will follow us at a coherent pace

To get her meal from the feast

Nothingness will remain alone in the exile

Filling his perforated beaker with brittle arguments.

****

I saw being and nothingness

Talking with a signal

Over the bridge.

***

 

 

سوف عبيدرُوحي فِدَى شيخ بساق الخشبِ

في الشّمس

أو في البرد

يقرعُ الحَجرْ

تراهُ صَلدًا شامخًا

لا يشتكِي

فالمجدُ هذا

لو يرى كلُّ البَشرْ !

***

سُوف عبيد

قصي الشيخ عسكرذكّرني

وجهُ عجوز

أغرتني أن ألعبً في البيكلدللي الروليت

ذكّرني

بعجائز في قريتنا

رتلنَ القرآن وأغرين الأطفال بخبز العبّاس

**

دراية

بقعة شمسِ تبحث عني

في أيِّ مكان لاتدري

لا وعداً يخفيني

بعض الأحيان أكون على بعد من صمتي

**

تأمّل

من يتأملني فيكِ إلى

فرح من حزنٍ يُنفَى

وإلى حزن من فرحٍ يُنفى

تلفت أم التفات

**

لؤلوةٌ

تلفتت قافلةً من الزمان

والتفتت بعبرةٍ من البريق

كان لها قلبي صدى

يعانق الأريج

***

شعر

قصي الشيخ عسكر

 

زهرة الحواشييا ندى الليل المحمّل بالآمال

قبلة العشّاق...نيروز الأماني

 

يا نديم الرّوح يا لحن الأغاني

يا قطوفا داعبت خــــدّ الدّنان

 

يا ندى الليل المحمّل بالـــــوعود

يا مزاهير الغرام و تيسير العهود

 

يا احتفاءً و انتماءً و احتفالا

و شموعا وولوعا..وصواني

 

يا ندى اللّيل المعطّر بالرّبيع

يا ابتسامات بِراءً..كالرّضيع

 

يا عذوبة ليل نيسان البديع

يا طيوبا هيّجت ورد افتتاني

 

يا ندى اللّيل المسافر في سلام

فوق كاسات الكواكب و الغِيام

 

هاتني بعض النّسائم و العطور

من أريج أحبّتي ..فَيْحِ الجنان...

***

للشاعرة التونسية زهرة الحواشي

من مجموعة حديث الروّح .

 

صادق السامرائيألاعِيْبٌ تُمارِسُهـــا الشُّعُوبُ

ومِنْ غَفلٍ تُداهِمُها الخُطوبُ

 

ورُقْعَتُها بأرْضٍ ذاتِ خَيْرٍ

تَلهّى خَلْقُها وبها يَلـــــوبُ

 

مَراسيْمُ انْتِهابٍ دونَ قَيْــــدٍ

ويَفْرِضُها بإجْحافٍ غَلوبُ

 

وقد أخَذوا غَنائمَهمْ وجاروا

وإنَّ الشَّعْبَ مَكْــدودٌ نَكوبُ

 

حياةُ شُعُوبِنا فاقَتْ أساها

وكُلُّ أثِيمَةٍ فيها تَجُـــوبُ

 

أضاليلٌ مُعَمَّمــــةٌ بأفْكٍ

تُسوِّغُها شَياطينٌ تَنوبُ

 

رذائِلها بها بلغَتْ مَداهــا

فَضائِلُها بما أفْتَتْ ذُنوبُ

 

تِجارَةُ ديْنِها رَبَحَتْ وفازتْ

وإنّ الجَهْلَ تَسْــويْقٌ دَؤوبُ

 

ألاعيْبٌ لها أشْواطُ كَسْبٍ

مُبَرْمَجَةٌ يُحَرِّكها اللَّعوبُ

 

وكمْ فَتَكَتْ بأجْيالٍ وأخْــرى

وما بَرِحَتْ على أمَمٍ تَؤوبُ

 

إذا لعِبَتْ بنا كَسَبَتْ أناسا

تُغَفِّلهُمْ بإغْـــــراءٍ يَطيْبُ

 

وتَأخُذُهُمْ سُكارى نَحْوَ وَيْلٍ

وتُطْعِمُهمْ وتَمْلِكُهمْ جُيوبُ

 

تُصَنِّعُهُمْ وتَمْلأهُمْ عَداءً

لأمَّتِهمْ فَتَفْتِنُهُمْ كــروبُ

 

لماذا أمّتي فيها نفــــــوسٌ

تُعاديها وقائِدُها الغَصوبُ؟

 

خِياناتٌ تُفاعِلهــــــا بقَهْرٍ

ويَرْجِمُها بفادِحَةٍ ذَؤوبُ

***

د. صادق السامرائي

 25\12\2020

 

 

جمال ابو زيدترجمة: جمال أبو زيد

16- المرأةُ العجوز والطبيب


استدعتْ عجوزٌ كانت عيناها قد بدأتا تضعفان طبيباً لقاءَ أجرٍ متفقٍ عليه. ذهب إلى منزلها، وكان يعالجُ عينيها كلَّ مرّة ٍ بمَرْهَم. وفي كل جلسةٍ، وفيما كانت عيناها مغلقتيْن جرّاءَ العلاج، كان يسرق أثاثَ منزلها قطعةً في إثر قطعة. وحين نقلَ كلَّ شيءٍ، انتهى العلاج وطالبها بالأجر المُتفق عليه. رفضت العجوز أن تدفع له أجْرَهُ فأخذها إلى المحكمة. وصرَّحَتْ عندئذٍ بأنها كانت حقّاً قد وعَدَتْهُ بأجْرٍ إذا أعاد لها بصرَها، ولكنْ منذ أن بدأ برنامج الطبيب في العلاج، ساء وضعُها أكثر من ذي قبل، إذْ، كما قالت، " في السابق كان في مقدوري أن أرى الأثاثَ في البيت، أمّا الآن فلم يعد في وسعي أن أرى أيَّ شيءِ منه".

**

17- الحصان والحمار

كان لدى رجلٍ حصانٌ وحمار. ذات يومٍ، وفيما كانا على الطريق، قال الحمار للحصان:

"خذ عنّي بعضَ الحِمْلِ إذا كانت لديكَ قيمةٌ لحياتي".

أدار له الحصانُ الأذنَ الصمّاءَ، وسقط الحمارُ مُنْهَكاً من الإعياء ومات. وعندئذٍ نقلَ المالكُ الحِمْلَ إلى الحصان بالإضافة إلى جلد الحمار المسلوخ، فتنهّدَ الحصانُ وقال: " آه. لا أملَ لي. وا أسفاه! ماذا أصابني؟ لأنني لم أُرِدْ أن أحملَ حِمْلاً خفيفاً، ها أنذا أحملُ الحِمْلَ كلَّه وحتى الجلد أيضاً! ".

**

18- البستاني والكلب

سقط كلبُ البستاني في بئر. وبُغية إنقاذه، نزل البستانيُّ بنفسه إلى البئر. بَيْدَ أن الكلب، الذي ظنَّ أن البستانيَّ كان بصددِ دفعه إلى نقطة أعمق، استدار وعَضَّه. فصعد البستانيُّ إلى خارج البئر وهو يتألم من جرحه قائلاً: " الأمرُ سيّان بالنسبة إليّ. لماذا أضايق نفسي لأنقذ حيواناً يريد أن يهلك؟".

**

19- اللصوص والديك

 لم يجد بعضُ اللصوص، الذين اقتحموا بيتاً بُغية سرقته، شيئاً فيه باستثناء ديك ٍ صغير فأخذوه ومضوا به. وحين دنا أجلُهُ على أيديهم، توسّل إليهم أن يطلقوا سراحه مدافعاً عن نفسه بقوله إنه كان ذا عونٍ للرجال بإيقاظهم ليلاً للذهاب إلى أعمالهم، فقالوا له: "وهذا سبب آخر لقتلك، إذ بإيقاظك الرجال تمنعنا من السرقة".

**

20- الرجل الذي عَضَّهُ كلب

طاف رجلٌ، كان قد عضَّهُ كلبٌ، في كلِّ مكان بحثاً عمَّنْ يعالج جرحَه. أخبره أحدُهُم أنّ كلَّ ما يتحتّم عليه أن يفعله هو أن يمسح الدمَ عن جرحِهِ بكِسْرَة ِ خبزٍ ويرميها إلى الكلب الذي كان قد عضَّه، فأجاب الرجلُ المتأذّي قائلاً: " ولكنْ، لو فَعَلْتُ ذلك سيعضُّني كلُّ كلبٍ في المدينة". 

**

21- الكلبُ الذي أُكْرِمَتْ وفادتُهُ كضَيْفٍ

أو الرجلُ وكلبُه

أعدَّ رجلٌ عشاءً ليكرمَ وفادةَ صديقٍ للعائلة. ودعا كلْبُهُ كلباً آخرَ قائلاً له: " يا صديقي، تعالَ إلى البيت لتناول العشاء معي".

وصل ضيفُهُ يحدوهُ الحُبورُ وتوقف لإلقاء نظرة ٍ على كلِّ الطعام الممدودِ، مغمغماً في قرارة نفسه: " أوه. يا لها من لُقْيَة ٍ بالنسبة إليّ. سوف أُسْرفُ في الشراب وأعطي نفسي ما يُتْخِمُ بطني بحيث لن أشعرَ بالجوع طوالَ يوم غد".

وطوال الوقت الذي كان يُغمغمُ فيه بذلك كان ذيلُهُ يهتزّ وهو يُظهر ثقته بصديقه.

أمسكهُ الطاهي، وقد رأى ذيْلَهُ يتحرك ذات اليمين وذات اليسار، من قدمه وطوَّحَ به من النافذة. ذهب الكلبُ إلى البيت وهو يعوي. في طريقه قابل بعض الكلاب، وسأله أحدُها: " كيف كان عشاؤك؟".

أجاب الكلب: " لقد أسْرَفْتُ في الشراب حتى الثمالة. ولا أعرف حتى كيف خرجتُ من ذلك البيت".

***

..................... 

إيسوب ( 620 ق.م – 564) كاتب إغريقي ولد عبداً في القرن السادس قبل الميلاد في اليونان في جزيرة ساموز، ثم أعتقه سيده الأخير. انطلق بعد ذلك يجوب الآفاق وينشر أفكاره وحِكَمَهُ وقد ألّف مئات الحكايات الخرافية حتى صار أحدَ رُوّادِ هذا الفن. وهو شخصية مثيرة للجدل، ولا يُعرف عن حياته إلا القليل. فثمةّ من يشكك في وجوده أصلاً ويعتبره شخصية أسطورية اخترعها اليونانيون، الذين كان من عادتهم نسبة الأعمال الأدبية إلى مؤلف، فنسبوا تلك الحكايات إلى شخصية وهمية تدعى إيسوب.

بيد أننا في حقيقة الأمر نرى أنّ الجميع اتفقوا على أنَّ "حكايات إيسوب" عمل أدبي رائع، صيغ بأسلوب طريف وممتع. وتضع تلك الحكايات فلسفة للحياة والسياسة مليئة بالحِكَمِ والدلالات التي جاءت على ألسنة الحيوانات. تُعدُّ كلُّ حكاية منها ذات معنى خاص يستطيع القارئ الوصول إليه بسهولة. لاقت تلك الحكايات رواجاً كبيراً، واهتم بها كثير من الكُتّاب والنقاد والقرّاء والمترجمين على مَرّ القرون اهتماماً بالغاً. 

 

 

صالح البياتيكان الزقاق الذي سرنا فيه ضيقاً، أشبه بمرآة عاكسة لبيوت متقابلة، كلها متشابهة، حتى في  لون الأبواب والنوافذ؛ التي رُكبت عليها مبردات الهواء، كانت كلها بلون ازرق.

جئنا هنا لزيارة السيدة سين، التي رحبت بنا بطريقتها الخاصة، غير المتكلفة، جلسنا على كنبة تتسع لإثنين، زوجتي وأنا، وجلست هي على كرسي امامنا، سألتها عن ولديها، دمعت عيناها، خشيت ان زدت كلمة، فقد تنفجر باكية، قالت بعد أن كفكفت عبراتها، ومسحت دموعها، بكم ثوبها " هاجرا بعدما اشتد علينا الحصار الأمريكي "

وتفاديا لنظرة الشفقة التي ارتسمت على وجهينا، اسرعت لتقول" هما بخير، ويبعثان ما يغطي حاجتي"

 اعرفها؛ امرأة ذات  نفس ابية، توقعت في تلك اللحظة الرفض؛ إن عرضت عليها المساعدة، هذا بالإضافة الى انني سأحرجها، وربما أجرح مشاعرها.  

 إستأذنت منا لتقدم لنا شيئا، القيت نظرة على أثاث غرفة الإستقبال، فأدركت مدى الإختلاف الذي طرأ على حياتها، فقد كانت قبل عودتها الإضطرارية للوطن، تعيش في شقة كبيرة، بمنطقة السالمية الراقية بالكويت،  المطلة على البحر، نظرة سريعة، تكفي المرء ان يعرف، انها الآن في أسوأ حال.

 لن انسي أبداً تلك الظروف التي مرت بنا؛ عندما اجبرتني الحرب على الهرب، استجابة لمبادئي الإنسانية الرافضة للعنف، كما فعل آخرون على إختلاف مشاربهم ونواياهم وأهدافهم، فأنا نوعاً ما مثل هيرمان هسه، في رفضه للحرب التي أثارها هتلر، واتخذ من مدينة سويسرية مكانا لإقامته، وهناك الف كتابه " إذا ما إستمرت الحرب*" ولكن مع اختلاف واضح ، ان سويسرا كانت على الحياد، اما الكويت فلم تكن كذلك، لذا كان على الذين التجأوا اليها؛ توخي الحذر والحيطة قبل الجهر بآرائهم السياسية، او مواقفهم الرافضة للحرب.

في تلك الأيام الصعبة، رحبت بنا السيدة سين واستضافتنا في شقتها لفترة قصيرة، على كل حال ، في معمعان تلك الظروف الحرجة، مدت لنا السيدة سين، يدها الكريمة، حتى حصلنا على العمل والسكن، واستقر بنا المقام، وكأي مغترب   لبلد آخر، يحتاج الى التعارف على أبناء بلده، خاصة أولئك الذين ينسجم معهم، ويرتاح لصداقتهم، ومن حسن الحظ ان معرفتنا بالسيدة سين قديمة،  لذا تبادلنا معها الزيارات العائلية، طوال فترة اقامتنا، التي استمرت حتى إحتلال الكويت في الثامن من أغسطس، آب 1990 .

 قبل ان نودع السيدة سين، نأمل في زيارة آخرى، ان نؤدي لها واجب المساعدة المطلوبة التي تستحقها.

 تذكرت فجأة القط يسترداي، فسألتها عنه، تبسمت، قالت انه لا يزال معي، فقلت لقد ظل وفيا ومخلصاً لك، هزت رأسها بالإيجاب، نادته، فجاء كطفل يحبو، ندت مني صرخة خافته، يا إلهي..  لقد كبر الهر وهرم كثيرا، وبطؤَت حركته.

 قعد بين قدميها، وراح يتطلع الينا، كأنه يحاول ان يتذكرنا، غشت وجهه كآبة حزن، لم تفت عن العين الفاحصة، قلت لها، لم أكن أتوقع ان اراه حياً، قالت،  انت تعرف جانباً من حياته، وآخر لا تعرفه، استأذنتنا، خرجت وعادت بيدها  رزمة أوراق، مدتها إليَّ، خذها أقرأها، فيها كل ما تحب ان تعرفه عنه .. وعني، اعرف انك تهوى الكتابة، لعلك تجد فيها ما يثير اهتمامك، فتكتبه وتنشره، ولكن رجاء لا تنسبه لي شخصياً، دع القصة تُسردْ من دون ذكر الأسماء،  لتكن مثلا سيرة ذاتية لإمرأة مجهولة وقطها ، اخذت الأوراق، دون ان الفظ  كلمة، صافحتها مودعاً ومضينا.

في البيت تركت الأوراق على المنضدة الجانبية لسرير النوم، شعرت ان مجرد تصفحها، يعتبر انتهاكاً لخصوصيتها، رغم انها منحتني الإذن بالأطلاع على ما فيها، كنت أحيانا اختلس النظر اليها؛ فأتراجع دون ان أجرأ فأمد يدي، بقت في مكانها لعدة أيام، قمنا بأكثر من زيارة للسيدة سين، تمكنا في إحداها وبصعوبة بالغة؛ ان نقنعها على قبول مساعدتنا المالية. سألتني عن الأوراق، قبل ان نودعها: أكيد قرأتها، فأعتذرت بالإنشغال وضيق الوقت، وبهذا التبرير لم أقطع بشئ، بعد تلك الزيارة، انكببت اقرأ الأوراق، وأكتب الملاحظات على هوامشها، حتى أكملت القصة وبصيغة ضمير المتكلم، احب ان انبه القارئ، انني سأتدخل عند الضرورة، كشاهد عيان، على الإحداث التي تسردها السيدة، والمدونة في الأوراق بخط يدها، وما قمت به، كان مجرد إعادة صياغتها، لتناسب أساليب كتابة القصة القصيرة، وهي كما يأتي:   

 كان يوما عاديا، يبدأ عند السادسة صباحا، بإعداد الطعام لترويقة الصباح، يخرج زوجي عادة قبلي  للعمل، بعد ان يتناول طعامه بسرعة، أقوم انا بمساعدة الولدين على ارتداء ملابسهما المدرسية، وهما يلتهمان طعامهما، ولا انسى أبدا ان ادس في حقيبتيهما ساندويتشتين، تصبيرة لما قبل العودة الى البيت، اي بعد الواحدة ظهرا.

 حكيت لزميلاتي في مكان العمل، عن القط  الذي عثرت عليه، اقترحت احداهن ان نسميه يسترداي، اعجبني الأسم، فهو جميل ومودرن، لكنني قلت لماذا لا ندعوه أسعد، قالت الزميلة أوكي، الأسم الأول يشير الى الى الماضي، والثاني للمستقبل ، وهو أيضا جميل، ويضفي على هذا المخلوق الضعيف، الذي عثرت عليه اليوم، شيء من التألق، الجاذبية، الفرح، ادهشني انني اخترت له أسماً جميلا، جاء عفو الخاطر، لم أفكر به قبل لحظة واحدة، فقلت في نفسي يا لها من مصادفة جميلة.

 عندما عدنا الى البيت، كان القط الصغير، يموء تحت مائدة الطعام، وينوص بين قوائم الكراسي، إستأنس بالمكان الدافئ، المفروش بالموكيت الرمادي، الشبيه بلونه، عدا البياض الذي يبقع  صدره وظهره، راح الولدان يداعبانه، يمسدان على رأسه وظهره، سألني الأكبر، ماما ماذا نسميه.. قلت أسعد، واحياناً عندما نفكر بماضيه، ندعوه يسترداي، اتفقنا.. هل اعجبكما الأسمين، صرخا هيه هيه، وأخذا ينطان حوله متحمسين، ذكرتهما ان ذلك يزعج الجيران تحتنا، فهدئا.

لا زلت اذكر صباح ذلك اليوم، نزلت من الطابق الثاني، لأرمي كيس القمامة في حاوية العمارة، سمعت مواءً خافتاً، كان المسكين يلتصق خائفاً بالحاوية، انحنيت علية، رأيته يغمض عينيه، كالجراء الحديثة الولادة، يحرك رأسه حركة بطيئة، عدت للشقة، احمله بين يدي، دلقت حليباً في صحن غير عميق، وقربته منه، أخذ يلعق حافته المستديرة، فتح عينيه قليلا، مد رأسه، وأخذ يتحسس الحليب بلسانه الوردي، كما لو انه يريد ان يتذوقه اولاً، نظرت اليه متعاطفة، وفي نفسي تساؤل حزين، يا له من مخلوق مسكين، تُرى هل سبق ان ذاق الحليب من قبل، هل ارضعته امه من أثدائها البارزة كحبات العنب، والغزيرة باللبن، قبل ان تنفصل عنه، يبدو ان المسكين قد حُرم حتى من قطرة واحدة يتذوقها، ربما تركته الأم لسبب ما، أوحدث لها ما حدث، فأخذه احدهم ورماه جنب الحاوية، او ان الأم كانت قطة منزلية، تخلوا عنها مع صغارها، على كل الأحوال، وجد من يرعاه، الولدان احباه، كانا يلحان علي ان اشتري لهما قطاً شيرازياً او سيامياً ، لكنني كنت ارفض دائما، ليس لدي الوقت الكافي حتى لنفسي، كما انني كنت أخشى تعلقهما عاطفيا به، الأطفال سريعو التعلق بالحيوان، سواء كان قطاً او كلباً، او حتى طيرا في قفص، ناهيك عن العناية المطلوبة، من تلقيح وتنظيف وما اليه، مسؤلية أخلاقية، وعاطفية أيضا، اذا ما حدث له شيء، سيكون تأثيره العاطفي على الولدين مؤلماً، وما يدريني كيف سأواجه ذلك، بعد ان اتعلق به، لكن ها انا ذا اتقبل ما كنت اخشاه.

 سيدتي سين لا عليك، لقد وضعتكما الصدفة في طريق واحد.. ليسامحني القارئ لأنني اربكت بتدخلي تيار السرد، لنعد للسيدة سين وقطها.

  اذكر اني سحبت الطفلين، عندما كنت اروم مغادرة الشقة للذهاب للعمل، كانا يتشبثان بقوة بكراسي مائدة الطعام، يتوسلان بي ان ابقيهما مع القط، وأذكر أيضاً انني القيت عليه نظرة شفيقة،عندما تركناه لوحده، لكنني ارتحت وإطمأنت نفسي، حين رأيته قد شبع، وتمدد غافياً على الموكيت الرمادي، اسرعنا نهبط السلالم،  ومشينا الى ساحة العمارة، حيث ركنت سيارتي.

لن أنسى ابداً، ما حدث في ذلك اليوم، أذكر كل دقائق ذلك الصباح، الذي انطبع في ذاكرتي، بطابع مزيج من الفرح والحزن، لا أعرف لماذا أحببت ذلك الحيوان الأليف، وتعلقت به بقوة.

 لأعود أحكي عن نفسي، فقدت والدي وأنا صغيرة، وفي الثامنة عشر، فُرض علي زواج قسري، من رجل يكبرني عقدين على الأقل، لم أحبه، كانت غرفة النوم الشئ الوحيد الذي يجمعنا، وسريرها بالنسبة لي اشبه بنسيج العنكبوت، كان هو يعتبر العلاقة الجنسية، حق شرعي مقدس، لا يتنازل عنه، وعدا ذلك لم يقم له وزناً، او يعر له أي إهتمام يذكر، وعندما ابديت له رغبتي بالدراسة، راح يسخر مني، ولا غرابة في ذلك، فهورجل تقليدي، يؤدي واجبه كأي زوج ، على الوجه المطلوب إجتماعيا، قد لا يرضي ذلك كل امرأة، وأن كان البعض منهن يعتبرنه زوجاً مقبولا، على كل حال، لم اكن انا من هذا الصنف، كنت  افهم ان زمن العلاقة الحقيقية المتكافئة، والمشتركة بين الزوجين، لم يحن وقته بعد، ولكنه سيأتي آجلا ام عاجلا، ومع ذلك كنت زوجة قانعة، لا انتظر منه شئيا افضل مما هو عليه، كنت اريد ان احقق ذاتي في شيء آخر احبه، يرضي طموحي، ينتشلني من حياتي السطحية التافهة، التي بدأت تذوي يوماً بعد يوم، خاصة عندما انتقلت من بلدي، لأعيش معه، حيث يقيم ويعمل، حرمني من ابسط حق، انجبت له الطفل الأول في السنة الأولى، وجاء الثاني بعد سنتين، وبينما كان الولدان يكبران، ويتقدمان في مراحل الدراسة، كانت علاقتنا تذوي مع مرور الزمن، وتزداد بروداً وابتعاداً، حتى أصبحت اشبه بالميتة سريرياً.

 في المقابل كونا نحن الأعضاء الأربعة ( الولدان، يسترداي، وأنا ) أسرة  بدون أب، انا الأم الشابه، في أوائل الثلاثينات، امرأة جميلة وناضجة، امتزجت حياتنا ببعض، فكان عيد ميلاد يسترداي؛ هو يوم عثرت عليه في الثالث من يوليو/ تموز، عام الف وتسعمائة وست وثمانون، كانت مناسبة هامة، لا تقل أهمية، عن عيدي ميلادي الولدين، نحتفي بها كل عام، وفِي هذا العام أطفأ يسترداي اربع شمعات، موزعة حول كعكة على شكل قطة، وقد بدأت عليه علامات شيخوخة مبكرة.

 كان يسترداي او القط أسعد هو التجربة الجديدة في حياتي، بعد ان كبر الولدان، وصارا يعتمدان على نفسيهما، ولكن زوجي لم يرق له ذلك، وكنت كلما أمعن في إيذاءه، ازداد تعلقا به، حتى ان زوجي المسكين من شدة غيرته، اعتقد انني سأتخلى عنه قريباً، من أجل القط. 

عندما اكمل يسترداي نصف السنة الأولى من عمره، دخل مرحلة البلوغ، راح ينثر رذاذ بوله في زوايا صالة الإستقبال، لجذب الإناث، انتبهت للرائحة النفاذة، فنظفت المكان وعطرته، وتفاديا لأي مشكلة يثيرها زوجي الذي يكرهه أصلا، رحت اتركه في ساحة العمارة، عندما أكون خارج البيت، كان زوجي يريد اخذه للطبيب البيطري لإخصاءه، لكنني اعرف نواياه العدائية تجاهه ، فهو في الحقيقة كان يريد التخلص منه نهائياً، فلم أثق به، لذا عارضته، لإحباط خطته، لم تنته المشكلة بإنتهاء موسم التزاوج ، بل ازدادت كل يوم، بسبب اصراري على الإحتفاظ به، حتى وصل به الشك، بإتهامي انني امارس الجنس معه، فيقول مستهزئا، دعي عشيقك يسترداي يشبع غريزتك الجائعة للجنس..

تقاعد زوجي وحصل على مكافأة مالية، عن نهاية خدمته الطويلة، وفِي تلك السنة، تفجر نزاع عنيف بين البلدين، بلدي الأصلي والبلد الذي نقيم فيه، لم يكن يهمني قط، ايهما على حق، لو لم  تتطور الأمور، وتنته الى غزو وإحتلال، غير مجرى حياتي الى الأبد، كان ذلك في أواخر العطلة الصيفية للمدارس.

 لم أهتم بشيءٍ، عدا مستقبل الولدين الدراسي، كما انني لم أشعر بأي ميزة خاصة، نتيجة احتلال وطني الأم، للبلد الذي أقيم فيه منذ اكثرمن عقد ونصف، بالعكس، فقدت الإحساس بالأمان، رأيت الناس لأول مرة على حقيقتهم، ينقلبون على انفسهم، ولَم تعد الحياة في ظل غياب الدولة، كما كانت من قبل، قائمة على إحترام القانون، انتشرت السرقات على نطاق واسع، وتطاول خدم المنازل على مخدوميهم، البعض منهم فروا، بعد ان سرقوا أشياء ثمينة، وبدا من المألوف رؤيتهم  يتسكعون في الشوارع، يتجاهرون بالسكر، يرفعون قنان البيرة، ويطوقون خصور صديقاتهم..

 اسمحوا لي ان اقاطع السيدة سين، وأضيف على ما ذكرت، فأنا نفسي كنت شاهداً على الأحداث، رأيت زوجها مرة وبالصدفة، يعانق خادمة اسيوية، وسط مجموعة من السكارى، خدم المنازل، لم أجرأ على إنتقاد سلوكه، فقد جاهر بتأييده للغزو والإحتلال، كما انه انضم للجيش الشعبي، وارتدى بزتهم الزيتونية اللون، وحمل رشاشا، وتمنطق بمسدس يلتصق بخاصرته، كنت اتجنب ان اخوض معه نقاشاً عن شرعية الاحتلال، او الضم القسري، الذي اعتبره هو شرعيا، كما كانت تروج له آنذاك وسائل اعلام النظام، بعودة  الفرع الى للأصل.

 ما شاهدته من تحول جذري مفاجئ، جعلني افكر ان الفوضى شيء مرادف للكفر، وأن النظام  قرين للإيمان ، هذا ما خطر لي عندما كنت اتجول وارى مظاهر الإنفلات في الشارع، وعند محطات الوقود، وفي الأسواق المركزية، كل شيء انقلب رأسا على عقب..  لنعد بعد هذه المداخلة الى السيدة سين.         

 تعاون زوجي مع المحتل، واستفادوا من معرفته الطويلة بالبلد، اما علاقته معي فإزدادت تدهورا، وتضاعف إضطهاده ليسترداي، وبعد محاولته الفاشلة لتسميمه، والتي نجا منها، لأنه لم يكن يأكل من يد أحد غيري، صرت يقضة، فكنت أثناء غيابي أودعه عند صديقتي؛ التي تسكن في نفس العمارة، ريثما اعود الى البيت، ولولا حذري لكان من الممكن ان يقتله بطريقة او بآخرى. 

 يسترداي ذكي جدا، خصصت له المرحاض الشرقي، وعلمته كيف يستعمله كالآدمي، وكنّا نحن نستعمل الآخر الغربي، وبذلك استغنى في وقت مبكر، عن طبق الرمل الذي كان يتبرز او يبول فيه، علمته ان يطفئ مفاتيح الأضوية التي ننساها مضاءة، تعلم أشياء كثيرة، علمته كيف يلاعب أطفال الضيوف، ويصف الأحذية خارج الشقة، على قطعة المسح.

 كنت اكافؤه بأكسوارات جميلة، تزين رقبته، وأعرضه على البيطري إذا الم به مغص، وعامة كأي قط كان يمتنع عن الطعام ليوم او يومين، حتى يستعيد عافيته، ساءت علاقتي بزوجي؛ بسبب محاولاته العديدة الفاشلة لخطفه، أدت أخيراً الى إنفصالنا، وظل الحال كما هو، حتى أختفى زوجي فجأة قبل التحرير، فإرتحت وشعرت بالأمان.        

في نهاية تلك السنة، كان الإستعداد يجري على قدم وساق، لتحرير المدينة، بدأت العمليات العسكرية تقترب، كنّا نسمع دوي القصف الجوي، فكرت بالهرب، ليس خوفاً من جريمة أقترفتها، ولكنني ان بقيت، سأعاقب بجريرة زوجي الذي  تعاون مع المحتل، كنت أؤجل السفر كل يوم، فقد اعتدت العيش في هذا البلد، اين سأذهب، انا امرأة لا أملك  ما يكفي من النقود، لأعيش بدون عمل، مع ولدين في سن المراهقة، وقط بدأ يشيخ وتبطئ حركته، اخيراً قررت المغادرة، وضبت الحقائب، وأخذت ما نحتاج لرحلة محفوفة بالخطر.

 تركت شقتي بما فيها من أثاث، واتجهنا بعد الظهيرة شمالا، على الطريق الصحرواي الذي سيعرف فيما بعد بطريق الموت، قطعنا مسافة قصيرة فبدأ دوي الطائرات يٌسمع من بعيد، ادركت ان توقيت السفر كان خاطئا، توقفت على جانب الطريق، سمعت صوتا يناديني، يصرخ  انزلوا قبل ان تقترب الطائرات، كان  ذلك صوت ضابط عراقي، يختبئ في حفرة كبيرة، مع جنديين آخرين، وعندما رأوني مع الولدين، اخلى الجنديان مكانهما، واختفيا في حفرة آخرى، نزل الولدان للحفرة مع الضابط، صرخت يا للغباء تركته في السيارة، حاول الضابط ان يمنعني، ويقوم هو بالذهاب، لكنني اسرعت راكضة، رأيت يسترداي ينظر للطريق، من وراء الزجاج المغلق، حملته وعدت مسرعة، فسقطت حقيبتي عن  كتفي في عرض الطريق، تبسم الضابط حينما رآنا، شكرته، قلت في نفسي ليحميك الله، انت رجل طيب، لا ادري بماذا كان يفكر، هل فكر قبل ان يراني  عائدة مع القط، بأنني لشدة إرتباكي تركت طفلا في السيارة، على أي حال، يستحق حتى الحيوان ان نفكر به، نحافظ على حياته، وليس هناك حياة أثمن من آخرى، هذا ما كنت احب ان يفكر به الضابط، اذا كان يفكر بغير ذلك، وفِي النهاية كلنا سنموت، انفلت القط من بين يدي، ركض بسرعة نحو الحقيبة، التقطها بين اسنانه، وعاد بها، سمعت الجنديان يهتفان ويصفقان له، ضحكنا كثيرا تلك اللحظة، التي ستبقى خالدة الى الأبد، لأنها بددت الخوف الذي كان يخيم علينا. 

بتنا تلك الليلة في الحفرة، وعندما طلع الفجر، وانكشف الظلام قليلا، طلب مني الضابط ان ارحل سريعاً، تركنا الحفرة، وإتجهنا للسيارة، جلس الولدان في المقعد الخلفي وبينهما يسترداي، فتحت الصندوق واخرجت بعض المعلبات وقناني المياه، ومواد غذائية، وركضت بما حملت الى الحفرة، شكرت الضابط، أعطيته هذه الأشياء، ودعته متمنية لهم السلامة، وعدت للسيارة، انطلقت على طريق، لا اعلم الى اين  يقودني، الى طرق محفوفة بالرعب والموت.

انتهى سرد السيدة سين كما قرأته مكتوبا على الأوراق، كل ما حدث لها وليسترداي.

 اتفقت مع زوجتي ان نزورها، لأعيد لها الأوراق، وأقرأ لها القصة التي كتبتها، لم أتوقع ان تكون للقصة نهاية آخرى غير التي انتهت بها، استقبلتنا بثوب اسود، لم نجرأ ان نسألها، خوفاً ان يكون قد حصل شيء مكروه لولديها المغتربين، جلسنا صامتين، انفجرت باكية، قالت :

"رحل عني يسترداي أخيراً وتركني وحيدة "

اعتقدت ربما  أنه خرج وتاه، لكنها قالت بحزن مات، رفعت يدي متألما،  وقلت ليرحمه الله، كما نفعل عادة طالبين الرحمة للأموات، نظرت لي زوجتي فأنزلت كفيَّ، وقلت لترقد روحه بسلام الى الأبد.

 

صالح البياتي  

.....................

* مذكرات في الحب والحرب والسلام.

* منطقة تيسين المشمسة/ أوتيتشينو، كانتون في سويسرا، يتكلم قاطنوه الإيطالية بالدرجة الأولى.

 

 

 

كريم الاسديالى أبي الحسنين، أبي تراب،

علي بن أبي طالب


ياماليء الدهرِ اِشفاقاً واِنصافا

ومُنصِفاً لرغيفِ الخبزِ أنصافا

 

وبائتاً جائعاً بَعــــدَ الصيامِ اذا

أتاكَ مَن يشتكي فقراً واِجحافا

 

مِن الزمانِ ومِن جورِ الزمانِ طغى

فصُنفتْ طبقاتُ الناسِ أصنافـــــــا

 

أنـــي أحييك عن بُعْدٍ وعن كَثَبٍ

فقدْ أحلتَ جهاتِ الأرضِ أنجافا

 

فكلُّ طالبِ عدلٍ عندهُ نجفٌ

والساكنون بها تُرباً وأسلافا

 

هُمْ تحتَ رايتِكَ العظمى يوحدهمْ

وهجٌ بأرجاءِ هذا الكونِ قد طافا

 

لو لَمْ تكنْ علماً فوقَ الجبالِ لما

امتدَّ سفحُكَ للأجيالِ مضيافا

 

امسكْ بلادَك َحاقَ الشرُّ أخطرُهُ

بها، فأبدعَ ألــــــــــواناً وأطيافا

 

وأنتَ أدرى بما تنوي سرائرُهم

ومـــــا يقوّضُ أمصاراً وأريافا

           ***

مارتْ بِظلمٍ رحابُ الأرض ما وسعتْ

وأنجبَ الصَلَفُ المسمـــــــومُ أصلافا

 

واستهترتْ زمرُ الشذّاذِ مزبدةً

وسلَّ أجبنُ أهلِ الجُبنِ أسيافا

 

وسارَ طامعُ مـــالٍ نحوَ غايتهِ

يدوسُ في النيرِ أعناقاً وأكتافا

 

ووُزعتْ ثرواتُ الناسٍ فــــي نَفَرٍ

كانوا ومابرحوا في الطبعِ أجلافا

 

يموتُ طفلٌ بِلا زادٍ وطفلُهمُ

لَهُ الرصيدُ الذي يكفيه آلافا

 

كأنَّهُ ماكثٌ كلَّ الدهــــورِ هنا

وكانَ أبناءُ هذا الكونِ أضيافا

 

أما تعــــــــودُ بجيلٍ فيهِ كلُّ فتىً

مَن يَخلقُ العدلَ أَخلاقاً وأَعرافا؟

***

كريم الاسدي - برلين

.............................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة المقطع الأول من هذه القصيدة في الثالث من حزيران 2018 في برلين، أما المقطع الثاني ففي اليوم الثاني من آيار 2021 وفي برلين أيضاً، وقد تزامن التفكير في كتابته مع المظاهرات العارمة التي شهدتها برلين والمدن الألمانية والأوربية بمناسبة اليوم الأول من أيار عيد العمّال العالمي احتجاجاً على الظلم الذي يعمُّ الكوكب الأرضي .

 

 

 

ابويوسف المنشدتصافحني قبلة ً قبلة ً

              ويسكر في القلب حتى الدمُ

على ساحلٍ شبقيّ الرؤى

               بنا الوقت يمضي ولا نعلم ُ

نعيد صياغة فنّ الهوى

                بخمر الهوى خمره ملهم ُ

شفاهٌ من اللّثم لا ترتوي

                    وعاطفةٌ نارها تُضرم ُ

كأنّا ابتكرنا رحيق الهوى

                       فما ذاقه قبلنا مغرم ُ

ولا ما حكاه دفوق الشذى

               ولا النبع أو كوثرٌ ، زمزم ُ

وها نحن بوحٌ على شاطيءٍ

                  تداعبه ضوؤها الأنجمُ

على وجنتيها يضيء دمي

                وفي الناهدين يصلّي الفم ُ

هي الأمنيات التي أشتهي

             هي الضوء والطلّ والبرعم ُ

لها آهة ُ الإحتراق معي

                       لغات التأوّه لا تُكتم ُ

نبيذيّة الثغر حبّي لها

              هو الهوس المطلق الأعظم ُ

وكلّ الجنون الذي في الهوى

                       بنا قد بدا وبنا يُختم ُ

سنترك للبحر تنهيدة  ً

               يموسقها الموج أو يُضرم ُ

لُعابٌ من النار في لثمنا

                   تلذّ به الروح والأعظم ُ

وذا الحبّ بالخمر طاف بنا

                كما طاف بالكعبة المسلم ُ

ورتّلنا ضمّة ً ضمّة ً

              على شاطيء ٍ أزرق ٍ يبسم ُ

وفاق الزمان ولم نستفق

                        كأنّا قتيلان لا نعلم ُ

                    ***

بغداد – الشاعر أبو يوسف المنشد

 

 

عدنان البلداويالى صوت الإنسانية الخالد

في ذكرى استشهاده عليه السلام


المَـجْــدُ، والعِـزُّ، والعَـلـياءُ، والــشِـيَــمُ

في جَـوْهرٍ، عجَـزَتْ عن وصفه الكـَـلِمُ

 

لـمّـا الـعَـلِـيُّ قــضى، أنْ يُــولـدَ الأمَـلُ

فـي الكعـبة ، ازدانَتْ الأركانُ والحَـرَمُ

 

وشاءَ أنْ يَصطفي للمُصطفى، عَـضُـداً

بــه المَـسِـيـرَةُ ، نِــبْــراسٌ ومُــعْـتَـصَمُ

 

لــلأفــقِ إشــراقــةٌ ، فــي يـوم مـولِــدِه

ولِـلكـواكـبِ  مِــنْ عَـــليائــهِ ، سَـــهَــمُ

 

إرادةُ الـلــهِ ، أنْ يــخــتـارَ فــاطـــمــةً

لـِـمَـنْ ، لـِـوالِـدهــا  أزْرٌ ، بـــه شَــمَـمُ

 

فَـحـاطَ بالـنـور نـورٌ ، فــي اقـتـِرانِهما

وبـارَكَ الـمُصطفـى ، فانْهـالـت النِـعَـمُ

 

ولــلـكـرامـاتِ  أحْــداثٌ ،  مُــؤرَّخَــةٌ

ولـلمَـواقِــفِ رأيٌ ، فـــيــه تـنـحَــسِــمُ

 

فالـشمـسُ مَـدّتْ سـناهــا فــي تـألُـقِـهـا

وانـسـابَ بـين يـديـهـا الحِـلـمُ والحِــكَمُ

 

وَزانَـهــا، أنّ طـيْـفـاً مـِــن مَـحاسِـنِـهـا

نــظِـيرُه فــيك، حـيـث الـنورُ يـرْتـسِـمُ

 

مَن رامَ وَصْـلَ المَعالي، صِرْتَ قدْوَتَه

والـشـأنُ تـُـعْـلِيـه أســـبابٌ، لـهـا قِــيَـمُ

 

خُـلِقـتَ أن لاتـُحابـي فــي الخَـفـاء يَـداً

لأن كــفّــكَ فـــي وضح الـنهــار، فَــمُ

 

لـلـتِّـبْـرِ أمْـنِــيــةٌ، فــــي أنْ تُــقَــلِــبَــه

يَــداك، حــيـث تَـباهى السـيفُ والقـلـمُ

 

والعَـبْـقـريـةُ، مُـذ  فـعّـلـتَـهـا سَــجَـدَتْ

لله، إذ حَـلَّ فــيـهـــا الــعَــدلُ والـكـرَمُ

 

وفي القضاء ، انحَنى كلُّ القُضاةِ لـِـما

حَـكَـمْـتَ فــيه ، فزالَ الشـكُ والـوَهَــمُ

 

أنصفْـتَ حتى عَلا، في الأفق صوتُهُمُ:

(عَـدْلُ عَــلـيٍّ)، بــه المـيـزانُ يَـسْـتـقِمُ

 

والـمَعْـنَـويَّـةُ قــد فَــعَّـلـتَ هــاجِــسَـهـا

فـي نَـفْـسِ مَن قـد غزاهُ الوَهْنُ والهَرَمُ

 

لـِذي الـفــقـار اقــتـِرانٌ فــيـك، أرّخَــهُ

مـا كـلُّ سـَــيـفٍ ، بــه الأعـداءُ تَـنهَزِمُ

 

به، قطعتَ جــذورَ الشِـركِ، مُـرْتَـجِـزاً

واسـتسلمَ الخَـصمُ ، لا سـيـفٌ ولا عَـلمُ

 

زَهْـوُ الرؤوس  تَـهاوى بـَعـدَ مُـعْـجِـزةٍ

بـ (بابِ خـيبرَ) أوْدَتْ،واخـتـفـتْ قـِـمَـمُ

 

يامَـن أخَفْـتَ الـعِـدا فــي كـلِّ مَـلحَـمَـةٍ

إذ كـلـمـا قَــيـل: ذا  الكـرّارُ ، هـالَـهُــمُ

 

دَيْـمـومَـةُ الـنصرِ، فــي قــوْلٍ يـُجَـسِّـدُهُ

فِـعْـلٌ، وقـد فُـقْـتَ في التجْـسيدِ خَطوَهُمُ

 

أعطيتَ دَرسـاً لِمَن ضَلَّ السَبيلَ، وعـنْ

مـن اهـتدى،  زالَ عـنه الوَهْـمُ والعَـتَـمُ

 

تَـبـاشَــرَ الجُـنـدُ لمّـا الــنـصرُ حالـفَـهـم

وكَــبَّـروا:  لافــتـىً إلّاكَ ،  بَــيــنَـهـُــمُ

 

مــا دارَ طـرْفُــكَ ، إلّا الـحَـقُ هـاجِـسـه

والحـقُ صِنْـوكَ ، موصولٌ بــه الـرَحِـمُ

 

نـاداهُــمُ المصطفـى : انــتَ الولِـيُّ لـهـم

فـصَــوَّتَ الــقـومُ ، بالإيــجـاب كُــلُـهُـمُ

 

إنّ الأنـاةَ ونــهْــجَ الحِـلـمِ، إنْ جُــمِـعَـتْ

كـما أشَــرْتَ لــها ...تـعـلو بـــها الهِـمَمُ

 

والصَّـمْتُ إنْ لاءَمَ الأجْواءَ، يَسْـمو بهـا

والـهَـذْرُ آخِـــرُه ... الإحْــبـاطُ والــنّـدَمُ

 

كــلامُــك الــدّرُ ، والآفـــاقُ تَــشــهَــدُه

قــد حَـرّكَ الـوعْـيَ (فـيـمَـن قـلبُه شبِـمُ)

 

خـُـطىً مَــشــيـتَ، بإيـمانٍ وتــضحـيـةٍ

فـانْهارَ مِـن وَقْـعِها الطاغـوتُ والصَّنَـمُ

 

فـي سِـفْـرِ نَـهْـجِـك، للأجـيـال مَـدرسَـةٌ

تَـبْـني العُـقـولَ، وفيـهـا تـرتـقـي الأمـمُ

 

عَـقـلٌ بــلا أدبٍ ، مِـثـلُ الشــجـاع بــلا

ســيـفٍ ، وقــولـك هــذا مــنه نَـغْــتَـنِـمُ

 

بَـلغْـتَ فــــي صِـلةِ الأرحـام مَـرْتَــبَــةً

مَـن ســارَ سَــيْرَك، لـم تَـعْـثـرْ بـه قَـدَمُ

 

طـمْأنْــتَ أنْــفُـــسَ أيــتـامٍ، جَـعـلـتَـهُــُم

يَــرَونَ فــيـك أبـاً، يـَـجْـلـي هُـمُـومَـهـُمُ

 

أوْصيْـتَ: أنْ يَسْـتَـشيرَ المرءُ مَنْ وثقتْ

بــهِ العُـقـولُ ، ومَـنْ بالـرأي يـُــحْــتَـرَمُ

 

كـما اسـتَـشَـرْتَ عقيلاً ، إذ  أشــارَ الى:

(أم البنين).. بِــبَـيـْت الطُـهْـرِ تَــنْــتَـظِـمُ

 

لاطـائـفـيّــةَ ، لاتــفــريــقَ فــــي زمَـنٍ

قــد كان رأيـُك، فـيــه الحَـسْـمُ والحَـكَـمُ

 

فـــي قـولِـك:  الناسُ صِـنـفـانٌ فـإمـا أخٌ

في الدِّينِ أو في صفات الخَـلْقِ يَـنـسَجِمُ

 

اسْـتـهـدَفـوك بـبـيـت الــلـهِ ،إذ غــدَروا

ما اسْـتمكنوا منك في حربٍ، لها ضَرَمُ

 

وقــادَهـم حـِقــدُهـم، أن يـحجُـبوا قـمَراً

فـــسـاءَ ظـنُـهُــمُ ، وانـتـابـَـهـم سـَـــقـمُ

 

الحَــقُّ يَعْـلـو، فـطُـوبى لـلـذيـن سَــعَـوا

أنْ يَــقْــتَـدوا، لِـيَـزولَ الـظُـلْـمُ والظـلَـَمُ

                   ***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي