محمود محمد عليعزيزي القارئ هل تتذكر معي مفارقة الكذاب Liar paradox المنسوبة لزينون ابن جزيرة كريت وهو يضرب بيد حديد قانون عدم التناقض الأرسطي والذي يمثل أهم مبادئ المنطق لديه .. وهو كالتالي: لنفترض هناك رجل فيلسوف من جزيرة كريت قال أن كل ما يقوله فلاسفة جزيرة كريت هو كذب؛ فهل كلام الرجل صحيح أم كذب؟.. فإذا افترضنا أن ما يقوله هذا الرجل هو الحقيقة، سيكون وصفه لذاته بأنه كاذب حقيقة أيضاً!، ومن ثم فإن أي كلام ينطق به سيكون كذباً، وهو يعاكس افتراضنا، وإن افترضنا أن كلام هذا الرجل كذب، فإن ادعاءه بأنه رجل كاذب هو كذب أيضاً، ومن ثم فهو رجل صادق، وما يقوله صحيح !.. وهو ما يعاكس فرصنا أيضاً!..

وهذا الكلام يصدق بالضبط علي ما قاله آبي أحمد ونظامه الذي يتنصل من كل الاتفاقات الدولية فيما يتعلق بملف سد النهضة، والتي يصفها بالاتفاقات الاستعمارية حول مياه النيل واتفاقيات الحدود بين البلدين.

والأرض التي قام عليها سد النهضة تقع في منطقة بني شنقول، وهذه ألأرض تاريخيا ينتمون إلي قبائل سودانية، وهذه الأرض كانت مصرية في عهد الخديوي إسماعيل، ثم سودانية في عهد الاحتلال البريطاني، ثم تم الاتفاق بين بريطانيا والإمبراطور الإثيوبي "منلك"، تم الاتفاق علي أن يتم التنازل لإثيوبيا علي منطقة بني شنقول في مقابل عدم إقامة إثيوبيا أي منشآت علي النيل الأزرق .

في الأيام الماضية خرجت إثيوبيا لتعلن أن كل هذه الاتفاقات " اتفاقات استعمارية"، فردت " مريم الصادق المهدي وزيرة خارجية السودان فقالت لهم " والله لو ينفع أن تلغوا كل الاتفاقات بحجة أنها استعمارية علينا أن نلغيها برمتها، ثم أعطونا بني شنقول فهي لنا نحن السوادنيون، رجعوها لنا بالسد الذي عليها وهو سد النهضة، وأفعلوا ما شئتم بعد ذلك .

وهذا أخطر تصريح قامت به وزيرة خارجية السودان، والتي هددت الإثيوبيين بأنه في حالة رغبتكم في إلغاء الاتفاقات القديمة سواء 1902م، و 1929م بحكم كونها استعمارية، من فضلكم إلغوها بس أعطونا بني شنقول، لأن بني شنقول كانت جزء من اتفاق خول للإثوبيين الاستحواذ عليه في مقابل عدم إقامة أي مشروعات علي النيل الأزرق.

وأكد البيان الذي قالت الوزيرة السودانية أن التنصل من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية بإطلاق التصريحات الصحفية وتعبئة الرأي العام المحلي ضدها لأسباب سياسية محلية، إجراء يتسم بعدم المسؤولية ومن شأنه أن يسمم مناخ العلاقات الدولية ويجعله عرضة للإرادات المنفردة ويشيع فيها الفوضى ويقوض أسس حسن الجوار التي تأسست عليها العلاقات السودانية الاثيوبية لقرون.

وأختتم البيان: إن جر مسائل أخرى إلى النقاش غير موضوع التفاوض، وهو ملء وتشغيل سد النهضة، غير منتج ولا هدف له إلا الاستمرار فى عرقلة التفاوض سعياً لفرض سياسات الأمر الواقع التي لا تخدم قضايا حسن الجوار وأمن واستقرار الإقليم والقارة، ومن الافضل لمصالح إثيوبيا وخيارات حاضرها والازدهار المستقبلي المؤمل لكل دول وشعوب المنطقة ذات الصلة أن تعول إثيوبيا على العمل المشترك القائم على المصالح المشتركة، وألا تستغرق في محاولات الهروب من مشاكلها الداخلية بخلق عداوات تختلقها مع السودان أو غيره من دول القارة، وأن تعمل مع السودان وغيره للاتفاق على الأطر القانونية المؤسسة لهذه المصالح والمؤمنة لاستدامتها.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي، في مؤتمر صحفي، "مازالت التصريحات السودانية العدائية مستمرة ولم يكتف السودان بالاعتداء على أراض إثيوبية بل انتقل إلى الإدعاء بتبعية إقليم سد النهضة"، مشيرا إلى أن "تصريحات السودان بشأن تبعية إقليم بني شنقول أمر مؤسف ونرفضه تماما وسنصدر بيانا مفصلا حوله"، وذلك حسب إذاعة "فانا" الإثيوبية.

وشدد مفتي خلال المؤتمر قائلا: "مازلنا وسنظل نتمسك بقيادة الاتحاد الأفريقي ولن نقبل بتحركات السودان لربط مسألة الحدود بسد النهضة".

وقبل أيام، اعتبرت وزارة الخارجية السودانية، أن تنصل إثيوبيا من الاتفاقيات السابقة يعني المساس بسيادتها على إقليم بني شنقول المبني عليه سد النهضة، والذي انتقل إليها بموجب بعض من هذه الاتفاقيات.

وتصاعد التوتر بين إثيوبيا من جهة، ومصر والسودان من جهة أخرى، مع إعلان أديس أبابا موعد الملء الثاني للسد، في خطوة تعتبرها الخرطوم "خطرا محدقا على سلامة مواطنيها" وتخشى مصر من تأثيرها السلبي على حصتها من مياه النيل.

وأكدت وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي، أمس الاثنين، أن السودان يعطي عملية الملء الثاني لسد النهضة الذي تعتزم إثيوبيا تنفيذه أقصى درجات الاهتمام، باعتباره قضية "أمن قومي"، مشددة على ضرورة الوصول إلى اتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا قبل بدء الملء الثاني للسد.

خلاصة القول وبدون تفاصيل نقول وصلت المفاوضات إلي طريق مسدود بسبب أن إثيوبيا تريد تضييع الوقت، وقد أضاعته عبر سنوات، وكذلك التعنت علي اعتبار أن سد النهضة هو الحلم الإثيوبي، وإثيوبيا كما قال أستاذنا عبد الحليم قنديل هو أنها عبر سنوات مقبلات سوف يتحول إلي حالة يوغسلافيا في أوربا أيام تيتو، حيث كانت تضم أقواما عديدة جدا، والنهاية أن يوغسلافيا قد انقسمت لمجموعة من الدويلات، وأتصور أن إثيوبيا معرضة لهذا التفكيك، في محاولة للقفز إلي الإمام، وحصار هذا التفكيك من خلال خلق حلم واحد اسمه " سد النهضة"، هذا ما تحاوله السلطة الإثيوبية الآن.

والسؤال الآن: ماذا تفعل مصر في الأيام المقبلة؟

اعتقد أنه قضي الأمر حيث جفت الأقلام والصحف وانتهت المفاوضات، ومن ثم فإننا ذاهبون إلي صدام .. لماذا؟ .. لأن النيل بالنسبة للمصريين ليس موضوعا للأمن القومي فقط .. النيل يمثل قضية وجود بالنسبة لمصر .. إما أن توجد أو لا توجد لا سمح الله!.. لا قدر الله!.. والنيل هو وسيلة الأجداد إلي الأحفاد .. فالأجداد كانوا يقولون:" إذا نقص منسوب النيل .. فليهرع كل جنود الملك إلي المنابع ".

والصدام هنا ما أعنيه هو ببساطة شديدة جدا ما أراه في هذه اللحظة أنه لا خيار سوي كسر رأس نظام أبي أحمد وذلك لكونهم يمشون في عملية أشبه بمطاردة الأشباح ؛ بمعني أن أبي أحمد يريد أن يخوض الانتخابات في يوليو القادم، ويريد أن يلعب ببرنامج اسمه الملء الثاني لسد النهضة، ومن ثم يربط بين فكرة نجاحه في الانتخابات والملء الثاني، كما أنه يستخدم فكرة سد النهضة كعنوان لتوحيد المفكك وهي محاولة لإبطاء عملية التفكيك، لكن الصدام كما هو معروف عند كل الإثيوبيين هو أننا سنحشد الملايين للدفاع عن السد، وهذا كلام عبثي، ويثير سخرية .

علي أية حال أنا لست عسكريا ولكن هذه رؤياي ووجهة نظر تجاه الخيار العسكري لأزمة سد النهضة، وبالضرورة أن ما أريد أن أقوله هنا في هذا المقال في هذه اللحظة المهمة من تاريخ مصرنا الحبيبة، وهو أنه شرعية بقاء أي حاكم مصري مرتبطة بمنسوب النيل، وبالحفاظ علي قطرة ماء من النيل الوارد تاريخا إلي مصر عبر إثيوبيا، فالقضية ليست قضية تنطوي علي اختيارات كثيرة، حيث لا يوجد بين بين وبين! .. الاختيار الآن أننا في الأيام الماضية عشنا ذكري العاشر من رمضان، وهذه الذكري تذكرنا كيف اقتحم المصريون خط بارليف، والذي لم بعجزه اقتحام خط بارليف لن يعجزه ضرب سد النهضة وتحويله إلي بركة عفنة تأوي القطط والسباع.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ابراهيم أبراشما يجري في القدس وفي حي الشيخ جراح من محاولات للاستيلاء على مساكن الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين وطردهم منها ليحل محلهم المستوطنون اليهود المجلوبون من كل بقاع الأرض لا يخرج عن سياق ما يجري في مدينة الخليل وخصوصا في البلدة القديمة وفي الحرم الإبراهيمي وفي مدينة نابلس وحول قبر النبي يوسف وفي منطقة الأغوار والمنطقة ج في الضفة التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية وبناء  جدار الفصل، ولا ينفصل عن مشروع كنج 1967 في الجليل و مشروع أو مخطط برافر في النقب 20113، ومئات مشاريع الاستيطان التي لم تتوقف منذ تأسيس المستوطنة الأولى (مكفا إسرائيل) في لواء القدس عام 1870. كلها حلقات من مشروع صهيوني متواصل منذ التأسيس النظري له في المؤتمر الصهيوني الأول 1897 ووعد بلفور 1917 بل ما قبل ذلك، إلى بداية التأسيس العملي مع قيام دولة الكيان على إثر حرب 1948 وهو مشروع لم يكتمل حتى الآن من وجهة نظر الصهاينة .

المواجهات بين سكان الأرض الأصليين في القدس والشيخ جراح والنقب والجليل وحيفا ويافا الخ من جانب، والمستوطنين وجيش الاحتلال من جانب آخر هي حلقات من مسلسل حرب وصراع متواصلين منذ الصدامات الأولى في القدس مع هبة البراق 1929 مرورا بثورة 1936 ثم نكبة 1948 التي شردت 80% من الفلسطينيين سكان البلاد الأصليين وما صاحبها وتبعها من مصادرة أراضي الفلسطينيين داخل الخط الأخضر ومجازر لم تتوقف منذ مجزرة دير ياسين والطنطورة وغزة، بالإضافة إلى الحروب العربية الإسرائيلية 1948 ،1967 ، 1973، والمواجهات المسلحة بين الثورة الفلسطينية التي انطلقت في منتصف الستينيات ودولة الكيان الصهيوني، و المواجهات المتواصلة داخل فلسطين مع الاحتلال سواء بالأعمال الفدائية المتعددة الأشكال سواء مسلحة أو بالمسيرات والمظاهرات أو الدهس والطعن ،أو من خلال الانتفاضات الشاملة 1987 و200 ، أو المواجهات وموجات العدوان على قطاع غزة، هذا بالإضافة إلى المعارك والمواجهات السياسية والدبلوماسية.

صحيح، بعد توقيع مصر 1979 والأردن 1994 لاتفاقات سلام مع إسرائيل ثم موجة التطبيع الأخيرة مع الإمارات والبحرين وعُمان والسودان والمغرب لم يعد الصراع عربياً إسرائيلياَ، على الأقل رسمياً، وصحيح أيضاً أن منظمة التحرير الفلسطينية أبرمت اتفاقية أوسلو كأساس لتسوية سياسية كما كانت تراهن واعترفت بإسرائيل، كما أن حركة حماس وقعت اتفاقية هدنة وأوقفت المقاومة، ولكن هذا لا يعني نهاية الحرب والصراع لأن الطرف الرئيس في الصراع والمستهدَف من المشروع الصهيوني هو الشعب الفلسطيني الذي لم يستسلم أو يتنازل عن حقوقه الوطنية المشروعة، كما ان الكيان الصهيوني لا يكفيه كل ما جرى وهو يعرف حقيقة أنه سيستمر في حالة حرب وصراع ما دام لم يتم التوصل لتسوية سياسية مرضية للفلسطينيين.

المواجهات في حي الشيخ جراح و في القدس وبقية الأراضي المحتلة ليست بسبب خلاف قانوني على ملكية بعض البيوت والأراضي كما تروج دولة الكيان الصهيوني بل تندرج في سياق النضال الفلسطيني المتواصل والممتد طوال مائة عام في مواجهة مشروع احتلال استيطاني إجلإئي متدرج، يبدأ بالاحتلال ثم الاستيطان فإجلاء السكان الأصليين فالضم، والفلسطينيون الذين يواجهون جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين لا يدافعون فقط عن بيوتهم وأراضيهم بل إن نضالهم جزء من النضال الوطني الشامل في مواجهة مشروع صهيوني عدواني لن يتوقف إلا عندما تُطبق دولة الكيان على كامل أرض فلسطين من البحر إلى النهر كما يصرح قادة الاحتلال أو بانتصار الشعب الفلسطيني وتحقيق أهدافه الوطنية.

من المؤسف أن ردة الفعل الدولية على ما يجري في القدس والشيخ جراح لم تتجاوز الإدانات لإسرائيل كما جرت العادة بالرغم أن الأمم المتحدة ما زالت تعتبر القدس الشرقية جزءاً من الأراضي المحتلة التي لا يجوز لدولة الاحتلال تغيير معالمها أو نقل سكانها أو تهجيرهم، كما أنه من المؤسف والمُعيب أن ما يجري في القدس لم يحرك ساكناً عند العرب والمسلمين لا رسمياً ولا شعبياً، ولكن من المثير للغضب أن التعامل الرسمي والحزبي الفلسطيني لا يرتقي حتى الآن لمستوى خطورة ما يجري بحيث كان الانشغال بالانتخابات وإشكال تأجيلها أكثر من الاهتمام بما يجري في القدس.

السلطة الفلسطينية اكتفت بالتوجه للأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية لإدانة ما يجري في القدس والشيخ جراح كما هي العادة مع كل سلوك عدواني صهيوني كالاستيطان وبناء جدار الفصل أو لإدانة العدوان على غزة أو ضم القدس، كما أن حركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى تكتفي بالتنديد والتهديد وإطلاق صواريخ عبثية بالكاد تتجاوز حدود قطاع غزة، بينما عندما اغتال جيش الاحتلال القائد القسامي أحمد الجعبري في الرابع عشر من نوفمبر 2012 اندلعت حرباً أطلقت عليها المقاومة اسم "معركة حجارة السجيل " وامتدت لثمانية أيام شاركت فيها كل الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة وفيها وصلت صواريخ المقاومة لتل أبيب والقدس ومدن أخرى وسقط في الحرب 191 شهيداً وحوالي 1400 جريحا، وعندما اغتالت إسرائيل في فجر الحادي عشر من نوفمبر 2019  القيادي في الجهاد الإسلامي بهاء أبو العطا ردت حركة الجهاد مباشرة وبقرار منفرد منها وأطلقت عشرات الصواريخ على مواقع ومدن إسرائيلية وردت إسرائيل بقصف عدة مواقع في غزة وسقط عشرات القتلى والجرحى .!!!

نقدر ونثمن ونعتز ببطولات أهلنا في القدس والشيخ جراح ولكن يجب ألا نُحملهم أكثر من طاقتهم فالبطولة والتضحية شيء وتحقيق الانتصار شيء آخر، وإن استمر الموقف الرسمي والفصائلي على ما هو عليه مكتفيا بالتنديد وإصدار البيانات ومناشدة دول العالم بالتدخل لردع إسرائيل، وإن استمرت عملية تجزئة وتفتيت المشهد السياسي وحرف الصراع عن النقطة المركزية وهو الاحتلال الذي بدأ عام 1948 ، وإذا استمرت النخب السياسية منشغلة بقضايا جانبية كالتسوية السياسية وأوهام حل الدولتين والانقسام و الانتخابات والصراع على السلطة، والصراع بين مشروع إسلامي ومشروع وطني ... فإن إسرائيل لن تكسب معركة حي الشيخ جراح فقط بل ستحقق كامل مشروعها الصهيوني على أرض فلسطين.

ليس في قولنا هذا تقليل من شأن  بطولات أهلنا في القدس وفي كل مواقع الاشتباك مع العدو كما أنها ليست دعوة للتشاؤم والاحباط و لتثبيط همة الشعب، بل التحذير مما يخطط له الاحتلال، فسياسته باتت واضحة وهي تصعيد وهجوم ثم تراجع تكتيكي لامتصاص حالة الغضب المحلي والدولي بعد أن يكون حقق بعض أهدافه، ثم هجوم جديد فتراجع تكتيكي وهلم جرا.

وأخيراً، إن لم تكن وظيفة السلطة/ السلطتان في غزة والضفة ووظيفة الفصائل والأحزاب التي تحمل مسميات التحرير والجهاد والمقاومة والنضال الخ تحرير فلسطين ووقف العدوان على شعبنا فما مبرر وجودها ؟.

 

إبراهيم أبراش

 

 

باسم عثمانإن القرار بتأجيل الانتخابات الفلسطينية (دون تسويغات قانونية ووطنية)، شكّل انتكاسة لكل الجهود الوطنية وصدمة حقيقية  للرأي العام الفلسطيني، الذي راهن على أن تكون الانتخابات بمحطاتها الثلاث مدخلا لإنهاء الانقسام واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وخطوة جوهرية على طريق بناء نظام ديمقراطي تعددي، وتوازنات سياسية جديدة تحيي الأمل لدى الفلسطينيين بفجر سياسي جديد، يُنهي "الثنائية السياسية" التي تحكمت بالمشهد السياسي الفلسطيني لعقود طويلة، وكانت المبررات في تمرير قرار التأجيل "واهية" و"ذريعة" لا تنطلي على احد من متابعي المشهد الفلسطيني وتفاعلاته، وليست مسألة ذات صلة بالشأن الداخلي الفلسطيني وتعقيداته، خاصة وأن قرار التأجيل اعتمد على تنكر الكيان الاسرائيلي للبروتوكول الملحق "باتفاقية أوسلو" بشأن اجراء الانتخابات في مدينة القدس، والذي يحصر حق المشاركة في الانتخابات فقط في بضعة الاف من الفلسطينيين، يدلون بأصواتهم في مراكز بريد إسرائيلية، والذي يحظر ايضا على لجنة الانتخابات المركزية وعلى القوائم الانتخابية وممثليها مجرد التواجد فيها، ويحرم المقدسيين أصلا من حق المشاركة في أية انتخابات فلسطينية ترشيحا وانتخابا ودعاية داخل القدس، ويُحيلهم الى الانتخاب في مراكز الاقتراع في مناطق السلطة خارج المدينة.

من الناحية القانونية:

-لا يجوز للسلطة التنفيذية تأجيل الانتخابات إلا بتوصية من لجنة الانتخابات المركزية، تُقرر فيها تأجيل الانتخابات لفترة تراها مناسبة ولأسباب قاهرة، أما وقد أعلنت لجنة الانتخابات بأنها قادرة على إجراء الانتخابات، فيجب الاستمرار في هذه العملية.

- المادة (115) من قانون الانتخابات عالجت موضوع القدس، إذ تنص على إعداد سجل للناخبين الفلسطينيين في القدس، وعلى أن للجنة الانتخابات الحق في اتخاذ أية إجراءات واتباع أية وسائل تراها مناسبة، لضمان تمكين الناخبين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في الاقتراع، وهذه المادة تؤكد تجاوز اتفاق أوسلو، فضلًا عن أن الدستور والقانون يقران بانتهاء أوسلو.

-الطعن في المرسوم لدى محكمة النقض، كون مرسوم التأجيل مخالفًا للدستور والقانون، بغض النظر على ان القضاء الفلسطيني مُسيّس بمحاكمه الإدارية والدستورية، لكنه يبقى خيارا قانونيا وشكلا من اشكال تعبئة وجمهرة الرأي الفلسطيني العام.

-القانون والنظام الأساسي الفلسطيني لا يتضمن في مواده وبنوده، فقرة تخص نائب الرئيس، مثلما تم الإعلان عنه في بعض القوائم الانتخابية، والذي يتطلب اقراره موافقة ثلثي أعضاء المجلس التشريعي، لذلك فهو لا يستند إلى أساس قانوني أو دستوري، والهدف منه حل خلافات شخصية داخل الحزب الواحد، او عدم السيطرة على تشكيل القوائم الانتخابية داخل الحزب الواحد وخاصة (حركة فتح)، فهناك قائمتان تشكلتا خارج قائمة الحركة الرسمية، وهما قائمة (المستقبل) بقيادة محمد دحلان وقائمة (الحرية) بقيادة مروان البرغوثي وناصر القدوة، فضلًا عن إصرار البرغوثي على الترشح للانتخابات الرئاسية.

أسباب التأجيل:

- لن يغير جوهريًا من فلسطينية القدس ومن حقوقها الوطنية والتاريخية، وفق كل المعايير الداخلية والدولية، من إجراء الانتخابات في مراكز البريد الإسرائيلية (المهينة للشعب الفلسطيني وتضحياته الجسام) او من عدمها، في الوقت التي يجب العمل على تحويلها الى معركة وطنية مع الاحتلال وبكل السبل والمقاييس، من خلال تثبيت حضورها الوطني في نصرة تاريخها وفلسطينيتها، في الاقتراع في المساجد والكنائس والمؤسسات الفلسطينية والدولية ومقرات الاونروا والأمم المتحدة الممثلة بهيئاتها الحقوقية والإنسانية.

- بعد هبة القدس الوطنية واصرارها على التأكيد على هويتها وفلسطينيتها، في وجه كل القرارات الامريكية والإسرائيلية بهدف تهويدها وطمس هويتها الوطنية، فصيغة الانتخابات في مراكز البريد الإسرائيلية هو الذي يكرس سيادة "إسرائيل" عليها وينعش روح الحياة في صفقة "القرن".

- فشل الصفقات الثنائية (الوطنية والبينية الداخلية) بخوض الانتخابات، والتي تجعل النتائج مضمونة في التوافق على الرئيس عباس، كمرشح توافقي واحد في الانتخابات الرئاسية.

- تعدد القوائم الانتخابية الوطنية وداخل الحزب الواحد وبدون "تفاهمات حزبية داخلية "، كالراقص على العزف المنفرد، زاد الطين بلة؟!، خصوصًا أن (15) قائمة منها تنتمي لحركة فتح، ومنها قائمة وازنة هي قائمة "الحرية" بقيادة مروان البرغوثي ورئاسة ناصر القدوة، الأمر الذي يجعل قائمة "فتح" الرسمية معرضة لتشتت أصوات جمهورها، ولن تحوز حتمًا على الأغلبية، فضلًا عن التزام قائمة "الحرية" بدعم ترشح البرغوثي للرئاسة.

- ان الحديث على التمسك بخوض الانتخابات بمراكز البريد الإسرائيلية، هي رسالة وثيقة الارتباط ومقدمة للتحلل من قرارات "وقف التعامل مع أوسلو"! ولضمان استئناف مسيرة المفاوضات كخيار أوحد لدى النخبة السياسية السلطوية.

- عدم التوافق الإقليمي والدولي على إجراء الانتخابات الفلسطينية، ورضوخ النخبة السياسية الفلسطينية لهذه الاملاءات.

خلاصة القول والرأي:

للتأجيل تداعيات وخيمة سياسية ووطنية وقانونية وديمقراطية، وسيعمق حالة الإحباط واليأس للشعب الفلسطيني وقواه السياسية والمجتمعية بنخبته السياسية، الامر الذي سيزيد الهوة وانعدام الثقة بين السلطة السياسية والكل الفلسطيني بمجموع شرائحه وفئاته وقواه الوطنية والسياسية، الامر الذي سيفتح الباب على مصراعيه، لتدخل الاحتلال والمحاور الإقليمية والدولية أكثر فأكثر في الشؤون الداخلية الفلسطينية، وتقويض ما تبقى من نقاط القوة في الحالة الفلسطينية ومشروعها الوطني.

لقد دعونا مرارا وتكرارا، بأن الانتخابات الفلسطينية حاجة أساسية لبناء نظام ديمقراطي يحظى بالمشروعية الوطنية والسياسية، كما باتت ضرورة لتجاوز أزمات “الاستعصاء ” الفلسطينية على الصعيدين البنيوي المؤسساتي ومشروعية النظام السياسي الفلسطيني، ومما لا شك فيه أيضا، ان الانتخابات الفلسطينية  بالإضافة إلى كونها استحقاقا دستورياً وديمقراطيا، فلا بد لها ان تأتي كنتيجة طبيعية لضرورة وطنية استكملت شروطها الداخلية: في أسس استعادة الوحدة الوطنية وانهاء الانقسام، ومن ثم العمل على تشريع مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، من خلال التوافق على الحل السياسي واستراتيجيته الوطنية، في إيجاد مخرج وطني لمأزق سياسي وبنيوي عصف بكل مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني وشرعيتها.

في هذا السياق، تكون الانتخابات الفلسطينية جزء من الحل، ونتيجة طبيعية للحل الوطني العام لتحديات الحالة الفلسطينية وتعقيداتها، وليست كل الحل، وليست وسيلة لتقويم المسار السياسي، بل ممكن ان تكون اداة لتكريس الانقسام وتبعاته بغياب الحل السياسي والتنظيمي!، هي الأداة والوسيلة لأهداف وطنية وسياسية وبرنامجية كبرى، وليست هدفاً بحد ذاته، لذلك،تكون عملية اجراء الانتخابات بدون انهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات، والتوافق على رؤية وطنية في اطار الشراكة السياسية – مغامرة غير محسوبة العواقب وقفزة في المجهول، الّا اذا كان الهدف منها إدارة الانقسام وإعادة انتاج الذات المأزومة سياسيا، واستنساخ " المشهد البديل"و تزيينه ببعض الرتوش والضوضاء الإعلامية و شيء من المشروعية الشعبية امام الرأي العام العالمي والرهان من جديد على المتغيرات الإقليمية والدولية.

ان "التفاهمات الثنائية" بديل عن الحوار الوطني الشامل والفاعل، شأنها ان تكرس نهج "الأبوة " السياسية واحتكار المسؤولية، وإدارة انتكاسات الحالة الفلسطينية "صورياً"، والامعان في إدارة الظهر لإرادة الجمهور الفلسطيني واغترابه الوطني والسياسي عن حالته الوطنية ومرجعيته السياسية.

ان تجاهل متطلبات النهوض الوطني الفلسطيني والياته، وتجاهل تحديات مشروعه الوطني وقضايا الخلاف الأساسية، بمعزل عن التوافق والاتفاق الوطني العام، سنغرق مجددا في دوامة من الانتكاسات الوطنية، ولن نرتقي بالورقة الفلسطينية الى مستوى المخاطر والتحديات الراهنة، لأن العملية الوطنية ليست انتقائية او تجريبية، بل رزمة كاملة ومتكاملة، والحل في التوافق والاتفاق على استراتيجية وطنية.

اضف الى ذلك، ان حصلت الانتخابات الفلسطينية كخيار وطني(بالتوافق على رؤية وطنية او بدونها)، يجب أن تجري في القدس والضفة الفلسطينية وقطاع غزة، وعلى الطريقة الفلسطينية الخالصة، باعتبارهم وحدة جغرافية واحدة غير قابلة للتجزئة ، واعتبار القدس أولوية : وذلك لكونها عاصمة الدولة الفلسطينية، واعتبار اجراء الانتخابات فيها معركة وطنية، لتجديد التأكيد على موقف الشعب الفلسطيني الرافض لكافة الاجراءات الأحادية التي أقدمت عليها سلطات الاحتلال، بهدف تغيير الوضع القانوني للقدس وطمس هويتها الوطنية، كما يمثل هذا الموقف، بمثابة تأكيد جديد على الموقف الفلسطيني الرافض للمواقف والاجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية، باعتبار القدس عاصمة لكيان الاحتلال وما تبعه من إجراء في نقل السفارة الأمريكية إليها.

ان الحالة فلسطينية ومتطلباتها، بحاجة الى ثورة على وقائع وتفاصيل سياسات باتت مسيطرة على العقل القيادي الفلسطيني وفلسفته، تجاه مختلف قضايانا الأساسية والجوهرية، وبهذا السياق، لابد من اعادة تموضع جديد في سياسة النخبة الفلسطينية وفلسفتها، فلسفة تقوم على ديمومة المقاومة وابتداع ادواتها والياتها، ونبذ "فن التكتيك" والمراوغة في احتراف العمل السياسي ودهاليزه، التي اصبحت تُثقل كاهل قضيتنا وتحملها ما لا يمكن احتماله.

لذلك، وقبل الدعوة لانتخابات فلسطينية جديدة، لا بد من حلحلة العوائق التي حالت دون إجرائها حاليًا، وهي حسابات فصائلية داخلية، لأن قطار التغيير انطلق، وهو ما لا يمكن إيقافه أبدًا، والصراع سيستمر بين التجديد والتغيير وبين الفئوية والانتظارية واحتلال المواقع الثابتة، ولهذا، فان تأجيل الانتخابات هو في واقع الأمر تأجيل لمعركة القدس المهددة يومياً بعمليات التهويد والأسرلة والتطهير العرقي، كما يجري هذه الأيام من تهديد عشرات العائلات بالتهجير من حي الشيخ جراح وحي البساتين ووادي الجوز والعيسوية.

في هذا السياق، يجب تحويل الانتخابات في القدس الى معركة سياسية ووطنية، لكسر المعادلة السياسية التي تحاول سلطات الاحتلال فرضها بالقوة على المدينة ، مستلهمين في ذلك العبر والدروس من تجارب خاضها المقدسيون، معززين بدعم وإسناد ومشاركة الكل الفلسطيني في الوطن وفي الشتات، بدءا بانتفاضة  البوابات في المسجد الاقصى المبارك في تموز من العام 2017، مرورا بهبة الحفاظ على مصلى باب الرحمة عام 2019، وانتهاء بهبة باب العامود، وهي تجارب كفاحية أثبتت الجماهير الفلسطينية في القدس أنها قادرة على الفوز فيها وعلى دفع العدو المحتل الى التراجع .

 

د. باسم عثمان

الكاتب والباحث السياسي

 

 

علاء اللاميإسرائيل شاحاك: أستاذ جامعي إسرائيلي بولندي متخصص في الكيمياء. ولد في وارسو في بولندا، وهو من الناجين من الهولوكوست النازي وقد قضى طفولته في معتقل بليسين النازي. عرف عنه نقده الصريح للحكومة الإسرائيلية وللمجتمع الإسرائيلي على وجه العموم. كما أن كتاباته حول الديانة اليهودية والتراث اليهودي القديم امتازت بالعمق والنقدية والصراحة الشديدة فأثارت الكثير من الجدل، وقد اتهمه الصهاينة بـ "معاداة السامية" على إثرها وتعرض للاضطهاد والتهميش طويلا. كان نقديا ضد الكيان الصهيوني واشتهر بكشفه في الإعلام عن حادثة أو جريمة امتناع يهودي أصولي عن استعمال هاتفه يوم السبت لطلب سيارة إسعاف لإنقاذ رجل فلسطيني قرب القدس لأن عقيدته الدينية تمنعه من فعل ذلك كما قال، وكان شاحاك شاهد عليان على هذه الحادثة، وقد تضامنت الأوساط والمؤسسة الدينية اليهودية مع ذلك الشخص اليهودي وأيدت فعلته. وقد روى هذه الحادثة في كتابة الشهير "التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة"، والذي أقتبس منه هذه السلسلة من المختارات.

ج1/عن معنى "إسرائيل كدولة يهودية": كتب إسرائيل شاحاك: "كان مبدأ كون إسرائيل "دولة يهودية" ذا أهمية فائقة للسياسيين الإسرائيليين منذ قيام الدولة...وعندما ظهرت في أوائل الثمانينات من القرن الماضي أقلية يهودية تعارض هذا المفهوم، صدر قانون دستوري له الأولوية على أحكام القوانين الأخرى، وقد أقرته غالبية كبيرة في الكنيست "البرلمان الإسرائيلي"؛ وبموجب هذا القانون لا يجوز لأي حزب سياسي إسرائيلي يعارض برنامجه مبدأ "الدولة اليهودية" أو يعلن عن عزمه تغيير هذا المبدأ بالوسائل الديموقراطية، أن يشارك في انتخابات الكنيست. أنا نفسي عارضت هذا المبدأ الدستوري، والنتيجة هي أني لا أستطيع، في الدولة التي أنا مواطن فيها، الانتساب إلى حزب سياسي أؤيد مبادئه، ولا يستطيع هذا الحزب الاشتراك في انتخابات الكنيست. ... بموجب هذا التعريف الرسمي تعود "إسرائيل" لأشخاص تعرفهم السلطات بأنهم يهود وهي لهم وحدهم بصرف النظر عن مكان وجودهم ... وهذا يعني عمليا أن أفراد قبيلة في دولة بيرو، إذا تحولوا إلى اليهودية يصبحون مؤهلين لأن يكونوا مواطنين إسرائيليين ينتفعون بحوالي 70 بالمائة من أراضي الضفة الغربية، وجميع غير اليهود - وليس الفلسطينيون فقط - ممنوعون من الانتفاع بتلك الأراضي. مسألة البيروفيين الذين تحولوا الى اليهودية حصلت فعلا منذ عدة سنوات، وقد استوطن هؤلاء اليهود الجدد في الضفة الغربية بالقرب من مدينة نابلس على أرض محرمة على غير اليهود" / ص 12 من كتاب " التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة".

ج2/حدود دولة "إسرائيل" التوراتية ليست في المتاحف بل في التطبيق/ يعتقد البعض أن قضية حدود الكيان الصهيوني التوراتية " من النيل الى الفرات " هي مجرد خرافات أو مقولات دينية مكانها المتحف ولا ينبغي القلق بشأنها في حين أنها مقولات سياسية يحاول الصهاينة تطبيقها وإحياءها بإصرار في عصرنا... لنقرأ ما كتب الكاتب المناهض للصهيونية إسرائيل شاحاك: "قيد التداول الآن نسخ عديدة متناقضة للحدود التوراتية لأرض إسرائيل، التي تعتبرها المراجع الدينية اليهودية أرض الدولة اليهودية. أبعد هذه النسخ مدى تشمل المناطق التالية: جنوباً، تشمل كل صحراء سيناء وجزءا كبيرا من شمال مصر حتى ضواحي القاهرة. وشرقاً، كل الأرض وقطعة كبيرة من السعودية وكل الكويت وجزءا كبيرا من العراق. وشمالا كل سوريا ولبنان وجزءا كبيرا من تركيا حتى بحيرة وان وغربا قبرص. وقد نُشر في إسرائيل كمٌّ هائل من الأبحاث حول هذه الحدود، وصدر العديد من الكتب والأطالس والمقالات ونماذج من الدعاية الشعبية وغالبا بدعم مالي من الدولة. حتى أن الحاخام النافذ دوف ليور (DOV LIOR)، صرح تكرارا إن فشل إسرائيل في احتلال لبنان عقوبة إلهية وقعت على إسرائيل بحق لأنها تخلت عن جزء من أرض إسرائيل وبالتحديد إعادة سيناء إلى مصر. "..." في أيار 1993 اقترح رئيس الوزراء أرييل شارون رسمياً في مؤتمر حزب الليكود أن تتبنى إسرائيل الحدود التوراتية كسياسة رسمية". / ص 20 – 21 من كتاب " التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة".

ج3/ إسرائيل_شاحاك: العقوبات الدينية البدنية حتى الموت التي كان يقيمها "الحاخامات اليهود" على المخالفين لتعاليمهم: يكرر بعض الليبراليين القشريين واليساريين أو البعثيين المنقلبين إلى ليبراليين مجوفين مقولات فارغة من قبيل "أن العنف الديني الرجعي، والعقوبات الدينية البدنية ثيمة خاصة بالإسلام والمسلمين" وإن ما يسمونها "التركيبة الدينية الإسلامية المنغلقة لا تشبه أية تركيبة أصولية في الأديان الأخرى"، ويرفض هؤلاء أن يصدقوا ما يقوله الواقع التاريخي الثيولوجي والمثيولوجي والانثروبولوجي والتحليلات العلمية الحديثة لهذا التاريخ من أن هذه الثيمة أو المقولات التأسيسية العنيفة موجودة في جميع الأديان والحضارات البشرية وليس حكرا على دين أو مذهب معين إلا عند المصابين بالحَوَلِ الفكري وبالانحياز للغرب وثقافته والتي هي – لو فكروا بعقلانية- لوجدوا أنها بصفتها ثقافة حديثة ثمرة أممية كل الحضارات الإنسانية وليست أوروبية غربية أصلا... لنقرأ ما كتبه الكاتب المناهض للصهيونية إسرائيل شاحاك عن العقوبات البدنية في الديانة اليهودية والتي كان يطبقها الحاخامات بأنفسهم: "منذ أواخر أيام الإمبراطورية الرومانية، مارست الجاليات اليهودية - في أوروبا - سلطة قانونية واسعة على أعضائها، سلطة قمع عارية مثل الجلد والحبس والنفي، كل هذا كان يمكن إيقاعه على أي فرد يهودي من قبل محكمة حاخامية عقابا لكل أنواع الجرائم. وفي بلدان عديدة كإسبانيا وبولندا كان يمكن إيقاع عقوبة الإعدام بالمدانين؛ وأحيانا بأساليب متناهية القسوة كالجلد حتى الموت. وكان للسلطات الحكومية في الدول المسيحية والإسلامية مصلحة مالية أحيانا؛ بالإضافة إلى مصلحتها في حفظ النظام تشجع عليه، كان الحاخامون يدفعون تسعة أعشار الغرامات التي يفرضونها على اليهود من أبناء جاليتهم إلى الملك "في ذلك البلد"... كانت قواعد الشريعة اليهودية ملزمة لليهود تحت طائلة الإرغام، ولا يستطيع اليهودي أن يهرب منها إلا بالتحول إلى دين الأغلبية ... ولن يجد المرء في كل كتابات حنة آرندت عن اليهود والشمولية أو كليهما، على غزارتها أي تلميح عن حالة المجتمع اليهودي في ألمانيا في القرن الثامن عشر: كحرق الكتب واضطهاد الكتاب، النزاع حول قوة التعاويذ السحرية، حظر التعليم غير اليهودي حتى لو كان ابتدائيا...وحتى في الثلاثينات القرن التاسع عشر أمر الحاخام  الأقدس "تزاديك" في مدينة صغيرة في أوكرانيا بإعدام منشق يهودي بإلقائه في ماء حمامات وهو يغلي. ص 28 و30 و31 من كتاب " التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة".

ج4/ الإبادة الدينية على طريقة سفر يوشع التوراتي/ كتب إسرائيل شاحاك: "كان هناك عالم اجتماع وتوراتي قوي النفوذ هو يحزقيال كوفمان دعا إلى الإبادة العنصرية على طريقة سفر يوشع"1". والفيلسوف المثالي هوغو شوميل بيرغمان الذي دعا سنة 1914 إلى طرد جميع الفلسطينيين إلى العراق، وكثيرون آخرون. كانوا كلهم في الظاهر "حمائم" لكنهم استغلوا صيغا يمكن استغلالها بتطرف شديد ضد العرب، وكلهم كانوا من ذوي الميول الصوفية الدينية التي تشجع على نشر الأكاذيب متظاهرين بعدم القدرة على إيذاء ذبابة ولهذا السبب بالذات كان تأثير خداعهم أشد. ص 46 من كتاب " التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة".

 

إعداد: علاء اللامي

...................

*هامش "1": في سفر يشوع، وهو سادس سفر من حيث الترتيب في "التناخ" الكتاب المقدس في الديانة اليهودية والذي يضم التوراة والأنبياء والكتابات (توراة – نفيئيم – كتوفيم) ويسمى "العهد القديم" في المسيحية، نقرأ أمثلة التالية على القسوة البالغة والتحريم بحد السيف "القتل" الذي لم يستثنِ الأطفال والنساء والبهائم:

 

أ - في اقتحام أريحا "وحرَّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف.. وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها" (س/يش 6: 21، 24). 

ب- عند اقتحام عاي "ودخلوا المدينة وأخذوها وأسرعوا وأحرقوا المدينة بالنار.. فكان جميع الذين سقطوا في ذلك اليوم من رجال ونساء أثنى عشر ألفًا جميع أهل عاي. ويشوع لم يرَّد يده بالمزراق حتى حرَّم جميع سكان عاي.. وأحرق يشوع عاي وجعلها تلًا أبديًّا خرابًا إلى هذا اليوم" (س/يش 8: 19-28). 

جـ- في سفر يشوع تتكرَّر عبارة (الضرب بحد السيف وتحريم كل نفس حتى لم يبقَ شارد) بمعنى أو بآخر وذلك في اقتحام مقيدة، ولبنة، ولخيش، وعجلون، وحبرون، ودبير، وكل أرض الجبل والجنوب والسهل والسفوح (راجع س/يش 10: 28، 30، 32، 35، 37، 38، 39، 40). 

د - في اقتحام حاصور "ضربوا كل نفس بحد السيف. حرَّموهم ولم تبقَ نسمة. وأُحرق حاصور بالنار. فأخذ يشوع كل مدن أولئك الملوك وجميع ملوكها وضربهم بحد السيف. حرَّمهم كما أمر موسى عبد الرب" (س/ يش 11: 11، 12). 

ج5 والأخير/خطة طرد الفلسطينيين من وطنهم أعدها حزب العمال البريطاني سنة 1944، وهي تشبه خطة هتــلر للتعامل مع اليهود/ كتب إسرائيل شاحاك: "في عام 1944، إبان النضال الفعلي ضد هتــلر، اعتمد حزب العمال البريطاني خطة لطرد الفلسطينيين من فلسطين، تشبه الخطط الأولى التي أعدها هتــلر قبل 1941 للتعامل مع اليهود، وقد اعتُمدت هذه الخطة نتيجة ضغط من الأعضاء اليهود في قيادة حزب العمال حيث أبدى العديد منهم تأييدا لكل سياسة إسرائيل أشد بكثير من تأييد أي محافظ لسياسات أيان سمث ...إن الوضع السائد في الولايات المتحدة مماثل لذلك، والليبراليون الأميركيون هم الأسوأ. هذا ليس مجالا للتحري عن النتائج السياسية لهذا الوضع، ولكن علينا أن نواجه الحقيقة، وهي أن أعدى أعدائنا في نضالنا ضد العنصرية والتطرف في الديانة اليهودية، ليسوا العنصريين اليهود (ومستغلي العنصرية) بل هم غير اليهود الذين يدعون –كذبا في رأيي – أنهم تقدميون في مجالات أخرى" وأيضا "واقع الأمر أن عددا من أعداء الستالينية المزعومين استبدلوه بصنم آخر يعبدونه وجنحوا نحو تأييد العنصرية والتطرف اليهوديين بحماس أشد ونفاق أدهى مما كنا نلمسه لدى الستالينيين في الماضي. هذه الظاهرة بدأت قبل ذلك بكثير لاسيما في الأوساط الاشتراكية الديموقراطية. فأحد أصدقاء ماركس وهو موسى هيس والمشهور على نطاق واسع والمقدر كأحد أوائل الاشتراكيين في ألمانيا فضح نفسه أخيرا كعنصري يهودي متطرف لا تختلف آراؤه عن "العرق اليهودي النقي" عن الآراء الجوفاء عن "العرق الآري النقي - يقصد النازية". ولكن الاشتراكيين  الألمان الذين ناضلوا ضد العنصرية الألمانية ظلوا ساكتين عن العنصرية اليهودية. ص 48/ من كتاب " التاريخ اليهودي، الديانة اليهودية وطأة ثلاثة آلاف سنة". 

*رابط لتحميل نسخة رقمية بي دي أف من الكتاب: 

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B7%D8%A3%D8%A9-%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%A2%D9%84%D8%A2%D9%81-%D8%B3%D9%86%D8%A9-pdf?fbclid=IwAR3tjsqrrfuUweaP3NCqZ7s6lCkW0hesqOdmYMi1HUyHAfFZtmoLInvYinQ

 

***رابط لقراءة مقدمة الراحل أدوارد سعيد لطبعة أخرى من الكتاب: 

https://www.diwanalarab.com/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9?fbclid=IwAR249bRLmX6cSDWbcHkl-A8i70Zbh4OQQkYMd1HeaCj2-0w2macnB45_Dcg

 

 

 

جاسم الصفارفي 30 أبريل الماضي بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها بسحب قواتهم من أفغانستان التي احتلتها بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وفي التاسع من أبريل مرت الذكرى السنوية لسقوط نظام الدكتاتور صدام حسين عام 2003، الذي أرخ لبداية غزو العراق. فما هي المقاربات بين الاحداث في أفغانستان والعراق والتي بدأت مع بداية هذا القرن، ما هي أسبابها وما الذي يتوقع حصوله بعد مغادرة آخر طائرة تحمل ما تبقى من جنود التحالف من البلدين.

قبل أقل من عشرين عامًا بقليل، بعد أسابيع قليلة من هجمات 11 سبتمبر 2001، دخل تحالف بقيادة الولايات المتحدة أفغانستان في محاولة لسحق طالبان وتدمير البنية التحتية المزعومة لمنظمة القاعدة الإرهابية الدولية. علما بأن إرهابيو القاعدة الذين خططوا وشاركوا في هجمات 11 سبتمبر، لم يكن بينهم أفغاني واحد. كما أن الحجة التي تذرعت بها الإدارة الامريكية بوجود قواعد للمنظمة الإرهابية في أفغانستان وعدم تسليم بن لادن واعوانه الى أمريكا، هي حجة واهية ومبتدعة. والا فلماذا لم تتعرض الباكستان للاحتلال العسكري أو حتى للعقوبات بسبب اختباء بن لادن ومساعديه في أراضيها فيما بعد.

على أي حال، بعد أحد عشر عامًا، أي في عام 2012، في أبوت آباد، خلال عملية خاصة قامت بها قوات كوماندز أمريكية، قُتل مؤسس القاعدة، أسامة بن لادن، بالرصاص ورميت جثته في البحر، حسب الرواية الامريكية. وبعد تسع سنوات من ذلك التاريخ، أي في 30 أبريل الماضي، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها بسحب قواتهم من أفغانستان.

الحقائق على الأرض تشير الى أن حركة طالبان تمكنت، بصورة كاملة أو جزئية، من السيطرة على ما يصل إلى 70 في المائة من البلاد على مدى السنوات الماضية التي مرت على الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، وشكلت في العديد من المقاطعات هياكل إدارية موازية لتلك التي أقامتها الحكومة المركزية. يضاف الى ذلك، تفاقم حالة الإحباط والتشتت التي ظلت تعاني منه حكومة كابول رغم الدعم الأمريكي السخي لها.

تحت ضغط هذه الوقائع أعلنت الولايات المتحدة على لسان رئيسها السابق دونالد ترامب عن خروج وشيك من أفغانستان التي وصفها "بمقبرة الإمبراطوريات". مضيفا، أن بقاء القوات الامريكية هناك أصبح "لا معنى له"، و"يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة، لذا حان الوقت لإنهائه". ثم أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن، في خطابه بتاريخ 14 أبريل 2021، بصورة لا لبس فيها أن "ليس لدينا ما نفعله في أفغانستان لفترة طويلة، وليس من الواضح سبب وجودنا هناك على الإطلاق طوال السنوات الثماني الماضية، لتكن شؤون هذه الدولة من اهتمام الروس والصينيين والهنود والأتراك". بناءَ على ذلك، يعترف بايدن، ولو بصورة غير مباشرة، بيأس الولايات المتحدة من تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي من أجلها جاءت الى أفغانستان. أما أهداف الحملة المعلنة، أو التي تذرعت بها، فلم يتحقق منها شيء. طالبان باقية، أما القاعدة، فقد ولدت من رحمها حركات لا تقل عنها توحشا ودموية.

اليوم لدى طالبان نحو 80 ألف عنصر مدرب على القتال في ظروف قاسية، مع مخزون كاف من السلاح. وإلى جانب ذلك، تتمتع طالبان بدعم نشط للغاية من السكان البشتون المحليين. لذا يفترض العديد من المحللين، أنه بمجرد مغادرة آخر جندي من قوات التحالف الأراضي الافغانية، سيوقف قادة طالبان أي مفاوضات مع كابول ويبدئون هجومًا واسع النطاق على الهياكل الحكومية، لا تصمد أمامه طويلا، حسب التوقعات، حكومة كابول. وللتذكير فقط، بعد انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان، صمد نظام الرئيس الافغاني نجيب الله لمدة ثلاث سنوات دون أي مساعدة كبيرة من الحكومة الروسية.

وتجدر الإشارة الى أنه، قبل عامين، عندما بدأت إدارة الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب محادثات سلام مع طالبان في الدوحة (دون مشاركة حكومة كابول)، كان واضحا حينها أن طالبان يعتبر نفسه الممثل الوحيد للشعب الافغاني، وأن أمريكا تدرك هذا الواقع، خاصة بعد فشل المفاوضات بين طالبان وكابول، التي بدأت بعد توقيع اتفاق سلام بين طالبان والولايات المتحدة في فبراير من العام الماضي، في الوصول الى أي نتيجة.

في مقاربة منطقية لابد منها أعود الى ما بعد غزو أفغانستان في 11 سبتمبر 2001، فمخطط بسط هيمنة القطب المنتصر في الحرب الباردة، على آسيا كان يفترض كذلك دولة أخرى في الشرق الأوسط لا تقل أهمية عن أفغانستان في كونها حلقة وصل إستراتيجية حيوية لتحقيق طموحات الدول الإقليمية، وهي العراق. لذا فبمجرد استتباب الوضع للقوات الامريكية في أفغانستان، وضع جورج دبليو بوش نصب عينيه غزو بلاد الرافدين واعادتها الى فلك السياسة الغربية.  في وقت مبكر من عام 2002، صرح الرئيس الأمريكي مرارًا وتكرارًا أن واشنطن تسعى لتغيير النظام في العراق باستخدام جميع الوسائل المتاحة لها. في الوقت نفسه اتهم البيت الأبيض العراق بامتلاك أسلحة الدمار الشامل التي تشكل تهديدا للدول المجاورة والامن العالمي.

في الخامس من شباط (فبراير) 2003، تحدث وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في اجتماع خاص لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقدم أدلة مفبركة "تثبت" أن العراق يخفي أسلحة دمار شامل عن المفتشين الدوليين. ثم عاد ليعترف، بعد الغزو، بأنه استخدم، في خطابه المذكور، معلومات غير دقيقة لم يتم التحقق منها.

في 17 مارس 2003، ألقى الرئيس بوش خطابًا إلى الأمة الامريكية أعلن فيه أنه بمجرد فشل مجلس الأمن الدولي في تحمل مسؤولياته، فإن الولايات المتحدة ستتصرف بمبادرة منها. بعد ذلك بيومين، بدأت الحرب لغزو العراق دون قرار من الأمم المتحدة. وكانت النتيجة انهيار سريع لنظام الدكتاتور صدام حسين في 9 أبريل من نفس العام وتم أسره ثم اعدامه.

لم تفت الرئيس بوش الإشارة الى العلاقة الوثيقة بين الاحتلالين في السياسة ألأمريكية، حين قال في خطاب القاه بمناسبة يوم المحاربين القدامى عام 2003 "مهمتنا في العراق وأفغانستان واضحة لأفراد جيشنا وواضحة لأعدائنا... يكافح رجالنا ونسائنا للمساعدة في بناء الديمقراطية والسلام والعدالة في منطقة مضطربة وعنيفة."

بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، أصبح العالم بمجمله، بشرقه وغربه وشماله وجنوبه، مفتوحا أمام طموحات الولايات المتحدة لبسط نفوذها وتوسيع مجال تأثيرها. ولم تكن بحاجة سوى لاختلاق أسباب تبرر حملاتها العسكرية لتنفيذ مآربها. ولم يقع اختيارها على أفغانستان وبعدها العراق عبثا، فكلاهما يحتل مواقع جيوسياسية لا غنى عنها لتوسيع وحماية المجال الحيوي لمصالح دول إقليمية طموحة كروسيا والصين والهند وإيران وتركيا.

بشكل عام، كان تاريخ العلاقات الدولية في القرن العشرين هو تاريخ العلاقات بين القوى العظمى. الا أن العالم الجديد الناشئ منذ العقد الثاني من القرن الحالي، بخلاف ذلك، أبرز دور القوى الإقليمية الطموحة. اليوم نلاحظ، في بعض قضايا السياسة الأفغانية والعراقية، دورا لإيران وتركيا وباكستان والهند ليست أقل شأنا من الدور الأمريكي. ومن المتوقع أن التأثير الأمريكي، سوف يتضاءل بعد انسحاب قوات التحالف من أفغانستان. وستبدأ دول المنطقة في ملء الفراغ.

بعد احتلال أفغانستان والعراق، عاش كلاهما مرحلة حرب أهلية ساهمت فيها دول الجوار، جعلت الجغرافيا والأنثروبولوجيا والطوبوغرافيا وأخيراً الموقع الجغرافي السياسي مصادر أرق وتهديد لحياة الأفغان والعراقيين على حد سواء.

من وجهة نظر نظام العلاقات الدولية، فإن احتلال أفغانستان والعراق منح الكثير لأمريكا، لكنه أيضًا أخذ منها الكثير. فقد أصبحت الولايات المتحدة القوة المهيمنة المطلقة في الشرقين الأدنى والأوسط. وأعادت الإدارة الامريكية في الواقع ترتيب نظام العلاقات الدولية والإقليمية برمته. حيث أصبحت حكومات جميع دول المنطقة تقريبًا (مع بعض الاستثناءات) طائعة لأمريكا، استخدمتهم صاغرين لتنفيذ مشاريعها الإقليمية كمشروع الشرق الأوسط الجديد وصفقة القرن. ومن جهة أخري، فإن الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق لم يحقق كل أغراضه، للأسباب التالية:

أولاً، نمو الاستياء الشعبي في أمريكا. التطور الحاصل في تكنولوجيا المعلومات في القرن الحادي والعشرين، لم يعد يسمح بشن حروب طويلة الأمد، لا علاقة لها بالمصالح الانية للمواطن الأمريكي. تظهر استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة "ريو ريسيرج" أن نسبة الأمريكيين الذين يعتقدون أن على البلاد أن "تباشر الاهتمام بشؤنها الخاصة" لم تكن أعلى من أي وقت مضى منذ نهاية حرب فيتنام. بالطبع، في رأي شريحة واسعة من الامريكيين، أن أفغانستان والعراق ليسا من الشؤون الأمريكية الخاصة.

ثانيًا، تنظر مجموعات النخبة، على اختلافها، إلى دور أمريكا ومكانتها في العالم بشكل مختلف. لطالما كان للتواجد العسكري ألأمريكي خارج البلاد خصوم جادون داخل مؤسسات الدولة في أمريكا. لذا، مع وصول ترامب، القريب من النخب المالية، الى رأس هرم السلطة في أمريكا، انخفض عدد الجنود الأمريكيين في الشرق الاوسط بنسبة 30٪. تم تخفيض القوة العسكرية في العراق بنسبة 13٪، في تركيا (22٪)، الأردن (96٪)، مصر (45٪)، الكويت (83٪)، قطر (84٪)، الإمارات العربية المتحدة (82٪). تستمر هذه العملية ببطء ولكن باطراد. أما في آسيا الوسطى فقد قرر ترامب سحب قوات الولايات المتحدة من أفغانستان بصورة كاملة.

ثالثا، عندما دخلت أمريكا أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر أيدت معظم دول العالم هذا القرار. ولكن مع مرور الزمن وتراكم الأخطاء وتبعات الحرب المأساوية تراجع أغلب دول العالم عن تأييدها لاستمرار الحرب في أفغانستان. بالمناسبة، موسكو كانت الأولى من بين المؤيدين للحملة على أفغانستان. وكان فلاديمير بوتين أول من اتصل بجورج دبليو بوش وأعرب عن دعمه الكامل. بعد عشرين عامًا، أصبحت روسيا وجميع دول المحيط تعارض الحملة الأمريكية.

رابعا، على مدى العقدين الماضيين، شهدت بلدان المنطقة تحولات كبيرة، تجاوزت فيها صعوباتها الاقتصادية وتحولت إلى قوى إقليمية فاعلة وطموحة، ساعية لبناء توازن جديد للمصالح، ومجالات النفوذ، ونظام العلاقات الدولية والإقليمية. وبالتالي لا يمكن للولايات المتحدة مهما بلغ شأنها أن تكبح إرادة تلك الدول بمرسوم أو عقوبات. من تلك الدول الهند وإيران وتركيا والمملكة العربية السعودية، إضافة الى باكستان وأوزبكستان وكازاخستان وقطر. أما بالنسبة لروسيا والصين، فانهما ينتهجان سياستيهما دون التفكير بتنسيقها مع أمريكا في الشأن الافغاني أو العراقي.

لكل تلك الأسباب، أصبح من غير الممكن على الولايات المتحدة أن تنفرد بالتحكم بمصير دول الشرق الأوسط أو وسط آسيا. كما أن خروج أمريكا من أفغانستان والعراق وسوريا، كما هو متوقع، سيؤدي لصياغة جديدة لنظام العلاقات الدولية في اسيا برمتها. ولأول مرة في التاريخ، سيكون للقوى العظمى تأثير أقل من الجهات الفاعلة الإقليمية الجديدة في صياغة علاقاتها بدول الاقليم. بالطبع، هذه عملية قد تطول وقد تقصر، ولكنها لابد وأن تتحقق سواء كان الديمقراطيون أو الجمهوريون على رأس السلطة في الولايات المتحدة ألأمريكية. 

 

د. جاسم الصفار

 

 

عادل رضاقراءة في الصراع الاذري الارمني

الامة العربية المتحدة والوحدة العربية ستكون رهاننا القادم كشعوب وكأنظمة رسمية لأن العالم يرانا "كعرب" وك "أمة واحدة" ليس لأننا نريد ذلك "عاطفيا" وضمن رومانسية "فكرية!"  بل لأنها مسألة مصير وحالة "واقعية" وهي رهاننا للمستقبل لأن التغيير والتطور الحاصل في العالم اجمع وبمنطقتنا بالخصوص والبلدان المحيطة بنا ومنها تركيا والجمهورية الإسلامية الايرانية هو "تحول" كبير يشمل تكتلات ضخمة، وكذلك تغيير لخطوط التجارة الدولية ومشاريع امبراطوريات قطبية قادمة وكذلك   هناك تسارع للتحالفات كلها ستنعكس اثارها على المنطقة العربية والتي ستجد نفسها بلا حماية من الانهيار إذا لم تتدارك الامر.

ان هناك مسألة البقاء والاستمرار لدول ضعيفة وصغيرة الحجم غير قابلة للحياة ولا يمكن حدوث نمو حقيقي فيها ولا امن بظل هذه الكتل الدولية الضخمة الجبارة من حولها لذلك لا حل امامها الا بالوحدة العربية "الحقيقية" للتحول الى قوة دولية مهمة تستطيع ان تفرض نفسها وتكون صاحبة قرار.

وكلنا نعرف ان بالماضي القريب ان الصين كانت تعتبر من دول العالم الثالث وهي لا تملك شيئا من إمكانيات العالم العربي المتوفرة فيها نظرا لتعداد الصين السكاني، والان الصين قفزت قفزة جبارة وفرضت نفسها كقوة دولية متقدمة واصبحت دولة تملك عوامل الاستقلال والسطوة كحالة امبراطورية قطبية ولو كانت منطقتنا العربية "متحدة" ستستطيع التقدم أسرع من الصين حيث لدى العرب الطاقات البشرية الهائلة والثروات والمساحة الكبيرة والعقول المبدعة والأراضي الزراعية ويمكنها عند اتحادها من التحول الى قوة دولية مهمة.

ان الانتقال الامبراطوري القادم من منظور جيوسياسي الى عالم متعدد الأقطاب، هو انتقال سيصنع تغيير في حدود البلدان، وهو سيخلق مجالات جديدة للنفوذ ومواقع للسيطرة مختلفة، ومن لا يستطيع قراءة ذلك ولا التعامل مع ما سيستجد من تطورات فمصيره "الاختفاء" من خارطة العالم، كما اختفت الإمبراطورية العثمانية ؟! وكما انتهت الإمبراطورية الهنغارية النمساوية وكما انهار "الاتحاد السوفيتي".

هذا "الانتقال الامبراطوري" المترقب والقادم، لديه مواقع تأثير واضطراب وتفجير "صواعق تفجير" والموقع الأرميني الاذربيجاني هو أحد هذه المواقع حيث تطل مسألة ناغورني كاراباخ والسيطرة عليها والتي هي تقع ضمن بين جمهورية أذربيجان وأرمينيا وإيران وتعيش فيها قومية ارمينية.

يقول الاستاذ سعيد الحاج:

"إن تفجر الاشتباكات مجددًا بين أرمينيا وأذربيجان بعد حوالي 22 عامًا من انتهاء الحرب بينهما بسبب إقليم ناغورني كاراباخ يشير بشكل واضح إلى خطورة الأزمات المبنية على اختلافات إثنية-حضارية وإلى دور الدول الإقليمية والعالمية الداعمة للفرقاء المتنازعين في الميدان -تحفيزًا وتثبيطًا-سواء بسواء.

بيد أن العلاقة بين الدول الداعمة والأزمة المحلية قد تتفاعل أحيانًا في الاتجاه المعاكس، بحيث يمتد النزاع المحلي المحدود ليصبح مواجهة إقليمية أو عالمية، كما حصل في أمثلة تاريخية في مقدمتها الحرب العالمية الأولى.

إن المواجهة الحالية في الإقليم المتنازع عليه تحمل صفات نزاعات ما بعد نهاية الحرب الباردة، وخصوصًا التدخلات الخارجية من عدَّة أطراف بسبب تشابكات العلاقات والمصالح والتنافس."

أذربيجان هي ضمن مجال الداعم التركي الطوراني العنصري المتمثل في جمهورية تركيا المحكومة من "أسلام امريكي أطلسي!" والتي ترى نفسها كشرطي المنطقة على العرب وغيرهم في الشرق الاوسط حيث يستخدم الاتراك الطورانيين "العثمانية الجديدة" لأستحمار "الاغبياء والسذج" ويوظفون "حركة الاخوان المسلمين" ودورهم في المنطقة العربية له موقع دراسة ضمن قراءة تحليلية أخرى.

ولكن ضمن الموقع الاذري الأرمني ما تريده تركيا الطورانية العنصرية الأطلسية هو هذه المنطقة الممتدة من الاناضول الى جمهوريات كازاخستان وقيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان ومنطقة شيجانغ الصينية وهو المجال الذي يمثل للجمهورية التركية ما تريد صناعته من مجال قومي عنصري طوراني تركي ممتد منها الى اقصى نقطة وهي تعتبر هذا المجال هو نطاقها الحيوي عبر " أفكار قومية طورانية عنصرية اتاتوركية؟" غير موجودة في تلك البلدان !؟، والذي تقف في طريقه جغرافيا "أرمينيا" ك "حاجز" و "مصد" للنفوذ التركي الطوراني القومي نحو ارض اجدادهم – حسب اعتقادهم -التي جائوا منها الى ارض الاناضول، حيث "أحد اهداف" الجمهورية التركية الحالية هو التوحد والاتحاد ضمن ما تعتبره "هي" محيطها الإمبراطوري المطلوب ايحائه وايجاده ضمن PANTURK.

وهذا ما يخالف ويتناقض مع الخطة الروسية الإمبراطورية لصناعة "محور دولي" جديد مقاوم للحالة الأطلسية الانجلوساكسونية التي "جمهورية تركيا الحالية" جزء منها وأداة من ادواتها وخنجر مزدوج ضد الروس ومشروعهم "الاوراسي السلافي الأرثوذكسي الجديد" المتحرك في خط التطبيق والتنفيذ والذي يرى ان وجود "تركيا" على الخريطة ليس له تفسير قومي؟

وهو المشروع الذي يعتبر الجمهورية الإسلامية المقامة على ارض إيران "صديق" مطلوب انضمامه وصناعته وتقويته، كدولة امبراطورية قارية لديها فكر إسلامي ثوري ينطلق ضاما تأييد جمهوريات وشعوب جمهوريات اسيا الوسطى والتي هي تاريخيا "محافظات إدارية سابقة" كانت تابعة للإمبراطوريات الفارسية على مختلف تسمياتها.

هذا الضم "المطلوب روسياً" والهادف الى صناعة امبراطورية" إسلامية فكرية مؤدلجة قارية" تكون مساندة للخطة الروسية الهادفة لصناعة تعدد "دولي" متنوع الأقطاب الإمبراطورية مضاد للحلف الأطلسي الانجلوساكسوني، الذي يريد صناعة نهاية للتاريخ والعالم ضمن ليبرالية جديدة منحرفة وساقطة إنسانيا واخلاقيا وبلا قيم او مبدأ وهذا ما تعتبره روسيا الحالية "هدف الغائي لها" و "خطر وجودي" عليها، ناهيك انه ضد كل ما هو دين "أي دين" وكل ما هو اخلاق "فطرية طبيعية" مع الترويج للشذوذ والانحراف الجنسي واختلاط الانساب وتفكيك العائلة.

جمهورية أذربيجان ذات الغالبية السكانية الإسلامية المنتمية الى المذهب الإسلامي الاثنى عشري، هي دولة ذات علاقة تحالفية عميقة مع الكيان الصهيوني، بشكل فج ومباشر حيث صرح رئيسها ان ما يظهر من التحالف هو فقط رأس جبل الجليد وتسعة اعشار التحالف هو مخفي تحت الماء؟ وأذربيجان كذلك هي المزود الرئيس للصهاينة بما يعادل الأربعين بالمائة من احتياجات هذا الكيان السرطاني الاستعماري المزروع في "دولة فلسطين العربية المحتلة" من النفط والغاز عن طريق تركيا "الحليف الاخر المعلن رسميا مع الصهاينة".

وغير التبادل التجاري الملياري مع الاتراك والاذريين يوجد لدى الكيان الصهيوني نفوذ مزدوج داخل أذربيجان من خلال من هاجر اليها من "يهود أذربيجان من رجال الاعمال وخلافه" وكذلك حسب ما أعلنت جريدة التايمز البريطاني يوجد لدى الكيان الصهيوني قاعدة عسكرية استخباراتية امنية تطل منها على الجمهورية الإسلامية كموقع تأمر وهجوم "وحرب متوقعة" ومحطة "قصف جوي" ضدها.

يقول الباحث الروسي ألكسندر نازاروف:

"بعد تفكك الاتحاد السوفيتي مباشرة، تمكنت أرمينيا من بسط سيطرتها ليس فقط على مناطق قرة باغ، التي يسكنها الأرمن، وإنما أيضا على أراض أذربيجانية خالصة بنفس المساحة حول قرة باغ. ودفعت نشوة النصر تلك إلى نشوء أسطورة تفوق الجيش الأرمني على الأذربيجانيين داخل المجتمع الأرمني، لهذا رفضت أرمينيا جميع مقترحات التسوية، لسنوات عدة، بما في ذلك المقترحات التي تقدمت بها موسكو. وعزز هذا الموقف، حقيقة وجود قاعدة عسكرية روسية على أراضي أرمينيا، ووجود الأخيرة في معاهدة الأمن الجماعي، ما يحتم على روسيا واجب حمايتها من العدوان."

أرمينيا المتحالفة عسكريا مع الروس و الحاجز الجغرافي الصاد للنفوذ التركي الطوراني العنصري المتحالف مع الصهاينة وحلف الناتو هي بالتالي ضمن موقع تحالفي تلقائي مع "ايران" , و التي راقبت و شاهدت ان هناك "كسر للجمود" الذي كان حاصل في منطقة ناغورني كاراباخ و هذا "الكسر للجمود" هو ضمن تحريك "صهيوني شيطاني" من خلال العلاقة مع أذربيجان الإسلامية دينا و الشيعية مذهبا و المحكومة ضمن ديكتاتورية عائلية محدودة , هذا التحريك الصهيوني لأذربيجان هو لكسر تطور الحالات القطبية الإمبراطورية المتطورة صعودا في روسيا و حليفتها "ايران" , ضمن واقع الانتقال الامبراطوري المستقبلي المتوسط و البعيد المدى.

لأن كما ذكرنا سابقا "جمهوريات اسيا الوسطى" هي ضمن المجال الحيوي الذي تريده "امبراطورية اوراسيا المستقبلية" ان تكون هذه الجمهوريات الاسيوية تابعة ومنضمة للحالة الإمبراطورية الإسلامية التابعة للنهج الإسلامي الثوري" المفترض" تبنيه" و "الالتزام" من الجمهورية الإسلامية المتأسسة في العام 1979 على ارض إيران.

هذه الرغبة الصهيونية الشيطانية في "كسر الجمود" في ناغورني كاراباخ تتوافق وتتفق مع الرغبة القومية الطورانية الأطلسية الانجلوساكسونية التي تريد هذه الجمهوريات الاسيوية ضمن نطاقها الحيوي.

اذن ضمن رغبة اذربيجانية في استعادة حقوقها القانونية المؤيدة من الأمم المتحدة وكذلك وجود "قرار" صهيوني شيطاني بالإضافة الى ميول رئيس وزراء أرمينيا "نيكول باشينيان" الى المعسكر الأطلسي واختلافاته مع بعض سياسات روسيا، تم تحريك وكسر الجمود وتفجر الصراع العسكري.

ماذا كانت المحصلة النهائية للصراع العسكري الذي تفجر؟ يقول الباحث الروسي ألكسندر نازاروف بهذا الخصوص:

" تعرضت القوات الأرمينية لهزيمة كارثية من الجيش الأذربيجاني، ومباشرة عقب سقوط مدينة شوشا الاستراتيجية، أصبح سقوط عاصمة إقليم قرة باغ، مدينة ستيباناكيرت، وتطويق جميع القوات الأرمينية، وتدميرها بالكامل، ومن ثم الاستيلاء التام على قرة باغ، مسألة ستستغرق عدة أيام، وربما في أفضل الأحوال، عدة أسابيع. وقد أعلن الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، فعليا عن نيته القيام بذلك، وكانت لديه بشكل عام كل الفرص لتحقيق مبتغاه.

فجأة، وبمشاركة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أوقفت القوات الأذربيجانية، وفي غضون ساعات معدودة كانت قوات حفظ السلام الروسية تنتشر في قرة باغ، على الرغم من أن انتشارا بهذه السرعة، فيما يبدو، كان مجهّزا له منذ عدة أسابيع. أي أن روسيا كانت مستعدة مسبقا لأي تطور للأحداث، (ولم تثق بقدرات نيكول باشينيان في إدارة الازمة)، كي تتدخل بشكل حاسم في الوقت الذي رأته ضروريا.

نتيجة لذلك، عززت روسيا وجودها العسكري في المنطقة، وسيطرت على الممر الواصل ما بين أرمينيا وقرة باغ، وهو أمر حيوي للأرمن، كما سيطرت روسيا أيضا على الممر الواصل بين أذربيجان وجيب ناختشيفان الأذربيجاني، والواقع على أراضي أرمينيا، وهو ما يحتاج إليه الأذربيجانيون حقا. ويتمركز جنود حفظ السلام الروس في قرة باغ، بحيث يضمنون أمن الإقليم بشكل مطلق."

(وهذا لكي يبتعد الطرفان عن تنفيذ المخطط الصهيوني واضطر رئيس وزراء أرمينيا الى تقديم استقالته في 25 ابريل 2021 بسبب فشل رهانه على ان أرمينيا تستطيع التخلي عن حليفها الروسي).

"عززت روسيا وجودها العسكري في المنطقة، وسيطرت على الممر الواصل ما بين أرمينيا وقرة باغ، وهو أمر حيوي للأرمن، كما سيطرت روسيا أيضا على الممر الواصل بين أذربيجان وجيب ناختشيفان الأذربيجاني، والواقع على أراضي أرمينيا، وهو ما يحتاج إليه الأذربيجانيون حقا. ويتمركز جنود حفظ السلام الروس في قرة باغ، بحيث يضمنون أمن الإقليم بشكل مطلق."

"بالتزامن، لم تحصل تركيا على أي شيء تقريبا في أذربيجان، بخلاف ما حصلت عليه بالفعل هناك، بمعنى أنها لم تصبح شريكا مساويا لروسيا في الوساطة بين أرمينيا وأذربيجان. ربما سيكون هناك مزيدا من التعاون العسكري بين أنقرة وباكو، لكن أذربيجان ليست دمية في يد تركيا بأي حال من الأحوال، حيث تنتهج قيادة البلاد سياسة متوازنة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وتحترم مصالح موسكو. في ظل هذا النموذج، سيتعين على أذربيجان تعزيز التعاون مع روسيا، حتى لا تصبح شديدة الاعتماد على تركيا.

ننتقل الآن إلى الدروس المستفادة. نعم، روسيا ليست في نفس قوة الاتحاد السوفيتي، لكنها مع ذلك لا زالت الدولة الوحيدة في العالم القادرة على تدمير الولايات المتحدة الأمريكية، ناهيك عن أي خصم عسكري آخر. وعلى الرغم من سنوات العقوبات والحصار الاقتصادي من جانب الغرب، إلا أن روسيا أثبتت أن لديها اقتصادا مستقرا. كذلك توصلت قيادة البلاد إلى استنتاجات من سقوط الاتحاد السوفيتي، وأصبحت السياسة الخارجية الروسية أكثر مرونة وعقلانية، مع الأصدقاء ومع الأعداء على حد سواء. فالأولوية الرئيسية لروسيا دائما أصبحت التنمية الداخلية (وكذلك التركيز على حماية والمحافظة على "العائلة الروسية" بقيمها ودينها من اسلام ومسيحية على العكس من حلف الأطلسي والصهاينة من سموم الليبرالية الحديثة والتي تفكك العائلة وتركز على الأقليات والشذوذ الجنسي والانحراف الأخلاقي وخلط الانساب)، وروسيا تمد يدها للجميع، وهي مهتمة بالتعاون مع جميع دول العالم. لا تسعى روسيا إلى التوسع، وبالتالي ليس لها أعداء في العالم، سوى من يرغب في أن يكون عدوا لها."

 

د. عادل رضا

كاتب كويتي في الشئون العربية والإسلامية

 .............................

ملاحظة: الكلام بين القوسين هي تعليقات من كاتب هذه السطور على ما قاله ألكسندر نازاروف فأقتضى التنويه.

 

 

احمد عزت سليميشكل مصطلح التهديد السيبرانى ما يتعلق بعمليات أمن الفضاء السيبرانى من عمل ضار يسعى إلى إتلاف البيانات أو سرقة البيانات وعمليات التسلل على البنية التحتية وخروقات البيانات إلى التصيد الاحتيالي والقوة الغاشمة أو تعطيل الحياة الرقمية بشكل عام، وتشمل الهجمات الإلكترونية تهديدات مثل فيروسات الكمبيوتر وانتهاكات البيانات وهجمات رفض الخدمة (DoS)، وتتنوع التهديدات عبر الإنترنت ولا تميز المنظمات عن الأفراد عند البحث عن هدف .

وكما يوضح Gartner  ان التهديدات تزداد خطورة حيث " تنتشر مخاطر الأمن السيبراني في كل مؤسسة ولا تقع دائمًا تحت السيطرة المباشرة لتقنية المعلومات، يمضي قادة الأعمال قدمًا في مبادراتهم التجارية الرقمية، ويقوم هؤلاء القادة باختيارات المخاطر المتعلقة بالتكنولوجيا كل يوم، تعد المخاطر الإلكترونية المتزايدة أمرًا حقيقيًا - وكذلك حلول أمان البيانات "، فقد أصبحت التهديدات السيبرانية مشكلة عالمية كبيرة وواسعة النطاق، حيث يمكن أن تتسبب الهجمات الإلكترونية في انقطاع التيار الكهربائي وتعطل المعدات العسكرية وانتهاك أسرار الأمن القومي، يمكن أن تؤدي إلى سرقة بيانات قيمة وحساسة مثل السجلات الطبية، وتعطيل شبكات الهاتف والكمبيوتر أو شل الأنظمة، مما يجعل البيانات غير متاحة، وبالتالى فإنها التهديدات الإلكترونية قد تؤثر بقوة وفاعلية على سير الحياة القائمة ومستقبلياتها، ولا تثتثنى حتى القوى العظمى العالمية والمتحكمة فى الفضاء السيبرانى من التهديدات فقد كشف مكتب الإدارة والميزانية التابع للكونجرس الأمريكى  أنه من بين 96 وكالة فيدرالية قام بتقييمها، كانت 74 % إما "معرضة للخطر" أو "عالية الخطورة" للهجمات الإلكترونية، وبحاجة إلى تحسينات أمنية فورية .

وفى إطار التطورات التقنية فإن التهديدات لا تشكل تقنيات ثابته بل تتجدد بقوة تصل إلى إتساع نطاقها لتصل إلى إنشاء الملايين منها سنويا بأجيال جديدة وكمثال تهديدات "يوم الصفر" القادرة على مفاجأة الدفاعات لأنها لا تحمل توقيعات رقمية يمكن اكتشافها، وكما تؤكد مؤسسة  Business Insider APTsالعالمية  للتحول الرقمى  والخدمات الرقمية، إستمرارية "التحسين" المستمر لـ "التهديدات المستمرة المتقدمة" حيث تعتبر للقائمين بالتهديدات "إنها أفضل طريقة للمتسللين الذين يخترقون الشبكات ويحافظون على" المثابرة " وبإتصال لا يمكن إيقافه عن طريق تحديثات البرامج أو إعادة تشغيل الكمبيوتر " وكما أكدت المؤسسة تعرضها لاختراق Sony Pictures سيئ السمعة، على ممثل لدولة قومية داخل شبكة الشركة لعدة أشهر، وتهرب من الاكتشاف أثناء القيام بتخريب كميات هائلة من البيانات .

مصادر تهديدات الأمن السيبراني

تأتي التهديدات السيبرانية من مجموعة متنوعة من الأماكن والأشخاص والسياقات، وتشمل هذه الجهات الخبيثة: ـ

ـ الأفراد الذين يقومون بإنشاء ناقلات هجوم باستخدام أدوات البرامج الخاصة بهم .

ـ المنظمات الإجرامية التي تدار مثل الشركات، حيث يقوم عدد كبير من الموظفين بتطوير ناقلات هجوم وتنفيذ هجمات .

ـ الدول الأمة .

ـ إرهابيون .

ـ جواسيس صناعية .

ـ جماعات الجريمة المنظمة .

ـ المطلعين غير سعداء .

ـ قراصنة .

ـ المنافسون في العمل .

وأعتبر الخبراء الأمريكيين أن الدول القومية هي مصدر العديد من الهجمات الأكثر خطورة , وأن هناك العديد من الإصدارات المختلفة للتهديدات السيبرانية للدولة القومية، بعضها تجسس أساسي - كمحاولة معرفة الأسرار الوطنية لدولة أخرى، والبعض الآخر يهدف إلى إحداث الاضطراب، وعلى سبيل المثال، كما أكد كريس بينتر من وزارة الخارجية الأمريكية في مقال بمؤسسة بروكينغز أن الصين وكوريا الشمالية "مارستا قوتهما الإلكترونية في كثير من الأحيان لتحقيق أهدافهما الاستراتيجية في جميع أنحاء العالم"، وأشار مع ذلك، إلى أن "الدوافع والأهداف تختلف:ـ بينما تهدف كوريا الشمالية في المقام الأول إلى تطوير القدرات لتوليد الإيرادات والقدرات التدميرية للصراعات المحتملة خارج كوريا الشمالية، تستخدم الصين بشكل أساسي وسائلها الإلكترونية للتجسس وسرقة الملكية الفكرية، لقد كانت "التسمية والتشهير" أداة فعالة ضد الصين بسبب مخاوف حكومتها بشأن رد الفعل المحتمل على قوتها الناعمة ".

وفى إطار الصراع الدولى والداخلى يتم شراء وبيع العديد من التهديدات الإلكترونية على "الويب المظلم"، وهو جزء غير منظم ولكنه واسع الانتشار من الإنترنت، حيث يمكن للمتسللين الطموحين شراء برامج الفدية والبرامج الضارة وبيانات الاعتماد للأنظمة المخترقة والمزيد،  تعمل الشبكة المظلمة كمضاعف للتهديدات، حيث يتمكن أحد المتسللين من بيع إبداعاته مرارًا وتكرارًا .

ومع هذه التهديدات كما أكد الباحث هيو تايلور Hugh Taylor مدير أمن المعلومات المعتمد (CISM)  والذى شغل مناصب تنفيذية في Microsoft و IBM ، أنه يتم طرح مجموعة من التقنيات والخدمات الجديدة في السوق والتي تجعل من السهل إنشاء دفاع قوي ضد التهديدات السيبرانية، وتشمل هذه: ـ

ـ الاستعانة بمصادر خارجية لخدمات الأمن .

ـ الأنظمة التي تتيح التعاون بين أعضاء الفريق الأمني .

ـ أدوات محاكاة الهجوم المستمر .

ـ حلول النقاط لمكافحة التصيد والتصفح الآمن .

ـ الدفاع السيبراني للأفراد .

وكما تقوم العديد من المؤسسات الأمنية العالمية بإجراءات وقائية ودفاعية وإجراءات الأمن الإستباقى بين المستهلك فردا أومؤسسة والهاكر على سبيل المثال فريق SecOps في Verizon أو AT&T لضمان حماية الأصول الرقمية الهامة وسلامة المعلومات ومواجهة التهديدات: ـ

1 ـ نظافة كلمة المرور:ـ لا تستطيع المؤسسات الأمنية الكبيرة حماية المستهلكين من التصيد الاحتيالي أو المتسللين الذين يمكنهم تخمين كلمات مرور مثل "1234"، يمكن للفطرة السليمة ونظافة كلمة المرور أن تقطع شوطًا طويلاً لحماية المستهلكين من التهديدات الإلكترونية .

2 ـ برامج مكافحة الفيروسات:ـ الاشترك في برنامج مكافحة الفيروسات للمحافظة على تحديث النظام من خلال عمليات الفحص المجدولة الآلية.

3 ـ الحذر من هجمات التصيد:ـ الحذر الدائم بشأن فتح مرفقات الملفات، رسائل التصيد الاحتيالي والتصيد الاحتيالي التي تبدو حقيقية ولكنها ليست كذلك ولذا وجب إستمرارية  الانتباه،على سبيل المثال، إذا تلقيت رسالة بريد إلكتروني تقول "فاتورة متأخرة السداد" مع مرفق PDF، فلا تفتحها إلا إذا كنت متأكدًا بنسبة 100٪ أنك تعرف من أرسلها، إذا قمت بالتحقق مرة أخرى، فربما ترى أنه يأتي من بريد إلكتروني غير معتاد، مثل هذا، من anny234526426@gmail.com .

4 ـ وجبات التهديدات الجاهزة:ـ قد يكون هذا وقتًا مخيفًا للشركات والمستهلكين القلقين بشأن التهديدات الإلكترونية، التهديدات موجودة بالتأكيد، وهي تزداد قوة ومتكررة، المهاجمون متنوعون، مع وجود العديد من الاختلالات المقلقة بين المهاجمين وأهدافهم .

 

أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

عبد الحسين شعبانطوى المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الكوبي (أبريل/نيسان 2021) صفحة طويلة من تاريخ كوبا "الثوري" امتدّت لأكثر من ستة عقود من الزمان حكم فيها فيديل كاسترو الزعيم التاريخي من العام 1959 ولغاية العام 2008، وأعقبه شقيقه راؤول كاسترو الذي تولّى منصب الأمين العام للحزب من العام 2011 إلى العام 2021، وقرّر الخلود إلى الراحة والتقاعد السياسي مفسحاً في المجال للجيل الجديد لتولّي المناصب العليا، لا سيّما بعد تعديل الدستور (ديسمبر/ كانون الأول 2018) الذي اعترف بالملكية الخاصة وإدارة مشاريع اقتصادية صغيرة للمواطنين وسمح للاستثمار الأجنبي.

اختار المؤتمر ميجيل دياز كانيل أميناً عاماً للحزب (60 عاماً) وكان قد شغل منصب رئيس الوزراء الذي استحدث في العام 2018. وهكذا يتم الانتقال بصورة سلمية وسلسة من "جيل الثورة" إلى "جيل الدولة"، فهل ستشهد البلاد تطوّرات جذرية أم أن التغيير سيكون عابراً؟

ولكي يُطمئن كانيل "الحرس القديم" غرّد عشية انعقاد المؤتمر قائلاً: "إنه مؤتمر الاستمرارية" مؤكّداً على أن الخطوط التوجيهية لن تتغيّر. وتعتبر كوبا إحدى البلدان الخمسة الشيوعية المتبقية في العالم (الصين، كوريا الشمالية، فيتنام، ولاووس)، وقد عانت من حصار أمريكي ومحاولات اختراق وإطاحة بسبب خيارها الاشتراكي، كما كانت أحد أسباب التوتر خلال فترة الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ونجم عنها ما عُرف أزمة الصواريخ (أكتوبر/تشرين الأول 1962)، وظلّت هافانا مصدر قلق لواشنطن في عموم أمريكا اللاتينية.

ومع أن صحيفة "غرانما" الناطقة باسم الحزب، عنونت افتتاحيتها "مؤتمر كوبا ينعقد" مع صورة لفيديل كاسترو حاملاً بندقية، إلّا أن المؤتمر ناقش قضايا عقديّة كثيرة باحثاً عن "حلول انتقالية"، خصوصاً وأنها تعيش أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة ومزمنة، تفاقمت خلال تفشي وباء كورونا، إلى درجة أصبحت الشوارع خالية من السيّاح الذين كانوا يتوافدون إليها، وازداد نقص المواد الغذائية شحّة، والطوابير أمام المتاجر طويلة والأسعار مرتفعة ولم ينفع معها زيادة الرواتب، وبدأ نوع من التذمّر شهد احتجاجات لفنانين ومجموعات من المجتمع المدني استغلّتها المعارضة مستفيدة من العقوبات المتفاقمة التي تعاني منها.

وخلال العقد ونيّف الماضي حاولت كوبا أن تتوجّه بحذر وتدرّج باتجاه الانفتاح على الأنترنت والهاتف النقّال والاستثمار الخارجي محاولة الالتفاف على نظام العقوبات الأمريكي، المطعون به من جانب الأمم المتحدة، ومستفيدة من سياسات الرئيس الأمريكي باراك أوباما للتخفيف من الضغوط التي تتعرّض لها، إلاّ أن مجيء الرئيس دونالد ترامب عطّل من مهمة تطبيع العلاقات بل مارس أقسى درجات الضغط عليها، ولا سيّما في العام 2019، حيث باشر بحجب أعداد السفن المتوجّهة إليها لغرض السياحة، وقام بـإغلاق وكالة "ويسترن يونيون" للتبادل المصرفي وتحويل العملات، حيث كان الكوبيون الذين يعملون بالخارج يقومون بإرسال المبالغ إلى أقاربهم.

حين صدر كتابي الموسوم "كوبا الحلم الغامض" (دار الفارابي، 2011) جئت فيه على خمسة حروب عاشتها كوبا وانتصرت فيها، وبقي أمامها "حربان"، أولهما الحرية وثانيهما التكنولوجيا. وما لم تنتصر بهذين الحربين فإن استمرار الوضع على ما هو عليه سيكون صعباً إن لم يكن مستحيلاً. فالعالم متجه إلى الإقرار بالتعددية والتنوّع وتوسيع دائرة الحريات ولا سيّما حريّة التعبير، فلم تعد سياسة "الحزب الواحد" مقبولة أو منطقية، مثلما لا بدّ لها من ولوج عالم التكنولوجيا، إذْ ليس من المعقول بقاء الوضع على ما هو عليه. والتكنولوجيا تحتاج إلى رأسمال وهذا الأخير يحتاج إلى بنية تحتية وهياكل ارتكازية وإمكانات وتسهيلات، خصوصاً وأن سياسات الحصار الظالم جعلتها جميعها متهالكة ومتآكلة.

بعد انتهاء الحرب الأهلية في روسيا 1923 ألقى لينين محاضرة قال فيها: إننا انتصرنا ولكن مَن يبني روسيا؟ أليس الرأسمال؟ وهذا لن يأتي إلا بشروطه وليس بشروطنا ولذلك ابتدع مشروع "رأسمالية الدولة".

ما ينتظر "جزيرة الحرية" ليس تغييراً فوقياً أو استبدالاً شكلياً، فهذا الشعب الذي اجترح عذابات لا حدود لها يحتاج إلى تغييرات جذرية، وإن كانت تدرجية في إطار التوجّه الاشتراكي، فــ كوبا جزء من العالم المتحرك وأرخبيلاته المفتوحة على بعضها، لا سيّما في ظل الطور الرابع من الثورة الصناعية والذكاء الاصطناعي، فقد غاب القادة الكارزميون مثل كاسترو وقبله جيفارا واليوم تقاعد راؤول الذي عاش بجلباب أخيه. ويبقى أمام كارنيل السير بالدولة الاشتراكية بالتدرج ولكن بالضبط، نحو العلم والتكنولوجيا في أجواء أكثر حرية وانفتاحاً، في مراكمة ما هو متحقق في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية والرياضية، في إطار مشروع "تجديد الثورة" وفقاً لمبادىء المشروعية الدستورية وحكم القانون وشرعية المنجز السياسي والثقافي، والتخلص من البيروقراطية الحزبية، كيما تكون كوبا أكثر قدرة في مواجهة التحديات "القديمة - الجديدة"، وأكثر ثقة بالمستقبل، خصوصاً بالعلم والتكنولوجيا. وكان بليخانوف الذي يسميه لينين "أبو الماركسية"، هو الذي قال أن حامل التغيير هو الأنتلجنسيا والتكنولوجيا، وذلك قبل قرن ونيّف من الزمان، وأعتقد أن هذا الرأي هو الأكثر انطباقاً على واقع كوبا الراهن.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

علاء اللاميقد لا نجد مصطلحا سياسيا وفكريا في اللغة العربية تعرض لسوء فهم ناتج عن ترجمة "استثنائية" من اللغات الأجنبية، فوَلَّدَ الكثير من المقولات الفكرية والسياسية الملتبسة كمصطلح "قومي وقومية"؛ إلا إذا تذكّرنا مصطلح "اللائكية /العلمانية". فهتان الكلمتان؛ القومية والقومي، كصفتين ونسبتين، يختلط معناهما حين مقابلتهما مع ما يطابقهما في الإنكليزية أو الفرنسية اللتين جاءت منهما بكلمات عديدة منها: وطني وجنسية وأمة ودولة وعرقية "إثنية"...إلخ، رغم الفرق الكبير بين معاني هذه الكلمات. ومع أن من الصعوبة معرفة القاعدة اللغوية التي استُنِدَ إليها في ترجمتها إلى العربية كسائر مفردات القاموس السياسي العربي التابع والمأخوذة في غالبيتها الساحقة عن القاموس السياسي الاستعماري الأورومركزي المهيمن في عصرنا، إلا أن انعدام المطابق الاصطلاحي لكلمات من هذا النوع يبقى واقعا قائما ومصدرا لسوء الفهم وخطل الاستعمال.

فكلمة "قومي" العربية ليس لها ما يطابق معناها تماما في اللغات الأوروبية الأوسع انتشارا؛ ولكنها في الاستعمال المتواتر أصبحت تعني عدة كلمات منها (ناشنليست NATIONALIST - ناسيوناليت)؛ وهذه الكلمة ترجع إلى (نيشن NATION) في اللفظ الإنكليزي أو (ناسيون NATION) في الفرنسي، أي أمة، معلوم أن الأمة ليست هي القومية ولا القوم.

ومن مرادفات (NATION) في علم الاجتماع السياسي البرجوازي الحديث كلمة "دولة"؛ في حين ترجع نسبة "قومي" العربية من الناحية التأثيلية إلى "قوم". وبين الأمة والقوم ثمة فرق علمي كبير في المعنى؛ فالأمة في تعريفها الاصطلاحي الحديث تعني وحدة اجتماعية واسعة ومنسجمة المحتوى ومؤلفة من مجموعة من الناس الذين يرتبطون فيما بينهم بروابط محددة؛ كاللغة، والأرض والتاريخ المشترك والأصل السلالي المشترك أو المتقارب، والتراث الثقافي ومنه الدين والعادات والتقاليد والذكريات، ويضاف إليها - من وجهة نظر البعض -  الوحدة الاقتصادية التامة أو الجزئية أي السوق القومي المشترك.

أما كلمة "القوم" فلا تعني وحدة اجتماعية خاصة ومنسجمة المحتوى كالأمة أو القبيلة أو الأسرة، إلا على سبيل المجاز؛ فالقوم، في الاستعمال القديم والشائع، هو تجمع أفراد من البشر لا يربط بينهم غالبا إلا عامل المكان الذي اجتمعوا فيه. وهكذا يمكن للخطيب أن ينادي على أية مجموعة من الناس، وسواء كانوا من أهله أو من الغرباء بقوله "يا قوم..."!  ويذهب صاحب معجم "شمس العلوم"، نشوان بن سعيد الحميري، إلى استثناء الإناث من "القوم" لتعني الذكور فحسب، إذْ يقول معرفا القوم بأنهم (جماعة الرجال دون النساء، لا واحد له من لفظه، قال الله تعالى: {لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} الآية11 من سورة الحجرات).

ويبدو أن الصعوبة الصوتية لاشتقاق كلمة تقابل (ناشنيليست NATIONALIST) في اللغة العربية من كلمة "أمة"، هي التي ألجأت المترجمين والمؤلفين إلى كلمة "قوم" لسهولة الاشتقاق فترجموها "قومي" ولم يترجموها "أمتي / أمتاوي" فجاءت كلمة قومي لتكون مقابلا لناشيناليست. أما كلمة "أممي" فهي نسبة إلى "أمم" جمع أمة، وتترجم أحيانا ترجمة غير دقيقة أيضا إلى "دوْلي" - بسكون الواو- كنسبة الى الدولة المفردة، أو بفتحها وتشديدها "دوَّلي،" نسبة إلى جمعها "دول". والنسبة إلى الجمع لا تجوز عند المعجميين واللغويين القدماء المتشددين، ولكن الناس كانت تنسب الى الجمع قديما وحديثا كقولهم "الدوانيقي" وهو من ألقاب أبي جعفر المنصور، و"الساعاتي"...إلخ.

ومن الطريف والمعبر إننا نجد اللغة التركية قد ترجمت كلمة "قومية" إلى ملياتجيليك (Milliyetçilik) ذات العلاقة بكلمة "مِلَّة" العربية ذات المحتوى الديني في المعجم العربي، وهو المرادف نفسه وبشكل أوضح في اللغة الفارسية ففيها نجد معنى أمة هو "مِلت"، وقومية بالفارسية هي "ملي گرايي"، ولكن المعجم العربي الحديث اتخذ كلمة قوم المحايدة دينيا والسائدة بذات المعنى في عصر ما قبل الإسلام بدلا من "مِلَّة"، رغم الالتباسات التي تثيرها.

ولكن المعاجم العربية الحديثة طورت معنى هذه الكلمة "القومية" وأضافت إليها محمول الكلمة الغربي المُحيل إلى الأمة، فصاحب المعجم الوسيط يسجل أنها من المُسْتَحْدَث أي الجديد والمضاف، وتعني عنده (القومية: صلة اجتماعية عاطفية تنشأ من الاشتراك في الوطن والجنس واللُّغة والمنافع، وقد تنْتهي بالتضامن والتعاون إلى الوحدة، كالقومية العربية. وهي كلمة مُحْدَثة). أما كلمة (NATIONALITY) وهي من مشتقات (NATION) أيضا فترجمت إلى "جنسية" التي تحيل بدورها في العربية الى جنس البشر ونوعه وتحيل أحيانا إلى "القومية" وهذه الكلمة ليس لها مطابق في اللغات الأورومركزية.

إن هذه الكلمات، رغم التحفظات السالفة وغيرها على ترجمتها الاستعمالية، أصبحت في عداد البديهيات التي لا تثير الشكوك والتساؤل، وما أكثر البديهيات ذات الأساس الخاطئ أو القاصر أو المشكوك في معناه الموافق، وليس لنا سوى محاولة فهم جذورها وتداعياتها وسوء الفهم الذي نتج عن تلك الترجمات. ومما يترتب على ذلك إن البعض ممن يجهلون هذه التفاصيل التأثيلية من الطائفيين والتكفيريين الدينيين واللبراليين واليساريين القشريين المنساقين وراء الصرعات الإعلامية الغربية الإمبريالية يسارعون مثلا لوصف كل شخص يدافع عن انتمائه الحضاري والثقافي الى العروبة وعن لغته وثقافته وتراثه بأنه قوموي أو "قومجي" يتم الربط فورا بينه وبين تجارب الحكام القوميين العرب في أنظمة الحكم الاستبدادية الدموية. أضف إلى ذلك أن البعض من حملة النزوع القومي ممن يصفون أنفسهم باليساريين، المنحاز لكل ما هو "عربي" بغض النظر عن محتواه التاريخي؛ حتى لو كان من قبيل الدولة الأموية التي يمجدها بعض "القوميين اليساريين" على اعتبار أنها عربية خالصة بخلاف الدولتين العباسية أو الفاطمية المشوبتين بمشاركة شعوب وأمم أخرى في بنائهما الحضاري، مع أنها لا تختلف كثيرا عن تلكما الدولتين من حيث المحتوى الطبقي الظالم للشعب أو "للخلق" بلغة التراث، ولها ما لها وعليها ما عليها حضاريا كسائر الدول والإمبراطوريات القديمة.

من جهة أخرى، يصبح دفاع العربي عن عروبته وتراثه وآماله وطموحاته وثقافته ولغته في عرف هؤلاء الطائفيين واللبراليين مثلبة؛ في الوقت الذي لا يتحرجون هم أنفسهم من الدفاع عن أحط النوازع الطائفية والعشائرية الكارهة للآخر والداعية لإبادته وتهجيره إذا رفض أو احتج ضد هيمنتهم الطائفية؛ وفي حين لا يرى الليبرالي المزيف  بأسا - ولا بأس قطعا من وجهة نظر أممية منصفة - من أن يدافعوا عن التباهي والفخر القومي لجميع أبناء الأقليات القومية كالكرد والأمازيغ والتركمان والأفارقة وحتى الشعوب المنقرضة أو شبه المنقرضة كالفينيقيين والآشوريين والفراعنة وبني إسرائيل ...إلخ، ولكن حين يصل الأمر الى المدافعين عن عروبتهم فهم يتحولون وفق هذا المنطق المغرق في الجهل المركب والتعصب الطائفي والليبرالي القشري الذي تستبطنه الى "قومويين" مذمومين. ويُبنى على هذا المنطق تضاد زائف بين الوطني القُطري المُرَحَب به طائفيا وليبراليا، والقومي العروبي المكروه من كليهما حتى لو كان ذا توجهات إسلامية أو ليبرالية، فالوطني في عرف اللغة الاصطلاحية السياسية السائدة ينبغي أن يكون ذاماً وهاجياً للعروبة - دون تمييز بين عروبة السلالة العنصرية وعروبة الثقافة واللغة - وشاتماً ومزدريا للتراث العربي الاسلامي بسلبه وإيجابه، ومعاديا لكل مشاريع التضامن والتوحيد والتحالف بين الشعوب العربية، أو على نطاق أوسع بين شعوب الشرق المستهدفة من قبل الإمبرياليات الغربية وحاملة طائراتها الثابتة الصهيونية "إسرائيل".

وفي السياق المُنْتِج لهذه المترتبات، نجد بعضهم لا يتحرج من أن يصف نفسه بأنه "اشتراكي ماركسي قومي"، وهذا أمر غير معقول ويصلح ليكون مبعث تندر وسخرية، لو ترجمت هذه العبارة الى اللغات الأجنبية؛ فالاشتراكي الماركسي أممي، ولا يلتقي بالقومي أصلا على صعيد الفكر والممارسة، دون أن يعني ذلك أنه ممنوع بموجب الأممية - بمعنى الانتماء الإنساني والحضاري وثقافته ولغته وتراثه كإنسان. و"الاشتراكي القومي" عنصري وهذا هو الاسم الرسمي للحزب "النازي (NAZI) الألماني" (بالألمانية: Nationalsozialistische Deutsche Arbeiterpartei) بزعامة هتلر، والقومي كمصطلح يعود في اللغات الأصلية الغربية التي ابتكرته إلى كلمة "أمة" أي (NATION) وليس إلى قوم في العربية، والقومي أو الناشيناليست (NATIONALST) في اللغات الغربية يحيل في الفهم الجمعي غالبا الى العنصري؛ أما القومي في العربية فلا يريد أن يصل الى درجة العنصري مع الإصرار على استعماله بحمولته المعروفة. إن المفهوم القومي العنصري لا جذور ولا إحالات إيجابية له في السردية التراثية العربية الإسلامية القديمة. والقول إنني قومي ولكنني لست عنصري أعلي من شأن العنصر العربية والقومية العربية على جميع العناصر والأمم البشرية يبقى مجرد مزاعم أيديولوجية إذْ يمكن الفصل في اللغات الأصلية للفصل بين القومي والعنصري على أساس النوايا والرغبات الإنشائية.

 وإذا كان من الدارج والقابل للتفهم والاستيعاب أن يصف الاشتراكي الماركسي نفسه بالوطني، نسبة إلى حب الوطن، كما هي حال المصطلح في الفرنسية (PATRIOTIQUE) نسبة إلى الوطن (PATRIE)، ولكن إذا كان مقابل الوطني هو القومي (NATIONALIST)، كما تترجم أحيانا فالخطأ باق على حاله؛ إذْ ليس من السهل ولا من الصحيح سياسيا وفكريا أن يبقى القومي قوميا بعد تحوله من القومية إلى الماركسية والشيوعية الأممية كما حدث مع بعض الأفراد والتنظيمات في "حركة القوميين العرب" في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

بحسب السردية الماركسية التقليدية، فإنَّ ما يقال عن تقدمية شعار التوحيد القومي للأمة ووطنها المقسم في المنظار الماركسي، وأن هذا الشعار البرنامجي الدعائي المجوف أحيانا، والحقيقي أحيانا أخرى، هو جزء من برامج البرجوازية الصاعدة في طورها التقدمي، وليس من بنية وأهداف البرنامج الاشتراكي أصلا. فالتوحيد القومي هو المشروع البرجوازي لتوحيد السوق القومي، وإذا ما عجزت البرجوازية عن تنفيذ هذا المشروع، أو أن القوى الاشتراكية وصلت الى السلطة في بلد ما قبل أن يتم التوحيد القومي، فيمكن لها - للقوى الاشتراكية- أن تقوم بتنفيذ العملية كجزء من تنفيذ برنامج الإصلاحات ما قبل الاشتراكية، وهذا ما فعله الشيوعيون في فيتنام بعد انتصارهم على الاحتلال الأميركي وطرده فوحدوا وطنهم المجزأ وباشروا بالبناء الاشتراكي.

ولكي نأخذ فكرة أولية فحسب عن حجم تعقيدات موضوع ترجمة القومية والوطنية والدولة حتى في اللغتين الاوروبيتين السائدتين المذكورتين لنقرأ المقتطفات التالية في إحدى الموسوعات المعلوماتية:

-إن (دولة القومية، أو الدولة الأمة والدولة-القومية، هي كيان جغرافي يتميز بأنه يستمد شرعيته السياسية من تمثيلها أمة أو قومية مستقلة وذات سيادة. فالدولة هي كيان سياسي وجيوسياسي بينما دولة القومية هي كيان ثقافي وإثني).

وهذا الكلام يساوي بين الأمة والقومية مع الفرق الكبير بينهما، وهو ذاته الفرق بين الكيانية السياسية المتشكلة في دولة وبين القومية كوحدة ثقافية وسلالية تنشأ تاريخيا عن الكيانية الجغرافية البحثة التي تقيم عليها الأمة السائرة في طريق التكون.

-(لا يوجد إجماع حول تعريف "الدولة القومية". وقد خلُص الأكاديمي فاليري تيشكوف إلى أن "جميع المحاولات لتطوير اتفاق اصطلاحي حول "الأمة" باءت بالفشل"). وهذا الكلام من الناحية النظرية لم يمنع وجود عدة تعاريف يؤخذ بها في التاريخ السياسي القديم والمعاصر.

-أما ووكر كونور فيناقش الانطباعات المتعلقة بسمات "الأمة"، و"الدولة (ذات السيادة)" و"الدولة القومية" و"القومية". يناقش أيضًا كونور، الذي أشاع استخدام مصطلح "القومية الإثنية"، المَيل إلى الخلط بين الأمة والدولة، ومعاملة جميع الدول وكأنها دول قومية.

وفي محاولات الإجابة عن سؤال يقول "هل الأمة هي التي تشكل الدولة القومية أم العكس؟" تتجلى أكثر صورة التعقيدات، لنقرأ هذه المحاولات لمقاربة الإجابة:

- يذهب بعض الباحثين الغربيين مثل إريك هوبسباوم إلى أن (الدولة الفرنسية سبقت تشكّل الشعب "الأمة" الفرنسي. أي إن الدولة الفرنسية هي أنشأت الأمة الفرنسية، وليس القومية "الجنسية" الفرنسية، التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر. ويحاجج هوبسباوم بالآتي "خلال الثورة الفرنسية عام 1789، كان نصف الشعب الفرنسي فقط يتحدث الفرنسية، وخلال توحيد إيطاليا بقيادة غاريبالدي في القرن التاسع عشر، كان عدد الذين يتحدثون اللغة الإيطالية أقل". واضح أن عدم سيادة وهيمنة اللغة القومية الواحدة سبب مهم ولكنه ليس الوحيد الذي يصلح لحسم النقاش هنا.

-"أما المؤرخون هانس كون وليا غرينفيلد وفيليب وايت وآخرون فقد صنفوا الأمم -مثل ألمانيا أو إيطاليا- التي سبق فيها التوحيد الثقافي توحيد الدولة، كأمم إثنية أو قوميات إثنية. بمعنى أن الأمة الموحدة ثقافيا سبقت بناء الدولة القومية في ألمانيا وإيطاليا".

وبناء على تقدم من حيثيات وتعقيدات هذه المصطلحات من حيث المضامين والمعاني، لا أعتقد شخصيا بصحة وصف الاشتراكي الماركسي لنفسه بالقومي، لمجرد أنه يؤيد شعار التوحيد القومي، أو لأنه كان ذات يوم ينتمي لحزب سياسي قومي، فالأممي لا يندمج أو يتماثل مع القومي أيا كان وكيفما كانت الظروف التاريخية ومبررات الاستخدام. وربما يكون من الممكن فضُّ الاشتباك والالتباسات في هذا الميدان، أو في الأقل التخفيف من وطأة المضمون العرقي في كلمة "قومي"  بأن يصف الاشتراكي الماركسي الأممي العربي المدافع عن أمته وطموحها في التوحيد وفي مواجهة العدوان الغربي الإمبريالي المستمر وفي الافتخار بثقافته ولغته العربية المستهدفة شأنها شأن جميع الثقافات المحلية في الجنوب من قبل دوائر العولمة الإمبريالية الغربية بأن يصف نفسه بالعروبي وليس بالقومي، فالقومي يحيل تلقائيا إلى الانتساب السلالي والعرقي، أما العروبي فيحيل غالبا إلى الانتساب الثقافي واللغوي مع بقاء الانتساب إلى الهوية الوطنية العراقية بالنسبة للعراقي والفلسطينية بالنسبة للفلسطيني والمصرية بالنسبة للمصري وهكذا دواليك؛ غير أن هذا المقترح رغم فائدته السياقية سيصطدم عمليا بمشكلة الترجمة إلى اللغات الأجنبية، إذ لا يوجد مقابل له، وهذا ما قد يضطر المترجم إلى نقله كما هو إلى تلك اللغات كما حدث مع مصطلح "السلفية" الذي لم يترجم بل نقل كما هو، وخلط أحيانا بينه وبين الأصولية (FUNDAMENTALISM )، وهو مصطلح آخر مختلف مضموناً عن السلفية القديمة والمعاصرة.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

جواد كاظم البيضانيأمعن تنظيم داعش الإرهابي بعد سيطرته على الموصل في تغيير معالم تراث هذه المدينة وتاريخها من خلال إزالة النصب، وسرقة المتاحف، وحرق المكتبات، فضلاً عن تجريف المدن التاريخية وتخريبها، والحقيقة أن تراث الموصل هو تراث عالمي لا يمكن ازالته بهذه الأدوات ذات التوجهات المعروفة والتي ترتبط بمسميات دولية كانت داعمة لها .

إن سياسة محو الهوية وتدمير التراث الإنساني التي بُنيت على قاعدة التهجير القسري، والإبادة الجماعية  التي ارتكبت عبر فترات زمنية مختلفة كان اخرها إبادة عام 1915 التي راح ضحيتها مليون ونصف أرمني، فضلاً عن إزالة تراث شعوب الأناضول الأصيلة من ايزيدية ويونان وسريان وغيرها من شعوب هذه المنطقة، كانت هذه السياسة معروفة لدى الباحثين في حقل التاريخ، تبدأ بإزالة المعالم، وقلب الوقائع، وتغيير الملامح. ولحماية الإرث الحضاري للأمم شرعت المنظمات الدولية قوانين ونظم كان لها دوراً في كبَح جِماحَه بعض الدول المتطفلة على التاريخ، ولعل من اميز تلك القرارات ما صدر عن مجلس الأمن بالرقم 2347 في 2017 الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته 7907 المعقودة في 24 اذار/ مارس 2017 ومن ابرز ما ورد في هذا التشريع الفقرة التي جاء فيها :" ان التدمير غير المشرع للتراث الثقافي، ونهب وتهريب الممتلكات الثقافية في حالات النزاع المسلح، ولا سيما من جانب الجماعات الإرهابية، ومحاولة حجب الجذور التاريخية ومنع التنوع الثقافي في هذا السياق يمكن ان تؤجج النزاع وتؤدي الى تفاقمه" ووصفت الفقرة الثانية من هذا القرار الجماعات التي تساهم في تدمير التراث بالجماعات الارهابية، وشمل هذا الوصف تنظيم القاعدة، وتنظيم داعش، وما يرتبط بها من افراد وجماعات ومؤسسات وكيانات واكد مجلس الامن في هذا القرار عزمه على التصدي لجميع جوانب التهديد تلك.

إن محاولة تزييف حقائق التاريخ جرم يعاقب عليه هذا القرار، وليس خافياً على احد ما تقوم به أذربيجان في هذا الحقل من محاولات لمسح هوية ارتساخ (ناغورني قارباخ) وتجريدها من أصولها الأرمينية . وما يحدث في مدينة شوشي غير خافي على احد . فأذربيجان بعد احتلالها اجزاء واسعة من قاراباخ بمساعدة وتدخل مباشر من تركيا اخفوا (2000) نصب تذكاري ومعماري وتاريخي، ولم يعرف مصير (13) مجمع رهبانيّا و(52) حصن، و122 كنيسة تم بنائها بفترات تاريخية مختلفة. هذه الدولة تعتمد سياسات ممنهجه في تدمير وتزوير واستبدال التراث الثقافي الأرميني.

ووفقاً للتقديرات الحكومية في اتساخ فان أذربيجان استولت على (127) مكتبة مدرسية ضمت (68400) كتاباً، فضلاً عن متحفين حكوميين، واثنان من المتاحف الخاصة. ولم تتوقف خروقات أذربيجان عند هذا الحد فقد شرعت بتغيير معالم كاتدرائية (جازانشيتسوتس  Ghazanchetsots Cathedral) التي حاولت تدميرها أثناء الحرب، من خلال تزييف حقائق التاريخ وتسميتها بالكنيسة الألبانية، ولا نعرف من اين جاءت هذه التسمية، فهذه التحفة المعمارية من البناء الأرميني المميز بطرزه وشواخصه المثبتة في لوائح التراث العالمي الخاص باليونسكو، ومعروفة لدى المؤرخين، فهل ينفع خلط الأوراق بتزييف الحقائق؟

ولم يتوقف التزييف عند هذا الحد بل ادعوا لأنفسهم ترميم مسجد مدينة شوشي، وهذا يخالف الواقع فالمسجد تم ترميمه من حكومة ناغورني قارباخ التي قدمت بيانات وأدلة لا تقبل الشك عن جهودها في ترميم المسجد، قبل سيطرة الحكومة الاذرية بمساعدة الترك على هذه المدينة .

لقد أدرك العالم جحيم التهديد الذي تعرض له تراث ارتساخ وبات من غير الممكن تجاهل ذلك خاصة بعد ان رفضت حكومة اذربيجان استقبال بعثة مراقبة لليونسكو كان عليها متابعة التراث الاتساخي المميز والحفاظ عليه وهذا دليل يؤكد ما ذهبنا اليه بان حكومة اذربيجان تقلب الحقائق لتزييف وقائع التاريخ وتشويهها.

 

د. جواد كاظم البيضاني

 

 

قاسم حسين صالحعلي، هو ابن ابي طالب بن عبد المطلب تاج هامات بني هاشم وأعيانهم، وابن فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف القرشي اشجع الشجعان، وابن عم النبي محمد، ورابع الخلفاء الراشدين.. ما يعني انه ما كان شيعيا، لأن الشيعي كما افهمتنا الأحداث السياسية والطائفية يكون متعصبا لمعتقداته المذهبية، فيما كان عليّا محبا للانسانية ونصيرا للحق حتى لو كان صاحبه من غير دين.

وعلي، كان كما وصفوه " أول القوم اسلاما، واخلصهم ايمانا، واشدهم يقينا، واخوفهم لله عز وجل، واعظمهم عناءا، واحوطهم على رسول الله ". وكان "احلم الناس عن ذنب واصفحهم عن مسيء".. دليل ذلك ، أن عبد الله بن الزبير كان يشتمه ويصفه بـ"الوغد اللئيم"، فلما ظفر به يوم الجمل اخذه اسيرا فصفح عنه وقال له "اذهب فلا ارينك". وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة، وكان له عدوا ، فاعرض عنه ولم يقل شيئا.

ولن نتحدث عن شجاعته.. فتلك صفة يتفرد بها مذ نام وهو فتى في فراش النبي محمد حين اجتمع القوم على قتل محمد في تلك الليلة.ويكفي ان نشير الى واقعة (بدر) ولكم ان تتذكروا الموقف في فلم الرسالة كيف برز الشاب علي وقتل محاربا محترفا مشحونا بدافع الحقد والانتقام. ولا عن بلاغة اقوال هذا الرجل المعجزة من قبيل: ان صوتا واحداً شجاعاً أكثرية في العباد، ولا تطلب الحياة لتأكل.. بل أطلب الأكل لتحيا ، وجالسوا العقلاء.. أعداءا كانوا ام أصدقاء.. فأن العقل لايقع الا على العقل ، ولا تزيدني كثرة الناس من حولي عزة ولا تفرقهم عني وحشة وما اكره الموت على الحق. ولا عن فلسفته في التربية التي سبق بها كبار علماء التربية الغربيين الذين نتباهى بالاستشهاد بهم كقوله تعلموا العلم صغارا تسودوا كبارا، والتنبيه الى ان تربية الاطفال ينبغي ان تكون لزمانهم لا لزماننا.. ولا عن كونه أمير الكلام في نهج بلاغته التي شرحها كبار فقهاء السنة من بينهم الامام الشافعي، وكتّاب مسيحيون واجانب بينهم جورج جورداق وغارودي.

ما يعنينا هنا.. قضية واحدة.. التذكير بأهم صفاته في كيفية تعامله مع السلطة حين صار خليفة على المسلمين.فقد كان امينا على مال المسلمين.. لا منصب جعله يتعالى على الناس ويستأثر بنعمه، ولا مال افسد رأيه، ولا سلطة ولا مغريات، ولا تساهل مع الولاة الذين حذرهم: " لا يكن حظكم في ولاياتكم مالا تستفيدونه".

وعلي هو القائل: الناس صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق فلا تجوروا عليهم، وهو الذي كتب لابنه الحسن.. ناصحاً: "يا بني اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين الناس فأحبب لنفسك ما تحب لانفسهم، وأكره ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب ان تُظلم، وأحسن كما تحب ان يُحسن اليك.. ".

انا علي يقين يا أبا الحسن، ان الذين سيحّيون ذكرى استشهادك من سياسيين يدّعون انهك جدّهم او شيعتك (المخلصين)، لن يستذكروا خصالك في الأمانة وكيفية التعامل مع السلطة، لأنهم في سريرتهم يعرفون انهم يخالفونك. وانهم ، ياسيدي، ما استجابوا للمرجعية التي بح صوتها من نصحها لهم، وما استحوا وما خجلوا من شيعتك الذين هزجوا " باسم الدين باكونه الحراميه ". وهم ما مروا ولن يمروا على قولك: "ان المال مال الله فهو مردود في بيت المال".

ياسيدي أبا الحسن، قد قتلوك ثانية في قيمك.. في اخلاقك.. في قولك للحكّام :"ياولاة أمور الناس ، لا يكن حظكم في ولاياتكم مالا تستفيدونه ، ولا غيظا تشفونه، ولكن اماتة باطل واحياء حق".. فما حصل ياسيدي أنهم نهبوا وافقروا الملايين من محبيك، وشفوا غيظهم بالخطف والتعذيب والقتل، واحيوا الباطل واماتوا الحق.

سيدي أبا الحسين الشهيد، سيتوجه لك العراقيون في ليلة استشهادك سائلين:

لقد قتل من يدعون انك جدّهم وأخلص شيعتك.. ستمئة شابا مسالما طالبوا بقوت يومهم وما شفي غيظهم، فهل سيكفون عن قتل من يهزج باسمك في التظاهرات "الله واكبر ياعلي الأحزاب باكونه"؟.وهل سيردّون المال؟.. واي مال يا ابا الحسن.. لو علمت به لخرجت عليهم شاهرا سيفك ذا الفقار!

لكنهم سيخافون عليك سيدي.. لانك ما ان تصل قريبا من المنطقة الخضراء فانك ستراهم قد اصطفوا يتقدمهم مبعوث عنهم أقبح من عبد الرحمن بن ملجم، يخيرك بين امرين:العودة من حيث اتيت.. او القتال!. ولأنك لا تهاب القتال.. فأنك ستستشهد ثانية بيد قاتل من احفادك يسنده شقي من شيعتك!

 

أ.د.قاسم حسين صالح

21 رمضان

 

كريم المظفرردة الفعل الروسية الرسمية على تسريبات المحادثة الفاضحة مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وأدارها الصحفي سعيد ليلاز، المقرب من الكتلة الاقتصادية للحكومة الإيرانية، والتي تجنى فيها على موسكو بانها، تعارض "الاتفاق النووي" "وان حذرت الخارجية الروسية في ردها على ذلك من أن بعض الأطراف تحاول التلاعب مع العلاقات بين موسكو وطهران .

تصريح المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بهذا الخصوص، علل تسريب التسجيل الصوتي المثير للجدل جاء في فترة صعبة بالنسبة لإيران، خصوصا وان ايران تعاني من الضغوطات القاسية الناجمة عن العقوبات الأمريكية وجائحة فيروس كورونا مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية فيها، والتشديد على أن روسيا تعتمد دائما على الموقف الرسمي الذي طرحته طهران مرارا وتكرارا، والتأكيد في الوقت نفسه، فلو لا الدعم الروسي الحاسم لما تم، خلال فترة محدودة نسبيا، رفع كل الأسئلة المتراكمة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية تجاه إيران وضمان شفافية أنشطتها النووية وطابعها السلمي حصرا، لولا ذلك لما تم تبني خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015 .

وكما جرت العادة في كل الازمات الدولية، تحاول الدبلوماسية اتباع خطوات التهدئة، وعدم التصعيد المقابل الذي يمكن ان يجر العلاقة بين الطرفين الى مراحل اللا عودة، وان لم تدحض وزارة الخارجية الايرانية بشكل كامل وشامل أقوال رئيسها، التي مست بشكل مباشر الموقف الروسي (وهو الداعم الرئيس لإيران في ازمتها)، إلا أنها حثت على "النظر إلى كلام ظريف بشكل عام، وليس بشكل انتقائي"، يرى فيها المتابعون بأن ذلك واحدة من الاعيب ايران المعروفة .

لكن حتى النظرة العامة لتصريحات الوزير الإيراني فإنها تترك انطباعًا بالاستياء المتراكم ليس فقط تجاه الشركاء الروس، بل أيضًا تجاه رجال الدولة الذين تتركز السلطة في إيران في أيديهم، في جزء كبير من المحادثة، تحدث ظريف عن أهمية الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي قُتل عام 2020، وكل ما أضر به علنًا بالسياسة الخارجية الإيرانية، ومحاولة تعطيل إبرام "الاتفاق النووي" لعام 2015، وسفره الى موسكو في حينه لهذا الغرض، وهنا يقف المرء عند كلام الوزير نفسه الذي يؤكد في تصريحاته عند زياراته الى العاصمة الروسية والتي (قال عنها ظريف بانه بات يعرف شوارعها بسبب تعدد زياراته لها )، والتي يمتدح فيها الموقف الروسي الثابت والداعم للموقف الإيراني .

ويؤكد الكثيرون من المحللين الروس والمتابعين للخط البياني في العلاقات بين موسكو وطهران، أن هذه ليست المرة الأولى التي يدلي فيها وزراء إيرانيون بتصريحات شديدة القسوة بشأن موسكو، وعلى سبيل المثال، في عام 2016، حيث تلقت روسيا لومًا عامًا، نادرًا في عدم دبلوماسيتها، من وزير الدفاع آنذاك، حسين دهجان، الذي سخر من تعليقات زملائه الروس على استخدام القاعدة الجوية الإيرانية من قبل القوات الجوية الروسية.

ان في العلاقات مع الإيرانيين، يجب على المرء أن يفهم أنهم سادة المكائد، ولا يجب الوثوق بهم إلا في شكل توقيعهم الشخصي، كما يقول المثل المعروف، "الدبلوماسية هي فن الكذب من أجل مصلحة الوطن الأم"، ويؤكد المستشرق الروسي سعيد جافوروف "ربما كان ظريف ماكرًا كدبلوماسي" في رأيه، مع بعض الأهداف السياسية الداخلية المخفية، يمكن لوزير الخارجية أن يسمح له بالتحدث بشكل غير مبهج عن روسيا في محادثة مع محاور معين، ونصح جافوروف: " بتجاهل مثل هذه اللحظات - على الأرجح، الإيرانية الداخلية البحتة ".

وعلى ما يبدو ان تصريحات الوزير الإيراني قد تم تسريبها عن عمد، خصوصا وان موسكو تعلن مرارا وتكرارا بان المفاعل النووي الإيراني هو للاستخدامات المدنية البحتة، وإن موسكو، تحت أي ظرف من الظروف، ووفقا لميخائيل أوليانوف، الممثل الدائم لروسيا لدى المنظمات الدولية في فيينا، وفي مقابلة مع "شبيغل" الألمانية لا تعترف بالخيار الذي ستحصل بموجبه إيران على أسلحة نووية، وهذا ينطبق على أي دولة لا تمتلك أسلحة نووية، والإشارة الى أن هناك خمس دول معترف بها وأربع دول أخرى في العالم تمتلك قنابل ذرية، وانه "لا يمكن إضافة المزيد من [مثل هذه الدول] تحت أي ظرف من الظروف".، وبالطبع فإن مثل هكذا موقف لا يروق للدبلوماسية الإيرانية، التي تحاول ابتزاز العالم بأنها تعمل بخطى حثيثة نحو استخدام مفاعلها للأغراض العسكرية .

لذلك من الصعب التفكير في لحظة غير ملائمة لظهور مثل هذه الاكتشافات، ففي هذه الأسابيع في فيينا، وبفضل الجهود الدبلوماسية الروسية النشطة في هذا المجال، وبدعم من وسطاء دوليين، انطلقت مفاوضات بشأن عودة الولايات المتحدة وإيران إلى التزاماتهما بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، ورغم أن الممثلين الأميركيين والإيرانيين لا يتحدثون بشكل مباشر خلال هذه المشاورات، إلا أن الحوار يسجل تقدماً، منذ بعض الوقت، وحدد الجانب الأمريكي قائمة مبدئية من التنازلات التي يمكنه تقديمها لتحفيز المفاوضين الإيرانيين في فيينا واستعادة الاقتصاد الإيراني، أن واشنطن مستعدة للتضحية بالعقوبات ضد قطاعات كاملة من الاقتصاد الإيراني.

البعض من الخبراء الروس يؤكدون بضرورة (عدم الثقة بالإيرانيين)، لأنه وبحكم الخبرة المتراكمة معها وخلال أزمتها خلال عشر سنوات الماضية، والتي أثبتت أن (الإيرانيين) يلجؤون الى موسكو فقط عندما يضيق عليهم الخناق، وما أن يتراخى هذا الخناق حتى تركض طهران لاهثة وراء الغرب، وتنسى وعودها مع روسيا، والاتفاقات الموقعة معها، والوعود الزائفة التي تقطعها، وكذلك مناوراتها المستمرة في عدم تحقيق أي من ذلك، وإلا ماذا تم من تنفيذ البنود الموقع عليها في الوثائق الاقتصادية الأساسية في عام 2015، والتي تم بذل الكثير من العمل في مجال خفض التعريفات الجمركية، والحواجز الجمركية، وإصدار التراخيص

ويستذكر الروس من ايران، التي تعتبرها روسيا شريكًا استراتيجيًا في المنطقة، بانها تفضل أن تلعب لعبتها الخاصة، ففي فبراير / شباط 2016 ألغى نائب رئيس الوزراء الروسي الأسبق ديمتري روغوزين ألغى زيارته لطهران، وبحسب كوميرسانت، فإن نائب رئيس الوزراء "أجرى محادثة صعبة حول أسباب توجه الشركاء الإيرانيين لشراء طائرات من دول غربية"، وهو ما يود إجراؤه سراً، ومع ذلك، عشية يوم 12 فبراير، أبلغ السفير الإيراني لدى روسيا مهدي سانعي وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن الزيارة المرتقبة، لكن لدى المرء انطباع بأن الجانب الإيراني تعمد التسريب من أجل التهرب من مقترحات موسكو التجارية لصالح التعاون مع الغرب.

واعلن في ديسمبر 2016، من قبل شركة Boeing الأمريكية أنها أبرمت اتفاقية مع إيران للطيران لتزويد الإيرانيين بـ 80 طائرة مقابل 16.6 مليار دولار بأسعار كتالوج، حيث تم توقيع مذكرة التفاهم في يونيو، وكان من الممكن التحول إلى العقد بعد أن أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية تراخيص لتصدير بوينغ إلى إيران في سبتمبر، وكان جزء من الصفقة،ان تشتري إيران للطيران 50 طائرة بوينغ 737 ماكس و 30 بوينغ 777، بالإضافة إلى ذلك، بعد رفع العقوبات الغربية عن إيران، وقعت طهران وإيرباص اتفاقية لشراء 100 طائرة، في وقت كان ووفقا لراغوزين إن يقوم الاتحاد الروسي بتزويد إيران بحوالي 100 طائرة من طراز Sukhoi SSJ 100 في غضون خمس سنوات، وكان من المفترض أنه بموجب هذا القرار، يمكن تنظيم توطين جزئي لإنتاج SSJ في إيران، ومع ذلك، لم تتجاوز الأمور أبدًا توقيع مذكرة تفاهم إطارية في عام 2016، ولا يقف الحال على ذلك فقط، بل ان ايران جمدت العديد من الاتفاقات مع روسيا تشمل بناء محطات الطاقة النووية والحرارية، وتحديث السكك الحديدية وبعض الصناعات التعدينية( حيث أوقفت شركة السكك الحديدية الروسية (RZD) تنفيذ مشاريع البنية التحتية في إيران، دون ذكر الأسباب)، مما اثار انطباع انحياز طهران الكامل في العلاقات التجارية لصالح الولايات المتحدة.

ويبرر الإيرانيون عدم تنفيذ الاتفاقيات مع موسكو، هو ناجم عن عدم الإلمام بأسواق بعضهم البعض وبعض، وسوء الفهم وفقا، الناتج عن الاختلافات في فهم العمل في بعض الأحيان إلى التأخير في العمل، ويعرب السفير الإيراني الأسبق في روسيا مهدي سنائي أن تتخذ البنوك المركزية في البلدين خطوات فعالة تجاه تبادل العملات الوطنية، حيث لا تزال مشاكل المدفوعات المصرفية اليوم واحدة من العقبات الرئيسية أمام تنمية وتوسيع العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين.

ولا يخفى على أحد أن العديد من قرارات السياسة الخارجية في إيران يتخذها رجل الدين علي خامنئي، ولا يتجرأ أحد من الحكومة او الحاشية من اتخاذ أي خطوة في هذا الاتجاه دون امر منه، لذلك قد لا نتفق بان هناك من يحاول تعكير صفو العلاقات بين موسكو وطهران، وقام بتسريب هذه التسجيلات لوزير الخارجية الإيراني، والتي تشير الانباء الى انه احد المرشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة في ايران، بالإضافة الى ان توارد الانباء المشجعة لإيران بشأن اتفاقات فيينا الأخيرة حول رفع العقوبات الامريكية عن اهم القطاعات الحيوية في ايران، وخصوصا القطاع النفطي، وبالتالي فان تصريحات الوزير الإيراني على الأرجح، قصد منها ظريف، ارسال رسالة واضحة للغرب، بأن هناك تناقضات تفصيلية بين إيران وروسيا، وفي بعض المراحل بدا حقًا لإيران أن الخلافات كانت تمنع توقيع الاتفاقية من حيث المبدأ ضد روسيا ..

اذن قد يكون التسرب راجعا إلى حقيقة أن ظريف موال للغرب بشكل كبير، والآن وقد عاد الديمقراطيون إلى السلطة في الولايات المتحدة، وهم على استعداد لتجديد الاتفاق النووي الذي خرقه دونالد ترامب، ولديه علاقات ودية مع جون كيري، وزير الخارجية في عهد أوباما، والذي هو الآن المبعوث الخاص للشؤون البيئية، ومهما يكن الأمر، فقد نفى ظريف رسميًا التقارير التي تفيد بأن نجله كان أفضل رجل في حفل زفاف ابنة كيري فانيسا والأمريكي الإيراني بريان ناهد.

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

 

كريم المظفرالازمة بين روسيا والاتحاد الأوربي، بدأت تأخذ مدى أبعد في التصعيد، بعد أن أقدمت موسكو على اتخاذ خطوة جوابية مفاجئة، بحظر سفر ثمانية مسؤولين أوروبيين إلى أراضيها وعلى رأسهم رئيس البرلمان الأوروبي ديفيد ماريا ساسولي، ردا على تبني المجلس الأوروبي في 22 من مارس الماضي إجراءات تقييدية بحق ستة مواطنين روس.

والخارجية الروسية أكدت ان القائمة السوداء الروسية الجديدة تضم أيضا شخصيات أوربية رفيعة المستوى كرئيس النيابة العامة في العاصمة الألمانية برلين يورغ راوباخ، ونائبة رئيس اللجنة الأوروبية لشؤون القيم والشفافية فيرا يوروفا، وعضو الوفد الفرنسي في الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا جاك مير، ورئيسة مختبر الحماية والأمن الكيميائي والبيولوجي والإشعاعي والنووي التابعة لوكالة أبحاث الدفاع السويدية، أسا سكوت، ونائب المجلس الوطني الخاص بوسائل الإعلام الإلكترونية في لاتفيا إيفارس أبولينش، ومدير مركز اللغة الرسمية في لاتفيا ماري بالتينش، ورئيس إدارة اللغات في إستونيا إلمار توموسك.

موسكو تشدد على أن مواصلة الاتحاد الأوروبي انتهاج سياسة الإجراءات التقييدية غير الشرعية أحادية الجانب بحق المؤسسات والمواطنين الروس تتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، محتملة وسائل الإعلام الغربية المسؤولية عن تأجيج هستيريا معادية لروسيا، وأتهمت الاتحاد بتجاهل أو رفض أي اقتراحات روسية رامية إلى تسوية المشاكل العالقة من خلال حوار مهني، وترى في تصرفاته بأنها لا تترك هذه التصرفات من قبل الاتحاد الأوروبي مجالا للشك في أن هدفها الحقيقي يكمن في كبح تنمية روسيا بأي ثمن وفرض مفهوم (النظام العالمي المبني على القواعد) الذي يقوض القانون الدولي، والتحدي بشكل واضح لاستقلال سياسات روسيا الخارجية والداخلية، وذلك بشكل منفتح و ممنهج، وبطبيعة الحال بمعرفة وتشجيع من الولايات المتحدة التي لا تخفي اهتمامها بإعادة تحويل أوروبا إلى لعبة لمواجهة جيوسياسية حادة .

التصعيد الروسي جاء بعد تبنى البرلمان الأوروبي قرارا (وإن كان غير إلزامي) دعا الاتحاد الأوروبي فيه إلى اتخاذ خطوات بحق روسيا منها تجميد مشروع خط أنابيب الغاز "السيل الشمالي-2" ، وصوت 569 نائبا (مقابل 67 معارضا وامتناع 46 نائبا عن التصويت) لصالح القرار الذي تبناه البرلمان الأوروبي في ختام مشاوراته بشأن روسيا، وذلك بدعوى الرد على قضية سجن الناشط الروسي المعارض أليكسي نافالني، وحشد موسكو قواتها قرب حدود أوكرانيا على خلفية التصعيد في منطقة دونباس، واتهام السلطات التشيكية الاستخبارات الروسية بالوقوف وراء انفجارات هزت عام 2014 مستودع أسلحة في بلدة فربيتيتسي.

ويدعو القرار المجلس الأوروبي والمفوض السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، جوزيب بوريل، إلى تبني نهج استراتيجي جديد في العلاقات مع روسيا والحد من التعامل مع سلطات هذا البلد والتركيز أكثر على "مساعدة المجتمع المدني" فيه، وينص القرار على أن "أي حوار مع روسيا يجب أن يعتمد على احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان".

الدول الشرقية نجحت في تبني 569 نائبا (مقابل 67 معارضا وامتناع 46 نائبا عن التصويت) لصالح القرار الذي تبناه البرلمان الأوروبي في ختام مشاوراته بشأن روسيا، وعلى ضرورة أن يقلص الاتحاد الأوروبي اعتماده على روسيا في مجال الطاقة، وحث لذلك مؤسسات الاتحاد والدول الأعضاء فيه إلى تجميد بناء "السيل الشمالي 2" (وهذا بالضبط ما تسعى اليه الولايات المتحدة)، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ خطوات بحق روسيا وذلك بدعوى الرد على قضية سجن الناشط الروسي المعارض أليكسي نافالني، وحشد موسكو قواتها قرب حدود أوكرانيا على خلفية التصعيد في منطقة دونباس، واتهام السلطات التشيكية الاستخبارات الروسية بالوقوف وراء انفجارات هزت عام 2014 مستودع أسلحة في بلدة فربيتيتسي.

الوعود التي أشار اليها قرار الاتحاد بان روسيا "ستدفع الثمن الباهظ" في حال أدى حشد قواتها عند حدود أوكرانيا إلى تدخل عسكري في هذا البلد، موضحا أن هذا السيناريو يجب أن يؤدي فورا إلى تعليق جميع كل واردات النفط والغاز إلى الاتحاد من روسيا وإقصائها من نظام SWIFT للتعاملات المالية، بالإضافة إلى تجميد أصول جميع رجال الأعمال المرتبطين بالحكومة الروسية ومنعهم من السفر إلى أراضي الاتحاد، قللت موسكو منه، وشدد الكريملين، من إن روسيا ستعثر بسرعة على بديل لنظام سويفت، إذا دعت الحاجة، إن البديل عن النظام الدولي للمدفوعات بين البنوك سيظهر على الفور إذا "أظهر عدم موثوقيته"، وقال السكرتير الصحفي للرئيس الروسي ديميتري بيسكوف "نحن نعيش في عالم متقدم بحيث يتم العثور على نظائرها أو بدائلها الجانبية بسرعة كبيرة لهذا النظام، ومن المستحيل تقييد روسيا في أي شيء"، وبدوره، أشار وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى أن البلاد لديها أساس لإنشاء نظيرها الخاص من SWIFT. وأوضح الوزير أنه يجب أن يكون هناك ضمان ضد الضرر الذي يمكن، من الناحية النظرية، أن يحدث بشكل إضافي من قبل أطراف ثالثة.

وترى موسكو في قرارات البرلمان الأوروبي، بانها قرارات توصية وليست إلزامية، ولم يتم تبنيها من أجل التأثير على شيء ما، موضحا إن مثل هذه القرارات تعكس، كقاعدة عامة، الطموحات السياسية لمؤلفيها بدلاً من احتواء مقترحات حقيقية حول مشاكل حقيقية - لذلك، يجب أن تكون روسيا مصممة في رد فعلها ليس إلى حد كبير على هذا النوع من القرارات، بل على الإجراءات المحددة للاتحاد الأوروبي في الاتجاه الروسي، وقال قسطنطين كوساتشوف، نائب رئيس مجلس الاتحاد " وبالطبع نحن نراقب هذه الإجراءات عن كثب، لكننا نتابعها، وليس قرارات البرلمان الأوروبي ".

ووفقًا للخبراء، لا يوجد تهديد حقيقي وراء دعوات البرلمان الأوروبي، والنقطة هنا ليست فقط في الطبيعة الموصى بها للقرار - فالمتطلبات الواردة في الوثيقة محفوفة بمخاطر عالية للغاية، والتي من غير المرجح أن يجرؤ الاتحاد الأوروبي على القيام بها، فمثلا سيؤدي فصل روسيا عن نظام SWIFT إلى تحركات خطيرة للغاية في الأسواق المالية، وأوضح إيفان تيموفيف، مدير برنامج مجلس الشؤون الدولية الروسي ونادي فالداي، أن المبادرين لم يحققوا أي أهداف سياسية، وسيكون الضرر هائلاً - في المقام الأول للعلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي مع دورانها الكبير، وشددوا على انه إذا أفلتت مثل هذه العقوبات على إيران، فمن الأفضل عدم تكرار هذه الحيلة مع روسيا - بسبب الأضرار والعواقب السياسية التي ستكون أكثر خطورة مما كانت عليه في حالة طهران.

وبالنسبة للعقوبات المفروضة على جرائم الفساد، فإن مثل هذه الآلية القانونية موجودة بالفعل في المملكة المتحدة، وفي الواقع، في الولايات المتحدة (في إطار "قانون ماغنتسكي")، ويشير الخبراء الى انه قد يظهر أيضًا في الاتحاد الأوروبي، ولكن حتى إذا أخذ مجلس الاتحاد الأوروبي الأمر على محمل الجد، فإن إدراج الروس في هذه القوائم لن يؤثر بشكل أساسي على مؤشرات الاقتصاد الكلي للاتحاد الروسي، وبالنسبة لإيقاف Nord Stream 2 - لم يبد للمرة الأولى، وللمشروع العديد من المعارضين في الاتحاد الأوروبي، ولكن في الواقع أعيقت بنائه عقوبات الولايات المتحدة، وليس دعوات البرلمان الأوروبي للعرقلة، ووفقا لهم، لن يكون من الممكن إعاقة المشروع .

كما يعرب الخبراء عن أعتقادهم، بانه من غير المرجح أن تنفصل روسيا عن نظام سويفت، لأن هذا يمثل خطرًا كبيرًا على سمعة نظام التسوية الدولي، لأنها منظمة دولية، مستقلة رسميًا، وكان هناك مثل هذا سابقة بعد هجمات 11 سبتمبر التي هزت مصداقية SWIFT بشكل كبير، وأشار يعرب رئيس لجنة مجلس الدوما للأسواق المالية أناتولي أكساكوف، إلى أن مثل هذا الإغلاق ممكن نظريًا، وقال "لكننا أعددنا لذلك بطريقة معينة "، وإذا كان الحديث عن السوق المحلية، أي أن جميع اللاعبين في الاتحاد الروسي يستخدمون النظام الداخلي لإرسال الرسائل المالية (SPFS) ، أما بالنسبة لاستخدام الروبل الرقمي، هذا أيضًا احتمال محتمل، لكننا بحاجة إلى ضمان أنظمة التوافق التكنولوجي، وهو اتفاق بين الدول.

ويشدد جيمس أندرو لويس خبير الأمن السيبراني في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن لرويترز إن الإجراء الأكثر صرامة قد يكون فصل روسيا عن نظام سويفت، والتي قد تضر بالمصالح المالية أو البنية التحتية للدول الصديقة للولايات المتحدة بادئ ذي بدء، فان الحديث يدور عن الاتحاد الأوروبي، حيث تحتل روسيا حوالي ثلث سوق الغاز وما يقرب من ربع سوق النفط، وكذلك صناديق الاستثمار العالمية، والتي، وفقًا لإحصاءات البنك المركزي، تمتلك 27٪ من سوق الغاز.

وبشكل عام لن تقطع بروكسل العلاقات مع موسكو على خلفية المواجهة الحالية، ووفقا للمحلل السياسي الألماني ألكسندر راهر، فانه يعبر عن تأكيده من أنه لا شيء يمكن أن يوقف هذا المشروع، ومن غير المرجح أن تقطع أوروبا العلاقات مع موسكو، بسبب نافالني، وسيبقى عاملاً مزعجًا، لأن حقوق الإنسان في أوروبا تظل إحدى النقاط الرئيسية، ومع ذلك، يدرك السياسيون الأوروبيون الجادون أنه من العبث تغيير العلاقة التاريخية بسبب شخص واحد، في حين سخر النائب الأول لرئيس اللجنة الدولية لمجلس الاتحاد فلاديمير دشاباروف من هذه العقوبات، واكد إن الاتحاد الأوروبي سيتعين عليه دفع ثمن النفط نقدًا في حقائب إذا تم فصل روسيا عن نظام سويفت.

وسخرية الوزير لافروف من ادعاءات الدول الشرقية واتهام روس في أحداث مضى عليها من الزمن وكما هو الحال في الادعاء البلغاري واتهامها بتورط مواطنين روس في سلسلة انفجارات وقعت بمصانع أسلحة بالبلاد منذ عام 2011، وإن الانفجارات تزامنت مع وجود هؤلاء المواطنين الروس على أراضي البلاد، ودمرت المنتجات العسكرية المخصصة للتصدير إلى جورجيا وأوكرانيا، معتبرة أن هدف أفعال المواطنين الروس كان وقف إمداد الذخائر لهاتين الدولتين، وأنه على مدى السنوات العشر الماضية، لم يكن الجانب البلغاري يعرف أي شيء وفجأة الآن، وبعد مزاعم التشيك عن انفجار عام 2014، قرر التفوق على هؤلاء وإعادة النظر بشكل أعمق في أحداث الماضي.. أو أنهم كانوا على علم طوال هذا الوقت بما حدث لكن لسبب ما لم يكشفوا عنه.

ان تسابق الدول الشرقية (سابقا ) ودول البلطيق، والتي باتت محط انتقاد حتى الدول الأوربية الاساسية، وترى في الدول الجديدة في الاتحاد بأنها تتسابق حتى مع بعضها، من اجل اظهار درجة الولاء والطاعة للولايات المتحدة الامريكية في إلحاق الأذى في العلاقات مع روسيا، بغض النظر عن مدى تأثير هذا الأذى على العديد من الدول الاوربية التي ترتبط بعلاقات جيدة مع موسكو كألمانيا وإيطاليا واليونان، وأخرى ترى مصلحتها في تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي والسياسي مع روسيا، لكنها مقيدة بالقرارات التي يتخذها الاتحاد الأوربي ، وتطورات الاحداث بعد ادعاءات تشيكيا ، وآخرها بلغاريا، باتت موضع سخرية لوزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف الذي قال ساخرا " أنه لم ينسب لروسيا بعد التورط في اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند، والذي أشعل فتيل الحرب العالمية الأولى في أغسطس عام 1914، وأضاف جيد أننا لم نُتهم بعد بقتل الأرشيدوق فرديناند، لكن من الواضح أن الأمور تسير في هذا الاتجاه".

 

د. كريم المفظر

 

تمر علينا هذه الأيام ذكرى اول حرب يخوضها الجيش العراقي مع طرف خارجي وهي الحادثة المعروفة بالتاريخ باسم (حركة الأول من مايس 1941) وكذلك تعرف باسم (الحرب العراقية البريطانية 1941) والمعروفة شعبيا باسم (دكة رشيد عالي). بالرغم من مرور سبعة عقود على تلك الحركة فمازال الكثير من وقائعها مخفيا ومازال هناك اختلاف حول تحديد ماهي طبيعة تلك الحركة . هل كانت ثورة تحررية ؟ هل هي انقلاب ضد النظام الملكي ؟ هل هي محاولة للتخلص من الفساد ؟ هل هي حركة وطنية ؟ اذن لنستعرض الوقائع ونحاول تحديد حقيقة تلك الحركة .

لمعرفة جذور الحركة لنحاول العودة الى الوراء قليلا في التاريخ الى بداية تأسيس الجيش العراقي عام 1921 . كان من ضمن قرارات مؤتمر القاهرة الذي عقد في 12 آذارسنة 1921 النظر في نوع وشكل القوات العسكرية التي ستقع عليها مسؤوليات الدفاع عن العراق في حال انسحاب القوات البريطانية . في 6 كانون الثاني –يناير سنة 1921 تقرر تأسيس جيش وطني عراقي من 5000 مقاتل، وتخصيص 15 % من إيرادات العراق العامة له على أن يزداد هذا المبلغ حتى يصل إلى 25 % سنويا .كما تقرر أن يعزز  بسبع اسراب من الطائرات البريطانية ترابط في قواعد إستراتيجية على أن تنسحب القوات البريطانية المحتلة بالتدريج.

قام المندوب السامي برسي كوكس بتشكيل اللجنة العسكرية البريطانية لتكون مشرفة على تشكيل الجيش العراقي برئاسة وزير الدفاع العراقي جعفر العسكري, وعضوية وزير التربية والتعليم، عزت باشا، ووزير المالية، ساسون أفندي والمقدم دينت. ممثل شعبة العينة، الرائد بويل وامين سر اللجنة النقيب كلايتون  . وفي 1 كانون الثاني 1921 التحق الميجر أيدي البريطاني الذي عينته السلطات البريطانية مشاورا للإدارة في وزارة الدفاع , والتحق بوزارة الدفاع في اليوم نفسه وكيل القائد (الرائد) محي الدين عمر الخيال وعمل الاثنان بتوجيه الوزير جعفر العسكري والمعتمد السامي البريطاني برسي كوكس على مفاوضة  مجموعة تتكون من 14 ضابط عراقي لتعيينهم والشروع في إنشاء الجيش العراقي  وهم " العقيد عبد الحميد بن احمد، المقدم عبد الرزاق بن ياسين الخوجة، المقدم شاكر عبد الوهاب الشيخلي، الرائد سعيد حقي، الرائد محي الدين السهروردي، الرائد بكر صدقي، الرائد توفيق وهبي معروف، عبد الرزاق حلمي، محسن بن علو، تحسين مصطفي العسكري والنقيب يوسف الباجة جي، النقيب يوسف حنظل" . وقد اقتصرت اللجنة على مجموعة الضباط الذين عرفوا باسم (الضباط الشريفيين) نسبة الى الشريف (حسين بن علي) شريف مكة في أواخر العهد العثماني وشاركوا معه في الثورة العربية ضد الدولة العثمانية .

استقرت تسميات المقر العام للجيش وتسمية رتب الضباط .كما حظر على الضباط الانتماء الى الأحزاب السياسية والتدخل في الأمور السياسية . انتقلت قيادة الجيش إلى البناء المعروف بأسم (المشيرية) في داخل القشلة على نهر دجلة حيث يقوم برج الساعة وفتحت دوائرها هناك في شباط 1921 . في 6 كانون الثاني 1921 تمت مناقشة فتح دوائر المقر العام للجيش .وتقرر في الاجتماع تأليف المقر العام من أربع دوائر هي : الحركات،والإدارة واللوازم والطبابة والمحاسبات في الأول من حزيران 1921 صدر قانون التطوع الذي نص على انه " يجوز لكل عراقي عمره بين 18-40 سنة التطوع للخدمة في الجيش " وفي التاريخ نفسه تألف أول (مقر) للتجنيد .وفي 19 تموز 1921 أرسلت أول قافلة من المتطوعين إلى "ثكنة الخيالة " وكان عددها 160 متطوعا ثم توارد المتطوعون وأصبح بالإمكان تشكيل أول فوج سمي ب(فوج موسى الكاظم) .وكان أول أمر له (العقيد الشيخ أمين) .واستأجر خان الكربولي في الكاظمية مقرا له في 17 اب 1921 .وفي 29 تشرين الثاني 1921 نقل فوج موسى الكاظم الى الحلة (مركز محافظة بابل حاليا) .وفي بداية تشرين الأول 1921 تشكل "صنف المدفعية " .آذ تشكلت أول بطرية للمدفعية العراقية وكان آمرها الرئيس الأول إبراهيم أدهم.

في 3 اذار 1926 عـلى أثر انتهاء النزاع على ولاية الموصل وضمها نهائياً الى الكيان العراقي مال البريطـانيون الى الأخـذ برأي جعـفر العـسكري حول استنان قـانون خدمـة العلم (التجنيـد الإجباري). وقام الفريق (أو. والي) رئيس الـبعثة العسكرية البـريطانية بوضع مـسـودة أو مـخطط للائحـة. وفي 24 من آذار 1927 قررت حكومة (العـسكري) تقديم هذه اللائحة الى مجلس النواب. الدافع الحقيقي هو قلة إقبال العراقيين على التطوّع وعـدم مبالاتهم بالجندية إضافة الى تطيّرهم التقليدي منهـا. وهو الذي أبقى الجيش العراقي طفلاً يحبـو على أربع طوال خمس سنوات فلم يزد ملاكه عن ثلاثة أو أربعة أفواج مـشاة مع كـتيـبة من الخيالة وبطريتي مدفعـيّة الى جانب عددٍ كبـير من ضباط الجيش العثماني السابق من بقايا الحرب الـعظمى لايعرف الحكم الجديد ماذا يعمل بهم " [1]. في 12 حزيران 1935 صدرت الإرادة الملكية بتطبيق قانون التجنيد الاجباري .

في بداية تشكيل الجيش حدد الملك (فيصل الأول) هدفه الأساسي من تأسيس الجيش بالقول " إني لا أطلب من الجيش أن يقوم بحفظ الأمن الخارجي في الوقت الحاضر، الذي سوف نطلبه هو أن يكون مستعدا لإخماد ثورتين تقعان لا سامح الله في آن واحد في منطقتين متباعدتين" [2]. وبالفعل استخدمت وحدات الجيش لأول مرة ضد سلسلة من الحركات المناوئة للسلطة كالحركة الأثورية التي حدثت في صيف 1933م، وحركات بارزان واليزيدية في شمال والحركات العشائرية في وسط وجنوب العراق العراق[3] .

في عام 1933 حصلت مذبحة الآشوريّين، وهو العمل الذي ارتبط باسم بكر صدقي، الضابط الذي ما لبث، في 1936، أن نفّذ أوّل انقلاب عسكريّ ناجح في العالم العربيّ. بسبب غياب الملك في حينها للعلاج فقد كلف الحكومة بالتعامل معها مؤكدا بان ما حدث في العراق بـ(الإضراب العام) سنة 1930 ينبغي كما قال "ان يجعلنا نغير حساباتنا ونضع بالاعتبار كيفية إخماد مثل هذا الإضراب وكذلك لابد من أخذ العبرة من إحداث ثورة الشيخ محمود البرزنجي.  ومعرفة قدراتنا في مواجهتها وما عانته الدولة بكل حزم ودون تهاون" . صرح  الملك (فيصل الأول) في جريدة (ديلي ميل) في بداية أيلول 1933 وصف بها احداث الاشوريين بانها "أقلية أشورية تريد الاستقلال السياسي وهذا يعني خراب البلد والإطاحة بالنظام". وتحت التهديد بانتفاضة، سقطت حكومة جميل المدفعي، إذ استقالت في 15 مارس من العام نفسه، وكُلّف ياسين الهاشمي بتشكيل حكومة تولّى فيها رشيد عالي الكيلاني وزارة الداخليّة. حاول الهاشمي كرئيس للحكومة منع مواكب محرّم، وانزاح الوضع برمّته إلى حافّة الانفجار المسلّح. وبالفعل ففي 6 مايس، وبعد اعتقال رجل دين شيعيّ، ثارت بضع عشائر وأُعلنت أحكام عرفيّة، كما قصف الطيران العراقيّ لواء الديوانيّة قبل أن تنضمّ عشائر سوق الشيوخ والناصريّة إلى التمرّد، فقُطع خطّ سكّة الحديد بين البصرة والناصريّة وتمّ احتلال مدينة سوق الشيوخ. وإذ أبدت حكومة الهاشمي استعدادها للتفاوض فإنّها ما لبثت أن غلّبت الخيار العسكريّ لإخضاع المتمرّدين.

ذكر المؤرخ عبد الرزاق الحسني في موسوعته المعنونه (تاريخ الوزارات العراقية) احداث الديوانية وسوق الشيوخ بقوله "لايوجـد احصاء رسمي بعدد القـتلى والجـرحى من الاهالي كما أننا لانعلم شيئاً عن عـدد خسـائر الجـيش. وقد أكـدّ لنا عليـم... بأن عدد القـتلى من الأهالي والجـيش والشـرطة قـد بلغ زهاء سـتمائة. إن كـاتب هذه السطور شاهد مـشانق علّق عليـها أربعة من أصل عـدد آخر في مدينة الناصرية. كمـا اتيحت له زيارة لسـوق الشيوخ بعـد نهـاية الحركـات ليـشهـد منظراً واحـداً من الاجـراءات التأديبية. كانت البـلدة قد عـريت تماماً عن غابات النخيل المحيطة بها التي تحجبها عن أعين القادمl اليها. فقد نفذ آمر القوات بكر توصية رشيد عالي الكتابيّة بأمانةٍ وجرّد أكثر من عشرة آلاف نخلة من أغصانهـا وفروعهـا ولم يبق منها إلا أجذاع قائمة. وهذا ما رأته عـيني"[4] . كما يذكر الحسني " شاع في الأوساط يومـئذ أن قيادة القوات التأديبية في لواء الديوانية والقائد الفـريق بكر صدقي - أصدر الاوامـر بوجـوب قتل الأسـرى والأطفـال من الثـوار الذين يقـعـون بيد الجـيش. فـشـخص وزير الدفـاع جعـفـر العسكري الى الـديوانية بنفسـه للتحقـيق في صحة هـذه الشائعات لكنّ تقـريره بقي مكتومـاً. فلما دالت ايام الوزارتl الهــاشـمـيـة الـثـانيـة والسـليـمـانيــة سـمـعت من رئـيس الديوان الملكي رستم حيدر يقول إنه آسف لتكذيبه هذه الشـائعات في حينه بينما تحـقـقـت صـحـتـهـا بعـدئـذ. وكـان السـيـد رشـيـد عـالـي حـاضـراً هذا الحديث" [5]. وذكر اللـواء (الركن ابراهيم حمدي الراوي)  " فانه (اي بكر) كان قـد أصدر أمراً عـسكريّاً صارمـاً بان لاتستـخدم اية شفقـة أو رحمة مع الثائرين. وعلى الـعكس أن تحرق مزارعهم وهي المعـوّل عليها في معاشهم وأن يقتل أي أسيـر أو جريح وتهدم بيوتهم " [6]. وقـال جيمس مورّي " تم اخماد هذه الثورات بالعنف ومن دون رحمة أو هـوادة. وكــان بطـلهــا بـكر صــدقـي الذي قــضـى على الآشـــوريين في 1933 .كانت قـواته تزحف على مناطق الثورة فوراً فـتبطش وتضرب وتـقتل وتذبح. ثم تعتـقل المئات وتشنق العشرات من دون محاكمة أو بعد محاكمات عسكرية صورية " [7]. شهد عام 1935 اول مقبرة جماعية في تاريخ العراق الحديث حيث قام الفريق بكر صدقي العسكري الذي كان مسؤولا عن مذبحة الاشوريين عام 1933 وخلال الانتفاضة الممتدة مابين الرميثة والسماوة باسر ثلاثين عراقي من الثوار وامر باعدامهم رميا بالرصاص ومن ثم دفنهم في مقبرة جماعية من قبل بلدية لواء الديوانية[8] .

في عام 1936 حدث اول انقلاب عسكري قاده الفريق بكر صدقي العسكري ونتج عنه مقتل مؤسس الجيش الفريق جعفر العسكري. وكان هذا الانقلاب أول تدخل فعلي لفصيل من القوات المسلحة في الحياة السياسية العراقية وبالتعاون مع جماعة وطنية وديمقراطية عراقية مثل جعفر أبو التمن وكامل الچادرچي وعبد الفتاح إبراهيم. وإذ رفض في البداية كل من محمد جعفر أبو التمن وعبد الفتاح إبراهيم استخدام القوات المسلحة للوصول إلى السلطة، إلا إن محمد جعفر أبو التمن قد تراجع عن موقفه ووافق المشاركة في الانقلاب، في حين استمر عبد الفتاح إبراهيم رافضاٌ مبدئياً وكلياً وبإصرار مشاركته ومشاركة الجماعة في تنفيذ الانقلاب، باعتباره خرقاً للدستور وتجاوزا على الديمقراطية ومهمات القوات المسلحة العراقية، إضافة إلى إنها بادرة ستجر بعدها انقلابات أخرى، وكان على حق كبير. وقد سقط النظام بعد اغتيال قائد الانقلاب بكر صدقي بالموصل في العام 1937. وقد وصف ناجي شوكت حكم (بكر صدقي) فقد كتب مايلي " استولى على الحكم طاغية شرير يكره العرب سفاك للدم مغرور غاية الغرور ولا يعلم غير الله وحده مايكون مصير العراق "  [9].

بعد مقتل بكر صدقي واستقالة حكومة حكمت سليمان سارع الملك غازي إلى تكليف (جميل المدفعي) بتأليف الوزارة الجديدة، بناء على طلب امر حامية الموصل اللواء (امين العمري) الذي هدد بالعصيان اذا لم يتم تكليف المدفعي . وبالفعل صدرت الإرادة الملكية بتكليف المدفعي في 19 آب 1937 .ولكن نوري السعيد تمكن بعد عودته الى بغداد من اقناع العقداء الأربعة ((صلاح الدين الصباغ) و (فهمي سعيد) و (كامل شبيب) و (محمود سلمان) من تأييده لاقالة المدفعي وتكليف السعيد بتشكيل الوزارة . واستطاع أن يرتب الأمر مع العقداء الأربعة للقيام بانقلاب عسكري لإسقاط الحكومة، وحدد له موعداً في 24 كانون الأول 1938، وقام العقداء المذكورون بتهيئة قواتهم للقيام بالحركة، أرسلوا العقيد (عزيز ياملكي) إلى جميل المدفعي يطلبون منه الاستقالة فوراً.كما أرسلوا الفريق [ حسين فوزي ] رئيس أركان الجيش، وهو من المشاركين في التمرد على الحكومة، إلى الملك غازي ليطلب منه إقالة حكومة المدفعي.[10]  واضطر الملك غازي تحت ضغط العسكريين إلى تكليف نوري السعيد بتشكيل الوزارة الجديدة[11]. في مساء الثالث من نيسان 1939 توفي الملك غازي في حادث سيارة كان يقودها بنفسه، كتب (احمد حسن الزيات) واصفا عهد الملك غازي "من اجل ذلك امتحن الله ارض الفراتين بالقوة الغشوم فحكم الجيش واستبد الطيش واضطرب العيش وسلطت الايادي المجرمة على عباقرة الامة"[12].

في هذه الاثناء، وصل الحاج امين الحسيني مفتي القدس إلى بغداد افي 15/10/1939[13]. وفور وصوله، اجتمع حوله أعضاء "الحركة العربية" السرية التي أسسها في بيروت سنة 1935 الدكتور قسطنطين زريق ومعه فؤاد مفرج وشفيق جحا وآخرون. والتي انتقل مقرها الى بغداد بعد ان تولى (درويش المقدادي) رئاسة الحركة، وتم تسليم رئاسة الحركة الى (الحاج أمين الحسيني) . يقول فوزي القاوقجي في مذكراته: " لما وصل (المفتي) إلى بغداد التف حوله القادة من الضباط ولازموه، وأُحيط بكثير من الترحاب والاحترام من جميع الأوساط العراقية، حتى أصبح مسكنه مقرًا للقواد الأربعة والضباط والوجهاء والعشائر، وارتفع بذلك إلى مستوى الزعماء الفاتحين، حتى أنه عندما حصل خلاف بين القبائل العراقية انتُدب المفتي لحل(المسألة) ولتسويتها. وهذه الناحية كانت نقطة ارتكاز للانطلاق إلى هدفه في زعامة العراق . ومن هنا فاتح المفتي صلاح الدين الصباغ في موضوع أن يكون العراق مركز الزعامة العربية لتحقيق وحدة عربية شاملة، وتكون أول مرحلة إزالة الوصي، وأن يأخذ المفتي مكانه لتنفيذ مشروع الوحدة . وفي يوم من الأيام حضر لعندي صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد، وأطلعاني على عزمهما إقالة الوصي وطرده، وأنهم ذاهبون الآن للتنفيذ، فبُهت  ولم أصدق، وقلت لصلاح الدين: إنك تلعب بالنار، وإن إقدامك على هذا الأمر سيشق العراق، وستحدث فيه ثورات لا تُطفأ نارها. وأخبرني صلاح إن سماحته متفاهم مع زعماء سورية على إنشاء اتحاد من العراق وسورية ينطلق منها إلى إنقاذ فلسطين" [14].

كلف طه الهاشمي بتأليف الوزارة الجديدة للفترة من (31 كاںون الثاںي 1941 – 1 ںيسان 1941) [15] . ردا على ذلك تم تأسيس "اللجنة العربية السباعية" في 28/2/1941، وكانت قيادتها تتألّف من سبعة أشخاص هم: أمين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني ويونس السبعاوي وناجي شوكت وصلاح الدين الصبّاغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان. وهذه المجموعة السرية ائتلاف بين أربعة تشكيلات سياسية وعسكرية: مجموعة رشيد عالي الكيلاني، ومجموعة الحاج أمين الحسيني، ومجموعة الحركة العربية السرية الذي يترأسها المحامي يونس السبعاوي، ومجموعة العقداء الأربعة: فهمي سعيد وكامل شبيب وصلاح الصباغ ومحمود سلمان [16]. وكان الحاج أمين الحسيني يعرف العقداء الأربعة منذ العام 1915 حين التحق بكلية ضباط الاحتياط في تركيا عندما استُدعي إلى الخدمة الإلزامية فور إعلان تركيا انحيازها إلى ألمانيا وإعلانها الحرب على الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وعُين بعد إنهائه دورة الضباط الاحتياط (9 شهور) في الفرقة 46 المرابطة في أزمير. وعن هذا الاجتماع يقول (صلاح الدين الصباغ) "في اليوم الثامن والعشرين من شهر شباط [فبراير] عام 1941 اجتمع السادة مصطفى وعبد العزيز وأحمد ورضوان وفرهود وجاسم وفارس، وهذه أسماء مستعارة لكرامٍ ليس بوسعي الآن أن أذكر أسماءَهم، ولهم مكانة سامية بعين أرباب القوة الإجرائية والسياسية في العراق وفلسطين وسورية، ولهم ارتباط وثيق بباقي الوطنيين من أحرار العرب في تلك الأقطار، والذين يرتبط معهم [طه] الهاشمي بعهد وميثاق. أما العمدة وموضع الثقة فكان مصطفى، وقد ارتبط الجيش [العراقي] به منذ بضع سنين، وهو الذي كفل عبد العزيز وربط به الجيش. وكان قَسَمٌ عظيم تلاه كل واحد من المجتمعين جهرًا، يعاهد الله على أن يجعل من مضمون القَسَم نبراسًا يسير على هديه في كل تصرفاته، وأن يعمل بكل ما أوتي من قوة لإنقاذ البلاد العربية، وأن ينبذ الخلافات الناشئة عن الأنانية والحزازات الشخصية، وأن يكون مصطفى ناظمًا لنا ورئيسًا مطاعًا" [17]. وكانت من ضمن قرارات اللجنة السباعية تشكيل لجنة للتعاون مع البلدان العربية التي ضمت في عضويتها "رشيد عالي الگيلاني وناجي شوكت وناجي السويدي ويونس السبعاوي والعقداء الأربعة والعقيد إسماعيل حقي من العراق، وشكري القوتلي وعادل أرسلان وزكي الخطيب من سورية، ويوسف ياسين وخالد الهود من العربية السعودية"[18]. وهي لجنة علنية اعتبرت قاعدة لنشاطها العلني بين الأوساط العراقية ولتعزيز تحركها الشرعي على الأقطار العربية الأخرى. كما تقرر في شهر شباط من عام 1941، وقبل تسلم رئاسة الوزراء من قبل رشيد عالي الكيلاني، تشكيل حزب سياسي سري باسم حزب الشعب، كما منح كل عضو في هذا الحزب اسماً حزبياً سرياً[19]. وقد بين (ناجي شوكت) الأسماء الحقيقية لهذه الشخصيات فكان ناجي شوكت (أحمد) وصلاح الدين الصباغ (رضوان) ورشيد عالي الكيلاني (عبد العزيز) ويونس السبعاوي (فرهود) وفهمي سعيد (نجم) ومحمود سلمان (فارس) والحاج امين الحسيني (مصطفى) [20]. وضم الحزب أيضاً المجموعة التالية من الأعضاء: محمد علي محمود وداود السعدي ومحمد حسن سلمان وعثمان حداد. وكانت المجموعة، التي أقسمت اليمين على الإخلاص للقضية التي تناضل من أجلها وللحزب الذي أسسته سراً حتى النهاية، تجتمع باستمرار لاتخاذ القرارات المناسبة، وهي التي قررت تنفيذ الانقلاب الذي وقع في الأول من مايس عام 1941. وشكل الحزب القومي السري جناحاً عسكرياً ضم في عضويته صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان وغيرهم[21]. تقدم كل من رشيد عالي الكيلاني، ناجي شوكت، علي محمود الشيخ علي، يونس السبعاوي، محمد علي محمود، داود السعدي، والدكتور محمد حسن سلمان،بطلب رسمي بتاريخ 27 آذارعام 1941، إلى وزارة الداخلية لتكوين حزب سياسي باسم (حزب الشعب) قبل استقالة وزارة العميد طه الهاشمي دون أن يجاب الطلب[22].  كما قامت اللجنة السباعية بتشكيل مليشيات باسم (كتائب الشباب) لتأخذ على عاتقها تعبئة الشباب وراء الحركة ودعم حكومة الگيلاني ومساعدتها في قبول متطوعين لمواجهة التعبئة العسكرية البريطانية وعملياتها العسكرية بالعراق، وضمان تقديم المساعدة لأسر الشهداء والجرحى. "وكان نواة كتائب الشباب، كما يشير إلى ذلك السيد عبد الجبار حسن الجبوري وفق الوثائق المتوفرة، طلاب كليتي الحقوق والطب ودار المعلمين" وكان يشرف على هذه الكتائب "محمد درويش المقدادي (الرئيس) وإبراهيم شوكت وواصف كمال وسليم محمود الأعظمي وعبد الرحمن البزاز وعباس كاشف الغطاء وحسن الدجيلي وعبد الكريم كنونة وعبد المجيد القصاب". (عبد الجبار حسن الجبوري، الأحزاب والجمعيات السياسية في القطر العراقي 1908-1958. مصدر سابق. ص 106). وقامت الحكومة بإرسال ضابط عسكري للقيام بتدريب أفراد الكتائب، وهو الرئيس الأول سامي عبد القادر.

وللوقوف ضد مخططات اللجنة العربية طلب رئيس البعثة العسكرية البريطاںية في العراق (جي.هاوس) من رئيس الوزراء طه الهاشمي اضعاف ںفوذ العقداء الاربعة فصدرت اوامر بںقل كل من العقيد كامل شبيب من قيادة الفيلق الاول في بغداد الى الديواںية، وصلاح الدين الصباغ الى ديالى بتار يخ الثالث والعشر ين من اذار من العام ںفسه، مما اثار حفيظة العقداء الاربعة الذين سارعوا الى عقد اجتماع لهم في معسكر الرشيد بتاريخ الاول من ںيسان من العام ںفسه، بحضور رشيد عالي الكيلاںي وقرر المجتمعون اعلان حالة الطوارئ [23] الامر الذي ادى الى هروب الوصي عبدالاله في المساء اليوم ںفسه الى السفارة الامريكية ومن ثم الى قاعدة الحباںية وںقل جوا الى البصرة [24] واجبر طه الهاشمي على تقديم استقالته  في اليوم ںفسه، وفي اليوم التالي وصل السفيرالبريطاںي كورںواليس الى بغداد.[25]

اعلن عن تشكيل مجلس الدفاع الوطںي برئاسته وعضوية جميع قادة الفرق العسكرية، فضلا عن قائد القوة الجوية ومدير الحركات العسكرية ويونس السبعاوي وعلي محمود شيخ علي بتاريخ الثامن من ںيسان عام 1941 [26]. كما دعي مجلس الامة للاجتماع بتاريخ العاشر من ںيسان من العام ںفسه، وصوت على عزل عبد الاله من وصاية العرش وتعيين الشريف شرف بدلا عںه، كما صدرت ارادة ملكية بقبول استقالة طه الهاشمي في اليوم ںفسه [27].

قررت رئاسة اركان الجيش ارسال القطعات العسكرية المتمركزة في الفلوجة بتاريخ السادس عشر من الشهر ںفسه، والتي قدرت بحدود خمسة عشر سيارة محملة بجںود المشاة مع كامل التجهيزات العسكرية الى الحباںية، ولم يبقى في الفلوجة سوى مائة جںدي مع بعض السيارات العسكرية التي لا يتجاوز عددها سبع سيارات فضلا عن تحريك البدالة المتںقلة الى اماكن اخرى من الفلوجة، وںقل سلاح الرشاش  الى الضفة اليمںى من ںهر الفرات القر يبة من جسر الفلوجة ووضع مدفع واحد ضد الدبابات عليه، مع تمركز بعض القطعات العسكر ية في الخيام اسفل جسر الفلوجة، وكل تلك الاجراءات كان الغرض مںها تامين الطريق الواصل بين الفلوجة والحباںية واتخاذ اجراءآت دفاعية في حالة تعرض الفلوجة  لاي هجوم معادي[28]، كما تم تامين الطريق الرابط بين الفلوجة و بغداد و تقوية الدفاعات العراقية داخل بغداد والمںاطق المحيطة لها اذ وصل عدد القوات الى اربعة عشر فوج وبحدود ستين مدفع . بدأت ںقاط الجيش العراقي تضيق الخںاق على حركة القوات العسكر ية البر يطاںية بين قاعدة الحباںية والسفارة البر يطاںية في بغداد مرورا بالفلوجة، مما دفع رئيس البعثة العسكرية البريطاںية في العراق الجںرال (جي.هاوس) الى تقديم احتجاج الى وكيل رئيس اركان الجيش العراقي امين زكي حول ذلك ولتخفيف حدة التوتر اصدر اįخير اوامره بعدم التعرض للقطعات البريطاںية الامر الذي ادى الى فسح المجال لتقوية الدفاعات حول السفارة البر يطاںية في بغداد بعد ںقل الامدادات من قاعدة الحباںية اليها من اسلحة وذخيرة واسلاك شائكة واكياس رملية محملة على لوريات تابعة للقوات البر يطاںية [29].

استمرت التعز يزات العسكرية المتوجهة من بغداد عن طريق الفلوجة الى الحباںية وبحلول مساء الاول من ايار كان مجموع القطعات العسكر ية المتواجدة بين الفلوجة والحباںية احدى عشرة فوجا وبحدود ستين مدفع و تسعة آلاف جںدي [30]، من مختلف المراتب متمثلة بالقوة الالية ولواء مشاة الثالث والرابع والحادي عشر وقسما من لواء مشاة الاول ولواء مدفعية الميدان السابع والبطرية المتوسطة من لواء المدفعية الميدان الثالث واكثر من بطرية من لواء المدفعية الميدان السادس، وكان اخر حركة للقوات العراقية في مساء اليوم الاول من ايار عام 1941،اںدفاع قطعات عسكر ية مںها باتجاه ضفة ںهر الفرات شرق معسكر، الحباںية، اما القوة الجوية العسكر ية العراقية تركز وجودها في ثلاث مطارات هي الرشيد وكركوك والموصل [31]. وتألفت القوات البر يطاںية في قاعدة الحباںية من قوات من المشاة لا تزيد عن ثلاثمائة وخمسين جںدي، فضلا عن قوات مدرعة مكوںة من ثماںي عشرة مدرعة وبحدود الف جںدي مختلف المراتب مسلحين ببںادق لكںهم غير مںظمين على القيام بالحركات، وست سرايا من الليفي اغلبهم من الاثوريين، وعدد من افراد القوة الملكية البريطاںية وكاںت مهمة هذه القطعات حماية جبهة القاعدة التي البالغة بحدود سبعة اميال [32]. اقتصر تعز يز تلك القوات جوا، اذ تم ارسال الكتيبة الملكية الاولى من البصرة الى الحباںية [33]، وعلى الرغم من التهديدات التي اطلقها القادة العراقيين الا اںهم لم يوجهوا اي ضربة جوية لحركة الطيران البر يطاںي الذي استمر دون توقف، كما اںهم لم يسيطروا على قاعدة الحباںية التي كان عملا . ميسرا لهم بسبب ضعف الدفاعات البر يطاںية وذلك ما اكدته تقار ير القادة البر يطاںيين [34].

انتهت الحركة الانقلابية بمغادرة مجموعة القيادة العسكرية والسياسية البلاد, ولاسيما القيادة الحزبية التي قادت العملية سياسيا وعسكرياً، وكانت تقف على رأس الحركة أثناء العمليات العسكرية بين القوات البريطانية والقوات العراقية. وعقد آخر اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة رشيد عالي الگيلاني في 27 مايس/أيار من عام 1941 [35] ثم صدر عنه قرار تشكيل (لجنة الأمن الداخلي في العاصمة والطوارئ) حيث تم انتخاب أمين العاصمة رئيساً لها. وهي اللجنة التي وقعت اتفاقية الهدنة مع القوات البريطانية، والتي بدأت مفاوضاتها لوقف زحف القوات البريطانية على بغداد التي تمت في 31/5/1941. وفي التاسع والعشرين من مايس/أيار، غادر رشيد عالي الگيلاني بغداد، وكذلك المفتي الحاج أمين الحسيني باتجاه إيران. وكان آخر من غادر العراق من المجموعة القيادية على الأرجح، هو السياسي البارز والمتميز في الحركة الانقلابية ووزير الاقتصادي محمد يونس السبعاوي. إذ أنه واصل العمل في بغداد، وأعلن نفسه حاكماً عسكرياً لمنطقة بغداد والمنطقة الجنوبية، وطالب باستمرار المقاومة ضد القوات البريطانية. ولكن لجنة الأمن الداخلي، استطاعت إقناعه بعدم جدوى المقاومة، وطلبت منه مغادرة البلاد باتجاه إيران[36]. ثم بدأت بعدها التفاوض مع القوات البريطانية لغرض إعلان شروط الاستسلام. وعلى أثر ذلك حلت كتائب الشباب، ومنها مجموعة الدفاع عن السبعاوي (حرس السبعاوي-الفدائيون) [37]. وجدير بالذكر هنا أن السبعاوي، عمد إلى تشكيل ثلاث منظمات شبابية شبه عسكرية لحمايته، والدفاع عن الحركة الانقلابية، والتصدي للقوات البريطانية الزاحفة صوب بغداد، وهي (كتائب الشباب) و (الحرس الحديدي) و(فدائيو يونس السبعاوي)[38]. أعلن في بغداد عن انتهاء الانقلاب، وسيطرة القوات البريطانية على بغداد وعموم العراق، وعن عودة عبد الإله إلى العاصمة. وبدأت عمليات اعتقال وتقديم المسؤولين عن الحركة - بعضهم كان ما يزال في بغداد وبعضهم الآخر كان قد غادرها - إلى المحاكمة. حيث حكمت على المسؤولين المباشرين بالإعدام؛ وهم العقداء: صلاح الدين الصباغ، وفهمي سعيد، ومحمود سلمان، وكامل شبيب فيما بعد، ويونس السبعاوي. ونفذ الحكم بهم في أوقات مختلفة. وحكم بالإعدام على رشيد عالي الكيلاني الذي لجأ إلى السعودية وبقي فيها, فنجا من الموت[39]. كما أصدرت المحكمة أحكاما أخرى بالسجن لفترات مختلفة على عدد من الذين اتهموا بمشاركتهم بالحركة الانقلابية، أو بتأييدهم لها ودفاعهم عنها. وللعلم فقد شمل الاعتقال والتقديم إلى المحاكمة، أشخاصاً لا يمتون إلى التيار السياسي القومي مباشرة، وطالت المحاكمة أشخاصاً آخرين لم تكن لهم مشاركة فعلية في أحداثها [40].

ناتي الان الى الأسئلة التي تم طرحها في البداية لتحديد حقيقة حركة مايس 1941 ونحاول الإجابة عليها فهل كانت الحركة محاولة للتحرر من الاحتلال البريطاني او التبعية للقرار البريطاني او التخلص من اتفاقية عام 1930 مع بريطانيا ؟ من وقائع الاحداث يتبين ان حكومة الدفاع الوطني وقادتها لم يعترضوا على اتفاقية عام 1930 بل اعلنوا التزامهم بها واحترامها وعندما نزلت اول دفعة من القوات البريطانية في البصرة لم تعترض عليها الحكومة العراقية .

هل كانت الحركة موجهة ضد النظام الملكي ؟ والاجابة أيضا كلا لان الحكومة أعلنت تمسكها بالنظام الملكي وعينت وصيا جديدا على العرش . فهل كانت الحركة ضد الفساد الذي كان مستشريا في الدولة والحكومة ؟ الوقائع اثبتت ان الكتلة العسكرية قد تعاونت مع عدد من الشخصيات السياسية المحلية والعربية، فتعاونت مرة مع نوري السعيد ومع ياسين الهاشمي ومع طه الهاشمي وقد كانت قمة التعاون مع الحاج امين الحسيني.  وقد فرضت هذه الكتلة عددًا من الوزارات وساعدت على اقالة واستقالة عدد من من الوزراء [41].  واذا كان الوزراء التقليديون في تلك الفترة يعتمدون من اجل استمرارهم بالحكم على العشائر لتثبيت سلطتهم، او لاسقاط معارضيهم، فان الزعماء في العرق قد اعتمدوا على الجيش بدلا من العشائر ان رشيد عالي الكيلاني الذي اختارته مجموعة الضباط يعتبر واحد من اكبر رموز الفساد في النظام الملكي كما اثبتت الوثائق العراقية والبريطانية . فقد استغل وجود ثغرات في قانون العقارات والأراضي الأميرية ليستحوذ على مزارع وارضي زراعية شاسعة في عدة محافظات.. إضافة الى استحواذه على مناطق راقية في بغداد والأعظمية.. وقد ثبتها المؤرخ عبد الرزاق الحسني في كتابه "تاريخ الوزارات العراقية".. ولم يستطع نوري السعيد رئيس الوزراء من إعادتها الى الدولة.. بعد فشل حركة رشيد علي الكيلاني في العام 1941 لان الكيلاني استطاع تسجيلها بشكل أصولي مستغلا منصبه. وقد بلغت املاكه التي تم حصرها عام 1958 حوالي 2458 دونم في بغداد فقط [42]. وبذل الكيلاني عظيم الاهتـمام بتـحسين اوضاعـه المالية. وحاول الانتصاف لنفسه ولاسرته من (عبـدالرحمن النقيب) بشخص ورثته لحرمـانهم من نصيـبهم من الوقف. فـانتهـز فرصـة إسناد وكـالة وزارة العدليـة اليه في اوائـل العام 1936 لينتـزع بشكل ابتزازي وبالتهديد ايجارات وايرادات من مـسـتأجري مـسـقفات الاوقاف القادرية على مرقـد الامام ومساجده. وقد بات عمله هذا حديث المجالس البغدادية ودوائرها السيـاسية والدينية كما وصـفه الحسني في تاريخه. لم يقف بالأمر عند هذا الحـد فقد قام بإصدار قـرار تولية جديد لتلك الأوقاف يقضي بتجزئة التولية بينه وبين المتولي الأصيـل وهو عـمل مخالف للاصول سابقة له في تاريخ الوقف واستمر في استلام عائدات الوقف حتى سقطت وزارته وخرج من العراق. واسـتخدمت حكومة انقلاب (بكر صدقي) هذه الفضـيحة خير استـغلال وشـهـرت به واسرع (حكمت سليمان) بالغـاء قـرار التولية فور استلامه السلطة[43] . ينقل عن حــديث لعــبـدالـرزاق الشـيــخلي سـكرتيـر وزارة الـعـدليــة والنائب فـيما بعـد: حدثني قـال «كنا نحن الشبـاب مغـرورين (برشيـد عالي) فـالتففـنا حوله وسرنا فـي ركابه حتى ظهـر لنا بعد ذلك بوجهـه الصحيح. اذ وجدناه رجـلاً انانياً طامعـاً يستسيغ كـل عمل في سبيل تحـقيق مرامـيه الشخـصية. وكـان استيلاؤه عـلى الاراضي الزراعية وقـبضه على تولية الاوقاف القادرية من السـيد (عـاصـم) نقـيب الاشــراف. واشـتـراكــه مع (جـورج عــابدين) اللبناني في محاولته السيطرة على التــجـارة العراقيـة مع اليابان واتفق مع عقداء الجيش بعد اعلان الحرب العالمية الـثـانيـة 1939 لكي يستأثر بالحكم. لكنه اصبح اسيـراً في قبضتهم يسيّرونه بالوعيد والتهديد حسب اهوائهم ويفرضون عليه ارادة المفتي الحاج امين الحسيني [44].

وفي تقرير من السفير البريطاني الى وزارة الخارجية في 30 كانون الثاني 1936 "ان انطباعي عن (ياسين) انه مخلص النية. إلاّ ان ما عوّقه عن وضع نواياه موضع تنفـيذ هو وزير داخليـته (رشيد عالي) رجل غير محبوب وغير لائق. كانت له احـقاد شـخصيـة ما لبث ان أرخى لهـا العنان هنا وهناك وسـمح لها بأن تغير من سير العدالة". ومن تقرير بعث به (بيثـمان) السفير بالوكالة الى (انطوني ايدن) وزير الخارجية بتـاريخ 29 تموز بخـصوص وفـاة السـيد (محمود) نقيب الاشراف ومتولي الاوقاف القادرية " الجانب الذي يثير اكثر التعليق حول صـدور الارادة الملكية بتعين السـيد (عاصم الكيلاني) نقيباً لاشراف بغداد ونصب (رشيد عالي الكيلاني) متولياً للاوقـاف القادرية ومـسجد الكيلاني هو فـصل وظيـفـة نقـيب الاشراف عن وظيـفة المتولي. وهو ما لم يحصل من قبل. إن شـرعية هذا العمل أمـر مشكوك فيـه. في العام 1927  وعلى اثر وفاة (عـبدالرحمن النقـيب) حاول جمـاعة من الاسرة الكيلانية يتزعـمهــم (رشيـد عالي) عــزل خلفه عن التولية لكنه اخفق بتدخل مـن السفير (هنري دوبس) الذي شعـر بخطورة الأمر وما سيخلفه ذلك من انطباعات سيئة فـي الدول الاسلامية وخاصة في الهند اذ حال دون ذلك... والآن فأنّ كثيراً من الناس سـيحسدون (رشيد عالي) للمورد المالي الجـديـد. [اقـتـرح في نهـاية تقــريره عـدم تدخل حكومته واهمال اي احتجاج حول مسألة الفصل يقدم لها" . وفي 9 من كانون الأول 1936بعث السفيـر البريطاني تقريراً عن مقابلة جرت له مع (حكمت سليمان) الذي ذكر له ان (رشـيـد عـالي) اسـتـولى عـلى مـسـاحـات كـبـيـرة من الاراضي الصـالحـة للزراعـة باستـغلاله نفوذه في جهـاز تسوية حقوق الاراضي. كـما استغل الى حـد كبير منصـبه كوزير عدليـة بالوكالة فضلاً عن وزارة الداخلية لابتزاز المال من مستأجري الاملاك الموقوفة القادرية بوصفه متولياً.

وقد وصل الفساد الى أجهزة الجيش والشرطة في ظل حكومة الدفاع الوطني فيذكر عثمان كمال حداد سكرتير المفتي امين الحسيني الاب الروحي لحركة رشيد عالي الكيلاني وقائدها الحقيقي عن محمود سلمان قائد سلاح الجو وبحسب ما ورد في كتاب (حركة رشيد عالي) بان زملائه، أي زملاء محمود سلمان، اتهموه بانه قد جرد سلاح الجو العراقي من احسن الطيارين لأغراض شخصية وانه اعتمد المحسوبيه في تكوين سلاح الجو [45].   كذلك يذكر عثمان الحداد في كتابه ان العقيد كامل شبيب اختفى في اول أسبوع من القتال عام 1941 ولم يذهب الى ميدان القتال وانه لم يكتفي بانهيار اعصابه بل اثر على رئيس الأركان صلاح الدين الصباغ الذي انهارت اعصابه أيضا [46]. كذلك اشتكى صلاح الدين الصباغ من فقدان السيطرة على القتال بقوله  " مخالفة فهمي السعيد لاوامري الصادرة اليه فهو بدلا من ان يمسك راس جسر الفلوجة وصدر السرية والرمادي ذهب من تلقاء نفسه واشغل التلول المحيطة بسن الذبان " [47]. ويقول في نفس المصدر " ولكن فهمي اجل هجومه يوما بعد يوم حتى هجم الإنكليز أخيرا بفوج واحد اتجاه عشرة فغلبوا قوات فهمي لانه اهمل الوصايا التي أصدرتها بشأن اتخاذ تدابير الدفاع وتوزيع القوات عندما كان يحاصر سن الذبان " [48]. بالإضافة الى ذلك يذكر عثمان كمال ان انعدام الكفاءة بين قادة الحركة قد وصل الى تضليل القوات الألمانية التي حاولت تقديم الدعم الجوي فبعد ان تعهدوا للقوات الجوية الألمانية بتوفير وقود طائرات تكفي عدة اشهر وبعد وصول الطائرات الألمانية اكتشفوا ان الوقود المخزون كان وقود سيارات لايصلح للطائرات .

اذن يمكن القول ان حركة مايس عام 1941 بالرغم من كل الاوصاف التي حاول البعض اطلاقها عليها لم تكن في الحقيقة اكثر من محاول من مجموعة من الضباط التخلص من هيمنة الضباط (الشريفيين) الذين تحكموا بالبلاد منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، ومحاولة التحكم بمقاليد الحكم وعندما لم يحصلوا على تأييد القوات البريطانية حاولوا الاستعانة بالقوات الألمانية لم تتمكن من توفير الدعم الكافي.

 

زهير جمعة المالكي

........................

[1]  جرجيس فتح الله، نظرات في القومية العربية مدا وجزرا حتى العام 1970 تاريخا وتحليلا أضواء على القضية الاشورية (مذبحة 1933)، الجزء الثاني سبل ملتوية، منشورات ئاراس، الطبعة الأولى، أربيل، 2004، ص 541 .

[2]  عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج 1،ط 7(بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1989،)ص 9 وما بعدها.

[3]  عبد الرزاق عبد الوهاب، حركات الأثوريين سنة 1933م، مجلة، العسكرية، بغداد، 1 نيسان 1941، العدد 69، ص .182-163

[4]  عبد الرزاق الحسني، تاريـخ الوزارات العراقيـة، الجزء 4 ص 130 .

[5]  عبد الرزاق الحسني، تاريـخ الوزارات العراقيـة، الجزء 4 ص 193 .

[6]  اللـواء الركن ابراهيم حــمـدي الراوي (مـن الثـورة العربيّـة الكبرى الى العـراق الحديث)، ص 160 .

[7]  جــمس مــورّي فـي كــتــابه «الملوك الـهــاشــمــيــون»، ص 173 .

[8]  عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الجزء 4،  ص 163 .

[9]  ناجي شوكت، سيرة وذكريات: ثمانين عاما (مذكرات ناجي شوكت رئيس الوزراء العراقي الأسبق في العهد الملكي)، الجزء الأول، ص 298.

[10]  صلاح الدين الصباغ، فرسان العروبة ـ ص 91

[11]  خيري العمري، الخلاف بين البلاط ونوري السعيد ـ ص 56

[12]  مير بصري، اعلام السياسة في العراق الحديث، الجزء الأول، ط الأولى، 2005، لندن، دار الحكمة، ص 24 .

[13]  عبد الكريم العمر، مذكرات الحاج محمد أمين الحسيني، دمشق: دار الأهالي، 1999

[14]  فوزي القاوقجي، مذكرات فوزي القاوقجي، تقديم وإعداد خيرية قاسمية، دار النمير، 1995، ص 627

[15]  دائرة التقاعد الوطںية، اضبارة رشيد عالي الكيلاںي التقاعدية، ارادة ملكية صادرة بتار يخ 31 كاںون الثاںي 1941،وثيقة رقم 50 .

[16]  شفيق جحا، الحركة العربية السرية: جماعة الكتاب الأحمر، بيروت دار الفرات، 2004، ص 304 .

[17]  صلاح الدين الصبّاغ، فرسان العروبة في العراق، بغداد: منشورات الشباب العربي، 1956، ص 218

[18]  عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة السنة 1941 التحررية، ص 9 .

[19]  المصدر السابق نفسه، ص 109

[20]  ناجي شوكت، سيرة وذكريات ثمانين عامًا: 1894 – 1974، بغداد: مطبعة سلمان الأعظمي، 1974، ص 434 .

[21]  عبد الله الجيزاني، مصدر سابق، ص 42

[22]  عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات، الجزء الخامس، ص 194

[23] جر يدة العالم العر بي، العدد 4721،في 5 ںيسان 1941 .

[24]  جر يدة الاستقلال، العدد 3928،في 6 ںيسان 1941.

[25]  جر يدة الاستقلال، العدد 3926،في 3 ںيسان 1941

[26]  د. ك. و، الوثائق البر يطاںية / لںدن، ملفة رقم 263 ب، برقية من ضابط الارتباط الجوي - بغداد الى الاستخبارات الجوية - بغداد بتار يخ 8 ںيسان 1941،وثيقة رقم 15،ص17 .

[27]  د. ك. و، البلاط الملكي العراقي / الديوان، ملفة رقم 289 /311،كتاب من مجلس اįعيان الى رئاسة حكومة الدفاع الوطںي بتار يخ 10 ںيسان 1941،وثيقة رقم 5،ص 6.

[28]  د. ك. و، الوثائق البر يطاںية / لںدن، ملفة رقم 263 /ب، برقية من استخبارات الاركان الجوية -الحباںية الى ضابط الركن الاقدم - بغداد بتار يخ 16 ںيسان 1941،وثيقة رقم 8،ص8 .

[29]  د. ك.و، الوثائق البر يطاںية / لںدن، ملفة رقم ٤،تقر ير من رئيس البعثة العسكر ية البر يطاںية في العراق الى وزارة الحرب بتار يخ 31 تموز 1941،وثيقة رقم 25،ص279 .

[30]  د. ك. و، الوثائق البر يطاںية / لںدن، ملفة رقم 555،تقر ير القيادة الجوية البر يطاںية عن العراق للفترة من ايلول 1939 الى أيار 1941،وثيقة رقم 1،ص 5 .

[31]  د. ك. و، الوثائق البر يطاںية / لںدن، ملفة رقم 4،تقر ير فصلي رقم 31 من القوة الجوية العراقية الملكية الى وزارة الدفاع للفترة المںتهية 31 أيار 1941،وثيقة رقم 22،ص227. 

[32]  د. ك. و، الوثائق البر يطاںية / لںدن، ملفة رقم 11،تقر ير من القيادة العامة للشرق اįوسط الى وزارة الحرب بتار يخ  5 تموز .87- 35،  1941 .

[33]  د. ك. و، الوثائق البر يطاںية / لںدن، ملفة رقم ٥٦٠،تقر ير من قائد القوات البر يطاںية في العراق الى وزارة الحرب عن الحملة البر يطاںية على العراق لسںة 1941،وثيقة رقم 1،ص 1. 

[34]  د. ك. و، الوثائق البر يطاںية / لںدن، ملفة رقم 4،تقر ير فصلي رقم 31 من القوة الجوية العراقية الملكية الى وزارة الدفاع للفترة المںتهية 31 أيار 1941،وثيقة رقم 22،ص227. 

[35]  نفس المصدر السابق. الجزء الخامس. ص254.

[36]  حميدي, جعفر عباس. التطورات السياسية في العراق. مصدر سابق. ص 63.

[37]  نفس المصدر السابق. ص 63.

[38]  الجيزاني, عبد الله. حزب الاستقلال العراقي. مصدر سابق. ص 48.

[39]  الحسني, عبد الرزاق. تاريخ العراق السياسي الحديث. الجزء الثالث. مصدر سابق. ص 236.

[40]  الحسني, عبد الرزاق. تاريخ الوزارات العراقية. الجزء السادس. مطبعة العرفان. صيدا-بيروت. 1966. ص 54-56.

[41]  ناجي شوكت، سيرة وذكريات ثمانين عاما، مطبعة دار الكتب (بيروت 1975) ص 380 وما بعدها

[42]  حنا بطاطو، العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني الى العهد الجمهوري، الكتاب الأول، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1995، ص 394 .

[43]  سلمـان التكريتي [الوصي عـبـدالاله ابن علي يبـحث عن عـرش: ص 15 .

[44]  مـير بصـري: أعـلام الســيـاســة في العــراق الحــديث ص  186  .

[45] عثمان كمال الحداد، حركة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941، المكتبة العصرية، صيدا، ص 113 .

[46]  عثمان كمال الحداد، حركة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941، المكتبة العصرية، صيدا، ص 115 .

[47]  صلاح الدين الصباغ، فرسان العروبة، تانيت، 1994،  ص 255 .

[48]  صلاح الدين الصباغ، فرسان العروبة، تانيت، 1994،  ص 255.

 

 

علاء اللاميكانت زيارةُ بابا الفاتيكان فرنسيس الأوّل إلى العراق قبل شهور حدثًا بالغَ الأهمّيّة سياسيًّا ودينيًّا وتاريخيًّا لأسباب عديدة. ولكنّنا في هذه الدراسة سنطرح مجموعةً من التحليلات والتساؤلات بشيءٍ من التفصيل، وتحديدًا ما يتعلّق بمدينة أور السومريّة، جنوب العراق، وقد زارها البابا وصلّى فيها على اعتبارها "أور الكلدانيّين/أور كسديم" ومسقطَ رأس النبيّ إبراهيم، وفيها بيتُه، ومنها كان منطلقُ هجرته إلى حرّان، ثم إلى بلاد كنعان (فلسطين) كما تقول التوراة. وسنعرض ما تقوله حقائقُ التاريخ والجغرافيا وعلومُ الأديان والآثار والإناسة بهذا الصدد.

أمّا عن الأبعاد السياسيّة للزيارة فيمكن القولُ، اختصارًا،[1] إنّ الزيارة التي نجحتْ من الناحية البروتوكوليّة أثارت الكثيرَ من التحفّظات والشكوك الناجمة عن السياق السياسيّ العامّ في المنطقة، ضمن حملة التطبيع مع الكيان الصهيونيّ، التي اندفعتْ إليها دولٌ عربيّةٌ خليجيّةٌ وغيرُ خليجيّة في الأشهر الأخيرة من إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. غير أنّ حيثيّاتِ الزيارة، ومن ضمنها اللقاءُ الذي عقده البابا مع المرجع الدينيّ الشيعيّ السيّد علي السيستاني، لم تؤكّدْ بالملموس الكثيرَ من المخاوف والشكوك التي سيقت قبل الزيارة وأثناءها. وبدا البابا نفسُه متردِّدًا حتى في دعوة السيستاني إلى التوقيع على وثيقةٍ مكتوبةٍ مثيلةٍ لتلك التي وقّعها مع إمام الأزهر أحمد الطيب، في أبو ظبي عام 2019، وسُمّيتْ "وثيقةَ الأخوّة الإنسانيّة." إذ ردَّ البابا على سؤالِ صحافيٍّ رافقه على متن الطائرة التي أقلّتْه عائدًا إلى روما قائلًا: "قد تكون تلك فظاظةً، لكنّها خطوةٌ أولى. ستكون هناك خطوة ثانية. سيكون هناك آخرون. رحلة الأخوّة مهمّة."[2] ولكنّ الزيارة انتهت كما بدأتْ، من دون أن تؤكّد "علنًا" أيًّا من تلك الشكوك والأهداف حتى الآن.

ثمَّ جاء البيان الذي صدر عن مكتب السيستاني بعيْد اللقاء ليسجِّلَ بوضوحٍ في الفقرة الأولى أنّ المرجعَ تحدّث إلى البابا عن معاناة الشعب الفلسطينيّ من الاحتلال.

أمّا في الجانب التاريخيّ والإناسيّ والآثاريّ لخلفيّات هذه الزيارة التي أرادها البابا حجًّا إلى مدينة النبيّ إبراهيم ومسقطِ رأسه، فنسجّل بدءًا ما يأتي: لقد أمست المعلوماتُ والمقولاتُ التوراتيّة عن هجرة إبراهيم من أور الكلدانيين أو "أور كسديم،" كما ورد حرفيًّا في النسخة العبريّة، في عداد البديهيّات بسبب تكرارها وتنميطها إعلاميًّا، لا بسبب صحّتها التأريخيّة أو قربها من الصحّة.

فقد كُشف النقابُ منذ عدّة عقود عن أنّ خرافةَ "بيت النبيّ إبراهيم في أور" هي إحدى تلفيقات الآثاريّيْن البريطانيّيْن تشارلز ليونارد وولي (Charles Leonard Woolley‏) وماكس مالوان (Max Malloan) في عشرينيّات القرن الماضي. وقد رصد الباحثُ العراقيّ عبد السلام صبحي طه حيثيّاتِ هذا الموضوع في مقالةٍ جديدةٍ له بعنوان "أكذوبة العقل الخرافيّ: آثار أور السومريّة والمسألة الإبراهيميّة."[3] وورد فيها أنّ وولي أشار في أحد تقارير بعثته التنقيبيّة بين العاميْن 1922 و1934 إلى أنّ خبيرَ النقوش في البعثة، الأب الكاهن ليجرن، الموفَدَ من متحف جامعة بنسلفانيا، قد تَرجم رُقيْمًا مسماريًّا عُثر عليه في دارٍ سكنيّةٍ تبعد مئاتِ الأمتار عن الزقورة السومريّة (وهي معبدٌ وثنيّ)، مدوَّنًا عليه اسم "آبرامو." كما عُثر على تمثالٍ لكبشٍ مزخرف، ربّما كان قاعدةً لطاولةٍ في غرفةٍ ملكيّةٍ أو معبد، رُبط بكبش التضحية الوارد في قصّة النبيّ إبراهيم.

وزاد مالوان، ضمن فريق وولي، الطينَ بلّةً حين أبرق إلى صديقٍ له في إنكلترة ذاكرًا له خبرَ الاكتشاف. وقد ذكر في مذكّراته:

"كان هذا الحيُّ السكني - في مدينة أور الأثريّة - على حد قول تشارلز وولي، الذي كان مولَعًا به، هو الحيّ الذي كان لا بدّ أنّ ربّ العائلة إبراهيم يعيش فيه عندما هاجر من أور إلى حرّان، مدينةِ عبادة القمر.[4] ولم نعثرْ على أيّ أثرٍ لإبراهيم نفسه الذي كان شيخًا ثريًّا من سكّان أور، ولكنّه لم يكن شخصًا فريدَ الأهمّيّة. في هذا العصر الذي أصبح فيه الإنجيلُ كتابًا أدبيًّا مهمَلًا، يصعب تصوّرُ مدى أهمّيّة ما كشف عنه الكتابُ المقدّس في أذهان الناس. وفي الحقيقة فإنّ هذا العمل قاد جزئيًّا إلى التنقيبات في أور. كان وولي نفسُه ابنَ قسّ بروتستانتي، ورُبِّيَ وفقًا لتعاليم الكتاب المقدّس. وكانت له ذاكرةٌ قويّةٌ في العهد القديم والعهد الجديد. وذاتَ مرّة ظنَّ الخبيرُ في النقوش الذي يعمل معنا خطأً أنّه قرأ اسمَ إبراهيم على لوحٍ طينيٍّ منقوش، وتسرّعتُ في الكتابة إلى صديقٍ في إنكلترة وذكرتُ له الاكتشاف. وعندما علِم وولي أنّني فعلتُ ذلك وبّخني بشدّة، وجعلني أبعث ببرقيّةٍ ألتمس فيها من صديقي التزامَ الصمت حتى يحينَ وقتُ إعلان النبأ. غير أنّ ذلك الوقت لم يحِنْ أبدًا!"[5]

ويضيف مالوان، في فقرةٍ أخرى من مشاهداته الشخصيّة، أنّ "هذا النوع النموذجيّ من البيوت في الفترة من عام 2000 إلى عام 1400 ق.م متينُ التشييد... وقبل خمسين عامًا، عندما كنتُ أعملُ في أور، كانت معظمُ الدُّور في بغداد مشيدةً وفق خريطةٍ مشابهةٍ للخريطة التي تعود إلى أربعة آلاف عام."[6]

في هذا الصدد أيضًا، نفى آثاريّون ومؤرِّخون عراقيّون صحّةَ نسبة النبيّ إبراهيم إلى مدينة أور السومريّة الرافدينيّة، والدار المنسوبة إليه فيها، كما يخبرنا عبد السلام طه في مقالته المشار إليها.

فالدكتور مؤيّد سعيد الدامرجي، رئيسُ المؤسّسة الآثاريّة العراقيّة (1977-1998)، فنَّد عائديّةَ الدار المنسوبة إلى النبيّ إبراهيم في مدينة أور الأثريّة في محافظة ذي قار، بقوله إنّها فرضيّة "غيرُ دقيقة." وأضاف أنّ "المُنشَأ الحاليّ المزعوم قد جرى بناؤه من الإسمنت والطابوق تزامنًا مع ’نيّة‘ زيارة البابا السابق يوحنا بولص الثاني في عقد التسعينات من القرن الماضي... وكانت الغايةُ تسويقَ فكرة المدينة كمسقط رأسٍ للنبيّ إبراهيم، ومن خلال ذلك تجري حلحلةُ موضوع الحصار المفروض على العراق بتوظيف ثقل الفاتيكان في الدوائر السياسيّة الغربيّة آنذاك."

أمّا عالِم الآثار العراقي الراحل د. بهنام أبو الصوف، فقد قال لكاتب المقالة عبد السلام صبحي طه: "ليس هنالك أيُّ دليلٍ آثاريّ على أنّ الدار التي تقع على بعد بضع مئات الأمتار من زقورة أور هي دارُ النبيّ إبراهيم، الواردِ ذكرُه باسم أبراهام في العهد القديم، وإنّما يرقى أصلُ هذه الدار إلى العصر الحضاريّ العراقيّ القديم الذي يُطلق عليه عصرُ إيسن/لارسا، ويمتدّ تقريبًا من عام 2025-1730 ق.م، وقد ظنَّ وولي حينها أنّ إبراهيم لا بدّ أن يكون قد عاش في هذه البيئة."

في الكيان الصهيونيّ نفسه، تصدّى عددٌ من الباحثين الأركيولوجيّين لهذه المقولة بالتشكيك والدحض. ومن هؤلاء الآثاريُّ الشهيرُ فنكلشتاين، مؤلِّف التوراة اليهوديّة مكشوفةً على حقيقتها. وكنّا قد تعرّضْنا نقديًّا في الآداب لهذا الكتاب[7] الذي أحدث حين صدوره ضجّةً كبيرةً، واستُقبِل غالبًا باستنكارٍ ورفضٍ قويّيْن من الأوساط الدينيّة اليهوديّة والمسيحيّة المحافظة والتقليديّة لأنّه فنَّد الكثيرَ من المزاعم والآراء المسبّقة والقصص التوراتيّة حول تأريخيّة شخصياتٍ وأحداثٍ ذُكرتْ في التوراة.

لكنّ كتابَ فنكلشتاين لم يخلُ ممّا سمّاه الباحثُ الفلسطينيّ أحمد الدبش "أخطاءً قليلةً هائلةً" ناتجةً من "تأثّره البالغِ بالتوراة."[8]غير أنّ المبالغة في مناهضة كتابات فنكلشتاين من دون أدلّةٍ أركيولوجيّةٍ مضادّة، أو توظيفَها بحثيًّا بشكلٍ خاطئ كما فعل دعاةُ يمنيّة الجغرافيا التوراتيّة وعسيريّتها، لن يكون موضوعيًّا ولا مفيدًا، وقد يدخل في باب ردّ الفعل الإيديولوجيّ على الميول الإيديولوجيّة في كتابات فنكلشتاين نفسِه.

كتب فنكلشتاين في فصلٍ بعنوان "البحث بلا نتيجة عن إبراهيم التأريخيّ" ما يؤكّد الدوافعَ الغَرَضيّةَ الدينيّة لحملات التنقيب والاستكشاف الأوروبيّة في المشرق العربيّ: "لقد كان العديدُ من علماء الآثار التوراتيّين الأوائل قد تدرّبوا كرجال دينٍ أو لاهوتيّين. كانوا مقتنعين بإيمانهم بأنّ وعدَ الله لإبراهيم وإسحق ويعقوب، الذي أعطى حقًّا خاصًّا يحمله كلُّ فردٍ يهوديّ مع ولادته، وهو حقٌّ انتقل بعد ذلك إلى المسيحيّين، كما يوضحه القدّيس بولس في رسالته إلى الغلاطيّين، كان وعدًا حقيقيًّا مُنح لأشخاصٍ حقيقيّين وليس لمخلوقاتٍ خياليّة... وأنّ الصورة في سِفر التكوين هي صورةٌ تاريخيّةٌ وحقيقيّة. وليس هناك ما يدعو إلى الشكّ في الدقّة العامة المتعلّقة بسيرة ’الآباء‘."[9]

وبعد حساباتٍ ومقارناتٍ يخلص فنكلشتاين إلى تأكيد أنّ التوراة تقول إنّ "زمنَ مغادرة إبراهيم لموطنه الأصليّ كان في حوالي سنة 2100 ق.م. ولكنْ هناك مشاكل في قبول هذا التاريخ، ليس أقلّها العمر الطويل جدًّا لإبراهيم وإسحاق ويعقوب الذي يتجاوز بالنسبة لكلٍّ منهم عمرَ المئة سنة بمدّةٍ مديدة. من الواضح أنّه لا يمكن أن نعدَّ هذا الأمرَ مجرّدَ تناقض بسيط."[10] وللعلم، فإنّ أقلّ تقدير لعُمر لإبراهيم هو 175 عامًا، وهناك تقديراتٌ أخرى تقول إنّه بلغ 195 من العمر، وهذا أمر معروف ضمن المبالغات الخرافيّة للتوراة التي تصل بأعمار بعض الأنبياء إلى أكثر من تسعمائة عام: فنوح عمرُه 950 عامًا، والنبيّ شيت عمره 912 عامًا، ومتوشاليح عمرُه 969 عامًا... إلخ. ويضيف المؤلِّف: "ولكنّ البحثَ عن الآباء التاريخيّين بقي بلا نتيجة، وأثبت في النهاية إخفاقَه، حيث لم تزوِّدْنا تلك الفتراتُ الزمنيّةُ المقترحة توراتيًّا بخلفيّةٍ متوافقةٍ بشكل جيّد مع القصص التوراتيّة."[11]

أمّا قول فنكلشتاين "لقد ثبت علميًّا أنّ الهجرة الغربيّة المفترضة لمجموعاتٍ من بلادِ ما بين النهريْن نحو بلاد كنعان، والتي وَضعتْ هجرةَ إبراهيم وعائلتِه إلى أرض كنعان ضمنها، لم تعدُ كونَها فكرةً خادعةً ووهميّة؛ إذ فنّد علماءُ الآثار بشكلٍ كامل الزعمَ بأنّ ثمّة حركةَ انتقالٍ سكّانيّ جماعيّ ومفاجئ حدثتْ في مثل ذلك الوقت،"[12] فهو قولٌ جزافيّ يحتاج إلى توثيقٍ علميٍّ دقيق. إنّ فنكلشتاين يتبنّى نظريّةً خاصّةً لا تخلو من النزوع الإيديولوجيّ الصهيونيّ حول أصول شعب بني إسرائيل القديم، وهو شعبٌ شبهُ منقرض ولا علاقةَ له سلاليًّا، ولا لغويًّا أو ثقافيًّا، بـ"الإسرائيليّين" في الكيان الإسرائيليّ القائم اليوم، من ذوي الأصول الخزريّة الأشكنازيّة وغيرهم من المتهوّدين. يقول فنكلشتاين في نظريّته هذه إنّ شعبَ بني إسرائيل القديم لم يأتِ إلى فلسطين من خارجها مهاجِرًا، كما يقول جميعُ علماء التاريخ والأركيولوجيا واللاهوتيّات، بل وُجِدَ ونشأ في فلسطين ذاتها، وأقام دولتَه نتيجةً لتضعضع المجتمع الكنعانيّ وانهياره آنذاك. غير أنّ فنكلشتاين لم يوثّقْ كلامَه أو يناقشْ هذه الفرضيّة أو يوضحْ ويثبتْ لنا إنْ كانت فرضيّةً مبرهَنًا عليها جغرافيًّا "مُناخيًّا" وأركيولوجيًّا. وقد قيل مثلُ هذه الترجيحات عن الكنعانيّين - وفرعِهم اليبوسيّ تحديدًا - في فلسطين؛ فنفى بعضُ الباحثين - ومنهم الأركيولوجيُّ الفلسطينيّ د. عيسى الصريع - أنّهم هاجروا إلى محيط مدينة أورشليم القدس من الجزيرة العربيّة، بل هم من أهل المنطقة وأصحاب الأرض الأصليّين ولم يهاجروا إليها من بلدٍ آخر (وكنتُ قد ناقشتُ هذه الفرضيّات النظريّة بشيء من التفصيل في مناسبةٍ سابقة).[13] أمّا هجرةُ القبيلة العبرانيّة البدويّة التي ورد ذكرُها باسم عابيرو وباسم خابيرو، فهي تكاد تكون أمرًا مؤكّدًا علميًّا: فهي قبيلةٌ من البدو الرحّالة أصلًا، وامتهن بعضُهم أعمالَ الارتزاق الحربيّ وغير ذلك.

وقد دلّل العالِمُ الألمانيّ يوليوس فلهاوزن - كما يقتبس فنكلشتاين - على أنّ قصصَ الآباء في كلا المصدريْن اليهويّ والإليوهيّ[14]عكستْ مخاوفَ الحكم الإسرائيليّ الملكيّ المتأخّر، التي أُسقطتْ على حياة الآباء الأسطوريّين في ماضٍ أسطوريٍّ بشكلٍ كبير. وبناءً عليه، يجب اعتبارُ القصص التوراتيّة أساطيرَ وطنيّةً ("قومية"؟) لا يزيد أساسُها التاريخيُّ على الأساس التاريخيّ لأسفار أوديسيوس في ملحمة هوميروس أو قصة تأسيس إينياس لمدينة روما في ملحمة فيرجيل.[15]

إنّ الاستنتاج الذي يخرج به قارئُ هذه الأسطر يفيد بأنّ زمنَ مغادرة إبراهيم المفترضة لموطنه الأصليّ جنوبيَّ العراق، وفق ما ورد في التوراة، هو حوالي سنة 2100 ق.م. والاستنتاج الذي توصّل إليه الباحثان فنكلشتاين وسليبرمان هو أنّ تدوينَ قصّة رحلة إبراهيم حدث في القرن السابع والثامن ق.م. إذًا، الفرقُ بين الحدث التوراتيّ المفترض، وتدوينِ قصّته في زمن الثقافة الشفاهيّة وانعدام التدوين أو ندرته الشديدة، هو بحدود 1400 سنة! ولكُم أن تتخيّلوا ما الذي يتبقّى من صدقيّة الرواية التوراتيّة المعلوماتيّة!

في التوراة تُسمّى المدينة التي وُلد فيها إبراهيم، وعاش فيها، وهاجر منها، "أور كسديم،" وتُرجم الاسم إلى "أور الكلدانيين" بطريقة غريبة وغير منسجمة مع أصول الترجمة من الأكديّة أو الكلدانية إلى العبريّة، وسنوضح هذا المفصل بعد قليل. ومعروف أنّ أور مدينةٌ قديمة، كانت مسكونةً منذ فترة "تل العُبيد" حيث انتشرت المستوطناتُ الزراعيّةُ في الفترة 2600 ق.م، ثم أصبحتْ أور عاصمةً للدولة السومريّة (السلالة الثالثة) عام 2100 ق.م، في عهد الملك أورنمو، أيْ بعد سبعة قرون من قيامها مستوطنةً للفلّاحين والرعاة. أمّا الكلدانيون فدولتُهم جاءت بعد هذا التاريخ بأكثر من ألف عام، وأوّلُ ذِكرٍ لهم جاء في نصوص من عهد "آشور ناصر بال" نحو عام 883 ق.م. وأوّلُ مملكة كلدانيّة هي مملكة بيث آقين، وأشهرُ ملوكِها كان مردوخ بلادان (733-710 ق. م)، الذي سيطر سنة 733 ق. م على مدينة بابل الواقعة تحت الهيمنة الآشوريّة آنذاك وقضى على دولتها. إذن، بين أور عاصمةِ السومريين 2100 ق.م، وبين الدولة الكلدانيّة 733 ق.م، فترةٌ طويلةٌ تقارب 1400 عام. فكيف جمعت التوراةُ أورَ بالكلدانيين؟ أم أنّ ما تقصده التوراة بـ"أوركسديم" مدينةٌ أخرى كما يرى البعض؟

هناك مَن يعترف بنصف هذه الحقيقة فيقول إنّ أور كسديم، أور الكلدانيّة، لم تكن كلدانيّةً بل أكديّة؛ وأنّها وُصفت بالكلدانيّة مجازًا لأنّ التوراة كُتبتْ في عهد الكلدانيّين. فما حقيقة ذلك؟ وكيف يمكن الردُّ على هذا التبرير؟

هذا ما سنتناوله في الجزء القادم والأخير.

 

علاء اللامي

..................

هوامش:

[1] تطرّقنا إلى هذا الجانب السياسيّ بشيء من التفصيل في مقالةٍ نُشرتْ فيالأخبار: https://al-akhbar.com/Opinion/302031

[2] تقرير صحافيّ مصوّر لمراسلة سي أن أن في 8 آذار/ مارس 2021.

[3]https://aljadeedmagazine.com/%D8%A3%D9%83%D8%B0%D9%88%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%

 

 

جاسم الصفاركثر الحديث في الفترة الأخيرة عن احتمال تغير في العلاقات السعودية الإيرانية في ظل عودة أمريكية للمفاوضات مع طهران من أجل إعادة العمل بالاتفاق النووي مع إيران، أو ما يعرف بخطة العمل الشاملة المشتركة، إضافة الى الرغبة الامريكية بتخفيف التوتر في منطقة الشرق الاوسط. فما حقيقة هذا الأمر، وما هي مسوغاته، وما هو موقف الدول الإقليمية والعالمية منه؟

بدايةً، لابد من التذكير بأن المملكة السعودية كانت قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران في يناير 2016 بعد هجمات على بعثاتها الدبلوماسية في طهران ومشهد، إثر إعدام الداعية الشيعي الشهير، أحد قادة المعارضة السعودية، نمر النمر في مطلع كانون الثاني / يناير 2016. وتضامناً مع الرياض، قطعت كل من البحرين والسودان وجيبوتي علاقاتها الدبلوماسية كذلك مع طهران.

وقطع العلاقات الدبلوماسية لم يكن الحدث الذي أرخ لبداية الصراع بين الجارتين، السعودية وإيران، في عصرنا الحديث. فالتوتر في العلاقات بين البلدين يمتد إلى السبعينيات من القرن الماضي، عندما اندلعت الثورة الإسلامية في إيران ووصل رجال الدين الشيعة إلى السلطة. عندها اعتبرت الرياض الأحداث في إيران بمثابة تهديد لسيادتها الوطنية ولنفوذها التقليدي في العالم الإسلامي. ومذ ذلك الحين بقي الصراع مستعرا بوتائر مختلفة من الحدة الى أن اشتد سعيره بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.

ولم يكن مفاجئا الخبر الذي نشرته الصحيفة البريطانية فاينانشال تايمز، نقلاً عن مصادر دبلوماسية، عن أن مسؤولين رفيعي المستوى من المملكة العربية السعودية وإيران يجرون مفاوضات مباشرة بهدف إعادة العلاقات الدبلوماسية التي قطعت قبل خمس سنوات. وبحسب الصحيفة، فإن المحادثات، التي جرت في 9 أبريل / نيسان في بغداد، بوساطة رئيس الوزراء العراقي مصطفى كاظمي، هي "أول مباحثات سياسية مهمة" بين البلدين منذ عام 2016.

وفقا لما نقلته وكالة الانباء الروسية "ريا نوفستي" عن الصحيفة البريطانية، أن المباحثات التي ترأس فيها الوفد السعودي رئيس جهاز المخابرات العامة خالد بن علي الحميدان، تضمنت موضوع هجمات جماعة أنصار الله (الحوثيين) على الأراضي السعودية الى جانب مواضيع أخرى محلية واقليمية. ومما يؤكد أن تقييم الفاينانشل تايمز للمباحثات بأنها كانت إيجابية هو الاتفاق بين الطرفين على مواصلة المباحثات، وتحديد موعد لها، حسب الصحيفة، قبل نهاية شهر نيسان الجاري.

تجدر الإشارة الى أن موافقة السعودية على التفاوض مع إيران كانت متأثرة بالموقف الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران ورغبة إدارة الرئيس بايدن بالتخفيف من حدة التوتر في المنطقة. والعامل الآخر الذي دفع الرياض للجلوس الى طاولة المفاوضات مع طهران هو رغبة الأولى في إنهاء حرب السنوات الست في اليمن، وكذلك "كسب تأييد إدارة بايدن، التي وعدت بإعادة النظر في العلاقات مع المملكة "، كما كتبت الفاينانشيال تايمز.

ومع أن الفاينانشل تايمز، ذكرت أيضا أن مسؤول سعودي رفيع المستوى نفى حقيقة إجراء مفاوضات مع إيران. ومن جهتيهما، رفضت الحكومتان العراقية والإيرانية التعليق على خبر اجراء المفاوضات. الا أنه بنكرانهما لحقيقة حصول مفاوضات مباشرة بين ممثلين من الدولتين، فان إيران والمملكة العربية السعودية يعترفان ضمنا بحرصيهما على استمرار المفاوضات، وكما ذكر الخبير بشؤون الشرق الأوسط بول بيلار في 22 أبريل، ان المملكة السعودية وجمهورية إيران الإسلامية حريصتان على ألا يخلقان مبررا لإفساد المباحثات في وقت مبكر من قبل الراغبين بوقفها وافشالها.

ففي السعي لتحقيق الوفاق، سيتعين على الرياض وطهران خوض مفاوضات صعبة بعيدا عن تأثير ألمناوئين للتقارب بين الطرفين من المتشددين الداخليين والاعداء الخارجيين. وفي مقدمة الساعين لتعطيل أي تقارب بين المملكة السعودية وإيران هي إسرائيل. فلدى حكومة نتنياهو أسباب عديدة للقلق ومنع الوصول الى أي اتفاق مع طهران بشأن أي شيء.  وستجند إسرائيل كل ما تملكه من وسائل تأثير على حليفتي السعودية البحرين والإمارات، فضلاً عن علاقتها الواسعة مع الرياض نفسها، لتحقيق هذا الهدف.

تدرك إيران وكذلك السعودية بأن الانفراج في منطقة الخليج هو من مصلحة جميع دول المنطقة، عدا إسرائيل، كما أنه من مصلحة الدول الكبرى المهتمة، مثلها مثل دول المنطقة، بضمان أمن التجارة العالمية وصادرات البترول من الدول المطلة على الخليج. علما بأن إيران سعت دوما إلى تحسين العلاقات مع دول المنطقة. وقد اقترح الرئيس الإيراني حسن روحاني إطارًا متعدد الأطراف لتعزيز السلام والأمن في منطقة الخليج، وهي صيغة متوافقة تمامًا مع الجهود الثنائية للحد من التوترات مع المملكة العربية السعودية.

ومن الجدير بالذكر، أن لسياسة التصعيد ورفض المبادرات الإيرانية من قبل المملكة العربية السعودية، لها أسبابها.  وعلى رأس تلك الاسباب الخوف من إيران على أمنها الداخلي، وبصورة خاصة، من إمكانية تأثيرها على السكان الشيعة في السعودية نفسها إضافة الى الدول العربية الخليجية. ولهذه المخاوف ما يبررها، خاصة في السنوات الأولى للجمهورية. الا أن الدافع الأكبر لموقف المواجهة السعودي مع إيران هو استخدام المواجهة كأساس لمعاملة تفضيلية من الولايات المتحدة، سواء فيما يتعلق بإمدادات السلاح أو التسامح الأمريكي مع نهج انتهاك حقوق الانسان في المملكة.

على أن الوقائع الدولية والإقليمية فرضت على السعودية اعادة التفكير في موقفها من إيران. فالحرب في اليمن أصبحت مصدر تهديد لأمن المملكة ومصادر ثروتها النفطية التي باتت اهداف لصواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيرة. كما أن العداء ألأمريكي لإيران لم يعد من أولويات سياسة الرئيس بايدن في الشرق الأوسط. إضافة الى ذلك فأن الموقف الأمريكي من الانتهاكات السعودية لحقوق الانسان لم يعد كما كان في السابق. وقد أعلنت واشنطن إنها ستوقف دعمها للسعوديين في اليمن وستنأى بنفسها عن جرائم الحرب التي ترتكب هناك. وفي الوقت نفسه، فسر العديد من المحللين السياسيين الإشارات الدبلوماسية المرتبطة بانتقاد المملكة العربية السعودية على أنها تهدف الى تحسين أجواء الحوار بين إدارة الرئيس بايدن والاطراف المعتدلة في القيادة الإيرانية من دائرة الرئيس حسن روحاني.

من جهة أخرى، تقترح مراكز الدراسات الإستراتيجية الأمريكية التابعة للحزب الديمقراطي البدء في تعزيز النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط من خلال تخفيف الانحياز تجاه إسرائيل والسعودية. وفي هذا السياق، فإن انتخاب بغداد كمنصة تفاوض بين السعودية وإيران ليس عرضيًا. فللعراق أهمية كبيرة عند كلا الدولتين من النواحي الجيوسياسية والدينية، كما أن حكومة الكاظمي تحظى بقبول أمريكي وايراني وسعودي.

وإذا كانت الولايات المتحدة تدفع السعودية، بصورة غير مباشرة، للتطبيع مع ايران، فان روسيا، حسب صحيفة الشرق الأوسط، تدفع طهران الى التقارب مع الرياض، كما أنها تسعى لإقناع الدول الخليجية بحل مشاكلها مباشرة مع ايران. وفي هذا الصدد اشارت الصحيفة الى ما ذكره عدد من الخبراء الاوربيون من أن "موسكو تدفع إلى المزيد من الخطوات نحو التقارب مع الرياض كفرصة لإضعاف التحالف العربي الأمريكي غير الرسمي ضد إيران في الخليج" وترغب في "إقناع الدول العربية بالنأي بنفسها عن الولايات المتحدة والتفاوض مباشرة مع إيران حول مفهوم نظام الأمن الجماعي في المنطقة".

ختاما، لابد من الإشارة الى أن الانفراج السعودي الإيراني يخدم مصالح الولايات المتحدة من نواحٍ عديدة. فكل ما يقلل التوترات وخطر الحرب في هذا الجزء من العالم يقلل أيضًا من مستوى التطرف الذي قد يضر بمصالح واشنطن. ويقلل هذا التطور أيضًا من الحاجة إلى الانتشار العسكري الأمريكي أو الالتزامات المكلفة الأخرى لحماية الممرات المائية وأمن أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة. كما أن إدارة بايدن، تدرك أن اتفاق سلام حذر مسيطر عليه، يفتح الافاق أمام حركة اعمار في جميع القطاعات المدنية والعسكرية، لا مناص فيها من الاعتماد على صناعات واستثمارات أمريكية وغربية متطورة. 

 

د. جاسم الصفار

 

كاظم الموسوينشر هذا المقال في ملف مجلة الهدف الفلسطينية عدد 957 الصادر في 30/4/1989 الخاص عن عيد العمال العالمي وفي الذكرى المئوية لاعلانه عيدا امميا، وقد تكون اعادة نشره اليوم مناسبة اخرى، تعيد فيه الاهتمام بمعنى المناسبة واليوم والاحتفال، وتجدد ضرورة الوعي بقيمتها ودور الحركة العمالية واليسار في الوطن العربي في النضال التحرري الوطني والقومي:

منذ مئة عام يحتفل العمال في كل انحاء العالم بهذا اليوم المجيد، يوم التضامن العمالي. عيد العمال العالمي. يوم الطبقة العاملة العالمية. عيد النضال البروليتاري، يوم اتحاد العمال امميا. وفق الظروف والشروط الموضوعية، والذاتية، وحسب طبيعة البلدان والانظمة الحاكمة فيها. وضمن الامكانيات والقدرات العمالية وحركة الطبقة العمالية وقوتها علنيا وسريا. في تظاهرة حاشدة او في قاعة مزدانة بالشعارات والاضواء او في اقبية السجون والمنافي.

في العالم العربي احتفل العمال العرب في هذا اليوم ايضا. وعدوه يوما للنضال الطبقي والوطني والقومي، وحشدوا طاقاتهم لتجديد هذا التقليد الثوري، النضالي، وللانطلاق منه لاقرار الحقوق والمطالب العمالية، منذ ان انتشر الوعي العمالي، الاشتراكي في صفوف الشعوب العربية وامتدت التنظيمات الاشتراكية والافكار الثورية، وبذرت بذور الاشتراكية في العالم العربي.

لقد شهدت اواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، البداية في عالمنا العربي، لانتشار الفكر الاشتراكي، ولتشكل الطبقة العاملة، وحركتها العمالية والنقابية. وكان للاحداث الثورية العالمية صداها واثرها، فكان لثورة 1905 الروسية، ولثورتي 1908 في تركيا وايران في البدايات، واشتبكت عوامل عدة في فتح الصفحات الجديدة في التاريخ ولعبت العوامل الخارجية دورا كبيرا فيها.

فاذا كانت اول حركة اشتراكية في مصر قد ظهرت عام 1895 في الاسكندرية من خلال انشاء اول نقابة لعمال الاحذية، ومكونة اساسا من الارمن واليونانيين، ولم يذكر بينهم من المصريين (1) فان هذه الحركة كانت تاسيسا، ومؤشرا وشرارة لاندلاع اللهيب العمالي. وتتالت بعدها، خاصة بدايات القرن الحالي، الحركات والتنظيمات والاطارات والتجمعات العمالية لتتواصل وتؤكد نفسها.

كما سجل مصطفى كامل عام 1899 اول اتجاه للدعاية الوطنية في صفوف الشعب، سجلت الحركة العمالية في العام نفسه. اول اضراب لعمال السجاير، وقد كان عدد مؤسساتها اربعين يشتغل فيها 30 الف عامل (2).

 شارات حمراء في الروشة

ففي العام 1907 إلتأم شمل عدد من العمال في "انطلياس" وبعض عمال شركة مياه بيروت في محلة العنبية، ليحتفلوا في الاول من ايار في تظاهرة، انطلقت من بساتين الليمون باتجاه مركز شركة مياه بيروت في العنبية، وكان المشاركون فيها يرددون الاناشيد حتى اذا وصلوا الى العنبية القى بعضهم كلمات تدعو الى التضامن العمالي، وقيل انهم زرعوا شتلة في ارض العنبية ووضعوا لوحة كتب عليها شجرة الحرية (3).

في ذلك الزمن عام 1907 كانت البلدان العربية رازحة تحت السلطة الطورانية العثمانية. ولم تتشكل في بلاد الشام بعد منظمة عمالية، ولكن كان هناك شباب متنورون درسوا في اوروبا وتاثروا بالافكار الاشتراكية، وفي لبنان عام 1907، احتفلوا بالاول من ايار.

ويذكر المؤرخ يزبك اؤلئك الفرسان الشجعان، كما يسميهم، وهم خير الله خير الله (جران النبرون) ومصطفى الغلاييني (بيروت) وداود مجاعص (الشوير) وفيلكس فارس (صليما) وجرجي نقولا باز (بيروت) ورفاق لهم عرفوا بـ " الشبيبة الحرة" كما يشير الى قصة احتفالهم بالاول من ايار في محلة الروشة ببيروت. وهي مقفرة من كل مسكن على رمال الشاطيء، وبعيدة عن عيون الرقباء، وقد انشدوا الاناشيد، ووزعوا الشارات الحمراء وعلقوها على صدورهم في ذلك اليوم من عام 1907 (4).

وجرى الاحتفال الثاني باول ايار عام 1921 حيث تظاهر في بيروت بعض العمال والمثقفين في الشوارع احتفالا باول ايار. وقد اسفر الاحتفال عن مجزرة دموية. وساعد هذا الاحتفال ونهايتى على تعميق وعي الجماهير وادراكهم لقضاياهم النضالية وصراعهم مع المستعمر والمستغل لهم. وقد شهدت اعوام 1924، 1925، 1926 بداية نمو الحركة العمالية في سورية.

في عام 1923 ونتيجة لقيام الجمعيات العمالية في لبنان، عبّر العمال عن ارتباطهم الاممي بالطبقة العاملة العالمية، مرة اخرى، حيث قررت جمعية عمال الدخان في بكفيا الاحتفال بعيد اول ايار، عيد العمال العالمي. ودعت العمال ومنظماتهم النقابية للمشاركة في الاحتفال الذي جرى في احد "الاحراج" على ضفاف نهر الكلب. واشترك فيه عدد وافر من العمال. ويقال ان بعض الجنود من البحارة الفرنسيين اشتركوا في هذا الاحتفال. والقيت الخطب الحماسية. وانشدت الاناشيد العمالية الثورية التي تحيي النضال الطبقي والاممي للعمال في العالم (5).

ولاول مرة جرى الاحتفال بهذا العيد تحت اشراف حزب الشعب، الواجهة العلنية للحزب الشيوعي السري في لبنان عام 1925، وبمشاركة واسعة من قبل المنظمات العمالية. وقد اشارت لهذا الاحتفال جريدة الكومنترن،" المراسلات الاممية" حيث كتبت: " في الاول من ايار 1925 جرت تظاهرات العمال في الشوارع وعقدت الاجتماعات في البيوت ورفعت الاعلام الحمراء رمز نضال الطبقة العاملة، وفي العام نفسه امتدت احتفالات اول ايار الى بعض المدن اللبنانية مثل زحلة وضهور الشوير وغيرها" (6).

اول بيان عربي عن ايار

حاول الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تاسس عام 1919 ودخل الكومنترن عام 1924 تنظيم العمال العرب، وتشكيل نقابات مهنية توحد العمال فيها، والاهتمام بالعيد الاممي. فاصدر عام 1921 اول نداء شيوعي لاول ايار عربي، دعا فيه لاقامة الاحتفالات والمظاهرات بالمناسبة.

ودعا النداء الى مساندة ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى والعمال الروس. واكد على "ان مباديء موسكو تناديكم ان تضموا صفوفكم وتسيروا على الخطة التي سار عليها الروسيون، وتقضوا على جلاديكم والمستبدين فيكم وتنضموا الى المؤتمر الثالث الدولي الشيوعي، لان السلاح يقرقع قبل الموقعة القادمة التي تؤدي الى الحرية. وقوتنا تزداد وتنمو.. واختتم النداء: في هذا اليوم التاريخي، يوم اول مايو نناديكم ان تنضموا الى الشيوعيين الروسيين للجهاد ضد قتلة باريس ولوندرا الذين يقررون مصيرنا كأننا غير موجودين، او كأن لا سلطة لنا لتقرير مصيرنا. نناديكم للجهاد ضد الاغنياء الذين يبيعون البلاد واهاليها للاجانب. اتحدوا مع الشعب الروسي فهو يساعدكم لنيل حريتكم واستقلالكم الوطني. ان هذا العيد العام يجب ان يكون عيدكم. اتركوا العمل في هذا اليوم، واخرجوا الى الشوارع، واهتفوا تحت العلم الاحمر: فلتسقط الحراب الانكليزية والفرنسية، وليسقط اصحاب الثروات العرب والاجانب، وليحيى المؤتمر الثالث الدولي الشيوعي، ولتحيى الثورة الاجتماعية في العالم، لتحيى سلطة العمل، ولتحيى فلسطين السوفياتية" (7).

اسهمت الصحافة الوطنية والديمقراطية في الاحتفال في الاول من ايار، عيد العمال، وتابعت الاحتفالات والنشرات والخطب التي قيلت بالمناسبة، وسجلت على صفحاتها تأثر العمال والمثقفين الثوريين الذين احتفلوا بالعيد، ومجدوا اليوم، وعبروا عن نضج الحركة التحررية وتطورها الساياسي في تلك الايام، ايام البدايات الاولى للنضال العمالي، وبدايات التشكيل التنظيمي. كما اولى الكومنترن والاممية النقابية الحمراء اهتماما خاصا لذلك الامر.

وكان من اشكال هذا الاهتمام عقد المؤتمر الاول لشعوب الشرق في باكو عام 1920، حضره 3 عرب، الذي نادى بالجهاد المقدس ضد الامبريالية، ودعا الى النضال الاممي بين بروليتاريا الغرب الثورية وفلاحي الشرق وشعوبه المناضلة ضد الاسغلال والقهر العالمي.

عبرت الاممية النقابية الحمراء عن اهتمامها من خلال نفس الاستراتيجية في شعاراتها بمناسبة اول ايار كل عام، لقضايا تحرير العمال في جميع البلدان. وجاء في شعارات اول ايار عام 1926 الصادرة عن المكتب الدائم للاممية النقابية الحمراء ما يؤكد هذا الاهتمام. فقد رفعت الاممية شعارات تدعو العمال والشغيلة الى النضال ضد الفاشية، ومن اجل التقارب بين عمال سائر البلدان مع الطبقة العاملة في الاتحاد السوفييتي، والنضال من اجل تقارب عمال الغرب مع الشرق المستعبد، والنضال ضد الحرب والنضال من اجل ايجاد اممية موحدة نقابية طبقية من جميع البلدان والاجناس والقارات (8).

وجهت الاممية النقابية الحمراء العمال العرب، ودعت في 2 شباط 1924، العمال العرب في فلسطين لتاسيس نقابات لهم. ومما جاء في النداء: " ايها العمال العرب، عليكم ان تجابهوا التحالف الوثيق بين الاسمال الانكليزي _ الصهيوني والمشايخ والافندية، بالوحدة الاخوية بين العمال الثوريين في فلسطين" (9). ودعت في الكثير من نداءاتها الى الامتناع عن العمل في الاول من ايار والتظاهر والاحتفال بشعارات عمالية تدعو الى وحدة النضال، والتضامن العمالي ضد الحرب والاستثمار الراسمالي.

وقد استعرض مندوب الاقطار العربية في الاممية النقابية الحمراء الوضع النقابي في الاقطار العربية، مصر والعراق وفلسطين وسوريا سنة 1930 ووصف "البروليتاريا" العربية في هذه الاقطار بانها "بروليتاريا" زراعية على العموم، أي تعمل في الزراعة ولذلك تتاثر كثيرا بالازمة الزراعية. وقد اثرت الازمة الزراعية سنة 1929 ليس على الفلاحين فحسب، بل ايضا على العمال (10).

هذا الواقع، جعل من الاحتفال بعيد العمال العالمي، الاول من ايار، تعبيرا متقدما ترسخ كتقاليد ثوري، لم يقتصر على بعض الشرائح العمالية او المثقفين المتنورين او مناطق السواحل التي يكثر فيها عمال اجانب. او التاثر بحركات عمالية اجنبية. فقد امتد التقليد الى كل الشغيلة، العمال والفلاحين وغيرهم وكذلك الى المدن الاخرى والبلدان البعيدة عن السواحل حيث ترسخت تقاليد الاحتفال والتظاهر والانشاد له.

 

كاظم الموسوي

.........................

الهوامش:

1- السعيد، رفعت/ تاريخ الحركة الاشتراكية في مصر 1900- 1925/ دار الفارابي، بيروت 1975/ ص 171.

2- الشافعي، شهدي عطيه/ تطور الحركة الوطنية المصرية 1882- 1956/ القاهرة 1957/ ص 25.

3- يوسف خطار الحلو/ ذكرى ال81 لاول ايار اللبناني/ السفير- بيروت/ عدد 3/5/1988.

4- يزبك، يوسف ابراهيم/ حكاية اول نوار في العالم وفي لبنان/ دار الفارابي- بيروت 1974/ ص ص49- 50.

5- البراري، الياس/ تاريخ الحركة العمالية والنقابية في لبنان 1908- 1945/ ج1/ دار الفارابي 1986/ ص 111.

6- نقلا عن د. حنا عبد الله/ الحركة العمالية في سوريا ولبنان 1900- 1945/ دار دمشق 1973/ ص 383. ونشرت معظم الكتب التي تناولت تاريخ الحركة العمالية والحزب الشيوعي التفاصيل الكاملة لهذا الاحتفال.

7- نقلا عن يزبك/ مصدر سابق/ ص ص 137- 142.

8- د. حنا عبد الله/ مصدر سابق/ ص 85.

9- البراري، الياس/ مصدر سابق/ ص 111.

10- د. حنا عبد الله/ مصدر سابق/ ص 91.

 

 

كفاح محمودأثار حديث الرئيس نيجيرفان بارزاني رئيس اقليم كوردستان في قناة الشرقية نيوز مؤخرا ارتياحا كبيرا في الاوساط العربية الرسمية والشعبية عامة، وفي الاوساط العراقية بشكل خاص، وبالذات في جزئه الذي تحدث فيه عن العلاقات بين عرب العراق وبين شعب كوردستان وقياداته عبر التاريخ وتطرقه الى ان الخلافات المتراكمة اليوم بين بغداد واربيل هي خلافات عائلة واحدة، رغم ما تقترفه الجماعات الخارجة على القانون والميليشيات السائبة ومن يدعمها بالتعدي على الاقليم واشاعة الكراهية والاحقاد ضده، وما يحصل اليوم ليس غريبا ولا جديدا فمنذ تأسيس مملكة العراق مطلع القرن الماضي، حاولت كل الانظمة المتعاقبة على حكم بلاد ما بين النهرين، مملكة كانت أم جمهورية تخريب العلاقة بين العرب والكورد من خلال تلك الحروب التي كانت تشنها على كوردستان لأخماد انتفاضاتها وثوراتها، لكنها ورغم كل المأسي لم تنجح في تخديش العلاقة بين الشعبين الكوردستاني وبين عرب العراق وبقية دول العالم العربي، حيث حافظت حركة التحرر الكوردية في جميع مراحلها على الأواصر المتينة بين الكورد وبقية الشعوب العربية، بل كانت من أولويات الخطاب السياسي للانتفاضات والثورات الكوردية على مرّ التاريخ، لِما يجمع القوميتين من ثوابت ومشتركات تاريخية وجغرافية في مختلف مناحي الحياة، وحتى أيام الثورات الكوردية كانت المناطق المحررة من كوردستان دائماً ملجئاً للمعارضين والثوار العراقيين على مختلف انتماءاتهم السياسية، بل كانت ساحة لنضالهم ضد الديكتاتورية بدعم لوجستي واستراتيجي من قبل قيادة الحركة التحررية والكوردستانية.

وحينما تمتع الإقليم باستقلال ذاتي إثر انتفاضة آذار 1991م وإعلان الفيدرالية كأول قانون يصدره البرلمان الكوردستاني في أواسط 1992م، تحول الإقليم إلى ساحة لنضال كل العراقيين من مختلف مشاربهم السياسية، حيث فتحوا فيه مقراتهم ومكاتبهم وكل ما يتعلق بنشاطهم السياسي والاجتماعي والثقافي والإعلامي، وقد تمتع إقليم كوردستان منذ ذلك الحين بعلاقات طيبة مع الدول المجاورة له، خاصة مع كل من إيران وتركيا وسوريا، والتي تميزت بعلاقات إيجابية وتعاون في كل المجلات نتيجة لنجاح الدبلوماسية الكوردستانية التي قادها الرئيس مسعود بارزاني منذ الأيام الأولى لاستقلال الإقليم عن نظام بغداد، و انبثاق أول برلمان كوردستاني مهد الطريق لتشكيل حكومة ائتلافية هي الأولى من نوعها في التاريخ الكوردي المعاصر بعد حكومة القاضي محمد في جمهورية كوردستان عام 1946م.

وبعد أن أسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين وأسست النظام السياسي الجديد إثر اعتماد دستور دائم للبلاد، الدستور الذي أقرّ واعترف بفيدرالية كوردستان وكيانها السياسي ومؤسساته التشريعية والتنفيذية والقضائية، قاد الرئيس مسعود بارزاني وفريقه منذ 2006 عملية بناء علاقات دبلوماسية رصينة مع المحيط العربي بشكل خاص، حيث تم إرساء قواعد متينة للعلاقات الكوردستانية العربية وعلى مختلف الأصعدة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية، من خلال زيارات رسمية لكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والأردن وليبيا وجمهورية مصر العربية، والتي أدت إلى تمتين العلاقة وفتح ممثليات وقنصليات لها في عاصمة الإقليم وبداية انفتاح كوردستاني واسع على المحيط العربي الذي طالما فعل الإعلام الأسود فعلته في تشويه تطلعات الإقليم الكوردستاني وشعبه نحو الحرية والتقدم وعلاقته التاريخية بالعرب شعوباً وفعاليات سياسية عبر موروث كبير من الإيجابية والعلاقة المتميزة بين الشعبين المتداخلين جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً، رغم ما فعلته أنظمة مستبدة تفوح منها رائحة الشوفينية والعنصرية المقيتة وإعلامها الأسود طيلة نصف قرن من حروب مدمرة للبلاد والعباد، وتشويه متعمد لقضية شعب شقيق له تاريخ طويل معفر بقوافل الشهداء من أجل قضايا العرب ونضالاتهم عبر العصور منذ تشاركوا في الأرض والمصير.

إن ما يجري اليوم من بعض المجموعات المتطرفة في اشاعة الكراهية ضد الكورد باستخدام الوتر الطائفي تارة والوتر القومي تارة اخرى سيصطدم بجدار صلب من العلاقة التاريخية بين العرب والكورد سبق لأعتى الدكتاتوريات أن فشلت في اختراقه، هذه المجموعات الميليشياوية تعمل منذ سنوات وتطمح أن تحيل الخلافات السياسية بين الاقليم والحكومة الاتحادية الى فتنة قومية او طائفية مقيتة، من خلال العمليات الارهابية التي تقترفها ضد الاقليم، وقراءة سريعة للتضامن العربي والعالمي مع كوردستان بعد قصف مطارها من قبل ميليشيات ارهابية دليل على صلابة هذا الجدار وقوة الاقليم وسمعته ومكانته عربيا وعالميا، ومتانة الاواصر بين كوردستان والعرب سواء في العراق او بقية الدول العربية الاخرى.

 

كفاح محمود كريم

 

 

الحسين بوخرطةمنذ أن حصلت الدول العربية والمغاربية على استقلالها، وشعوب المنطقة، أفرادا وجماعات، لا تمل ولا تكل من الحديث عن الديمقراطية التنموية ومدنية الدولة، وهي تبوء بفشلها أمام وجود ذكاء مؤسس يوطد ويرصص، بوثيرة متصاعدة، لبنات الفساد النسقي في بلدانها، خانقا وعازلا كل آليات التغيير، مكرسة ما يسمى بديمقراطية صناديق الاقتراح المتنافرة مع التنمية. إن قوة توسيع قاعدة حراس هذه الأنظمة، حول أمل إحداث التحولات الإيجابية إلى بابية، يتوه المتتبع في وصفها، ليستلم لنوبات تصليب تفكيره الذهني، ليجد نفسه آبقا رغما عنه من الشعور بالتوقان في المشاركة في عمل بناء لوطنه. يتصارع ضميره مع الواقع، مرددا في كل لحظات يومياته صدى عبارة "أعزاء باتوا أذلاء". إنها العبارة القاسية صعبة التحمل. يحس المرء الوطني وكأنه أعزلا ومنكمشا وشبيها بمن يبترد في فصل الشتاء القارص بسبب عوزه وافتقاره لوسائل تسخين مياه الاغتسال. بتأزمه النفسي المتكرر، تنتابه أحلام مزعجة، توهمه وكأن الأرض توأدت عليه. تتواءم عليه طوابير الكوابيس ليختلط عليه الحابل بالنابل. يعيش الفرد حاتن الأيام، يخيب أمله وسعيه، يجد نفسه مضطرا لمخابرة محيطه معبرا عن ابتآس الروح الجماعية. كل فرد في ابتحاثه لموضع مؤقت للراحة النفسية، يجد نفسه وكأنه محاطا بأسواط يبتدونه من كل ناحية، لتبتدر عيناه خارج إرادته. إنها الصورة القاتمة والمخيفة التي لا يجب السماح لها بالتحول إلى خابط خابل لا ينتج إلا الخابنين الخاتين لأحلام الأمل في غد أفضل.

وأمام هذا الانشغال المؤرق، يبقى هذا المبتغى المجتمعي صعب المنال. فتجنب الخيبة المزمنة التي تدأل الكينونة دألا محبطا ليس بالأمر الهين. الصعوبة تتجلى في كون هذا الهدف يتطلب توافقا سياسيا واضحا وقويا ودائما، يتوج بالسرعة المطلوبة بإنتاج مقاومة شعبية حقيقية لدحض كل المطامع الرامية إلى قطع دابر كل أشكال التفكير العقلاني لإحلال التفاهة. التاريخ لا يرحم لأن الأمل في تحقيق داج من العيش مجتمعيا ليس بالحلم بل من المكبوتات التي لا تطيق السماح بحدوث الإفراط في تراكمها. الكل يعي اليوم تمام الوعي العواصف المفتعلة لتقوية فعل الإشاعة والوشاية كدابوق لتحويل المروءة إلى دياثة داثرة. لقد باتت اليوم العناية بجودة الخطابات المؤسساتية والبرامج الانتخابية ووقعها التنموي رهانا لتفادي ذوبان المكون الحزبي. وهذا لن يتأتى إلا بتسخير العزائم لتأهيل المنطق السياسي، وتقوية مناعته ضد التعليمات المنبعثة من هنا وهناك. كل المؤشرات تحذر اليوم من خطورة دح الجماهير في هوامش فضاءات التنافس على الماديات، وتعمد عدم إشراكها في الفعل التنموي الجاد.

إن الاعتراف بحساسية الأوضاع في هذا الوقت بالذات لا يمكن نعته إلا بالفضيلة. وغض الطرف على ما تتعرض له أغلب الشعارات المأمولة من ابتذال لا يمكن تصنيفه إلا في خانة اللامسؤولية. إن الضربة القوية التي تلقتها الأذواق المتلهفة لتثبيت العقلانية والموضوعية في الخطابات في السياسة والثقافة والاقتصاد، وما يترتب عنها من إجراءات تفعيلية، ذاءرت النخب الطامعة في غذ أفضل. وبذلك، لم يعد للعديد من الأوطان القدرة على تنمية حوافز الاهتمام بصيرورة التحولات المفصلية. لقد أصبح شيوع تشبيهها في هذه المحطة التاريخية بأوراق الأشجار الذابلة التي ينثر الخريف أوراقها فزاعة تثير الذعر في النفوس. تجبرت ذات الشفة (الكلمة) البسيطة وحققت الغزوات في أقساط شاسعة من الفضاءات الوطنية، ليغادرها ذات الصدر (الفكر)، ليتاح الاحتكام في استحقاقات الانتقاء والتمثيلية إلى المال والزبونية القبلية والعقائدية. لم يعد من يعارض جرأة الغالبية في نعت قواعد اللعب المتحكمة في المسارات الجديدة بالآلية المنبوذة والعقيمة. ربضت المجالات الترابية وعجزت عن معالي الأمور جراء استفحال آفة استغلال الأوضاع السياسية والثقافية والحقوقية السائدة لنسف عوامل ومصادر تشكل شرعية قيادات التغيير الجديدة في مهدها. غاب رواد الكلام الموزون والحكيم في الخطاب ليحل محلهم من لا يهدأ له بال إلا بعدما أن يتيقن من أنه زاج بين النخب، وتمكن من أن يدلوا بدلوه في تفييء اللحمات المجتمعية (فرق تسد). إنه التفييئ الذي ألحق الضرر المزمن بالروح القومية والجماعية، وأصبح زاجر الفرد متأزما للغاية أمام تساكن وتلازم ثنائية تتغذى من الفساد والزبونية، جاعلة من "الابتزاز" آلية للمطالبة بالمقابل أي "الاستجابة المادية"، المصحوبة بتراكم مصادر المشروعية السياسية والتجدر الترابي على أساس الخوف والاستبداد وارتباط الولاء القبلي والعقائدي بالغنيمة.

والحالة هاته، فتفشي هذا المنطق، واعتماد قواعده الجهنمية بين الفاعلين المبتلسين في الدول والمجتمعات، فرض على النخب منطقا جارفا. إن التعسف في تحويل الديمقراطية إلى آلية للتوسيع المستمر للقاعدة الديمغرافية لمعسكر الخاصة، أي الموالين ومروجي الرسائل المسترسلة المعبرة عن ارتباط ممارسة السياسة بالمصلحة الذاتية، زاح المعنى عن الفعل السياسي لتزاحف التفاهة العقول. لقد غادرت الآذان عباراتي "طاب العيش"  و"طابت الأرض"، وغاب التضامن، وأصبح العربي كالمقيد الذي يطابق في سيره على تراب كاب. الرائج أن إبداع رجال المستويات الأدنى من الأجهزة المتحكمة في بلورة الخطط الجهنمية، أصبحت قاعدة جذابة. أساسها هو اغتنام حساسية التطورات الوطنية والإقليمية والكونية، لمطالبة المستويات الأعلى بالمزيد، وترديد عبارة "عدم كفاية النصيب المادي المخصص لهم". أما أطراف أخرى فتجدهما مجندة من حين لآخر للتنديد باستيلاء فئة معينة، المدعمة باللوبي القوي، من الجزء الأكبر من "الجبنة" السياسية الكبيرة. يذاع هذا المنطق في سياق لا ينكر في العمق مساهمة الشرفاء في إنتاج الخيرات، سواء كانوا في صفوف الأغلبية أو المعارضة أو في صفوف ذوي النيات الحسنة الذين يكابدون الليل وأهواله ومشاقه وشدائده. إنه الواقع المهووس بتراكم الثروات الريعية، بسلطه التقديرية التي لا يتوارث روادها المجد كابرا عن كابر. منهم من يستنير من الأعلى، ومنهم من يكابل كابر قومه، ويرصد الكوابل في طريق الصالحين، ويمائر بينهم بالاحتكام عمدا إلى خيار تدبير التحكم الظرفي في نيوءة العقول، والحرص على تحقيق الاستمرارية الأمنية والآمنة في المواقع المدرة للدخل الريعي، والتمييز في توزيعه على أساس الزبونية السياسية الضامنة للسيطرة ولو بنسبة مشاركة انتخابية ضعيفة.

لقد ساد في الهرم الديمغرافي للسياسيين النبهاء نوع من التفاعل، بحيث كلما توافدت على قاعدته نخب جديدة، وبأعداد كبيرة، بفعل الإغراءات أو الموالات أو الولاءات، كلما سمح لعدد من قدماء هذه القاعدة بالصعود إلى الدرجة العليا بمقياس "الدرابة" في لعب الأدوار السياسية المرخصة، وهكذا ودواليك. لقد ساد هذا المنطق في مصر عهد حسني مبارك، وأدى جشع الخاصة إلى تقليص القاعدة الديمغرافية للموالين (المستفيدين)، الشيء الذي ترتب عنه تفاقم حدوث الانشقاقات فيما بينهم، ليركب تيار الإخوان المسلمين على أمواج الاضطرابات الشعبية، والمرور من منطق "النصيب" عبر المشاركة والمسايرة إلى منطق الاحتكار. لقد منح الشعب القيادة للرئيس مرسي، لكن رخصة السياقة التي كان يتوفر عليها كانت من النوع القديم، النوع الذي لم يمكنه من تحقيق السرعة المطلوبة في الانطلاقة والانقضاض على مفاصل الدولة واختراق الجيش الوطني. لم تسعفه معارفه في القيادة على التأقلم مع المنعرجات الداخلية والخارجية. نفس الظروف تقريبا عرفها نظام بنعلي التونسي، الذي أثرت عليه سلبا عائلة طرابلسي، لتجد عبارة رئيس الدولة "فهمتكم" الآذان الصماء. أما وضعيات الدول الرئاسية، كالعراق وسوريا واليمن، فقد أدت ثمن "الإفراط في العسكرة" وتصلب مرجعيتها الإيديولوجية وانقيادها للشرق الستاليني. إنها التبعية التي امتزجت بعدم القدرة على التكيف والتأقلم مع التحولات الكونية زمن العولمة (عهد النظام العالمي الجديد الذي أوصل العالم إلى مرحلة الإشباع والأزمات).

فعلا عاش العالم تطورات عميقة أفضت إلى نوع من الارتجال والتخبط الذي سهل تارة سقوط الأنظمة السائدة، وتارة أخرى تحويل تراب بلدانها إلى فضاء لصراع القوى الدولية حول المصالح، والسعي للرفع من دفق الثروات المختلفة والمتنوعة من هذه المنطقة الغنية طاقيا إلى العالم الغربي المتقدم بشقيه الأوروبي والأمريكي والأسيوي.

إن ما يعرف اليوم بالربيع العربي لا يمكن فصله عن المشروع العالمي لبناء عالم عربي جديد، محاصر بقوتين صاعدتين إسلاميتين، لهما ارتباط بصراع الحضارات التاريخية، الأولى شيعية والثانية سنية، وهما إيران وتركيا. إن التفاعلات العنيفة مكنت ظرفيا من إعطاء الانطلاقة لتشكيل محور صاعد، لكنه متذبذب ومضطرب بسبب تحوله إلى بؤرة للصراع الدولي عقب إعلانات متكررة لموالاته لروسيا والصين الشعبية (محور إيران وسوريا وحزب الله اللبناني وجزء من العراق واليمن، الذي توسع بترددات وتنطعات تركيا الأردغانية). في نفس الوقت، نتيجة لمحاولات إحياء المقومات السياسية للأنظمة القديمة، وصمود نزعات الانقلاب على تراكمات الربيع العربي في كل من الجزائر ومصر واليمن وتونس (نسبيا)، برزت الحاجة إلى البحث عن مكتسبات وتراكمات جديدة لربط الديمقراطية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية في كل من المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي العربي.

وختاما أقول، إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي تبحث عن توافقات سياسية فيما بينها لمواجهة التحديات المستقبلية، وبروز مؤشرات تفاؤل بتصالح الجيران (رجوع قطر بعدما تم اتهامها بدعمها الاستراتيجي للتيارات الإسلامية المحسوبة على صف الإخوان المسلمين ونزوعاتهم العالمية)، وطبيعة البيان الختامي الأخير الذي دعم صراحة حق المغرب في الحسم النهائي لقضية وحدته الترابية، والدفاع عن حق الشعب اللبناني ونظامه السياسي في المضي في طريق تضمن له الاستقرار والاستقلالية، فإن المغرب يبحث، من خلال الاقتراب من المصادقة على نموذجه التنموي الجديد، عن ابتكار مقومات وركائز بديلة للمرور إلى مرحلة متقدمة في مجالي اللامركزية السياسية واللاتركيز الإداري وتعميم التجريد المادي للتدبير الإداري، وبالتالي السعي لتحقيق التكامل والمصالحة الواضحة بين الديمقراطية والتنمية بفتح المجال على مصراعيه للكفاءات الإدارية والسياسية لقيادة التغيير. إن الاتفاق على ضمانات واضحة لتقوية اتحاد دول المجلس الخليجي، وامتداد تفاعلاته التنموية إلى المغرب الأقصى، يمكن أن يشكلا دعامتين لانطلاق مشروع جديد للتعاون العربي من الخليج إلى المحيط، على أساس القطرية والتكتل الاقتصادي.

إن تعبيد الطريق أمام الديمقراطية التنموية لتقوية الوطنية والثقة السياسية، وتلاحم الشعوب بأنظمتها، أصبح اليوم لا يطيق الخطط الجهنمية، التي تتخذ من الفساد والإفساد والريع، بشقيه الكبير والصغير، آليات لربح الوقت، واستمرار الأنظمة بمؤسسات لا تحسن إلا الزيادة من حدة صراعات التيارات السياسية فيما بينها داخليا. إن المواقع والكراسي المؤسساتية تحتاج إلى الأجدر معرفيا وسياسيا، والصراع القاتل لا فائدة من وراءه، ومطالب الشعوب ترتفع هنا وهناك، وبمستويات متفاوتة، وترتفع حدة الاحتجاجات لتحويل المشاهد السياسية إلى فضاءات للمنافسة بالبرامج والقدرات التنفيذية والتشريعة والقضائية.

 

الحسين بوخرطة

 

صلاح حزاممَثَل امريكي وواقعي جداً في كل الحياة ، يقول: لا يوجد غداء مجاني

"There is no free lunch”

يقال حتى الأم والأب عندما يُقَدّمان الرعاية لاطفالهما، فأنما ذلك للحصول على اشباع لنزعة الأمومة والأبوّة . كذلك للحصول على اشباع للحاجة الى عائلة ومجتمع صغير وأنتماء وضمان مستقبلي عند الشيخوخة (الكوريون يستثمرون كل مالديهم في تعليم ابناءهم لانهم بوليصة التأمين عند الشيخوخة ، بحيث اصبح تعليم الاولاد اولوية يفرضها الدين كشكل من أشكال العبادة).

يمكن ان نتصور كيف يمكن ان تكون طقوس العبادة الدينية وسيلة تؤدي الى تقدم المجتمع وليس تحطيمه !!

لنقارن ذلك بسياسة المتطرفين الاسلاميين التي تُحرّم تعليم البنات خصوصاً.

البهائيون وهم طائفة اسلامية في الأصل انشقت وأسس زعيمها بهاء الله،

نسخة منقّحة من الاسلام . حضرتُ في معبدهم في ضواحي نيودلهي المسمى معبد اللوتس (لانه على شكل زهرة اللوتس) واستمعتُ الى محاضرة القاها احد اساتذتهم ، قال فيها ان ديانتهم تمنح الاولوية لتعليم البنات على الاولاد الذكور بحيث ان الوالد اذا كان يستطيع الإنفاق لتعليم طفل واحد، فعليه تعليم البنت لانها سوف تربي جيلاً جديداً ويجب ان تكون واعية لضمان حسن التربية !! حصلتُ على عدد من منشوراتهم وادبياتهم وجازفتُ بإدخالها للعراق لان تلك الطائفة محضورة وعقوبة الانتماء لها هي الاعدام.

كانت ادبياتهم تتحدث بنفس المعنى.

بغض النظر عن رأينا كمسلمين في هذه الطائفة لكن بعض افكارهم يستحق التأمل.

اقول مرة أخرى، لا شيء مجاناً ابداً .. الله سبحانه وتعالى وضع جوائز (عوائد) مختلفة للمؤمنين الصالحين وتختلف في النوع حسب درجة الأيمان، ووضع عقوبات للمخالفين (تكاليف).

عندما نتذمر من سيطرة قوى معينة على مقاليد العالم ، نحتاج ان نعرف ان تلك الهيمنة لم تكن بدون مقابل .

الولايات المتحدة تهيمن على الامم المتحدة ومجلس الأمن ومعظم منظمات الامم المتحدة لأنها تساهم في نسب كبيرة من ميزانياتها (تساهم ب ٤٠٪؜ من ميزانية الأمم المتحدة).

وتساهم بنسب كبيرة في ميزانيات اليونسكو والصحة العالمية وبرنامج الغذاء الخ ..).

تساهم بمعظم ميزانية حلف الناتو وتتحمل تكاليف معظم قواعدها في العالم..

الولايات المتحدة وضعت وتُدير نظام الملاحة الجوية في العالم الذي تستخدمه منظمة أياتا والذي يُتيح تنسيق عمليات الطيران في العالم . اوربا مجتمعةً تحاول وضع نظامها المستقل للملاحة الجوية لكنها لم تنجح لحد الآن (اعتقد ان اسم النظام المقترح هو ماجلان).

لاتقلع طائرة مدنية او عسكرية في العالم بدون أحاطة النظام علماً تحاشياً للاصطدام الجوي!!

جمال عبد الناصر قام بمغامرة كبيرة عندما ذهب ذات مرة بطائرة عسكرية لزيارة موسكو بدون إعلام النظام العالمي للملاحة خوفاً من اغتياله عن طريق اسقاط طائرته، وعاد بطائرة سوفيتية..

نظام الشبكة العالمية والانترنت، تصميم امريكي وهيمنة امريكية لأن المراكز العصبية للنظام في امريكا .لذلك تستطيع الولايات المتحدة مراقبة والتجسس على كل الاتصالات وكل الرسائل المتبادلة. الصين وروسيا وضعا لنفسيهما نظم وطنية تُستخدَم داخل كل منهما لحماية تبادل المعلومات داخل الوطن فقط. اما الاتصالات مع العالم فهي تخضع للمراقبة الامريكية!!

من الناحية التاريخية، وفي الحرب العالمية الثانية، لولا دخول الولايات المتحدة الحرب لما أمكن للحلفاء الفوز مطلقاً. اوربا مدمرة ومُحتلَّة وبريطانية على وشك السقوط. المَدَد الامريكي الهائل في الرجال والسلاح والتموين، قلب الموازين على هتلر الذي كان يخشى من ذلك التدخل.

مكسب الولايات المتحدة كان الهيمنة على اوربا لحد الآن، بسبب حمايتها من النازية اولاً ومن الزحف الشيوعي ثانياً ولأنها اعادت بناء اوربا من خلال مشروع مارشال..

ليس ذلك لانها ساذجة بل لكي تجعل هيمنتها مبررة وأمر واقع ومعترف به وتستطيع ممارسة تلك الهيمنة بصيغ مختلفة.

تحدثتُ في مناسبة سابقة عن معنى الحق والقوة، واستنتجتُ ان القوة هي الحق في الحياة (انت الاقوى، اذن انتَ على حق)..

لا قيمة لكونك تمتلك قيم عظيمة او تاريخ مجيد على صعيد الصراع الدولي من أجل المصالح .. العالم يتصارع من اجل المصالح وليس من أجل الدفاع عن قيم ومفاهيم نبيلة.

من يعتقد انه على حق وانه يمتلك قيماً سامية او تاريخاً عظيماً او ان اجداده كان لهم فضل على الانسانية، لكنه ضعيف حالياً، فأنه سوف يستمر بالشعور انه صاحب الحق فقط وجدانياً ومشاعرياً ويتحسر وينتحب على ماضيه الجميل.

 

د. صلاح حزام