عبد الخالق الفلاحتكمن في إحدى أهم ميزات برنامج العمل اللائق في أن يسمح بوضع بدائل للطوارئ على امتداد مراحل الانتقال المتعددة في عالم العمل و يدرك القادة المسؤولون الناجحون حقًا أنّ قوّة قيادتهم تكمن في قدرتهم على التكيّف السريع مع المتغيرات من حولهم، ومعرفة الوقت المناسب للاستفادة من الفرص السانحة أمامهم. كما أنّهم لا يمانعون ولا يتكبّرون على فرص التعلّم، بل يسعون على الدوام لاكتساب مهارات ومعارف جديدة، التي تفضي إلى زيادة مستويات الفعالية والابتكار، بالانتقال من وظيفة الى وظيفة اخرى، من الزراعة إلى التصنيع والخدمات مثلاً، ومن خلال مختلف مراحل الحياة، من الطفولة إلى الشباب، ومن المدرسة إلى العمل، ومن العمل إلى كبار السن وإذ يتحول الاقتصاد نفسه إلى نظم إنتاج منخفضة الخسائر البيئة و يمكن أن يساعد اي برنامج لعمل لائق وحوار اجتماعي في اختيار طرق لتكييف الإنتاج وأنماط الاستخدام، وامان العمل واستخدام اي نوعية لدينامية برنامج العمل الأفضل واستخدام آليات بناء للمستقبل، يمكن الاشارة الى ان مفهوم المسؤولية تعتمد على مجموعة من المهام والواجبات التي تعهد الفرد للقيام بأدائها والالتزام هو أساس المسؤولية. وهو مصدر المسؤولية، وهو الالتزام الصريح أو الضمني للفرد بأداء عمل معين. وينشأ هذا الالتزام نتيجة شغل الفرد لمركز وظيفي في التنظيم و يعتبر تعين الفرد في مركز معين بالتنظيم قبولا بالمسؤولية التي تفرض عليه واجبات محددة قبل رئيسية، وهناك ارتباط دقيق بين السلطة والمسؤولية، فلكي يقوم المدير بالواجبات والمهام المطلوبة منه وتجعله مسؤول أمام رئيسة عن سلامة الأداء، لابد من إعطاء المسؤول الأول السلطة الكافية، كثيرا ما يقال أن الموظف الفلاني مسؤول عن الواجبات والمهام المناطة الفلانية أي أنه ملزم بأداء هذه المهام والواجبات و إن المسؤولية هي التزام الفرد بتأدية الوظائف والواجبات المعينة له بطريقة سليمة وبأقصى قدراته وطبقا لتوجيهات الأعلى الذي يتولى مسائلته و بأن الالتزام هو أساس المسؤولية، ومن أجل معالجة المشاكل بشكل فعال، من ِّ الضروري العمل في اتجاهين على الاقل يكمل بعضهما البعض والاتجاه الاول هو تشريع القوانين الإدارية التي تهدف إلى خلق بيئة قانونية تمكينية لتحقيق توزيــع أكثر عقلانية للمسؤوليات على مستويات متعددة، مع الحفاظ على إمكانية المسائلة،اما الاتجاه الثاني هو تشجيع المناقشات المستنيرة والتدريب المستمر بهدف إحداث تغيير في الثقافة السياسية-و الادارية السائدة التي تمثل عالة وربما يكون هذا هو التحدي الأهم.

هناك مجموعة محددة من المهام والواجبات التي عهدت للمرؤوس ويتوقع أن يبذل أقصى جهد وقدر لإنجازها وتحقيق النتائج المرجوة من هذه المهام وبموافقة المرؤوس على ذلك فإنه يلتزم ويتعهد ببذل أقصى قدراته للقيام بهذه الواجبات، ويستند هذا المدلول إلى حقيقة أن الفرد حينما يلتحق بوظيفة معينة في مكان ما فإنه يقبل ويوافق على الالتزام والتعهد بأداء مسؤوليات وواجبات وظيفية باعتبار أن ذلك جزء من العلاقة التعاقدية التي ترتبط بالجهة المعنية وذلك مقابل ما تمنحه تلك الجهة من مكافآت وحوافز ومزايا وعندما يكون المتوقع من الموظف العام هو السلبية وعدم التحرك دون تعليمات محددة، فإنه يفقد الحافز وفي النهاية يصبح عقبة أمام تطوير المهنية في نظام الخدمة المدنية، ويعرقل بشكل خاص تنمية مخزون ثري من مدراء الخدمة العامة الذين يتمتعون بالمهنية والشرعية لهذا لا يمكن الإنكار بأن إعداد برامج العمل تساهم في الإنجازات المهمة والمؤثرة في تطوير الأنظمة وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين مثل تطوير الخدمات العدلية والارتقاء بالرعاية الصحية وتحسين المشهد الحضري، وتطوير البنية التحتية، وتسهيل ممارسة الأعمال، والتوسع في التحول الرقمي والحلول التقنية، إلى جانب تنظيم سوق العمل، وتمكين المرأة وزيادة مشاركتها في القوى العاملة، فضلاً عن تنمية القطاع غير الربحي، وتطوير القطاع السياحي.

يمكن على تطوير البنية اللازمة لتعزيز التنمية المجتمعية وضمان استدامة الموارد الحيوية وتحقيق التميز في الأداء الحكومي ودعم التحول الرقمي وزيادة جاذبية سوق العمل، وذلك لتهيئة البيئة الممكنة للقطاع العام والخاص وغير النفعي لتحقيق رؤية المستقبل القادم ويستكمل في تحقيق طموحات كل ما في برنامج ريادة الشركات الوطنية وبرنامج الشراكات الاستراتيجية من خلال المساهمة في تنمية القطاع الخاص وتطوير الشراكات الاقتصادية، ونقل عدد من الأبعاد الاستراتيجية الموجودة إلى برامج جديدة أكثر تطوراً.

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

تواجه أطروحات الإسلام السياسي الشيعي اليوم، تحدّيا كبير من قبل شارعها ذاته.. فهي بين المقبولية والرفض، فلم يعد خافياً على أحد حجم التناقضات والتخبّطات، التي بلورت حقيقة وواقع العمل الإسلامي الحزبي في العراق، كما لم تعد مجرّد الشعارات المجرّدة التي يرفعونها كافية لتغطية عورة الفساد والتخلف والمحسوبية، التي أضحت العنوان الأبرز للمرحلة الراهنة، من تاريخ العراق السياسي، في ظلّ حشد هائل من قيادات إسلامية، لا تفقه سوى لغة الطائفية والتفرقة، وتشتيت كل طموحات الوحدة الوطنية الخالصة.

الملفت للنظر أن الأحزاب الإسلامية غير قادرة، على إيجاد خطاب يتناغم مع الواقع، ووضع أساليب التعامل مع الخصوم ومع الجماهير، وهو ما يحتاجونه فعلا بعد سقوط الأقنعة ووضوح الأهداف المخفية، التي كانت تغطي وتجمّل الواقع المتردّي لمعظم هذه الأحزاب.

هذه الازدواجية التي يتعامل بها بعض الإسلاميين، لا توحي إلا بتشابه خطير بين طريقة تفكيرهم وطريقة تفكير كل المتسلطين المتحجرين، والمنتفعين في زمن النظام البائد..

في الوقت الذي يحملون الإسلام كهوية، حول قرار غلق النوادي الليلية، بينما تراهم لا يحركون ساكناَ على الفساد المهول والذي ارتكبه وزراء وبرلمانيون(من أنفسهم)ويغضون النظر عن حجم الفشل في تقديم الخدمات الأساسية، كالكهرباء والماء وغيرها، وصمتهم إزاء الدم العراقي المباح، الذي صار ارخص من كل صفقاتهم وسلتهم الواحدة بقراراتها، فهؤلاء اخذوا يتمادون في الضحك على ذقون الشعب، والذي أصبح بنظرهم، أداة اختبار لتجاربهم الفاشلة.

التظاهرات التي بينت رفضاً للمشروع الإسلامي، بغض النظر عن الهدف والغاية إلا أن المستغرب في هذه التظاهرات انه تم رفع شعار كلا للإسلام السياسي! ارحلوا ؟.. وهذه المرة الأولى التي يرفع فيها هذا الشعار، منذ سقوط الطاغية المقبور، ومجيء العملية السياسية والمشروع الديمقراطي الحديث، وهي ضربه قوية للإسلاميين بصوره عامة، وللحزب الإسلامي الحاكم في العراق، إذ أنها عكست بصوره واضحة، أن الأحزاب الإسلامية فشلت فعلاً ذريعاً في الحكم وهذا ما جعلها تتراجع، بل وربما تسقط أمام تيارات أخرى ناضجة، مثل الليبرالية او العلمانية.

لقد أظهروا تكالبا منقطع النظير على السلطة ومغانمها، وحبا مفرطا بكراسي الحكم، واستغراقا في ملذاتهم، حتى أن من يراقبهم لا يجد فرقا كثيرا بينهم وبين أولئك الذين كانوا يصفونهم بالعلمانيين..

كما لا فرق بينهم وبين القيادات والمسؤولين، في باقي دول المنطقة في وقت كنا نأمل منهم، أن يكونوا بناة لتجربة ديمقراطية إسلامية في الحكم، تشع بنورها على العالم كله، وبدون مبالغة لو قلنا أن بعضهم لو ثنيت له الوسادة، لكان فرعونا أو هامانا أو قارونا جديدا..

لم يقتصر الأمر على ما تقدم، بل إن اغلب القوى الإسلامية العراقية، لم تستطع خلق ثورة فكرية ونفسية وأخلاقية، لدى كوادرها والمنتمين إليها والمحسوبين عليها، من المسؤولين الذين غرقوا في وحل الفساد المالي والإداري، ، بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ، الدول قديما او حديثاً..

لقد تحول فرح العراقيين إلى إحباط وتلاشى أملهم، وأنعكس فشل القوى الإسلامية على الإسلام كدين ونظام حكم، ولو أجري إحصاء محايد ونزيه ودقيق، لنسبة الراغبين بالحكم الإسلامي من العراقيين، لاكتشفنا حقيقة مذهلة هي تراجع هذه النسبة عام ٢٠١٠ عن مستواها عام ٢٠٠٣، ويتحمل مسؤولية ذلك الإسلاميون الذين تولوا المسؤولية بعد ٢٠٠٣، وفشلوا في بناء تجربة ناجحة لدولة إسلامية، تحترم حقوق وحريات الناس وتحفظ كرامتهم، ويجعلها تتميز عن تجارب المنطقة العربية الإقليمية، بديمقراطيتها وعنفوانها وإشعاعها الديمقراطي..

لذا ليس غريبا أن يسمع الإسلاميون العراقيون، تلك الأصوات المنبعثة من رحم المعاناة، والتي تتهمهم بعضا أو كلا بالعمالة أو الدكتاتورية، أو الضعف أو الفساد أو النفاق، أو ما شابه من نعوت لم نكن نتوقع أن نسمعها تقال يوما ما، بحق أناس يحملون الهوية الإسلامية..

كما ليس غريبا أن تجد بين العراقيين من يطالب بالعودة للدكتاتورية، ويدعو إلى دكتاتور جديد يحكم العراق، لان الإنسان عندما يسقط من القمة يستمر بالانحدار إلى الأسفل، لان هذه التجربة السلبية للقوى الإسلامية في العراق تحتاج إلى وقفة طويلة وتحليل دقيق، لتحديد سبل تجاوزها بشخوص جديدة، وخطاب إسلامي قادر على خلق ثورة فكر وسلوك، لدى من يعمل ويتحرك ضمن إطار هذه القوى، حتى يكون قدوة حقيقية للناس، في حفظ الأمانة والرحمة بالرعية والنهوض بالمسؤولية، وتحقيق العدل السياسي والعدالة الاجتماعية .

 

محمد حسن الساعدي

 

محمد المحسنكي تترسخ الدولة التونسية؟

قد لا يحيد القول عن جادة الصواب إذا قلت انّ شرارة «الحركات الثورية العربية» اندلعت من أرض تونس المنتفضة على الظلم والظلام ذات شتاء قاتم من سنة 2010 .

واليوم، بعد عشر سنوات ونيف على انطلاق مخاض التحولات، تصمد التجربة التونسية في الإنتقال السياسي، وتبقى خارج دائرة الفوضى التدميرية التي امتدت من ليبيا إلى سوريا..

ولكن

يبدو أن تفاقم الأزمة الإقتصادية وقلة الدعم الدولي واحتدام الجدل السياســـــي والأيديولوجي، وضع البلاد أمام منعطف دقيق يستلزم ورشة إنقاذ داخلية واهتماما دوليا لا يقتصر على مكافحة الإرهاب.فقضايا ومطالب التونسيين في هذا الظرف الدقيق والحاسم الذي تمرّ به البلاد، باتت أهم من الصراعات الشخصية والمناورات الحزبية والمحاصصات السياسية التي لا طائل من ورائها سوى تغليب الفتق على الرتق والزج بالبلاد والعباد في متاهات مبهمة ومعقّدة من الصعوبة بمكان التخلّص من عقالها والنأي بأنفسنا عن تداعياتها الدراماتيكية في المدى المنظور..

وبغض النظر عن المنطق الحسابي، ورهانات الربح والخسارة، لا يزال المشهد السياسي في تونس يفتقر إلى الإستقرار بصورة نهائية، بالنظر إلى حالة التشتت الحزبي وغياب القواعد الثابتة للأحزاب، مما سيفضي مستقبلاً -في تقديري-إلى تجمع القوى المتقاربة، إذا أزمعت تأكيد حضورها السياسي.

ومن هنا يتوجب التذكير بتغليب الديمقراطية التوافقية ودور النقابات والمرأة والمجتمع المدني إبان المرحلة الحرجة في 2013، إذ أن إسقاط منطق العنف السياسي لم يستند قط إلى تلاقي الإرادات، بل أيضا إلى إرث تونس الفكري والقانوني والسياسي من ابن خلدون إلى الطاهر الحداد والحبيب بورقيبة، وكذلك بسبب الأولوية الدولية للحرب ضد الإرهاب وخشية سقوط تونس في المحظور، مما يزيد من اشتعال اللهيب الليبي ويهدد بتواصل الإرهابيين من الجبل الأخضر في ليبيا، إلى معاقل الجهاديين في الجزائر والساحل.

ما أريد أن أقول؟

أردت القول انّ دروس الماضي والحاضر تؤكّد أهمية اليقظة الداخلية والتشديد على منع استخدام العنف والتمسك بالوحدة الوطنية كي تترسخ الدولة التونسية وتتطور باتجاه تمثيل أفضل للشباب والجهات المهمشة كضمانة لديمومتها.

لن يناقش أحد قيمة القرارات التي اتخذتها حكومة يوسف الشاهد لصالح ولاية تطاوين ولغيرها من الولايات الداخلية التي تشكو البؤس والحرمان جراء سياسة التهميش طيلة سنوات الإستقلال، لكن المفارقة أن ذات القرارات فقدت مصداقيتها وأثرها على المواطن بعد أن آثرت الحكومة استجلاب هذه الخطوات الإيجابية في وقت متأخر وضمن-مقاربات إطفائية-تسعى إلى كسب الوقت والتنفيس الإجتماعي أكثر من تأصيل التنمية.

بهذا المعنى تستنزف الإجراءات الإصلاحية وعوضا من أن تكون لبنة في الإصلاح، تصير من حيث يدري الفاعل الرسمي أو لا يدري خطوة ترقيعية لمنع الإنفجار المجتمعي وهو ما حصل في تطاوين خلال الأشهر القليلة الماضية.

وإذن؟

تونس إذا، في حاجة إلى تكاتف كافة مكونات المجتمع المدني وكل القوى السياسية لتثبيت أركان الجمهورية الثانية، ومن ثم انجاز مشروع مجتمعي طموح ينآى بالبلاد والعباد عن مستنقعات الفتن، الإثارة المسمومة والإنفلات الذي يتناقض مع قيم العدالة والحرية، وهذا يستدعي منا-كما أسلفت-هبّة وعي تكون سدا منيعا أمام كافة المخاطر التي تهدّدنا وتسعى إلى تحويلنا إلى نماذج مرعبة ومخيفة لما يجري في العراق وسوريا وليبيا..

ما المطلوب..؟

لا بد اليوم-في تقديري-من عقد اجتماعي جديد في تونس قوامه التوازن في توزيع الثروات بين الجهات، وتشبيب الإستثمار، وإعادة النظر في دور الدولة الإجتماعي والإقتصادي، لا من زاوية مقتضيات وإملاءات الجهات الدولية المانحة، وإنما من بوابة بيئة الإستثمار الجديد وتدعيم اللامركزية دون إلغاء المركز، والدفع بمنظومة الحقّ في الإضراب دون ضرب موارد الدولة.

أقول هذا وأنا على يقين بأن تونس اليوم دولة وسلطة ومؤسسات، أمام امتحان جديد على درب الديمقراطية، ومع على الفاعلين في المشهد السياسي التونسي إلا القطع مع-النهم المصلحي والإنتفاعي-المسيطر عليهم ومن ثم تخطي الطور الانتقالي الجاري بنجاح، ووضع المساطر المناسبة لبنية مجتمعهم السياسية والحزبية، من دون إغفال تطلعات مجتمعهم والشروط العامة التي تؤطرها، وذلك تطبيقا لشروط والتزامات وقيم الممارسة الديموقراطية السليمة والسلوك الحضاري القويم.فجدلية العلاقة بين-محتج-يطالب بالعدل والعيش الكريم في كنف ديموقراطية ناشئة، ودولة منهَكَة-أصلا-ومطلوبة، تفرض-حتما-عدم استبطان منهاج ما بعد الليبرالية، حيث تتحوّل الدولة إلى مجرّد إدارة تعنى بالدفاع والأمن والوثائق الإدارية فقط، بل وهو الأهمّ المزاوجة بين فرص الإستثمار الخاص والدولة المستثمرة في القطاعات الإستراتيجية.

قلت هذا، إيمانا مني بأنّ الإحباط وكل مظاهر اليأس أمر مرفوض في مفردات القاموس السياسي التونسي.

وهذا ليس بغريب على بلد يتمتّع بقسط كبير من العقلانية والحداثة، ويمكن أن يشكّل نموذجا يمكن شعوب العالم العربي من الدخول إلى التاريخ من جديد.

 

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي

 

محمد سعد عبداللطيفعود ثقاب أشعله البائع المتجول في جسده فاشتعلت في جسد الأمة حتي كتابة هذه السطور  بعد أن اضرم النار في نفسه في ولاية "سيدي بوزيد"؛ احتجاجًا على احتجاز السلطات  التونسية بضاعته قبل عشر سنوات من اليوم، اندلعت شرارة ثورات شعبية لم يتوقع أحد حدوثها في العالم، أثارت أحلامًا، (عيش حرية، عدالة اجتماعية)، عندما أسقطت شعوب دول الربيع العربي الأنظمة القمعية الديكتاتورية التي كانت تحكمها بثورات كانت سلمية في معظمها، ساد الاعتقاد بأن الناس سينعمون بالسلام والرفاهية والحرية التي حرموا منها على مدى عقود، فخرج علينا من اطلق علي أنفسهم خبراء، يعيشون أحلام اليقظة بتوزيع الثروة علي الشعب، وأن ثورتنا المباركة سوف يحملها جيل بعد جيل، وسوف يتعلم منها الغرب، وارتفعت أصوات البعض: ارفع رأسك

، ولم يعلم أن السكاكين سوف تقطع الرؤوس، وأن السقف له حدود، غير أن العنف استمر وتصاعد، وأسقط الآلاف من القتلي والجرحي والمتشردين من الضحايا في دول الربيع العربي، بينما لا تزال سوريا وليبيا واليمن تخوضان مخاضًا أمنيًا من حروب أهلية وتدخلات دولية وإقليمية!!

في مثل هذا  اليوم "25 من يناير 2011م" حدث زلزال تاريخي غير وجه المنطقة برمتها؛ خرجت الجماهير في شوارع وميادين المحروسة في عيد الشرطة، لتندلع شرارة الثورة، فجاءت صرخة المحامي اليساري التونسي في شوارع الياسمين الخضراء: “بن علي هرب”، سمعها المستضعفون فى الأرض، ليرددوا بصوت واحد بعد صلاة الجمعة في" جمعة المصير" رايحين العصر للقصر، من عاصمة المعز الشعب يريد إسقاط النظام، ارحل.. فيخرج شباب متحمس في جنوب سوريا في مدينة (درعا) يكتبون علي حوائط المبانى جاء الدور عليك يا "دكتور بشار "، فيتم اعتقالهم  فتدخل سوريا في حرب مفتوحة، ثم تقلع  طائرة من تونس إلي مطار" جدة" تحمل أول ديكتاتور الي المنفي، ثم يعلن السيد اللواء “عمر سليمان” في بيان متلفز عن تخلي “حسني مبارك” عن السلطة، فتقلع طائرة تحمل مبارك وعائلته  إلى منتجع شرم الشيخ !!

لتندلع بذلك شرارة الثورة فى دول عربية أخرى  من الموجه الثانية في السودان، والجزائر،والعراق  ولبنان، وتسقط أنظمة زين العابدين في تونس، ومبارك في مصر، وكذلك يسقط الإسلام السياسي في مصر في ٱول تجربة له، ويُقتل القذافي، وعبد الله صالح، ويسقط البشير فى السودان ويتم الإطاحة به، وتخرج الجماهير في الجزائر  لمنع ترشح الرئيس الجزائرى، وتزرع أحلامًا جديدة بالحرية… فهل تحققت هذه الأحلام بعد اكثر من عقد علي الربيع العربي؟!!!

لقد نجحت الثورة المضادة، لٱسباب كثيرة ومتنوعة  للصراع بين فصائل وايديولوجيات مختلفة علي كراسي الحكم، وأعلنت الحرب علي التاريخ، واحتشدوا جميعًا لإفشال الربيع العربي، وإجهاض مسيرته، إما تضامنًا مع حلفائهم، أو دفاعًا عن أنفسهم؛ خوفًا من وصول شرارة الثورة كما حدث في البحرين أو الاثنين معًا، ففتحوا خزائنهم وحشدوا منابرهم الإعلامية واستدعوا عناصر الدولة العميقة من مكامنهم، وأطلقوا حملات التشويه والتخوين والتعبئة التي سممت أجواء الربيع، وأعلنت فكانت الانتكاسات والهزائم التي سربت القنوط إلى نفوس كثيرين، الأمر الذي سوغ للبعض أن يعلن على الملأ وفاة الربيع العربى، كما ذكرها من قبل الكاتب الصحفى “فهمي هويدى” في حوار صحفي علي "CCN العربية" ة

منذ عامين، وكان يجب  طي صفحته، ومن ثم صبوا عليه اللعنات، وأهالوا على وجهه الأوحال، وتم نعته بمختلف أوصاف الشماتة والهجاء، حتي في مجلس النواب المصري السابق وقف نائب  وكان متهم في قضية "موقعة الجمل" في ميدان التحرير ليعلن رغم اعتراف الدستور الجديد بها، عدم اعترافه بثورة 25 يناير التي كان أخفها أنه كان خريفًا وخرابًا عربيًا، وهذا نتيجة 30 عامًا من الفساد السياسى؛ إنه عصر مبارك البليد !!!

إذا قرأنا تاريخ الدول المتقدمة، سنكتشف أنها مرت بنفس المراحل قبل أن تحقق الاستقرار، ولا بد من حدوث فوضى قبل تحقيق الاستقرار الثابت الذي يمكن البناء عليه، نعمٌ؛ يمكن تحقيق الاستقرار مع الديكتاتورية، ولكنه يبقى استقرارًا هشًا ينتهي عند انتهاء الديكتاتور!!

ثورات الربيع العربي مثلها مثل كل الثورات، بمجرد أن تنتصر على المستبد وتسقطه، تدخل في معارك جديدة مع أذناب المستبد، والمستفيدين منه فيما يُسمى بالثورة المضادة للثورات، كما حدث في دول أوروبا الشرقية عام 1968م، فيما يُعرف بثورة  (براغ)، وفي رومانيا بالثورة المضادة، وفي اوكرانيا بالثورة البرتقالية !!

فبقايا الأنظمة المستبدة بعد نجاح الثورات تدخل فى معارك مع قيم وثقافة الثورات، من أجل الدفاع عن مكتسباتها وامتيازاتها قبل الثورات، ولابد وأن تستعيد الثورات توازنها، وترسخ ثقافتها وأهدافها بمرور الوقت؛ هذا الزلزال السياسى والجغرافى الذى هزَّ المنطقة الذى أطلقت عليه صحيفة بريطانية اسم الربيع العربى، لتشابه أحداثه مع الربيع الغربي في بداية عام /1845، حتى " الثورة الفرنسية 'أدى إلى نتائج متفاوتة؛ فالتظاهرات الشعبية الحاشدة في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا تبعتها إصلاحات مخيبة للآمال في أحسن الأحوال، أو ردود أفعال قمعية من أنظمة ديكتاتورية وجماعات الإسلام السياسي،، ولكن حدث  أيضًا نزاعات دامية فترة حكم الٱخوان في مصر  !!

ويُظهر التاريخ أن الثورات تحتاج إلى سنوات طويلة، غالبًا ما تكون صعبة، لبلوغ نتائجها؛ إلا أنه ليس من السهل العودة عن التغييرات التي تطرأ على أشخاص شاركوا في تلك الثورات، أو كانوا شهودًا عليها، وفى اعتقادى اطلاق مسمى (ثورات) على الربيع العربي نوعًا من الظلم؛ لأنها تمثل انتفاضة تاريخية حقيقية في حياة الشعوب العربية، فهى لم تكن نتيجة تخطيط مسبق وموجه من قبل قيادات اختارت ظروف ولحظة تفجير الفعل الثوري، لتغيير الواقع الاجتماعي والسياسى، وإحلال فكر وأيديولوجيا بديلة، كما درسنا في التاريخ في الجامعة  مثل ثورات ربيع شعوب الغرب، تمثل رؤية ومصالح طبقة اجتماعية جديدة، فهي ليست مثل الثورة الفرنسية  لها توجه سياسي قامت على ثلاثية العقل والحرية والإرادة في مواجهة اللاهوت الديني والتراتبية الاجتماعية، كما أنها لم تكن كالثورة" البلشفية "عام 1917م في روسيا، والتي قامت تجسيدًا للأيديولوجيات الماركسية، فسادت طبقة اجتماعية واحدة، وألغت بقية الطبقات؛ كما أنها لم تقم بها طبقة اجتماعية تحمل مشروعًا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، ولهذا فهى ليست ثورات اجتماعية وثقافية، بل هي انتفاضات تاريخية تحولت إلى ثورات سياسية؛ ولذلك هي إحدى الانتفاضات التاريخية الكبرى، رجوعًا لفكر  العالم الفرنسي “آلان باديو” الذي يصنف الانتفاضات إلى ثلاثة أنواع، منها: "انتفاضة جزئية ومحدودة كرد فعل على حدوث واقعة ظلم، والنوع الثاني:  من الانتفاضات هو تلك التي تكون تعبيرًا عن صمت مكبوت تفجر بسبب حدث عارض، أما النوع الثالث:  هو الإنتفاضة التاريخية التى يتواصل فيها زخم الفعل الثورى حتى يخلق وقائع تفتح آفاقًا تاريخية جديدة، فقد اختلط مفهوم الثورة والإنقلاب!!

والإنتفاضة فى 15 من مايو  عام 1971م أطلق السادات اسم ثورة التصحيح، وفي  يومى 18و19عام 1977م خرجت الجماهير ضد ارتفاع الأسعار، فأطلق السادات عليها انتفاضة الحرامية؛ إن شواهد الفشل والانتكاسات التي حفلت بها مسيرة الربيع العربي، كما أن الإنتصارات التى حققتها الثورة المضادة ماثلة تحت أعيننا، ولا سبيل لتجاهلها، أو إنكارها بدورها، لكننى أزعم ان هذا كله، وذاك لا يعنى بالضرورة نهاية الربيع العربى، إذا احتكمنا إلى تحليل الواقع وخبرة التاريخ، وإذا اعتبرنا ما مررنا به درسًا نتعلم منه ما يبصرنا بأخطائنا، ومواطن الضعف فينا، وليس نعيًا لتطلعات شعوبنا وأحلامها !!

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية

 

سليم مطرإن مفهوم (الدولة) يعني حصراً: (مجموع المؤسسات المركزية: العسكرية والإدارية والمدنية، التي تقود جماعة ما). فلا يخلط مع مفهومي (الوطن والشعب). إن تاريخ البشرية يظهر لنا ثلاث مراحل متتالية لتشكل الدول: المرحلة الأولية المحصورة بجماعة ومنطقة محدودة (عشائر وقرى أو مدينة) ويمكن تسميتها بـ (دويلة أو امارة، او دولة مدينة.. الخ). ثم المرحلة الأعقد وهي (الدولة البلادية التوحيدية) التي تتمكن فيها إحدى (الدويلات) من التوسع والسيطرة سلماً وقسراً على باقي الدويلات في منطقة كبيرة (بلاد) تشترك بالجغرافية والمصالح والثقافة. ثم تليها المرحلة الثالثة ألأعقد والأكبر التي تتحول فيها (الدولة البلادية) الى (امبراطورية) أي أنها تتوسع لتشمل عدة (بلدان).

تعتبر (الدولة النهرينية: العراقية) مع المصرية من أولى وأقدم (الدول البلادية) في تاريخ البشرية، إذ ظهرت في أواسط الالف الثالث ق.م. ولم تتأسس دول كبيرة أخرى: (الحيثية والميتانية والصينية)، إلاّ بعد حوالي 1000 عام، في أواسط الألف الثاني ق.م(1). ان (الدولة النهرينية: العراقية) قد حتمتها طبيعة النهرين وضرور الادارة المركزية(الدولة) للسيطرة عليهما ومنع الطوفان والجفاف، وكذلك لتنظيم حياة الفلاحين وعموم السكان، والحماية العسكرية من غزو بدو الجبال الشرقية، وبدو البادية الغربية.

ومثل كل تواريخ الدول، مرت الدولة العراقية بتحولات ونهضات وانتكاسات وانهيارات وانقطاعات، لكن حتمية الجغرافية النهرينية والضرورة التاريخية حتَّمَت دائماً عودة هذه الدولة واحتيائها من مواتها.

هنا نسجل النقلات الخمس الكبرى في هذا التاريخ الطويل الذي يقارب خمسة آلاف عام. إن اختيارنا يستند على المقياس التالي: (إن أهمية النقلة تكمن في قدرتها على الخروج من الحقبة السابقة لها، والتهيأة لتأسيس حقبة جديدة(2). نؤكد ان المقياس لا يخص طول الحقبة ولا كمية واهمية الانجازات، بل دور تلك الدولة في التهيأة لنقلة، او خلق حقبة جديدة:

1ـ دولة سرجون الاكدي 2ـ دولة الخليفة علي 3ـ دولة بني العباس 4ـ دولة داوود باشا 5 ـ الدولة العراقية الحديثة.

أولاً ـ دولة سرجون الاكدي حوالي 2300 ــ 2150 ق.م

إن الانجاز التاريخي الكبير لهذه الدولة إنها نجحت ما عجز عنه زعماء (الدويلات ـ السومرية) خلال القرون السابقة، أي توحيد المدن النهرينية في (دولة بلادية واحدة) بأسم (بلاد سومر وأكد)، ثم توسعت لتشمل (بلاد النهرين) كلها، ثم أصبحت (شبه امبراطورية) بتوسعها نحو (بلاد كنعان: الشام) وساحل البحر. كذلك تم تشييد (مدينة أكد)(3). ومن أهم ما أنجازاته تحويل (اللهجة الاكدية) الى (لغة رسمية) ثقافية ودينية مع بقاء (السومرية) لغة دينية مقدسة. بعد أقل من قرنين انتهت هذه الدولة (سلالة سرجون) نتيجة ضغوطات (العموريين البدو) من الغرب و(العيلاميين الاحوازيين من الجنوب)، حتى انتهت على يد (الغوتيين الجبليين) الذين تمكنوا من السيطرة على (سومر وأكد) لحوالي قرن. مات (سرجون الاكدي) عن عمر طويل جداً بعد حكم دام أكثر من خمسين عاماً. وأوضح دليل على عظمة هذا الملك انه اسمه بقي مقدساً لفترة 2000 عام، أي حتى نهاية بابل آخر دولة نهرينية. إذ حمل اسمه: (سرجون) عدة ملوك في آشور وبابل. والاكثر من هذا انه قد عُثر على مذكراته في نينوى مكتوبة بعده بـ (1500) عام، وقد صارت مرجعاً للكثير من الحكايات ومنها(قصة النبي موسى)(4).

ثانياً - دولة الخليفة (علي بن أبي طالب: 656 ـ 660 م)(5)

وتكمن أهميتها الخطيرة، رغم قصر مدتها (أربعة أعوام) إنها شكلت نقلة معنوية كبرى إذ أعادت الامل الى العراقيين بامكانية إحياء دولتهم المنسية منذ أكثر من الف عام. حيث كانت قد انتهت تماماً بعد سقوط بابل على يد الاخمينيين الايرانيين في القرن السادس ق.م.  واستمر العراق بلا (دولة وطنية بلادية) وخاضعاً بصورة متتالية لدول أجنبية ايرانية ويونانية(6). وكان انتشار المسيحية في العراق خطوة حاسمة في التشكيل المعنوي الثقافي الديني للنهضة الوطنية العراقية(7). حتى حسم الأمر مع الفتح العربي الاسلامي وبدايات بروز الدور العراقي.

وهنا تكمن أهمية هذه الخطوة التاريخية الكبرى التي قام بها (الخليفة علي) بنقل عاصمة الدولة الاسلامية الناشئة من (الحجاز: مكة) الى (العراق: الكوفة)(8). واكتملت هذه الخطوة السياسية الادارية بخطوات معنوية وطنية تتمثل بتقريبه العراقيين سواء منهم العرب كذلك الانباط (السريان) واشراكهم في الادارة وفي جيشه وإعفائهم من ضريبة الجزية وغيرها(9). وهنا يكمن السبب الاول لالتفاف العراقيين حول (الخليفة علي) وبعده عائلته، الى حد تقديسه بعد مقتله مع أحفاده(10). بعد نهاية (دولة علي) خضع العراق للأمويين الشاميين لحوالي القرن، إستمر العراقيون بقيادة(التحالف العلوي ـ العباسي) في كفاحهم لتأسيس دولتهم، حتى النجاح بتحقيقها مع قيام الدولة العباسية في عام 750 م.

ثالثاً - الدولة العباسـية (750ـــ 1258م)(11)

وهي أهم وأعظم دولة عراقية منذ سقوط (بابل) التي انتهت قبلها بحوالي 1200 عام. وتكمن الأهمية العظمى لهذه الدولة، إنها تركزت في العراق ودامت خمسة قرون بعاصمتها العراقية (بغداد). علما بإن الدولة العباسية بعد مرور قرن على تأسيسها (العصر العباسي الاول) تحولت جغرافياً وسياسياً واداريا الى (دولة عراقية)، بعد استقلال جميع البلدان الاسلامية من افغانستان حتى الاندلس بدول خاصة بها. هكذا عملياً تحولت (الدولة وسلطة الخليفة) الى إدارة العراق وحده. ثم ان الانجاز العظيم لهذه (الدولة العراقية) انها أشرفت على خلق واحدة من أعظم الحضارات العالمية ألا وهي (الحضارة العربية الاسلامية) التي كان العراق أهم وأكبر معاقلها: بغداد والكوفة والبصرة والموصل. بل يصح القول بأن حوالي نصف المبدعين هم من العراق، والنصف الثاني من جميع البلدان الاسلامية.(12)

رابعاً - دولة داود باشا (1817ـ  1831)(13)

رغم إن هذه (الدولة) لم تدم سوى 14 عام، إلاّ أنها تعتبر نقلة كبرى في مشروع الدولة العراقية بعد غياب كامل لستة قرون، أي منذ سقوط بغداد 1258. وقد فتحت الباب أمام العراقيين الى التفكير بإعادة إحياء دولتهم المنسية منذ قرون. إن (داود باشا) هو آخر ولاة المماليك الذين حكموا عموم العراق بولاياته الثلاث (الموصل وبغداد والبصرة). ولد في (تفليس ــ جورجيا) عام 1767 من عائلة مسيحية وقد باعه أهله وجُلب إلى (بغداد) وعمره حوالي ستة أعوام. وقد تعلَّم العربية والتركية والفارسية، واعتنق الإسلام. كذلك تعلَّم معارف البغداديين، وكتب الشعر، ثم أصبح مساعداً لوالي بغداد المملوكي (سليمان باشا) وتزوج من ابنته. وعندما أصبح قائداً للجيش عام 1814 شن الحملات لتأديب القبائل ومنعها من الغزو والتخريب خصوصاً في أنحاء الفرات. وحدَّ من نفوذ المنتفق وشيخها حمود. ووضع العسكر لحماية زوّار كربلاء من اعتداءات البدو والوهابيين. ومن ثم أصبح والياً بعد وفاة صهره. اشتهر خصوصاً بنزعته الاستقلالية العراقية، حيث كان متأثراً بتجربة والي مصر المقدوني الألباني (محمد علي باشا) الذي سبقه ببضع سنوات بإعلانه استقلال مصر عن الدولة العثمانية. فأعلن داود رفضه الخضوع للسلطان العثماني (محمود الثاني) ودفع الأموال له.

وقام بتشييد المعاهد العلمية ومصانع النسيج والمدارس والجوامع وقرَّب الأدباء والمثقفين(14). كذلك قام بتشجيع التجارة والزراعة واعتنى بالري واهتم خصوصاً بالجيش واستقدم الخبراء الأوربيين منهم الضابط الفرنسي (مسيو ديفو) لتحديث الجيش والصناعة العسكرية. كذلك أسس أول صحيفة في بغداد بأسم (جرنال العراق) باللغتين العربية والتركية. لكنه كان في نفس الوقت قاسياً جداً في فرض الضرائب على التجار والعشائر، وأراد أن يفرض هيبة الدولة، فحارب العشائر العراقية المتمردة وأخضعها، مثل عشائر الدليم والمنتفق، لكنه واجه منذ بداية حكمه مشكلة (إمارة بابان الكردية) في السليمانية ومحاولات الاجتياح (الإيرانية القاجارية).(15) وقد حصل توافق (بريطاني ـ ايراني ـ عثماني) على اسقاط دولة (داود باشا) لأنه ركّز الدولة الوطنية وضرب مصالحهم السياسية والاقتصادية(16). هكذا ضعفت سيطرته وانشقاق حلفائه من الجماعات العراقية المختلفة، عشائرية ودينية، بالاضافة الى تكالبت الكوارث الطبيعية، فاضطر اخيرا الى الاستسلام لجيش (السلطان محمود الثاني) عام 1830. فأرسله السلطان شيخاً على الحرم النبوي في المدينة وقام بعدة اصلاحات هناك حتى توفي عام 1851.

خامساً - الدولة العراقية الحديثة (1921 ــ وحتى الآن)

وكان اول زعمائها (فيصل بن حسين الحجازي) إذ تم تنصيبه ملكاً على (بلاد النهرين: العراق). تكمن أهمية هذه(الدولة الحديثة) إنها نجحت باحياء الدولة العراقية بعد غيابها لسبعة قرون منذ نهاية الدولة العباسية في 1258. وكما العادة هنالك عاملان لنجاح قيامها واستمرارها: الداخلي المتمثل بتراكم وتنامي حاجة وادراك العراقيين بضرورة إحياء دولتهم التاريخية الخاصة بهم ضمن جغرافيتهم الطبيعية المتمثلة بـ(ارض النهرين). بالاضافة الى العامل الخارجي المتمثل بالاستعمار البريطاني ونهاية الدولة العثمانية. فبعد مماحكات وألاعيب كثيرة قامت بها (مس بيل) السيدة الإنكليزية الماسكة بالملف العراقي، أزيح المرشَّحَين العراقيَين: (طالب النقيب) من أعيان البصرة، و(الشيخ خزعل الكعبي البصري) أمير الأحواز. لكن رغم أن (فيصل) لم يكن عراقياً إلاّ أنه كان رجلاً حكيماً مثقفاً. قرَّب النخب العراقية من سياسيين ومثقفين ورجال الدين، وجهد من أجل إحياء (الهوية الوطنية) الجامعة. والعمل على توحيد العراقيين من خلال تقريب الشيعة والأكراد والتركمان والسريان واليهود والصابئة إلى جانب إخوتهم السنّة، وإشراك جميع الفئات في إدارة الدولة. علما بأن هذه(الدولة الحديثة) لا زالت حتى الان مستمرة رغم جميع التغييرات الشكلية:(ملكية ثم جمهورية، ثم فوضوية بعد 2003).

 

سليم مطر

......................

لمطالعة هذه الدراسة مع المصادر والخرائط والصور:

https://urlz.fr/hfAo

المصادر:

(1) هنالك تقديرات تقول إن الدولة الصينية ظهرت في أواسط الألف الثاني، في نفس الفترة التي ظهرت فيها (الدولة الحيثية في الاناضول) و(الميتانية في شمال النهرين وسوريا) بين (1600 ـ 1400 ق.م).

(2) إن تاريخ (دول النهرين: العراق) طويل وقد حكمته سلالات مختلفة مع انجازات حضارية كبرى. فمثلاً إن دول (سومر) و(حمورابي) أو (آشور بانيبال) الخ، رغم أهميتها الكبرى إلاّ أنها تعتبر استمرارية لمرحلة واحدة رغم انقطاعها، ألا وهي (المرحلة النهرينية: العراق القديم). كذلك مثلاً (النظام الجمهوري بعد عام 1958) لا يمكن اعتباره نقلة كبرى بالدولة العراقية، بل استمرار بنفس الدولة المستقلة رغم اختلاف طريقة الحكم من ملكي الى جمهوري.

(3) مكان (مدينة اكد) غير مؤكد. يترواح بين (قرب بابل) على الفرات، أو(مكان بغداد الحالية) على دجلة.

(4) هذا مقطع من مذكراته التي عثر عليها منقوشة في آثار نينوى من القرن الثامن ق.م! وهذا دليل على استمرار تقديسه وتداول اسطورته طيلة تاريخ النهرين:

(أنا سرجون، ملك الأكاديين، ملك القوة. أمي قديسة، أبي لم أعرفه. أعمامي أحبّوا التلال. مدينتي أزوبيرانو (الزعفرانية)، الواقعة على ضفاف الفرات. أمي القديسة حملت بي، وولدتني في السر. وضعتني في سلة وغطت عينيّ بالقار وألقتني في النهر. التقطني «عكي» من النهر وهو يتناول إبريقه. اتخذني «عكي» ابناً له. ورباني عينني بستانياً لحديقته. وأنا بستاني، أحبتني عشتار. ومضت الأيام إلى أن صرت ملكاً لمدة 56 عاماً).

طالع: ــ ويكيبيديا بالانكليزية والفرنسية: Sargon of Akkad

كذلك:

ــ Joan Goodnick - Westenholz, Legends of the Kings of Akkade: the texts, Winona Lake, Eisenbrauns, 1997, p. 37 - 49

ــ The land of the two Rivers. 63 - 64 Leonard Corttrell.

(5) في 18 ذي الحجة سنة 35 هـ ــ 16/ 6/ 656 م تمت مبايعة (علي بن أبي طالب) خليفة بعد مقتل الخليفة الثالث (عثمان بن عفان). في 25 ذي الحجة 35 هـ ــ 23/ 6/ 656 م.

(6) عن انتقال الخليفة علي إلى الكوفة: تاريخ الطبري 5/ 579.

ـ من المعلوم أن جميع المحتلين السابقين للعراق اضطروا إلى أن يتخلوا عن بلدانهم الأصلية ويجعلوا عاصمتهم في العراق: اليونان والإيرانيون اختاروا بابل ثم المدائن كعاصمة لهم. لكن هذه الدولة بقيت أجنبية ومحجوزة فقط لجماعاتها الخاصة بها، وتعامل العراقيين كتابعين مُحتلين.

(7) عن أهمية المسيحية العراقية ابحث عن موضوعنا: نحو رؤية جديدة لتاريخ الاديان: مثال المسيحية والاسلام..

(8) كما يصح أن يعتبر الشاميون والمصريون الخليفة معاوية والسلالة الأموية رمزاً إيجابياً لأنهم اتخذوا من الشام ومصر مركزاً للإمبراطورية العربية الإسلامية الصاعدة.

(9) من علامات تودد علي الى العراقيين قوله الشهير: (قال علي عن أصل قريش: «نحن قومٌ من كُوثى». أراد كوثى العراق.. وهي سُرَّةُ السَّوادِ من مَحالِّ النَّبَطِ..) ابن منظور في لسان العرب:2/182

ـ (ويعني كوفة العراق: راجع لسان العرب ـ حرف الكاف).

(10) عن رعاية الخليفة علي للموالي:

ـ كتاب الفتوح: جزء 4/ ص 149.

ـ ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: جزء 7/ ص37ـ 42.

(11) لنا دراسات مفصلة عن عراقية وحضارية الدولة العباسية: ابحث عن العناوين التالية:

ـ العصر العباسي العراقي.. ظالم.. أم مظلوم!؟ فضل العباسيين على الاسلام وعلى الشيعة!

ـ الدور العظيم والمنسي للعراقيين في صنع الحضارة العربية الإسلامية.

(12) نفس المصدر السابق

(13) عن الوالي داود باشا، طالع:

ــ داود باشا موسوعة الأعلام، خير الدين الزركلي 1980.

«داود باشا».. الموسوعة العربية، هيئة الموسوعة العربية، سورية ــ دمشق.

«داود باشا».. الموسوعة العربية، هيئة الموسوعة العربية، سورية ــ دمشق.

(14) أصدر وقتها المؤرخ (عثمان بن سند البصري) كتاباً عن هذا الوالي الوطني أسماه: «مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود».

(15)ـ عن حروب العشائر الكردية وغزوات القاجاريين:

ــ علي الوردي ج: 1، ص: 253.

ــ ستيفن همسلي لونكريك (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) ــ بغداد 1962 ــ ص245.

(16) عن النفوذ البريطاني، راجع دراسة الدكتور علي مدلول الوائلي عن: رسالته: (شركة لنج للملاحة 1861 ــ 1914 ــ دراسة تاريخية).

 

الطيب النقرلا شك أن جملة ظروف قد ساهمت في تعميق هذه الأزمة التي يعيشها السودان الآن، والتي قادت لتعثر التحول الديمقراطي الذي يشرئب إليه الوجدان الشعبي في أرض النيلين، ومرد هذه الظروف والاختلالات هي هياكل حزبية واهية غارقة في الآثرة والفساد، وقوة عسكرية غاشمة اعتادت التمرد على سحق الديمقراطية، ومجتمع مدني ضعيف عرضة للتجاذبات والشحن، وصحافة هشة تجعل من الخلافات موضوعاً لنضالها اليومي، وأعداء باتوا هم من يرسموا الخارطة السياسية التي يلتزم بها المجلس العسكري و النخب السياسية من خلفه، فالنخب السياسية من دون استثناء تعاني أوضاعاً تتسم بالجدب السياسي، فهي فضلا عن ابتعاد آليات الديمقراطية عن نظمها التي تخلو من كل صيغة ديمقراطية، فقد فشلت في حشد خطاب يمحص أسباب هذه الأزمة، ويضع الحلول للتعافي من عقابيلها، فشعبها الذي لم تتحطم قناعاته على صخرة الواقع، لم يسعى أن يحوز عل قصب السبق في النضال بصفوفها، لأنها لا تعرف النضال إلا في النكوص والارتكاس عن مبادئها، ولا تجيد إلا التناحر الشديد بين أطيافها، ولا تتقن إلا التودد والتجانس مع من يقود دفتها، وإظهار الولاء لنهجه وشخصه مهما أمعن في الجور، وغرق في ثنايا التطرف.

 وظاهرة الولاء الأعمى معروفة لدى كل من خبر الأحزاب التي تمارس أنماط الطاعة، ولا تستسيغ أن يعبر المنتمين إليها عن رفض بعض سياساتها المرسومة إذا لاح خطلها، كبعض الأحزاب الإسلامية التي تتوخى الطاعة العمياء في أديباتها، فهناك كما نعلم أحزاباً إسلامية يستغرق دمج هذا المبدأ في ذهن العضو المنتسب إليها حديثا وقتاً طويلاً، وهي لا تبغض شيئاً كما تبغض أن يناقشها هو في هذا الشأن، عليه أن يتشابك ويتفاعل مع هذا الطرح دون تفصيل، ونسيت هذه الأحزاب أو تناست أن مرونة الإسلام وقوته كانت تكمن في الخلاف وتعدد الآراء، لأجل ذلك أبصرنا محصلة التقوقع والانكفاء في مصر والسودان، فالتنظيمات المستقرة على الطاعة دون مناقشة حول مسارات الخطط والاستراتيجيات فيها، نجدها ضاربة بعرض الحائط بأهمية التعبير عن الرأي وجدواه، فهي تذعن للطاعة العمياء، وتجد أن الطاعة المفرطة أمراً لا مرد له ولا منصرف عنه، لأجل ذلك تكبدت في خاتمة المطاف خسائر فادحة لا يمكن تتداركها بين عشية وضحاها، كخسارة الإخوان في مصر، والمؤتمر الوطني في السودان، ولعل من خطايا المؤتمر الوطني خلاف أنه رضخ للمشير البشير الذي سلب إرادة الحركة الإسلامية، وطمس هويتها، أنه أيضاً لم يسعى لجمع شتات الحركة الإسلامية، ففي تلك الأيام الحالكة من تاريخ الحركة الإسلامية إذا تم عرض هذا الموضوع على الطاولة من قرومها الذين سعوا إلى تغليب الصلح على الشقاق، ثارت أمامهم لجاجة الناقمين على الشيخ الترابي رحمه الله ورهطه، وأطنبوا في سرد هذه المشكلات التي لم تحكم صنعتها، أو تثبت صحتها، إن الخلاف في وجهة نظرنا يتمحور في فئة أعرضت عن اللذة وأقبلت على الجد، وقيادات في المؤتمر الوطني تجانفت عن الحق، ومالت إلى الدنيا، هذه القيادات هي التي بسطت بغض الشيخ بسطاً، وفصلته تفصيلا،  إن الشيء الذي يفهمه الناس جميعاً، كل الناس دون مشقة أو عسر، أن الخلاف الذي وقع بين قطب الحركة الإسلامية وعرابها وبين المشير البشير، قد تسبب في نفور العديد من أتباع الحركة، مما أضعف من شوكتها، والحركة التي اشتد نزيفها حينما أطنبت رموزها في التطرف والمغالاة، أطهرها بمظهر غير متجانس واضحت عبارة عن طبقات، كل طبقة من هذه الطبقات تنكر بعضها بعضا، ولم تستوعب مغبة هذا الخلاف إلاّ عندما انتزع اليسار الحكم من أنيابها.

والشيء المؤسف بعد كل هذا، أن الحركة الإسلامية لم تسعى أن تتخذ العبرة من تجربتها الطويلة في الحكم، وأن تتعود على إلقاء اللوم على نفسها، فهي عوضاً على أن تنكب على تجربتها وتسعى أن تعلل ما ورد فيها من خير أو شر، نجدها بأصولها وجوهرها قد ساهمت في السراب الديمقراطي الذي ننعم به الآن في السودان، فمجلسها العسكري يزداد قوة وتسلطاً  كلما تقدمت الأيام، كما أن قبضتها على الاقتصاد ما زالت جذعة قوية، إن الواقع من الأمر على كل حال، أن المؤتمر الوطني ممثلاً في المجلس العسكري لم يحترم رغبة هذا الشعب في أن يعيش حياة جديدة يتحرر فيها من ملق الفاقة، وأوهاق المنية، وأغلال الذل، ورسف العبودية، حياة تشوبها الثقة والأمانة في حاكم ليست الغلظة والشدة في طبعه ولا سنخه، حياة لا تتحكم في تفاصيلها دولاً مجاورة أظهرت ضجرها من الخلق والعرف والدين، ورغم يقيني بأن الحركة الإسلامية لا تكلف بالبرهان كلفاً شديداً، ولا تطمئن إليه كل الاطمئنان، لأنه لم يعترف على نفسه بفضل الحركة عليه، ولأنه لم يحرر أقطاب حزبهم من سجونهم، إلاّ أنها تمنحه بعد كل هذا ما كانت تمنحه للبشير من دعم وأيد، فهي وكاتب هذه السطور يعلمان أن التجزئة تقبل مسرعة غير متمهلة، وأن السودان قد دنا من الموت، أو دنا الموت منه، وأنّ العاصم من موته من بعد الله سبحانه وتعالى، المؤسسة العسكرية التي يعتليها بكل أسف قائد هو أساساً للمأساة، ونائبه الذي فرضته الظروف وأنشأته الوقائع.

 

د. الطيب النقر

 

محمد سعد عبداللطيفإرحل من شرطية تونسية، لشاب في سوق الفواكهة والخضر في "سيدي بوزيد" في نهاية عام 2010 م قالتها من مصدر السلطة والعنف وقهر الشعوب، لتصبح شعار "ارحل " في عواصم عربية لتشتعل النار في جسد الشاب " محمد البوعزيزي " فٱشعلها في الشعوب المقهورة علي سلالم قصور السلاطين العرب، فٱنتظروا المشعوذيين والفقراء والسكاله ٱن ينثر "

ملح الطعام " فخرج السلطان في خلسة .وقال (اعيش انا ويموت ضحاياي)، فخرجت صرخة المحامي اليساري التونسي لتعلن "بن علي هرب " فهبت رياح عاتيه وعاصفة ناحية الشرق في عاصمة المعز لدين الله الفاطمي " تحمل طائرة ٱخري الي مدينة ومنتجع "شرم الشيخ "لتخرج الجماهير من كل بقاع المحروسة، التهاردة العصر كلنا. رايحين القصر " في خطاب مقتضب نقلتة شاشات التلفزة العالمية تنحي ديكتاتور حكم البلاد والعباد 30عاما "وتشعل شرارة الحراك ناحية الشام في عاصمة الدولة الٱموية ومازالت النيران، مشتعله هناك حتي كتابه هذة السطور بعد ان شابت الرؤية في ليبيا وسوريا واليمن، وبعدها السودان والجزائر والعراق ولبنان

لتخرج جموع الشعوب الغاضبة والباحثة عن الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. لترفع" شعار أرحل " ثم حدث ما حدث من تآمر دول عربية وغربية ضد الثورات العربية وبذلت الجهود وأنفقت عشرات بل مئات المليارات من الدولارات وأريقت الدماء وغابت الحقيقة "من يحارب من " في سوريا وليبيا واليمن وأصبحت (ثورة بلا عنوان) في محاولة يائسة لإعادة الشعوب إلى مربع الطاعة، وتثبيت وتبديل وجوه الحكام للإبقاء على التبعية للغرب وتهميش دور الشعوب في ما بات يعرف بالثورة المضادة، كما حدث في اوروبا عام 1848م ولكن كانت الثورة المضادة من الكنيسة والاقطاع وهي وإن كانت قد حققت فقد انكسر حاجز الخوف وذهب إلى غير رجعة وارتفع الوعي وظهرت الحقائق والتحالفات ضد رغبات الشعوب بلا أقنعة أو رتوش، وكلما زاد العنف والقمع والقهر فتلك أهم أسباب تقصير المدة الزمنية لعودة الثورات الشعبية إلى مسارها السابق ومن ثَمَ نجاحها بطريقتها السلمية في الجزائر ، وكذلك في السودان والان تحاول قوي الشر من داخل مؤسسات الدولة العميقة الي سرقة الثورة في السودان وكذلك ماحدث، من محاولة اللعب بالقانون في الجزائر بالمادة "102" من الدستور والالتفاف والرجوع إلي معسكر الجنرالات فالشعوب تعلمت من أخطائها السابقة لا ريب في هذا، فالمزيد من الكبت يقرب موعد الانفجار ولا يبعده.الجزائر لها تاريخ اخر مع التغيير هل تعلمت الدرس السابق وجنبت البلاد من الفوضي .

لكن كما أخرج الربيع العربي أجمل ما في الشعوب العربية الثائرة من أفعال وصفات فقد أخرج أيضاً أسوء من فينا من نهازي الفرص والوصوليين وتجار الثورات وهذا الوصف تتقاسمه مناصفةً الأنظمة التي ثارت عليها الشعوب والكثير من النخب والفصائل التي أفرزتها ثورات الربيع العربي في مختلف مراحلها وتصدرت المشهد الثوري وبالتزامن مع ازدياد شراستها وردة فعل أضلاع الثورات المضادة "أنظمة ونخب وأذرع وفصائل في شتى المجالات والتحركات".

لقد ابتلي الربيع العربي وطحنت شعوبه التي كانت وما زالت وقود ثوراته والدافع الأكبر وربما الوحيد لفاتورته من أموال ومقدرات ودماء ووجدت تلك الشعوب نفسها محشورة بين مطرقة الثورة المضادة وأنصاف الثائرين وفصائل سياسية وإعلامية واقتصادية وحتى حقوقية مندثرة بثوب الثائر ومرتدية قناع المناضل وراح كلاً من الفريقين يستحوذ على ما تطوله يديه من مقدرات وثروات الشعوب مستغلين الوضع الراهن لأقصى درجة، متمنين استمراريته على ما هو عليه.

الأنظمة لا يعنيها أو يهمها استمرارية الوضع الكارثي الحالي من عدمه في سوريا واليمن وفلسطين وصفقات التطبيع،

ورسم حدود وتبادل الاراضي والقتل علي الهوية وظهور الطائفية وعدم الاستقرار فهذا كفيل وضامن ليجرف في طريقه أي متطلبات أو مسؤوليات سياسية واقتصادية واجتماعية، ويبعث برسالة للشعوب ها هي النتيجة لو فكرتم في الثورة مرة أخرى، فالوضع غير مستقر ولا بد من إرجاء مطالب الحقوق والحريات العامة وحقوق الإنسان حتى يستقر الأمر ونفرض سيطرتنا وعلي البيت الابيض وحكام النفط أن تمدنا بالأسلحة والأموال ومنحنا الغطاء السياسي اللازم حتى نتمكن من استمرارية وفرض النظام الحاكم الذي يخدم مصالحك وأجندتك واستراتيجيتك ويرسخ نفوذك ويحفظ حقوقك ونصيبك من الثروات والمقدرات التي ستضمن لنا أن نفي بما ساعدتنا وأمددتنا به من قروض وصفقات تسليح وخلافه، فلو رحلنا وتمت إزاحتنا فقد ضاع استثمارك وذهبت أموالك بلا رجعة، فالقاعدة التاريخية تقول الثورة تَجُبْ أي تقطع ما قبلها.

أما المعارضة التي اختفت في بلدان الربيع العربي أو من تقوم بتمثيل أنها معارضة وتتحدث بأسماء الشعوب وتتصدر المشهد وتقدم نفسها على أنها الطرف الآخر للمعادلة المقابل للأنظمة، فمن مصلحتها استمرارية الوضع ومراوغته في مكانه، فلو أقصيت تلك الأنظمة وعادت الكلمة الفصل للشعوب الثائرة فسينتهي دورها حتماً فلقد انكشفت كل الأقنعة أو كادت وظهر بما لا يقبل الشك أن الكثيرين من متصدري صفوف المشهد السياسي من المعارضة ما هم إلا جامعي مكاسب وثروات عبر تجارة واستثمار المقاومة والمتاجرة بالثورات، يحدث هذا بينما الثوار الحقيقيين إما تحت الثرى أو منفيين أو مغيبين خلف قضبان المعتقلات أو تم استبعادهم وتهميشهم والدفع بهم لخلفية المشهد؛ فالثائر الحقيقي لا يعرف أو يتقن فنون المساومة على المباديء والحقوق ولا يستسيغ منطقية الحلول الوسط ويعلم علم اليقين أن الحل الوسط دائماً ما يكون الرابح فيه من يمتلك قوة المال والسلاح بشتى أنواعه "إعلامي واقتصادي وعسكري" والظهير السياسي "داخلياً وخارجياً" ومستنداً على حليف يمده بأسباب ووسائل الاستمرارية في النضال والوصول لنهاية الطريق.

لكن لا يمكننا إغفال حقيقة أن هناك البعض من النخب انحازت لأحلام الشعوب وتبذل قصارى جهدها لإيصال صوتها والتعبير عن أمنياتها وتطلعاتها، مقاومةً كل الإغراءات متحملة شظف الحياة ووحشة المنفى حتى لا تنحرف عن الطريق وتلحق بركب التجار وعاقدي الصفقات على أوراق الربيع العربي وموقعين بحبر مداده من دماء الثوار والشعوب وتلك هي أسباب استبعادهم وتهميشهم.

التاريخ يعيد ويكرر نفسه وتبقى الحقيقة الخالدة واليقينية والثابتة أن الشعوب باقية والأنظمة تتبدل وتتغير، ويبقى الشعب هو الحكم والطرف الأقوى في المعادلة مهما حاولت كل أو معظم الأطراف تحييده، الثورات تخلق قادتها وتفرز نخبها وتفرض سيطرتها في النهاية وستذهب إلى الصفحات السوداء من كتب التاريخ كل تلك الأنظمة الفاسدة والنخب المستأجرة، فالتاريخ كما الشعوب لا يرحم المتآمرين والخونة والمتخاذلين، قد يكتب المنتصرين التاريخ لكن الشعوب هي من تقرر صدقه من كذبه، فما لا تتضمنه ذاكرة التاريخ تختزنه عقول الشعوب ويتوارثه الأبناء والأحفاد، فكم من أنظمة ونخب مجدتها صفحات كتب التاريخ ولعنتها قلوب وضمائر الشعوب قبل ألسنتها. !!

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية"

 

 

قاسم حسين صالحتعني (الدوغماتي: Dogmatism) الجمود العقائدي، الجزمية الفكرية، القطعية، العقيدية.. غير ان اكثرها تداولا هو اصطلاح الجمود الفكري.ولقد انشغل الفلاسفة بتحديد مضمونها، فمنهم من وصفها بانها طريقة منغلقة للتفكير، يمكن ان تصاحب اية ايديولوجية بصرف النظر عن محتواها ما اذا كانت دينية او علمانية.ومنهم من وصفها بانها تنظيم معرفي مغلق نسبيا خاص بمعتقدات ولامعتقدات الشخص بخصوص الحقائق والوقائع والسلطة المطلقة، فيما حددها آخرون بعدم قدرة الفرد على تغيير افعاله او اتجاهاته حتى لو تطلّب الموقف ذلك، وحددها آخرون بأقوال مطلقة من غير سند او برهان، وصنفها آخرون بانها صفة الأفراد الذين يسعون الى فرض آرائهم بالسلطة، او بالنفوذ، وانتهى آخرون الى انها الاعتقاد الجازم واليقين المطلق المستند الى مباديء تقليدية راسخة دون البحث عن وجه الحق في التسليم بها.

و(الدوغماتية) تعدّ احد أهم واخطر اسباب الأزمات السياسية والاجتماعية في العراق والعالم العربي.ومع ذلك فان السياسيين والاعلاميين يتعاملون معها كتعامل من ينشغل بوصف اعراض المرض ولا يلتفت الى تشخيص سبب العلّة.. التي نكشفها لكم الآن.

جمود فكري

نرى نحن المتخصصين بعلم النفس والأجتماع ان (الدوغماتية = الجمود الفكري) هي السبب الرئيس للخلافات السياسية التي غالبا ما تنتهي بحروب، وأنها (مرض) خالقي الأزمات من القادة السياسيين. ولهذا ظهرت حولها نظريات اشهرها نظرية (روكيتش ) التي تناولها في كتابه (العقل المنفتح والعقل المنغلق). وعلى وفق هذه النظرية فأن الافراد منفتحي العقول (غير الدوغماتيين، غير المتطرفين)، هم الذين يقبلون التخلّي عن بعض معتقداتهم اذا ما اقتنعوا بخطئها، ويقبلون الافكار الجديدة اذا ساندتها ادلة قوية. اما الافراد منغلقي العقول (الدوغماتيون، المتطرفون) فهم الذين يرفضون الافكار الجديدة مهما كانت قوة الادلة التي تساندها، ويتشبثون بمعتقداتهم القديمة حتى ان ثبت خطؤها.

وعلى وفق نظرية التصنيف الاجتماعي فان الناس ينزعون الى تصنيف عالمهم الاجتماعي الى صنفين "نحن" (أو الجماعة الخاصة بالفرد) و"هم" (أو الجماعة الاخرى). وانهم يتحيزون لجماعتهم ويبالغون ويعظّمون ايجابياتها ويغمضون اعينهم عن سلبياتها، فيما يعمدون الى تضخيم سلبيات الجماعة الاخرى وغضّ الطرف عن ايجابياتها، وهذا ما كنّا نحتنا له مصطلحا جديدا بعلم النفس بأسم (الحول العقلي)، واثبتنا ان حكّام العراق.. حولان عقل وفكر في السياسة.

لقد توصلت الدراسات السيكولوجية الى ان الدوغماتي (الجامد فكريا) لا يسمع الا نفسه ولا يرى غيره ولا يتقبل الرأي الاخر، وليس هذا بسبب عدم كفايته الشخصية وانما بسبب شعوره بأنه منبوذ من قبل الآخرين، وهذا ما حدث لقادة احزاب الأسلام السياسي في العراق في انتخابات 2018 التي عزف عن المشاركة فيها اكثر من 80% من الناخبين العراقيين.. وتكرر الحال في انتخابات 10 اكتوبر 2021 وما اعترفوا الخاسرون بخسارتهم مع أن من اخلاق الديمقراطية ان يهنأ الخاسر خصمه الفائز.

ولك ان تراقب حكّام العراق تجد أن اغلبهم يسارع الى رفض أي دليل او مناقشة تتعارض مع معتقداتهم، وينظرون الى الامور الجدلية على انها ابيض واسود فقط، وغير قادرين على التخلي عن ارائهم حتى لو بدا لهم خطؤها، بعكس صاحب الفكر المنفتح الذي يتشوق لمعرفة الجديد سواء كان موافقا لما يرى ام مخالفا له.

الدوغماتي.. غير عقلاني

والمفارقة ان صاحب الفكر المنغلق لا يشعرك بأنه شخص عقلاني منطقي، كقول من كانت امور العراقيين بيده بأن العلمانية كفر وزندقة، لأنه متخندق مع نفسه ومتبرمج على معتقدات ومفاهيم جاهزة وقطعية.. يحفظها عن ظهر قلب، دون ادنى اعتبار لمشاعر الآخرين، سيما اذا كان الشعب متنوع المكونات والمعتقدات كالشعب العراقي الذي يحتاج الى حاكم منفتح عقليا.

والدوغماتية تفضي الى التعصّب وتعمل على تشكيل شخصية بمواصفات معينة، اوضحها.. صلابة الرأي التي لا تسمح له بأن يتزحزح عنه، والميل الى التسلط والعدوان الذي يسقطه على الجماعات او الاشياء التي يتعصب ضدها. وسيكولوجيا، يجد المتعصبون في احقادهم على الاخرين تفسيرا مبررا عن دوافعهم ورغباتهم المكبوته بما فيها الانتقام، ويعدون التسامح مع الخصوم ضعفا او جبنا، ولك ان تتذكر ما حدث بين عامي (2006 و2008) التي راح ضحيتها الآف الأبرياء من العراقيين بسبب دوغمايتهم.

وللتاريخ، كانت الدوغماتية هي التي اسقطت (الأخوان) في مصر، وحركة النهضة في تونس، وهي التي ادخلت في نفق مظلم فريقي الصراع في اليمن (الحكومة والحوثيون) اللذين تفاوضا في الكويت (نيسان-ايار 2016) والى الآن(2022) ما اتفقا!. والمفارقة ان الدوغماتية كانت هي السبب في بقاء سياسيين عراقيين في السلطة ثمانية عشر عاما برغم انهم افشل وافسد من حكم العراق في تاريخه السياسي، بأن نجحوا في ايصال معظم العراقيين من ذوي الاصابع البنفسجية الى ان يكونوا في دوجماتيتهم مثل حصان العربة.. لا يرون الا الذي امامهم، حتى اذا كان في حساباتهم احتمال ان يكون طريقهم الى.. المقبرة!.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

عبد الخالق الفلاحمعرفة أنواع الهويات والفهم الواعي لها وإنسانية الإنسان التي لا تتحقق إلا في بيئة إنسانية حقيقية وهي من المفاهيم المهمة التي يجب أن يسعى لها الإنسان الواعي لادراكها، ومثل هذه البيئة لا تكون إلا عندما تكون منظمة بشكل اجتماعي متكامل، فتكون بذلك مجتمعاً ودولة ووطن وتعكس الهوية الوطنية روح الانتماء لدى أبناء الوطن الواحد وهي التي عليها يرتفع شأن الأمة وتزدهر، ومن دون الهوية الوطنية تفقد الأمة معنى الاستقرار، ما لم يمتلك جميع أبناء الوطن الواحد الحقوق نفسها، وهذه الحقوق ما هي إلا تجسيد لمعاني الهوية الوطنية، وهي ما قد تميز المواطن عن غيره من الأفراد، ومن هذه الحقوق حق التعليم وحق العلاج، وحق التعبير عن الرأي بحرية، وحق ملكية الأراضي والممتلكات، وحق العمل، وحق البناء، وحق العيش بعزة وكرامة على أرض المواطن.الهوية هي أحد أشكال القومية الوطنية التي يختار الفرد طواعية أن يعيشها.، وهي لا تنفصل عن مصلحة الإنسان الإنسانية وهويته الإنسانية التي اضحت اليوم ضرورة حياتية، هناك من يعرف الهوية و يُطلق العنان لنفسه ولعقله، وهناك من يلجأ إلى دين من الأديان كي يحقق له التوازن النفسي، وهناك من يُغلّب جانب العلم للوصول إلى إجابات عن هذه الأسئلة، وهكذا لكل إنسان طريقته في البحث عن إجابات لأسئلة تُشكّل هويته، وبقدر حصول الإنسان على إجابات مُقنعة وكافية يكون استقرار هويته، وبقدر بعده عن الإجابة المريحة والمنطقية تحدث له حالة من التشتت، التي تُسبب له الاضطرابات النفسية وتُوصله إلى ما يُعرف بأزمة الهوية

وقد يكون السبيل الواضح للتفاعل الاجتماعي السليم والتعايش السلمي وأيضاً للإصلاح الإنساني ولاشك أن الهوية " اسم نسبة إلى هو، ومن معانيها في اللغة العربية البئر بعيدة القُعر، وهوية الإنسان هي حقيقته وأوصافه التي تميّزه عن غيره من الأفراد" وتعد من بين أهم الأعمدة الاجتماعية التي يتميز بها الإنسان على مر التاريخ، وحينما نتحدث عن مصطلح الهوية نعطي الانطباع منذ الوهلة الأولى، أو يتبادر إلى ذهن الجميع أننا بصدد معالجة ظاهرة اجتماعية قد ترتبط بأشكال التمييز بين عرق شمالي أو جنوبي أو من ناحية أخرى تقاطب مصطلحي البيض والسود. بحكم الحركات الاجتماعية والثقافية وما تفرزه خنادق الصراع الطبقي التي تحرم وتحلل بين هوية وأخرى، وتطالب بتأصيل هوية معينة، أو إسقاط غيرها من جانب آخر، والهوية اليوم اصبحت من القضايا الاساسية في تكوين وحياة الإنسان، ويمكننا القول أن جُلَّ نشاط الإنسان يدور بين الهوية والمصلحة، وهما فعلياً لا ينفصلان، فالمصلحة عملياً ترتبط بضرورات الإنسان ككائن حيّ، لكن وفق شرطه الإنساني، والهوية هي الصورة التي يتخذها الإنسان ببعده الإنساني وصفته الإنسانية، اللذين يميزانه عن كل الكائنات الأخرى. ان الهوية الوطنية العليا مقترنة بشكل مباشر بهوية الإنسان العليا كإنسان في المقام الأول ولكن من دون الأخلاق يحدث هبوط بليغ، حيث تنعدم قيم كثيرة، لن تجد الرحمة، ولا التسامح، وأيضاً ستبحث كثيراً عن الدفء في قلوب خالية من أعظم القيم. نحن بحاجة إلى أن نعمل دوماً، لنكون على مستوى عظيم من القيم الأخلاقية التي نريدها موجودة، والتي قد تكون مرتفعة ت عند البعض، وتكون عالية، وقد تكون منخفضة لدى آخرين أو متواضعة. هناك بعض العناصر والمقومات الأساسية التي نستطيع من خلالها تحديد الهوية الوطنية، هذه المقومات هي ما تميز الفرد عن غيره من دولة لأخرى، فكل دولة تمتلك هوية و مقومات خاصة بها مثل اللغة او اللغات المشتركة وهي العامل الأساسي لتكوين أي أمة، و وسيلة التواصل المشتركة بين أبناء الوطن الواحد و الثقافة الإجتماعية المشتركة من خلالها يستطيع الفرد إظهار عواطفه لمن حوله، واللغة تنمي عند الأفراد شعور مشترك بالوحدة الوطنية فيما بينهم، و تعبر عن وجود انتماء واحد لأمة واحد يجمعهم وكذلك تاريح مشترك فيما بين اطيافه ومكوناته، وتعتز كل أمة بماضيها، فالأمة لا يتم توحيدها إلا من خلال تاريخها، فالتاريخ هو الذي يأخذ بيد الدولة نحو مستقبلها.

العلاقة بين الفرد والدولة في الدولة الوطنية الحديثة تقوم بصفة فردية خالصة، وعلى أساس الهوية الإنسانية ومبدأ المواطنة، الدولة تتعامل مع الفرد المنتمي إليها كإنسان وكمواطن، وإنسانية الفرد هي الأساس المطلق الذي يحدد موقف الدولة منه، وطريقة تعاملها معه والحقوق التي يجب أن تضمنها له، وكل ما يرتبط بهذا البعد الإنساني الجوهري للفرد وينبثق عنه، هو أمر غير مشروط قطعا ولا محدود أو محدد بالدولة التي ينتمي إليها هذا الفرد، ولا يحق قطعا للدولة تحديد حقوق فردها الإنسانية. وفي ما يلي هذا المقام يمكن للهويات والصفات الأدنى درجة أو الثانوية أن تتواجد أو ألا تتواجد، ويمكنها أن تتموضع وفقا لأهميتها بالنسبة لصاحبها بشرط ألا يكون بينها وبين هويته الإنسانية والوطنية أي تناقض، وهي تأخذ معنى وبعدا شخصيين محضين، ولا علاقة لهما ببنية الدولة، ولا بالعلاقة بين الدولة والفرد، إلا على مستوى واجب ضمان الدولة للفرد حقه الفردي بالحفاظ على هذه الهويات والصفات، وما يترتب عليها من مفاعيل سلمية وغير متعارضة مع مصلحة المجتمع والدولة والفرد نفسه، وليس بصفتها الخاصة كهويات أو كصفات خاصة ولكن بصفتها حقوق إنسانية محضة.

 

عبد الخالق الفلاح

 

ليس جديدا او غريبا ان تتجاذب مواقف الاحزاب والقوى سواء في السلطة او خارجها حول العديد من القضايا كواقع حال مفروض لحماية مصالحها العقائدية والذاتية، دون ان تتدارك هموم المواطن ومصالح الوطن ومجتمعاته التي باتت على حافة الهاوية. ويبدو ان التغيير الطاريء في مواقف الاطراف الاقليمية والدولية خاصة إيران والولايات المتحدة الامريكية، جعل القوى العراقية المتصارعة على السلطة وفقا لما افرزته النتائج الانتخابية حاد المظاهر وغير محسوب العواقب. فيما القضايا المجتمعية التي افرزتها "إنتفاضة تشرين" وطالبت بوضع حلول جذرية لها، بقيت عالقة، بل تجري محاولات لجرفها نحو غياهب النسيان. والعراقيون على ما يبدو، في ظل هذه الازمات المفتعلة، وانقسامهم المجتمعي والسياسي، غير قادرين لوحدهم على التغيير ووضع حد لمعاناتهم ومعاناة بلدهم ما لم تتكون لديهم القناعة والموقف الوطني "الجمعي" لتحمل المسؤولية الاخلاقية لكسح هذه الطبقة المافيوية المتجذرة في مؤسسات الدولة والسلطة عن المشهد السياسي.. السؤال: من ذا الذي يستطيع تحريك الطبقة الصامتة منذ ثمانية عشر عاما لتقوم بتغيير هذا الواقع المرير وهي بموقفها السلبي هذا منحت الفاسدين فرصة الهيمنة على البلد ومصالح شعبه بالكامل؟.  

أكثر من شهر ونصف مضى على اجراء الانتخابات وصولة فرسان "الاطار التنسيقي الذي تشكل مؤخرا لاغراض فئوية" من مواقعه، يهدد ويتمرد ويحرض على انتزاع ما ليس له فيه من حق من جبة "القضاء" بالقوة. وهو ما لا يمكن ان يتأتى حتى اذا ما انتزع القانون بعضا من النتائج التي حصل عليها المستقلون لصالحه.. الغريب في الامر ان هذه القوى لم تكن في الانتخابات السابقة 2010 ، 2014 و 2018 ، تسمح  لنفسها بالتنازل للاخرين ورفضت كل الطعون التي شككت بنزاهة الانتخابات معتبرة نتائجها سليمة رغم انها تعلم علم اليقين بانها مزورة.. من جانبه اكد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر التزامه باحترام نتائج الانتخابات وتصميمه على تشكيل "حكومة أغلبية وطنية" لا حكومة توافقية، كما ينص الدستور على ان "الكتلة الحائزة على أكثر المقاعد وليس الاصوات" هي من تقوم بتشكيل الحكومة. بمعنى آخر حكومة مسؤولة تقوم بإدارة الدولة وشؤونها لاربع سنوات، ومعارضة تراقب عملها كما هو متعارف عليه في دول العالم ومنها الدول الجارة للعراق وليس على طريقة دولة القانون عندما فاز علاوي بانتخابات 2010 سحبتها منه تحت ضغط طائفي. ودعا الصدر الى رفض أي تدخل أجنبي في شأن الانتخابات، بما في ذلك إيران. كما طالب بحل الحشد وحصر سلاحه بيد الدولة، وتوجه للاطراف الراغبة للمشاركة في الحكومة ان تنظف صفوفها من الفاسدين وحل ميليشياتها المسلحة واعلان ولائها للعراق ارضا وشعبا.

مع الاعلان بحسب النتائج الأولية لمفوضية الانتخابات عن فوز تيار الصدر في الانتخابات البرلمانية المبكرة التي جرت في العراق نتيجة الغضب على نطاق واسع ضد كبار السياسيين واتهامهم بالفساد والثراء على حساب الشعب والوطن، وتحول ذلك الغضب الى احتجاجات حاشدة في تشرين 2019 أطاحت بحكومة عبد المهدي آنذاك. حاليا أقدمت احزاب الاسلام السياسي الشيعية على تشكيل منظومة جديدة سميت "بالاطار التنسيقي" لمواجهة الصدر الداعية الشعبوي لتياره. اضطره ذلك للتفاوض مع الاحزاب الكردية والسنية "البرزاني والحلبوسي" لتشكيل حكومة اغلبية وطنية معهم، انتهت دون نتائج إيجابية، تحسب لصالح الصدر كما يقول المثل الدارج: رب ضارة نافعة.   

فشل محاداثات الصدر في رايي أنقذه من مآخذ ومناكفات سياسية وعقائدية ومجتمعية ووطنية لا ترحم. اذ ان مسالة التحالف مع الاكراد والسنة امر غير منطقي، اذ ان مصالحهم لا يمكن ان تستقر الا وفق نظام المحاصصة التوافقية، كما انهما سيشكلان في التحالف مع الصدر ان تحقق اغلبية قادرة على الابتزاز لتحقيق مصالحهم المناطقية والعقائدية دون غيرهم، وهو ما كان يغفله الصدر بالتأكيد. ثم ان الطرفين، الحلبوسي والبرزاني، لا تهمهم مصالح العراقيين بقدر ما تهمهم مصالحهم الفئوية والحزبية على حساب الدولة العراقية ومساحاتها الجيوديموغرافية والاقتصادية، الامر الذي سيجعل الصدر عرضة للحرج الشعبي، ولن تنتهي الا بقضمهم الاتفاق عمدا، دون قطرة حياء كما هو معروف عنهم. وتجدر الاشارة الى ان رفض البرزاني والحلبوسي للاتفاق بحجة ان على الاطراف الشيعية ان تتوحد وتتفق فيما بينها على ترشيح من تراه مناسبا لتشكيل الوزارة، ما هو الا مناورة لحصاد مزيد من الحقوق والمكاسب والامتيازات.   

ما ينبغي على الصدر القيام به ان كان جادا في نقل المشهد السياسي والمجتمعي نحو الافضل. بعد ان اتجه الوضع العام برمته نتيجة موقف جميع الاطراف سيما الشيعية من نتائج الانتخابات، نحو الانسداد السياسي على الرغم من الضغوط الايرانية عليهم لتفادي السقوط في المستنقع. ومن ثم تصريحه في 24 تشرين الثاني لحل أزمة تشكيل الحكومة بالقول (اما يشكل الآخرون "حكومة أغلبية وطنية" ويذهب تياره الى المعارضة، او يشكل هو "حكومة اغلبية وطنية"، وتذهب الاحزاب الاخرى لتشكيل معارضة برلمانية، مؤكدا غير ذلك لن يحصل، ولن تعود لعبة الدكاكين الى سابق عهدها! ).. 

وبغض النظر عن موقفنا من أحزاب الاسلام السياسي ونوايا السيد، أقول اذا ما أصر الصدر بثبات على هذا الموقف الوطني في ظل ظروف تفتقر إلى اجواء سلمية تسمح لكتلته النيابية الفائزة انجاز مهام العملية الانتخابية، فانه سيضع الجبهة الكردية ـ السنية من جهة، وتحالف الاطار التنسيقي ـ الشيعي من جهة اخرى امام معادلة مربكة جديدة، تُسقط كل ما لديها من خطط غير معلنة للبقاء في السلطة، كما وتحرجها لمواقفها الفئوية التي تتعارض مع مصالح الشعب والبلد امام المجتمع العراقي والدولي. وسيفضي الى جملة احتمالات من شانها ان تؤسس لصراع سياسي سلمي لتداول السلطة وانقاذ البلد، أو تتحول المناكفات السياسية التي ادت وتؤدي الى تعطيل الحياة المدنية والادارية والاقتصادية والامنية، الى غضب شعبي، يعود من جديد للمطالبة باجراء انتخابات جديدة رديفة للسابقة. ستؤدي الى مشاركة نوعية واسعة لمن قاطعوا في المرة السابقة، لادراكهم بانها لن تغير الوضع في العراق بشكل جوهري، ولانعدام الثقة في السياسة وتدني الإقبال إلى مستوى قياسي شكل علامة واضحة على إحباط الكثير من العراقيين من الوضع السياسي في بلادهم.

اذن اذا ما توفرت الارادة المخلصة لاجراء انتخابات نزيهة ومنضبطة اداريا وامنيا على غرار تجربة الانتخابات السابقة، فانه لمن المؤكد ان تكون مشاركة من يتوقون لنظام حكم يسوده القانون والعدل والمساواة واسعة بالشكل الذي يسمح لهم لعب دور فعال في الحياة العامة على المستوى الاداري والسياسي والاقتصادي مستقبلا، بعيدا عن اي تدخل اجنبي في شؤون بلادهم. والاهم، اجراء مراجعة شاملة للاوضاع العراقية وإعادة النظر ببنود الدستور والقوانين المتعلقة بالاحزاب والانتخابات واللجان، وتصحيح كل ما نتج عن الحكومات الطائفية السابقة التي هيمنت على مؤسسات الدولة وجعلتها مؤسسات تابعة لاحزابها وعوائلها، كذلك محاربة الفساد وتقديم كل الفاسدين للقضاء وانهاء ماضي العراق الدموي.

 

عصام الياسري

 

محمد عمارة تقي الدين"لم تكن أرضًا بلا شعب، لشعب بلا أرض تلك واحدة من المقولات التي تترد عن البروفسير الإسرائيلي البريطاني آفي شلايم، مُكذِّباً الرواية الصهيونية الشهيرة التي رفعت شعار (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، والتي تضمنت طرحاً زائفاً عمقته الصهيونية وقتها في الوعي العالمي بحجة أنه طالما أنهم شعب بلا أرض (اليهود) فهناك أيضًا أرض بلا شعب (فلسطين) وعلى العالم أن يساعد اليهود لكي يستوطنوا تلك الأرض الخالية!

ومن ثم يؤكد شلايم، أن الحركة الصهيونية لاتعدو كونها حركة استعمارية ذات نزعة عدوانية توسُّعية إحلالية، إذ تقوم على استراتيجية: الخلاص من السكان الأصليين لفلسطين: قتلاً وتهجيراً، وتوطين الصهاينة مكانهم.

وآفي شلايم هو أحد المؤرخين الإسرائيليين فيما يُعرف بمجموعة (المؤرخين الجدد)، الذين قاموا بإعادة فحص ودراسة تاريخ الحركة الصهيونية ووضع ما قدمته من أطروحات تحت مجهر البحث العلمي الجاد، تلك الأطروحات التي دارت في معظمها حول التاريخ اليهودي ومدى صدق الرواية الصهيونية حوله وكذلك التاريخ الصهيوني وصولاً لاستيلاء الصهاينة على فلسطين وما ارتكبوه من مجازر بحق الفلسطينيين وقتها، ومن ثم اكتشفوا أن الصهيونية زيفت الحقائق بشكل جذري واخترعت تاريخاً مُلفقاً في محاولة لتسويغ أطروحاتها.

لقد نسف هؤلاء المؤرخون كثيرً من المرويات التاريخية التي تأسس عليها الكيان الصهيوني، ومن ثم قدموا قراءة مغايرة تمامًا لما زعمته الحركة الصهيونية في هذا المضمار.

وآفي شلايم، والمولود في بغداد لعائلة يهودية عام 1945م، يعيش الآن خارج إسرائيل، وهو بروفوسير في العلاقات الدولية بجامعة أكسوفورد البريطانية، ومن أهم مؤلفاته " الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي".

ويوجه شلايم نقده بصفة مركزية للأساطير التي عمقتها الصهيونية في الوعي اليهودي بل والعالمي للترويج لأطروحاتها الأيديولوجية ذات الصبغة الاستعمارية.

وهو أحد الموقعين على بيان إدانة المذابح ضد الفلسطينيين في غزة في عدوان 2009م، وهو البيان الذي وقعه أكثر من 300 أكاديمي ونشرته الجارديان في يناير 2009م.

ويحدثنا شلام عن كمّ الخداع الذي تعرض له في الصغر بسبب البروباجندا الصهيونية، إذ كان مؤمناً بطهارة السلاح الإسرائيلي، وأن إسرائيل كانت هي الضحية طوال الوقت مقابل زيف الرواية الفلسطينية حول حقيقة ما جرى من جرائم واسعة النطاق، غير أن البحث العلمي الدقيق أكد له كذب كل هذه الادعاءات الصهيونية.

وبعد اندلاع ثورات ما يسمى بالربيع العربي هاجم آفي شلايم الحكومات الإسرائيلية لأنها تحول دون قيام حكم ديمقراطي في المنطقة على عكس ما كان يروج له بن جوريون بأن إسرائيل جاءت لنشر قيم الديمقراطية في الشرق الأوسط.

في أكتوبر من العام 2015م، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد هاجم الحاج أمين الحسيني مفتي القدس الأسبق زاعمًا أنه من حرّض الزعيم النازى هتلر على إبادة اليهود، إذ قال نتنياهو: " لقد أخبر هتلر الحسيني أنه يريد طرد كل اليهود من القارة الأوروبية، فأجابه الأخير: سينتقلون إلى فلسطين بل أحرقوهم "، وقد هاجمه يهود كثيرون مؤكدين أن كلامه لا يقوم على أي سند تاريخي، فالوثائق التاريخية تدحض ذلك الادعاء، كما أن المحرقة قد بدأت قبل هذا اللقاء بكثير.

هنا تدخل آفي شلايم مدافعًا عن الحاج أمين الحسيني حيث قال: " لم يكن الحسيني لديه أدنى تعاطف مع أيديولوجية ألمانيا النازية، وإنما جاء تحالفه معهم أثناء الحرب كتصرف براجماتي ولصالح شعبه، فالصهاينة كانوا العدو وألمانيا كانت عدوًا لليهود ، وهناك مقولة تذكر أن عدو عدوي هو صديقي".

يؤكد شلايم أن ما ارتكبه الصهاينة بحق الفلسطينيين هو تطهير عرقي بكل المقاييس كما أن أكثر من 700 ألف فلسطيني وهو ما يعادل نصف السكان العرب أصبحوا لاجئين بسبب تلك الممارسات الإجرامية.

لقد تم ذلك ضمن ما يعرف بالخطة (داليت) تلك الخطة الإجرامية التي وضعتها العصابات الصهيونية في فلسطين إبان أحداث عام 1948م، والتي بموجبها تم طرد الفلسطينيين من أرضهم عبر إعمال التدمير والقتل وارتكاب المذابح بحق هؤلاء الفلسطينيين لدفعهم للفرار من القرى تاركين منازلهم وأرضهم خلفهم ليتأسس واقع جديد يكون اليهود فيه هم واضعي أيديهم على الأرض ومن ثم يأتي المجتمع الدولي المنحاز دائمًا لإسرائيل ليعترف بهذا الواقع.

كما أدان شلايم الهجوم الصهيوني المتكرر على غزة واعتبره هجوماً بربرياً، ورأى أن شارون كان يمثل النمط الإجرامي ذو النزعة الاستعمارية الاستيطانية الكامن في الفكر الصهيوني، فهو جنرال إسرائيل الدموي، وأن فلسطين كانت بمثابة (تعويض) إذ قدمتها أوروبا لليهود تكفيراً عن جريمة الهولوكوست.

يرى شلايم أن إسرائيل هي آخر كيان استعماري على وجه الأرض، بل وتحولت إلى دولة مارقة ومُهدِدة للسلم العالمي تحكمها عصابة مجرمة من فاقدي الإنسانية ومنزوعي الضمير.

كما أكد أن انتفاضة الشعب الفلسطيني عام 1987 هي حرب استقلال فلسطينية حقيقية للحصول على حق الشعب في  تقرير مصيره، ومن ثم إقامة دولة فلسطينية مستقلة، كما أن المقاومة الفلسطينية المتصاعدة جعلت إسرائيل تؤمن بأن القوة العسكرية لن تحسم الأمر، وأن الجيش يمكنه أن يهزم جيشًا، ولكنه لا يستطيع بأية حال أن يقهر شعبًا يطالب بحقه في إقرار مصيره.

يذهب شلايم إلى أن إسرائيل تسير في الاتجاه الخاطئ وأنه يوماً ما سيدرك الإسرائيليون أن أمن دولتهم لن يتحقق عبر اللجوء للقوة المفرطة والممارسات المتوحشة بل بالسلام العادل، مؤكداً أن سياسات إسرائيل العدوانية هي ما منعت وأحبطت أي فرصة لتحقيق سلام حقيقي مع جيرانها العرب.

يعترف شلايم أن لليهود تاريخ طويل من الألم والمعاناة عبر العصور، لكن الذي حدث في العام 1948م أنهم قاموا بدور الجلاد الذي تصرف بوحشية مفرطة ضد الفلسطينيين الأبرياء، فقد تبدل موقعهم من الضحية إلى المجرم.

من هنا سجل شلايم إعجابه الشديد بمقولة إدوارد سعيد بأن:" الفلسطينيين هم ضحايا الضحايا".

أعلن شلايم تأييده للمبادرة العربية التي تنص على اعتراف عربي شامل بإسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة في 1967، والسماح بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة عاصمتها القدس.

رفض آفي شلايم الانحياز البريطاني المطلق لإسرائيل وبرره بأنه بسبب دعم المحافظين البريطانيين للصهاينة، بل وطالب بمحاكمة السياسي الصهيوني بيني غانتس كمجرم حرب، فهو المسئول الأول عن العدوان على غزة عام 2014، وهو ما أدى إلى استشهاد أكثر من ألفين ومئتين وخمسين فلسطينياً، من بينهم أكثر من خمسمائة وخمسين طفلاً.

كما وجه رسالة إلى الرئيس الأمريكي جو بايدن يطالبه فيها بضرورة تقييد الدعم الأميركي لإسرائيل لإجبارها على الانخراط في عملية سلام حقيقية، إذ أن الانحياز الأمريكي التام لإسرائيل، هو أحد أسباب فشل عملية السلام، فإسرائيل لا يمكنها الاستمرار في سياستها من دون وجود دولة عظمى تساندها بشكل مُطلق.

يرى شلايم أن سياسة التهجير(الترانسفير) والإحلال(طرد الفلسطينيين وإحلال صهاينة مكانهم) التي يتبعها الكيان الصهيوني بشكل ممنهج ليست جديدة بل هي سياسة كامنة في الفكر الصهيوني منذ تيودور هرتسل، وها هو حاييم وايزمان، وقد اقترح فكرة ترحيل الفلسطينيين أكثر من مرة على الجانب البريطاني، وكان ديفيد بن جوريون، يرى أن فكرة الترحيل هي الطريقة المثلى لإنهاء الصراع، كذلك جولدا مئير التي كانت تري أنه من أجل إقامة دولة يهودية يتحتم الخلاص من الفلسطينيين ولا خيار آخر بل كانت تردد قولتها الكاذبة"لا وجود للشعب الفلسطيني"، كما بررت المجازر بحق الفلسطينيين بقولها :"العرب كانوا يجبرون الإسرائيليين على قتلهم".

أشاد آفي شلايم باتفاقية أوسلو لكنه حمَّل الكيان الصهيوني مسؤولية فشلها بسبب سياسية التوسع التي تتبعها إسرائيل عبر قضم المزيد من الأراضي ومن ثم بناء مستوطنات جديدة عليها لخلق واقع على الأرض يصعب تغييره، ومن ثم فإسرائيل تعمد إلى قتل حل الدولتين عبر هذه الفعلة الشنعاء.

وفي التحليل الأخير، فتلك هي أطروحات البروفسير آفي شلايم التي من شأنها دحض الرواية الصهيونية المكذوبة للصراع العربي الصهيوني، في مقابل تأكيد الرواية الفلسطينية التي تتطلب منا نحن العرب تعميقها في الوعي العام العالمي عبر عمل فكري وإعلامي شامل ومضاد للبروباجندا الصهيونية الكاذبة، فقد قصَّرنا في هذا الحقل كثيراً، إذ تبقى القضية الفلسطينية هي أعدل قضية في يد أفشل محامٍ بحسب قول آفي شلايم نفسه.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

علجية عيشمن هو أول سجين في التاريخ؟ من الذي اخترع السجن؟ سؤال طرحته الكاتبة رغدة حسن وهي ناشطة سوريَّة، وتعرضت لعدة اعتقالات من قبل النظام السوري في عهدِ حافظ الأسد وكذا في عهدِ ابنه بشار الأسد وهذا السؤال كما تقول يرد كثيرا في مقالات وروايات وبحوث دون أن يلقى إجابة محددة له، مثله مثل باقي الأسئلة الوجودية، وقد عادت الكاتبة إلى الأسطورة التي تقول أن أول سجين في التاريخ هو بروميثيوس الحكيم، وكما جاء في الأساطير فبروميثيوس واحدا من حكماء التايتن وكان يملك المقدرة على التنبؤ بالمستقبل، ومن هنا جاءت فكرة السجن، وتقارن الكاتبة بين السجون في العهود القديمة وبين السجون في العصر الحديث، كان النفي هو العقوبة لكل من ارتكب جريمة أو خطيئة، وتصف السجون والمعتقلات وما اشتهرت به من سمعة سيئة ، إذ ترافق تاريخها بالأوضاع الصحية والإنسانية الرديئة التي يعيشها السجين، وتلازم تاريخ السجون بأساليب التعذيب، التي يتعرض لها المعتقل، كما تشير إلى الكتّاب والشعراء الذين تعرضوا للإعتقال ممن كتبوا عن تجاربهم الخاصة، أو التي سمعوا عنها في معتقلات بلدانهم، لذلك أخذ أدب السجون حيزًا مهمًا في ساحة الأدب، نال من اهتمام القارئ نصيبًا جيدًا، فكان أن وصلت معاناة السجين للعالم عبر روايات انتشرت، ثم أن بعض الكتّاب عاش تجربة الاعتقال السياسي، ونقل لنا أوجاع ذاكرته، وبعضهم حاول أن يتخيل حالة السجين، وما عاشه من عتمة وقهر، وما تسببه التعذيب من كسر لروحه وجسده، فهل نجحوا؟

طبعا لن نمارس ثقافة "الاجترار" أو "العنعنة "و نعيد ما جاء في مقال الكاتبة الذي نشر في موقع "الانطولوجيا" ولكن يكفي الوقوف عند قولها أن عالمنا الحافل بالمعتقلات السرية، يحتاج لجهود الكثير من الكتّاب والمنظمات المختصة، ليتمكن التاريخ من ترجمة ما كان يحدث للإنسان في عالمنا، يضيء أوكار الظلام، ويجفف مستنقعات الموت. ولندرك نحن أبناء هذا الزمن وهذا الواقع، ما علينا فعله لاحقًا، حتى ينكسر قيد السجين، ويشفى من ذاكرة القهر والرعب، إذ لا أشك للحظة بأن سجينًا قد تحرر من سجنه بعد الخروج إلى الحياة من جديد، فذاكرة السجن تسكنه أينما ذهب، طالما للجلاد عمل وقرار، إلا أنها تنتقد بعض الكتابات عن أدب السجون والمعتقلات وكأنه كاتبها يناقش فكرة الجمال ، وتقول أن مثل هذه الكتابات أصحابها لم يتذوقوا حياة السجون ولم يعانوا خطر المعتقل وإن كان صوت المعتقلين همهم في إيصال صوت المعتقل أو السجين للعالم.

وعلى غرار باقي النساء المقاومات اللاتي ذقنا ويلات الاستعمار والأنظمة الفاسدة الدكتاتورية، سواء في العالم العربي أو في جنوب إفريقيا فقصة رغدة حسن التي توفيت في مارس 2021 بفرنسا عن عمر يناهز 50 سنة وهذا يعني أن ولادتها كانت عام 1971 ، وقد بدأت نشاطها السياسي في سن العشرين ، وعاشت حياة السجن والمعتقل يوم تم اعتقالها عام 1992 ضمن حملة شنها حافظ الأسد على أحزاب المعارضة وتزوجت بعد خروجها من السجن من الفلسطيني عامر داود الذي كان معتقلا في السجن نفسه وتعرفت عليه في ظروف صعبة بالمعتقل، ثم اعتقلت في سنة 2010 أثناء سفرها إلى لبنان على خلفية روايتها "الأنبياء الجدد" التي تروي قصة السجون السورية وتعرضت للاعتداء الجسدي، لتعلن موقفها الداعم لحراك الشعب السوري المعارض لنظام الأسد، فعبرت عن ذلك في كتاباتها وفي مواقفها، حيث اعتقلها النظام السوري في بداية الثورة.

فقصة الناشطة السورية رغدة حسن تشبه إلى حد كبير كثير من النساء إلا أن هناك من سبقتها للكتابة في هذا المجال ونذكر على سبيل المثال لا الحصر المناضلة عائشة عودة وتجربتها الكتابية عن أدب السجون، كونها واحدة من الأسيرات اللاتي ذقن مرارة السجن وعائشة عودة من مواليد 1944 في قرية دير جرير التابعة إدارياً لمحافظة رام الله، انتظمت في صفوف المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني بعد انتهاء حرب1967 مباشرة، وتم اعتقالها في ( مارس) آذار 1969 وحكمت عليها محكمة الاحتلال الصهيوني العسكرية بالسجن المؤبد، وقد عانت عائشة عودة مرارة الإعتقال والتعذيب وظلم السجود الإسرائيلية طيلة عشر سنوات، ثم تحررت في عملية النورس لتبادل الأسرى بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في آذار 1979، وقد اشترطت إسرائيل إبعادها خارج فلسطين، فأقامت في الأردن حتى عودتها إلى فلسطين بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة كوادر منظمة التحرير الفلسطينية وتأسيس السلطة الفلسطينية في عام 1994.

 وبالنظر إلى تجربتها في المعتقلات والسجون الإسرائيلية، قررت المناضلة عائشة عودة الكتابة عن وضع الأسرى الفلسطينيين وبخاصة النساء، وفي كتاباتها نقرأ عن أدب السجون من خلال تجربتها النضالية، وثَّقَتْهَا في كتابين "أحلام بالحرية" و"ثمنا للشمس"، وتأتي كتابة تجربتها في الأسر من باب الالتزام الوطني في توثيق معاناة الأسرى وما يتعرضون له، والمتتبع لأراء النقاد، نرى أن عائشة عودة في كتاباتها رسمت حروفها بقلم أحمر، وبلغة دامية كتبت تجارب شعب كامل عانى وما يزال يعاني القسوة والظلم، فقد نقلت عائشة عودة مشاهد كثيرة عاشتها في السجون الإسرائيلية، عن محاولة الاغتصاب التي تعرضت إليها في السجن وكيف قاومتها وانتصرت فيها، وقليل طبعا من اللاتي لهن الجرأة في الكشف عن تعرضهم للاغتصاب أو محاولة الاغتصاب، حيث فضحت ممارساتهم وعنصريتهم ووحشيتهم.

ويكفي أن نقف على تفاصيل التحقيق معها وتعذيبها بالعصا، من خلال هذا السرد المؤلم، يمكن لمن لم يجرب حياة السجون أن يعيش ولو افتراضيا هذه التجربة ويطلق العنان لمخيلته ليرى مشهدا من مشاهد التعذيب على يد جندي صهيوني، إلا أنها تعارض مصطلح أدب السجون وترى مصطلح أدب المقاومة هو البديل، وبالعودة إلى الكتابات في هذا المجال نرى أن كثير من الباحثين يرون أن أَدب السجون والمعتقلات في فلسطين جزء لا يتجزأ من الأدب العربى، الذي يتطلع للحرية، حيث ذهب البعض لتسميته بأدب الحرية، أو الأدب ألاعتقالي، وحرص آخرون على صبغه بمفاهيم إيديولوجية، فأطلقوا عليه " الأدب الأسير"، وذهب آخرون إلى تسميته بأَدب السجون، ولكن الجميع مجمعون على أنه يندرج تحت عنوان أدب المقاومة، فيما يرى بعض النقاد أن الكتابة عن أدب المقاومة بعيد المنال، لأن الكتابة عن المقاومة لا يكون إلا بعد الانتقال بها إلى حيز الفعل والتطبيق، ويجري التأسيس لها ذهنيا ووعيا ويقينيا في ثقافة تقوم بتنظيم الذاكرة الجماعية وتعزيزها والحفاظ عليها.

 

علجية عيش

 

ابراهيم أبراشمع أن حوارات المصالحة الفلسطينية فقدت مصداقيتها كما فقدت الفصائل المعنية بالأمر مصداقيتها، ومع ان الغالبية الساحقة من الشعب والمحللين السياسيين غير متفائلين بنجاح المبادرة الجزائرية، وربما بعض الأحزاب والفصائل المتوجهة إلى الجزائر هيأت مسبقاً بيانات تبرير فشل الحوارات واتهاماتها للطرف الثاني بالمسؤولية عن الفشل، ومع إدراكنا بأن الحديث حتى الآن ما زال يدور حول مبادرة جزائرية للمصالحة ولم تبدأ حوارات أو لقاءات مباشرة بين الفصائل.. إلا أن هذه المبادرة الجزائرية للمصالحة تختلف عن سابقاتها وسيكون لفشلها انعكاسات خطيرة على مجمل القضية الفلسطينية لدرجة يمكن معها القول إن عدم إجراء حوارات جديدة للمصالحة سيكون أقل ضررا من إجرائها ثم الإعلان عن فشلها.

 نقول ذلك لأن الجزائر ليست كغيرها من الدول التي استضافت حوارات مصالحة ولأن وضع الشعب الفلسطيني الآن والمخاطر التي تتعرض لها قضيته الوطنية هو الأكثر خطورة في تاريخه، وفي هذا السياق نضيف الملاحظات التالية إلى ما كتبناه قبل ذلك حول نفس الموضوع:

1- المبادرة كانت من الرئيس الجزائري وليس من الأطراف الفلسطينية وهذا يعني أن هذه الجولة من الحوارات تعبير عن إرادة ورغبة جزائرية لتحقيق إنجاز في هذا الملف تمهيداً للقمة العربية التي ستستضيفها الجزائر، بالإضافة إلى اعتبارات لها علاقة بما يجري في المنطقة المغاربية، ولكن ليس من المؤكد حتى الآن وجود إرادة عند الأحزاب للخروج من مربع الانقسام وانجاز الوحدة الوطنية، والأحزاب تذهب للجزائر تجنباً للإحراج ولتسويق نفسها كحريصة على المصالحة ولكسب الوقت حتى يعزز كل طرف سلطته في مناطق نفوذه، ولو كانت الأحزاب جادة فمصر لم تغلق أبوابها أمامها، بل لكان من الممكن أن تتحقق المصالحة في رام الله أو غزة ولا داع لهذه الفضائح من الفشل في عواصم العالم.

2- ما يميز المبادرة الجزائرية لاستضافة حوارات المصالحة أن هناك تجربة مشتركة أو متشابهة حيث شهدت الجزائر استعمارا فرنسيا امتد 132 سنة ومقاومة شرسة تواصلت حتى الحصول على الاستقلال 1962، كما أن الحركة الوطنية الجزائرية قبل الاستقلال شهدت خلافات ما بين الوطنيين والإسلاميين والشيوعيين والليبراليين، بل كان داخلها فصائل تعاملت مع الفرنسيين وطالبوا بتسوية سياسية معهم بدلاً من الكفاح المسلح، ومع ذلك وحدوا جهودهم في مواجهة الاحتلال الفرنسي.

3- المبادرة ما زالت في مرحلة استكشاف مواقف مختلف الأحزاب الفلسطينية ولن يتم الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي دعوة الفصائل للجلوس معا على طاولة الحوار إلا إذا تأكدت الجزائر بوجود أرضية مشتركة للتفاهم وإمكانية إحداث اختراق مهم في بعض الملفات.

4- تستطيع الجزائر بسبب ما سبق وبما لها من فضل على الفلسطينيين بشكل عام إحراج الأحزاب الفلسطينية ودفعها للتوقيع على تفاهمات على الورق كما حدث في مصر عامي 2011 و2007 وفي الدوحة 2012 واسطنبول 2021، وربما تفكيك وانجاز بعض ملفات المصالحة ، ولكن هناك ملفات أخرى تحتاج لدولة وسيطة مثل مصر لها علاقات مع إسرائيل والجهات الدولية الأساسية وخصوصاً اللجنة الرباعية.

5- ستكون المبادرة الجزائرية ناقصة إن اقتصرت الدعوة على الأحزاب، لأن هذه متمترسة حول مواقف مسبقة بل تراجعت عن القضايا التي سبق وأن اتفقت عليها كما أنها مقيدة بعلاقات وأجندة خارجية، وعدد المنتسبين لها فعليا لا يزيد الآن عن 35%، لذلك نتمنى على الإخوة في الجزائر دعوة ممثلي المجتمع المدني وشخصيات وطنية مستقلة، وإن لم يحدث ذلك فإن أي تفاهمات ستكون شكلية أو محاصصة بين نفس الأحزاب المأزومة.

6- إذا ما فشلت حوارات الجزائر فلن تغفر الدولة الجزائرية والشعب الجزائري للفلسطينيين ما سببوه لهم من إحراج، ولن تكون الجزائر قادرة على الدفاع عن القضية الفلسطينية في القمة العربية القادمة خصوصا في مواجهة الأنظمة المطبِعة، وقد تتجاوز ردة الفعل الغضب على الأحزاب إلى إعادة نظر في دعمهم ومساندتهم للفلسطينيين، وقد يشجع الفشل الأصوات النشاز في الجزائر التي تطالب بالتطبيع مع إسرائيل .

7- في حالة فشل هذه الجولة من حوارات المصالحة سيتعزز الانقسام أكثر ويتعزز حضور حركة حماس في المشهد السياسي المحلي والإقليمي والدولي وتتزايد القناعة خارجياً بأن حركة حماس هي الجهة الرسمية التي تمثل قطاع غزة وهذا يعتبر انتصار لحركة حماس.

8- كل جولة مصالحة فاشلة ستزيد من تشويه صورة الشعب الفلسطيني ومن إحباطه كما تسيء لمكانة منظمة التحرير وقيادتها التي تمر بأسوأ الأوقات.

9- فشل هذه الجولة من الحوارات بالإضافة إلى أنه سيُفقِد حركتي حماس وفتح ما تبقى لهم من مصداقية فإنه يضعف جهود السلام الفلسطينية وسيجعل القيادة الفلسطينية ضعيفة في أية مفاوضات مع الإسرائيليين أو مؤتمر سلام قادم، كما أن استمرار الانقسام سيضعف من فاعلية مقاومة الاحتلال سواء كانت مقاومة سلمية أو مسلحة.

10- إن فشلت هذه الجولة من الحوارات لن تُقدِّم أية دولة عربية على استضافة جلسات مصالحة فلسطينية في المستقبل، ولكن قد يتم تدويل مشكلة الانقسام والخلافات الفلسطينية وتتدخل أطراف دولية، ليس لإنهاء الانقسام وتوحيد الفلسطينيين بل لتنظيم العلاقة بين كياني غزة والضفة وتنظيم توزيع المساعدات الدولية، وربما يتم استدعاء قوات أو مراقبين دوليين للمرابطة على حدود غزة.

11- هناك مفارقة غريبة وخطيرة، فبالرغم من التداعيات الخطيرة للانقسام على القضية الفلسطينية بشكل عام وعلى حياة غالبية الشعب المتضررة من الانقسام، إلا أن هناك غياب لأي حراك شعبي فاعل للمطالبة بإنهاء الانقسام والضغط على الأحزاب التي يتهمها الشعب نفسه بأنها مسؤولة عن الانقسام و منتفعة من استمراره!!!

12- مع إدراكنا لتعقد ملف المصالحة وتعدد أطرافه إلا أننا نأمل نجاح المبادرة الجزائرية ولو نسبيا، كما نأمل من الأخوة في الجزائر وفي حالة فشل الحوارات أن يعلنوا عن الجهة أو الجهات المعطِلة للمصالحة؟

 

د. ابراهيم أبراش

 

 

 

 

عبد الخالق الفلاحكثر الحديث هذه الأيام عن تبني مشروع وطني للعراق وفي حقيقة الأمر أن في لغة الإدارة العامة، فإن اي مشروع يقوم على مجموعة من الأهداف التي يتم تحديدها، وتصمم النشاطات فيه ضمن خطة تنفيذية تتضمن خطوات عملية تؤدي لتحقيق غاية عامة يستهدفها المشروع وتوصل لإنجاز رؤية جديدة تتمثل على أرض الواقع. وعندما تتطور وثيقة أي مشروع بمزيد من المهنية، فلا بد من ربط الخطوات بالأهداف والنتائج بحيث تكون موصلة فعلا، ولا بد من تحديد بعض مؤشرات الإنجاز أو معالم في الطريق تؤكد وتضبط السير حسب الخطة المعدة وتسهم في مراقبة تحقق التقدم. فأيّ من هذه البنود يتوفر في عنوان فضفاض جعله أرباب المشروع مقدسا ومنزل ؟وفي باب السياسة والفكر فإن "المشروع الوطني" هو فكرةأساسية، تتضمن تنظيما خاصا ومنسجمة لحياة الناس الذين يحلمون بها بحيث تترجم إلى تشريعات وقوانين تنضبط بالفكرة المراد للتأسيس عليها، ويسعى القائمون عليها سياسيا لإيجادها عمليا في دولة تطبق تلك الأنظمة وترتقي بالناس او تنتكس فيها أوضاعهم فتعتمد  على طرق العمل المعنيّة التي توصل لتحقيق ذلك. ويرتقي مستوى المشروع السياسي-الفكري أو الحضاري بارتقاء الفكرة الأساسية، بأن تكون مثلا، والأنظمة والتشريعات المنبثقة عن ذلك الفكر والطريقة الموصلة إلى تحقيق ذلك المشروع، تحفظ للمواطنين حقوقهم الشرعية على أساس العدل والمساواة، بدون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو العقيدة،والحديث عن المشروع الوطني العراقي ليس كما يتحدث عنه بعض الساسة حينما يجلسون في مناظرات تلفزيونية يحاولون من خلال تلك الأحاديث إقناع البسطاء من الناس أنهم سيغيرون وجه العراق،لقد غدا المشهد السياسي في العراق قاتماً ويحتاج الى مزيداً من الوقت لقراءة مايحدث والوقوف أمام السياسة الإقليمية التي تحاول جاهدةً للقضاء على العملية السياسية  وافراغها من مضمونها وهناك دلائل  على أن  قادم الأيام سيشهد تغييرأً كبيراً فى الخارطة السياسية العراقية ولعل تقارب قوى سياسية لم تكن فاعلة بالمستوى المطلوب  ومؤثرة ويكاد يكون العنوان الأبرز فى المشهد السياسى المبهم تحركات متشبثة، الأمر الذى يحتم على شعبنا اعادة بلورة الأمور ووضعها فى سياقها السليم لحماية المشروع السياسي على علاته وانتشاله من محاولات تهميش مكانة الوطن.إننا أمام مشاكل معقدة حقا، تتمثل بسيطرة البعض من الساسة الغير مبالين بمستقبل البلد وعلى مقدراته، فهناك فرق واضح بين السياسي الذكي والسياسي الطفولي، فالأول لديه مشروع كبير ينطلق من خلاله لبناء الدولة المدنية وتغيير المجتمع نحو الافضل، وفق آليات فكرية عملية، يشرف على تنفيذها أشخاص بقدرالمسؤولية، ويساعده مقربون أمناء، في التخطيط والتنفيذ، فيجعل من مصالحه الفردية والعائلية ووالعشائرية في غير أهدافهم واهتماماتم، بل ربما يلغونها من قاموسهم  أو يخضعها لضوابط تنطبق على عموم الشعب، بمعنى يجعلون من انفسهم والمنضوين تحت وظائفهم أناسا لا يختلفون عن غيرهم في الحقوق والواجبات، يتحقق هذا ليس في الادّعاء والقول وحده، بل يتجسد من خلال العمل المرئي والملموس، وهو بذلك يسعى لنقل شعبهم الى مصاف أرقى وأرفع، ولكن حتى الآن بقيت امورالسياسيين تتراوح بين التراجع  والفساد والتجاوز على أموال الشعب.اما الاخر (اي السياسي الطفيلي) فليس له مشروع ولا يفكر بذلك أصلا،سوى انهماكه بجباية الفوائد وتشريع الامتيازات له وذويه وحاشيته، ولا يعلم أن بهذا السلوك يحفر قبره تحت قدميه بنفسه، لكي يسقط حتما، في حفرة الطمع والشراهة والفساد، وحتما هو يجهل حتى أساليب المراوغة والخداع التي ينتهجها كطرائق عمل في حياته السياسية البالية، ومنصبه وصلاحيته أيا كان نوعها، هي الداء الذي سينقضّ عليه ويطيح بمستقبله وربما برأسه، كما حدث لجميع الساسة الذين تجاوزوا على حقوق شعوبهم كما فعل (صدام حسين العراق، ومعمر قذافي  ليبيا، وحسني مبارك بمصر،وبن على بتونس، وعلي صالح باليمن ... وآخرين)، إذ لم يحدث أن أفلت سياسي واحد من العقاب على ما اقترفه بحق شعبه،  للخلاص من هذه المعاضل فإن هذا الأمر يتعلق بدور النخب المثقفة وسواها، من اجل ان تبادر بتوجيه المسارات نحو الافضل، ومقارعة جميع الذين يشتغلون السياسة من أجل المال، كما هو الوضع الآن، حيث يلهث كثيرون نحو السياسة والعمل فيها، وهم ليسوا من اهلها ولا اصحابها ويدعون بالاهلية، وكان الشعب لا يعرف بفعل سنوات الممارسة أن هذا كله هراء. وتنطلق،التزاماً بالعقد الإجتماعي المشوه، إلى تحقيق مصالحها المجتمعية، وتعميق ثقافة الخلاص الفردي، برعاية هكذا تحليلات، التي تستند في مبناها إلى “المشروع السياسي“الواهي الذي كان ولما يزل، المصدر الرئيس والحصري للهزائم المتكررة. كل هذا يدفع للتفكير داخل مساحة العماء الذي تقودنا اليه تلك المناقشات والحوارات والكتابات،حول تلك “المشاريع السياسية”، التي يتم اعتبارها مشاريع نموذجية، تشبه إلى حد التطابق، النماذج المعتمدة عالمياً، دون أي إعتبار للاستثناءات التأسيسية التي قامت عليها هذه المشاريع في حين يغيب عنها أهل الاختصاص، من ذوي المشاريع الحقيقية القادرة على إصلاح الأوضاع الخطيرة في العراق، ولكن يبقى الأمر الحاسم بمن يحق له اختيار السياسي الناجح الذي يمكنه إنقاذ البلاد في هذه المرحلة الشائكة والحاسمة.

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

لا يستطيعَ أي محللٍ سياسي أن يتنَبأ ماذا سيحل في العراق في قادم الايام؟ وماذا يُمكن أن يطرأ على السياسة العامة للدولة؟ والصراعات العرقية والطائفية بين جميع الكتل المهيمنة على مجالس السلطات الثلاث قائمة على قدم وساق. والتي لا هدف لها سوى البقاء على راس السلطة.  بالرغم من مرور ثمانية عشر عاما على نظام توافقي محاصصاتي وخمس انتخابات برلمانية، لم تجلب الا البلاء للعراقيين وبلادهم. بيد ان القضايا المصيرية الهامة التي تعني بالدرجة الأولى المواطن العراقي منذ تشكيل أول إدارة حكم في البلاد على يد الاحتلال، لا تزال موضع خلاف شديد. الأمر الذي ادى ويؤدي بين الحين والآخر إلى مناكفات سياسية، تكاد أن تقوض مصير العراق وتؤدي به نحو المجهول. ومن بين هذه القضايا الحساسة التي لا تزال تراوح على حالها، ليس الإفتقار إلى الماء والكهرباء والبطالة والنهب والسرقات والتفريط بثروات العراق واراضية ومياهه النهرية والبحرية وخراب الصناعة والزراعة فحسب، انما اتساع الهجرة والتهجير وتصاعد عدد الأرامل واليتامى وتفشي الإرهاب والقتل على الهوية. والى جانب افتقار مؤسسات الدولة الى مرجعيات قانونية وقضائية يمكن الاحتكام إليها، آلياً وحرفياً، وابتلاء الدستور بالثغرات القابلة للتأويل الافتراضي والتحريف والتخريج لغير صالح الدولة، فان مسألة نظام الحكم الذي جاء به الاحتلال وفق مبدأ ما يسمى بنظام "المحاصصة الطائفية التوافقية"، برمته فاشل. فقد عطل تحت غطاء العملية السياسية المزعومة وبإسم الديمقراطية الزائفة كل أمرٍ في البلد وجعل مصالح ألاطراف "الطائفية والقومية" فوق مصالح الشعب والوطن.   

 والخطير في الأمر ان جهاز الدولة التشريعي منذ اول دورة له لم يشرع قانونا عادلا ومعاصرا للانتخابات يمثل ارادة المجتمع، ويتبنى تحديثه، فبالرغم من ضغط انتفاضة تشرين 2019 فما تمّ من إنجازات حتى الآن لم يكن الا على قياس احزاب السلطة. كما لم يقر لحد الساعة "قانون احزاب" وفق احكام الدستور، الذي يحظر اجازة الاحزاب التي تمتلك مليشيات مسلحة، كما لا يسمح لها بالعمل السياسي او المشاركة بالانتخابات. والخطير ايضا، ان سلاح العشائر غير المنضبط قد اصبح وسيلة ضغط، ورائه احزاب وارادات متنفذة لممارسة اعمال التهريب والتهديد والسيطرة على واردات الدولة ومنافذها الحدودية. اما عناصر الميليشيات المسلحة التي تشكلت جميعها على أساس الولاءات والمحاصصات الطائفية والعرقية، فضمها إلى القوات العسكرية وقوى الشرطة والأمن العراقية لا زال موضع جدل مستمر. وفي الضفة الاخرى هناك قوة عسكرية كردية منظمة ترفع العلم الكردي فقط "البيشمركة"، تتسلح وتتقاضى رواتبها من الحكومة الاتحادية الا انها لا تخضع لاوامرها انما لاوامر الاقليم. فيما الصراع بين الطرفين حول العديد من القضايا المصيرية ومنها المناطق المختلف عليها التابعة للدولة العراقية وتقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة نينوى والتي تحاول الأطراف الكردية انتزاعها بالقوة وجعلها مثل كركوك وسيلة ضغط ومساومة مسبقة للحصول على مكاسب جيوديمغرافية ومادية وسياسية أوسع. كل ذلك بات يهدد الدولة ويشكل عرضة لانفجار مزيد من الصراعات العرقية والسياسية ومزيد من التناقضات التي تضر بالنسيج الثقافي والمجتمعي العراقي.   

ومن المثالب التي تواجه العراق ومكوناته ومدى تاثيرها على عجلة البناء والاصلاح، يتحدث خبراء عن مخاطر سيطرة احزاب (شيعية وسنية وكردية) ومتنفذين في السلطة على المنافذ الحدوية والاستحواذ على وارداتها وتهريب النفط وبيعه داخل العراق وخارجه، مما يؤثرعلى مستقبل العراق وتطوره. كذلك توجهات الحكومات المتعاقبة وتنازلها لدول الجوار (الكويت والسعودية والاردن وايران) عن اراض عراقية حدودية ـ مليئة بالثروات المعدنية والنفطية والغازية بوتيرة تبعث على التساؤل والقلق تحت ذريعة تسوية النزاعات مع غياب أي حديث عن تشريع قوانين خاصة بتلك الحالات المشبوهة. ان استمرار التفريط بثروات العراق وأراضيه وتقاسم إيراداته وثرواته بين الطبقات المتنفذة والاحزاب الحاكمة، يتطلب ايضا إضاءة الحقائق والكشف عما يجري في اقليم كردستان من خطط وابرام عقود نفطية مع شركات اجنبية تحت أقنعة كاذبة دون أي علم للحكومة المركزية.

إن تأجيج الصراع في الأسابيع الأخيرة بسبب نتائج الانتخابات، وجه الأنظار إلى مدى خطورة الوضع وعدم استقراره منذ الغزو الأمريكي للعراق. فأحزاب "الاطار التنسيقي الشيعي" ترفض حكومة الاغلبية الوطنية التي يدعو اليها الصدر. والتآلف "السني الكردي" رفض التفاوض مع الصدر لايجاد مخرج بهذا الشأن. فالبرزاني من جهته، عندما دعى الشيعة الى التوافق فيما بينهم على رئيس للوزراء، فهو يدرك انه بذلك سيحرج الجميع، مستهدفا فيما لو تعذر تشكيل "حكومة توافق" طائفي، أمرين: فرض شروطه لاجل مزيد من المكاسب الاقتصادية والجغرافية، وفرصة عودة التهديد لتحقيق هدف الانفصال عن العراق كما سعى إليه سابقا. اما الحلبوسي فانه يطمح الى ضمان ولاية ثانية لرئاسة البرلمان، فإن تحقق له ذلك فسيكون قد قطع نصف الطريق نحو الاستئثار بالسلطة على كامل مساحة المناطق السنية. انها محاولات لاعب النرد، لكنها بالتاكيد ليست سهلة المنال او خالية من الخطورة. اذ ان الاطار التنسيقي الشيعي يبحث عن مخرج "توفيقي"، يكفل مشاركته في السلطة كما يقيه شر ملاحقة منتسبيه قانونيا وتقديمهم للقضاء لما اقترفوه من خطايا، الا ان ذلك من غير الممكن دون حلحلة الامر مع الصدر، لكنه مأزق لا تُحسم جدليته الا انتفاضة جديدة. 

 

عصام الياسري

 

علجية عيشكثير من المفكرين والمنظرين والعلماء والمصلحين جذروا من تفشي المظاهر الفاسدة التي شوهت صورة الإسلام، فهذا الإنحراف سببه الدعوات إلى التمدن المزيف، هذا التمدن لم يرفضه الإسلام وإنما المسلمون فهموه خطأ، لأنهم أخذوا القشور وأهملوا اللب والمضمون، وهو التقدم العلمي والتحضر الفكري،كما أن الأمة الإسلامية التي غرقت في سباتها ولم تنهض نهضة حضارية شاملة لم تضع مخططا لمشروع المجتمع المسلم، لأنها انشغلت بحبها للسلطة وصراعاتها من أجل الوصول إلى الحكم، وأهملت الجانب الدعوي الذي يغرس الوعي من اجل التغيير الحقيقي والبناء.

 الإصلاح له مفاهيم عديدة فهو يعني إصلاح الإعوجاج والأخطاء وإعادة النظر في المسائل التي تثير اهتمام الأمة برؤية عقلانية بعيدة عن كل اشكال التعصب، فالحاكم يرى الإصلاح من زاويته والمحكوم كذلك، فالإصلاح بالنسيبة للحكام كما يرى بعض الباحثين هو تحديث الدولة من خلال تحديث أجهزتها (الجيش) والإدارة وتنمية الموارد المالية، وهو بالنسبة للمحكومين تحديث المفهوم السياسي للدولة، أما عند المفكرين والمنظرين وحتى العلماء فهو يعني حضور العدل عند أمة ويرون أن ظهور الفساد في الأمة الإسلامية وضعفها مرده ابتعادها عن الدين وقبولها للجور والظلم، يقول الباحث سعيد بنسعيد العلوي أن ما نراه اليوم مما نسميه إسلاما فهو ليس بإسلام، وما يعاب على المسلمين ليس من الإسلام وإنما هو شيئ آخر سمُّوه إسلاما، والدليل هو التأخر والجمود الذي عليه المسلمون اليوم ومستوى الإنحطط الذي بلغوه.

فما الحروب الأهلية التي تعيشها الأمة الإسلامية وما حل بها من شرور سببه عدم تطبيق الشريعة الإسلامية والعمل بالقوانين الوضعية، إذ كيف تنجح أمة تدين بالإسلام ودستورها ينص على أنها دولة إسلامية وشبابها غارق في المخدرات وأوكار الفساد من زنى وسرقات والنهب لمال الشعب، الغش في التجارة وفي الصفقات، الشهادة بالزور والصمت عن قول الحق من أجل خدمة مصلحة فردية، فساد في المنظومة السياسية وفساد في المنظومة التربوية والتثقيية، أمّة ينتشر فيها الفقر والأمراض والجهل والأمية، دون الحديث عن الظواهر الأخرى كالتشرد والتسول وانتشار الأطفال الغير شرعيين، ظهور المذاهب الباطلة في الساحة ولا أحد يحرك ساكنا من الغيورين على الدين والبلاد وهو يشاهدون يوميا نساء يبتن في الشورع ويتسولن، وأطفال قُصَّرٌ عرضة للأخطار.

لقد حذر كثير من المفكرين والمنظرين وكذلك العلماء والمصلحين من تفشي المظاهر الفاسدة التي شوهت صورة الإسلام، فهذا الإنحراف سببه الدعوات إلى التمدن المزيف، هذا التمدن لم يرفضه الإسلام وإنما المسلمون فهموه خطأ، لأنهم أخذوا القشور وأهملوا اللب والمضمون، وهو التقدم العلمي والتحضر الفكري، كما أن الأمة الإسلامية التي غرقت في سباتها ولم تنهض نهضة حضارية شاملة لم تضع مخططا لمشروع المجتمع المسلم، لأنها انشغلت بحبها للسلطة وصراعاتها من أجل الوصول إلى الحكم، وأهملت الجانب الدعوي الذي يغرس الوعي من اجل التغيير الحقيقي والبناء، والتغيير لا يعني تغيير الحاكم واستبداله بحاكم آخر، أو وزير بوزير آخر، و...و...والخ، وإنما بناء الرجال، رجال يعون الواقع الراهن ومستوياته ( السياسية، الإقتصادي، الإجتماعي، الثقافي والمستوى الإيديولوجي) ولكل واحد من هذه المستويات منهجه الخاص به.

ثلاث زعماء عرب أخفقوا: المهدي بن بركة جمال عبد الناصر وأحمد بن بلة

من خلال قراءة قصيرة لفكر العروي، فهذا الأخير يرى أن فشل الأمة الإسلامية وتأخرها وانحطاطها سببه الخيبة التي عرفتها الحركات التحريرية الوطنية في الدول العربية، واستدل العروي بثلاث زعماء عرب وهم: (المهدي بن بركة في المغرب، جمال بن عبد الناصر في مصر، وفي الجزائر أحمد بن بلة)، وقدم الأسباب وشرحها شرحا مفصلا، ويفهم من تحليله أن الأول كان يغلب عليه الخوف والتردد في إظهار مواقفه وإصدار الأحكام والقرارات التي تتعلق بشؤون الرعية، فكان كما يقول العروي يتجنب الموضوع أو يقول: "إن الوقت لم يحن بعد"، والثاني يكشف النقص الإيديولوجي وضعف الأفق في الميثاق الذي كان زبدة تفكير النخبة المثقفة المتعاونة مع النظام المصري، وهنا يلاحظ خيانة النخبة المثقفة للجماهير وتسليم نفسها ورقبتها للسلطة.

 والثالث وهو الرئيس الجزائري أحمد بن بلة يقول العروي أن هذا الأخير لم يهتم أدنى اهتمام ولم يقتنع ابدا بأرضية القرارات التي عرضت عليه ولم يقبل المقترحات إلا على اساس النتائج الوقتية واستمالة الرأي العام في الداخل والخارج، ويرى العروي ان هذه الإخفاقات علامة على الإخفاق الذي منيت به الحركات الوطنية في العالم العربي، فرغم أنها حققت النجاح بطردها الإستعمار من أرضها لكنها يقول العروي أخفقت في أن تحقق ما يكون المجتمع العربي في حاجة إليه من تحرر في المستويات السالفة الذكر، ويرى العروي أن هذا الإخفاق سببه كذلك العجز الإيديولوجي ونقصه أو الخلط الإيديولوجي، بل ربما هي الخلاعة الإيديولوجية، يضاف إليها تخلف الذهنيات،و غياب الفكر اللاتاريخي والوعي الساذج.

 إن الإخفاق الذي وقع فيه المثقف أيضا هو ظهور مفاهيم عديدة للمثقفين، منها ما أطلقوا عليه اسم المثقف "السلفي" والمثقف الذي يعتبر نفسه خصما للسلفية وثقافتها، كيف نسمي هذا المثقف؟ لا ندري كلما كان الحديث عن الإيديولوجية والثقافة الليبرالية تقحم فيها "السلفية" ولا ندري أنه كلما كان الحديث عن نقد المثقف العربي يراد به مثقف العالم الثالث، هذا المثقف الذي هو مطالب بمحاربة الفكر التقليدي كفكر يُجَسِّدُ السّلبية والتواكلية والإنهزامية، يجسد كل ماهو مرفوض أو غير مرغوب فيه، وهذا يستدعي أن يضع المثقفون العرب التجارب في الميزان وإخضاعها للدراسة والتحليل، كالتجربة الألمانية أو التجربة الفرنسية، والتجربة الفيتنامية أو تجارب دول العالم الثالث الذي ما تزال شعوبه في طريق النمو كما يدعي الغرب، أو حتى التجربة السوفياتية لاسيما والعروي كما تقول الكتابات ارتكزت رؤيته التحليلية على الإيديولوجية الماركسية باعتبارها عقيدة، إذ يقول: إن المثقف العربي كمثقف من العالم الثالث في حاجة إلى "الماركسية التاريخانية" ولهذا يدعوا عبد الله العروي إلى تحديث العقل العربي.

الثورة الإيرانية الإسلامية كانت ثورة ضد الحداثة على النمط الغربي

و إن كان هذا راي العروي فماذي يقول الرأي الآخر المضاد؟  فمنطق الغرب في رأي المفكر والمنظر اللبناني مهدي عامل (حسن عبد الله حمدان) في نقده الفكر اليومي مختلف عن منطق الشرق وهذا للتناقضات الموجودة بينهما (حضارة/ بربرية، ديمقراطية/ استبداد، تطور/ جمود، غرب/شرق) والماركسية تاول تجاوز هذه التناقضات جاعلة من أوروبا قوة توحيدية مثالا للعالم بقفزها على الصراعات الطبقية، فالآخر إما نقيض (بربري استبدادي) أو متشابه أي نمط رأسمالي مُشَوَّهًا، إنه كما يقول مهدي عامل منطق مغلقا يعبر عن استحالة التحول في زمن متواصل، وهو بهذا المعنى نقيض المنطق افسلامي الإستيعابي المتواصل، منطق الجماعة التي تتوسع تدريجيا، ويقارن مهدي عامل العلاقة بين المجتمع الأصلي والمجتمع المحدث، وذلك من مبادأ الثنائية، فالحاضر يكرر الماضي، والإسلام كما يرى مهدي عامل حين يبقى في قلوب الناس يشكل حالة مقاومة مستمرة، فالمجتمع الأصلي القائم في راهن المجتمعات العربية الإسلامية ظل هو هو المجتمع الأصلي الذي كان فيها قبل الغزو الإستعماري ولم يتغير فحدث الصراع بين الذات والآخر، بل وقع "الإغتراب".

و يستدل مهدي عامل بثورة إيران الإسلامية التي خابت فيها الليبرالية الرأسمالية والماركسية الشعبوية فلم تستطع كل منهما ان تُثَبِّتَ قدمها على أرض الإسلام، السؤال الذي طرحه مهدي عامل هو كالتالي: هل يستطيع العقل الإسلامي أن يقدم صيغة إسلامية معاصرة لمعالجة المستويات التي تحدث عنها العروي (الإجتماعية، اقتصادية، الثقافية والسياسية؟ ..الخ) ما حدث هو تغيير المصطلحات والمفاهيم ( ثورة إسلامية ضد التغريب والحداثة) أي صدّ الغرب، فالثورة الإيرانية الإسلامية في رأيه كانت ثورة ضد الحداثة على النمط الغربي حتى لا تدمر الجذور الثقافية للشعب الإيراني أو الأمة الفارسية إن صح التعبير، فكانت نهايتها سقوط نظام الشاه الذي اتبع سياسة التحديث وفق النسق الغربي.

و يستخلص مهدي عامل إلى أن الصراع هو صراع بين الذات والآخر، اي بين الفكر الظلامي والفكر العدمي بدليل أنه يوجد إسلام سُنِّي وإسلام شيعي، هذا الأخير الذي ظل راسخا يقاوم (العلويين والشيعة الإمامية في جبل عامل) فكان شكلا من اشكال المقاومة ضد حركة "الترسمل" وهي علاقات الإنتاج التقليدية السابقة على الرأسمالية يبقى الإسلام بوجود هذه الحركة ويزول بزوالها وهكذا تستمر المقاومة لكن يظل الإسلام منغلقا على ذاته، ولهذا يدعو العروي إلى تحديث العقل العربيأو كما يقول بنسعيد العلوي إعادة النظر في الخطاب العربي المعاصر، اي الممارسات النظرية التي يحيلها الفكر العربيء المعاصر لذاته منذ حملة نابليون بالنسبة إلى مصر وحلول الإستعمار الفرنسي في الجزائر وبداية إعلان الحماية في تونس وإعلان الحماية الفرنسية على المغرب بعد واقعة إيسلي على الحدود الجزائرية المغربية في صيف 1844 وأحداث اخرى ساهمت في بلورة الوعي العربي المعاصر بكييفات تختلف في الشكل وتتفق في الجوهر.

 

علجية عيش بتصرف

 

 

هاشم نعمةترجمة: د. هاشم نعمة

تعترف الولايات المتحدة بأن غارتها بطائرة بدون طيار في كابول قد انحرفت عن هدفها. قرأت كارولين رويلانتس* في تقارير جديدة عن عدد القتلى المدنيين في حروب أمريكا.

العودة إلى الموت والدمار. كما لاحظت، اعترفت الإدارة الأمريكية يوم الجمعة بأن الضربة الأخيرة بطائرة بدون طيار في أفغانستان لم تقتل أي من المتطرفين على الإطلاق، ناهيك عن منع هجوم جديد "وشيك". وبدلاً من ذلك، لقي عشرة مدنيين، بينهم سبعة أطفال، مصرعهم في 29 أغسطس / آب 2021، وتولى الجنرال ماكنزي، قائد القيادة المركزية الأمريكية، الإقرار بـ "المسؤولية الكاملة".

عادة، تحتاج واشنطن إلى وقت لا نهاية له للاعتراف بمثل هذا "الخطأ" – قتل موكب زفاف في اليمن بدلاً من طابور من المتطرفين- إذا أقر الاعتراف به على الإطلاق. الأمريكيون ليسوا وحدهم بأي حال من الأحوال في هذا الأمر، خذوا قتل المدنيين في هجوم شنته القوات الجوية الهولندية على الحويجة (العراق) في عام 2015**، والذي تمت مناقشته في هذه الصحيفة في تشرين الأول| أكتوبر 2019، وقد اعترفت الحكومة بالتورط به في وقت لاحق فقط. لكن بعد عشرة أيام من هجوم  الطائرة بدون طيار، قدمت صحيفة نيويورك تايمز صورة لما حدث بالفعل - لم يكن متطرفًا يحمل القنابل، ولكن قتل عامل طوارئ بالماء وغاز الطهي - ولم يكن لدى واشنطن من مخرج.

قُتل الكثير من المدنيين في "الحرب على الإرهاب"، الحرب التي شنها الرئيس بوش الابن على الإرهاب الإسلامي رداً على هجمات القاعدة في 11 أيلول| سبتمبر. أكثر بكثير مما كنت أعتقد، وربما أنت أيضًا. في تقرير جديد (1 أيلول| سبتمبر)، يُحصي مشروع "تكاليف الحرب" بجامعة براون ما مجموعه 363,939 إلى 387,072 حالة وفاة لمدنيين نتيجة الحرب المباشرة (ليس بسبب المرض أو الجوع) منذ 11 سبتمبر في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا واليمن وغيرها من مناطق الحرب ما بعد 11 سبتمبر. هذا هو على الفور أكبر عدد من قتلى الحرب؛ أكثر ممن قتلوا من مقاتلي المعارضة الذين جاؤوا في المركز الثاني (296,858 – 301,933) أو قتلى الشرطة والجيش الوطنيين أي حلفاء الولايات المتحدة الذين احتلوا المركز الثالث (204,645 – 207,845).

ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُنسب جميع الوفيات وسط المدنيين إلى الطائرات الأمريكية بدون طيار. أيضًا هناك أعمال عنف أخرى مرتبطة بالحرب - فكر في القصف الجوي الذي طال الدولة الإسلامية - والمعارضين أو الحلفاء (انظر الحويجة). إذ في وقت سابق من هذا الشهر، قدرت مجموعة أبحاث "الحروب الجوية" Airwars عدد القتلى المدنيين الناتج من الهجمات الأمريكية بنحو 22000، وربما ضعف ذلك.

تمنح السلطات الأمريكية العليا الإذن على نحو متزايد لما تعتبر في الواقع عمليات قتل خارج نطاق القضاء. في ولايته الثانية، ضيق الرئيس أوباما من معايير استخدام القوة المميتة ضد الإرهابيين المشتبه بهم في أماكن أخرى. ثم جاء ترامب، الذي وسّع هذه المعايير على الفور مرة أخرى. وقد أدى ذلك إلى جعل عمليات الإعدام هذه طبيعية وزيادة في عدد القتلى المدنيين. ووفقًا لمكتب الصحافة الاستقصائية في لندن، سمح أوباما بـ 1878 هجوم بطائرات بدون طيار خلال السنوات الثماني التي قضاها في السلطة. بينما كان ترامب مسؤولاً عن 2243 هجوم بطائرات بدون طيار في العامين الأولين من رئاسته.

كان بايدن يدرس المعايير لفترة من الوقت - هل يجب أن تكون أكثر صرامة أو حتى أكثر مرونة مما هي عليه الآن؟ يتم الآن تنفيذ الهجمات في حوالي عشر دول - هل ينبغي أن يكون هناك المزيد من الهجمات، ربما في إفريقيا حيث أصبح أيضًا تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة أكثر نشاطًا؟ وقد دعا عدد كبير من منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الأخرى بايدن إلى إنهاء هذه الهجمات والتي لا تحل في نهاية المطاف أي شيء كما ثبت في أفغانستان.

ومنذ ذلك الحين، اتبعت المزيد من الدول خطى أمريكا: إسرائيل وتركيا وإيران على سبيل المثال لا الحصر.

* كارولين رويلانتس، هي خبيرة في شؤون الشرق الأوسط.

**  بحسب التقديرات الأمريكية قُتل 70 مدنيا في الحويجة، وكان القصف قد استهدف مخزن قنابل تابع لداعش كما ذكر، لذلك قررت هولندا إجراء تحقيق مستقل عام 2020، لكنه مازال بطيئا ويتعرض إلى معوقات.( المترجم)

 

...........................

* الترجمة عن: NRC Handelsblad 20 September 2021

 

عبد الخالق حسينمقدمة: قبل 15عاماً، وتحديداً يوم 19/5/2007، نشرت مقالاً بعنوان: (توني بلير سيخلده التاريخ بمداد من ذهب). ورأيت من المفيد أن أعيد نشره اليوم بعد إضافات قليلة لتحديثه بمناسبة تكريم السيد بلير من قبل الملكة إليزابيث الثانية بوسام الفروسية، وما أثار هذا التكريم من احتجاجات ظالمة ضده من قبل بعض المتياسرين والمتباكين على سقوط نظام البعث الدموي.

والجدير بالذكر أن في بريطانيا تقليد متعارف عليه أن تقوم الملكة إليزابيث الثانية بتكريم المتميزين والمبدعين بوسام الفروسية (Knighthood) وغيرها مرتين في السنة، الأولى عند حلول العام الجديد، والثانية في عيد ميلادها يوم 12 حزيران. ولكن من دون غيره، ولأول مرة، تقوم ضجة مفتعلة من قبل تحالف غير مقدس يضم مجموعات سياسية متطرفة منبوذة وغير متجانسة أصلاً، لم يجمعها أي جامع سوى العداء والحقد على توني بلير لسبب واحد، ألا وهو مساهمته الفعالة مع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش (الابن)، في إسقاط أبشع نظام دكتاتوري فاشي حكم العراق. ويقال أن عدد الموقعين على عريضة الاحتجاج بلغ نحو مليون توقيع. فمن هم هؤلاء المحتجون؟ ولماذا الاحتججاج؟

هؤلاء هم اليسار البريطاني المتطرف المندس في حزب العمال، والذي لعب دوراً كبيراً في فشل الحزب في العديد من الانتخابات البرلمانية العامة، وذلك بسبب تبنيها شعارات ومطالبات تعجيزية ترفضها الغالبية العظمى من الناخبين البريطانيين الرافضين للتطرف و من أي كان، يميني أو يساري، مثل نزع السلاح النووي من طرف واحد، وتأميم المؤسسات الاقتصادية وغيرها، وبالتالي فنتيجة أعمال هذا اليسار كانت في خدمة اليمين المتطرف. إذ كما قال لينين: "اليسار المتطرف واليمين المتطرف يلتقيان ولكن عند حوافر الفرس". وكذلك يضم هذا التحالف ضد بلير بعض الاعلاميين البريطانيين والعرب الذين اشتراهم صدام حسين بكوبونات النفط المعروفة، إضافة إلى نسبة من المهاجرين العرب والمسلمين المقيمين في بريطانيا الذين كانوا من المستفيدين من بقاء حكم البعث.

ولحسن الحظ، انبرى عدد من الكتاب العراقيين الأخيار في الدفاع عن السيد بلير، وفضح المتباكين على ما حل بالشعب العراقي من تداعيات سقوط الفاشية من أعمال إرهابية، من بينهم مقال الدكتور حميد الكفائي، بعنوان: (المحتجون على "فروسية" توني بلير)(1)، ومقال السيد رعد الحافظ: (وسام الفروسية لتوني بلير صفعة لأدعياء الوطنية الأنذال!)(2)

 نسي هؤلاء أو تناسوا، ما حل بالشعب العراقي وشعوب المنطقة على يد النظام البعث الصدامي من ظلم وجور، وتبديد الثروات على عسكرة المجتمع، وشن الحروب العبثية، ومن ثم الحصار الاقتصادي بعد جريمة غزو الكويت، حيث تسبب النظام بقتل الملايين في حروبه العبثية، الداخلية والخارجية، إضافة إلى تدمير الاقتصاد العراقي، والقضاء شبه التام على الطبقة الوسطى، وإفقار الشعب، مما دفع إلى هجرة نحو 5 ملايين مواطن عراقي من اجل الأمن والعيش بكرامة في دول الشتات.

أما الذين عارضوا إسقاط النظام فهم بالإضافة إلى من ذكرناهم أعلاه، كانوا من المستفيدين في العراق من النظام، وهم فلول البعث الساقط، وكذلك غالبية دول الجوار التي استفادت من بقاء النظام الصدامي في الحكم وذلك ليواصل اضطهاده للشعب العراقي، وإبقاء الحصار عليه، لأن هذه الحكومات كانت مستفيدة من إيقاف تصدير النفط العراقي، وتعويض السوق بمنتجاتهم النفطية، وما در عليهم هذا الحصار من إيرادات النفط الإضافية التي بلغت قيمتها مئات المليارات الدولارات التي حرِّم منها الشعب العراقي لثلاث عشرة سنة.

وراح هؤلاء المحتجون ومن يدعمهم، يرددون كذبة كبرى مفادها أن غرض بوش وبلير من إسقاط حكم صدام هو نهب ثروات العراق، وإفقار شعبه، وتدميره لمصلحة إسرائيل!!! بينما الواقع يؤكد أن الذين دمروا العراق هم أيتام حزب البعث الذين خسروا حكم البلاد، وبالتالي خسروا مصالحهم المادية وجميع امتيازاتهم، وكذلك دول الجوار التي أصيبت بالهلع خوفاً من نجاح الديمقراطية في العراق، ووصول عدواها إلى شعوبهم. لذلك أثاروا الفتن الطائفية في العراق، وراحوا يحشدون التنظيمات الإسلامية الإرهابية المتطرفة، وإرسال القتلة لقتل العراقيين وتدمير ممتلكاتهم، ليقولوا لشعوبهم، أنظروا ما فعلت الديمقراطية الغربية بالعراق.

وهذا يعني أن المحتجين على منح بلير وسام الفروسية يفضلون بقاء حكم صدام والحصار الاقتصادي على العراق إلى أجل غير معلوم، وتحت مختلف المعاذير الباطلة. يجب أن يعرف هؤلاء أن سبب الاضطرابات ما بعد سقوط النظام هو ليس بوش وبلير، بل العراقيون أنفسهم الذين استقووا  بدول الجوار ضد بعضهم البعض في صراعات طائفية واثنية، وبدوافع الأنانية والمصالح الفردية والفئوية. أما بوش وبلير فقد نجحا في إسقاط دولة المنظمة السرية وجمهورية الرعب، وأقاما نظاماً ديمقراطياً لم يعرفه العراق من قبل، وإذا حصلت الأخطاء ما بعد السقوط فالمسؤول عنه هم العراقيون الذين أساؤوا  التصرف نتيجة فسادهم وعدم خبرتهم في الحكم، وكذلك الحكومات الخارجية التي تدخلت في الشأن العراقي وساهمت في إفشال العملية السياسية، لأسباب أشرنا إليها أعلاه.

والآن أترك المجال للقراء الكرام لقراءة المقال الذي نشرته بتاريخ 19/5/2007، ويحكموا ضمائرهم فيما إذا كان توني بلير يستحق وسام الفروسية أم لا؟

****

توني بلير سيخلده التاريخ بمداد من ذهب

د.عبدالخالق حسين

19/5/2007

من المفارقات الكبرى المعروفة في كل زمان ومكان أن الأبطال العظام في التاريخ دائماً يكونون مثيرين للجدل والخلاف، فينشق حولهم الناس إلى فريقين، موال ومحب بشدة، ومعادي ومبغض بشدة. وكلما كان البطل التاريخي واضحاً وملتزماً بمواقفه المبدئية كان الخلاف والجدل حوله أشد و أعنف. فهكذا كان الإمام علي بن أبي طالب الذي وصفه الدكتور علي الوردي بأنه أكثر من شق المسلمين، لأنه لم يساوم على مبدأ العدالة الاجتماعية، وتشدد في تطبيق مبادئ الإسلام كدين يطلب العدل والمساواة بين الناس، بينما رؤساء القبائل وبعض الصحابة أرادوا منه أن يميِّز بينهم وبين أبناء قبائلهم، وعبيدهم في توزيع الغنائم. لذا فكان الإمام علي شريراً وكافراً في نظر خصومه وبالأخص الخوارج، وقديساً عند أتباعه وخاصة الشيعة.

وهذا ما يجري الآن للسيد توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق الذي أعلن في الأسبوع الماضي أنه سيستقيل يوم 27 حزيران/يونيو القادم عن رئاسة الحكومة بعد عشر سنوات في قيادة السلطة و 13 عاماً في قيادة حزب العمال الحاكم. والرجل كغيره من المصلحين، اختلف الناس حوله، فمن يراه شريراً ومن يراه بطلاً تاريخياً يستحق كل التقدير.

لا أفشي سراً إذا قلت أني من المعجبين جداً بهذا القائد السياسي اللامع الذي ساهم مع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في إسقاط أبشع نظام دكتاتوري عرفه التاريخ ألا وهو النظام البعثي الدموي الصدامي في العراق.

لقد تبوأ السيد توني بلير قيادة حزب العمال عام 1994 على أثر وفاة الراحل جون سميث زعيم الحزب المفاجئ بسكتة قلبية. وكان الحزب يتعافى آنذاك من مشاكل مزمنة كالانشقاقات في صفوفه والصراعات الفئوية بين جناحيه اليسار واليمين حول سياسات معينة جعلته في حكومة الظل لمدة 18 عاماً ، حيث رفضت غالبية الشعب البريطاني حزب العمال طيلة تلك الفترة عقاباً له على هيمنة اليسار الطفولي على سياساته، والإضرابات المتوالية التي شنتها نقابات العمال، والتي شلت الحياة في بريطانيا وخاصة في شتاء عام 1979 الجليدي القارص، والذي أطلق عليه البريطانيون (Winter of discontent)، أي شتاء التذمر في عهد رئيس الوزراء العمالي الراحل جيمس كالاهان. إضافة إلى تمسك هذا اليسار بسياسات ومبادئ قديمة ومتطرفة في نظر معظم الناخبين البريطانيين، ولا تلائم تطورات العصر مثل سياسة نزع السلاح النووي من طرف واحد، وهيمنة اتحاد النقابات على قرارات الحزب، والتمسك بالمادة الرابعة من دستور الحزب، التي كانت تقضي بتأميم المؤسسات الاقتصادية وفق الاشتراكية الماركسية، حيث صارت المؤسسات التي أممها الحزب بعد الحرب العالمية الثانية عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على خزانة الدولة لما كانت تسببه من خسائر مادية بدلاً من الأرباح والنمو الاقتصادي...الخ.

وبعد فشل الحزب في الانتخابات البرلمانية عام 1979، وفوز حزب المحافظين بقيادة السيدة مارغريت تاتشر، تنحى جيمس كالاهان زعيم الحزب آنذاك عن قيادة الحزب وتم انتخاب الزعيم اليساري المعروف (مايكل فوت) زعيماً للحزب رغم تقدمه في السن، والذي واصل تأييده لليساريين.

فكانت النتيجة كارثة ماحقة على الحزب، حيث أصيب بهزيمة تاريخية مذلة في الانتخابات البرلمانية العامة سنة 1983، مما اضطر مايكل فوت إلى الاستقالة مدحوراً مهموماً، ليفسح المجال للجيل الجديد من قادة الحزب حيث تم انتخاب السيد نيل كينوك زعيماً للحزب. وقد تميَّز نيل كنوك بالشجاعة والكفاءة والحيوية والحكمة وفن الخطابة والتواصل المؤثر مع الجماهير، ورغبته في تغيير سياسة الحزب وتحويل اتجاهه، من حزب مرفوض من قبل غالبية الناخبين إلى حزب قابل لنيل ثقتهم والحكم. إلا إن مشاكل الحزب كانت كثيرة وعميقة ومزمنة لا يمكن معالجتها في فترة قصيرة وذلك نظراً لثقل اليسار المعارض للإصلاح داخل الحزب. فرغم نجاح السيد كينوك في إجراء بعض التغييرات ولكن هذه التغييرات لم تكن كافية ولم يكن بمقدوره الذهاب إلى أبعد مما ذهب في غضون ثمان سنوات من زعامته للحزب، لذا فشل في انتخابين متتاليين آخرين إثناء زعامته للحزب، مما اضطر هو الآخر إلى الاستقالة، وجاء بعده الراحل جون سميث، وهو سكوتلندي وسياسي بارز، وخطيب برلماني مفوه ومؤثر، واصل عملية الإصلاح التي بدأها كينوك، ولكنه توفي فجأة بسكتة قلبية عام 1994، أي بعد عامين من توليه زعامة الحزب مما فسح المجال للشاب اللامع والمحامي القدير توني بلير لزعامة الحزب والذي حصد ثمار الإصلاح الذي تم على أيدي كينوك وسميث اللذين مهدا له طريق الفوز.

يتميز توني بلير بالكارزمائية والشجاعة الفائقة والذكاء الحاد، وحيوية الشباب النشط وجاذبية نجوم السينما اللامعين، وهو نفسه كان عازف كيتار ومغنياً طويل الشعر مثل الهبيز عندما كان طالباً جامعياً، وكان يحلم أن يكون نجماً في إحدى فرق الروك أند رول. لقد جمع بلير بين الحظ والكفاءة فحصد ثمار جهود كينوك وسميث في تحويل حزب العمال إلى حزب قابل لنيل ثقة الأغلبية لاستلام السلطة. كان محظوظاً لأن كينوك وسميث قد قطعا شوطاً بعيداً في إصلاح الحزب وتخليصه من هيمنة اليسار المتشدد، والمبادئ التي أكل الدهر عليها وشرب ومهدا له الطريق لقطف الثمار.

كذلك قامت السيدة مارغريت تاتشر، رئيسة الوزراء وزعيمة حزب المحافظين، بتقليم أظافر اتحاد نقابات العمال (TUC) خلال حكمها، فقلصت من نفوذهم وواجهت إضراباتهم بالشدة غير المعهودة، كما ونفذت سياسة خصخصة المؤسسات الاقتصادية الكبرى مثل شركة النفط البريطانية (BP)، وشركة التلفونات (BT)، وشركة الطيران البريطانية (BA) والمؤسسات الكهربائية وشبكات توزيعها وغيرها من المؤسسات الاقتصادية الخدمية والانتاجية، وحققت نجاحاً باهراً في هذا المجال. ونتيجة لهذه النجاحات أصاب حزب المحافظين نوع من الغرور بعد نحو عشر سنوات في الحكم عندما أصدرت السيدة تاتشر قانوناً مجحفاً بحق الأغلبية مثل قانون ضريبة السكن الذي كان حسب حجم الدار وثمنه، فجعلته السيدة تاتشر حسب عدد الأفراد الساكنين في الدار (pole tax)، الذي خفَّف الضريبة على الأغنياء، وضاعفها على الفقراء. وكان هذا القانون هو الذي أدى إلى سقوط السيدة تاتشر وتذمر الشعب البريطاني من حزب المحافظين، فأرغم المتنفذون في قيادة الحزب السيدة الحديدية على الاستقالة عام 1992، وجاء بعدها السيد جون ميجر الذي استمر في الحكم لست سنوات أخرى. وعندها مل الشعب البريطاني من حكم المحافظين، فتولدت لديه الرغبة في التغيير بعد 18 عاماً من الحكم بيد حزب واحد، خاصة وإن جون ميجر اتصف بالضعف، حيث وصفه الصحفي الإنكليزي المعروف أندرو مار (Andrew Marr) في صحيفة الإندبندنت آنذاك، أن جون ميجر لم يترك أي أثر في التاريخ السياسي البريطاني، وكان كل دوره محصوراً في منع حدوث الأشياء، وإذا أراد التاريخ أن يذكره بشيء فسيقول عنه أن "جون ميجر هو رئيس الوزراء البريطاني الذي جاء بعد تاتشر وقبل بلير".

لذلك لعبت كل هذه الظروف في صالح توني بلير، إلا إن الرجل كان مؤهلاً بالفطرة والكفاءة لاستثمار هذه الظروف، ويجعل منها فرصة ذهبية لتحقيق المزيد من التغيير والإصلاحات في حزب العمال فنجح في إلغاء المادة الرابعة المشار إليها أعلاه من دستور الحزب، كذلك ألغى سياسة نزع السلاح النووي من طرف واحد، وغيرها كثير من الإصلاحات التي بدأها نيل كينوك في الثمانينات. وبذلك فقد نجح بلير في تجديد الحزب وجعله بحق يستحق اسم (حزب العمال الجديد New Labour).

لقد حقق توني بلير بزعامته فوز الحزب بالسلطة لثلاث دورات برلمانية لحد إعلان استقالته، وهذا نجاح غير مسبوق لحزب العمال منذ تأسيسه عام 1900. كما حقق الكثير من الإنجازات للشعب البريطاني، فبنى أقوى اقتصاد لأطول مدة لحد الآن، مع أقل نسبة تضخم العملة، كما وأجرى تحسينات كبيرة غير مسبوقة في الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية، وضاعف عدد طلبة الجامعات، ووفى بجميع التزاماته وتعهداته التي قطعها على نفسه للشعب البريطاني.

ولكن أعظم منجز حققه توني بلير، والذي سيذكره له التاريخ، هو نجاحه في حل مشكلة آيرلندا الشمالية التي بقيت مستعصية على الحل لعشرات السنين وأودت بحياة الألوف من الأبرياء. لقد حقق توني بلير السلام لهذه البقعة، ونجح في جمع الأعداء للمشاركة في حكومة واحدة، تمخضت مساعيه عن توقيع اتفاقية الجمعة الحزينة (The Big Friday) عام 1998، التي حققت السلام في هذه المقاطعة بعد عشرات السنين من الحرب الأهلية بين الكاثوليك الجمهوريين الموالين لجمهورية إيرلاندا، وبين البروتستانت  الموالين لبريطانيا. وهذا المنجز يعتبر عظيماً وفق جميع المقاييس.

وفي السياسة الخارجية، دافع بلير عن الشعوب المضطهدة وخاصة تلك التي واجهت إبادة الجنس، مثل شعوب البلقان، فأقنع الرئيس الأمريكي بيل كلنتون لإنقاذ هذه الشعوب من الإبادة على يد الفاشية الصربية رغم معارضة الأمم المتحدة والوحدة الأوربية لشن حرب على نظام ميلوسوفيج، وبذلك أنقذ بلير هذه الشعوب. كذلك في تيمور الشرقية حيث أنقذ بلير مع بيل كلنتون هذا الشعب من الإبادة على يد حكومة إندونيسيا في عهد سوهارتو. كما وبذل بلير قصارى جهوده مع بيل كلنتون وخليفته بوش في سبيل حل الصراع العربي-الإسرائيلي، وإقامة الدولة الفلسطينية ولكن دون جدوى. كما ونجح بلير في إقناع الدول الصناعية الكبرى في إسقاط الديون عن الدول الأفريقية الفقيرة، والتي كانت تقدر بخمسين مليار دولار... وهكذا ترك بلير بصماته على مجالات كثيرة سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية.

مشكلة بلير بدأت بعد الحرب العراقية وإسقاط نظام المقابر الجماعية في العراق. فمن الناحية الإخلاقية، لقد أصر بلير على التزامه بإنقاذ الشعب العراقي من الفاشية البعثية كما أنقذ شعوب البلقان وتيمور الشرقية من قبل. ولم يكذب بلير حول ملف أسلحة الدمار الشامل كما يدعي البعض. بل هذه هي المعلومات التي وفرتها له الاستخبارات البريطانية والأمريكية. كذلك يجب أن لا ننسى أن صدام حسين نفسه كان يتباهى بقرب امتلاكه للسلاح النووي، وكان يسعى لتحقيق ذلك. وكان صدام يمتلك سلاح الدمار الشامل من نوع آخر مثل الكيمياوي الذي استخدمه ضد الشعب الكردي في حلبجة، وكذلك في الحرب مع إيران. وغني عن القول، أن سلاح الدمار الشامل لا يعني النووي فقط، بل ويشمل الكيمياوي والجرثومي أيضاً.

والكل يعلم أنه خلال الأشهر الأولى من سقوط الفاشية كانت غالبية الرأي العام البريطاني والأمريكي والعراقي مع الحرب على صدام، ولكن بعد أن تكالبت قوى الشر على الشعب العراقي، والمعادية للديمقراطية في العراق خوفاً على عروشها، ولكي لا تصل رياح التغيير إلى بلدانهم فتكتسح أنظمتهم الجائرة، لذا راحوا يجندون الإرهابيين ويرسلونهم زرافات إلى العراق لقتل العراقيين و وأد الديمقراطية الفتية فيه. وعندما تصاعد عدد ضحايا القتل الإرهابي في العراق، راحوا يبشرون بفشل الحرب ويلقون اللوم على بلير وبوش مدعين أنهما ارتكبا خطأً كبيراً في إسقاط صدام حسين وأن الحرب كانت غير شرعية...الخ.

والمشكلة أنه لم يسأل أي من هؤلاء نفسه السؤال التالي: ماذا لم يتم إسقاط حكم صدام؟

وجواباً على هذا السؤال يرجى مراجعة مقالنا بهذا العنوان (الرابط رقم 3 في الهامش).

لم ينتقد أحد بلير وكلينتون على إسقاط نظام ميلوسوفيج رغم عدم حصول قرار موافقة الأمم المتحدة، لأن العملية نجحت، ولأن ميلوسوفيج لم يمتلك المليارات من الدولارات لشراء الذمم والمنظمات اليسارية واليمينية للدفاع عنه، وعن نظامه كما فعل صدام حسين وحزب البعث اللذان نهبا ثروات الشعب العراقي والتي تقدر منهوباتهما بنحو 60 مليار دولار (مالية الحزب)، والتي مازالت تعمل في إدارة الإرهاب في العراق. فكما قال بلير عن الحرب العراقية خلال زيارته الأخيرة لواشنطن يوم 19/5/2007 "اتخذنا قرارا صعبا للغاية، واعتقدنا حينئذ ومازلتُ أعتقد أنه كان القرار الصائب".

اعتقد جازماً أن قرار توني بلير وبوش كان صائباً وسوف يقيِّمه التاريخ لصالحهما. لقد دخل بلير التاريخ من أوسع أبوابه، وسيذكره أنه الزعيم السياسي الشجاع الذي عمل وفق ما كان يمليه عليه ضميره الحي، وإخلاقيته الراقية، فأسقط الطغاة من أمثال صدام حسين، وميلوسوفيج، وناصر الشعوب المغلوبة على أمرها، الزعيم الذي قاد حملة واسعة لمساعدة الشعوب الفقيرة بإسقاط ديونها، ومحاربة الفقر في العالم. أما التحسينات التي أجراها على حياة الشعب البريطاني فلا تقدر.

وفي الختام، من الجدير بالذكر التطرق إلى علاقة بريطانيا بأمريكا. إن العلاقة بين البلدين هي علاقة إستراتيجية وجودية ومصيرية غير قابلة للمساومة بغض النظر عن أي حزب أو أي شخص يقود السلطة في كلا البلدين. إنه في منتهى السذاجة من يعتقد أن توني بلير كان خاضعاً لجورج دبليو بوش. فهذا التحالف البريطاني- الأمريكي له جذوره في عمق التاريخ منذ استقلال أمريكا في أواخر القرن الثامن عشر وإلى الآن، وهكذا كانت العلاقة المصيرية في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي عهد تشرتشل، وعهد تاتشر وعهد توني بلير، وستستمر هذه العلاقة بهذا التلاحم والتحالف الاستراتيجي إلى أجل غير معلوم. وهذه السياسة ليست في صالح الشعبين الأمريكي والبريطاني فحسب، بل هي في صالح البشرية جمعاء أيضاً. وهذا ليس تطرفا أو مبالغة مني كما يتصور البعض، بل أذكرهم بما كان سيحل بالبشرية لولا هذا التحالف الإستراتيجي بين أمريكا وبريطانيا، لكان العالم اليوم غابة يحكمها الطغاة من أمثال هتلر، وموسوليني، والعسكرتارية الفاشية اليابانية، ومعمر القذافي، وصدام حسين وأبنائه.

لقد تقاعد توني بلير مرفوع الرأس مكرماً ومعززاً وهو في أوج نشاطه وعنفوان عطائه الفكري والسياسي، يمتلك طاقة فكرية هائلة وحيوية فائقة، وهكذا شخص لامع ونشط لا بد وأن ينتظره مستقبل رائع وسيخلده التاريخ بمداد من ذهب.

19/5/2007

***

د.عبد الخالق حسين

..........................

روابط ذات صلة

1- د. حميد الكفائي: المحتجون على "فروسية" توني بلير

https://akhbaar.org/home/2022/1/290739.html

2- رعد الحافظ: وسام الفروسية لتوني بلير صفعة لأدعياء الوطنية الأنذال!

https://akhbaar.org/home/2022/1/290646.html

3- د.عبدالخالق حسين: ماذا لو لم يتم إسقاط حكم صدام؟

http://www.akhbaar.org/home/2016/7/214312.html

 

محمد عمارة تقي الدين"إذا كان هرتزل هو ماركس الصهيونية فإن هتلر هو لينينها"، كثيراً ما تتردد تلك المقولة في الأوساط الثقافية، وهي تذهب إلى أنه إذا كان تيودور هرتزل هو واضع الأساس التنظيري للأيديولوجية الصهيونية مثلما وضع كارل ماركس الأساس التنظيري للأيديولوجية الشيوعية، فإن هتلر هو المُطبِّق الفعلي للصهيونية في الواقع الفلسطيني مثلما أن لينين هو من غرس الشيوعية في الواقع الروسي وجعلها تمشي على قدمين.

فالحقيقة أن هتلر هو من أعطى الحركة الصهيونية قبلة الحياة، فلولا ما ارتكبه من بشاعات لما توجه يهود أوروبا بهذا الكم إلى فلسطين ولاندمج أغلبهم في المجتمعات الأوروبية، ومن ثم فشل ذريع للإستراتيجية الصهيونية.

يرى البعض أن العامل المشترك بين النازية والصهيونية هو كراهية الآخر، كل الآخر، مقابل المبالغة في تمجيد الذات، وهم مُحِقّون في ذلك إلى حد بعيد، لكن هذا ليس كل شيء.

فالغوص في أكثر مستويات التحليل عُمقًا هو أمر من شأنه أن يُخبرنا أن كلتا الأيديولوجيتين(النازية والصهيونية) تُعدان توأمان فوتوغرافيان بشكل مخيف.

فقط ما يُفرقهما هو اتكاء الصهيونية على عقائد دينية استطاعت ليّ عنقها وتسخيرها لحشد الدعم لأيديولوجيتها ذات النزعة العنصرية الغارقة في عنفها، ومع ذلك فهناك من يحلو له الحديث عن وجود نزعة دينية كامنة داخل الأيديولوجية النازية وفي عمق نسقها الفكري، حيث إضفاء القداسة على كل من الزعيم والأرض والشعب.

كلتاهما(الصهيونية والنازية) ابنتا الحضارة الغربية، فمن رحمها خرجتا، ومن فلسفتها المادية انبثقتا بكل حمولتها النفعية الموغلة في لا إنسانيتها، حيث البقاء للأقوى، وأن قانون الحياة هو : حيتان كبيرة تلتهم أسماكاً صغيرة ولا مجال للشفقة أو الرحمة الإنسانية.

كما أن الصهيونية والنازية، لم يكونا أعداء يومًا ما، كما ادعت بعض المراجع التاريخية التي تناولت الأمر بشيء من السطحية، بل تعاونا من أجل تحقيق هدفهما المشترك، وهو إخراج اليهود من أوروبا، سواء أكان خروجًا اختياريًا أم جبريًا، فلولا القدر الهائل من العنف النازي ما توجه اليهود بهذه الأعداد الكبيرة لفلسطين ولربما سقط المشروع الصهيوني في هوّة العدمية.

أن الإثنين (النازية والصهيونية) أسهمتا في إحداث دمار مادي وروحي هائل لليهود: النازية على المستوى المادي، والصهيونية على المستوى الروحي، وهو ما يؤكده اليهود من غير الصهاينة، يقول الحاخام أمنون يتسحاق:"إذا كان هتلر قد حطَّم الشعب اليهودي جسديًا، فإن هرتزل حطَّمه روحيًا"، فالصهيونية عمدت إلى تفريغ الدين اليهودي من كل أبعاده الروحية لينتهي به الحال كأيديولوجية قتل وإبادة.

كلتاهما(الصهيونية والنازية) اعتمد إستراتيجية من خطوتين: القتل أو الترحيل لأناس كانوا مستقرين في أوطانهم ولم يكونوا يومًا ما أعداء مقاتلين لهم، اليهود (في المثال النازي)، والشعب الفلسطيني (في المثال الصهيوني).

فمثلما لجأ النازيون للإبادة الجماعية لأعراق أخرى فعل الصهاينة ذات الشيء، يقول المفكر اليهودي توم سيجيف (Tom Segev): " تعد الإبادة الجماعية واحدة من أهم الذرائع التي اختلقتها الصهيونية لإنشاء دولة إسرائيل تماماً مثلما الوعد الإلهي في التوراة".

والحقيقة أن المجازر وجرائم الإبادة لعنصر من البشر داخل كلا النسقين(النازية والصهيونية) على بشاعتها مبررة تمامًا باعتبارها الآلام التي تسبق مرحلة المخاض (الولادة)، فلا بد منها إذن، ولا بديل عنها، بل هي بشارات وإرهاصات الخلاص الديني/العلماني وتحقق الفردوس الإلهي/البشري على الأرض.

هنا مجتمع وجنة السوبرمان( في الحالة النازية)، وهناك مجتمع وجنة ما بعد الخلاص أو العصر المسيحاني (في الحالة الصهيونية).

هنا شعب يهودي مُختار تجري في عروقه دماء مقدسة والتاريخ يتشكل من أجله، وهناك شعب ألماني متفوق تجري في عروقه دماء زرقاء وعليه عبء إنقاذ البشرية من واقعها المرير عبر القتل الرحيم لكل من يعطل مسيرتها تلك.

وتتحدث الكثير من المراجع عن تأثر هرتزل الكبير بأطروحات الحضارة الألمانية المُمجِّدة للقوة، وهو ذات النبع الذي استقى منه هتلر أفكاره.

يرى روجيه جارودي أن الصهيونية ليست ابنة اليهودية بل مثلها مثل النازية هي ابنة النزعة القومية والاستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر، ومن ثم فإسرائيل هي ابنة مشروع الحداثة، هي منتجه الأكثر رداءة، مثلما النازية تمامًا.

وهو ما أعاد عبد الوهاب المسيري تأكيده من بعده، إذ يقول:"الفكر الصهيوني مثله مثل الفكر النازي ترجمة للرؤية الداروينية، فالصهاينة قاموا بغزو فلسطين كممثلين للحضارة الغربية يحملون عبء الرجل الأبيض وهم نظرًا لقوتهم العسكرية يملكون مقدرة أعلى على البقاء، أي أنهم جاءوا من الغرب مسلحين بمدفعية أيديولوجية وعسكرية داروينية ثقيلة، وقاموا بتسوية الأمور من خلال الموقع الدارويني النيتشوي، فذبحوا الفلسطينيين وهدموا قراهم واستولوا على أرضهم، وهي أمور شرعية تمامًا من منظور دارويني".

لقد أشار الفيلسوف وعالم الاجتماع اليهودي زيجمونت باومان لهذا التماثل بين النازية والصهيونية، بل وأدان سياسة الكيان الصهيوني، مؤكدًا تقويضها لأي عملية سلام جادة، لأنها من دون الحرب والتعبئة العامة لا تعرف كيف تعيش، في المقابل تقوم بتوظيف الهولوكوست لشرعنة جرائمها ضد الفلسطينيين، بل ورأى أن جدار الفصل العنصري هو تقليد للجدران التي أقامتها النازية في مدينة وارسو البولندية وقت أحداث الهولوكوست.

وها هو موشيه تسيمرمان البروفسور بالجامعة العبرية الإسرائيلية وقد أكد أن ممارسات الكيان الصهيوني الإجرامية ضد الفلسطينيين هي متطابقة تماماً ممارسات النازيين الإجرامية ضد اليهود قديماً.

فالحركة الصهيونية كما النازية هي في حقيقتها ابنة الحضارة الغربية، ومثلما ظهرت الأيديولوجيات والنعرات الاستعمارية بها ظهرت الحركة الصهيونية هي الأخرى منادية بأن يكون لليهود وطن قومي عبر عمل استعماري إحلالي يجري من خلاله طرد الفلسطينيين من أرضهم وتوطين يهود مكانهم.

وفي ذلك نتفق مع الدكتور عبد الوهاب المسيري فيما يذهب إليه بأن"الصهيونية ليست انحرافًا عن الحضارة الغربية، وإنما هي إفراز عضوي لهذه الحضارة ولما نسميه بالحداثة الداروينية، أي الحداثة التي تهدف إلى تحويل العالم إلى مادة استعماليه لصالح الأقوى" فأوروبا قررت الانقضاض على بلدان العالم الثالث لحظة ضعفها الحضاري لنهب ثرواته واستيطان أراضيه، وهكذا فعلت الحركة الصهيونية.

وها هي حركة ناطوري كارتا اليهودية المناهضة للصهيونية، إذ دائمًا ما تتحدث عن وجود علاقة حميمة ووطيدة بين الصهيونية والنازية بعكس ما يُشاع، فالصهاينة وفقًا للحركة قد تعاونوا مع النازيين ودفعوهم للقضاء على يهود شرق أوروبا الذين كانوا يرفضون الحركة الصهيونية، وهو رفض من شأنه نزع الشرعية الدينية عن الصهيونية، وأنهم بهذا العنف ضد اليهود قد دفعوهم للهجرة إلى فلسطين ومن ثم إقامة إسرائيل مجسدة في ذلك الحلم الصهيوني.

ومن ثم فكلتا الأيديولوجيتين (الصهيونية والنازية) من أطروحات القتل والتهجير انبثقتا، فالفكرة الصهيونية عنصرية تمامًا كما الفكرة النازية، بل الأولى تستمد بشاعتها من اتكائها على أسس عقائدية محرَّفة، ومن ثم يبدو القتل في نسقها الفكري وكأنه فعل مقدس يتقرب به المرء لله.

بل تزداد بشاعة الأيديولوجية الصهيونية في كونها توجِّه جرائمها نحو شعب لم يعتدي عليهم يومًا ما، فماذا فعل الشعب الفلسطيني الذي كان يكِّن كل مودة واحترام لليهود الذين يعيشون معه في الأراضي المُقدَّسة؟!

في حين أن النازية تبرر جرائمها بأنها تريد الخلاص من العناصر الغير منتجة في المجتمع الألماني، والتي تمثل بحسب زعمها عناصر كبح لتقدمها الحضاري، وعلى رأسها اليهود الذين اتهمتهم بارتكاب وإشاعة كثير من الجرائم أللأخلاقية في أوروبا: كالربا والدعارة، وإن كان هذا أيضًا لا يبرر المجازر بحقهم مطلقًا.

الدرس الذي يجب أن نعيه هنا أن أطروحات الإبادة لشعب أو عرق ستظل إمكانية كامنة داخل النسق الفكري الصهيوني، مثلما هي في النسق النازي ولولاها لما قامت إسرائيل، يقول توم سيجيف:"الإبادة الجماعية شأنها شأن الوعد الإلهي في التوراة، هي أحد الذرائع الأيديولوجية لإنشاء دولة إسرائيل".

وكان بن جوريون يقول عن مناحم بيجن:"إن بيجن هو نسخة أخرى من هتلر، فهذا العنصري لن يتورع عن إبادة جميع العرب من أجل حلمه بإقامة إسرائيل الموحدة ".

وفي السنوات الأخيرة نجد الإرهابي الصهيوني موشيه فيجلين وقد عبَّر عن شديد إعجابه بشخصية أدولف هتلر ونزوعه نحو القتل والتطهير العرقي، فهو إذن فكر الإبادة النائم في أعماق الأطروحات الصهيونية ومن ثم أضحى يشكل قناعات الصهاينة التي تتمركز حول حتمية الخلاص من الفلسطينيين قتلًا أو تهجيرًا.

والحقيقة أن أطروحات الإبادة لديهم ليست مقصورة على الفلسطينيين فحسب، بل لكل جنس بشري يعتقد الصهاينة وقوفه حائلًا دون تحقُق الحلم الصهيوني، فها هو المُنظِّر الصهيوني فلاديمير جابوتنسكي وقد عبر عن رغبته في إبادة الجنس الألماني ذاته فيقول:"إن مصالحنا اليهودية تقتضي إفناء ألمانيا تمامًا، فالشعب الألماني بأكمله يمثل خطرًا علينا".

من هذه الرؤية الإجرامية انبثق العنف الصهيوني في بيئة لم تعرف العنف، وهو العنف الذي عبر عن نفسه في شكل المذابح وعمليات التهجير والطرد التي تم إتباعها في تأسيس الكيان الصهيوني كإستراتيجية ترهيب وتفريغ وإحلال: ترهيب السكان الفلسطينيين عبر إحداث أكبر قدر من العنف ضدهم، ومن ثم تفريغ الأرض من هؤلاء الفلسطينيين، وفي النهاية يجري إحلال صهاينة مكانهم، وهي الإستراتيجية التي عبّر عنها مناحم بيجين بقوله : " لولا دير ياسين وأخواتها لما قامت إسرائيل" .

فمذبحة دير ياسين والتي ذهب ضحيتها نحو 250 شهيداً وأخواتها من المذابح التي تم ارتكابها بحق الفلسطينيين في عامي 1947م و1948م أدت لتفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الفلسطينيين ممهدة الطريق أمام إعلان قيام الكيان الصهيوني، وكما تؤكد الكثير من المراجع التاريخية فإن عدد القرى التي هُجِّر أهلها في تلك الفترة الزمنية القصيرة بلغ نحو 531 قرية.

لقد تم ذلك كله بفعل العصابات الصهيونية المتطرفة مثل الهاجاناه، وشتيرن، والأرجون والتي اقترفت من المجازر ما يندى له جبين الإنسانية، والجدير بالذكر أنه من تلك العصابات الصهيونية تأسس الجيش الإسرائيلي، هنا ينتفي الاستغراب حول ما يرتكبه جنود هذا الجيش من بشاعات طوال تاريخه وصولا لوقتنا الراهن فهم أبناء وأحفاد الجيل الأول من المجرمين الصهاينة.

لقد اعترف أهارون زيسلينج وزير الزراعة الإسرائيلي في عام 1948 بتلك المذابح الصهيونية ضد الفلسطينيين، إذ كان عضوًا في عصابات الهاجاناه الصهيونية، حيث قال: " لم أستطع النوم طوال الليل، ما كان يجري يؤلم روحي بشكل عميق، فقد أخذ اليهود يتصرفون كالنازيين وهو ما يفجرني من الداخل".

وإذا ما حاولنا سرد بعض الوقائع التاريخية التي تؤكد وجود علاقة تعاون بين الصهيونية والنازية، فتتحدث المراجع التاريخية عن توقيع اتفاق بين رودولف كاستنير عضو لجنة الإنقاذ التابعة للوكالة اليهودية والقائد النازي الكبير أدولف إيخمان لتهجير ستمائة يهودي صهيوني مقابل التغاضي عن إبادة عدد ضخم من اليهود المعارضين للصهيونية.

كما سبق ذلك توقيع اتفاقية هعفراه (أي النقل بالعبرية)( Haavara Agreement) عام 1933م بين الصهيونية والنازية، وبموجبها تراجعت الحركة الصهيونية عن مقاطعتها للبضائع والمنتجات الألمانية مقابل السماح بنقل أموال اليهود المهاجرين إلى فلسطين قادمين من ألمانيا.

وبحسب كثيرين فقد اعتبر الصهاينة وجود الحكم النازي في ألمانيا هو فرصة تاريخية لن تتكرر لتحقيق الأهداف الصهيونية، وبالفعل فقد شكّل النازيون في برلين مكتبًا للإشراف على تهجير اليهود الألمان إلى فلسطين.

لقد كان الإرهابي الصهيوني دافيد بن جوريون يرفض إنقاذ الأطفال اليهود من الهولوكوست عبر إرسالهم إلي انجلترا مفضلًا أن يُذبح نصفهم على أن يُنقل النص الآخر إلى فلسطين، فالغاية لديه تبرر الوسيلة مهما بلغت بشاعة تلك الوسيلة وانحطاطها.

من هنا فقد اعتبر البعض هتلر صهيونياً، بل إن موسوليني عرَّف نفسه بأنه صهيوني غير يهودي.

فالحقيقة التاريخية التي أكدتها الكثير من الوثائق التاريخية هي حدوث تعاون بين الصهاينة والنازيين من أجل قمع اليهود الرافضين للحركة الصهيونية وإرسالهم إلى معسكرات الموت حتى لا يتفشى هذا الرفض بين اليهود، وهو ما يعني وأداً مبكراً للدعوة الصهيونية لوطن قومي يهودي في فلسطين.

إذن وفي التحليل الأخير، يمكن القول أن الصهاينة هم الإصدار الجديد للنازيين في عصر ما بعد الحداثة، حيث الذهاب في الإبادة والقتل إلى حده الأقصى، فقد تسلحت الصهيونية بأيديولوجية دينية عبر استدعاء كل نصوص العنف في العهد القديم وإسقاطها على الواقع المعاصر ومن ثم أضحى عنفها مزدوجاً ومضاعفاً مقارنة بالأيديولوجية النازية.

يقول المؤرخ الكبير أرنولد توينبي بهذا الشأن:" الحقيقة أن جرائم النازية ضد اليهود، أقل انحطاطًا من جرائم اليهود ضد الأبرياء العرب".

فالأمر الباعث على الاستغراب أنهم، أي اليهود وبفعل الأيديولوجية الصهيونية، قد انتقلوا من وضع الضحية لوضع المجرم، فما ارتكبه هتلر بحقهم ارتكبوا أبشع منه بحق الفلسطينيين.

لقد ظلت نظريات علم النفس القديمة تؤكد أن المعاناة تقود حتمًا إلى التطهر، بحسب الطرح الأرسطي، وأن من يقع عليه الظلم لن يقبل بممارسة ذلك الظلم على آخرين، غير أن واقع الصهاينة ينفي ذلك نفيًا تامًا.

فالمعاناة وفق ما ذهب إليه زيجمونت باومان قادت إلى العنف والانتقام في أعنف تجلياته، يقول باومان:"كان الاعتقاد القديم أن المعاناة تصهر ضحاياها ليخرجوا منها أطهارًا مثل القديسين، لكن الواقع غير ذلك تمامًا، إذ يترقب الضحايا أول فرصة للانتقام من مضطهديهم، وإذا وجدوا صعوبة في ذلك فإنهم يهرعون إلى التنفيس باتجاه آخرين".

ومن ثم فلن يتخلى الصهاينة عن عنفهم الموجه ضد الفلسطينيين طواعية، وإنما عبر إحداث قدر هائل من الضغط عليهم على الأصعدة المحلية الفلسطينية والعربية والدولية لإجبارهم على التراجع عن ممارساتهم الإجرامية بحق الفلسطينيين.

ما يبعث على الأمل أننا أمام شعب فلسطيني يزيده الوقت صلابة وتمسكاً بحقوقه التاريخية، وتضخُّم الإحساس لديه بقيمة فعل الرفض والمقاومة، بل وأضحى كثير من أحرار العالم يثنون على هذا الشعب وينظرون إليه بإعجاب كبير باعتباره واقفاً على تخوم الكرامة الإنسانية.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

 

كريم المظفرأهم المخاطر التي كشفت عنها أحداث جمهورية أخرى من جمهوريات رابطة الدول المستقلة عن الإتحاد السوفيتي السابق، هي جمهورية كازاخستان، التي كانت حتى وقت قريب من أهدأ جمهوريات المنطقة، ولديها علاقات وطيدة مع العالم الغربي وفي المقدمة منها مع الولايات المتحدة، تلك العلاقة التي ساعدتها على الحصول على ثقة واشنطن، وجعلها محل ثقة لديها، وكذلك جعلها مقرا لأحد مختبراتها المهمة في المنطقة .

وكشفت الإضرابات الأخيرة التي شهدتها الجمهورية، والتي بدأت على خلفية رفع أسعار الوقود، وتوسعت مطالب "المتمردين" والمطالبة بإسقاط الحكومة، بعد استيلائها على المرافق الحكومية وحرقها ونهبها المباني الحكومية، كشفت هذه الإضطرابات، تعرض المختبرات البيولوجية السرية التي تم إنشاؤها بمشاركة الجيش الأمريكي في كازاخستان للهجوم، ولكن ليس هناك ما يؤكد أن شيئًا ما كان مفقودًا من هناك هذه المرة، وتؤكد سلطات المدينة أن المختبر لم يترك دون حراسة.

وتنتقد روسيا بشدة بناء شبكة واسعة من هذه المرافق على أراضي رابطة الدول المستقلة،  وفي عام 2020 قالت وزارة الخارجية الروسية إن أنشطة مركز لوغار تثير القلق لأن واشنطن لا تشرح ما يفعله المتخصصون هناك في الجوار المباشر للحدود الروسية، وهذا النشاط قد ينتهك التزامات الولايات المتحدة بموجب اتفاقية الأسلحة البيولوجية والتكسينية (اتفاقية الأسلحة البيولوجية والتكسينية)، وتتعرض أنشطة المنشآت المماثلة الأخرى في دول ما بعد الاتحاد السوفيتي لانتقادات منتظمة من قبل الدائرة الدبلوماسية.

ولم يخف الخبراء نشاطاتهم، وأنهم يجرون بحوثًا هناك، وبسبب القيود التشريعية، فإنه غير ممكن إجراءها في أراضي الولايات المتحدة نفسها، في الوقت نفسه، فإن أنشطة هذه المؤسسات بالقرب من حدود روسيا غير شفافة تمامًا، مما يخلق تهديدًا خطيرًا، وحذر علماء سياسيون من أن الفيروسات والبكتيريا الخطيرة المسروقة من هناك يمكن أن ينتهي بها الأمر في أيدي الجماعات الإرهابية.

وعلى مدار العقد الماضي، وبدعم مالي وتنظيمي من وزارة الدفاع الأمريكية، تم نشر ما لا يقل عن عشرين مختبرًا بيولوجيًا في جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفيتي، ويعمل في بعضها موظفون أمريكيون يحملون جوازات سفر دبلوماسية، وبسبب الافتقار إلى الشفافية في أنشطة المؤسسات، فقد أصبحت مرارًا وتكرارًا مصادر للشائعات حول إجراء تجارب بيولوجية خطيرة فيها، ولم تعلق الولايات المتحدة أبدًا على أنشطة هذه المختبرات في سياق ارتباط محتمل بتفشي المرض.

ويوضح الأمريكيين أنفسهم أن بناء مثل هذه المختبرات في بلدان رابطة الدول المستقلة أرخص مما هو عليه في الولايات المتحدة، وفي أمريكا يتم وضع مثل هذه المطالب الكبيرة على نظام حماية هذه المرافق التي تلتهم ببساطة مبالغ ضخمة من المال، والتي تشكل الجزء الأكبر من الميزانية، بالإضافة إلى ذلك، قامت الولايات المتحدة ببناء مثل هذه المنشآت في رابطة الدول المستقلة، ولأنها كانت هادئة حتى وقت قريب، باستثناء أوكرانيا، لا يعرف ما يحدث في مثل هذه المواقع، ويمكن أن يفترض أن بعدهم عن أمريكا هو ضمان إضافي بأن بلادهم لن تتأثر في حالة وقوع حادث، في ظل هذه الظروف يكون من السهل نفسيا إجراء تجارب مهما كانت درجة الخطر، هناك فارق بسيط آخر، يجب أن تؤثر الأسلحة البيولوجية الحديثة على جينومات معينة، وبالتالي على الأشخاص من جنسية معينة، في هذا، يعطي الموقع القريب من حدود روسيا ميزة إضافية.

وفي بداية شهر كانون الثاني (يناير) الجاري، ظهرت معلومات على الشبكات الاجتماعية تفيد بأنه في ذروة المذابح، استولى الإرهابيون على مختبرات بيولوجية أمريكية سرية ونهبوها تركت دون حراسة في العاصمة ألما آتا، حيث كانت تتم دراسة الفيروسات القاتلة وسلالاتها، وأكدت مصادر مطلعة على الوضع أنه خلال أعمال الشغب في ألما آتا في 5-6 يناير، وتعرضت إحدى المنشآت الأمريكية الثلاثة في المركز العلمي الوطني للعدوى الخطيرة بشكل خاص، وكانت بها نوافذ وأبواب مكسورة، وعلى الرغم من أن المسلحين لم يتمكنوا من الاختراق هناك، إلا أنهم فشلوا في تأكيد عدم وجود أي شيء مفقود من هناك.

وبحسب وسائل الإعلام الكازاخستانية فأنه في عام 2016، وفي المركز الوطني Masgut Aikimbayev، أفتتح المختبر المرجعي المركزي، حيث استثمرت وكالة البنتاغون للحد من التهديدات (DTRA) حوالي 160 مليون دولار، وقد تم تجهيز المؤسسة بأحدث المعدات بأموال أمريكية، وتم اعتماده للمستوى الثاني والثالث من السلامة الأحيائية، وهذا جعل من الممكن دراسة الأمراض التي تشكل خطورة خاصة على البشر وكيفية انتشارها عن طريق الحيوانات المحلية - حمى الكونغو القرم والجمرة الخبيثة وداء البروسيلات -، وفي عام 2017، أجروا بحثًا عن فيروسات كورونا في الخفافيش، ويشير الموقع الرسمي للمركز إلى أنه يشارك بنشاط في برامج التعاون الدولي مع وكالة الحد من التهديدات بوزارة الدفاع الأمريكية، والمركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض المعدية والوقاية منها، ومعهد باستير الفرنسي، ومؤسسات أخرى معروفة لمكافحة الأوبئة، وفي الولايات المتحدة .

وعلى مدى السنوات الثماني الماضية، تم تنفيذ ما لا يقل عن 28 مشروعًا بتكليف من الجيش الأمريكي في كازاخستان، ولم يقتصر الأمر على المتخصصين المحليين فحسب، بل شمل أيضًا الأفراد العسكريين من المركز الطبي للبحرية الأمريكية (ماريلاند) وموظفي معهد Bundeswehr لعلم الأحياء الدقيقة (ميونيخ) والمختبرات العسكرية في بورتون داون (بريطانيا العظمى)، وبالإضافة إلى المنشأة التي تضررت في العاصمة الجنوبية، مولت وكالة الحد من التهديدات العسكرية الأمريكية (DTRA) بناء خمسة مختبرات بيولوجية أخرى في الجمهورية، بما في ذلك في مركز العدوى الخطرة بشكل خاص في ألما آتا (TSOOI) ومعهد أبحاث مشاكل السلامة البيولوجية في قرية Gvardeisky (NII PBB).

وفي نوفمبر من العام الماضي، ظهرت معلومات على الموقع الإلكتروني لحكومة كازاخستان أنه بحلول نهاية عام 2025، في جنوب الجمهورية، في قرية جفارديسكي، مقاطعة كورداي، منطقة زامبيل، سيتم إنشاء مختبر بيولوجي آخر ذو أعلى مستوى رابع BSL-4 للسلامة البيولوجية، والذي يسمح بالعمل مع أخطر الفيروسات والبكتيريا المعدية التي لا يوجد علاج لها، ويتضمن المرفق مخزنًا تحت الأرض لمجموعة من السلالات الخطرة والخطيرة بشكل خاص، وعارض السكان المحليون، والشخصيات العامة والسياسية المعروفة، خوفًا من تسرب فيروسات قاتلة، بناء المختبر ونظموا اعتصامات سلمية، لكن على الرغم من احتجاجات المواطنين العاديين، لم يتم تأجيل بناء المختبر.

وتشير صحيفة "إزفستيا" إلى أنه تتواجد شبكة من المعامل على أراضي أوزبكستان، ظهر أولها في طشقند عام 2007، فقد تم دفع تكاليف البناء بالكامل من قبل وكالة DTRA التابعة للبنتاغون، وفي عام 2013، وظهر مرفقان أمنيان آخران من الدرجة الثانية في أنديجان وفرغانة، وفي عام 2016، تم تشغيل مختبر التشخيص الإقليمي في خوريزم في أورغينش، وفي عام 2010، افتتحت الولايات المتحدة شبكة من 13 مختبرًا من هذا القبيل في أوكرانيا، بما في ذلك معهد متشنيكوف الأوكراني لأبحاث مكافحة الطاعون، الذي يدرس الجدري والتسمم الغذائي والجمرة الخبيثة.

وفي عام 2012، مولت الولايات المتحدة، في إطار برنامج المشاركة البيولوجية المشترك، افتتاح مختبر وزارة الدفاع الأذربيجانية لرصد الأمراض المعدية، وبعد عام، تم الانتهاء من بناء مرفق من المستوى الثالث للسلامة البيولوجية في باكو، وهو متخصص في دراسة مسببات الأمراض في العينات البشرية والحيوانية، وفي جورجيا، وعلى بعد 17 كيلومترًا من قاعدة فازياني الجوية بالقرب من تبليسي، تم إنشاء مركز ريتشارد لوغار لأبحاث الصحة العامة، وفي عام 2018، ادعى وزير أمن الدولة السابق للبلاد إيغور غيورجادزه أنه يمكن إجراء تجارب سرية على الأشخاص في هذا المركز، وأوضح أوليغ زيلتونوزكو، المتخصص في مجال الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ان ثل هذه المختبرات تظهر كجزء من التطوير العسكري الأمريكي لأراضي ما بعد الاتحاد السوفيتي.

ويؤكد المختصون انه يتم دعمهم رسميًا من خلال المنح الأمريكية، وانه تم تشكيل برنامج أبحاثهم أيضًا من قبل الأمريكيين، وفي وقت من الأوقات، قدم إيغور جورجادزه (ضابط سابق في المخابرات السوفياتية الجورجية ووزير أمن الدولة في جورجيا - إيجور جورجادزه) مجموعة كاملة من الوثائق حول التطورات الجارية في أحد المنشآت الأمريكية في جورجيا، وكان الأمر يتعلق ببعض الأدوية، ولكن في الواقع تمت دراسة الوسائل الأمريكية للتأثير على الجسم، مع مراعاة الخصائص البيولوجية للسكان المحليين والأمريكيين والقوقازيين والأوروبيين، ويمكن الافتراض أن هناك تطورات في بعض الوسائل للتأثير بشكل هادف على السكان المحليين، لكن هل يمكن تسميتها أسلحة بيولوجية؟ هذا المصطلح غير واضح الآن، ولا يزال من الصعب فهم ما قد يظهر في النهاية، وعلى سبيل المثال، كانت هناك شكوك بأن حمى الخنازير الأفريقية، والحمى النزفية، التي انتشرت بين الحيوانات، أتت من أراضي جورجيا إلى شمال القوقاز، لكن لم يكن من الممكن تحديد مصدر العدوى.

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر