قاسم طلاعErich Fried

1926 – 1988


من الحياة

ذهبت

إلى الشعر

 

ومن الشعر

ذهبت

إلى الحياة

 

أي طريق سيكون في آخر المطاف

هو الأفضل.

ايريخ فريد شاعر وكاتب ومترجم نمساوي ولد في اليوم السادس من شهر أيار عام 1921 في مدينة فيننا. توفي في 22.11.1988 في بادن ـ بادن في جمهورية ألمانيا الاتحادية. مات والده، الذي ولد عام 1890، على أثر التعذيب التي تعرض له على أيدي الغستابو، بعد دخول القوات النازية إلى النمسا في عام 1938. أما والدته فقد حكم عليها بالسجن مدة خمسة سنوات.

المدن الغريبة

صلبة شوارع المدن الغريبة،

باردة كانت النظرات، التي يستقبلها الغريب،

باردة كانت الرياح، التي تعصف بالسفينة،

أثناء ما كانت تبحر فوق المياه.

قاسية كانت الحياة في هذه السنوات الثلاث،

باردا كان الشتاء.

في عام 1938 (وكان عمره لم لا يتجاوز السابعة عشر) تمكن من بناء خلية محاولة منه، وحسب اعتقاده، بأنه سيتمكن من مقاومة المحتلين الألمان للنمسا، إلا أن هذه الخلية لم يكتب لها العيش بعد أن أكتشف أمرها، على أثرها،  وفي نفس السنة هذه ـ في شهر آب ـ هرب عن طريق بلجيكا إلى بريطانيا والإقامة فيها كلاجئ، حيث بقى هناك حتى مماته عام 1988. وقد انضم بداية اقامته، هناك، إلى عصبة الشباب الشيوعي التي تركها عام 1944على أثر النقاشات والمواقف التي اتخذتها العصبة تجاه ستالين والاستالينية، كما سميت في حينها.

بدأ بنشر ما يكتب عام 1940. وبعد ستة سنوات، أي في عام 1946 تفرغ كليا للعمل الأدبي بعد صدور روايته الأولى " جندي وفتاة " التي تدور أحداثها حول فتاة ألمانية اسمها " Irma Greses " وعمرها 22 سنة، حكم عليها بالإعدام عام 1945 ، لأنها كانت تعمل حارسة في واحدة من معسكرات الإبادة، رغم قيامها بإنقاذ الكثير من المعتقلين من الموت المحقق، إلا أن عملها الانساني هذا لم ينقذها من الموت. بعد انتهاء الحرب عمل في صحف ومجلات أدبية كثيرة منها مجلة " المقتطف الجديد " التي كان يصدرها " Central Office Information " ثم مجلة " Blick in die   Welt " الذي أصبح فيها عضوا في هيئة التحرير. في عام 1952 بدا العمل في محطة الإذاعة البريطانية القسم الألماني وبسبب خلاف فكري ـ سياسي ترك العمل في هذا القسم عام 1968. شارك مشاركة فعلية في تمرد الطلبة عام 1968، حيث كان يتصدر كل المظاهرات جنبا الى جنب مع رودي دوتشه (Rudi Dutsche) زعيم حركة التمرد الطلابية، إضافة إلى مشاركته، إلى جانب الكاتب الألماني هاينرخ بويل (  Heinrich Böll ) في عمليات الاستنكار والاحتجاج ضد أساليب المطاردة والاضطهاد والقتل التي كانت تمارسها حكومة ألمانيا الاتحادية ضد القوى اليسارية والمعاملة الغير إنسانية لسجناء الفرق الحمراء " RAF „. ومواقفه المناوئة للولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد الشعب الفيتنامي ومشاركته، إلى جانب بيتر فايس، في المؤتمر العالمي من اجل فيتنام، الذي انعقد في برلين عام  1968 ( له ديوان يحمل اسم و... فيتنام... و ـ und Vietnam und  صدر عام 1966 وقد ضم هذا الديوان قصيدة قصيرة جدا حول مذبحة دانانغ 17 ـ 22. أيار 1966 )

من دانانغ توالت الأخبار طوال خمسة أيام:

بين حين وآخر عيارات نارية متفرقة

 

في اليوم الخامس تحدثت الأخبار:

في معارك الخمسة أيام الأخيرة

في دانانغ

لحد الآن ألف ضحية

تقريبا

ومن مواقفه المشرفة أيضا، مساندته للانتفاضة التي قادها الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي ومطالبة إسرائيل بالعودة إلى حدود عام 1967 والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وكان ديوانه " اسمعي، إسرائيل " ( Höre, Israel! ) إدانة صريحة وواضحة لسياستها العدوانية (العنصرية) هذه:

عندما أصبحنا مطاردون كنت واحد منكم

كيف يمكن أن أبق هكذا معكم

عندما صرتم تطاردون الآخر...؟

 

حنينكم كان

أن تكونوا مثل شعوب أخرى

تلك التي قامت بقتلتكم

الآن أصبحتم مثلهم

 

أنتم نجوتم

من الذين كانوا قساة معكم

 

هل تحملون الآن هذه القسوة

في داخلكم...؟

ثم ادانة القوى الامبريالية لمشاركتها الفعالة بإشعال الحرب الاهلية في لبنان ودخول الجيش الإسرائيلي لها، والمجازر التي قامت بها بحق اللاجئين الفلسطينيين هناك (مذبحة صبرا وشتيلا).

وقبل هذا، كانت له مواقف واضحة وجريئة تجاه حركات التحرر الوطني، عندما أعلن تضامنه مع المثقفين الفرنسيين الذين رفضوا الخدمة العسكرية الإجبارية للمشاركة في الحرب الاستعمارية التي كانت تقودها فرنسا ضد الشعب الجزائري في بيان أصدرته جماعة أل " 47 " (وكان هو واحد من أعضائها).

الجدير بالإشارة هنا، انه في واحدة من المناسبات المدرسية ، عام 1927، كان من المفروض على اريخ فريد أن يلقي كلمة أو قصيدة (قيل انه بدأ الكتابة مبكرا، حيث كان عمره آنذاك لا يتجاوز السابعة)، في حفلة كان قد حضرها مدير شرطة مدينة فيننا، وحينما لاحظ اريخ فريد حضور المدير، في اللحظة التي أراد فيها البدء بالقاء القصيدة، توقف وبقى واقف في مكانه دون أن يتفوه بكلمة، وحينما طلب منه المشرف على الحفلة أن يلقي قصيدته، رد عليه اريخ فريد، بأنه لايريد أن يلقي قصيدته أمام شخص مسؤول عن قتل ٨٦ شخصا في في مظاهرة عمالية... وعندما سمع مدير الشرطة ما قاله اريخ فريد، نهض تاركا امكان.

إضافة إلى كتابة الشعر والقصة، عرف أريخ فريد بترجماته التي قام بها من اللغة الانكليزية إلى الألمانية لأشهر كتاب الأدب الانكليزي الذين كتبوا التراجيدية والشعر والنصوص المسرحية، إذ ترجم الملحمة الشعرية لديلان توماس (Dylan Thomas) وترجم أيضا نصوص ت. س. أليوت، وغراهام غرين، ولاوري لي، ومسرح شكسبير، التي اعتبرت ترجمته من أدق من ترجم له.

تنطلق كتابات أريخ فريد في التأكيد من أل " أنا " التي تبحث عن (وتحث) الآخر ضمن منظور اجتماعي ـ سياسي مطالبا ـ الوقوف جنب إلى جنب ـ بتحرير الإنسان من تلك العلاقات أل " الغير متساوية " إضافة إلى مواقفه الواضحة ضد أي شكل من أشكال العنف ـ اللاشرعي ـ الذي يؤدي إلى سلب حرية الإنسان وبالتالي الإطاحة به وجعله عرضة للاضطهاد والقتل. لهذا فقد كانت قصائده، التي طغت عليها المسحة السياسية، محاولة في تعرية مثل هذا الوضع اللاإنساني وشرعية الإطاحة به.

لقد كتب فريد الكثير من القصائد والنصوص التي نشرت على شكل مجاميع في تواريخ مختلفة وجمعت في أربعة مجلدات أصدرتها دار النشر الألمانية "   Wagenbach " عام 1993 نذكر منها. „ شعر صدر عام 1958، مملكة الحجر عام 1963، وفيتنام و عام 1966، مائة قصيدة دون وطن عام 1978.... الخ. إضافة إلى هذه الدواوين الشعرية صدرت له نصوص نثرية أهمها " المثقف والاشتراكية " بالاشتراك مع باول باران وغاشتون سلفاتوره. صدر عام 1968، وكتاب عن انغابورغ باخمان حمل عنوان "  أنا لا زلت متاخما لحدود الكلمة وحدود أرض أخرى "  صدر عام 1983، وكتاب آخر " لا تكن أطرش وأخرس "  وقد ضم هذا الكتاب مجموعة مقالات تدور حول  المقاومة والاحتجاج إضافة إلى مقالات أخرى تحمل وجهات نظر حول الشعر. صدر عام 1984، ومسرحية „ الكل هم قاتليه " صدرت عام 1984 ثم " أفكار حول ألمانيا وهو مجموعة مقالات تحليلية وخطب صدر عام 1988.

منح اريخ فريد الكثير من الجوائز،  ولكن بعد وقت متأخر، أذا منح في عام 1977 جائزة " Prix International des Editeurs "  تبعتها بعد ذلك جائزة الدولة النمساوية وجائزة جـورج بويخنر .

مات اريخ فريد في واحدة من جولاته الأدبية في مدينة بادن ـ بادن الألمانية ودفن في مقبرة  "  Kensal Green  " في لندن.

 

قاسم طلاع

 

عبد الخالق الفلاحلقد تحدثنا عن سمات الناس الذين سكنوا منطقة باب الشيخ وحول الطبقات التي عاشت وتداخلت بالوضع المعيشة وكانت البيوت اغلبها شرقية وتدخل لها عن طريق المجاز (الممر الذي يدخلك إلى البيت) يأتي صحن البيت او الحيات او (الحوش) وتتناثر حوله ألغرف ومنهاغرفه ألإستقبال التي هي غالباً ما تكون قريبة من باب الخروج او ممر الخروج (المجاز) ثم ألسرداب العمق تحت الأرض وبه (ألبادكير) وهو للتهوية بدل الوسائل الموجودة والحديثة التي يستفاد منها عالم اليوم مثل البنگة والبرادات واجهزت التكيف الاخرى المختلفةالغازية والكهربائية والمائية و تأتي من السطح عن طريق ثقوب مبنية لهذا الغرض ثم هناك الاحواض من الماء فيترطب ألهواء الجاف ويبرد الحوش في وقت العصر حيث تجتمع العائلة ويكون بحضور كبيرالعائلة على الارجح وتتوسطهم المنقلة او الجولة اوالطباخاو السماور او البريمز النفطي وعلية قارورت (القوري) الشاي السيلاني او الهنديوالجورك او البقصم او الكعك البغدادي، السادة وابو السمسم وابو الدهن "،وقد تكون عندهم حديقة صغيرة جميلة تتوسط الحوش متنوعة الاشجار والاورادويطل على هذا الصحن طراروفيه الدلكات (طارمة فيها أعمدة) من الخشب او الحديد او من الطابوق وعدد من الغرفالتي تطل شبابيكها على الحوش والارضية غالباً ما كانت مفروش بالطابوق الفرشي (الاجور) المربع او المستطيل والسقوق علىالاكثر من الخشب المردي ويستفاد من انواعمن الحصران مثل 1- الباري في السطوح للنوم و هو نوع من الحصير الذي يصنع من القصببعد شرخه طولياً على شكل أشرطة وحياكته وهذا الحصير يستخدم سابقاً في تسقيف البيوت وكذلك يستخدم لعرض الخضروات عليه وكذلك الرقي لدى باعة المخضر لمتانتها وقد يستخدم أسفل الفراش في السطح لمنع الفراش من التلوث بتراب اللبن أو قد تصنع منه السلال لنقل الفاكهة والخضر أو ببناء الجراديغ لخزن التمور والحبوب أو جراديغ السياحة على نهر دجلة للاستجمام أيام زمان ودخل الحديد بعد الحرب العالمية الاولى في الثلث الاول منالقرن الماضي في البناء بشكل مكثف الى العراق .2.حصير البردي :- وهو الحصير الذي يصنع من حياكة البردي ويكون نوعاً ما سميك وناعم تستخدم لفرشه على القنفات في المقاهي لكن عند يباسه يبدأ بالتفتيت.3.حصير القنب :- هو الحصير الذي يستخدم من أعواد القنب بعد سلخها وحياكتها يصنع منها حصير ناعم وذو مقاومة جيدة ولاتتأثر كثيراً بالماء وكانت تستخدم في المساجد للصلاة قبل ان تفرش بالفرش الحديثة (الزوالي) المتنوعة التي غزت و كل المساجد والحسينيات والاضرحة وكذلك كانت تستخدم في البيوت لنومه القيلولة بعد رشه بالماء أو لجلسة العصرية في البيت عند شرب الشاي وقد تستخدم بفرشها على مصاطب الجلوس (قنفات) المقاهي وتوضع أسفل السجاد والبسط في الشتاء لحمايتها من من رطوبة الأرض.4. حصير خوص سعف النخيل :- ويصنع بحياكة خوص السعف لعمل حصران تستخدم للجلوس أو للصلاة أو سفرة طعام وقد يصنع بنفس الطريقة خصافة التمر أو الكواشر (زنبيل) كانت أمهاتنا يحملون للتسويق على رؤوسهن والطبگ الخاص للتنور لفرش الخبز ويوضع العجين عليه بعد فرشه بالطحين كي لا يلتصق العجين بالطبگ وأكثر البيوت كانوا يخبزون الخبز في البيوت اما للكل او للارتزاق في بيعه ليكون عونا اقتصادية للعائلة .

باب الشيخ هي في الحقيقة كانت قلب بغداد ومركز مهماً فيها بيوتات الشخصيات الحكومية وبالتالي فإنها قلب العراق النابض في الزمن الماضي وغابات آثاره وكانت مجمعاً السفارات القبائل العربية والتركمانية والكوردية والسكن فيها وخاصة من مختلف عشائر الكورد الفيلية (الماليمان . ملك شاهي . قيتولي، لر، علي شيروان، موسي،زنگنة. شوهان .والباوى ...الخ) وعشائر من خانقين ومندلي مثل الكاكائية والقرلوس والزنگنة والمحافظات الشمالية(الإقليم حالياً)حيث كانت المنطقة مركز لهم و تضم الالاف منهم وكذلك عشائر من التركمانية واعداد من الصبة المندائيين والمسيح لقربهم من محلة (كمب الارمن) التي تقع بين مقبرة الغزالي ومحطة وقود الكيلاني على شارع الشيخ ع وكذلك سكنها عدد من أمراء القبائل الذين كان لهم الشرف في حماية بغداد والعراق من أي عدوان وكذلك سكنها عمالقة العلم والتجارة والاقتصاد ليكونوا قريبين من منطقة القرار وبهم كانت ترسم سياسة العراق الدفاعية الأمنية والاقتصادية والعلمية وتحيط بالمحلة الشوارع التالي:الكفاح والشيخ عمر وشارع الكيلاني وشارع العوينة الذي يذهب باتجاه رأس الساقية ومن ثم شارع الجمهورية (الملكة عالية)الذي أصبح فيما بعد بشارع الجمهورية . ومن حاراتها : عقد الاكراد .رأس الساقية . سراج الدين .. حجي فتحي . الدوگجية." . فضوة عرب . فضوه مرجان .التسابيل . قهوة شكر . و راس الجول.العوينة . الصدرية التي كانت تحتوي على أهم المحلات التجارية لبيع الحنطة والشعير والتمر والتمن والخضروات واللحوم بأنواعها والاسماك والدجاج ومحلات بيع التوابل والأقمشة وكل ما تحتاجه العائلة  "ويحكى حول طيبة أهالي المنطقة في الرحمة والشفقة فيمابينهم أن رجل حمال كان جالساً في السوق ينتظر من يؤجره لحمل بضاعته وهو يشاهد الناس يتحضرون لايام شهر رمضان فقال (خي عونه العنده ويتحضر لرمضان) فسمعه قصاب قريب منه فصاح عليه وقال فلان أحضر لي عربه (وكان يقصد عربة ربل) واحضر هذا الحمال العربة وقال له خذ هذا اللحم وضعه في العربة وتعال معنا ففرح الحمال لأنه حصل على عمل وأخبر العربنجي بأن يذهب بنا إلى الشورجة وهناك وقف قرب محل صديقه وبدأ يتسوق منه مايتطلبه رمضان ثم صعدنا بالعربة وقال لي ولدي وين بيتكم فقلت ليش عمي قال اخبرني فقلت في المكان الفلاني فقال العربنجي اذهب فوصل فلان مع العربة الى المكان الفلاني وبالفعل وصلني وقال خذ كل ما بالعربة فهو مسواق رمضان لعائلتك،والصدرية من الأسواق القديمة وفيها مسجد سراج الدين فيها مقهى عباس الديك المصارع العراقي المعروف في الزورخانة الذي غلب المصارع الألماني گريمر ومصارعين من ايران. اشتهرت منطقة باب الشيخ ببيع نوع من السمك يسمى (الجري) حيث يباع في مطاعم خاصة وعلى الرصيف ويقلي قطع السمك في آنية كبيرة تسمى (طشت) كبير الحجم فيه زيت مغلي ويقدم للزبائن وينشط سوقه في يوم الجمعة حيث يكون الإقبال عليها كبيراً اكثر من الأيام العادية . العوائل البغدادية او الافراد تحضر لتأخذ السمك الجري من المطاعم الذين لديهم عمالا يقومون بتلبية طلبات الزبائن، سواء داخل المطعم او البيوت او على الأرصفة القريبة للمطاعم،وهناك اماكن في أيام الاعياد كانت تقام فيها أماكن للتسلية مثل المراجيح ودواليب الهوى (وهي حبال تعلق على الأشجار ذات الاغصان القوية او تربط على النخيل ويجلس عليها المشاركون ثم يتم دفعهم ذهابا واياب في الهواء بفرح وركوب بعض الدواب مثل الخيل و الحمير والعربات التي تدفعها او تجرها الحيوانات في رأس الجول قرب سكلات الخشب و فضوة عرب أو بين الخلاني والمربعه ويذهب القسم الاخر الى البارك السعدون وهي حدائق كبيرة يجتمع فيها الناس من اكثر محلات المناطق القريبة ومع الاسف بعد ان كانت هذه الحديقة غناء بانواع الاشجار والورود المختلفة سابقاً ملجأً ومتنفساً تريح فيها النفوس وغالباً ما كان يحضر فيه الملك فيصل الثاني والعائلة المالكة لمشاركة مع العوائل افراحهم وهي مهملة في الوقت الحاضر وكانت تباع هناك الأكلات السريعة والمشهورة مثل أبيض وبيض العمبة والصمون ،والفلافل والطرشي وبعض المرطبات والشرابت مثل السيفون ابو البوزة والشاي والجكليت والحامض حلو وما إلى غير ذلك...

 

عبد الخالق الفلاح

 

مصدق الحبيب(1883 – 1946)

John Maynard Keynes

كان الفيلسوف وعالم الرياضيات والمنطق البريطاني برتراند رسل قد قال عنه: " ان كينز هو اذكى رجل التقيت به وهو الذي في كل مرة ادخل بنقاش معه يتركني اشعر بانني مازلت جاهلا مغفلا". هو الاقتصادي الذي اصبح ثاني اشهر الاقتصاديين في تاريخ هذا العلم، بعد مؤسس الاقتصاد آدم سمث. ذلك لانه يعتبر مؤسس الاقتصاد الكلي، الجانب الثاني من النظرية الاقتصادية الحديثة. ولانه الرجل الذي ترك اثرا بالغا على السياسة والادب الاقتصاديين اعتبارا من ثلاثينات القرن الماضي والى اليوم بفضل ما سمي باسمه، النظرية الكينزية في الادب الاقتصادي، ومايتبعها تطبيقيا في عالم الاقتصاد والسياسة، السياسة الكينزية.

ولد كينز في كمبرج البريطانية عام 1883 لعائلة موسرة تنتمي للقسم الاعلى من الطبقات الوسطى في المجتمع الانكليزي ومعروفة بميلها للعلم والمعرفة وخدمة المجتمع. وكان والده جان نيفل كينز اقتصاديا معروفا واستاذا في كمبرج، والذي اصبح بعدذاك عميدا لكلية الملك في جامعة كمبرج. وكانت والدته من أوائل النساء الانگليزيات اللائي دخلن جامعة كمبرج وتخرجن فيها وعملن في مؤسسات المجتمع، وهي التي اصبحت ناشطة ومصلحة اجتماعية معروفة. ولهذا فقد نشأ جان في هذا البيت الذي عُرف بحب ورعاية الوالدين للاطفال الثلاثة، هو واخته واخيه وقربهم لبعضهم وتمتعهم بدعم والديهما حتى بعد بلوغهم واستقلالهم عن بيت العائلة.

وفي المدرسة كان جان تلميذا مهذبا مجتهدا اظهر نبوغا في مادة الرياضيات فدخل جامعة كمبرج عام 1902 لدراسة الرياضيات والفلسفة وتخرج عام 1905 وخصص سنته الرابعة لدراسة الاقتصاد عند مارشال وپيگو اللذان زرعا فيه اهتمامه بهذا العلم وحفزاه على الاستمرار بدراسته. ولولعه في اقتصاد النقود حصل بعد تخرجه على وظيفة حكومية في دائرة شؤون الهند التي جمع من خلالها الكثير من الاحصاءات حيث كانت في نيته ان تكون مادة لكتابه الاول. امضى سنتين في هذه الوظيفة وعاد بعدها عام 1908 الى كمبرج كمحاضر بدعم من مارشال واستمر في نفس الوقت بالدراسة فحصل على الماستر عام 1909 وانتخب سكرتيرا لتحرير المجلة الاقتصادية The Economic Journal عام 1911. ثم عاد الى وظيفته وتمكن من نشر كتابه الاول بعنوان " العملة والشؤون المالية في الهند" عام 1913 فحصل على ترقيته كمستشار لدى اللجنة الملكية لشؤون الهند.

2426 جان مينرد كينزعندما اندلعت الحرب العالمية الاولى عام 1914 رفض الانخراط في الجيش وسجل اسمه عند سلطات التجنيد ضمن اولئك الذين لهم الحق القانوني ان يرفضوا الاشتراك في الحروب بموجب ما تمليه عليهم ضمائرهم Conscientious objectors. وقد قُبل طلبه فنسب للعمل في دائرة الخزانة البريطانية التي بقي يعمل فيها لحين انتخابه ممثلها الاول في مؤتمر فرساي الذي عقد في باريس عام 1919 لتسوية شؤون الحرب وشروط السلام. وهكذا فقد كان كينز عضوا رئيسيا للوفد البريطاني برئاسة رئيس الوزراء ديفد لويد جورج. وخلال المفاوضات صرح كينز باعتراضه على نص معاهدة فرساي التي كان قد اعتبر شروطها ضد ألمانيا مهينة وعقوباتها قاسية واعتبر تعويضات الحرب باهضة وتزيد على طاقة ألمانيا على تحملها مما سيحطم اقتصادها ويدفعها الى حافة الافلاس واليأس ، الامر الذي قد يدفع بعض ساستها الى التطرف مما سيضر بأوربا عموما. ولم يلق تصريح كينز اي اهتمام من قبل رؤوساء الوفود الرئيسيين بريطانيا وفرنسا وايطاليا وأمريكا واليابان، مما دفع كينز الى الاستقالة من وظيفته الحكومية في الخزانة والعودة الى كمبرج. ولم يكتف بمجرد معارضته الشفوية لشروط معاهدة فرساي وتفاصيلها بل دون ملاحظاته ونشرها في كتاب عام 1919 بعنوان "الآثار الاقتصادية للسلام". ومن نافلة القول ان تنبؤات كينز قد تحققت حيث أدت الضغوط المجحفة على ألمانيا الى زيادة النقمة وتنامي الرغبة في الانتقام مما ساعد على تصعيد التطرف السياسي وصعود النازية واندلاع الحرب العالمية الثانية.

کانت عودته الى كمبرج متمتعا بمنحة من استاذه آرثر پيگو ومساعدة والده لدراسة نظرية الاحتمال والتي تمحضت عن اصدار كتابه "بحث في نظرية الاحتمالات" عام 1921. في هذه الفترة شهد كينز شخصيا تحولا عاطفيا كبيرا وهو في نهاية الثلاثينات من عمره . تلخص هذا التحول ببدء الميل في قلبه الى الاناث من زميلاته اذ انه كان منذ مرحلة الاعدادية يميل للذكور فقط وفعلا ارتبط بعدة علاقات مثلية خلال تلك العشرين سنة الماضية من حياته. وكان قد وثق تلك العلاقات والمشاعر في مذكراته الشخصية التي بدأ بكتابتها مبكرا. في عام 1921 كتب يقول انه وجد نفسه قد وقع تماما في حب زميلته في جماعة بلومسبري Bloomsbury Group ليديا لوبوكوفا، الفتاة الجميلة روسية الاصل التي اصبحت راقصة باليه شهيرة. وفعلا فقد تم زواجه منها عام 1925 لكنه لم يتخل عن ميله الى الذكور فكان قد صرح بأنه ثنائي الرغبة الجنسية Bisexual. كان زواجه من ليديا ناجحا جلب اليه الاستقرار العاطفي والنشاط الفكري. في عام 1923 نشر كتابه "سبيل للاصلاح النقدي" ، وفي عام 1926 نشر كتاب "نهاية فلسفة دعه يعمل دعه يمر" الذي بانت فيه جليةً ملامح تحوله الفكري هذه المرة وانقلابه على كل ماتعلمه من نظرية اقتصادية نيوكلاسيكية حتى ذلك الوقت. وحين حلت أزمة الكساد العظيم عام 1929 فانها وفرت لكينز الدليل المنطقي المفحم لما كان يؤمن به من ضرورة الاقلاع عن الطروحات النيوكلاسيكية القديمة التي تعتمد على كفاءة اقتصاد السوق التلقائية لحل الازمات الاقتصادية. وهكذا فقد واصل هذا الاتجاه الجديد في كتابه "بحث في النقود" عام 1930 الذي اعتبره النقاد بأنه فتح بابا جديدا للتحليل الاقتصادي حيث نقل فيه كينز الاقتصاد من علم ساكن staticالى متحرك  dynamic بجعله الدخل والانفاق تيارات جارية بدلا من كونها كميات تعكس لحظة من الزمن. في هذا الكتاب الذي جاء بجزئين، ركز كينز على علاقة الاموال التي تدخر وتلك التي تستثمر فعلا. وانه ليس من الصالح العام ان يلجأ الافراد والمؤسسات الى الادخار في اوقات الشدة لان الادخار سيجلب المشاكل الاكثر تعقيدا. وكان تحليله ينصب على انه لو زادت المدخرات على الاستثمارات ارتفعت معدلات البطالة ذلك ان المنتجين سوف لا يجدون المبرر القوي لاعادة وتوسيع وتطوير الانتاج لكي يتمكنوا من الحفاظ على هامش الكلفة التي تضمن لهم ارباحا مقبولة، وبالتالي فلن تكون هناك حاجة لزيادة الاستخدام أو حتى الحفاظ على مستوياته الجارية.

وفي عز سنوات الكساد عام 1933 كتب عن "وسائل الرخاء" وهي الدراسة التي بانت فيها بوادر استخدام عامل المضاعف الذي سيكون اداة حاسمة في دراساته المقبلة. وكان قد انتقد الحكومة البريطانية على اتخاذها اجراءات التقشف وحاول ان يطمئن المسؤولين عن السياسة الاقتصادية بأن الاقتراض شئ طبيعي وعجز الميزانية ليس بالامر المرعب. كان مهتما جدا بمعالجة الاقتصاد البريطاني بالدرجة الاولى والامريكي بالدرجة الثانية لادراكه بانهما من يستطيع قيادة السفينة الاقتصادية نحو بر الامان. ولذا فقد اخذه حماسه ان يكتب بشكل شخصي للرئيس الامريكي روزفلت و يطلب مقابلته. وفعلا تحققت له مقابلة الرئيس الذي اقتنع بآرائه واهتدى بها عند اقراره برنامج العقد الجديد The New Deal عام 1933

في عام 1936 اصدر كينز دراسته التاريخية بعنوان "النظرية العامة للاستخدام والفائدة والنقود" والتي شملت فلسفته الاقتصادية الثورية الجديدة التي غيرت مجرى فهم نظرية وتطبيق الاقتصاد الكلي التي كانت سائدة قبل ذلك التاريخ، مما حدى باغلب مؤرخي الفكر الاقتصادي ان يعتبروا كينز المؤسس لنظرية الاقتصاد الكلي الحديث والسياسة الاقتصادية الجديدة. في هذه النظرية تحدى كينز موضوعة الاقتصاد النيوكلاسيكي المركزية السائدة آنذاك والقاضية بأن ميكانيكية اقتصاد السوق الحر وتلقائيته هي التي ستؤول في المدى القريب والمتوسط الى التوازن الاقتصادي العام وبلوغ حالة الاستخدام الكامل. واذ رفض كينز هذا المنطق لأول مرة فانه راهن على ان الطلب الاجمالي الذي يساوي كل الانفاقات مجتمعة هو الذي يقرر مستوى النشاط الاقتصادي العام. فاذا كان هذا الطلب الاجمالي غير كاف فان قصوره سيؤدي الى البطالة التي سيطول مداها دون أي أمل وليس بمستطاع السوق لوحده ان ينهيها او يقللها تلقائيا. ولذا فانه اقترح على مسؤولي السياسة الاقتصادية معالجة الازمات بأداتين فعالتين هما السياسة المالية والسياسة النقدية الكفيلتين باخراج الاقتصاد من أزمته. وقد استطاع كينز بذكاءه وقوة اقناعه وفراسته الاكاديمية الموثقة في دراساته ان يقنع الحكومتين البريطانية والامريكية بالبدء في اخذ زمام المبادرة باطلاق الانفاقات الكبيرة على المشاريع العامة التي ستمتص الركود عن طريق الاستثمار في الموارد الطبيعية والبشرية المجمدة طاقاتها بسبب الانهيار الاقتصادي. وقد سرى تطبيق هذا المنهج الكينزي الجديد في دول اخرى في اوربا وانتقل الى بقية بلدان العالم واصبح السياسة الاقتصادية النافذة للسيطرة على تقلبات الدورة الاقتصادية خلال الاربعين سنة بين 1936 و1976، حيث لم يعد تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي امرا مرفوضا بعدذاك، بل اصبح الامر الضروري الوحيد للخروج من الازمات الاقتصادية الكبرى. أما الاستقراض وعجز الميزانية فقد ازدادت وتيرته دوليا خاصة بعد الحرب العالمية الثانية ولاشك فان كينز شخصيا قد لعب الدور الاول في التفاوض مع الولايات المتحدة من أجل تأمين اكبر القروض واحسن الشروط لصالح بريطانيا من اجل بناء وتعمير ما خربته الحرب. وهو الذي حول اهتمامه الى موضوع دفع تكاليف الحرب فنشر كتابه المعنون "كيف ندفع تكاليف الحرب" عام 1940 الذي اشار فيه الى ضرورة تجنب تخفيض الانفاق وزيادة التضخم بل دفع التكاليف عن طريق زيادة الضرائب والادخار الاجباري واستقراض الحكومة من الافراد .

في عام 1942 نال تكريما رسميا بحصوله على لقب بارون ومقعد في مجلس اللوردات البريطاني، وفي عام 1944 كان على رأس وفد بلاده في مؤتمر برتن وودز Bretton Woods الذي تمخض عن تأسيس منظمتي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللتان كان كينز صاحب الفكرة الاولى للحاجة اليهما من اجل تنظيم الشؤون المالية الدولية خاصة للبلدان التي تضررت كثيرا بالحرب ومن اجل تأسيس سعر صرف ثابت للعملات الدولية.

قبل كتابة نظريته العامة ونشرها عام 1936، كان كينز قد اتخذ موقفا معارضا صريحا لرجوع بريطانيا الى قاعدة الذهب وكان مستاءً من حالة البطالة المتفشية خاصة بين عمال المناجم والموانئ والنسيج، لكنه كان ايضا متفائلا حول برنامج حزب العمل لايجاد مخرج ما من الازمة خاصة لانقاذ العاطلين عن العمل وتفعيل برنامج المساعدات الاجتماعية. وخلال كل ذلك لم يعتمد، كما اعتمد اغلب زملائه الاقتصاديين، على الحل السحري لتوازن السوق، وهو الذي لايحبذ الانتظار الى المدى البعيد غير الاكيد وقد قال مقولته الشهيرة " في الامد الطويل سيكون جميعنا في القبور". كما انه لم يكن يؤمن بالحل التساومي المطروح آنذاك الذي يتأمل اصحاب العمل ان يوافقوا على تخفيض اجور العمال ويتوقع قبول تلك الاجور المنخفضة من قبل عدد كبير من العمال المرغمين، وهذا من المفروض ان يقلل من حجم البطالة او على الاقل يحد من تفاقمها. أصر كينز بأن الدولة يجب ان تكون المسؤولة وهي التي تستطيع ان تمتص البطالة، ليس باجور منخفضة، انما باجور اعلى تحفز العمال على العمل الاكثر والاحسن. وبذلك شجع الحكومة على الانفاق الاكبر وتحمل عجز الميزانية الذي سوف لن يدوم الى الابد خاصة اذا كان الانفاق بهدف الاستثمار في القطاعات الكبرى التي تتطلب كثافة عمل كبيرة وتؤول الى تشغيل واسع النطاق، جنبا الى جنب مع سياسة نقدية مناسبة لتخفيض سعر الفائدة والسيطرة على التضخم.

بهذا المنطق استطاع كينز ان يحرز قبول الدولة التي لم تر امامها حلولا افضل او وقتا اطول، وقد انخرط في هذا النهج عدد آخر من الدول التي كانت متعطشة لزيادة الانفاق لكنها متوجسة من شبح عجز الميزانية وعواقبه السياسية. كان كينز قد وضع التبرير الاقتصادي واعطى الضوء الاخطر للجهة الوحيدة القادرة على التحكم بحجم الانفاق ونوعيته والتعامل مع نتائجه الاقتصادية والسياسية، ألا وهي جهة الحكومات المركزية. وتدريجيا انظم الى هذا المنطق اقتصاديون آخرون وبدأوا يتوسعون بشرح الاسباب والنتائج. وهكذا انفجرت شعبية كينز عند السياسيين وحكوماتهم وعند الاقتصاديين ايضا فهيمنت النظرية الكينزية على مناهج تدريس الاقتصاد والاهتمام بشكل خاص بالاقتصاد الكلي في مختلف دول العالم واستمر ذلك لاكثر من اربعة عقود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

تكمن اهمية النظرية الكينزية بانها معالجة اقتصادية- سياسية لأزمات الدورة الاقتصادية المتكررة ومشاكل الكساد والبطالة والتضخم الناتجة عنها. وكانت قد دعت الحاجة الملحّة لهذه النظرية بعد ان تحطم الاقتصاد الغربي بالذات والعالمي عموما ابان انهيار السوق المالية وانقباض النشاط الاقتصادي عام 1929 واستمر لعدة سنوات بعد ذلك. وتوصف هذه النظرية اقتصاديا بانها معالجة "طلبية" أي انها تلتزم جانب الطلب في في السوق الاقتصادية وتستهدف تثوير الطلب الاجمالي عن طريق الانفاق الحكومي الواسع على المشاريع العامة الكبرى التي تستوجب حجما كبيرا من استخدام الموارد الاقتصادية المتوفرة وتمتص البطالة القائمة وتحرك عجلة الانتاج وما يتبع ذلك من انعاش للنشاط الاقتصادي العام مع كبح جماح معدلات التضخم والضرائب. هذه العملية ستعمل تدريجيا وفي الامد القصير والمتوسط على انتشال الاقتصاد من طوري الدورة الاقتصادية، الركود والكساد ودفعهما باتجاه طوري الشفاء والازدهار. يستلزم ذلك سن وتنفيذ سياسات مالية ونقدية مناسبة ومسؤولة وعادلة تساعد هذه العملية على اعطاء افضل نتائجها.

ان الظهير النظري لفكرة كينز الاساسية يتلخص بأن الطلب الاجمالي Aggregate Demand هو القوة المحركة لماكنة الاقتصاد والذي يساوي حسابيا مجموع الانفاق في الحقول الثلاثة، المستهلك والشركات والحكومة، اضافة الى الصافي من التجارة الخارجية (الصادرات ناقص الواردات). وان ديناميكية هذه الماكنة الاقتصادية تقوم على ثلاثة ركائز هي:

- ان الطلب الاجمالي يتأثر مباشرة بالتغييرات التي تطرأ على مكوناته والتي بحكم طبيعتها التكاملية قد تشترك فيما بينها بصفة تعويضية . فمثلا اذا انخفض انفاق المستهلك لسبب ما ستسري العدوى الى انفاق الشركات واستثماراتها وينتج عن ذلك تخفيض الانتاج والدخول والاستهلاك ويتفاقم التأثير بحلقة مفرغة. ولذا فان الحكومة تستطيع في هذه الحالة ان تزيد من انفاقها كعنصر مكمّل من اجل كبح التسارع الى النكوص وانقاذ الموقف.

- ان الاسعار، وخاصة اسعار العمل (الاجور) تتجاوب ببطء لتغيرات العرض والطلب. وقد ينتج عن ذلك أما فائضا او عجزا في كمية العمل المتوفرة.

- ان تغيرات الطلب الاجمالي بنوعيها المتوقع وغير المتوقع لها تأثير بالغ وقصير المدى على حجم الانتاج والاستخدام وليس على الاسعار. وهذا مايدعم فكرة زيادة الانفاق في حقل الحكومة التي ستزيد الانتاج والاستخدام وقد لاتدفع معدلات التضخم الى الصعود.

بسبب ترسخ فكر الاقتصاد الكلاسيكي والنيوكلاسيكي قرابة قرنين قبل كينز، لم يكن سهلا على الاطلاق تقبل ما طرحه كينز بشجاعة وثبات، فكانت افكاره قد جوبهت، خاصة في الحقل الاكاديمي ، باستغراب واستهجان ومعارضة وتسفيه، الا ان ثمرة تطبيقها بعد ازمة الكساد وبعد الحرب العالمية الثانية شذبت الافكار وارخت التعصب فاصبحت تدريجيا هي السياسة الاقتصادية قيد التنفيذ والواعدة بالنجاح، فتغير تبعا لذلك النجاح اتجاه الكثير من الاقتصاديين. ولذا فخلال الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي انبرى لفيف من ألمع الاقتصاديين لشرح وتوسيع الفكرة الكينزية وصياغتها رياضيا وتطعيمها مع طروحات الاقتصاد النيوكلاسيكي القائمة، خاصة بعد ظهور الاقتصاد القياسي والرياضي، مما انتج مزيجا فكريا رصينا سمي بـالنيوكينزية الذي اصبح التيار المهيمن على مناهج تدريس الاقتصاد، فتصاعدت اهميته في تحليل مشكلات الاقتصاد الكلي واستمرت كمنهج رسمي الى يومنا هذا. من اولئك الاقتصاديين الذين نهضوا بهذه المهمة نذكر هكس وسامولسن ومودليالني وتوبن وسولو وبلايندر وشلتز و أوكون.

لكن فترة الفكر الكينزي الذهبية لم تستمر الى الابد. فكغيرها من موجات الفكر والنظريات، تعرضت الافكار الكينزية للانتقادات وبدأ بريقها يخبو منذ سبعينيات القرن الماضي، خاصة بعد ظهور المدرسة النقدية وبروز اقتصاديين معارضين جدد كهايك وفريدمن وقسم من اقتصاديي المدرسة النمساوية ومدرسة شيكاغو وجماعة الليبرالية الجديدة الذين يعارضون بحماس وتعصب أي تدخل للدولة مهما كان سببه ومهما كانت نتائجه. في عام 1968 نشر ملتن فريدمن مقالا نسف فيه وعد الكينزية بامتصاص البطالة وكبح التضخم نتيجة لزيادة الانفاق وقال ان البطالة والتضخم قد يرتفعا معا! كما هاجم الاساس النظري لمنحنى فيليبس القائم على العلاقة العكسية بين البطالة والتضخم وقال ان لا اساس له في الواقع العملي. ومما اعطى فريدمن مصداقية كبيرة آنذاك هو بروز ظاهرة الركود التضخمي Stagflation وكذلك نشوب أزمة النفط عام 1973. اضف الى ذلك نشاط فريدمن الشعبي في التحدث ضد الكينزية عبر وسائل الاعلام، في عموده الصحفي وحديثه الاذاعي وبرامج التلفزيون المحتفية به. وقد انظم الى هذا الاتجاه المعاكس اقتصاديون كبار منهم روبرت لوكاس الذي صرح يوما بأن الكينزية الآن تعتبر شتماً لمن يوصف بها من الاقتصاديين. وكانت تلك الموجة المعارضة فعالة عمليا بحكم قربها من حكومات المحافظين في بريطانيا وامريكا. ففي عام 1979 تخلت حكومة مارگريت ثاچر في لندن، رسميا ومنذ تنصيبها، عن المنهج الكينزي في سياساتها الاقتصادية بسبب تبنيها لفكر الليبرالية الجديدة وقربها من جماعة مونت پلرن Mont Pelrinوبالذات فريدريك هايك كما سبق ذكره. وفي أمريكا نهجت حكومة رونالد ريگن نفس المنهج حتى انها رفضت رفع الضرائب لتمويل حرب فيتنام، خلافا للتوصيات الكينزية كما اسلفنا.

لكن الحاجة للكينزية لم تنته مهما ازدادت التنظيرات والتفسيرات طالما مازلنا نعيش في أسر الدورات الاقتصادية والمصير الذي ينتظرنا منها. في عام 1984 رفض البنك الاحتياطي الامريكي السياسة النقدية المقترحة من قبل فريدمن وعاد ليستخدم مايراه مناسبا من السياسات الكينزية. كما شعرت الكثير من الحكومات ان بامكانها ان تستخدم خليطا من السياسات التي تراها مناسبة. وهكذا استمر الحال الى ان نشبت ازمة الركود الاقتصادي لعام 2007-2008 التي اعادت الى الاذهان من جديد ان لامفر من تقلبات النشاط الاقتصادي تحت ظل اقتصاد السوق ولا مفر من اللجوء الى الحلول الكينزية لانتشال الاقتصاد من درك الكساد ومايجلبه من مصاعب مالية لاتنجو منها حتى طبقات الموسرين والمرفهين. لكنها تسحق السواد الاعظم من الناس. وهكذا فقد كثرت انتقادات النظرية النقدية البديلة وبدأ عدد من الاقتصاديين يشيرون بانها لاتصلح لحل الازمات الكبرى كما ادعى منظرها الاول فريدمن بأن سياسة نقدية رشيدة قائمة بشكل اساسي على تقنين عرض النقود في الاقتصاد والسيطرة على سعر الفائدة ستكون قادرة على تخفيف حدة الازمات الجديدة حين تضرب السوق المالية كما يحدث عادة ، وستكون خلافا للكينزية لكونها قادرة حتى على حل مشكلة الركود التضخمي التي انتشرت خلال عقد السبعينات في عدة بلدان اوربية صناعية عانت من نمو اقتصادي بطئ زاحف مع جموح تضخمي، ولم تنفع معها كل اجراءات الكينزيين.

وهكذا فخلال أزمة 2007-2008 انبرى لفيف من الاقتصاديين الامريكيين اللامعين لاعادة الحياة الى المنهج الكينزي ومنهم پول كرگمن وجوزيف ستگلتز، الحائزان على جائزة نوبل وروبرت رايش وزير العمل السابق في حكومة كلنتن والاستاذ في جامعة كاليفورنيا-بركلي. وفعلا بدأت حكومة أوباما في أمريكا وحكومة گوردن براون في بريطانيا باتخاذ سياسة الحوافز المالية الكبرى Fiscal Stimulus وصفقات انقاذ الشركات الكبيرة المؤثرة Bailout التي كادت ان تكون على حافة الافلاس والاغلاق. بل ذهب بعض الاقتصاديين الى التصريح بأن هذه السياسات ليست فقط ضرورية بل ينبغي تبنيها على اوسع نطاق ممكن لضمان نجاح نتائجها وحصاد ثمارها ذلك انها تبدو اصغر مما يتناسب مع توصيات كينز الاصلية من اجل انقاذ الاقتصاد العالمي ككل واعادة الثقة في عمل السوق. وسارعت بلدان اخرى لاتباع نفس سياسة الحوافز والانقاذ كالهند التي تضررت كثيرا من هذه الازمة والتي دعا رئيس وزرائها آنذاك الاقتصادي مانموهان سنگ بثقة وقوة الى ان الدولة وحدها هي القادرة على انهاء الازمة.

وطبيعي ان يختلف الاقتصاديون وكذلك السياسيون فيما بينهم، ليس فقط على ضرورة وجدوى الاجراءات الكينزية، انما ايضا على تفاصيل تنفيذ الاجراءات، خاصة حول حجم الحوافز واوليات تطبيقها واي المفاصل في الجسم الاقتصادي اكثر استجابة وفعالية لعملها. فعلى سبيل المثال حول اختلاف الاقتصاديين الكبار فيما بينهم، يشكك روبرت لوكاس الحائز على جائزة نوبل بحصافة الاساس النظري لفكرة الحوافز والانقاذ فيما يذهب روبرت پيرو وگاري بَكَر الحائزان ايضا على جائزتي نوبل الى ان النتائج التطبيقية لاتوثق فعالية وفائدة هذه السياسات مثلما يروج لها مريديها. ومن بين السياسيين تصرح أنجلا مركل المستشارة الالمانية بتوجسها وقلقها حول احتمالات التضخم التي قد تنشأ في الامد المتوسط جراء هذه السياسات مما يخلق مشاكل اضافية، ويشاطرها في هذا القلق البنك المركزي الاوربي. ولیس اکثر برهانا من حاجتنا الى الكينزية مايجري اليوم حيث تضطلع الحكومات في انحاء العالم بتنفيذ اكبر برامج الحوافز والانقاذ من اجل العودة للحياة الطبيعية التي سرقتها جائحة كورونا التي لم تبق ركنا من هذا العالم الا وعاثت فيه خرابا. ولا اعتقد ان احدا سيراهن بعد الان على مقدرة العودة الى النشاط الاقتصادي الذي اعتدنا عليه قبل عام 2019 من دون تدخل الحكومات وقيادتها في حل المعضلة الصحية الاقتصادية وهي اكبر معضلة واجهتها البشرية لحد الآن.

كان كينز يتمتع بحياة هادئة مليئة بالعمل والمتعة. كان يؤمن بأن ساعات العمل المثمر ينبغي ان تكون اقصر من ساعات الفراغ والمتعة التي يوفرها العمل، وانه يعتبر جمع المال لذاته مرض خطير حيث ان ليس للمال اي حاجة سوى لتوفير المتعة. كان رجلا ودودا وله علاقات طيبة مع الجميع. كما ان علاقاته باصدقائه امتدت لسنين منذ ان زاملهم ايام الكلية في جمعياتهم الخاصة وانديتهم ومنهم المرأة التي تزوجها والمشاهير الذين كان يلتقي بهم غالبا كالروائية فرجينيا وولف والشاعر تي أس إليوت والفيلسوف برتراند رسل والناقد كلايف بيل والفنان دنكن گرانت، وجميعهم كانوا زملاء في جمعية بلومسبري في كمبرج. كان مهتما بالفنون وخاصة المسرح والموسيقى وقد قدم الدعم الكبير للمؤسسات الفنية كالمسرح البريطاني والاوبرا الملكية والباليه. وكان عضوا مؤسسا لمجلس الفنون البريطاني واصبح رئيسا له في آخر سنة من حياته.

في السنة التالية لنشر النظرية العامة ، اي عام 1937 تعرض كينز وهو في الرابعة والخمسين الى نوبة قلبية عزلته عن نشاطه المعتاد لمدة سنتين. ثم تعرض الى نوبة اخرى اثناء مفاوضاته حول القرض الامريكي لبريطانيا بعد الحرب عام 1946. كان ذلك في مدينة سفانا في ولاية جورجيا الامريكية. تلت ذلك نوبات اخرى عند عودته الى لندن ومنها النوبة الاخيرة التي توفى على اثرها بعد عودته من امريكا بأسابيع عام 1946 وهو بعمر 62 عاما.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

محمود محمد عليإن الموت "مصيبة" كما جاء في الكتاب الذي لا مرية فيه، ولكنني في الغالب لا أفقد تماسكي عندما ينعى إليّ من لي بهم صلة قربى أو صلة صداقة، لا لبرودة في مشاعري، ولا لتخشب في طبعي، ولكن لأن المؤمن – وحمدا لله على نعمة الإيمان- مهيأ نفسيا لتلقي مثل هذا الأخبار بـ" دواء الصبر" .. فالحياة حقيقة، والموت حقيقة، والبعث حقيقة، والحساب حقيقة، والإيمان العميق يدعم الثقة في كل ذلك، ويقدم العزاء للمصدومين، ويدعم صبر الصابرين، ولكن تبقي مرارة الفراق ألماً ممضاً يعتصر الفؤاد، فما أصعب أن يتحول الواقع إلي ذكري .

نعم لقد قد غيب الموت الأستاذ الدكتور محمد رجائى الطحلاوى الأستاذ المتفرغ بقسم هندسة التعدين والفلزات كلية الهندسة، رئيس جامعة أسيوط الأسبق وأحد مؤسسيها، ومحافظ أسيوط الأسبق، وذلك يوم السبت الماضي الأول من مايو 2021م، وبوفاته العالم الجليل رحلت عنا قامة علمية مرموقة وقيمة إنسانية وفكرية فريدة أثرت فى صعيد مصر وساهمت فى بنائه وكان له مكانة غالية فى نفوس المجتمع الجامعي على اختلاف أجياله،،، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جناته وأن يلهم أسرته وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

رحل الطحلاوي في صمت وهو من هو .. لقد ملئ الأرض علما وبلغت شهرته الآفاق، وتنوعت جهوده العلمية بين الكتابة في تخصصه في التعدين والفلزات وبين كتابته عن الأعلام والشوامخ من مفكري وعلماء وفناني صعيد مصر؛ علاوة علي تبنيه التجربة الصوفية وكتاباته الرائعة عن أبي الحسن الشاذلي والرفاعي وغيرهما من رواد الطرق الصوفية في مصرنا الحبيبة.

كان رجائي الطحلاوي الحارس علي طلب العلم الجاد الأصيل، وتعددت دراساته العلمية والأدبية، واتسعت اسهاماته لتضيف إلي المكتبة العربية والإسلامية منجزاً فكرياً ستظل الأجيال تتوارثه جيلاً بعد جيل، فما أجمل أن يهب الإنسان حياته للعلم، حتي إذا رحل ظلت أعماله ترسخ فهما، أو تصحح خطأ، أو تزيل لبساً .

كان منزل الطحلاوي بجامعة أسيوط مقصداً لكل المثقفين والمريدين وطلاب العلم علي اختلاف توجهاتهم، يلقي الجميع بابتسامة بشوشة، وسرعان ما يقوم علي خدمتهم بنفسه، كان الرجل التسعيني يقوم فيعد لضيوفه الطعام والشراب في حفاوة بالغة تعيد إلي الأذهان سيرة العلماء الأوائل في تواضعهم، كم كان قلبه ناصع البياض لا يعرف الحد والمداراة.

وقد حظى الدكتور الطحلاوي بتاريخ علمى مشرف، ورحلة عمل، وعطاء زاخرة، والتى بدأت بتعيينه معيداً بكلية الهندسة عام 1959، ثم تدرج فى السلم الأكاديمي حتى تعيينه أستاذاً بقسم هندسة التعدين والفلزات، كلية الهندسة عام 1974، كما إنه تقلد عدد من المناصب القيادية الهامة والبارزة داخل وخارج الجامعة والتى بدأت بتعيينه وكيلاً لكلية الهندسة لشئون التعليم والطلاب في الفترة من سبتمبر 1979 إلى اغسطس 1983، ثم عميداً لكلية الهندسة في الفترة من أغسطس 1983 ولمدة سبعة سنوات كاملة، تقلد بعدها منصبه فى الإدارة العليا للجامعة والتى بدأت كنائباً لرئيس الجامعة لمدة عام واحد فقط، ثم تولى سيادته بعدها منصبه كرئيس لجامعة اسيوط طوال الفترة الممتدة من أغسطس 1991 إلى يناير 1996، أعقبه منصب الفقيد كمحافظ أسيوط من يناير 1996 إلى أكتوبر 1999.

لقد كان الراحل الكريم طاقة فكرية وخلقية لا تنضب، وكان ملهما لكل من يتعامل معه، ودافعاً للجميع علي الثقة بالنفس والامكانيات والقدرات الشخصية، وما من أحد اقترب من الدكتور الطحلاوي إلا وقد تأثر بصفاته الخلقية الرفيعة والنادرة، النابعة من رؤيته الصوفية القيمية المعتدلة للحياة، فنجد فيه نشاط وحيوية المؤمن برسالته، وهدوء وصمت المفكر ن ونجد فيه تواضع العالم، وصبر الباحث، والصدق مع النفس ومع الآخرين، ونجد فيه عطاء بغير حدود، فلم يبخل يوما علي تلاميذه ومريديه بنصيحة أو تشجيع أو توجيه لأي باحث أو مريد لجأ إليه.

كان - رحمه الله- واسع الأفق، ثاقب النظر، حاضر الذهن، سريع البديهة، كان بليغاً رقيقا حليما متواضعاً قوالاً بالحق عاملاً به، لا يخاف في الله لومة لائم، كان رقيق القلب لكل ذي قربي، كان معلماً ومرشداً وناصحاً، وكان ذا همه عالية.

كان الدكتور الطحلاوي قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

كما جمع الطحلاوي بين الأفق الفلسفي الواسع، والرؤية العلمية المحددة، والبعد الديني وهنا يتضح عدم تعصبه لمذهب بعينه من المذاهب الفلسفية المعاصرة، فلم يكن وضعياً ولا برجماتياً ولا وجودياً، ولا متمذهبا بأي حال من الأحوال فموضوعتيه غلبت عليه في كل أحكامه، وأراءه وعندما يوجه سهام نقده لأى من هذه المذاهب فهو لا ينكرها أو يريد هدمها أو نقضها، إنما يطالب بإعادة النظر إليها لاشتمالها علي نقائض وعيوب، كما يهتم بصياغة المصطلح صياغة فلسفية، وعلمية دقيقة ويظهر التفرقة الواضحة بين الصياغتين.

أضف إلي ذلك حبه العميق للغة العربية، فقد كان عاشقاً لها، غيوراً عليها، حظياً بها – وقد انعكس ذلك كله علي أسلوبه في كتاباته؛ حيث كان أسلوبه جذلاً، فيه رصانة وطراوة، وإغداق وإثمار، وفيه عذوبة تشد الآذان إليه لسهولته، وإن تكن من نوع السهل الممتنع.

رحم الله الدكتور الطحلاوي، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

سليم الحسنيرجل يمشي على بيّنة من أمره. مسك بيديه الاستقامة والأخلاق والنزاهة، وسار يواجه الحياة في مجالات العمل الرسالي والإداري، فكانت خطواته نجاحات متلاحقة.

يستند الدكتور إحسان الأمين الى تاريخ لامع على مستوى النشأة والأسرة والانتماء والعمل. وقد كان نتاجاً أميناً على هذه المنظومة المشرقة، حافظ على سمعتها وماضيها ومكانتها، بل زاد عليها من استقامته وعطاءاته لمسات اضافية.

في عام ١٩٨٢، قدِم الحاج إحسان الأمين/ أبو كوثر من الكويت الى طهران، وكانت أبرز نشاطات حزب الدعوة في موقعين أساسيين: العمل الجهادي، والعمل الإعلامي. فدخل في الحقل الإعلامي الى جانب مسؤوليات تنظيمية تم تكليفه بها.

كانت مشاكل العمل الإعلامي في تلك الفترة صعبة، فظروف الهجرة وصعوبات الحياة وصخب الساحة السياسية تجتمع مع بعضها لتتحول الى هموم ضاغطة على العاملين وهم في فترة الشباب المتدفق والمشاعر الثورية الحارة.

مع وجود الحاج أبو كوثر تسرّبت نسمات رطبة ندية على أجواء العمل، شعر بها العاملون في كل الأقسام وبمختلف درجاتهم في المسؤولية. وفي غضون أسابيع صار هو الشخص الأكثر (هيمنة) على كل العمل الإعلامي، رغم كونه لم يكن الأكبر سناً. كانت (هيمنة) من طراز خاص، من النوع الذي تجعلك تبحث عنها وتريدها لترتاح في جو العمل، إنها خيمة أمان على نشاط العمل وقوته، وتشعر فيها بأن المشاكل في طريقها الى الحل السريع.

بأخلاقه الرفيعه، وأدبه الجم، وتواضعه الصادق، وحرصه الكبير، نشر الحاج أبو كوثر طيبته على الجميع، وضخ من روحه عناصر القوة والإبداع، فكانت مشاريع حزب الدعوة في المجالات الإعلامية في تصاعد، وصار إعلام الحزب هو الأول في ساحات المهجر.

كنتُ وقتها رئيس تحرير مجلة الجهاد للبحوث للدراسات، وكان هو قد تولى مسؤولية إدارة المجمّع الإعلامي للحزب بكل مكاتبه ونشاطاته، فنشأت بيننا علاقة من العمل والصداقة والانسجام بحيث كنتُ أشعر معه بأن أي عمل يمكن انجازه ما دام الحاج أبو كوثر على قمة المسؤولية الإدارية.

يمتلك الدكتور إحسان عبد الأمير الأمين/ أبو كوثر اسلوباً خاصاً، فهو لا يمارس إدارته على الطريقة التقليدية في ضبط شؤون العمل ووتيرته، إنما يقبله أولاً بعقله، ثم يصهره بروحه، وبعد ذلك يحوّله الى حركة، وهذا ما كان يجعل المسؤوليات التي يتصدى لها تنجح وتتطور بسرعة ملحوظة.

تعرّض إعلام الحزب الى فترة من التراجع، بعد أن وقع الاختيار عليه ليدير مؤسسة دار التوحيد، فقد كانت تعاني من تراجع في ادائها، وهي مؤسسة واسعة ضخمة لها نشاطاتها الإسلامية على مساحة واسعة من خارطة العالم.

في فترة التراجع التي شهدها إعلام الحزب، تم عقد اجتماع لمناقشة هذا الخلل، وحضره من أعضاء القيادة المرحوم الأستاذ صالح الأديب والمرحوم الأستاذ عبود مزهر الراضي والأستاذ علي الأديب. وحين جاء دوري في الكلام، طرحت تقييمي بأن مشكلة التراجع في الإعلام سببها غياب الحاج أبو كوثر، وانتقاله الى مؤسسة دار التوحيد، وأن الحل لن يكون بتخصيص جزء من وقته للعمل الإعلامي الحزبي، لأن الجزء الآخر سيبقى غائباً وهو حضوره الميداني بروحه وأخلاقه وقدرته الفذة على استيعاب المشاكل.

وأتذكر أن المرحوم صالح الأديب وهو أحد مؤسسي حزب الدعوة، قال: صحيح ان دار التوحيد ليست من نشاطات حزب الدعوة، لكنها مؤسسة إسلامية رائدة في مجالها، وتقدم خدمات فكرية ضخمة في دول كثيرة، وليس من منهج حزب الدعوة أن تُحرم من كفاءة الحاج أبو كوثر، ليستفيد الحزب منه.

والى جانب ذلك كان أعضاء هيئة دار التوحيد يتمسكون به بأيديهم وأسنانهم بعد أن وجدوا النجاح الذي حققه، وكان المرحوم الوجيه الكبير كاظم عبد الحسين يبذل جهوده مع العلامة الكبير المرحوم الشيخ محمد مهدي الآصفي لكي يبقى الحاج أبو كوثر مديراً لدار التوحيد. وكان رحمه الله يقول: (لو كان لدى الشيعة عشرة أشخاص مثل الحاج أبو كوثر لكانت منجزات الشيعة التبليغية مشهودة في بلدان كثيرة).

بعد ما يقرب من عام أي في حدود سنة ١٩٨٤ تم تكليفي رئيساً لتحرير جريدة الجهاد الناطقة بلسان الحزب، خلفاً لرئيس تحريرها الصديق الأستاذ (حسن السعيد/ أبو أحمد)، وقد تناوبنا على ذلك عدة مرات. وقد تولى الحاج أبو كوثر مسؤولية الاشراف، مع بقائه مديراً لمؤسسة دار التوحيد التي تغير اسمها الى مؤسسة البلاغ.

بعد عام ١٩٩٠ وحتى خروجي من إيران، كنت قد انهيت علاقتي مع جريدة الجهاد ومع العمل الحزبي، وأنصرفت لأعمالي الإعلامية والكتابية المستقلة، وفي تلك الفترة صرت أقرب الى الحاج أبو كوثر، لقد ربطتنا الأفكار والتوجهات والمشاريع الثقافية المختلفة، وكان لقاؤنا يجري أكثر من مرة في الأسبوع في مؤسسة البلاغ، حيث أشعر وأنا ادخل المبنى بنسمات طيبة ندية تغطي المكان وترتسم على وجوه العاملين مثابرة وجهداً وتفاعلاً.

لم يتغير الدكتور احسان الأمين بعد سقوط النظام، فهو ليس مثل الآخرين، إنه المتشبع بالأصالة واستقامة الشخصية وشموخ القامة، تولى رئاسة دار الحكمة في بغداد وهو منصب أقل بكثير من كفاءته ونزاهته ولياقاته، لكنه العراق الذي تسوده أجواء لافحة تكره النسمة، وتسيطر عليها حسابات خاصة تمقت النزاهة والإخلاص.

أخي العزيز الدكتور أبو كوثر، تحية اليك خالصة وأرجو أن تكون في خير وعافية. كبير أنت والقلب منك قريب.

 

سليم الحسني

 

عبد الخالق الفلاحلقد ذكرت في بداية الشروع بالكتابة حول موضوع تاريخ باب الشيخ ان اي موضوع يكمن في اهمية البحث في الاحداث التي يراد الحديث عنها وظواهر تطور الحدث واحترام الاسس اثناء الكتابة وبلا شك لايمكن تجاوزها من كون هذه المنطقة بغدادية بامتياز وهناك الكثير من الاحداث التي كانت تحدث بعيداً عن ارادة المحبة التي كانت تسود المنطقة وخاصة عندما تكون أطراف الطيف المتنوع تعبر عن الهوية الحقيقية الكاملة التي تجري فهمها من خلال تجلي الافكار وعدم تجاوز الجوهر لانها كانت مركزاً دينياً واجتماعياً وسياسياً وسطاً مهم في بغداد لاهمية احترام الدين وربطهم ببساطة العيش المشترك والتنوع الديني والمذهبي والقومي وبقيت تحافظ على سماتها وتتكاتف في المواقف في أوقات تتطلب حفظ العلاقة وقوة الترابط للصلات الشخصية بحب الجوار والصداقة والمصاهرة والتآزر الاجتماعي والتسامح وصهرهم بمعالم تميز الشخصية بصدق المعاملة فيما بين ومعالحة الازمات الطارئة عبر التاريخ والجغرافية ووضع الحلول لعبورها وتبلور سجل شبابهم بالمحافظة على وجودهم من الضياع والاندثار والاضمحلال وفقد في مراحل معينة الشباب النصب لصالح الاهتمام الفردي والوقوع تحت تأثير الايديولوجيات المختلفة السلبية وفقدت العلاقة بريقها للظروف السياسية والأطماع الشخصية، او من جانب آخر دفعتهم المطالبات المحقة للدفاع عن القيم على ان تكون الحالة الأخلاقية سيدة الموقف اياً كانت الاختلافات والاراء السياسية ودون ان تكون ميزة للتنافس الجسدي السلبي والمحافظة على الحرية في الساحة السياسية المرتبطة بالمسؤولية لكي لاتفسد الذائقة والانحدار الى السقوط والانقضاء على كل من ليس معه واسدو خدمات للفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار وزرع الخوف في نفوس الآخرين .

لقد امتاز العمل السياسي في العراق في أوقات كثيرة بالعنف لاعتماد الخصوم السياسيين التصفيات الجسدية المتقابلة على مدى التاريخ وانعكس على تصرفات الشواذ من المتطفلين على السياسة والعراقيون أكثرهم تجنبوا الاقتراب من السياسة خوفا على حياتهم من موجات العنف، وكان شعارهم دائما "ظل السلطان قصير"ومن هناك لقد مر العراق قبل الانقلاب شباط عام 1963 المشؤوم بفترة صراعات سياسية محتدم بين القوى اليسارية (الديمقراطية) المدافعة عن الجمهورية الفتية وبين قوى يمينية متمثلة بحزب البعث الذين ركبوا قطار بريطانيا وامريكا،.حيث استخدمت أساليب متنوعة من جميع الأطراف ضد بعضهم البعض من عمليات الاغتيال الى الضرب الى الشتم والكتابة على الجدران واتسمت الصراعات فيما بينهم بالشدة وذلك بالاستفادة من بعض العناصر التي كانت تتسم بالشرور والعربدة أو كما كنا نسميهم (الاشقيائية) يعتدون على الناس علنا وعلى رجال الأمن واتحدث لكم عن حادث تم تداوله وسمعته كثيرة من ان عجلة عسكري كان يجلس في مقدمتها رئيس عرفاء بشوارب غليظة كانت مارة بشارع الكيلاني فتم إيقاف العجلة و انزال رئيس العرفاء من العجلة وتم حلق شواربه على اعتباره من الشيوعيين " حيث كان لهم نفوذ كبير جداً في القطاعات العمالية، والفلاحية، والكسبة، والطلبة، وحتى في صفوف الجيش بدءاً من بعض قياداته المتقدمة، وانتهاءً بالمراتب الدنيا، والجنود المكلفين. بل تمددت تنظيماته الحزبية بشكل أفقي في كافة أرجاء البلاد، حتى بين فتيات وفتيان العوائل المحافظة في المدن الدينية أيضاً، كالنجف، وكربلاء، والكاظمية، والاعظمية." وكذلك الجامعات على الطلاب الوطنيين وهناك عمليات اغتيالات مثل حادثة مقتل ابو الهوب قبل الانقلاب او ابن بهية السودة بعد الانقلاب الذي دارت رحى معركة تبادل اطلاق رصاص على دارهم ارعبت سكان العزة وشارع الشيخ عمر. وهم يردون على افراد الحرس القومي بكل جرأة واقدام . الا ان القوة المحاصرة عززت بدبابة وانذرت أنها ستقتحم البيت . فطلبت من شقيقها الاستسلام أملا بأنقاذ الموقف ثم اقتادته القوة المهاجمة جبار بن بهية السوده الى مركز شرطة الفضل الذي كان مقراً للتعذيب والقتل والاعتقال وحقق معه المجرم ناظم كزار ومن ثم تم قتله وكذلك تم تكديس السلاح عن طريق العشائر الحدودية مثل عشيرة شمرعن طريق الشيخ عجيل الياور من سوريا او بواسطه شيوخ عشائر العزة منهم المحامي فيصل حبيب الخيزران ،لضرب الثورة وبالمقابل ينقل احد الاخوة من الكتاب أنه كان احدهم ماشياً في شارع الكفاح وسط بغداد و تفاجأ بهجوم مباغت من لص ليخطف ساعته من معصمه...مما جعلت سرعة بديهته يصرخ: اكمشوه عفلقي ! فتراكض الناس على السارق وحاصروه فوقف النشّال مصعوقا و رافعا يديه وماسكا الساعة المسروقة في يده وهو يتوسل بالجمهور ويقول، والله اني مو عفلقي... دخيلكم ... آني نشّال".او الاحداث التي جرت في الموصل من قتل وسحل بعد فشل مؤامرة الشواف . لقد اتسمت قيادة حزب البعث التي نفذت انقلاب شباط 1963 بالشبابية الطائشة وما أعقبتها حملة تصفيات واعتقالات وتعذيب دموية في الشوارع وأمام الأعين لترهيب الجماهير الغاضبة و شملت المئات من أبناء المنطقة التي كانت من سماتها التعاطف مع البعض وكان أغلبهم من الطبقات الفقيرة الذين اعتبرهم التحالف القومي البعثي آنذاك عدوا سياسيا مريرا لتطلعات ما وصفوها بالأمة العربية،الى الحد الذي وصفها ميشيل عفلق (المؤسس) تصرفاتهم بالقول “بعد 8 شباط، بدأت أشعر بالقلق من فرديتهم، وطريقتهم الطائشة في تصريف الامور، واكتشفت أنهم ليسوا من عيار قيادة بلد وشعب”. وكان الحرس القومي الذي أراد الحزب أن يكون قوة تأثير وضبط عقائدي لانقلابهم الاسود ولكن صار هو الجزء الأساسي في سلوك الطيش والاعتداء وتأجيج والفوضى.

لقد انتقم البعثيون أشد انتقام من شعبنا الذي أبغضهم ورفضهم في اللحظات الأولى انقلابهم الدموي في 1963 بعد سيطرتهم على زمام الامور و السلطة وقد تمثل انتقامهم بحمامات دم شملت مدن وقرى وقصبات العراق كلها وخاصة منطقة باب الشيخ وتمثلت بالمنطقة المحصورة من محلة عقد الاكراد التي هي جزء من المنطقة والذين أبلوا بلاءاً حسناً في المقاومة ضد الانقلابيون رغم قلة الامكانيات التي لم تتعدى عدد بسيط من البنادق القديمة وظلت المقاومة لمدة ثلاثة أيام وانتهت بعد ان نفد ما لديهم من العتاد .يتبع

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

عبد الخالق الفلاحباب الشيخ المحلة الرائعة بكل مشارب وأجناس وألوان سكانها كانت بيوتها صغيرة المساحة في البناء تضم القلوب النظيفة القانعة بما اقسم الله  لها من رزق وحياة وصفاء الذهن ومتعايشة على لقمة الخبز المشتركة حتى بعض بيوت الشخصيات واصحاب الدخل الجيد تشاركهم في احياناً كثير معاناتهم، والمحلة كانت زاخرة بالبيوت الصغيرة المساحة  وتحتوي على طابق واحد أو طابقين وتسكن فيها اما عائلة واحد أو عائلتين او اكثر  حسب المساحة وهناك بعض البيوت الكبيرة هي في الاساس كانت اسطبلات للدواب سابقاً تم استغلالت للسكن باعداد كبيرة وذلك لقلة دخولهم اليومية واجورها البسيطة و متلاصقة الغرف جداً بحيث يمكنك سماع ما يتحدث به أهالي الغرفة المجاوراذا تم الحديث بصوت عالي، وينام اكثر افراد المحلة في الصيف على السطوح وينشرون الرقي على الجدران لعدم وجود وسائل التبريد ويجتمعون لأكله بعد التلطف بالبرودة، والتهوية في الازمان الماضية كانت تعتمد على المهفات اليدوية  فتسمع أحاديث الجيران ويسودها فقرعام ماعدا وجود قلة قليلة من المتمكنين في المحلة وهم بيوتات معروفة، فالحياة اليومية لمعظم أهل المحلة لا تتجاوز الإبكار لأداء صلاة الفجر في الحضرة الكيلانية من خلال الاعلام والتمجيد بذكر الله والنبي واله من على المأذن وباصوات مله مامي الكوردي والمله خالد الشيخلي او المله عبد الستار الطيار والاخرين ثم الإفطار والذهاب للعمل في الأسواق القريبة جداً من بيوتهم ويذهبون إليها سيراً على الأقدام على الاكثر، و ما اعظم صلاتهم الاجتماعية القوية البديعة وهم يعيشون في أحضانها الدافئة، بحنان تحرص عليهم من كل شر وسوء وقد أنجبت هذه المنطقة الودودة شخصيات بارزة يشار إليهم بالفخر والاعتزاز والبنان من كبار قادة الجيش والشرطة، وقد تركوا بصمات سيظل يشهد لها التاريخ  بعد أن تبؤوا مراكز كبيرة ومهمة في سلم ووظائف الدولة والحكومة وقيادة الحركات الوطنية مثل المناضل عزيز الحاج حيدر سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وكذلك في مجالات السياسة والأدب والقانون والثقافة والشعر وكافة الفنون الاخرى لعلنا اذا سمحت ظروف العمر والتوفيق الالهي سوف نكتب عنهم وهناك من ظهر و اشتهربالفلك وقراء الكف ولقب " بالنبي "والذي أصبح موضع جدل العلماء ومفكري الإسلام بين أنصاره وخصومه ومثار افتتان للشعوب في كل زمان ومكان مثل المدعوعبد الستار إبراهيم الشيخلي (ولادة محلة باب الشيخ ببغداد سنة 1913، تاريخ ومكان الوفاة غير معلوم) و"علم" الفراسة، بكنيته "أبو باسل"، خدم في السلك العسكري إلى أن تم تسريحه سنة 1946، إلى درجة أن هناك من قال فيه "أنك أشهر من أن يعرّف في سطور لقد مارست علم الكف وقراءة الوجه فكنت خير من مارسها في عصره وأطلق بعضهم عليه "نبي العراق" لنبوغه في مهنته وقد روج الى نفسه بعد استحصاله على دبلوم في"الفراسة والكف" سنة 1959، وذلك بالمراسلة من مدرسة العلوم النفسية والروحية، التابعة لمدارس المراسلات المصرية، ولديه كتابا بعنوان "علم الكف والفراسة الحديث" يقع في حوالي 300 صفحة. صدر أولا سنة 1949… حقا ان هذه المنطقة تميزت بالقدسية والاحترام ومدرسة كبيرة رائعة تعلمت منها اجيال متعاقبة معنى الحب وقيم الحياة، وحب واحترام الجيرة ومد يد المساعدة والتكافل بين الأخ وأخيه والجار لجاره وهذه الممارست قد شاهدنها بعيوننا ولمسنها بايدينا، دون النظر إلى الدين أو القومية أو المذهب أو الطائفة أو اللون.. أو هكذا علمتنا وربتنا هذه المحلة البارة العظيمة التي كانت تضم تحت جناحيها محلات وتوابع، ولكن مع الأسف الشديد إن معظم هذه المحلات قد هدمت وأزيلت معالمها ورحل وهاجر سكان باب الشيخ بعد ان كانت تتكون من، مسجد الحضرة الكيلانية والمدرسة الدينية في الوسط (وضعه الحالي خضع إلى توسعة وتطوير، أضاف الكثير إلى معالمه، فقد قامت الحكومة باستملاك العديد من الدور المحيطة بالحضرة، وأضافت مساحتها إلى مساحة الجامع، فأصبحت المساحة الجديدة خمسة أضعاف المساحة القديمة، وتم هدم الرواق الذي كانت فيه المكتبة القادرية والمطبخ من حدود مرقد الشيخ عبد الجبار إلى المنارة الغربية قرب الباب الغربي، وتم هدم المصلى الصيفي أيضاً، وأضيف إلى بناء الجامع مبنى بطابقين يحتوي على العديد من الغرف ذات المساحة الكبيرة).. وبيوت أعيان المنطقة كالنقيب والكيلاني والكليلدار وامام الدين والجلبي والكيارة وبالقرب منه - قلغ الجندرمة - الشرطة على الجانب الغربي الملاصق لدار الوجيه الحاج احمد الاحمدي مؤسس المدرسة الفيلية والحسينية الفيلية في شارع الكفاح، وعيادة الاطباء توما الرسام وارمان كوركيس الانسانيين وسداد فرج عمارة وهو من العوائل المندائية (الصبة) ودكتور عبد الصاحب الكاظمي ومجيد المضمد وهو كوردي فيلي وزوجته القابلة المؤذونه ام ليلى وهي من اصول مسيحية والحاج احمد المجبرجي الكوردي الفيلي  و المنطقة كانت تزخر بالاسوق وتجارة الجملة والمفرد من عائلة الحاج ابراهيم سبع وجبار مجودي ومحل الطبابة العشبية المشهوربالهندي  والصناعات البسيطة، ومنطقة سكن الطبقات المادون الوسطى في تلك الدورالمتلاصقة، والطبقات المتوسطة وقلة من بيوت الأغنياء في حارات معروفة، وكانت منطقة تعم بالبساتين والنهر والسفر والخان واللوقنطة لسكنى الغرباء قبل دخول الحداثة لها، مراقد ومساجد منتشرة في أنحاء الحي والمحلة تشتهر،"بالبَقْجَّة" الملتصقة بالحضرة الكيلانية المخصصة لدفن أعيان البلد اومقبرة الشيخ الكيلاني والتي تضم رفات الكثير من العلماء الأعلام والشيخ الجليل عبد الكريم المدرس مفتي الديار العراقية الغني بالاخلاق والبساطة والعلم والتواضع ومنهم عدد من الشخصيات السياسية مثل: عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء، ورشيد عالي الكيلاني قائد انقلاب عام 1941 بالاشتراك مع الضباط الاربعة، ورئيس الحزب الوطني الديمقراطي السياسي كامل الجادرجي، وغيرهم من أفراد العوائل المعروفة في العاصمة بغداد،

ويمكن و الشيء بالشيء يذكر ان نعيد الذاكرة ببائع النبق (شجرة السدرة) المذكورة في القرأن ﴿وأثل وشيء من سدر قليل﴾ [سبأ/16 المعلق في اعالي المقبرة الذي كان يمد الخيط و يربط فيه اناء ليستلم المبلغ ثم يرسل النبق الى الرغبين من الذي كانوا يشترون هذه الفاكهة المباركة، وهناك في الجانب الشرقي من المنطقة مقبرة الغزالي  تضم رفات عامة الناس،وقد حرصت عوائل المنطقة بالاهتمام باولادهم بنين وبنات من خلال زجهم في المدارس المختلفة التي اسست في المنطقة المدارس القديمة والحديثة ومنها مدرسة عاتكة خاتون، أو المدرسة الخاتونية، والمدرسة الفيلية التي أسسها جماعة من الأكراد عام 1946،والحديثة مثل مدرسة الرصافة، وباب الشيخ والازجية والاعتماد،و شعبة التي تحولت الى 14 رمضان وابن الزبير التي تم تاسيسها في نفس مكان محطة السكك القديمة شرق بغداد عام  1966، ومن المدارس الاهلية المعروفة باسم الفيلية الاهلية وكانت ولازالت في مكانها في المحلة الواقعة امام شارع الكيلاني بتجاه محلة راس الساقية وهي لازالت شاخصة في محلها رغم معاول الهدم التي شملت اطراف المدرسة وهي ايلة للسقوط في الوقت االحالي  ويستفاد منها للسكن وكانت شعلة السنوات الطويلة التي خدمت العلم والثقافة ومع الاسف مهملة وايلة للسقوط وتقع في جانبها بيت عبد الرحمن النقيب اول رئيس للوزراء في العراق بعد تم تكليفة في عام 1921 وتخرجت من هذه المدارس عشرات الاف من الطلبة وتبوؤ مراتب ومسؤوليات في مؤسسات الدولة لخدمة العراق . ومن المؤسف ان هذه المدارس قد اختفت او تم دمجها مع مدارس اخرى بسبب الظروف السياسية والاقتصادية والحروب العبثية بعد عام 1990 ولم يتم التعويض عنها والمنطقة تفتقر لها في الوقت الحاضر .الملاحظة التي يجب ان تذكر هي ان هناك باب يسمى باب الطلسم و يعرف بباب الحلبة، وهو أحد أبواب بغداد الشرقية،كانت هي احدا الابواب لبغداد القديمة و الذي تم بناؤه في عهد الخليفة العباسي المستظهر (1094-1118) وسمي بباب الحلبة لقربهِ من ميدان السباق الذي كان موضع الحلبة قبل أنشاؤه. وقد جدد الخليفة الناصر لدين الله أقساما منهُ ثم جدد باب الحلبة في عام 221هـ، وأنشأ برجا فوق الباب عرف أخيرا بباب الطلسم وهو نفس الباب الذي دخل منهُ السلطان مراد الرابع عند فتح بغداد في عام 1048هـ/ 1638م، فسمي ببرج الفتح، وبقي المبنى قائما إلى وقت دخول الأنكليز وسقوط بغداد حيث هدمه الجيش العثماني ونسفهُ عند خروجهِ من بغداد عام 1917 وهناك الشيخ عمر السهروردي في الجنوب  الغربي من المنطقة ومقبرته مشهورة وهو قريب من باب الطلسم الذي لازالت هناك أثار باقية منه وكذلك كانت هناك مقبرة لليهود تم هدمها وتعويضهم بمكان اخر حيث كان من المقرر بناء اكبر برج في الشرق الاوسط في محله ووضع الزعيم عبد الكريم قاسم الحجر الأساسي له ولكن لم يتم اكمال بنائه وبقي على ورق او تم الغائه وتم استحداث ساحة تسمى ساحة النهضة ومرأب لنقل الركاب بين المحافظات في المكان .

،ويطلق لقب " الشيخلي "على كل من يرغب من سكنها بهذا اللقب وهناك الكثير من العرب والاكراد والتركمان والهنود و الافغان والباكستانيين الذين سكنوا المنطقة وتلقبو بهذا اللقب أو كانت جذوره تعود لها وهم قلة وهناك أسر بغدادية معروفة  النسب تكنت بهذا اللقب،

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

عبد الخالق الفلاحهناك صلة وثيقة بين مستوى ارتباط الإنسان بمحيطه الاجتماعي، وبين استقامة السلوك ودرجة الفاعلية والإنتاج، لقد فقدت الروح الاجتماعية بوصلتها عند أكثر الناس لصالح الاهتمام الفردي، حيث أصبح كلّ واحدٍ من عندنا مشغولاً بنفسه، وفي بعض الأحيان حتى عن عائلته وأُسرته في الوقت الحالي نتيجة الظروف المتغيرة والسياسات الخاطئة للحكومات المختلفة التي ادارت العراق وفقدت العلاقات الاجتماعية بريقها حيث لم تعد تلك العلاقة كما كانت وباب الشيخ التي يعود تاريخها الى زمن ما قبل العهد السلجوقي (395هـ- 1133م) لم تكن بعيدة عن هذه الظاهرة المؤلمة حيث غادر اهلها الاصلاء وتوزعوا في الشتات برغبة البعض منهم او الاجبار بسبب التغييرات التي استحدثت في اواخر السبعينات وبداية الثمانينات لتوسيع ألمرقد والتي جاء اسمها من وجود الحضرة القادرية من اسمها القديم الذي اشتهرت به تاريخيا بـ(باب الازج) كما ذكرنا وتعتبر نموذجا صادقا للحياة البغدادية بتنوع سكانها وجمال طقوسهم الاجتماعية والدينية ذات النكهة العريقة والتي لاتزال تحافظ على ذلك الارث الثمين الذي هو من سمات محلات بغداد العريقة وبكل أبعادها الحضارية من معمار وممارسات اجتماعية وفنون وطقوس دينية عبر العصور. واشتهرت المنطقة بالحياكة واتت مهنة البناء بكل تفاصيلها المعقدة من المهن. واشتهرت ألمنطقة كذلك بصناعة أليزار قبل شيوع العباءة لدى النساء المسلمات والطوائف الاخرى كالنصارى واليهود بعد كانت النساء يلبسن الفوطة والجرغد والشيلة على رؤوسهن على الاشهر، وكانت تتميز بالوانها الزاهية وتطرز الفاخرة منها بالخيوط المذهبة، واشتهروا كذلك من غير الحياكة وبأتقانهم لقرائة المقام العراقي ومعرفة فنونه هذا الفن العريق ولكن اتقان المقام في باب الشيخ يرجع الى وجود الضريح الشريف في تربة المحلة والذي كانت تقام فيه الاذكار ورفع الاذان وتجويد القرآن والتمجيد والتسبيح والابتهالات ومن أشهر قراء القراَن في المنطقة عبد الستار الطيار والشيخ القلقالي وملا مهدي واحمد دبيس الشيخلي وملا مامي الكوردي وملا خالد الشيخلي والحافظ خليل اسماعيل والحافظ ابراهيم وابراهيم برم واخرون وكل ذلك جعل الكثير من رجال المحلة يتقنون اصول وفروع المقام العراقي بكل صنوفه مثل الرست ونهاوند والحجاز والبيات وسيكا والصبا والعجم والكورد، مقام النهاوند...الخ: ومن اشهر القراء الذين تواجدوا في المنطقة ومن رواد مقهى المكفوفين، مطرب المقام العراقي الشهير يوسف عمر وعباس گمبير الذي كان يعمل حارس ليلي في كراج مصلحة نقل الركاب في الشيخ عمرونجم الشيخلي وحمزة السعداوي وعبد الرحمن خضر وحسن خيوگة وتعدُ منطقة باب الشيخ من المناطق البغدادية التي اهتمت واشتهرت بهذا الفن ووكذلك المربعات البعدادية ومن اشهر قرائها، جاسم الشيخلي والحاج حامد السعدي ورشيد القندرجي ومحمد العاشق وعدنان الشيخلي ونجم الشيخلي وقدوري العيشة واخرون، ومن الفنانين الذي سكنوا المنطقة سلمان شكرا استاذ العود الشهير وياسين الشيخلي عزف الكمان والمطرب جاسم الخياط ووالمطربة مائدة نزهت ومن فناني السينما والمسرخ والتلفزيون وسالم شفي وهاني هاني واسيا كمال وجواد الشكرجي وفاطمة الربيعي واختها زهرة الربيعي وعبد الجبار عباس وراسم الجميلي واخرون ولهذا السبب فقد حظيت المنطقة بأهتمام المؤرخين والباحثين لما لها من اهمية دينية واجتماعية وتاريخية، وانجبت نخبة متميزة من كبار العلماء والمثقفين والادباء والفنانين والسياسيين والعسكريين، اضافة إلى انها كانت تضم في ارضها بعض المعالم الاثرية التاريخية منها (طاك باب الشيخ) الذي بني قديماً على شكل نفق تعلوه بناية قديمة ويبلغ طوله نحو عشرة امتار وعرضه خمسة امتار، ويوصل هذا الطاك محلة فضوة عرب بشارع الكيلاني الذي يربط شارع الكفاح بشارع الشيخ عمر، وكانت تحكى عن هذا الطاك القصص والحكايات الشعبية الخرافية والتي على اثرها جعلت البعض من اهالي منطقة باب الشيخ (الشيخلية) يخشون المرور منه وقت الليل ويقدر عمر بنائه باكثر من خمسمائة سنة، ظناً منهم بان هذا المكان كما تشير إليه تلك القصص والحكايات المحيوكة مسكوناً بالجن والطنطل، كانت تصدر في الظلام الدامس تحت الطاك اصواتا وحركات غريبة وفي الحقيقة ان مصدر هذه الاصوات والحركات كانت من بعض الفقراء العجزة الذين لا ماؤى لهم ينامون فيه ليلاً خاصة ايام فصل الشتاء البارد وكذلك قيام بعض السكارى من اهل المنطقة او من المحلات القريبة، بحركات واصوات تخيف السامعين لها من الناس المارين عبر هذا الطاك.

كنّا نعيش في منطقتنا باب الشيخ التي تضرب جذورها في أعرق مشارب التاريخ بكل محبة وتودد وانسانية، جمعت سكانها في بوتقة واحد رغم تتابع الويلات والآلام، العلاقات بين أبنائها كانت متينة وتشكل مختلف الطوائف والقوميات والاديان واللهجات، الكوردي والعربي والتركماني،المسلم والمسيحي والصابئي واليهودي، حيث ترابطت المواقف فيما بينهم في أوقات وأزمان مختلفة، وفرضوا أنفسهم على التاريخ، في حفظهم الذكريات،بتواصل مكثَّف في مجتمعنا في السابق حينما كانت الحياة على بساطتها، وكان الناس يعيشون في منطقة محدود الجغرافية، وضمن اهتمامات، وطموحات بسيطة لكنّنا الآن، ومع التطوّر الذي حصل على واقع حياتنا، لم نعد نعيش درجة التواصل الاجتماعي السابقة فقد طغت على الحياة الامور المادية . ولعلّ من أبرز الأسباب هي الظروف السياسية والتغييرات الديمغرافية والجغرافية التي حدثت خلال السنوات الخمسين الماضية في المنطقة، فقد كانت علاقة الإنسان بمجتمعه وثيقة دافئة، كان أقرب إلى الاستقامة والصلاح في سلوكه وسيرته، وأكثر اندفاعاً لألفاعلية وألانتاج او ألحياة بطبيعتها فيها ضغوط ومشاكل، خصوصاً في هذا العصر، فيحتاج الإنسان إلى مَن يتضامن معه نفسياً، وإلى مَن يقترّب منه روحياً، ليخفف عنه الآلام، ويرفع من معنوياته. ويحتاج الإنسان إلى مَن يستشيره ليستفيد من رأيه.بينما يساعد الفتور والبرود في العلاقات الاجتماعية على ظهور ونمو السلوكيات المنحرفة الخاطئة . حلول شهر رمضان في محلة باب الشيخ له طعم ونكهة خاصة يعرفها اهالي بغداد كما يعرفها اهالي باب الشيخ ويعيشها اهلها عبر العصور،كان اهل محلة يستقبلون قدومه شهر رمضان حين يقترب موعد مراقبة الهلال وعن رؤيته يصعد اهالي باب الشيخ الى سطوح دورهم العالية لمراقبة السماء وحين يظهر الهلال تزف البشائر بالتكبير والتهليل وبأاطلاق العيارات النارية من مسدسات مثل (ألوبلي) ابو البكرة في الهواء وتهلل النسوة بالزغاريد ويكبر المؤذن من على منارة الحضرة القادرية فرحا وابتهاجا لمقدم الشهر بعد ذلك تبدأ مراسيم استقبال رمضان بأعداد المطبخ العائد الى المسجد القادري (الشوربة خانة) وتطهى في القدور الكبيرة وجبات الافطار الواسعة العامرة والتي تقام في كل يوم من ايام شهر الصوم . ولهذه الموائد التي كانت تقام في الماضي البعيد في ديوان الاسرة الكيلانية (الدركاه او الديوه خانه) من قبل السادة الكيلانيين باسلوب خاص متبع لديهم منذ العهد العثماني، اذ كانت هذه الوجبات تقدم لجميع شرائح المجتمع من كل يوم وجبة افطار لطبقة من الناس وكانت تتم طيلة ايام شهر رمضان في (الديوه خانة) اي ديوان الحضرة القادرية التي تقابلها والتي يفصل بينهما شارع الكيلاني.لقد اشتهرت المنطقة برواد المقام العراقي وبأتقأنهم لقرائته ومعرفة فنونه حيث انتشرت المقاهي التي كانت تحيط بالمرقد وتضج بأشهر قراء المناقب النبوية والاحتفالات الدينية والمناسبات الخاصة مثل الزواج والختان  ويقال ان عملية الجلوس لساعات الطويلة خلف ألة (ألجومة ) وهي ألة فيها عتلات يتم ربط الخيوط من (القطن او الصوف او البريسم ) فيها يستفاد منها للحياكة يدوياً وكانت من أهم ألاسباب التي جعلتهم ان يجدوا ما يؤنسهم في قراءتهم لهذا الفن العريق والاصيل، وكم اليوم نحن في امس الحاجة لمثل هذه الممارسات والانشطة فيجعل الانسان يقترب نفسياً مع اخيه وإلى مَن يقترّب منه روحياً، ليخفف عن مصائبه، ويرفع من قدرته لمقاومة الصعاب. ويحتاج الإنسان إلى مَن يقف الى جانبة ويُعبّر عنه بإدخال السرور إلى قلب أخيه....

 

عبد الخالق الفلاح

 

نبيل عودةفي حدود العام 1980 وصلت الى مدينة الرملة  في زيارة لعائلة زوجتي والوقت كان عشية ما يسمى "عيد الاستقلال". لفتت انتباهي اعلانات ضخمة تملأ شوارع الرملة ومداخلها تدعو السكان الى الاحتفال ب "تحرير" مدينة الرملة  وعرب الرملة "المحررة" مدينتهم، الذين يسكنون في احياء مهملة تسمى ب "الغيتو العربي" يقرأون عن احتفالات تحرير مدينتهم.

لست هنا في باب الرد على "رواية التحرير" الصهيونية ولا تفاصيل النكبة الفلسطينية وحصة الرملة فيها وهي حصة كبيرة جدا. انما ساذهب الى تاريخ الرملة التي "حررت" والتي يشملها تشويه تاريخ الوطن الفلسطيني.  في حالتنا قد تتحول الرملة الى هدية أخرى من ابراهيم الخليل لأبناء اسرائيل.

كانت الرملة خلال فترة طويلة، خاصة في عهد الدولة الأموية عاصمة للولاية الفلسطينية، لعل في استعراض التاريخ ادراك ان الغطرسة والاستعلاء هي نتيجة طبيعية للصوصية والتزوير.

بنى سليمان بن عبد الملك بن مروان مدينة الرملة عام (710ميلادية) يوم كان واليا على فلسطين في عهد أخيه الخليفة الأموي الوليد (705 – 715م) وواصل سليمان بناء المدينة بعد ان تولى الخلافة بعد الوليد، لكنه لم يعمر طويلا. اذ توفي بعد عامين ونصف العام (717م) لكنه حول الرملة الى عاصمة الولاية بدل مدينة اللد المحاذية لها.

جاء بعده عمر بن عبد العزيز الذي تابع ما بدأه سليمان من بناء مدينة الرملة، فبنى الجامع الأبيض، اذكر هذا الجامع منذ تلك الأيام ببنائه المتهالك، لكنه رمم فيما بعد. قام عمر بن عبد العزيز ببناء "العنزية" وهو مجمع لسقي المعزة، ما زال ذلك الموقع من اجمل آثار الرملة التاريخية  ومن معالمها السياحية الجميلة. العنزية عبارة عن نبع وبركة ضخمة تحت الأرض، ينزلون  اليها بدرج شديد الانحدار، بالإمكان ركب قارب صغير والتجديف به في ارجاء البركة.

كانت تنشل المياه من البركة لسقي القطيع، لكن المكان مهمل نسبيا  وتاريخه مشوه.

هناك رواية اخرى تقول ان العنزية بالأصل هي كنيسة اسمها "سانتا هيلانه"، وهو من الأسماء التي يعرف بها الموقع حتى اليوم، بنتها حسب الرواية الملكة هيلانه ام الإمبراطور قسطنطين، التي يعتبر دخولها للمسيحية انطلاقة عظيمة للمسيحية حولت المسيحية الى دين امبراطورية قسطنطين  وبداية لانتشار عالمي واسع للمسيحية. رُسمت هيلانه قديسة بسبب اعمالها في بناء عشرات الكنائس في الأماكن التاريخية للمسيحية ونشر المسيحية.

هناك رواية تقول ان العذراء مريم في طريقها الى القدس هربا من هيرودوس، استراحت في ذلك المكان، وان كنيسة سانتاهيلانه المذكورة غمرت ارضها مياه الينابيع بسبب انخفاضها  وتحولت الى بركة ماء تحت ارضية، بني فوقها مسقى العنزية. بسبب اهمال دائرة الآثار  للآثار العربية والاسلامية، لم يتم الكشف عن الكثير من سراديب وطرق وابنية الرملة التاريخية، ظلت مغلقة بالأتربة ولا يجري الكشف عنها، هذا عدا عشرات المقامات والأضرحة الدينية الاسلامية ذات القيمة التاريخية، أبرزها مقام النبي صالح  ببرجه الشامخ ، البعض يقول ان اسمه النبي الصالح مع "ال" التعريف.

كان وقتها مهملا واشبه بمجمع للنفايات. اليوم نظف واستغلت الأرض لمشاريع بلدية .. وقد علمت ان مهندسة رملاوية تقوم بالعمل على كشف "اسرار" الرملة العربية ومعالمها التاريخية، لكن يبدو ان المهمة أكثر صعوبة من رغبة شخصية ودافع وطني.

2414 مقام النبي صالحمن الجدير ذكره ان آخر رئيس لبلدية الرملة قبل النكبة هو الشيخ مصطفى الخيري، البعض يقول انه يعقوب القصيني، مهما كان الخلاف فالإثنان هما آخر رئيسان لبلدية الرملة العربية قبل ان "تحرر" - الأول مسلم والثاني مسيحي وتلك دلالة هامة لحياة التآخي والتفاهم التي سادت المجتمع الفلسطيني ومدينة الرملة العربية ، قبل الظواهر الطائفية المقلقة التي بدأت تنتشر اليوم وتزيد مجتمعنا تفسخا.

مدينة الرملة التي "حررت" على آخر زمان، كانت خلال تاريخها الطويل، مركزا للثورات العربية التحررية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، منذ اواخر العصر الأموي وحتى الفتح الصليبي، أي لفترة تزيد عن اربعة قرون وهذه أهم معالم تلك الثورات.

اول ثورة يحدثنا عنها التاريخ كانت ثورة عام(743م) نصب خلالها الثوار احد ابناء سليمان بن عبد الملك قائدا لهم وذلك حفظا منهم لعهده وقد بايعوا ابنه يزيد أميرا للمؤمنين، لكن الوليد الثالث خليفة دمشق استطاع القضاء على الثورة بمعارك دامية.

بعدها كانت ثورة المبرقع اليماني، الذي انتفض على المعتصم خليفة بغداد عام (841م) وقد هزمت جيوش الخلافة المبرقع وأسرته ونقلته الى سامراء العراق.

حين تولى الشيخ عيسى بن عبدالله الشيباني ولاية الرملة ( فلسطين) قام بجهود مضنية لإقناع المعتمد الخليفة العباسي باستقلال فلسطين، لكن جهوده فشلت، فتمرد على المعتمد، الذي ارسل الجيوش وقضى على تمرد الشيباني ومحاولته اقامة دولة فلسطينية وطرده من بلاد الشام كلها.

في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي والنصف الأول من القرن الحادي عشر، جرت محاولات كثيرة قام بها آل جراح في سبيل استقلال فلسطين عن دولة الخلافة... وذلك من عاصمة ولاية فلسطين مدينة الرملة، لكن ثوراتهم وتمرداتهم المتواصلة فشلت في مواجهة جيوش الخلافة العباسية، رغم الفترة الطويلة التي صمدوا بها.

هذا التاريخ يبين ان الشعب الفلسطيني ليس وليد الصدفة، كما تحاول ان تصوره الرواية التاريخية الصهيونية، انما هو شعب جذوره عميقة بالتاريخ والنضال من أجل الاستقلال. له ثقافته وحضارته الخاصة والتي هي جزء من الثقافة والحضارة العربية، من الضروري ان نؤكد ان العرب في بلاد الشام ، كانوا قبل الاسلام بعشرة الاف سنة.

 

نبيل عودة

 

عبد الخالق الفلاحليس من السهل الكتابة عن اي موضوع تاريخي ويكمن أهمية البحث في فهم الثقافة من خلال الأحداث التي يكتب عنها والأحداث التي مرت في تلك الفترة، البحث التاريخي هو الأسلوب الوحيد الذي يدرس ظواهر تطور الحدث بمختلف جوانبه،ويجب إدراك وإستيعاب مجموعة من الضوابط والقواعد الأساسية التي يجب احترامها أثناء كتابة أو إنشاء اي موضوع سواء في مجال التاريخ او اي موضوع اخر، وخاصة عندما يكون أحد اطرافه الطيف المتنوع من العلاقات التي تعبر عن الهوية الكاملة التي يجري فهمها من خلال أفكار التجلي والظهور والحديث عن تجاوز الحقيقة الجوهرية أو الاتحاد والتشارك فيها، وفي الطرف الآخر، يعبر عن هذه العلاقة من خلال ترتيبات قائمة بذاتها على المحاكاة والتقليد.ويتطلب الكتابة تضمين الكثير من التفاصيل والمعلومات التاريخية من الكلمات أو الصفحات المطلوبة من المهم أيضا أن نكون أمناء في نقل التاريخ والحوادث والشخصيات التي يتكون منها المجتمع في تلك منطقة ومن المهم تقديم حقيقة المعلومات المطلوبة، ولكن  تقديمها بطريقة متماسكة وأمور ينبغي الانتباه إليها قبل الشروع في الكتابة ومنها التأكد من ماهية ما تكتب قبل أي شيء.وللحقيقة فهذه المقدمة وددت بتقديمها قبل ان أبدأ بالكتابة عن منطقة مهمة من مناطق بغداد وهي  باب الشيخ ذات التأريخ البغدادي العريق بإمتياز - منذ نشأتها وخلال تطورها-حيث كانت مركزاً دينيا واجتماعيا وسياسيا مهما في تأريخ بغداد حتى قرابة نهاية منتصف القرن العشرين وعالم الدين كان له هيبة خاصة وتقدير من قبل كل مكونات هذه البقعة، برغم  من فعل الكثير من الأمور بعيدا عن أعين الرجال الذين يمثلون المؤسسة الدينية ؛ هذه المحلة التي قد جمعت سكانها في مساحة لا تزيد عن ثلاثة كيلومترات مربعة وسط بغداد وتمتاز يالكثرة السكانية والتي ربطتهم بساطة العيش المشتركة والتنوع الديني والمذهبي والقومي وتقع في الجنوب الشرقي من المدينة في جانب الرصافة وكانت ترتبط بالقرب من نهر دجلة الخالد بمساحات زراعية وجداول مائية حيث تجري المياه فيها  وتنقل بواسطة الدواب المختلفة. وأكتسبت أهميتها لأنها مقراً لنقابة الأشراف من ذرية الشيخ الكيلاني وتمثل عوائل الكيلاني والنقيب بمنازلهم في المنطقة النقطة الشاخصة لحد يومنا هذا حيث لازالت تلك الدورقائمة رغم قدمها، وتوجد بالقرب من الحضرة الكثير من التكايا الصوفية، وكانت الحضرة القادرية في القرن الثامن عشر وبداية العشرين  مقراً للعديد من الانتفاضات الشعبية ضد الولاة الظالمين حيث يتجمع الناس في الحضرة ويخرجون منها للتعبير عن مطالبهم وكذلك التظاهرات التي كانت ضد الحكومات المتعاقبة بعد تاسيس الدولة العراقية  وتحتوي على العقود والمحلات التالية: عقد الحروب، والجنابيين وعقدالأغوان (الأفغان) وعقد الشيخ الألغي، وعقد الحروب ومحلة الطاق وعقد القصاب خانة، وقهوة سلمان المزملة (المزنبلة)، وعقد العسلان، والقهوة أم النخلة، والسوامرة، وعقد الشيخ رفيع، وعقد المطبخ، وعقد المندلاوي، وعقد فضوة عرب، وعقد الخناق، وعقد تكية البندليجي وتقع في محلة فضوة عرب، وعقد تكية البكري، وتكية الطيار وعقد النبكة وتكية النقيب وتكية ابو خمرة وعقد الجلبي وراس الجول والدوكجية ويجاورهاعقد الاكراد (الفيلية) حاليا والذي يجاور لباب الشيخ ويجاوره لمحلة سراج الدين والصدرية وراس الساقية وفضوة عرب وكذلك شارع الشيخ عمر من الجانب الشرقي من المنطقة ومنذ قرون عديدة عبر تتابع الأجيال؛ وتبدل الأحوال؛ بقيت تحافظ على سماتها وتكاتف المواقف في أوقات مختلفة؛ وحفظهم الذكريات وبطيب العلاقات بينهم وقوة ترابط الصلات الشخصية بالجوار والصداقة والمصاهرة والتآزر الاجتماعي بمواقف معروفة تأريخيا؛ وبوحدة المذاهب؛ وتسامحهم مع المذاهب والمشارب الأُخرى والعيش معهم بالحسنى؛ وشهرة أسواقهم المعروفة بالصدق في المعاملات كل ذلك قد صهرهم بمعالم تمييزهم بشخصيتهم المتفردة والمختصة بهم عن باقي المحلات البغدادية الأخرى المحيطة بهم؛ عندهم اعتزاز خاص بحب جذرهم الاجتماعي المتشرب في ثنايا شخصيتهم المتفاعلة في أعماق شعورهم المرتبط بهذه المحلة الخاضعة لمؤثرات الثبات والمتغيرات الطارئة عليها من خارجها بفعل أحداث كثيرة عانتها في أزمات الصراع حول العراق عبر التاريخ والجغرافية فبلورت أبرز معالم كل جيل مما سجل أبناؤه تاريخهم بوعي علمي في جغرافية الذاكرة الاجتماعية كحافظة لهم من ضياع وجودهم أو اندثارهم بتربص الآخرين. فمن اضمحل وجوده انتفى أثره اجتماعياً ولله في خلقه شؤون وحِكَم ومساجلات تأريخية والمنطقة هي منسوبة لاسم الشيخ الجليل عبد القادر الكيلاني الحسني نسباً، الامام المعروف، الذي  استقر طالباً في احدى مدارسها الشهيرة واصبح أستاذاً جليلاً، يقصده الطلبة من كل صوب من العالم، فصعد صيته في الآفاق وعرف بين الناس والذي اشرف على توسيعها وتكوين سمعة صوفية تسمى" بالطريقة القادرية " وأضحت لها طريقة خاصة وأتباع منتشرون في ربوع الدولة العباسية وانتشرت في طول البلاد وعرضها وفي  الهند وباكستان حتى بلاد المغاربة واسيا الوسطى وسمرقند وافريقيا. ولما توفى الشيخ الجليل عبد القادر الكيلاني تمَّ دفنه في غرفة بمدرسته واصبح  مسجده يكتظ بالمصلين في اوقات الصلاة اليومية الخمسة  وخاصة في يوم الجمعة وخلال المناسبات الدينية وشمل مسجده التوسع في البناء كما يلاحظ اليوم في الثمانينات من القرن  الماضي حيث تم ضم مساحات واسعة للبناء،، فأضحى العامة يتبركون بزيارة مرقده وظلت مدرسته مركز أشعاع قائمة حتى اليوم،ولها دور كبير في بغداد أيام الدولة العثمانية حيث اضحت مقراً للبغداديين في تلك الأيام الخوالي وكانت تسمى ايام الدولة العباسية" بباب الأزج" ولها ذكر كبير في التاريخ العباسي والعثماني على السواء وهذا دليل أهميتها التاريخية والثقافية والاجتماعية. وكانت  تكتظ بالزوار ولازالت في المناسبات وتكاثرت أسواقها  ويردها زوار من مختلف بلدان العالم  مثل الهند وباكستان والبلدان العربية والاسيوية فقد شهدنا خلال تواجدنا في المنطقة زيارات لرؤوساء من تلك البلدان مثل الرئيس  ألاندونيسي أحمد سوكارنو والملك المغربي محمد الخامس والرئيس الباكستاني والرئيس الجزائري أحمد بن بله والكثيرين من الرؤساء والمسؤولين من دول مختلفة وتنوعت تجارتها وكثرت بضاعتها وتنوعت تعاملاتها، فتوسعت مساحة سكن الناس في هذه المحلة، واسست مراكز ثقافية وعلمية وخيرية لمجموعة من المؤسسات النافعة مثل وزارة ألاوقاف سابقاً والوقف السني لاحقاً ، منها زاوية لإطعام الفقراء والمحتاجين حيث توزع الخيرات يومياً للفقراء وكذلك للتبرك، وحجرات لإيواء المنقطعين، وخزانة كتب تضم ألاف من الكتب الثمينة والمخطوطات، وتلحق بها مقبرة تضم أعلام وشخصيات سياسية  كرؤوساء  حكومات ووزراء في أدوار متعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقية ومن طبقات الناس، فضلاً عن تأسيس مدرسة دينية تلحق بالجامع، ينتظم فيها الطلبة الوافدون من أقطار المشرق والمغرب،،،،يتبع

 

عبدالخالق الفلاح

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حدبثنا عن قراءتنا التحليلية النقدية لكتاب النباهة والاستحمار لعلي شريعتي وهنا نقول: أما (النباهة الاجتماعية) فهي أن يكون الإنسان واعيا بدوره في مجتمعه. ودون هاتين النباهتين لا نجاة لأى أمة من التخلف والانحطاط، والعكس صحيح؛ إذ إنه على مرّ العصور قامت جماعات وأنظمة بإلهاء وتخدير الإنسان عن النباهتين، وعن مطالبته بالحقوق الأساسية التي تكفل إنسانيته، كالحرية والاستقلال، من أجل أن تتمكن من تسخير طاقاته لمصلحتها، وهذا ما يسميه شريعتي (الاستحمار)، أى تحويل الإنسان إلى حمار تسهل السيطرة عليه. يستغل التسخير أدوات جوهرية وحداثية فى حياتنا، كالتربية والتعليم والتكنولوجيا ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وغيرها من الصور التى نراها ملاذنا الأوحد من الاستحمار، مع أنها تكون أحيانا الاستحمار بعينه (26).

ثم يعطينا “علي شريعتي” عن أشكال  الإستحمار وأنواعه، فنوع قديم ونوع حديث، وأما أشكاله فهي : استحمار مباشر وغير مباشر، فأما المباشر منه فيقصد به تحريك الأذهان إلى الجهل والغفلة، أو إلى الانحراف والخروج عن الهدف . وأما الإستحمار الغير مباشر فيقصد به إلهاء الفرد وذهنه بحقوق جزئية وأشياء تافهة فقط لكي ينسوه في الحقوق الرئيسة والتي ترفع به وبالمجتمع (27).

ثم يقسم “علي شريعتي” الاستعمار تقسيمه أخري ومنها الإستحمار القديم، والاستحمار الحديث، فأما القديم فيعطينا علي شريعتي أمثلة ونماذج عن هذا الإستحمار القديم؛ حيث أنه يقوم على الدين ومن صوره : الزهد الذي هو عبارة عن وسيلة تخدير للفرد وتخلصه من الواقع المعاش والدنيا والحقوق وكل هذا لصالح الأعداء، والشكر لله وهو شكر الفرد على كل شيء وحتى التافه منها وقبول كل الواقع كما هو والشكر عليه بكل سيئاته وسلبياته وعدم التغيير، والشعر في ذلك الزمن والذي خرج عن رسالته الاجتماعية والإنسانية، وأيضا الفخر والاعتزاز بالماضي وبأشياء تافهة لا تسمن ولا تغني من جوع (28).

أما الإستحمار الحديث : وأعطى أيضا علي شريعتي هنا نماذج عن هذا الإستحمار الذي يعتمد على الإلهاء والتناحر والتشاجر وخلق الطائفية ومن صوره : التخصص والذي يجعل الفرد ينغمس في جزء وإطار صغير جدا بعيدا عن شمولية المجتمع، حيث لا يقصد هنا علي شريعتي التخصص بصفة عامة وإلغائه ولكنه طلب من الفرد المتخصص على أن لا ينظر من زاوية واحدة بل عليه أن ينظر بشمولية وان تتعدد أبعاده وان تخصص في مجال معين وان ينظر للحقيقة بكلها لا بجزئها .. التجدد والحضارة المدنية فهذا في نظره نوع من الإستحمار؛ حيث أن المجتمع هنا ما هو إلا مستهلك ويستورد كل شيء ولا يصنع رغم تحضره المدني وهكذا فهو تابع لحضارة غيره لا حضارة لديه … الحرية الفردية وهي ايضا شكل من أشكال القضاء على النباهة الاجتماعية وحتى الفردية يتلهى فقط بنفسه واهما بهذه الحرية … وحتى حرية المرأة والحرية الجنسية ماهي إلا تلهيات لنا لننسى هذه النباهة الفردية والاجتماعية وننشغل بالتوافه وعليه فإن كل من الإستحمار القديم أو الحديث يسلب من الفرد والمجتمع نباهته (29).

وهنا يحاول بعض الباحثين أن يجدوا أيضاً قواسم مشتركة بين علي شريعتي ومالك بن نبي ولعل في مقدمة ذلك أن أسباب هاتين الظاهرتين (ونقصد بهما الاستعمار والاستحمار) تكمن في التخلف الحضاري بما يتضمنه من جهل وعدم وعي عند مالك وفي غياب النباهة، أي الوعي الفردي والاجتماعي المؤدي إلى التخلف الحضاري عند شريعتي. وكلتا الظاهرتين القابلية للاستعمار والقابلية للاستحمار تؤديان إلى نفس النتيجة وهي قبول الاستبداد والاستعباد وفي النهاية قبول الاستعمار الذي هو نتيجة وسبب في آن واحد، نتيجة لتعطيل الوعي والنباهة ولوضعية التخلف الحضاري الفردي والجمعي وسبب في تكريس ديمومة هذه الحالة الى أمد طويل (30).

ولهذا يعد كتاب ” النباهة والاستحمار” بمثابة تعميق لطرحه لبعض القضايا في كتابه مسؤولية مثقف، حيث إنه توسع في القضيَّة الثقافيَّة التي تُطرح بطابع اجتماعي، تلك القضيَّة التي تؤدي إلى تقدم المجتمع وحل مشاكله المستعصيَّة، أو قد تؤدي إلى فقدان الأوليّة والدافع الاجتماعي، وذلك كله يعتمد على طريقة الطرح، ويبرز مصطلح الاستحمار ذلك، حيث أنه مضاد للفطنة والنباهة، فالنباهة هي الصفة التي تجعل المجتمع كيانًا مستعصيًا على الاستبداد والاستعمار، وحين تختفي صفة النباهة يظهر الاستحمار والذي هو يُهيئ الطقوس لنشوء الاستبداد ودمار المجتمع، فالاستحمار هو المصطلح الذي يُعبّر عن سياسة أو نمط تاريخي يتم استخدامه لصرف المثقف والذات الثوريّة عن التفاعل مع المجتمع وقضاياه، وينطلق هذا الاستحمار من أرضيَّة أخلاقيَّة، أي أنه يطرح قضايا أخلاقيَّة ودينيَّة ولكنها ليست ذات أولويَّة اجتماعيَّة تلك الدعوة التي تنطوي على شر كامن، وفي ذلك كأنما يقول لك أحدهم قم إلى الصلاة بينما الأرض تهب بالحريق، وبذلك شرح علي الشريعتي في كتاب النباهة والاستحمار تلك القضايا ووضح دور المثقف الصائب في تجنب الاستحمار وفي اكتسابه للنباهة(31)، يقول شريعتي: الإستحمار هو تزييف ذهن الإنسان ونباهته وشعوره، وحرف مساره عن النباهة الاجتماعية فرداً كان أم جماعة. وأيّ دافع عمل على تحريف هاتين النباهتين أو فرد أو جيل أو مجتمع عنهما فهو دافع استحمار، وإن كان من أكثر الدوافع قدسية وأقدسها اسما. ومن سوء الحظ، لا ندرك ما يراد بنا، فيصرفوننا عما ينبغي أن نفكر فيه كمصير مجتمعنا، أو أفكر أنا بمصيري كإنسان إلى أن نفكر بأشياء نحسبها راقية جداً وعظيمة ومشرفة فيصيبون الهدف دون أن نشعر! ومن أجل هذا قلت إذا لم تكن حاضر الذهن في الموقف فكن أينما أردت (32).

فمعنى الاستحمار إذن في تزييف فكر الإنسان وشعوره وتغيير مسيره عن الوعي الإنساني والاجتماعي. إنه لمن سوء الحظ أن لا ندرك ما يراد بنا، فنُصرف عما ينبغي أن نفكر فيه كأفراد ومجتمعات فيصيب عدوُنا الهدفَ ويسخر طاقاتنا وقدراتنا في سبيل خدمته كما يُسخَّر الحمار ونحن لا نشعر!!. ومن أجل هذا قلتُ: إنك إذا لم تكن حاضر الذهن في الموقف فكن أينما شئت” كن واقفاً للصلاة أو جالساً لمطالعة أحد الكتب العلمية أو راكضاً خلف الكرة في ملعب كرة القدم أو منكباً على تأليف رسالة في الفقه أو على حفظ أحد التفاسير… فالمهم أنك لم تكن حاضراً في الموقف. إن المستعمرين ـ من أجل صرفك عن الحقيقة التي يشعرون بخطرها ـ قد لا يدعونك دائماً إلى القبائح والانحراف حتى لا يثيروا انتباهك فتفر منهم إلى المكان الذي ينبغي أن تصير إليه، بل هم يختارون دعوتك حسب حاجتهم، فيدعونك أحياناً إلى ما تعتقده أمراً طيباً من أجل القضاء على حق كبير، حق إنسان أو مجتمع؛ فعندما يشبُّ حريق بيت جارك ويدعوك أحد للصلاة والتضرع إلى الله في هذا الوقت ينبغي أن تعلم أنها دعوة خائن، لأن الاهتمام بغير إطفاء الحريق والانصراف عنه إلى عمل آخر هو “الاستحمار” وإن كان عملاً مقدساً، وإن أي جيل ينصرف عن التفكير في الدراية الإنسانية كعقيدة واتجاه فكري ومسير حياتي وتحرك مداوم إلى أي شيء حتى ولو كان مقدساً هو الاستحمار بعينه (33).

كذلك يعرض كتاب النباهة والاستحمار القضيَّة الثقافيَّة، تلك القضيَّة التي تنهض بالمجتمع وبالدولة ككل، فقارن الكتاب بين المثقف النبيه، والمثقف المستحمر، فقدَّم الأمثلة التي توضح مصير المجتمع الذي يقوده مثقف نبيه، والمجتمع الذي يقوده مثقف مستحمر، مثل قوله :” إن المجتمع الذي يرتبط بهدف عالٍ، بعقيدة وإيمان، يتفوق على كل قدرة حتى ولو كانت القوة التي تسيطر على المنظومة الشمسيَّة، وإن مجتمعًا كهذا ستكون له بعد عشر سنين أو خمس عشرة سنة حضارة، كما ستكون له صناعة. لا أريد أن أنصح أخلاقيًا؛ فالإنسان يمضي ليصير إلى الفناء، أما قيمة الإنسانيَّة فتزداد دمارًا بمرور الأيام. نحن لا نستقيم إلا بعد ان تعلونا يد قويَّة، أو يظلل علينا بسوطٍ قاسٍ. إن الشيء الذي يدفعني إلى نفسي، ويدعوني دائمًا من خارج هذه المشاغل، التي غالبًا ما تجعلني ضحية لها، هو النباهة الفرديَّة، أو النباهة النفسيَّة. نحتاج إلى جيل يرفض الشكل القديم للحياة، وينكره، ذي فكر جديد، لكن، بالقدر المعتاد لا أكثر (34).

الكتاب جاء في ستة فصول، تناول كلٌّ منها قضية بعينها في عملية إعادة صناعة وعي الأجيال الجديدة، وبالرغم من أنها قد تبدو قضايا منفصلة، ولكن هناك خيط واحد يجمع بينها جميعها، وهو قضية المصير. مصير الفرد والمجتمع المسلمَيْن، وصولاً إلى مصير الأمة بالكامل، وكيفية تحقيق عوامل النهوض، بعيدًا عن هيمنة المستعمر.

والكتاب في هذا الإطار، تناول دور الاستعمار والأنظمة الموالية له في عالمنا الإسلامي، في تحقيق تخلف وتبعية الأمة، وأهمية التغيير والإصلاح على مختلف المستويات الموضوعية، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع والأمة بالكامل، وسواء في المجال الاقتصادي، أو السياسي، في إحداث حالة النهضة المنشودة.

في الكتاب فقرات وفصول كاملة يمكن أن تصلح لمجال التنمية البشرية؛ حيث أفرد فصلاً عن التخصص، وفقرات في فصول أخرى عن تنمية الذات، وكيفية خروج الإنسان عن المألوف في طرائق تفكيره وحياته.

وهنا يتوصل “علي شريعتي” لحقيقة مهمة، وهي أن هذا هو الإسلام في حقيقته، عقيدة فكرية سياسية ينبثق عنها نظام لكل شؤون الحياة: نباهة فكرية وسياسية ينتج عنها التزام متين بالأوامر والنواهي، هذا هو الإسلام الواعي أما الدين الاستحماري فهو الذي يقول لك: «لأي شيء تتحمل ثقل المسؤولية الاجتماعية ولأي شيء تحارب الظلم والطغيان؟ يكفيك أن تفتح كتاب الأدعية وتقرأ هذا الورد ست مرات وبعدها لا يبقى عليك شيء وستغفر ذنوبك كلها!! أو يكفيك أن تحفظ ما تستطيع من آيات القرآن غيباً فإنك سترقى بكل حرف درجة في الجنة!! أو يكفيك أن تدخل السرور إلى قلب واحد أو تقضي حاجة آخر حتى تبدل سيئاتك حسنات وتقضي عنك كل المسؤوليات الاجتماعية (35).

كما يؤكد ” شريعتي ” علي أن للإنسان قيمة عليا، لا قيمة له لا في الديانات ولا في الفلسفات إن لم نعمل على النهوض بوعيه وتنمية شعوره بقيمته الإنسانية، “إن أكبر قيم الإنسان هي التي يبدأ منها بـ “الرفض” و “عدم التسليم” اللذين يتلخصان بكلمة “لا”، ومنها بدأ آدم أبو البشر”، بل وكل الأنبياء والفلاسفة المصلحين الذين كان أصل تميزهم وإصلاحهم قائم على تبنيهم لفعل “التمرد”، فالتمرد والنباهة هما صفتان تليق بالأنبياء والأوصياء والفلاسفة الكبار (36).

ويقول أيضا: إن الإنسان لا يستطيع أن يبقى مخلصًا وصادقًا في ثورة اجتماعية حتى النهاية ووفيًا لها، إلا إذا كان ثوريًا قبلها ومتناسقًا معها، فليس الإنسان الثورى هو الإنسان الذي يشترك في ثورة اجتماعية فحسب، فما أكثر الانتهازيين والمغامرين والنفعيين الذين يشتركون فيها، وهم جرثومة الانحراف في كل الانتفاضات، وفشل كل الانتفاضات من جراء اشتراكهم فيها، لأن الثوري قبل كل شىء جوهر أعيدت صياغة ذاته (37) ؛  كما انتقد ” شريعتي” رجال الدين قائلًا: لقد كان دين “الملأ” ينتج الأفيون للمجتمع، بإنتاجه لمواعظ من هذا القبيل: “أنتم لستم مسئولين لأن كل ما يحصل هو حاصل بإرادة الله ومشيئته.. لا تشكوا من الحرمان ولا تتألموا فإنكم ستجزون في مكان آخر.. اصبروا على كل شيء لكى يضاعف الله لكم الأجر”. هكذا كانوا يخمدون احتجاج الفرد ويجمدون حركته الإرادية.. إن دين عبادة الطاغوت الذي كان يتمتع بكل شىء طوال التاريخ، كان بدوره آلةً في يد الطبقة الحاكمة لاستثمار الطبقات السحيقة وقمعها وإقناعها، ولقد ظهر هذا الدين بشكليه الجلي والخفي في كل حقبة من حقب التاريخ.. كان الجبابرة يستخدمون العنف في مواجهة الناس وإخماد ثوراتهم، لكن الدين كان ينتهج طريقة أخرى في وأد النهضة، وردّ الانتقاد، وإخماد ثائرة الغضب والاحتجاج (38).

إن الإنسان لا يستطيع أن يبقي مخلصاً وصادقاً في ثورة اجتماعية حتي النهاية ووفياً لها إلا إذا كان ثوريا قبلها ومتناسقاً معها فليس الإنسان الثوري هو الإنسان الذي يشترك في ثورة اجتماعية فحسب فما أكثر الانتهازيين والمغامرين والنفعيين الذين يشتركون فيها وهم جرثومة الانحراف في كل الانتفاضات وفشل كل الانتفاضات من جراء اشتراكهم فيها لأن الثوري قبل كل شئ جوهر أعيدت صياغة ذاته إنسان جعل ذاته التي بُنيت أيديولوجيا وفكرياً خليفة لذاته الموروثة عن التقاليد والغريزة (39).

وخلاصة الكتاب عموما هي أن الإستحمار ما جاء إلا ليقضي على النباهة بشتى الطرق والوسائل وحتى بالعلم والمعرفة واعطاء بعض الحقوق، وللقضاء على الإستحمار يلزمنا الكثير والكثير من النباهة الفردية والاجتماعية لأن اشكال وانواع الإستحمار تعددت ولم تدع لنا مجالا للقضاء عن هذا الإستحمار … وللحديث بقية مع موضوعات أخري..

 

أ.د محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

......................

26- د. محمد حسين أبوالحسن: النباهة.. والاستحمار!، الأهرام المصرية، 28 أغسطس 2019.

27- علي شريعتي: النباهة والاستحمار، ص 55.

28- نفس المصدر، ص 59.

29-   نفس المصدر، ص 64.

30- عبد الرحمن خالد الطوره: المرجع السابق.

31- د. محمد حسين أبو الحسن: نفس المرجع.

32- علي شريعتي: النباهة والاستحمار، ص 67.

33- محمد أبو وائل : النباهة والاستحمار 1989/12/06م

34- د. محمد حسين أبو الحسن: نفس المرجع.

35- نفس المرجع.

36- علي شريعتي: النباهة والاستحمار، ص 69؛ وأنظر أيضا ا.د. علي المرهج: الدين بين النباهة والاستحمار، صحيفة المثقف، العدد: 3420 المصادف: 15-01-2016.

37- علي شريعتي: نفس المصدر، ص 85.

38- نفس المصدر، ص 88.

39- نفس المصدر، ص 92.

 

 

محمود محمد عليفي عُرف الإنسانية الممتد لآماد سحيقة  لا يمكن لمجتمع ولا لفكرة، ولا لرمز، أن يستمر أن يستمر إلا بوجود صدق وتفان والتزام، يحفها ويحيطها بالرعاية والاحتضان، وإلا كان الأمر حبيس المجردات التي لا صلة لها بواقع الناس وهمومهم، بل وتكون من قبيل الأثقال والأوزار التي ينوء كاهل الناس علي حملها أو حمايتها، واعتبار ذلك؛ كالنهر إن لم يجد سبيلاً سلك، كذلك الفكرة إن لم تُحتضن هنا، بحثت عمن يخلص لها هناك، فتحيطه بهالة من التوقير والرمزية، واستمرار الذكر، وفي المقابل يمنحها هو حياة من دمه وعرقه وتأمله، فيتسنى لها أن تشع بتأثيرها وألقها؛ فتصنع إرهاصاً يتحول بعد أمد لواقع ثم إلي تاريخ، وتتعاقب الوقائع وتتداول الأيام، فتكون جدلية بين الفكرة والإنسان، وليس كل إنسان يبلغ أن تتولاه الفكرة وتواليه ؛ فكم من مفكر طواه ليل النسيان، ولم يُعد له من ذكر، أو سرعان ما افتضح وبانت خيانته، وظهر ليه لعنق الحقيقة لحساب المفسدين في الأرض، المتظاهرين بالإصلاح، الجاثمين علي صدر الوعي والحقيقة أن يصدحا ؛ فليس كل من فكر قد تأمل، ومن دعا قد صدق، ومن حمل هما كان مهموماً به، فقد يستحيل الحال إلي ترف متصنع متكلف، يخلو من لوعة الإيمان، وحرقة الفهم، وأنين العجز (1).

ولذلك فإن الفكرة في تواصل دائم مع صاحبها وليس مالكها، تدعوه وتستحثه التبليغ، وتستجديه البذل، ليس بذل المراءاة والمراوغة، وإنما بذل الغِراس الذي يثمر أجيالاً من الناس الحبلى، بوعي يرفعهم إلي مصاف القديسين الذين نفقوا تحت سنابك الجهل والتخلف والفقر، وقد كان ” علي شرعيتي”، واحداً من هؤلاء مفكري الشيعة الذين نبذوا الجمود والتخلف، ورأي أن عمل المفكر هو إيقاظ ضمير المجتمع , ومنح العوام الوعي الذاتي وتقديم تفسير وتحليل إيدلوجيين وعمليين للظروف الاجتماعية الموجودة وبيان المثل وخطوط السير ونقل الواقعيات المتناسبة والمتناقضة في الحياة الأخلاقية والثقافية والاجتماعية إلى إحساس الناس ووعيهم واستخراج المنابع المدفونة والمواد الخام للطاقات المعنوية والفكرية في تاريخ الأمة وثقافتها” (2)

وقد كان “علي محمد تقي شريعتي” (23 نوفمبر 1933 – 18 يونيو 1977 م) م المفكر الإيراني المعروف،  قائدًا كاريزميًا غير تقليدي بصورة تثير القلق، مفكرًا إسلاميًا عظيم التأثير إلى حد مثير للشحناء، منظرًا شديد الأصالة بدرجة تغري بالتشويه. رغم أن شريعتي لم يكمل الخمسة وأربعين عامًا في هذه الدنيا، إلا أنه استطاع تطوير وجهة نظر جديدة حول تاريخ وعلم اجتماع الإسلام، وخلق حراك ثوري رهيب، وشحذ عقول جمع غفير من الشباب، سيكون له دور رئيسي في الثورة الإيرانية التي ستعقب وفاته بعامين (3) .

كما يعد من أبرز الشخصيات التي أدت أفكاره وجهوده دوراً كبيراً في إعداد الشعب الإيراني فكرياً وسياسياً، في المدة التي سبقت قيام الثورة الإيرانية عام 1979م، مما دفع الجماهير إلي تسميته بـ " معلم الثورة"، و" مبلور هويتها الفكرية".

قدم "علي شريعتي" فكراً جوهرياً بالمطالبة بالحرية، والديمقراطية، والثورة علي المؤسسات التقليدية، والنضال ضد الهيمنة الأجنبية، والتخلف، والاستبداد، والتغريب، والذي أدي دوراً حاسماً في تعبئة قطاع واسع من الجماهير الإيرانية، وتحديداً الشباب المثقف، علي طريق الثورة ضد الشاة " محمد رضا البهلوي".

وقد قال عنه الأستاذ إبراهيم مشارة:” كنت أسمع به من خلال بعض الكتاب الذين أقرأ لهم وكنت حينها غارقا في قراءات الإحيائيين كالأفغاني ومحمد عبده والعقاد ثم العقلانيين كزكي نجيب محمود وبرهان غليون وعلي حرب ومحمد أركون ونصر حامد أبي زيد، والحقيقة أنني كنت ضحية الخطاب الدغمائي الذي يحذر من هذا الكاتب بسبب شيعيته، ولكنني منذ بدأت في شق عصا الطاعة والخروج على ثقافة المجموع، وقراءة أول كتاب “النباهة والاستحمار” والتي تقابل مصطلح “القابلية للاستعمار” عند “مالك بن نبي” ثم كتابه العظيم “دين ضد الدين”، وكتابه “مسؤولية المثقف”، حتى رحت أفرح بقدوم الليل وسكون الأشياء لأتفرغ لنصوص هذا الشاب العبقري أستمتع بالقراءة استمتاع العاشق بطيف محبوبه، وجدت روحاً إنسانية تدين بالإبراهيمية على الرغم من الاعتقاد بالمذهب الإثني عشري.. رجل لا يكره أهل السنة بل يستشهد بكتبهم في بعض كتاباته ككتاب “محمد من الهجرة إلى الوفاة”، ولا يضيق ذرعا بالصحابة ولا ينال منهم ومن حقه أن يحب حد العشق أبا ذر الغفاري، فقد سمعت “جارودي” يثني عليه ثم هو حين يحلل التاريخ الإسلامي يثبت أنه تاريخ كتبته السلطة، فأبقت ما يوافق ميولها وأقصت ما يخالف أفكارها التي تتمركز في الاحتفاظ بالسلطة وتوريثها.. وأكثر ما شدني في الدكتور “علي شريعتي” انفتاحه على الثقافة الغربية فقد نال الدكتوراه في علم الاجتماع الديني وجالس الفيلسوف “جون بول سارتر”، وتبادل رسائل مع “فرانس فانون” و”إيمي سيزار” وساند الثورة الجزائرية، لقد آمن “شريعتي” بالمقولة الخالدة “من لا معاش له لا معاد له”، أي أن الفوز في الآخرة مشروط بالفوز في الدنيا اختراعاً واكتشافاً ومدنية وعدلاً، وهذا للأسف ما أخفق فيه المسلمون ونجح فيه الغربيون (4).

ولذلك يعد “علي شريعتي” من بين مفكرين قلائل تجردوا من ضيق التمذهب، فكان أحد أبرز منتقدي ما سماه “التشيع الصفوي” و “التسنن الأموي”، داعياً إلى التقريب بين المذاهب بما يخدم وحدة الصف الإسلامي في وجه الأخطار المحدقة به وتجاوز ونبذ الخلافات التي لا تستفيد منها سوى بعض الأطراف المعينة التي تغذي روح الانقسام (كعادة المفكرين السابقين لعصورهم بأفكارهم المختلفة)، ولا دليل على بعد نظره سوى الحرائق التي تغذي بنيرانها الآن منطقة الشرق الأوسط (5).

كما يعد الدكتور “علي شريعتي” من بين أهم المفكرين المسلمين الذين ظهروا في القرن العشرين، لجهة كون أدبياته وأفكاره كانت محل تأثير وقبول واسعَيْن من السُّنَّة والشيعة، وكونه أحد المنظِّرين الأساسيين للثورة الإيرانية (6).

ولد “علي شريعتي في قرية “مزينان” قرب مدينة مشهد بمحافظة خوراسان في كانون الأول 1933م . تأثره الأكبر كان بوالده المفكّر والمناضل المعروف الذي شكل بداية معالم شخصيّته وهويّته العلميّة والدينيّة “اللامنتمية” لمذهب، فقد كان والده ضمن جماعة من المثقفين الإيرانيين المتأثرين بالأفكار اليسارية، والتي كانت تجد صدى واسعاً في ذلك الحين، وهي حركة “الاشتراكيون الذين يخشون الله” (7).

كان “شريعتي” يرى نفسه فرعًا عن سلالة شريفة كريمة مناضلة، يجد في حكاياتها ما ينبؤه بأن وجوده كان أسبق على مولده، مثلما كان يؤمن بـ”وراثة الأمانة” عقيدة وفلسفة إسلامية أصيلة، تمتد منذ الجد الأول – آدم – مرورًا بالحسين “وارث الدم”، ما يعني أن جميع الحوادث الماضية والآتية غائية وذات ترابط موضوعي تام سيستمر إلى نهاية الزمان ؛ وتتلمذ شريعتي على يد عمه الذي أورثه علوم أجداده الحكماء، لكن الشعلة الحقة التي استمد منها شريعتي وهجه كانت الأب العالم الديني ذا التوجه اليساري محمد تقي شريعتي، مؤسس “مركز نشر الحقائق الإسلامية” في مشهد وصاحب الجهود في تفسير القرآن، الذي تلقى عنه ولده علوم العربية والشريعة أيضًا (8).

أنهي " علي شريعتي " دراسته الثانوية في مشهد، ثم التحق بمعهد إعداد المعلمين، وتخرج في عام 1952م، ليصبح وهو بعمر الثامنة عشر معلماً ابتدائياً في احدي القري الإيرانية، والتحق في عام 1955م بكلية الآداب في جامعة مشهد، إذ نشط في الكلية من خلال لإدارته العديدة من النقاشات الأدبية والسياسية، تزوج في عام 1956م من زميلته في الدراسة، " بوران شريعت رضوي"، التي تنحدر من عائلة معروفة بنشاطها في الجبهة الوطنية، وفي معارضة سياسات الشاة " محمد رضا البهلوي" ( 1941-1979م) (9).

بعد تخرجه من الجامعة بدرجة الامتياز في الأدب عام 1958م، أُرسل في بعثة دراسية إلي جامعة السوربون في فرنسا عام 1959م، التي وصلها عام 1960م، إذ درس الأديان، وعلم الاجتماع، والأدب، وحصل في عام 1964م علي شهادتين للدكتوراه في تاريخ الإسلام وعلم الاجتماع (10).

عاد " علي شريعتي" إلي إيران بعد حصوله علي شهادة الدكتوراه، إلا أنه أُعتقل فور وصوله إلي الحدود التركية – الإيرانية، بتهمة تهديد الأمن الوطني، واستجواب بشأن نشاطه الطلابي في فرنسا، وبعد اعتقال دام ستة أشهر تم إطلاق سراحه، ثم سُمح له في عام 1965م بالتدريس في ثانويات مشهد، كما درس في جامعة مشهد، إذ قام  بتدريس مقرر " تاريخ إيران بعد الإسلام"، ومقرر " تاريخ الحضارة"، وشكلت هذه الموضوعات بؤرة لاهتمام الطلاب في جامعة مشهد، إذ قدم في محاضراته تحليلات  فلسفية واجتماعية للمفاهيم الإسلامية، الأمر الذي زاد من شعبية محاضراته، ومثل خطابه في تلك المحاضرات ثورة علي الموروث الديني التقليدي من جهة، وكذلك علي الاكاديمية علي مستوي المنهجية والفلسفة التعليمية من جهة أخري، ولم تخل محاضراته من توجيه النقد للحكومة وللأجهزة الأمنية الإيرانية، التي وصلت إليها بعض التقارير عن محتوي محاضراته، ولذلك  وجه جهاز "السافاك" (وهو جهاز مخابراتي)، رسالة لإدارة الجامعة بشأن نشاط شريعتي، إذ تم بعد ذلك منعه من مواصلة التدريس في الجامعة، ومما يدل علي مدي شعبية محاضرات شريعتي، إن عدد الطلاب المسجلين في بعضها وصل إلي أكثر مئتين وخمسين طالبا (11).

وفي خلال تلك الفترة ترجم شريعتي إلى الفارسية كتاب “أبي ذر الغفاري” للكاتب المصري عبد الحميد جودة السحار عن العربية، كما ترجم كتابًا معنون بـ”الدعاء” عن الفرنسية؛ وفي 1952م أسس شريعتي في اتحاد الطلبة المسلمين، وانضم بقوة إلى الحراك الاجتماعي والسياسي الغاضب عقب انقلاب 1953 على حكومة محمد مصدق – المنتخب ديمقراطيًا – بتدبير من عناصر المخابرات البريطانية والأمريكية، ما أدى إلى اعتقاله مرتين؛ في عام 1956 انضم شريعتي محب الأدب والشعر إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة مشهد بنفس الروح الثائرة، حيث أسس جمعية أدبية ونشر المقالات، كما التقى بالسيدة “بوران شريعت رضوي” ستجمعهما زيجة تثمر عن ولد وثلاث بنات (12)... وللحديث بقية..

 

أ.د محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..................

1- الحاج أبو حمنه دواق : جدلية الوعي والحرية في فكر علي شريعتي، مؤمنون بلا حدود ، ص 3.

2- نفس المرجع، ص 4.

3-محمد أسامة: علي شريعتي رفقة زوجته بوران وصديق لهما، 16/01/2020.

4-إبراهيم مشارة: علي شريعتي بين محبيه والمتحاملين عليه، الأربعاء 2020/04/29.

5-الحسن الرويجل: قراءة في كتاب النباهة.. والاستحمار.. 22‏/06‏/2012.

6-نفس المرجع.

7-منى شكري: علي شريعتي: إنسانية الفكر والإصلاح،  23/11/2017.

8-محمد أسامة: نفس المرجع .

9-م . د . فراس صالح خضر الجبوري، م . د . حسن علي خضير العبيدي: دور المفكرين في قيام الثورة الإيرانية عام 1979 م "علي شريعتي أنموذجاً"، مجلة الملوية للدراسات الآثارية والتاريخية  المجلد الثالث  العدد الرابع  السنة الثالثة  شباط 2016 م، ص 183.

10- نفس المرجع، ص 184-185.

11- نفس المرجع، ص 186-187.

12- محمد أسامة: نفس المرجع .

 

 

محمود محمد عليفجعت العربية وتراثها العريق بوفاة علم من أعلام النقد الأدبي بجامعة أسيوط الزاهرة بجمهورية مصر العربية، وذلك بعد حياة حافلة متسمة بغزارة النتاج الأدبي، ولائحة طويلة مـن الإسهامات التخصصية في النقد الأدبي، حيث رحل عن عالمنا ظهر يوم الخميس (22 أبريل 2021 م)، الأديب الكبير، واللغوي القدير، والعالم المفكر، والناقد، وأحد أعمدة التحقيق اللغوي، والأدبي، وصاحب التصانيف العديدة المفيدة، والأعمال السديدة الفريدة، الأستاذ الدكتور عثمان عبد الرحمن عثمان منصور (الشهرة عثمان القاضي) وهو في أوج ازدهاره الفكري وقمة عطائه، بعد أن أثري حياتنا الأدبية والثقافية والنضالية بإسهامات لا تنسي، غادر ساحة الثقافة، والأدب، واللغة، وهي أحوج ما تكون إلي أمثاله، في عصر أصبحت لغة القرآن " اللغة العربية الفصحي مهددة حصونها من الداخل والخارج،  وقد رحل عـن عمر يناهز (82 ) عامًا قضاها بين التعليم الجامعي، والنقد الأدبي، والبحث العلمي، والثراء المعرفي.

ويعد عثمان القاضي من الشخصيات التي ارتبط اسمها بجامعة أسيوط، أديباً، وناقداً، وباحثاً، ومؤرخا، وله الكثير من الرسائل والكتب والمقالات القيمة في النقد الأدبي، ويعد الراحل الأديب في مقدمة النقاد المصريين الذين جمعوا بين النقد والإبداع، وأرسي قيما أخلاقية في الابداع والنقد والسلوك الثقافي العام . شغله كثيرا هذا البعد الإنساني الذي لم يفرط فيه أبدا، بالرغم من تعرية القبح وإدانة الفجاجة . ومن ثم تجاوز الواقع والتجاوز معا، وتعدد التفارق في الرغبة إلي معانقة الروح والجمال .. فأنتج ثراء هائلا في الأدب والنقد والتحقيق والتأليف والحياة . ضفر الواقع والرمز في ضفيرة مجدولة بإتقان الصنعة وحذق المهارة، ووشي النقد الأدبي القديم والحديث بقيم روحية وأخلاقية ولغوية حددت عطاءه وكرست ريادته.

وهذا إن دل علي شئ فإنما يدل علي جهده الذاتي في سبيل التحصيل، وصقل المواهب، والتزود بزاد الفكر والأدب واللغة، غاص في أعماق المصادر فاستخرج اللآلئ، وتسلق الشامقات فجني خير ثمارها، وبني ثقافته علي أساس متين من العلم، والأدب الرفيع، شاهدته يرحمه الله علي كبر سنه، يدافع عما يؤمن به أشد الدفاع، ويذب عن حمي هويتنا الإسلامية العربية أشد ما يكون الذب والذود، متسلحاً بسلاح الدين والثقافة الإسلامية، المستمدة من مصادرها الإسلامية الشامخة وهو الكتاب والسنة، والحضارة الإسلامية العريقة .

علاوة علي أنه كان للمرحوم وبتوفيق الله مواقف مشرفة في الدفاع عن هذا التراث الثمين، والكنز الغالي . وصدق الله العظيم:" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، ولا شك أن حفظ القرآن الكريم يستلزم حفظ اللعة التي بها نزل وهي اللغة العربية.

اهتم عثمان القاضي باللغة الغربية، ورأي أن انكسار اللغة – عدم الاهتمام بها – انكسار للأمة، وانهدام لها . لأن التماسك اللغوي، تصالب للأمة .. فاللغة عنده لها عبقريتها المتفردة، وحزنه شديد كلما رأي انحرافا في اللغة يسئ إليها، زخرفة كانت أو تشكيلا هلامياً يغرم بالتورم اللفظي، ومن ثم حرص علي أن تكون لغته صافية نقية ساحرة، خالية من الغموض، بعيدة عن التقعر، مفارقة للحذلقة والزخرفة والترصيع، صادقة في التعبير، صحيحة في التراكيب.

إن اللغة العربية تمثل تراثا حتميا عند عثمان القاضي، ومن ثم رأي أن الأدب الجدير بالبقاء هو الأدب المصوغ بتلك اللغة، لأنها الأقدر علي البقاء والجمال معاً، ولذلك نجد عثمان القاضي في كل أحاديثه وكتاباته ومحاضراته يتحدث عن اللغة العربية كحامل للتراث وكوعاء لحضارات تمتزج وتستوعب، وكأداة تعبيرية تضفي علي العمل الجمال والجلال معاً، فاللغة العربية في نظره هي التي تشكل الفكر – فكرنا- وليس لنا لغة إلا تلك اللغة التي ورثناها، قابلة للتطور من جيل إلي جيل، ولكنها تظل اللغة العربية الفصحي بعبقريتها المتفردة وسليقتها الفذة.

وكم كانت الخسارة كبيرة، ينتابني حزن عميق .. وتنتابني غصة كلما تذكرت أن عثمان القاضي ليس بيننا .. لم أشاهده في حياتي عابسا .. أو شاكيا .. ولم أسمعه مرة يتحدث عن الناس إلا بالخير .. وبقدر معرفته العظيمة، إلا أنه أقل الناس حديثا .. ودود ومتواضع لدرجة أنك تسأل نفسك وأنت في حضرته .. هل حقا أنا أجالس مع عثمان القاضي العملاق.

إلتقيته بلجنة العلاقات الثقافية قبل وفاته بأيام بكلية الآداب، فكان كما هو، حتي وهو يتألم، بشوشاً ضحوكا، وفياً، ولأنه شامخ في حياته، كان شامخا كذلك حتي وهو يفارق، وتفيض روحه لبارئها في الفضاء، لا علي أسرة المستشفيات .

وأفتخر أنني هنا أكتب عنه فهو معلم  وعملاق، ولا أنسي أنني عندما كنت أسطر مقالة لي كل يوم أرسلها له عبر الواتس، وحين كان يقرأ حروفي المتواضعة يفاجئني باتصال أبوي، يجعلني أشعر بالتقصير أمام ما أجده في شخصيته الخلوقة.

ولد الأستاذ الدكتور عثمان القاضي  في الخامس عشر من شهر نوفمبر لعام 1940م، بأسيوط، وكان من الجيل الذي قد أتم حفظ القرآن الكريم قبل إتمام المرحلة الابتدائية، ثم التحق بالأزهر الشريف، وحصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية (وهى الإعدادية حاليا) وكان ترتيبه الأول على محافظة أسيوط والثالث على الجمهورية، ثم حصل (متفوقا) على الثانوية الأزهرية المعادلة سنة 1963م، وبعدها أيضا حصل على درجة الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من كلية دار العلوم - جامعة القاهرة بتقدير عام جيد جدا (في السنوات الأربع) مع مرتبة الشرف عام 1967م؛ وهنا  كًلف بشغل وظيفة معيد فى كلية الآداب بسوهاج – جامعة أسيوط عام1977م، ثم حصل علي الماجستير عام1983م وعين مدرسا مساعدا، وحصل بعد ذلك أيضا حصل على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عام 1987م وعين مدرسا، وترقى إلى درجة أستاذ مساعد عام 2000م، ثم ترقى إلى درجة أستاذ عام 2005، وكان يشغل قبل وفاته وظيفة أستاذ متفرغ فى كلية الآداب بأسيوط - جامعة أسيوط.

خلف الدكتور عثمان القاضي وراءه إرثا معرفيا ونقديا وتاريخيا سيظل مصدر فخر واعتزاز ومدرسة للأجيال القادمة منها علي سبيل المثال لا الحصر : السيرة النبوية لابن هشام " مصدراً أدبياً"، والشعر في مروج الذهب للمسعودي "توثيق ودراسة"، وثلاثة بحوث في الأدب العربي، وموقف العقاد من قضية الشكل في الشعر الحديث، والمقال عند زكى مبارك، وتعليقة على قصيدة النفس المنسوبة إلى الشيخ الرئيس أبى على بن سينا – تحقيق وتقديم، والاتجاه القصصي عند الرافعي، وكتاب لواعج الغرام لعبد المعين بن أحمد (ت 1040هـ) - تحقيق وتقديم، والشعر في كتاب المحبر لمحمد بن حبيب (ت245هـ) – جمع وتحقيق وتقديم، واتجاهات معاصرة فى دراسة مشكل النوع الأدبي، وإبداع المنفلوطي بين الموضوع والمترجم، وتأثير عيون الأخبار فى العقد الفريد.. وهلم جرا.

ولم يكن أستاذنا عثمان القاضي مجرد أديب وناقد وكاتب لوذعي، بل كان عاملا ناشطا في وظائفه  الممنوحة، ومشاركا حيا في النشاطات الثقافية، وكان دائما يدعو إلي  تكوين الشخصية الأدبية النقدية، وقد تأثر عثمان القاضي بعدة علماء أجلاء من المعاصرين، منهم عباس محمود العقاد، وزكي مبارك، وطه حسين، ولقد حدثني ذات مرة فقال :" أنا أرفض ما لا أفهم ! وفي سخرية أضاف : من غير المعقول أن أستعين بمترجم يترجم لي ذلك الأدب الغامض إلي نفس لغته التي كتب بها".

أقسي ما في الحياة أن يودع الإنسان عزيزا عليه، وداعا ليس بعده لقاء، ولكن تلك هي إرادة الله وسنته في خلقه، ويتعين علينا أن نرضي بقضائه عز وجل .. وعزاءنا أن أديبنا الكبير الراحل – يرحمه الله – سيظل يعيش في قلوبنا وعقولنا طوال حياتنا، بل أطول كثير في حياتنا، فإبداعاته الأدبية والنقدية ستظل خالدة عبر الزمن تضيئ مكتباتنا العربية، وتثري أفكار أجيال المستقبل، لأنها حقا أعمال رفيعة قيمة جديرة بالعظمة والخلود، ولا أظن أن أحدا يمكنه أن ينسي بسهولة قمم كاتبنا مثل موقف العقاد من قضية الشكل فى الشعر الحديث، والمقال عند زكى مبارك، والاتجاه القصصي عند الرافعي المقررة علي أبناءنا الطلاب وهذه مجرد أمثلة فقط.

وأدب الراحل الجليل من النوع الواقعي القيمي الهادف، فقد كان صاحب قلم عف شريف، وصاحب رسالة كبري مقدسة، يحرص من خلالها علي إعلاء قيم الحق والعدل، وتأكيد المفاهيم الإنسانية والدينية، وبث روح  الفن والجمال، وكل ذلك دون أن يحيد يوما عن أسلوبه الرضين الفصيح الذي أعز به لغتنا العربية، ودون أن يجنح  إلي العبث واللامعقول أو الابهام  والغموض، لإدراكه الصادق أنه لا فائدة ترجي من أدب غير مفهوم للقارئ وربما للكاتب أيضا علي حد سواء، وبالتالي فلا حياة له.

ها هو أستاذنا عثمان القاضي يرحل بعد أن أوجع قلوبنا بموته المفاجئ، تاركا في نفوسنا ألم الفقد، ومرارة الحزن والشعور القاهر بالخسارة،  رحمك الله يا أستاذنا .. رحمك الله يا شيخنا .. رحمك الله أيها الأخ الكبير .. رحمك الله وغفر لك .. وجعل جنات الفردوس نزلك ومسكنك .. لقد ضربتهم لنا مثلا في الإخلاص في العمل والتفاني فيه ابتغاء مرضات الله .. أحاديثك ونقاشاتك ومحاضراتك  يا أستاذنا سيبقي صداها في أذن الزمان، وقلبه شاهدا علي الدعوة إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالتي هي أحسن .. ستبقي أعمالك وأعمال المخلصين من أمثالك شاهدة – إن شاء الله – تجدون ثوابها وأجرها من الكريم الرحمن، وسيجدها القراء في كل زمان بلسماً لجراح أرواحهم، لأنها كتبت باء الإخلاص، وسطرت بأفلام الصدق، هكذا نحسبكم، ولا نزكي علي الله أحداً، ويشهد لكم إرثكم الميمون.

إن القلم ليختنق، ولا مفر من التماس العزاء والتركيز فيما نعتقده من أن ابداع أديبنا الكبير سيظل حيا وخالدا يمتع الملايين من قرائه المعجبين.. إنه الموهبة والصفاء والقلب الحسن، والمودة والوفاء، والساحة، وقد شاء الله أن يحرمنا منها، وأن يعوضه عن حياتنا خيرا منها في رحابه الظليل.. رحل عنا عثمان القاضي وانطفأت شمعة حارب الظلام لعشرات السنين، وليس لنا الآن إلا الدعاء بأن يرحمه الله رحمة واسعة، وأن يجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا .. أسأل الله أن يعيننا علي الوفاء له، وداعا عثمان القاضي..

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الأديب حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الأديب، فتحية طيبة للدكتور عثمان القاضي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور عثمان القاضي، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

حاتم جعفر(في تعليقها على الرواية، قالت إحداهن: إنها رواية ممتعة والسرد فيها جميل غير اني توقفت عن المواصلة عند منتصفها، لما ورد فيها من مَسٍّ للذات الإلهية. هناسأختلف مع السيدة القارئة، فالكاتب لم يكن ليهدف الى ما ذهبت اليه بقدر توقفه وتصديه وبجرأة للإنحرافات التي مارسها البعض وتحت خيمة الدين وبدعوى الدفاع عنه، لذا وللذريعة نفسها، فإنَّ هذه الرواية سوف لن تروق لهذا البعض).

سيعيد علاء مشذوب سرد حكايته من هناك، من مخيم رفحا والمنفى البعيد، حيث التجمع اﻷكبر لعراقيين، لم يكن أمامهم حينها من خيار وبعد أن ضاقت بهم المنافذ سوى مغادرة بلدهم، دفاعا عن مبادئهم وصونا لكرامتهم، فاﻷحوال قد تغيرت واﻷوضاع لا تسر أحدا. متجهين صوب عالم آخر، عالم مجهول لم تطأه أقدامهم من قبل، علَّهم يعثرون هناك على مخارج مشرفة، حاملين على أكتافهم في ترحالهم وطنا من جلنار وكل ما حباه الله من أشكال الخير.

لكنهم وبسبب من حداثة تغربهم وقلة حيلتهم فقد فاتهم تلمس وعورة الطريق، عدا عن إرتداد مَنْ ظنوهم أخوة لهم، فإذا بأوصالهم تتقطع ويجري تقاسمها بين هذا وذاك، وراح (اﻷعدقاء) يتقاذفونهم بعد أن ضاقت بهم السُبُل، فضربهم التيه وهاموا على وجوههم، ليتحولوا الى ضحية لجنسيات متعددة اﻷطراف والولاءات، كانت قد وحَّدتها المصالح ليس الاّ، ولتجتمع في ما بينها تحت خيمة أو كذبة ما يسمي بالنظام الدولي، الراعي اﻷمين والمدافع عن حقوق الإنسان كما يُفترض، وفي ضوء ما سنته شرائعهم، وإذا به لا يقل فسادا وشراسة إن لم يزد عن النظام السابق، ليمسي متحكما ومتفردا بزمام اﻷمر، وبقراري الحرب والتجويع، والإتيان كذلك بمنظومة حكم مهلهلة، كبيرها لص وصغيرها زاني.

ومن بين المغادرين أيضاً، مَن ْاستثمرها ووظفها لغايات أخرى، لا صلة لها بما كان يدعيه حين كان معارضا، لتتكشف نواياه بسرعة ملفتة، ولتسقط معها وبشكل مدوي كل شعاراته وإدعائاته، ولتهوي معها أيضا ما كان قد لفَّقه من سطور بعد أن لوى عنق التأريخ، ونسج منه ما يشاء بغير حق، إنسجاما مع ما انتواه وما خطط له، فراح في ما بعد وإثر سقوط الدولة أو إسقاطها، ليلعب ويرقص على أشلاء وطن، تمَّ ذُبِحه من الوريد الى الوريد، وليعبث به كما كان يفعل من قبل.

وعلى تلك اﻷرضية والمعطيات الصادمة وما شهده العراق من مصائب وما لحق به من تخريب وتدمير متعمدين، وعلى يد فئة باغية، تحكمت بشؤون البلاد والعباد، سيسرد الكاتب علاء مشذوب روايته، بائع السكاكر، مختارا لها بضع شخصيات كان أبرزها تلك التي أسماها متوكل، لتشكل محور شاعمله. ومن خلال حركة هذه الشخصية وتفاعلاتها مع ما يحيطها، ستتحول وتصبح كما الشاهد الحي والمدون المحايد لحقبة من الزمن، حيث وُلِدَ وكبر معها، انها نهاية عقد الستينات وما سيتبعها من متاعب. وتعليقا على هذا الإسم (متوكل)، فهناك من الكتاب ولعل علاء كان أحدهم، سيختار له من اﻷسماء عن دراية وقصد، وسيحمل معه دلالته وما يرمز اليه.

سيطوف هذا الصبي أحياء مدينته وهوحامل حلواه على صينية من نحاس، كان الصدأ قد طالها من بعض جوانبها، علَّه يكسب قوت يومه، ليحتفظ بما تيسر له وبالحلال، في (صندقجة) آملا أن تعينه على مسايرة أبناء حيّه ومدرسته والتواصل معهم ومن موقع المتكافئ، انها جذور الإعتداد والإعتزاز بالنفس وبالزهد أيضا، وستجد هذه الصفات  لها تعبيراتها، وسنسمع صداها مع تطور السرد، ولتبقى ملازمة له حتى في كبره.

وأثناء تجواله على أحياء مدينته، كالمخيم وباب الخان وباب الطاك وباب بغداد وغيرها، سيصل مسامع هذا الصبي الفطن، الكثير مما يتناقله الكبار، ومداره ما تمر به البلاد من أحداث وأزمات متلاحقة، كالحرب والعوز والحرمان والديكتاتورية، لم تكن لتسر طفولته بل أوشكت أن تهدد أحلامه وما كان قد رسمه في مخيلته من أفق بعيد. لكن ورغم كل ما فات ذكره من ظروف صعبة ومع مرور السنين، فهذا الـ(المتوكل)، سيثبت تفوقه الدراسي وسيدخل مجالات أكثر رحابة وبالتزامن مع الإزدياد الملحوظ في مستوى وعيه وطموحه. وعلى هذا اﻷساس سينقلنا الكاتب الى مستوى آخر من روايته، ليكون متوكل نفسه محورها كما سبق القول.

ومن خلال سيرورة الرواية وعلى لسان شخصيتها الرئيسية، فسيصلنا منه وفي طريقة تناوله لبعض المظاهر الإجتماعية التي لفتت نظره، إرتكانه الى لغة الكشف عن المستور وكذلك المسكوت عنه وما كان خافيا، كتلك الطقوس والعادات وما ورثه وأروثناه معه. ميل كهذا من لدن الكاتب، ربما سيؤرق البعض وسيكون مبعث قلق لهم، بل سيشكل دافعا قويا لمَنْ ألصق وإحتكر لنفسه صفة صاحب الفقه والتفسير، ليرميه بالشطح، وبالخروج عن الملة. موضوع كهذا هو ما شدَّ إنتباهنا، لذا سيكون محورنا في هذا المقال.

فمثلا ووفق ما جاء في سرده، وأثناء مراسيم تشييع أحد الشهداء، ستظهر وبجلاء على الشخصية الرئيسية للرواية، علامات من التندر على هذا الطقس وليقلل من شأنه. بل تجده وقد ذهب بعيدا حين راح يتهامس مع أحد المشيّعين. ففي تعبير يدل على وقوفه في جانب الرافض له، شرع بالقول (ولكن الله لم يذكر كلمة الشهيد بمعنى من قُتل في سبيله، ﻷنه يقول ولا تحسبن الذين قتلوا، ولم يقل ولا تحسبن الذي أستشهدوا) ص50. وتعليقا على هذه الفقرة، فربما الكاتب، وانا لست بصدد مصادرة رأيه وما يكتنهه، أراد أن يقول: إنَّ فكرة ما يسمونه شهيدا،سترتبط هنا بالحروب التي تخوضها النظم الحاكمة الفاسدة والغير شرعية. وإرتباطا بهذا السياق، فهل يصح لنا أن ننعت ضحاياها بالشهداء؟. بالمناسبة حديث كهذا لا زالت تدور رحاه في أروقة النظام الحالي.

وفي لفتة أخرى وفي ذات السياق سينقلنا الكاتب الى حدث لا يقل أهمية عن سابقه، إذ راح مذكراً بذلك الخلاف الذي نشب بين أبيه من جهة وعمه من جهة أخرى، فاﻷخير كان صعب المراس والطباع، وعلامات عدم الرضا والنحسُ بادية عليه، حتى تمَّ إكتشاف اﻷمر والتوصل أخيرا الى سرّه. فالرجل لا يُسكتهُ ولا يغير من طباعهِ الاّ تسجيل البيت الذي كانوا قد أورثوره من والدهم بإسمه فقط، وبذا سيفرض على أخيه التخلي عنه وكان له ما أراد.

وفي الحيثيات أو الخلفيات التي وقفت وراء هدفه هذا، هو إستغلال حديقة البيت كما إدعى العم، لإخفاء تلك المطبوعات السرية التي كان يصدرها أحد اﻷحزاب الإسلامية المحظورة، والتي كانت بحوزة ولده بإعتباره عضوا في واحدة من التنظيمات المذكورة. وتعليقا على ما فات وفي تنويه الكاتب وإيراده مثال كهذا، أراد من خلاله التذكير بحقيقة هذه اﻷحزاب ومدى طمعها في الإستحواذ والتملك، وهذا ما سنشهده لاحقا حين تسلقوا السلطة، حيث قاموا وبعد أن وطئت أقدامهم عتبة الحكم ومنذ اللحظات الأولى، بالإلتفاف ومصادرة ما يمكن نقله وما لا يمكن،سواء ما كان تابعا وجزءا من ملكات الدولة أو من المواطنين. متبعين في ذلك شتى الوسائل بما فيها تلك التي جرى تحريميها من قبلهم هم أنفسهم، في أوقات سابقة.

وفي موقع آخر من الرواية، والتي ستأتي بمثابة الإحتجاج على عدم القدرة على اتخاذ اي خطوة تحمي الشعب ومقدراته، وبعد إنفلات اﻷوضاع وبلوغها مرحلة لا يمكن السكوت عنها، فستجد الكاتب رافعاً صوته عاليا، محرضا الخالق على فعل شيء، يحمي ويدافع عن حق أصحاب الحق (إنَّ الاله الذي يسكن بعيداً عن غنماته ولا يستطيع حمايتهن لا يستحق الإفتراض أو الوجود. وإنَّ الاله الذي يحيط نفسه بألاسرار مخافة إكتشافه، اله لا يمتلك أي أسرار) ص53. نص كهذا سيدفعنا الى التساؤل: هل أن علاء وبسبب إيراده نصا كهذا،سيدفع باﻵخرين ممن يدعون تمثيل الله ويحتكرون النطق بإسمه، لأن يضعونه في خانة من الشك والريبة.

وعلى ذات الصفحة سيضرب الكاتب بقسوة ويبلغ أقصى درجات التقاطع مع فكرة النبوة وخلفياتها ومن خلال العبارة التالية: إنَّ البيئة التي لا تنتج أنبياء هي بيئة خالية من الإنحرافات. بل سيذهب أبعد من ذلك حين يورد النص التالي: البعض يحتاج الى صنم يلجأ اليه عند حاجته ليبكي في حضرته وينساه في لحظة فرح. بدورنا نحن القراء ولنعتبر اﻷمر سيدخل في باب الفضول لكنه سيبقى تساؤلا مشروعا، إذ كيف لعلاء أن يورد  نصا كهذا وهو إبن مدينة محافظة، تضم بين جنباتها مزارات مقدسة ومحمية باﻷئمة والصحابة. هل ما أورده يمثل رسالة رفض صارخة عما ترى عيناه، موجهة تحديدا ضد مَنْ يدعي حماية الدين والمذهب؟ ربما!!.

أفكار كالتي سقناها لم تكن بالغريبة أو الجديدة عليه، فمنذ كان فتيا، راودته الكثير من اﻷسئلة، وراحت تتقاذفه ذات اليمين وذات الشمال. فعلى الصفحة التاسعة والستين سيسأل صاحبه وقد يسبب له حرجا غير انه لم يتراجع: لماذا لا تُغني كل اﻷدعية عن جوع، ولا تستر كل التسابيح والتضرعات عرياناً. وبالمناسبة فقد جاء تعليقه هذا وعلى وفق ما جاء في الرواية، بعد أن صادف مرورهما بالقرب من أحد الجوامع ورائحة الطيب تضوع بالمكان، وبلغة لا تخلو من تندر على بضعة أشخاص، كانوا متجهين لصلاة الظهر.

الكاتب لم ينتهِ عند هذا الحد والصورة لم تكتمل بعد، لذا سيمضي في رسمها  وعلى وفق ماستتفتق به مخيلته، والتي ستكون على النحو التالي: سيقوم اﻵذن أو المشرف على الجامع، بجملة من الطقوس والفروض وغيرها من إجراءات العبادة ومقتضياتها، في مسعى منه للتقرب الى الخالق وإرضاءا له، واضعا نصب عينيه ما سيوفره له من رصيد وحسنات، إستعدادا وشفاعة ليوم الحساب. لكن هذا الشيخ المعمم والجليل كما هو مفترض، ومع أول إختبار حقيقي لمدى إيمانه، ستذوب وتتلاشى كل إدعاءاته، وسينازعه صراع الرغبة والشهوة(مع قرب إمرأة حسناء)، سيحضر معها الشيطان، ليفسد عليه صلاته وقيامه.

وعلى ذات المنوال سيستمر الكاتب على جرأته والوقوف على ما يصعب التوقف عنده (كان أبي قبل كل صباح وعند السحر وقبل الفجر يوقض الله ليُخبره بصحوه المبكر... يُخبره باﻷفواه التي ستُفتَح بعد السادسة من كل ضياء)ص70. في هذا النص سيجنح صاحب النص الى تبادل اﻷدوار بينه وبين خالقه، لعله أراد أن يقول: إنتبه يا سيدي، يا مالك السماوات وما فوقها وما تحتها، القادر على كل شيء، هناك بشر محرومين من نعمك وأفضالك، فالعوز هو الكفر والجوع هو الكفر. أمّا ما هو بيني وبينك فلنرجأه الى إشعار آخر، فاﻷفواه لا تعرف اﻷعذار ولا تقوى على الإنتظار.

وفي إنتقالة أخرى، لا تقل صراحة ووضوحا،سنقرأ (المدن التي تدور حول المراقد الدينية مدن خائفة من العطش... تبقى مدن ليلية تتخطفها اﻷشباح ويرعبها عواء الكلاب والذئاب وعيون القطط) ص75. هنا سيكون السؤال مشروعا: لِمَ وصل الكاتب في وصفه للمدن المقدسة الى ما وصل اليه؟ فعلى ما عرفناه، إن أماكن العبادة ولدى كل اﻷديان والمذاهب وحتى لدى غير الموحدين، تبعث على الطمأنينة والسكينة وهدأة الروح.

وإذا ما أردنا التوقف عند هذه الظاهرة وما تعانيه المدن المقدسة وكما رآها الكاتب، فإلى ماذا سنعزي أسبابها!. وبصرف النظر عما يجول بخاطرنا من ردٍ وتفسير، فإنَّ الكاتب علاء مشذوب سوف لن يُحار جوابا، فبعد القليل من اﻷسطر، سيرد هو نفسه وفي ذات الصفحة على تساؤلاته أو لنقل إحتجاجاته على تلك الصورة التي خرج بها عن تلك المدن (كنت ما بين مطرقة الواقع وسندان اﻷحلام أطحن كل مساء، كلما غرز الواقع أنيابه في الحمى هربت الى الحلم ﻷلتحف به).

وتعقيبا على ما ذُكرَ، فسيؤشر الكاتب هنا وبلغة لا تخلو من تورية، بانَّ عملية البوح لم تعد ممكنة، فحرّاس النوايا يقفون بحرابهم على اﻷبواب، وفكرة تعدد اﻵراء واﻷصوات لا مكان لها في حوار الطرشان. حتى اﻵن سيظن القارئ أن الكاتب ربما إكتفى بهذ القدر من الإحتجاج حين كان حذرا في تعبيره، غير انه سيباغتك وعلى نحو مفاجئ وبجملة إعتراضية، ربما سَيُلخِّصُ من خلالها طريق النجاة من المأزق الذي يعصف بالبلاد، ليقترح حلا، لم يكن ليخطر على بال أحد(في كل زمان يحلم الشباب بالخلاص، ولا خلاص غير المسيح من براثن الحقد النابتة في الصحراء دون بذور)ص76.

إذن، ومن كل مافات، يمكننا القول بأن فكرة إقحام الدين بالأحداث التي تعصف ببلاده وبسيرة الكاتب الشخصية أيضاً، لم تأتِ بعفو خاطر، بل كان يعنيها ويتقصدها، وعلى أرجح الظن ربما أراد لها أن تكون موضوع روايته، وأراد أيضا ومن خلالها إيصال العديد من الرسائل. لذا وإنسجاماً مع ذات السياق، سينقلنا علاء الى أجواء أخرى، سيستحضر فيها ما كان أباه قد مرَّ به وعائلته بشكل عام من متاعب، دون أن يغفل طبعاً عن ربطها بالشق الديني.

فكم تمنى الكاتب أن يوفر ﻷبيه عيشا رغيدا وأناقة تليق بمقامه، بعد مرَّ شابسنوات من العذاب وشغف العيش. وكم تمنى أيضاً لوالدته توفير ما شايطيب لها من الرغبات، تنسيها قرف ما لاقته من أيام نحس وليال قاسيات. فعلاء كان يحلم أن يرى والدته (تضع الميك آب الخفيف على وجنتيها بشعرها السارح لتعلن عن أنوثتها الجميلة)ص98.

غير انه وفي المنتصف من ذات العبارة الآنفة،سينقلك الكاتب الى مناخ آخر مختلف تماما، وبشكل بدا كما الذي أوحي اليه على حين غفلة، ليتقاطع مع تلك الصورة التي كان قد رسمها وتمناها لوالدته قبل لحظات والتي ما إنفكت تراوده، ليحذرها ويدعوها الى(صيانتها لنفسها من كل الذين يرتدون بزة الله، رافعين آيات الكتب المقدسة بوجهها)، وعليك يا أمي أن لا تلتفتي اليهم، وأريحي ركابك حيثما يطيب لك المقام، فمن جنباتك ستفوح ضوعة الطيوب.

ربما التحدي اﻷكبر الذي سيطلقه الكاتب وبعد أن طفح به الكيل ولم يَعُد في قوس الصبر منزع، تمثَّلَتْ في دعوته الصريحة الى (أن يُطلق العنان لشعائر الله ليمتحن تقوى القلوب بالتزامن مع فتح الملاهي والبارات)ص99، وعندهاستتضح الرؤيا ويبان الخيط اﻷبيض من الخيط اﻷسود، وسنرى الناس مولّين وجوههم زرافات ووحدانا صوب ما يشتهون. وعن ذات الموضوع، فالكاتب هنا يتحدث بثقة عالية، فبدا كما الذي عرف سلفا مصداق قوله ولعله لم يجانب الحقيقة حين (رأى الدين مطواعا بيد زبانية الجكومة) ص101، يحركون زواياه كما يشتهون، يفسرونه كما لو رأوه حمّال أوجه، فإذا شاء أحدهم فسيأخذه  يمينا، وإذا شاء اﻵخر فسيأخذه شمالا، أمّا فقراء اﻷرض فلا حول لهم ولا قوة.

قبل أن نختم، هناك نص كان قد ورد في رواية أحلام ممنوعة للروائي نور عبدالمجيد يقول فيه:

(خربوا البلد... منهم لله... البلطجية بيكسروا المحلات والبنوك يا خالتي). والحاذق يفهم.

 

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو 

 

 

محمود محمد عليتوفى الكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد الخميس الماضي بمستشفى وادي النيل، عن عمر ناهز 86 عامًا، بعد صراع مع المرض، إذ تعرض لوعكة صحية منذ ترك منصبه كرئيس للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في يونيو من العام الماضي، دخل على اثرها المستشفى قرابة 4 مرات، عاني خلالها من آلام في المرارة كما أصيب بجلطة ثم عاني من انخفاض نسبة الهيموجلوبين في الدم قبل أن يدخل المستشفى منذ نحو 3 أسابيع مكث فيها قرابة الأسبوع في العناية المركزة

ومكرم محمد أحمد هو فارس الصحافة النبيل والمقاتل الشريف في بلاط صاحبة الجلالة، وأحد أعمدة “الأهرام” الذين كانت لهم بصمات واضحة ومسيرة حافلة بالعطاء والإنجازات، وظل يكتب في الأهرام عبر عموده اليومي الشهير “نقطة نور” حتى مرضه الأخير.

ويعد الراحل من أشهر رواد مهنة صاحبة الجلالة في مصر والشرق الأوسط عرف عنه ولعه الشديد بالعمل الصحفي وشغفه لممارسة هذا الدور رغم بلوغه سن 86 عامًا، وغيرته على المهنة.

كما عرف عنه تمسكه برأيه والدفاع عنه مهما كلف الأمر، ورغم الاتفاق أو الاختلاف مع أرائه إلا أن كتابته تشهد له بالمهنية والمصداقية ؛ حيث كان الراحل يقول عن مهنة الصحافة، "إنها مهنة عظيمة، ورسالة حقيقية من أجل خير الإنسان وتقدمه".

ومكرم محمد أحمد ولد في 25 يونيو 1935 بمدينة منوف بمحافظة المنوفية، وحصل على ليسانس الآداب قسم الفلسفة جامعة القاهرة عام 1957، وبدأ عمله الصحفي محرراً بصحيفة الأخبار ثم مديرا لمكتب الأهرام بالعاصمة السورية دمشق، ثم مراسلاً عسكرياً باليمن عام 1967 ورئيس قسم التحقيقات الصحافية بالأهرام وتدرج حتى وصل لمنصب مساعد رئيس التحرير ثم مديرا لتحرير الأهرام.

تبلورت أفكاره في مجموعة من الكتب والمؤلفات، ومن أبرز إصداراته: كتاب عن الثورة في جنوب الجزيرة، وكتاب عن أحاديث مع الإسرائيليين، وكتاب حوار مع الرئيس، وكتاب حوار أم مواجهة عن مراجعات الجماعات الإسلامية، بالإضافة إلى كتاب القدرة النووية المصرية- التحديات وأسباب الإخفاق، نال “مكرم محمد أحمد” عددا من الجوائز والتكريمات خلال مشواره الصحفي.

وفي عام 1980 شغل مكرم منصب رئيس مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال ورئيس تحرير مجلة المصور عام 1980 ولمدة 24 عاماً، وفاز بمقعد نقيب الصحفيين لـ 5 دورات الأولى كان في المجلس السادس والثلاثين في تاريخ نقابة الصحفيين من من مارس 1989 إلى مارس 1991، وأعيد انتخابه للمرة الثانية على التوالي من مارس 1991 إلى مارس 1993، كما فاز في الانتخابات الني جرت في يونيو 1997 واستمر حتى يونيو 1999.

وفي العام 2007 خاض معركة انتخابية أمام منافسه رجائي الميرغني، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط، وحصل فيها على 70% من أصوات الناخبين ليصبح نقيبًا للصحفيين حتى أحداث 25 يناير في العام 2011.

واجه مكرم محمد أحمد الموت أكثر من مرة حسبما كتبت له الأقدار لمواجهة المتاعب في مهنة البحث عن المتاعب، كان له مع العام 1967 موعدًا مع الأخطار حيث تعرض للموت أثناء تغطيته لحرب اليمن، وذلك بمطاردة طائرة “هوكر هنتر” له على إحدى الجبهات، وقت نبشه في أسرار الحرب وتطوراتها بحسه الصحفي الكبير.

في نفس العام وقت حرب الأيام الست (نكسة 67)، تعرض للموت ولمحاولة إختطاف من قِبل إسرائيل وما وراء إسرائيل أثناء تغطيته للحرب في غزة، وكان متخفيًا في زي فلسطيني بمساعدة بعض الشخصيات الصحفية الفلسطينية التي ساعدته على الهرب من أنياب الصهيونية عبر البحر.

في العام 1987 تعرض مكرم محمد أحمد، لمحاولة اغتيال من جماعة “الناجون من النار” وهو خارج من مكتبه بدار الهلال، حيث كان موضوعًا في قائمة اغتيالاتهم وتصدى له ثلاثة من الجماعة لكن الرصاصات أخطأت أهدافها، ليكتب له عمرًا جديدًا في عالم الفكر والصحافة.

وسيظل مكرم محمد أحمد من الأسماء البارزة في عالم الصحافة والفكر، عبر مغامراته الصحفية المميزة، ونجاحه الإداري والصحفي الذي نوَّر اسمه بحروف مضيئة لن تطفئها الأزمان.

ومكرم محمد أحمد، تم انتخابه 5 دورات نقيبا للصحفيين الأولى كانت فى عام 1989، وآخرها كانت فى عام 2011 وله إنجازاته الكبرى فى دورات الصحفيين وحرية العمل النقابى.

فى إبريل 2017 تولى مكرم محمد أحمد رئاسة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والذى حرص منذ رئاسته للمجلس على القضاء على حالة الفوضى العارمة التى شهدها الإعلام والعمل على إرساء مناخ إعلامى قوامه الالتزام بمعايير المهنة ومراعاة القيم الأخلاقية، واتخذ عددا من القرارات الهامة التى من شأنها ضبط أداء الإعلام فى مصر، وتصدى لعدد كبير من المخالفات المهنية بالفضائيات واتخذ قرارات بوقف برامجها، كما شن حملة ضد أجهزة البث غير المرخصة، بالتنسيق مع الجهات المختصة خاصة الإدارة العامة لشرطة المصنفات الفنية، تنفيذًا للقانون بمنع تواجد أجهزة خارج مدينة الإنتاج إلا بتصريح من المجلس، لمنع البث من خارج مدينة الإنتاج الإعلامي دون تصريح من المجلس.

كما وضع المجلس خلال فترة رئاسته له ، عدداً من المعايير الهامة لضبط المحتوى فى الدراما، منها عدم اللجوء إلى الألفاظ والحوارات المتدنية والسوقية التي تشوه الميراث الأخلاقي والقيمي والسلوكي، والتوقف عن تمجيد الجريمة باصطناع أبطال وهميين يجسدون أسوأ ما في الظواهر الاجتماعية السلبية التي تسهم الأعمال الدرامية فى انتشارها والتوقف عن تجاهل ودهس القانون عن طريق الإيحاء بإمكانية تحقيق العدالة والتصدي للظلم الاجتماعي باستخدام العنف العضلي والتآمر والأسلحة بمختلف أنواعها وليس بالطرق القانونية وطالب بالحد من مشاهد التدخين وتصدير صور الإدمان كأمر طبيعي بالمشاركة مع صندوق مكافحة وعلاج الادمان والتعاطي.

وداعاً الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ مكرم محمد أحمد فقدت مصر والأسرة الصحفية كاتباً وطنيًا وقيمة وقامة كبيرة والذي أفنى حياته في خدمة الصحافة المصرية وشارك في معارك الوطن في فترات عصيبة طوال تاريخه الصحفي وله من المواقف الإنسانية الكثير ..رحم الله الفقيد بواسع رحمته و أن يسكنه فسيح جناته ويلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ضياء نافعتقوم الامم عادة بالمناسبات الكبرى في مسيرة تاريخها بتأمّل تلك المسيرة، وتحاول ان تتذكّر الاحداث التي مرّت بها و تحللّها، كي تصل الى اجابة صحيحة (وخالية من اخطاء الماضي!) للتخطيط اللاحق في المسيرة هذه، وكم يحتاج العراقيون في مئوية تاسيس الدولة العراقية (1921 – 2021) ان (يتوقّفوا !) و(يتذكروا !) و(يتأمّلوا !)  مسيرتهم تلك وفي المجالات كافة (اي ليس فقط الاحداث السياسية يا اولي الالباب!) .. وانطلاقا من هذا المفهوم، ومساهمة متواضعة جدا في هذه العملية الفكرية المهمة للتخطيط اللاحق، نود هنا ان نتوقف قليلا عند نقطة صغيرة جدا (ولكنها مهمة) في مسيرة الثقافة في العراق، وان نتذكر – ليس الا - اسماء روّاد الادب الروسي العراقيين الراحلين، ونقول عدة كلمات عن كل واحد منهم لا أكثر، كي نعلن، اننا بحاجة ان نسجّل هذه الظاهرة في مسيرة الثقافة في العراق عبر قرن باكمله، لانها تعني بداية تفاعل المثقف العراقي مع الآداب الاجنبية وكيف تقبّلها القارئ في العراق الحديث بعد قرون (السبات!) العثماني، وكي نعلن ايضا، اننا بحاجة الى عمل جماعي يشارك فيه المتخصصون في بلادنا لتسجيل اعمال هؤلاء الروّاد، قبل ان تضيع كليّا، وتصبح (نسيا منسيّا)، اذ ان هذه الاعمال الابداعية دليل مادي على بداية نضوجنا الفكري، وتعني اننا نتطلّع للحوار والتعايش مع ثقافات الشعوب الاخرى، وكي نعلن ايضا، اننا ننتظر الآخرين كي (يدلو بدلوهم!) في هذا المجال، وفي كل المجالات الثقافية الاخرى بدولة العراق ونحن نبتدأ الطريق في وضع خطط مسيرتنا المئوية الثانية ...

الاسماء

هذه بعض اسماء الرواد الراحلين ليس الا في مجال الادب الروسي في العراق، واكرر كلمة (بعض)، واضع تحتها خطّا عريضا.  الاسماء مرتّبة طبعا حسب الحروف الهجائية، واؤكّد مرة اخرى واخرى، ان هذه القائمة واسعة جدا، ولا يمكن لي وحدي وبمفردي وحسب ذاكرتي – وانا في خريف عمري - ان اقوم بها، اذ انها بحاجة الى مشاركة الآخرين حتما لتطويرها واكمالها -

أكرم فاضل (1918 -1987) – مترجم رواية تورغينيف (الاباء والبنون) عن الفرنسية (بالاشتراك مع ذنون أيوب عن الانكليزية، والترجمة عن لغتين في آن واحد – تجربة فريدة ورائدة في تاريخ الترجمة بالعراق، ولم تتكرر لاحقا) ونشرها عام 1950 في بغداد، وهي اول ترجمة كاملة لرواية تورغينيف ظهرت في العالم العربي عموما.// أنور شاؤول (1904 - 1984) – ترجم قصة   لغوركي،  ونشرت مجلته (الحاصد) في الثلاثينيات نتاجات عديدة في الادب الاجنبي عموما والروسي خصوصا، وكم نحن بحاجة الى دراسة تفصيلية لتلك المجلة الادبية الرائدة // بدري حسون فريد (1927 - 2017) – حوّل قصة (الحرباء) القصيرة لتشيخوف الى مسرحية ذات فصل واحد ونشرها، وقدّم قصة (ردهة رقم 6) لتشيخوف ايضا بعد اعدادها مسرحيا على خشبة المسرح العراقي // جليل كمال  الدين (1930 - 2014) – أصدر كتابا عن غوركي، وترجم قصصا لغوغول ورواية لآيتماتوف // حياة شرارة (1935 - 1997)-  ايقونة الادب الروسي في العراق والتي اصبحت الاسم الرمزي الساطع له بعد انتحارها المأساوي // خميس حرج  نشمي (1941 - 2014) – مترجم ملحمة الادب الروسي القديم – كلمة عن فوج ايغور، وهو عمل ابداعي رائد في العالم العربي  عموما // سعدي المالح (1951 - 2014) – ترجم العديد من الكتب، منها، رواية آيتماتوف – ويطول اليوم اكثر من قرن //

شاكر خصباك (1930 - 2018) – قدّم عام 1954 اول كتاب عراقي (وثاني كتاب عربي عموما) عن تشيخوف / عادل كاظم (1939 - 2020) – حوّل قصة (المنتقم) القصيرة لتشيخوف الى مسرحية ذات فصل واحد ونشرها، وهو عمل ابداعي كبير / عامر عبد الله (1924 - 2014) – يرتبط اسم هذا السياسي الكبير بترجمته مع عبد الجباروهبي [ الصحافي المعروف للعراقيين بمقالاته الساخرة (ابو سعيد)]  في الاربعينيات لكوبرين وغوركي وغوغول وتولستوي /  عبد الوهاب الامين – قدّم قصتين قصيرتين لتشيخوف عام 1934 في كتابه (مجموعة قصص من الادب الحديث)، الذي صدر في البصرة  / علي الشوك (1930 - 2018) – مقالاته وتأملاته وترجماته حول الادب الروسي لازالت تمتلك اهميتها وقيمتها / غائب طعمة فرمان (1927 - 1990) – شيخ المترجمين العراقيين للادب الروسي بكل معنى الكلمة، وهو ايضا واحد من ابرز المبدعين العرب في هذا المجال، وترتبط باسمه قائمة باكثر من ثمانين كتابا مترجما  /  محمود احمد السيد (1903 - 1937) – الاسم الاول بين الرواد العراقيين، فقد ظهر في العشرينيات وقدّم ملخصات لنتاجات تولستوي وتورغينيف / محمد يونس (1937 - 2009) – أصدر وترجم العديد من الكتب حول الادب الروسي، وابرزها كتابه الرائد في هذا المجال وهو – الكلاسيكيون الروس والادب العربي  / موفق الدليمي  – مترجم عدة كتب ابرزها – التأرجح على الهاوية – العام الاخير من حياة دستويفسكي / نجيب المانع (1926 - 1991) – مترجم كبير، له كتاب مهم جدا عن تولستوي، وآخر عن دستويفسكي بنفس الاهمية / نعيم بدوي (1911 - 2002) – يرتبط اسمه بالنسبة للادب الروسي في العراق مع تشيخوف قبل كل شئ ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

محمود محمد عليفقدت مصر والعالم العربي واحدا من أقدر علمائها إلا وهو أستاذ علم النفس و المخرج المسرحي ورئيس جمعية الأطباء  النفسيين العرب ورئيس الجمعية المصرية للتحليل النفسي ومدير مسرح الغد الأسبق ألا وهو الدكتور حسين عبد القادر الذي غيبه الموت بعد صراع مع المرض عن عمر ناهز ال85 عاما، فقد توفي هذا العالم الجليل صباح يوم الثلاثاء الماضي الموافق الثاني من شهر مارس الجاري 2021 وليواري الثري جسده بمدافن العائلة بمقابر السادس من أكتوبر،

والدكتور حسين عبدالقادر من جيل الرواد في المسرح، وواحد من القلائل الذين استطاعوا الجمع بين العلم والفن ، فهو عضو بفرقة المسرح القومي، ومن مؤسسي فرقة مسرح الغد وتولى إدارتها، درس علم النفس بالتوازي مع المسرح، حيث كان أستاذا لمادة التحليل النفسي وأثرها على الدراما، واستخدم المسرح في العلاج النفسي والعقلي باستخدام السيكودراما.

كذلك يعد الدكتور حسين عبد القادر من رواد علم النفس في مصر، لما لا وهو الذي ربط منهج علم النفس بالدراما؛ وتحديداً السيكو دراما، ويعود ذلك الفهم العميق من خلال ربط وتوظيف الدكتور حسين عبد القادر لعلم النفس المتعلق بالشخصية، ومراحل حياتها المختلفة من المهد إلي اللحد، وما يصدر عنها من أعراض مرضية، كالهفوات، والأمراض، والكوابيس، والأحلام، ودراسة مناهج، والمدارس المختلفة لعلم النفس قبل وبعد ظهور العلم، واهتمام الدكتور حسين بتدريس مادة علم النفس، كعلم ثم ربطه بتاريخ الدراما؛ وبخاصة إبراز الحالات والشخصيات المسرحية المتميزة منذ نشأة الدراما عند الإغريق واهتمامه بتدريس ما يسمي بالمنهج النفسي للشخصية من خلال محاضراته العملية الشيقة خلال سنوات عمره مع طلابه من أكاديمية الفنون وكليات الآداب والمسرح الجامعي، لتظل محاضراته عن علاقة علم النفس بالدراما، وشرحه المتميز، والمتعلق بالهفوات، والأمراض، والأحلام في علم النفس مرجعاً مستنيراً لكل الأجيال الدارسة، والمتخصصة في علم النفس، ولدارسي المسرح والفنون، وبخاصة دارسي النقد، والإخراج، والتمثيل، والديكور، وباقي عناصر العرض المسرحي، ولهذا لن ينسي له أبداً تلامذته بأكاديمية الفنون الذين درسوا معه عن قرب عبقريته في تدريس مناهج علم النفس؛ وبخاصة إبرازه للحالات المسرحية النفسية المرضية، وإظهار اعرضاها المرضية، مروراً بكل عصور ومذاهب الدراما، وأشهر كتابها لن ينسي له طلابه له هذا الفضل وهذا العلم، ومع هذا العلم الواسع تميز الدكتور حسين عبد القادر بحسن الخلق، وبالنباهة، والفراسة في علمه، كما تميز الفقيد الراحل بشكره وثنائه علي أساتذته الراحلين في مجال علم النفس والدراما، وعلي رأسهم الدكتور الراحل "يوسف مراد"، كما تميز بالتواضع والقرب من تلامذته، بسبب حسن خلقه، وتمكنه من علمه؛ إضافة إلي خبراته، وثقافته، وآدابه التي تأثر بها أثناء دراسته وتنقله في بلاد وأوربا، وقربه من أشهر علماء ومدارس علم النفس من أجل نقل تلك الخبرات إلي بلده مصر، ناهيك عن زوقه الرفيع وحبه للفنون وانعكاس ذلك علي شخصيته، وعلي تلامذته وكل المقربين منه، وذلك حسب تعبير صالح أبو مسلم .

ولد الدكتور حسين عبدالقادر بحي الحلمية الجديدة بالقاهرة في 4 إبريل 1936،  والتحق بكلية الآداب جامعة عين شمس قسم علم النفس، إلا أنه وفي بداية أعوام الدراسة قام ببطولة مسرحية “سيأتي الوقت”  لرومان روملان من إخراج عبد الرحيم الزرقاني، وفاز العرض بالجائزة الذهبية للجامعات، وفي عام   1962  حصل على ليسانس الآداب قسم علم نفس عام ، وكان قد شارك ببطولة مسرحية “الأب” لأوجستيا سترنبرج” عام1961 من إخراج نور الدمرداش.

وقد أوردت جريدة " مسرحنا"، في عددها 524 الصادر بتاريخ 11سبتمبر2017، فإنه وعقب تخرجه التحق بالمسرح القومي عام 1962، وهو أول جامعي يلتحق بالمسرح القومي  وفي نفس العام أخرج مسرحية  "العادلون" لألبير كامي”  لجامعه الأزهر، وبعدها أشار د. محمد إسماعيل موافي في تقديمه لهذا النص في سلسلة (المسرح العالمي) إلى هذا الإخراج كأحد الأسباب لنشر هذا النص الذي ربما تعترض عليه الرقابة، ويواصل (حسين) تجاربه الإخراجية في (المسرح الجامعي)، فقام بإخراج مسرحية “الكل في الميدان” لجامعه الأزهر 1963، و”الإخوة كارامازوف” لديستويفكي لآداب عين شمس 1966، وفي العام التالي قدم لجامعه حلوان (كلية التجارة) مسرحيتين “بيكيبت -  شرف الله” لجان انوي 1967، و” كوميون باريس” لبرتولد بوريخت 1968، وفي العام التالي قدم مسرحية “كوميديا أوديب” أو  “انت اللي قتلت الوحش” علي سالم 1969،  وفي السبعينيات تتوالى تجاربه الإخراجية في المسرح الجامعي إلى جانب حصوله على رسالة الماجستير في التحليل النفسي، وعنوانها (الفصام) بحث في العلاقة بالموضوع كما تظهر في (السيكو دراما) عام 1973، ويربط فيها ما بين التحليل النفسي والعلاج بأساليب السيكو دراما مؤصلا لهذا الأسلوب في التراث العربي عند ابن سينا، وفي نفس الوقت  مع مزاولته الأداء التمثيلي في المسرح القومي والمسرح العالمي يواصل تجاربه في الإخراج في المسرح الجامعي ففي عام 1974 يقدم مسرحية “الشعلة” لـ كيستورز لجامعه حلوان يتلوها “القصة المزدوجة للدكتور بالي “لبيارو بيوخي  1975، ثم “حالة حصار” 1978 لجامعه حلوان أيضا تأليف البير كامي، “لكع بن لكع “ عن رواية “ يوميات أبي النحس المتشائل” لإميل حبيبي  1979  لمنتخب جامعه القاهرة،  إلي أن يعود لتقديمها بعد ثلاثة عشر عاما لمنتخب جامعه المنصورة، وقام بإعداده عن رواية “الكاتب الفلسطيني”، والذي حشد عشرات الممثلين والمجاميع يزيد عن المائة ممثل في كلا تجربتي جامعة القاهرة وجامعه المنصورة، واستطاع بعد ذلك أن ينقاش رسالة الدكتوراه في التحليل النفسي عام 1985 بعنوان “العلاج الجماعي والسيكودراما دراسة في الجماعات العلاجية لمرض السيكو دراما)، وانتدب ليدرس مادة التحليل النفسي في أكثر من جامعة.

أما عن إسهاماته في الأداء التمثيلي (بما أنه كان رافضاً الإخراج في ظل (المؤسسة)  لاعتبارات الوصاية والرقابة من الإدارة  سواء في المسرح القومي، أو المسرح العالمي الذي انتدب للعمل فيه -لذا كان يفضل العمل في (المسرح الجامعي)– دون هذه القيود فكان يختار تلك النصوص المتمردة الرافضة للواقع، والتي لم تقدم من قبل على خشبات المسرح المصري، وكانت بداية مشاركاته بالأداء التمثيلي في المسرح العالمي في مسرحية شكسبير “عطيل” إخراج حمدي غيث.

وقام بدور كاسيوس عام 1963، وفي عام 1964 شارك في مسرحية “هاملت” شكسبير، إخراج السيد بدير علي مسرح دار الأُوبرا في دور هوارشيو، وعلى نفس المسرح شارك في مسرحية “أنتيوجونا” لسوفوكليس، إخراج سعد أردش عام 1965 في دور الحارس، بالإضافة إلى مساعد مخرج، وفي عام 1966 شارك في مسرحية “الكلمة الثالثة” تأليف إليخاندرو كاسونا، وإخراج أنور رستم، وقام بدور أستاذ علم الأجناس على خشبة مسرح الطليعة، وفي عام 1967 قام بدور أستاذ الفلسفة في كوميديا موليير” البرجوازاي النبيل” إخراج سعد أردش في مسرح الجمهورية، وفي عام 1969 شارك في مسرحية “وطني عكا” تأليف عبد الرحمن الشرقاوي وإخراج كرم مطاوع، وقام بدور الراوي بمشاركة "نجاة علي"، وقام بدور راوٍ آخر في عرض مناسبة رحيل عبد الناصر بعنوان “28 سبتمبر” وقصيدة لأحمد عبد المعطي حجازي عام 1971، وفي عام 1978 يشارك في عرض “السيرة النبوية” تأليف "أسامة أبو طالب" - إخراج "عبد الغفار عودة".

كما قدم كممثل عدداً من العروض المسرحية منها عطيل، هاملت، البرجوازي الصغير وغيرها، عمل مع كبار مخرجي المسرح منهم نور الدمرداش، عبدالرحمن الشرقاوي، كرم مطاوع، سعد أردش، وغيرهم.

إلا أن ظهوره على خشبات المسارح جاء على فترات متباعدة نظرا لانشغاله بالكثير من دراساته الأكاديمية والخاصة بعلم النفس، مثل “جُناح الأحداث والسيكودراما” 1995 (بالاشتراك)، “ التحليل النفسي -  ماضيه ومستقبله” 2002 دار الفكر المعاصر – لبنان، “يونس الصغير في ضوء التحليل النفسي” 2005  – دار أزمنة-  الأردن.

بالإضافة إلى قيامه بدوره النقابي في نقابة المهن التمثيلية لفترتين من 1978 -  حتى 1981 كسكرتير للنقابة، وإلى جانب تدريسه مادة علم النفس في معاهد أكاديمية الفنون ما بين أعوام1985 – 1990، وعضوية لجنة المسرح بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضوية المكتب الفني للمسرح القومي 1985، 1990، وكذلك عضويته في الجمعيات العلمية المتخصصة، وفي لجان معهد التليفزيون، وإعداد أوراق بحثية في كثير من المؤتمرات العلمية في مجال علم النفس والفنون مثلما تناول المخرجين (شادي عبد السلام وصلاح يوسف ويوسف شاهين) في السينما على سبيل المثال، وغيرها من الدراسات في الفنون الأخرى، وكذلك حواراته في برنامج “العيادة النفسية” في إذاعة البرنامج الثقافي، ومشاركته في تحرير موسوعة” الطب النفسي العربي” 2000 بيروت.

كذلك أسس (الجمعية المصرية للتحليل النفسي) 2001 لتصبح عضوا في الرابطة العالمية للتحليل النفسي، وعقد لها مؤتمرا دوليا في القاهرة 2008. أما عن نشاطه الأكاديمي في الجامعات المصرية فقد قام بتدريس مادتي التحليل النفسي والتحليل المرضي في جامعتي المنصورة والزقازيق، وذلك خلال الأعوام 1976 – 1990.

وفي هذا الخضم من النشاط المسرحي والعلمي يكلف في نهاية حياته الوظيفية في المسرح بإنشاء (فرقة الغد للعروض التجريبية)، ولم يكن قد تم الانتهاء من إنشاء دار عرض لفرقة الغد، وكتب دراسة بعنوان: (فرقة الغد والعروض التجريبية ورؤى المستقبل) توقف فيها عند محاور ثلاثة هي: غياب الفلسفة، ترهل الإدارة، الأموال المهدرة، رافعاً شعار (المسرح الغني الفقير)، وبدأ العمل بعد تعيينه مباشرة في مايو 1994، في (بروفات) سبع مسرحيات في وقت واحد بعد ورشة فنية درس فيها  أعضاء الفرقة (تدريب الممثل والباليه والسيكودراما بل والعرائس)، والمسرحيات هي: “الليلة نضحك” لميخائيل رومان وإخراج محمد دسوقي، “رحلة الحلاج” لعز الدين المدني وإخراج  د.محمد أبو الخير، “فصيلة على طريق الموت” أو “ كتبية إعدام”  لألفونسو ساستري وإخراج محمد عمر، “ الطريق” لوول سوينكا وإخراج إسماعيل مختار، “ أرض لا تنبت الزهور” لمحمود دياب وإخراج هناء عبد الفتاح، “ فيلو كتيتوس” لسوفكليس وإخراج عاصم رأفت، “المولوية” لمحمد السيد وإخراج  جمال الشيخ.

وأضاف إلى هذه المسرحيات السبع ثلاث مسرحيات وهي: “ملك الغرفة المظلمة” لطاغور وإخراج سامح مجاهد،”بانوراما فرعونية” تأليف مصطفي سليم وإخراج شريف صبحي و”امرؤ القيس في باريس” لعبد الكريم بوشيد وإخراج جلال عثمان، وأقامت هذه العروض (450) ليلة عرض على مدى ثلاثة شهور في أقاليم مصر في طنطا والمحلة والمنصورة وغيرها من الأقاليم، وفي القاهرة في مواقع متعددة، وهي عروض من المسرح العالمي والإفريقي والعربي والمصري، وقد وصلت (د. حسين) برقية بالإسبانية من (ألفونسو سستري)، وكان قد شهد عرض “كتيبة إعدام” في المحلة يعبر عن إحساسه بالفرحة مع عمال النسيج بالمحلة، وهي الرسالة التي أرسلها إلى د.أحمد يونس أستاذ اللغة الإسبانية يشير فيها إلى تأثره بشجاعة (حسين) لتقديم هذا النص، واستطاع د.حسين أن ينشر تلك النصوص لتكون في متناول المثقفين والمهتمين بالمسرح مع بيانات لكل المشاركين في كل عرض.. وبعد صراعات طويلة مع المسئولين، وفي 2 أكتوبر 1995 قدم حسين عبد القادر استقالته بعد صدام عنيف مع البيروقراطية، هذه الاستقالة الأخيرة التي سبقتها استقالتان بسبب المعوقات التي تواجهها الفرقة، وأشار إليها في الصحف.

وواصل د. حسين عبد القادر دراساته في مجال المسرح وفي مجال علم النفس وإن كان قد انقطع نشاطه الفعلي في المسرح منذ خروجه إلى المعاش في إبريل 1996.

لكن "حسين عبدالقادر" ظل لسنوات طويلة يبحث في مشكلات المسرح ومعوقاته و ينقب عن أسباب نهوضه وازدهاره.. دون أن تقعده شيخوخة.. ومكث حتى وفاته يمارس التحليل النفسي، ويعرض لمشكلات المسرح المصري عن عمق ووعي بالحماسة نفسها.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي الدكتور حسين عبد القادر هذا المثقف الشامل حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور حسين عبد القادر الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور حسين عبد القادر ، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

1- سمية عبدالمنعم: وفاة د.حسين عبدالقادر ..حدوتة مصرية في الطب والمسرح .. مقال بجريدة الوفد المصرية الاثنين, 01 مارس 2021 23:14.

2- عبد الغني داود : حسين عبد القادر فتي المسرح المتمرد.. مقال بجريدة المسرح العدد 524 صدر بتاريخ 11سبتمبر2017.

3- صالح أبو مسلم: حول رحيل الدكتور حسين عبد القادر.. مقال منشور ضمن في حب مصر بوابة الكترونية .. الأربعاء 3/3/2021 الساعة 8:50 مساء..

 

جمال العتابيلم أجد بأساً في التوجه بالسؤال لأحد الاساتذة الأكاديميين المتخصصين في الأدب والنقد العربيين، عن ناقدة عراقية، اسمها فريال جبوري غزول، كونها من أوائل النقاد العرب الذين تمثلوا النظريات النقدية الغربية الحديثة، البنيوية، وما بعد البنيوية، كما لم أتفاجأ  بجواب الأستاذ عدم معرفته الأسم، لأن المشكلة لا تكمن فيه، والإجابة أو عدمها ليست هي المعيار الصحيح في تقييم الكفاءة المعرفية، فهذا الأمر يحتاج إلى تفصيل وإنارة تكشف أسباب القطيعة مع الثقافة في الخارج، وليس لدي أدنى شك في موهبة الاستاذ وتمكنه من تخصصه، وتميزه على اقرانه في هذا المجال، فهو من من جيل توترَ، وقاوم، وتأوه، وصبر، وتحمل عذاب الحصارات بعيداً عن مخاضات الإبداع العالمي ، فالأزمة الحقيقية تتمثل ببعد المسافات المعرفية، بين جيلين من المثقفين، جيل أتاح له الإستقرار خارج الوطن، التعرف على التحولات الثقافية الجديدةفي العالم بيسر وسهولة، وجيل آخر ظل يقاوم في البحث الشاق عن الإضاءة في المعاني الجديدة، وتراه مدفوعاً بسبب الإنقطاع القسري، إلى التسامي عن مأزق القصور المفروض عليه، وحين تغيب حرارة البحث، تنعدم الأسئلة، ثم يبدأ المثقف تحاشي النظر إلى المرآة، خشية أن يرى نفسه منفياً.

فريال جبوري غزول المولودة في الموصل عام 1939، درست في الموصل وفرنسا، وإنگلترة، والولايات المتحدة، نالت شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة كولومبيا عن إطروحتها (شعرية ألف ليلة وليلة) بإشراف الدكتور أدوارد سعيد، صدر لها العديد من الكتب، ونشرت العشرات من الأبحاث والدراسات، في مجلات عالمية وعربية، باللغات الثلاث، العربية والإنگليزية والفرنسية.

إستطاعت فريال جبوري أن تبني عالمها الخاص، ولنقل لغتها الخاصة، في الكتابة بمستويات واجناس أدبية متنوعة، إلا انها انصرفت للتعريف بمنجز أدوارد سعيد، وقدمته للقارئ العربي في مقالتها المنشورة في مجلة فصول عام83، عن كتابه (العالم والنص والناقد)، قبل ترجمته إلى العربية، وأسهمت غزول في تشكيل وعي جديد في الأدب، وبالدرس النقدي العربي، وفي الترجمة كذلك، الأمر الذي يدعو المؤسسات الثقافية الغربية والعربية، الإحتفاء بها، لما تحمل كل هذا القدر من المعرفة، لتنتقل إلى المكان الأبعد والأعمق في البحث والدرس والكشف، وهكذا أتيح لها أن تضاعف من وتائر إنتاجها الغزير في النقد، فكتبت عن (الريادة في الرواية، ثلاثية الخراط)، وكتبت عن تجليات الجنس في الرواية العربية، وتابعت كتابات أحلام مستغانمي، ودرست لغة الضد الجميل في شعر الثمانينات - الإنموذج الفلسطيني-، وترجمت لأودنيس، ومحمود درويش، وأمل دنقل، كما ترجمت (النظرية النقدية) لمجموعة من النقاد، منهم ادوارد سعيد، وألتوسير، وترجمت عن الفرنسية دراسات عن فلوبير، وشهرزاد ما بعد الحداثة، والرواية العراقية القصيرة.

هذه الحقائق الأولية عن منجز غزول، تقودنا إلى النظر والتأمل في هذه التجربة، التي تحتفي بها دولة المغرب، وتنال الجوائز من الإمارات العربية، فالدكتورة فريال، ظاهرة نقدية بلا شك، وفكر نير متجدد يحمل الكثيرمن صفاء الروح والعقل، وهما عدّتها ومادتها، تفرّدت بتأنيها ودقتها في البحث، فضلاً عن موقفها الإنساني المنحار إلى قيم الجمال، وهي حالياً أستاذة ورئيسة الأدب الإنگليزي المقارن في الجامعة الأمريكية في القاهرة، ومن المؤكد ان فريال إحدى الكاتبات المثيرات للجدل، فلها إمتياز إقتحام القناعات المتأصلة فينا، ولأن الحداثة عندها تعتمد المعرفة العقلانية، إلى جانب الإرادة والحرية، إن حداثة أي مجتمع، برأيها، مرهون بعقله، وبناءً على ذلك، فالكاتب مؤسسة عقلية وإبداعية، تمتلك خزيناً من المعارف والرؤى، مهمته تبدأ في إنجاز فعل إضافي، ومن دون هذا الإنجاز، تظل تلويناً مكرراً لما هو قائم، وقد أدركت فريال هذه المهمة، لذا فأن هاجس الحداثة يسكنها بشكل معلن، تختصره بعبارات بليغة، وجمل ذكية، وبإسلوب رشيق.

أمام ثراء هذا المنجز الإبداعي الذي ينطلق كالنجوى على البعد، للوطن، انه إحدى المآثر اللاتي لا تغرب عن أفق العراق، والعراق، هكذا كان ومازال يتحاشى ان ينصف مبدعيه.

 

جمال العتّابي

 

 

حاتم جعفرقبيل الخطوة اﻷولى

 مضى على تخرجه من كلية الفنون الجميلة قرابة العقد أو ما زاد عليها ببضعة سنين، ومنذها لم تحن الفرصة لزيارتها الاّ ما ندر، ربما لإنشغالاته وتعدد مسؤولياته، أو لأن الحظ وقتما كان طالباً لم يحالفه في نسج زمالة عابرة أو علاقة عشق حتى لو كانت بريئة في نواياها مع إحداهن، لذا لم يشده الحنين اليها كما ينبغي. لكنه وفي الحالتين لم يكن في حلٍّ عن إستذكار أحلى اللحظات وأجمل اﻷماكن، فكم من مرة راودته فكرة معاودتها الاّ انها كانت تفلت من بين يديه دون إرادته ورغبته.

 أخيرا وبعد طول سنين وإذا بالشوق يضربه بقوة وعلى نحو مفاجئ ليحن الى تلك اﻷيام، بكل ما فيها، وكان له ما أراد. إذن ها هو اﻵن بحضرتها، مستظلا بشموخها، يدور بين أروقتها وقاعاتها، يتجول بزهو في رحابها، متطلعا في ثناياها وما تحدثه الشمس من دفءٍ وفيئ، قائلا في سرِّهِ: لا زالت جدرانك بهية رغم عوامل الكبر والتغضن، البادية عليك. لم يكتفِ علاء بذلك فها هو يقدم لها وبصوت كاد البعض يَسمعهُ فروض من الشكر والإمتنان، كذلك فيض من العرفان لكل مَنْ أهداه حرفا ودلَّه على صواب الطريق.

 بعد أن أكمل ما أسماه زيارته ﻷحد أهم اﻷماكن قدسية وشأناً، ما كان عليه الاّ التوجه صوب الحافلة التي ستقله الى مدينته، مدينة كربلاء التي باركها الرب وألِفت مآذنها أسراب طيور زاهية بألوانها وأنواعها، عمادها الوداعة وما هو أبعد. تطلَّع في ساعته والى اللوح المعلق الذي يحمل مواقيت الإنطلاق، وإذا به يكتشف أن هناك فائضا من الوقت وما عليه الاّ تزجيته، وخير مكان لذلك هو شارع المتنبي، فكم من مصادر دراسته إغترف منه، وكم كان سخيا لراحة روحه وسعدها. وما هي الاّ عطفة صغيرة سيجتازها ليصل الى مكانه المفضل، ليلتقي هناك خير جلاّسها وصفوة من روادها حين كان  طالبا، مستعيدا ما فات من حلو الأيام ومن أحاديث ما إنفك صداها يداعب ذاكرته، لذا راح يستحث الخطى نحو ما يبتغيه، إنه مقهى الشبندر.

 قبيل وصوله وعلى بعد أمتار معدودات وإذا به يتفاجأ بطاقم تلفزيوني كامل العدة والعدد، منغمس أحدهم في حوار ساخن ومؤثر مع صاحب المقهى محمد الخشالي، بهدف إعداد تقرير مفصل عما تعرض له وما اُلحِقَ بمقهاه سنة 2007 من أذى وتخريب، إثر عمل إرهابي راح ضحيته خمسة من أبنائه. ترحَّم علاء على أرواحم البريئة والزكية، قرأ من آيات الله ما تيسر وما توائم وتلك الواقعة الفاجعة، ثم واصل مشيته، علَّه يجد بديلا يستريح به، وإذا بقدميه تقفان عند ذلك المكان الذي كان يؤمه الشاعر الفيلسوف جميل صدقي أيام الثلاثينات والذي حمل إسمه، والحديث هنا يدور عن مقهى الزهاوي العتيد.

 وبمحض الصدفة المحضة، إلتقى هناك بأحد الأشخاص الذين كان على صلة به أيام زمان رغم فارق السن الواضح بينهما. أوشكت هيئة صاحبه أن تتطابق في زيها لما كان يرتديه الشاعر الزهاوي ومسحة من الحزن واﻷسى تغطي محيا العم شهاب، هذا هو إسمه، أمّا سكناه فهو في منطقة الفضل القديمة وربما يكون أحد اعيانها.

 ما بالك ياعم، أراك واجماً وعلى غير عادتك التي كنت قد عهدتك بها أيام زمان؟ سأله علاء مشذوب، ولم يردٌ عليه، ربما لم يسمعه وهذا أغلب الظن، فصوت مجنزرات الإحتلال التي مرَّت مسرعة بالقرب منهما حالت دون ذلك. ثم راح مكرره عليه، وإذا بالرجل يلتفت الى جليسه ليبدو كما الذي كان ينتظر سؤالا كهذا، ففي داخله فيض من الهَمِّ واﻷسى، لذا ألفته معيدا النظر في جلسته، ليكون في وضع يؤهله للسرد المريح، وبين سبابة يده اليمنى وأوسطها سيكارة تأبى مفارقته.

 بعدها شرع العم شهاب قائلا: سأحدثك يا ولدي وبإختصار عمّا يوجعني. سأحدثك عن مُدللتي بغداد وما كانت عليه في الفترة التي أنت وُلدتَ فيها، انها الستينات وما أجملها وسأعرج على الخمسينات أيضا، أمّا ما آلت اليه اﻷوضاع وسوء اﻷحوال في السنوات اﻷخيرة فسأترك أمر تقديره لك. أو إذا شئت فسأتلو على مسامعك ما كتبه أحدهم في إحدى الصحف البغدادية اﻷسبوع الماضي؟. ردَّ علاء بعد أن وضع عامل الوقت في حسابه، خشية عدم تمكنه من الإلتحاق بالحافلة التي ستقله الى مدينته، إذن لنستمع الى ما جاء في المقال. وهنا أخرج العم شهاب من جيبه ذلك العدد من الجريدة، شارعاً في قراءته وكما ورد نصاً:

((سنلقي الضوء هنا بعجالة على ما أطلق عليه بفترة الستينات وما سبقها بقليل، وعلى جيلها وما أنتجه من أعمال أدبية رائعة، لا زالت عالقة في ذاكرة مَنْ عاصرها، يحنون اليها بين حين وحين، يستحضرونها بشوق ولهفة، رغم تحفظنا على هذه التسمية (مصطلح جيل الستينات)، فعنها دار وَلمّا يزل لغط كبير. في كل اﻷحوال فلا خيار لنا ولا مندوحة الاّ التوقف عند أبهى محطاتها، نقلِّبُ صفحاتها، نشم عطرها، نسعد بنسائمها، نغفو على جمال ما دَوَّنهُ كتابها.

عن ماذا أحدثك عزيزي القارئ، عن فورة الشعر وفن السرد وما رافقهما من حوارات ساخنة، أم عن المسرحَينِ، الناطق منه والصامت وكذلك التجريبي وسادته. أم عن كُتّاب سيعتلون منصات الألق والتنافس، برفقة حزمة ضوء من ذهب وماس. أم عن عادل كاظم وقرينيه بل صديقيه عبدالوهاب الدايني وابراهيم جلال والقائمة تطول!. أم أحدثك عن فن الدراما ومدى رُقيه وتميّزه عن سائر الفنون، حيث لا مجال فيه الاّّ للكبار، فهو كما الوديعة والأمانة، كان قد تبارى في الذود والدفاع عنها، بعفة وشرف عاليين فنانين بقامات عالية، كخليل شوقي وزينب ويوسف العاني وناهدة الرماح وجعفر السعدي وبدري حسون فريد وآخرين قد نسهو عن ذكرهم.

عن ماذا أحدثك عن لوحات راحت تطرز قاعات بغداد وغاليراتها، فمن هنا مرَّ الدروبي حافظ وخالد الرحال، وهذه الريشة تعود لفايق حسن وهناك توقفنا طويلا عند لوحة سعاد العطار بألوانها الزاهيات، وهناك أيضا مَنْ سيتبارك بجدارية جواد سليم وسيستمد منها العزيمة والكبرياء، وهناك مَنْ إلتقط بفخرصور تذكارية مع إسماعيل فتاح الترك ومثلها مع محمد غني حكمت وغيرهما.

 وعلى الضفة اﻷخرى من أشكال الجمال وتعبيراته، فهناك من ضربه العشق والهيام وراح يندب حظه العاثر، محاولا مداراة ومداواة جراحه الغائرة، وعلى نغمات عفيفة اسكندر وأغنيتها شدعيلك يللي حركت كَلبي. ومنهم مَنْ راح يإنٌ مع أنين سليمة مراد وأغنية الهجر مو عاده غريبة .... ومنهن مَنْ راحت تتحسر مع مائدة نزهت بنت الضابط، وتخشى على الولد من أن يفلت من بين يديها وقلبها لتردد معها عيني عالولد. وهناك مَنْ رأى في أغنية عبدالوهاب، جفنه علَّم الغزل، خير مَنْ تُطربه. ومن شدة تعلقه بهذه اﻷغنية وصاحبها، راح يخوض نقاشات حامية الوطيس، حتى أوصلته في نهاية المطاف الى أن يتخلى عنه  نصف أصدقائه، وربما إتهموه بالولاء والتبعية الفنية لجهة أجنبية مشبوهة، ولعل أمر كهذا يُعَد من إحدى الطرائف والدعابات التي واكبت تلك الفترة من الزمن)).

  بعد هذا السرد المؤلم والشيق من المتحدث، والذي كاد على أثره أن ينسى علاء موعد عودته الى مدينته، كان لابد له من إصدار بعض الإيحاءات والتلميحات، على أمل الإلتقاء مرة أخرى وبأقرب فرصة ممكنة. خرجا سوية من المقهى وكادت إحدى قدمي العم شهاب وبعد  نوبة من اﻷلم والحسرة  أن تعثر بدكة المقهى لولا إتكائه على كتف علاء، ليتبعها بإبتسامة شكر، وليتوادعا على أمل اللقاء في ظرف أحسن، تكون فيه المجنزرات ومَنْ جاء معهم، قد إختفت تماما من شوارع مدنهم الحبيبة والسليبة.

ـ 2 ـ

توطئة لرواية بائع السكاكر.

 لا أظنُّ أنَّ علاء مشذوب، المولع بالقراءة والمتابع عن كثب لمتغيرات بلاده سيغفل عمّا سمعه من العم شهاب حين التقاه في ذلك المقهى، بل لقد حمل على كتفيه وطيلة الطريق الذي سَيوُصلهُ الى مدينته كل حرف وكل واقعة وكل إسم كان قدساهم وشارك في صناعة تلك الحقبة من الزمن، فهم وعلى ما رآه حَمَلَةُ ذلك الورد، بعبقه وأريجه، وبعطره الفواح وهو يغطي سماء بل سماوات بلاده. ولشدة جمالها راح متحسرا عليها، ناشدا العودة اليها أو محاكاتها.

 وما كاد يغادر تلك اللحظة الحرجة التي بلغ فيها ذروة الوجع، حتى أخذت تنثال على ذاكرته تلك اﻷحداث التي كان قد مرَّ بها ودونت سيرته ومنذ ولادته، لتتقاذفه وترمي به شرقا وغربا، لتجد بعد سنين تعبيراتها وإنعكاستها على شكل أعمال روائية وقصص قصيرة، فضلا عن بعض البحوث والدراسات المتعلقة بالتأريخ الإسلامي وكذلك المتعلق منها بإختصاصه في فن الصورة التلفزيونية. كذلك سينشط في حقل كتابة المقال وراح إسمه متداولا وبقوة في أهم الصحف العراقية.

 وسيختم طيب الذكر والثرى مشواره الفني واﻷدبي بعمل روائي، سيرى النور عام 2018، لعلَّ ما جاء فيه من محتوى سيشكل نقطة تحول كبرى في حياة الكاتب، لما فيه من أفكار لا تخلو من جرأة، خاصة وانها وفي بعض من فصولها قد مَسَّت الباب العالي وكل مَنْ نصََّبَ نفسه وكيلا وممثلا للإرادة الإلهية. وعن الرواية ذاتها فستحمل إسماً، كان قد إختاره ليدون فيه أهم المحطات والمنعطفات التي مرَّ بها ومذ كان صغيرا، إنها رواية بائع السكاكر.سيندب فيها حظَّه العاثر وحظَّ مَنْ جايله، ملقيا على صفحاتها قسوة عهد مضى وقسوة عهد يعيشه، ذاق من خلالهما أشد حالات العوز، وأكثرها تسلطا وتخلفا.

 وعلى الرغم من قساوة اﻷحداث والظروف التي يمر بها البلد ونظام حكم يتراوح بين الظلالة والجهالة، فألفته مُجدّا في مسعاه، ليطرق من جديد باب أكاديمية الفنون الجميلة التي تخرَّجَ منها، ليواصل ومن هناك تخصصه، مبتدءاً بحصوله على درجة الماجستير ومن ثم الدكتوراه، وبذا سيكون علاء قد وضع نفسه أمام مسؤوليات أكبر وأكثر جسامة وربما أشدٌ إيلاما ووقعا عليه، مُذكراً بتلك القاعدة اﻷثيرة للمتصوف الإسلامي،  محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري( كلما إتسعت الرؤيةستضيق العبارة)، وستضيق معها المخارج والمنافذ، فبأي العُقَدِسيبدأ! أيبدأ بالتي أقل ضررا، أم بتلك التي أقرب الى الحلِّ وأسهله، فالحال لا يسر أحدا، والبلد سائر نحو المجهول إن لم يكن الطوفان من بعده.

 وقبل أن يشرع في كتابة نصه، راح مستعيدا ما قرأ على مسامعه العم شهاب قبل سنوات، عن تلك الحقبة من الزمن والتي أسميناها بالستينات وجيلها، وسينظر اليها ويتعاطى معها بعينين مختلفتين، فمرة يغتبطها لزهوها وعطائها فيسميها بالزمن الذهبي، ومرة ينظر اليها بعين من الحسد ولعله مشروعا. وعند هذه اللحظة سيعيد علاء ذات التساؤل الذي كثيرا ما كان يرواده ويردده: لِمَ لَمْ نعش مثلها، ولَماذ تقطَّعَت الأوصال فيما بيننا؟.

 وبعد أن فرغ من كل تساؤلاته، راح يسرد روايته بروية وتأني. سيتخللها بين حين وحين إرتشافه جرعة من خمر أصيل، كان صاحبه قد أتى بها خلسة من قضاء طويريج القريب من مدينته، مخافة أن يُكشَفَ سرّه، فحسّاده كثرُ، ومنافسيه من أصحاب العمائم على اﻷبواب، تراهم يسترقون السمع والبصر، لا يدانيهم في ذلك الاّ رجال اﻷمن وسطوة حكام فاسدين من الرأس حتى القدمين.

 لكنه رغم هذا وذاك ورغم إنبهاره بتلك الحقبة التي أسميناها بالستينات، فإنَّ لعلاء وجهة نظر خاصة بها، فلا ينبغي أن نغفل كما يقول عن الجانب المعتم منها، وعلى وجه أدق نهايات ذلك العقد، وأظنه مصيبا في ذلك، حيث ستدشن بلادنا عهدا جديدا، عهد من المتاعب والمنايا، ستتخلله خيبات وهزائم، وستخاض معارك كانت نهاياتها قد رسمت وَعُرِفَتْ سلفا، ستدفع أثمانها أجيال وأجيال، وستشهد بلادنا أيضا ولادة أنظمة، أحرقت الحرث والنسل واغلقت طرق الوصول الى الضفة اﻷخرى، حيث الخمرة والخضرة والوجه الحسن. سنعيش زمانا سيصادر  فيه اﻷفق وساعات الغسق والسحر، وَسيُحجبُ عنا نور الشمس وضوء القمر. وستمر علينا أياما من الضلالة والتيه....

أراد علاء أن يسترسل أكثر في وصفه للحال وما هو متوقع غير اني أوقفته، أنا المتلقي: علامكَ ياصاحبي، تمَّهل قليلا، الا تظن أنك قد بالغت في ما ذهبت اليه؟ لم يرد عليَّ، مكتفيا  بإحالتي الى روايته. إذن نحن اﻵن في صحبة علاء مشذوب وما كتبه. متوقفين عند أصعب وأعقد محطاتها بل وأكثرها خطورة وربما كان من خلالها قد رسم نهايات حياته بل قد تكون السبب الرئيسي الذي وقف وراء إستشهاده، فهل هي النبوءة أم ماذا؟

 

 حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو

.........................

ملاحظة: لنا لقاء آخر مع حكاية الشهيد علاء مشذوب في قسمها الثاني، سننشره لاحقا.

 

 

 

قاسم حسين صالحكنا في ستينيات القرن الماضي عصبة من الشباب تضم ابن أكبر تاجر في الشطرة، وابن رجل دين بارز فيها، وابن فلاّح يجيد قراءة " الأبوذيه" وشاب اسمر صار فيما بعد شاعرا غنائيا مشهورا.. (زامل سعيد فتاح)، وأنا. وعصرا كنا نتمشى بـ(كورنيش) الشطرة من مقهى عبيد الى قصر الحاج خيون العبيد (الذي خصه الملك فيصل الثاني بزيارة في قصره)، لنعبر جسرا صغيرا ونعود في الأتجاه المعاكس.. وكانت (الحلوات) يتمشين ايضا ويتهادين كاسراب الحمام، فنخص بعضهن بنظرة من طرف العين (وشحده) اليتعدى حدوده.

كان زامل وأنا نتبارى بارتجال دارمي حين نرى فتاة جميلة، وكنت في بعض المرات أغلبه واكثر المرات يغلبني.. فعلق أحدهم أن زامل اشطر منك فأجاب.. هناك من هو اشعر مني واجمل ارتجالا.

ظهر اليوم الثاني اخذني الى مصور كان اكبر من كلينا عمرا.. قال هذا الذي قلت لك انه اشعر مني.. فكان (خالد) الذي قرن اسمه بالشطري حبا بمدينته.

سأله: وشسمه الحلو؟.. يقصدني.

+ قاسم

نظر لي وارتجل دارمي:

زامل حلو وحباب   بس قاسم احلى.

وتدور الأيام فاذا بي ارى (خالدا) في مبنى الأذاعة والتلفزيون. أخذته بالأحضان وجلسنا في (كافتريا) الأذاعة.

- شجابك لبغداد ابو علي؟

+ جابني الأقوى مني.. وانت شجابك؟

-  انا اعمل مذيعا باذاعة بغداد

+ معقوله! شيوعي .. وسجنك حزب البعث.. وخاليك مذيع!

وفهمت انه يعمل مشرفا لغويا مع انه لم يحصل على شهادة الأعدادية، ومعه جميل الخاصكي الذي كان ضريرا.. يدخل معنا الأستديو ويصحح للذي يقرأ تقريرا اخباريا او مادة اعلامية.. قواعديا ولفظيا.

ومن طريف ما حصل اننا كنا ستة جالسين بغرفة في القسم الثقافي الذي كان يترأسه الشاعر (العمارتلي) حسب الشيخ جعفر. نظرت للجالسين واندهشت:

+ ولكم تدرون احنه الكاعدين بنص الأذاعة.. كلنا ناصريه!

كان بيننا طالب القرغولي، زهير الدجيلي (رئيس تحرير اشهر مجلة في حينها .. الأذاعة والتلفزيون)،

حسين نعمه، .. وخالد الشطري.

السجن والحرية

من خبرتي الشخصية استطيع ان اقول مقولة (لا تعرف حقيقة الحرية ما لم تعش خبرة السجن).. وخالد الشطري انموذجا لها بوصفه شاعرا.فهو فهو قد خبره في اقسى اماكنه.. (نقرة السلمان) التي امضى فيها عامين، وسجن الكوت مع الصحفي والشاعر الغنائي وابن مدينته زهير الدجيلي، وسجن بغداد المركزي.. وانتهى في العام 1992 الى اعتقاله في الأمن العامة بتهمة التهجم على رئيس النظام، وخرج منها فاقد الذاكرة ليغادر الدنيا بعد اقل من ثلاثة اشهر .

شهادات من كبار

كان للشعر مهرجانات تقام زمن الجمهورية الأولى يصدح فيها كبار الشعراء بقصائد في حب الوطن والناس. وكان خالد قد شارك في مهرجان شعري كبير في بغداد، وبعد ان القى قصائده اعجب به الجواهري فقال له (أتطلع اليك يا شطري مبدعا ومن خلائفي المنتظرين).. وكان كما تطلع، فيما وصفه الدكتور محمد حسين آل ياسين بالشاعر المظلوم نقديا وقرائيا ولم يعط حقه حتى الآن دراسة وكشفا ووقوفا على ابداعه الجميل .. وتعدت شهرته العراق ليصفه الموسيقار العربي فاروق الشرنوبي بأنه من أبرز الشعراء العرب.

وخالد الشطري، بوصف الراحل عريان السيد خلف.. ولد شاعرا، وهذا صحي.. فالشعر موهبة تولد مع صاحبها، ومن مؤشرات ابداعه انه ترك الدراسة مبكرا، كما فعل بيكاسو ومبدعون كثر وجدوا المدارس ليست بمستوى مواهبهم، فغادروها ليبحثوا هم عما يشبع شغفهم المعرفي ويطور ابداعهم في مدرسة الحياة حيث هي التي تصنع الشاعر وليس المدارس ولا الجامعات.

وخالد، بينه والشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي، شبه كبير. فكلاهما وقفا مع شعبيهما، وكلاهما يمتازان بحرارة الأنفعال وصدق المشاعر في تجسيد معاناة المقهورين، لكن الأبنودي سجن ستة أشهر فقط، فيما خالد سجن سنوات، والأبنودي حظي بالتكريم وعاش حياة ممتعة، فيما خالد عاش حياة قاسية ولم يكرمه حكّام يعرفونه حق المعرفة.

خالد.. شاعر متفرّد

ما تفرد به خالد انه كتب ثاني موشح بالوطن العربي من مقام اللامي (أجفوةٌ أم دلالُ.. حيرتني با غزالُ) الذي لحنه الموسيقار روحي الخماش وادته فرقة الأنشاد العراقية، واعتمد مادة دراسية لكل معاهد الموسيقى بالعراق، وفقا لنجله الكاتب والشاعر وليد الشطري.

وانه كان يجيد الأرتجال.فحين سالته طالبة جاءت تأخذ عنده صورة شمسيه بمحله أمام مبنى وزارة الدفاع، ان كان هو نفسه الشاعر الذي وصفه استاذها في محاضرته بالشاعر المبدع المغبون، اجابها ارتجالا:

(نعم أنا ياحلوة الضفيرة .. نعم أنا الشاعر ياصغيرة

نعم أنا المعدم غير اني .. أمتلك الخزائن الكبيرة

أعيش العمر للقوافي .. أكتبها بأدمعي الغزيرة

.. .. .. .)

والشاعر نبي زمانه، بمعنى انه يتنبأ بما سيحدث فيقوله شعرا.. ففي الألفية الثانية قال خالد:

(حيوا الحسين عدو كل منافق .. باع الضمير بزرقة الدينار). وقال في مناسبة المولد النبوي:

(حاشاك أن ترضى وانت محمد .. شعب يصاد وواحد يتصيد).. وهذا ما حصل للعراقيين في الألفية الثالثة، حيث باع كثيرون ضمائرهم ونهبوا المليارات بينهم من يدّعون ان جدهم محمدا وامامهم الحسين.

الكاظمي يبادر .. والنتيجة خيبة!

وفقا لما نشر في (الزمان) فان دولة الأخ مصطفى الكاظمي وجهّ مكتبه بمتابعة ملف الشاعر خالد الشطري. ولكن المبادرة توقفت لأنه لا توجد وثائق او كتب تؤيد أنه كان سجينا سياسيا برغم مراجعات نجله وآخرين الجهات المعنية، ليمنح راتبا وقطعة أرض (بالمناسبة.. انا، وآخرين، سجناء سياسيين ولم نحصل على قطعة أرض).

ولنقل، لنعفي السيد الكاظمي من منح الراحل راتبا وقطعة أرض لأنه لا يمتلك المستمسكات المطلوبه التي تخوله ولا تساءله.. ولكن خالد شاعرا كبيرا كتب قصائد في حب الوطن والناس وغنى له مطربون اغنيات بحب بغداد والعراق.. ومستمسكاتها موثقة.. أفلا يستحق التكريم لمن غنى للوطن والناس؟.ألم تصدح مائدة نزهت بأغنية (هذا انا الوطن)، ومهند محسن بقصيدة بغداد، وانوار عبد الوهاب وفاضل عواد.. والفنان الملتزم الكبير لطفي ابو شناق الذي أشجانا وابكانا بقصيدة خالد (ما للمدينة أغلقت ابوابها)..

الا يكفي هذا يادولة رئيس الوزراء ويامعالي وزير الثقافة لتكريم شاعر فيه تكريم لمدينته الشطرة ولوطنه العراق ولكل من وقف بوجه الطغاة مجسدا مقولة الحسين.. هيهات منّا الذّلة؟!

عتب لاهل الشطرة.. ودعوة

اعجبني اهل مدينة الحلة بنحتهم تمثالا لشاعر مدينتهم (موفق محمد) ونصبه في مكان بارز، ليعيش موفق هذا التكريم وهو حي.. وكان على اهلنا في الشطرة اقامة تمثال لخالد منذ زمن.ومع ذلك، ما تزال الفرصة قائمة، بتشكيل لجنة، يكون فيها الأتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، تقوم بتوجيه الدعوة للتبرعات من اهلنا في الشطرة ومحبيه في داخل الوطن وخارجه. واقترح ان يتم نصبه مقابل مقهى عبيد في رأس الجسر الذي يتوسط المدينه.. يكتب تحته بيته الشعري:

(الارض أرضي والتراب ترابي& فعلام تسلب من يدي أتعابي)

ليكون رمزا لكل من لم يحني رأسه لطاغية، ولتتباهى به الشطرة.. مدينة الفنانين والأدباء والمناضلين والشعراء.

*

ا. د. قاسم حسين صالح