سامان سورانياليوم ٢٦-٩-٢٠٢١ تغادر السيدة Angela Merkel، أو ما تسمی عند البعض بـ"المرأة الحديدية"، المولودة عام ١٩٥٤ في مدينة هامبورغ، التي حظيت بإهتمام سياسي بارز خلال أحداث العقود التاريخية الثلاثة الماضية والتي حکمت لمدة کمستشارة لألمانيا مايقارب ١٦ سنة علی رأس أكبر اقتصاد أوروبي منصبها بهدوء، تارکة بصمة مؤثرة في السياسة الداخلية والخارجية للبلاد.

هذه المرأة الصعبة المراس والكتومة علی نحو غير معتاد حاصلة علی شهادة الدكتوراه في الفيزياء وستة عشرة دکتوراه فخرية من جامعات مشهورة في العالم امتازت بذكاء ودینامیكية وإنخرطت دوماً في صناعة الواقع وقامم بتواظب بخلق وقائع تخرق الحدود المرسومة والشروط الموضوعة وكسرت القوالب الجامدة والنماذج المستهلكة، التي تشل طاقة الفكر على ابتكار الحلول بصورة غير مسبوقة.

بدأت نجمة هذه السياسية الأهم في العالم تتصاعد عام ١٩٨٩بعد هدم جدار برلين الذي كان الحد الفاصل بين دولة المانيا المقسمة الی الشرقية الإشتراكية والغربية الرأسمالية وكان عمرها آنداك ٣٥ عاماً.

انضمت ميركل عام ١٩٨٩ لـ"حزب نهضة الديمقراطية" بالألمانيةDemokratischer Aufbruch  وبعد أول انتخابات حرة جرت في المانیا الشرقية أصبحت هي المتحدثة باسم الحكومة المنتخبة تحت رئاسة لوثر دي ميزيير.

أما بعد الوحدة الألمانية فانضمت ميركل بسرعة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي يشدد في مقدمة قانونه الأساسي على أنه حزب ديمقراطي ليبرالي ومحافظ يلتزم بقيم عصر التنوير الأوروبي والذي ترأسها منذ عام ٢٠٠٠ لتصبح بعد ذلك أول سيدة وبروتستانتیة ترأس حزب مٶسس عام ١٩٤٥ من الكاثوليك بهدف تجميع قواهم المسيحية الخارجة من أتون الحرب العالمية الثانية في كیان واحد، الحزب الذي طالما اشتهر بكونه عالماً للذكور وللعلم أشغلت ميركل منذ عام ٢٠٠٥ الی هذا اليوم منصب المستشارة في بلاد الشعراء الفلاسفة أمثال "يوهان فولفغانغ فون غوته" (١٧٤٩-١٨٣٢) و"يوهان كريستوف فريدريش فون شيلر"  (١٧٥٩-١٨٠٥).

خلال 16 عاماً من عملها كمستشارة لألمانيا ساهمت ميرکل في تنامي الدور الألماني في العالم وواجهت تحديات عالمية كبيرة وهي القائلة بأنه "لا يمكن اعتبار أي شيء بديهياً. حرياتنا الفردية ليست أمراً بديهياً ولا يمكن اعتبار الديمقراطية أمراً بديهياً ولا السلام ولا الازدهار".

حققت ميرکل أشياء عظيمة وکانت تعلم بأن المانيا لها مصالح عالمية، من جهة، لكن المانيا أصغر من أن تحقق الأشياء بمفردها، ومن جهة أخری فإنه ونظراً لحجمها ودورها في أوروبا، فإنه محكوم عليها بتولى دور القيادة. وقد کانت میرکل دائماً معنية بالحفاظ على الموجود بالدرجة الأولى.

اللحظات العظيمة لميركل جاءت بشكل أساسي خلال مواقف الأزمات التي مرت بها المانيا والعالم، وكان هناك عدد كبير منها في فترة مستشاريتها الطويلة. لم تكن أبداً متحدثة تثير الحماس. لكن خلال الأزمات، ظهر لدى ميركل "مزيجاً من البراغماتية والحزم وقوة الشخصية".

على مدى أربع ولايات ترأست فيها ميرکل حكومات ائتلافية رائدة، دافعت من خلالها عن الاعتدال وعن رؤية عالمية  مبنية علی التعاون لا المواجهة، لكنها تعرضت لهجوم من القوميين في جميع أنحاء العالم. لقد أعطی وجود ميركل في المنصب مدة طويلة استقرارا لألمانيا ولأوروبا في الوقت ذاته، وقد شهدت تلك الفترة أزماتٍ اقتصادية في دول الجنوب الأوروبي، والخروج البريطاني من الاتحاد، لکنها مارست قيادة هادئة ومتعقلة، وراكدة أحياناً، بالحفاظ على ما تحقق، ومحاولة تعزيزه وترسيخه أطول فترة ممكنة.

ختاما تقول آنجیلا میرکل: "نحتاج إلى الصمت لنتمكن التحدث بذكاء، ففي مواجهة الحائط بالرأس سوف يکون الحائط دوماً هو الفائز. فالديمقراطية ليست دائمًا مسألة اتخاذ قرارات منعزلة؛ إنها عادة مسألة تكوين رأي بمشارکة الآخرين".

نتمنی لمنطقة الشرق الأوسط التي تعیش منذ عقود الحروب المزمنة واللاإستقرار الكثير من السياسيين ورؤساء للحكومات أمثال آنجيلا ميركل ونأمل لهذه المرأة الحديدية دوام الصحة والعافية في حياة بعيدة عن السياسة وصخبها.

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر علينا الذكرى الخامسة لرحيل واحد من أهم صناع وكتاب الصحافة محمد حسنين هيكل، والذى غاب عن عالمنا فى 17 فبراير 2016، عن عمر يناهز الـ93 عاما، وهو واحد من أهم من ساهموا فى صياغة السياسة فى مصر منذ فترة الملك فاروق والذى تدرج فى المناصب فى مهنة الصحافة والإعلام، وأصدر عشرات المؤلفات، فهو صاحب أهم مسيرة صحفية وفكرية، بتقرير عنوانه "محمد حسنين هيكل.. ذاكرة الأمة التي لا تموت، فهو ذلك الأستاذ صاحب المسيرة الصحفية الفذّة، والذي عاش 70 عاما من عمره شاهد عيان على أهم سنوات التاريخ المصري، إنه محمد حسنين هيكل - الجورنالجي والسياسي - الذي هزم السرطان 3 مرات في حياته، إلا أنّ الفشل الكلوي تسبب في وفاته عن عمر 93 عاما في العام 2016 (1).

علاوة علي أنه يعد من أشهر وأبرز الصحفيين المصريين والعرب، ومحلل سياسي مخضرم، والذي سنتذكره دائماً لشغفه وحبه للعمل الصحفي. كان هيكل يوصف بأنه مؤرخ تاريخ مصر الحديث، ووصفته جريدة The New York Times  بأنه عميد المحللين السياسيين العرب ؛ وقد قال عنه أستاذنا المرحوم مكرم محمد أحمد:" تحتاج مصر إلي بضعة عقود من الزمن كي يأتيها صحفي عملاق في قامة أستاذنا الفاضل محمد حسنين هيكل، يملك مثل قدرته وبراعته وشموخ قلمه، ويحاكيه في نزاهة القصد والمسلك ويحظى بمثل هذه الموهبة الرائعة التي تعطيه قدرة فائقة علي رؤية أبعاد الواقع واستبصار غياهب المستقبل، في سلاسة منقطعة النظير، تزينها مهارة فذة في رسم الصور ونحت الكلمات، وصك التعابير .. ولا أظن أن صحفيا مصريا علي امتداد تاريخ هذه المهنة امتلك كل هذه الأدوات التي جعلت من هيكل الصحفي روائيا مبدعا، تنصاع له كل فنون الحكي، ومصورا فنانا، يحيل قلمه متي شاء إلي فرشاه مبدعة، ترسم ظلال وأضواء وألوان أكثر الصور والمواقف تعقيدا، ومحللا بارعا، يتابع عن كثب تطورات عالمنا، يصعب أن تفاجئه بخبر أو معلومة أو فكرة، ولغويا ضليعا، يرقي بفن الكتابة السياسية إلي حدود الشعر (2)

كما قال عنه "فهمي هويدي" الكاتب والصحفي الشهير: "طوال سنوات عمله الحافلة والمليئة بالأحداث الصاخبة، كان هيكل يرى نفسه أولاً وقبل كل شيء صحفياً. فقد اضطلع بمناصب أخرى في لحظات معينة من التاريخ، وكان مصدراً موسوعياً من المعلومات، وكاتباً ومحللاً سياسيا ًعظيماً، إلا أنه رأى نفسه صحفي في المقام الأول، وكان كذلك في كل يوم من حياته حتى اليوم الذي أصبح فيه مريضاً وتعباً على الاستمرار (3).

والحقيقة فإنني أؤيد كل ما قاله أستاذنا مكرك محمد أحمد، وكذلك ما قاله الأستاذ فهمي هويدي، وأضيف بأنه سيظل اسم الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل اللامع مثار اعجاب الملايين من القراء في مصر والعالم العربي، فهو كما قال الأستاذ أبو السعود إبراهيم:" صاحب أسلوب متميز، وتاريخ حافل في الصحافة العربية .. ومؤلفاته مؤثقة بالوثائق والمستندات تؤكد قدرته الفائقة علي التحليل .. كلماته توزن بالذهب في الصحف الأجنبية .. ومقالاته وأحاديثه تصدر في كبريات الصحف في العالم .. فهو بحق أحد عمالقة الصحافة المصرية والعربية .. إنه أمة في رجل .. الأستاذ محمد حسنين هيكل نجم ساطع في سماء الصحافة المصرية والعالمية .. وصل إلي مكانته بجهده وعرقه، وبذكائه استطاع أن يقف وسط العمالقة (4).

ولد محمد حسنين هيكل في 23 سبتمبر عام 1923 بقرية باسوس بمحافظة القليوبية، وبدأ الدراسة بالمراحل المتصلة ثم اتجه إلى الصحافة في وقت مبكر حيث التحق بجريدة "الإيجيبشيان جازيت" حيث عمل كمحرر تحت التمرين بقسم الحوادث ثم انتقل إلى القسم الألماني، شارك في تغطية بعض المعارك التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، ثم التحق بمجلة آخر ساعة عام 1945 كمحرر أيضا واستمر في العمل بهذه المجلة حتى أصبحت تحت ملكية جريدة أخبار اليوم .

وخلال هذه الفترة عمل هيكل كمراسل متجول لجريدة أخبار اليوم لينقل الأحداث الجارية من كل مكان بالعالم سواء في الشرق الأوسط أو الشرق الأقصى حتى أنه سافر إلى كوريا وإلى أفريقيا وحتى البلقان، واستقر بمصر عام 1951 حيث تولى منصب رئيس تحرير مجلة آخر ساعة وفي نفس الوقت مدير تحرير جريدة أخبار اليوم واستطاع من خلال وظيفته أن يتلمس الواقع السياسي الجاري في مصر آنذاك، ثم عين رئيس تحرير جريدة الأهرام لمدة 17 عاما وكان له عمود أسبوعي خاص به تحت عنوان بصراحة حيث استطاع أن يكتب في هذا العمود لعام 1994 (5)

والخطوة الأهم في حياة الكاتب الكبير "هيكل" كانت حين وقع عليه الاختيار ليذهب للعلمين لتغطية وقائع الحرب العالمية الثانية، ثم سافر إلى مالطا، ثم إلى باريس، والتقى السيدة فاطمة اليوسف صاحبة مجلة (روز اليوسف)، التي قررت ضمّه إلى مجلتها عام 1944، ثم تعرف على محمد التابعي، لينقل إلى صفحات (آخر ساعة) ليصبح هيكل بعد فترة وجيزة، رئيسا لتحرير لها ولم يكن يتجاوز 29 من عمره، ثم تولى رئاسة تحرير الأهرام لعدة سنوات، وبعدها اتجه لتأليف الكتب، ومحاورة زعماء العالم، وجرى ترجمة كتبه إلى 13 لغة (6).

وقد شغل "هيكل" منصب رئيس تحرير جريدة الأهرام من عام 1957 وحتى عام 1964، وكان كاتباً لعمود أسبوعي بعنوان "بصراحة"، والذي كان السبب الرئيسي في وصف جريدة الأهرام "جريدة نيويورك تايمز العالم العربي" تحت قيادته (وفقاً للموسوعة البريطانية Encyclopedia Britannica). كما أسس هيكل مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. وفي بداية مشواره الوظيفي، اشتغل هيكل بجريدة الإيجيبشيان جازيت ومجلة روز اليوسف، ثم أصبح محرر بمجلة آخر ساعة وجريدة الأخبار اليومية (7).

كان "هيكل" كاتم أسرار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. هذا، وقد قام هيكل بتأليف 40 كتاب سرد فيها أحداث تاريخية كان قد عاصرها بنفسه، مثل عبد الناصر: وثائق القاهرة Nasser: The Cairo Documents 1972، والطريق إلى رمضان The Road to Ramadan 1975، وأبو الهول والقوميسير Sphinx and Commissar 1978، وخريف الغضب Autumn of Fury 1983 . كما كان هيكل عضواً باللجنة المركزية بالاتحاد الاشتراكي العربي (1968 – 1974)، ووزير الإرشاد القومي (أبريل – أكتوبر 1970) (8).

وبعد وفاة عبد الناصر في عام 1970، ظل هيكل رئيساً لتحرير جريدة الأهرام حتى عام 1974، ثم أصبح صحفياً حراً بعد ذلك. وفي عام 2007، قدم سلسلة من المحاضرات حول الأحداث العالمية بعنوان "مع هيكل" على قناة الجزيرة القطرية... وللحديث بقية ..

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

.....................

مراجع المقال

1- إيمان على: الذكرى الخامسة لرحيل محمد حسنين هيكل.. عاصر ملكين و7 رؤساء، اليوم السابع، الأربعاء، 17 فبراير 2021 04:30 ص.

2- مكرم محمد أحمد: هيكل: ثمانون عاما من عمر مديد، الدراسات الاعلامية، المركز العربي الاقليمي للدراسات الاعلامية للسكان والتنمية والبيئة، ع 112، 2003، 35.

3- المرجع نفسه.

4- أبو السعود إبراهيم: من البداية: مسيرة طويلة و تاريخ عريق،، الدراسات الاعلامية، المركز العربي الاقليمي للدراسات الاعلامية للسكان والتنمية والبيئة، العدد 112، 2003، ص 41.

5- منة الله الأبيض: في ذكرى رحيل محمد حسنين هيكل.. أسطورة ثنائية الصحافة والسياسة، الأهرام، 17-2-2021 | 14:14.

6- المرجع نفسه.

 

 

صادق السامرائيمحمد أبو عبدالله بن الرشيد (170 - 198) هجرية، تسنم الخلافة في عمر (23)، ولمدة خمسة سنوات تقريبا (193 - 198) هجرية، وقتله (طاهر بن الحسين)، قائد أخيه المأمون وفتك بأهله، وأباد ذريته، وأذل أمه زبيدة، وحمل رأسه إلى أخيه!!

سنوات خلافته مبهمة والمدون عنها يركز على اللهو واللعب، وترك الخلافة والإنهماك بخلع أخويه وتولية إبنه الرضيع، وكأنه دخل في متاهة تصارعية دامية مع أخيه المأمون منذ بداية خلافته، ولا شيئ مهم يذكر عنه، مع أنه صاحب ثقافة عالية تضاهي ما عليه المأمون، فهما تربيا كتوأم وحظيا بأعلام الدولة وجهابذتها لتربيتهما وتعليمهما.

فالأمين خليفة متنوّر معرفيا ويتمتع بذكاء وقدرات ثقافية متنوعة، وربّاه الكسائي والأصمعي وحماد الراوية، وقطرب، وغيرهم، ولا يمكن قبول أنه قد تهور بسرعة وتحول إلى عابث غير مكترث، لا هم له إلا الغلمان والخمر.

والرشيد لم يبقه وليا للعهد لو لم يتسم بمميزات قيادية واضحة على تحمل إدارة دولة شاسعة الأطراف، ولولا ما عنده من قدرات لما إحتار في الخيار بينه والمأمون.

هناك فترة مغفولة في تأريخ الدولة العباسية منذ وفاة الرشيد حتى تولي المأمون للخلافة، من الصعب تسليط الأضواء عليها، ومن العسير قبول ما نقل عن فترة الأمين على أنها لهو وهوى وعبث، وتجاهل لأمور الدولة والدين .

ولا تتوفر دراسات وبحوث وافية عن الدولة العباسية للفترة (193 -198) هجرية، سوى التركيز على حالات تهور وإنغماس في المتع والسلوكيات المنحرفة، التي تشير إلى أن الأمين كان منشغلا بالغلمان ومعاقرة الخمر، ولعب الشطرنج، وفي هذا ربما ما لا يتوافق ونشأته وتربيته الصارمة، التي كانت تعده ليكون خليفة، فكيف تؤدي ذات التربية إلى وجود نقيضين؟!!

هل أن معظم المدون عن الأمين مفترى عليه، لتأكيد خلافة أخيه؟!!

الرشيد أعلن ولاية العهد للأمين وهو في عمر خمسة سنوات وكان عمر الرشيد آنذاك (27) سنة، والمصادر تشير إلى أن ذلك حصل بضغط من زبيدة وبني هاشم، ولكون الأمين أصيل الأرومة، فهو ثالث خليفة عباسي ليس إبن جارية، وهم: (السفاح، المهدي والأمين) .

 وفي سنة (182) أجبره البرامكة على تولية العهد من بعد الأمين للمأمون في عمر (12) سنة، ويبدو أنه وجد نفسه مضطرا لتولية المؤتمن من بعدهما لكي يحقق التوازن، فأخطأ أو إرتكب خطيئة، حسب أنه سينهيها بما كتبه من عهدة وأشهد عليها الفقهاء، ونشرها في أرجاء الدولة وعلقها في الكعبة، وقد حج بهما وهما صبية في عمر المراهقة، وأخذ عليهما المواثيق المؤكدة، "بأن يخلص كل منهما لأخيه، وأن يترك الأمين للمأمون كل ما عهد إليه من بلاد الشرق...." .

 لكن الصراع أخذ يتأجج لخلافته بين العرب بقيادة زبيدة، التي تريد إبنها الأمين أن يكون خليفة، والبرامكة الذين يؤازرون المأمون، فما وجد الرشيد بدا من الفتك بالبرامكة حفاظا على الدولة، فإرتكب خطيئة كبرى جديدة، ناء بتداعياتها إبنه الأمين، وزوجته زبيدة التي أصابها الإذلال والهوان من بعده.

والعجيب في الأمر كيف لم يتعظ مما سبق، بل ومن تجربته مع أخيه الهادي، وأتى بسابقة غريبة ذات نتائج تصارعية دامية وحتمية، إذ جعل بأس أولاده بينهم، فتقاتل إثنان من أثقف الخلفاء في التأريخ، وحرمت الأمة من تفاعلاتهما الإيجابية، ولا بد لأحدهما أن يمحق الآخر، بل أن الأخوة الثلاثة قد تماحقوا، وذهبت ريحهم، وأبيدت ذرياتهم.

مما يؤكد أن الرشيد ما كان يحكم، وإن قيل أنه يصلي في اليوم (100) ركعة فكيف يحكم، إذا قدرنا كل ركعة (3 - 5) دقائق، فأنه يمضي (5 -7) ساعات في الصلاة كل يوم، وهذا يتقاطع مع ما يُروى عن نشاطاته الأخرى!!

2

بقي المأمون في خراسان بعد مقتل الأمين لستة سنوات (198 -204) هجرية، وجاء إلى بغداد سنة (204) هجرية، وكانت قد تخربت وما بقي فيها ما يذكره بأيامه فيها، وكأنه كان يشعر بالمرارة والألم بسبب ما جرى، وما إنتهت إليه الأحوال بينه وبين أخيه.

وسبب الصراع بين الأخوة هو (هارون الرشيد)، لسوء تقديره وقلة حكمته وضعف قيادته، فهو الذي عاش رمزا كبيرا للخلافة، وليس قائدا فاعلا فيها كما توهمنا كتب التأريخ.

إن المدوَّن يتحدث عن فترة خمس سنوات من حياة الأمين، ويُتهم بأنه منشغل بالغلمان، ولديه أبناء وبنات، وموضوع الغلمان كان سائدا في الدولة العباسية، وتواصل مع الخلفاء جميعهم، فالمأمون كان لديه غلمان، بل أن بعض الفقهاء والشعراء والأثرياء وذوي المناصب في الدولة كان لديهم غلمان.

وقد لعبت النعرات العصبية دورها بينهما، فهو هاشمي الأبوين، عربي أصيل، والمأمون إبن جارية فارسية إسمها مراجل، ويبدو أن للبرامكة دورهم في تقريب تلك الجارية إلى الرشيد، لتكون أما لولده البكر المأمون، وهم الذين حموه ورعوه وإلا لكان الموت مصيره في طفولته، فهكذا كان الأمر يجري على أولاد الجواري، وإلا كيف لم تقتله زبيدة وآل هاشم من حولها.

يبدو أن البرامكة كانوا منتبهين لهذا الأمر، فوفروا له الحماية والرعاية التامة، ولفشل زبيدة وآل هاشم في التخلص من المأمون إبن الجارية الذي له حق ولاية العهد، أجبروا هارون الرشيد على إعلان ولاية العهد للأمين وهو إبن الخامسة من العمر، وولاه على الشام والعراق وجعل ولايته تحت مربيه (الفضل بن يحيى البرمكي)، كنوع من الخداع والتضليل، والقول بأنهم أجبروه يثير أسئلة، بل أن الرشيد كان على إستعداد للقيام بالأمر، لغاية خفية في نفسه.

مما يشير إلى أنه ربما كان مهددا في حياته، وأعداؤه يتكالبون عليه، وقد يكون للبرامكة دور في محاولة لإغتياله - لم تدوّن لسريتها- لكي يكون المأمون من بعده، وتكون الوصاية في الحكم لهم حتى يكبر.

هذه من الأسباب الدفينة التي ربما لعبت دورها في نكبتهم، بعد أن إتضحت نوازعهم وتأسدهم في الدولة، وهي من أخطاء الرشيد الذي سلم لهم أمور الدولة حال توليه الخلافة، وكأنهم الأوصياء عليه.

كما أنهم شجعوا على إبادة العربي بالعربي، ولهذا إشتد الصراع بين العلويين والعباسيين وهم أولاد عمومة، وكان نهجهم بإتجاه القبض على الخلافة وتحويلها إلى دولة البرامكة.

3

ولم يتصرف الأخوة الثلاثة بحكمة وحلم لقلة الخبرة وصغر العمر، وكثرة المحيطين بهم والطامعين في تمرير أجنداتهم ومشاريعهم الأنانية.

ولهذا لعب (الفضل بن سهل)، و(الفضل بن طاهر) دورهما في تأجيج القطيعة بينهم ، حتى إنتهى الأمر بمقتل الأمين، وتدحرج رأسه أمام أخيه المأمون، الذي أظنه أصيب بالذعر والحزن والألم، وتأنيب الضمير.

وهذا ما يفسر عدم قدومه إلى بغداد إلا بعد ستة سنوات من مقتل أخيه، إذ بقي في خراسان، كما أن ما جرى تسبب بدفعه إلى عدم القول بولاية العهد لأي من أولاده ، بل أنه كاد أن يتنازل عن الخلافة لولا الضغوط التي تعرض لها من الناس، وأخيرا وهو على فراش النهاية قرر أن يكون المعتصم الخليفة من بعده، وما خطر على بال الرشيد أن يكون هذا الإبن خليفة، لأنه لم يتعهده بالرعاية اللازمة لهذا الأمر، وهذه أيضا مثلبة تؤخذ عليه، وتؤكد قلة خبرته وضعف فراسته.

وبسبب إشكالية ولاية العهد كان إبن المأمون يرى أنه الأحق بالخلافة من عمه، فضمرها بنفسه، وإستغلها بعض المناوئين، فحرضوه على عمه وهو منشغل بمعركة عمورية، فما وجد المعتصم بدا من سجنه حتى الموت.

إنها صراعات حول الكرسي وحسب !!

هل ندم الأمين على خلعه لأخيه، أظنه كذلك ولكن بعد أن سبق السيف العذل؟

وهل ندم المأمون على ما فعله، أظنه عاش في محنة كبيرة طيلة حياته، وحاول أن يهرب من نفسه بإنشغاله بالعلوم والمعارف الفلسفية.

وهل أن الرشيد قد أدرك أنه قد إرتكب أخطاءً، يبدو كذلك، لأنه قد إستسلم للأمر الواقع، وإشتد على نفسه وكأنه يريد أن يعاقبها، وذهب إلى طوس وهو مريض هربا من الحال الذي صار فيه.

أولياء عهد من حوله بأعوانهم ويريدون موته عاجلا لا آجلا، ويتحالفون مع أقرب الناس إليه للقضاء عليه.

ويبدو أن المأمون كان أكثر قربا لأبيه، ولهذا كان شاكا في موته، وقسى على طبيبه الذي إنتقل فورا ليكون مع الأمين، وكأنه كان يستعد لذلك منذ وقت.

4

الأمين كان مستقيما ولم تذكر عنه تصرفات سيئة قبل توليه الخلافة، ولا يمكن القبول بأنه قد تغير في ليلة وضحاها، وصار حالة أخرى، وهو متزوج ولديه أولاد، ويضيفون أنه كان يعاقر الخمر ومنهمك بالشطرنج.

ولا يذكر كثيرا عن إنجازاته وما حققه في خلافته، بل دونت على أنها صراع متواصل بينه وأخيه.

وما قام به من خلع أخيه من ولاية العهد سلوك متوقع ومتعارف عليه ولا يزال جاريا حتى اليوم، فالخليفة أو الملك يريد ولده من بعده فيبعد أخاه، وحاول الهادي خلع الرشيد.

وذلك طبع بشري وجار في الأمم والشعوب، ولهذا لجأت بعض الإمبراطوريات إلى قتل الأخوة، والإبقاء على واحد فقط من الأبناء للحفاظ على الدولة، ما دامت بلا دستور وإرادة سياسية جامعة، والسلطة فيها عائلية وكل عائلي يتآكل وينهار.

 

د. صادق السامرائي

..........................

* قتِلَ الأمين في 25\9\813 ميلادية، وأجتثت ذريته، وحُمل رأسه إلى أخيه المأمون وهو في مرو \ خراسان.

 

 

علي ثوينيكثيرا ما تتهم ثورة 14 تموز 1958 و الزعيم عبد الكريم قاسم بأنهما كانا السبب في (هجرة سكان الريف الى المدينة) وما تبعها من ويلات تأججت اليوم حينما شاع حكم الرعاع وقفزت الطبقات المسحوقة لتأخر حيفها من مجتمع همشها وأبتذلها. ومكثت شبهة "إستقدام الشراگوه" لبغداد، يرددها الكثير ببغاويا بقصد يهدف التضليل او عن ينم عن جهل بالأحداث، ولاسيما أن عملية تمويه وتشويه حصلت بما يتعلق بما حدث خلال فترة الأربع سنوات والنصف التي حكمها عبدالكريم قاسم، وذلك من أكثر من طرف، متكون من الرعيل الملكي والإقطاع القديم وشيوخ العشائر، وكهنة الدين (سنة وشيعة) من جهة، والقوميين والبعثيين والإسلامويين وحتى الشيوعيين من جهة أخرى. أما الخبر اليقين فنجده مجسد على الأرض ولايحتاج إلى شهادة زور.

حري ننقل سطور من مؤلف الباحث الإنكليزي (أوريل دان)، وهو يوضح الحالة المعيشية البائسة للعراقيين الفقراء في العهد الملكي (الزاهر كما يدعي البعض)!، والهجرة المرعبة من الريف هرباً من جور الاقطاع وظلم الشيوخ و"السراكيل"(1) نحو المدينة للنجاة بحياتهم و بحثا عن فرصة للعيش الكريم والتي أستكثرها البعض عليهم !. لك ان تتخيل ان 200 الف عراقي يسكن في (الصرائف)(2) حول بغداد في العهد الملكي ضمن شعب تعداده يومها حوالي خمس ملايين، يعيشون مع الحيوانات ويشربون من المياه الاسنة ويموت أطفالهم جوعا ويتحسرون على الأكل واللباس،"فالدشداشة" الساترة تمكث على أجسادهم عقود متوالية. وحين كان يمر نوري سعيد (صاحب الـ14 وزارة خلال 37 عام ملكي) من قربهم كان يضع منديله على أنفه تقززاً، في حين كان الزعيم عبدالكريم يقضي ليله عندهم حتى الصباح يستمع لهم وينظر في شكاويهم!.ولانقاذ هؤلاء الفقراء وغيرهم جاءت ثورة 14 تموز، ووقد عز على الزعيم عبد الكريم قاسم ان يشاهد عراقياً يسكن مع الحيوانات في الصرائف ويشرب من المياة الاسنة!!هل كان جرمه انه وفر لهم مساكن لعيش كريم؟، وهم بشر أولا ومواطنون عراقيون وما الضير حينما يسكنون أي أرض من وطنهم ال>ي يحكمه الأغراب حتى اليوم.هل كان عليه ان يكون مجرماً ويجرف أو يحرق بيوتهم المتهالكة لكي يعودوا الى الريف!؟ (3).

يأخذنا السياق إلى مشروع توسعة بغداد الذي أحدثه الزعيم عبدالكريم قاسم،و حسبي أنه المؤسس الثاني لبغداد بعد الخليفة أبا جعفر المنصور التي أسسها عام 762م على أثر أكدي مكث بعضه في شاطئ (خضر الياس) وقبل أنها لقرية نصرانية في حينها. بدأ أبا جعفر بالمدينة المدورة في الكرخ،وهيئتها كاملة الدوران،قطرها ثلاثة كيلومترات، ولم يبقى من أثرها شئ اليوم وهي تقع فوق الكرخ والشالجية والعطيفية . ثم أنتقلت القصور إلى الرصافة ثم عادت وتمددت في الكرخ حتى وصلت غربا حي المنصور الحالي، وأتسعت لتسكن مليوني إنسان حوالي منتصف القرن التاسع الميلادي.وكان الأمر ثورة في تطور المدن ضمن التأريخ البشري، الذي سبق لندن بالف عام، رغم أن بناء المدن كان ريادة عراقية منذ 5600 عام خلت، وتجسدت بمدينة أريدو بسومر جنوب العراق(قرب السماوة)، حينما تعدى التجمع السكاني عدد الخمسين الف ساكن بحسب معيارية (لويس ممفورد) الوارد في كتابه (المدينة). لكن بغداد أضمحلت بعد سقوط بغداد عام 1258م على يد التتار، ثم تقهقرت بكل مجال خلال القرون التركية حتى العثمانية، لتصبح نابذة للعمران والناس، حتى كنّيت (سيبيريا العثمانية) حينما أمست مبعد للولاة غير المرغوب بهم عند سلاطين البسفور.

تقلصت بغداد حتى أمست مساحتها حوالي ثلاثة كيلومترات ونيف تمتد في الرصافة بين الباب الشرقي (باب كلواضه) وباب المعظم (باب السلطان)، وفي الكرخ مكثت شريط ضحل متهادي مع شاطئ دجله الغربي لقرية يسكنها الأعراب القادمين من جهات الغرب،والمتواصله مع جهات الفرات وبابل، وقد أحتفظت بتسمية الكرخ (4).وحدث أن تقلص سكانها حتى وطأ عددهم إحدى عشر الف ساكن بعيد مادعي فيضان وطاعون (داود باشا) عام 1831. والذي الم بها وقتل أهلها حتى أن علي رضا اللاز الوالي التركي الجديد القادم بعد حكم المماليك (1749-1831)، كان يبحث عن نصاب مدينة وسكان يحكمهم، فلم يفلح (5).

واستمر الحال إبان تأسيس الدولة العراقية 1921، ولم تعبأ الدولة الملكية إلا عام 1954 حينما أوكل (مجلس الإعمار) مهمة وضع مخطط أساس لتوسعة بغداد إلى مكتب المخطط الحضري اليوناني/الأمريكي قسطنطين دوكسياديس(1913-1975)، لتكون ثالث محاولة لتوسعة بغداد، بعد التوسعة الإعتباطية إنطلاقا من الباب المعظم نحو الوزيرية والأعظمية، ثم التوسعة التي قام بها المخطط الحضري المصري سيد كريم عام 1948 واسس حي (بغداد الجديدة) وتخومها، ثم جاء اخيرا مخطط (دوكسيادس) الذي مكث في مخازن مجلس الإعمار كونه كان بسبب ضخامته، أكبر من طاقة المجلس التنفيذية، كونه مجلس تشريعي على الأكثر .

ومن الشهادات الموثقة كتب المرحوم محمد حديد الوزير إبان تلك السنين: زارت بغداد السيدة (بربرا كاسل) عضو البرلمان البريطاني، فاتصلت بي وارادت زيارتي فدعوتها لتناول الشاي في داري (في البتاوين)، وجرى الحديث عن الاوضاع العامة في العراق.. ولأجل البرهان لها على سوء الحالة المعيشية لاكثرية الشعب العراقي اخذتها بسيارتي الى الحي الذي كان يدعى (حي العاصمة) وهو حي واسع يقع خلف السدة، وبمحاذاة ما يسمى مستودع الكيلاني للنفط القريب من جهة ساحة الطيران،شرق بغداد، ومن جهة اخرى لمعامل الطابوق التي كانت مقامة هناك، وكان هذا الحي الواسع مؤلفا من "الصرائف" اي الاكواح المبنية من سعف النخيل، فشاهدت المناظر المؤلمة للاكواخ المكدسة بعضها قرب بعض بصورة عشوائية ! ومحرومة من وسائل الحياة الاساسية وهي اشبه بزرائب المواشي في البلاد المتخلفة، وكان هذا الحي يخص اقامه الفلاحين الوافدين من الريف الى بغداد هربا من سوء وضعهم وطلبا للعمل، وكانوا يعتبرون وضعهم المعيشي مع شدة رادءته افضل من وضعهم المعيشي في الريف !. وكان لهذا المشهد وقع شديد في نفس السيد (كاسل) واستنكرت الحالة السائدة في بغداد التي تعد متقدمة على مناطق البلاد الاخرى ! "(6)

ولم يخلوا الأمر من الفساد الإداري إبان السلطة الملكية، والأسليب الملتوية للإستحواذ على أراضي شاسعة تابعة للدولة، من خلال التحايل والعلاقات الملتوية. تحت عنوان (حي الوزيرية) يروي الوزير والنائب في العهد الملكي عبد الكريم الازري وفي مذكراته ما يلي:" كان الملك فيصل الأول (قد وضع يده)!! على اراضي تقع الى الشرق من البلاط الملكي السابق على اعتبار انها اراضي أميرية تعود للدولة وأسس فيها مزرعة واسعة ونصب من أجل اروائها المكائن والمضخات على ساحل نهر دجلة بالقرب من البلاط الملكي وشق جدولا لنقل المياه اليها، كما اسس فيها مشروعا لإنتاج الحليب وجلب اليه انواعا من الابقار الأجنبية المعروفة بكثرة انتاجها للحليب!

و كتب الوزير الأزري: ذهبنا يوما لزيارة المنطقة برفقة ناظر الخزينة الخاصة السيد شاكر حميد واعجبت بمنظرها !.وبعد وفاة الملك فيصل الأول قررت لجنة تسوية حقوق الاراضي منها بإنسابها الى ورثة الملك فيصل بعد ان ردت ادعاءات المدعين بمختلف الحقوق فيها !! وكانت اللجنة قد تأثرت بنفوذ البلاط الملكي مثلها مثل بقية اللجان في انحاء العراقي التي تأثرت باتخاذ قراراتها بنفوذ الاشخاص المتنفذين! "(7)

ولغايه نهايه العهد الملكي تم بناء ١٣٣ دار غير موزعه بمنطقه الوشاش، وذلك بحسب ماصرح به مهندس الأعمار بمجلس الأعمار بتصريح رسمي بجريده بالعهد الملكي .اما الباقي وهي عددها ١٢٠٠٠ دار فمن المؤمل وضع خطه بناء لها بالمستقبل.اما "الصرايف" المنتشرة ببغداد والبصره وغيرها فلا يوجد للدولة خطه حل لها. وكان في حينها مليون عراقي أي خمس السكان، يعيشون البؤس ويسكنون الصرائف بعد النزوح من الريف هربا من ظلم الاقطاع وجوره، والعائلة المالكة وحدها تمتلك 177.000 الف دونم!.

كتبت الدكتورة غصون مزهر المحمداوي: حاولت حكومة ثورة 14 تموز 1958 أن تسعى وبأقصى سرعة ممكنة لغرض أحداث النهوض الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع العراقي من خلال تحسين الاقتصاد وتوفير فرص العمل وسن قوانين الضمان الاجتماعي، وإنشاء مجلس الشؤون الاجتماعية، وتشريع قانون الإصلاح الزراعي الذي احدث هوة قوية في المجتمع لانه خطوة تقدمية كان يسعى إليها الفلاحون منذ فترة طويلة ليتمكنوا من امتلاك أرض خاصة بهم تعود عليهم بالنفع والفائدة

من هنا بدأت الحاجة تظهر لحل أزمة كانت تؤثر في حياة المواطنين وتدفعهم إلى العيش في وضع مزري إلا وهي أزمة السكن حيث كانت هناك أزمة حقيقية تظهر أثارها واضحة في نشوء الأكواخ والصرائف كنطاق حول المدن وبالأخص حول مدينة بغداد كما ذكرنا .لذا كانت هناك حاجة ماسة إلى مشاريع سريعة ومثمرة على المدى الطويل لحل هذه الأزمة لان تخلف قطاع التشييد والبناء عن متطلبات عملية التنمية القومية السريعة يؤدي إلى عدم نجاح تنفيذ خطط وعمليات التنمية، فمع ازدياد حصيلة الدولة من الموارد النفطية والتي أدت إلى زيادة الدخل القومي ومن ثم ارتفاع مستوى المعيشة بوجه عام ودور الدولة في تسليف المواطنين مبالغ كافية لتشييد الدور السكنية كل ذلك أدى إلى توسع كبير في حقل البناء والتشييد، ولم يقتصر دور الدولة على عملية التسليف بل تمت عملية توزيع أراض كثيرة من الأراضي المملوكة للدولة (أميرية) في بغداد والمحافظات على الموظفين والعسكريين والعمال مقابل أسعار زهيدة لا تزيد عن (100) فلس للمتر المربع الواحد، كما قامت الدولة بمشاريع سكنية تملك للموظفين المدنيين والعسكريين على أقساط سنوية وشهرية لفترة طويلة تزيد عن خمسة عشر عاماً مثل مشروع إسكان غربي بغداد الذي تضمن إنشاء (1154 دار) مخصصه لأسكان صغار منتسبي الجيش من موظفين ونواب ضباط وكتاب على اختلاف درجاتهم.

وهكذا أخرج الزعيم عبدالكريم المخططات من (الدروج) وبدأ يضع الخطط لتنفيذها، ولاسيما شرقي العاصمة ومنها حي الثورة الذي أشترت الحكومة أرضه من (حكمت سليمان) وهو أحد رؤساء الوزراء في الحقبة الملكية وجده سليمان باشا أبو ليليى المملوك الذي حكم بغداد ردجا،وكان قد أشتراه الولاة العثمانيين من سوق نخاسة تفليس بجورجيا، وتسنى لحفيده أن يمتلك كل شرق بغداد!. وقد أعتنى (دوكسياديس) بتخطيط حي الثورة (الصدر اليوم) ليكون مدينة نموذجية، تمتد من صلب بغداد نحو الشرق حتى السدة المقامة التي منعت الطوفات عن بغداد، وتتمحور في ثلاث طرق رئيسية شرق غرب هي (الجوادر والفلاح والداخل)، وثمة شوارع عرضية شمال جنوب تقطعها على المنهج الذي ألفه دوكسياديس فيما دعي (رقعة الشطرنج grid pattern)، وقسمت المساحات السكنية إلى قطع أراضي مستطيلة بواجهات 7م، مساحة الأرض 144 متر مربع، مع ترك مساحات مخصصة للترفيه وسط التجمعات، ومساحات لمشافي ومدارس وأسواق وإدارات وملاعب رياضيه وحدائق..الخ. وهذا النوع من المساكن المتلاصقة بواجهة صغيرة و"نزال" عميق، كانت قد طبقت في بريطانيا منذ قرنين.

كما تم تنفيذ مشروع شرقي بغداد لاسكان الضباط بكلفة (ـ , 664 , 1) دينار مع تبليط الطرق ومد المجاري اللازمة وإنشاء المرافق والمباني العامة في المشروع (1)، وتضمنت جداول الخطة الاقتصادية المؤقتة تخصيص مبلغ عشرين مليون دينار تصرف خلال ثلاث سنوات لإنشاء (2500) دار لأسكان منتسبي جمعية بناء المساكن التعاونية المحدودة من العسكريين والموظفين المدنيين من منتسبي الجيش العراقي في مدينة الضباط شرقي بغداد ومدينة القاسم غربي بغداد، ووزعت هذه الدور على وجبات للمستفيدين منها.

وفي سبيل توفير السكن المناسب لعمال المصانع الحكومية قامت الدولة بإنشاء (800 دار) لأسكان عمال معمل السكر في الموصل وخصص له مبلغ (000 , 500) ألف دينار لإنشاء هذه الدور على أنواع وتصاميم ومساحات مختلفة مع مرافقها العامة. كما تم توفير السكن المناسب لصغار الموظفين في اقضيه ونواحي لواء ديإلى من خلال تشييد إحدى عشرة دار في مركز كل قضاء ومركز كل ناحية. وتم إنشاء مشروع إسكان أربيل من خلال بناء (152) دار على ستة أنواع من التصاميم تتراوح مساحتها بين (108 و 135 م2) على أن تشتمل على غرفتين أو ثلاثة غرف ومد الطرق داخل المشروع، وفي البصرة تم إنشاء مشروع مماثل مع جميع المباني العامة الضرورية كالمدارس الابتدائية . وملجاء للعب الأطفال وقاعة اجتماع وسينما، كما يتضمن تشييد روضتي أطفال وثلاثة أسواق.

وكانت الدولة تسعى جاهدة أن تكون هذه المشاريع السكنية تحتوي على كافة متطلبات الحياة المدنية المهمة من خدمات اجتماعية وثقافية وصحية، لكي تساهم هذه المجمعات السكنية في حل أزمة السكن . وفيما يخص العاصمة بغداد فقد حاولت الحكومة بطريقة ناجحة حل مشكلة سكان الصرائف، حيث تم نقلهم إلى شرقي بغداد،وتم تخصيص مبلغ (ـ , 900) ألف دينار لإنشاء (911) دار ذات غرفتين مع مرافقهما الضرورية بمساحة (108 م2) لكل دار مع مرافق المشروع العامة كتعبيد الطرق ومد مجاري مياه الأمطار والمياه القذرة، وتم توزيع باقي الأراضي على العوائل التي بلغ عددها (120) ألف عائلة، ووضعت الخطط لبناء المرافق، كما مدت شبكة المواصلات إلى هذه المدينة.

أما مشروع إنشاء أو فتح قناة الجيش، فقد كان عملاً رائداً في تلك الفترة، حيث أن هذه القناة التي توصل نهر دجلة بنهر ديالى خلف السدة الشرقية كان الهدف منها حماية بغداد من مياه الفضان الوارد من الشمال، أما الجانب الجمالي والحضري فهو يشعر المواطنون الساكنون في المناطق الجديدة بأنهم ليسوا بعيدين عن النهر ولترغيبهم في تشييد تلك المناطق بالسرعة الممكنة، كما إن الحدائق التي بنيت على جانبيها لغرض الترفيه، وتبداء هذه القناة من موقع يسمى (كولداري) على نهر دجلة وتتجه إلى الجنوب الغربي حتى نهر ديإلى وتمر في طريقها بمنطقة الصليخ وقرب المجموعات السكنية للمصرف العقاري، ثم مدينة جميلة بوحيرد فشمالي مدينة الضباط فبغداد الجديدة فمدينة الأمين ثم الزعفرانية والرستمية حتى نهر ديإلى، ويبلغ طول هذه القناة ثلاثة وعشرون كيلو متراً، كما تم تشييد عدد من الجسور على هذه القناة لأنها تجتاز منطقة واسعة خلف السدة الشرقية وتجتاز عدداً من الطرق الرئيسة التي تتفرع من بغداد لتربطها بمشاريع الإسكان والضواحي المنتشرة في المنطقة ومن ثم الأجزاء الشمالية لتسهيل المرور عليها. وسميت (قناة الجيش) كون الجيش من أنجزها لكي لاتكلف الدولة كثيرا، وأنجزت بوقت قياسي.

إن المشاريع الرائدة التي قامت بها الحكومة لغرض رفع مستوى الريف ومحاولة للقضاء على الهجرة من الريف إلى المدينة تجسد في مشروع القرى النموذجية مثلما في اللطيفية حيث وافق مجلس الوزراء في 21 شباط 1959 على تخصيص مبلغ 000 ,150 , 1 ألف دينار لإنشاء قرية عصرية نموذجية زراعية قرب بغداد تتوفر فيها أسباب الحياة الريفية المتحضرة لاسكان قسم من الفلاحين والعمال وفي 12 تموز 1959 أنجز بناء القرية وافتتحها الزعيم عبدالكريم في منطقة مشروع اللطيفية التي تم توزيع أراضيها على الفلاحين من مديرية الإصلاح الزراعي، وكانت تشمل على (100) دار ريفية عصرية بنيت على صفوف متوازية تخترقها شوارع معبدة و ألحقت بها المؤسسات والمرافق والحدائق العامة، وزودت بالماء والكهرباء، كما أنشئت بنايات للمدارس والمركز الاجتماعي ومستوصف ودائرة بريد وسوق عام وبناية لمجلس إدارة القريـة ومسجد وحمـام شعبي، وقـد سلمت للفلاحين في 9 تشرين الثاني 1959).وكانت القرية حلاً ارتأته الدولة لإيقاف مشكلة الهجرة من الريف حيث أن الفلاح إذا امتلك ارضا او مسكنا وقدمت له المساعدات في استثمار ارضه فأنه لايفكر في ترك الأرض والهجرة للمدينة. كل تلك المشاريع السكنية الكبيرة، لكن عبد الكريم قاسم مكث يقيم في جناح متواضع من أجنحة وزارة الدفاع ولم يرضى بالانتقال الى البلاط الفخم الذي بنته العائلة المالكة، الذي أمسى تباعا مادعاه البعثيون القصر الجمهوري.

كان عبدالكريم يسهر الليالي عاملا بنهم، يجمع مجلس وزرائه ويقابل زواره الى قبيل الفجر، فاذا حل يوم الجمعة مضى الى الدار الصغيرة التي كان يقيم فيها منذ كان ضابطا مغمورا ليقضي عطلة نهاية الاسبوع . وكان اصحاب الحاجات يقفون له في الطريق، فيقف احتراما لهم، ويستمع الى مظالمهم وحاجاتهم، ويتسلم عرائضهم ويأمر مرافقيه بإنجاز مطالبهم، بل ويتبرع لبعضهم من ماله الخاص. لم يتزوج عبد الكريم قاسم ولم يترك مالا ولا متاعا ! وترك الدنيا ببزته الخاكية التي نزف دمه عليها بعد ان اعدمه البعثيون والناصريون .(8)

كتب عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي بحق الزعيم عبد الكريم قاسم سطور تكشف واقع الحال يومها بدقته الرصينة: "يجدر بي أن أشير الى موقف الزعيم عبد الكريم قاسم في هذه المرحله الاجتماعيه الهامة من تاريخنا. فقد أعلن الرجل غير مرة أنه فوق الميول والاتجاهات, واعتقد انه صادق فيما قال. مع ذلك لا أستطيع أن أعد موقفه هذا خاليا من الدقة والحراجة.أنه ليس قائد حزب وانما هو قائد بلد تتصارع فيه الأحزاب, وهو معرض للحيرة أكثر من تعرض أي قائد حزبي لها. وكلما تأملت في حراجة موقفه هذا شعرت بالثقل الهائل الموضوع على عاتقه, ساعده الله.

إنه لا يستطيع أن يتجاهل أهمية الحماس الشعبي في تأيد الثورة التي تكاثر عليها الأعداء ولا يستطيع أن يجاري هذا الحماس إلى الدرجة التي اندفع بها المتعصبون المتسرعون. بين يديه من جهة بلد يحتاج إلى استقرار, وبين يديه من الجهة الأخرى ثورة تحتاج إلى تأيد ولابد للرجل من أن ينظر في هذه الجهة تارة أخرى.إني أشعر بالعجز في سياسة صف واحد من الطلاب حين يشتد الجدل بينهم, فكيف بالرجل وهو يقود ثورة كثورة 14 تموز وفي مجتمع كالمجتمع العراقي. ومهما يكن الحال فإننا يجب أن نحني رؤوسنا اعترافا بما وهب الرجل من مهارة في قيادة سفينة البلد بين هاتك الأمواج المتلاطمة" (9)

 

د.علي ثويني

.....................

(1) السركال هو نائب شيخ العشيرة أو الإقطاعي والمتنف> محله, و هو المشرف على العاملين في زراعة الحقل الذي يمتلكة شيخ العشيرة، أي صلة الوصل بين الفلاح والشيخ، لذا تجبر وتكبر وظلم.

(2) مفردها صريفة وهي مفردة آرامية، وتعني معماريا العشة المبنية من هيكل قصبي ومغطاة بالحصر العراقية (البارية) وهي طريقة بناء قديمة غير مكلفة، مكثت من أزمنة سحيقة حتى اليوم.

(3) اوريل دان:العراق في عهد قاسم - ترجمة جرجيس فتح الله - ص 18

(4) الكرخ التي يلفظها العراقيون (الجرخ) وهي نفسها مفردة circle في اللغات الغربية وتعني العجلة والبرمق المدور أو مجازا المستفقطب حتى سميت بها الكنيسة باللغات الجيرمانية(جيرج).وهي مفردة تعود للأكدية أو أقدم من ذلك.

(5) كان علي اللاز شيعي علوي تركي، ولجأ يتوسل العشائر العراقية القريبة من بغداد أن يقدموا ويسكنوا بيوت تركها أهلها، لكن دون طائل. كثير من التفاصيل السردية تجدوها في لمحات الوردي الإجتماعية، ومنها ماهو طريف حدث لجد الوردي.

(6) محمد حديد - مذكراتي ص 314

(7) من مذكرات عبد الكريم الازري وزير المالية في العهد الملكي ص96، علما ان المنطقة المذكورة تقع حاليا ما بين ساحة عنتر في الاعظمية حتى السفارة التركية في باب المعظم! وللقارئ الكريم ان يتخيل حجم ومساحة تلك الاراضي!

(8) مير بصري في كتابه (اعلام السياسة في العراق الحديث)

(9) د.علي الوردي -من كتابه الأحلام بين العلم والعقيدة 1959

 

 

محمود محمد عليما زلت أزمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن الإلهام يُعد أحد أكثر الصّفات المُميّزة للقائد الإداري النّاجح، فبهذه الصّفة يكون له القدرة على مُساعدة كل فرد من أفراد فريق العمل يسعى للتميّز للوصول لهذا الهدف، فتكون نتيجة ذلك تحقيق نجاح المؤسّسة ككل، وينبع ذلك من قدرة المدراء الكبار على إدراك رغبة الموظّفين في إحداث تغيير في العالم فيلهمونهم بطريقة تدفعهم نحو ذلك وتجعل تأثيرهم الإيجابي يمتد ليشمل مُجتمعاتهم.

ولذلك تعد عملية الإلهام من أهم المقومات الأساسية للإدارة الناجحة في جامعاتنا المصرية، بعدها محور العملية الإدارية وأهم عناصرها وهي مهمة ملازمة لعمـل القيادات الإدارية في مختلف المستويات التنظيمية، وعليه يصح القول الذي يؤكد علـى أن مقدار النجاح الذي تحققه أي جامعة يتوقف إلى حد كبير على فعالية وكفاءة القرارات المتخذة وملاءمتها للهدف المحدد على مختلف المستويات.

كما تعد القيادة من الموضوعات التي شغلت العالم منذ القدم وعلى الرغم من اتفاق العديد مـن الباحثين والدارسين على استراتيجيات القيادة الكفؤة والفعالة إلا أن ما صلح منهـا بالماضـي لايصلح في الوقت الحاضر أو في المستقبل.

والأستاذ الدكتور عزت عبد الله – رئيس جامعة أسيوط الأسبق ومحافظ بني سويف الأسبق، وأستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم المتفرغ، ذلك الوزير الناجح الذي استطاع أن يمتلك نظرة استراتيجيّة للأمور المتعلّقة بمشاريع العمل الإداري سواء داخل الجامعة أو خارج نطاقها الضيق.

علاوة علي أنه أحد أساتذة علم الجيولوجيا الذين استطاعوا من خلال بحوثهم ومؤلفاتهم في الجيولوجيا أن ينقل البحث في دراستها من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص العلمي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

ولهذ كان عزت عبد الله دون شك بشهادة الكثيرين أحد سادات الثقافة الجيولوجية في مصر والعالم العربي في القرن العشرين، وأحد كبار الأساتذة في الجيولوجيا الذين قدموا كتابات ومؤلفات وترجمات أقل ما توصف به أنها «ممتازة»، وأنها من أفضل ما كتب في العربية واللغات الأخرى في بابها، لمن يبتغي البحث عن البدايات والخطوات الأولى في مدارجها.

ولد عزت عبدالله أحمد في مدينة منفلوط محافظة أسيوط، وحصل على درجة البكالوريوس في العلوم "جيولوجيا" بتقدير ممتاز دور يونيو 1973، ثم درجة الماجستير في العلوم " جيولوجيا 1978م، درجة الدكتوراه " جيولوجيا" 1983م من كلية العلوم – جامعة أسيوط، وتدرج في العمل الجامعي حتي وصل الي استاذ الصخور الرسوبية بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة أسيوط ثم شغل منصب رئيس جامعة أسيوط. ثم محافظا لمحافظة بني سويف.

فبصفته وزيرا وعالماً نجح في أن تكون لديه نظرة شاملة وعالية للإداري النّاجح الذي يملك قدرا عالٍيا من الثّقة بالنّفس، ممّا يُظهر للآخرين قدرته على تحمّل مسؤوليّاته؛ والدليل علي ذلك نجاحه الباهر في تطوير العملية التعليمة بجامعة أسيوط، حيث نجح خلال توليه رئاسة جامعة أسيوط من أن ينجح في إنشاء فرع للجامعة المصرية للتعلم االلكتروني بجامعة أسيوط، وكذلك نجاحه إنشاء مركز تكنولوجيا المعلومات بالجامعة بالتعاون مع وزارة الاتصالات، وكذلك إنشاء مركز تطوير التعليم بالجامعة، وإنشاء مركز اللغة الروسية بجامعة أسيوط، ثم السماح لطالب الجامعة بمراجعة أوراق الإجابة، وفتح برامج جديدة مثل الميكاترونك Mechatronics بكلية الهندسة والكلينيكال فارماسي Clinical Pharmacy بكلية الصيدله بجامعة أسيوط، وعمل برنامج تعليميه مشتركه مع جامعة بيتاجورسك الروسية بموجبه يدرس طالب جامعة بيتاجورسك فصل دراسي بقسم اللغة العربية بكلية اآلداب بالجامعة، وإنشاء مجمع للمدرجات والقاعات لإلمتحانات لحل مشاكل كليتي التجارة والحقوق بجامعة أسيوط، وتكييف المدرجات والمعامل بجامعة أسيوط، وعقد مجلس العمداء قبل موعد مجلس الجامعة وذلك لالستماع من السادة العمداء عن مشاكل العملية التعليمية والبحثية بالكليات والمساعدة في حل هذه المشاكل.. الخ.

ليس هذا فقط بل لقد علمنا عزت عبد الله ( مع حفظ الألقاب ) القدرة علي التنبؤ وبُعد النظر والقدرة علي قيادة الأفراد والتنسيق بينهم، وكذلك القدرة علي اتخاذ القرارات، والقدرة علي التحفيز ولبحث عن أفضل طرق العمل، وتحمل المخاطر، وتجنب التوبيخ والابتعاد عن الحقد، والابتكار والإبداع والابتعاد عن السلطوية، فالوزير الناجح هو من يشجع فريقه عن العمل، وهذه الصفات في مجموعها تعد صفات حبي الله بها كثير من القادة المبدعين أمثال عزت عبد الله.

وخلال عمله كمحافظ كانت له انجازات لا تنسي منها علي سبيل المثال لا الحصر : إنشاء أول مدرسة للمياة والصرف الصحي في مصر، وإنشاء مركز للكبد بمستشفي بني سويف العام، وفتح العديد من الطرق داخل مدينة بني سويف ومركزي أهناسيا و ببا وذلك لمنع حدوث اختناقات مرورية، وإنشاء العديد من الوحدات السكنية بمدينة بني سويف ومراكز الفشن وببا وأهناسيا والواسطي، وتوصيل المرافق لمنطقة كوم أبو راضي الاستثمارية، وتشجيع وتقديم كافة التسهيالت الخاصة باالستثمار لدفع المحافظة في هذا الاتجاه، وإنارة الطرق الصحراوية الخاصة بمحافظة بني سويف، والتركيز علي تنفيذ العديد من القوافل الطبية لخدمة المواطنين بقري ونجوع محافظة بني سويف، وفتح طريق بني سويف – دمو – الفيوم.. وهلم جرا.

ولذلك قال عنه الأستاذ محمود الحندي :" أعرف الدكتور عزت عبد الله محافظ بنى سويف عن قرب، اعرفة منذ ان كان رئيساً لجامعة أسيوط،فى البداية كنت اظن أنه لا يختلف عن باقى رؤساء الجامعات المعينيين من قبل الحكومة، فمعيار الأختيار واحد فى أغلب الأحيان كانت فترة بقاءة فى منصب رئيس الجامعة تمر دون ضجيج " سياسى "، لكن إحترامى له بدأ فى الوقت الذى تصدى فيه لنفوذ اللواء نبيل العزبى محافظ أسيوط، والذى يُسير الأشياء فى أسيوط وفقاً لإرادتة المنفردة، الجميع خاضعون له، يطيعونه، يتدخل فى شئون كل ما يقع على أرض أسيوط، حتى ولو كانت الجامعة والتى هى خارج نطاق سلطتة كان يريد العزبى أن يطلع على كل كبيرة وصغيرة فى الجامعة، طريقة عملها، يضع لها الخطط، لينفذها الدكتور عزت عبد الله، لكن عزت رفض ذلك، وقرر وضع النقاط فوق الحروف ... لينتقل بعدها الى منصب محافظ بنى سويف، والذى كان يرى البعض ان عزت لن يصلح لشغله، فهو أستاذ جامعى يمكن ان يدير العملية التعليمية، لكنه من غير الممكن أن يدير عملية سياسية وأقتصادية وشعبية، متمثلة فى محافظة باكملها .. لكن الدكتور عزت ولأنه " راجل صعيدى " على قدر المسئولية، نجح فى ان يقود المسيرة بمحافظة بنى سويف، ولم يخيب ظن من اختاروه لشغل هذا المنصب .. بعد توليه مهام المحافظة، بدات أقترب من فهم طبيعة شخصية هذا الرجل، فحضرت عدد كبير من الإجتماعات التى تعقد لحل مشاكل المستثمرين، وتقابلنا أكثر من مرة فى زيارات وزير الإسكان لتلك المحافظة .. واكتشفت ان الرجل ناجح بكل المقاييس، فهو صعيدى يتحدث وسط أعضاء الحكومة بلهجة اهالى اسيوط، ولم لا وهو واحد من أبناء تلك المحافظة، لا يحب المراوغة فى العمل، لا يخشى سطوة ونفوذ بعض رجال الأعمال، يرفض الموافقة على ما يخالف القانون، ويرحب بمساندة الملتزمين به هذا هو عزت عبد الله، والذى اعتدى عليه بعض البلطجية لإرغامة على تركهم يحفرون ويسرقون التيار الكهربائى، دون تدخل ظنوا انهم بذلك قد أرهبوه، لكن الحقيقة أن ما حدث يثبت أن الرجل يسير فى طريقة الصحيحة، وان هذا الإعتداء ما هو الإ وسام على صدر المحافظ .. المحترم

تحية طيبة للدكتور عزت عبد الله الذي يمثل لنا نموذجاً فذاً للجيولوجي البارع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، هذا الرمز العلمي المتميز: عملاً وتعاملاً وخلقاً، والذي نذر عمره لخدمة مصر والعالم العربي، يستحق تكريماً داخل الوطن يليق به، ويرقى لشموخ عطائه وإنجازه.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

بارك الله لنا في عزت عبد الله قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره طبيبا يعالج أوجاعنا، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

 

 

محمود محمد عليكان "فرج فودة" فى كل كتاباته، يُحذر من تغلغل الأصولية الإسلامية على كل مظاهر الحياة الشخصية والاجتماعية والسياسية، لذلك كان ينادى بأنْ «نذهب إلى المساجد والكنائس لكى نسمع موعظة دينية لا يختلف عليها اثنان.. ونذهب إلى مجلس الشعب لكى نتطاحن ونختلف دون حرج أو قيد.. والمعنى: ليتكلم رجال الدين فى الدين، وليتكلم رجال السياسة فى السياسة. أما أنْ يرفع رجال الدين شعارات السياسة إرهابــًـا.. ويرفع رجال السياسة شعارات الدين استقطابـًـا، فهذا هو الخطر الذى يجب أنْ ننتبه له» (10).

ولذلك نجد "فرج فودة" في تناوله لشعار "الإسلام هو الحل"، الذي راج في عصور مصرية مختلفة، مثّل كتابه "الحقيقة الغائبة" أكبر مساهماته في البحث عن أصول عودة الخلافة، وتناول في ذلك الكتاب الرد على العديد من الأسئلة على شاكلة: "هل يوجد نظام حكم واضح المعالم في الإسلام؟ وهل هناك قاعدة في القرآن والسنة تحدد كيف يبايع المسلمون حاكمهم وتضع ميقاتا لتجديد البيعة؟ وهل هناك أسلوب محدد لعزل الحاكم بواسطة الرعية؟ وتثبيت حق الرعية في سحب البيعة كما ثبت لها حقها في إعلانها، وهل كان نظام الخلافة إسلاميا حقا؟"، وغير ذلك من الأسئلة التي استند في الإجابة عنها إلى ما ورد في كتب التاريخ الإسلامي، مستخلصا "إن الإسلام كدين أمر، والدولة بنظامها أمر آخر" (11).

ومن هذا المنطلق نجد "فرج فودة"  يختلف عن كثيرين من العلمانيين، لأنه لم يكتف بالدفاع عن (علمنة مؤسسات الدولة) وضرورة فصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية، وإنما ضفّر ذلك بدفاعه عن خصوصية مصر الحضارية. لذلك كان يتصدى لكل من يهاجم القومية المصرية ؛ أمثال الشيخ "صلاح أبو إسماعيل "، الذى يرى أنّ «الداعي إلى القومية المصرية منتسب إلى الفراعين والعياذ بالله"، وهذا الشيخ كان "يرى أنّ المسلم الأمريكاني أهم من المسيحي المصري. إنّ الشيخ قد أصابني فى أغلى ما أملك- مصر- ذلك الوطن العظيم الذى لا أعرف معنى لوجودي إلا به.. ولا أعرف شيئــًـا يسبقه أو يعلوه انتماءً". (ذكر فودة فى الهامش أنّ هذا الفصل فى الكتاب سبق أنْ أرسله لمجلة المصور (المصرية) التى رفض رئيس تحريرها نشره- ص83 من الكتاب (12).

وفى سنة 1984 كتب "فرج فودة" : "أود أنْ ألفت أنظار أعضاء مجلس الشعب إلى أنّ عليهم مسؤولية كبرى فى مواجهة رواد الإرهاب الفكري داخل المجلس.. وما دام الشيخ صلاح وأنصاره قد اختاروا المجلس النيابي منبرًا، فليتحدثوا بلغته.. وليس للمجلس إلا لغة واحدة، هى لغة السياسة.. وليس له إلا جنسية واحدة، هى مصرية.. مصرية" (13).

والمناظرة التي جرت في معرض القاهرة للكتاب في يناير / كانون الثاني في الثامن من يناير 1992؛ تحت عنوان "مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية"، وكان فرج فودة ضمن جانب أنصار الدولة المدنية مع الدكتور محمد أحمد خلف الله، بينما على الجانب المقابل كان شارك فيها الشيخ محمد الغزالي، والمستشار مأمون الهضيبي مرشد جماعة الإخوان المسلمين (14)،

وتظهر المقاطع المصورة للمناظرة أن الحديث عن دولة مدنية لم يلق قبولا عند أغلب الجمهور في قاعة المناظرة حيث ترددت هتافات دينية لدعم حجة الإسلاميين واستهجان حديث الفريق الآخر ؛ وبينما تركز الهجوم على أنصار الدولة العلمانية لكونهم "من أنصار الاستعمار الغربي ممن يردوا أن يحرموا اغلبية الشعب المسلم في مصر من حقه في دولة إسلامية" فإن "فرج فودة"  كان يشدد على أنه دعاة الدولة الإسلامية لا يقدمون سوى وعود براقة دون أي برنامج سياسي واضح (15).

وقد أثارت مناظرة معرض الكتاب وما تلاها من مناظرات حفيظة عدد من الإسلاميين إلى درجة أن نشرت جريدة النور الإسلامية بيانا لمجموعة من أساتذة العلوم الدينية، (ندوة علماء الأزهر) تشن فيها هجوما شديدا على فودة وتدعو إلى عدم السماح بالترخيص لحزبه (16).

كما شهد "فرج فودة"  مناظرة أخري قامت في نادي نقابة المهندسين بالإسكندرية يوم 27 يناير 1992 تحت عنوان: مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية، وشارك فرج فودة ضمن أنصار الدولة المدنية مع الدكتور فؤاد زكريا، بينما كانت جانب نصار الدولة الدينية: الدكتور محمد عمارة، والدكتور محمد سليم العوا، وشارك فيها نحو 4000 شخص (17).

ولم يسلم أحد من نقد "فرج فودة" ففي عام 1990 كان قد نشر كتاب "نكون أو لا نكون"، والذي ضم عدة مقالات، وأمر الأزهر بمصادرة الكتاب بعد طبعه، إذ تضمن نقدًا حادًّا لشيخ الأزهر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، نتيجة لاتهامه المدافعين عن الدولة المدنية بالخارجين عن الإسلام، وهو ما عده فودة تجاوزا لدور الأزهر الرسمي، وقذفًا لفريق من خيار المسلمين المجتهدين.

وقد اختلف "فرج فودة"  مع الجميع، وتعددت معاركه الفكرية، فأدان احتفاء اليسار المصري بسليمان خاطر (1961-1986) الذي قتل سبعة سياح إسرائيليين، وعندما اندلعت حرب الخليج الأولى في أغسطس 1990، كان فرج فودة من كتاب المعارضة القليلين الذين أيدوا موقف مصر الرسمي لتحرير الكويت. وقد خاض بسبب ذلك العديد من الصراعات السياسية مع كل من الإسلاميين والقوميين المؤيدين لصدام حسين وغزو الكويت (18).

كذلك في هذه المناظرة دافع "فرج فودة"  عن مشروع الدولة المدنية خلال المناظرة الأولى قائلا: "أنا أقبل أن تهان الاشتراكية، وأقبل أن تهان الشيوعية، لكني لا أقبل أن يهان الإسلام، الإسلام عزيز، نزهوا الإسلام".؛ وتابع: "يختلف الفرقاء في أقصى الشرق وأقصى الغرب، وأحدهم يصعد برجل إلى أعلى عليين، ويوثق هذا بالقرآن والسنة ومجموعة من كبار العلماء والفقهاء في دولهم، لا يا سادة حرام حرام نزهوا الإسلام" (19)

وفي 3 يونيو 1992 أصدرت جبهة علماء الأزهر التي يترأسها الإخوان فتوى بتكفيره، وبعد خمسة أيام في 8 يونيو 1992 وقبيل عيد الأضحى، قام مسلحان منتميان للجماعة الإسلامية باغتياله أمام الجمعية المصرية للتنوير التي أسسها (20).

وفي 8 يونيو/حزيران أطلق شابان ينتميان إلى الجماعات الإسلامية المتشددة النار على فودة أثناء خروجه من مكتبه في حي مصر الجديدة ليفارق الحياة، وأظهرت تحقيقات النيابة التي نشرتها صحف مصرية أن قاتلي فودة قالا إنهما تصرفا بناء على فتاوى من قيادات تنظيمي الجماعة الإسلامية والجهاد (21)..... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

......................

الهوامش

10- فرج فوده: الحقيقة الغائبة، دار الفكر للدراسات والنشر، ط1، القاهرة، 1987، ص 88.

11- المصدر نفسه،  ص 12-15.

12- فرج فوده: حوار حول العلمانية، دار ومطابع المستقبل، ط1، القاهرة، 1987، ص 46..

13- المصدر نفسه،  ص 16.

14- راجع –مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية – مناظرة بين الغزالي، محمد عمارة، مأمون الهضيبي عن الدولة المدنية، ومحمد أحمد خلف، فرج فوده عن الجانب الديني المدني العلماني، الدار المصرية للنشر والإعلام، القاهرة، 1992، ص 2.

15-المصدر نفسه، ص 8-9.

16- المصدر نفسه، ص 18-17.

17- المصدر نفسه، ص 22-25.

18- فرج فوده: الإرهاب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1988، ص 45.

19- المصدر نفسه، ص 89.

20- أحمد عبد الحكيم صحافي: قصة المناظرة التي قتلت المفكر المصري فرج فودة، مقال منشور بتاريخ الاثنين 10 يونيو 2019 1:49.

21- المرجع نفسه.

 

2844 الزهاد والمتصوفةالدكتور محمد بركات البيلي أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية في كلية الآداب جامعة القاهرة من الرواد الكبار الذين تخصصوا في تاريخ المغرب والأندلس بفضل تشجيع أساتذته الكبار في هذا المجال من أمثال: الدكتور حسن محمود والدكتور حسين مؤنس، له جهود مثمرة وآخرها موسوعته "معالم تاريخ المغرب والأندلس" الذي ظهرت منه ثلاثة مجلدات عن دار الغرب الإسلامي.. وله جهود أخرى في تاريخ المشرق ومنها تاريخ مصر الإسلامية. ومادة هذا المقال أخذتها من حوار طويل لي مع الدكتور البيلي عرج فيه على مشواره العلمي وتجاذبت معه أطراف الحديث في قضايا شتى وهو أصدق من يتحدث عن نفسه.

ولد محمد بركات البيلي في قرية ميت عساس التابعة لمركز سمنود سنة 1949، وهذه القرية قديمة قدم التاريخ، وورد ذكرها في كتب الجغرافيا وفي كتاب الإدريسي باسم منية عساس وكانت سمنود عاصمة مصر الفرعونية أيام الأسرة 26، وقد أنجبت العديد من الأعلام من أمثال: مانيتون السمنودي الذي صنف الأسرات، وتعلم البيلي في مدارس القرية ثم مدرسة سمنود الثانوية وقد حصل على الشهادة الثانوية سنة 1968، ثم يمم شطره إلى مدينة القاهرة ليلتحق بقسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وقد حبب إليه التاريخ منذ صباه المبكر، وكذلك الفلسفة، وقد انتابته الحيرة في هذه الفترة للمفاضلة بين التاريخ والفلسفة في السنة الأولى بكلية الآداب، إلا أنه حدثت جفوة بينه وبين الدكتور يحيى هويدي أستاذ الفلسفة، جعلته يزهد في هذا المجال ويكمل في مجال التاريخ وبفضل تشجيع أساتذته له وعلى رأسهم الدكتور حسن أحمد محمود لما وجد لديه استعداد للتفوق في هذا المجال وأنه مشروع مؤرخ جاد، واقتدى أيضاً بأساتذة آخرين من أمثال: الدكتور حسين مؤنس، والدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور. وقد حافظ البيلي على التفوق حتى تخرج سنة 1972، بتقدير جيد ومن مشاهير دفعته: الأستاذ الدكتور أيمن فؤاد سيد أستاذ التاريخ الإسلامي ورئيس الجمعية التاريخية المصرية، والدكتور إلهام ذهني أستاذ التاريخ الحديث في كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، والدكتورة منى حسين مؤنس أستاذ التاريخ الإسلامي في كلية الآداب جامعة القاهرة، والدكتور أحمد زايد، والدكتور سيد فليفل، أستاذ التاريخ الحديث في آداب القاهرة...

وبعد تخرجه التحق البيلي بالقوات المسلحة ونال شرف المشاركة في حرب السادس من أكتوبر سنة 1973، واستمر ثلاثة أعوام. وبعدها، ثم عمل بمدارس التربية والتعليم حتى عام 1982، ثم واصل دراساته العليا حتى حصل على الماجستير في رسالة بعنوان "الحياة الاجتماعية والاقتصادية فى إشبيلية فى عصر بنى عباد" بإشراف الدكتور حسن محمود، ثم حصل على الدكتوراه في رسالة بعنوان "البربر فى الأندلس حتى نهاية عصر الإمارة" بإشراف الدكتور حسن محمود أيضاً، ثم عين مدرساً بكلية الآداب جامعة القاهرة سنة 1982، بعد أن أمضى فترة بالتدريس بمدارس وزارة التربية والتعليم. وتدرج في الوظائف بهيئة التدريس حتى حصل على الأستاذية سنة 1992.

مؤلفاته:

أثرى الدكتور محمد بركات البيلي المكتبة العربية بالعديد من الكتب والأبحاث، التي تنوعت بين تاريخ المغرب والأندلس وهو تخصصه الرفيع، وبين تاريخ المشرق الإسلامي ، ففي تاريخ المغرب والأندلس قدم عدة كتب وبحوث، فضلاً عن رسالتيه للماجستير والدكتوراه اللتين لم تطبعا بعد، بعدها قدم عدة كتب منها "طليطلة فى عصرها الإسلامي"، و"التشيع فى المغرب الإسلامي حتى القرن الخامس الهجري"، و"الزهاد والمراوغة فى المغرب والأندلس حتى نهاية القرن الخامس الهجري".

وقدم دراسات عن المشرق الإسلامي مثل: "الأزمات الاقتصادية فى مصر الإسلامية" وضع فيه منهج علمي لدراسة هذه الأزمات، وقام بدراسة الدعوة العباسية، وقدم كتاب "الوناس فى تاريخ دولة بنى العباس"، و"تاريخ الحضارة الإسلامية"، ومؤلفات دراسية عن مصر الإسلامية وعن الدولة الفاطمية. ودراسات فى نظم الحكم فى الدولة الاسلامية: الوساطة. الحجابة. نشأة السلطنة، و"الدعوة العباسية".

وله بحوث عديدة منها:

1- مدرسة مصر الدينية وأثرها فى الاندلس.

٢- عام الرمادية، صفحة من تاريخ علاقات مصر بالجزيرة العربية.

٣ –الأزمات الاقتصادية في الأندلس.

٤ – الجوائح والأوبئة في المغرب.

٥- الشريف الإدريسي وكتاب أنس المهج.

٦ -الخلفية التاريخية المستشرقين وقدراتهم للتاريخ الإسلامي

٧ – اللطف، صلح النوبة فى صورته الأولى.

٨- التنافس الدولي في القرن الأفريقي حتى القرن الأول الهجري

٩- ابن خلدون مؤسس علم الاقتصاد.

10- بجاية مركز للثقافة الاسلامية.

11- الكارم معناه ونشاته.

١٢- رحلات المغاربة كمصدر للتاريخ الإسلامي.

قضايا وآراء:

1- دراسة المدن في المغرب والأندلس: عمد الدكتور محمد بركات البيلي إلى دراسة بعض المدن الأندلسية مثل إشبيلية في عهد بني عباد وهي رسالته للماجستير ولم تطبع بعد، ثم في كتابه "طليطلة في عصرها الإسلامي (92-477هـ/712-1085م)، وقد كانت طليطلة منذ فتحها المسلمون واحدة من كبريات المدن الأندلسية، وقد اتخذها القوط الغربيون قبل الفتح الإسلامي للأندلس حاضرة سياسية ودينية لاسيما وأن موقعها في وسط الأندلس كان يؤهلها لأن تكون حاضرة نموذجية.. وقد أدرك طارق بن زياد فاتح الأندلس الأهمية الاستراتيجية لمدينة طليطلة، فاتجه مباشرة بعد معركته الظافرة في شذونة، وفتحها ثم جعلها قاعدة لفتح باقي الأصقاع في الأندلس في فترة وجيزة، ثم زهد فيها الولاة بعد مرحلة طارق وموسى واتخذوا قواعد أخرى عواصم للإمارة مثل إشبيلية وقرطبة، ويعيب الدكتور البيلي على هذه السياسة قائلاً: "وكان على الحكم العربي أن يقدر طليطلة حق قدرها ويتخذها حاضرة ليسهل عليه السيطرة على كافة أرجاء شبه جزيرة أيبيريا من جهة ومن جهة أخرى ليتخذها قاعدة انطلاق نحو مزيد من الفتوح في الأرض الكبيرة (أوربا)، لكن الحكم العربي تجاهل مكانة طليطلة وأهميتها الاستراتيجية واتخذ قاعدته في الجنوب في إشبيلية ثم في قرطبة فكان لذلك عواقب وخيمة كان من أبرزها جنوح طليطلة إلى التمرد والعصيان على الحكومة المركزية في قرطبة فقل أن يمر وقت على طليطلة لم ترفع فيه راية الثورة والتمرد مما استنفذ جزء كبيراً من طاقات الحكومة المركزية وطاقات طليطلة معاً"(1).

2- كما تناول الدكتور البيلي في كتبه بعض الفرق والمذاهب في المغرب الإسلامي مثل "التشيع فى المغرب الإسلامي حتى القرن الخامس الهجري"، و"الزهاد والمتصوفة فى المغرب والأندلس حتى نهاية القرن الخامس الهجري". وكتابه عن المتصوفة من الأهمية لأن تركيز الدراسات في هذا المجال انصب بصفة أساسية على التصوف والمتصوفة في المشرق الإسلامي أن شخصية صوفية واحدة، كالحلّاج أو ابن عربي أو ابن الفارض، أُلّفت عنها عشرات الكتب، فليس صعباً أن نميّز بين الأصيل والدخيل والمحقق والشائع، لكننا نجابه صعوبات عدة عندما نود التعرف على التصوف في الأندلس، ذلك أن المراجع الشائعة على كثرتها لا تضعنا على أرض صلبة نستطيع من خلالها سَبْر غور التصوف، فبدايات التصوف في الأندلس لم تتناولها الدراسات المشرقية بنفس القدر الذي تناولت به التصوف العربي، وأضحى من النادر أن نجد في المكتبة المشرقية دراسات تهتم بالتصوف الأندلسي وأعلامه، إلا كتابات نادرة صدرت قبل نهاية القرن الفائت، ومن ذلك نجد كتاب الدكتور محمد بركات البيلي، وأتبعه فيما بعد بدراسة عن المتصوف ابن مسرّة ونزعته المسريّة في الأندلس، ذكر في مقدّمتها مراجعة الدكتور محمود مكّي للدراسة، وأنه بفضله تمكّن أن يخرج هذا الدارسة في صورة مرضية، وعند مطالعتنا لكتاب الدكتور البيلي "الزهاد والمتصوفة" يمكننا أن نعتبره تطويراً لبحث كان قد نشره الدكتور محمود مكّي في مجلة "دعوة الحق" المغربية عام 1962، في عددين متتابعين تحت عنوان: التصوف الأندلسي مبادئه وأصوله، ثم عاد فوسّعه ونشره باللغة الإسبانية عام 1968، وأثبت مكّي في بحثه أصول الحركة الصوفية في الأندلس، أن أصول التصوف ومبادئه لم تكن مضطرة لاستعارة أفكارها من مصادر خارج الإسلام، مؤكّداً على أوجه الشبه المشتركة بين التصوف الأندلسي والمصري، ومركّزاً بصفة خاصة على أثر ذي النون المصري في متصوفة الأندلس.

3- تاريخ المغرب والأندلس: مشروع العمر:

ألف الدكتور محمد بركات البيلي كتاب "ملامح تاريخ المغرب والأندلس"، نشر منه ثلاثة أجزاء في دار الغرب الإسلامي ببيروت، ويعد للنشر الجزء الرابع عن المرابطين وجارى كتابة الجزء الخامس عن الموحدين.

وكتاب "ملامح تاريخ المغرب والأندلس" يعبر عن ارتباط تاريخها فى العصر الإسلامي الوسيط وهو من خمسة أجزاء. أولها عن بلاد المغرب منذ الفتح الإسلامي حتى عصر بنى زيري مع تقديم مناسب عن جغرافية المغرب الطبيعية والبشرية ونبذة موجزة عن تاريخه وصولا إلى الفتح الإسلامي، وثانيها عن الأندلس من الفتح حتى نهاية عصر الامارة مع مقدمة جغرافية وتاريخية موجزة وصولا إلى الفتح الإسلامي، وثالثها عن الأندلس فى عصارة الخلافة والطوائف. ورابعها عن المغرب والأندلس فى عصر المرابطي وخامسها عن المغرب والاندلس فى عصر الموحدين.

والمنهج العلمي التاريخي هو المتبع فى الدراسة يجمع بين الأصالة الملتزمة بتوثيق وتدقيق المعلومات من مظانها الاصلية وبين المعاصرة التي لا تتوقع عن النقد والتقييم وإبداء الرأي دون تعسف ولا شرط بل رأى يستند الى فهم ما فى المصادر لغويا والربط بين ما فيها تاريخيا حتى لا يكون الرأي تعسفيا ولا خياليا.. لهذا فالكتاب موثق توثيق دقيقا بل ومبالغ فيه كل لا يكون من ضرب الخيال.

 

بقلم: أبو الحسن الجمال

.................

(1) محمد بركات البيلي "طليطلة في عصرها الإسلامي"، القاهرة 1993،  ص3

 

 

محمود محمد عليكان لفرج فودة حدة ذهنية ومنطق متماسك ومعارف متدفقة، وفوق ذلك كله فقد كان ذا حضور طاغ بل آسر، فقد كان حيث ينطلق في الحديث بصوته الجهورى والعذب في آن واحد، ينقل المستمع إلى آفاق مغايرة من المدركات والمشاعر تجعل لكلماته مفعول السحر في النفوس (5).

ولد "فرج فودة"  في 20 أغسطس (آب) 1945 ببلدة الزرقا بمحافظة دمياط (شمال مصر)، حصل على ماجستير العلوم الزراعية ودكتوراه الفلسفة في الاقتصاد الزراعي من جامعة عين شمس.عاش حياته مليئاً بالنشاط العلمي والعطاء الفكري، وحمل على عاتقه هموماً كثيرة، ولعب دوراً هاماً في الحياة الإبداعية والفكر العربي المعاصر، وكرّس كتاباته للدفاع عن حرية الفكر والتعبير والمعتقد، وحرية الإبداع الثقافي والفني، وأمن دائماً بأن المستقبل هو للتنوير، والعقلانية، وللخلق، والإبداع، وليس لجيوش الردة، والظلام، والعودة إلى الوراء ؛ وفي الرابع من شهر يونيه لعام 1992م تم اغتياله بإطلاق الرصاص عليه أمام منزله، وكان اغتياله حادثة هزت الأوساط الثقافية في مصر والعالم العربي، بوصفها تنذر بالكثير لما سيتم بعد ذلك ؛ حيث إنه بعد مقتله بسنوات قلائل، تعرض نجيب محفوظ للإغتيال، وتم تكفير "نصر حامد أبو زيد"، و"سيد القمني"، "العشماوى"، "خليل عبد الكريم"، "سمير غريب علي"، "عاطف العراقي" – بتهمة الدعوة لآؤاء علمانية مخالفة للدستور – "أحمد صبحي منصور" – تنظيم إنكار السنة – وخرجت المظاهرات تطالب برأس "حيدر حيدر" (وليمة أعشاب البحر)، ومحاكمة "صلاح الدين محسن "بتهمة إهانة الدين، تكفير "حسن حنفي"، مصادرة مطبوعات هيئة قصور الثقافة بتهمة الإباحية في روايات "محمود حامد" (أحلام محرمة)، "ياسر شعبان" ( أبناء الخطا الرومانسي)، "توفيق عبد الرحمن" ( قبل وبعد)  (6).

ألّف "فرج فودة"  عدداً من الكتب التي تضمنت فصل الدين عن الدولة، منها "قبل السقوط" (1984)، و"الحقيقة الغائبة" (1984)، و"الملعوب" (1985)، و"الطائفية إلى أين؟" (1985) بالاشتراك مع "يونان لبيب رزق" (1933-2008) و"خليل عبد الكريم" (1930-2007)، و"حوار حول العلمانية" (1987). ولقت الكتب اهتماما، فطبع بعضها أكثر من مرة ودرس بعضها في الجامعات والمعاهد.

كما كتب "فرج فودة"  عدداً من المقالات في جرائد المعارضة، مثل "الأهالي" التابعة لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي و"الأحرار" التابعة لحزب الأحرار الاشتراكيين، وعددا أقل في الجرائد القومية، خاض فيها العديد من المعارك الفكرية دفاعاً عن مبادئ الدولة المدنية من علمانية ووحدة وطنية وحقوق إنسان.

وقد أثارت كتابات "فرج فودة"  جدلاً واسعاً بين المثقفين والمفكرين ورجال الدين، واختلفت حولها الأراء وتضاربت وتصاعدت، حتى بلغت حداً كبيراً من العنف أدى في النهاية إلى اغتياله فقد كان يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، ويرى أن تحكيم الشريعة من الرجعية، لأن الزمن تغير، والأحوال تغيرت، وكان يدعو إلى أن تكون الدولة مدنية بعيدة عن الدين.

كما يشدد "فرج فودة"  في كثير من كتاباته ومحاضراته على أنه مسلم متمسك بالإسلام الذي هو عنده "الدين الأعظم" مع التمييز بين الإسلام كديانة والدولة الإسلامية؛ ففي كتابه "النذير" (1989) والذي تناول فيه نمو التيار الإسلامي ما بين عامي 1982 و1987، خلص فيه إلى أن التيار الإسلامي "نجح بالفعل في تكوين دولة موازية"، لها اقتصادها المتمثل في بيوت توظيف الأموال، وجيشها المتمثل في الجماعات الإسلامية المسلحة، وكيانها السياسي المتمثل في مكتب إرشاد الإخوان المسلمين رغم حظر الجماعة قانونا. كذلك اخترق التيار الإسلامي المؤسسة الدينية الرسمية، مثل دعوة شيخ الأزهر الناخبين لإعطاء أصواتهم للمطالبين بتطبيق الشريعة (أي مرشحي التحالف الإسلامي)، ومطالبة جريدة اللواء الإسلامي التي يصدرها الحزب الحاكم (الحزب الوطني الديمقراطي) للمواطنين بعدم التعامل مع البنوك القومية وقصر تعاملاتهم على البنوك الإسلامية. كما اخترق أيضاً الإعلام الحكومي؛ حيث زادت الجرعة الدينية فيه من صحف، ومسلسلات، وخطب، تلفزيونية؛ مثل خطب الشيخ "محمد متولي الشعراوي" (1911-1998) التي عرّض في بعضها بعقيدة المواطنين المسيحيين (7).

كما ناقش "فرج فودة"  في هذا الكتاب، الذي يعد أحد أهم كتبه، الظهور الواضح لتيار الإسلام السياسي والتيار المتشدد، خصوصا بعد قتل الرئيس المصري "أنور السادات" في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1981. واستنتج أن التيار المتشدد لم يكن مجرد مرحلة أو حركة، ولكنه دولة داخل دولة، معتبراً أن الفروق بين المعتدلين والمتطرفين في الإسلام السياسي هي الدرجة وليس النوع (8).

وتمسك "فرج فودة"  بطرح "إن إنكار العلمانية جهل بالحضارة الحديثة، وإطلاق صفة الكفر عليها جهل بالعلمانية، والدعوة لدولة دينية جهل بحقوق الإنسان، والمناداة بالخلافة جهل بالتاريخ"، وظل فودة يرى أن العودة إلى الإسلام السياسي عودة لزمن الهزائم، وهو ما جعله يُناصب العداء بكامل قوته للإسلام السياسي (9).... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

....................

الهوامش

5-أيمن عبدالرسول: فى الذكرى التاسعة لاغتيال فرج فودة : الموت دفاعا عن العلمانية، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، مج 17 ,ع 191،2001، ص 9.

6- فرج فوده : قبل السقوط، ط1، القاهرة، 1985، ص 7.

7- فرج فوده : النذير، ط1، القاهرة، 1989، ص 7.، ص 10.

8- المصدر نفسه،  ص 16.

9- المصدر نفسه،  ص 19.

 

 

محمود محمد عليعزيزي القاري اسمح لي أن أكتب عن رجل وعالم ومفكر، اختلف الناس في أمره، ما بين متفق ومختلف معه، قد نراه سطحياً أحياناً، عميقا في بعض الأحيان، قد نتهمه بالرأسمالية ومعاداة الشيوعية، أو أنه لم يكن منظراً فلسفياُ، ربما نختلف معه إلي أقصي مناحي الاختلاف، إلا أن أحدنا لا يستطيع إتهامه بالكفر والخيانة، أو العداء للإسلام (1).

وفرج فودة كذلك (سواء اتفقنا معه أو أختلفنا معه أيضا) إلا أننا لا ننكر أنه أحد مفكري التيار العلماني العقلاني في مصر والعالم العربي وأكثرهم نشاطاً وديناميكية، وشهيدا من شهداء الحرية، وواحداً من مفكرينا الذين نعتز بهم بأنهم وقفوا في مواجهة الإرهاب بالكلمة، والرصاص بالفكرة، ولا يمكن أن ننسي أنه الوحيد – بلا تزيد أو مزايدة – الذي دفع عنا ضريبة الموت دفاعاً عن الفكرة .

قال عنه الكاتب الفلسطيني "شاكر فريد حسن" :" فرج فودة داعية للتجديد والعقل والوجه العقلي، استطاع أن يخاطب العقل والوجدان العربي ويؤسس بالفكر، حالة عربية مميزة بواقعها المادي وصراعاتها الفكرية العقيدية، فأعطى عمره وحياته كلها واستشهد في سبيل أسمى قضية ؛ قضية الحرية والاعتقاد، وتميز بشخصيته الصلبة الجريئة المثيرة للجدل (1).

ولذلك عندما ندخل في عالم "فرج فودة" ، علينا ألا ننسي أنه مفكر سياسي بالأساس، أفزعته الدعوة للدولة الدينية، وتنامي التيارات الإرهابية، فترك حزب الوفد (بعد أن كان أحد قياداته) – اعتراضاً علي تحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين، وعلى خلط الأوراق فيما هو ديني وسياسي، ولا يمكن تأويل كلماته على أنها كفر صريح أو باطن، لقد كان يخوص معركة سياسية لمصلحة الوطن أولاً وأخيراً حتي إنه يقول :" لا أبالي إن كنت في جانب والجميع في جانب، ولا أحزن إن ارتفعت أصواتهم أو لمعت سيوفهم، ولا أجزع إن خزلني من يؤمن بما أقول، ولا أفزع إن هاجمني من يفزع لما أقول، وإنما يؤرقني أشد الأرق، ألا تصل هذه الرسالة إلى من قصدت، فأنا أخاطب أصحاب الرأي لا أرباب المصالح، وأنصار المبادئ لا محترفي المزايدة، وقصاد الحق لا طالبي السلطان، وأنصار الحكمة لا محبي الحكم، أتوجه إلى المستقبل قبل الحاضر، وحسبي أيماني بما أكتب، وبضرورة أن أكتب ما أكتب، والله والوطن من وراء القصد (2).

نعم لقد كان "فرج فودة" واحدا من المفكرين أصحاب القضية، وكانت قضيته هي كيف يمكن للوطن، الذي عشقه فعلاً، أن يتخطى محنته التي وضعته فيها جماعات العنف الديني بما تحمله من أفكار معادية للتقدم، وللقيم الإنسانية الحديثة، ومناصرة للسلفية الدينية، وللفهم المنغلق علي الذات المنافي لكل معطيات العصر الذي نعيشه، كانت المسألة إذن بالنسبة إليه هي مسألة نقد وتفنيد الأسس الفكرية والمفاهيمية التي تقوم عليها المنظومة الكفرية والسيكولوجية لجماعات العنف الديني، والتي كانت تشكل خطرً عظيماً، في ذلك الوقت على كل مكتسبات العلم والمعرفة، وعلى نمط منظومة الحداثة بكاملها، وكانت تهدد بتحويل الوطن إلى نمط الحياة الخاص بالعصور الوسطي، حيث الدولة الثيوقراطية (الدينية) التي تحكمها أو تتحكم في توجهاتها نخبة من رجال الدين الذين لهم صلاحيات واسعة في تحديد ما هو متفق مع الشرع، وما لا يتفق معه في جميع شؤون المجتمع العامة والخاصة . وهي صلاحيات لم يكتسبوها بأي نوع من أنواع الانتخاب الحر مما سجعلها مشروطه نسبية، بل هي مفوضة إليهم باسم مرجعية إلهية عليا لا يملك البشر فيها حلاً ولا عقدا، ومثل هذه النخبة التي تدير شئون المجتمع لها هي وحدها دون سواها أن تفرض ما تتصور هي أنه متفق مع صحيح الدين ـ وما خالف ذلك من فكر، أو سلوك، أو حتي تصورات ليس مدانا فحسب، بل هو كفر صراح يستوجب تطبيق حدود الله التي تصل غالباً عقوبات بدنية متفاوتة الشدة قد تصل – قد تصل في حدودها – إلى تقطيع الأيدي والأرجل من خلال كما هو في نظام حكم طالبان (3) .

ويمكن القول إن تلك القضية هي التي كانت تشغل "فرج فودة" ، إذ كان صعود نجمه المفاجئ في ثمانينيات القرن العشرين قد ارتبط بها مباشرة، لكن يبدو أنه كانت ثمة فترة إعداد طويلة تمرس فيها على أساليب الكتابة من ناحية، وعلى اكتساب خبرات معرفية وتاريخية خاصة بتلك النوعية من الموضوعات من ناحية أخري ؛ ذلك أنه كان ذا أسلوب متميز، يتسم بالفصاحة والبلاغة والدقة في آن واحد، وهو شئ من الصعب اكتسابه في زمن يسير . ولعله قد تأثر فيه بأسلوب "طه حسين" فهو أقرب الأساليب إليه ؛ إذ أن فيه عذوبة وفيه إيقاع جميل وسلاسة وطلاقة لا نجدها إلا عند القليل من الكتاب خاصة من أجيال سابقة، من أمثال طه حسين (4)... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

الهوامش

1- شاكر فريد حسن: الدكتور فرج فودة..ضحية الارهاب الديني المتطرف، الحوار المتمدن-العدد: 2835 - 2009 / 11 / 20 - 13:20.

2- أحمد عاطف : فرج فودة : الغائب الحاضر، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، العدد 240، 2005، ص 82.

3- المرجع نفسه، ص 83.

4- المرجع نفسه، ص 85.

 

مصدق الحبيبيوجين يڤـگيني سلَـتِسكي

 (1880 – 1948)

Eugen Yevgeny Slutsky


 هو الاقتصادي وعالم الاحصاء والرياضيات الروسي الذي يعرفه طلاب الاقتصاد في كل مكان بسبب معادلته المعروفة بـ "معادلة سلتسكي" Slutsky Equation. ورغم ان اسم سلتسكي بدأ يصبح مألوفا في المناهج التي تعتمد التطبيقات الرياضياتة في تدريس الاقتصاد خلال النصف الثاني من القرن الماضي، إلا انه صاغ معادلته الشهيرة عام 1915 في بحثه عن نظرية المستهلك. ولم يكن هذا الاقتصادي المتفوق معروفا لدى الاوساط الغربية آنذاك لأسباب منها انه لم يكتب باللغة الانكليزية ولم تترجم بحوثه منذ البداية اضافة الى الاسباب السياسية المتعلقة بالثورة البلشفية التي اندلعت بعد سنتين من نشر ذلك البحث. يقول سامولسن الاقتصادي الامريكي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1970 انه لم يتعرف على ذلك البحث الفاخر المنشور عام 1915 الا بعد اكثر من عقدين من الزمن، أي في عام 1936. كان ذلك بفضل سلسلة المقالات التي نشرها عن سلتسكي الاقتصادي الرياضياتي البريطاني روي ألن، بمفرده وبالاشتراك مع ، جون هكس ابتداءً من عام 1934. أما فنسنت بارنيت، رئيس معهد اقتصاد التنمية في كلية وليمز فقد صرح بأن سلتسكي يعتبر أشهر الاقتصاديين الروس، قبل وبعد ثورة اكتوبر، لما قدم من مساهمات ثمينة في النظرية الاقتصادية ، ولما آل لتراثه الفكري ان يصبح جزءً لايتجزء من تراث الفكر الاقتصادي الغربي المعاصر.

2834 سلتسكيولد يوجين في مقاطعة ياروسلافل شمال شرقي موسكو لعائلة متواضعة الحال حيث كان والده معلما في احدى المدارس الابتدائية المحلية. أصر الوالد على ادخال ابنه يوجين في مدرسة أوكرانية متخصصة بتعليم الرياضيات والعلوم الطبيعية حيث توفرت الفرصة لانتقال العائلة من غرب روسيا الى أوكرانيا. وفي هذه المدرسة تفوق يوجين في كل مراحل دراسته حتى نال المدالية العليا عام 1899 لينتقل بعدها الى دراسة الرياضيات في جامعة كييف Kiev . لكن يوجين كان قد فصل من الجامعة في السنة الثالثة بسبب نشاطه السياسي الثوري المناوئ لحكومة القيصر. وعندما استمرت ادارة الجامعة بفصل الطلاب ذوي الاتجاهات السياسية المعارضة لسياسة الحكومة، نظم يوجين سلسلة من الاحتجاجات الطلابية التي طالبت باعادة المفصولين الى مقاعد الدراسة، فكان عقابه هذه المرة أن اُرسل الى الالتحاق بالخدمة العسكرية. ولحسن حظه لم تكن تلك الخدمة طويلة الامد مما مكنه للعودة الى الجامعة والاستمرار بنشاطه السياسي الذي أدى به اخيرا الى استلام قرار الجامعة القاضي بالفصل النهائي وحرمانه من حق الدراسة في أي جامعة في عموم البلاد. وهنا كان عليه ان يغادر الى ألمانيا والتسجيل في جامعة ميونخ عام 1902 والتي درس فيها الهندسة لغاية عام 1905. ولأنه اصبح في ميونخ مولعا بدراسة الاقتصاد والقانون، فقد انكب على دراسة الادب الاقتصادي الكلاسيكي لسمث وريكاردو وماركس وآخرين، وعاد الى كييف ليحصل على الدكتوراه في القانون عام 1911 ويعمل في تدريس التشريع والقانون ثم يبدأ بالتحضير الى دراسة الدكتوراه في الاقتصاد التي اكملها عام 1918 ونالت اطروحته في النظرية الحدية درجة الشرف. وبعدها خلص الى الاستنتاج بأنه وجد في الاقتصاد الحيز التطبيقي المناسب لقدراته في الرياضيات والاحصاء والقانون. أما اهتمامه بالاحصاء فيعزوه لصديقه ليونتوفج الذي كان له الاثر الكبير في حثه على دراسة كتابات گوس Gaussوپيرسن Pearson وبذلك تمكن من نشر بحثه الاحصائي الاولي عن معامل الارتباط عام 1912.

في عام 1913 بدأ التدريس في معهد كييف التجاري وحصل على درجة الاستاذية عام 1920. وفي عام 1926 بدأ العمل في دائرة الاحصاء المركزي في موسكو والتحق بمعهد دراسات الدورة الاقتصادية والتي كانت باشراف الاقتصادي الروسي الشهير آنذاك كوندراتيف Kondratiev الذي وجده سلتسكي كقدوة علمية ومهنية. فمن خلال تأثير كوندراتيف ونظريته حول موجة الدورة الاقتصادية الطويلة التي سميت بـ "دورة او موجة كوندراتيف" ونتيجة لبحثه المتواصل في نظرية الاحتمال والاحداث العشوائية، تمكن سلتسكي عام 1927 من نشر مقالة احصائية عن السلسلة الزمنية للبيانات Time Series قدم فيها فكرة ان حوادثا عشوائية غير متزامنة قد تسبب حدوث نوبات صعود وهبوط دورية ! وهذا مافتح الباب على مصراعيه لانتعاش بحوث الدورة الاقتصادية.

لكن علاقته المهنية المثمرة مع كوندراتيف وسمعته الطيبة التي بدأت تنتشر كاقتصادي رياضياتي واحصائي بارز في معهد الدورات الاقتصادية لم تدم طويلا بسبب الظروف السياسية التي اشتد ثقلها على العلماء غير الشيوعيين وحتى على الشيوعيين المعتدلين. فقد واجه كوندراتيف وزملائه في المعهد ضغوطا فكرية خلال السنوات الاولى لحكم ستالين التي اتسمت بالتطرف الفكري خاصة فيما يتعلق باقتصاد السوق، والتي تحولت بعد عام 1929 الى شن حملات تطهيرية شملت كل من يتمتع بفكر مستقل حر. وهكذا قامت السلطة الستالينية بغلق معهد كوندراتيف عام 1930 واعتقلت كوندراتيف ومجموعة من زملائه الاقتصاديين لمجرد انهم بنوا علاقات ودية علمية مع بعض الجامعات الغربية. وحين قبل كوندراتيف دعوة علمية من جامعة منيسوتا الامريكية كان حدث زيارته الى الولايات المتحدة بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير! حيث اودع السجن في موسكو حال رجوعه من امريكا عام 1931 ليمضي ثمان سنوات عجاف في السجن انتهت باعدامه رميا بالرصاص عام 1938 ضمن ما سمي بضرورة تصفية الرؤوس المعادية للحزب والثورة. كان هذا الحدث اضافة الى الجو السياسي المشحون عموما قد اجبر سلتسكي على ان يهجر النشاط السياسي الذي زاوله منذ ايام حكم القيصر وفي السنوات الاولى لحكم البلاشفة، وهكذا فقد آلى على نفسه ان يبتعد جهد امكانه عن كل ماله علاقة بسياسة الدولة بما في ذلك البحث الاقتصادي! وبذلك لم يبق لديه سوى ان يتوجه للتركيز على الاحصاء النظري.

بين عامي 1931 و 1934 تحول يوجين سلتسكي للعمل في معهد الانواء الجوية في موسكو. انتقل بعدها الى التدريس في معهد الرياضيات والميكانيك في جامعة موسكو وحصل على شهادة دكتوراه فخرية منها. ثم تحول الى معهد ستكلوف Steklov التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية والذي بقي فيه لحين وفاته عام 1948. وواضح ان هذا الابتعاد القسري عن البحث الاقتصادي الذي اصبحت الحكومة المركزية مهيمنة تماما على كل قنواته هو السبب الجزهري في ان مابقي لدينا من مساهمات لسلتسكي في الاقتصاد اقل من مساهماته في الاحصاء وفي ما سمي بعدذاك بالاقتصاد القياسي مقارنة بما هي عليه في الاقتصاد الجزئي الذي حقق فيه انجازا مثيرا عام 1915. من مساهماته الاحصائية المبكرة والهامة اشتغاله على طرق الانحدار القياسي وتناسب تقديرات وجودة مطابقة خط الانحدار على البيانات الواقعية. كان ذلك عام 1913 ، أي ثمان سنوات قبل اشتغال الانكليزي رونالد فشر على نفس الفكرة وهو الذي يعتبر الاب الشرعي للنظرية الاحصائية. ومن مساهماته الحاسمة ايضا اشتغاله على نظرية الاحتمال ومعامل الارتباط ونظرية التفاضل والتكامل وطرق قياس الدالة العشوائية ونظرية التقارب غير المحتمل Asymptotic Convergence improbability التي اشتغل عليها عام 1925 ، ومساهمته في صياغة نظرية الحد ٍStochastic Limit Theorem عام 1928. وبذلك كانت تطبيقات معرفته في الرياضيات والاحصاء جلية على موضوعات اخرى غير الاقتصاد شملت التنبؤات الجوية والوراثة والطاقة الشمسية.

بإسم سلتسكي ارتبطت عدة مصطلحات اقتصادية واحصائية، منها:

- Slutsky Equation; Slutsky Matrix; Slutsky Identity

- Slutsky Diamond

-Slutsky Symmetry

Slutsky Theorem

- Slutsky – Yule Effect

- Slutsky Wealth Compensation

-Slutsky Compensated Price Change

معادلة سلتسكي والتي تسمى احيانا مصفوفة سلتسكي أو متطابقة سلتسكي هي التي شرحناها في القسم السابق الخاص بالاقتصادي البريطاني جون هكس، والتي كان لها الاثر البالغ في نظرية المستهلك. جاءت هذه المعادلة في بحث نشره سلتسكي عام 1915 بعنوان "حول نظرية ميزانية ودخل المستهلك" الذي لم ينتبه اليه احد قرابة عشرين عاما لاحقة! لكنه احدث زلزالا في النظرية الاقتصادية حين تم كشف النقاب عنه من قبل الاقتصادي الرياضياتي روي ألن ومن ثم تم شرحه وتوضيحه من قبل جون هكس. تبين المعادلة رياضيا وگرافيكيا الحكمة من فصل تأثير التغير في الاسعار على مشتريات المستهلك من خلال تأثيرين فرعيين يكمل احدهما الآخر، هما تأثير دخل المستهلك وتأثير رغبته في استبدال السلع من اجل تأمين الوضع الافضل. وبنفس المبدأ استنتجت بعدئذ معادلة مماثلة لفهم نظرية المنتـِج.

أما Slutsky Diamond (ماسة سلتسكي) فتخص امكانية تحويل معادلة سلتسكي گرافيكيا الى مايشبه متوازي الاضلاع وبالذات ان يتخذ الشكل الماسي الذي تكون مساحته متناسبة مع قيمة مرونة الاستبدال، مما يؤسس ميزات جديدة لدرجة انحناء دالة الطلب. وهي الدالة التي يمكن عندئذ اشتقاقها من ذلك الشكل الماسي. ولهذا الاستنتاج النظري تطبيقات اخرى، خصوصا في فهم طبيعة واسباب النمو الاقتصادي.

وينص مصطلح تماثل سلتسكي Slutsky Symmetry الى انه اذا كانت دالة الطلب خطية بشكل تام فان التغيرات التي تطرأ على الاسعار ستكون متناظرة في حالتي كونها واضحة ومتميزة أو كونها متناهية في الصغر. أما نظرية سلتسكي Slutsky Theorem فتدخل في نظرية الاحتمال الاحصائية وتعني امكانية ان تسري بعض مزايا العمليات الجبرية على السلاسل المتعاقبة للاعداد الحقيقية كما هو الحال على سلاسل المتغبرات العشوائية.

ويشير تأثير سلتسكي ويول Slutsky-Yule Effect الى ان تأثير رقم عشوائي واحد سيتوالى في عموم السلسلة المكونة لمجموع المتوسطات المتحركة moving averages مما يؤول الى ان المتوسط المتحرك قد يولّد تقلبات عشوائية في السلسلة من غير ان تكون موجودة فعلا في البيانات الحقيقية.

على ان تعبير Slutsky Wealth Compensation صاغه الاقتصاديون بعدئذ ويعني ان تنسب التغييرات في دالة الطلب المارشالية غير التعويضية Marshallian Uncompensated Demand Function الى التغييرات في دالة الطلب التعويضية الهكسية Hicksian Compensated Demand Function.

ويتخذ التعبير الاخير Slutsky Compensated Price Changes نفس التفسير.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

صادق وجيه الدينتبدو الأمة الإسلامية، في واقعها الراهن، بحاجة ماسة إلى المفكِّرين الذين يحملون همومَها ومشكلاتِها على عواتقهم، ويحرصون - بأقصى ما أمكنهم- على تشخيص الأمراض التي تعاني منها، ومعرفة مواطن إصاباتها وبواطنها، ومن ثَمَّ الانتقال من مرحلة كشف الداء إلى مرحلة البحث عن الدواء، من خلال تقرير الإجراءات النافعة والعلاجات الناجعة، فإنَّ الأمم تصح وتمرض، وتنهض وتتخلَّف، وتتقدَّم وتتراجع، وفقًا للسنن الثابتة التي لا تعرف المحاباة، ولا يخفى على أحد حالة التراجع التي أوقع أمتنا في واقع مأساوي من التخلف الحضاري ذي الأشكال المتعدِّدة والألوان المتنوِّعة، بصورة تجعلها بحاجة ماسة إلى مشروعات جادة، في مختلف الجوانب، يأتي الجانب المعرفي/ الفكري في مقدمتها.

لا أريد الاستطراد في هذا الموضوع، وكل ما رميتُ إليه في هذه الاستهلالية العابرة ليس أكثر من إبراز حجم الخسارة التي تعرَّضتْ لها الأمةُ الإسلامية برحيل عَلَمٍ بارزٍ من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، وأحد أبرز روَّاد الإصلاح من بوابة المدخل المعرفي؛ وهو الأستاذ الدكتور عبدالحميد أبو سليمان الذي غادر دنيانا يوم الثامن عشر من أغسطس الماضي، مع العلم بأني حينما أتحدث عن الخسارة فإني أعي معناها تمامًا، فقد كان مثالًا لــ"رجل الأمة"، ولهذا كرَّس جهوده للاشتغال في قضايا الأمة عمومًا، متأثِّرًا في هذا من نشأته في مكة المكرمة التي تجمع المسلمين من كل بقاع الأرض (1)، فقد كانت شهرتُه مبنيةً على مكانته العلمية ومشروعه الفكري، وارتبط اسمه بالمدرسة الإصلاحية الرائدة المتمثِّلة في (المعهد العالمي للفكر الإسلامي) الذي حرص مؤسِّسوه وروَّادُه على استقلاليته عن الأُطر التنظيمية الضيِّقة، فكريًّا وسياسيًّا، وقد كان أبو سليمان ثالث ثلاثة تحمَّلوا العبء الأكبر في التأسيس والإدارة والإشراف، بجانب رفيقيه: الفلسطيني أ.د. إسماعيل راجي الفاروقي (ت1986م) والعراقي أ.د. طه جابر العلواني (ت2016م) مع وجود مجموعة ممَّن اشتغلوا معهم وساعدوهم في بعض الأمور، من بعض الأساتذة والدارسين في أمريكا.

وبدافع من حرصه على التفرُّغ للعمل في المعهد العالمي المذكور؛ فقد اضطر الدكتور أبو سليمان –بعد ذلك- إلى أخذ تفرغ مبكِّر من عمله في جامعة الرياض (الملك سعود حاليًّا) (2)، فاشتغل بدايةً مديرًا للمعهد عند تأسيسه مطلع العقد الثامن من القرن العشرين الماضي، في ولاية فرجينيا بأمريكا1401ه/ 1981م، وكان الدكتور الفاروقي رئيسًا والدكتور العلواني نائبًا للرئيس، وشكَّلت فكرةُ إسلامية المعرفة وإصلاح مناهج التفكير ومعالجة أزمة الفكر الإسلامي المعاصر المرتكزَ العام للمشروع، ثم تولَّى –أبو سليمان- رئاسة المعهد المذكور خلفًا للدكتور العلواني، نهاية التسعينيات من القرن العشرين الماضي، أي بعد إنهائه عمله رئيسًا للجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا الذي استمر منذ تأسيسها 1988م وحتى 1999م، واستمر في قيادته إيَّاه إلى ما قبل سنوات، ويتولَّى رئاسةَ المعهد حاليًّا الدكتورُ هشام الطالب.

لقد كان الدكتور عبدالحميد أبو سليمان المولود في مكة المكرمة عام 1936م، واحدًا من المفكِّرين المسلمين الذين اشتغلوا في خدمة الإسلام ورفع راية الفكر الإسلامي في مختلف أرجاء العالم، فإلى جانب تجوُّله في الغرب وإقامته في أمريكا سنواتٍ طويلةً، قبل نيله الدكتوراه 1973م وبعده، فقد اشتغل على نفس الفكرة وقام بذات المهمة في الشرق -أيضًا-؛ فهو الرئيس المؤسِّس للجامعة الإسلامية العالمية في العاصمة الماليزية (كوالالمبور)، وهي الجامعة التي تم إنشاؤها خدمةً لمشروع إسلامية المعرفة الذي دعا إليه المعهد واشتغل عليه وعُرِف به؛ بهدف تفعيل رؤية التكامل بين العلوم الإسلامية (وبينها -بالضرورة- اللغة العربية) من جهة والعلوم الإنسانية والاجتماعية من جهة أخرى، وهو ما يعني الانتقال بهذه الرؤية أو الفكرة من جانب التنظير إلى جانب التطبيق، في خطوة عملية مهمة مثَّلت نقلةً نوعيةً وأحدثت قفزةً كبيرةً في مسيرة المشروع.

وقد سنحت لي فرصة الاستماع لشرح من شخص الدكتور أبي سليمان نفسه، عن موقع الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا من إعراب المشروع الفكري للمعهد، ولا سيَّما الكلية التي تتضح طبيعة المهمة المناطة بها من خلال اسمها، وهي "كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية"، وأبان لي في شرحه الشفوي خلاصة ما يتعلق بهذه التجربة الناجحة، وهي التي كان قد عرضها في أحد فصول كتابه "الإصلاح الإسلامي المعاصر: رؤية منهجية واجتماعية" (3)، وذلك حينما شرفتُ وسررتُ بلقاء سيادته، قبل سنوات، في القاهرة، وتعلَّمتُ على يديه في دورة تدريبية نظَّمها مركز الدراسات المعرفية (4)، وأكَّدتُ له وقتها بأنَّ هذه الدورة مثَّلت بالنسبة إليَّ الانتقال إلى التعلم على يديه بطريقة مباشرة، بعد سنوات من التعلم غير المباشر، من خلال مؤلفاته وبحوثه التي تعلَّمتُ منها الكثير، وكان له -بفضل الله- فضلٌ عليَّ فيها، وهو من المفكِّرين الذين حرصتُ على تتبع مؤلفاتهم وجمعها والاهتمام بها، فهي -حسب قناعتي- من الكتب التي لا أظن حاجتي إليها تنتهي بمجرد قراءتها مرة أو مرتين، وقد أبدى -رحمه الله- أسفه وحزنه إزاء ما آلت إليه أحداث بلادي (اليمن)، وكانت الحرب لا تزال -آنذاك- في أشهرها الأولى، موضحًا أن له دراسةً عن سياسة بريطانيا في عدن، وهي –فعلًا- الرسالة التي نال بها درجة الماجستير في العلوم السياسية.

ومع أنَّ الدكتور أبا سليمان اشتغل كثيرًا في جوانب إدارية عديدة، في مؤسَّسات أكاديمية وبحثية ودعوية واجتماعية مختلفة، داخل العالم الإسلامي وخارجه، في الشرق والغرب، فإنَّ كل هذا الاشتغال لم يشغله عن الاشتغال في جانب الإنتاج العلمي؛ إذ إنَّ له نتاجاته العلمية رفيعة القيمة، عالية الدقة، قوية العمق؛ فقد اشتغل بهمة ومسؤولية عاليتين على البحث عن حلول جادة للأزمات والمشكلات التي تعاني منها الأمة، فتناول أزمة المعرفة الإسلامية التي تمثِّل فكرة إسلامية المعرفة علاجًا لها، فكتب عرضًا إجماليًّا عن هذه الفكرة أو المشروع في كتاب المبادئ العامة وخطة العمل وإجمالي الأهداف المنشودة (5)، ثم كانت له كتاباته التطبيقية للفكرة، من واقع تخصصه في مجال العلوم السياسية؛ إذ كتب دراسةً عن "إسلامية المعرفة والعلوم السياسية" (6)، واللافت أنَّ موضوع دراسته في مرحلة الدكتوراه (1973م) جاءت في سياق هذا المشروع أو هذه الفكرة؛ وفقًا للعنوان الذي حملته الدراسة المشار إليها عند صدورها في كتاب، بعد ترجمتها إلى العربية، وهو "النظرية الإسلامية للعلاقات الدولية: اتجاهات جديدة للفكر والمنهجية" (7)، بل إن تتبُّع مؤلفاته وترتيبها زمنيًّا، حسب تواريخ صدور كلٍّ منها، حسب الأقدمية، يوضِّح لنا أن أول إصدار له كان في إطار المشروع، وهو "نظرية الإسلام الاقتصادية: الفلسفة والوسائل المعاصرة" (8)، وكان ذلك عام 1960م، أي بين حصوله على البكالوريوس 1959م وحصوله على الماجستير 1963م، ولعل هذه الدراسة صدرت وهو لا يزال في بداية مشوار الدراسات العليا.

كما بدا واضحًا أنَّ الدكتور عبدالحميد يحمل هموم الأمة ومشكلاتها، ويتسم بالحرص على الإسهام في معالجاتها؛ بناءً على تناوله بحرص وجدية عددًا من الأزمات والمشكلات التي كانت تبدو في نظره أسبابًا أكثر من كونها آثارًا للتخلف الحضاري في المجتمع الإسلامي؛ منها: "أزمة العقل المسلم" (9)، و"أزمة الإرادة والوجدان المسلم" (10)، و"إشكالية الاستبداد والفساد في الفكر والتاريخ الإسلامي" (11)، و"العنف وإدارة الصراع السياسي في الفكر الإسلامي" (12)، وحرص على التنبيه في كتاب صغير إلى ضرورة إيلاء "قضية المنهجية في الفكر الإسلامي" (13) الاهتمام الذي تستحقه، رغم أنها كانت جزءًا من موضوعات أزمة العقل، وليس ذلك إلا زيادة في توكيد الأهمية.

وحرص أبو سليمان على إبراز "الرؤية الكونية الحضارية القرآنية" (14) وتقريبها إلى الناس؛ باعتبارها تمثِّل خارطة الطريق أمام المسلمين، يمكن أن تساعدهم على تجاوز التخلف الموجود وتحقيق النهوض المنشود، فهي –أي الرؤية المذكورة- عنده تمثِّل (المدخل الأساس للإصلاح الإنساني)، بناءً على العنوان الفرعي الوارد في غلاف الكتاب، وقد كان الحرص السليماني على تفعيل "الإصلاح الإسلامي المعاصر" بارزًا في عموم كتاباته وأطروحاته، منهجيًّا واجتماعيًّا، من قبل أن يصدر له كتابه الذي حمل نفس العنوان، وجَمَع دراسات كانت قد نُشرَت متفرقةً، مع إضافة دراسات أخرى إليها، على نحو ما سبقت الإشارة إليه.

ولأنّ أبا سليمان -رحمه الله- ظل يحمل هموم الأمة الإسلامية ومشكلاتها، ويحرص على أن يسهم ما أمكنه في النهوض الحضاري، فقد كان من آخر ما صدر له في حياته من مؤلفات، كتابه عن "انهيار الحضارة الإسلامية وإعادة بنائها: الجذور الثقافية والتربوية" (15)، ولعله كان آخر مؤلفاته التي ألَّفها منفردًا، وكشف في مستهل فصله الأول هدف الكتاب ومقصده، بقوله: "قضية هذا الكتاب هي معرفة أسباب تدهور حال الأمة وقصور أدائها، ومِنْ ثَمَّ معرفة السُبُل الموصلة إلى استنهاض همَّتها واستعادة قدرتها" (16).

ورغم ما عُرِف عن أبي سليمان من قوة الكتابة وعمق الفكرة وجزالة العبارة، بشكل يبدو فيه مخاطِبًا -في كتاباته- النخبة، فقد أظهر قدرةً عاليةً على الطرح الميسَّر الذي يراعي فيه إمكانات المخاطَبين وطبيعة احتياجاتهم على المستويين النفسي والعقلي، وهذا ما برز في كتاباته التربوية التي استهدف فيها الطفل المسلم بشكل مباشر، أو ما عبَّر عنه في فترته الأخيرة بـ"التربية الوالدية" و"التربية الأسرية" (17)، وكذلك قصة "جزيرة البنَّائين" (18)، وخاطب بها الطفل بشكل غير مباشر، عن طريق البيت والمدرسة والمجتمع.

رحمه الله وغفر له وعفا وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خيرًا عن كل جهوده وإسهاماته، وجعلها في موازين حسناته.

 

د. صادق وجيه الدين - باحث وإعلامي يمني

كلية الآداب- جامعة إب- اليمن

............................

(1) ذكر الصديق الأستاذ خالد عبدالمنعم، مدير مركز الدراسات المعرفية الذي يمثِّل فرع المعهد بمصر، أنَّ الدكتور عبدالحميد أخبره ذات يوم بنشأة البُعد الأممي لديه من خلال مشاهداته لقدوم الناس، من مختلف البلدان، إلى مكة المكرَّمة. ورد هذا في مقالة نُشِرت للأستاذ خالد في موقع "إندونيسيا اليوم، بتاريخ 24 أبريل 2021م، يمكن الرجوع إليها بهذا الرابط: shorturl.at/sxV57.

(2) ذكر لي ذلك الدكتور طه جابر العلواني –رحمه الله- شخصيًّا، في زيارة قمتُ بها إليه بمقر إقامته بالقاهرة، وهو وارد -أيضًا- في كتابه "التعليم الديني بين التجميد والتجديد".

(3) صدر هذا الكتاب بدايةً في عام 2006م، تحت عنوان "الإصلاح الإسلامي المعاصر: الثابت والمتغيِّر"، واقتصر على مناقشة قضيتين، كانت الثانية منها خاصة بتجربة الجامعة الإسلامية بماليزيا، فيما كانت الأولى حول نظام العقوبات بين الثابت والمتغير، ثم صدر في الطبعتين الثانية والثالثة 2010و2011م، تحت العنوان المذكور في المتن، وناقش خمس قضايا، بمعنى أنه تم إدراج ثلاث دراسات فيه: قضية الإيمان والتصديق الجازم بصدق إلهية الرسالة المحمدية، وقضية الدولة المدنية الإسلامية، وقضية الحوار الحضاري الإسلامي المسيحي.

(4) كانت الدورة عن المنهجية الإسلامية في الفكر والبحث والسلوك، وأُقيمت في أبريل 2015م، حاضر فيها إلى جانب الدكتور أبي سليمان عددٌ من الأساتذة الكبار؛ هم: الراحل د.عبدالرحمن النقيب، د.محمد عمارة، د.فتحي ملكاوي، د.السيد عمر، د.رفعت العوضي، د.عبدالحميد مدكور، د.زكريا سليمان.

(5) صدر الكتاب عام 1986م، تحت عنوان (إسلامية المعرفة: المبادىء العامة- خطة العمل- الإنجازات)، وأسهم به أبو سليمان، تأليفًا وتحريرًا وإشرافًا.

(6) أول ما نُشِرت هذه الدراسة –حسب اطلاعي وتتبُّعي- كان في مجلة المسلم المعاصر، العدد 31، 1982م: (ص19- 45)، ثم تمت مناقشة نفس القضية في كتابه الشهير "أزمة العقل المسلم"، إذ جاء المبحث الثاني من الفصل الخامس، ولكن بطريقة مختلفة وأكثر سعةً.

(7) ترجمه إلى العربية الدكتور ناصر راشد البرَّاك، وصدر عام 1992م، أي بعد عقدين من الزمن على إنجاز الدراسة في حامعة بنسلفانيا بأمريكا، وإن كان يتم وضع تاريخ 1973م أمامه، فهو على اعتبار تاريخ إنجاز الرسالة.

(8) بناءً على تاريخ نشر هذا الكتاب "نظرية الإسلام الاقتصادية"، فإنه بعد نيله البكالوريوس (1959م) بسنة، وقبل نيله الدكتوراه (1973م) بثلاث سنوات، وهذا يعني أنه إمَّا بحث تخرجه في المرحلة الجامعية الأولى وإمَّا بحث مستقل عن أي التزام دراسي، وفي كلتا الحالتين أو كلا الاحتمالين فهو يكشف عن عبقرية فذَّة لدة مفكرنا الراحل الكبير، رحمه الله.

(9) صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عام 1986م، وذلك عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي والدار العالمية للكتاب الإسلامي، ضمن سلسلة "المنهجية الإسلامية".

(10) صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عام 2004م.

(11) صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عام 2011م، ولكن بعض ما يخصه كان قد تم التطرق إليه في كتاب (الإصلاح الإسلامي المعاصر)، ضمن قضية الدولة المدنية الإسلامية، منذ الطبعة الثانية له 2010م.

(12) صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عام 2002م.

(13) صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى 1998م.

(14) صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عام 2009م.

(15) صدر الكتاب في طبعته الأول عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2016م.

(16) انهيار الحضارة الإسلامية وإعادة بنائها: الجذور الثقافية والتربوية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، أمريكا/ الأردن، ط1، 1437ه/ 2016م: (ص17).

(17) صدر له كتاب بعنوان "التربية الوالدية: رؤية منهجية تطبيقية في التربية الأسرية"، عام 2019م عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، بالاشتراك مع د.هشام الطالب و د.عمر هاشم الطالب.

(18) صدرت القصة بعنوان "جزيرة البنَّائين: قصة تعليمية في التفكير الإبداعي والتربية العقدية والاجتماعية والسياسية"، وقد وقفت على بحث حولها، بعنوان ""، للباحثة: آلاء عبدالرحمن عبدالرحمن النقيب"، صدرت في مجلة كلية التربية- جامعة المنصورة، العدد 111، يوليو 2020م، (ص441- 467).

 

 

علاء اللاميهل هم أحفاد العيارين والشطار العباسيين؟ وكيف حَكَمَ أحدهم "ولاية بطيخ"، ولماذا استشهد آخر -عبد المجيد كمونة - مناصرا ثورة العشرين بمشانق الإنكليز فشيعته بغداد برايات المواكب الحسينية ودفوف الفِرق الصوفية، وأمثلة شبه مجهولة على أشقياء من اليهود العراقيين والنساء: في كتاب "بغداد في العشرينات" للراحل عباس بغدادي، وهو الكتاب الذي قدم له قريبه الروائي العربي الكبير الراحل عبد الرحمن منيف، نقرأ الفقرات التالية عن الأشقياء في ذلك الزمان: "وللشقاوة في بغداد تاريخ طويل يمتد إلى الدولة العباسية، حيث كانوا يسمون الشطار والعيارين - هناك فرق نوعي وتراثي واجتماعي كبير بين هؤلاء وأولئك. ع.ل - وقد تدخلوا بمعارك الأمين والمأمون".

1- والشقاوة نوعان؛ شقاوة الشهامة والنخوة ومساعدة الضعيف على القوى وشقاوة الإجرام كاللصوصية والسلب والاعتداء على الغير.

2- ومنهم موسى أبو طبرة وكان وسيما بسطة في الجسم مصارعا، وكان أتباعه الذين يسيرون خلفه من الشباب المسلمين واليهود. وقد قتل بطعنة سكين في رقبته إثر خلاف مع أحد الأشقياء. وقد اعتقل قاتله -جواد الأجلق - وحكم عليه بالسجن لفترة طويلة ثم أطلق سراحه في عفو خاص. وكان هذا القاتل يلتقي في مقهى حسن عجمي في محلة الحيدرخانة وفي أحد الأيام، وحين غادر المقهى، تصدى له صبي صغير وأوقفه قائلا له: قف يا جواد، أنا ابن موسى أبو طبرة، وأطلق عليه أربعة عيارات نارية قتلته في الحال. وحكم على الصبي بالسجن لفترة قصيرة لصغر سنه.

3- ومن الأشقياء القتلة المحترفين عبد الأمير العجمي وكان يلوذ بحماية مظهر بك الشاوي، وقد قُتل على يد أحد الأشقياء. ومثله محمد الأعور وقد قُتل هذا الأخير في مقبرة الغزالي حين كان يتربص بأحد الأشخاص ليقتله. ومن أغرب هؤلاء الشقي عبد الأمير الأسود من محلة بشار الكرخ ولكن اسمه اختفى فجأة ولم يعثر له على أثر ولا يعرف إنْ كان قتل أو هرب إلى إيران. ومنهم الشقي كزكه الفويلي من محلة الصدرية. ومن الأكراد الفيلية اشتهر أيضا ابن عبدكة وابن شاهية وجوامير النكه وآخرهم جبار الكردي وأخوته.

4- وهناك أشقياء اشتهروا بالمعارك اليدوية لا بالقتل بالسلاح، وهم كثيرون ومنهم إبراهيم الأسود الذي كانت الأوتيلات - الفنادق- مجال عمله وعُرف بتحرشاته بالجنود البريطانيين الذين كانوا يرتادون المشارب ليلا.

5- وهناك شقيان مشهوران كانا حديث الناس في بغداد زمنا طويلاهما هما محمد الحمد وكامل البطيخ. ولم يزل يضرب المثل بأحدهما وهو كامل البطيخ. وهو من عشيرة شمر طوقة من المجايلة الذين يسكنون مقاطعة الشاعورة، في ناحية العزيزية وكان من رؤساء العشيرة. وكان جده بطيخ رئيسا للمجايلة وكان طاغية امتد نفوذه إلى داخل إيران من جهة قضاء بدرة. وجاء المثل (ولاية بطيخ) المشهور بسبب تصرفات البطيخ اللامعقولة، والتي لم تكن تخضع لأصول أو قواعد، بل كان المزاج اليومي والكيفي لبطيخ هو الذي يدير حياته.

6- وكانت هناك طبقة من الأشقياء اليهود المعاركين وليس القتلة، وأكثرهم يحوم حول أحد الأشقيائية المسلمين للتظاهر بأنه من مريديه. ومن هؤلاء خضوري سويكا، وشلومو أبو السوتلي، وقد هاجر شلومو إلى لندن ولقيته فيها في مطلع الثمانينات، وبقي يحتضنني ويجهش بالبكاء لأنه فارق بغداد رغما عنه ليلحق بولديه.

7- ولابد من ذكر الأشقيائية من النساء الفنانات طبعا، وعلى رأسهن صبيحة كسرى "أم أكرم" وقد اتهمت بقتل إحدى العاملات عندها في أوتيلها، وأودعت في السجن لعدة أشهر ثم برئت ساحتها في المحكمة. وهناك أيضا خديجة بيدي وقد جرحت أحد أصدقائها بطعنة سكين لخلاف معه، ولم تكن تمشي بدون أن تحمل سكينا معها. والأخرى فوزية جيجان وكانت تسمى فطومة أم خنجر لأنها كانت تمشي والخنجر معلق في حزامها تهدد به من يعترض طريقها وعلى عينك يا تاجر..

8- وللأشقياء طريقة خاصة في الملبس وهي الجراوية المنحدرة إلى الكتب وتسمى العدام أي أن لابسها يسير إلى الإعدام. ولبس الكيوة البيضاء بالرجل، واللباس -السروال -الأبيض الطويل الواصل الى الكاحل. مع عرقجين - غطاء رأس - أبيض ذي قبة مدببة وعالية وسكين أم الياي - سكين قرن الغزال - في جيبه، وإبراز صدره إلى الأمام والتبختر في المشي وفي الشتاء يلبسون الدميري الطويل "يشبه الجاكيت ويُلبس فوق الزبون".

 9- وفي أيام ثورة العشرين اشتهر في بغداد بشقاوة الشهامة والنخوة المرحوم عبد المجيد كنة في محلته "السيد عبد الله" والمحلات المجاورة لها، ثم في أوساط الثوار في بغداد. وقاوم الإنكليز مقاومة عنيفة وأردى بعضهم قتلى ووزع المناشير الداعية إلى الثورة ومقاومة الاحتلال البريطاني. فشددت السلطات البريطانية الخناق عليه وتمكنت من إلقاء القبض عليه أخيرا وأعدمته ودفن في تشييع مهيب بمقبرة الشيخ الجنيد - القطب الصوفي المعروف- ولم يزل ضريحه قائما فيها وعلى جداره الداخلي صورته المكبرة مرتديا "الزي العربي" العقال واليشماغ وزبون البتة/ ص 363 وما بعدها من الكتاب المذكور أعلاه.

 

علاء اللامي

.........................

* (وعن تشييع الشهيد عبد المجيد كنة يذكر الكاتب قاسم خلف الجميلي، في مقالة له أن جموع أهالي بغداد شاركت في ذلك التشييع المهيب آنذاك، تتقدمهم المواكب الحسينية إلى جانب الفِرق الصوفية بدفوفهم، وحملت الجموع الجنازة من داره وطافت بها في شوارع وأحياء بغداد، ووريَ جثمانه الثرى في مقبرة الشيخ معروف الكرخي - وهي ذاتها مقبرة الشيخ الجنيد التي ذكرها عباس بغدادي في كتابه وفيها ضريحه- وبعد ثلاثة أشهر من استشهاد عبد المجيد تمكن رفاقه من تصفية ضباط الشرطة الذي كانت له يد في اعتقال الشهيد بالرصاص قرب جامع مرجان. وقد رثت الشاعرة الجنوبية زهرة آل محيسن الظالمية/ من مدينة الرميثة مهد ومثابة ثورة العشرين الشهيد بقولها:

لبغداد يالطارش تَعَنّى

گلها الرميثة چذبت ونَّة

من اسمعت بإعدام ابن كنة

حِيد ويشهد التاريخ عنه

للوطن ما خيبت ظنه.

والملحوظ أن هذا الشهيد مُعَتَّمٌ عليه وعلى مناقبه لدى الجيل الحاضر والذي قبله، ولا أدري إنْ كان ضريحه لا يزال قائما ومُعتنىً به حتى الآن في موضعه عند ضريح شيخي القطب الجنيد أم لا، ولا عجب في هذا التعتيم عليه وعلى أمثاله من مقاومين في عهد الحكم الاستبدادي الذي لم يكن يفكر ويهتم إلا بزعيمه "الضرورة" ولا في الحكم التابع للأجنبي الذي جاء به المحتلون الأميركيون! هذه الإضافة لم ترد في كتاب عباس بغدادي. ع.لام).

 

 

عبد الجبار الرفاعيتغمد الله الصديق العلامة المرحوم محسن بيدارفر ‏برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جناته. رحل محسن بيدارفر عن عالَمنا هذا اليوم، بعمر 77 عامًا، إلى الدار الآخرة. ‏

فقد العرفان برحيله عارفا نبيلًا، وخسرت الفلسفة الإسلامية والعرفان والتفسير بغيابه محققًا دقيقًا، وباحثًا متمرسًا خبيرًا. وخسرت أنا صديقًا روحانيًا أخلاقيًا نادرًا.

 كان محسن بيدارفر ‏ملهما ودودًا دافئًا مهذبًا، إنه من أولئك الأفذاذ الذين يتعلم الإنسان من صمتهم وتأملهم وتدبرهم.

‏ قبل 40 سنة أمضيت أكثر من سنة اتردد عليه، واقتني من مكتبته الكتب، وأقرأ اسمه على بعض الأعمال. كان لا يجيب إلا على قدر السؤال، إجاباته مكثفة لا فائض لفظي فيها.

لم أكن أعرف ‏أنه هو محسن بيدارفر ، الذي يتكرر اسمه على بعض الكتب، حتى سألته في أحد الأيام: من هذا المحقق محسن بيدارفر، الذي أنجز تحقيق هذه المؤلفات، فابتسم بلطف خجلًا، ولم يقل أنا.

كلما زرته في مكتبته وجدته منكبّا على تحقيق المخطوطات القديمة.         

ولد ‏ محسن بيدارفر في تبريز سنة 1944، ‏تخرج في كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية، ثم هاجر إلى قم سنة 1975، أسس دار نشر متخصصة في نشر مؤلفات العرفان والفلسفة الإسلامية، باسم: "‏أنتشارات بيدارفر".

2803 محسن بيدار‏اقتنيت من مكتبته أكثر كتب العرفان والفلسفة ‏لمكتبتي، ‏عندما أراها او اقرأ في أحدها تذهب بي الذاكرة إلى شخصيته المؤثرة الآسرة، ومواقفه المهذبة التي لا تمحوها ذاكرة الأيام مهما تقادمت. ‏كنت أرى محسن بيدارفر يصل من بيته إلى مكتبته كل يوم على دراجة هوائية ويعود إليه على هذه الدراجة، لا يمضي اكثر من ساعتين في المكتبة، من الساعة ‏10 صباحا إلى 12 قبل آذان الظهر، وفي السنوات الأخيرة اختزلها إلى ساعة.

 ‏كان زاهدًا، يعيش عيشة الكفاف الذي اختاره لنفسه برضا، يكتفي باليسير من كل شيء.

محسن بيدارفر من ملهمي الروح الذين خسرت صحبتهم بعد عودتي إلى بغداد، وبصراحة لم أكتشف حتى اليوم وربما لن اكتشف كل حياتي الباقية على ملهم للروح يشبهه ممن تعرفت عليهم.

هذا إنسان مدهش في زهده بكل شيء، ‏لا نعثر على أمثاله إلا عندما نفتش عنهم، لانهم يزهدون بالتعريف بأنفسهم.

الحياة الدينية في بلادنا تفتقر لأمثال هؤلاء، اثر تسيّد السلفية، واختزالها للدين في القشور والتدين في الشكل دون المضمون الروحي والأخلاقي.

محسن بيدارفر وأمثاله ملهمون، ‏حضورهم في الحياة يعكس أنبل وأجمل واطهر ما في الدين. ‏افتقار الحياة ‏الدينية إليهم، يعني افتقارها لأجمل معانيها الإنسانية العظيمة.

بكى قلبي بحرقة لرحيله لكني اطمئننت عندما استمعت إلى صوت الله يعد هذا الرجل الملهم وأمثاله بالبشرى: "تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ".

2802 محسن بيدار

من آثاره:

1- ترجمة كتاب «كسر اصنام الجاهلية»، لملاصدرا

2- تحقيق كتاب «المباحثات»، لابن سينا.

3- تحقيق كتاب «علم اليقين في اصول‌الدين»، للفيض الكاشانى.

4- تحقيق شرح منازل السائرين، الخواجه عبدالله الأنصاري… فاز تحقيقه بالجائزة السنوية الأولى للكتاب.

5- تحقيق الـجوهر النضید في شرح منطق التجرید

6- تحقيق أنوار الحكمة، للفيض الكاشانى.

 

عبد الجبار الرفاعي

 

نبيل عبدالامير الربيعيبعد قيام ثورة 14 تموز 1958 كان عطشان ضيول المشرف على التنظيم العسكري للحزب وتُنفذ أوامره المختلفة، وكان الضباط في التنظيم يدينون لهُ بالولاء بشكلٍ كبير. ويشير ثابت حبيب العاني في مذكراته إلى أن (تنحي عطشان من عضوية اللجنة المركزية إلى ما يتعلق بنشاطه الحزبي، وسلوكيات إدارته للتنظيم، وبخاصة في إدارته للجان النشاط الديمقراطي)(1).

لكن التهمة المشاعة عن عطشان ضيول هي اليساروية والثورية المتطرفة؛ فكانت سبب إبعاده القسري وإرساله إلى الاتحاد السوفيتي للدراسة الحزبية، فضلاً عن مواقفه من استلام السلطة في زمن الجمهورية الأولى (14 تموز 1958- 9 شباط 1963) تعبر عن مجمل آراءه في هذا الصدد. كان عطشان ضيول ملتزماً بمبادئ الحزب وتوجهاته النظرية والعملية، وينفذ التوجيهات والقرارات بغض النظر عن ماهياتها على وفق سياق مبدأ: نفذ ثم ناقش(2).

كما كان لعطشان ضيول الدور على ضرورة المطالبة باستلام الحزب للسلطة في زمن الجمهورية الأولى، وكان هذا صدى لما كان يطالب به سلام عادل وجمال الحيدري وجلال الأوقاتي وغيرهم(3). كما كان عطشان ضيول من أكثر الكوادر إلحاحاً على عدم حل التنظيمات العسكرة للحزب في مختلف صنوف القوات المسلحة، وأكثرهم نقداً للتوجه الذي حاول حل هذه التنظيمات. وفي عام 1961م (طرح الزعيم الركن جلال جعفر الأوقاتي آمر القوة الجوية على ثابت حبيب العاني خطة للاستيلاء على وزارة الدفاع وإزاحة عبد الكريم قاسم عن الحكم، مشيراً إلى أن كل ما يحتاجه لأسناد القوة الجوية، هو لواء مشاة)(4). لكن سلام عادل كان يرفض هذا التحرك وقد جرى اتهام سلام عادل بالتشديد تجاه الزعيم عبد الكريم قاسم(5). وقد سبق وأن قام الحزب الشيوعي بما يسمى (محاولة إنقلابية) الوحيدة في كل تاريخه وذلك في 5 تموز من عام 1959(6).

كان إرسال عطشان ضيول إلى المدرسة الحزبية في طشقند عام 1961 ولغاية مطلع عام 1964م، حيث درس سوية كلٍ من عطشان ضيول المسؤول الحزبي عن المجموعة العراقية المتكونة من بعض اعضاء محلية الموصل من المحكومين بالإعدام وهم: عمر الياس وعبد الرحمن القصاب وخليل عبد العزيز وعباس هبالة القصاب (رشيد رشدي) الذي أصبح عطشان ضيول متصلاً به بعلاقة فردية بعد تأزم علاقته بالحزب وبمنظمة الاتحاد السوفيتي واستقالته منه. وقد كرر عطشان ضيول مناهضته الشديدة من مستقرة في الاتحاد السوفيتي لسياسة الحزب الشيوعي العراقي عندما تبنى خط آب 1964 المهادن لسياسة الاتحاد الاشتراكي العربي الذي أسس في زمن عبد السلام عارف.

لقد ناهض عطشان ضيول هذه التوجهات عبرَّ تقديم المذكرات والرسائل الحزبية للعديد من الجهات؛ كالقيادة السوفيتية عبرَّ مسؤول شعبة العراق في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، وإلى قيادة الحزب متمثلة بعزيز محمد بعد انتخابه سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي عام 1964م في براغ(7).

وبسبب سياسة الحزب الشيوعي العراقي أصيب عطشان ضيول بحالة نفسية نتيجة الظروف التي مر بها، وبخاصة بعد إبعاده إلى مدينة كراسندار... وقد وجد في حالة نفسية مزرية، والأنكى من ذلك وجده (رشيد رشدي) مكبل بالسرير من رجليه ويديه حتى لا يهرب كما صرحوا لهُ الأطباء في المصح!؟ وعلى هذا المنوال مكث في المشفى ما يقارب سنة إلى سنتين(8).

وازاء الصمت المطبق من قبل قيادة الحزب الشيوعي العراقي وعدم الرد على استفسارات ورسائل عطشان ضيول؛ وكذلك تجاهله من قبل مسؤول العراق في الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي... فقد قدم استقالته التحريرية من الحزب وتم قبولها فوراً من قبل منظمة الاتحاد السوفيتي، مع التوصية بمساعدته في الوصول إلى أية دولة يرغب السفر إليها، لكنه رفض هذه المساعدة... وبعد أن تم تشكيل (حزب القيادة المركزية) برئاسة عزيز الحاج في ايلول عام 1967م... لقد وفروا لعطشان رفاقه في القيادة المركزية المساعدة المعنوية.. من جواز سفر أردني مزور باسم (أحمد داود) وسافر إلى المانيا الغربية واستقر في مدينة كولن، وقيل في برلين... ألتقى بالأديب الراحل كاظم السماوي والذي حاول اقناعه بالمكوث في الماني الديمقراطية ومساعدته في الحصول على الإقامة الدائمة، لكن عطشان أبى ذلك ورفض رفضاً قاطعاً... مما وجدت جثته مقتولاً أو منتحراً في مدينة كولن، والبعض يعتقد بأنه أصيب بمرض جنون العظمة. وهناك أكثر من احتمال لوفاته، لكنه في بغداد أرخت شهادة وفاته في يوم 28/2/1963، وتم تبليغ أهله في عام 1972(9).

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

........................

المصادر:

1- ثابت حبيب العاني. صفحات من السيرة. مصدر سابق. ص160/161.

2- عامر عبد الله. مقومات النظام. ص188.

3- محمود البياتي. مثقفون ضحايا وجلادون مقوضات النظام الاشتراكي العالمي. صحيفة القدس العربي. ليوم 30/1/2006.

4- عزيز سباهي. عقود. مصدر سابق. ج2. ص427.

5- آرا خاجادور. من هو سلام عدل. الحلقة3. الحوار المتمدن. ليوم 24/6/2016.

6- صالح دكلة. من الذاكرة.. سيرة حياة. دار المدى. دمشق. 2000, ص58.

7- صلاح الخرسان. صفحات. مصدر سابق. ص121؛ حنا بطاطو. ج3. ص354/356.

8- د. عقيل الناصري ود. سيف عدنان القيسي. من التاريخ السياسة.. لدراسات النظرية.. عطشان ضيول الازيرجاوي. أمل الجديدة لطباعة. ج2. ط1. 2021. ص111.

9- د. عقيل الناصري ود. سيف عدنان القيسي. من التاريخ السياسي. مصدر سابق. ص120/125.

 

2799 عشان ضيولساهم عطشان في جميع الانتفاضات الشعبية حقبة الخمسينيات، كما عمل في لجنة العمل الديمقراطي والمنظمات المهنية. فعطشان ضيول كان مثقفاً ثقافة محلية بإطارها الأممي التقدمي ذات البعد المتطرف، وبخاصة عن عمله عضواً في اللجنة المركزية تحت قيادة بهاء الدين نوري أولاً، واللجنة المركزية التي كانت بقيادة حميد عثمان ثانياً؛ بسبب اساليب الأثنان الاستالينية في إدارة الحزب منتصف خمسينيات القرن الماضي.

وقد اشرف عطشان ضيول على منظمة الحزب (اتحاد الجنود وضباط الصف والضباط) عام 1955م، ومن ضمن الضباط الذين اشرفوا على التنظيم كلٍ من (محمد عبد الرحيم، وإبراهيم حمودي الغزالي، وكاظم مرهون، وطه صالح السلطان، وعدنان محيي الدين الخيال، وأحمد حسن، ونور إسماعيل وآخرين(1).

وكان للحزب علاقة مباشرة أو غير مباشرة بعددٍ كبير من الضباط بين هؤلاء (الزعيم الركن داود الجنابي، والزعيم الركن هاشم عبد الجبار، والعقيد حسن عبود، والعقيد عبد الرضا عبيد، والزعيم إبراهيم الجبوري، والمقدم موسى إبراهيم، والعقيد طه السلمان والعقيد سلمان الحصان، والعقيد فاضل عباس المهداوي، والعقيد الركن ماجد محمد أمين، والعقيد الركن كافي النبوي، والزعيم الركن عبد الله سيد أحمد، والعقيد جلال بالطة، والرئيس الأول المتقاعد فاتح الجباري، والرئيس رسول مجيد، والمقدم لطيف حسن، والمقدم محمد عبد الغفور، والمقدم إبراهيم الغزالي، والرئيس غازي الدخيل، والرئيس الأول عربي فرحان، والعقيد عبد الباقي كاظم، والعقيد الركن مجيد علي، والمقدم محمد علي كاظم، والمقدم جواد كاظم التعيسي، والمقدم كاظم عبد الكريم، والمقدم إبراهيم كاظم الموسوي، والمقدم عمر فاروق، والمقدم عبد الرزاق غصيبة، والرئيس الأول سعيد مطر، والمقدم علي شريف، والرئيس الأول مصطفى عبد الله، والرئيس حامد مقصود، والرائد فاضل البياتي، والرئيس إحسان البياتي، والرئيس الأول نوري الونّه، والملازم الأول رشاد سعيد، وآخرين(2).

إلا أن عطشان ضيول الأزيرجاوي قد انخرط بالفعل السياسي في المؤسسة العسكرية منذ انتسابه إلى الكلية العسكرية لحين ارساله إلى الاتحاد السوفياتي للدراسة الحزبية عام 1961م، وهي طريقة لإبعاده عن الساحتين السياسية والعسكرية عامة والحزبية خاصة، بعد صدور أمر إلقاء القبض عليه من قبل الحاكم العسكري العام أحمد صالح العبدي ومن مديرية الأمن لعامة.

وفي عام 1954م ساهم عطشان ضيول في حركة انصار السلام منذُ عقدها لمؤتمرها الأول في بغداد رغم مرور (4) سنوات على انشاء لجنتها التحضيرية، نتيجة متابعة الشرطة السرية وما مارسته من قمع مادي ومعنوي إزاء الحركة.

وفي حزيران عام 1955م تمت إعادة انتقاء عطشان الازيرجاوي إلى عضوية اللجنة المركزية، في اللجنة الأولى لسلام عادل والتي كانت قوامها (9) أعضاء هم كلٍ من: حسين أحمد الرضي، عامر عبد الله، عبد الكريم أحمد الداود، فرحان طعمة، جورج حنا تلو، محمد صالح العبلي، هادي هاشم الأعظمي، عطشان الازيرجاوي، وناصر عبود(3).

كما حافظ عطشان ضيول على ذات المركز في اللجنة الثانية بعد نجاح سلام عادل السكرتير الأول للحزب في توحيد المنظمات والشخصيات الشيوعية التي انشقت في فترات سابقة عن الحزب؛ وبخاصة في الاربعينيات ومطلع الخمسينيات (راية الشغيلة) حتى عادت للتنظيم في حزيران 1956م. وعلى أثر الكونفرنس الثاني الذي تم عقده في ايلول 1956م، ارتفع قوام اللجنة المركزية ومرشحيها من (9) أعضاء إلى (18) عضواً، وهي التي قادت العمل الحزبي لغاية ايلول 1958(4).

وقد شارك عطشان ضيول في الكونفرنس الثاني للحزب الذي انعقد في ايلول 1956م، لكن هناك رأي حول إخراج عطشان من قوام اللجنة المركزية في العام 1957م، ودون ذكر أسباب إخراجه(5).

إلا أن عطشان ضيول كان ضمن قوام اللجنة المركزية الثالثة لحسين الرضي (ايلول 1958- تشرين الثاني 1961) باعتباره أحد المسؤولين بصورة مباشرة عن التنظيم العسكري للحزب، وربما أعيد عطشان ضيول إلى عضوية اللجنة المركزية بعد انتهاء موسع أيلول 1958(6).

في حين لم يورد اسمه ضمن قوام اللجنة المركزية الرابعة لحسين الرضي (تشرين الثاني 1961- شباط 1963) بسبب ايفاده للدراسة في الاتحاد السوفيتي في مدرسة الكوادر الفلاحية في طشقند، بعد إصدار الحاكم العسكري ومدير الأمن العامة أوامر إلقاء القبض عليه(7)، كما ذكرنا ذلك سابقاً.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

.......................

المصادر:

1- ثابت حبيب العاني. صفحات من السيرة. مصدر سابق. ص179.

2- عزيز سباهي. عقود نت تاريخ الحزب. مصدر سابق. ج2. هامش ص250.

3- صلاح الخرسان. صفحات من تاريخ العراق السياسي الحديث "الحركات الماركسية" 1920 - 1990. بيروت. مؤسسة العارف للمطبوعات. ص76؛ حنا بطاطو. ج3. ص14.

4- حنا بطاطو. العراق. الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية. ترجمة عفيف الرزاز. مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت. ط2. 1995. ج3. ص18/20.

5- صلاح الخرسان. صفحات. مصدر سابق. ص79/81.

6- صلاح الخرسان. صفحات. مصدر سابق. ص89.

7- حنا بطاطو. العراق. مصدر سابق. ج3. ص18 وص160 وص271.

 

محمود محمد عليتمر علينا في مثل هذه الأيام الذكرى الأربعين على رحيل الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور، إذ رحل عن عالمنا في 14 أغسطس من عام 1981، بعد مسيرة عطاء ثرية وحافلة شعرًا ونثرًا ومسرحًا، وهذه الذكري جاءت لا لتذكرنا بصلاح الغائب، بل لتذكرنا بأنه على الرغم من غيابه حاضر على الدوام. ونحن نرى أن الأيام تمضى ونحن في ذكره على الدوام نكتب عنه ونتحدث ونقرأ شعره كأنه حاضر معنا، ليس فقط نحن أبناء جيله الذين امتد بنا العمر، بل أيضا أبناء الأجيال التالية من الشعراء والكتاب والقراء المثقفين، وربما كان حضور صلاح عبد الصبور بعد رحيله أقوي. لأنه حاضر بأجمل ما فيه وأبقى ما يمثله ويعبر عنه وهو شعره الذى يزداد كل يوم صدقا ونفاذا  (1).

يعد  الشاعر صلاح عبدالصبور واحدا من رواد حركة الشعر العربي المعاصر، ويعد واحداً من الشعراء القلائل الذين أضافوا إضافة بارزة في مجال المسرح الشعرى أما اسمه كاملا فهو محمد صلاح الدين عبدالصبور، وهو مولود في ٣ مايو ١٩٣١ بالزقازيق،، وقد تخرج في كلية الآداب جامعة القاهرة قسم اللغة العربية في ١٩٥١وتتلمذ على يد الشيخ أمين الخولي، الذي ضمه لجماعة "الأمناء" التي كان لها إسهام كبير في حركة الإبداع الأدبي والنقدي في مصر، ولفت عبدالصبور الانتباه بعد نشره قصيدته" شنق زهران"، ومع صدور ديوانه الأول "الناس في بلادي" تم وضعه بين رواد الشعر الحر، مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، وسرعان ما وظف صلاح عبدالصبور هذا النمط الشعرى الجديد في المسرح، وفى شعره استلهم التراث العربي وتأثر بالشعر الإنجليزي المعاصر، وبالأخص الشاعر"ت. س. إليوت"، وقد لفت انتباه المتابعين للحركة الشعرية ديوانه الأول الذي جاء في قالب شعر التفعيلة متميزا بالصور الفريدة واللغة اليومية الشائعة، مع امتزاج الحس السياسي والفلسفي بالموقف الاجتماعي" (2).

كما يعد صلاح عبدالصبور أحد أبرز رواد حركة الشعر الحر العربي ومن رموز الحداثة العربية، وهو فارس المسرح الشعري إذ أنه من القلائل الذين أضافوا مساهمة بارزة في التأليف المسرحي، ومن أبرز أعماله مسرحيات "مأساة الحلاج"، و"مسافر ليل"، و"ليلى والمجنون"، هذا بالإضافة إلى دواوينه الشعرية ومنها "أقول لكم"، "أحلام الفارس القديم"، و "شجر الليل" وغيرها (3).

وصلاح عبد الصبور كان متعدد المواهب بين الشعر والكتابة والصحافة، فبعد تخرجه من كلية الآداب قسم اللغة العربية عمل كمدرس لكنه شعر بأنه في الطريق الخطأ فترك على الفور مهنة التدريس وألتحق بالعمل الصحفي حيث عمل بجريدة روز اليوسف ومن بعدها الأهرام الذى عرض عليه العمل فيها محمد حسين هيكل عندما قرأ كتاباته وأعجب بها، لكنه لم يطل العمل بها بسبب اختلافه مع هيكل وبعد تركها أصدر هيكل قرار بعدم التعامل مع عبد الصبور نهائيا  (4) .

لقد آمن الراحل الكبير صلاح عبدالصبور بأن الأديب الحق لا يستطيع سوى أن يكون ابن عصره، نموًا جديدًا لنبتة جديدة، تضاف إلى سلسلة من الأدباء المبدعين السابقين، لذلك بقيَ بعد موته في ذاكرة الأجيال اللاحقة، حافرًا اسمه في سجلات «الخلود العظيم»، بينما قاتلوه، ومنهم أحياء حتى الآن، تغطيهم رمال النسيان (5).

ولذلك نجده يتحدث صلاح عبدالصبور عن أدبائه المفضلين بوصفهم أصدقاءه، "كفافيس" و"كافكا" و"بروست" و"ديستويفسكي" و"تشيكوف" و"كازنتزاكيس" و"إليوت"، وغيرهم كثيرون.

يقترب بمهابة من عوالمهم الكبيرة المذهلة، لكنه لا ينزع عنهم الصفة الإنسانية، وهكذا يمكنك أن تجرّب العزلة والكبرياء والجنون والتمزق والاكتئاب والسعادة والمجد، وكل المشاعر، بينما تقرأ مؤلفات "عبدالصبور" النثرية "نبض الفكر"، و"كتابة على وجه الريح"، و"حتى نقهر الموت" و"أصوات العصر"، و"على مشارف الخمسين" وغيرها، عالم من المتعة الذهنية الصافية، حيث تتناثر الأفكار والرؤى والمشاعر، تقترب وتبتعد في محيط روحك، لم أعرف أحدا من المبدعين أحببته بكل هذا الإخلاص الغريب طوال ما يقرب من عشرين عاما هي "حياتي في الشعر" (6).

لقد كان يمثل الشاعر المسرحي الراحل صلاح عبد الصبور…. مشروعا مصريا ثقافيا ومن خلاله أنتشر الشعر المصري في وطننا العربي من المحيط الى الخليج بعد سنوات طوال من رحيل أمير الشعراء أحمد شوقي …وشاعر النيل حافظ ابراهيم …وها هي الأجيال التي من بعد شاعرنا صلاح عبد الصبور… اتخذته أبا روحيا لهم صاروا في أيامنا هذا شعراء كبارا….جعلوا الشعر يتنفس تفاصيل الحياة للمواطن المصري محدود الدخل في تجربة للأجيال المتمردين على السلطة… مما أغضب السلطة منهم لأنهم تعلموا من شاعرنا الراحل صلاح عبد الصبور أن هناك دائما تناقض بين المثقف والسلطة خاصة مع مثقفي جيل السبعينات والذى أسهم ذلك في أن يكون دائما المثقف والكاتب دائما متواجد في قضايا الوطن والمواطن….فتحية للفارس النبيل الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور… أبن جيل السبعينات… الذى جاهد بأعماله الشعرية الوطنية من أجل الحرية والعدل منذ تسعة وثلاثون عاما.

وقد كتب صلاح عبدالصبور كثيرًا عن الحب والعشق الإلهى، فهو شيخ المتصوفين، ولكنه كتب شعرًا جميلًا عن المحبين والعشاق فى عالم الإنسان. وأبدأ بقصيدة «أقول لكم» من أول ديوان له: لأن الحب مثل الشعر/ ميلاد بلا حسبان/ لأن الحب مثل الشعر/ ما باحت به الشفتان/ بغير أوان/ لأن الحب قهار كمثل الشعر/ يرفرف فى فضاء الكون... لا تعنو له جبهة/ وتعنو جبهة الإنسان/ أحدثكم - بداية ما أحدثكم - عن الحب/ حديث الحب يوجعنى، ويطربنى ويشجينى/ ولما كان خفق الحب فى قلبى هو النجوى بلا صاحب/ حملت الحب فى قلبى، فأوجعنى وأوجعنى.

وحول جهوده في الشعر المسرحي عبدالصبور كان محظوظاً بتقديم كل نصوصه على المسرح، لذلك استطاع تطوير أدواته المسرحية، ثم قدم دوارة بانوراما عن نشأة وتطور المسرح الشعرى الذى بدأ عالمياً منذ الإغريق وصولاً إلى ويليام شكسبير وتقديم مسرحياته الشعرية للمسرح العربى، ثم بداية مسرحنا الشعرى مع أحمد شوقى، كما تطرق دوارة إلى سمات مسرح عبدالصبور وهى غياب دور الشعب فى نصوصه المسرحية, فالبطل فيها هو الشاعر المثقف الثائر (7).

ولذلك فقد ارتبط اسم عبد الصبور باسم الكاتب لوركا بعدما قدم مسرحيته يرما وكتب أشعارها، ومن أهم المسرحيات الشعرية التي أثرى بها الحركة المسرحية مسرحية مأساة الحلاج  وتعد هذه المسرحية حتى من  أروع المسرحيات الشعرية التي عرفها العالم العربي، وهي ذات أبعاد سياسية إذ تدرس العلاقة بين السلطة المتحالفة مع الدين والمعارضة كما تطرقت لمحنة العقل وأدرجها النقاد في مدرسة المسرح الذهني ورغم ذلك لم يسقط صلاح عبد الصبور الجانب الشعري فجاءت المسرحية مزدانة بالصور الشعرية ثرية بالموسيقى. (8).

وأيضا مسرحية "الأميرة تنتظر" وهى من أفضل الدراما الشعرية التى قدمها عبد الصبور للمسرح الشعرى العربي، وذلك لأسباب عدة أولها أن لغة الشعر فى رأى صلاح عبد الصبور هي الأب الحقيقي للدراما المسرحية، حيث دفعه هذا الإيمان إلى الشروع فى تقديم مسرح درامي شعرى عربي لم يكن موجودًا قبله سوى المحاولات الغنائية البسيطة التى ألبسها أحمد شوقي وعزيز أباظة ثوب الدراما الشعرية، ويستعين الشاعر فى بنية الحكاية بالأساطير القديمة وخاصة ألف ليلة وليلة (9).

أما مسرحية " بعد أن يموت الملك " فنري هنا ان الشاعر صلاح عبد الصبور يتحرك في جو من التراث ويستفيد في شخصياته من الحكايات الشعبية، وتبدأ المسرحية بروايات ثلاث يقدمن العرض المسرحي في ثوب ساخر فيسخرن اولا من المخرج ثم من المؤلف ثم من ارسطو صاحب النظريات القديمة في الفن عموما والمسرح بوجه خاص ويورد في التقديم ذكرا عن ملك مسرحيته القادر الذي يلمس الكائنات فتدب فيها الحياة يتركها فتموت، يأمر فيطاع يرغب فتطوع كل الاشياء لرغباته يشتري الشعراء والمؤرخين لكن هذا الجبروت لا يلبث ان يهتز امام الملكة حينما نعرف انه عقيم يوهم نفسه بأن لديه طفلا وعندما تكشف الملكة حقيقته بوضوح أمام عينيه يسقط ميتاً علي الفور وعن مليكته التي تبحث عن من يعطيها طفلا (10).

ومسرحية " مسافر ليل  " يتناول العرض عدة أفكار فلسفية كالخير والشر ومعنى الوجود الإنساني وجدواه، ويناقش بذكاء قضايا واقعية حول الظلم والقهر والعدل والضعف في إسقاط على علاقة الحاكم بالمحكوم من ناحية والصراع بين الخير والشر من ناحية أخرى. (11).

ولذلك لا يمكن وصف تجربته سوى بالصدق الشديد، فأحلامه كانت تتشابه مع أحلام الفارس القديم، لكن وطأة الواقع جعلت أحلامه تتساقط يوما عن يوم، ومع السقوط أصر أن يتتبعها في أشعاره ليعيد لنا تشكيل صورة "الفارس القديم" وهو يصرخ لحبيبته "سوف أظلُّ واقفًا بلا مكانْ.. لو لم يعدني حبك الرقيق للطهارة.. فنعرف الحب كغصني شجرة.. كنجمتين جارتين.. كموجتين توأمين.. مثل جناحي نورس رقيق.. عندئذ لا نفترق.. يضمنا معا طريق"...لم يترك "صلاح عبد الصبور" نفسه فريسة للواقع لكنه استطاع بشعره أن يخلق لنا عالما مبهرا، وبالتزامن مع احتفال قصور الثقافة بذكراه التي مرت في أغسطس الماضي، نعود من جديد لقراءة قصائده لنسترجع صوته الملائكي كي يبعث لنا رسائل قادمة توا من الجنة تحيي لنا فردوسًا مفقودًا (12).

رحم الله صلاح عبد الصبور الذي تركنا ونحن في أمسّ الحاجة إليه‏،‏ فقد كان “مثقفًا” كبيرًا بكل معنى الكلمة‏،‏ ينطوي على رغبة متأصلة في المعرفة التي لا نهاية لها أو حدا‏،‏ وقد ساعدته معرفته الكاملة باللغة الإنجليزية‏،‏ وإمكان القراءة بالفرنسية على الاطلاع على أصول الفكر العالمي وفروعه‏.‏ وكانت ثقافته الشاملة‏،‏ العميقة والمتجددة‏،‏ خير دعم لشعره الذي لم يكف عن التجدد والتحول‏.‏ ولذلك فمن يقرأ “الناس في بلادي”؛ ‏ديوانه الأول‏‏، يجد وجها يختلف عن الوجه الذي ينطوي عليه ديوانه الثاني البديع “أقول لكم” إلى آخر دواوينه التي تؤكد حضوره الشعري المتميز‏،‏ وهو حضور يمتزج فيه الفكر بالشعر‏،‏ وحسبي وحسبك أيها القارئ لشعر صلاح عبد الصبور أن نحني الرأس لفنه الصادق، وأن نخشع أمام ألمه العظيم”؛ كما قال عنه الناقد الراحل شكري عياد (13).

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو ركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

........................

الهوامش

1- أحمد عبد المعطي حجازي: صلاح عبد الصبور في ذكراه، جريدة الأهرام.

2- إلهام زيدان: صلاح عبدالصبور.. 40 عامًا على رحيل رائد حركة الشعر الحر.. جريدة الوطن المصرية،  06:26 م | السبت 14 أغسطس 2021.

3- ماهر حسن: زي النهارده".. وفاة الشاعر صلاح عبدالصبور 13 أغسطس 1981.ز المصري اليوم .. الثلاثاء 13-08-2019 05:48

4- شيماء منصور: ذكرى وفاة صلاح عبد الصبور.. تعرف على أهم مسرحياته الشعرية، اليوم السابع، الجمعة، 14 أغسطس 2020 02:23 م.

5- علي سيد علي: صلاح عبدالصبور.. «القديس» تقتله كلمة، المصري اليوم .. الجمعة 14-08-2015 16:46.

6- محمد رياض: صلاح عبدالصبور.. جريمة الشعر المصري اليوم .. 14-08-2015 16:46.

7- د. عمرو دواره: صلاح عبد الصبور من التجديد الشعرى إلى التجديد المسرحى، بحث منشور الكتاب التذكاري بعنوان : صلاح عبدالصبور... رائد التجديد فى الشعر العربى، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 1981.

8- شيماء منصور: المرجع نفسه.

9- المرجع نفسه.

10- المرجع نفسه.

11- المرجع نفسه.

12- إسراء عبد التواب ونضال ممدوح: صلاح عبد الصبور: سأظل واقفًا بلا مكان، الأحد 14/سبتمبر/2014 - 08:47 م.

13- جمال زرد: الشاعر …صلاح عبد الصبور في ذكراه ..جريدة الفراعنة مستقبل له جذور.. الخميس - الموافق 02 سبتمبر 2021م.

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيإن إلقاء الضوء على سيرة الشخصيات السياسية اليسارية وماهيات سيرتهم النضالية تعتبر من المصاعب التي يمر بها الباحث في مجال كتابة التاريخ، ومن تلك المصاعب السيرة النضالية التي مَرَّ بها المناضلين، وقلّة المصادر عنهُم وقد تكون منعدمة، فضلاً عن ذلك نمط الدراسات في كشف أسرار سيرتهم وأدوارهم التاريخية التي ساهمت في صياغة شخصيتهم، ومن تلك الشخصيات عطشان ضيول الأزيرجاوي، ذلك الرجل الفذ الذي عمل في صفوف الحزب منذ عام 1944م، فضلاً عن ممارسة عملهُ ضمن عضوية اللجنة المركزية في لجنة الشهيد سلام عادل خمسينيات القرن الماضي.

فالشخصية السياسية عطشان ضيول بن منشد بن عبد أفليس الأزيرجاوي المولود في ريف قضاء الشطرة العائد للواء الناصرية، وهو من أصول فلاحية، عمل والده شرطياً في العهد الملكي، وكانت أسرته تتكون من كلٍ من (أخيه حسن، وأخيه نعمة، وأخته نجاة)، الأول كان مدير كمارك كونه خريج اعدادية وقد قتل بسبب توجهات أخيه عطشان بسبب زقهِ إبرة سامة أدت لوفاته، والثاني أصبح مقاولاً صغيراً، والأخيرة ربة بيت.

أكمل عطشان ضيول دراسته الاعدادية في اعدادية الناصرية عام 1940م(1)، بعد تخرج عطشان من الاعدادية انتمى إلى الكلية العسكرية عام 1940-1941م، وبعد تخرجه أصبح معلماً للفروسية في ذات الكلية، تزوج عطشان من أبنة عَمهِ (فضيلة جسام منشد)، ورزق بثمان ابناء هم كلٍ من: كفاح (1950)، ثائر (1952)، واقد (1954)، حازم (1955)، فائزة (1956)، سلام (1958)، انتصار (1960).

كان انتماء عطشان ضيول إلى الحزب بسبب اطلاعه على أدبيات الحزب الشيوعي العراقي عام 1941م مما زادت من وعيه الثقافي والأدبي والتطور المعرفي والعلمي. في عام 1944م أصبح المسؤول الأول للتنظيم الشيوعي في المؤسسة العسكرية وعضو في اللجنة المركزية للحزب.

عام 1945م انضم إلى (رابطة الشيوعيين العراقيين) مجموعة داود الصائغ، وقد بقيت هذه التنظيمات محافظة على ذاتها رغم الانشقاقات التي مرت بها قيادة الحزب منتصف اربعينيات القرن الماضي بقيادة داود الصائغ، المنشق عن الحزب، إلا أن مؤسس الحزب فهد أسس وشكل منظمة عسكرية تابعة للحزب برئاسة لجنة من الضباط هم كلٍ من: (الرئيس الركن سليم الفخري، الرئيس الركن غضبان السعد، الرئيس الركن عبد القادر ويردي، الملازم حسين خضر الدوري، والملازم عايد كاطع العوادي، والملازم صالح الدريعي)، فضلاً عن الملازم الثاني عطشان ضيون(2). وعندما اعتقل الصائغ عام 1947م انضم عطشان وباقي التنظيم إلى الحزب الشيوعي العراقي الأم؛ ومجموعة الضباط الذي كان يضمهم جانح داود الصائغ.

كما كان هناك تنظيم عسكري يشرف عليه سكرتير الحزب (فهد)، ومسؤوله الملازم عبد العزيز عبد الهادي، وهو امتداد للتنظيم العسكري الذي ألفه الحزب منذ عام 1935م، كمبرر للانتماء إلى الكومنترن (الأممية الثالث)، كما يذهب زكي خيري ود. سعاد خيري في دراساتهما عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي(3). كانت من ضمن شروط الأممية الثالثة أن (يأتِ نهج الحزب في التوجه صوب القوات المسلحة)(4). ومن الضباط الذين تبوأوا مراكز قيادية في الحزب الشيوعي العراقي أيام فهد، كان الضابط المتقاعد عزيز عبد الهادي الأعظمي (مقدام) مسؤول تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي في الجيش في البدء، كما ذكرنا سابقاً، والرئيس مهدي حميد وعطشان الأزيرجاوي وغيرهم، فضلاً عن العناصر اليسارية التي لعبت دوراً في بناء تنظيمات سياسية في الجيش منهم (جلال جعفر الأوقاتي، وسليم الفخري، وغضبان السعد، وطه الشيخ أحمد ومحيي الدين عبد الحميد، وناظم الطبقجلي، وحسين خضر الدوري وعبد الوهاب الشواف، ومير حاج، وإسماعيل علي وحسين الجبوري(5).

في أب عام 1949م تسنم عطشان عضوية اللجنة المركزية في قيادة بهاء الدين نوري الثانية ولغاية شهر آب 1951، تفرغ للعمل الحزبي وانقطع عطشان كلياً عن زيارة عائلته بسبب مراقبة داره من قبل الشرطة السرية، فكانت الأم هي الراعية لأبنائها في التربية والمعيشة حتى أدت بها الحالة إلى بيع الأقمشة في مدينة البياع. وكذلك عمل ضمن اللجنة المركزية الثالثة (آب 1951- نيسان 1953). ترك عطشان العمل في المؤسسة العسكرية وتفرغ للعمل الحزبي في الحزب الشيوعي العراقي، وكان يعيش في البيوت الحزبية حتى قيام ثورة 14 تموز 1958، كانت زوجته (فضيلة) لها الدور الكبير في نقل الرسائل الحزبية أبان العهد الملكي.

في هذه الحقبة اعتقل عطشان وأودع السجن وتعرض إلى عمليات تعذيب قاسية على يد شرطة التحقيقات الجنائية ومديرها بهجت العطية، حتى مورست ضده شتى وسائل التعذيب من ارغامه على الجلوس فوق المدفأة النفطية الساخنة، واجباره بالجلوس على القناني الزجاجية المكسورة الفارغة.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

.......................

المصادر:

1- د. عقيل الناصري ود. سيف عدنان القيسي. من التاريخ السياسي الدراسات النظرية، ما تبقى في ذاكرتي عن الحركة الشيوعية في العراق، عطشان ضيول الأزيرجاوي المسؤول السابق للجناح العسكري في الحزب الشيوعي العراقي. أمل الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع. ط1. 2021. ص34،

2- عزيز سباهي. عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. 2002. ط1. ج1. ص234.

3- زكي خيري ود. سعاد خيري: دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. 1984. دار نشر (بلا). ص39.

4- ثابت حبيب العاني. صفحات من السيرة (1922 -1998). دار الرواد المزدهرة. ط1. 2014. ص176.

5- د. كاظم حبيب ود. زهدي الداودي. فهد والحركة الوطنية في العراق. دار كنوز الأدبية. بيروت. 2003. ص205.

 

جمال العتابيفجأة، أسعفني الصديق كاظم حبيب من حرجٍ شديد، برسالة موجزة جداً، يدعوني فيها للمشاركة في حفل تقيمه وزارة الثقافة لإقليم كردستان في منتصف حزيران من عام 2010 ، لمناسبة بلوغه الخامسة والسبعين من العمر، حضرها عدد من الأصدقاء،  فائق بطي، هاني فحص، فاضل ثامر، زهير الجزائري، عبد المنعم الأعسم، كنت متردداً، أراجع مغزى الدعوة، وطريقة المشاركة.

لقد أيقظتْ فيَ الرسالة تلك بمدلولها وإيجازها، مئات الذكريات عن حقبة زمنية عشناها معاً، لقد عادت بي إلى سنوات السبعينيات، عندما كنا تحت سقف لبيت واحد نتشاطر فيه العيش والأحلام. لقد قدم لي كاظم حبيب اختصاراً لكل ذلك الزمن، ووفر لي جهداً وعناءً في البحث عن موضوع... هو محوره، وبطله، إذ كنا ننظر بانبهار ودهشة لتلك الفتوة والحيوية لشخصية تتدفق شباباً وعطاءً، لاتكلّ في التنقل بين المجلس الزراعي الأعلى، وأروقة (طريق الشعب)، و(الثقافة الجديدة)، والمهام الحزبية، وإلقاء المحاضرات على طلبة الجامعة المستنصرية. لتقدم نموذجاً متميزاً وفريداً، في العمل والمثابرة، والصبر، ونكران الذات، والتواضع، واكبر من ذلك، نشر المحبة للناس والوطن، كنا مجموعة من الشباب، بدأنا خطواتنا الأولى في عالم الصحافة الفسيح. واغتنت تجاربنا المتواضعة بما تعلمناه من أولئك (المعلمين) الكبار.. إذ كانوا فرسان التجربة التي أضحت علامة متميزة في العمل الصحفي والثقافي. على الرغم من قصرها ووأدها من قبل القوى السوداء. فذهب صناعها الماهرون، لكن إلى أين؟..إلى الغربة، والموت، والزنزانات. والاختباء...!!

كاظم حبيبلم تكن رسالة حبيب البليغة تحمل شيئا من الأسرار، لأننا إعتدنا الكتابة أحدنا للآخر، بين الحين والحين، برسائل تقتصر على السلام والسؤال عن الصحة والاطمئنان عليها. نستعيد الماضي بتفاؤل أو بدونه، ونتحدث عن الحاضر والمستقبل بترقب وحذر..! إنها رسالة كالدرس.. فصيحة وواضحة وشجاعة، شحذت ذاكرتي لأستعيد تفاصيل جلسة على طاولة غداء في أحد مطاعم أربيل ضمت الصديقين الدكتور كمال مظهر، والدكتور تيسير الآلوسي، كنت قبالة الدكتور كاظم، حين سألني بنبرة خجولة عن حال أحد الأصدقاء، وأثنائها مدّ يده بحذر شديد إلى جيبه وبحرصٍ متناهٍ بأن لا يراه أحد من الحضور، وأودع لدي مبلغاً من المال ملتمساً إيصاله إلى هذا الصديق. لم أخف فضولي في السؤال عن معنى ذلك، فأجاب بكل تواضع: ان لديه شعوراً بالتقصير إزاء بعض الشخصيات التي ظلت وفية لمبادئها وحريصة على مواقفها الوطنية. فهذا الإنسان كما يرى، نموذجا من هؤلاء، يستحق الرعاية والإهتمام، مثلما يدعو للإعتزاز كمثال للإنسان العراقي المكافح والثابت الذي لم يغادر انتماءه في أقسى الظروف وأعتى المحن. ربما لا يشكل هذا الموقف مأثرة كبرى تسجل لصالح الدكتور كاظم من وجهة نظره. ومن المؤكد إنني اجهل مواقف أخرى له مع آخرين تحمل نفس المعنى، لكنني لا أجهل حتماً مقدار النبل والوفاء الذي يحمله حبيب، وبلا حدود.. ليس لهذا الصديق لوحده فحسب، بل لكل العراقيين من أمثالهَ.أنا متأكد ان شعوراً غمر الدكتور كاظم بالسعادة.. وامتلأت نفسه بالرضا والارتياح. تعادل كل ما قرأه من نظريات وعلوم وتاريخ، وإقتصاد، وفلسفة. هي ذي اللحظة التي تترجم كل المعارف إلى فعل إنساني حقيقي أصيل، والى ناتج اجتماعي وأخلاقي بعيداً عن الزيف وكذب الشعارات.!!على وفق هذه المنظومة الأخلاقية التي تشكّل عقله، فكراً وسلوكاَ، وتنظّم علاقاته بالعالم. وتحدد فهمه ورؤاه للإنسان، حتى في أسوا حالاته. انه يجد نفسه مضطراً للإلتماس من أحد أصدقائه للتدخل في معالجة إشكالية تعيد لأهله حقوقهم التي أغتصبها النظام السابق وأزلامه. وهو يترقب وينتظر، شفيعه بذلك، النوايا الطيبة. والزاد والملح، قاعات الدرس المشتركة، الحيطان المتلاصقة في أحياء مدينته، رائحة البخور المنبعثة من مراقد الأئمة عليهم السلام، طقوس العزاء.. المواكب.. التي تطالب بالحرية... و... و... كل ذلك الإرث الطيب والجميل كفيل أن يحقق أحلام تلك الشريحة المظلومة والمغدورة من أهله.. وهي أحلام لا تتعدى، سوى العودة إلى بيوتهم التي شيدوها في سنوات الحرمان والكد والأحزان..كان نصيبي من هذا السعي إنني أشرت إليه بمناشدة بعض أصدقائه، وهم كثر، يشغلون مواقع مهمة في مفاصل الحكومة. فاكتفى برد موجز، انه لا يحتاج كل ذلك. قرأت في الرد شعوراً بالمرارة والخيبة..

كاظم حبيب أحد رموزنا الوطنية والثقافية، أثرى الساحة الثقافية بعدد كثير من الأبحاث والدراسات، وأغنى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات في مجال تخصصه، والقضايا الوطنية، وله سجل مشرّف في الدفاع عن قضايا شعبه، وهو رمز سعى إلى التجديد، في الفكر والمعرفة، وحاول ان يكون صوتاً يحمل خصوصية تفكيره ومنهجه، وراهن على الحداثة والتغيير، سلوكاً وممارسة، وصاغ من قسوة الظروف الاقتصادية والسياسية، آلية الدفاع عنها.

يلزمنا صوتك، يا كاظم (الحبيب)، وروحك الشابّة، تذوقت العذاب والألم، وعشت سنوات صعبة، عرفت القهر، لكن ذلك لم يثنيك عن العمل المثابر الدؤوب، فرحلت مطمئناً، فسلاماً لك ايها الصديق.

 

جمال العتّابي

 

 

مشتاق عبدمناف الحلورحل صباح السبت الماضي الشيخ عبدالرضا الجزائري أثر نوبة قلبية مفاجئة، ومما ميّز هذا الرحيل هو تنكّر رفاق الأمس له ميّتاً بعدما تنكّروا له حيّاً. فاستكثروا عليه حتّى اصدار ابسط تأبين بهذه الفجيعة المؤلمة. الّا بعض الاستثناءات (ان شاء الله ستنشر مجتمعة) واكثر هؤلاء كان من الاخوة المضحّين، المخلصين، الوطنيين الذين لم ينزلقوا للتسلّق بأساليب رخيصة لبلوغ المناصب.

لا يوجد احد من المتصدين في المعارضة الإسلامية العراقية في أواخر السبعينيات في العراق وأوائل الثمانينات في ايران لا يعرف الشيخ المرحوم. وان كان قد يكون الكثير من الناس لا يعرفونه لأنه لم تكن وسائل التواصل متوفرة في حينها.

والسبب واضح لأنه لم تكن معارضة إسلامية آنذاك في العراق من دون السيد الشهيد محمد باقر الصدر، والشيخ كان أحد أبرز وكلاءه والذي قاد شباب  هذا الخط في البصرة آنذاك. كما استمر في عمله ونشاطه بعد انتقاله الى ايران في أوائل الثمانينات. حتّى تحوّلت المعارضة الى مشروع ايراني في العراق. فانسحب منها ولم يذهب مذاهبهم ولم يسلك مسالكهم ولم ينهل من مناهلهم ولم يتنفس من الرئة التي تنفسوا منها. لهذا اعلن ملاحظاته جليّاً على كل المشروع، وبطبيعة الحال رفض كل العروض التي عرضتها عليه الحكومة الإيرانية قبال الانخراط في المعارضة وفضّل الجلوس ببيته والتفرّغ للمطالعة والكتابة. كما فتح أبواب داره بوجه كل من أحب ان يستفيد منه. فعرف داره ملتقى الفقراء من شباب العراقيين المتطلعين للفكر الديني والمنتقدين لانحراف وفساد المعارضة.

بمرور الزمن انخراط المتصدين في المشروع الإيراني حقّق لهم وفرة مالية وجوازات وسفر و... بينما حياة الشيخ بقيت على النمط الذي تعلّمه ورآه ونقله لنا عن استاذه الصدر الأول. وهذا ما كان يحرجهم ويكشف زيف ما يدعونه من خدمة جهادية. (يطالبون الشعب العراقي اليوم بتعويضات لا متناهية قبالها). فكان افضل طريق لهم للخلاص من هذا الاحراج هو انكار الشيخ وتجاهله والتخلّي عنه. لا بل أحيانا مضايقته والاستهزاء من فقره واعتبار زهده دليل ضعفه وفشل مشروعه. لأن أي مقارنة بينهم وبينه ستجعلهم الخاسرين. (لا يمكن ذكر تفاصيل تلك الحقبة في هذه الورقة وان شاء الله ستنشر)

2788 عبد الرضا الجزائرياستمر هذا التجاهل والانكار والمقاطعة وأحيانا المحاربة من قبل الكثير من المتصدين على مدى عقدين حتى حان موعد الهجوم الأمريكي على العراق. فخالف الشيخ بشدة هذه المرّة الدخول في المشروع الأمريكي وتشكيل غطاء عراقي له. لهذا أصدر بيانه الأول تحت عنوان "مؤتمر المعارضة أم سلطة المؤامرة" في 13/12/2002 وتلاه ببيان ثان تحت عنوان "الضربة الأمريكية للعراق سقوط حضاري" في 22/12/2002 وثم "سلطة المؤامرة بين النظام والمعارضة" في 5/1/2003. انتشرت هذه البيانات في حينها على نطاق واسع في أوساط المعارضة وكذلك في موقع "كتابات" ومواقع أخرى. لكنه لم يجد أذن صاغية بين المتصدين من المعارضة التي صارت تتاجر بالعراق وأهله مع كل من يقايضها بحطام الدنيا. لهذا وجّه خطابه للشعب وأصدر "بيان من الشيخ عبد الرضا الجزائري الى الشعب العراقي" في 21/4/2003 ثم "حقيقة الحرب الامريكية ضد العراق واهدافها النهائية" وتلاه "حقيقة الانتخابات وتشكيل الجمعية الوطنية العراقية" في 23/12/2004 وبعده "الانتخابات في العراق والمواقف المضادة" في 12/ 1/ 2005 سجّل فيها ملاحظاته على صيغة تشكيل مجلس الحكم وبناء الدولة من قبل المحتل.

هنا كان الغضب على الشيخ مضاعفا ممن رأى ضربة العمر في الالتحاق بالهجوم الأمريكي على العراق. لأن ما يمنحه المحتل يختلف تماما عمّا كانوا يكسبونه أيّام المعارضة. فالمحتل بكل سخاء وكرم فتح أبواب قاصات وادي الرافدين على مصراعيها لهم كي يغترفوا منها ما طاب لهم قبال أداء أحد الأدوار التي يحددها لهم في هذه التراجيديا السوداء. حتّى اجتث المحتل الغاشم الدولة العراقية وصار يقامر في سهراته الماجنة بأوصال الوطن مع كل مقامر.

بالتأكيد ليس من حقّنا أن نفرض على الآخرين رأينا ونطلب منهم أن يؤبّنوا من نحب نحن. لكن تجاهل رحيل الشيخ والصمت المطبق من قبل رفاق الأمس موقف سياسي حين مماته مكملاً لموقفهم حينما كان حيّاً بيننا، عسى ولعل مضي الأيّام تخلّصهم منه. أساسا في الغالب عند هؤلاء عملية التأبين جزء من سبيل كسب العيش. لأنهم في الغالب يأبّنون من يمتلك حزباً، او عشيرة، او قاعدة شعبية كبيرة او دولة تسنده. فحينما يؤبنونه يحاولون كسب جزء من تلك القاعدة او ود تلك الدولة، ليضيفوها الى رصيدهم. والشيخ ما كان يملك كل هذا. فلماذا تأبينه وتنبيه الناس عليه؟! فهذا الأمر قد يسبب أن يسأل الشباب النابه عنه وعن تاريخه وعن ما جرى أيّام المعارضة حينما تحوّلت الى مشروع إيراني وثمّ حينما أصبحت مشروعاً أمريكياً.

 

مشتاق عبدمناف الحلو

 

 

علجية عيشهل يمكن للإنسان أن ينسلخ عن جلده ويبدله بجلد آخر؟ لاشك أن الإقدام على هذا السلوك يعد انتحارا أو جنونا، فالهندي يظل هنديا حتى لو تكلم بلغة غير لغته الأصلية، وكذلك  الإيطالي والألماني والروسي والعربي  والمغاربي، والإفريقي، الأمر لا يتعلق بالعقيدة واللغة ليست عقيدة، بل هي جسر للتواصل، فلا أحد يمكنه أن يتنكر لجذوره وهذا يعبر عن الإعتزاز بالإنتماء، الأمر لا يتعلق بالعقيدة واللغة ليسا عقيدة، بل هي وسيلة للتواصل، ومن يريد أن يعرف تاريخ الجزائر من شباب الألفية الثالثة عليه العودة إلى ما كتبه رجال كانوا في مستوى عظمة المسؤولية بدءًا من مولود قاسم نايت بلقاسم، محمد الصغير غانم، أحمد توفيق المدني و امبارك الميلي وغيرهم

المعركة  في الجزائر هي  معركة لسانٍ وانتماء مهما اختلفت الحدود الجغرافية (شمال جنوب شرق غرب) إن جوهر الصراع هو أن نعرف من نحنُ؟، من أين جئنا؟، لماذا نعيش؟ ولمن؟،  وهل اختلافنا مع الآخر يحقق لنا نتيجة، إنه الصراع من أجل الهوية، أن نحافظ على هويتنا لا يتطلب تقديم تنازلات حتى لو غيّرنا شكلنا وانتقلنا إلى مكان آخر خارج حدود بلادنا،  فلا بمكن أن نغير هويتنا الأصلية أو نتخلى عنها، لأنها تعبّر عن جذورنا وأصولنا، أما إن تعلق الأمر بشيئ "مقدس"  (الدين) تكون لنا القدرة بل القناعة للتنازل عن شيئ كنا نراه مقدسا، أوكنا نقدسه، ذلك هو  المفكر والمؤرخ الجزائري العلامة مولود قاسم نايت بلقاسم الذي تنازل عن  لغته الأمازيغية ليستعمل اللغة العربية يخاطب بها غير الأمازيغي، فقد رضي عن نفسه أن يكون لسانه عربيُّ اعتزاز بدينه، لقد آثر العلامة مولود قاسم نايت بلقاسم اللغة العربية على اللغة الأمّ (الأمازيغية) لأنها لغة "القرآن" تعبيرا عن انتمائه للإسلام فلا فرق بين عربي وأمازيغي إذن، طالما يجمعهم رابط الدين، هذا الإيثار لا يعني أنه انسلخ عن جلده واستغنى عن لسانه الأصلي.

 أما الذين سماهم بـ: " المُخَرْبِشِين" ، الذين يريدون للآخر  أن ينسلخ عن جلده،  فمكرهم بلغ ذروته ويردون أن يخلقوا حالة من التمزق، وبالوقوف على شخصية العلامة مولود قاسم نايت بلقاسم وهو يتحدث عن شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل 1830   وهو عنوان كتابه (في جزئه الأول والثاني) جعل من اللغة العربية همزة وصل بين الجزائر والقارئ العربي وهو النهج الذي سار عليه العلامة عبد الحميد ابن باديس المعتدّ بصنهاجيته (كأمازيغي) المعتز بعروبته وإسلامه، إذن لا يمكننا أن نلغي التاريخ، هذا التاريخ الذي قال عنه مولوود قاسم نايت بلقاسم "الإسمنت الروحي إذ فيه الدين والإيديولوجيا والسياسة لتقوية وحدة الأمّة وتعزيز تماسكها وتوطيد أركانها وتعميق الوعي بتلك الوحدة  وإذكاء الإحساس بذلك التماسك"، يقول مولود قاسم نايت بلقاسم: "إن التاريخ وسيلة لغرس حب الوطن لدى الشباب، ويؤكد عناصر الشخصية الأصيلة المنفتحة، في الوقت نفسه على ضرورات العصر بما لا يضر أصالتها ويضمن للأمة  الوجود المتميز الذي يكون عنوانا لها وبطاقة إنِّيَّتِهَا – أو تعريفها- بين الأمم، كَكُلٍّ  قائمِ بذاته وكجزء من كلٍّ أكبر منه ويشمله عربي، مغربي،  إسلامي بل إنساني عالمي، وبالتالي يشمله جزائري سواء كان عربي، أمازيغي، إباضي أو تارقي، فهو الأهم (أي التاريخ) في كل ثقافة، ليس فقط لإستخلاص الدروس أو التعريف بالأجداد ولكن أيضا لغرس الإعتداد بالنفس وتعميق الوعي بالذات وتقوية الإعتزاز بالوطن.

 وقد اهتم العلّامة مولود قاسم نايت بلقاسم بدبلوماسية الجزائر وعلاقاتها مع الدول العربية والأوروبية باعتبارها سيدة البحر البيض المتوسط منذ أكثر من ثلاثة قرون ولا تزال، وكانت الخصم اللدود لقوى الشر، ومكانت الحَكَم العادل بين الخصماء،  فكتاب شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل 1830 كان ردا على هؤلاء الذين سمّاهم بـ: "المخربشين" الذين قالوا أن الجزائر لم تكن في يوم ما "أمّة" ومنهم (موريس طوريز، إذغار مور، شارل ديغول، جيسكار ديستان وغيرهم من القادة الأوربيين،  وردا كذلك على الصحفي المصري محمد حسنين هيكل الذي قال ايضا أنها لم تكن أبدا أمّة في التاريخ)، أمر معقول طبعا من هؤلاء الذين زيفوا تاريخ الأمة الجزائرية، فالعيب والعار من بعض ابنائها الذين تنكروا لتاريخهم،  فقد أرخ مولود قاسم نايت بلقاسم لعلاقات الجزائر الدبلوماسية مع دول اوروبا وعلاقاتها مع أفريقيا، كما أرخ للمقاومات الشعبية والمعاهدات التي ابرمتها الجزائر مع هذه الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية.

و لنتصور الأسلوب البلاغي الرفيع الذي اعتمده مولود قاسم نايت بلقاسم وهو يؤرخ لهذه الأحداث وكأنه عربيٌّ الجذور، أو كأنه أديب أو فيلسوف، إذ يقول في الجزء الأول من الكتاب: " وكان ظلم الحقيقة من ذوي القربى ظلما منقولا، أفليس الظلم من الأبناء مازوخية صارخة وتواطؤا مصقولا "، ويرد في الجزء الثاني من كتابه: " إن دولة الجزائريين التي بعثها بابا عروج بهذا الإسم سنة 1516م لم تكن إيالة ولا عيالة ولا خيالة ولا ذيالة ولا سيالة ولا شيالة (حمّالة) لأحد ولا جزء منه ولا تابعة له ولا ملحقة به، هي دولة جزائرية خالصة من الدولة النوميدية إلى الرستمية إلأى الزيرية، الحمادية إلى الزيانية إلى دولة الأمير عبد القادر إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ثم أخيرا إلأى الجمهورية الجزائلاية الديمقراطية الشعبية.

أراد مولود قاسم نايت بلقاسم أن يقول  أن العيب في الشعوب التي لم تسجل أحداثها وظلت خرساء بكماء، فالتاريخ ايضا سيبقى أخرس ابكم ساكتا عنها، لا يدرجها في سجلاته أو يعمد إلى ملء ذلك الفراغ الذي يستدعي الإنتباه باستعمال الشهادات الناقصة والمجحفة المُزَوَّرَة بالضروري التي تتمثل في الكتابات الرديئة التي يدلي بها أعدلؤ ثرثارون، كما ينتقد  الجزائريين الذين كانت لهم القدرة على  تدوين تاريخ الجزائر وأعمال الرجال وكشف الحقائق ولكنهم كانوا أميّين من حيث تسجيلها والإبانة عنها وإبرازها وتخليدها بالكتابة بالحرف للأجيال جهلا منهم بقيمة التاريخ واستخفاف بأهمية تسجيل الأحداث لإستخلاص العبر، إن خطاب مولود قاسم نايت بلقاسم (الأمازيغي) بلغة الضاد لهو رسالة للعروبيين، بأن المشكلة ليست في اللسان وإنما في الفكر،  فهو يخاكطب الوجدان ويستعمل المعاني التي تؤثر في النفس.

و يختتم المؤرخ مولود قاسم نايت بلقاسم كتابه (الجزء الثاني) : لقد ظن بعض الناس في وقت ما أنهم يستطيعون الإستغناء عن التاريخ،  ولايزال البعض حتى اليوم على هذا الرأي،  فهم يرون أن التاريخ ليس غبار الماضي الذي لا يجدي فتيلا، ولكن الماضي يظل مفعوله مستمرا حتى عندما يرفض البعض معرفته، هذا الرفض الذي ينتظر البعض أن يحررنا ولكنه في الحقيقة يضيق الخناق علينا ويعرضنا لأحداث يومية وتيارات جارفة، لأننا لا نعرف أسبابها التاريخية، ثم يضيف قائلا: إنه لا يمكن أن يأمل النجاة من أخطاء الماضي إلا من يعرفها، ولكن ليست معرفة الأخطاء فقط هي قصدنا من التاري، بل معرفة الصورة الكاملة للماضي، معرفة التاريخ كله، وهكذا فإن تاريخ أية أمة من الأمم مفتاح يؤدي إلى وطن فكري، روحي يخلق ألفة ويضمن أمنا وثقة بالنفس.

  من هذا المنطلق يمكن أن نفتح هنا قوسا (...) ونقول: ماذا يفيد إن كنا نتكلم عربي ولا نفكر عربي، فإسرائيل تتكلم عربي، وأصبح لسانها عربي لكنها  ظلت تحافظ على فكرها، هذه الملاحظة تقودنا إلى ما كتبه الدكتور عبد الله ركيبي في كتابه " عروبة الفكر والثقافة أولا" حيث قال: "إن تفكيرنا في كافة القضايا أو معظمها يوشك أن يكون مستوردا، جاءنا من الغير وتبنيناه نحن بلا فهم ولا تمحيص ولا تدقيق ووضعناه في رؤوسنا وحاولنا صبغه بصبغتنا، فلا هو تفكيرنا ولا هو نابع منّا، ولعل هذا هو السبب فيما نعانيه في بيئتنا العربية من اضطراب في الفكر والسلوك معا"، يقول الركيبي: إن مثل هذه القضايا لا تذوب ولا تتجمد ولا تتوقف، لأنها تحدد هوية الشعب وتصور واقعه وتطبعه بطابعها الخاص، كما أنها أيضا ترسم له مستقبله وهذا من شأنه أن يقضي على التشرذم والتمزق والتناحر

 

علجية عيش