المثقف - قراءات نقدية

تطور لغة القصيدة في شعر يحيى السماوي / صالح الرزوق

saleh alrazukتتوازى مجمل تجربة يحيى السماوي مع الإضافة التي قدمها حزام الخمسينات 

من القرن المنصرم. فهو حزام الجيل الذي مزقته جملة من الاعتبارات: وضوح الرؤية السياسية وضرورة التعبئة العامة، وعدم تطابق ذلك مع التوقعات والنتائج.

إن مثل هذا العطب النفسي، الناجم عن خسارة في تحديد الاتجاه، حدا بشعراء الجيل الوسيط، ممن لديهم هموم فنية تتلخص في تجديد المفهوم الكلاسيكي للشعر، إلى تفسير اللغة البسيطة والمفهومة والواضحة بتراكيب مجازية. أو أقله التغطية على الجرح المؤلم والمخزي بهموم ومغامرات هي جزء من الحياة الخاصة للأفراد. وبلغة النقد الفني: تحويل الهدف والتستر على الموضوع.

ولذلك كان منطق التجارب المبكرة لا يستكمل منطق التجارب الأخيرة. فالهم الوطني والسياسي بلغته الواقعية والاستفزازية انتقل للعناية بجروح الأفراد وللانهمام بالذات (بنفس المعنى الذي اقترحه فوكو في كتابه عن الحياة السرية للأشخاص)، مع شيء غير قليل من التأسف على الماضي.. بما ينطوي عليه من ذكريات ومواقف وبما يحمله من فقدان. وكانت الخسارة الشخصية في هذا السياق تحمل إشارة خفيفة لمعنى الهزيمة أو النكبة، والموت يدل على الانحدار في سلم الحضارة. وبوجيز العبارة: كل القضايا الواقعية التي فرضت لغة ذات إيقاع مباشر ، وصورا مبسطة ، وكنايات، تحولت مع الزمن إلى رموز تدل على مقدار العجز في ربط الظاهرة بأسبابها، وبالتالي إلى اختزال حامل المعنى في استعارات تجمع الشيء وضده.

كما في قوله:

ليس شعرا

حين لا يسهم في الذود عن الورد..

.....

و لا يسهم في حرب القناديل

على وحش الظلام. (1) 

أو قوله:

ثمة بياض

أكثر عتمة من قعر بئر

.....

ثمة سواد

أكثر بياضا من مرايا الصباح (2).

ويكفي إلقاء نظرة واحدة على خط تطور شعر يحيى السماوي، وأبناء جيله، لتلاحظ الفرق الملموس بين تقاليد قصائد الستينات والثمانينات.

واسمحوا لي هنا بتوضيح: مع أن أولى مجموعات الشاعر صدرت بعد 1950 بفترة لا بأس بها، تنتمي بواكيره لضمير ووعي الخمسينات. ثم إنه سرعان ما نقل خندقه ليحارب في سبيل تجديد الشعر وتحديثه، حيث وضع المغزى أمام الشكل. وهكذا يمكن أن نستنتج أنه اختصر معاناة ثلاثين عاما في غضون ثلث المدة، وكأنه تطبيق عملي لما يسمى في السياسة بحرق المراحل.

وهكذا غابت من عناوين قصائده، في خلال عشر سنوات، مفردات  تذكي المشاعر الوطنية من وزن: الخيمة، الوطن، جذع النخلة، لتحل في مكانها مفردات تدل على الضياع واللاجدوى على شاكلة: العشق، البحث عن الذات،  الكذب، إلخ...

وباعتقادي إنه تآزرت طريقة السلطات في الرقابة مع تقدم الشاعر بالسن وانتقال مشهد الأعمال العسكرية من الجبهة إلى الشوارع الخلفية والأزقة، لتقليم أظافر خياله الشعري.

و لنا في سعدي يوسف أيضا خير مثال. مع الزمن سقطت أسطورته حول الأممية الثالثة واختصرها في نضال طبقي وفردي يعبر عن نفسه في سياسة السوق وبارودة الصيد وفندق الخمس نجوم. طبعا مرورا بأهوال الحروب الأهلية في الداخل. وللأسف لا تنطبق على حروبنا الأهلية المسوغات التي توفرت لحروب الشمال كما نراها في الأعمال الخالدة لكل من همنغواي وجورج أورويل. ولا حتى الملابسات المشكوك بها التي قدمها والت ويتمان في (أوراق العشب).

وحتى بالنسبة لهمنغواي: ألم يبدأ في تصوير وحشية هذه الحروب لينتهي به المطاف إلى تفسير العلاقة الخاصة بين الإنسان البسيط وجبروت الطبيعة. لقد انتقل لديه الصراع من ساحة الحرب (ومثاله لمن تدق الأجراس)  إلى العذاب في سبيل لقمة العيش (والمثال المعروف هو الشيخ والبحر).

ولو صحت المشابهة، إنه بهذا النحو تطورت الرموز في شعرية يحيى السماوي، حيث الصور بدأت من (نقوش على جذع نخلة) وانتهت برموز بصرية تهم كل إنسان مثل (شاهدة قبر ومسبحة ومنديل). وينسحب ما سلف على شكل القصيدة. فالبواكير تتألف من قصائد مفردة متفرعة، وهذه سرعان ما تطورت لقصيدة متحدة أو مركبة تتألف من وحدات صغيرة تقوم مقام بيت الشعر في القصيدة الكلاسيكية. وبالنسبة  للمنادى والمخاطب، إذا كان محدداً ومعروفا في البواكير، فهو مجهول وغامض ولا يسمّى أو ذو صفة غير معرفية فيما بعد عام 2000.

من ذلك قوله (ما سر التي ليست تسمى؟ ص 162،  بت أدعوها التي ليست تسمى، ص 62، أطلقت عليه اللاأحد، ص62) (3).

وقوله:

وهي الروح

على شكل جسد

...

وهي اللحظة

والبرهة

والدهر الأبد (4).

وكذلك إن العناوين الساخنة التي التهبت بألسنة من نار الثورة والرصاص والحراك الانقلاب - سياسي، خمدت بفعل الاستقرار المفروض في فترة الأنظمة الشمولية. وبدأت تعكس مدار هموم من خارج الميدان، هموم شخصانية لتجربة مشتتة وتضمد جراحها وتواسي نفسها. والدليل على ذلك العلاقات اللغوية البسيطة في التداول والشفافة وذات الإيقاع البكائي في النفس مثل : رخام الكلمات، حرير الكلمات، خرز الكلمات.

وبدواعي المقارنة والتوضيح قل نفس الشيء عن عناوين لشاعر سوري هو شوقي بغدادي، العضو المؤسس لرابطة الكتاب السوريين في الخمسينات، والذي بدأ بـفضاء فني مفتوح ومتصل مع قيم البذل والعطاء كما في (بيتها على سفح جبل) و(حينا يبصق دما)، وانتهى بصور خصوصية مثل: عنق فوق الوسادة، ودمعة على السرير وغير ذلك..... 

وكان شوقي بغدادي مثل معظم أبطال أدب الخمسينات، جريئا فيما يتعلق بالتابو المشروع. وأقصد به المحرمات التي تتطور في اللاوعي نتيجة العلاقات الاجتماعية الشاذة والظالمة. فقد كانت مقاربته لجماليات الصور النمطية، من نساء ورجال أقرب ما يمكن لمفهوم عصر النهضة في التصوير. إنها تركز على تفاصيل حسية في تكوين الذكور كالعضلات والصدر العريض وغيرها كما لو أنه من صف المثليين جنسيا. وتنظر للنساء كموضوع يذكي العاطفة والمشاعر. ومن هنا سر افتتانه بثيابها وزينتها واهتمامه بالرداء الذي لا يغطي غير مناطق العيب منها. ويمكن قراءة ذلك بمفردات توزيع الإضاءة والظل لو كنت مهتما بالصورة الفنية، أو أدوات التنكير والتعريف لو أنك تهتم باللغة والبلاغة.

وهذا عكس الحالة عند يحيى السماوي. فالرجل لديه هو حامل لمشعل الحرية، والمرأة هي لسان النار ذاته.  بمعنى أن توزيع الأدوار كالتالي: الرجل للسياسة والقتال، والمرأة لعذاب الحب ولوعته. ألم يكن الشاعر العربي لا يرى في المرأة غير (بهكنة تحت الخباء المُعمّد)، ولا يتصور الرجل إلا في الطعان والنزال.

ولكن مهما كان الموضوع يلتقي كلاهما في نقطة افتراق واحدة..

الحبكة السريعة ودراما النخبة التي تستحق عن جدارة لقب (ديوان العرب). ثم المفردات الميسرة وعبارات وتراكيب ساعدت مهنة الصحافة على نشرها. ومنها قوله:

تجار حروب النفط والشفط (قصيدة اخرجوا من وطني، ص9)، إنها رأت سجن أبو غريب (قصيدة أفول، ص39)، الناطق الرسمي باسم مسلخ التحرير (في وطن النخيل، ص 54) الى آخر ما هنالك. (5).

وضمن هذا الإطار تندرج  عبارات مماثلة لشوقي بغدادي،  منها:  آنسةً تعمل لحساب الـ " سي . آي . إیه " ، لتسلّي عملاء الإرھاب الدولي، تجار الأسلحة، وغير ذلك كثير... (6).

ويبدو أنه انتبه لهذه الظاهرة في قصيدة تالية فقال:

من وشى بي وفسرني

وأنا كنت أحسبني غامضا(7).

وأعتقد أن الحساسية الشعرية، بوجه عام، كانت مبحوحة بعد نكسة حزيران 67. وخذ أدونيس على سبيل المثال: كانت بداياته نضالية تبشر بالصعود من الرماد، وتحولت إلى مرثية غامضة لا تعرف من المقصود بها، أنا أو العالم، الفكرة أو التجربة؟. وكان يميل لمفردات منتقاة من الطبيعة الحية والمعطاء كالربيع والنهر والبحر، ثم غلبت عليه مفردات الجدب والتدمير والعنف ومنها : قبر ورماد ونار، إلخ...

ومثله فعل نزار قباني. بدأ بالغزل المادي والمباشر الذي يصف به حالة وعي أوديبي، وانتقل إلى الخطاب السياسي المغلف بنرجسية وبطولات وعشق مريض للذات.

ولئن كانت توجد عدة وجوه للمقارنة بين غزليات يحيى السماوي ونزار قباني لا يمكن ردم الهوة أو تبريرها بين الاتجاهين. فالسماوي يمتحن نفسه مع النساء ومع غريزة الخصوبة الطبيعية، ويترك لنفسه مهلة للتفكير بمعنى الجنوسة كرغبة عامة أو كافتراضات هي جزئيات من فهمنا للحياة. ويهتم بالقيمة العاطفية وليس الحسية، ولا سيما على الأثر قبل المؤثر كـ (فوران النار في التنور واندلاع الرغبة في الجوانح والسقوط في بئر الحرمان) وغير ذلك، وليس على الوصف الحسي المباشر للجيد أو العنق أو الخصر وهلم جرا. ويتحرى في كل ذلك أن يكون موضوعيا ويلعب دور مرآة عاكسة للصورة وليس منتجة لها. وحتى إذا اقترب من المحظور والممنوع سرعان ما يستعمل حيلة (التبرئة)، أو النفي بواسطة ورقة الضد كقوله (يا معصومة النهدين ، أيتها العفيفة) وما شابه...

بينما أكد نزار قباني على استلاب وغربة المرأة في فضائه الخاص. فهي بلا معنى دون كلماته، وبلا شخصية خارج النعوت والصفات التي يتكرم بها عليها. وكل قصائده تنظر للمرأة وكأنها أطراف مميزة للجنس أو صفات نوع: كالنهد والحوض والسرة،  وليس حالة اجتماع - ثقافية. وتنطبق على نساء نزار تفسيرات طاهر لبيب لسيكلوجيا اللغة في مجتمع بطريركي، فهن بحاجة لنون النسوة وتاء التأنيث المربوطة للتعريف بهن. بينما لا حاجة للمذكر بمثل هذه اللواحق suffix.

وهذا تعبير غير مباشر عن الفرق في الدوافع والظروف، من فكرة الشعر إلى فكرة الشاعر.

لقد تأثر السماوي متأثرا بتجربته الأوديبية بينما كان نزار منتجا لها. ولهذا السبب استنهض الأول الهمم وهو يبكي، بينما  مدح الثاني  نفسه وهو يئن من الأوجاع والغل والضغينة. ولهذا السبب أيضا استعمل الأول ضمير المفرد الغائب (هو)، في حين ركز الثاني على ضمير المتكلم المفرد (أنا).

وحين يقول السماوي في مرثيته لكامل شياع التي تشبه بحماسها قرع الطبول عند بداية الحرب:

ما مات كامل..

كامل انتدبته دجلة للخلود

ممثلا نخل العراق

وناطقا باسم الطفولة

باسم حلم الكادحين(8).

يقول نزار قباني بلغة في منتهى الأنانية المعروفة عنه:

أنا لا أحبك.. فقط

ولكنني أصحح تاريخ أنوثتك..

وأغير حدودك الإقليمية

وأعلمك الأسماء.. والأفعال..

ورواية الشعر.. (9).

وغني عن القول أن شعرية السماوي توازي ما بين المفرد والجماعة، فكامل رمز لحلم الكادحين. ولكن شعرية نزار لا تجد مرجعية لها خارج ميثاق تجربتها التي تتحرك من وراء حدود الثقافة والطبقة، وكأنه مصنع يعمل على إنتاج الأخلاق الشخصية وسلوك الأفراد وتاريخ الأمة.

و قس على ذلك...

 

 

 

هوامش:

 

1- ص 142. بعيدا عني قريبا منك. دار الينابيع. دمشق. 2011.

2- ص132. مسبحة من خرز الكلمات. دار التكوين. دمشق. 2010.  ط2.

3- مجموعته بعيدا عني قريبا منك.

4- المجموعة السابقة. ص 63.

5- نقوش على جذع نخلة. دار التكوين. دمشق. ط2 . 2007.

6- قصيدة مطلوب. مجموعة رؤيا يوحنا الدمشق. 1991. المصدر الموقع الشخصي للشاعر.

7- المجموعة السابقة. قصيدة تشريح البيت الصغير.

8- يحيى السماوي. مجموعة لماذا تأخرت دهرا؟.قصيدة كامل. ص9. دار الينابيع. 2010.

9- نزار قباني - مجموعة خمسون عاما في مديح النساء. قصيدة كيف تكونين حبيبتي ولا أخرج على النص؟. ص148. منشورات نزار قباني. بيروت. 1994.

  

كانون الأول 2012

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2311 الخميس 27 / 12 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2305 المصادف: 2012-12-27 13:50:53


Share on Myspace