المثقف - قراءات نقدية

غابة تتذكر أحزانها لعامر بو عزة

heyam fershishصدر عن دار إنانا للنشرفي 2011 ديوان "غابة تتذكر أحزانها" للإعلامي والشاعر عامر بوعزة. وقد جاء في حجم متوسط، في 124 صفحة، ويتركب من 22 قصيدة. وقد نشرت مجلة الآداب بعض نصوص هذا الديوان، وظهرت نصوص أخرى في مجلات عربية مختلفة. وعامر بوعزة هو خريج كلية الآداب بمنوبة،وحاصل على رسالة ماجستير في كلية الآداب بسوسة تناول فيها سيرة محمد شكري. والمعروف عنه تفرغه للعمل الإذاعي في إذاعة المنستير منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي.

 استهل الشاعر الديوان بقصيدة "غابة تتذكر أحزانها"، وختمها ب "المعطف البدوي الذي كنت"، وتشير أغلب عناوين القصائد إلى ومضات ورائية، على غرار "مشهد خلفي لما حدث "، "طفولة الصفصاف"  "العودة إلى الريح"، وكانت العودة للذاكرة متنفسا للحلم، وانتظارا لأمل ما، حيث نقرأ عناوين لقصائد "عن الحلم الذي يبقى"، " انتظار "، "العائدة". "

وحين ندخل الديوان من عتبة العنوان، الذي ينفذ بنا إلى القصيد الأول "غابة تتذكر أحزانها"، فنحن نستشف بأنها  غابة ترمز للحياة المتواصلة، بالأشجار الفارعة الأغصان، ذات الظلال، وبأصوات الطيور. وكلما غزاها الحزن، تجتذب إليها طيور الفينق، ترفع أجنحتها نحو الشمس، وفي مشهد يخيم عليه الحزن، تحترق لتنبعث من جديد عبر الخروج من الرماد، وتتجدد في صورتها البهية وقد وشت أجنحتها. وما طائر الفينق في أصله اليوناني إلا كلمة تعني نوعا من النخيل، وأطلقت على الطائر الخرافي الذي يبني أعشاشه على شجر النخيل. .

والغابة في قصيد "إلزا" مطفأة العينين " / بلا ذاكرة : والشاعر يبعث فيها الحياة كلما استرجع صور الحياة من الذاكرة، وكلما أيقظ الكامن ليرنو نحو شمس المعرفة:

العتمة تبتل

أنفاسي تركض عارية في أمطار الليل

هذي الوحشة لا إيقاع لها

والغابة مطفأة العينين

بلا ذاكرة

تمادي معي

الأمطار ذاكرتي الممتدة العارية الغائرة

وأنت تاريخي ينبض في رماد العمر

كفاكهة لها طعم البدايات ورائحة التكوين

ص95

 

ويرتبط التذكر باسترجاع المعرفة. استرجاع التفاصيل الحسية.  والاسترجاع قد يقترن بمعنى، أو بصورة داخل مشهد وفضاءات عينية. أو بحيز يتخذ عدة أبعاد كما فسر ذلك علم النفس. وذاكرة الشاعر تسترجع امتدادها وعمقها وتاريخها في مرايا الأمطار، التي تحيل على الخصوبة وعلى البلل، والحياة النابضة، والذات المتطهرة، المغتسلة من رمادها لتنبعث من جديد. كما تسترجع الذاكرة صورها عبر المرأة التي تعود به إلى أصل الأشياء وتكوينها الجنيني، ومعرفته الحسية بها.  والتذكر هو الأشمل من الصور الجزئية المتناثرة. بل تدعو كل صورة صورة أخرى ملتحمة بها  ليخرج الشاعر من حالات العتمة والوحشة وهو يسترجع الأحداث والمواقف والحالات  التي أيقظت شعلة من العواطف والأحاسيس.

وقد يخصص الشاعر غابته ويسميها على غرار غابة الصنوبر التي ترمز للإلهام الشعري أيضا، فقد كتب عنها  لامرتين حين شاهدها في بيروت. و نفس الشيء بالنسبة إلى الشاعر الإغريقي ننو في القرن الرابع ميلادي. وقد حل الصنوبر محل الذات الشاعرة عبر الإزاحة في قصيد : "علياء الصنوبر".

  ما الذي سيقوله الصنوبر؟

الآن وحده تحضن قامته الريح

والكل من حوله عابرون

وحده سيظل هنا خفقة من حنين

توجهها الريح كل مساء

لمن يذكرون

ومن يذكرون

ومن يذكرون

 عابرون

ص 17 -18

 

فهي الذات القادرة على توليد الشعر الذي يخرج من رحم الذكرى ليعيد الشاعر بعث الروح في الكلمات، ويسترجع المعاني الغائبة (وحده سيظل خفقة من حنين). ليعبرعن حالات من الفقد: الصور تطل من الماضي وتسير في طرق الحاضر وتكتسح الأمكنة وتتلبس بالزمن. يتأملها الشاعر في حالة من الاستغراق والانطواء وهو يلوذ بتلك الغابة ويستظل بحلمها. يقف الشاعر على عتبات الذاكرة، وهو يسترجع الصور وما خلفته من صدى، ليرى الغائب الحاضر والحاضر بالغياب. فللماضي مرايا يطل من خلالها على أكثر من حدث وأكثر من صورة منطبعة في الذه الكل عابرون، ولكن الذاكرة تسترجع صورها..

وتحملنا غابة الشاعر إلى مناخات الطفولة والحلم في قصيد "غابة الصفصاف"، حيث يتجسد الحلم ظلا يهتدي إليه الشاعر حين تتلبس ذاته بالحدس، الذي تجلى عبر الصوت الذي يوقظه من حلم ما نحو حالة شعرية فنية، يطوي عبرها ستائر العتمة ويلامس ذاته دون أن يهتدي إلى صورة ذلك الحلم، انه المعنى العاري من كل قناع يتلبس به:

 كأنه ظل طفولتنا المشتهاة

وصوت النواقيس في غابة الحلم

توقظ كل الرعاة

سمعنا على السفح وقع حذائه

لكننا لم نره

.......................

ص75

 

 ورغم ولادة الطفل الكامن في الشاعر من الذاكرة، واليافع الذي كان يكتشف الحياة من جديد عبر استرجاع واستدعاء صور الماضي، فالماضي طافح بالأحزان، وبتكسرات اللحظات التاريخية العربية، وفي تذكر الأحداث العربية  المربكة الحزينة.  تتشكل الصور الشعرية من جديد وتصبح أكثر همسا وإيحاء ونفاذا. ف "الحزن خصب " على حد تعبير نزار قباني. وفي الحزن بحث عن الأمل نتيجة تكرار الصور التي تبعث على الأسى ولم تتغير وهي شديدة الارتباط بالجروح العربية. وعبر الحزن يسترجع الشاعر صورة عشتار الأم، ولادة المسيح المبشر بالسلام، ولادة الشعر الذي اقترن بالنشيد منذ الحضارات القديمة، يبشر بالتجدد ومغالبة العتمة بالفجر والحزن بالأمل: :

سلام لعشتار

للأمهات الحزينات

للفجر في صوت راعية الجنوب

لإيقاع أنشودة علمتنا المدارس

للذاهبين إلى الحقل

للعائدين من الحرب ............. 61

 

ومن يقرأ ديوان عامر بوعزة "غابة تتذكر أحزانها" يرى ذات الشاعر تتشكل عبر بانوراما من الصور داخل لوحة أو مشاهد جزئية داخل مشهد عام. وتتنوع ذاكرة الشاعر وهو يتنقل بنا من الصور البصرية إلى السمعية وإلى اللمسية  والذوقية. وتختزل صور قصائده عناصر الكون ومشاهده في التحامها وتحولها من العتمة إلى النور. .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2480 المصادف: 2013-06-20 12:52:22


Share on Myspace