المثقف - قراءات نقدية

كيف اغلقت الطريق الكاتبة هدية حسين في رواية في الطريق اليهم؟

neeran alobaydiرواية في الطريق اليهم ليس مثل كل الروايات حين تقراء عن هذه الرواية الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتي سبق وان اصدرت للكاتبة قاب قوسين مني قصص الطبعة الثانية سنة 2000 وبنت الخان رواية الطبعة الاولى سنه 2001 وتلك قضية اخرى قصص الطبعة الثانيه 2002 وكل شيء على ما يرام قصص الطبعة الاولى 2003 وما بعد الحب رواية الطبعة الاولى 2003 اقول ليست مثل بفية الروايات التي تبتداْ بداية عادية وتتنتهي بالموت انها قصة حديث الحياة والموت فكما للحياة قصة فللموت قصة اخرى ترويها الراوية التي فارقت الحياة بعيون ووجهة نظر مختلفة فهي تشاهد الاحداث وتستطيع ان ترويها بعد اعادة ترتيبها وبعد ان تكتسب خبرة الموت وحكمة الحياة رغم قصر المدة التي عاشتها عبر كاميرتها الخفية ولتقودنا الى ذاكرة متقدة حيناً ومرتكبة حيناً اخر فتنقل لنا صور واضحة واخرى مشوشة حسب تشوه ذاكرة كاميرتها هذه الذاكرة التي ترويها لنا روح الطفلة امل التي فارقت الحياة

بعمر ست سنوات الطفلة الميتة والراوية الغائبة الحاضرة التي تترك قبرها الصغير في مقبرة براثا المعدة لدفن الصغار متجه نحو عائلتها عبر الجسر الحديدي الى جانب الرصافة حيث محلة شعبية بمحاذاة نهر دجلة لتروي لنا احداث جرت لهذه العائلة والمحيط بها ولتترك لنا شخصياتها التي تتذكرهم يتحدثون عن انفسهم بعفوية وسلاسة ولتلتقط لنا صور من حياة عائلتها بعد مماتها بصورة واضحة واخرى مموهة تقول الروائية هدية حسين على لسان بطلتها امل “” لم اعد في سجل الاحياء مثلكم .. وقبل ذلك لم يسعفني الحظ بان ادخل المدرسة

واتعلم مثلكم لان الموت اختطفني قبل تحقيق هذه الامنية .. الى ان تقول وها انا اجيء بعد موتي باْكثر من اربعين سنة لاروي لكم ما حدث او بعض ما حدث .. اليس من حق الموتى ان يقولوا كلمتهم ..؟؟؟

هكذا تبتداْ هدية حسين روايتها بسؤال لتسرد لنا احداث جرت على العراق واوجاع ومصائب ولتوصف لنا حكايات الزمن خلا ل تلك الفترة وما جرى من حروب وجوع وحصار وانحلال قيم وانتهاء امال وسقوط مجتمع باسره تبداْ هدية حسين سرد زمن احداث رو ايتها سنه 1956 تاريخ ميلاد البطلة امل اي قبل الثورة وتسلط الضوء على شريحة اجتماعية سكنت بغداد بعد هجرتها من الجنوب ببيوت شبه عشوائيه استقرت على ضفاف دجلة في جانب الرصافة شمال الجسر الحديدي الصرافية ولتحكي لنا حياتها وعاداتها وذاكرتها الجمعية التي استقتها من مكانها السابق الجنوب وحنينها وغنائها الريفي العذب وصراعها من اجل البقاء هذه الشريحة لم تحافظ على كل عاداتها العشائرية مثل بقية الشرائح المهاجرة التي نقلها الزعيم من ضفاف دجلة الصرائف الى مدينة الثورة كما توضح لنا الكاتبة ذلك في رواية مطر الله هذه الشريحة تتوسط بغداد وبقت شاهداً على نشؤ شريحة اجتماعية جديدة اقامت علاقات حقيقية بالمجتمع الجديد و اندمجت مع المجتمع البغدادي وتعلمت ودخلت ارقى المدارس لقربها من منطقة الوزيرية الارستقراطية انذاك لا بل تروي لنا الكاتبة عن تاْثرهم بالحياة البغدادية وعاداتها وغنجها حتى ان البعض منهم تبنتهم العوائل الغنية بعد ان اصبحوا ضحايا لفيضان بغداد كونهم يسكنون على ضفاف دجلة فاختطف النهر ابائهم وامهاتهم وبقوا الاطفال بدون راعي فاخذتهم ايادي الجيران الاغنياء من مدرج ملعب الكشافة الذي لجاءوا اليه اثناء الفيضان و ليصبح البعض منهم ابناء لهم واخرين خدم لهم كما بينت لنا الكاتبة ذلك في رواية” ان تخاف “ الا انها بقيت شريحة فقيرة لم تستطع القفز على واقعها

تبدا الكاتبة بوصف الحياة هناك بكل ما تحمله من جمال للطبيعة فهي تصف لنا اشجار الرمان وورد الجوري والنخيل الباسق على ضفاف دجلة والحياة البسيطة الواعدة بحياة افضل في المدينه وهي لاتترك لنا مجال للتخيل بل هي تعنى بكل التفاصيل من فرش البسط في باحة الدار ورائحة التراب بعد رشه وصوت شخصيه قاسم داغر صديق العائلة الشجي االمولع بالغناء الريفي الذي يستنبط به كل تاريخ الجنوب وحبه لمحبوبته التي لم يرتبط بها هذه الحياة البسيطة والجميلة والتي تجمع بين جمال الطبيعة على ضفاف الانهر والحياة البغدادية الصاخبة في الجانب الاخر الذي يرتبط بالطريق المؤدي الى الاعظمية لتنتهي بنا بضياع الامل لهذه الشريحة بالصعود وموت الامل ربما بموت الطفلة امل على الرغم من تسميه ابنة شقيقتها باسمها فالمراحل السياسية تسير من سيء الى الاسوء الظاهر لاوجود للامل مع الحروب والحصار الاقتصادي فبدل ان تصعد هذه الشريحة طبقيا يظهر عليها الوجوم واللون الكابي والشقاء بسبب تشوه سير الاحداث السياسية التي شوهت هذه الطبقة بسقوط ابنائها وانتماء البعض منهم الى القوات الامنية للنظام السابق والبعض الاخر الى الجيش كي يصبحوا اليد الضاربة للنظام من اجل الصعود السريع اما البفية العظمى انسحقت ولم تحصل على التعليم العالي بسبب توالي الاحداث وخروج البعض وخصوصا النساء الى العمل بعد فقدان المعيل والزوج في الحروب

كما في شخصية صفية شقيقة الراوية امل

في كل زيارة للراوية امل الى بيت اهلها تكتفي بمراقبة الاحداث وملاحظة التغييرات بعد ان عجزت عن الحديث معهم بصورة مباشرة فرغم كل المحاولات لاثبات وجودها يصدمها الواقع انها ميتة ولاتستطيع الحديث معهم لكنهم احياناً يذكرون انهم شاهدوها في الحلم في حين تكون الراوية قد سلكت طريق المقبرة عبر الجسر وصولا اليهم . هناك ملاحظات بسيطة وصغيرة توحي باحداث جسام تلاحظها امل مثل فقدان صورة الزعيم عبدالكريم قاسم تواجدها في غرفة الضيوف مع ملاحظة الحزن والوجوم الذي يسيطر على افراد اسرتها والجيران وهناك الكثير من المسلحين الذين يجوبون الشوارع بملابس مدنية فتدرك التغيير الحاصل بعد لقائها بروح الزعيم ترفرف على شكل ضوء على نهر دجلة وتعلم ان الجناة رموا جثته في النهر فتتذكر انها التقت به عند مروره من الشارع العام المؤدي الى الاعظمية في ظهيرة يوم قائض لتسر بانها تعلقت على باب سيارتة ولترويها بشكل مبالغ الى العائلة والصديقات . هذا السرد بهذا الشكل يبين لنا مدى ذكاء الكاتبة بطرح محبة الطبقات المسحوقة لشخص الزعيم الذي بنى لهم

بيوت وانتشلهم من الصرائف كما لاحظنا ذلك في رواية مطر الله

هناك تداخل للازمنة في رواية في الطريق اليهم زمن الرواية وزمن الاحداث تنقلنا خلالها هدية حسين بخفة دون ان نعي زمن التداخل فننتقل بانتقالها ونرجع برجوعها ولتنهي بعد ذلك روايتها بموتيف خلو المكان من ساكنيه بعد موت اغلب الابطال وخلو المكان لقبر الراوية ذاتها بعد ان يقرر عامل المقبرة ازالة قبر امل وجمع عظامها في كيس كبير مع بقية عظام اطفال اخرين وليدفنهم في قبر جماعي واحد كي يبيع القبور لموتى جدد ازداد عددهم بموت مجاني نتيجة الحصار على العراق والنقص الحاصل في الغذاء والحليب والرعاية الصحية وبعد الاهمال الحاصل لترميم هذه القبور كسبب يتعذر به عامل المقبرة وبذلك ينهي عامل المقبرة سجل امل والتي تقول فيها كلمتها الاخيرة وهي ايضا اخر فقرة من الرواية لم يعد لي سجل بين الاموات …...

 

2012 ايلول

نيران العبيدي كندا

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

قراءة مشوقة ورائعة اتمنى أن احصل على نسخة منها حتى وان كانت نسخة الكترونية ليتسنى لنا الاطلاع عليها وقرائتها.

أسامة محمد صادق
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ العزيز اسامة محمد صادق ,تستطيع الحصول عليها من المؤسسة العربية للدراسات والنشر

بيروت ورقيا او الكترونيا ايميل Info @aripbooks,comهاتف 0096200605605431 موقع الدار http://www.airpbooks.com

نيران العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

وصلني للتو ان نتاجات الكاتبة هدية حسين موجودة في دار الحكمة شارع المتنبي بغداد ودار الحكمة شارع فلسطين بغداد

نيران العبيدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2613 المصادف: 2013-10-31 11:36:11


Share on Myspace