المثقف - قراءات نقدية

الأدب النسوي ومجموعة "سأنتظرك" لسهام الطيار

saleh altaeiلا أدري لماذا قيد الأدب الذي تجود به النساء طبقيا، وضيق عليه حتى وصل التمييز إلى درجة حشره لوحده في خانة تحت مسمى "الأدب النسوي" مع أن الأدب هو الأدب، وهو ترجمة سامية تخلقها المعاناة، تترجم من خلالها خلجات النفس الإنسانية، تحركها ثلاث قوى: القدرة والموهبة والثقافة؛ التي قد تكون جميعها أو بعضها مفقودة لدى كثير من الناس بلا علاقة للذكورية والأنثوية، وقد تكون مفقودة لدى كثير من الأدباء من الجنسين، أو تكون بادية ظاهرة لدى بعض النساء أكثر منها لدى الرجال.

ولذا أسجل أول اعتراض لي على هذا التمييز بالذات، وأعلن أني أقبل الأدب كمنجز فكري وجداني مهما كان مصدر انطلاقه سواء كان من نتاج شيخ هرم عجوز، تملأ وجهه التجاعيد، محني الظهر، قاسي القسمات، أو فتاة ربيعية العمر، قمرية الوجه، شمسية الوجود؛ ما دام فيه ذلك الكم من العذوبة والجذب والإدهاش القادر على أن يغمرني بلحظات البهاء، ويحمل روحي على أطياف الدهشة السرمدية. أما أن أحب هذا الأدب لأنه نسوي، وأكره ذاك لأنه ذكوري، أو العكس، فهي متاهة كبيرة وخطيرة، مصطنعة، يحاول البعض إدخالنا فيها عنوة لغاية ما قد يكون هدفها تبجيل بعض الأسماء ودكترة(1) واقع هزيل لا يملك مقومات السطوة الفكرية، فيحاول أن يستعيض عنها بسطوة الشاربين.

والغريب أن هناك من يتمسكون بهذه التسميات ويقاتلون لغرض إقرارها مدعين وجود العلامات الفارقة بين المنجزين الرجالي والنسائي بوضوح لا يغفله حتى غير المتخصصين، ومنهم صديق لي كتب ونشر أكثر من موضوع عن هذا التخصيص ادعى في واحد منها انه يكتفي بقراءة سطرين فقط من العمل المعروض عليه، حتى لو كان مبهم الاسم ليعرف فيما إذا كان نسويا أو رجاليا، ويفخر أن له قدرة تمييز الأدب النسوي عن غيره وبشكل لا يخطئ أبدا. وعن طريق المصادفة عثرت على مجموعة قصصية لإحدى الأديبات الشابات التي تنبئ بمستقبل واعد فطلبت، من أحد الأصدقاء في شارع المتنبي أن يصمم لي غلافا جديدا للمجموعة باسم "بسام صالح الطائي" ويضعه عليها بدل غلافها الأصلي، وأخذتها إلى صاحبي الناقد مدعيا أنها المحاولة الأولى لولدي الأوسط بسام، وأتمنى أن يكتب عنها دراسة نقدية جادة ومحايدة وخالية من المجاملات، على أن يسلمها لي لأعرضها على ولدي وآخذ موافقته على نشرها أولا، لكي لا يصدم، فيمتنع عن الكتابة، وفعلا جاءني بعد أربعة أيام يحمل دراسة نقدية من خمس صفحات، تناول فيها المجموعة المزيفة، مشيدا بالروح الذكورية التي تطغى عليها، وكيف استطاع ولدي تمجيد ملامح الذكورة وتوظيف قيم الرجولة، وجمال تلك الفحولة التي تمظهرت في مجموعته، مدعيا أن ذلك هو ما يميز الأدب الرجولي، وأن هذه المجموعة لو كتبت بيد فتاة لتحولت إلى كتلة من الميوعة والانحلال المغرق بالغنج والدلال الأنثوي الذي يطفئ وهج النص، ويفرغ عنتريته. فما كان مني إلا مواجهته بالحقيقة وبشهادة صاحبي الذي صمم الغلاف، وبعد أن عرضنا علية عدة نسخ من المجموعة الأصلية باسم كاتبتها، غضب منا وأرعد وأزبد ووجه لنا بعض اللعنات وابتعد عنا، وقاطعنا.

نعم أنا لا أنكر أن المرأة بطبيعتها ممكن أن تضفي على الكلمات الصماء المتحجرة بعضا من حزنها، فجيعتها، أنينها، وجع حريتها المسلوبة، بعضا من أنوثتها، رقتها، جمالها، خفة روحها، حيائها، وخجلها، فتبدو الكلمة أكثر عاطفة، وتوجعا، وتأوها، وشكوى، وترفا، ورقة، ونعومة؛ مما لو كتبها رجل، بل تبدو وكأنها فراشة ترقص حول الأضواء فترسم قوس قزح غير محدود الألوان بدخان جناحها الذي يحرقه الوهج. ولكن ذلك لا يعني أن هذا التشذيب أو التطبيع الجنسي أو الإسقاط الأنثوي يفقدها قيمتها، أو يحولها إلى مخلوق أسطوري خرافي، له جنس يختلف عن غيره، فهي الكلمات ذاتها التي يستخدمها الرجل، مرة بخشونة وتهتك ومجون وتبرج تترفع المرأة عن التكلم فيه؛ بحكم طبيعتها الشرقية، ومرة بحدة تجرح ويبوسة تُقرِح، وعبوس يقشعر منه البدن، وثالثة بترف ولطف وكأنه يدغدغ بها أذني وقلب ومشاعر محبوبته. ولكن أساطير الأوهام التي عششت في قلوب البعض تأبى أن تؤمن بهذه الحقيقة وتقاتل من أجل بقائها وديمومتها، وتختلق لذلك مصطلحات غريبة.

إن ولوج المصطلحات المصطنعة إلى دنيا الفكر يعرقل أحيانا الكثير من المسارات التي لو قيض لها أن تترك وشأنها على سجيتها وفطرتها؛ لكانت غير ما هي عليه اليوم، فمصطلحات مثل "الأدب النسوي" أو "الأدب الأنثوي" أو "الأدب النسائي" لا علاقة لها بخصائص المرأة البيولوجية بكل تأكيد، ولا تمثل وجهة نظر المرأة تجاه الأحداث، حتى لو آمنا باختلاف وجهات النظر جندريا. ولا دخل لها بطبيعة الخلق والنشأة، وهي لو لم تكن كذلك لما أخذت كل تلك المساحة من الحوار لدرجة أن المتخصصين لا زالوا عاجزين عن مجرد تقريب رؤاهم أو الخروج بمصطلح موحد فيه من الدلالات ما يغني عما سواه.!

أما إذا قصد بالمصطلح ما تنتجه المرأة، فحتى في مثل هذه الحالة لا يمكن أن نجد علاقة بين المصطلح ومحتوى ذلك الإنتاج ما دامت المرأة تكتب في كل ما يكتب فيه الرجل. أما الذين يرون في تلك المصطلحات إشارة إلى ما يكتب للمرأة، فالذين كتبوا للمرأة كانوا من الجنسين، وبالتالي لا علاقة للتسمية بالمسمى.! والغريب أن هناك من استخدم المصطلح للدلالة على المضمون أي مضمون المادة، بغض النظر عن جنس كاتبها، فكل مادة تتحدث عن المرأة وتكون المرأة محورها سواء كتبها رجل أو امرأة هي حسب فهمهم: أدب نسوي.

وأنا من خلال متابعتي المستمرة لم الحظ حدودا فاصلة بين الأدب الرجولي والأدب النسوي، فكلاهما أدب، كتب لغاية وهدف قد تكون مشتركة بين الاثنين وقد تهتم بأحدهما دون أن تهمل الآخر. أما السبب في ظهور هذه المصطلحات فهو بالتأكيد جاء رد فعل على تنامي أعداد النساء الأديبات بعد أن كن شبه مغيبات، فحتى وقت قريب كان الأدب مقصورا على الرجال، ولم تكن هناك فسحة للنساء ليشاركن الرجل في هذا المضمار، ثم لما جاء الانفتاح في بدايات القرن التاسع عشر بالنسبة للغرب وخمسينات القرن العشرين بالنسبة للشرق، ودخلت المرأة المجالات التي كانت محظورة عليها، ثم التنامي السريع لأعدادهن ودرجات وعيهن شكل علامة فارقة لفتت أنظار النقاد والدارسين والباحثين، فاستنبطت تلك المصطلحات.

والغريب أنها استرعت عناية النساء أكثر من الرجال، وكانت هناك بينهن من دافعت عن مصطلح الأدب النسوي بقوة، مثل منى حلمي التي دافعت عن المصطلح بشدة وبحثت في بداياته ومعانيه(2) ونازك الأعرجي التي تستخدم مصطلح: "نحن الكاتبات" وتدعوهن إلى التمسك به والعمل كفريق واحد(3)

إن المصطلح ما كان ليأخذ كل هذا الاهتمام لو بقي مجرد فكرة، ولكن تحوله إلى باب للتحيز يجعله بمثابة دعوة إلى التفريق بين الجنسين، فالناقدة نازك الأعرجي التي تبارك استخدام المصطلح لا تكتف بالمباركة فحسب، بل كانت عنيفة ضد الكاتبات اللواتي (احتقرن) أنوثتهن واخترن الانضمام إلى صف الرجل.. فهي لا تريد مهادنة بل تريد أن يكون للمرأة صوتا أنثويا لا يكفي للإفصاح عن جنسها وانبعاثها فحسب ولكن يكفي لإزعاج سلام الجنس الآخر، وإقلاق راحته والحد من هيمنته وغروره(4) فهذه الدعوة تنسف كل الآراء والأقوال حول المصطلح، وتدعو إلى إيقاع القطيعة مع الرجل، وبناء عالمين أحدهما ذكوري والآخر أنثوي، لكل منهما حدوده وثقافته.!

 

ما دعاني إلى كتابة هذه المقدمة الطويلة مجموعة قصصية أهدتها لي ووضعتها بين يدي الأديبة الناشئة السيدة "سهام الطيار" وهو العمل الأدبي الأول لها، لأفاجأ بمقدمة نقدية غاية في الروعة بقلم الأديب الكبير الروائي إسماعيل سكران رئيس الاتحاد العام للأدباء فرع واسط بعنوان "السرد النسوي في سأنتظرك" تحدث فيها عن "توظيف آليات السرد في منطقة اشتغال نسوية" لأعرف لأول مرة أن هناك مناطق اشتغال جندرية.!

وقد أكد الروائي سكران أن المجموعة لهذا السبب بالذات "استحقت أن تكون وبجدارة جزءً من الأدب النسوي العراقي" ليس لأن كاتبتها امرأة كما قد يخيل للبعض، لأن الأستاذ إسماعيل علل سبب عده المجموعة ضمن الأدب النسوي بأن "جميع القصص تميزت بلغتها الشاعرية وبنسيجها المشترك، الحب"(5) فوضع حاجزا بين الأدبين، وحدد صفات كل منهما، فجعل الرقة والشاعرية والحب في الأدب النسوي، وجعل نقائضها في أدب الذكور حتى وإن لم يقل ذلك. والغريب أنك تجد مثل هذا الرأي لدى الأستاذ إسماعيل بالرغم من أن اغلب رواياته تمتاز بالرقة والعذوبة.

وحينما رجعت إلى قصص المجموعة لم أجد ما يميزها عن النتاج الرجولي، ووجدتها محاولة جريئة لولوج عالم القصة الساحر بكل ما يحويه من مفاجئات وتحديات، ولو رفع اسم الأديبة عنها، ووضع بدلا عنه اسم رجل، لن تجد من ينجح في تشخيص، أو العثور على جين نسوي فيها.

إنها مجموعة قصص قصيرة ولدت من رحم المجتمع العراقي القلق الذي أتعبه الضجيج، فبات يبحث عن الراحة والأمان بين حنايا الكلمات، علها تنفس بعضا من غضبه الجامح، وتخفف عنه رعونة القدر.

قرأت المجموعة فلم أجد فيها دعوة إلى إنكار الذات النسوية وتمجيد الذكورة، كما لم أجد فيها سعيا إلى تمجيد ذات المرأة وتحقير ذات الرجل، بل وجدتها نفثات روح أضناها العبث الذي يتحكم بمصائر الأمة، ولم أجدها أكثر من كائن يحمل جينات شعب بكل نساءه ورجاله؛ عاش المعاناة على مر الأجيال.

"سأنتظرك" محاولة بسيطة، خطوة أولى على درب المعاناة والتعب اللذيذ، تخطوها الأديبة سهام الطيار بثقة كبيرة، ليس لأنها امرأة، وإنما لأنها إنسان عراقي يكتب عن نفسه، وهي وإن كانت تشكو بعض الهنات هنا وهناك إلا أنها توعد بولادة موهبة عراقية جديدة ستأخذ أبعادها الحقيقية إن قدر لها تسعى لذلك.

صدرت المجموعة القصصية "سأنتظرك" للأديبة سهام الطيار عن مطبعة الأندلس العراقية أوائل عام 2014 تزين غلافها صورة لمنظر مفتوح تغطي أرضه الحشائش القصيرة التي تشبه الثيل، وتشمخ فيه شجرة وحيدة، تقف بثبات رغم عصف الريح الشديد، وكأنها تعبر عن حالة الترقب التي يعيشها العراقيون.

 

......................

الهوامش

(1) دكترة كأقلمة وأسلمة: منحوتة من الدكتاتورية

(2) التلصص من ثقب الباب، ميسلون هادي، ص15

(3) التلصص من ثقب الباب، ميسلون هادي، ص13

(4) التلصص من ثقب الباب، ميسلون هادي، ص 23ـ24

(5) الكلام بين الأقواس مقتبس من المقدمة، ص1

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذنا الكريم ، شكرا لك على هذا المقال الجيد ورايك في جنسنة الأدب هو الصواب ، لاتجد فصل الأدب جنسيا إلا في المجتمعات التي تكرس للفصل بين الجنسين ، المجتمعات الذكورية والمتخلفة (وخلقناكم من نفس ٍ واحدةٍ) الغريب أن مفردة (نفس) مفردة مؤنثة( والنفسُ وما سوّاها)
أحييك مرة أخرى ودمت بخير.

عبد الفتاح المطلبي
This comment was minimized by the moderator on the site

فعلا فالموهبة والمشاعر لا تفرق بين ذكر وانثى

أميرة الورد السلطاني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2793 المصادف: 2014-04-29 11:31:40


Share on Myspace